عالم من الإبداع

 

    

آخر 15 موضوع
العاشقة المكابرة           »          حبة الضغط النحيسةْ           »          كم من الوقت انتظاراً ياخيالٌ           »          سأحدثكم عني.!           »          قصائد ومضة           »          لبيكَ لبْيكَ يارحمن           »          اليوم الوطني ذكرى للرقي           »          ثرثرة / بلا قيود           »          (أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)           »          ماذا تقول لمن يخطر على بالك الآن..؟           »          بين أحضان العيد           »          شهرُ الغفران والقرب من الرحمن           »          تجربة الفراق __ وهاب شريف __ العراق           »          ياليل ياطولك           »          تدثيرة شتوية



حصريات المنتدى

                                            

العودة   شبكة قامات الثقافية > قامات الفكرية الثقافية > اقرأ

موضوع مغلق
قديم 07-05-2006, 08:12 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : اقرأ
افتراضي المجتمع المدني و الدولة السياسية في الوطن العربي / توفيق المديني

.





المجتمع المدني
و
الدولة السياسية في الوطن العربي









توفيق المديني







.












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 08:14 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

مقدمة





يشكل التراث الفلسفي والسياسي للفكر الليبرالي الكلاسيكي الغربي، والفكر الماركسي سواء بسواء، سلسلة متصلة من الحلقات بعضها ببعض، على مستوى الفكر الإنساني، على الرغم مما قد تجد بينهما من تناقضات ومفارقات غاية في الجذرية والعمق، السلطة المرجعية المعرفية والنظرية والايديولوجية والثقافية، في تعريف ومفهوم المجتمع المدني بالمعني الحديث، عبر المراحل والمحطات، التي قطعها في سيرورة تطوره، وفي ارتباطه بأشكال وصور الدولة السياسية الحديثة.‏

وليس من فيلسوف أو مفكر سياسي مهما اسبغ على المجتمع المدني من مفهوم وتعريف مجددين يستطيع أن يكون خارج هذا الإطار المرجعي الكلاسيكي الغربي، منذ بداية عصر النهضة الأوروبية 1450- 1600، وامتداداً إلي عصر هيغل وماركس وغرامشي. ولقد أيقظت دراسة المجتمع المدني وعي الفلاسفة المختصين، والمفكرين السياسيين، من أجل بلورة المكونات المعرفية والنظرية، والايديلوجية الواضحة عنه، الأمر الذي جعل هذا المجتمع المدني، موضعاً لصراعات ايديولوجية، في سيرورة تطور المجتمع الغربي الحديث، حيث أصبح المجتمع الرأسمالي أو الصناعي التعبير التاريخي عنه بين مختلف المدارس الفكرية، سواء داخل النظرية الليبرالية بكل تفرعاتها، بداية من عصر النهضة والأنوار، باعتبارها التعبير التاريخي العام الفلسفي الايديولوجي والسياسي والاجتماعي عن المجتمع والدولة في العالم الرأسمالي الحديث والمعاصر، أو بين الليبرالية، والمدرسة الماركسية الكلاسيكية، ولعصرنا هذا.‏

وفي هذا التصدي لدراسة العلاقة بين المجتمع المدني والدولة السياسية وجوهر هذا التناقض المزدوج الذي يحكمها، سواء في ظل سيادة الديمقراطية البرجوازية في الغرب، أو في ظل نماذج الاشتراكية المشيدة قبل انهيارها، يهمنا أن نبدأ بتحديد المفاهيم والمنطلقات الرئيسية المرتطبة بالمجتمع عامة، والمجتمع المدني خاصة. ونحن نميز جذرياً بين المجتمع المدني القديم، باعتباره ثمرة من ثمار تطور المجتمع الانساني لحظة انفصاله عن الطبيعة، والدخول في صراع معها، من أجل السيطرة عليها، وتكييفها لتلبية حاجاته الضرورية، وباعتبار أيضاً التمدن والمدنية، خاصية متأصلة في المجتمع الانتاجي، وسمة ضرورية، وواقع تاريخي من التطور البشري، وقيمة حضارية، وإنسانية نبيلة، متولدة عن الغاية العليا، التي يعمل الاجتماع البشري على تحقيقها، متجسدة في مجموع الأخلاق وطرائق السلوك الاجتماعي، والقيم عامة، شكلت حالة من حالات جدلية الثورة الكبرى، التي عرفها التاريخ البشري، والتي قوامها السير التطوري، الذي قطعه الإنسان بفضل العمل أولاً، والنطق واللغة بعده، ليحقق وثبة قوية إلى الأمام متمثلة في ظهور عنصر جديد، انبثق مع الإنسان، على حد قول أنجلز، ألا وهو المجتمع، أو المجتمع المؤنسن، وبين المجهود العقلاني العصري للتحرر الحديث، لتحقيق المجتمع المدني المنعتق سياسياً في مناطق متعددة من العالم، باعتباره صفة جوهرية تاريخية وكونية، من صفات المجتمعات الحية السائرة في دوائر ودوران التطور والتقدم، وإن اختلفت عمقها، وشموليتها، ومداها، واتجاهها، باختلاف الشعوب والأمم والعهود، وبصرف النظر عن "التعرجات"، و"الانتكاسات"، والارتدادات المحلية المؤقتة، الحاصلة هنا وهناك، في سير حركة التاريخ الجدلية.‏

ما زالت التحليلات العلمية النظرية والسياسية النقدية في مجال المجتمع العربي، ومسألة الواقع الاجتماعي والسياسي (الدولة) في الوطن العربية، في نهاية عقد الثمانيات، لم تحرز التقدم المطلوب لاجلاء الغموض والابهام، حول المفاهيم أو المقولات، وتاريخية المجتمع المدني في الوطن العربي، والوظائف السياسية والايديولوجية، التي تمارسها بعض التيارات العربية المتبنية والمستخدمة لمقولات المجتمع المدني- ضمن التغيرات الاجتماعية، وبالتالي السياسة والثقافية الايديولوجية، التي شكلت التاريخ العربي الحديث والمعاصر، وضمن عملية التوسع الرأسمالي على الصعيد العالمي، وقانون التطور اللامتكافىء الذي يحكم النظام الرأسمالي العالمي، وما افرازاه من همجية وبربرية غربية متسطلة على الشعوب والأمم المتأخرة تاريخياً، وما كرساه من واقع الظلم وعدم المساواة بين الأمم والقوميات- في إطار صراعها الفكري والثقافي، ضد القوى الاجتماعية والايديولوجية المحافظة والتقليدية المعيقة للتطور، والتي تقف كعقبة بنيوية في وجه مشروع التحرر والتقدم والوحدة، وبناء الديمقراطية والمجتمع المدني الحديث المتلازم مع انجاز الثورة القومية الديمقراطية، التي تكتسب مضموناً قومياً معادياً للامبريالية والصهيونية والرجعية العربية في آن معاً، وتقوم على كسر حلقة التبعية البنيوية، لوطننا العربي من أسارها، وقهر التأخر التاريخي العام والشامل، عبر التخطي الجدلي للحدود التاريخية لعالمية الرأسمالية، باعتبارها ضرورة موضوعية سياسية وتاريخية..‏

في خضم حمأة هذا العصر التقاني، الذي يشهد ثورة علمية وتكنولوجية عارمة، وثورة معرفية هائلة، أصبحتا تشكلان القوة المحركة والصانعة للانتاج ومؤسساته وتسويقه، وتحدثان ايقاعاً تغييرياً قوياً وشاملاً، لجهة بروز وتحول الأنظمة المعرفية في شتى فروعها إلى قوة الانتاج المادية في ظل سيطرة العولمة الرأسمالية، من دون أن تكون لهذه القفزات المتوالية في وتيرة القطائع المتواصلة والمتفاصلة في ميدان المعرفة و "مركنتاليتها المتواثبة"، وأثرها على صعيد تغيير الوجه المادي للعالم، ايديولوجيا تعبر عنها، أو أحزاب سياسية، وتيارات شعبية، ورأي عام يحركها. يقينا بأن هذا التغيير على صعيد قدره آلية هذه المعرفة تحقيق الانتاج المادي والاقتصادي والمجتمعي الشامل يلقب بثورة الحداثة البُعْدِية، التي أصبحت تطرح أسئلة فلسفية ذات طابع كوني، منخرطة تجاورياً ومحتكة مع نسق هذه الحداثة البعدية، حول صياغة نظرة جديدة كلياً إلى مصير الانسان والعالم والكون. وفي وسط حمأة هذا العصر، الذي يقوض ويدمر الأعمده والمعتقلات الطوعية والقسرية للايديولوجيات الشمولية، التي وصلت إلى مأزقها المحتوم، يعود جدل الشرعية/ المشروعية العلمية للمجتمع المدني، من حيث هي مجموعة الدساتير والقوانين والأنظمة المرعية، التي انبثقت منذ عصر النهضة الأوروبية وعصر التنوير، حين طرح المشروع الثقافي الغربي ما يسمى الآن بالحداثة السياسية، المعبر عنها بالديمقراطية وحقوق الانسان، إلى واجهة الأحداث السياسية، لكي يبلغ أقصى توتره في الشرق، مثلما في الغرب، وفي الأطراف لهما.. علماً بأن الديمقراطية الغربية في ظل هذه الحداثة، لم تكن هي النظام السياسي للحداثة، "ذلك أن النظام السياسي احتكره المركب الاقتصادي التقني منذ أو وقع الانفصام بين جناحي حداثة التنوير بين الاقتصاد الثقافي من ناحيه، والثقافي من ناحية أخرى، وظلت الحداثة غالباً بدون سلطه سياسية حاكمة، واتخذت موقع المعارضة في معظم مفاصل التاريخ الغربي الحديث، لكن النظام السياسي لم يتنازل عن ادعاءاته الحداثوية.. ولذلك عانى النظام السياسي في المشروع الغربي طيلة تقلباته العنيفة الكبرى، من افتقاره لمواقعية الشرعية وافتقاده لمرجعيتها.‏

وكان من شأن هذا الوضع المتناقض دائماً أن تجلس المشروعية في موضع السيادة الدولتيه وتظل الحداثة مشردة في أروقة الحنين المجتمعي للأصول الضائعة، لا تجد في صولجانات التقدم، الموضوعة في كل حيز سلطوي إلا شبحاً مستعاراً عنهما"(1).‏

إذا المشروعية للمجتمع المدني في الغرب، الذي أفرزه المشروع الثقافي الغربي، والحداثة السياسية الناجمة عن انجاز الثورة الديمقراطية البرجوازية، استطاعت أن تتحرر من أحبول المجتمع القدسوي الديني القروسطي، حيث أن مؤسساته كانت مبنية على أساس المشروعية الكنسية، باعتبار أن الكنيسة كانت تحتل مواقعية الشرعية والمشروعية في آن معاً. وعلاوة على ذلك، فان المجتمع المدني في الغرب استطاع أن يبني مؤسساته، وأن يكون لنفسه مشروعيته القائمة على الجسم القانوني والاجرائي، وفي الوقت عينه أن يقيم حداً فاصلاً بين مرتبه معينه من الشرعية، وأخرى للمشروعية، ساعده في ذلك الصراع العنيف بين قوى التغيير الراديكاليه، التي تمثل القوى المنتجة الجديدة، وبين القوى المحافظة والاستبدادية، فضلاً عن التحولات التي أفرزتها الثورة الصناعية، والتطور الاقتصادي والتكنولوجي على صعيد تطور القوى المنتجة بوتائرها المتسارعة، وأثرهما في تبديد الحاله المزدوجة بين الشرعية والمشروعية، باعتبارها "عملية زمنية خالصة، وتقع داخل التحولات المجتمعية ذاتها".‏

أما على الصعيد العربي، فان المجتمع العربي يعتبر مجتمعاً قبل صناعي. ومن هذا المنظور فالمشروعية العلمية للمجتمع المدني ما زالت مسيطرة عليها قواعد ومؤسسات موروث المشروعية القدسية الدينية، التي تشكل عائقاً بنيوياً في العبور من الشأن العام إلى الشأن الخاص، فضلاً عن أنها تشكل نمطاً ونظاماً متكاملاً من العادات والقيم والقوانين، والأخلاق، والسلوك، وتحدد العلاقات بين الأفراد والمجتمع، التي تكلست على مر الزمان، والتي تبحث عن حمايتها داخل قوالب طقوس هذه المشروعية، في ظل الحداثة المستلبة نصف عصرية، ونصف دينية، السائدة عربياً. ولما كانت البنية الاقتصادية والاجتماعية العربية، تعطينا صورة واضحة عن الاستحالة التاريخية للمشروع البرجوازي القومي، بحكم أن الطبقة البرجوازية العربية الحاكمة ليست بطبقة اقتصادية، ولا هي بمنتجة، بل هي من نمط طبقة كمبرادورية، مندمجة كلياً في النظام الرأسمالي العالمي، ومتكيفة مع متقضيات وآليات وشروط توسعه عالمياً، عبر تجسيدها سياسة الانفتاح الاقتصادي، ونمط الاستهلاك الغربي، والرجعية السياسية، والتبعية الكاملة للمصالح الامريكية في الوطن العربي، فان المجتمع المدني لا يزال طفلاً رضيعاً، يحبو على أرض غير أرضه، وتحتك قواعد ومؤسساته الناشئة مع قواعد ومؤسسات المشروعية القدسوية الدينية، المتكلسة في بنية المجتمع التقليدي المتأخر تاريخياً، والتي يحكم منطقها الداخلي، وتطبيقها العملي براديغم الطاعة الفقهي والسياسي، والتي تستثمرها الأنظمة السياسية ذات الطبيعة الشمولية، المدعية لوحدها بأنها تمتلك حق الاحتكار المطلق للسلطة، واحتكار الكلمة الشعبية، وفرض سلطانها السياسي المطلق، في ظل غياب الشرعية المدنية السياسية، والمجتمعية، والثقافية، للمجتمع المدني الحديث.‏

والحال هذه، فان المجتمع المدني العربي لا يزال ملتبساً مع المجتمع القدسوي، "يعجز عن تثبيت مواقعيته، دون أن ينهزم تماماً، والدليل أن المجتمع المدني لم يستطع أن يفرض نظام ترميزته الخاصة، وصار مضطراً، تحت وطأة تداخله مع اعادة انتاج النمط الاستبدادي، إلى التصالح والتعايش مع المجتمع القدسوي ذاته. أي أنه صار محتاجاً للاستنجاد بذات المشروعية السلفية القائمة، وأن تجعلها تشتغل في مواقعيته نفسها. وبذلك يقف شبه المجتمع المدني بهذا سداً، حاجزاً موضوعياً في وجه انبثاق الشرعية المدنية التي يستمد منها اسمه الخاص"(2).‏

إن المشروعية العلمية للمجتمع المدني على الصعيد العربي ملتبسة ومستعارة من المشروعية العلمية للمجتمع المدني في الغرب، الذي تجسده الدولة البرجوازية الحديثة والمعاصرة. وإذا كان تطبيق هذه المشروعية العلمية على المجتمع المدني في الغرب الكلاسيكية المعروفة، بما تمثله من مقولات، وقيم، واجراءات قانونية تعبر عن العلاقات السائدة في هذا المجتمع البرجوازي، وتجسد انطباق التحليل العلمي على موضوعه، الذي لا يتمضن الخطأ، بحكم أن التشكيله الاقتصادية الاجتماعية الرأسمالية تخضع للقوانين الاجتماعية التي يقدمها لنا نظام الانتاج الرأسمالي، ومنقسمة في الوقت عينه إلى طبقات اجتماعية، حيث الوعي السياسي، والوعي المدني، مرتبطان أولاً وأساساً بالانتماء الطبقي، فان الأمر يختلف عند تطبيق هذه المشروعية العلمية على المجتمع العربي السابق على الرأسمالية، أو بالأحرى الذي يمر بمرحلة التطور نحو الرأسمالية التابعة والاستهلاكية في جوهرها. لأن التشكيله الاقتصادية الاجتماعية العربية، التي قاعدتها التخلف والتبعية ما زال مسيطراً عليها الانقسام العمودي من القبيلة والطائفة، والنقابات الحرفية والفرق الدينية والجماعات، ولم تنضج بعد سياسياً وايديولوجياً الانقسامات الطبقية الأفقية فيها، فضلاً عن أن هذه التشكيله ليست متحورة على ذاتها في سياق عملية نموها، لأنها ما زالت تفتقد المقومات الذاتية لذلك، وحيث أن الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فيها لم تطرح لنفسها كهدف لذاتها، وليس لها حضور ماثل للعيان من خلال المشروع الفكري والثقافي والسياسي النهضوي، الذي يعبر عنها.‏

وبسبب من هذا الفرق الجوهري بين المجتمع الرأسمالي الغربي وبين المجتمع العربي المتأخر تاريخياً، فان المشروعية العلمية للمجتمع المدني العربي، لا تعكس دائماً واقع الأساس الاقتصادي والاجتماعي والايديولوجي العربي، بل هي منقولة إليه من الخارج، لأن المشروعية العلمية للمجتمع المدني بلا تاريخ. ولذلك فهي ليست جزءاً من البنية الفوقية، وإنْ كانت هذه المشروعية العلمية لمفهوم المجتمع المدني تستمد شرعيتها عربياً من المشروعية السياسية. لأن المشروع القومي بمختلف مكوناته السياسية، والايديولوجية، الذي طرح قضية التحديث المادية، والعلمانية الخجولة، والاصلاح الجذري، في بنية المجتمع العربي التقليدية، لم يستطع أن يحقق عملية الانتقال نحو تأسيس حداثة حقيقية في الوطن العربي يكون عمادها، بناء دولة الحق والقانون، والمجتمع المدني الحديث، بل إنه على النقيض من هذا، قاد المشروع القومي إلى اعادة تشكيل البنى والعلاقات التقليدية والمتأخرة تاريخياً في المجتمع العربي، وتعزيزها باضفاء أشكال ومظاهر "مدنية" عليها، خصوصاً بعد انهياره وسقوطه التاريخي. ولأن الحداثة من حيث هي بنية كلية حضارية، ونمط فكري وسياسي وثقافي جديد، يحدد هوية المجتمع، والانتقال إلى بناء مجتمع مدني حديث في الوطن العربي، الذي يتطلب تحقيق القطيعة المعرفية والايبسيتمولوجية مع النظام المعرفي القديم، وأساليب التفكير التقليدية غير العلمية السائدة عربياً، وتأسيس نظام معرفي جديد، وبالتالي تبني أساليب تفكير جديدة، علمية، ونقدية، وجذرية.‏

إنه في ظل التحولات الكونية الكبيرة، التي يشهدها العالم مع انهيار الامبراطورية السوفياتية، وسقوط الأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، وثورة التكتلات الاقتصادية العملاقة على مستوى القارات، التي تشكل عنوان المرحلة الراهنة والقادمة، وظهور المبادرة الامبريالية الغربية التي تنشد "الديمقراطية" كمطلب امبريالي في صيغته الامريكية المركزة على حقوق الانسان، هذه "الديمقراطية، التي ظهرت في مظهر المنقذ للارادة الدولية، توظف الآن في اتجاه، الذي يخدم المصالح الامبريالية الامريكية، وكذلك بروز ظاهرة ما بعد الماركسية التي أصبحت ترى، أن تاريخ النضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان وأولوية الحريات الفردية على حساب العدالة الاجتماعية، يجب أن يحتل محوراً مركزياً في اطار التلاؤم بين بني المجتمع المدني الحديث والديمقراطية، باعتبارها تشكل مصداقية المشروعية السياسية لمفهوم المجتمع المدني، والحداثة، اللذين يتجسدان في الدولة الديمقراطية الحديثة والمعاصرة.‏

ثم إن النضال في سبيل بناء مجتمع مدني عربي حديث ومعاصر تقوم فيه مؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية واعلامية على قاعدة احترام حقوق الانسان وحرياته، وبناء فكر سياسي عربي متأسس على الديمقراطية في بنيته السياسية الداخلية، أصبحا يشكلان قفزة كيفية على صعيد الفكر السياسي العربي الثوري والنقدي، وبخاصة لدى الاتجاهات الايديولوجية والسياسية القومية الديمقراطية والتقدمية، التي تطرح قضية النضال في سبيل تحقيق المشروع القومي الديمقراطي الهادف إلى تغيير الوطن العربي تغييراً راديكالياً، لجهة بناء الديمقراطية، وتحقيق الحرية، والمساواة، والمشاركة السياسية للشعب، كما تفرضه العملية التاريخية، باعتبار ذلك من المستلزمات الأساسية لتحرير الأمة العربية من التأخر التاريخي البنيوي، الذي تعاني منه، من أجل تكسير المجرى المضاد لجدلية النهضة والسقوط ذات الخصوصية القطرية، لبعض المحاولات لتشييد أشكال جديدة من التقدم العربية من المنطقي والتاريخي، إن الفكر السياسي العربي المعاصر مدعو، وهو يتبنى المنهج العلمي، أي المنهج الجدلي المادي والتاريخي القائم على وحدة المنطق، ونظرية المعرفة، والجدل، أن يتحرر من آثار الدوغمائية الايديولوجية في اطار وحدة العقل والتناقض، من دون المساس بالقيمة العلمية والمحتوى المعرفي للمنهج الجدلي. وهو وحده القادر على التحرر من بنية العقل السياسي العربية المهزومة، والتي تحمل من الميثولوجيا، والأصولية، والقدرية، والقدسية، ما يشكل عائقاً بنيوياً معرفياً ايبستيمولوجيا في عملية تحرره، من الصناميات، والأوهام، والممنوعات والقيود، التي تشكل الأساس الايديولوجي والسياسي، والثقافي، للايديولوجية العربية المعاصرة، التمويهية، والمصابة بالانغلاق والتحجر، والجمود، وموت الحس النقدي الجذري فيها، والتي أحلت الايديولوجيا محل العلم، واستبعدت الاستفادة القصوى من الفروع الجديدة للثورة المعرفية، وحرمت بعض من مذاهبها، وقامت بالحجر على حرية العقل وصولاً إلى أخصائه، وتكريس الجهل المعرفي والثقافي والسياسي بالمذاهب المعرفية والايديولوجية والثقافية الأخرى، وسدت قنوات الاتصال والحوار الفكري والثقافي معها.‏

وعليه فان وحدة المنطقي والتاريخي، من وجهة نظر الفكر السياسي العربي المعاصر هي نواة الجدل المادي الثوري، تشكل في الوقت عينه المبدأ الأساسي للمنهج العلمي، ومنظومة مقولاته النظرية والسياسية، في صيرورة تطبيقاته على الواقع التاريخي العربي. ومما لا شك فيه أن هذا المنهج مطالب اليوم أن يحتل موقعاً مركزياً ومحورياً في بنية الفكر السياسي العربي المعاصر، وفي حقل الصراع الايديولوجي، ويرفض أن يكون تجريبياً أو وضعياً، أو ذرائعياً، وهو ليس مجرد "تطبيق خلاق" لمقولات وحقائق المادية التاريخية، على الرغم من سيطرة تأييد الرؤية الكلاسيكية الجاهزة للماركسية في مجال الدراسات النظرية والسياسية والأوضاع الانتقالية المتحولة الجارية داخل التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية العربية. والمنهج النظري، الذي ننشده، هو الذي يتخذ من الجدل ركيزة أساس في بنيانه الداخلي، ومن المشروع القومي الديمقراطي النهضوي، أي تأسيس فكر نهضوي معرفي، وثقافي، وسياسي نضالي، دعامة ثابتة رئيسة في بنية المجتمع العربي من أجل كشف وفهم جوهر القوانين النوعية الخاصة، التي تحكم ضرورة التحولات التاريخية في الوطن العربي، وخصائص الثورة فيه. وهذا المنهج لا يجرد الواقع العربي الاقتصادي والاجتماعية والسياسي إلى مقولات رياضية، ولا يعمم أجوبته النسبية، إلى مطلقات شمولية في مجال السياسة، كما هو الحال عند معظم القوى السياسية العربية. إنه يستفيد من التحولات التاريخية المهمة، التي يشهدها العالم بما يجعله يفسح في المجال للثورة العلمية والتكنولوجية، وللثورة المعرفية الجديدة، في ميادين علوم العصر الطبيعية وعلم الاجتماع من المدارس البنيوية، والانتروبولوجيا، والسوسيولوجيا الثقافية الفرنسية، والانكلوسكسونية المزدهرة في الولايات المتحدة، من أجل توظيفها الضروري لصقل العقل السياسي العربي في هذا العصر التقاني، ولكي ينتج فكراً حياً متحركاً بقواه الذاتية المبدعة، وانطلاقاً من تحليله ونقده الجدلي الموضوعي للمعضلات المتورطه بنيوياً في قلب المجتمع العربي، كحركة سوسيوثقافية دينامكية التفاعل مع بقية عناصر الوجود السياسي، وتحقيق برنامج فكري سياسي محدد يستخلص القوانين الاجتماعية والسياسية في موضوع مشروع النهضة العربية، ويبتدع مقولات نظرية بشأن تثوير النضهة، والاستمرار في انجاز المشروع القومي الدميقراطي العربي، بما يمكن القوى القومية الديمقراطية الثورية من رسم استراتيجية ثورية، تضع حركة النهضة العربية في اطار واقعها التاريخي، وتحديد مقوماتها الاجتماعية وحركتها الثقافية الفكرية والسياسية الثورية.‏

وإذا كان الفكر السياسي العربي المعاصر لم يرتق بعد إلى مستوى انتاج علم سياسي قائم بذاته (بالمعنى الأكاديمي) أعني "نظاماً مفهومياً متمتعاً بقدر من التماسك والاستقرار الدلالي النظري"(3)، نظراً للأزمة البنيوية، التي يعاني منها الفكر العربي ذاته على صعيد البنيتين العقلية والايديولوجية، فان المعضلة النظرية الأساسية برؤيتها للعالم المعاصر، رؤية عالمية الآفاق، تكمن في انتاج المعرفة النظرية العلمية للقوانين الخاصة لتطور الواقع الاجتماعي والتاريخي العربي، باعتباره الموضوع الأساس لانتاج فكر سياسي عربي جذري وثوري، ومستقل تاريخياً، ومتحرر عن السلطات المرجعية الفكرية المتنافرة (التوافق بين الأعداء) الايديولوجية الرأسمالية الغربية والأصولية الاسلامية السلفية، والتيارات القومية البرجوازية الشوفينية:" فبغير هذه المعرفة العلمية الضرورية لمنطلق التطور التاريخي في بنية اجتماعية محددة، تفقد الممارسة السياسية قاعدتها الأساسية، وبالتالي طابعها الثوري، فتتخبط حينئذ داخل منطق الفشل الثوري بين المغامرة والانتهازية"(4).‏

ومن هنا يبرز دور الفكر النظري في تحقيق منطق الاستقلال التاريخي للذات العربية، ولكن ضمن رؤية كونية، وعالمية الآفاق، ومتحررة في الوقت عينه من سلطة المرجعية، أو النموذج السلف. ويزيد هذه المهمة الأساسية المطروحة على الفكر السياسي العربي الحاحاً، هذه الدراسة التحليلية لواقع المجتمع المدني العربي في اطار تلازمه مع انجاز المشروع القومي الديمقراطي، حيث يمارس الفكر النظري تدخله المباشر، ضمن سياق العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع الاجتماعي التاريخي، وفي اطار اشتباكه النظري مع المعضلات والأسئلة، التي يطرحها الواقع العربي الراهن، والتي تستهدف التوصل إلى قراءة نظرية تركيبية، يتداخل فيها النقدى الايديولوجي مع الخيارات المنهجية، ولكنها متخطية في الوقت عينه، ومتحرره من نزعة تحزيب الأفكار، أو القراءة السياسوية، حتى وإن كانت تقع في مدار الموضوعات السياسية العربية الراهنة. ولأن "الفكرة السياسية تشكل الإطار النظري العام، الذي يعمل الفكر العربي المعاصر ويتحرك في دائرته، وذلك أياً كانت الموضوعات التي تناولها، سواء تعلق الأمر بالاستعمار أم بالتحرر، بالتجزئة، أم بالوحدة بالظلم أم بالعدل، بالاستبداد أم بالديمقراطية، بالتقدم أم بالتخلف"(5).‏

ولأن الفكر العربي الثوري يتحرك دوماً بين قطبين رئيسيين القطب النظري والقطب السياسي، فان هيمنة المسألة السياسية فيه، أي قيامه على اشكالية صريحة الطابع السياسي حتى في ثوريتها النظرية الخارجية، ينزع بالضرورة إلى عملية التسييس هذه، باعتبارها ممارسة ثورية للصراع الايديولوجي، وبالتالي للصراع الطبقي والقومي، ضد الآثار المتساقطة من الممارسة السياسية للطبقة البرجوازية المسيطرة، الكمبرادوية والهجينة في تكوينها الطبقي، والعاجزة سياسياً وتاريخياً عن انجاز مهمات البرجوازية الكلاسيكية، والمدارس الايديولوجية، التي تطمس جوهر وحقيقة الصراع الطبقي والقومي. فالتمييز بين القطب النظري والقطب السياسي ضرورة ملحة، لأن الممارسة النظرية تسهم في انتاج فكر علمي، تحدد وتنير الممارسة السياسية الثورية، وهي شرط مطلق لتحرير مشروع ثقافي وسياسي نهضوي قومي ديمقراطي، يطرح قضية الثورة السياسية وبناء مجتمع مدني حديث وعصري ديمقراطي بديل، كما أن القفزة البنيوية الثورية، لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق الممارسة السياسية للخيار التاريخي النهضوي.‏

ويظل التنازع النظري بين المسألة السياسية الضاغطة بحجم وجودها، وثقلها، في الخطاب العربي وبين الفكر العربي المعاصر قائماً، لأن السياسة في طبيعتها الأصلية، وهي تبحث عن التغيير، تخدم المصلحة طبقية كانت أم حزبية، بصرف النظر عن المشروع السياسي المنضوية في سيرورته، قد لا تستمد معاييرها من الحقيقة الموضوعية، في حين أن الفكر باستخدامه العقل العلمي والفلسفي، هو الذي ينتج التصورات الصحيحة والرؤى العلمية عن حقائق التاريخ الاجتماعي، وعلاقاتها.‏

فهيمنة المسألة السياسية على الفكر العربي، بادعائها أنها تحتكر الحقيقة العلمية للتاريخ الاجتماعي، وباستمالتها الفكر، واستخدامه، وأحياناً في جعله رهن الاعتقال، وتدجينه، وحتى التنكيل به، يجعل الفكر العربي متناقضاً ولا يسوده الانسجام والوحدة في بناه النظرية والمعرفية، لأن موضوعاته واشكالياته أتت في ظروف تاريخية، أو تحت وطأة الضغوطات السياسية، والايديولوجية، ويظل عاجزاً عن انتاج معرفه نظرية ابداعية ومتحررة.‏

ومن هنا تتطلب حركة العقلنة في السياسة أن يتحرر الفكر من آثار الحدود والقيود، التي ترسمها له السياسة بمعناها السطحي والسياسوي.‏

وهو بذلك يصبح فكراً تاريخياً مطابقاً، ويحقق انتصاراً داخل السياسة عينها، بما يترتب على العقلية السياسية أن تتعاطى مع الواقع الاجتماعي التاريخي الذي تتفاعل معه، انطلاقاً من الحقائق العلمية، والمعطيات النظرية التي ينتجها الفكر العربي لكي يتسنى لها استخدام المعركة النظرية لخدمة المشروع القومي الديمقراطي النهضوي.‏

الهوامش :‏

(1) مطاع صفدي - مقال كلام الحرة في مأزق الشرعية / المشروعية. مجلة الفكر العربي المعاصر رقم 72- 73 كانون ثاني - شباط 1990 (ص11).‏

(2) - المصدر السابق (ص14).‏

(3) - عبد الاله بلقزيز - النص والمرجعية - جريدة السفير 25/5/1989.‏

(4) - مهدي عامل مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني -دار الفارابي - الطبعة الخاسة (ص33).‏

(5) - سعيد بن سعيد - المفاهيم السياسية في التداول العربي المعاصر - ملاحظات منهجية - المستقبل العربي السنة 9 عدد 92 تشرين أول أكتوبر - 1986 (ص7).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 08:17 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

القسم الأول

الفصل الأول: :الفرد والمجتمع‏






كلمة مجتمع مشتقة من فعل جمع يجمع، واصطلاح المجتمع هو مكان الاجتماع، وفي قاموس محيط المحيط، يورد معنى المجتمع كهيئة اجتماعية، هي الحالة الحاصلة من اجتماع قوم لهم صوالح يشتركون فيها(1).‏

لما كانت طبيعة الإنسان اجتماعية ومدنية بالقوة، نظراً لتميزه النوعي عن جميع الكائنات الحية، بعقله، ووعيه وقدرته على التجريد والاستنتاج الذهني، وقدرته على التفكير والنطق اللغوي، ونقل الأفكار والمعاني والآراء عن طريق استخدام اللغة كوسيلة اتصال بين الناس بعضهم ببعض، وشعوره النفسي، وبالعقل والتعلم، فإنه من غير الممكن أن يعيش هذا الإنسان في معزل عن أخيه الإنسان. فالإنسان حيوان اجتماعي على حد قول أرسطو، والإنسان مدني بالطبع، كما قال ابن خلدون.‏

إذن المجتمع كيان جماعي من البشر، تقوم فيما بينهم أثناء عملية الإنتاج الإجتماعي لحياتهم شبكة كاملة من العلاقات المعينة، والتفاعلات الضرورية، علاقات مستقرة نسبياً وضرورية ومستقلة عن ارادتهم، هي علاقات الإنتاج، التي تطابق مستوى معين من تطور القوى الاجتماعية المنتجة، وشكل معين من التبادل والاستهلاك. ويشكل مجموع علاقات الانتاج هذه البنية الاقتصادية للمجتمع، التي تضم كل الحياة الزراعية والصناعية والتجارية، أي البنية التحتية، التي تقوم على أساسها بنية فوقية سياسية وحقوقية، وايديولوجية، مطابقة لها، لا بالمعنى الماركسي الايديولوجي الدوغمائي، الذي كشفت الحركة التاريخية عن حدوده، وعقمه، وسطحيته، وإنما وفق النظرة الديالكتيكية، التي قوامها، وحدة المنطق- الجدل- نظرية المعرفة، التي تقر بالاستقلالية الحقيقية، بصرف النظر عن مدى حجمها ونسبيتها، للبناء الفوقي عن البناء التحتي.‏

الاجتماع البشري، يستخدم الناس فيه أدوات العمل، التي لعبت، ولا زالت، وستظل تلعب أدواراً أساسية مختلفة عبر العصور في مستوى تطور الانتاج، لكي يخلقوا الشروط الضرورية الاجتماعية لمعيشتهم، داخل الوسط الاصطناعي الجديد، أو "الطبيعة الثانية"، أي المجتمع، حيث أن تغير طبيعتهم الاجتماعية هي التي حددت تاريخياً أسلوب إنتاج معيشتهم، في المتطلبات المادية، وفي المأكل والملبس، والسكن الخ... وهنا تكمن عبقرية ماركس وانجلز، بهذا الصدد، حين يبرهنان على أن الناس إذ يقومون بإنتاج الخيرات المادية، فإنهم بذلك ينتجون كل قطاع حياتهم ويجددون إنتاجه، أي أن الإنسان ذاته يتكون ككائن اجتماعي في الإنتاج، وأن أسلوب الإنتاج هو شكل معين لنشاط الأفراد المعيشي ونمط حياتهم المعين، وحسبنا إذا أردنا أن نعرف من هم الناس أن نعرف كيف ينتجون وكيف يحددون حياتهم، وبمساعدة أي أسلوب في الإنتاج(2).‏

المجتمع الإنساني يتقدم ويتطور على مر الزمن بفضل نشاط الناس الواعي الهادف، الفعال، الموجه لتكييف الطبيعة وفق حاجات الإنسان، وبفضل التراث المكتسب عبر التاريخ البشري، على نقيض المجتمعات الحيوانية، التي وإنْ احتوت على نظم اجتماعية، ويوجد بينها إدراك متبادل قد يكون واضحاً أو غامضاً إلى هذا الحد أو ذاك، ويتوفر عندهم تقسيم عمل، وتقوم بأنشطة متعددة ومتكاملة، من أجل توفير الأكل، فإن هذه المجتمعات الحيوانية لا تذهب إلى أكثر من استخدام الطبيعة الخارجية، وإحداث تغيرات فيها لمجرد استمرار وجودها، تسيطر عليها في ذلك، نزعتي الفطرة والغريزة، لهذا السبب كانت دائماً جامدة غير قابلة للتقدم، لأن تطورها خاضع لقوانين بيولوجية، على عكس تطور وتقدم الاجتماع البشري، الخاضع بدوره لقوانين اجتماعية.‏

أولاً: المجتمع كيان بشري يرتبط الأفراد فيه بعضهم ببعض، في كل أعمالهم وتصرفاتهم الفردية أو الجماعية، وفي فضائهم العائلي، بعلاقات متعددة ومتنوعة، علاقات تعاون أو تنافس، أو صراع، او خليط منها جميعاً، علاقات خاضعة إلى التغيير الاجتماعي، شأنها شأن الأفراد، وكذلك الظواهر الاجتماعية، والنظم الاجتماعية، القابلة للتبدل والتغيير، والاختلاف، والتعدد، باختلاف طبيعة وماهية الشعوب والأمم، والمجتمعات، والدول، وباختلاف وتغيير العصور. ويزيد من التفاعل فيما بين الأفراد، توافر مقومات الكيان البشري، الذي ينطوي على العمل، والانتاج، واللغة المشتركة، والقدرة على الوصول إلى أعلى الاكتشافات العلمية والتقنية، والسيطرة على الهيئة الطبيعية، واخضاعها وتطويعها في كثير من الأحيان لمشيئة الإنسان، والتزود بالروابط النفسية، والخصائص المشتركة، التي تعتبر عاملاً أساساً في تكوين الكيان البشري.‏

لقد ذهب ماكس فيبر في تحديده للجماعة الاجتماعية إلى القول، بأنها نسق من العلاقات الاجتماعية يترابط الأفراد فيه بوحدة من الشعور والإحساس العاطفي، وبوحدة المصالح، ويشتركون في ثقافة معينة تحدد لهم أدوارهم الاجتماعية والمستويات التي تميز أعضاءها عن غيرهم من الأعضاء. ويعد التفاعل الاجتماعي جزءاً أساسياً في حياة أفراد الجماعة. فإذا سأل سائل فرداً من هو؟ أجاب إجابة في صيغة جمعية كأن يقول مثلاً أنه طالب بمعهد العلوم الإجتماعية، أو أنه أصغر ثلاثة أخوة. وهكذا الفرد غيره في اعتباره عند حديثه عن نفسه (3).‏

إن المجتمع يتألف من الأفراد، ومن تعدد الجماعات، والطوائف الدينية، والطبقات، والشعوب، والأمم، والدول، المتباينة في مشاربها الداخلية فيه. ويملي قانون التباين، والاختلاف، والتعدد، والتمايز، والوحدة الصميمية للمتعارضات، عبر مراحل الوحدة والتنوع والتعارض والتناقض بين الأفراد، والجماعات، والطوائف، والطبقات، والشعوب، والأمم، والدول، في مقدارتهم، واستعدادهم، وثقافتهم، وتقاليدهم، وطقوسهم الدينية، وفلسفتهم للحياة أو العالم، بحكم فلسفته وحكمته الكليتين، نمطاً محدداً من الحياة بين هؤلاء البشر، ونمطاً من التفاعل بين أجزاء الكيان البشري، خاصة وأنه مهما اختلفت الكائنات البشرية، فإن هناك قالب واحد ليصبحوا أفراد جماعة، ذات طابع محدد في الحياة يهدفون إليه جميعاً رغم تباين واختلاف ميولهم الخاصة(4).‏

إن مقولة التفاعل الجدلي الشامل هي ضرورة مطلقة بين الأفراد، والجماعات، والطوائف، والطبقات، والشعوب، والأمم، والدول، باعتبار التفاعل هذا، جزء لا يتجزأ من علاقة واقعية موضوعياً، وجزء من علاقة شمولية وكونية، موجود في عالم الواقع الاجتماعي الفعلي، من حيث أنه الكلي الاجتماعي ذو الطابع الشمولي والكوني، الذي يتضمن القيمة اللامتناهية للخصوصية الإنسانية، في تمايزها النوعي بواسطة الفعل والعمل الموجه نحو الإنتاج، والمتجلي في صيغة اجتماعية كونية، بحسب الاسقاطات والنتائج الاجتماعية البعيدة لهذا العمل الانتاجي، الذي قاد إلى انقلابات جذرية في أنماط الإنتاج، التي وإنْ كانت تستهدف بلوغ نتائج العمل الفورية فقط، إلا أنَ ظهور الفائض من إنتاج الأرض قاد إلى تداعي الملكية المشاعية للأرض، وإلى ظهور الملكية الخاصة، وتقسيم السكان، أو أفراد الاجتماع البشري إلى طبقات مختلفة، ومن ثم إلى التناقض التناحري بين الطبقات المُسيطرة، والطبقات المضطهدة، السمة المميزة لكل المجتمعات الطبقية والشمولية. حيث أن كل تاريخ الإنسانية في طابعها الكوني والعالمي، هو تاريخ مجتمعات معينة بأسلوب إنتاج يعقب أحدها الآخر، ويمثل كل منه مرحلة معينة خاصة بنوعيتها في التطور الإنساني للمجتمع.‏

ثم إن التفاعل يبلور أسلوباً معيناً من الحياة، واستمراره بين هؤلاء البشر المتجاورين في المكان والزمان، الذين يقومون بأعمال مختلفة، ويسلكون مسالك متعددة في عملية النشاط الاجتماعي التاريخي، باختلاف التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية - باعتبارها المجتمع التاريخي- التي " تحوي في داخلها كل الظواهر الاجتماعية في وحدتها الضرورية، وتأثيرها المتبادل فيما بينها على أساس أسلوب الانتاج"(5) من مرحلة تاريخية معينة إلى أخرى، ويشتركون في القيام بوظائف عديدة ومتنوعة فيما بينهم، ينتج عنه علاقات اجتماعية، اقتصادية وسياسية، وثقافية، وإنسانية، هي مواقف التفاعل، باعتبارها لحظات التطابق بين هوية المجتمع وفارقها، وتباينها. كما أنه ينتج عن استمرار التفاعل، والعلاقات بين البشر في مكان معين، وبمرور الزمن، ما يسمى بالنظم والمؤسسات الاجتماعية. وهي مجموعة من القواعد والآليات التي تنظم سلوك الأفراد، والجماعات، وهم بصدد اشباع حاجاتهم وخدمة مصالحهم وتحقيق أهدافهم(6).‏

إن العائلة، والجماعات القرابية، والجماعيات المزدهرة فني داخل الطبقات، وفي المجتمع الشامل، والنظام الاقتصادي، والدولة السياسية، هي التجليات الأكثر اتزاناً، وبذلك الأشد ديمومة للتكون الاجتماعي في عملية التفاعل الإنساني، التي تضمن في الوقت عينه "تجديد الكيان المجتمعي بشرياً من خلال التوالد والتكاثر وتعويض المجتمع عمن يفقدهم من أفراده بالوفاة أو الهجرة(7)، وهي التي تشكل وتيرة الحياة الاجتماعية لأفراد الكيان البشري، الذين يقيمون علاقات معينة، بهدف المحافظة على وجودهم، بواسطة الانتاج الاجتماعي، وإعادة إنتاج الكيان البشري الجماعي، وهي التي تسمح باستمرار بقاء المجتمع، وتجديده في إطار الزمان والمكان، من خلال القدرة على الخلق، والابتكار والإبداع، التي تحقق عملية النمو، والازدهار، والتقدم لهذا الكيان البشري.‏

ثانياً: إن الإنسان ككائن اجتماعي، يتكون ويتطور في عملية الانتاج الاجتماعي، بل إن العمل، كما يقول ماركس وأنجلز، وكما يُبرز ذلك تاريخ المجتمع الإنساني كله، باعتباره تاريخ العمل الإنساني، هو الذي يخلق الإنسان نفسه. ثم إن الإنتاج الاجتماعي كان، ولا يزال، وسيظل، أهم نشاط تاريخي للكيان البشري. فهو الذي رفع الإنسان من الحالة الحيوانية الى الحالة البشرية، أي إلى الحالة الاجتماعية، مثلما ارتفع به من الناحية البيولوجية. ويجدر بنا أن نلاحظ يوماً بعد يوم، أن التنظيم الواعي للإنتاج الاجتماعي، مع الإنتاج المبرمج، ولغة الكمبيوتر، وثورة الاتصالات والمعلوماتية، وثورة الفضاء، وثورة المعرفة، دشن عهداً تاريخياً جديداً، سيُحرز الناس فيه، ومعهم كل فروع نشاطهم نجاحات كبيرة، وسيغير الوجه المادي للعالم، بفضل التطور الهائل للقوى المنتجة، ولوسائل الإنتاج، وسيطغى تماماً على كل ما حققته البشرية من اكتشافات عظيمة حتى الآن.‏

إذن، والحال هذه، المجتمع هو مجتمع العمل والإنتاج، ويظل الإنسان هو العنصر الأساس الحاسم في الإنتاج. إن مقولتي المجتمع والإنتاج في ترابطهما الجدلي، يشترطان أحدهما الآخر، وباعتبارهما موضوعاً للبحث من نوع خاص للمادية التاريخية، التي تدرس أهم الظواهر الاجتماعية الجوهرية في المجتمع عامة، مثل قوى الانتاج، وسائل الانتاج، التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، أسلوب الانتاج، توزيع السكان، الوعي الاجتماعي، الثقافة، الإنتاج الروحي، الطبقات والدولة السياسية الخ، فهما يشكلان مراكز عقدية في هذه الشبكة المعقدة من الظواهر الاجتماعية، وهما على درجات معينة من الفرز في معرفة الكون والعالم. ذلك أن الناس "عاجزين عن الإنتاج إن لم يكونوا متحدين، بصورة من الصور من أجل النشاط الجماعي والتعاون المتبادل في هذا النشاط(8). على أن العلاقة بين المجتمع والإنتاج، من حيث عناصرها وآلياتها وتطورها، علاقة محكومة جدلياً بمجموعة من المتغيرات. إن الإنتاج ملازم للمجتمع، في مراحل تطوره، الأمر الذي يُعْزى إلى الطابع الاجتماعي لعمل الناس. وتكمن أهميته ليس في إنتاج منتوجات اجتماعية (مادية وروحية، إنتاجية واستهلاكية، نظرية وثقافية وإيديولوجية)، وإنما في حركة وتطوير الانتاج الاجتماعي. وتلعب المتغيرات في القاعدة المادية الانتاجية عبر مسيرة جدل التفاعلات الضرورية والصراعات الاجتماعية الداخلية، تأثيراً مباشراً على العلاقة بين الانتاج والمجتمع. إن استمرار الانتاج، وتوسيعه، وتطويره، وتنويعه، وتجديده في اطار عملية الانتاج الاجتماعي، يتطلب تحسين أدوات العمل، وخلق أدوات ووسائل إنتاج جديدة، أكثر تطوراً، وتكنولوجيا جديدة، وتنظيماً تكنيكياً جيداً للانتاج، باعتباره الشرط المهم لتطوير القوى المنتجة، لأن التواصل في تطوير وتقدم القوى المنتجة، لا يستدعي بالضرورة إحداث تغيرات في علاقات الانتاج بفعل طبيعة ووظيفة علاقات الانتاج ذاتها. ذلك، "أن أسلوب الانتاج يتطور بفعل ملائمة علاقات الانتاج لقوى الانتاج في أعقاب تأثير العلاقات الانتاجية الجديدة الفعال المعاكس (باعتبارها هي التي تحدد تطور القوى المنتجة).وأن أسلوب الانتاج يستبدل بأسلوب آخر بفعل التناقض بين علاقات الانتاج القديمة وبين قوى الانتاج المتطورة. أو بتعبير آخر، إن قوى الانتاج تتطور عند وجود علاقات الانتاج الملائمة، وعلاقات الانتاج تتطور عند وجود تناقضات معينة بينها وبين قوى الإنتاج"(9).‏

إن الناس حين يدخلون في ممارسة نشاطهم الانتاجي المادي، يدخلون في علاقات اجتماعية وسياسية معينة، فضلاً عن أن هذا النشاط في المجتمع مرهون أيضاً بالظروف الموضوعية، التي تحدد امكانياته، وبمظاهر تطبيقه العملي داخل وسط الحياة الاجتماعية. ولأن "الوسط حيث تخلق القيم المادية، هوالوسط الرئيس لحياة المجتمع"(10). ولكن هناك الجانب الثاني من نشاط الناس، وهو الإنتاج الروحي، والنظري، المرتبط عضوياً بالإنتاج المادي. إنه إنتاج الأفكار، والنظريات الفلسفية والسياسية، والعلوم الطبيعية، والعلوم الدقيقة، والوعي الاجتماعي، والأيديولوجيات الطبقية، التي تنتج بفعل القوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي، في ظل بنية اجتماعية منقسمة إلى طبقات متناقضة في مصالحها. وهذا الإنتاج النظري والروحي، والفكري، والايديولوجي، والثقافي، يمثل نشاطات منتجة للناس في ميادين الحياة الاجتماعية الأخرى، مثل الثقافة، وميدان العلم، ومؤسسات الدولة، والأحزاب السياسية، ويخدم في الوقت عينه نشاط الناس الاجتماعي. والجدل المادي لا يضع الانتاج المادي في تناقض مع الإنتاج الروحي، والنظري، بل يدرسهما مرتبطين، معاً. وبما أن الناس هم الفاعلون والمنتجون في المجتمع، فإن وعيهم الاجتماعي ضروري لنشاطهم الاجتماعي في شتى مجالات الحياة الاجتماعية، كما هو ضروري لانتاجهم المادي. وعلينا أن نعي أنه من خلال العملية الانتاجية الفعلية للناس رؤية، كما يقول أنجلز تطور الانعكاسات والأصداء الأيديولوجية لهذا العملية الحياتية. وحتى التشكيلات الغامضة في دماغ الناس هي منتوجات ضرورية أيضاً، ضرب من تبخرات لعمليتهم الحياتية المادية التي يمكن اثباتها بصورة تجريبية، والتي ترتبط بمقدمات مادية. وعلى هذا النحو تفقد الأخلاق، والدين، والميتافزقياء، وسائر أنواع الأيديولوجية، وأشكال الوعي المتناسبة معها مظهر الاستقلال، وليس لها تاريخ، وليس لها تطور: فان الناس الذين يطورون إنتاجهم المادي، ومعاشرتهم المادية يغيرون كذلك مع واقعهم هذا تفكيرهم ومنتوجات تفكيرهم.‏

ليس الوعي هو الذي يحدد الحياة بل الحياة هي التي تحدد الوعي. وفي ظل طريقة البحث الأولى ينطلقون من الوعي كأنما الوعي فرد حي، وفي ظل الطريقة الثانية التي تتناسب مع الحياة الفعلية، ينطلقون من الأفراد الأحياء الفعليين حقاً وصدقاً، ولا يعتبرون الوعي إلا وعيهم(11).‏

الانتاج الروحي، والنظري، والايديولوجي، وبخاصة العلم باعتباره شكل المعرفة المنظمة للواقع، كان ولا يزال وسيظل له تأثير قوي على تطور الانتاج الاجتماعي، وتحسين انتاجية العمل، بصرف النظر كيف توظفه البرجوازية الاحتكارية العالمية في توطيد ركائز النظام الرأسمالي العالمي، المشروطة بمتطلبات الحفاظ على العلاقات الاستغلالية للشعوب والأمم المضطهدة من جانب رأس المال الاحتكاري العالمي، في تناقض كلي مع تراكم الثورة المعرفية عن الطبيعة والمجتمع، وفي تناقض جذري مع الثورة العلمية والتكنولوجية، التي توظف نتائجها الآن عكسياً لتقدم البشر، لابقاء سيطرة المراكز المتروبوليتية الرأسمالية على بلدان العالم الثالث، وتأبيد استغلالها ونهبها، هذا من ناحية، وهي من ناحية أخرى توظف لخدمة مصالح الاحتكارات الرأسمالية العملاقة الجشعة لتحقيق الأرباح الخيالية، وفي الاستخدام الامبريالي الرجعي المعادي للمجتمع البشري، وللعلم أيضاً، في مجال سباق التسلح النووي، وتلوث البيئة، والقيام بالحروب الامبريالية العدوانية، وعسكرة العلم، لكي يصبح صانع الإبادة والتدمير الهائل على سطح الكرة الأرضية.‏

لقد وصل العالم المعاصر في طوره الراهن، بفضل تطور الانتاج في شقيه المادي والفكري، في كليته العقلية، بصرف النظر عن قانون التطور غير المتكافىء، الذي يحكم تطور العالم، وعن التوسع اللامحدود للرأسمالية على صعيد كوني، إلى مرحلة أصبح فيها العلم على حد قول ماركس، محركاً رئيساً لتطور القوى المنتجة، وللصراع التنافسي بين الأمم والدول، بما أنه أصبح قوة روحية للإنتاج، بل قوة منتجة متطورة رئيسة، من دون أن يكون بذلك بديلاً عن القوى الاجتماعية المنتجة، ذات الصفة الموضوعية الثورية، المتمثلة في الطبقات الاجتماعية التقدمية، المُسْتَغَلَة والمُضْطَهَدَةَ، من جانب الامبريالية العالمية الهمجية والبربرية. نخلص إلى القول، أن المجتمع الحي السائر في طريق التطور والتقدم التاريخي، هو مجتمع العمل والانتاج، والعلم، على نقيض المجتمعات المتأخرة تاريخياً، والجامدة، التي تعيش مثل الحيوانات البليدة، خارج العملية الانتاجية الحقيقية، في شتى مظاهرها الزراعية، والصناعية، والفكرية، والمعرفية، والعلمية.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 08:19 PM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



ثالثاً: إن المجتمع جزء من العالم المادي، والعلاقات المتبادلة بين مختلف المجتمعات التاريخية، مرتبطة بشكل رئيس، بمستوى تطور القوى المنتجة لكل منها، وتقسيم العمل. ففي المجتمع، أي كانت المرحلة التاريخية المعنية التي يمر بها، يظهر مستوى تطور القوى المنتجة بمزيد من الوضوح في مستوى تطور تقسيم العمل عنده. وعرفت كل المجتمعات التاريخية سابقاً، والمعاصرة، أنماطاً متنوعة من تقسيم العمل، تمليها في ذلك حاجاتها الضرورية لتطوير أدوات العمل، وبخاصة مع ازدياد النمو الديمغرافي للسكان، وكثافتهم. و"كان أول تقسيم اجتماعي رئيس للعمل هو انفصال القبائل التي تربي الماشية عن تلك التي تقوم بأعمال الزراعة وفلاحة الأرض، مما أدى إلى رفع انتاجية العمل، وظهور منتجات جديدة(12). ولكن تقسيم العمل هذا، كان تطوره بطيئاً جداً، بسبب هيمنة شكل الملكية الأول، وهو الملكية القبلية، واستمرار توسع تقسيم العمل القائم في قلب العائلة، وانقسام المجتمع إلى عائلات، وجماعات منفردة معارضة لبعضها البعض. ومع بروز الشكل الثاني للملكية، وهو الملكية المشاعية القديمة، وملكية الدولة القديمة، التي تنبثق بصورة رئيسة بفضل توحيد بعض القبائل عن طريق الاتفاق أو عن طريق الفتح في مدينة واحدة، والتي تبقى العبودية في ظلها(13)، تطورت الملكية الخاصة للأموال غير المنقولة، وتطور معها تقسيم العمل الاجتماعي، خصوصاً مع ظهور التناقض بين المدينة والريف، والتناقضات بين المواطنين والعبيد داخل المجتمع العبودي، والتناقض بين الدول "التي تمثل مصالح المدن، وبعضها الآخر مصالح الريف". ومع ظهور المجتمع الاقطاعي والشكل الرئيس للملكية الاقطاعية السائدة فيه، والمتمثلة في تلك الأرض الاقطاعية + عمل الاقنان الملحق بها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى العمل الصناعي الحرفي الشخصي مع وجود الرأسمال الصغير السائد على عمل الصناعيين الحرفيين في المدينة، ظل تقسيم العمل ضعيفاً، باستثناء تقسيم العمل بين الأمراء، والنبلاء، ورجال الدين، والفلاحين في الريف، والمعلمين الصناعيين في المدن.‏

غير أن أكبر وأوسع تقسيم للعمل، عرفه المجتمع البشري، هو في عهد المجتمع البرجوازي، حين ظهرت مع بواكيره، تمركز التجارة، وطبقة تجار المدن، وانقسام بين الانتاج والتجارة، وتطور المانيفاكتورات، التي تجاوزت نظام الطوائف الحرفية، وكسرت الحدود بين المدن، والتي أفسحت في المجال لتطور الصناعة الكبيرة، وبالتالي لدخول مختلف الأمم الرأسمالية في مزاحمة بعضها بعضاً، وفي صراع تنافسي فيما بينها، بحثاً عن السيطرة على الأسواق الجديدة، والمواد الأولية، واستعمار البلدان المتأخرة تاريخياً، وخلق السوق العالمية، الخاضعة لسلطة قوة رأس المال الاحتكاري العالمي. وغني عن البيان أن هيمنة أسلوب الانتاج الرأسمالي، وبالتالي دخول الأفراد من مختلف المجتمعات سواء منها المتقدمة أو المتأخرة تاريخياً، في علاقة عملية مع هذا الانتاج الرأسمالي الشامل في الكرة الأرضية قاطبة، بشقيه المادي والروحي، قد أنشأ ما يسمى للمرة الأولى التاريخ العالمي. إن الصناعة الرأسمالية الكبيرة، وانفصال العمل التجاري عن العمل الصناعي لاحقاً، وانفصال المدينة عن الريف والتضاد بين مصالحهما، واعتباره أكبر تقسيم للعمل المادي والروحي في إطار الملكية الخاصة، حيث أن هذا التضاد، كما قال أنجلز "يعبر بأحدّ شكل عن خضوع الفرد لتقسيم العمل، ولنشاط معين مفروض عليه- وهو خضوع يحول أحدهم إلى حيوان مديني محدود، والآخر إلى حيوان ريفي محدود، ويولد يومياً التضاد بين مصالحهما"(14)، وهيمنة الطبقة البرجوازية المالكة لوسائل الانتاج على المجتمع، باعتبارها طبقة تمثل قوة المجتمع المادية السائدة، مثلما هي تمثل في الوقت عينه قوته الروحية السائدة، بما يعني ذلك، سيطرة ايديولوجيتها، وثقافتها، وفكرها، وفنها، كل هذا العوامل مجتمعه جعلت من الكيان البشري في شموليته وكونيته الذي يتضمن في صيرورة العمل البشري: العنصر الإنساني النوع والكوني، الوعي الإنساني الشمولي والكوني، والطابع الاجتماعي لعمل الإنسان الفردي باعتباره عملاً إنتاجياً وإجتماعياً- موجود بالقوة أو بالفعل، بالمعنى التاريخي العالمي.‏

لهذا كله، نقول أنه لا يمكن أن يوجد المجتمع المدني المتماثل مع نظام الانتاج الرأسمالي- الذي سنتحدث عنه في القسم الثاني إلا باعتباره وجوداً تاريخياً عالمياً، حيث أن وجود الأفراد التاريخي العالمي، أي تاريخ الإنسان النوع هذا مرتبط مباشرة بالتاريخ العالمي بوصفه سيرورة ديالكتيكية نحو وحدة العالم التناقضية، وتَجسْيداً لكونية الروح البشرية وكونيه العقل"، ولأن المجتمع المدني بكل المعاني الحديثة، تكون مع نشوء الرأسمالية وبالتالي مع نشوء البرجوازية الصاعدة، وهو كمقوله ملازمة لعصر الرأسمالية الصاعدة، وللإطار العالمي للإنتاج الرأسمالي، أو عالمية الرأسمالية، التي تتخذ من هذه الزاوية طابعاً ثورياً وتقدمياً، بالمقارنة مع النظام القديم الاقطاعي ينطوي هذا المجتمع المدني على بعد عالمي ملازم لبعده التاريخي. عِلْماً بأن هذه العالمية للمجتمع المدني والرأسمالية سواء بسواء مفهومه فهما جدلياً صَحيحاً، تتطلب رؤية ما يلي:‏

أولاً- قانون تفاوت النمو أو التطورغير المتكافىء، كقانون مطلق للرأسمالية، الذي يحدد بدوره الاختلاف في التطور بين مجتمعات مدنية متقدمه، ومجتمعات متأخرة تاريخياً، داخل العالم.‏

وثانياً- التناقض الملازم للرأسمالية، وهو التناقض بين الطابع الاجتماعي لعمل الإنسان، وبين التملك الخاص لوسائل الانتاج ونتاج العمل.‏

وثالثاً- عدم تماثل نتائج العالمية الرأسمالية في مختلف أجزاء النظام بحكم وجود الاستقطاب والتناقض بين المركز والأطراف، الذي يطرح ضرورة التخطي الجدلي للحدود التاريخية للرأسمالية وبالتالي ضرورة حل التناقض الجذري، بين المجتمع المدني المنعتق سياسياً والذي مثل خطوه تقدمية وثورية في حدود النظام الرأسمالي العالمي القائم، وبين الدولة السياسية المتمثلة لسيادة البرجوازية المالكة لوسائل الانتاج، أو المجتمع السياسي، التي أصبحت عائقاً تاريخياً بنيوياً أمام عملية التحرر الإنساني لهذا المجتمع المدني نفسه، ولبقية الأمم والشعوب في العالم الثالث في أفق خارج دائرة الرأسمالية، أي نحو بناء الاشتراكية بعمقها الديمقراطي والإنساني.‏

يقول أنجلز بصدد البعد العالمي التاريخي للمجتمع المدني، "أن شكل المعاشره (الشاملة) الذي تشترطه القوى المنتجة ويشترطها بدوره في جميع الدرجات التاريخية الموجودة حتى الآن هو المجتمع المدني، الذي تشكل العائلة البسيطة والعائلة المعقدة مقدمته وأساسه (...) ومن هنا يتبين أن هذا المجتمع المدني هو بؤرة حقيقية ومسرح حقيقي للتاريخ كلّه(15) أي التاريخ العالمي والكوني.‏

من بين الاسقاطات الرئيسية للتقسيم الاجتماعي للعمل، ولنمو علاقات التبادل بين الناس تعمق الفوارق والتباينات في المجتمع. والمقصود بالفوارق أو التباين الاجتماعي، كمفهوم سوسيولوجي أصبح مثار جدل لأهم المدارس الفكرية البرجوازية والماركسية، وخلافاتها النظرية والايديولوجيه هو "تنوع المجتمع إلى فئات وتكوينات مختلفه أفقياً، ومتراتبته عمودياً ورأسياً. التنوع الأفقي هو نتيجة مباشرة لتقسيم العمل، أما التراتب العمودي فهو نتيجة غير مباشرة لهذا التقسيم ولعوامل أخرى، منها هيكل القوة في المجتمع، ممثلاً بالنظام السياسي القائم في هذا المجتمع(16)، وينجم عن هذا التباين الاجتماعي انقسام الناس إلى طبقات اجتماعية، باعتبارها ظاهرة تاريخية ملازمة للمجتمعات الطبقية المتناقضة.‏

غير أن ظهور الطبقات مرتبط مباشرة بخلق المنطلقات الأساسية لظهورها، ومنها مستوى تطور القوى المنتجة، ونمو انتاجية العمل، وتقسيمه، الأمر الذي يقود إلى تقسيم المجتمع الواحد، وإلى ظهور التمايزات بين الطبقات والفئات الاجتماعية داخله. وإذا كانت الطبقات قد ظهرت مع أول تقسيم طبقي للمجتمع عرفه التاريخ البشري، فئه العبيد، فئة مالكي العبيد، إلا أن الأطروحة الماركسية حول ظهور الطبقات الاجتماعية بالمعنى الدقيق تؤكد أنها لم تظهر كعوالم اجتماعية تامة، وكإطارات للمعرفة تتصف غالباً بالتعقيد والتنوع والحدة إلا مع المجتمعات الرأسمالية.‏

وهناك العديد من التعريفات حول الطبقات الاجتماعية، بعضا يكون تعريفاً واسعاً ومرنا ويضم أكثر أشكالها التاريخية الملموسة وبعضها الآخر يعتمد معايير الدخل، ونمط الاستهلاك والمعايير السياسية والمؤسسية، بدرجة أولى الخ، كما هو شائع في مدارس علم الاجتماع الغربية، كالتعريف الذي يقول مثلاً أن المجتمع ينقسم إلى طبقات ثلاث "عليا، ومتوسطة، وكادحة"، أو عليا ومتوسطة ودنيا"، وإليكم الآن التعريف الذي يركز عليه ريمون آدون، وهي "أن الطبقات الاجتماعية هي تجمعات عليا ذات نطاق واسع، تمثل عوالم كبرى من التجمعات الخاصة، وهي عوالم تقدم وحدتها على النزوع نحو أداء وطبقه عليا، نحو بنيان مرصوص، ونحو مقاومة لاختراق المجتمع العام ونحو التمايز والتعاكس مع الطبقات الأخرى(17).‏

أما عند ماركس، فهو يعرف الطبقات الاجتماعية بعلاقتها بوسائل الانتاج، ويصفها في المجتمع الرأسمالي أو الصناعي كما هو واضح في مؤلفاته التاريخية إلى ثلاث: الطبقة البرجوازية، الطبقة البرجوازية الصغيرة، والطبقة البروليتارية "من دون أن يهمل أيضاً، أن داخل كل طبقة اجتماعية توجد فئات اجتماعية" على شكل أقسام Sections وشرائح داخل الطبقة الواحدة. فضلاً عن الكلام الآن عن "الطبقة التكنوبيروقراطية" الناشئة، كإحدى افرازات الثورة الصناعية الثالثة في الغرب الرأسمالي، أي الثورة العلمية والتكنولوجية. ويعرف لينين الطبقات الاجتماعية على النحو التالي: "إن الطبقات هي تسمية لفئات كبيرة من الناس تختلف بالمكان الذي تحتله تاريخياً في نظام معين للإنتاج الاجتماعي وبعلاقتها (التي تتعزز في أغلب الأحيان وتتشكل في القوانين) بوسائل الانتاج، وبدورها في التنظيم الاجتماعي للعمل، وبالتالي، بطرق الحصول على حصصها من الثورة الاجتماعية بل بمقدار هذه الحصص. والطبقات هي فئات من الناس يستولي بعضها على عمل البعض الآخر، وذلك لاختلاف الذي تحتله في قطاع معين من الاقتصاد الاجتماعي"(18).‏

أما نيكوس بولانتزاز (أحد رواد مدرسة الماركسيين المجددين)، فهو يحدد الطبقات تحديداً جدلياً وهيكلياً بثلاث محددات، هي المستوى الاقتصادي، المستوى الايديولوجي والمستوى السياسي.‏

على صعيد المجتمع العربي المعاصر، يصطدم أي باحث عربي كان أم أجنبي بعدة صعوبات مفاهيمية ومنهجية حين ينكب على دراسة الخريطة الطبقية، وتركيب الطبقات والهياكل الاجتماعية، والمراتب الطبقية في الوطن العربي. ذلك أن مسار عملية تطور المجتمع العربي، وبالتالي مسار تبلور الطبقات الاجتماعية، ليس هو بالضرورة متماثلاً مع المسار التاريخي الأوروبي الغربي، مثلما ليس في موضع قياس معياري له. نقول هذا الكلام، لأن معظم الدراسات في بحثها حول التصنيفات والتراتبات الطبقية في المجتمع العربي، هي في معظمها اسقاطات تعسفية لأشكال "النقل التكنولوجي" أو نماذج التصنيف الطبقي المستوردة، لمصطلحات ومفاهيم السلطة الموجعية الماركسية المركزية، التي أفرزها التطورالتاريخي الأوروبي، أي في إطار "الرؤية الكلاسيكية". في حين أن التبلور والتمايز الطبقي في المجتمع العربي مازالا يمران بمرحلة انتقالية غير مكتملة على جميع الصعد الاقتصادية والسياسية والايديولوجية، فضلاً عن أن الأوضاع القبلية، والطائفية، والعائلية والجهويه، ما زالت تضرب بجذورها التاريخية بعمق في خريطة الواقع الطبقي، والعلاقات الطبقية، والعلاقات الاجتماعية، في المجتمع العربي المعاصر.‏

إن التباين الاجتماعي يقود إلى انقسام المجتمع إلى طبقات، ويظل التراتب الطبقي أهم أحد أنواع هذا التباين الاجتماعي، ولكنه ليس هو الوحيد، فهناك أنواع أخرى من التباين كما هو الحال في مجتمعنا العربي مثل التنوع الطائفي أو التنوع القبلي، والتنوعي اللغوي، والتنوع الريفي الحضري- البدوي- وفي ظل الهيمنة الطبقية المالكة لوسائل الانتاج، والتوزيع غير العادل للثروة، على مختلف شرائح وفئات وطبقات المجتمع، فان ذلك عادة ما يصاحب تقسيم العمل والتباين الاجتماعي، والتراتب الطبقي توتر اجتماعي، وفي المجتمعات الأكثر تعقيداً قد يأخذ هذا التوتر صورة صراع طبقي سلمي أو عنيف"(19).‏

هوامش الفصل الأول:‏

(1)- بطرس البستاني- قاموس محيط المحيط- بيروت- مكتبة لبنان 1983 (ص123).‏

(2)- ماركس وأنجلز- المؤلفات- الجزء /3/ (ص19).‏

(3)-‏

Ritchie P. Lowry et Robert P. Rankin. Sociology social science and social concern (p58).‏

(4)- د. غريب سيد أحمد- المدخل إلى دراسة الجماعات الاجتماعية الاسكندرية- دار الكتب الجامعية 1973 (ص11).‏

(5)- ف كيللي وم- كوفالزون- المادية التاريخية- عربه من الروسية- أحمد داود- دار الجماهير الشعبية- دمشق 1983- (ص46).‏

(6)- الدكتور سعد الدين ابراهيم (منسق الدراسة ومحرر الكتاب) المجتمع والدولة في الوطن العربي- مركز دراسات الوحدة العربية- الطبعة الأولى- بيروت- تشرين الأول أكتوبر 1988 (ص38).‏

(7)- المصدر السابق- عينه (ص38).‏

(8)- ماركس وأنجلز- المؤلفات- الجزء6 (ص441).‏

(9)- ف. كيللي وم. كوفالزون- مرجع سابق (ص134).‏

(10)- ماركس وأنجلز- المؤلفات- الجزء3 (ص71).‏

(11)- ماركس وأنجلز- المجلد (ص71).‏

(12)- الدكتور محمود عبد الفضيل- التشكيلات الاجتماعية والتكوينات الطبقية في الوطن العربي مركز دراسات الوحدة العربية- شباط 1988 (ص16).‏

(13)- ماركس وأنجلز- المجلد /1/ (ص110).‏

(14)- ماركس وأنجلز- المجلد 1 (ص153).‏

(15) ماركس وأنجلز- المجلد /1/ (ص133).‏

(16)- الدكتور سعد الدين ابراهيم- مصدر سابق (ص40).‏

(17)- جورج غورفيتش- الأطر الاجتماعية للمعرفة- ترجمة د. خليل أحمد- المؤسسة الجامعية للدراسات (والنشر والتوزيع) الطبعة الأولى 1981 (ص124- 125).‏

(18)- ف. كيللي وم. كوفالزون- مصدر سابق (ص226).‏

(19)- الدكتور سعد الدين ابراهيم- مصدر سابق (ص40).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 08:23 PM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الثاني





تم ارساء الأسس والمكونات المعرفية والنظرية للمجتمع المدني في عصر النهضة الأوروبية وفلاسفة الأنوار. ذلك أن تاريخ مفهوم المجتمع المدني يعود إلى تطور الفكر السياسي الليبرالي على مدى القرنين السابع عشر والثامن عشر، المرتبط بالمذاهب الاجتماعية والاقتصادية، والذي بلور النظرية السياسية الليبراليه الكلاسيكية الغربية، منذ بداية انهيار "النظام القديم"، أي عهد انهيار الحكم المطلق وسلطان البابا الديني والدنيوي المتحكم في ملوك أوروبا باسم سلطة الكنيسة المسيحية، وبداية الهجوم الكاسح عبر الثورات على حكم الملوك، الذين يحكمون بمقتضى الحق الإلهي، الذي يبيح لهم بأن لا يحاسبوا عن سياستهم إلا أمام الله، وإلى بداية سلطان القانون الطبيعي، الذي يقر بحرية الفرد الإنسان باسم العقل والمنطق، فإلى سيادة الشعب، والسيادة القومية، وحقوق الإنسان، التي فجرتها الثورة البرجوازية الانكليزية، وتدعمت بشكل جذري قوى مع اندلاع الثورة البرجوازية الفرنسية، التي أصبحت منذ ذلك ثورة عالمية بالمعنى التاريخي والإنساني، تفصل بين العالم القديم والعالم الحديث والعصري، ودشنت عهداً جديداً في تاريخ الإنسانية جمعاء، بحكم ما أعلنته من حريات ومساواة قانونية وسياسية للإنسان الفرد.‏

إذن، فتاريخ المجتمع المدني، هو تاريخ التطور الجامح للفلسفة والايديولوجية البرجوازية ورؤيتها للعالم الجديد، فضلاً عن أنه تاريخ الإعداد الايديولوجي والسياسي، والثقافي للثورة البرجوازية حيث "كانت العناصر الأساسية للتصور البرجوازي للعالم قد بزغت في أوروبا الغربية قبل هذه الحقبة. فالمذهب الإنساني للقرون الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر كان قد حمل السمات المتطورة لعقلية وصبوات الطبقة الجديدة التي هي قيد التكون: البرجوازية ففي إطار المذهب الإنساني، عارض التصور الجديد العلماني للعالم الذي تقدم به المجتمع البرجوازي الوليد، عارض سلطة الكنيسة القوية في ظل الاقطاع بمبدأ حرية تفتح الشخصية الإنسانية، وأخلاق القرون الوسطى التقشفية الزهدية، بالتأكيد على حق التنعم بملذات الدنيا وإشباع مختلف الحاجات والأهواء"(1).‏

إن تطور مفهوم المجتمع المدني مرتبط عضوياً بتطور الفكر السياسي الليبرالي بمختلف مكوناته الفلسفية والسياسية، وكذلك نواحيه التطبيقية، التي مهدت لولاده المجتمع المدني الحديث والمعاصر، الذي يمثل أهم ما ورثته الإنسانية من عصر النهضة من مبادىء لا تزال تشع بروحها التحررية، السياسية والإنسانية إلى يومنا هذا. وهي أساس النظريات السياسية الحديثة في الحرية، بشقيها الإيجابي والسلبي، والمبادىء الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحقوق وواجبات المواطنة والسيادة للشعب الخ. إنها شتى الحقوق التي "جعلت حياة الإنسان جديرة بالحياة بما كسبه لا في ميادين السياسة فحسب بل في ميادين الاجتماع والاقتصاد والقانون، وساعد هذا الكسب في تقدم المدنية السريع واتساع نطاق الانتاج مدى أربعة قرون بما يفوق بمراحل ما سبق أن حصلت عليه البشرية من كسب عشرات القرون السالفة"(2).‏

أولاً- انحطاط النظام القديم والصعود المطرد للبرجوازية:‏

كان النظام القديم السائد في أوروبا حتى القرنين السابع عشر والثامن عشر، يجمع بين عناصر الحكم المطلق من النظام الاقطاعي البالي، وبين عناصر البنية البرجوازية الصاعدة. فالملكية المطلقة باعتبارها جزءاً من نظم القرون الوسطى، قبلت بمذهب الحكم الدستوري الاقطاعي، ودول المدن الحرة، التي تطورت في العصور الوسطى، وعصر النهضة، وشكلت حضارتها. وارتبط نمو الملكية المطلقة بنمو الملكية الدستورية الاقطاعية، وظهور شرعية العائلات المالكة المتنفذة في السلطة. وكان الحكم المطلق يستند إلى جبروت القساوسة وعبثهم، وطغيان البابا ونفوذه في بلاط الملوك والأمراء، باعتبار البابا يمثل سلطة مرجعية وزعامة روحية على مجتمع الدول المسيحية، وعلى سلطان الكنيسة الديني والقانوني، التي اعتمدت عليها الملكية المطلقة، حيث كانت الكنيسة شريكة للحكم الوطني.‏

ويقوم الحكم المطلق على نظرية الحق الإلهي للملوك، باعتبارها السلطة المرجعية الايديولوجية الدينية والسياسية، لتدعيم سلطانهم ومركزية حكمهم، في تناقض جذري مع القانون الطبيعي وحرية الإنسان.‏

وهكذا "فالملوك في رأى الذين كتبوا دفاعاً عن الحق الإلهي ومنهم الملك جيمس الأول أمير اسكتلندا والذي أصبح ملك أنجلترا فيما بعد ونشر كتابه بعنوان "القانون العقائدي للملكيات الحرة" سنة 1595 هؤلاء الملوك "صورة حية لله على الأرض"، ولا خيار للشعب في هذه الحالة"(3).‏

لقد أصبحت الملكية المطلقة النظام السياسي السائد للحكم في أوروبا مع بداية القرن السادس عشر. وكانت فرنسا هي النموذج الساطع لنمو سلطة الحكم المطلق على درجة عالية من المركزية في عهد لويس الرابع عشر.‏

واعتمدت نظرية حق الملوك الإلهي على الصراع بين الطوائف الدينية من أجل السلطة، ودفاعاً عن حق الملوك الذي لا يمس أو ينقص، وعلى نظام الحكم المطلق ضد النظام الدستوري، وتقر نظرية الحق الإلهي بأن الدين هو السلطة المرجعية للسلطة، وهو الذي يقرها. فسلطة الملك على وجه الأرض تضاهي سلطة الله في السماء، وما الملك إلا صورة الله الحية، ووكيله على الأرض. أما الشعب فما عليه الإذعان، والطاعة العمياء، والخضوع المطلق لراعي المصلحة العليا. ففي أيام "حكم هنري الرابع كان لويز وما يزال يعتبر الملك ضابطاً لدى الشعب، وفي الوقت نفسه ملازماً لدى الله. وفي عهد لويس الثالث عشر كان لوبريه أكثر وضوحاً: "ومن ذلك يمكن أن نستنتج أن ملوكنا يتلقون صولجانهم، إلا من الله وحده. فليسوا مجبرين أن يقدموا أي خضوع لأية سلطة على الأرض ويتمتعون بسائر الحقوق الممنوحة للسيادة، التامة المطلقة. فهم سادة في مملكتهم بالتمام والكمال"(4).‏

إن نظرية الحق الإلهي، أسهمت إسهاماً كبيراً في إضفاء صفة الحكم الإلهية على الملك، باعتباره حاكماً مطلقاً بهالة من القدسية والاحترام الديني، ويتمتع بكل السلطات، فضلاً عن سلطانه غير المحدود. ويمكن تلخيص أهم مرتكزات نظرية الحق الإلهي في الحكم، كما صاغها المؤرخ الفرنسي المعروف Bossuet.‏

أولاً- "إن هذه السلطة مقدسة، فالملوك هم خلفاء الله في الأرض وعن طريقهم يدير شؤون مملكته(...) ولذلك لم يكن العرش الملكي عرشاً ملكياً وكفى، بل كان ذلك العرش عرش الإله ذاته".‏

ثانياً- السلطة الملكية سلطة أبويه "إن الملوك يحلون محل الله الذي هو الأب الحقيقي للجنس البشري (...) وحيث كانت الفكرة التي يملكها عن القوة الأبوية (...) فقد كان الملوك على غرار صور الآباء .‏

ثالثاً- "فليس الملك أن يقدم تبرير لما يأمر به (...) إذ بغير هذه السلطة المطلقة يكون عاجزاً عن فعل الخير وعن المعاقبة على الشر. وينبغي لسلطته أن تكون من القوة بحيث أنه ليس لأحد أن يأمل في الإفلات من قبضته".‏

رابعاً- وتتعلق بطاعة الرعية العمياء، وليس لتلك الرعية "أن تعترض على عنف الأمراء إلا متى كان الاعتراض في شكاوى ملؤها الاحترام والتعظيم من غير فتنة ولا شغب، وفي دعوات صالحة لهم بالمرشد والهداية الملكية"(5).‏

إن نظرية الحق الإلهي للملك، تبلورت في خضم الحروب الدينية، والطائفية، التي عرفتها أوروبا في نهاية القرون الوسطى. وكان الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت، هو الوجه البارز لهذه الحروب الأهلية ذات الطابع الديني، خصوصاً مع ظهور المصلحين البروتستانت الأوائل، الذين مزجوا النظرية السياسية باختلافات في العقيدة الدينية وتماسك التعاليم الدينية.‏

إن كلاً من الكاثوليك والبروتستانت عجزوا عن ربط معتقداتهم السياسية بفلسفة اللاهوت، أو بلورة نظرية سياسية تعتمد على الخلافات الدينية، لأن الفريقين كليهما كانا يستلهمان من التراث المسيحي عينه، والتجربة السياسية الأوروبية عينها. ومن هذا المنطلق، فإن الاصلاح البروتستانتي، الذي قاده مارتن لوثر في وقت مبكر من القرن السادس عشر في ألمانيا، والذي كان أساس حجته ضد البابا وحكومة رجال الكنيسة، وهجوماً على ما يتمتع به رجال الدين من امتياز واعفاءات خاصة، معتمداً على إيمانه الصادق بالحرية الدينية، ونزعته الباطنية للتجربة الدينية، لم يحقق النتائج المرجوة. فلوثر كان يؤكد على وجوب الطاعة العمياء للشعب تجاه الملك أو الأمير، حين قال: "ليس من الصواب بأي حال أن يقف أي مسيحي ضد حكومته، سواء كانت أفعالها عادلة أو جائرة، ليس ثمة أفعال أفضل من طاعة من هم رؤساؤنا وخدمتهم. ولهذا السبب أيضاً فالعصيان خطيئة أكبر من الفعل والدنس، والسرقة، وخيانة الأمانة، وكل ما تشتمل عليه هذه"(6).‏

ومع ذلك، فإن أنجلز يسمى اللوثرية بالاصلاح البرجوازي، كحركة هزت الشعب الألماني بأكمله "فمن ناحية رأى الفلاحون والعوام دعواته (لوثر) إلى النضال ضد الكهنة، وفي مواعظه عن الحرية المسيحية إيذاناً بالانتفاضة، ومن ناحية أخرى تجمع حوله البرجوازيون المعتدلون وقسم كبير من النبالة الصغيرة، بل جروا معهم عدد لا يستهان به من الأمراء"(7).‏

أما آراء المصلح الثاني كلفن السياسية واللاهوتية، التي كانت تستند عليها الكنائس الكلفنية في هولندا، واسكتلندا، وفرنسا، وأميركا، فهي لا تختلف بأي حال من الأحوال عن أراء لوثر. فكلفن كان في حقيقته يعتقد في واجب الطاعة العمياء، لأنه يعتبر الحاكم نائب الله، ومقاومته مقاومة لله. وكان معادياً لليبرالية، وظالماً، ورجعياً. وفضلاً عن ذلك، فإن الكلفنية تطورت إلى نوع من التيوقراطية، لأنها قامت على مبدأ هيلدبراند، الذي يقر بأن السلطان الروحي أحسن من السلطان الزمني- ولذا فهي تعطي الأولية للسلطة الروحية، وتستغل السلطة الزمنية لكي تطبق الشرع والسنن الدينية، والنظام الأخلاقي. ولهذا السبب، لم تلق الكلفنية قبولاً من الكنيسة الوطنية، التي رئيسها الزمني الملك، لأن مبدؤها الأساسي يشتمل في حق الكنيسة إعلان "المذهب الخالص وفي ممارسة رقابة شاملة بتأييد من جانب السلطة الزمنية".‏

أما بالنسبة للكلفنية فقد رأى فيها ماكس فيبر عاملاً مجتمعياً مزوداً بتصور عن الله بعيداً مطلق القوة، وغير مستجيب للتوسلات، وكمتحكم مطلق بإقدار البشر. وفي هذه الحالة، فإن النصيحة الوحيدة الممكنة في عالم متصور على هذا الشكل هي التوجه نحو الزهد". بكل تأكيد، إن التعامل مع هذا الموجود الخارق، أي مع الإله البعيد، سينسجم عنه مشاكل، حيث أن التغلب عليها يمر في نظر فيبر عبر تطور الكلفنية لخطين مميزين" الأول كان أن لدى كل كالفيني يخاف الله واجباً دينياً في أن يعتقد أنه مختار للخلاص، وأن كل الشكوك التي تعتريه هي بمثابة اغراءات شيطانية. الثاني كان أن النشاط المركز في هذا العالم هو الوسيلة الأكيدة لازالة الشكوك ولتلقين الثقة بالنفس.‏

والصعوبات التي كانت مستوطنة في أي تعامل مع الله كانت تخل جزئياً عن طريق نمو دعوة نشيطة في هذا العالم(8). إذا، فالكلفينية دعت إلى التوحيد بين الزهد والدعوة الحثيثة للعمل في هذا العالم، وهو الذي اشترط حسب تعبير ماكس فيبر مجموعة متكاملة فريدة من الحوافز الدينية الملهمة للمشروع الرأسمالي. ففي نظر فيبر شكلت الأخلاق البروتستانتية شرطاً قبلياً ضرورياً للرأسمالية، فضلاً عن أنها كانت منسجمة مع روح أنماط الانتاج الرأسمالي.‏

أما فلسفة جون نوكس، فقد قلبت الموقف جذرياً إذ تخلى نوكس، الذي وجد نفسه منفياً ومحكوماً عليه بالإعدام من قبل الكنيسة الكاثوليكية في اسكتلندا العام /1558/، عن مذهب كلفن في الطاعة العمياء، وحث نوكس في نداء موجه إلى النبلاء، والطبقات، وعامة الشعب في اسكتلندا، على مقاومة الطغيان الملكي لتحقيق الاصلاح الديني. لقد طور نوكس الكلفنية بشكل جذري، حين دعا ثابتاً إلى ضرورة المقاومة المعادية للملكية طارحاً بذلك الفكرة الرئيسية التالية، على الملك مسؤولية أمام رعاياه وضرورة احترام هذه المسؤولية في حكمه.‏

ومنذ موت كلفن في العام 1564، انتشرت الحروب الدينية في انكلترا، وألمانيا، وفرنسا وإسبانيا وكان أبشع صورة مذبحة سانت بارتليمي في باريس، وظهرت أعقاب هذه الحرب الدينية في نهاية القرن السادس عشر التي سبق أن قال لوثر عنها سوف تملء العالم بالدماء، اتجاهان رئيسان في الفلسفة السياسية اللاهوتية في أوروبا، اتجاه يدافع عن قدسية الحكم المطلق للملك، ونظرية الحق الإلهي، كما شرحناها سابقاً. واتجاه معادي للملكية المطلقة وبخاصة في فرنسا، حيث أكد هذا الاتجاه على حق مقاومة الحكم المطلق، لأن سلطة الملك يجب أن تكون مستمدة بصورة ما من الشعب، ويقر بحق الشعب في الدفاع عن الحق بالقوة رداً على نظرية الحق الإلهي للملوك.‏

إنه اتجاه هجومي على الحكم بالمطلق لمصلحة الشعب، وهو في الوقت عينه يؤيد نظرية القانون الطبيعي، وحرية الفرد. لقد أصبحت الفلسفة السياسية لمقاومة الطغيان، التي تمثل الاتجاه الاصلاحي التنويري في الدين، تطالب بأن يكون القانون هو العقل والحكمة نفسها، والحد من سلطة الملك أو خضوعه للقانون وهي ترى أنه لا يجوز للملك أن يتصرف بأرواح رعاياه وممتلكاتهم إلا بالطرق التي يسمح بها القانون، وهو مسؤول طبقاً للقانون عن كل فعل يقوم به.‏

ويشكل حق المقاومة نظرية وممارسة الطوائف البروتستانتية والكاثوليكية الاصلاحية وبخاصة الطائفة الجوزيتيه، التي دعت إلى الدفاع عن التقاليد الدستورية، والحكم التمثيلي ضد طغيان الحكم المطلق.‏

وفي مقارنة تماثليه مع هذا الاتجاه الاصلاحي التنويري على الصعيد العربي، يمكن أن نعتبر تيار الجامعة الاسلامية، أو الاصلاح الديني، الذي ظهر كتيار تجديدي مع اشتداد الهيمنة الاستعمارية الغربية، وعجز السلطة عن مواجهة غزوات القوى الاستعمارية الخارجية، أوردِها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، التيار الحامل لعقلانية إسلامية، والفاتح باب الاجتهاد في تفسير أحكام الدين، وفي مقاومة الاستبداد.‏

"إنها محاولة للتوفيق بين النقل والعقل، بين الدين والحضارة الحديثة.‏

يتميز أصحاب هذا المفهوم بالفكر التوازني التوفيقي الوسطي، بالدعوة إلى التقدم التدريجي"(9). وكان أبرز قادة هذا التيار الشيخ جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده.‏

من المعلوم بوجه عام، إن الإطار الزمني للنظام القديم قد شهد صراعاً عنيفاً بين النظرية السياسية، التي ترى في السلطة السياسية ملكاً للشعب، وتقر بمشروعية مقاومة الحكم المطلق، وبالتالي ضرورة إعادة المراجعة في الاعتقاد القديم، ورفض قدسية السلطان الزمني، أي الحكم المطلق ضد النظام الدستوري، والتي عبدت الطريق كمؤسسة وطنية وسلطة مركزية، وبخاصة في فرنسا، باعتبارها رد فعل وطنياً إزاء حالة عدم الاستقرار السياسي والاضطرابات التي أفرزتها الحروب الدينية.‏

والحال هذه، وفي إطار النظام القديم الاقطاعي الاستبدادي، حيث أن جيمس الأول ملك أنجلترا قال "مركز الملكية أسمى شيء على وجه الأرض، إذ ليس الملوك فقط نواب الله على الأرض ويحلمون على عرش الله، ولكن الله نفسه يدعوهم الإلهه- لا يمكن أن يوجد مجتمع مدني، لأن الشعب مجرد "جمع بلا رأس" وعاجز عن وضع القانون، الذي يصدر عن الملك باعتباره المشرع لشعبه والذي أقامته العناية الإلهية"(10).‏

ولأن المجتمع المدني هو بالأساس ذلك المجتمع غير الديني، أي المجتمع المنعتق سياسياً من السلطة المطلقة الدينية التيوقراطية.‏

واستلهمت العقود الأخيرة من القرن السابع عشر، بالثورة الانكليزية، التي امتدت من العام 1689 إلى العام 1714، والتي تمخض عنها إعلان حقوق البرلمان في العام 1689، الذي كان له أهمية عظيمة، حين أصبحت الملكية الدستورية، هي النظام السياسي السائد على الأمة، وفكرة العقد، بدلاً من الملكية الوراثية المستندة على نظرية الحق الإلهي. وهذه الثورة البرجوازية، أوقفت الحروب الدينية بين البروتستانت الانلكيز، التي دامت قرابة قرن، من خلال اعلان الحرية الدينية، كما أن الصراعات السياسية وجدت طريقها إلى الحل، عبر إقامة توازن السلطات بين الملك والبرلمان. وفي خضم هذه الثورة، نهج الاقتصاد البريطاني الجديد مستفيداً من تطبيق قوانين الملاحة، التي شجعها عهد تشارل الثاني، والمكتسبات التي حققتها بريطانيا في المحيط الهندي، وأميركا الشمالية، واحتلال الانكليز مكان هولندا في احتكار التجارة الأوروبية، ولاسيما في البحر المتوسط، والمحيط الهندي، واستغلال المناجم والصناعة المعدنية، والانشاءات البحرية، وصناعة النسيج وبداية صناعة القطن، ونمو الموانىء وبخاصة ميناء نيو كاستيل للفحم، وميناء بريستول المختص بالتجارة الثلاثية.‏

إن نمو هذه القاعدة الاقتصادية، وتطور العلاقات الرأسمالية، ونموبرجوازية المدن، وكذلك برجوازية الريف، التي أصبحت توظف أموالها في الصناعة، قد زاد من قوة الطبقة الرأسمالية الصاعدة الوليدة في رحم المجتمع الاقطاعي البائد، وأمنت لنفسها السيطرة على السلطة السياسية بواسطة البرلمان في أعوام 1688- 1689، جاعلة من البحث عن الربح، واحترام حرية المشروع، والمبادرة الفردية فلسفتها الأيديولوجية الملائمة لهذا النشاط الرأسمالي الحر.‏

وهكذا، دشنت الثورة الإنكليزية، والثورة الصناعية، الرأسمالية عامة باعتبارها نظام انتاج جديد، ونمو حياة جديدة، التاريخ العالمي الحديث للمجتمع المدني الحديث في القرن السابع عشر، ووجهت ضربة قاصمة لبنية النظام القديم الاقطاعية البائدة، وأصبحت أساس التوسع والريادة للعالم. وقد عزا ماكس فيبر نشوء الرأسمالية إلى حركة الاصلاح الديني وظهور الأخلاق البروتستانتية، التي تكلمنا عنها سابقاً "التحرر من الاتجاه الاقتصادي التقليدي يبدو بمثابة أحد العوامل التي ينبغي أن تفرز الميل إلى التشكيك أيضاً بالتراث الديني، وإلى التمرد على السلطات التقليدية، غير أن المهم أيضاً الإشارة إلى حقيقة منسية جداً هي أن الاصلاح الديني لا يعني بالتأكيد إزالة سيطرة الكنيسة بشكل نهائي على شؤون الحياة بل يعني بالأحرى استبدال القديمة منها بشكل جديد من السيطرة، وهي تعني استبدال سلطة متراخية إلى الحد الأقصى وغير موجودة عملياً في حينه، بأخرى تخترق كل ميادين الحياة العامة والخاصة، فارضة تنظيماً للسلوك شديد الوطأة والقساوة.. إن البروتستانت قد أيدوا استعداداً خاصاً للعقلانية الاقتصادية سواء كانوا يشكلون شريحة مسيطرة، أم شريحة مسيطراً عليها الأغلبية أم الأقلية. وهذا ما لم يكن ملحوظاً عند الكاثوليك، في هذه أو تلك من الحالات. بالنتيجة ينبغي ألا يبحث عن مبدأ الاختلاف في المواقف هذه فقط في الظروف الخارجية والمؤقتة تاريخياً واجتماعياً، بل أيضاً في الطبيعة الملازمة للمعتقدات الدينية ومن داخلها (11).‏

في حين أن ماركس عزا نشوء الرأسمالية إلى العلاقة التاريخية بين اليهودية والرأسمالية "مع انتصار المجتمع البرجوازي، الشعوب المسيحية صارت يهودية، تناقض المسيحية واليهودية هو تناقض النظري والعملي، الشكل والمحتوى الدولة السياسية والمجتمع المدني"(12).‏

لم يكن في وسع النظام القديم، حيث الملكية المطلقة المنحدرة من النظام الاقطاعي هي السائدة فيه، القدرة على الخروج من أزمته البنيوية العميقة، خصوصاً مع انحطاط الارستقراطية الاقطاعية، التي تمثل الطبقة المحظوظة في هذا النظام القديم، والمتشكلة من النبلاء والاكليروس، وأفولها التاريخي، مع تعاظم الأهمية الاقتصادية والسياسية للبرجوازية الصاعدة، التي تمثل الفئة المزدهرة من الطبقة الثالثة. كما أن سياسة حفظ التوازن في المعاملة بين طبقة النبلاء والبرجوازية من جانب الملكية المطلقة، أو القيام بدور الوسيط بين هاتين الطبقتين، لم تعد ملائمة لواقع الأزمة، التي يعيشها مجتمع النظام القديم برمته، مع تطور العلاقات الرأسمالية الانتاجية الجديدة، وتطور الاقتصاد الرأسمالي الوليد، الذي أصبح توسعه وتطوره يصطدم بعقبة بنية ودعائم الاقطاعية، وعجز الملكية المطلقة على التغلب على التناقض التناحري بين علاقات الانتاج الاقطاعية القديمة، التي أصبحت معيقة للتطور الاقتصادي والاجتماعي البرجوازي، وبين البرجوازية الصاعدة، ممثله بنظام الانتاج الرأسمالي الجديد. "والواقع أن الدولة الاقطاعية والمطلقة ظلت لفترة من الزمن تتدخل لمصلحة الرأسمالية الوليدة ولحمايتها، وإنما بقدر ما كان تطور هذه الأخيرة لا يلحق الأذى بمصالح الطبقة المسيطرة وبأداتها السياسية أي الملكية المطلقة.‏

ذلك هو المغزى الاجتماعي للسياسة الاقتصادية للمركنتيليه التي عرفت تطبيقاً متماسكاً في عهد كولبير. وليس من قبيل المصادفة إن كان أحد المؤرخين قد أطلق على النظام المركنتيلي اسم داية الرأسمالية الوليدة"(13).‏

ومن نافل القول، أن الفلسفة السياسية لجون لوك بخاصة، والأفكار السياسية الانكليزية بعامة، قد مارست تأثيراً مباشراً على تطور الفكر الليبرالي البرجوازي في فرنسا، في القرن الثامن عشر. وكانت النظريات السياسية الانكليزية متلائمة أكثر مع مصالح البرجوازية الصاعدة، الباحثة عن تأسيس نظام معرفي، أيديولوجي وسياسي وثقافي، للمجتمع المدني الحديث، وهي بمنزلة الصرخة المدوية للثورة الانكليزية وروحاً لعصر القرن الثامن عشر، باعتبارها أوسع الفلسفات السياسية انتشاراً وشعبية، وبخاصة في فرنسا الرازحة آنذاك تحت نير الحكم المطلق، الذي يعاني حاله من الأفول، ولما انطوت عليه من أفكار دستورية وجمهورية، وديمقراطية، وكتابات حول الحكم المدني. وقد لاقت فلسفة جون لوك السياسية رواجاً كبيراً في فرنسا لأهميتها الثورية، التي استلهمت البرجوازية الفرنسية ايديولوجيتها، من أجل دك وإحداث شرخ في بنيان النظام القديم، وكنسه من أمام حركة التقدم البرجوازية.‏

وكان البنيان الفلسفي لنظرية لوك السياسية، ينطلق من حالة الطبيعة، باعتبارها "حالة سلام وحسن نية، ومعرفة متبادلة، ومحافظة متبادلة"، ومن العقد الأصلي، الذي ولَّد المجتمع السياسي والحكم المدني.‏

لقد دافع لوك عن قانون الطبيعة على أساس أن "قانون الطبيعية يملي عماداً كاملاً من حقوق الإنسان وواجباته"، والعقد الأصلي، الذي يشكل قاعدة الحكومة. ويعتبر لوك أن وجود حقوق الفرد الطبيعية في حالة الطبيعة، هي الضمانة الحقيقية لحماية هذا الفرد في حالة المجتمع من تجاوزات السلطة. وحالة الطبيعية عند لوك على النقيض منها لدى طوماس هوبز، الذي سنتحدث عنه لاحقاً، لأن الحقوق الطبيعية لا يمكن أن يتخلى عنها العقد الأصلي، على عكس نظرية هوبز، التي تقر باكتساحها في حال سيادة حالة المجتمع "أن الزامات قوانين الطبيعة لا تتوقف في المجتمع أبداً، بل إنها تصبح فيه أقوى من أحوال عدة".‏

إن حالة الطبيعة عند لوك تقوم على حالة الحرية الكاملة، وحالة المساواة أيضاً. ولكن حالة الحرية هذه لا تؤدي كما رسم لنا هوبس صورة قاتمة عنها إلى حرب الكل ضد الكل.‏

لقد وضع لوك نظريته في جوهر الحكم المدني كنقيض للحكم المطلق، باعتبار أن هذا الأخير لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون شرعياً، ولا يمكن أن يحظى برضى الناس عنه. ويقوم أصل الحكم المدني على الفصل بين السلطات، وهو الفصل الذي تعمق وشق طريقه في خضم الصراعات السياسية، بين الملوك والبرلمان في جميع مراحل الثورة الانكليزية. وبهذا يكون المجتمع المدني وريث الأفراد الأحرار، في حالة الطبيعة، وقد امتلك السلطتين الأساسيتين بدوره. الأولى هي السلطة التشريعية، التي تنظم كيف ينبغي أن يستخدم قوى الدولة من أجل بقاء المجتمع وبقاء أعضائه، والثانية هي السلطة التنفيذية، "التي تؤمن تنفيذ القوانين الوضعية الداخلية". وهكذا فان السلطة التشريعية، التي يكمن دورها في المحافظة على المجتمع المدني مثلها في ذلك مثل القوانين الأساسية في الطبيعة، تصبح السلطة العليا "إنها مقدسة".‏

إن فلسفة لوك التي دافعت عن الحقوق الفردية في الملكية الخاصة، والحرية باعتبارها حقوق لا تقبل النقض مطلقاً، طالبت بضرورة التمثيل الشعبي، وأكدت على مشروعية الثورات ضد الحكم المطلق. وكان لها أهمية عظيمة من حيث أنها أصبحت الأساس للديمقراطية الليبرالية، ذات الجوهر الفردي، والأساس الايديولوجي، التي بني عليها الفكر السياسي الليبرالي الغربي، وحركة التنوير الفرنسية التي بلغت ذروتها مع اندلاع الثورة الفرنسية الكبرى، وانتقال مركز الثقل في مجال الفلسفة السياسية إلى فرنسا في القرن الثامن عشر.‏

وهكذا، حين اشتدت المتناقضات في بنية النظام القديم ومؤسساته، وأصبح التنظيم الاجتماعي والسياسي لهذا النظام القديم عقبة حقيقية أمام صعود البرجوازية، باعتباره نظاماً يكرس امتيازات الارستقراطية العقارية، اندلعت الثورة البرجوازية الفرنسية، وكانت حسب تعبير جوريس ثورة برجوازية وديمقراطية بشكل واسع وليست ثورة برجوازية ومحافظة بشكل ضيق، كالثورة الانكليزية المحترمة في /1688 (000) ولا توضح هذه المميزات الأزمة الاقتصادية العامة في نهاية النظام القديم بل أعمق من ذلك أيضاً البنى والمتناقضات في المجتمع القديم.‏

لقد كانت الثورة الفرنسية ثورة برجوازية فعلاً، إنما بمساعدة شعبية وعلى الأخص قروية.(14).‏

ثانياً- الفلسفة الليبرالية الكلاسيكية‏

ومفهوم المجتمع المدني:‏

شكلت دراسة تحرير الفلسفة السياسية من الارتباط باللاهوت، وكذلك السياق التاريخي الذي اتجه فيه الفكر نحو دراسة المعضلات السياسية في العهد الكلاسيكي على أساس عقلاني وعلماني تدريجي، لا على أساس ديني المكونات المعرفية للفلسفة الكلاسيكية العقلانية، منذ عصر النهضة، حيث أصبحت تشكل بين أيدي الفلاسفة والمفكرين السياسيين البرجوازيين سلاحاً فعالاً في محاربة الحكم المطلق، ومقاومة أسس ومبادىء النظام الاقطاعي الاستبدادي المتناقض جذرياً مع طبيعة الانسان، في سبيل إرساء أسس ومبادىء النظام البرجوازي الجديد.‏

ولم تكن النظرية السياسية الليبرالية الكلاسيكية حول مفهوم المجتمع المدني، إلا جزءاً مما قصد أن يحصل منه مذهباً شاملاً من المكونات الفلسفية والمعرفية، مبنياً على نظرية الحق الطبيعي، التي أكدت على ضرورة بناء النظام الطبيعي، باعتباره نظاماً تحكمه قوانين طبيعية متماثلاً مع المراحل الأولى من تاريخ البشرية، حين كان الإنسان يعيش في حالة الطبيعة أي الحالة الأولى السابقة على ظهور المجتمع، وعلى نظرية العقد الاجتماعي، ونظرية السيادة، التي لعبت جميعها دوراً بالغ الأهمية في تكوين الفكر السياسي الليبرالي حول مفهوم المجتمع المدني، والدولة الديمقراطية البرجوازية، في القرن الثامن عشر.‏

لقد كان معظم المفكرين السياسيين في العصر الكلاسيكي ينادون بنظرية القانون الطبيعي أي القانون المنبثق، معاييره وأساسه ومبادئه من طبيعة الإنسان، وبنظرية حالة الطبيعة في مقابل حالة المجتمع، باعتبارها الحالة الأولى التي عرفتها البشرية، على الرغم من أن الفلاسفة والمفكرين السياسيين "تساءلوا" بصدد حالة الطبيعة" فقالوا ما هي الأفضل بالنسبة إلى الإنسان أن يبقى على حالة الطبيعة أم الأنسب بالأحرى أن يكون على حالة المجتمع؟ وهل كانت حالة الطبيعة حالة بؤس وتعاسة، فلم يفقد الإنسان شيئاً أذ يخلص من تلك الحالة أم أنها كانت على العكس من ذلك حالة سعادة وهناء، فهو قد أضاع جزءاً وكلا من بهته في ابتعاده عنها؟ وفي سؤال جامع: هل حالة الطبيعة حالة شر أم إنها حالة خير بالنسبة إلى الإنسان"(15).‏

حالة الطبيعة:‏

يعتبر مكيافيلي أول فيلسوف للتاريخ ومفكر سياسي في العصر البرجوازي الصاعد، فضلاً عن أنه رائد للمجتمع البرجوازي الصاعد، حيث أنه استطاع أن يحرر السياسة من اللاهوت، واللاهوت من السياسة، ويؤسس علم السياسة، الذي أسهم إسهاماً حقيقياً في تطور وازدهار ذلك المجتمع البرجوازي. وهذا العلم السياسي الحديث المؤسس في عصر النهضة، هو ملازم منذ نشأته بتطور علوم الفيزياء والكيمياء، وإدخال الأساليب الرياضية في هذه العلوم، وبتطور العلوم الميكانيكية التي تستخدم الرياضيات، وعلم النفس الجديد، وبتطور التقنية والصناعة، وابتكار وسائل جديدة للانتاج، حيث أن مكيافيلي اعترف بمسألة التماثل بين وجود علم للسياسة وبين المحرزات الايجابية والتقدمية للعصر البرجوازي الجديد، وحيث أن المجتمع البرجوازي الوليد يسعى إلى السيطرة على الطبيعة، مثلما كان يقوم أيضاً على سيطرة بعض الناس على أناس آخرين.‏

في كتابه الأساس "خطب حول عشريه تيت ليف الأولى، تصاغ هوية طبيعة البشر على النحو التالي: "كل البشر يولدون يعيشون ويموتون دائماً حسب القوانين ذاتها". وتعتبر نظرية ثبات طبيعية البشر مرتكزاً ومحور أساساً لكل أعمال ميكافيلي السياسية. فهو يقول "من يقارن بين الحاضر والماضي يجد أن كل المدن كل الشعوب، كانت دائماً ولا تزال تحركهم نفس الرغبات والأهواء. وهكذا يسهل بدراسة دقيقة ومتبصره للماضي، التنبؤ بما يحدث في جمهورية ما، عندئذ ينبغي استخدام الوسائل التي اعتمدها الأقدمون، أو في حالة عدم اعتمادها ينبغي تصور وسائل أخرى جديدة انطلاقاً من تشابه الأحداث"(16). ويستطرد ميكافيلي مضيفاً "الحكماء بحق أنه ينبغي استشارة الماضي للتنبؤ للمستقبل، لأن أحداث العالم الحالي تجد دائماً مثيلها الصحيح في الماضي. ولأن تلك الأحداث أنجزت من قبل أناس حركتهم ولا تزال تحركهم دائماً نفس الأهواء فمن الضروري أن تكون لها نفس النتائج"(17).‏

ليس من شك أن مكيافيلي كفيلسوف سياسي، قد خلق المعنى الذي ارتبط بالدولة في الاستعمال السياسي الحديث، ألا وهو سيادة الدولة، أو الكيان السياسي ذي السيادة، "فالدولة كقوة منظمة لها التفوق على أرضها وتنهج سياسة واسعة من التوسع في علاقاتها مع الدول الأخرى، لم تصبح المؤسسة السياسية الحديثة والنموذجية فحسب، ولكنها أصبحت بصورة متزايدة أقوى مؤسسة في المجتمع الحديث"(18).‏

ولقد كانت الميكافيلية "ميزه كل البلدان التي تحتاج مجتمعاتها لحكومة مركزية قوية قادرة على الغاء الحدود الاقتصاد العائدة إلى القرون الوسطى، وآثار الاقطاع معها (000) لقد أنشأ ريشليو الدولة القومية الموحدة في فرنسا انطلاقاً من مبادىء مكيافيلية(000).‏

كما أن فختة، الذي نادى بالحرية وبأنماط التفكير البرجوازي، وهو مؤلف مرافعة عن ميكافيلي. أما هيغل، الذي عبرت فلسفته أوضح تعبير ايديولوجي عن البرجوازية الألمانية ما قبل /1848/، والتي كانت متعثرة في تطورها الاقتصادي والسياسي من كل الجوانب، فإنه لم يقاسم مكيافيلي عدة أفكاره فعلاً فحسب، بل إنه أبدى تقديراً عالياً لها"(19).‏

إن الخلل المنهجي في تفكير مكيافيلي يكمن في تصوره للتاريخ، باعتباره نمطاً من التفكير والاحساس قائم على عوامل طبيعية ثابتة تاريخياً، دون أخذ بعين الاعتبار العوامل والمتغيرات الاجتماعية، وانعكاساتها على الطبيعة البشرية ذاتها- فعناصر النفس البشرية، كالغرائز، والأهواء، التي تشكل مكونات الطبيعة البشرية، تظل ثابتة عند مكيافيلي، في حين أن منطق العلم الجديد، يقر بأن ما هو ثابت هو نسبي، وإن هذه العناصر عينها النفسية والفيزيقية الطبيعية، تتطلب دراستها، ورؤيتها ضمن الشروط المحددة من الواقع التاريخي، في إطاره الزماني والمكاني وفي تعاقب أطواره ومراحله.‏

أما طوماس هوبز (1588- 1679)، فهو ينطلق في فلسفته السياسية، في تفسيرها للمجرى العام للتاريخ، وكل التحولات في الدولة، والسياسة والدين، وفي الأخلاق والقانون، من مفهوم الفرد معزولاً عن الآخرين. وحيث أن هوبز يتصور أن خصائص هذه الفرد تظل ثابتة و"متماثلة تماثلاً واعياً مع خصائص الأجسام اللاعفوية".‏

في معنى الحرية، التي لا يربطها هربز بالإرادة بالمعنى المثالي، إنما يرى الحرية موجودة ضمن ارتباطها بالعقبات والعراقيل، التي تحد من امكانيات الإنسان في التصرف، يقول: "ليست الحرية شيئاً آخر سوى غياب كل ما يمنح الحركة. ولهذا السبب فإن الماء المقفل عليه داخل إناء ليس حراً، الإناء يمنع جريانه، وبالعكس فإن الماء يغدو حراً عندما يتحطم الإناء. وكل واحد هو أكثر أو أقل حرية حسب امتلاكه للكثير أو للقليل من الحيز كي يتحرك.‏

ولهذا السبب فإن شخصاً سجيناً داخل سجن واسع هو أكثر حرية من سجين داخل سجن صغير. ويمكن للإنسان أيضاً أن يكون حراً من جانب دون أن يكون كذلك من جانب آخر. وهكذا، فإن أسيجة أو أسوار، من هذا الجانب أو من ذاك، من شأنها أن تمنع عابر السبيل من اتلاف الحقول أو الكروم التي تحاذى الطريق- والعوائق التي من هذا النوع هي عوائق خارجية، ومطلقة. وبهذا المعنى يعد كل العبيد وكل من هم خاضعون للعنف أحراراً شريطة ألا يكونوا مقيدين أو معتقلين.‏

وثمة عوائق أخرى لا تخص سوى الإرادة، إذ أنها لا تعيق الحركة بطريقة مطلقة، بل بطريقة غير مباشرة، وذلك بالتأثير على اختيارنا. وهكذا فإنه ما من شيء يمنع مسافراً على متن باخرة عن القاء نفسه في البحر إذا شاء. ولكن هنا أيضاً، يمتلك الإنسان من الحرية حداً يوفر له أكثر من طريقة للتحرك. وهذا هو معنى الحرية المدنية(...). ولكن في كل دولة، وفي كل عائلة يوجد فيها عبيد يمتلك المواطنون الأحرار وأبناء العائلة، بالنسبة للعبيد حظوة ممارسة أعمال ووظائف مشرفه أكثر، سواء في الدولة أو في العائلة، مع امتلاك زائدة عن حاجتهم. والفرق بين مواطن حر وعبد يتمثل في كون الإنسان الحر لا يخدم سوى الدولة، بينما يخدم العبد مواطناً أيضاً. وكل حرية أخرى هي حرية التحرر من قوانين الدولة ولا يمتلكها سوى الحاكمين".‏

إن محور فلسفة هوبز السياسية، محور عقلاني ومادي في الوقت عينه، خصوصاً وأنه تأثر تأثراً كبيراً بالاكتشافات العلمية التي قام بها معاصراه غاليلووهارفي. ففي تعريفه للمجتمع المدني يقول هوبز، الطبيعة لم تغرس في الإنسان غريزة الاجتماع، والإنسان لا يبحث عن أصحاب إلا بدافع المنفعة والحاجة، إن المجتمع المدني (السياسي) هو ثمرة مصطنعة لميثاق اختياري لحساب قائم على المنفعة. ويميل منهج هوبز، مثله في ذلك مثل روسو وكانط إلى نظرية العقد الاجتماعي، فنقل الحق الطبيعي المطلق، الذي يملكه كل واحد في كل شيء، إلى شخص ثالث، بعقد يتم "بين كل واحد وكل واحد:" هو الاصطناع الذي يكون من الناس الطبيعيين مجتمعاً مدنياً (سياسياً)"(20).‏

ففي حالة الطبيعة لا يوجد بعد أي نوع من أنواع الحكومات، ولهذا فإن العقد الأصلي ليس مبرماً بين الحكومة والمحكومين بل هو مبرم بين سائر مواطني المستقبل في الدولة. وعلى قاعدة ارادتهم المجتمعة، ينقل الأفراد السيادة إلى إنسان واحد أو مجلس يمارس السلطة. فيما بعد بمقتضى هذا العقد "ويمثل الملك، أو رئاسة الجمهورية، التي أحيلت إليه كل سلطات المتعاقدين إرادة الجميع من خلال ارادته. من هنا نفهم أن السلطة تنبع من الشعب باعتبارها مستندة إلى إرادة كل الأفراد الحرة. وحين تتجسد السلطة في إرادة الملك، فإن على الأفراد الخضوع كلياً لقوانينه، باعتبار إن إرادة الملك متطابقة مع إرادة الدولة.‏

"يستنتج هوبز اذن الدولة كنتاج ضروري لقابليات الأفراد الطبيعية. ومن هنا بالذات يتطابق الحق الايجابي (العملي) مع القوانين السارية في الدولة وينطبق الحق الطبيعي عند هوبز على كل أفعال الإنسان التي تنتج بالضرورة عن طبيعته، في نطاق تعلقها باعتبارات عقلانية"(21).‏

في كتابه اللوياثان، أو الوحش، أو الإنسان المصطنع، أو ما يسيء بالدولة (كومنولث) وباللاتينية CIVITAS، ينطلق هوبز، من المقولة التالية بالنسبة لكل إنسان، الإنسان الآخر مناقض له، طامع مثله في السلطان بمختلف أشكاله، وهذا يقود إلى نتيجة الحرب الدائمة جزاء المنافسة، والتحدي المتبادل، والطموح والمجد، فالحرب، هي حرب "كل واحد على كل واحد" و"الكل على الكل". فالحرب موجودة، وليس السلم، والإنسان ذئب للانسان. لهذه المعطيات اقتضى وجوب ابرام العقد الاجتماعي، الذي يتجسد في الدولة، التي يسميها هوبز بالتنين.‏

شكلت نظريات العقد الاجتماعي والحق الطبيعي عند هوبز، خطراً حقيقياً على شرعية الحكم المطلق، ولأن ما جاءت به نظرية هوبز، هو أن الدولة والمجتمع مدينين في وجودهما وشرعيتهما إلى إرادة الأفراد الأحرار، أي إلى إرادة الشعب الحرة، فضلاً عن أن هدفهما يكمنان في خدمة الشعب. وهذه النظرية تتناقض جذرياً مع نظرية حق الملوك الإلهي، ومع كل نظام الاتحادات والدول، التي تعتبرهم نظرية الحق الإلهي هم خلق الله. و"يستخلص هوبز من مبادئه الفلسفية العامة نتائج سياسية وثقافية، تتطابق إجمالاً مع الآراء التاريخية الفلسفية لمجموعة كتاب آخرين مكونين ما يمكن دعوته النزعة المادية في فلسفة التاريخ عند البرجوازية الصاعدة. ويمثل هذه النزعة كل من مكيافيلي، وسبينوزا، وبييربايل، وماندفيل وبعض المفكرين الراديكاليين في مرحلة الأنوار في فرنسا مثل دولباخ، وهلتفتيوس، وكوندوريه.‏

إن منهج تفكيرهم هو كالتالي: خارج الطبيعة، وامتداداً في الفضاء لا يوجد أي واقع، البشر أنفسهم قطعة من الطبيعة، وهم يخضعون لقوانينها العامة شأنهم شأن الكائنات الأخرى"(22).‏

في رسالة "في اللاهوت والسياسة" الفصل السادس عشر، مقومات الدولة- حق الفرد الطبيعي والمدني- حق الحاكم، يتساءل الفيلسوف الكبير سبينوزا أولاً، ما الحق الطبيعي لكل إنسان بغض النظر عن الدين والدولة؟ ويقول "أعني بالحق الطبيعي، وبالتنظيم الطبيعي مجرد القواعد التي تتميز بها طبيعة كل فرد. الطبيعية في ذاتها نجد أنها تتمتع بحق مطلق على كل من يدخل تحت سيطرتها أي أنه حق الطبيعة يمتد بقدر امتداد قدرتها لأن قدرة الطبيعة هي قدرة الله نفسه الذي له حق مطلق على كل شيء (...) ولكن لما كان القانون الأعظم للطبيعة هو أن كل شيء يحاول بقدر استطاعته- أن يبقى على وضعه، وبالنظر إلى نفسه فقط، دون اعتبار لأي شيء آخر، فيبني على ذلك أن يكون لكل موجود حق مطلق في البقاء على وضعه (أي كما قلنا من قبل) في أن يوجد ويسلك كما يتمتع عليه طبيعياً أن يفعل. وفي هذا الصدد لا نجد فارقاً بين الناس والموجودات الطبيعية الأخرى أو بين ذوي العقول السليمة ومن هو خلو منها، أو بين أصحاب النفوس والأغبياء وضعاف العقول..(...).‏

فبقدر ما ننظر إلى الناس على أنهم يعيشون تحت حكم الطبيعة وحدها، نجد أن لهم جميعاً وضعاً واحداً، فمن لم يعرف العقل بعد، أو من لم يحصل بعد على حياة فاضلة، يعيش طبقاً لقوانين العقل وكما أن للحكم حقاً مطلقاً في أن يعمل كل ما يأمر به العقل، أي من يحيا طبقاً لقوانين العقل، فإن للجاهل، ولمن هو خلو من أية صفة خلقية حقاً مطلقاً في أن يفعل كل ما تدفعنا الشهوة نحوه، أي أن يعيش طبقاً لقوانين الشهوة.‏

في الواقع الطبيعة لا تبدو وفق إيقاع العقل الإنساني ومكوناته، فهي لا ترى المصلحة الشخصية للفرد، مثلما ليس في الطبيعة شيء أساسه شر، وآخر خير، فالخير والشر نسبيان. إن العقل شأنه شأن المجتمع، هو أيضاً شيء طبيعي. وهنا يختلف سبينوزا عن هوبز، وكذلك روسو، لأنه يعارض حالة الطبيعة مع حالة المجتمع، باعتبار أن أفضل مجتمع هو أقرب المجتمعات إلى الطبيعة. وبما أن غاية المجتمع هي الحرية لا العبودية، فإن تحقيقها يتسم بالطرق الطبيعية التي تشمل العقل والشهوة على حد سواء. ومن هذا المنطلق، يجب أن تكون الدولة ممثلة للقوة، حتى أن أساءت استعمال سلطتها لأنها تمثل العقل والمجتمع.‏

ويؤكد سبينوزا أنه، إذ أراد الناس العيش في أمان، وعلى نحو أفضل، فإن هذا يترتب عليهم أن يسعوا إلى التوحد في نظام واحد، وأن يتفقوا فيما بينهم عن طريق تنظيم أو تعامل حاسم، وعلى اخضاع كل شيء لتوجيهات العقل وحده، وعلى كبح جماح الشهوة، بقدر ما تسبب أضراراً للآخرين، وعلى المحافظة على حق الآخرين كما لو كانوا يحافظون على حق الآخرين. فالتنظيم الاجتماعي يقوم بين الأفراد الذين يضعون المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية، وهذا التحالف الاجتماعي ليس مجرداً، بل يتضمن تعييناً مشخصاً، يمثل الجميع. وهو في الأغلب شخصية جماعية حتى لو كان فرداً، فإنه يمثل سلطة الجماعة التي فوضت له حقها وسلطتها وبالتالي ينشأ العقد بين الطرفين الجمهور الذي يفوض حقه السياسي بمحض إرادته واختياره، والشخص الذي يملك هذا الحق، بناء على هذا التفويض أي السلطة العليا أو الحاكم.‏

ففي حالة المجتمع، القانون العام يقرر الخير والشر، ونستطيع أن نميز بين التحايل عن سوء نية والتحايل عن حسن نية أما في حالة الطبيعة، فإن كل فرد له سلوك خاص، ويكون له الحق المطلق في أن يضع لنفسه القوانين وأن يفسرها كما يراها.‏

ويستعرض سبينوزا تحليله حول شرط عدم تعارض المجتمع الإنساني مع الحق الطبيعي، الذي به يمكن احترام كل عقد احتراماً تاماً. فيقول "هذا الشرط هو أنه يجب على كل فرد أن يفوض إلى المجتمع كل ما له من قدره، بحيث يكون لهذا المجتمع الحق الطبيعي المطلق على كل شيء أي السلطة المطلقة، في إعطاء الأوامر التي يتعين على كل فرد أن يطيعوا إما بمحض اختياره، وإما خوفاً من العقاب الشديد، ويسمى نظام المجتمع الذي يتحقق على هذا النحو بالديمقراطية"(23).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 08:25 PM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



وفي هذا النظام تتحقق فيه الديمقراطية، التي تجمع في أن معاً بين الحرية وبين الخضوع للقوانين على الرغم أن هوبز يرى الإنسان في حالة الطبيعة، ذئب بالنسبة للإنسان، وفي حالة المجتمع يصبح إلهاً، إلا أن سبينوزا يرفض هذا التعارض بين الحالتين، لأنه يعتبر العقل جزء من طبيعة الإنسان، بقدر ما يهتدى بسنة العقل. فحالة الطبيعة عند سبينوزا ليست حالة حرب بل غياب الأمن والوقوع في الخوف. وفي هذا الرأي يكون سبينوزا أقرب إلى مونتسكيو.‏

أما جان جاك روسو (1712- 1778)، فهو يشترك مع هوبز وسبينوزا، من أن "حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي "ليست سوى أصل المجتمع. ولكن روسو يختلف مع هوبز بوصف الإنسان في حالة الطبيعة، بالذئب لأخيه الإنسان، أي معنى آخر بالشر. وتتجسد نقطة الخلاف هنا، حسب وجهة نظر روسو في أن هوبز ينظر للإنسان في حالة الطبيعة بنفس المنظار الموجود عليه اليوم في حالة المجتمع. يقول روسو: "اكتشف هوبز عيب كل التعريفات الحديثة للحق الطبيعي، بيد أن النتائج التي يستخلصها من التعريف الذي يعطيه هو تظهر لنا أنه يأخذها في معنى ليس بأقل خطأ (...) لقد تعين على هذا المؤلف أن يقول أن حالة الطبيعة هي الحالة التي يكون فيها الاهتمام بحفظ وجودنا الخاص أقل الحاقاً للغير بالضرر وبأن هذه الحالة هي بالتالي الحالة الأكثر موافقة للسلام والأكثر ملائمة للنوع البشري، ولكنه يقول بالضبط عكس ذلك لأنه يدخل خطأ رغبات هي من صنع المجتمع ويدرجها في عداد ما يسعى إليه الإنسان من أجل حفظ حياته"(24).‏

ففي حالة الطبيعة نجد في السلوك الخاص للإنسان، تتحكم فيه غريزة البقاء والرأفة، حسب روسو. وانطلاقاً من هذين المبدأين الأساسيين تنحدر قوانين الحق الطبيعي كافة(25).‏

فالرأفة تلعب دوراً مهماً في حالة الطبيعة، وهي بمنزلة القوانين، والأخلاق، والفضيلة. ويستطرد روسو قائلاً، أن البشر في حالة الطبيعة ليسوا لا صالحين ولا أشراراً، إذ لا تجمع بينهم أية علاقة أخلاقية أو واجبات مشتركة.‏

وبما أن العمل هو قانون التطور الانسان، فضلاً عن أن الإنسان الفاعل المنتج، يستنير بعقله، لتحسين شروط الانتاج المادي، فإن البشر يتعذر عليهم أن يبقوا في ديمومة ثابتة في حالة الطبيعة، لأن البشر ابتدعوا حاجات مصطنعة، أورثتها الأجيال السابقة وزرها الثقيل، وبخاصة مع بروز الملكية العقارية، حيث حصل التحول الحقيقي للجنس البشري باتجاه الانحطاط، والنزوع إلى الشر، وإلى حب الامتلاك. وكما يقول روسو: "إن أول من سيج أرضاً وقال هذا ملك لي، ووجد أناساً سذجاً بما فيه الكفاية ليصدقوا قوله، هو المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني". ويضيف روسو قائلاً: "لم تتكون فكرة الملكية هذه دفعة واحدة في العقل البشري، فقد احتاج الإنسان إلى الكثير من التقدم، وإلى اكتساب قدر لابأس فيه من المهارات العملية والمعارف... حتى يصل إلى هذه النهاية الأخيرة للحالة الطبيعية(26).‏

في حالة الطبيعة تبدو اللامساواة شكلية وتافهة، ولا تكاد تكون محسوسة، أما في المجتمع حيث تسود الملكية، وما تفرزه من ظواهر سيادة الجشع، والطموح، والمنافسة، وصراع المصالح، فإن اللامساواة بين البشر تكون شديدة الوطأة. ولقد شكل بروز الملكية العقارية مرحلة حاسمة في تعميق الفوارق، واللامساواة بين البشر.‏

في مؤلفه: المقال في اللامساواة، احتل تعريف الحالة الطبيعية حيزاً كبيراً، ولكن في هذا المؤلف نجد روسو ينحني جانباً في مفهوم الانسان الطبيعي، الطليق من مكتسباته التاريخية كافة، ويتبنى بدلاً منه مفهوم الإنسان التاريخي، الذي يحمل السمات النوعية للعصر الذي خلقه.‏

ويخلي مبدأ القانون الطبيعي كنظام من القيم القابلة للتطبيق في كل مكان وزمان مكانه عنده لصالح مبدأ النسبية التاريخية. فالطبيعة البشرية بحسب وصف روسو لها تتغير، وتتبدل، حتى ليعزو تعرف قسماتها الأولى، في مجرد تطور الجنس البشري. فما قد يكون ممتازاً في عصر من العصور، قد يقدر غير مناسب في عصر آخر"(27).‏

إن قيمة المقال في اللامساواة، تكمن في نقد روسو الجذري للعلاقات الاجتماعية القائمة، وفي التعبير عن آرائه ومواقفه السياسية الصريحة بصدد تعاطفه مع النظام الجمهوري، والديمقراطية. فهو يقول "لكم تمنيت أن أرى النور في ظل حكم ديمقراطي... كل بودي أن أعيش حراً وأن أموت حراً.‏

أما في كتابه "العقد الاجتماعي"، الذي حدد روسو لنفسه فيه، مهمة البحث عن مبادىء الحق السياسي وجلائها، فهو يشكل ركيزة نظرية لأفكار روسو حول الجمهورية، والديمقراطية، حيث تحول فيما بعد إلى "انجيل سياسي للديمقراطيين الثوريين"، في الثورة الفرنسية 1789، أي . أن العقد الاجتماعي، الذي يقدمه روسو للجميع، يعبر عن حقيقة المساواة في الحالة المدنية، التي ينتقل إليها الإنسان من حالة الطبيعة. إنه يضع مساواة خلقية وشرعية" محل ما أمكن أن تضعه الطبيعة من لا مساواة فيزيائية بين البشر، والبشر، مع إمكان كونهم غير متساويين في القوة أو في القريحة، يصبحون جميعاً متساويين بالاتفاق وبالحق"(28).‏

إن العقد الاجتماعي شرط ملازم لكل سلطة شرعية، وبالتالي شرط ضروري لكل نظام سياسي طبيعي. فالعقد الاجتماعي يشكل مرحلة تاريخية نوعية في عملية الانتقال من الحالة الطبيعية إلى حالة المجتمع المدني. وهنا يربط روسو رباطاً جدلياً بين تكون المجتمع المدني، وبين تأييده للعقد الاجتماعي. فهو يقول: "ما يجسده الانسان من جراء العقد هو حريته الطبيعية والحق اللامحدود في كل ما يغريه، وكل ما يستطيع أن يبلغه ويطوله، وما يربحه بالمقابل هو الحرية المدنية وحق تملكه لكل ما ملكته يده". وفي هذا القول الصريح، يؤكد روسو على أهمية المجتمع المدني، "يقلد الميثاق الاجتماعي الجسم السياسي سلطة مطلقة على أعضائه كافة. وتشمل هذه السلطة حياة المواطن بالذات. فليست الحياة في المجتمع المدني من حسن صنيع الطبيعة ومعروفها، وإنما هي هبة مشروطة من الدولة. إن غاية العقد الاجتماعي الحفاظ بلا ريب على حياة المتعاقدين"(29).‏

ويتكون بفعل الأصل التعاقدي، أي العقد الاجتماعي مالك السيادة، أي سلطة الشعب، التي تتطابق مع الإرادة العامة، التي يعبر عنها القانون، الذي يعول له وحده الفصل في الحرية والعدل. وتتمتع هذه السيادة بسمات معينة، كونها لا تخلع، وغيرقابلة للتصرف، ومعصومة عن الخطأ، ومطلقة. إن السيادة عند روسو، حسب نظرة جان جاك شفالييه، هي: "سيادة مجردة تماماً، محل سيادة لويس الرابع عشر العيانية المغصوبة على سيادة الله سيادة تعارض الدولة أنا للمونارك المطلق بالدولة نحن للمحكومين في جسم"(30).‏

إن نظرية الإرادة العامة تخص السيادة فيها إلى الشعب، باعتباره شخصية مشتركة، بينما تكون الحكومة مجرد وسيط "لسلطات مفوضة يمكن سحبها وتعديلها وفقاً لما تمليه إرادة الشعب". وتشكل نظرية التعاقد الاجتماعي نقطة الالتقاء بين الفيلسوفين السياسيين، الكبيرين، هوبز و روسو، وإن اختلفت طرائقهما في التحليل للوصول إليها.‏

وهكذا، نصل إلى تطور المفاهيم حول السيادة، والإرادة العامة عند روسو، والملكية الخاصة، والحرية الفردية عند لوك، والمواطن عند سبينوزا، والقانون، والديمقراطية، لكي تتفاعل هذه المفاهيم مجتمعة، وتتمفصل بعضها عن بعض، لتشكل أساساً راسخاً للمجتمع المدني الحديث.‏

ليس من شك، أن نظرية العقد الاجتماعي أسهمت اسهاماً حقيقياً في دك سلطة النظام الاقطاعي حتى وإن كانت من وحي برجوازي. "وبالفعل فإن فكرة كون البشر هم صانعوا مجتمعهم في حلف أصلي يمكن أن يزدوج أحياناً إلى حلف مشترك (مدني) وحلف سيطرة (سياسي) هي حينئذ فكرة ثورية، مرددة ضمن النظرية البحتة، النزاعات الاجتماعية والسياسية لعالم في طور الولادة. وإن هذه الفكرة هي في آن معاً احتجاج ضد الظلم القديم، وبرنامج من أجل نظام جديد (...) في هذه النظرية حول حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي، التي تبدو مجرد تأمل، نشهد نظاماً اجتماعياً وسياسياً يسقط، وأناساً يشيدون النظام الجديد الذي يريدون الدفاع عنه أو بناءه على أسس ومبادىء مبتكرة"(31).‏

حين نصل إلى مونتسكيو (1689- 1755) نجد أن مشروعه، كان يتجسد في بناء علم للسياسة والتاريخ. وهو، وإنْ كان يتقاسم المشروع عينه مع كل الفلاسفة والمفكرين السياسيين، الذين سبقوه، إلا أنه يختلف عنهم جميعاً في تنطحه لانشاء علم للسياسة لكل المجتمعات المتجسدة في التاريخ. "هذه الوحدة في المشروع وهذا الاختلاف في الموضوع والمنهج يجعلان من مونتسكيو الرجل الذي أعطى المتطلبات العلمية لسابقيه الشكل الأكثر صرامة ودقة والخصم الأكثر تعنتاً لـ"تجريدهم" في الوقت نفسه. إن مشروع إنشاء علم للسياسة والتاريخ يفترض أولاً أن السياسة والتاريخ يمكن أن يكونا موضوعاً لعلم، أي يتضمنان ضرورة يود العلم اكتشافها"(32).‏

إن الفلاسفة والمفكرين السياسيين، الذين سبقوا روسو انطلقوا من حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي، باعتبارها كانت تشكل نقطة اللقاء المركزية فيما بينهم جميعاً، حيث أن التعاقد الاجتماعي شكل أيضاً جسر العبور من حالة الطبيعة إلى المجتمع المدني. غير أن الأمر عند مونتسكيو، يختلف كلياً، إذ أن موضوع العقد الاجتماعي غائب عن مشروعه. يقول مونتسكيو في الرسالة الرابعة والأربعين الفارسية، من الكتاب الأول من روح الشرائع: "لم أسمع أبداً أحداً يتحدث عن الحق العام إلا وبدأ البحث بعناية عن أصل المجتمعات: مما يبدو لي مستهجناً" إن لم يكن البشر يشكلون أي مجتمع، إن كانوا يبتعدون ويهربون من بعضهم بعضاً فيجب أن نتساءل عن السبب أن نبحث لماذا يبقون منفصلين، لكنهم يولدون جميعاً مرتبطين بعضهم ببعض: فالابن قد ولد بقرب أبيه ويبقى بقربه: هذا هو المجتمع وهذه هي مسببات المجتمع".‏

وهنا يؤكد مونتسيكو على "غريزة الالفة والاجتماع"، التي تحل محل العقد الاجتماعي، وهو بذلك يضع نفسه خصماً عنيداً لنظرية الحق الطبيعي والعقد، ويجسد القطيعة الكاملة مع منظري الحق الطبيعي. لكن الثورة التي يحدثها مونتسكيو، تكمن في نظريته الجديدة عن القوانين، التي يعرفها على النحو التالي: "القوانين... هي العلاقات الضرورية التي تشتق من طبيعة الأشياء وبهذا المعنى فإن لجميع الكائنات قوانينها: وللعالم المادي قوانينه وللعقول الفائقة للإنسان قوانينها وللحيوانات قوانينها وللإنسان قوانينه"(روح الشرائع الكتاب الأول، الفصل الأول). ومن وجهة نظر ألتوسير، الله في هذه الحال، الذي خلق العالم "ليس إلا حداً من حدود العلاقات، إنه العقل الأولي، لكن القوانين تضعه على قدم المساواة مع الكائنات". ويضيف مونتسكيو قائلاً "القوانين هي العلاقات السائدة بينه (العقل الأولي أي الله) وبين مختلف الكائنات وعلاقة مختلف هذه الكائنات ببعضها"(روح الشرائع الكتاب الأول، الفصل الأول).‏

أما على صعيد المجتمع المدني، فإذا كنا لا نجد تعريفاً محدداً حوله، إلا أننا نرى أن الصورة التي يتجسد فيها المجتمع المدني هذا، تتمثل في التعريف النظري، الذي يعطيه للجمهورية الديمقراطية. وتتميز طبيعة الجمهورية الديمقراطية، باعتبارها حكومة العدد الأكبر، في أن "الشعب لنفهم مجموع المواطنين، يظهر فيها تحت وجهين متعارضين، ومتكاملين، من بعض الحيثيات، هو المونارك (الرئيس الأوحد، الملك)، من حيثيات أخرى هو الرعية"(33). إن الجمهورية الديمقراطية لمونتسكيو، هي "جمهورية أعيان". فهو يصرح بأنه يحبذ الديمقراطيات القديمة، أي ديمقراطية "التمثيل الشعبي". ويقول في هذا الصدد "في الحكومة حتى وإن كانت شعبية، يجب ألا يسقط النفوذ بين يدي حثالة الشعب"(روح الشرائع، الكتاب الخامس عشر، الفصل الثامن عشر). فمونتسكيولا يريد أن تكون السلطة لحثالة الشعب هذه، "إن حثالة الشعب هي الطاغية الأكثر وقاحة الذي يمكننا الحصول عليه ". بينما تظهر الجمهورية الديمقراطية عند روسو كجمهورية المستقبل، حين يقول "لا يمكن تمثيل السيادة لنفس السبب بأنه لا يمكنها الاغتراب عن ذاتها، إنها تكمن ما هو يا في الإرادة العامة ولا يمكن تمثيل الارادة اطلاقاً"(العقد الاجتماعي، الكتاب الثاني، الفصل الخامس عشر). ولأن روسو يعتبر أن أية ديمقراطية تعطي لنفسها ممثلين، فهي محكوم عليها بالهلاك والموت. في حين أن مونتسكيو يؤكد على عكس ذلك، أن أية ديمقراطية بدون ممثلين تصبح استبداد شعبي. إن مبدأ هذه الجمهورية الديمقراطية، التي يتحدث عنها مونتسكيو هو الفضيلة، التي "تطلب أن يضحي المرء للدولة، للمصلحة العامة، تضحية مستمرة بذاته ونزواته، وبأنانيته، بعدم انضباطه، بجشعه، بكل شهواته"(34).‏

على نقيض الجمهورية الديمقراطية، يعرف مونتسكيو الحكومة الاستبدادية عامة، والملامح الاستبدادية بشكل خاص، كونها نظاماً سياسياً ليس له إذا جاز التعبير "أية بنية لا سياسية حقوقية واجتماعية. فالاستبدادية هي فكرة الشر المطلق، وليس لها "قوانين أساسية". فالطاغية حسب مونتسكيو يتمتع من القانون "السياسي سوى بالمظهر. فحتى الدين في الاستبدادية، هو بحد ذاته استبدادي على رأي مونتسكيو: "إنه خوف مضاف إلى الخوف"(روح الشرائع، الكتاب الخامس، الفصل الرابع عشر). في الحكومة الاستبدادية لا شيء يميز بين البشر: إنه حكم "المساواة المطلقة"، التي تسقط كل الرعايا ضمن نفس التجانس. يقول مونتسكيو: يتمتع جميع الناس هنا بالمساواة، لا لأنهم كل شيء كما هو الحال في الديمقراطية، بل "لأنهم لا شيء"(روح الشرائع، الكتاب السادس، الفصل الثاني).‏

إن النقطة المركزية في نظرية مونتسكيو، تكمن بشكل خاص في الفصل الشهير حول الدستور الانكليزي، الذي بلور فيها أسطورة الفصل بين السلطات، السلطة التنفيذية (الملك ووزرائه)، السلطة التشريعية (الغرفة السفلى والغرفة العليا)، والسلطة القضائية (هيئة القضاة).‏

إن هذا التحليل الواقعي لرواد ومنظري الحق الطبيعي، وحالة الطبيعة، والعقد الاجتماعي، الذي يظهر وكأنه استعادة عرضية للماضي، يسمح لنا أن نقول، بأن نظرية الحق الطبيعي، هي في جوهرها غير جدلية، وإنما ميتافيزيقية، لأنها تنظر إلى الأشياء، والكائنات في ثباتها، لا تتبدل. إن منظري الحق الطبيعي، تمترسوا حول مقولة مركزية، بأن الانسان الذي يعيش في مختلف المراحل التاريخية، تلازمه دوماً وأبداً بعض الخصائص، التي منحته إياها الطبيعة. ومن هنا انطلقت نظرية الحق الطبيعي، من أن الطبيعة البشرية لا تتبدل، ولا تتغير، ووفق هذا المنظور تصبحُ الحقوق الطبيعية المنبثقة بدورها من هذه الطبيعة الأبدية، حقوقاً ملازمة للإنسان، وثابتة، بصرف النظر عن المراحل والتحولات، التي يشهدها المجتمع في سيرورة تطوره، والقوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي والسياسي، والايديولوجي، التي تفعل فعلها، وتؤثر جدلياً في مسيرة المجتمع والإنسان على حد سواء، حيث أن هذه القوانين الموضوعية "قد تكون مطابقة للقوانين الطبيعية، وقد لا تكون".‏

ليس من شك، أن نظرية الحق الطبيعي شكلت حلقة متقدمة في الصراع ضد نظرية حق الملوك الإلهي، وفي مقارعة الحكم المطلق، وارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالتصور العقلاني البرجوازي للعالم الجديد، وللعلاقات الاجتماعية، وللمجتمع المدني، الذي عرف النور في القرن الثامن عشر، مع صعود البرجوازية، وسيادة العقلانية، والعلمانية، بلا منازع. ومع التطور البرجوازي اللاحق في جميع حلقاته الايديولوجية، والسياسية، والصناعية، سقطت نظرية الحق الطبيعي، لأن سياق التطور التاريخي عينه، أثبت أن طابعها غير علمي، وبالتالي غير تاريخي.‏

تتميز فلسفة هيغل السياسية بالربط بين عنصرين أساسيين، احتلا مركز الأصالة والأهمية في المجرى الرئيس لتطور فلسفته، وهما: الجدل، باعتباره الطريقة المثلى، التي تمتلك القدرة على إظهار العلاقة المنطقية والضرورية بين "عالم الحقيقة وعالم الأشياء"، والمنهج الجديد الثوري، لدراسة معضلات المجتمع والتاريخ، والدولة القومية، باعتبارها تجسيداً للسلطة السياسية.‏

وفي فلسفة الحق، الجزء الثالث، يوجد قسمان فرعييان، يتعلقان بالمجتمع المدني والدولة، حيث أن هيغل يصل إلى النتيجة التالية في فلسفته السياسية، وهي أن الدولة تعتبر من الناحية الأخلاقية أسمى من المجتمع المدني. فالدولة في نظر هيغل هي "الإرادة المقدسة، بمعنى أنها عقل كائن على الأرض وكاشفة عن نفسها". وهي بهذه الصفة تمتلك سلطة مطلقة، تجعل من تسلط الدولة السياسي، وحتى دكتاتوريتها على المجتمع المدني أمراً محتوماً. ولهذا، قلما نجد في الفلسفة السياسية لهيغل نظرية متبلورة على المجتمع المدني، الذي هو بالنسبة إليه، ليس إلا نظام من الانسجام الآلي في علاقاته الداخلية، بدون ذكاء أو توجيه ذاتي، وهو لا يرده إلى عمق الأبعاد الإنسانية، وإنما تكمن قضيته في فرض الدولة السياسية عليه.‏

إن تعرف هيغل للمجتع المدني يتمثل في تحليله الدقيق للنقابات المهنية، والشركات، وللجمعيات، والمجتمعات المحلية، والطبقات الاجتماعية، والقوى السياسية، والمؤسسات التي شكلت أساس المجتمع المدني" وعلى العموم كان راي هيغل في المجتمع المدني يتضمن مبدأ سليماً وهو أنه عندما ينظر إلى الفرد على أنه مواطن فحسب، تميل الدولة إلى امتصاص كل أشكال الاجتماع البشري. وليس هذا في الواقع حرية ولكنه استبداد، كما تثبت ذلك كل أشكال الدكتاتورية السياسية. ولعل حجج أنصار مذهب التعددية السياسية في نهاية القرن التاسع عشر كان في الإمكان استخلاصها إلى حد كبير من نظرية هيغل في المجتمع المدني، كما أن الأهمية التي علقها ماركس على القوى الاقتصادية في السياسة كانت جذورها تمتد هناك بصفة قاطعة تماماً، حتى وأن حكم ماركس على دولة هيغل بالفناء"(35).‏

في فلسفة الحق الهيغلية يتضمن المجتمع المدني اللحظات الثلاث التالية:‏

آ- توسط الحاجة وإرضاء الفرد بعمله وبعمل الآخرين جميعاً وإرضاء حاجاتهم، وتلكم هي منظومة الحاجات.‏

ب- واقعية عنصر الحرية الكلي، المتضمن في هذه المنظومة، وهي الدفاع عن الملكية بالعدالة.‏

ج- الحيطة ضد ترسبات جواز هذه المنظومات، والدفاع عن المصالح الخاصة، وكأنها شيء ما مشترك، بالادارة والمنظمات الحرفية" (36).‏

المجتمع المدني حسب الايقاع الثلاثي الهيغلي، يتكون من ثلاث لحظات مترابطة ترابطاً جدلياً وضرورياً.‏

1- منظومة الحاجات: وتتضمن أولاً، أنماط الحاجات وارضائها تصبح الحاجات والوسائل بوصفها وجوداً واقعياً، وجوداً من أجل الآخر، الذي يصبح الإرضاء مشروطاً بحاجاته وعمله بالتبادل"(37). وثانياً، التقسيم الاجتماعي للعمل "إن التوسط الذي يهيء للحاجة المتخصصة وسيلة متخصصة أيضاً ويحصل لها عليها هو العمل. إنه بالأساليب الأكثر تنوعاً يخصص المادة التي استلمتها الطبيعة إليه مباشرة، لغايات مختلفة. وهذا الإعداد يخلع على الوسيلة قيمتها وفائدتها. فالإنسان يلاقي في أثناء استهلاكه، المنتجات الإنسانية على الخصوص، والجهود التي يستخدمها هي جهود إنسانية"(39). وثالثاً الثروة، في إطار التبعية المتبادلة بين إرضاء الحاجات، والتقسيم الاجتماعي للعمل، يبرز توسطاً للجزئي بالكلي، حين يربح وينتج الإنسان ويتمتع بذاته، فهو يربح وينتج في الوقت عينه من أجل متعة الآخرين. وفي إطار هذا التشابك المعقد، تبرز الثروة كضرورة قائمة.‏

2- القضاء: وينقسم بدوره، أولاً، إلى الحق بوصفه قانوناً. "إن الحق الذي يدخل إلى الوجود، في صورة قوانين وضعية يتحقق أيضاً بوصفه مضموناً، بالتطبيق، ويدخل عندئذ في علاقة مع العادة التي تقدمها أوضاع أنواع الملكيات والعقود في المجتمع المدني، التي هي أوضاع معقدة وفردية إلى ما لا نهاية له، وتدخل أيضاً في علاقة مع الأوضاع الأخلاقية"(39). وثانياً وجود القانون، "كما أن الحق في ذاته يصبح هو القانون في المجتمع المدني، كذلك يتلقى الوجود المباشر والمجرد سابقاً لحقي الفردي، دلالة شيء ما معترف به بوصفه وجوداً، في وجود الإرادة والعلم الكليين"(40).‏

وثالثاً المحكمة"، إن الحق يؤول إلى الوجود، في صورة قانون يوجد لذاته، ويتعارض مع الإرادة الخاصة، والرأي الذاتي عن الحق بوصفه شيئاً ما مستقلاً. أن ينبغي له أن يجعل لنفسه قيمة بوصفه كلياً. إن هذا الفعل الذي يعترف بالحق ويحققه في الحالة الخاصة، خارج الانطباع الذاتي للمصالح الخاصة، يمت إلى سلطة عامة، إلى المحكمة (...) لعضو المجتمع المدني الحي في الحضور ساعة الحكم، كما عليه واجب المثول أمام المحكمة، وأن لا يطلب الاعتراف بحق متنازع فيه إلا أمام المحكمة"(41).‏

3- الشرطة والهيئات الحرفية النقابية، وهي مرتبطة أولاً في وجودها بالسهر على حماية حرمة الملكية الخاصة للأفراد، وضمان الأمن دون تعكير، وتطبيق القوانين.‏

إن الموضوعات الأساسية الثلاثة لهيغل حول المجتمع المدني، تتلخص على النحو التالي:‏

يعتبر هيغل الأسرة، والمجتمع المدني، ميداني فهم للدولة، وميداني نهائيتها. أولاً، الأسرة، باعتبارها كلاً جوهرياً، هي التي يتعلق بها قبل أي شيء، التبصر من أجل الفرد في هذا الوجه الخاص، سواء من وجهة نظر الوسائل والقابليات الضرورية، لينال نصيبه من الثروة الجماعية، أم من جهة نظر معاشه ونفقته، في حال حدوث العجز (42). وتمثل الأسرة الكلي. أما المجتمع المدني، فهو يقطع هذه الرابطة ويبعد أعضاء الأسرة بعضهم عن بعض ويعترف بهم بوصفهم أشخاصاً مستقلين (...) وعلى هذا النحو، يصبح الفرد في المجتمع المدني، الذي بإمكانه أن يطالب به، بيد أن الفرد تكون له أيضاً حقوق عليه"(43).‏

وهنا يمثل المجتمع المدني لحظة الجزئية. أما الدولة فهي ضرورة خارجية وقوة أسمى، من جهة مقابل دوائر الحس الخاص والمصلحة الخاصة للأسرة والمجتمع المدني، فبطبيعتها تلحق قوانينها ومصالحهما التي تتعلق بها. ولكنها من جهة أخرى، غايتهما المتضمنة فيهما وقوتها في وحدة غايتها النهائية الكلية ومصالح الأفراد الخاصة، وهي وحدة تعبر عن نفسها في حقيقة أن لهؤلاء، الأفراد واجبات حيالها، ضمن الحد الذي لهم فيه حقوق في الوقت ذاته"(44).‏

وهنا تمثل الدولة اللحظة الفردية، التي هي في الوقت عينه، الوحدة الجوهرية للكلية والجزئية، فالأسرة والمجتمع المدني هما قسمان من الدولة في نظر هيغل. وهكذا، فإن الدولة السياسية، لا توجد بدون الأساس الطبيعي، الأسرة، والأساس الاصطناعي، المجتمع المدني. ففي داخل الدولة تتطور الأسرة إلى مجتمع مدني، ويتطور بدوره لكي يكون الأساس الاصطناعي للدولة السياسية. فلا دولة سياسية بدون مجتمع مدني، ولا مجتمع بدون أسرة. فالدولة السياسية تشترط في وجودها الضروري والمنطقي، وجود المجتمع المدني، والأسرة، فالأسرة لا تذوب في المجتمع المدني، مثلما لا يذوب المجتمع المدني في الدولة. ولكن الأسر بالنسبة لهيغل الدولة الحقيقية التي أعضاؤها مواطنون واعون لإرادة وحدة الكل والجزئي ترتفع فوق المجتمع المدني "إنها روحه ولكنها غايته أيضاً". فهيغل يقول، إن المجتمع المدني هو "دولة الضرورة والفهم، فهو يتطابق مع لحظة الذاتية.‏

وهكذا، فإن المجتمع المدني حسب رأي هيغل، الذي يمثل فضاء للمنافسات والمواجهات بين المصالح الاقتصادية الذرية الخاصة للأفراد، باعتبارها سمة مميزة للاقتصاد البرجوازي، يحتاج إلى دولة سياسية قوية، شمولية وعيانية، منفصلة على طوائف الحرف من طراز القرون الوسطى، ومتموقعة فوق المجتمع المدني. إن هيغل، وهو إن كان يريد السلطة التشريعية بالمعنى الحديث، إلا أنه يربطها بنظام دولة الطوائف الوسيط، لفرض النظام والتعددية، على المجتمع المدني. والحال هذه، يعلو هيغل على التناقض الحديث بين المجتمع المدني والدولة السياسية. وهو بهذا الموقف يكون متخلفاً عن نظرية الحق الطبيعي، التي أعلنت "حقوق الإنسان والمواطن". والتي تنصلت عن الفصل بين المجتمع المدني والدولة السياسية، لكونها النظرية التي مثلت "التعبير الفعلي عن العلاقة الواقعية بين الدولة والمجتمع المدني البرجوازي وعن انفصالهما".‏

ثالثاً: استنتاجات مفاهيمية حول المجتمع المدني:‏

تمثل الثورة السياسية البرجوازية في حقيقتها التاريخية ثورة المجتمع المدني. ولقد دكت هذه الثورة بنيان السلطة الاستبدادية الاقطاعية، وحطمت جميع المراتب، والاتحادات والطوائف الحرفية، والامتيازات السائدة في المجتمع الاقطاعي، باعتبارها تعابير متنوعة عن انفصال الشعب عن كليته السياسية، أي عن دولة النظام القديم، التي أصبحت غريبة بالنسبة للشعب، وأفسحت في المجال لعملية الانعتاق السياسي، أو بالأحرى للتحرر السياسي للمجتمع المدني المتماثل مع نمط الانتاج الرأسمالي، ومع سيادة الحق البرجوازي، أو سيادة "الرجل الخاص" البرجوازي، ولأن هذا التحرر السياسي للمجتمع المدني، يعتبر مرحلة حاسمة من مراحل تحرر العقل السياسي، ذلك أن الثورة البرجوازية قد حررت هذا المجتمع المدني من القيود الاقطاعية، واعترفت به رسمياً وسياسياً، وعبدت له الطريق للصعود إلى الدرجات المتوسطة من التحرر السياسي في آن معاً مع الدولة البرجوازية الحديثة والمعاصرة. بهذا المعنى، نقول أن مفهوم المجتمع المدني، الذي أغنته الفلسفة الليبرالية الكلاسيكية الغربية، بمختلف مكوناتها، بمضامين فكرية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، قد انبثق في القرن الثامن عشر، مع البرجوازية، والصناعة الحرة، والتجارة الحرة، اللتين تلغيان الأنطواءات المميزة، والطوائف الحرفية، لكي تقوم "حالة الحقوق العامة "المعاصرة"، أو الحق البرجوازي عوضاً عن الامتيازات الاقطاعية، حيث أن النظرية السياسية الليبرالية تتطابق على الصعيد التاريخي مع القضاء العملي على هذه الامتيازات.‏

يقوم الأساس التاريخي لمفهوم المجتمع المدني ضمن ارتباطه بالواقع البرجوازي، وضمن الشروط التاريخية التي تشكل فيها، على ما يلي:‏

أولاً: على أساس مضمون الحياة المدنية الحديثة والمعاصرة، الذي جوهره التحرر السياسي، وعلى التمييز بين الإنسان المطلق والإنسان الديني، أو بالأحرى على انفصال واستقلال الإنسان الديني، مسيحي، أو يهودي، أم مسلم الخ عن مواطن الدولة المدنية، باعتبار هذا التمييز، أو هذا الاستقلال هو البذرة العقلية للتحرر السياسي بالذات، أو الأسلوب السياسي للتحرر من الدين. ولكن علينا أن نؤكد أن تحرر الدولة السياسي من الدين، لا يعني بأي حال تحرر الإنسان الفعلي من الدين، فالدولة تستطيع أن تتحرر تماماً من الدين، حتى حين لا تزال أغلبية الشعب أو الأمة متدينة، علماً أن بقاء هذه الأغلبية دينية لا يعدو أن يكون بقاءا دينياً خاصاً.‏

فالتحرر السياسي يعتبر خطوة تقدمية وثورية كبيرة إلى الأمام، ولكنه ليس هو الشكل النهائي للتحرر الانساني. لهذا نقول، أن التحرر السياسي للدولة من الدين، وكذلك التحرر السياسي للإنسان من الدين، يمثل انتقال الدين من ميدان الحق العام إلى ميدان الحق الخاص، لكي يأخذ شكل قضية فردية خاصة محضة. ولأن هذا التحرر السياسي هو حق يتعلق بالإنسان الواقعي، الفرد، مواطن الدولة، ومقياساً لحريته، لا في الأفكار والمعتقدات أي كانت طبيعتها فقط، وإنما إيضاً في الحياة الواقعية، حيث يعيش الإنسان حياة مزدوجة، سماوية وأرضية، حياة في الدولة السياسية، باعتباره كائناً اجتماعياً، وحياة في المجتمع المدني، باعتباره فرداً خاصاً.‏

إن عملية الانتقال هذه، هي التي كانت أساس ولادة العلمانية للدولة السياسية من ناحية، وللمجتمع المدني من ناحية أخرى. وكما يقول محمد أركون، أن العلمانية التي تأسس عليها المجتمع المدني، والدولة السياسية البرجوازية، سواء بسواء، هي موقف للروح إزاء قضايا الوجود، قضايا العمل والمعرفة، قبل كونها نظاماً سياسياً اجتماعياً يقوم على فصل الدين عن الدولة.‏

ومن هنا ينجم أن التحرر السياسي، قلما يقضي على التدين الفعلي للإنسان، مثلما لا تعني العلمانية الإلحاد، وكما قلما تسعى إلى التقليل من شأن الدين، أو القضاء عليه. ومن هذا المنظار، تصبح العلمانية روح المجتمع المدني، ولا يمكن تحقيقها إلا في درجة جذرية من انفصال الدين عن الدولة، وبالقدر الذي تبرز به الدرجة المعنية من تطور الروح البشري للإنسان، حيث أن التحرر السياسي، هو التعبير عنها، لكي تبني نفهسا به في شكل دنيوي. وهذا ما لا يمكن حدوثه إلا في ظل سيادة العقلانية، واستقلال المجتمع المدني عن السلطة الدينية، واستقلال السلطة الدينية عن السلطة الزمنية، والعلمانية عن الظلامية، وفي ظل سيادة الدولة الديمقراطية الحديثة والمعاصرة، حيث أن كل إنسان مطلق بمفرده، مؤمناً كان أم متديناً، متعصباً لدينه وأصولياً أم ملحداً، ظلامياً أم عقلانياً، يكون فيها كائناً إنسانياً نوعياً سائداً. يقول ماركس بهذا الصدد، في أضواء على المسألة اليهودية: "أما الدولة الديمقراطية، الدولة الفعلية، فإنها لا تحتاج إلى الدين لأجل اكتمالها السياسي بل بالعكس. ففي وسعها أن تتجرد من الدين لأن قاعدة الدين الأساسية محققة فيها بأسلوب دنيوي"(45).‏

وهكذا، فالمجتمع المدني مؤسس على العقلانية، والعلمانية، باعتبارها سيرورة تاريخية معقدة، شكل انفصال أو استقلال الإنسان الديني عن الإنسان المطلق، لحظتها الجدلية العقلانية والعلمانية الكبرى، أو خطوتها الأولية، علماً بأن ما نعنيه بالإنسان المطلق أو الكوني، هو:‏

أولاً: التصور الجدلي للإنسان الكائن النوع، والشمولي، وتاريخه، ومصائره.‏

ثانياً: وتملك الإنسان للعالم أي عالمه.‏

ثالثاً: وهو "الوحدة الجدلية التي تجمع بين ثلاث مستويات مترابطة ترابطاً ضرورياً، الخاص والفردي، والعام".‏

ثانياً: يقوم المجتمع المدني على أساس احترام حقوق الإنسان، وهي جزئياً الحقوق السياسية، ومضمونها يكمن في المشاركة السياسية في الدولة. ومن هذا المنظار، فهي تدخل في مقولة الحرية السياسية. وحقوق الإنسان هي حقوق عضو المجتمع المدني المتحرر سياسياً، أي حقوق الإنسان الأناني، أو الفرد البرجوازي. أما مرتكزات إعلان حقوق الإنسان، فتتمثل في المساواة السياسية والقانونية، والحرية والملكية الخاصة، والأمن. من الناحية التاريخية، والسياسية، والأخلاقية، إن حق الإنسان في الحرية يعني فعلياً وعملياً حق الإنسان في الملكية الخاصة. يقول ماركس معلقاً على هذا الموضوع، "ومن هنا ينجم أن حق الإنسان في الملكية الخاصة هو حقه في انتفاع بملكه والتصرف به على هواه (a som gré) دون أي علاقة بالناس الآخرين، بصورة مستقلة عن المجتمع، أنه حق المصلحة الشخصية"(46).‏

إن الحرية الفردية تشكل أساس المجتمع المدني، وهي قائمة على مبدأ الحق البرجوازي، باعتباره حقاً ناجماً عن الملكية الخاصة عامة، والملكية الخاصة لوسائل الانتاج بخاصة. إن هذه الحقوق مأخوذة بمفردها، هي حقوق الإنسان الأناني البرجوازي، عضو المجتمع المدني، حيث أن هذا الإنسان لا تعتبره جزءاً من الكل، أي المجتمع، وإنما على العكس تعتبر المجتمع أو الدولة إطاراً خارجياً منفصلاً عنه، بل تذهب الليبرالية البرجوازية إلى اعتبار تدخل الدولة قيداً لاستقلالية الأفراد الأولية، أوكبْحاً لحريتهم الفردية، لأن الروابط الضرورية، المنطقية، والتاريخية، والعقلانية، والطبيعية، بين الأفراد، قائمة على المنفعة، والحاجة، والمصلحة الخاصة، والحفاظ على الملكية الخاصة للفرد، الذي حولته الرأسمالية إلى الفرد البرجوازي الأناني، وعلى شخصيته الأنانية.‏

ونخلص إلى القول، أن المجتمع المدني، هو مجتمع القانون والنظام، وهو قائم على مفهوم الحق البرجوازي، وعلى مفهوم الملكية الخاصة، ومفهوم الحرية، ومفهوم النزعة الذاتية الاستقلالية، وعلى سيادة الحق البرجوازي في العلاقات التبادلية بين الأفراد داخل هذا المجتمع المدني، على نقيض العلاقات التبادلية بين الناس في نظام المراتب، والطوائف الحرفية، المتجسدة في الامتيازات داخل المجتمع الاقطاعي، أو المجتمع القديم. إن التحرر السياسي في المجتمع المدني، قد قاد الإنسان، إلى تحرر الإنسان من الدين، من خلال نيله الحرية الدينية، أولاً، وإلى حصوله على حرية وحق الملكية الخاصة، ثانياً، وإلى اعتباره فرداً برجوازياً أنانياً مستقلاً، وعضواً في المجتمع المدني، ثالثاً، وإلى اعتباره مواطناً شخصاً حقوقياً في الدولة السياسية البرجوازية رابعاً.‏

إذا كان المجتمع المدني ببعده التاريخي العالمي، يشكل الأساس الطبيعي للدولة البرجوازية الحديثة والمعاصرة، فإنه لا يعني بأي حال من الأحوال اعتبار المجتمع المدني هو الليبرالية عينها فقط، كما تذهب إلى تصويره لنا كذلك الماركسية العربية، التي نجم عنها ضلالاً معرفياً وسياسياً كبيرين، لعدم دراستها بعمق مفهوم المجتمع المدني.‏

ومع أن هذا المجتمع المدني قد اكتمل تطوره في المجتمع البرجوازي الحديث، في أوروبا الغربية، وباحتوائه كل الحياة التجارية والصناعية، في إطار درجة معينة من تطور القوى المنتجة والنقابية، في الحياة السياسية، وبتخطيه جدلياً حدود الدولة القومية والأمة، ليعتنق رحاب العالمية، إلا أن الايديولوجية البرجوازية الليبرالية تحاول تقزيمه بإبرازه خارجياً في صورة القومية، وداخلياً في صورة الدولة.‏

ثالثاً: إن المجتمع المدني بهياكله الاقتصادية، وانقساماته الطبقية والفئوية، وتبايناته الاجتماعية وتكويناته السياسية والنقابية، الذي تحكمه مبادىء المواطنة، والمساواة السياسية والقانونية بين الأفراد في الحقوق والواجبات، والمشاركة السياسية من خلال الانتخابات التشريعية، والبلدية والمحلية، لانتخاب الممثلين عنه للاضطلاع بأعباء السلطة في الدولة البرجوازية، باعتبار أن الشعب أو الأمة، هو مصدر السلطات، الذي لا يتحقق كمبدأ، إلا في ظل سيادة الديمقراطية، بوصفها أيضاً الساحة التي يتقاطع فيها المجتمع المدني مع الدولة، فإن هذا المجتمع المدني عينه، هو مجتمع الاختلاف، والتعدد، والتعارض، والتناقض، داخل بنيانه، وهياكله الاجتماعية والسياسية.‏

لان الاختلاف والتعدد، والتعارض، والتناقض، صفات جوهرية متأصلة في الأفراد، والجماعات، والطبقات، والشرائح الاجتماعية المختلفة، والطوائف، والأمم، والدول، والشعوب، والحضارات وهي جميعها كظاهرات متأسسة بعضها على البعض الآخر في علاقة جدلية، تشكل قانون التغيير، والتطور، والتقدم، في حركة التاريخ بوجه عام، وتاريخ الديناميات الداخلية للمجتمع المدني بوجه خاص. فلا اختلاف بدون تشابه، وتشاكل، وتهاو على حد قول الأستاذ الياس مرقص.‏

فالاختلاف والتعدد، والتعارض والتناقض للأنا مع الآخر، حسب مقولة الجدل، ونظرية المعرفة، والمنطق، هو وحدة الأنا مع الآخر الجدلية في هوية واحدة. فليست حقيقة الأنا، أنه في هوية مع نسق أوانه مختلف مع غيره، وإنما حقيقته، إنه يشمل على آخر هو ماهيته، فمقولات الاختلاف، والتعدد، والتعارض، والتناقض في ترابطها الجدلي، باعتبارها ظاهرات موجودة داخل الفرد الواحد وغيره، والطبقة الواحدة وغيرها، والمجتمع وغيره، والأمة وغيرها، والشعب وغيره، تشترك في وجودها الأخرى. فلا وجود للاختلاف بدون تعدد، ولا وجود للتعدد بدون تعارض، ولا وجود للتعارض بدون تناقض، وهي كلها مقولات نسبية مترابطة داخلياً في جوهر الأشياء، والإنسان النوع، والكيان البشري، وفي الطبيعة، وفي علاقاتها الجذرية، التي لا حصرى لها. والجدل المادي يقر، بأن الواحد، والكلي، والعام، والكوني، موجود فقط في شبكة من العلاقات، والروابط القائمة على الاختلاف، والتعدد، والتعارض، والخاص، كوجود معين.‏

لهذا كله، نقول أن تكوينات المجتمع المدني ومؤسساته، من أحزاب سياسية، ونقابات، ومجالس نيابية وصحافة، ووسائل إعلام، قائمة في وجودها المعين، على الاختلاف، والتعدد، والتعارض والتناقض.‏

وبهذا تكون ماهية المجتمع المدني انعكاساً في الآخر، وفي ارتباطه الصميمي بغيره من مقولات الاختلاف، والتعدد والتعارض والتناقض.‏

والمجتمع المدني الحقيقي يشير دائماً إلى شيء آخر هوأساسه، القائم على الاختلاف، والتعدد، والتعارض، والتناقض، ومن هنا كان هذا الأساس هو الماهية الداخلية للمجتمع المدني، على نقيض النزعات التوتاليتارية والفاشية.‏





رابعاً: إن أصول المجتمع المدني قديمة وعالمية، وتاريخية، موجودة في الحضارات القديمة اليونانية والرومانية، والعربية في العصر الأموي والعباسي، وفي الحضارة الصينية. وهو وجود تاريخي، وثري بتنوعه. يقول الأستاذ الياس مرقص في هذا الموضوع، "إن تاريخ الإنسان بعد ظهور النوع، هو جوهرياً، في المنظور العريض والبسيط، تاريخ بروز وعدم بروز المجتمع المدني"(47).‏

ومع أن المجتمع المدني في الغرب يعاني من أزمة بنيوية عميقة، بسبب تناقضه مع هيمنة الدولة السياسية البرجوازية الاحتكارية عليه، التي تحمل في سيرورة وجودها، واستمرارها، توتاليتاريات جديدة، وفاشية جديدة، ليست نازية أميركا آخرها، بحكم استفحال أزمة النظام الامبريالي العالمي، حيث أن التاريخ العالمي يتطلب ضرورة التخطي الجدلي الكبير، لهذا المجتمع المدني البرجوازي السابق، نحو عملية التحرر الإنساني، أي نحو بناء المجتمع الانساني على حد قول ماركس في أفق اشتراكي، القائم على الملكية الجماعية لوسائل الانتاج. لأنه علينا نحن العرب (أي الشعب)، ونحن بصدد المطالبة بإنجاز الثورة القومية الديمقراطية، المنظور إليها عالمياً، وكونياً، أي نرتكز على المكتسبات الايجابية والتقدمية للمجتمع المدني، الذي تشكل في أوروبا الغربية، كأفكار الحق، والقانون المدني والدستوري، وثنائية الوطن والمواطن، والحريات الفردية والعامة، والحرية السياسية المرتبطة بالتعددية السياسية، والديمقراطية، دون أن يعني ذلك اعتبار المجتمع المدني هو نهاية المطاف في تاريخ البشرية. يقول الأستاذ الياس مرقص في نقده للرؤية الماركسية العربية القاصرة والعاجزة عن فهم المجتمع المدني، "التعامل مع هذا الشيء الكبير بإدارة الظهر، باللعن، أو بالركوع أو التعامل معه بالانبهار والحرب، بالسجال العنيف الابولوجيتيقي، الذي يخفي أو لايخفي الانبهار، موقف ألحق ويلحق ضرراً كبيراً بالوعي العربي، إنه الضياع(48).‏

ونحن نؤكد على الجوانب الايجابية والتقدمية للمجتمع المدني، علينا أن نعترف بأن أوروبا الغربية، كانت لحظة تاريخية مهمة كبيرة وحاسمة، وحيوية، في التبلور التاريخي لهذا المجتمع المدني بعمقه العالمي، وإن كان هذا الاعتراف ليس مقترناً بالنزعة التماثلية، أو بالتبعية للمركزية الأوروبية، بقدر ما هو نابع من منهج نظري، يتخذ من الجدل ركيزة أساس في بنيانه الداخلي، ومن المشروع القومي الديمقراطي النهضوي، دعامة ثابتة رئيسة في بنية المجتمع العربي لتأسيس فكر عربي نهضوي معرفي، وثقافي، وسياسي نضالي، قائم بذاته.‏

هوامش الفصل الثاني:‏



(1)- ف فولغين- فلسفة الأنوار- ترجمة هنريت عبودي- دار الطليعة للطباعة والنشر- الطبعة الأولى- إيلول (1981(ص7)).‏

(2)- جورج سباين- تطور الفكر السياسي- الكتاب الثالث- ترجمة الدكتور راشد البراوي- دار المعارف مصر- مارس 1971 (ص456).‏

(3)- المصدر السابق (ص458).‏

(4)- البيرسوبول- تاريخ الثورة الفرنسية- ترجمة جورج كوسى- منشورات بحر المتوسط ومنشورات عويدات- بيروت- باريس الطبعة الثالثة 1982 (ص64).‏

(5)-‏

Bossuet: "Politique tirée des propres paroles de lécriture sainte dans le pouvoir: Scienceet philosophie politique‏

Paris Editions Magnard I: 987 (PP 55- 58).‏

(6)-‏

On Good words (trans by W. A. Lambert) werke Vol VI (p250).‏

(7)- انجلز- فريدريك "حرب الفلاحين" حول الدين (كارل ماركس وفريدريك أنجلز) ترجمة ياسين الحافظ- دار الطليعة بيروت- الطبعة الأولى 1974 (ص82).‏

(8)-‏

Turner, Bryan, WEBERANDISLAM, London 74 (P42).‏

(9)- حسين مروه- محمود كروب- محمود أمين العالم- سمير سعيد- دراسات في الإسلام- دار الفارابي- الطبعة الأولى 1980- الطبعة الثانية 1981 (ص126).‏

(10)- جورج سباين- مصدر سابق (ص544).‏

(11)- ماكس فيبر- الأخلاق البروتسانتية وروح الرأسمالية (الصفحات 16- 19).‏

(12)- باور- ماركس- المسألة اليهودية عن مقدمة المترجمة (ص17).‏

(13)- ف- فولغين- مصدر سابق- (ص15).‏

(14)- البير سوبول- مصدر سابق (ص96).‏

(15)- د. سعيد بنسعيد العلوي- حول نشأة وتطور مفهوم المجتمع المدني في الفكر الغربي الحديث مقال نشر في جريدة السفير 23/1/1992.‏

(16)-‏

Machiaves Oeuvres completes N.R.F. (Bibliotique de lapleide) Pares 1964).‏

(17)-‏

N. R. F. (P 709).‏

(18)- جورج سباين- مرجع سابق (ص 490).‏

(19)- ماكس موركهايمر- بدايات فلسفة التاريخ البرجوازية- ترجمة محمد علي اليوسفي- دار التنوير الطبعة الأولى 1981 (ص34- 35).‏

(20)- جان جاك شوفاليه- أمهات الكتب السياسية- 1- ترجمة جورج صدقني- منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي دمشق 1980 (ص1-4).‏

(21)- ماكس موركهايمر- مصدر سابق (ص45).‏

(22)- المصدر السابق (ص49- ص50).‏

(23)- سبينوزا- رسالة في اللاهوت والسياسة.‏

(24)-‏

Jean Jacques Rousseau- Discours sur L`origine de Linegalité parmis les hommes (Paris- Gamier- Flammarion) 1971 )PP 194- 195).‏

(25)- الأعمال الكاملة لجان جاك روسوم 1- باريس 1788- 1793 السياسة (ص39- 40).‏

(26)- المصدر السابق (ص116).‏

(27)- ف- فولغين- مصدر سابق (ص207).‏

(28)- شوفاليه- جان- جاك- المؤلفات السياسية الكبرى- ترجمة الياس مرقص- دار الحقيقة بيروت- الطبعة الأولى- كانون الثاني 1980- (ص150).‏

(29)- ف- فولغين- مصدر سابق (ص219).‏

(30)- شوفاليه- جان جاك- مصدر سابق (ص155).‏

(31)- لوى ألتوسير- مونتسكيو- السياسة والتاريخ- ترجمة نادر ذكرى- الطبعة الأولى 1981 دار التنوير (ص22).‏

(32)- لوى التوسير- مصدر سابق (ص15).‏

(33)- شوفاليه- مصدر سابق (ص114).‏

(34)- شوفاليه- مصدر سابق (ص114).‏

(35)- جورج سباين- تطور الفكر السياسي- الكتاب الرابع ترجمة علي إبراهيم السيد- دار المعارف مصر- نيسان- 1971 (ص789- 880).‏

(36)- هيغل مبادىء فلسفة الحق- ترجمة تيسير شيخ الأرض (ص227).‏

(37)- المصدر السابق- (ص229).‏

(38)- المصدر السابق- (ص231- 232).‏

(39)- المصدر السابق- (ص243- 244).‏

(40)- المصدر السابق (ص247).‏

(41)- المصدر السابق (ص250- 251).‏

(42)- المصدر السابق (ص260).‏

(43)- المصدر السابق (260).‏

(44)- المصدر السابق (ص ).‏

(45)- ماركس وأنجلز بصدد الدولة ماركس- أضواء على المسألة اليهودية- دار التقدم- 1986 (ص80).‏

(46)- المصدر السابق (ص85).‏

(47)- الياس مرقص- المذهب الجدلي والمذهب الوضعي- الطبعة الأولى (1991) (ص22).‏

(48)- المصدر السابق (ص24).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 08:31 PM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الثالث

الدولة السياسية والمجتمع المدني‏



أولاً- نقد من داخل الليبرالية:‏

يقوم المجتمع المدني على مفهوم الحرية، بما يعني ذلك غياب العقبات والعراقيل أمام طريق الاختيارات، التي قد يقرر هذا المجتمع المدني السير عليها، ليس طريق الاختيارات الفعلية فقط، وإنما طريق الاختيارات الكامنة أيضاً. ولقد كانت حرية المجتمع المدني، ولا تزال، أي مسألة الحدود، التي لا يجوز لسلطة الدولة السياسية البرجوازية عادة بتجاوزها، هي الباعث للنقاش وللصراع الفلسفي والسياسي، حول التناقض المزدوج بين الدولة السياسية والمجتمع المدني، وعلاقته بأزمة المشاركة السياسية في الحكم، من جانب الجماهير.‏

إن الليبرالية الغربية، التي تشكل ايديولوجية المجتمع المدني، تعتبر الحرية المبدأ والغاية، التي يجب أن تسود فيه. واستطاعت هذه الفلسفة الليبرالية الكلاسيكية الغربية أن تبني منظومة مكتملة من الأفكار تتعلق بالحرية داخل المجتمع المدني، خلال المراحل الأربع التي مرت بها. ففي المرحلة الأولى من تطور الليبرالية، كان التركيز على مفهوم الفرد، ومفهوم الذات، الذي يميز الفلسفة الغربية الحديثة جميعها، إذ ينطلق التحليل الفلسفي الغربي من الإنسان باعتباره الفاعل الصاحب الاختيار والمبادرة"(1). وفي المرحلة الثانية تم تشييد علمان عصريان مهمان، وهما من أهم إنجازات الثورة البرجوازية في القرن الثامن عشر، أي علم الاقتصاد السياسي العقلاني، المتناقض جذرياً مع الاقتصاد الاقطاعي المتفكك والمجزأ، وعلم السياسة النظرية، المتأسس على العقلانية والعلمانية في العلاقة الحرة بين الأفراد المستقلين والمتساوين، في تناقض جذري مع سياسة الاستبداد الاقطاعي، التي كانت سائدة في النظام القديم.‏

وقد عرفت المرحلة الثالثة من الليبرالية في الغرب نزعة المبادرة الفردية الخلاقة والمبدعة. وجدير بنا أن نذكر أن مبدأ الحرية، الذي يعتبر من المكونات الأساسية للمجتمع المدني، قد استحل من جانب الدولة السياسية البرجوازية الحديثة والمعاصرة، وحولته إلى مذهب للاضطهاد، أصبح ظاهرة مألوفة جداً في الدول الرأسمالية الصناعية الغربية، لأن سلطة الدولة هناك "قد باعت حقوق الفرد المالك الخلاق باسم حقوق مجردة للفرد العاقل"، في حين أن الإنسان الواقعي الذي تبلور عبر سيرورة معقدة وطويلة على مر الحقب التاريخية، هو الذي يجب أن يكون هدف السلطة السياسية، على نقيض الفرد العاقل الذي يعيش حالة من السيادة الوهمية داخل الدولة السياسية البرجوازية.‏

يقول هيغل في هذا الصدد: "ليست الدولة في ذاتها مبنية على مصلحة الفرد، وليس هدفها الدفاع عن المجتمع المدني (...) وتمثل الدولة بالنسبة للأسرة وللمجتمع المدني ضرورة خارجية، وقوة متعالية، تتكيف قوانينهما ومصالحهما مع طبيعتها، لكن، في نفس الوقت، تمثل غاية الاثنين معاً. تكمن الغاية العامة مع المصالح الخاصة، ورمز تلك الوحدة هو أن الأسرة والمجتمع يتحملان، إزاء الدولة، واجبات بقدر ما يتمتعان بحقوق"(2).‏

وإذا كان المفهوم الأساس للحرية في المرحلة الرابعة من الليبرالية حيث يسود مبدأ عدم التدخل، Laissez Faire هو حق الاختلاف أو التباين، والمعارضة، فإن النظام الاقتصادي، والاجتماعي والقانوني، للدولة السياسية البرجوازية السائدة في كل البلدان الرأسمالية الصناعية، حيث تسود النزعة الاقتصادية الفردية غير المحدودة، والمزاحمة الرأسمالية، قد حولت الأغلبية المسحوقة في المجتمع المدني، التي تتمع بالحقوق القانونية في ظل سيادة القانون الانتخابي، والبرلمان، إلى مجرد قطيع خاضع لأقصى درجات الاستغلال، والوحشية، والظلم. فالحرية في هذه المجتمعات المدنية، هي في يد الفئات، أصحاب المصانع، والتجار، وأصحاب الأراضي والملكيات العقارية الكبيرة، والبنوك، والمصارف المالية، وذريعة تدخل الدولة السياسية أو بعض الهيئات الفعالة الأخرى، لكي توفر للأفراد ظروف الحرية الايجابية المتمثلة في مشاركة المجتمع المدني في الانتخابات البرلمانية، لانتخاب ممثلين عنه، باعتبار هذه المشاركة السياسية تمثل ركيزة الايديولوجية الليبرالية، وأساس الديمقراطية الغربية. كما أن صعود القوة المتطرفة للنزعة الفردية الليبرالية، والدعاوة الايديولوجية والسياسية الطنانة للحرية الايجابية، ونعني بها سيادة الديمقراطية الليبرالية، باعتبارها أسلوباً تقنياً للتوفيق ما بين الحرية السلبية والحرية الايجابية، كل هذه المفاهيم المقترنة بتطبيق سياسات هدامة اجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً، لأنها، كانت ولا تزال، تسلح الأقلية من الأقوياء والمتوحشين وغير الأخلاقيين من الرأسماليين، ضد الأغلبية الساحقة من المجتمع المدني، الفقراء والضعفاء، الذين يعيشون من بيع قوة عملهم، ما زالت ماثلة للعيان بشكل واضح، وتؤدي دورها التاريخي في المجتمعات الصناعية الرأسمالية، قناع للطغيان، والاستغلال، والظلم الاجتماعي، الذي تمارسه الدولة السياسية ضد المجتمع المدني عامة، والطبقات المضطهدة والمستغلة فيه بخاصة، تحت ستار قدر أكبر من الديمقراطية الليبرالية، وبالتالي من الحرية في إطار المفهوم العام البرجوازي. وهذا الوضع يعبر عن سيطرة المجتمع السياسي، أي الأدوات المادية والقهرية للدولة السياسية على المجتمع المدني، في تناقض كلي مع أساس فلاسفة الأنوار، ألا وهو المجتمع المدني، حيث أن هدف الدولة السياسية، باعتبارها التركيب الاصطناعي يخدم هذا المجتمع المدني، حسب وجهة نظرهم.‏

فالايديولوجية الليبرالية، التي تؤمن بسلطان الحرية غير المحدود، وسلطة العقلانية، عملت على تقوية الحكم البرجوازي للدولة السياسية، التي تكمن في سياستها الاقتصادية الرأسمالية المتوحشة، وفي أحزابها ومنظماتها السياسية، وأجهزتنا البيروقراطية الادارية، وليس في معاقل المجتمع المدني فالمشاركة السياسية للمجتمع المدني عبر آلة الديمقراطية، تم بموجبها تأمين ضمان ولاء الطبقات الشعبية، بواسطة اخضاعها وإسهامها، وتبعيتها، بأشكال لحكم البرجوازية. والديمقراطية في المجتمعات الرأسمالية أضحت عملية إشراك رئيسة، واستيعاب شمولية للمجتمع المدني كله من جانب الدولة السياسية البرجوازية بواسطة حقيقة دولة القوانين المسيطرة. وعلى هذا الأساس، كان البرجوازيون بشكل عام قادرين على تقرير وتوقيت طبيعة الدمقرطة، وعلى تكييف طبيعة الانتخاب والترشيح العام، والانتخابات الحرة، ومسؤولية الحكومة تجاه الناخبين بحيث تتلائم جميعها مع جهاز الدولة البرجوازية، وعملية إعادة إنتاج رأس المال، والميكانزمات البرجوازيات لاعادة الانتاج(3).‏

الحرية في المذهب الليبرالي‏

وأزمة المشاركة السياسية للمجتمع المدني:‏

إن القضية المركزية في الايديولوجية الليبرالية هي حرية الأفراد بحسب وجهة نظر أحد أكبر روادها المخلصين، جون ستيورات ميل، في كتابه الشهير "في الحرية". وقد شهد ميل مآزق الإنسان الفرد إزاء تنامي القوى الجديدة الصاعدة، قوى النزعة القومية البرجوازية، والثورة الصناعية، وإزاء الدولة- الأمة، والمنظمة الصناعية، أو المجموعة السياسية، أو الاجتماعية، التي كانت تقوم بتغيير العالم، بواسطة الصناعة الرأسمالية، والثورات الديمقراطية، التي شهدها القرن التاسع عشر في أوروبا، والصراعات بين التنظيمات السياسية.‏

ومن الواضح أنه لم تكن لدى ميل تنبؤات، على نقيض معاصريه ماركس، بيركهارت، وتوكفيل، فيما يتعلق بالنتائج السياسية والاجتماعية للثورة الصناعية، وللتقدم العلمي الهائل، ولصعود الايديولوجيات الشمولية الدنيوية، وما أفرزت من حروب فيما بينها على المجتمع المدني. وكان ميل قد " أيقض وخشي التوحيد القياسي، وأدرك أن مجتمعاً، باسم النزعة الخيرية، والديمقراطية، والمساواة، في طريقه إلى الوجود تتحول فيه الأهداف البشرية إلى أشكال أضيق وأصغر بشكل مصطنع، كما يجري تحويل غالبية البشر فيه (ولنستعمل عبارته هو)"الحالة الوسطية الجماعية" تحقق الأصالة والمواهب الفردية تدريجياً"(4).‏

إن ميل يدافع في كراسه عن الحرية، عن الفرد أمام مخاطر الضغوطات الهائلة على المجتمع المدني، من جانب الدولة السياسية. وكانت له ريبة شديدة إزاء الديمقراطية باعتبارها الشكل العادل الوحيد للحكومة، ولكنه أكثر الأشكال جوراً على نحو كامل. يقول ميل: "ليس الفرد مسؤولاً عن تصرفاته أمام المجتمع بمقدار ما يبتعد عن المس بمصالح أي إنسان سواه"(5). ويتابع أن "السبب الوحيد الذي يبيح ممارسة السلطة ممارسة صحيحة على أي فرد في مجموعة متحضرة ضد إرادته هو ان ترد أذاه عن الآخرين. وأن خيره هو على أن يفعل أو يعاني... لأن ذلك برأي لن يكون حكيماً ولا حتى مصيباً"(6).‏

إن ميل يدافع عن الديمقراطية المباشرة لمصلحة المجتمع المدني، ويعتبر أن الحكم الصالح هو ذلك الذي يسعى وراء "تنمية فضيلة الشعب وذكائه"، ويطرح قضية الحرية في إطار التاريخ الحديث لأوروبا، على حساب الحكم، الذي يشارك فيه المجتمع المدني كله، حين يقول "إن المشاركة يجب أن تكون في كل مكان، وعلى أوسع نطاق تسمح به درجة التقدم العام في المجتمع، وأن الهدف النهائي لا يمكن أن يكون أقل من إشراك الجميع في السلطة العليا للدولة". ويلتقي ميل في هذا المبدأ مع جان جاك روسو، الذي يقول في المشاركة السياسية للشعب" إن كل ما لم يوافق عليه الشعب بنفسه هو لاغ وليس بقانون". إن ميل أصبح متخلفاً عن عصره، جراء تناقضه مع الدولة السياسية الديمقراطية البرجوازية الصاعدة، ويزداد تخلفاً أمام تنامي القوة الصاعدة للثورة الصناعية الثانية. ولذا، فهو يرتد إلى الخلف في محاولة للدمج بين النزعة العقلانية والنزعة الرومانتكية، التي ترتكز على معرفة الذات المسؤولية التربية، والمطالب الديمقراطية المباشرة، وسيادة الشعب. ويعلل هذا التخلف بقوله "إن مشكلة الحرية تطرح بالحاح داخل الديمقراطية بقدر ما تزداد الحكومة ديمقراطية، بقدر ما ينقص ضمان الحرية الفردية (7).‏

في هذا المجال، ينبه ميل من خطر هيمنة الدولة السياسية على الفرد في المجتمع الصناعي المعاصر، ولذا كان يرى أن هناك رباطاً بين الحرية والمشاركة للمجتمع المدني، وهو يشاركه في هذه النقطة صديقة توكفيل. وقد رأيا بأن تبدأ هذه المشاركة السياسية على المستوى المحلي "فالمؤسسات القائمة على مبدأ المشاركة هي الخطوة الأولى للتربية السياسية، وهي "المدرسة الابتدائية لتعليم فن الحكم"، أو بحسب تعبير توكفيل: "إن المؤسسات المحلية هي للحرية بمثابة المدارس الابتدائية للمعرفة"(8). ثم إن ميل متشائم من الديمقراطية في المجتمعات الصناعية، باعتبارها الشكل العادل الوحيد للدولة السياسية، ولكنها أكثر الأشكال ظلماً وجوراً، لأنها في الوقت عينه، هي حكم الأقلية، التي تملك رأس المال. وهو مرتاب جداً من تمركز السلطة ورقابة الجميع على كل فرد، لأن سلطة كهذه كما يقول د توكفيل يمكن أن تحول أفراد المجتمع المدني بكامله إلى قطيع من "الحيوانات الخانعة المجتهدة التي ترعاها الحكومة". وكان ميل يرى في الدولة السياسية البرجوازية الصناعية تنحو هذا المنحى، حين يقول "إذا كانت الطرق والسكك والبنوك ودور التأمين والشركات المساهمة، والجامعات المحلية، والجمعيات الحزبية، كلها تابعة لادارة الحكومة، وإذا أصبحت زيادة على ما سبق، البلديات والجماعات المحلية مع ما يترتب عنها اليوم من مسؤوليات أقساماً متفرعة عن الادارة المركزية، إذا كانت الحكومة هي التي تعين موظفي تلك المصالح وتكافئهم بحيث يعود أملهم في تحسين معاشهم معقوداً عليها، إذا حصل كل هذا حينئذ تصبح الحرية اسماً بلا مسمى رغم المحافظة على حرية الصحافة وعلى انتخاب المجلس التشريعي بالاقتراع العام"(9).‏

إن المذهب الليبرالي يركز على الفرد باعتباره أصل المجتمع المدني، وعلى الملكية الخاصة، بوصفها، هي "وحدها ما يجعل البشر أهلاً للحقوق السياسية"(10)، وحيث بواسطة "الملكية حضر الله العالم ونقل الإنسان من الصحراء إلى المدينة، ومن القوة إلى الرقة، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الجهالة إلى الحضارة"(11)، والحرية الاجتماعية والسياسية بالنسبة إليه، تكمن في تطبيقاته العملية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، باعتبار تطورها تاريخياً، لا كقضية فلسفية مجردة. ولنعد إلى مفاهيم الحرية داخل المجتمع المدني، فليس هناك حدود فاصلة كبيرة بين الحرية السلبية والحرية الايجابية. فالحرية السلبية ترتكز على حرية الفرد، بما لا يجوز للدولة السياسية أن تتعدى عليها، أو تتجاوز الحدود المرسومة لها. وهي في المحصلة النهائية هي عنصر من شبكة من القيم المدنية، التي تتضمن احترام الحقوق الشخصية، والحقوق المدنية، وقدسية الحرية الشخصية. أما الحرية الايجابية فهي تفتح عادة الأبواب للمشاركة السياسية للمجتمع المدني، وهي مرتبطة بهذا المعنى منطقياً على الأقل بالديمقراطية.‏

ومع ذلك، فإن مصالح العلاقة بين الديمقراطية والحرية الايجابية، هي أشد غموضاً، لأن المعنى الايجابي للحرية يكمن في المحاولة لايجاد إجابة على السؤال "من الذي يحكمني؟ أو من "الذي يقرر ما أنا، وماذا سأكون، أو ما سأفعل؟ ولكن ممارسة الحرية الايجابية في الواقع بقدر ما هي تعبير عن رغبة عميقة للمشاركة السياسية من جانب المجتمع المدني، في إدارة شؤونه، تفضي في النهاية إلى الاصطدام الكبير بالايديولوجيات البرجوازية، والشمولية، التي تسيطر على عالمنا المعاصر "لأن هذا التصور "الايجابي" للحرية، ليس التحرر من أن يعيش الفرد شكلاً واحداً مقرراً من الحياة، بل الحرية في أن يعيشه هو ما يمثله دعاة الحرية السلبية بأنه في بعض الأحيان ليس أكثر من قناع خادع للطغيان الوحشي"(12)، أي طغيان الدولة السياسية، مهما كانت برجوازية، أو دينية، عن طريق الحزب، والطبقة، والبرلمان.‏

ومن هنا ينفصل المجتمع المدني نهائياً عن الدولة السياسية، بل ويدخل في تناقض معها. وفي هذا الموقف الايديولوجي، تأكيد صريح على أن البرلمانيين ممثلي المجتمع المدني، ليسوا إلا منفذين وتابعين لقادة أحزابهم، ويحتفظون بامتيازات، ويخدمون في المحصلة النهائية مصالح الفئات الطبقية الحاكمة، وبالتالي مصالح أدوات الدولة السياسية سواء كانت دستورية أو غير دستورية، نوعية أم مغتصبة للسلطة. لقد كتب دافيد لويديو جورج، بأن "البرلمان ليس له أية رقابة حقيقية على السلطة التنفيذية، وأن هذه الرقابة وهم خالص". لأنه مع تعاظم السلطة التنفيذية، وسلطة الرئيس، يزداد انفلات الرقابة البرلمانية، وهذا يقود إلى إضعاف السلطة التشريعية، أي إضعاف المجتمع المدني، ويصبح البرلمان عبارة عن أداة طيعة، والأمر عينه بالنسبة للنواب، في خدمة السياسة، التي تقرها الحكومة على هواها، حسب ما تقتضيه مصالح الاحتكارات الرأسمالية القومية، أو الطبقة الحاكمة، أو الحزب الشمولي المحتكر للسلطة. يقول كلود جوليان في هذا الصدد: "إذا كانت الحياة الديمقراطية مصابة بفقر الدم، تعود ذلك قبل كل شيء إلى أن أساسها وهو الاستفتاء الانتخابي لا يتيح للمواطنين أن يعبروا عن آراء انتخابية واضحة وأن يمارسوا مسؤوليتهم كأمناء على السيادة القومية.(13).‏

والحقيقة أن حتى الحرية الايجابية الشكلية جداً، التي تتجسد على صعيد المشاركة السياسية للمجتمع المدني في ممارسة حق التصويت، فإنها في ظل سيطرة سلطة المال، أو ديكتاتورية الحزب الأوحد الشمولي، أو حتى في نظام ديمقراطي حقيقي، تكون سريعة العطب دوماً، وتتقهقر بحسب التبدلات، التي تحدثها الصراعات السياسية، بين الأحزاب والكتل المتنافسة، أو بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، أو جراء حدوث أزمات سياسية لهذه الحكومة أو تلك.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 08:34 PM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



ولأن المجتمع المدني، الذي من المفترض أن يتمتع بهذه الحرية، يصبح مبعداً على صعيد التدخل المباشر في تحديد الخيارات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، بواسطة المشاركة السياسية الجماعية، وبالتالي يكون مسلوب الارادة على صعيد اتخاذ القرارات السياسية. ففي الديمقراطية الكلاسيكية الغربية، نجد أن المواطن السياسي ينحصر حقه في انتخاب القادة والنواب، والحق في التعبير، حيث أن هذه الديمقراطية البرجوازية، تجعله أداة مطواعة مسخرة لخدمة الآلة الانتخابية بنجاح، ومتمتعة بانضباط ذاتي ديمقراطي. وهذه المشاركة السياسية المحدودة والضيقة والمقيدة من جانب المجتمع المدني، هي نقيض لدوره وتدخله المباشر في المجال السياسي.‏

ويصف جيوفاني سارتوري، الباحث المتعمق في قضايا العلم السياسي، دور الجماهير في البلدان الرأسمالية الصناعية الغربية، من أنه مجرد "خرافة" ينحصر دوره بهذه الأخيرة في كفالة عمل الآلة الانتخابية. "إن التوصل للقرارات السياسية لا يتم من قبل الشعب "السيد". إنما تقدم هذه القرارات إليه. إذ أن عمليات تكوين الآراء لا تبدأ من الشعب، بل تمرر من خلاله(14).‏

ولكن إذا ما كان للمدارس الفلسفية السياسية، الليبرالية والماركسية، تنشد سمو منزلة المواطن داخل المجتمع المدني، على صعيد المشاركة السياسية، باعتباره أغلى من المؤسسات الدولتية، التي جُعِلت لخدمة المجتمع المدني، فإننا نجدها تقمع حرية المجتمع المدني، بالمعنى الذي قصد إليه الليبراليون البرجوازيون، والفاشيون، والاشتراكيون، الذين شيدوا الدولة السياسية البوليسية، الممتلكة لأدوات القهر السافر. فضلاً عن أن هذه المؤسسات، والحكومة، هي في غايتها نفعية في غاية الصراحة، وتخدم مصالح الأقلية المالكة للثورة، والحائزة على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، أو المتنفذة على صعيد السلطة السياسية. وغالباً ما يقال لنا بأن عالم اليوم، الدولة السياسية الجيدة تجعل المواطن حراً سعيداً داخل المجتمع المدني، بيد أن المحصلة الأخيرة للدولة السياسية في حضارة الرأسمالية الغربية، و"الاشتراكية المشيدة" قبل انهيارها، سواء بسواء، لم تسهم حقيقياً وتاريخياً، في توسيع الحرية الاجتماعية والسياسية، على صعيد المشاركة السياسية للمجتمع المدني.‏

إن تجربة ممارسة السلطة أثبتت، إن هذه الدولة السياسية الفعلية تسد المنافذ بالنسبة للرأسمالية، والاخفاق الكبير في فتحها، نتيجة لازمة الاشتراكية المشيدة قبل انهيارها، من أمام الاختيارات الفعلية للمجتمع المدني، حيث أن الدولة السياسية في تلك البلدان، قلصت عمل المجتمع المدني إلى الحدود القصوى من التضييق، وهمشته، وهيمنت باطلاقية على الحياة الاجتماعية في كافة صورها وأشكالها، ووضعت أمامه عقبات حقيقية أمام طغيان سلطانها، فغابت بذلك حرية المجتمع المدني، ودينامكيته الداخلية في المشاركة السياسية، لأن الحرية لا تضمنها الدساتير أو المحاكم على حد قول (ليوندهاند).‏

ثانياً- الماركسية والتخطي الجدلي للتناقض بين المجتمع المدني والدولة السياسية‏

ليس ثمة نظرية تبدو للوهلة الأولى أنها على تناقض جذري صارم مع النظرية الليبرالية الكلاسيكية أكثر من الماركسية، فإن المبادىء الأساسية المتعلقة بامكانية خلق مجتمع مدني متجانس قائم على أسس واقعية للديمقراطية، والعقلانية، والمواطنة، وحقوق الانسان، والالتحام بين الحرية والمساواة، هي مبادىء مشتركة بين الاثنتين. ومع أن الليبرالية والماركسية تتناقضان بشكل حاد بخصوص الغايات والأساليب، والدور التاريخي الذي قدر للبروليتاريا أن تلعبه، إلا أن على حدودهما كان يتم تداخل الواحدة منها بالأخرى، باعتبار أن الماركسية، التي ترعرعت في موروث الفلسفة الليبرالية الكلاسيكية الأوروبية، شكلت تحولاً تاريخياً على نحو متواصل، وقفزة ثورية وفق نمط مترابط منطقياً، حيث أبدعت جدلاً نوعياً جديداً في غمار النضال الثوري، مستفيدة، ومنقذة، ومحافظة في الوقت عينه، في سيرورة تطويرها للنواة العقلانية الحقة لجدل هيغل، ومنتقدة إياه من مواقع نظرية نوعية. فإذا كان الاقتصاد السياسي الانكليزي، والاشتراكية الفرنسية، والفلسفة الكلاسيكية الألمانية، شكلت المصادر النظرية الأساسية للفلسفة الماركسية، فإنه والحق يقال تمثل النظرية الماركسية الوريث الشرعي للمنجزات الجدلية المثالية، من القرن السادس عشر إلى منجزات هيغل الجدلية، التي طرحت مسألة تطابق الجدل من المنطلق ونظرية المعرفة، والتي كانت في الوقت عينه، نقطة انطلاق لأسس الماركسية، والتجاوز الجدلي الخلاق والمبدع للنظرية الليبرالية الكلاسيكية الأوروبية عامة.‏

ذلك إن الماركسية درست، وحللت، واستخلصت الدروس، التي قدمتها الثورات البرجوازية الأوروبية في الماضي، فيما يتعلق بمفهوم المجتمع المدني وعلاقته ببناء الديمقراطية، وبخاصة الثورة الانكليزية خلال أعوام 1640- 1649، والثورة الفرنسية الكبرى خلال أعوام 1789- 1794، وربيع ثورات 1848، التي اجتاحت أوروبا، وهدمت عروش الملكية المطلقة، وقضت على الاقطاعية، ونجحت في مرحلة صعودها في إحداث تطورات تاريخية عظيمة لا تتزعزع في مجال بناء مجتمع مدني منعتق سياسياً، يسود فيه مبدأ الحق البرجوازي، حيث تشكل الملكية الخاصة عامة، والملكية الخاصة لوسائل الانتاج بخاصة، الضمانة الحقيقية لنظام الدولة السياسية البرجوازي.‏

إن مفهوم المجتمع المدني عند ماركس ينطلق من السياسة كتجريد، حيث يمثل نقد فلسفة الحق لهيغل 1843، والمسألة اليهودية، النقد الأكثر جذرية، التي كان موضوعه الحق والدولة الدستورية التمثيلية الحديثتين، وذلك باسم الديمقراطية الجذرية، حيث يبقى هذا النقد أدنى بكثير من الناحية النظرية من نقد الرأسمال، ولكنه شكل مرحلة انتقالية، المحرك لايصال نقد السياسة إلى نقد الاقتصاد السياسي، أي إلى نقد رأس المال، باعتباره يدخل في سياق عميق التحليل النظري لنمط الانتاج الرأسمالي، وللعلاقات الانتاجية الرأسمالية الجديدة. كتب ماركس في مقدمة كتاب مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، يقول"... وساقتني أبحاثي إلى النتيجة التالية، وهي أن العلاقات الحقوقية، شأنها بالضبط شأن أشكال الدولة لا يمكن فهمها لا بحكم ذاتها، ولا بحكم ما يسمى التطور العام للروح البشرية، وإنما على العكس، تمد جذورها في العلاقات الحياتية المادية التي يسمى هيغل، مجموعها "بالمجتمع المدني" على غرار ما فعل الكتاب الانجليز والفرنسيون من القرن الثامن عشر، وأنه ينبغي البحث عن تشريح المجتمع المدني"(15).‏

ويظهر أول نقد علمي للاقتصاد السياسي، الدولة السياسية البرجوازية، كامتداد، تعبر عن علاقات الانتاج الرأسمالية، التي تتمفصل عليها، وإن استقلالها مرتبطة، بتبعيتها لبنية التبادل من أجل الانتاج، أي بتشكل المجتمع المدني في طبقات متناقضة.‏

وهكذا، فالمجتمع المدني، يختزله ماركس إلى مواجهة ذريه للمصالح الخاصة واعتباره مجتمع غير سياسي، تحدده تناقضات المصالح فيه، الدولة السياسية البحتة و"شكلياتها وبيروقراطيتها كتوسط مجرد وعاجز لمصالحه".‏

يقول ماركس "وإن النظام الذروي الذي يتجلى بواسطة المجتمع المدني عندما يعبر عن ذاته سياسياً، ناتج بالضرورة عن كون المحيط الجماعي الذي يعيش فيه الفرد فعلاً هو المجتمع المدني المفصول عن الدولة... الدولة السياسية".‏

إن رأي ماركس عن المجتمع المدني قريب من رأي هيغل، الذي يرى أن هذا المجتمع، خاضع كلياً لمفهوم المنفعة، ويهدف إلى توحيد المصالح الفردية، ويفصله عن مفهوم الدولة المستقل عن مفوم المنفعة. وماركس يعتبر المجتمع المدني نتاج التطور التاريخي البرجوازي، متميز بالتنافس والصراع بين المصالح الاقتصادية الفردية، ومتماثلاً مع الاقتصاد البرجوازي الصاعد، ومع النزعة الفردية، أساس الأخلاقية البرجوازية.‏

"غير أن حياة الشعب الجوهرية، الديمقراطية الحقيقية، التي هي المطلب الأول والأهم لهذه الذرية، تتجلى في نفس الوقت من ذريه المجتمع المدني، مغتربه ومنفصله عن ذاتها.إذا ذاك يتم تعريف الدولة السياسية، في نهاية الأمر بالنسبة لحياة الشعب الممنوعة والتي هي الأساس. يغترب الشعب (الذات) في المجتمع المدني الذرّي الذي يخلق تجريد ذاته (توسط خيالي) الذي هو الدولة... تمد حياة الشعب عبر الدولة السياسية لأنها منقسمة أساساً بالتعارض الواقعي للمصالح الخاصة، هو تناقض يحدد المجتمع المدني"(16).‏

إن النتيجة التي توصل إليها ماركس في نقده فلسفة الحق العام عند هيغل، هي مسألة الانفصال بين المجتمع المدني والدولة السياسية، الذي يتم في العالم البرجوازي، المترافق مع تأكيد سلطة البرجوازية كطبقة مسيطرة، والدولة الديمقراطية البرجوازية، تؤكد هذا الانفصال، الذي يصيب كل عضو فرد في المجتمع المدني. إنها تؤكد هذا الانشطار بين الوجودين، وجود الفرد البرجوازي العيني، الفردي، الانساني في المجتمع المدني، ووجود المواطن المجرد الشامل والمساواتي في الدولة السياسية، التي يمارس فيها سيادة مجردة ووهمية.‏

والإنسان في هذه الدولة الديمقراطية البرجوازية، لا يمكن أن يعيش في الواقع حياة مزدوجة سماوية وأرضية، لأن حياة الإنسان في هذه الدولة البرجوازية، التي تتحدد فيها قيمة الإنسان، باعتباره كائناً اجتماعياً، "يكون هذا الإنسان عضواً موهوماً في سيادة موهومة"، أما في المجتمع المدني (أي بصورة خاصة في الحياة الاقتصادية)، الذي يتصرف فيه باعتباره "فرداً خاصاً، ويرى في البشر الآخرين مجرد أدوات، وينزل هو بنفسه إلى مجرد أداة، ويصبح لعبة في يد قوى غريبة، إذ أن الدولة السياسية تجاه المجتمع المدني هي كائن روحي روحية السماء تجاه الأرض".‏

هذه الحياة المزدوجة للإنسان، وهذا الإنشطار في حياة الإنسان، وهذا النزاع الذي يتواجد فيه الإنسان، هو الذي يفضي على حد قول ماركس إلى الانشقاق الدنيوي، بين المجتمع المدني والدولة السياسية. يقول ماركس في هذا الصدد: "إن الدولة السياسية تتواجد حيال المجتمع المدني في نفس التضاد، وتذلله بنفس الأسلوب، الذي يذلل به الدين محدودية العالم الأرضي".‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 08:35 PM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



إن هذه الحياة المزدوجة للإنسان في الدولة الديمقراطية البرجوازية، أو هذا الانشطار بين حياته الخاضعة لسلطة الوحوش الضارية في غابة (رأس المال)، حيث أن حياته في المجتمع المدني هي أقرب في الواقع إلى الكائن الدنيوي، وبين حياته الموهومة على سيادة موهومة، باعتباره مواطناً مجرداً في الدولة السياسية. إن هذا الانشطار، هو الذي أفضى كما قال ماركس إلى الانشقاق الدنيوي بين المجتمع المدني والدولة السياسية، الناجم عن التناقض بين الانسان البرجوازي ومواطن الدولة، بين التاجر والصناعي الرأسمالي ومواطن الدولة، بين مالك الأرض الرأسمالي أو العقاري ومواطن الدولة، بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، بين الطابع الاجتماعي للعمل وبين أسلوب التملك الخاص لوسائل الانتاج ولنتائج العمل، وبين الفرد الحي ومواطن الدولة. إن هذا الانشقاق بين المجتمع المدني والدولة السياسية قائم على هذه التناقضات الدنيوية. وهذه هي السمة الجوهرية للألينة السياسية، Aliéation politique والألينة الدينية، Alienation religieuse.‏

يقول روجي غارودي في موضوع الانشطار هذا، مستنداً على بحث ماركس في المسألة اليهودية، "فالإنسان، وهو أسير العزلة الأنانية في مجاهل الاقتصاد البضاعي، وحبيس القوى الغريبة، التي تهدد وتطحنه، يعيش نفس الانشطار الذي يميز الوجود الديني: فهو في حياته الواقعية، فرد معزول عن الحياة الانسانية الحقة التي هي وفق تعبير ماركس، حياة "كائن نوعي"، وهو يبحث عن بديل لهذا النقص، لهذه العاهة، "بديل سماوي"(يقول ماركس في المسألة اليهودية، بأن "وجود الدين هو وجود عاهة، وجود نقص")، فنراه "يسقط" حياته "النوعية" الانسانية حقاً في مقابلة الفردية الأساسية، التي تتضمنها الرأسمالية، والاقتصاد البضاعي بصورة أعم)، يسقطها في السماء، حيث يسود الحب وحيث يتعرف الانسان إلى نفسه ككائن وعي (يعيش ويموت من أجل الإنسان بكليتها)، ولكن بصورة غيرمباشرة، كما يقول ماركس، من خلال وسيط، هو المسيح المخلص، أي: لا في الحياة الفعلية، بل بتعويض موهوم في "أَلْيَنَة"(17).‏

وفي نقد فلسفة الحق لهيغل، يقول ماركس إن الدين في كل مجتمع بضاعي، يعبر عن كل "ما يفتقد" في هذا العالم، فهو "تكملته العلوية"، وذريعته العامة عزاء وتبريراً.. إنه التحقيق الخارق للجوهر البشري، لأن هذا الجوهر البشري لا وجود له في الحقيقة". أما في المسألة اليهودية، فهو يقول: إن الدولة لا تستطيع أن تصرف النظر عن الدين، لأن القاع الانساني للدين يتحقق فيها بشكل دنيوي".‏

إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل يمكن تجاوز هذا التناقض العقلاني بين الدولة السياسية التمثيلية والمجتمع المدني الممزق، من خلال تحويل الديمقراطية التمثيلية إلى ديمقراطية فعلية. وذلك بواسطة تسييس المجتمع المدني؟ " إنه ميل المجتمع المدني إلى اتخاذ وجود سياسي، أو إلى جعل الوجود السياسي وجوده الفعلي الخاص به"، يسمى هذا الميل حتى اليوم مشاركة"، وإن يكن ماركس يتصوره بطريقة تبدو الآن محدودة (بيد أنها ذات مغزى كبير تاريخياً)" بوصفها أهم مشاركة ممكنة في السلطة التشريعية"(18).‏

ولما كانت الدولة الانتخابية لا توجد إلا باعتبارها دولة سياسية تمثيلية، حيث تجعل من الديمقراطية السياسية أداة لاعادة إنتاج السيطرة البرجوازية، فان كلية الدولة السياسية هي السلطة التشريعية. وينجم عن هذا، مطلب وسعي المجتمع المدني في المشاركة السياسية، وبالتالي إلى التغلغل في السلطة التشريعية عبر الانتخابات التشريعية، القائمة على التعددية السياسية، من أجل أن يبلغ وجوده السياسي، أي وجوده الفعلي، أي من أجل التحول إلى مجتمع سياسي، أو جعل هذا المجتمع السياسي مجتمعاً فعلياً. وتمثل الانتخابات حسب تعبير ماركس" العلاقة الفعلية للمجتمع المدني الفعلي بمجتمع السلطة التشريعية المدني، بالعنصر التمثيلي. وهذا يعني بتعبير آخر أن الانتخابات هي علاقة المجتمع المدني المباشرة، الصريحة، التي ليست تمثلية، وحسب، بل موجودة فعلاً بالدولة السياسية. ولهذا من المفهوم بديهياً أن تشكل الانتخابات مصلحة سياسية في غاية الأهمية للمجتمع المدني الفعلي. وفي الحق الانتخابي غير المحدود، النشيط والهامد، ارتفع المجتمع المدني فعلاً، للمرة الأولى إلى التجرد من نفسه بالذات، إلى الوجود السياسي بوصفه وجوده الحقيقي، العام الجوهري. ولكن السير بهذا التجريد إلى النهاية في الوقت نفسه هو الغاءله. إن المجتمع المدني، إن أكد وجوده السياسي بوصفه وجوده الحقيقي، إنما جعل بالتالي من وجوده المدني، فيما يميزه من الوجود السياسي، غير جوهري، وبسقوط أحد العنصرين المفصولين أحدهما عن الآخر يسقط نقيضه(19).‏

وهكذا، فإن اشتراك المجتمع المدني في الدولة السياسية، بواسطة النواب، لا يمكن أن يكون إلا في خدمة مصلحة الدولة السياسية البرجوازية، حيث تشكل الديمقراطية الدين العلماني لهذا الدولة والمواطن، في آن معاً.‏

وإذا كان التحرر السياسي للمجتمع المدني، فقد شكل خطوة تقدم كبيرة، حيث أن الديمقراطية البرجوازية قد حطمت الامتيازات الاقطاعية، وأعلنت المساواة السياسية، عبر المشاركة السياسية للمجتمع المدني، ولكنها أبقت على الامتيازات الاقتصادية الرأسمالية، والاضطهاد، والاستغلال البرجوازي، فان هذا التحرر السياسي عينه، متطابق مع سيادة الرجل الخاص البرجوازي في الدولة السياسية، وبالتالي فهو ليس كل التحرر الإنساني بل إنه تحرر مخادع ولأن الديمقراطية البرجوازية من وجهة النظر الماركسية لم تشكل أبداً تخطياً جدلياً للانشقاق، أو الانفصال، أو التناقض المزدوج بين المجتمع المدني، من دون أن يكتمل ببعده الملازم له، أي التاريخي والعالمي، أي التحرر الاجتماعي والإنساني يظل ويستمر اغتراباً سياسياً، أو ألينة سياسية، حيث سلطة الدولة السياسية تتجلى في سيادة سلطة الملكية الخاصة لوسائل الانتاج. إن التاقض بين المجتمع المدني والدولة السياسية، وقد اكتمل في وجوده كتناقض كلاسيكي بين الاتحاد الحقوقي العام والنظام العبودي، يقود إلى وجود المجتمع المدني العبودي، الذي أصبح يشكل الأساس الطبيعي للدولة السياسية الديمقراطية البرجوازية، "مثلما كان المجتمع المدني العبودي الأساس الطبيعي الذي ارتكزت عليه الدولة القديمة. أن وجود الدولة ووجود العبودية مترابطان أحدهما بالآخر بعرى لا انفصام لها"(20).‏

من هنا يندرج البرنامج الثوري لماركس، الذي يطرح على مختلف مكونات المجتمع المدني السياسية، والنقابية، وهياكله الاجتماعية والطبقية المستغلة، والمضطهدة، لاستعادة، ولامتصاص "قواهم الخاصة"، بغية التخطي الجدلي لهذا التناقض المزدوج بين المجتمع المدني والدولة السياسية البرجوازية الضامنة الرئيسة لملكية البرجوازية لوسائل الانتاج، ومصالحها، عبر الثورة الاجتماعية، باعتبارها ثورة تهدف إلى تحرير المجتمع المدني بأسره، وإلى تحرير الدولة البرجوازية ككيان قائم منفصل عن هذا المجتمع المدني المأزوم. ولقد أعطى ماركس هذا الدور التاريخي والتحريري لطبقة من طبقات المجتمع المدني، هي "البروليتاريا"، باعتبارها الطرف الحاسم في هذا التناقض الأساس في هذا المجتمع البرجوازي، القادر على حله، وانطلاقاً من رؤيته العقلانية للتطابق الحاصل بين ثورة الشعب مع تحرر الطبقة العاملة. "ولا يمكن لهذا التحرر الاجتماعي أن يرتكز إذن إلا على الغاء التفكيك السياسي، وليس على الديمقراطية، بل على نقد قواعد الديمقراطية، ليس على الدولة الحرة، بل على تحرير الدولة السياسية. هكذا تظهر الشيوعية بمثابة مشروع لاعادة تنظيم القوى الاجتماعية، واعادة امتلاك المنتجين لقوتهم الاجتماعية المنفصلة عنهم في شكلها السياسي"(21).‏

إن هذا التحرر الاجتماعي والإنساني الحاسم، يعتبر مكملاً للتحرر السياسي للمجتمع المدني البرجوازي السابق، الذي من الواجب الاستفادة منه، من مختلف الحقوق السياسية والمدنية، والحرية، والمساواة، التي تحققت في عهد البرجوازية، باعتبارها حقوقاً مثلت تقدماً عظيماً بالنظر إلى الامتيازات الاقطاعية، من أجل توظيفها بشكل صحيح نحو بناء علاقات اجتماعية وسياسية وحقوقية إنسانية جديدة، خالية من الاضطهاد، والاستغلال، والعسف.‏

هوامش الفصل الثالث:‏

(1)- د. عبد الله العروي- مفهوم الحرية- المركز الثقافي العربي- الدار البيضاء- المغرب الطبعة الثانية 1983 (ص40).‏

(2)- المقطع مأخوذ من كتاب عبد الله العروي- مفهوم الدولة- الطبعة الثانية 1983- دار التنوير للطباعة والنشر (ص24).‏

(3)- بولان ثربورن- سلطة الدولة- حول ديالكتيك- الحكم الطبقي- ترجمة عبد الله خالد- دار المروج 1985 (ص141).‏

(4)- اشعيا برلين- أربع مقالات في الحرية- ترجمة عبد الكريم محفوض- منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي- دمشق- 1980 (ص371).‏

(5)- جون ستيورات ميل "الحرية" طبعة الكلاسيك العالمي (ص115).‏

(6)- المصدرالسابق (ص150).‏

(7)- جون ستيورات ميل في الحرية- هارموندرورت- 1974 (ص62).‏

(8)- الصديق محمد الشيباني- أزمة الديمقراطية- الغربية- المعاصرة- المركز العالمي للدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر- الطبعة الأولى 1989 (ص98).‏

(9)- ميل في الحرية- مصدر سابق (ص182).‏

(10)- المقولة لمنظر ليبرالي هو بنجامان كونسطان- انظر المصدر نفسه (ص132).‏

(11)- المقولة لثير (Thiers) في كتاب: في الملكية، وقد أوردها جبرارميري في‏

Gerard Mâret, Leliberalisme: Présupposés et Siginifications",‏

Dans: Les Ide?logies: De Rousseau à Mao, Sous La direction de F.F. Chatêlet tome 3 (PPI38- 139)>‏

(12)- اشعيا برلين- مصدر سابق (ص 290).‏

(13)- كلود جوليان- انتحار الديمقراطيات- ترجمة عيسى عصفور- منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي- دمشق 1975 (ص149).‏

(14)-‏

SARIORI, DEMOCRATIC Theory, OPCH (P 77).‏

(15)- ماركس وأنجلز- بصدد الدولة- دار التقدم 1986 (ص202).‏

(16)- أندريه توزيل- سيزار لوبوريني- ايتين باليهار- ماركس ونقده للسياسة- ترجمة جوزيف عبد الله الطبعة الأولى- 1981، دار التنوير، (ص16).‏

(17)- روجيه غارودي- ماركسية القرن العشرين، ترجمة نزير الحكيم- منشورات الآداب بيروت- الطبعة الخامسة- كانون الثاني (يناير) 1983 (ص155).‏

(18)- أندريه توزيل- سيزار لوبوريني- ايتين باليهار- مصدر سابق، (ص47).‏

(19)- ماركس وأنجلز بصدد الدولة- مصدر سابق (ص68- 69).‏

(20)- ماركس وأنجلز المصدر السابق (ص106).‏

(21)- أندريه توزيل- سيزار لوبوريني- ايتين باليهار- مصدر سابق، (ص18).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 08:39 PM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

القسم الثاني

الفصل الأول: التميز في الفكر الغرامشي إزاء الماركسية الكلاسيكية:‏



لما كانت قضايا المجتمع المدني تمثل حقلاً من حقول المعرفة الضرورية، التي تخضع في عملية انتهاجها لمنطق التميز في تحقيق كونيتها، فإن القراءة المبدعة للفكر الغرامشي، الفلسفي والسياسي والأيديولوجي، حول قضايا المجتمع المدني، بدلالة النقد، والتحلل، والتأويل لما يمكن أن تسمح به قراءة نصوصه المتعددة، تتطلب منا الاطلاع على ما استجد من انتاجه لجهاز من المفاهيم النظرية، والسياسية، ونظام بنائها، بصدد مجابهته لقضايا المجتمع المدني، وبخاصة منها الهيمنة، وإشكالية تميز جهاز هذه المفاهيم المعرفية الغرامشية، باعتبارها نتيجة ضرورية موضوعية لتميز واقع إيطاليا، بأبعاده القومية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، المتأخر تاريخياً بالمقارنة مع المركز الأوروبي.‏

إن حركة التغيير الكونية، التي بدأت مع توحد، وعالمية الرأسمالية، وبالتالي مع الوجود الفعلي للامبريالية، حيث دخلت في سيرورة عالمية الرأسمالية مجتمعات جاءت إلى التاريخ عبر بوابة كونية نظام الانتاج الرأسمالي أولاً، وبواسطة الفعل الامبريالي، الذي أخضع منطق تطور المجتمعات المتأخرة تاريخياً لعلاقة تبعية بنيوية له ثانياً، هي حركة يحكم تطورها قانون التطور غير المتكافىء للرأسمالية، باعتباره قانوناً كونياً ومطلقاً أولاً، ومنطق الاختلاف والتميز في تحقيق هذه الكونية، الذي يتحكم في سيرورتها التاريخية، ثانياً، و"حركة الفكر في مثل حركة التاريخ تخضع في إنتاجها المعرفية لمنطق التميز في تحقق الكونية"(1).‏

لقد تكون الفكر الغرامشي النظري والسياسي في إطار تحليله للمضمون الطبقي للمجتمع البرجوازي، وللعلاقة الضرورية بين الاشتراكية والحرية، حيث بين غرامشي إن الاشتراكية حرية، حرية مطلقة ضد كل جمود عقائدي، ضد كل حقيقة موحى بها، وضد كل مخطوط متصور تصوراً مسبقاً، في صفحة الوحدة بين النظرية والممارسة، كمحور وكمركز استراتيجي في ممارسته للعمل الثوري الأصيل من أجل بناء حركة ثورية، ذات مضمون اشتراكي وديمقراطي في إيطاليا، تدخل في إطار عملية انتقال التاريخ من الرأسمالية إلى الاشتراكية. وفي تصديه لتحليل المعضلات النظرية والعملية، التي أفرزها واقع المجتمع الرأسمالي الايطالي، المتميز باختلاف الشروط الموضوعية لعملية انتقاله من الاقطاعية إلى الرأسمالية، وبالتالي المتميز بتفاوت تطور الرأسمالية فيه، بين شماله الصناعي المتقدم، وبين جنوبه الفلاحي المتأخر تاريخياً، وبتعقد تأخر تحقيق الوحدة القومية الايطالية، ذهب غرامشي إلى القول بأن "البرجوازية الايطالية بتطويرها لذاتها، قد حققت الوحدة القومية ولكنها كانت أيضاً مسؤولة عن إطلاق عنان الحرب الأهلية التي استنكرتها كثيراً لفظياً على الأقل "ولأن الحرب الأهلية تعني بالتحديد صداماً بين قوتين مسلحتين، تتنازعان حكم الدولة، فإنها صدام يتم، لا في ميدان مفتوح بين جيشين منفصلين انفصالاً واضحاً ومحددين تحديداً منتظماً، وإنما في قلب المجتمع نفسه. قبل عام 1859 كانت البرجوازية هي التي تملك مصلحة في الوحدة القومية من وجهة النظر السياسية والاقتصادية. وبعد ستين عاماً كانت إيطاليا لا تزال في الحالة السيكولوجية التي كانت سائدة قبل عام 1859. ولكن البرجوازية لم تكن هي التي قيض لها أن تتقدم وأن تقود الصراع من أجل الوحدة. اليوم الطبقة "القومية" هي البروليتاريا، مجموع العمال والفلاحين، مجموع الشعب العامل، الذي لا يمكن أن يسمح بأن تتفكك الأمة الآن، وحده الدولة هي تشكل تنظيم الانتاج والتبادل الذي بناه العمال الايطاليون.. إنه تراث الثورة الاجتماعية التي تريد، البروليتاريا ضمها إلى الأممية الشيوعية"(2).‏

إن غرامشي هو ذاك المفكر والفيلسوف التاريخي، الذي انطلق من كونيه الفكر الماركسي، التي تجد أساسها في كونية حركة انتقال التاريخ البشري المعاصر من الرأسمالية إلى الاشتراكية، ومن واقع الحركة الثورية الايطالية، ومن تميز الحركة الشيوعية العالمية في الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي الايطالي، حيث أن الممارسة النظرية والمعرفية لغرامشي، تتميز بتحركها في ارتباطها الطبيعي بحركة الصراعات الطبقية في إيطاليا، وبتحركها في حقل معرفي، هو التفسير والتحليل الماركسي، الذي اعتمده غرامشي في رؤيته وفهمه لمختلف مظاهر التاريخ الايطالي، والثقافة الايطالية. من هنا كانت السمة المميزة للمارسة النظرية والمعرفية للفكر الغرامشي، عن باقي أعمال الماركسيين الغربيين الآخرين، تتمثل في حركتها المحورية على مستوى "البنية الفوقية" Super Structure أي أن غرامشي اعتمد في ممارسته النظرية الثورية على دراسة وتحليل البنيان الفوقي، شديد التعقيد والتنوع، بما يمثله كمجموعة ملموسة من الأفكار السياسية، والحقوقية، والدينية، والفلسفية، والأخلاقية، والجمالية، والمشاعر، والميول، والسيكلوجيا الاجتماعية، باعتبار أن البنية الفوقية هي ظاهرة ضرورية لكل تشكيلة اجتماعية طبقية ومميزه لها، أولاً، وتمثل إحدى القوى الاجتماعية، التي يحدث تطور التشكيله الاقتصادية الاجتماعية، كنتيجة لعملية التفاعل المتبادل بين مستوياتها البنيوية ثانياً.‏

وهكذا، فإن غرامشي في انطلاقته الرامية والهادفة من التعامل بشكل رئيس مع البنية الفوقية، حيث أن الدولة السياسية البرجوازية هي المؤسسة الرئيسة، لهذه البنية الفوقية وحيث أن باقي المؤسسات والمنظمات المختلفة، مثل المؤسسات القانونية، والأحزاب السياسية، والاتحادات النقابية، والمنظمات والمؤسسات الثقافية، والتقليدية، والعملية، والصحافة تمثل التكوينات المختلفة للمجتمع المدني، كان يعي جيداً، أن مؤسسات هذه البنية الفوقية هي نتاج، ونتيجة ووسيلة لصراع الطبقات في إطار التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية البرجوازية الطبقية، وهي تعبر في الوقت عينه عن المصالح الأساسية المتناقضة، وتقوم بحمايتها. وكانت رؤيته متناقضة جذرياً مع الرؤية الاقتصادية- الايديولوجية الماركسية الارثوذكسية، التي نجم عنها ضلال كبير، لجهة تصويرها لنا الإنسان، وكأنه "جملة العلاقات الاجتماعية"، أي ما معناه "علاقات الانتاج" أي "الطبقات".‏

في المنظور والممارسة للعمل الثوري، كان الاختيار الغرامشي الانتقائي في التعامل مع البنية الفوقية نابعاً من احترامه، وتثمينه بالأساس للثقافة، والمعرفة والأخلاق، ولتصوره للإنسان وتاريخه، ومصائره، من أنه هو الصانع والعاقل. غير أنه ينبغي النظر أيضاً إلى هذا الاختيار ضمن إطار الاشكاليات التي كانت توجه غرامشي، والمعارك السياسية، التي خاضها ضد شقاء الوعي الاقتصادي، وعلى المستوى النظري في تطويره لمفهوم الهيمنة في علاقتها بالدولة والحزب، وهي كلها معارك أملت الوقائع السياسية المتحركة والمتغيرة على غرامشي، ضرورة النضال في سبيل كسبها على جميع الصعد المعرفية، والفكرية، والسياسية، والايديولوجية، من أجل تأسيس وعي تاريخي مطابق، يمكن توظيفه عن طريق الفعل السياسي التاريخي الواعي، والصادق، والعقلاني، نحو تصفية سائر البنى، والتشكيلات والعلاقات السائدة في المجتمع الرأسمالي. من هنا تنبع أهمية المعركة الثقافية عند غرامشي، وذلك للأسباب التالية:‏

أولاً- في إطار زمان القطع الثوري، حين دخلت البنية الاجتماعية الروسية في قفزتها البنيوية التاريخية، حيث بلغ الصراع الطبقي محطته التاريخية الجامحة وحدته القصوى، متمظهرا كصراع سياسي مباشر، صاغ لينين نظرية واستراتيجية تصاعد الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى ثورة اشتراكية، في ظروف روسيا القيصرية المتميزة بصورة عريضة بالبلاد المتأخرة تاريخياً، التي لم تأخذ بأسباب التصنيع، والتي أغلبية سكانها من الفلاحين، يعملون في ظل الزراعة الأكثر تخلفاً، ويعيشون في القرى والأرياف الأكثر توحشاً، على نقيض البروليتاريا الأوروبية والأميركية، التي تعيش في ظل الرأسمالية المالية والصناعية الأكثر تطوراً.‏

ولقد قدمت تجربة الثورة الروسية العام 1917، الحاحية بل ضرورة الثورة البروليتارية لا في عداد المسائل النظرية الكبرى فقط، وإنما أيضاً على مستويات الفعل التاريخي الثوري، حيث وضع لينين زعامة البروليتاريا لهذه الثورة، وشدد على ضرورة تحالف الطبقة العاملة مع طبقة الفلاحين، حيث لم تغب عن رؤيته أبداً ضرورة كسب انحياز الفلاحين المؤقت على الأقل، وضرورة الضغط والنشاط الثوري من "الأعلى" أيضاً عبر محور السلطة الحكومية". غير أن إحداث هذه "الثورة الكبرى"، لم تتطور كما هو معلوم بالضبط، كما تنبأ بها لينين وتروتسكي، لكي تنتصر في معظم البلدان الرأسمالية المتطورة، إبان الحرب الامبريالية الأولى في أعوام 1914- 1919، ولم تزد على الدوام من وتائر تحركها الارتقائي التصاعدي: في القارة الأوروبية، على الرغم من أن عصر الامبريالية قد أتاح للينين بأن يستنتج "باحتضار الرأسمالية"، وإن الامبريالية هي عشية الثورة البروليتارية، وأن الأزمة الثورية في عامة أوروبا خلال أعوام الحرب قد خلقت المقدمات المادية والموضوعية لتحقيق الانقلاب التاريخي اليانع، عن طريق القيام بالدعاية للتحركات الجماهيرية الثورية والإعداد لها وتنفيذها بهدف إسقاط سيطرة البرجوازية والاستيلاء على السلطة السياسية، وإقامة النظام الاشتراكي، بوصفه الوحيد الذي يخلص البشرية من الحروب، وعزيمة إقامة هذا النظام التي تقوى في مدارك عمال كل البلدان بسرعة لم تحدث من قبل، كل هذا هو الرد الذي يجب أن تفعله البروليتاريا على الحرب"(3).‏

ومنذ هزيمة الثورة الأوروبية، وانتقال مركز الثورة البروليتارية العالمية من أوروبا إلى بلدان الشرق، وبدأت الاشتراكية تثبت وجودها في روسيا، واعتناق ستالين نظرية بناء الاشتراكية في بلد واحد، ذلك البلد ذو التطور الرأسمالي المتأخر تاريخياً، أصبحت تحقيق القانونيات التاريخية، التي اكتشفها مؤسسا الماركسية، ولينين، تصطدم بالمعوقات، وبخاصة في مجال التفاوت الذي يعاني منه العالم الرأسمالي في تطوره الاقتصادي والسياسي، وكما هو واضح عقب سير ربيع الثورات الأوروبية عامي 1848- 1849، حين حلل ماركس وأنجلز تعقد العملية الثورية العالمية، لجهة القيام بالثورة البروليتارية العالمية، التي كانت من المرجح أن تكون فرنسا هي المبادرة في هذه الثورة على صعيد أوروبا، مع احتمال اندلاع حرب مضادة لهذه الثورة من جانب انجلترا باعتبار "بريطانيا العظمى هي القائدة الصناعية والتجارية العالمية".‏

لقد استوعب غرامشي تجارب ودروس ما بعد ثورات 1848، وإحداث الثورة البروليتارية بعد 1921، التي فشلت في اكتساح أوروبا، وأصبح يقول منذ ذلك الحين أن حرب المواقع احتلت مكان الثورة الدائمة. وإنه في مثل هذه الأوقات لا تكون هناك معارك مباشرة بين الطبقات، ويتحول الصراع الطبقي إلى "حرب مواقع" وتصبح "الجبهة الثقافية"، هي الميدان الرئيسي للنزاع(4). وهذه واحدة من الأسباب الرئيسية التي جعلت غرامشي يشدد على التعامل مع البنية الفوقية، وعلى احتلال المعركة الثقافية مكانة مهمة في المشروع السياسي الثوري، "وفي هذه الشروط يكون المشروع السياسي للطبقة العاملة، ثورة ثقافية- أخلاقية، ينتقل فيها الإنسان البسيط من السلبية إلى العقل، الذي يعني المبدع، ويكون معها أيضاً حزب الطبقة العاملة مثقفاً جمعياً أي نقيضاً لكل تصور تقليدي للثقافة والمثقف. ومهما دار السؤال واستدار تظل وحده السياسة والنظرية قائمة. كيف يمكن نقل الماركسية من شكلها المنطقي التاريخي إلى شكل الممارساتي المشخص؟ كيف تصبح الماركسية وهي أرقى أشكال الثقافة المعاصرة، وعياً شعبياً أو ماركسية جماهيرية؟ كيف يمكن التعامل مع الحزب كمثقف جمعي؟ كيف يمكن التوحيد بين المثقفين والجماهير من أجل بناء "كتلة ثقافية أخلاقية تسهم سياسياً في التقدم الثقافي للجماهير، وتنقل الجماهير من وضع الغريزة الطبقية إلى وضع الوعي الطبقي؟ ما هي دلالة الثقافة والأخلاق على المستوى الاجتماعي. أي من يعلم المعلم؟ جميع هذه الأسئلة وهي أسئلة تتوحد فيها الثقافة والسياسة بلا انفصام، جعلت غرامشي يدور طويلاً حول أسئلة المثقف، والمثقف عند غرامشي، لا يتعرف كفرد، بل كمجاز سياسي، فالبحث الثقافي ليس هدفاً في حد ذاته إنما هو وسيلة للتعرف على الواقع الاجتماعي الذي يجب تغييره"(5).‏

ثانياً- إذا كانت فكرة وجود الفلسفة وجوداً ضمنياً في عمل البشر التاريخي، وتنير مفهوم المذهبية حسب مقولة فكر غرامشي، فإن الفلسفة الماركسية في نظره ترتدى أصالة جذرية في تصورها للعالم، بما أنها فلسفة أصيلة تامة، فهي فلسفة (البراكسيس) أو "التاريخية المطلقة فلسفة"، وبالتالي فهي تمثل العلم المشخص للتاريخ.‏

وحيث أن المكونات الثلاثة للماركسية، الاقتصاد السياسي الانكليزي، وعلم السياسة الفرنسية والفلسفة الألمانية الكلاسيكية، في نظر غرامشي، كانت تتويجاً للثقافة المدنية، عند أرقى أمم أوروبا، إلا أنه لا يقف عند هذا الفهم السطحي للإبداع الثقافي والفكري الأوروبي في تياراتها الثلاثة، بل إن التصور الغرامشي في إدراكه للماركسية ينطلق من مسألة تحقيق الوحدة بين الفلسفة والتاريخ، التي تحدد التاريخية فلسفة. ويقول غرامشي في هذا الصدد: "وبكلام آخر، إن التاريخية الماركسية نظرية للواقع أو تصور للعالم وليست تصوراً للصيرورة التاريخية فقط".‏

ومثلما أن نظرية المعرفة عند لينين تقوم على الثالوث، المنطق، والجدل، ونظرية المعرفة، حيث أن المنطق ليس هو قطعاً وإطلاقاً الايديولوجية، وحيث أن الجدل في التعريف اللينيني، هونظرية المعرفة لـ(هيغل و) الماركسية سواء بسواء، و "هذا الجانب للأمور الذي ليس جانباً، بل هو جوهر الأمور قد أهمله بليخانوف ناهيك عن باقي الماركسين"(مقالة حول الجدل في الدفاتر الفلسفية)، فإن المبدأ الأساس في نظرية المعرفة عند غرامشي، تقوم على اللحمة بين النظرية والعمل، لأن موضوعية المعرفة، وحقيقتها، هي في قلب الكلية التاريخية، لا خارج التاريخ، ولا خارج الإنسان، ولا هي بأزلية، والماركسية قد اكتسبت نظرية المعرفة المثالية صفة تاريخية، بفضل إدركها لوحدة النظرية والعمل. يرى غرامشي أن النظرية وبالتالي كل معرفة- لا تنفصل عن تبديل الإنسان للواقع، عن إبداع الإنسان لواقع جديد. وهذا الجانب العملي من النظرية مواكب لجانبها التاريخي. وكل نظرية تتطور بحسب علاقتها الجدلية بالعمل السياسي أو التجريبي، وهذا العمل هو براكسيس تاريخيه تتبدل بتبدل التاريخ ولها تاريخها الخاص، وهذا أيضاً شأن النظرية. ومعنى ذلك أنه ليس هناك حقيقة نهائية، وكل معرفة فهي عابرة، وصحتها تابعة لعلاقتها الجدلية بـ"براكسيس تاريخية لا يجمدها شيء"(6).‏

إن التاريخ لا ينفصل عن الفلسفة، بل إنهما يؤلفان "كتلة واحدة"، ذلك هو موقف وجوهر فلسفة البراكسيس عند غرامشي، الذي كان دائماً يؤكد على أن الماركسية لا تقوم بذاتها إلا بالتشديد على مظهريها الجدلي والتاريخي، لأن القضية الجوهرية في نظر غرامشي تتمثل في كيفية أن تصبح النظرية قوة مادية تستولي على عقول الجماهير، وفي الطريقة التي تتخلل بها هذه النظرية إلى الجماهير العريضة، وفي تطوير جوهر النظرية في العمل الثوري.‏

ذلك أن كل مرحلة من مراحل السير العام للعمل الثوري، مرتبطة ارتباطاً صحيحاً بتطور النظرية وبطريقة إيصالها وتعميمها على أوسع نطاق من الجماهير، وهذه وظيفة النظرية الأساسية وآثارها في تحول الواقع باعتبارها قضيتها المركزية. وما يميز الماركسية عن العلم البرجوازي هي النظرة الكلية القائمة على جوهر المنهجية الجدلية، التي في فهمها للكلية تفسح في المجال لفهم الواقع باعتباره سيرورة اجتماعية، وتظهر في الوقت عينه على أنها معرفة واقع ضرورة الثورة الاجتماعية في سير التاريخ الجدلي، وعن التحول الكلي لكلية المجتمع باتجاه القطع الثوري.‏

ولما كانت المسألة الجوهرية في نظر غرامشي، تتمثل في ضرورة تجديد الماركسية، أو بالأحرى "إعادة التفكير" بالماركسية، في سبيل تحقيق نهضه ماركسية جديدة، إنطلاقاً من الموضوعات التي تعالجها المنهجية الجدلية، والتي تدور حول معرفة علمية التطورات التاريخية الاقتصادية والاجتماعية، والثقافية، في الغرب الرأسمالي عامة، وإيطاليا بخاصة، في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، والتطور العالمي اللاحق لها، لجهة بروز الفاشية في إيطاليا، والنازية في ألمانيا واستقرار حكم ستالين، الذي عمل على مذهبة "النظرية الماركسية، وتحزيبها وإنتاج وعي مذهبي ايديولوجي جامد، قاد إلى تكريس الجهل الثقافي والمعرفي، والفكري، وسدَّ قنوات الحوار والتواصل والابداع الفكري والثقافي لتطوير النظرية، وحيث ساد الضلال الكبير في الماركسية، حين تحولت إلى إيديولوجيا، مستنداً في ذلك على عناصر كثيرة من المادية التاريخية، والحتمية، وعلى الاقتصادية الايديولوجية (التي تمثل خصْياً للإنسان الصانع والعاقل على حد تعبير الأستاذ الياس مرقص)" فإن كل هذه العوامل مجتمعه فرضت على غرامشي "العبقري" الوحيد الذي طرح وواجه أصعب مسائل الاشتراكية الأوروبية، على حد قول يوجينه جنوفيزه"(7) أن يخوض المعركة الثقافية والمعرفية والفكرية، ضد الماركسية المبتذلة، أي ضد الاقتصاد والايديولوجية الماركسية المبتذلة، باعتبارها تمثل نهجاً سائداً في نمط الأحزاب العمالية، ونظريتهم وتكتيكهم السياسي، وتستخدم مقولات المادية التاريخة بصفتها الكلاسيكية، في تطبيقها على المجتمع الرأسمالي، كمقولات ثابتة وأبدية. ويقول غرامشي في هذا الصدد، "في الصيغة الأكثر انتشاراً وهي صيغة التطير الاقتصادي" تفقد الفلسفة التطبيقية امتدادها الثقافي في الأوساط الأعلى من الجماعة الثقافية مهما كانت مكاسبها بين الجماهير وبين المثقفين العاديين الذين لا يريدون إنهاك أدمغتهم بل يريدون الظهور بمظهر الأذكياء جداً"(8).‏

على أن الطابع الثوري والأصيل لماركسية غرامشي، هو تاريخي وجذري، لأنه يحدد جوهر السير بالتناقض مع الاقتصادية- الأيديولوجية، ويرفض الماركسية المبتذلة، التي تحتوي على قدر كبير من الحتمية الاقتصادية، والميكانيكية، والمادية الفجة، والتي تستشهد بـ"القوانين الطبيعية"، التي ينطبق عليها التطور الاقتصادي مفهوماً فهماً تطورياً وحتمياً للتاريخ، الخاضع بدوره لقوانين التلقائية الموضوعية كقدرة اقتصادية"، يمكن أن تشكل جسر العبور من المجتمع الرأسمالي إلى المجتمع الاشتراكي، بتجاوز مفعولها وأثرها في عملية الانتقالات هذه، التدخل الارادي، أو العنصر الذاتي الواعي للإنسان الصانع والعاقل.‏

في حين أن غرامشي يرى أن الماركسية هي علم السياسة، وأن البروليتاريا الحديثة المنتظمة في حزب سياسي، والذي يلقبها بـ"السلطان الحديث"، مطالبة أن تحدد الارادة الجمعية القومية الشعبية والارادة السياسية العامة بالمعنى الحديث، بما أن هذه الارادة هي "وعي فاعل للضرورة التاريخية، من حيث هي محرك أول لمأساة تاريخية وفعلية"، تقود إلى تشكيل القوة القادرة بالمدلول الكامل للقوة اليعقوبية الفعالة في الواقع المشخص، وتحريك هذه الاردة الجمعية القومية الشعبية للطبقات المستغلة والمضطهدة من أجل تغيير المجتمع تغييراً ثورياً وجذرياً، حسب حاجات التاريخ وإمكانياته، وفي سبيل بناء الدولة الحديثة والمعاصرة.‏

في إطار مناهضته للحتمية الاقتصادية، التي حولت الماركسية إلى مذهب عقائدي مذموم أي مذهب يقوم على حقائق مطلقة وأزلية، يمثل غرامشي في تاريخ الفكر الفلسفي والسياسي لقضايا الاشتراكية والمجتمع المدني، في مرحلة الهزيمة ما بعد الحرب، وسيطرة الاتجاهات الاصلاحية في الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا الغربية، عملاً متفرداً في كفاحه النظري، منطلقاً من أسس انطلاق جذرية، من أجل التأكيد على تاريخية الماركسية وجدلها، وبالتالي من أجل تطوير النقد لهذه الماركسية، عبر صياغته لفلسفة البراكسيس، التي تقوم على نقائض التحديدات الأربعة (حيث أن كل تحديد من هذه التحديدات مرتبط بنقيضه، ووجوده مرتبط عضوياً بوجود ضده والحد الخاص به)، أولها: العمل أو النشاط القصدي الهادف، الذي يقدم الفاعلية المقترنة بالمعرفة والفهم والوعي، على الانفعال، وحيث أن النظرية تتولد عن هذا العمل. وثانيها: أولوية الممارسة العملية بالقياس إلى النظرية، والاستدلال النظري.‏

وثالثها: الموضوعية والخارجية، وما يقابلهما على نقيضيهما من الذاتية والباطنية. ورابعها: الحس العملي الرصين.‏

وهكذا، فإن فلسفة البراكسيس بالمعنى الايجابي، تقوم على فلسفة العمل والفاعلية، والموضوعية، والحس العملي، وهي في المحصلة النهائية تعني بنية سيرورة تاريخية، تحتضن بصورة شمولية في إطار تحققها التاريخي لوحدة الإنسان بالعالم، "إن فلسفة البراكسيس تتخطى نواقص الفكر القديم، وتسبغ على الابداع الإنساني طابعاً أصيلاً. وينشأ عن هذا أن حضور الإنسان للعالم ليس مقصوراً على توضيح ما هو موجود من قبل ولا على فهمه، وإنما هو مشتمل أيضاً على إبداع الجديد، وفلسفة البراكسيس إبداع عالم اجتماعي إنساني، ينكشف فيه الواقع على حقيقته، وفيه بالتالي تتحقق الحقيقة بالفعل أي التمييز بين الحس والباطل، وبين النور والظلام(9).‏

ولما كانت فلسفة البراكسيس تمثل السيرورة التاريخية، باعتبارها تعبيراً عملياً عن الوعي المطابق للحاجات والامكانيات التاريخية لتغيير الواقع، فإنها تمثل في الوقت عينه التحقيق الفعلي لوحدة الضرورة التاريخية مع الارادة السياسية الفاعلة..‏

وبذلك تظهر قضية الواقع المتحرك والمتغير هكذا، بواسطة فلسفة البراكسيس تحت إنارة جديدة كلياً. وفي هذه الرؤية الغرامشية سواء في إدراك الواقع بالفكر النظري، أم بالتاريخ والممارسة العملية، وفي وعي كائن البروليتاريا الاجتماعي، كموضوع للسيرورة الاجتماعية، وكذات (الطبقة) عارفة، في علاقة تفاعل جدلي مع البنية الجدلية للتطور التاريخي، يتجلى تناقض غرامشي الجذري مع الحتمية التاريخية الآلية، التي في إطار السير التناقضي، إذ لم يقُدْها أي وعي مطابق، وإذا حركتها فقط طاقتها الخاصة، الملازمة والعمياء، تظهر في كل أشكال مظاهرها المباشرة، كنوع من الإيمان الأعمى الذي ينوب مناب عقيدة القدر والعناية الإلهية اللتين تلجأ إليهما الايديولوجيات الدينية بحتمية انهيار الرأسمالية بفعل تأثير تناقضاتها الداخلية، وكسيادة للماضي على المستقبل، أي سيادة رأس المال على العمل.‏

على الرغم من أن غرامشي يقر بأن الفلسفة الماركسية لا تزال تحتاج إلى عملية التطوير النظري القائمة على الرؤية الجدلية للتطور، التي تختلف وتفترق عن سائر الرؤى والنظريات الأخرى عن التطور، باعتبارها رؤية للتطور مع عوده إلى البدء، تندرج في قانون نفي النفي، إلا أنه يرى الماركسية بأنها تصور للعالم، حيث يوحد مبدأ "النمو الجدلي للتناقضات بين الإنسان والمادة" مختلف أقسامها المقومة، وإنها فلسفة تامة وليست "مجرد" نظرية في التاريخ والسياسة، ولا هي أصبحت "لحظة من الثقافة الحديثة".‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 08:42 PM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

من هنا يندرج تطبيق برنامج غرامشي الفلسفي والثقافي، الذي يحكمه منهج عمل جذري في النقد، لإحداث انقلاب ثقافي وفلسفي خصب، في سبيل تجديد الفلسفة الماركسية، فكرياً وثقافياً، كي تمارس وظيفة السيطرة والزعامة الثقافية العالية، وكي تمتد بجذروها العميقة في جماهير الشعب، التي تشكل الكتلة التاريخية، باعتبارها المولدة للتاريخ الثقافي والفلسفي للحركة العمالية العالمية. المدرسة الأرثوذكسية في الفلسفة الماركسية، حيث أن أهم ممثليها بليخانوف (مسائل الماركسية الأساسية 1908)، وبوخارين (نظرية المادية- الكتاب الشعبي في علم الاجتماع الماركسي الذي نشر في روسيا 1921). وكانت هذه المدرسة، التي ظهرت في الأممية الثانية قبل الحرب العالمية الأولى، وثورة أكتوبر، تريد الدفاع عن الارثوذكسية، النظرية ضد المدرسة الاصلاحية، التي كان يمثلها برنشتاين من الناحيتين النظرية والسياسية، داخل الحركة العمالية الألمانية، والذي هاجم في كتابه "مستبقات الاشتراكية" العام 1899، المبادىء الجوهرية للماركسية، طارحاً بذلك تحويل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني إلى حزب إصلاحي. وفي هذا الصدد كانت ماركسية غرامشي جذرية وتاريخية ومتصادمة مع هذه المدرسة الأرثوذكسية، عبر مناهضته لأعمال بوخارين في كتابه الشعبي، الذي يكرس فيه بصورة أدبية، نظرية في المادية التاريخية. ففي دفاتر السجن، وفي الجزء الثاني من مؤلفات غرامشي الصادرة عن دار اينودي، والتي عنونها الناشرون المادية الجدلية وفلسفة ب كروتشه، والتي نجد فيها فئتين من الملاحظات، الأولى: وتتعلق بمناهضة غرامشي لفلسفة كروتشه المثالية (ج2 ص169). والثانية: تتعلق بمناهضته لكتاب بوخارين (ج2 ص117 م. آ ص122)"فلو كان بوخارين يدري بما يؤذن به عنوانه لوجب عليه أن ينظم" مذهباً منطقياً متماسكاً من المفاهيم الفلسفية "المعروفة باسم المادية التاريخية، ولقادة هذا العمل النقدي بالضرورة إلى إسقاط بعض الأمور نهائياً، لأن بعض المفاهيم المنسوبة إلى "الماركسية" غير صافية أو مستوردة بطريقة غير مشروعه، وغريبة في الواقع عن الماركسية (ج2 ص124 م.آ. ص127). ولو فهم بوخارين معنى نظريته في الماركسية، لوجب عليه أن يعالج عدداً من المسائل، وأن يبين أولاً ما هي الفلسفة، وكيف تُصورَت حتى الآن، وأي جديد تدخله الماركسية على تطورها، ثم ما هي علاقات الفلسفة من جهة ما هي معْرفة بالفلسفة من جهة، ما هي عمل وبوجه أي ما هي علاقات النظر بالفعل. يعرف القارىء هنا ما هي الأسئلة التي حاولنا الإجابة عنها، أو خططنا لذلك في فصيلنا الأولين. أما بوخارين فلم يكن بوسعه أن يفعل هذا لأنه كما يقول غرامشي كان ينقصه كل مفهوم دقيق للفلسفة الماركسية (ج2 ص129، م. آ. ص134)، فلم يفهم أن التطور الماركسي للعالم يجب استخلاصه من الماركسية باعتبارها نظرية في التاريخ والسياسة، وإنها من حيث النظر "منهجية كتابة التاريخ "ومن حيث العمل" منهجية المبادىء التاريخية"، إنه يفهم الماركسية، وهي علم تاريخ على أنها "علم اجتماع" متصور نمط العلوم الطبيعية، وخاضع بالتالي للحتمية التاريخية، ثم يتبنى الميتافيزيقيا المادية العامية القديمة (ج2- ص124- أ. م. ص127) (10).‏

ثالثاً: المدرسة الثانية التي يتصدى إليها غرامشي ويرفضها بإطلاقية، هي المدرسة الاقتصادية، التي تنقاد في شيء من التحليل المادي والاستنتاج المنطقي، إلى إنتاج فكر ماركسي أحادي، وميتافيزيقيا المادية، حين جعلت من الاقتصاد هو الوجود الوحيد، ما دامت البنى الفوقية في نظرها ليست إلا انعكاساً أو مظهراً لمجموع علاقات الإنتاج الاجتماعية. ولاشك أن الاقتصادية بما تنتجه من ميتافيزيقيا المادية، تقود إلى إنشاء تصور حتمي للتاريخ، بما أن الاقتصاد هو علة السيرورة الاجتماعية حيث أن النزعة الاقتصادية تبحث عن جملة من القوانين الآلية، والحتمية التاريخية، لكي تعلل بها هذه السيرورة عبر تأثيرها على ارادات الناس من الخارج، دون أن تعي بأنه لا يمكن فصل القوى الاجتماعية المنظمة من أجل الانتاج والعلاقات الاجتماعية للانتاج، عن مجموع البنى الفوقية، "التي يشعر الناس معها بموقفهم الذي يعيشون فيه ويبدعونه"، حيث أن إبداعية الناس هذه ليست مفصولة عن وعيهم للبنية الاجتماعية الاقتصادية التاريخية، ولا عن الأهداف التي يتجاوزون عن طريقها هذه البنية التحتية، مثلما لا يمكن فصل الكيفية عن الكمية، والحرية عن الضرورة، والنظرية عن الممارسة، والإنسان عن الطبيعة، والفعل عن المادة، والفكر عن الوجود، والذات عن الموضوع، وحدها ماركسية غرامشي الأصيلة هي التي ترى في مفهوم البنية التحتية، والبنى الفوقية باعتبارهما تشكلان كلية تاريخية وعامة، ترتبطان بمنظومة متكاملة من المفاهيم، التي تشاركها في الماهية، أي بوصفها كلياً، تجريدات نظرية ومقولات تعكس الواقع الموضوعي. ومن هذا المنطلق، فإن مقولة البنية التحتية والبنى الفوقية تنموان معاً، وتتراجعان معاً حسب مقولة الجدل. ويكمن ضلال الاقتصادية في أنها تحل البنية التحتية محل البنية الفوقية، والحتمية التاريخية محل وحدة الضرورة التاريخية مع الارادة السياسية الفاعلة، والاقتصاد محل السياسة، والخاص محل العام، والجزء محل الكل، والبروليتاريا محل كل طبقات المجتمع الأخرى، بل وفكرة المجتمع المدني برمتها، "وغيبت حقيقة أن كل فئة أو طبقة اجتماعية إنما تتحدد بدلالة غيرها من فئات المجتمع وطبقاته وتعكس ملامح المجتمع الذي هو جزء منه، وبذلك كانت تعيد الاستبداد. فمن ليس عنده في فكره، وفي روحه المطلق (الكلي) يحول نسبيّه إلى مطلق، وذلك هو الاستبداد حسب الياس مرقص. وبذلك تتساوى الاقتصادية- الايديولوجية التي حولت الماركسية إلى كاريكاتور، مع الايديولوجية الدينية، لأن الحتمية الاقتصادية، تقود إلى الإيمان بغائية جبريه للتاريخ، مماثلة للغائية الجبرية- الدينية.‏

إن ماركسية غرامشي النقدية والجذرية تقر بتجاوز التضاد لهذه الثنائية، منطلقة من أن الإنسان هو وحدة الصانع، والعاقل، والفاعل، وهو الذي يجسد وحدة الوعي والوجود، المادة والروح، الذات والموضوع، في إطار وحدة هذا الوجود العيني.‏

وهو ما قاد فلسفة البراكسيس عند غرامشي إلى إعادة إنشاء تركيب جديد، جوهره منهج الوحدة الجدلية القائم على وحدة الضدين أو مطابقة أحدهما للآخر، دون نسيان التعارض أو التناقض بينهما، ودون الوقوع في خطأ الواحدية على تنوع صورها، سواء كانت مادية وأنطولوجية قبل نقدية، إن كان المرء ينطلق من أولوية المادية، أو أحادية وأنطلولوجية مثالية، إن كان المرء ينطلق من أولوية المثالية.‏

أما غرامشي فهو يقول بأن فلسفة البراكسيس تكون أحادية. و"هنا يتسائل غرامشي ماذا تعني في هذه الحالة لفظة "أحادية"؟ إنها لا تعني الأحادية ولا المثالية، بل تعني وحدة الضدين الفعل التاريخي المشخص، أي في النشاط الإنساني المشخص (التاريخ- الروح) المرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ"مادة" معنية نظمت و(جعلت تاريخية)، وهي الطبيعة التي بدلها الإنسان (ج2 ص44. م.أ. ص69). هكذا يجب أن يكون تركيب التاريخية الماركسية "الإنسان الذي يمشي على ساقيه"(11).‏

إن الاقتصادية الايديولوجية تقود إلى تقديس عفوية الجماهير، وعدم ادراكها الدور المتميز للارادة السياسية الواعية، والفاعلة، التي تستهدف بناء حزب سياسي ثوري يضع استراتيجية نظرية وسياسية وتنظيمية متطابقة مع مصالح الطبقات الجوهرية الأساسية في المجتمع، تقوم على القيام بالثورة السياسية، والاستيلاء على السلطة السياسية. وإذا كانت الاقتصادية الايديولوجية لا تنكر السياسة إنكاراً مطلقاً، إلا أنها لا ترى فيها أكثر من فيض من البنية الاقتصادية، وخاضعة للعامل الاقتصادي فقط في الأخير. وغرامشي الذي حارب على الدوام النظرة التي ترى في أن أي تغيير سياسي أو إيديولوجي هو تعبير عن البنية الاقتصادية بشدة، وأن الأزمة الاقتصادية ستقود حتماً إلى التحطيم الثوري للرأسمالية، رفض هذه الرؤية الاقتصادية، حين أكد قائلاً: إن الأزمات الاقتصادية بحد ذاتها لا يمكنها أن تنجب مباشرة أحداثاً تاريخية أساسية (أي ثورة). إنها قادرة على أن تخلق شرطاً مناسباً لنشر منهج محدد في التفكير، ووضع حل المسائل التي تحيط بمجمل العملية اللاحقة لتطور الحياة السياسية... إن مسألة الصحة والاعتلال الاقتصادي كسبب الحقائق التاريخية الجديدة مسألة جزئية، من مسائل علاقات القوى بمستوياتها المختلفة".‏

إن الاقتصادية- الايديولوجية تنطلق من فرضية أن العنصر المباشر للقوة التاريخية، ينتج مباشرة وبصورة آلية عن حتمية البنية الاقتصادية، وبذلك تتجاهل بشكل واعي عنصر المبادرة السياسية للارادة الجمعية القومية الشعبية الضرورية لتحرير البنية الاقتصادية من عوائق التطور، التي تضعها السياسة التقليدية والرجعية للسلطة الحاكمة، كماهي ضرورية لتغيير المجتمع تغييراً ثورياً، الأمر الذي يتطلب بناء الكتلة التاريخية الاقتصادية والسياسية الجديدة والمتجانسة. من هنا تنبع قوة غرامشي في تأكيده على الطابع الارادي للحزب السياسي الثوري، كواسطة لتحقيق تحول في الوعي الجمعي، وإكساب الجماهير ثقافة جمعية، وتحقيق وحدة ايديولوجية وسياسية بين المثقفين والجماهير، وبالتالي الانتقال من الدور الاقتصادي، الذي يقدس عفوية الجماهير إلى الدور السياسي المهيمن للكتلة التاريخية الواعية، والهادفة، نحو تحقيق أهداف سياسية ثورية. وقد رأى غرامشي في انفصال النظرية عن الممارسة الثورية، السبب الجذري لوهن وعجز إمكانيات اليسار الاستراتيجية، ومغزى هذا أن الاشتراكية كانت لا تزال تمر في "طور بدائي نسبياً طور لا يزال اقتصادياً نقابياً، يحول فيه التركيب العام للبنية تحولاً كمياً بحتاً، وما تزال فيه البنية الفوقية الكيفية في طور النشوء، ولم تصبح بعد تشكلاً عضوياً"(12).‏

رابعاً: إن سمة التجديد في الماركسية عند غرامشي في ممارسته النظرية، التي تتحرك في حقل معرفي يؤكد على أهمية البنى الفوقية، وبالتالي أهمية الجبهة الثقافية، من حيث هي ممارسة علمية لانتاج المعرفة، والوعي المطابق، وتجسيداً لهيمنة، كسيطرة سياسية، وثقافية، وايديولوجية، للطبقة العاملة، وحزبها الثوري، وفي حقل ايديولوجي، من حيث هي ممارسة نقيض للممارسة الاقتصادية- الايديولوجية للماركسية المبتذلة، التي أهملت الطابع الجدلي للكتلة الماركسية، وأخضعت التحليل التاريخي لأولوية العامل الاقتصادي، وحدّدت تحقيق الثورة الاجتماعية بإعطاء جواب انتظاري وارجائي إلى زمن يتطابق فيه قوانين المادية التاريخية مع مراحل تطور البنية الاجتماعية لهذا البلد أو ذاك، حتى يتم التحرك الأفقي للتناقض الرئيس بين البرجوازية والبروليتاريا، أي الصراع الطبقي، لأحداث الثورة وَالإنكسار في البنية الاجتماعية، وتحقيق الانتقال من نظام إنتاج رأسمالي إلى نظام إنتاج اشتراكي. إنه الوهم النظري والعمى الفكري، والاصلاحية في الممارسة السياسية، التي تميزت بها الاقتصادية- الايديولوجية.‏

وهذا ما جعل غرمشي في مقاله الشهير حول ثورة أكتوبر، الذي يحمل عنوان "الثورة ضد رأس المال" يؤكد على "أولوية الذاتي بالعلاقة مع الموضوعي، وأن التاريخ، ليس في نهاية الأمر، إلا ثمرة الإنسان والإرادة البشرية القوية. ولكن ليس الإرادة المفردة، بل مجموع الارادات، وإذا ما توجهت هذه الارادات بشكل صحيح، فإنها باستطاعتها الارتفاع فوق الظروف. "ويقدر ما يحيي غرامشي في هذا المقال ثورة البلاشفة 1917، لا لأنها تخطت جدلياً وتاريخياً الاقتصادية- الايديولوجية، بواسطة هدمها الثوري للعملية التطورية الاصلاحية، وللجدول الحديدي لمراحل مستويات تطور البنية التاريخية فقط، عبر تشديدها على الطابع الارادي الواعي والجمعي للحزب الثوري، كواسطة لتحقق التحول في الوعي لدى الطبقات المستغلة والمضطهدة، وفي تسييسها، وتعبئتها، وفي تحقيق التلاحم بين الانتلجنسيا الثورية والجماهير، اللذان يشكلان الكتلة التاريخية الثورية، وإنما أيضاً، وهذا هو المهم عبر اعادة طرح غرامشي لبحث العلاقات بين العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية في العملية التاريخية، من خلال تأكيده على إعادة الاعتبار للجدل في دراسة الوحدة بين النظرية والممارسة، وعلاقة ذلك بانتقالها من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل في إطار تجربة قومية محددة، وبنية قومية ثقافية، وسياسية، وايديولوجية محددة، وإلى اعادة صياغة "مسألة العلاقة بين البنية والبنية الفوقية الواجب طرحها وحلها بدقة إن توخى المرء التوصل إلى تحليل صحيح للقوى العاملة في تاريخ فترة محددة وإلى تحديد علاقاتها".‏

وعلى الرغم من أن كونية نظرة غرامشي، وأمميته لا يرقى إليها أدنى شك، مثلما هي استحالة فصل الكونية عن حركة تميزها، أي حركة تحققها في وجودها القومي الفعلي، إلا أن الممارسة النظرية لغرامشي، تميزت بالشروط التاريخية الاجتماعية المحددة من الواقع القومي الايطالي، ومن الثقافة الايطالية، ومن تميز أشكال الدول الرأسمالية في أوروبا الغربية، انطلاقاً من أن كل ممارسة نظرية لانتاج فكر نظري معرفي وثقافي متميز، لابد أن تتحرك في ارتباطها الصميمي بحركة الصراعات الطبقية في إطارها القومي، وفي حقل معرفي يحددها ويميزها. وهذا ما مكن غرامشي من وعيه الجدلي لخصوصية العلاقة بين الأوضاع القومية والأوضاع العالمية، حين يقول: هناك طريق واحد للاشتراكية يمكن تطبيقه في جميع الحالات: إن وجهة التطور هي تجاه الأممية إلا أن نقطة الانطلاق "قومية"، ومن هذه النقطة يجب البدء".‏

إنه بقدر ما كان غرامشي يتمثل جدلياً التجربة اللينينية، ويستلهم من دروس الثورة الروسية، إلا أنه كان يعي في ممارسته الفعلية خصوصية الأوضاع القومية المختلفة في الدول الرأسمالية الغربية، وكان يرفض نهج التبعية لهذه المدرسة أو تلك، لهذا الاتجاه أو ذاك، فضلاً عن رفضه أسلوب النقل التكنولوجي، والتطبيق الميكانيكي، لحلول مسبقه مرتبطة بتجربة معينة مختلفة، على واقع قومي فعلي معين، ومختلف. وهذا ما جعل غرامشي يشدّد على تميز الأوضاع القومية منها عن الأوضاع العالمية، كنتيجة لاختلاف الشروط التاريخية والسياسية الموضوعية لعملية الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وكنتيجة لتفاوت تطور الحركة الثورية ذاتها، باعتبار أن هذا التميز في إطار الرؤية الكونية، هو الذي يحدد في المحصلة النهائية طبيعة كل أزمة ثورية في مرحلة تاريخية معينة، وفي ظل أوضاع قومية معينة، وبالتالي هو الذي يقرر ويملي على الحركة الثورية تحديد استراتيجيتها السياسية، والتنظيمية، والنضالية، الثورية.‏

يقول غرامشي في هذا الصدد: "إن الواقع مليء بالتركيبات الغريبة ومهمة المنظر هي إيجاد البرهان على نظريته من داخل الفوضى هذه، أي "ترجمة" عناصر الحياة التاريخية إلى لغة نظرية، والواقع ليس هو الذي يعرض نفسه تبعاً لمخطط فكري مجرد. ليس باستطاعته هذا أن يحدث أبداً، وبالتالي يعبر هذا المفهوم عن السلبية". إن كل واقع قومي هو "نتيجة لتركيب (بمعنى معين) أصيل وفريد، ويجب فهم التركيب ضمن سياق هذا الأصالة والخصوصية أن توخى المرء تخطيها، وقيادتها"(13).‏

خامساً: إن فكر غرامشي النظري الجدلي يريد أن يكون فكراً للسياسة الراديكالية، وهو بذلك يقدم ذاته في معالجته للعلاقة بين مختلف أشكال البنية الفوقية والبنيات الاقتصادية المختلفة، على أنه نقض لكل فكر اقتصادي- ايديولوجي ينكر أي دور فعال تلعبه البنية الفوقية والجبهة الثقافية في آن معاً، ويتجاهل في الوقت عينه اشكالية العامل الذاتي، وبلورة الوعي الطبقي الثوري، لا كعملية فكرية، بل أنه وقبل كل شيء كسيرورة تطور لنضال ثوري يحقق التكامل التدريجي لجميع الممارسات الطبقية التوحيدية والتنظيمية للجماهير، وفي إطار الصراع من أجل الهيمنة، كأمر تفرضه الضرورة التاريخية لتطور العملية الثورية، كي تتحول البروليتاريا إلى طبقة مهيمنة. وفكر غرامشي هذا يرمي إلى املاء شرائعه على السياسة الثورية، من خلال تأكيده على أهمية الفعل السياسي التاريخي في إطار الصراع من أجل الهيمنة، الأمر الذي يتطلب الانتقال من العمليات التحتية إلى مستوى البنية الفوقية، ومن الاقتصاد إلى السياسة والايدلوجية، والتحرر من الاسقاطات الضارة للنزعة الاقتصادية- الايديولوجية الحتمية، المعتقدة مذهبياً وأسطورياً، بأن القوانين الاقتصادية ستقود حتمياً في النهاية نحو النصر، إلى بلورة الوعي الذاتي الثوري الناقد، الذي يعني "تاريخياً وسياسياً، خلق نخبة من المثقفين. فالكتلة البشرية لن "تتميز" ولن تصبح مستقلة "بفعل ذاتها" من دون تنظيم (بالمعنى الشامل)، وليس هناك من تنظيم بلا مثقفين"، وبالتالي إلى بناء حزب سياسي ثوري يلعب دور المثقف الجمعي، باعتباره القارب، الذي يتوسط ويربط بين ضفتي النظرية والممارسة، والذي يقود الطبقة العاملة إلى تحقيق هيمنتها داخل المجتمع المدني، قبل وصولها إلى استلام السلطة في الحقول السياسية، والايديولوجية، والثقافية، والأخلاقية، عبر تطوير فلسفتها وتصورها للعالم، وبلورة برنامجها السياسي الثوري، لكي تلعب دوراً مهماً في التاريخ. و"ينطوي هذا الدور على جانب تنظيمي، وجانب ايديولوجي في آن واحد. والنظرية الماركسية- التي يجهد الحزب لنشرها في أوساط الطبقة العاملة- لا تسلح هذه الطبقة بوعي طريق ووسيلة التحول الاجتماعي فحسب، بل إنها الماركسية- تتحول إلى عقيدة فاعلة تجعل من الشغيلة والبسطاء قادرين على تغيير نظرتهم إلى أنفسهم، وإلى العالم، وعلى النظر إلى أنفسهم كقوة فاعلة محركة للتاريخ، في هذه الحالة فقط، باستطاعة الطبقة العاملة أن تتحول إلى طبقة مهيمنة، وأن توجد حولها جماهير واسعة، وأن تحقق الثورة بنجاح"(14).‏

إن ماركسية غرامشي الجدلية، تقوم على وحدة المنطقي والتاريخي، وعلى ترابطهما الشمولي والكوني- وهذه الوحدة ليست تراصفاً خارجياً، لا تتفق مع تعريفهما، بل هي نابعة من الترابطات الداخلية لكل من (المنطقي والتاريخي) ومن علاقتهما الجذرية، حيث أنها توحد كيانين مستقلين، ومتعارضين تعارضاً جدلياً، بل إن كلا منهما هو في ذاته هذه الوحدة، والجدل المادي لا يضع المنطقي في تناقض مع التاريخي، بل يدرسهما مرتبطين معاً. فالتاريخي لا يطرد ولا يلغي المنطقي من بنيانه الداخلي، باعتبار أن المنطقي هو وجه من وجوه الترابط الشمولي والكوني في النظرية الماركسية. هذا لا ينفي تمايز المبادىء، وتمايز المستويات، وحدود الموضوعات، التي يشتبك معها كل من المنطقي والتاريخي، مثلما لا تلغي مقولات المنطقي والتاريخي، كونية ترابطهما وتواصلهما، وتبعيتهما المتبادلة. فكلما كانت الماركسية تاريخية، عبر فاعلية الإنسان الواعية، والعارفة، كانت تثبت المنطقي، وتغني المعرفة، والنظرية، والمنهج الجدلي، وتستطيع تحقيق أهدافها فقط، عندما تطبق وفقاً للضرورة التاريخية.‏

ولما كان المنطقي في النظرية هو العلم الخالص في كل مدى تطوره، وتقدم المعرفة، فإن تاريخانية غرامشي تقبع في ماركسيته الجدلية والجذرية، التي يبين فيها، كيف أن المنطقي والتاريخي يمكنا أن يكونا متماثلين في هوية واحدة، وأن على الإنسان الصانع، والعاقل، والعارف، والواعي والهادف، أن يأخذ المنطقي والتاريخي لا ككيانات متحجرة، بل أن يأخذها ككيانات حية، مكيفة بشروطها، متحركة، ومتغيره، يتحول أحدها إلى الآخر، حسب مقولة الجدل.‏

إن المنطقي في النظرية الماركسية، يكمن في اكتشاف، وفهم القوانين الموضوعية التاريخية لاسيما قوانين التطور الاقتصادي والاجتماعي في تشكيلة اقتصادية اجتماعية معينة، وفي تقديم التحليل العلمي للرأسمالية، ولنظام الانتاج الرأسمالي. والمنطقي هو التعبير النظري عن العملية التاريخية وقوانينها الموضوعية الهامة، وهو متجرد عن الذات، ومتحرر من الأعراض، والتقاليد الوراثية، والخصائص القومية، إن من أهداف المنطقي، هو تحليل المقولات الانطولوجية، ضمن سياق المعرفة المتطورة تاريخياً، التي تكشف عن مضمونها الموضوعي، وتشكل في الوقت عينه أساساً للتطور اللاحق لأحكام الواقع المقولتية، حول التناقض بين الرأسمالية والاشتراكية، وحتمية انهيار الرأسمالية، وظهور الاشتراكية كنتيجة مقنونة لتطور المجتمع الرأسمالي، والأهمية التاريخية العالمية لدور البروليتاريا كحفار قبر الرأسمالية، وتناقض القوى المنتجة مع علاقات الانتاج، الذي يقود إلى اندلاع الثورة، وبالتالي الانتقال من تشكيلة اقتصادية اجتماعية معينة إلى تشكيلة اقتصادية جديدة، حتى يتم فيها تطابق بين القوى المنتجة والعلاقات الانتاجية، وحتمية تعاقب التشكيلات الاقتصادية- الاجتماعية، ضمن إطار نظرية تمرحل تاريخ المجتمعات المعينة، التي يعقب أحدها الآخر، حيث يمثل كل منها مرحلة معينة خاصة في التطور التقدمي للمجتمع.‏

إذن المنطقي يعكس المفهوم العام، والمنطق الموضوعي التاريخي في التطور، لهذه التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، أو تلك، وفي سماته العامة الأساسية.‏

بيد أن التاريخي لا يتضمن معرفة قوانين التطور الاجتماعي فقط، بل إنه يتضمن رؤية الضرورة التاريخية للعملية الثورية، من أجل تحقيق التحولات الاجتماعية الراديكالية، طبقاً للظروف التاريخية الواقعية العينية المشخصة لنشاط ونضال الجماهير. فالتاريخي ينطلق من أن الجماهير الشعبية هي صانعة التاريخ، وهي التي تؤلف مفهوماً تاريخياً محسوساً عن الثورة، التي تدفع بالتاريخ إلى الأمام. والتاريخي ينطلق من ضرورة انضاج العامل الذاتي متمثلاً بالحزب الثوري، باعتباره المثقف الجمعي، وبانضاج الوعي الطبقي الثوري، وبفهم التنوعات والسمات الخاصة، التي تطبع كل واقع قومي معين، في سبيل تحقيق المقاربة بين نضوج الثورة في مستواها الموضوعي مع مستواها الذاتي. لأنه من غير التاريخي، أن تقود كل مسألة ثورية إلى اندلاع ثورة، إذا كان العامل الذاتي غائباً، أو ليس فاعلاً سياسياً وتاريخياً، لأن الثورة عملية معقدة تخضع لتأثير متبادل بين العامل الذاتي والعوامل الموضوعية، وإلى تعرجات وأحداث لا حصر لها، وإلى فهم مشخص للأشكال القومية، التي تظهر وتنتج فيها، وإلى العلاقة بين العملية القانونية العامة لنظرية الثورة، والخاص، التي تكونت فيه اللحظة الثورية المعنية (أي من المستوى التاريخي). مثلما أن الثورة لا يمكن اشتقاقها منطقياً من الحتمية الاقتصادية الايديولوجية، الجبرية، ولا من المستوى المنطقي التجريدي فقط، "وهكذا نجد أن غرامشي قد تناول النظرية الماركسية في مستوها التاريخي وإلى هذا المستوى تنتمي تلك المفاهيم الغرامشية كمفاهيم الهيمنة، القوة، الاتفاق، حرب المواقع، حرب المناورات... وما شابه ذلك. وهذا ما يفسر حركة الانتقال من العمليات التحتية إلى العمليات الفوقية، التي يقدمها كثيراً من الباحثين عند غرامشي (فمن الخطأ في المستوى التاريخي أن نتجرد من العامل الذاتي). وفي محاولة فهم هذه المسألة يقع كثير من الباحثين في الاجتهادات الخاطئة لفكر غرامشي. لنأخذ مثلاً أطروحة غرامشي التي تقول بإمكاننا أن نقود صراعاً. ولكن من الخطأ أن نتوقع نتائجه، يقود قول كهذا إلى استنتاج، إن غرامشي قد دحض توقع الاشتراكية كنتيجة ضرورية للتطور التاريخي، وإنه قد اعترف بها كامكانية فقط، ولكن استناداً إلى ما قلناه سابقاً فيجب أن يكون واضحاً أن للمسألة هنا مستويين المستوى التاريخي والمستوى المنطقي"(15).‏



مصادر الفصل الأول‏



(1)- مهدي عامل- مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني- دار الفارابي- الطبعة الخامسة 1986- (ص173).‏

(2)- أنطونيو بوزوليني- غرامشي- ترجمة سمير كرم- المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الأولى- كانون الأول (ديسمبر 1977) (ص81- 82).‏

(3)- لينين- مجموعة المؤلفات الكاملة ج. 3 (ص71).‏

(4)- جون كاميت- غرامشي حياته وأعماله- ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية- الطبعة الأولى 1984 (ص253).‏

(5)- فيصل دراج- مقال غرامشي والبحث عن سؤال الثقافة نشر في مجلة النهج العدد 19- العام 1988- (ص121- 122).‏

(6)- جاك تكسيه- غرامشي، دراسة ومختارات. ترجمة ميخائيل ابراهيم مخول مراجعة د/ جميل صليبا- منشورات وزارة الثقافة- دمشق 1972 (ص94- 95).‏

(7)-‏

Eugene Genovese 2"In studies on the left" VOL7, No 2, 1967 (P 8377).‏

(8)- جون كاميت- مصدر سابق (ص253).‏

(9)- جاك تكسيه- مصدر سابق (ص250).‏

(10)- المصدر السابق (ص58).‏

(11)- المصدر السابق (ص133- 134).‏

(12)- أنطونيو غرامشي- الأمير الحديث- ترجمة زاهي شرفان، قيس الشامي، دار الطليعة، الطبعة الأولى- نيسان (ابريل) 1970، (ص150).‏

(13)- المصدر السابق، (ص147).‏

(14)- م.ن. غريتسكي: غرامشي والعصر الراهن، ترجمة الدكتور أحمد برقاوي، مقال نشر بمجلة النهج، رقم 19، العام 1988- (ص181).‏

(15)- المصدر السابق- (ص185).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 08:45 PM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الثاني






يتخذ مفهوم الهيمنة عند ماركس طابعاً اجتماعياً وتاريخياً هو طابعه الطبقي، يحدده وضعه في البنية الاقتصادية الاجتماعية الشاملة. لأن ماركس، حين كان يلح على أن شروط الثورة هي شروط بنيوية، تشمل البنية في تعقد مستوياتها (المستوى الاقتصادي، والمستوى السياسي، والمستوى الايديولوجي)، كان يعتبر أن البنية التحتية هي المهيمنة معنى هذا، أن البنية التحتية، باعتبارها الهيكل العظمي الاقتصادي للجسم الاجتماعي، حيث أن العلاقات الانتاجية، في مجموعها، وبشكل خاص، التي قامت على أساس القوى المنتجة، تألف القاعدة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع في مرحلة معينة من مراحل تطوره التاريخي، وتألف أيضاً الأفكار، والايديولوجيات، والمؤسسات، والعلاقات الاجتماعية، لهذه التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية أو تلك، هذه البنية حاضره في البنية الفوقية الايديولوجية، والمؤسساتية، والحقوقية الخاصة بها، والتي هي نتاج لها، ومرتبطة عضوياً بها، وتؤثر فيها تأثيراً فعالاً. غير أن هذا الشكل من الحضور للبنية التحتية، أي للبنية الاجتماعية في البنية الفوقية، أي البنية الفكرية، والايديولوجية والثقافية، ليس حضوراً متماثلاً، بل هو مختلف، من ايديولوجية طبقية إلى ايديولوجية أخرى، باعتبار هذا الحضور يتحدد مباشرة بالبعد الاجتماعي، أي بالبعد الطبقي، أي من وجهة نظر طبقية محددة. كما أن "تطور البنية الايديولوجية العامة، كتطور البنية الاجتماعية الشاملة تطور تفاوتي لابد أن تكون السيطرة فيه، في كل مرحلة من مراحله، لبنية فكرية محددة، أي لايديولوجية طبقية محددة، هي بشكل عام ايديولوجية الطبقة المسيطرة. وهذا ما يساعدنا على فهم مقولة لينين الشهيرة "إن الصراع الايديولوجي شكل من أشكال الصراع الطبقي"(1).‏

إذا كانت، بالنسبة لماركس، معرفة الطابع التاريخي للبنية التحتية، باعتبارها المهيمنة، تصبح قضية حيوية، لأن لها صلة بالنتيجة التي تعكسها بنية التاريخ الداخلية للمجتمع في أفق تطور الرأسمالية، الذي أنتج البروليتاريا، وبمجرى تطور البروليتاريا ذاتها في مرحلة معينة من التطور الاجتماعي، فإنه في الوقت عينه يؤكد على الطابع الشمولي لوعي البروليتاريا الطبقي، لكي تدخل البروليتاريا كذات طبقية واعية وعارفة بالمهفوم الجدلي، معترك الصراعات الطبقية بأبعادها المختلفة الاقتصادية والايديولوجية، والسياسية، وتخوض معاركها الحاسمة ضد البرجوازية، كما يتطلبه ذلك التطور التاريخي بالحاح، وكذلك ضرورة الثورة الاجتماعية، من أجل فرض هيمنتها. في كتاب "الايديولوجية الألمانية، حدد كل من ماركس وأنجلز في فصل تحت عنوان "شروط الملكية الخاصة ونتائجه" "إن التملك يتقرر بطريقة تكون فعالة. ولن تكون هذه الطريقة فعالة إلا من خلال الاتحاد. هذا الاتحاد الذي يصبح شاملاً بسبب الطابع الشمولي للبروليتاريا نفسه. ومن خلال ثورة تطيح من جهة بسيادة الطريقة الانتاجية والعلاقة السابقة للتنظيم الاجتماعي، ومن جهة أخرى يتطور الطابع الشمولي وطاقة البروليتاريا التي من غيرها لا يمكن إنجاز الثورة، والتي بواسطتها تحدد البروليتاريا نفسها من شيء لا يزال عالقاً بها من وضعها السابق في المجتمع".‏

إن تركيز ماركس على البنية التحتية كإطار لمفهوم الهيمنة، نابع أيضاً من أن أصل الطبقتين الكبيرتين المتناقضتين في العصر الراهن، البرجوازية والبروليتاريا، وكذلك تطورهما لاحقاً "قد نشأ بطريقة واضحة وملموسة على أسباب اقتصادية خالصة". وهذه الأسباب مرتبطة بأثر التغيير في نمط الانتاج. ثم أن ماركس يعتبر "إن جميع النضالات الطبقية التحريرية، في التاريخ الحديث على الأقل، تدور في نهاية الأمر، على الرغم من شكلها السياسي بالضرورة حول التحرر الاقتصادي".‏

كما أن ماركس كان يلح على الشروط البنيوية للثورة، التي تتمثل في التطور الاقتصادي، والصراع الطبقي، باعتبارهما يخلقان شروط الانتاج الاشتراكي، وهو في تحليله العلمي لرأس المال، وبشكل عام في "نقد الاقتصاد السياسي"، ينتقل إلى السياسي، أي إلى الصراع الطبقي، وليس إلى سلطة الدولة، حيث أن ماركس في معظم تحليلاته السياسية والتاريخية حول الدولة الحديثة كان يقصد بها دولة المزدوجة التناقضية مجتمع مدني/ دَوْلَه. وهذا التحليل يتماشى مع تلك المرحلة التاريخية، التي عاشها ماركس ما بعد 1848، حيث كانت الدولة بدائية ومتخلفة نسبياً وكان المجتمع المدني الذي يعرفه ماركس هو على النحو التالي "ظهر اصطلاح المجتمع المدني في القرن الثامن عشر، عندما انتزعت العلاقات الخاصة نفسها من المجتمع المشاعي القديم والوسيط. ولم يتطور المجتمع المدني إلا مع البرجوازية. وانبثق التنظيم الاجتماعي مباشرة من الانتاج والتجارة، اللذين يشكلان في كل العصور أساس الدولة وبقية البناء الفوقي المثالي. ولهذا قال دائماً هذا الاسم"(2).‏

ففي مرحلة التكوين التاريخي للبنية الاجتماعية الرأسمالية تعمل الرجوازية كطبقة صاعدة على أن تكون مسيطرة اقتصادياً، من دون أن تكون مسيطرة سياسياً، حيث أن الهيمنة السياسية تكون فيها للطبقات الحاكمة القديمة. ولكن مع تبلور السيطرة الاقتصادية للطبقة البرجوازية في مرحلة تكون البنية الاجتماعية الرأسمالية، تنزع هذه البرجوازية المسيطرة اقتصادياً بالضرورة، إلى مجابهة ثورية مع جهاز الدولة القديم المسيطر عليه من قبل الارستقراطية وطبقة النبلاء، لكي تحقق سيطرتها السياسية، باعتبار أن وجودها في موقع السيطرة السياسية، هو الشرط الضروري لاستمرار وجودها في موقع السيطرة الاقتصادية، كما أن هذه السيطرة السياسية للطبقة البرجوازية لابد أن يكون ملازماً لها سيطرة ايديولوجية وثقافية.‏

ومن الواضح، إن هذه السيطرة السياسية تتضمن في الوقت عينه سيطرة الدولة، باعتبارها كياناً منفصلاً بمؤسساتها عن المجتمع المدني. يقول أنجلز: "تنعكس في الدولة الحاجات الاقتصادية للطبقة المسيطرة على الانتاج" و"تتركز فيها".‏

ومن هنا أطلق ماركس مفهوم الهيمنة على علاقات الانتاج الاجتماعي البرجوازية، المتجلية في صورها المتعددة: الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والحقوقية، والايديولوجية، والثقافية والفكرية، باعتبارها مفهوماً يتضمن درجة كبيرة من الغنى والعمق، حيث أنه في مرحلة التكون التاريخي لعلاقات الانتاج الرأسمالي، وفي مرحلة تطورها اللاحق في إطار تكاملها البنيوي، تعمل البرجزازية كطبقة ثورية صاعدة، ممثلة لهذه العلاقات الانتاجية، وحاملة في سيرورتها الطبقية نظام الانتاج الرأسمالي، على فرض هيمنتها الطبقية داخل المجتمع المدني، باعتبارها الطبقة المهيمنة النقيض للطبقات القديمة في النظام الاقطاعي.‏

وإذا كان ماركس يرى في البنية التحتية هي المهيمنة، فإن غرامشي بالمقابل لا يختلف معه حول هذه المسألة، بل إنه ينساق بعيداً إلى الجدل بين البنية التحتية والبنية الفوقية، وإنْ كان يحدد الهيمنة في المحصلة النهائية للبنية الفوقية.‏

إن الفهم الشائع عند الماركسيين هو أن الدولة تمثل المجتمع السياسي، وليس توازناً بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، وبالتالي فهم يرون فيها، الهيمنة لطبقة البرجوازية، أو لفئة طبقية برجوازية على المجتمع بأكمله، حيث يتم التوصل إلى هذه الهيمنة، عبر مؤسسات المجتمع المدني. ويقدم لنا دارس بريطاني لهذه المرحلة من فكر غرامشي تعريفاً مدخلياً مفيداً لهذه المشكلة: فالهيمنة هي "نظام تسيطر فيه طريقة معينة للحياة وللتفكير، وليس فيه إلا مفهوم واحد للحقيقة، ينتشر في المجتمع بكافة مظاهره المؤسساتية والخاصة، يصوغ بروحيته كل الأذواق والأخلاق والعادات والمبادىء الدينية والسياسية، وكل العلاقات الاجتماعية، خصوصاً في ملامحها الثقافية والأخلاقية".‏

ورأى غرامشي مثلاً أساساً لظهور الهيمنة في تاريخ فرنسا من نشأة الطبقة البرجوازية قبيل ثورة 1789، لم تكن للطبقات السائدة تنظم المرور بينها وبين الطبقات الأخرى، ولم تسع إلى توسيع دائرتها الطبقية "فنياً وايديولوجيا". وهنا يسود مفهوم الخاصة الطبقية caste المغلقة. ويضيف غرامشي قائلاً أما الطبقة البرجوازية فتطرح نفسها كتنظيم في حركة دائمة قادرة على استيعاب المجتمع بأجمعه، وادماجه في مستواه الثقافي والاقتصادي: فتتحول وظيفة الدولة كي تصبح الدولة المربية الخ. وتتماثل فترة نمو البرجوازية مع مهمة غزو الهيمنة وينتقل المجتمع من مرحلة الدولة الكنيسة إلى مرحلة تنمية البنى الفوقية (وإلا تلاشت الدولة قبل أزدهارها)(3).‏

إن غرامشي لا يخلط بين الدولة والسياسية والمجتمع المدني، وهو يطلق تسميات مختلفة للدولة، طبقاً للمبدأ التي قامت عليه، وللمرحلة التاريخية، التي عرفتها، لكي يبين لنا بأن الدولة ليست جهازاً للحكم فقط، وإنما تعني أيضاً جهاز الهيمنة "الخاص"، أو المجتمع المدني. فهناك الدولة التي تعتبر حقيقة الحياة الأخلاقية عند هيغل، التي يكمن مبدأها المعلن بوضوح في العالم الحديث، في ادعائها مبدأ الخصوصية الذي يتحول إلى أبعد مدى في المجتمع المدني، وفي المحافظة على الأفراد "بوصفهم أشخاصاً، واذن أن تجعل من الحي واقعاً فعلياً ضرورياً، وأن تشجع رفاهيتهم التي يهتم بها كل لذاته أولاً، والتي لها مع ذلك قطعاً، وجه كل - وأن تصون الأسرة، وتقود المجتمع المدني. "إن مفهوم الدولة الأخلاقية عند هيغل يمكن ربطه "بالدولة- العسس،" المستمدة من الأصول الفلسفية والثقافية الليبرالية، التي تفسح في المجال للمبادرة التاريخية للمجتمع المدني، ولمختلف القوى التي لا تحصى فيه إلى جانب دولة ترعى "أمانة اللعبة" "وقوانينها"، وتقوم على أساس العلمانية، التي ترفض التنظيم الديني- الرهباني. ويقابل تعبير "الدولة العسس" "الدولة الشرطي" في الايطالية، التي لا تتعدى مهامها في المحافظة على الأمن العام، واحترام القوانين. ضمن هذا السياق يندرج مفهوم الهيمنة عند غرامشي، الذي يعني به كشيء خاص معين، أي المجتمع المدني. والهيمنة هي "التكملة" للمفهوم الشامل للدولة: والمجتمع المدني حسب تعريف غرامشي له، يتوقع "بين البنية الاقتصادية والدولة بتشريعاتها وقمعها". ومن هذا المنطلق فإن مفهوم الدولة عند غرامشي يتضمن "معنى أوسع وأكثر عضوية"، ويضم "عناصر تعود لفكرة المجتمع المدني. بمعنى أن تعريف الدولة يعني أن الدولة تساوي المجتمع السياسي+ المجتمع المدني، أي هيمنة مصفحة بالقمع". تصبح بذلك الدولة، بالمعنى الأوسع، "دولة كدولة ومجتمع مدني، أو "المركب الكامل للنشاطات العملية أو النظرية التي لا تبرر الفئة الحاكمة فيها سيطرتها وتحافظ عليها فحسب، بل تفلح في الحصول على الموافقة الفاعلة للمحكومية".‏

يمتد بذلك مفهوم السلطة ليشمل المركب الكامل للمؤسسات التي توسط /Mediate/ علاقات القوى في المجتمع مؤمنة "الهيمنة السياسية والثقافية لفئة اجتماعية على المجتمع برمته في المحتوى الأخلاقي للدولة"(4).‏

وهكذا، فإن الهيمنة الطبقية، التي يتم التوصل إليها عبر مؤسسات المجتمع المدني، تتم بواسطة وظيفة "القيادة بالموافقة"، مع وظيفة "القمع". وبذلك تتخطى معالجة غرامشي للمفهومية مقولات علم السياسة ومقولات علم الاجتماع، فليست الدولة بعد الآن مجرد جهاز قمعي لها أثر ارتجاعي /Retroactive/ في مجال المجتمع المدني، خلال "تعددية التجمعات والوكالات المعينة" التي تشكل "كجهاز هيمنة فئة اجتماعية على باقي السكان أو (المجتمع المدني)، أساس الدولة بالمعنى الضيق كجهاز قمعي حاكم"(5).‏

إزاء الاستباقات النظرية للتطور التاريخي لمفهوم الهيمنة، الذي كان له تاريخاً طويلاً في تقدمه الفلسفي والمعرفي، وفي تطوره السياسي، منذ عهد ماركس، مروراً بلينين، حيث يدل مفهوم الهيمنة في أوروبا الغربية على واقع تحقق المجتمع المدني كقلب مركزي، أو كحصن داخلي في إطار وجود علاقة توازن صحيحة بين الدولة والمجتمع المدني، كما عاشها ماركس. وحيث أن لهذا المفهوم مضمون واقعي خاص في روسيا المتأخرة تاريخياً، في إطار وجود دولة تمثل كل شيء هناك، في حين أن المجتمع المدني كان بدائياً وهلامياً، كان الخطاب الغرامشي حول مفهوم الهيمنة، بقدر ما كان يستند إلى نموذج السلطة المرجعية الفلسفية والمعرفية والسياسية للماركسية، بقدر ما أنه استطاع أن يؤسس مفهوماً حديثاً وعصرياً للهيمنة، محققاً بذلك الاستقلال التاريخي التام، وأن يخوض نضالاً قاسياً ضد الاقتصادية- الايديولوجية في مجال علم التاريخ، وفي مجال نظرية وممارسة السياسية، لكي يبلور نظرية ماركسية ثورية متميزة في إطار الفلسفة، والتاريخ، والسياسة، على أساس من مفهوم الهيمنة. وقد استطاع غرامشي انطلاقاً من رؤيته الاستراتيجية لمفهوم الهيمنة، أن يعطي أهمية خاصة وفائقة للبنية الفوقية، وللمثقفين العضويين، حيث أن الهيمنة "حصيلة الدور السياسي للطبقة، أي دور انتقال البنية وتناقضاتها إلى البنية الفوقية"، في علاقاتها ببناء الحزب، أي الأمير الحديث، القادر على أن يكون مثقفاً جمعياً للطبقة العاملة وحلفائها الموضوعيين، من خلال وعي هذه الطبقة ذاتها ومهامها السياسية والتاريخية، "أي رؤية شاملة+ برنامج سياسي"، وأن يتحمل مسؤولية قيادة ثورة، وبالتالي مسؤولية الاستيلاء على السلطة السياسية، وخلق دولة حديثة جديدة، بما يعني ذلك "خلق مجتمع مدني+ الاستيلاء على الجهاز الحكومي القمعي"، باعتبار أن هدف الثورة هو تحقيق الهيمنة" إذا دولة بالقوة".‏

وقبل أن نغوص في قراءة غرامشي حول مفهوم الهيمنة والمجتمع المدني، اللذين ركزا عليهما كثيراً، أكثر مما ركز على مسألة المجتمع السياسي، التي أعطاها لينين أولوية مطلقة، خصوصاً وأنها تعني بالنسبة له ولباقي الماركسيين "ديكتاتورية البروليتاريا"، من الجدير أن نتطرق إلى مفهوم الهيمنة داخل التيارات المختلفة المكونة للماركسية الروسية، في عهد الصراعات الايديولوجية والسياسية، التي خاضها لينين ضد خصومه، وحتى اندلاع الثورة الروسية في العام 1917.‏

الاشتراكية الديمقراطية الروسية ومفهوم الهيمنة:‏

في صياغة نظرية الهيمنة للطبقة العاملة وللمثقفين العضويين في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، والتي ترتبط باسم غرامشي، استطاع هذا الأخير أن يضيف تراثاً جديداً بطريقة ابداعية للماركسية، كان له الأثر العظيم، في أعماله اللاحقة، وفي احتلاله المكانة المركزية في مساحته الفكرية والسياسية. ولكن مفهوم الهيمنة لم يكن جديداً، فقد كان الفكر الماركسي الروسي بمختلف اتجاهاته وتياراته، منذ أواخر القرن التاسع عشر يبحث في مشروع ثوري للهيمنة، باعتبار أن الهيمنة كانت واحدة من الشعارات السياسية المركزية، التي تستجيب لطموحات الجيل الجديد من الماركسيين الروس بقيادة لينين، فضلاً عن أنها كانت وراء انقسام الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية إلى اتجاهات وتيارات متصارعة.‏

لقد ظهر مصطلح الهيمنة لأول مرة في كتابات ج.ن. بليخانوف، الذي نظم أول فرقة ماركسية في روسيا القيصرية، وهي فرقة "تحرير العمل" العام 1883، وخاض صراعاً قوياً ضد الشعبية. وبذلت فرقة "تحرير العمل" جهداً كبيراً لنشر الفكر الماركسي في روسيا، وبالتالي شقت الطريق في الميدان النظري والفكري لولادة الحركة الاشتراكية الديموقراطية الروسية، مع نمو الرأسمالية في روسيا، وبداية تحول الطبقة العاملة إلى قوة حقيقية ذات وزن، قادرة على القيام بنضال ثوري منظم. في حين أن الشعبيين كانوا يعتبرون أن القوة الثورية الرئيسة هي جماهير الفلاحين، واختاروا طريق الارهاب الفردي لمكافحة القيصرية، ولم يدركوا مهمة الطبقة العاملة، من حيث هي طليعة الحركة الثورية. ففي إطار النضال الذي خاضه بليخانوف ضد الشعبيين الروس، الذين كانوا يجهلون قوانين التطور الاقتصادي والسياسي للمجتمع، بالرغم من أن روسيا قد دخلت منذ زمن في طريق التطور الرأسمالي، وضعت فرقة "تحرير العمل" مشروعها السياسي الأول العام 1884، كخطوة أولى نحو إنشاء حزب اشتراكي ديموقراطي ماركسي في روسيا. وقال بليخانوف في حينه "إن البرجوازية في روسيا كانت وما تزال أضعف من أن تبادر إلى النضال ضد الحكم المطلق، مما يوجب على الطبقة العاملة أن تتبنى مطالب الثورة البرجوازية الديموقراطية. وقد استخدم بليخانوف في هذه النصوص مصطلح "السيطرة" الغامض للدلالة على السلطة السياسية بما هي سلطة سياسية، واستمر يفترض أن على البروليتاريا أن تدعم البرجوازية في ثورة تقودها الأخيرة بالضرورة في نهاية المطاف، وفي عام 1889 اهتز تأكيده بعض الشيء "الحرية السياسية"، يمكن الآن كسبها من قبل الطبقة العاملة فقط وإلا فلا"، مع الحفاظ في الوقت نفسه على موقف عدم تحدي السيطرة النهائية لرأس المال في روسيا"(6).‏

وفي العام 1899، بدأ الخط الاقتصادي "يتغلغل داخل الحركة الاشتراكية الديموقراطية الروسية الفتية، وأصدر بعض دعاته (بروكوبوفيتش وكوسكوفا وغيرهما) بياناً، أكد فيه على أن النضال السياسي هو من شؤون البرجوازية الحرة، وهو من شأنها قبل غيرها. ولهذا، فإن دعاة الماركسية الليبرالية يتكلمون عن تنظيم نضال العمال الاقتصادي ضد أصحاب العمل والحكومة، باعتباره المهمة الرئيسة المباشرة للاشتراكيين الديموقراطيين، لا النضال السياسي ضد الحكومة القيصرية، ولا القضاء عليها. وهكذا، أصبح "الاقتصاديون" يمثلون الماركسية الليبرالية داخل الحركة الاشتراكية الديموقراطية الروسية. وقد أعلن أكسلورد زميل بليخانوف في رسالة موجهة إلى ستروفه في العام 1901، أكد فيها الحقيقة التالية المتعلقة بالهيمنة "بفضل الموقع التاريخي للبروليتاريا، تستطيع الاشتراكية الديمقوقراطية الروسية أن تكون مهيمنة في النضال ضد الحكم المطلق". كما أن مارتوف تبني الفكرة عينها في إطار سجاله ضد الماركسية الليبرالية، حين قال: "إن الصراع بين الماركسيين "النقديين" والأصوليين "يشكل في الحقيقة الفصل الأول من الصراع في سبيل الهيمنة السياسية بين الديمقراطية البروليتارية والديموقراطية البرجوازية". وبين لينين في كتابه الشهير ما العمل؟ خطورة هذه الفلسفة الليبرالية داخل الحركة الاشتراكية الديمقراطية، التي يدعو إليها "الاقتصاديون"، لأن "صرف الطبقة العاملة عن النضال السياسي ضد القيصرية، وحصر مهماتها في النضال الاقتصادي ضد أصحاب العمل والحكومة، مع ترك أصحاب العمل والحكومة في أمان وسلام، معناها الحكم على الطبقة العاملة بالعبودية الأبدية... ولا يستطيع العمال توسيع النضال ضد الرأسمالية وفي سبيل الاشتراكية، ما دامت القيصرية، كلب الرأسمالية وحارسها قائمة في طريق حركة العمال. ولهذا، فالهدف المباشر الموضوع أمام الحزب والطبقة العاملة هو تكنيس القيصرية من الطريق وبذلك يشقان الطريق نحو الاشتراكية". وفي إطار هذا الصراع القاسي ضد "الاقتصاديين" الذين يحتقرون النظرية الماركسية، التي تشكل سلاح الطبقة العاملة، كان لينين يقول "لا حركة ثورية، بدون نظرية ثورية.. ولا يستطيع القيام بدور مناضل الطليعة إلا حزب ترشده نظرية الطليعة"(لينين ما العمل؟. المؤلفات المختارة المجلد الأول صفحة (192-193). ومرة أخرى حين أصبح "الاقتصاديون" يقدسون العفوية وينكرون ضرورة ادخال الوعي الاشتراكي إلى الطبقة العاملة، كان لينين يقول "إن كل تقديس لعفوية حركة العمال وكل انتقاص من دور "العنصر الواعي" إي دور الاشتراكية الديموقراطية، يعني سواء أرادوا أم لم يريدوا، فليس لذلك أقل أهمية- تقوية نفوذ العقلية البرجوازية على العمال (المرجع نفسه ص204). إنه من خلال هذا العرض يتبين لنا، أن لينين تبنى شعار "الهيمنة" الشهير، الذي يعود إلى بليخانوف، فضلاً عن دعوته إلى إصدار جريدة سياسية الأيسكرا لعموم روسيا، تجسد الأساس الفكري للحزب، وتقوم بحملة واسعة في سبيل تحقيق "هيمنة حقيقية" للطبقة العاملة في روسيا باعتبارها الطبقة القائدة لجميع الطبقات المظلومة، التي تناضل في سبيل اسقاط الحكم القيصري- وهكذا- شكل شعار "الهيمنة" للاشتراكية والديمقراطية، وبالتالي شعار هيمنة البروليتاريا في الثورة البرجوازية، القاسم المشترك لمعظم أقطاب الحركة الماركسية الثورية في روسيا من بليخانوف، وأكسلورد، وبوترسيف، ولينين، إلى حين الانشقاق الكبير، الذي حصل في المؤتمر الثاني لحزب العمال الاشتراكي الديموقراطي عام 1903، بين البلاشفة، والمناشفة. "وبعد الانشقاق كتب "بوتريسيف" مقالة مطوّله في الايسكرا يلوم فيها لنين على تفسيره المبسط "لفكرة الهيمنة هذا التفسير الملخص في الدعوة الشهيرة الواردة في "ما العمل"؟ والتي تدعو "الاشتراكيين- الديمقراطيين إلى التغلغل "في جميع طبقات السكان، وإلى تنظيم "فصائل مساعدة خاصة، لصالح الطبقة العاملة من تلك الطبقات". وقد شكا بوترسيف من أن جملة الطبقات الاجتماعية التي استمد منها لينين واسعة جداً، في حين أن نموذج العلاقة المقترحة بينها وبين البروليتاريا نموذج تسلطي وديكتاتوري جداً في الوقت نفسه، نموذج ينطوي على "تمثل" مستحيل لها أكثر من أن يكون تحالفاً معها.‏

إن الاستراتيجية الصحيحة للوصول إلى الدور المهيمن للطبقة العاملة يجب أن تتوجه وجهة خارجية، لا نحو تلك العناصر غير المحتملة من النبلاء المعارضين أو الطلاب، بل نحو الديمقراطيين الليبراليين، لا من خلال أفكار استقلاليتهم التنظيمية بل عبر احترامها"(7).‏

ومما ساعد على تفاقم الانقسام بين البلاشفة والمناشفة، إضافة إلى خلافاتهم القديمة حول مسائل التنظيم، اندلاع ثورة 1905- 1907 في روسيا، باعتبارها أضخم انتفاضة بعد كومونة باريس للطبقة العاملة وحلفائها الموضوعيين الفلاحين. وعلى الرغم من أن روسيا تمر حتماً في تلك الفترة بمرحلة الثورة الديمقراطية البرجوازية، إلا أن لينين استنتج في كتابه "خطتا الاشتراكية الديمقراطية" المبدأ التكتيكي الأساسي، وهي أن هذه الثورة لن تنتصر إلا إذا ترأستها البروليتاريا، وأمنت التحالف مع جماهير الفلاحين". وإذا تم عزل البرجوازية الحرة، حيث يجب على البروليتاريا أن تكون زعيمة هذه الثورة الديمقراطية البرجوازية في روسيا. ولهذا دعا لينين إلى تحقيق "ديكتاتورية العمال والفلاحين" في ثورة 1905، كنموذج انتقالي للسلطة، بينما كان خط المناشفة بمن فيهم بليخانوف، يعتبر أن هذه الثورة، هي ثورة برجوازية، ولهذا فالبرجوازية الحرة وحدها تستطيع أن تضطلع بقيادتها. فلا ينبغي على البروليتاريا أن تتقرب من جماهير الفلاحين، بل عليها أن تتقرب من البرجوازية الحرة، كي لا تخيف البرجوازية بالروح الثورية، ولا تعطيها أية حجة تتذرع بها للتحول عن الثورة، لأن الثورة تضعف إذا تحولت البرجوازية، وارتدت عنها.‏

هكذا كانت بإيجاز الخطتان، اللتان انتهجها كل من البلاشفة والمناشفة، إبان الثورة الروسية وبعد هزيمتها، ومنذاك انتقد لينين انتقاداً لاذعاً المناشفة لتخليهم عن فكرة "هيمنة البروليتاريا"، وبالتالي قبول قيادة الثورة للبرجوازية، على أن تبقى الاشتراكية الديمقراطية جانباً.‏

كتب لينين يقول "نظراً لأن المهمات البرجوازية الديمقراطية ما زالت معلقة فإن الأزمة الثورية ما زالت حتمية. إن مهمات البروليتاريا التي تترتب على مثل هذا الوضع هي مهمات محددة تماماً ولا مجال فيها للوقوع في أي خطأ. فيما أن الطبقة العاملة هي الطبقة الثورية الثابتة الوحيدة في المجتمع المعاصر، فإن عليها أن تتولى القيادة في نضال الشعب كله في سبيل ثورة ديمقراطية حقاً، في نضال جميع الكادحين والمستغلين ضد المستغلين والمستثمرين- ولا تكون البروليتاريا ثورية إلا بمقدار ما تعي فكرة هيمنة البروليتاريا هذه، وتضعها موضع التنفيذ". ويزداد الهجوم اللينيني حده، حين أنزل المناشفة إلى تقديم الاقتراحات بشأن اصلاح وتحسين القيصرية، باعتبار أن الدولة القيصرية بعد 1905، تحولت من دولة اقطاعية إلى دولة رأسمالية، وعوضاً عن هيمنة البروليتاريا، كانوا يقترحون زعامة البرجوازية الحرة، وعوضاً عن تحالف العمال مع جماهير الفلاحين كانوا يقترحون التحالف مع البرجوازية المتمثلة في حزب الكاديت، وعوضاً عن حكومة ثورية مؤقتة، كانوا ينادون بدوماً للدولة تكون مركزاً "للقوى الثورية" في روسيا.‏

كتب لينين في هذا الصدد رداً على هذه الطروحات قائلاً: إن تقديم المواعظ للعمال حول كونهم بحاجة إلى حزب طبقي لا إلى "هيمنة" يعني خيانة قضية البروليتاريا لصالح الليبرالية، يعني الوعظ وضرورة استبدال السياسية العمالية الاشتراكية الديمقراطية بسياسة عمالية ليبرالية. إن التنكر لفكرة الهيمنة هو الشكل الأكثر وقاحة للاصلاحية في الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية". ويضيف قائلاً: من وجهة نظر الماركسية لا تكون الطبقة التي ترفض فكرة الهيمنة أو تخفق في تبنيها طبقة، أو طبقة لم تستكمل مقوماتها كطبقة بعد، بل نقابه أو مجموعة نقابات مختلفة.. إن الوعي بفكرة الهيمنة وتطبيقها عبر نشاطاتها هما اللذان يحولان النقابات ككل إلى طبقة".‏

إن مفهوم الهيمنة شكل محوراً مركزياً واستراتيجياً في الصراع الايديولوجي والسياسي داخل الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية، بين جناحيها البلشفي والمنشفي، قبل اندلاع الثورة البلشفية في عام 1917، باعتباره كان يدخل في سياق بلورة نظرية تمرحل الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى ثورة اشتراكية، غير أنه ما أن تحققت هذه الثورة الاشتراكية حتى تم التخلي عنه تماماً.‏

هوامش الفصل الثاني:‏



(1)- مهدي عامل مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني- الطبعة الخامسة، 1986 (ص30).‏

(2)- حاضرة المستقبل- مجموعة مقالات لغرامشي.‏

(3)- هذه الاستشهادات لغرامشي مدونه في مقال للدكتوره أمينة رشيد/ بعنوان غرامشي من الهيمنة إلى الهيمنة الأخرى- منشورة في كتاب غرامشي وقضايا المجتمع المدني مركز البحوث العربية- ندوة القاهرة 1990 (ص197).‏

(4)-أنطونيو غرامشي- الأمير الحديث- ترجمة زاهي شرفان- قيس الشامي، دار الطليعة، الطبعة الأولى نيسان (ابريل) 1970، (ص153).‏

(5)- المصدر السابق (ص153).‏

(6)- برى أندرسون- النقائض في فكر غرامشي- فاضل جتكر- مجلة النهج العدد 19- العام‏

1997- (ص144).‏

(7)- المصدر السابق (ص145- 146).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 08:48 PM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الثالث





إن تتبع وفهم مسار تاريخ الصراع السياسي لأوروبا، التي خلقت المجتمع المدني الحديث، والتي تتباهى بنرجسيتها في تأسيس الحداثة الليبرالية، التي هي موضع فخرها واعتزازها لم يكن تاريخها إلا سلسلة غير منقطعة من أعمال العنف، وتحكمت فيه حتمية حرب الحركة، التي أضحت مألوفة في الوعي الأوروبي السائد منذ اندلاع الثورة الفرنسية، وقيام التحالف المقدس بين الامبراطوريات الملكية لمواجهة فرنسا الثورية والامبراطورية العام 1815، وانبثاق الثورة الصناعية، واشتداد حدة المنافسات والمنازعات القومية، وقيام العهد الكولونيالي، والجشع الاستعماري، وانتهاء بالحربين العالميتين.‏

وفي الواقع التاريخي، نشبت عدة حروب في القرن التاسع عشر، وكان أهمها الحرب التي اندلعت بين فرنسا وبروسيا 1870- 1871، باعتبارها أشد حرباً ضروساً: أما حرب القرم فقد تحالفت فيها انكلترا الليبرالية مع الامبراطورية الفرنسية الثانية، التي كان لها مطامح امبريالية، وتركت الليبرالية جانباً، لكي تقطع الطريق على الامبراطورية الروسية من الحصول على منفذ إلى البحر، وبالتالي لكي تكبح جماح فتوحاتها البلقانية على حساب الامبراطورية العثمانية الآلية إلى الأفول، والمريضة، والتي لا أمل من شفائها.‏

"أما حرب إيطاليا فقد نجمت، على العكس، عن المقارنة التي أبداها امبراطور النمسا والبابا- وكان يومئذ عاهلاً زمنياً على دول الكنيسة- حيال التيار التاريخي المحتوم للوحدة الايطالية التي كانت تسعى إلى تحقيق نفسها على قاعدة المبدأ الليبرالي في السيادة القومية. "وبالمقابل كانت الحربان النمساوية- الألمانية- والفرنسية-الألمانية، اللتان خاضتهما أنظمة حكم ملكية مطلقة، حربين أمبرياليتين شنهما ملك بروسيا ليحقق مصالحه وبالقوة، الوحدة الألمانية التي كانت- على عكس الميل إلى الوحدة الايطالية- تحظى بمساندة أي شعور قومي عميق "باستثناء انكلترا التي تدخلت في حرب القرم، فإن ما من دولة برلمانية تركت نفسها تنساق في تلك الحروب. وهكذا فإن سلع العالم لم يتعكر إلا محلياً فقط(1). ولكن سلم المئة عام الذي كان يمثله الرأسمال الكوسموبوليتي، قد انهار تحت وطأة صعود النزعة الدولانية الاقتصادية، التي قادت إلى تفجير الحرب العالمية الأولى 1914- 1918، والتي شهدت انهياراً للتوازن الأوروبي، الذي كان قائماً طيلة القرن التاسع عشر، خصوصاً مع انهيار البنى الفوقية للامبراطوريتين الروسية، والنمساوية- المجرية، واندلاع الثورة البلشفية العام 1917.‏

وعلى هذا النحو، فإن غرامشي المتعمق في دراسة فلسفة التاريخ الأوروبي، يقدم لنا في دفاتر السجن، النصوص التي تتضمن بناءً نظرياً يحتوي على شبكة كاملة من المتضادات والمناظرات بشأن السياق التاريخي والنظري الصحيح، الذي بلور فيه غرامشي نظريته حول الهيمنة، والتي يحلل فيها بشكل رئيس الاستراتيجيتين المتنافستين في الحرب العالمية الأولى، في إطار المواجهات بين الامبراطوريات والأمم في أوروبا، التي شهدت زوال ثلاث امبراطوريات أوتوقراطية، امبراطورية آل هابسبورغ، وريثة السيادة الكونية للكنيسة الرسولية الكاثوليكية، وامبراطورية آل رومانوف التي تنتمي إلى كنيسة القسطنطينية الأورثوذكسية المنشقة، وامبراطورية آل عثمان التي استعادت شعلة الخلافة الإسلامية بعد الحروب الصليبة.‏

إن غرامشي يحاول أن يقابل بين البنى السياسية في كل من الغرب، ممثلاً بالنظام الأوروبي القائم على التوازن بين نظام الدولة- الأمة، أو الدولة القومية والمجتع المدني، الموروث من الفضاء الليبرالي الأوروبي، والذي يريد فرض نظامه وهيمنته على العالم، باعتبار أن الغرب حامل لرسالة الحداثة الأوروبية، والديمقراطية المسماه بالليبرالية، وبين الشرق الاستبدادي، وأن، يحلل الاستراتيجيات الطبقية الثورية لكل منهما في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى ونتائجها مع بزوغ النظام العالمي متعدد الأقطاب فيما بين الحربين العالميتين. يقول غرامشي في تحليله للصراع السياسي والمعركة الحربية: "إن ملاحظة اللواء كراسنوف (في روايته من النسر ذي الرأسين إلى العلم الأحمر- برلين- ديكاكو في 1921) غبية: في ظنه أن الحلفاء (الذين لم يكونوا- يرغبون بانتصار روسيا القيصرية حتى لا تحل المسألة الشرقية، نهائياً لصالح القيصرية) فرضوا على هيئة الأركان الروسية حرب الخنادق (وهي حرب غير معقولة لاتساع الجبهة العريض، من البلطيق إلى البحر الأسود، ومناطق المستنقعات والغابات فيها) بينما كان الإمكان الوحيد المعقول هو حرب الحركة، والواقع أن الجيش الروسي حاول حرب الحركة والاختراق لاسيما في القطاع النمساوي (وفي بروسيا الشرقية) وأحرز انتصارات باهرة رغم أنها عارضة- والحق أنه لا يمكن اختيار شكل الحرب الموافقة إلا بتوفر تفوق ساحق على العدو والكل يعرف الخسائر البشرية التي كلفها عناد هيئات الأركان، واصرارها على تجاهل أن حرب المواقع حرب "يفرضها" الميزان العام للقوى المحاربة، ولا تقوم حرب المواقع على الخنادق فحسب، وإنما تقوم على كل تنظيم القطاع الموجود خلف الجيش المرابط، وصناعته. ومما يفرض الحرب هو ضرب المدفعية السريع، وطلق البنادق الأوتوماتيكية والعادية، وتمركز القوى في نقطة واحدة، ويضاف إلى ذلك كله توفر التعدين، مما يتيح استبدال السلاح المفقود، إثر اختراق أو تراجع، بسرعة، وثمة عنصر آخر هو عدد البشر الكبير الذين يشكلون القوى المنتشرة ذات المقدرة المتفاوتة، والتي لا يسعها الحركة الاجماعات جماعات (...) إن الخبراء العسكريين، بعد أن كانوا يتمسكون بحرب الحركة وأمسوا يتمسكون بحرب المواقع، لا يقولون بحذف حرب الحركة من العلم العسكري، لكنهم يذهبون إلى أن في الحروب الاستراتيجية، أي ينبغي أن ينظر إليه كما كان ينظر إلى حرب الحصار في علاقتها بحرب الحركة. يجب القايم بنفس عملية القصر، في الفن والعلم السياسيين، على الأقل بما يرجع إلى أكثر الدول تقدماً، حيث أضحى "المجتمع المدني"(أي تنظيم المجتمع من حيث هو مجموعة مؤسسات، عامة، وخاصة، مترابطة تبعاً لسيطرة فئات معينة)، بنية بالغة التعقيد تقوى على مقاومة "اجتياح" العنصر الاقتصادي المباشر (أزمات الخ).‏

إن بنى المجتمع المدني الفوقية هي خنادق الحرب المعاصرة. وكما أن هجوماً قاسياً للمدفعية في الحرب الأخيرة، كان يترك انطباعاً بتحطيم جهاز الدفاع المعادي كله (بينما هو لم يحطم فعلاً إلا القشرة العليا، وبالتالي إذ يحين وقت الهجوم والتقدم، كان يواجه المهاجمين خط دفاعي فعاّل، كذلك الأمر في السياسة خلال الأزمات الاقتصادية الكبيرة. ولا يظن أن وقوع الأزمة يجعل في تنظيم فرق الهجوم بسرعة صاعقة، زمناً ومكاناً، بله تشربها روحاً قتالية عالية. وفي الطرف المقابل، لا تنعدم الروح المعنوية لدى الذين يتلقون الهجوم.‏

فهم لا يتركون مواقع دفاعهم، بل إنهم يتابعون القتال بين الحطام، محتفظين بثقتهم بقواهم وبمستقبلهم. هذا لا يعني أن الأمور تبقى على ما كانت عليه. لكن الأكيد أن المرء لا يجد كل عناصر السرعة، والوتيرة المتسارعة، والمسيرة المتقدمة النهائية التي يتوقعها استرتيجيد "الكردونية" السياسية. ونجد آخر حدث من هذا الطراز، في التاريخ السياسي بين عناصر 1917. قد أدت هذه الأخيرة إلى انعطاف كبير في تاريخ الفن والعلم السياسيين، إذن ينبغي بدارسة "عميقة" لعناصر المجتمع المدني التي تقوم عليها نظم الدفاع في حرب المواقع"(2).‏

إن هذه الاستشهادات ضرورية لأنها تسلط الضوء على مختلف المنظورات التي تميز رؤية الثقافة الأوروبية، في مجال العلم العسكري والاستراتيجيات العسكرية، والتي قوامها توضيح بمنتهى الجلاء والسداد، مقابلة العلاقة بين مفاهيم حرب الحركة وحرب المواقع، وبين المفاهيم في السياسة، حيث أن حرب الحركة ظاهرة اشتركت فيها كل جيوش الحرب العالمية الأولى. ولكن غرامشي يرى في استراتيجية الصراع السياسي من أجل هيمنة الطبقة العاملة في الغرب، يجب عليها أن لا تقلد أساليب واستراتيجية انتصار الماركسية البلشفية والثورة الروسية، لأن الشروط التاريخية التي تميز العلاقة المحددة بين الدولة والمجتمع المدني في الغرب مختلفة، حيث الصراع السياسي، هو أكثر تعقيداً، وحيث استراتيجية حرب المواقع تحل محل حرب الحركة. يقول غرامشي في هذا الصدد: "ينبغي ما إذا كانت نظرية تروتسكي الشهيرة حول "دوام" الحركة انعكاساً سياسياً لحرب الحركة لا التذكير بملاحظة لواء القوزاق، كرسنون) وبالتالي انعكاساً للشروط العامة- الاقتصادية والثقافية، والاجتماعية لبلد ما زالت أطر الحياة القومية فيه بدائية ومفككه لا تقوى على التحول إلى "خندق وقلعة". والحالة هذه يجوز القول أن تروتسكي الذي يبدو "غربياً" هو، على العكس، كوسموبوليتي، أي سطحي الصفة القومية والصفة الغربية أو الأوروبية. أما لينين فهو، على النقيض، عميق الصفة القومية والصفة الأوروبية. يذكر تروتسكي في ذكرياته ما قيل له من أن نظريته أثبتت صحتها بعد.. خمسة عشر عاماً (...). الحق أن نظريته لم تثبت صحتها لا قبل خمسة عشر عاماً، ولا بعد. فقد وقع له ما وقع للعنيين حزر على العموم، أي صح توقعه العملي العام، كما يصح ما يتوقع لطفله في الرابعة من العمر إنها ستغدو أماً. وأن تغدو أماً فعلاً، يقال: لقد تنبأت بذلك "، وينسى أن عندما كانت الطفلة في الرابعة، كان يراد اغتصابها بحدة أنها لابد أن تصبح أماً. يبدوا لي أن لينين أدرك ضرورة التحول عن حرب الحركة التي طبقت بنجاح في روسيا عام 1917، إلى حرب المواقع، الحرب الوحيدة الممكنة في الغرب، حيث تستطيع الجيوش بسرعة كما لاحظ كرسنوف، تكديس كميات هائلة من الذخيرة، كما أن الأطر الاجتماعية ما زالت تستطيع التحول إلى خنادق منيعة. يبدو لي أن هذا هو معنى صيغة "الجبهة الواحدة"، صيغة تقابل تحالف جبهة وحيدة بقيادة واحدة معقودة لـِ "فوش"(مارشال فرنسي رئيس الأركان العامة لجيوش الحلفاء، خلال الحرب العالمية الأولى).‏

لكنه لم يتسن للينين تعميق صيغته (حتى ولو اعتبرنا أنه لم يكن في وسعه تعيمقها إلا نظرياً) إذ كانت المهمة الأساسية، في الإطار القومي، تفرض التعرف على الأرض وتحديد عناصر الخندق والقلعة المتمثلة في فئات المجتمع المدني الخ. ولما كانت الدولة في الشرق هي الكل. فإن المجتمع المدني بدائي وهلامي. كان في الغرب بين الدولة والمجتمع المدني علاقة محددة، فتنكشف في دولة مزعزعه، ركائز مجتمع مدني صلب ولم تكن الدولة سوى خندق متقدم تحتي خلقه سلسلة متعاكسة من القلاع والمجنات. ولا شك أن الأمر متفاوت من دولة لدولة، وهذا بالضبط ما كان يستدعي التنبه للسمة القومية"(3).‏

في هذين النصين لغرامشي، تتقرر النتائج المستخلصة من تاريخ الثورات البرجوازية، والحرب العالمية الأولى، التي حدثت في أوروبا، قانونية التطور اللامتكافىء للثورة البرجوازية الديمقراطية، التي بقدر ما نجحت في مرحلة صعودها بأحداث تطورات عظمى لا تتزعزع في أوروبا الغربية، والولايات المتحدة، تمثلت في خلق مجتمعات مدنية متحضرة ومتطورة، ودول ديمقراطية بصرف النظر عن حركة النكوص، والتراجع، والرجعية الملحوظة بشكل خاص، في مجال الأنظمة السياسية، وعلاقتها بالديمقراطية لاحقاً، بقدر ما إنها كانت ناقصة في اكتمال تطورها على صعيد الشرق، بالرغم من أنه كان يعيش على عتبة الثورة البرجوازية، حيث بلور لينين نظريته الشهيرة حول تصاعد الثورة الديمقراطية البرجوازية إلى ثورة اشتراكية. ويتجلى هذا التطور اللامتكافىء، على صعيد التحولات السياسية، والتحولات الثقافية، في البنى الفوقية، التي أخذت شكل انفجارات سريعة في الغرب، وفي التأخر التاريخي، والتطور البطيىء، اللذين عليهما المجتمع المدني، والدولة في الشرق. ثم أن اختلاف البنية الاقتصادية الاجتماعية بين الغرب الرأسمالي الصناعي، والشرق الفلاحي، ينعكس في المستوى الثقافي، وفي اختلاف المنظورات، التي تعمل من خلالها الرؤية الثقافية الأوروبية الغربية، في نظام العلاقات بين الدولة والمجتمع المدني، وفي النظريات الاقتصادية الليبرالية، التي تؤطر النظام الاقتصادي العالمي، وتفرز الامبريالية الاقتصادية والسياسية والعسكرية، والحروب المصدرة، عن الرؤية الثقافية في الشرق، والبنية المختلفة لفئات المثقفين. وعلى هذا النحو، يصل غرامشي إلى استخلاص ما يلي: إن الخاصية الأولى المميزة للمجتمع المدني في الغرب عن غيره في الشرق، هو أن هذا المجتمع المدني يقوم على مبدأ العقلانية، أي واقعية العلاقات الاجتماعية، والسياسية. الخاصية الثانية هي أنه يمثل المجتمع الحديث القائم على فلسفة الحداثة، التي تتجلى في كل الميادين، دولة برجوازية حديثة وعصرية، ثورة علمية وتكنولوجية، نظام تعليمي حديث، فنون حديثة، ونزوع على الدوام إلى المعاصرة والمزامنة لروح التجديد والتغيير. والخاصية الثالثة، هي أن المجتمع المدني في الغرب تحكمه ايديولوجية ليبرالية، باعتبارها ثمرة جملة التطورات السياسية البرجوازية الديمقراطية، التي حدثت في أوروبا الغربية، فضلاً عن الثورة الصناعية، التي قادت إلى خلق مجتمع صناعي متقدم متماثل مع نظام الانتاج الرأسمالي، الذي يعتبر أكثر تطوراً وتعقيداً من أنظمة الانتاج السابقة له، حيث ينجم عنه خلق صناعات كبيرة مرتبطة بشكل جوهري بالانتاج، بوصفه سمة المجتمع الرأسمالي، المهيمنة عليه، الأمر الذي يقود في الوقت عينه إلى بروز بروليتاريا صناعية في أماكن العمل، تشكل أساس المجتمع الصناعي الحديث. من هذا كله، أصبح المجتمع المدني في الغرب قائماً على مرتكزات قويمة وصلبة، واكتسب شرعية، وأهلية، تاريخية، وسياسية، وثقافية، وايديولوجية، عقلانية، ووفر أسساً واقعية وحقيقية للديمقراطية، وللمشاركة السياسية. أما الدولة في الغرب، فهي قائمة على احترام، وسيطرة القوانين، والنظام، وعلى الفصل بين السلطات، وتحمل رسالة الديمقراطية المسماه بالليبرالية، باعتبارها رسالة كونية. وفي هذا السياق السياسي والتاريخي، يرى غرامشي في العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في الغرب، بأنها علاقة "سليمة وصحيحة"، أو هي علاقة "محددة"، تقوم على "التوازن بين المجتمع السياسي (دكتاتورية أو جهاز قمعي لتكييف الجماهير الشعبية مع نوع الانتاج والاقتصاد في لحظة معينة) وبين المجتمع المدني (أو هيمنة فئة اجتماعية على المجتمع القومي ككل عبر ما يدعى بالمنظمات الخاصة، كالكنيسة والنقابات والمدارس الخ".‏

ولما كانت البنى القومية "كثيفة" في الديمقراطيات الغربية الحديثة، والمجتمع المدني يتمتع بقدر من الاستقلالية في علاقته مع الدولة، فقد "أصبح المجتمع المدني بنية معقدة ومقاومة للاقتحامات المفجعة للعامل الاقتصادي المباشر (الأزمات، الكساد الخ".ولهذا فإنه في حرب المواقع تشكل الدولة" الخندق المتقدم" أو "الخندق الخارجي"، حيث أنه مهما قصفت المدفعية، فإنها لا تدمر سوى "الوجهة الخارجية"، في حين أن المجتمع المدني، يشكل تحصينات دائمة على جبهة حرب المواقع أي "سلسلة متماسكة من القلاع والمجنات"، قادرة على الدفاع والمقاومة بشكل فعال. أما في الشرق، فقد كانت الدولة كل شيء، وكان المجتمع المدني بدائياً وهلامياً، وفي هذا التعارض، الذي يقيمه غرامشي بين الشرق والغرب، لا بالمعني الجيواستراتيجي والجيوبوليتيكي، وإنما كأطر معرفية تساعد على التعرف الدقيق للخصائص القومية، وما تفرزه من أشكال خاصة ومحددة في تحديد الاختلافات والتحولات في تاريخ السياسة، يؤكد غرامشي بأنه ما حدث في العام 1917، هو بمنزلة الانعطاف الكبير في تاريخ الفن والعلم السياسي، باعتباره آخر واقعة في حرب الحركة حيث أدرك لينين من بين كل قادة الحركة الشيوعية العالمية" ضرورة التحول عن حرب الحركة، التي طبقت بنجاح في روسيا عام 1917/ إلى حرب المواقع"، حيث تصبح حرب المواقع هذه هي الحرب الممكنة في الغرب، باعتبارها مفتاح استراتيجية "الحصار وكسر الجهاز البرجوازي للهيمنة"، في سبيل تأسيس هيمنة نقيض للطبقة العاملة.‏

إن حرب المواقع تتماثل مع سياسية الجبهة المتحدة، حيث أشار لينين في هذا الموضوع إلى ضرورة الانتقال من حرب الحركة إلى حرب المواقع. ومن المعلوم تاريخياً وسياسياً، إن استراتيجية حرب الحركة تتماثل مع "الثورة الدائمة"، التي تعود إلى ماركس، خلال المعارك الطبقية التي حصلت في العام 1848، حيث مثلت اشكالية "الثورة الدائمة"، إطاراً معرفياً ونظرياً بالنسبة لماركس، الذي ركز اهتمامه النظري في ذلك الوقت مع قادة البروليتاريا الآخرين على ضرورة تغيير حركة الثورات البرجوازية، عن طريق التدخل الواعي والهادف لحزب البروليتاريا، نحو الارتقاء بها إلى ثورة بروليتارية. إن غرامشي، الذي حلل التطورات السياسية، التي حصلت في أوروبا، طرح مسألة التخطي الديالكتيكي "للثورة الدائمة"، التي كان يتبناها تروتسكي، ويمكن لنا أن نسوق هذا المقطع الرئيسي الآخر لغرامشي، الذي يشير فيه إل ضرورة الانتقال من "الثورة الدائمة" إلى "الهيمنة المدنية". "ما هو المفهوم السياسي لما يدعى بـ"الثورة الدائمة" ولما ولد قبل 1848 تعبيراً علمياً عن التجارب اليعقوبية من 1789 إلى ترميدور (الردة اليمينية التي أطاحت بحكم "روبسبير" عام 1793)، يحمل المفهوم طابع مرحلة تاريخية تفتقر إلى الأحزاب السياسية الجماهيرية الكبيرة كما تفتقد إلى النقابات الاقتصادية الكبيرة. وتتميز هذه المرحلة، بمعظم وجودها، بحالة ا لميوعة، طابع الريف المتخلف، نسبة المدن الضئيلة حيث تقوم الدولة باحتكار مطلق للارادة السياسية الفعلية (في مدينة واحدة في فرنسا، هي باريس) جهاز دولة ضئيلة النمو نسبياً، واستقلال أوسع للمجتمع المدني عن (دائرة) عمل الدولة، نظام محدد للقوى العسكرية وللتسليح الوطني، استقلال أوسع للاقتصاد القومي تجاه السوق العالمية وعلاقاتها الاقتصادية الخ. في الحقبة التي تلت 1870، تغيرت هذه العناصر أثر التوسع الاستعماري الأوروبي، وعلاقات الدولة التنظيمية إن على الصعيد الداخلي أم على الصعيد العالمي، وأمست (العناصر) أكثر تعقيداً وامتداداً فخضع مفهوم 1848، "الثورة الدائمة" لبلورة وجدت تجاوزها السياسي العلمي في مفهوم "الهيمنة المدنية"، وحدت في فن السياسة ما حدث في فن الحرب، تحولت حرب الحركة أكثر فأكثر إلى حرب مواقع، ويمكن القول أن الدولة تربح الحرب بقدر ما تعد لها زمن السلم، بتفاصيلها وبجوانبها الفنية جميعاً. إن بنية الديمقراطيات المعاصرة الضخمة، أكانت تنظيم دولة أم كات تنظيم مجموعات تعمل في الحياة المدنية، تشكل في ميدان فن السياسة، "الخنادق" والتحصينات الدائمة في جبهة حرب المواقع في (بنية الديمقراطيات) تجعل من الحركة التي كانت "كل" الحرب، أمراً "جزئياً".‏

إن القضية تطرح بما يرجع للدول الحديثة، لا بما يرجع للدول المتأخرة أو المستعمرات حيث ما زالت تقوم أشكال تم تخطيها، أو تختلف عن التطور ينبغي دراسة قيمة الايديولوجيات (...) في مصنف علم السياسة"(4).‏

إن غرامشي من خلال تحليله لتقلبات الصراع السياسي المعقد، يبين كيف أن الثورة البرجوازية، التي صارت في خطها التصاعدي أولاً، وفي خطها التنازلي لاحقاً، في المرحلة التاريخية الممتدة من العام 1789 وحتى قبل قيام كومونة باريس بعام 1870 (التي هزت العالم البرجوازي)، والتي كانت مسرحها الجغراسياسي أوروبا الغربية، سيطرت فيها حرب الحركة السياسية، حيث أعطت الثورة الفرنسية نموذجاً كلاسيكياً لها. أما خلال مرحلة الموجات المختلفة التواتر، التي نجمت عن ممارسات واسقاطات ثورة 1789، والممتدة من 1815 حين هزم نابليون بونابرت، وربيع الثورات الأروبية العام 1848، التي بلور فيها ماركس صيغة "الثورة الدائمة" إلى العام 1780، فإن التحليلات التاريخية والسياسية لغرامشي على مستوى الساحة الأروبية، تؤكد على هيمنة حرب المواقع، خلال تلك المرحلة الآنفة الذكر. كما تجدر الاشارة إلى أنه خلال فترة اندلاع الثورة البلشفية العام 1917، وما أعقبها من حرب أهلية امتدت حتى العام 1921، ومن هزيمة الثورة البروليتارية الأوروبية، شهدت أوروبا حرب الحركة السياسية، ثم تبعتها حرب المواقع، التي كانت "ممثلها العملي في ايطاليا، والايديولوجي في أوروبا هو الفاشية"(5).‏

كيف يعالج غرامشي العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، التي تؤسس وتؤطر نظرية الهيمنة؟ لم تكن الدولة في الغرب قبل 1870 حاضره إلا بشكل جزئي، وهامشي، وقليل نسبياً، في حين كان المجتمع المدني يتمتع باستقلالية أكثر في علاقته معها. وهذا مفهوم في المراحل الأولى من تطور الليبرالية، التي ترتكز على مفهوم الفرد، والمبادرة، حيث تسود النزعة الاقتصادية الفردية، والمزاحمة الرأسمالية. غير أنه بعد العام 1870، تطورت الرأسمالية الصناعية الغربية، وأصبحت سلطة الدولة المتكونة من الأجهزة والتشكيلات السياسية والايديولوجية المختلفة، والمتطابقة مع مصالح الطبقة البرجوازية المهيمنة، ضخمة، ومعقدة، في الديمقراطيات الرأسمالية الحديثة. وكذلك الأمر بالنسبة للمجتمع المدني، الذي تطور بشكل مواز، وأصبحت تشكيلاته وتجمعاته أكثر تعقيداً، ولكنه فقد "استقلاليته" في الوقت عينه، لأن الآلة البيروقراطية الضخمة للدولة، أصبحت "تدس أنفها في المجتمع المدني وتسيطر عليه، وتنظمه، وتشرف عليه وتحدد تقسيماته.."، على حد تعبير ماركس في كتابه الثامن عشر من برومير.‏

والحال هذه، فإن الصراع من أجل الهيمنة في ميدان المجتمع المدني، على الصعد السياسية، والايديولوجية، والثقافية، والأخلاقية، يتطلب من الماركسيين في بلدان الغرب، الانتقال من مفهوم "الثورة الدائمة" لعام 1848، التي تشكل نظرية تروتسكي، باعتبارها كما يقول غرامشي، تمثل أحد ترسبات النظرية السياسية، لفكرة "الهجوم على المقدمة- أي حرب الحركة- في فترة يكون فيها هذا الهجوم نفسه هو السبب في الهزيمة". وهي ظاهرة نموذجية للفكر التشيعي.. الاعتقاد بإمكانية عمل الشيء نفسه بعد أن يتغير الوضع السياسي العسكري، إلى تبني استراتيجية جديدة، تحل محلها في علم السياسة، وتأخذ صيغه "الهيمنة المدنية"، المرتبطة جدلياً بحرب المواقع.‏

وحين يشير غرامشي في النص الأخير إلى أنه في "الدول الأكثر تقدماً" السائدة في الديمقراطيات الحديثة، حيث توجد أدوات الهيمنة السياسية، ولكن بدرجات متفاوتة، (البرلمان الأكثر ارتباطاً بالمجتمع المدني، والسلطة القضائية التي تقع بين الحكومة وبين البرلمان)، وحيث أصبح فيها المجتمع المدني "بنية شديدة التعقيد"، قادرة على أن تتحول إلى خندق وقلعه للمقاومة الفعالة، فإنه يهدف من وراء ذلك إلى نقض الخط السياسي، الذي كان ينادي بـ"الاضراب السياسي الجماهيري"، الذي كانت الأممية الشيوعية (الكومنترن) تطرحه "كفاتحة للهجوم" على السلطة الأوروبية التي زعزعتها الأزمة(6).‏

وفي معرض تحليله لمرحلة الانتقال من "الثورة الدائمة" إلى "الهيمنة المدنية"، يقول غرامشي: "أن انتقال حرب المواقع أيضاً إلى المجال السياسي يعني أنه قد تم الدخول إلى مرحلة انقلابية في الموقف السياسي التاريخي، لأن مع هذه الحرب في مجال السياسة يكون نهائياً. ويتابع قائلاً، "إن الانتقال من حرب الحركة إلى حرب المواقع. في المجال السياسي أيضاً هو اذن أهم مسألة نظرية سياسية تم طرحها في فترة ما بعد الحرب، وتعد من أصعب القضايا حلاً، إذا ما قصدنا بكلمة الحل، الحل الصحيح"(7).‏

وهناك سؤال آخر على غاية من الأهمية يطرح نفسه بالحاح، ما هي العلاقة بين "الثورة السلبية" وحرب المواقع، وهل ثمة مطابقة بينهما؟.‏

إن مفهوم "الثورة السلبية" يستنتج من مبدأين أساسيين في علم السياسة، بحسب وجهة نظر غرامشي، "أولهما أنه ما من نظام اجتماعي ينقرض ما دامت القوى الانتاجية التي تمت فيه تجد متسعاً لحركة صاعدة لاحقة، وثانيهما، إن المجتمع لا يطرح مهاماً لم تنضج شروط تحقيقها الضرورية بعد الخ. من البديهي أنه يجب البدء بتوسيع هذين المبدأين، نقدياً إلى حدود مداهماً، ونزع ما علق بهما من الآلية والجبرية"(8).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 08:50 PM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



لاشك أن غرامشي في دراسته لمفهوم "الثورة السلبية"، قد انطلق من المعنى الذي أطلقه فشنزوكو وكو على المرحلة الأولى من "الريزوجيمنتو "الايطالي (أي حركة توحيد ايطاليا في أواسط القرن التاسع عشر)، حين كان كافور يمثل "الثورة السلبية"- حرب المواقع- وكان مدركاً لدوره، وواعياً لدور ماتزيني وعياً نقدياً، الذي كان يمثل المبادرة الشعبية- أو حرب الحركة والذي لم يكن مدركاً لدوره، ولا لدور كافور. لقد عمل غرامشي في تطبيقه لمفهوم "الثورة السلبية" على القيام بمقارنة بين دعاة حرب المواقع، التي كانت تمثلها الأحزاب السياسية الشرعية التقيليدية، التي ظهر عجزها في العام 1848، وبين دعاة حرب الحركة- أي أصحاب الموجة الشعبية بقيادة ماتزيني، في فترة 1848- 1849، حيث أن معظم قادتها مرتجلون، لكي يبين، بأن النصر الاستراتيجي كان لمصلحة كافور، أي دعاة حرب المواقع خلال المرحلة التي تلت 1848، حين انتظمت علاقة القوتين "النظامية" و"البطولية"، التي تمثل "المبادرة الشعبية" أو حرب الحركة حول قيادة كافور وغاريبالدي. وفي هذا السياق يقول غرامشي، أن "تطور حركة الريرْورجمنتو، إذ أبرز أهمية حركة الجماهير "الديماغوجيه" التي قادها زعماء ارتجلتهم الصدفة، هذا التطور استعادت سيطرتها عليه القوى التقليدية العضوية، أي الأحزاب المكونة منذ زمان طويل، والتي تملك قيادات أعدت وفق قواعد عقلانية الخ.. وقد أدت الأحداث السياسية المماثلة دوماً إلى النتائج نفسها. فهذا ما حصل في فرنسا عام 1830، عندما تغلب الأورليانيون على القوى الشعبية، الجذرية، الديمقراطية. وهذا ما حصل، في نهاية المطاف، في الثورة الفرنسية عام 1789، إذ أن نابليون يمثل، حقيقة، انتصار القوى البرجوازية العضوية على القوى البرجوازية الصغيرة اليعقوبية- كذلك الأمر خلال الحرب العالمية الأولى، بما يرجع إلى دور الضباط القدماء حيال ضباط الاحتياط، الخ. وقد أدت غفلة القوى الشعبية الجذرية عن ادراك المهمة التي يسعى الطرف الآخر لبلوغها، إلى الحيلولة دون ادراكها، هي، بجلاء، مهمتها وتبعاً لذلك، إلى اعاقتها عن أن تزن في ميزان القوة النهائية، بصورة تتفق والوزن الفعلي لدورها، أي عن تحدد نتيجة أكثر تقدماً، على أساس تطلبات أكثر عصرية "(...)(9).‏

في هذا النص الثري يحلل غرامشي مفهوم "الثورة السلبية" بصيغته السياسية والتاريخية، وفي إطار تطبيقه في التاريخ العسكري، بالنسبة للقوى، أو الدول العظمى، المستعدة للقتال بفعالية في الأوضاع الداخلية، والعالمية، المناسبة. ففي إطار تعميم هذا المفهوم، باعتباره يفيد في البحث عن الحقيقة المرجو بلوغها يقول غرامشي، "إن العلاقات الاجتماعية الأساسية تتبدل بالضرورة، حتى داخل الاطار السياسي الواحد، وتبزغ قوى جديدة فعلية، تنمو وتؤثر بشكل غير مباشر عن طريق الضغط البطيء والمستمر دون تراجع، على القوى الرسمية، التي تقوم بتعديلها، دون ادراك منها بذلك"(10). أما فيما يتعلق بتوظيف هذا المفهوم استراتيجياً، يقول غرامشي بأن مفهوم "الثورة السلبية" لا يملك أية قيمة برنامجية"، لأنه يتحلى فقط "بمواصفات أدوات التفسير عندما تغيب العناصر الأخرى التي يمكن أن تسود الساحة بفاعليتها". وهكذا فإن مفهوم "الثورة السلبية" الجدلي يحتوي على وجود النقيض القوي الذي يستطيع أن ينزل إلى الساحة بإمكانيات حاسمة في الكشف والتوضيح الذي لا يقبل الجدال(11).‏

على أساس هذه القرينة بين مفهوم "الثورة السلبية" ومفهوم حرب المواقع، باعتبارهما يمثلان نقطة نوعية في الصراع السياسي من أجل الهيمنة على صعيد الساحة الأوروبية، مع حدوث الانعطاف السياسي التاريخي الكبير، المتمثل في عملية الانتقال من "الثورة الدائمة" إلى الهيمنة المدنية منذ العام 1870، يشكل مفهوم الهيمنة عند غرامشي حدثاً معرفياً مهماً، وتقدماً فلسفياً يخدم حركة التقدم التاريخي.‏

إن التخطي الجدلي لمفهوم الهيمنة الغرامشي لمفهوم الهيمنة عند لينين، الذي يقف عند حدود التحالفات السياسية بين الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء، والذي يعتبر مكملاً لمفهوم الدولة كقوة في حقل التنظيم والنشاط السياسي، يشكل إطاراً جديداً "كلياً" للهيمنة الاشتراكية السياسية والثقافية والايديولوجية والأخلاقية، الهادفة إلى ترسيخ هيمنة ثورية للكتلة التاريخية الجديدة، والمتكونة من الطبقة العاملة، والفلاحين الفقراء، والمثقفين العضويين، القادرة وحدها على الاستجابه لحاجات وتطلعات كل هذه الطبقات والفئات المستغلة والمضطهدة على النطاق القومي، بحكم التطور اللامتكافىء للرأسمالية بين مناطق متقدمة صناعياً، ومناطق أخرى متأخرة تاريخياً، وحيث تقع مهمة غزو الهيمنة للمجتمع المدني على عاتق الحزب السياسي المهيمن (المثقف الجمعي) والمثقفين العضويين، القادرين على تحقيق وحده ثقافية- اجتماعية تقود إلى توحيد هذه الارادات الطبقية، والفئوية، المبعثرة في أهدافها، وغير المتناسقة في نظرتها للعالم، إلى خلق ارادة جمعية قومية شعبية، تمتلك رؤية جديدة ومشتركة للعالم، وتحتل موقعاً في الصراع الاجتماعي والسياسي والثقافي، لكي تشكل هيمنة جديدة، لها فكرها، وأخلاقها، وفعلها السياسي، والتاريخي.‏

وفي إطار هذا الربط بين مفهوم "الثورة السلبية" ومفهوم حرب المواقع، يرى غرامشي أن الحرب العالمية الأولى 1914- 1918، هي التي شكلت لحظة "القطع التاريخي" لا الثورة البلشفية، التي يضعها غرامشي ضمن إطار هذه اللحظة، في حين أن روسيا الستالينية تقع ضمن إطار "الثورة السلبية"، التي سادت بالفعل الساحة العالمية. وهكذا نصل إلى الصياغة النظرية الأكثر عمومية في الدفتر 15 من دفاتر السجن، لمفهوم "الثورة السلبية"، التي يعتبرها غرامشي "منطلق" لتفسير التحولات الجزئية، التي تقوم في الواقع بأحداث تعديل مطرد للتركيبة السابقة للقوة تعج بذلك عرضه بدورها لتبدلات أخرى جديدة(12).‏

ويرجع ميلاد "الثورة السلبية" إلى عملية مزدوجة: فمن جانب هناك توجه لا يمكن إيقافه للتجمعات الاجتماعية الجديدة "(مثل ظاهرة النقابة، والبرلمانية، والتنظيم الصناعي، والديمقراطية الليبرالية، وظهور قوى اجتماعية، اكتسبت وزناً لا يمكن تجاهله) ألا وهو بناء صياغة ذاتيتها الحقيقية، ومن جانب آخر، هناك حقيقة هامة، وهي أن هذا التوجه لم يكن ينتج آنذاك إلا تراكمات صغيرة جزئية وبشكل غير مباشر (إي تحت قيادة الخصم، والذي أظهر أنه قادر على إعادة تكييف أشكال وصيغته ذاتها). وبالفعل لم تكن هذه القوى قد توصلت إلى الدرجة التي تمكنها من إعلاء مبادراتها إلى مستوى الهيمنة. ويمكننا أن نقول بأن ثورة أكتوبر، من هذا المنظور، قد تم امتصاصها، حيث برزت "الثورة السلبية" كشكل متجاوز لا "حرب الحركة" التي كانت الثورة قد طرحتها منذ 1917- حتى 1921، لأن الخصم تمكن من احتواء عملية تكيف "الظاهرة" النقابية، وتفجر القضايا المحيطة بها، والتي كانت قد كونت في مجموعتها كومة كبيرة إبان الحرب، وجعلها محدودة داخل إطار التبدلات الجزئية"(13).‏

يتخذ غرامشي نقطة انطلاقه من مسألة فهم أفضل لطبيعة "الإرادة الجمعية الجديدة" وللطريقة التي يتم بها خلقها، معالجته لدور الايديولوجيا الحاسم، وتحليله التفاضلي لبنية السلطة البرجوازية في المجتمعات الغربية، في الوضع "الراهن" أي ما بعد الحرب العالمية الأولى، وبخاصة مع صعود الفاشية المترافقة مع أزمة الرأسمالية العالمية 1929، والمناظرات التي قامت بها الحركة الشيوعية العالمية حولها في الثلاثينات، ومع سيطرة البنية الشمولية الستالينية للحكم في الاتحاد السوفياتي سابقاً، حيث يشير غرامشي إلى أن "الثورة السلبية" باعتبارها "برنامج عمل" تؤكد على أن الفاشية والستالينية، "بوصفها اجابتين مختلفتين في إطار شمولي"، لقضايا التنمية المتمحورة على الذات في أطراف النظام الرأسمالي العالمي، تمثلان حرب المواقع على الصعيد الاقتصادي الدولي، في حين أن التوسع الرأسمالي على قاعدة التبادل الحر، والرأسمالية التنافسية بين أقطاب المراكز الرأسمالية في الغرب، في مرحلة التراكم، يمثل حرب الحركة، وهو "ما ينطبق بالمثل على الثورة السلبية في مجال السياسية".‏

على الرغم من أن شارل بتلهايم يعتبر الثورة الروسية 1917 ثورة رأسمالية، وعلى أنها مجرد شكل للتطور الرأسمالي في المحيط، وبالتالي لا يعتبرها إلا مرحلة من مراحل التوسع الرأسمالي (وقد أنصفه التاريخ في تحليله هذا العميق)، إلا أن غرامشي، حين يحلل البنية الشمولية للنظام الستاليني، فإنه يعتبرها شكلاً محدداً من القيصرية، مرتطبة بتاريخها الخاص. والحال هذه، فإن غرامشي الذي أيّد توجه وخطة ستالين بشأن إمكانية بناء الاشتراكية في بلد واحد "كان يعتبر السلطة الستالينية ممثله لقيصرية تقدمية".‏

ولكن غرامشي يميز بين قيصرية تقدمية وقيصرية رجعية، "والقيصرية تقدمية عندما تساهم في انتصار القوى المتقدمة، ولو كان الثمن بعض التنازلات وبعض التشذيبات من النصر"(14).‏

ويذكر غرامشي في هذا السياق، بأن نابليون الأول وقيصر ممثلان عن القيصرية التقدمية، لأنها "ذات صبغة كمية- كيفية، إذا مثلت مرحلة الانتقال التاريخية من نمط دولة معين، إلى نمط مغاير، وهو انتقال كانت فيه التحديدات من العدد والأهمية بحيث توازي ثورة حقيقية"(15).‏

إن ما يبرر موقف غرامشي، بوصف السلطة الشمولية الستالينية بأنها "قيصرية تقدمية"، تنبع من الرؤية التالية، (والتأويل يظل لنا)، وهي أن الثورة الروسية مثلت ثورة رأسمالية الطابع تحت راية الاشتراكية، وهي تختلف في خصوصيتها عن الثورات البرجوازية التي حصلت في الغرب. وهذه الثورة استطاعت أن تقوم بعملية التراكم الرأسمالي تحت هيمنة الدولة الشمولية، علىمرحلتين (كما يرى ذلك شارل بتلهايم في كتابه صراع الطبقات في الاتحاد السوفياتي)، في عقد العشرينات تمفصل التراكم على اقتصاد زراعي فلاحي صغير، ثم ابتداء من العام 1930 تمفصل هذا التراكم الصناعي على اقتصاد ريفي جماعي، مع اقرار بداية الخطة الخمسية، وحدوث "القطيعة الجذرية الكبرى" بازاحة بوخارين، وصعود ستالين القوى إلى قمة السلطة في النظام السوفياتي، واحتكاره لها باطلاقية. وقد استطاعت الدولة الشمولية الستالينية، أن تحقق تطوراً جباراً في قوى الانتاج على أسس توسعية، أي من خلال تحويل قوى العمل من الزراعة إلى الصناعة، واستعارة أشكال تكنولوجية مأخوذة من تجربة الغرب الرأسمالي المتقدم في مجال الصناعة والتكنولوجيا. وهذا ما جعل غرامشي على وجه التحديد يؤيد هذه التجربة، التي لم تكن خاضعة لسيادة الرأسمالية العالمية، وهذا أمر يدفع باتجاه التقدم، من دون أن يعني هذا التأييد خضوعاً أعمى أو ارتباطاً بخط ستالين، الذي كان سائداً داخل الأممية الشيوعية، والذي كان يرسم ملامح تطورات الوضع الاشتراكي على الصعيد العالمي.‏

أما على صعيد السلطة الشمولية الفاشية، التي سادت في ايطاليا، فإن غرامشي يميزها عن الشمولية الستالينية، ويلقبها بـ"البرلمانية السوداء"، لأن سمات البنية الشمولية الفاشية في إيطاليا تمثل نظاماً رجعياً متكاملاً في بلد وصلت فيه الرأسمالية إلى حد معين من التطور والنمو. ومن المعلوم تاريخياً، إن إيطاليا بلد فقير جداً، وكانت تمثل النقطة الضعيفة والمتأخرة، في النظام الرأسمالي العالمي. ومن هذا المنظور فالرأسمالية الايطالية كانت ضعيفة جداً، حيث أن أزمة ما بعد الحرب العالمية الأولى، قضت على الشروط، التي كانت تسمح بوجود ارستقراطية عمالية، وبتقديم تنازلات اقتصادية لمصلحة شرائح البرجوازية الصغيرة المدنية، جراء اشتداد ضيق هامشي الربح بالنسبة للرأسمالية. وفي خضم أزمة النظام الرأسمالي، التي عمقت التناقضات الداخلية للرأسمالية الايطالية، اتجهت هذه الأخيرة إلى الفاشية، التي يجب البحث عن أسباب وجودها في ميدان علاقات الانتاج- كضرورة اقتصادية من أجل تثبيت قاعدة الرأسمالية الايطالية، التي فقدت توازنها السياسي.‏

وهكذا أصبحت الفاشية خشبة الخلاص بالنسبة للرأسمالية الايطالية، بواسطة ممارسة أشكال من الضغوط الاقتصادية، وعن طريق استجابتها التاريخية لجهة التوسع الاقتصادي للرأسمالية الايطالية، حيث أصبحت الدولة هي "الدولة التعاونية المعنية "الكوربوراتيفية". ولأن البنية الشمولية الفاشية في إيطاليا أصبحت كذلك مركز الوحدة السياسية لكافة أقسام البرجوازية، وبالتالي لكافة الطبقات المهيمنة، ممثلة برأس المال المصرفي، والصناعة الكبرى، وكبار المزارعين. ولما كانت هذه البنية الشمولية الفاشية من طبيعة رجعية، فقد اتجهت إلى القضاء على الأحزاب السياسية، والغاء الحياة البرلمانية نظراً لاستحالة تعايش الفاشية مع الحياة البرلمانية. وفي ملاحظات غرامشي حول "البرلمانية السوداء" كتب في العام 1935 يقول: فالبرلمانية السوداء "مع ابقائها على الفردية الاقتصادية، تظل باقية على قيد الحياة، حتى بعد الغاء النظم البرلمانية (وتشكل تهديداً دائماً للسلطة الشمولية)"فهي نابعة من وظيفة تحتمها الضرورة التاريخية الراهنة، وهي أيضاً نوع من التقدم داخل هذا الفصيل"(16).‏

وإن كان هذا هو المسار التحليلي النظري، الذي قدمه غرامشي في ملاحظات العام 1935/، فإنه من السهل أن نكتشف القاسم المشترك التقدمي، الذي يحدد، بين الشمولية الستالينية والشمولية الفاشية، باعتبارهما يشكلان اجابتين مختلفتين في إطار شمولي على مسائل وقضايا التحديث في مناطق طرفيه من التطور الرأسمالي. ومن هذا المنظور يعتبرهما ظاهرتين متقدمتين، تتفقان مع "الضرورات المتولده بصدد الوصول إلى تنظيم لاقتصاد مبرمج"(17).‏

ويضيف غرامشي قائلاً فيما يتعلق بالأشكال السياسية، التي يقدر لها أن تترسخ، لن تكون أمراً مختلفاً عن "روابطية الدولة" أو بعبارة أخرى "روابطية مجتمعية" إنهما شكلان متقدمان لأن تحققهما يعني نفي إمكانية العودة إلى الأشكال السياسية والاجتماعية للرأسمالية التنافسية، ولكن لا يترتب على هذا الموافقة على القيصرية التقدمية التي تبناها ستالين. ويستطرد غرامشي، عندما نتعامل مع هذه الموضوعة يجب أن ننفي بحسم أي شكل من أشكال التأييد للتوجهات الشمولية، ويمكن التصول إلى هذا عبر التأكيد على الطابع الانتقالي لهذه الظاهرة(18).‏

لقد أدت الأزمة العامة للرأسمالية في أعوام 1929- 1933، إلى اشعال جميع تناقضات الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وإلى زيادة الحماية الجمركية انطلاقاً من سياسة الاكتفاء الذاتي، لذا، وجدت أزمة الرأسمالية ضرورة القيام باصلاحات اقتصادية تسهم في حل العديد من المشاكل الملحة، كما ازداد الاقناع بضرورة تدخل دولة الاحتكارات في تنظيم الاقتصاد، والتي هي عبارة عن تطبيق مبادىء "الاقتصاد المبرمج" بهدف تحقيق الاستقرار في التوازن الاقتصادي. لاشك أن الأزمة قد أسهمت في توسيع عملية تحول الاحتكارات الرأسمالية إلى دولة الاحتكارات الرأسمالية. وهذا الوضع جعل الدولة القومية تتدخل بشكل قوى في عملية تجديد رأس المال، كما تميزت بتمركز شديد في الاقتصاد، وهذا شأن الدولة الفاشية في ايطاليا. أنه تضخيم العنصر القومي في الاقتصاد. والحال هذه، فإن غرامشي في تحليله للفاشية الايطالية يعتبرها شكلاً ايطالياً "للثورة السلبية". فقد كتب في نيسان 1932، واصفاً هذه الحالة، وطارحاً تصوراً افتراضياً، في امكانية أوكون الأشكال الروابطية قادرة عند تطويرها على أن تتحول إلى نمط "لتحويل البنية الاقتصادية" بشكل اصلاحي من الاقتصادية الفردية إلى الاقتصاد المبني على خطه محددة".إن حلول "الاقتصاد الوسيط" الذي يقع في نقطة وسطية ما بين الاقتصاد الفردي إلى أشكال سياسية وثقافية أكثر تقدماً، دون التعرض لهزات جذرية كاسحة ومدمرة"(19).‏

وبغض النظر عن هذا، "فإن الإشارة إلى إمكانية "حرب مواقع "فاشية، تطرح بعد ذلك بشكل معمم، في الملاحظات المدونه في نيسان- أيار 1932، في الدفتر رقم 10، حيث يتصور غرامشي فرضية، أن تتحول عملية تشكل "الاقتصاد الوسيط" هدفاً لـ"حرب المواقع" على ساحة الاقتصاد العالمي، و"التي تتجه إلى التخلي عن الشكل التنافسي للرأسمالية الذي أصبح متخلفاً وبالياً. ينتقل إلى إطار التحليل بكامله". إذن من العلاقة الرابطة بين "الفاشية" والثورة السلبية" إلى العلاقة ما بين الروابطية و"الثورة السلبية". وهكذا يمكن النظر إلى الفاشية بوصفها المتغير الايطالي في إطار التوجه العام نحو "الروابطية" التي يمكن أن تسود في الساعة الأوروبية بكاملها.‏

إن وقوع "الثورة السلبية"، يتضح عندما يكون الهدف من التدخل التشيعي للدولة وعبر تنظيمات الروابط، في البنية الاقتصادية للدولة، هو احداث تعديلات عميقة بهذه البنية، للتوصل إلى التأكيد والإصرار على وجود "خطة انتاجية". وهذا يعني التأكيد على عنصري "التخصصي" و"التعاون" في العملية الانتاجية دون المساس بالملكية الفردية أو بملكية الجماعات للربح (أي أن يقتصر التدخل على التنظيم والتحكم في هذه الملكية دون المساس بها). وإذا انتقلنا إلى الواقع الملموس لعلاقات الانتاج الايطالية، فإن هذه الثورة السلبية قد تكون هي الحل الوحيد لقضية تنمية قوى الانتاج الصناعية تحت قيادة الطبقات الادارية التقليدية، مما يسمح بالتناقض مع التشكيلات الصناعية الأكثر تقدماً، والتي انتعشت في تلك الدولة التي احتكرت المواد الأولية وراكمت رؤوس الأموال بها بكميات هائلة"(20).‏

أما في باقي بلدان الغرب الرأسمالي، فإن دولة الاحتكارات الرأسمالية تميزت بتوجيه الاقتصاد لمصلحة الاحتكارات، وبخلق توازن جديد بين رأس المال الثابت ورأس المال المتغير، وبإجراء بعض الاصلاحات الاقتصادية على غرار "النزعة الامريكانية" و" الفوردية في الولايات المتحدة، "بموجب الطرح الجديد" لروزفلت.‏

وفي معرض ملاحظاته في الدفتر رقم"22" الذي كتب في العام 1932، وتم تطويره لاحقاً ما بين 1932، 1934، يركز غرامشي في تحليله حول النزعة "الامريكانية" و"الفوردية"، باعتبارهما يمثلان اتجاهاً عقلانياً في تنظيم علاقة العمال بالمصنع، وضبط مجمل حياة العمال، وعملهم الانتاجي بما يتوافق مع متطلبات المؤسسة الصناعية الرأسمالية. ولأن سيادة هذه العمليات التاريخية أي "النزعة الامريكانية" و"النزعة الفوردية" باعتبارهما محصلتين لضرورة داخلية هي "ضرورة التوصل إلى تنظيم اقتصاد مبرمج"، في أكثر القطاعات تقدماً من الانتاج الرأسمالي، تمثل النقطة الأخيرة في إجابة الرأسمالية على الأزمة، من أجل درء اتجاه معدل الربح نحو الانخفاض، فضلاً عن كونها (أي النزعة الامريكانية التي انتشرت عالمياً) تمثل شكلاً راهناً "للثورة السلبية "على نمط الثورات السلبية للقرن الماضي. ثم إن عقلانية "النزعة الامريكانية" و"النزعة الفوردية" تشكل نمطاً من الهيمنة مبنياً على أساس المصانع في قلب العملية الانتاجية الرأسمالية عينها، وذلك بواسطة عملية الانضباط النفسي الجديدة في علاقة العمال مع الوسطاء التقنيين في المجالين السياسي والايديولوجي، عن طريق وجود ارستقراطية عمالية" بارتباطاتها البيروقراطية مع الاشتراكية الديمقراطية". إن النزعة "الامريكانية" و"الفوردية"، التي خلفتها دولة الاحتكارات الرأسمالية في تطورها الأبعد، "والتي قدر لها أن تفرض نفسها على الساحة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية"، خصوصاً مع بروز المصالحات بين البرجوازية والاشتراكية الديمقراطية، "التي أرسيت في أوروبا الرفاهة"، طرحت على الطبقات المستغلة والمضطهدة، والقوى الراديكالية، تبني استراتيجية، وتكتيك طويل الأمد، في الصراع من أجل الهيمنة، وبالتالي من أجل غزو المجتمع المدني، أكثر تعقيداً من تلك، التي كانت ضرورية في الثورة البلشفية العام 1917، جراء أوجه الاختلاف في الشروط والظروف التاريخية والسياسية لواقع الطبقة العاملة في أوروبا الغربية، خصوصاً مع تعقد البنى السياسية الفوقية بسبب التحولات في سيرورة تطور الرأسمالية، عنها في روسيا القيصرية، حيث ألقت الحتمية التاريخية بالطبقات العمالية، والفلاحية، والبرجوازية الصغيرة على طريق الثورة.‏

من المؤكد، والحال هذه، إن الأوضاع في أوروبا الغربية، لا تفسح في المجال للطبقة العاملة لاستلام السلطة، إلا إذا تبنت استراتيجية حرب المواقع، التي تمكنها من تحقيق الانتصار عبر الاستيلاء التصاعدي على مواقع هيمنة البرجوازية في ميدان المجتمع المدني، وباعتبارها أيضاً استراتيجية الصراع الواقعية من أجل الهيمنة بالنسبة للماركسيين في بلدان الغرب المتقدمة، في سبيل "فرض عزلة متزايدة تدريجياً على الطبقة الحاكمة، بحيث يمكن خلق صورة أكثر وضوحاً وأكثر اقناعاً بأن الطبقة العاملة هي مخلصة المجتمع الحقيقية"(21).‏

هوامش الفصل الثالث:‏



(1) جاك بيرين التيارات الكبرى للتاريخ الكوني.‏

Les Grands Courants De. L`histoire universelle‏

منشورات لاباكونييرنوشاتل- المجلد السادس (ص11).‏

(2) أنطونيو غرامشي- الأمير الحديث، ترجمة زاهي شرفان- قيس الشامي، دار الطليعة الطبقة الأولى نيسان 1970، (ص103- 104).‏

(3)- المصدر السابق (ص105- 106).‏

(4)- المصدر السابق (ص119- 120).‏

(5)-‏

A. Gralsci quadernidel careere, a caradi V. Grrarratana, Ei, naudi, Torino, 1975, (PP 1228- 1229).‏

(6)-‏

A. Agasti, Laterza Internazionale, Stari a documentaria Editor Riunti Roma 1979 (PP216- 229).‏

(7)-‏

A Gramsci Del carcere, Cit, (P801).‏

(8)- انطونيو غرامشي- الأمير الحديث مصدر سابق (ص107).‏

(9)- المصدر السابق (ص112- 113).‏

(10)-‏

A. Gramsci, Quaderni Del carcere, cit, (P1819).‏

(11)-‏

Ibid, (P 1827).‏

(12)-‏

Ibid, (P1767).‏

(13)- غرامشي وقضايا المجتمع المدني- مركز البحوث العربية، ندوة القاهرة 1990، (ص124).‏

(14)- أنطونيو غرامشي- الأمير الحديث مصدر سابق (ص93).‏

(15)- المصدر السابق (ص96).‏

(16)- غرامشي وقضايا المجتمع المدني- مصدر سابق (ص119).‏

(17)-‏

A. Gramsci, Quaderni Del Carcere, Cit, (PP139)‏

(18)-‏

Ibid, (P1744).‏

(19)-‏

Ibid, (P1089).‏

(20)-‏

Ibid, (P1228).‏

(21)- دفاتر السجن (ص233- 239) الطبعة الانكليزية) هذه هي الاستراتيجية التي تغلب على الاستراتيجية للحزب الشيوعي الايطالي انظر‏

E. Berlinguer, La proposta communista Torina 1975.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 08:54 PM   المشاركة رقم: 15
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الرابع

المجتمعات الديمقراطية البرجوازية‏




في أعوام التموجات الثورية في ايطاليا، أسس غرامشي ومجموعة من رفاقه القدامى في "اتحاد الشباب الاشتراكي" صحيفة أسبوعية باسم "اورديني نووفو" أي "النظام الجديد" في نهاية نيسان 1919، حيث اكتسبت هذه الصحيفة أهميتها النظرية والسياسية في تاريخ الحركة العمالية، للدور الذي لعبته في نشر النظرية والثقافة الماركسيتين، وفي تنظيم الحملة السياسية من أجل تكوين السوفيتات الايطالية (مجالس المصانع) خلال "السنتين، الحمراويتين"، في مدينة تورينو قلب الصناعة الرأسمالية الايطالية، ومركز الثورة الايطالية، مع اشتداد الأزمة الدولة الايطالية ما بعد الحرب. لقد انصب جهد معظم القادة الثوريين الايطاليين نحو إقامة السوفيتات في ايطاليا، تحت التأثير القوى، الذي كانت تمارسه ابداعات الثورة البلشفية في روسيا، وقادتها الثوريين، حيث كان لينين يمثل بالنسبة لغرامشي "تلميذاً بارداً للواقع التاريخ" و"ثوريا يبني بدون تخيلات مهتاجة، وبانصياع للعقل والحكمة". وكانت القضية المركزية التي كانت تسيطر على فكر وممارسة غرامشي، هي ضرورة تحويل اللجان الداخلية في المؤسسات، (التي لم تكن لجاناً منتخبة ديمقراطياً تمثل بدقة مصالح العمال كلهم، نظراً لأن أعضائها يجسدون خط الادارة، وقادة النقابات) إلى مجالس للمعامل والمصانع. والمجالس العمالية من وجهة نظر غرامشي كانت تمثل وسيلة تعبئة ثورية للطبقة العاملة في سبيل تأكيد سيطرتها المباشرة على الانتاج، من قبل المنتجين أنفسهم في المصنع، و"رأى غرامشي مفتاح المجتمع المستقبلي، حيث يصبح المنتجون قوة عملية الانتاج لا مجرد منفذيها، وحيث يتحول البرغي في آلية الانتاج الرأسمالية إلى ذات"، في دخول الديمقراطية المباشرة للمنتجين كقوة مستقلة إلى مجال الانتاج نفسه، أي إلى ذلك الحيز من المجتمع الرأسمالي الذي يفتقر بحده إلى الديمقراطية مجال العمل"(1).‏

وفي خضم هذه الأحداث الثورية، برز التنافس بوضوح بين النقابات ومجالس المصانع، لأن النقابات كانت تميل إلى التعاون مع الحكومة وأرباب العمل، فضلاً عن انصياعها التاريخي للقوانين التي تفرضها طبقة الرأسماليين، واعتبارها النضال الاقتصادي مع الرأسمالية نشاطاً مهماً من أنشطة الثورة الاجتماعية، في حين أنه نضال محكوم بسقف معين، وطارىء وليس دائماً. و"نظراً لاعتماد النقابات على القوانين الرأسمالية فإنها لم تكن تملك خطاً ثابتاً، يمكن التنبؤ به للتطور، وبالتالي فإنها كانت عاجزة عن تجسيد حركة ثورية ايجابية". وقد كتب غرامشي في صحيفة "النظام الجديد" عام 1919، إن النقابة "شكل من أشكال المجتمع الرأسمالي، وليست تخطي ممكن له. فهي تنظيم العمال لا كمنتجين بل كمأجورين، أي كمخلوقات لنظام الملكية الخاصة الرأسمالية، كبائعي عملهم بشكل سلطة".‏

أما بالنسبة لتجربة مجالس المصانع والمعامل، فإنها أصبحت تشكل الامكانية الواقعية الثورية، لتحويل النظام النقابي والاصلاحي إلى مجال النضال الثوري، وباعتبارها أيضاً تمثل أداة ثورية حقيقية تفسح في المجال للعمال للسيطرة المباشرة على الانتاج، وبالتالي لامتلاك العمليات الاقتصادية، من أجل تحقيق الديمقراطية، والحرية، والتحرير الكامل من علاقة المضطهد بالمضطهد، وعلاقات المستغل بالمستغل، وهذا ما يجعل هذه القوى الانتاجية المتحررة تسهم بشكل فعال في عملية تطوير الثورة بسرعة قصوى.‏

إن غرامشي يميز بين العمال الاجراء، الذين هم عبيد رأس المال نظراً لاستغلالهم من جانب أرباب العمل، في ظل سيادة الرأسمالية، وبين المنتجين الأحرار، الذين يعبدون الطريق لهيمنة البروليتاريا، وبالتالي يشكلون القاعدة الاجتماعية للدولة العمالية المستقبلية.‏

يقول د. كاينو أحد الذين اشتركوا في حركة المجالس العمالية "قد يعتقد أننا هنا أمام كلمتين تعنيان شيئاً واحداً. ولكن الأمر ليس على هذا النحو. إذ أن مفهوم المنتج بالنسبة لغرامشي ينطوي على مضمون عميق ومعنى ثوري. ذلك إنني في حالة وجودي في العمل لست أكثر من أجير مرتبط برب العمل. ولست أكثر من موضوع أو آلة أو عمل أو بضاعة فقط، ولكن عندما قدم لنا غرامشي مفهوم المنتج، فإنه قدم لنا احساساً مباشراً بأننا أرباب عمل، أي أننا نحن المنتجين وصانعي الثورة".‏

إن تجربة السيطرة المباشرة على المجالس العمالية من جانب المنتجين أنفسهم، شكلت إطاراً سياسياً مهماً في نظرية الثورة عند غرامشي، بما أنها تخطت جدلياً عجز الحزب الاشتراكي الايطالي، الذي كانت تشقه عدة أجنحة متعادية، وبخاصة جناح الاشتراكية الاصلاحية بقيادة سيراتي، وجناح بورديغا- غرامشي الذي أيد النقاط الإحدى والعشرون، أو شروط الانتماء إلى الأممية الشيوعية الثالثة، وقام بإعداد وثيقة مع المجموعات الشيوعية، التي وافقت على طرد الاصلاحين من الحزب، والتي طالبت بتحويل الحزب الاشتراكي الايطالي إلى حزب جديد شديد المركزية، والي تسميته الحزب الشيوعي لايطاليا الملتزم بخط "الكموتترن"، والذي عقد مؤتمره في (ليفوونو) في 21 كانون الثاني 1921. كما أن المجالس العمالية تخطت جدلياً النقابة ووظيفتها، وأصبحت بذلك طليعة حقيقية للنضال الواعي، حين أسهمت في ربط الحزب مباشرة بالحركة الجماهيرية الفعاله الواعية للطبقة العاملة، باعتبارها الطبقة الجديدة من المنتجين، التي يترتب عليها من أجل تحقيق هيمنتها على الطبقات الاجتماعية الأخرى، أن تحقق في الوقت عينه هيمنتها اقتصادياً وسياسياً، وثقافياً، وتقنياً، وبذلك كانت مجالس المصانع، قاعدة الدولة البروليتارية الجديدة، وأداة الحركة الثورية الايطالية، التي مارست من خلالها قيادة فعلية للمجتمع المدني، حيث بدأ هذا الأخير في امتصاص المجتمع السياسي وبالتدريج.‏

مع هزيمة احتلال المصانع في تورينو، كتب غرامشي يقول: "ولم تكن نتيجة احتلال المصانع هزيمة أخرى للعمال فحسب فالبرجوازيون الايطاليون خرجوا من هذا النزاع وهم يشعرون بالمرارة، ليس فقط لأن العمال سيطروا على مصانعهم بل لأنهم اقتنعوا أيضاً بأن الحكومة لم تعد تستطيع حماية مصالحهم. وكان الصناعيون قد فقدوا ثقتهم بـ" الدولة الليبرالية" وأصبحوا يتقبلون الوسائل السياسية التي هي من طبيعة مختلفة كلياً. وكانت الحكومة أيضاً مصرة على اتخاذ اجراءات، وإن "مؤقتة" لاجبار العمال على العودة إلى صيغ أكثر تقليدية للنضال، وكانت ساعة الفاشية قد أصبحت على مدى قبضة اليد. وحركة موسوليني التي كانت ضعيفة وقابلة للتجاهل قبل أيلول سبتمبر 1920 نمت بسرعة مدهشة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من السنة"(2).‏

هناك مجموعة من العوامل ستشكل بالنسبة لغرامشي وقفة تأمل تاريخية في دراسة التجربتين السوفياتية والايطالية، بشكل يمكنه من بلورة استراتيجية جديدة للهيمنة، يربطها خط مباشر هابط بين مجالس المصانع ودفاتر السجن، ومنها هزيمة الحركة العمالية في تورينو، وعجز الاشتراكية الايطالية عن التغلغل في الريف، وبالتالي اهمال المسألة الفلاحية، وعدم تبني غرامشي بعض الصفات اليعقوبية في الثورة البلشفية، والتي فرضتها الظروف الخاصة لروسيا باعتبار المجتمع السياسي هو كل شيء وتأليه ديكتاتورية البروليتاريا، على الرغم من أن الدولة حلت محل الحزب، وبروز ظاهرة التقديس المفرط لأشكال قمع الدولة، و"التي بدت كأنها "كانت سمات دائمة، وليست انتقالية، من سمات النموذج السوفياتي"، والتبني المتأخر لغرامشي للمفاهيم اللينينية حول الحزب، الذي كان يعود إلى اختلافه مع بورديغا"، الذي كان يمثل آنذاك بالنسبة لغرامشي اللينينية".‏

بالإضافة إلى هذه العوامل مجتمعة، هناك "الخصوصية الايطالية"، التي أعطاها غرامشي أهمية معينة، وبخاصة مسألة الجنوب، التي تعتبر بحق "المسألة الأزلية" للاشتراكية الايطالية، حيث كتب غرامشي يقول، كان لحركة تورينو "حسنة لا يمكن انكارها" وهي أنها "جلبت المسألة الجنوبية لانتباه الطبقة العاملة وصاغتها كإحدى المسائل الضرورية للسياسة القومية للبروليتاريا الايطالية".‏

والخصوصية الايطالية نابعة من طريقة الثورة البرجوازية عينها غير المكتملة والناقصة، ومن الضعف النسبي للرأسمالية، وبالتالي ضعف القاعدة الصناعية، ومن جراء طابع التحالفات والتسويات بين برجوازية الشمال الصناعية، وكبار ملاك الأراضي والبرجوازية المتوسطة في الجنوب، التي ولدت في سيرورة تطورها اللاحق تطوراً لا متكافىء للرأسمالية. ولقد أصبحت المفارقة في المجتمع الايطالي تتمثل في وجود الشمال الصناعي، الذي هو بمنزلة مدينة صناعية كبرى ومتقدمة، ويلعب دور المتروبول الرأسمالي، وفي بقاء الجنوب الفلاحي متأخراً تاريخياً، والذي هو بمنزلة ريف واسع جداً، حولته سيطرة برجوازية الشمال المتحالفة مع كبار ملاكي الأراضي والبرجوازية المتوسطة إلى مستعمره مستغلة مرتبطة بالمتروبول الشمالي. وفي ظل الأوضاع هذه "فان المصالح "المتنافرة" والمتناقضة للطبقات الايطالية الحاكمة أعطت البروليتاريا "أهمية أكبر مما لها في بلدان أوروبية أخرى، وحتى تلك الأكثر تقدماً رأسمالياً.(3).‏

ولهذا السبب، ركز غرامشي في أطروحة واستراتجية الصراع من أجل الهيمنة، على ضرورة تحالف الحركة العمالية في الشمال مع حركة الفلاحين في الجنوب، الذي يتوقف عليه مستقبل الثورة البروليتارية في ايطاليا، باعتبارها حلقة ضعيفة بنيوياً في النظام الرأسمالي. وهذا ما يجعل قدرتها أقل على مقاومة الثورة، أولاً، وفي سبيل الحيلولة دون أن يصبح الجنوب الايطالي قاعدة للقوى الرأسمالية المضادة للثورة ثانياً. ومن هذا المنظار، "إن لم يتحقق هذا التحالف، "لن تستطيع البروليتاريا أن تصبح الطبقة "الموجهة" وستبقى تحت الادارة البرجوازية تلك الطبقات التي تمثل في ايطاليا أغلبية السكان، مما سيمكن الدولة من دحر ومقاومة الزخم البروليتاري(4).‏

إن التحالف بين العمال والفلاحين، في ارتباطه الصميمي بمسألة الجنوب، وبمسألة الفاتيكان (باعتبار المسألة الفلاحية في ايطاليا قد اتخذت هذين الشكلين الخاصين والنموذجين)، شكل إحدى الموضوعات الأساسية التاريخية، التي ظل غرامشي يتصدى لها في معالجته النظرية والسياسة منذ تجربة النظام الجديد وحتى مرحلة دفاتر السجن، من أجل بلورته النظرية لمفهوم الهيمنة، الذي استقاه من تراث التجربة الروسية، وخط الكومنتون، فضلاً عن اعتماده على التحليل المشخص للواقع التاريخي السياسي لايطاليا. لقد أدرك غرامشي بأن التحالف الطبقي بين العمال والفلاحين، هو الذي يقدم الشرط الموضوعي والأساس النظري والعملي، الذي يقود البروليتاريا على طريق الثورة في نضالها المشترك مع جميع الفئات المستغله ضد الرأسمالية، وإلى تحقيق هيمنتها على باقي الطبقات الأخرى، باعتبارها الطبقة الموجهة"، قبل الاستيلاء على السلطة، والتي لن تتحقق بدون تقديم بعض التنازلات، والتضحيات بمصالحها المباشرة لمصلحة حلفائها الممكنين في المجتمع. ويؤكد غرامشي، بأن واقع الهيمنة يفترض "مسبقاً أخذ مصالح ونزعات الجماعات التي ستتم ممارسة الهيمنة إزاءها بنظر الاعتبار، إضافة إلى تحقيق نوع من المساومة المتوازنة- وبعبارة أخرى أن على الطليعة أن تقدم تضحيات ذات صفة اقتصادية أيضاً، عليها بالضرورة أن تستند إلى الوظيفة الحاسمة التي تمارسها الطليعة في النواة الحاسمة للنشاط الاقتصادي".‏

ليس بإمكان الطبقة العاملة أن تصبح مهيمنة، من دون أن تقع في استراتجيتها السياسية حل المهام، التي لم تستطع أن تحلها الثورة البرجوازية الديمقراطية، وبشكل خاص في حالة ايطاليا ما بعد الريزوجيمنتو، والتي أصبح انجازها منوطاً بالدور التاريخي للبروليتاريا، باعتبارها الطبقة الثورية الجديدة النقيض، حيث أن عملية تحولها إلى طبقة مهيمنة، يتطلب بالدرجة الأولى، أن تدرك قيمتها الحاضرة، ووظيفتها الحقيقية، ومسؤوليتها، ومستقبلها، لا من خلال وعي مصالحها الحقيقية المباشرة كطبقة فقط (أي انتقالها من طبقة في ذاتها إلى طبقة لذاتها)، وإنما من خلال تقربها من قلب مصالح جميع حلفائها الممكنين، وبخاصة جماهير الفلاحين، والارتقاء بتوسيع هذه المصالح على صعيد مشروعها السياسي الثوري، واكتسابها نفسية وطباع الطبقة السائدة لتأسيس هيمنتها أولاً. ويتطلب انتقال الطبقة العاملة إلى الطبقة المهيمنة النقيض، انتقالها من الدور الاقتصادي، أي عملية تخطيها للبيروقراطية النقابية التي تكمن وظيفتها في إقامة توازن بين العمل ورأس المال، وللاقتصادية- الايديولوجية، التي لا تلعب الدور المحرك الديناميكي في التغيرات والمطالب الثورية، إلى الدور السياسي- الأخلاقي "مما يشير إلى انتقال واضح من البنية إلى مجال البنية الفوقية المركبة"، والذي يستلزم الدور السياسي الشمولي، الذي يتخطى المصالح القطاعية النقابية، والمقولات الاقتصادية، ليشكل مشروعاً سياسياً ثورياً متكاملاً عبر المساحة المجتمعية لمختلف الطبقات المستغله والمضطهدة. ويكون بذلك تحدياً سياسياً وثقافياً وايديولوجياً، في سبيل تشييد نظام فكري وأخلاقي جديد، يقوم على تطوير الأسلحة الأكثر شمولاً وعمومية، والأكثر حسماً دقة، وصقلاً، أي الأسلحة الايديولوجية والثقافية الملازمة بشكل أساسي لغزو فضاءات المجتمع المدني ومؤسساته، من النقابة، والأحزاب، والجامعات والمدارس، ووسائل الأعلام والنشر، والصحافة، ولتغيير موازين القوى الاجتماعية لمصلحة الطبقات والفئات المستغله والمضطهده، من أجل تحقيق هيمنة الطبقة العاملة، عبر كسر واختراق الهيمنة الثقافية والايديولوجية للبرجوازية، باعتبارها الشرط اللازم والضروري لتحقيق سيطرتها السياسية كطبقة مخلصة للمجتمع، ثانياً. من هنا اشتق غرامشي، أهمية الدور الثقافي والايديولوجي في النشاط العملي الثوري (الجمعي)، حيث أنه ليس بوسع الفعل التاريخي أن يقوم إلا على أكتاف "الرجل الجمعي" أو "المثقف الجمعي"، أي الحزب، والدور الريادي للانتلجنسيا الثورية، أي إلى دور المثقفين العضويين، و"يختلف جدل: المثقف/ الطبقة من طبقة إلى أخرى، فلكل طبقة مسارها الخاص بها في تشكلها كطبقة، وفي إنتاج ثقافتها، وتكوين المثقفين العضويين المرتبطين بها.‏

يؤكد غرامشي في هذا الجدل حقيقة أساسية، تقول: لا تحقق الطبقة استقلالها الذاتي، أي وجودها الموضوعي كطبقة، إلا في تحقيق استقلالها السياسي، الذاتي، الذي لا يستوي إلا إذا احتضن الاستقلال الثقافي الذاتي لهذه الطبقة. وبما أن غرامشي لا يرى العلاقات الاجتماعية إلا في شرطها التاريخي الذي أنتجها، فإنه تلمس علاقات الاختلاف بين وضع المثقف في حقل الطبقة العاملة، ووضع المثقف في علاقته بالطبقة البرجوازية.‏

لقد لعب المثقفون دوراً مباشراً في تكوين البرجوازية كطبقة قائدة ومسيطرة. أما في حالة الطبقة العاملة فإن المثقفين يلعبون دوراً جوهرياً في التنظيم السياسي للطبقة. وفي هذا الاختلاف نلمس الفرق بين طبقة برجوازية متكونة وطبقة نقيض تتكون في صراعها السياسي ضد الطبقة الأولى، أي تتكون في سيرورة سياسية معقدة هدفها هزيمة البرجوازية، وفرض الطبقة العاملة كقوة قائدة ومسيطرة. وفي هذه الحالة، يلعب حزب الطبقة العاملة دوراً حاسماً في انتاج الطبقة العاملة كطبقة بالمعنى المادي للكلمة، من خلال جدل معقد يوحد بين القيادة الواعية والعفوية الجماهيرية، أو من خلال تفاعل مفتوح بين القيادة والقاعدة بشكل يلغي المعنى التقليدي للمرتبية الاجتماعية وينتج ظاهرة جديدة هي: المثقف الجمعي الذي هو حزب الطبقة العاملة"(5).‏

إن غرامشي حين يؤكد على دور الثقافية والمثقفين، فإنه لا يعني المثقفين المفصولين عن الشعب، والمرتبطين بتراث منغلق، أكثر من ارتباطهم بالطبقة العاملة وجماهير الفلاحين، لأن هؤلاء المثقفين في علاقتهم مع الشعب كانوا "طبقة منفصلة، ولم يكونوا عنصراً مرتبطاً بالشعب نفسه". مثلما أن غرامشي لا ينطلق في تحديده للمثقفين من المثقفين التقليديين، الذين يتسمون بصفة الخالق المتعالي، نظراً لمستواهم التعليمي والمعرفي والأكاديمي، والذين يظهرون كممثلي الاستمرارية التاريخية غير المتقطعة لسيطرة الطبقة الاجتماعية المالكة لوسائل الانتاج في مرحلة تاريخية معينة ولت، والذين كانوا يمثلون أدوات الممارسة الايديولوجية والسياسية، في خدمة هيمنتها الطبقية، انطلاقاً من ضرورة الحفاظ عليها، لا من ضرورة التحرر منها، وإنما ينطلق من مفهوم جديد كلياً للمثقفين، الذين يلعبون دوراً حاسماً في مجال خلق الوحدة الفكرية والثقافية الجديدة للكتلة التاريخية الثورية القائمة على الوحدة العضوية للحزب الثوري أي الأمير الجديد مع المثقفين والجماهير العمالية والفلاحية، باعتبارها أحد شروط ممارسة وظيفة الهيمنة من جانب الطبقة العاملة، في إطار تصور متكامل وجديد لبناء مجتمع مدني متحرر إنسانياً في كل مجالات الحياة.‏

ولما كان الموضوع الرئيس في استراتيجية الصراع من أجل الهيمنة هو إنتاج فكر ثوري ثقافي، وسياسي، وايديولوجي، يسهم في تحديد تحرك الواقع الاجتماعي من موقع دخوله في ميدان الصراع الطبقي، ومن خلال تحوله إلى أداة للطبقة العاملة الثورية، فإن هذه الأخيرة ستصطدم بجهاز الدولة في ممارستها الايديولوجية والسياسية والثقافية، لصراعها الطبقي، باعتبار أن التناقض الذي يدفعها إلى مجابهة جهاز الدولة، هوا لتناقض عينه بين ممارستها الثقافية والسياسية الباحثة عن هيمنة نقيض، وبين الممارسات السياسية للطبقة المسيطرة، داخل هذا الحقل السياسي للصراع الطبقي. ومن هذا المنظار، فإن موقع المثقف في عملية الصراع الطبقي يتحدد من خلال أدائه لوظيفة اجتماعية سواء في الحقل الاقتصادي أم على المستويين الاجتماعي والسياسي، وعبر علاقته بالممارسة السياسية للطبقة التي ينتمي إليها. فهو يختلف في شكل وجوده الاجتماعي هذا باختلاف الممارسة السياسية للطبقة المسيطرة التي هو أداة لها، أو أن يكون أداة للمارسة السياسية للطبقة الثورية النقيض. وبتعبير آخر، فإن غرامشي حين يدرس وضع وموقع المثقف، إنما يدرسه في سياق تاريخ المثقف الايطالي في علاقته بنشوء وتطور الرأسمالية في ايطاليا. "إن بناء النظرية في علاقة السياسة بالتاريخ يفضي مباشرة إلى مفهوم التمييز أي إلى تطبيق المفاهيم النظرية العامة على تشكيله اجتماعية- اقتصادية محددة من أجل انتاج معرفة نظرية محددة. وفي حال غرامشي، فان التجديد هو انتاج مفاهيم ماركسية تشرح خصوصية الواقع الاجتماعي في ايطاليا. لا معنى للمفهوم النظري العام إلا في تمييزه، أي في اختباره على ضوء واقع محدد، والاختبار يوضح المفهوم أو يعدله، وينتجه من جديد، فاعادة انتاج المفاهيم النظرية العامة، بشكل يحافظ على عموميتها، يحول النظرية إلى مزيج من الايديولوجيا واللاهوت. وفي بحثه في شروط الثورة البروليتارية في ايطاليا، أنتج غرامشي جملة المفاهيم الأساسية مثل المثقف العضوي، والمثقف التقليدي، الهيمنة، الكتلة التاريخية، وهذه المفاهيم، في وحدتها، تطرح سؤالاً أساسياً، كيف يمكن الانطلاق من الواقع الايطالي لتحقيق ما أنجزته ثورة أكتوبر، أي لتحقيق الثورة الاشتراكية في ايطاليا؟‏

وكان غرامشي في هذا السؤال ينكر مفهوم النموذج، ويستنكر فكرة استيراد النموذج، فالنموذج فكرة مجردة، والثورة تبدأ بالمشخص، بالمتميز الذي يتجلى في إنتاج النظرية وقراءة التاريخ، وممارسة السياسة"(6).‏

من الطبيعي أيضاً، إنه بالنظر إلى طبيعة الثورة البرجوازية الايطالية، وحركة النهضة "الريزوجمنتو" المتسمة بطابع التحالف بين برجوازية الشمال مع كبار الملاك في الجنوب، والتي استبعدت الدور التاريخي لجماهير الفلاحين في الثورة الديمقراطية، ولم تعتمد على حركة شعبية ثورية، والتي حافظت على بقاء المؤسسة الدينية المتمثلة في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وعلى حضورها الفاعل في الحقل الايديولوجي، أي يعتبر غرامشي حركة النهضة هذه، بأنها "ديكتاتورية بدون هيمنة"، على نقيض الثورة الفرنسية، التي لعبت فيها جماهير الفلاحين وفئات البرجوازية الصغيرة دوراً رئيساً، حيث كان لطابع الهيمنة للبرجوازية الفرنسية سمه شعبية. وفضلاً عن ذلك، فقد شكلت هذه الشروط التاريخية الاجتماعية المحددة لواقع ايطاليا، التربة التاريخية- السياسية الخصبة لمثل هذا الشكل من البحث التاريخي- السياسي، الذي قام به غرامشي في سبيل انتاج فكر نظري متميز بارتباطه الصميمي بالأشكال التي يظهر فيها الصراع الطبقي في ايطاليا، والذي هو في جوهره صراع سياسي، وبعلاقته باستراتجية الطبقة العاملة، و"أميرها الحديث" أي حزبها- حيث تتوحد هنا عند غرامشي النظرية بالممارسة، والسياسة بالتاريخ- التي تحدد الامكانية السياسية والتاريخية، لتحقيق المهمة الهيمنية، من جاب الطبقة العاملة نفسها على جماهير الفلاحين والفئات الشعبية المستغله، والاستمرار في انجاز المهمات الثورية النهضوية، من أجل توحيد البلاد توحيداً فعليا، والقضاء على مخلفات الاقطاع في الريف، على طريق تحقيق الثورة الاشتراكية. ولأن مهمة الهيمنة هذه، في ظل ثورة برجوازية ناقصة، وفي ظل اختلاف البنية الاقتصادية، والاجتماعية بين الشمال الصناعي المتقدم، والجنوب الفلاحي المتأخر تاريخياً، واختلاف المنظور بين مثقفي الشمال، ومثقفي الجنوب، انتقلت من يد البرجوازية وأصبحت ملقاه على عاتق البروليتاريا. "إن الهيمنة البروليتارية تعني والحال هذه اشتغال الايديولوجيا كاسمنت اجتماعي بعمق تماسك الكتلة التاريخية أي أن تصبح ايديولوجية الطبقة العاملة تركيبية تأخذ في اعتبارها التقاليد التاريخية الفريدة للمجتمع والاسهامات الثقافية لمختلف الحركات الاجتماعية المكونة للكتلة المهيمنة، لا أن تكون ايديولوجيا طبقية نقية تعبر فقط عن المصالح الطبقية للعمال، ومن هنا أسس غرامشي تلك العملية الخاصة بالنضال الايديولوجي "الاصلاح الثقافي الأخلاقي"(7).‏

إن تحقيق هيمنة البروليتاريا في ظل الوجود المتميز للواقع التاريخي والسياسي الايطالي، يتطلب من الفلسفة الماركسية باعتبارها النظرية النوعية للتاريخ، وعلم الجدل، والمنطق، والتاريخيةُ المطلقةُ فلسفةً"، أن تتحاور جدلياً مع الايديولوجية والثقافة الشعبية السائدة وسط الطبقات الشعبية، وبخاصة في أوساط الفلاحين، حيث أن فلسفة الشعب تقوم بالضبط على ما يمكن تسميته عموماً بـ"الحس العام" أو "الفطرة السليمة"، والتي ليست سوى مجموعة من المعتقدات الباقية، والآراء المختلفة، والأفكار المبعثرة في جميع مراحل التاريخ الماضية، المفعمة في أغلب الأحيان بالتعصب، وبمتانتها الصورية.‏

من هنا فان غرامشي يعتبران كل البشر "فلاسفة" كل على طريقته، وبصورة لا شعورية، مادام نشاطهم الفكري، حتى في مستواه البسيط، يتضمن تصوراً معيناً للعالم، ويعرف فلسفتهم هذه بحدود "الفلسفة العفوية"، التي تتسم بخصائص معينة، ومنها:‏

1- اللغة نفسها وهي جملة من المفاهيم والمعاني المعينة لا جملة من الألفاظ الفارغة لغوياً.‏

2- الحس العام والفطرة السليمة.‏

3- الديانة الشعبية وبالتالي المنظومة الكاملة للمعتقدات والخرافات والآراء ووجهات النظر والعمل المجموعة عادة في ما يسمى بـ"الفولكلور".‏

يستنتج من هذا المقطع أن غرامشي يدعو إلى اصلاح فلسفة الجماهير، والقيام بالتجديد الثقافي، باعتباره عملاً اصلاحياً ثقافياً وأخلاقياً، ملازماً بالضرورة لهيمنة الطبقة العاملة، وهذا يقتضي، تحديد شروط الانتقال من فلسفة "الحس العام" أو "الفطرة السليمة" العفوية، غير المتماسكة، إلى الفلسفة النقدية المتماسكة، ومنطلق الاعداد النقدي هذا، يتمثل في مقولة غرامشي الشهيرة "أعرف نفسك"، أو وعي لحقيقة الذات.‏

إن غرامشي، وهو يؤكد على ضرورة خلق ثقافة جديدة وفلسفة جديدة تشكلان قوة مادية في عقول الجماهير، وتتأصلان في وجدانها بنفس قوة المعتقدات التقليدية، ينطلق أيضاً من ضرورة القيام بتحليل نقدي لفلسفة "الحس العام"، التي تمتلك تصوراً للعالم غير نقدي، "على النحو الذي نجده في مختلف البيئات الاجتماعية والثقافية التي تنمو فيها الفردية الأدبية للإنسان الوسط" و"الحس العام" باعتباره "فولكلور" الفلسفة لا يتضمن تصوراً متماسكاً ومنطقياً، وهو في هذه الحالة، "يوافق الوضع الثقافي والاجتماعي للجماهير التي يعبر عن فلسفتها"(8).‏

كما أن فلسفة الحس العام لا تتضمن مفهوماً علمياً وصحيحاً عن الحقائق، لأن "الحس العام" مفهوم ملتبس، متناقض ومتعدد الصور، والحال هذه لا يجوز اعتباره محكاً للحقيقة، وإن كان هذا القول ليس انكاراً مطلقاً بعدم وجود حقيقة حس عام. على أن المذاهب الفلسفية التقليدية الكبرى، التي يتبناها أهل الفكر والثقافة العالية، الذين يمتلكون تصوراً نقدياً ومتماسكاً للعالم، يرون في الحس العام، "شيئاً من النزوع إلى التجريب، ومن الملاحظة المباشرة للواقع وإن كان ذلك بصورة تجريبية محدودة". من هنا دعا غرامشي إلى ضرورة تنمية وتطوير النواة السليمة من "الحس العام"، "التي يسميها "بالفطرة السليمة"، في سبيل جعلها متماسكة.‏

إن الخاصية الايجابية في "الحس العام"، هو أنه "إذا عرضت له سلسلة من الاحتكام عرف فيها السبب الحقيقي البسيط والسهل، ولا ينحرف عن الصواب بتأثير الميتافيزيقيا وطلسماتها المتصفة زوراً بعمق النظر ودقة العلم الخ"(9).‏

وتكمن هيمنة المثقفين العضويين في نقد الثقافة والايديولوجيا القائمة على "الحس العام"، وفي التأكيد على دور الأفكار الجديدة في تغيير الحقائق الموضوعية للظواهر الخارجية. على أن هذا النقد لفلسفة "الحس العام" لا يعني الدخول في تناقض عدائي معها بشكل فج، وإنما يتطلب النقد إظهار محدوديتها، وطبيعتها الجزئية في رؤية الحقائق، وتصوراتها المثالية القديمة، المتعلقة بنظرتها للعالم، فضلاً عن ضرورة الاستفادة من الجوانب التقدمية من "الحس العام"، من أجل تنميتها، وتوحيدها، وجعلها متماسكة، عن طريق خلق ثقافة جديدة، تجسد وحدة الفكر العضوية والمتانة الثقافية، حيث يصبح المثقفون العضويون أنفسهم مفكرين حقيقيين للجماهير، في نطاق التحامهم العضوي بالشعب من أجل اعداده فكرياً وثقافياً، لكي يصبح قادراً على التفكير في الواقع الحاضر تفكيراً متماسكاً، موحداً، ونقدياً. وهذا ما تصبو إليه فلسفة البراكسيس، التي "لا تهدف إلى إبقاء "السذج" على فلسفتهم البدائية، فلسفة «الحس» العام بل إلى النهوض بهم نحو تصور أعلى للحياة، وتريد تخليصهم وتحريرهم من التصور البدائي والمشوش للعالم والحياة، ومن التحجر وضيق الأفق والابهام على الصعيد الفكري والثقافي غير المنسجم مع روح العصر، وبالتالي القيام بعملية تفكيك للإرادة الجمعية القديمة، عبر الافساح في المجال "لوعي الذاتي النقدي"، والتخطي الجدلي "للحس العام"، و"الحكمة الشعبية" عبر استخدام سلاح النقد، الذي يقود إلى تحريرهما من الجوانب الرجعية والمضادة للتقدم، مؤدية بذلك إلى حس عام جديد، وكتلة ثقافية وفكرية اجتماعية جديدة، ومتطورة تمتلك آليات الاختراق للوعي الشعبي القديم بواسطة القبول، حيث أن الجماهير الشعبية يصعب عليها في البداية، تبديل تصوراتها القديمة، وفي الوقت عينه القيام بتجذير التصور الجديد للعالم في الوعي الشعبي، وتأهيله في وجدان الشعب "بقوة المعتقدات التقليدية وبما فيها في الوقت نفقسه من طابع الأمر".‏

إن هيمنة "الاصلاح الفكري والثقافي" أو الثقافة الجديدة، الخالقة لمعطيات ايديولوجية جديدة، عبر تجسيد وحدة الفكر العضوية والمتانة الثقافية أو الوحدة الايديولوجية بين أهل الفكر (المثقفين العضويين) والشعب، والتي تمتلك تصوراً جديداً للعالم، نقدياً وموحداً، ومتماسكاً هو شرط ملازم وأساس لوصول ايديولوجية الطبقة العاملة إلى موقع الهيمنة في بنية المجتمع ككل، وفي علاقتها الصراعية مع باقي الايديولوجيات الطبقية المسيطرة. وما نعنيه هنا بالثقافة الجديدة في علاقتها بالشعب والأمة، هي الماركسية المتلحمة عضوياً بجمهور الشعب، حيث أن السؤال المطروح هو "كيف تصبح الماركسية، هي أرقى أشكال الثقافة المعاصرة، وعياً شعبياً أو ماركسية جماهيرية؟"(10).‏

وتتمثل تاريخية غرامشي في رؤيته للثقافة الجديدة المعاصرة، باعتبارها تعبيراً واعياً للتناقضات التاريخية للبنية الاجتماعية في البلاد المخصصة لعملية التغيير الثورية، من أنها لن تصبح مهيمنة، إلا عبر كسرها للوحدة الثقافية القائمة على الايديولوجيات التقليدية المسيطرة، ومجابهتها تصلب وتحجر الثقافة الشعبية المطروحة للهيمنة. والحال هذه، فإن اختراق الطبقة العاملة هذه الهيمنة، وانتزاع السيطرة الايديولوجية، والثقافية، من الطبقة المسيطرة ايديولوجيا، وسياسياً، واقتصادياً، وفرض هيمنتها في اللحظة التاريخية، التي تبلور فيها ثقافتها الجديدة، وتصورها للعالم والحياة، عبر خلقها تراكيب ايديولوجية جديدة، لا يتحدد داخل الميدان الايديولوجي والثقافي على الرغم من أهميته، بل بالفعل التاريخي داخل الحقل السياسي للصراع الطبقي، وبفعل الممارسة السياسية الثورية لهذا الصراع. وهذا لن يتم تحقيقه إلا على أكتاف "الرجل الجمعي"، أي الحزب المهيمن "كمثقف جمعي" أولاً، وبواسطة توافر خاصية الانتاج الاجتماعي للبنية الايديولوجية، وعدم اكتمالها، ثانياً. لأن "انفتاح البنية هذا، وعدم تبلور عناصرها تراه شرطاً أساسياً لحدوث الهيمنة، وليس ذلك وقفاً على النظام الثقافي الخاضع للهيمنة أو المستهدف، بل ينطبق أيضاً على النظام الساعي لها، وعليه لا يجب النظر إلى البنية الايديولوجية للطبقة العاملة باعتبارها بنية مغلقة مكتملة العناصر، وإلا فلن تستطيع التمفصل مع العناصر المتقدمة في الثقافة الشعبية، التي هي بطبيعتها مفتوحة للهيمنة سواء أمام الايديولوجيا الماركسية أو ايديولوجيا الطبقة المسيطرة، وربما يفسر ذلك نجاح بعض النظم البرجوازية الشعبوية في العالم الثالث في التمفصل مع الفكريات الشعبية في بلدانها، والهيمنة عليها. فكانت الايديولوجية الناصرية مهيمنة بالفعل في مصر، ولم يكن لجوء النظام الناصري للعنف موجهاً إلا للقيادات السياسية المعارضة في حين كانت الجماهير منضوية تماماً تحت ايديولوجيته، التي التقت بالعديد من العناصر الثقافية لدى الشرائح البرجوازية الصغيرة والفلاحية، وحتى بعض قطاعات الطبقة العاملة، الأنكى هو تمكن الايديولوجية الناصرية من الهيمنة على فكر منظمات ماركسية واستيعاب كثير من قياداتها(11).‏

إن فيما وراء الهوس "الشخصي" لغرامشي من الثقافة الشعبية يعود إلى المشروع السياسي والثقافي النهضوي، الذي يحمله، وهو بكل تأكيد المشروع الحالم المتجه نحو المستقبل بطبيعته، القائم على ضرورة خلق ثقافة جديدة، وفلسفة جديدة، في إطار الصراع من أجل الهيمنة، ولكن هذا المشروع لا يتنكر للماضي، بل إنه يدعو إلى اعداد فلسفة أصيلة للجماهير، وهذا يتطلب الانطلاق من تحليل نقدي لفلسفة الثقافة الشعبية القديمة للجماهير، حيث الفولكلور إحدى صورها التي لا تحصى. وهذا النقد للماضي القريب يشكل نقطة الارتكاز من أجل توظيفه لمصلحة بلورة الثقافة الجديدة، التي تتخطى جدلياً في الزمان والمكان رسوخ معتقدات "الحس العام"، أو فولكلور الفلسفة، أي لمصلحة المشروع الثوري المستقبلي للطبقة العاملة، وحلفاءها الممكنين في المجتمع، الذي يدخل في قلب عملية الهيمنة على الثقافة الشعبية، لغزو فضاءات المجتمع المدني الحاضرة، وبناء المستقبل على أساس التصور الجديد للعالم والحياة.‏

من هنا نتفهم موقف غرامشي الداعي إلى دراسة الثقافة الشعبية دراسة نقدية، لكي لا تصبح منافسة ومعرقلة للثقافة الجديدة، لأن المضمون الايديولوجي للفلولكلور يظل كما هو عليه على مر الحقب الزمنية والتاريخية الطويلة، حتى وإن كان الأساس الطبقي الاجتماعي والتاريخي، الذي أنتجه، قد تغير. يقول غرامشي في هذا الموضوع "لا يجب التعامل مع الفولكلور كطرفه أوكأمر غريب مثير للعجب فهو شيء جاد جداً ويجب التعامل معه بجدية، إنه تصور للعالم والحياة، وهو خاص ببعض الفئات الاجتماعية (محددة بالمكان والزمان)، أي أنه خاص بـ(الشعب) من حيث هو (مجموع الطبقات الخاضعة). والفولكلور متعدد وشديد التنوع يقف في "تعارض وتنافض" و"معارضة" وضد التصورات الرسمية في العالم، وضد تصورات (الفئات المتعلمة في المجتمع) و"الطبقات الحاكمة" وضد الدولة، أي أن الفولكلور يتناقض مع (المجتمع الرسمي) بشكل عام. ومن هنا يمكن فهم الفولكلور كانعكاس لشروط حياة الشعب الثقافية"(12). إن ميكانيزم العودة إلى دراسة الفولكلور من جانب غرامشي ما كان ممكناً لو لم يكن غرامشي نفسه واعياً جيداً بأن الثقافة الشعبية تشكل تهديداً حقيقياً للمجتمع الرسمي، أي للدولة، خصوصاً عندما تمارس هذه الأخيرة كممثلة للطبقة السائدة تحدياً سافراً للشعب، لمقومات وجوده وشخصيته، الأمر الذي يدفعه إلى الاحتماء بالثقافة الشعبية، للدفاع عن نفسه بواسطتها ضد هذا العدو الطبقي، أو ضد الغزو الثقافي الخارجي. فالثقافة الشعبية تبدأ في التاريخ، مع الانتقال إلى المجتمع الطبقي، ثم مع ظهور الدولة باعتبارها الأداة الطبقية المسيطرة، ومن حيث هي النتاجات الاجتماعية، والفكرية، والثقافية والروحية، والمرتبطة بالضرورة التاريخية في تطورها اللاحق، بالشروط المادية والتاريخية، التي تحدد بنية علاقات الانتاج في المجتمع، حيث أن الشكل التاريخي الذي تأخذه هذه الثقافة الشعبية في مجتمع معين، هو الشكل التاريخي الذي تحدده لها طبيعة البنية الطبقية الخاصة بهذا المجتمع. من هنا فان الثقافة الشعبية وظيفة اجتماعية وطبقية، يتطلب فهمها واستيعابها من أجل كشف عناصر التغيير الثوري الملازمة لها، فضلاً عن أن نجاح المشروع السياسي النهضوي للطبقة العاملة، القائم على نقض التأخر التاريخي، الذي هو عليه المجتمع، يتطلب المعرفة والدراسة النقدية والعقلانية للثقافة الشعبية، لأنهما يشكلان مفتاحاً حاسماً ومهماً في معرفة الشعب، والتعرف عليه، ولأن كل وضع تاريخي جديد، وبالضرورة سيعمل على خلق ثقافة جديدة ملازمةله، وبذلك تصبح الثقافة تاريخاً بالنسبة للعشب، وتوحد هويتها معه، في إطار تحقيق الوحدة الايديولوجية مع الكتلة الاجتماعية، التي لا تتماسك ولا تكون واحدة إلا بفضل التحام المثقفين العضويين بالشعب والأمة.‏

على الرغم من أن غرامشي قد تكون فكرياً وثقافياً في مراحله الأولى تحت راية المثالية المحدثة حيث كان كروتشه يمثل هذه التاريخية التأملية، حيث "يصبح التاريخ تاريخاً صورياً، تاريخاً للمفاهيم وفي التحليل الأخير، تاريخاً لسيرة فكر كروتشه، أن "يصير إلى معناه الحقيقي كايديولوجيا مباشرة، مجرداً عن الألمعية المنسوبة إليه كتجل.. لفكر محايد وصاف قائم فوق بؤس وصدف العالم اليومي في تأمل محايد "(13)، إلا أن غرامشي جسد القطيعة الايبستمولوجية والمعرفية مع فلسفة كروتشه، الذي كان يمثل "البابا العلماني" لهيمنة البرجوازية كما انتقد بشدة المثقفين المثاليين، الذين فشلوا في عدم معرفتهم لكيفية خلق وحده ايديولوجية بين النخبة والجماهير. أي بين المثقفين والجماهير، فضلاً عن نقده للفصل بين المثقفين والجماهير، باعتباره السمة المميزة للتراث الثقافي الايطالي، حيث يقول غرامشي بأن المثقف الايطالي مرتبط بهيبوليتوس وبهنيبعل كارو.. أكثر من ارتباطه بفلاحي أبولياً أو صقليه. من المعروف في تاريخ الحضارة الرومانية عامة، وتاريخ الثقافة الايطالية بخاصة، أن المثقفين كانوا على الدوام مفصولين عن واقعهم الاجتماعي، وغير مرتبطين بالشعب، بل انهم مرتبطون "بتراث طبقة مهنية منغلقة Caste.. هذا التراث منغلق في الكتب ومجرد.. ولم يكونوا عنصراً عضوياً مرتبطاً بالشعب"(14).‏

لقد شكل هذا الوضع التاريخي، أبرز نقاط الضعف في التراث الثقافي الايطالي، الذي كان يفتقد إلى وجود ثقافة "قومية شعبية"، باعتبار أن "قومي" ليس مترادفاً مع مصطلح "شعبي" في ايطاليا، لأن المثقفين غير "قوميين" أي غير مرتبطين بالشعب، أي الأمة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، لأن هذا التراث الثقافي الايطالي نجده متجذراً تاريخياً في الوقت عينه في المؤسسات ما فوق القومية، كالامبراطوية والبابوية. وهذا ما أضفى صبغة محددة للواقع القومي الايطالي، من حيث تميزه بالتناقض الصارخ، بين التأخر التاريخي على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي للشعب، وبين التقدم التاريخي الهائل على الصعيدين الفني والثقافي، ويالهوه الساحقة التي تفصل بين الثقافة العالية لهؤلاء المثقفين المرتطبين بتقليد طائفي عن ثقافة الشعب، التي تسيطر عليها المعتقدات الدينية الغيبيه. وليس من شك أن هذا الواقع التاريخي قد كان له تأثيراته السلبيه على القضية القومية الايطالية، باعتبارها قضية أضحت مرتبطة بمعادلات الصراع الاقليمي والدولي وبمخططات القوى الخارجية، أكثر منها بديناميكية مقوماتها الذاتية، وفواعلها الداخلية المحركة لها.‏

وعلى نقيض هذا الفصل بين الثقافة العالية للمثقفين المفصولين عن الشعب، وبين الجماهير، "قامت قوة الديانات، وخصوصاً الديانة الكاثوليكية في الماضي والحاضر على شعورها القوى بضرورة الوحده في العقيدة عند الجمهور "الديني" كله، وعلى نضالها في سبيل الحيلولة دون انقطاع الطبقات المتفوقة فكرياً عن الطبقات الدنيا. وكانت الكنيسة الرومانية أعند ما يمكن أن تكون، في مكافحتها قيام ديانتين رسميتين، ديانة أهل الفكر وديانة "النفوس الساذجة". ولم يخل هذا الكفاح من مساوىء جسيمة طرأت على الكنيسة نفسها، لكن هذه المساوىء مرتبطة بسير التاريخ الذي يبدل كل المجتمع المدني، ويحتوي في جملته على نقد الديانات، وهذا يعلي شأن الاكليروس في قدرتهم على التنظيم الثقافي. وشأن الرابطة الفعلية الصحيحة، التي عرفت الكنيسة كيف تقيمها في فلكها بين أهل الفكر و"السذج"(15).‏

إن القضية الأساسية التي قامت بها طبقة الاكليروس، واليسوعيون، وأهل الفكر، والثقافة العالية، هو تحقيق التوازن بين أهل الفكر والجماهير، وبالتالي تحقيق الوحدة الايديولوجية، لهذه الكتلة الاجتماعية الكبيرة عبر الممارسة السياسية للكنيسة ولرجال الدين، التي هي في حقيقتها ممارسة دينية، تقوم على الخلط الفعلي بين الديني والسياسي، الذي له وظيفة ايديولوجية محددة، هو تسخير العامل الديني لخدمة السياسة، في سبيل أن تحافظ الكنيسة عبر اجتهادها لايجاد أطر ثقافية لاهوتية تهدف إلى تلبية مقتضيات العلم والفلسفة، وإلى تأبيد سيطرتها السياسية على هذه الجماهير الخامله والبسيطة، التي قلما تشعر بالتبدلات والتغيرات في سير حركة التاريخ. وهذا التوازن الهيمني، الذي يصنعه اليسوعيون، لا يكون إلا بهيمنة الكنيسة، لا لضرورة دينية أو لحكمه الهية، بل لضرورة طبقية، هي ضرورة طبقة الاكليروس والكنيسة في وجودها الطبقي، ولضرورة ايديولوجية، لابقاء هذه الجماهير تدور في فلكها طالما، إن البنية الثقافية الشعبية منفتحة لآليات الهيمنة، التي يمارسها النص الديني المؤسسي للكنيسة، ولزعماء الاكليروس واليسوعيين، الذين يقدمون تصوراً محدداً للعالم والحياة يتطلب من هذه الجماهير أن تعتنقه. وفي هذا السياق انتقد غرامشي في كتاب بوخارين حول المادية التاريخية، الكتاب الشعبي في علم الاجتماع الماركسي، منطلقه القائم على الافتراض الضمني، والذي يتمثل في أن المذاهب الفلسفية التقليدية الكبرى وديانة الطبقة العليا من الاكليروس، أي تصور أهل الفكر والثقافة العالية للعالم، تعارض اعداد فلسفة أصيله للجماهير الشعبية، بينما هي في واقعها التاريخي الفعلي، تمارس شكلاً تاريخياً محدداً من التأثير السياسي الخارجي، الذي فيه تمارس الكنيسة سيطرتها الطبقية. وكما يؤكد غرامشي "وفي الحق أن تلك المذاهب تجهلها الجماهير وليس لها أي تأثير مباشر في طريقة تفكيرهم وعملهم". وهذا يعني بوضوح منطقي وتاريخي، إن هذه المذاهب تمارس هيمنة سياسية خارجية، في علاقات توازنها الهيمني الذي تحدثنا عنه سابقاً. ويستطرد غرامشي قائلاً: "إن المذاهب تؤثر في الجماهير الشعبية من حيث هي قوة سياسية خارجية أو عنصر تماسك بين الطبقات الحاكمة، أي عنصر اخضاع لزعامة خارجية تضع حداً سلبياً للتفكير الأصيل عند الجماهير الشعبية، ولا يؤثر فيها تأثيراً ايجابياً مثل خميرة حيوية تحويلاً عنيفاً ما لدى الجماهير من تصور بدائي مشوش للعالم والحياة"(16).‏

إن رؤية غرامشي للثقافة الشعبية تؤطر منهجه التاريخي، وتحدد أفقه، وأبعاده، لأن المجال التاريخي للثقافة الشعبية، يتحدد بشيئين اثنين، هماً أولاً: الأبعاد الثقافية والسياسية والاجتماعية والايديولوجية، لهذه الثقافة الشعبية، التي تضم مختلف الاتجاهات، والفروق، وتعدد المنازع للعناصر المكونة من الحس العام، والفولكلور كتعبير عن تطلعات الشعب وفلسفته، والتدين الشعبي الخ.. ثانياً: المضمون الايديولوجي لهذه الثقافة الشعبية، أي الوظيفة الايديولوجية السياسية والاجتماعية، التي تعطيها الطبقة المسيطرة، أو أهل الفكر والثقافة العالية لهذه المادة المعرفية، في إطار الصراع من أجل الهيمنة على الجماهير الشعبية.‏

من نافل القول، إن غرامشي يعتبر الثقافة الشعبية، مكوناً أساساً من مكونات شخصية الشعب، أي الأمة، ولذا فهو لا يدعو إلى القطيعة المعرفية مع هذه الثقافة الشعبية، والتنكر لها، والقائها في متاحف التاريخ، بل إنه في تناوله لها، من منطلق النقد العقلي الفعلي، ومن موقع الفعل السياسي والتاريخي، عمل على أحداث قطيعة ايبستيمولوجيه مع بنية عقل المثقفين الايطاليين المفصولين عن الشعب، والذين كانت لهم تاريخياً، صفة العالمية أكثر من صفة القومية، فضلاً عن كونهم كانوا موظفين في خدمة العالم الكاثوليكي، وأوروبا المسيحية، إنها نقطة التميز في منهج غرامشي.‏

ولهذا، فإنه في معرض نقده لكتاب بوخارين، الآنف الذكر، وبخاصة فيما يتعلق بتأثير المذاهب الفلسفية التقليدية الكبرى وديانة الطبقة العليا من الاكليروس على الجماهير الشعبية، يميز بين نمطين من الهيمنة. الأولى، الهيمنة السياسية الخارجية، التي تمارسها هذه المذاهب على الجماهير الشعبية، في سبيل اخضاعها سياسياً "لزعامة تاريخية" أي الكنيسة الكاثوليكية، أي البابوية، الامبراطورية، والطبقات المسيطرة، نظراً لأن النشاط الفكري والايديولوجي لهؤلاء المثقفين الكوزموبوليتين "غير" الشعبيين" وحاملي هذا المذاهب، لم يكن مرتبطاً بحل المشاكل السياسية لهذه الجماهير الشعبية. ومن هذا المنطلق لم يكن لديهم هيمنة ايديولجية مباشرة، قادرة أن تؤثر في طريقة وتفكير الجماهير الشعبية. ولهذا السبب شكلت هذه الهيمنة السياسية الخارجية حاجزاً رئيساً، وقيوداً آتيه من الخارج وفي وجه هذه الجماهير الشعبية، تحول دون استعادة وعيها بالجوانب المشرقه، والعقلانية، والأصيلة، في ثقافتها الشعبية، لكي لا توظفها توظيفاً جديداً في بلورة الاصلاح الفكري والثقافي، وبالتالي من أجل بلورة تصور جديد للعالم والحياة، ومحاربة العجز والشلل والنزعة التواكليه. أما الهيمنة الايجابية "التي لم يشر غرامشي إلى طبيعتها وآلياتها فهي تقع أكثر من احتمال حسب القوى الساعية للهيمنة كما تأخذ أكثر من شكل: أ- تفعيل العناصر السلبية والرجعية في الفكريات الشعبية بالتمفصل معها. ب- تحجيم العناصر التقدمية والايجابية. ج- تصدير مقولات متخاذلة إلى الخطاب الشعبي.‏

2- طبقات مهيمنة بديل (تقدميه). أ- تفعيل العناصر الايجابية. ب- تحجيم العناصر السلبية والرجعية. ج- تصدير مقولات نضاليه إلى الخطاب الشعبي.‏

وإذا ما أخذنا بالتراتبية التي يشير إليها غرامشي مراراً في تصنيفه لأنماط رؤية العالم لدى الطبقات الاجتماعية، والتي تقع أدناها قريباً من البنية التحتيه، وفي حين يزداد التعقيد كلما اتجهنا صعوداً حتى نصل إلى الثقافة العالية والفلسفة والتخصص العلمي، إذا أخذنا بتلك التراتبية فان الفولكلور أو الثقافة الشعبية تصبح من أكثر تلك الأنماط تأثراً بالتحولات المباشرة في البنية الاقتصادية وعلاقات الانتاج، لا يعني ذلك أن مرونتها وتحولاتها أعلى، لكنها تغذى عناصر براجماتية وطبيعانية موجودة لديها بالفعل. وهذا يعني انفتاحها الداخلي وليس كما يرى كثير من الباحثين إنها تتسم بالثبات والاستاتيكية، إنها لا تصبح بنية مغلقة، وبقدر من الدراسة العلمية لعناصرها التي تتضخم يمكنها أن تصبح دالة في التغير الاجتماعي والاقتصادي"(17).‏

إن السياسة الثقافية، باعتبارها محوراً أساسياً في استراتيجية الصراع من أجل الهيمنة بالنسبة للطبقة العاملة تتطلب القراءة المتواصلة والمتجددة لتاريخ الثقافة الشعبية الخاص، تاريخها المعرفي والميتافيزيقي، باعتبارها تعكس ألام ومشاكل، وتناقضات وصراعات، مجتمعها، وعصرها، وتحمل في الوقت عينه آماله، وأحلامه، وبالتالي ضمير الشعب، بهدف البحث الكشف عن العناصر الايجابية، والمحرزات التقدمية، في سبيل توظيفها توظيفاً أصيلاً من جانب المثقفين العضويين، والحزب، أي الأمير الحديث، لبلورة ثقافة جديدة تساعد الطبقة العاملة على تحقيق هيمنتها، في المجالات الثقافية والسياسية، قبل وصولها إلى السلطة. في القراءة النقدية للثقافة الشعبية، يجب التسلح بالرؤية التاريخية الواعية، التي تقر بأن لا قراءة للثقافة الشعبية سواء في ماضيها أو حاضرها، بدون وضعها في اطارها الحقيقي التاريخي، أي إطار الصراع الطبقي السياسي، في ارتباطه الصميمي بموازين القوى السياسية المؤثره فيه، وبالحضور السياسي الفعال في حركته، ومجراه، للطبقات الشعبية، التي تجسد استقلالها السياسي والتاريخي في إطار حزبها الجديد، أي الأمير الحديث.‏

"فوفقاً لأفكار غرامشي تتحول الثقافة الشعبية إلى الأدب القومي- الشعبي عن طريق الحزب الجديد، وفي فترة انحلال الحزب وتخطيه تخضع تلك الثقافة الشعبية إلى ثقل عناصر سياسية تجارية، وتتحول إلى الثقافة الجماهيرية، بالمعنى المبتذل، لتكون امتداداً للثقافة المسيطرة"(18).‏



هوامش الفصل الرابع:‏

(1)- الأمير الحديث، ترجمة زاهي شرفان- قيس الشامي، دار الطليعة، الطبعة الأولى نيسان 1970، (ص160).‏

(2)- جون كاميت- غرامشي وحياته وأعماله- ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث‏

العربية، الطبعة الأولى 1984، (ص165).‏

(3)-‏

Thesis 9, Alatri, L`anti fascismo, (P421).‏

(4)- الأمير الحديث- مصدر سابق (ص162).‏

(5)- فيصل دراج. مقال غرامشي والبحث عن سؤال الثقافة نشر في مجلة النهج العدد 19، العام 1988، (ص128- 129).‏

(6)- المصدر السابق (ص123).‏

(7)- غرامشي وقضايا المجتمع المدني- ندوة القاهرة- 1990.‏

مؤسسة عيبال للدراسات والنشر- الطبعة الأولى 1991.‏

بحث عصام فوزي- آليات الهيمنة والمقاومة في الخطاب الشعبي- (ص243).‏

(8)- جاك تكسيه غرامشي، دراسة ومختارات، ترجمه ميخائيل ابراهيم مخول، مراجعة د. جميل صليبا منشورات وزارة الثقافة دمشق 1972، (ص146).‏

(9)- المصدر السابق (ص148).‏

(10)- فيصل دراج مصدر سابق (ص122).‏

(11)- غرامشي وقضايا المجتمع المدني- مصدر سابق (ص248).‏

(12)-‏

ANTONIO Gramsci Cahiers de prison Gallimard, 1983 (PP334- 355).‏

(13)- الأمير الحديث مصدر سابق (ص166- 167).‏

(14)- المصدر السابق (ص168- 169).‏

(15)- جاك تكسيه مصدر سابق (ص155).‏

(16)- المصدر السابق (ص146).‏

(17)- غرامشي وقضايا المجتمع المدني- مصدر سابق (ص149- 250).‏

(18)- المصدر السابق (ص219).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 08:57 PM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الخامس




من هو المثقف؟ إن غرامشي لا ينطلق من تعريف المثقف، من التصنيفات والمراتب التي تحددها الرؤيه الأكاديمية الصرفه، والسوسيولوجيه للمثقفين، والتي تعتمد على معايير التخصص الدقيق والتقنيه في التعليم، والمهنه ووظيفتها التكنوقراطية والبيروقراطية، ومستوى المعيشة، ونمط الاستهلاك، وأسلوب الحياة، وعلى معايير سياسية، ونظرة ايديولوجية وثقافية، في إطار تعدد مستويات الانتساب، التي نجدها عند المثقفين، في المجالات المتعددة الاقتصادية والبحث العلمي والتقني، والتعليم والسياسية، والايديولوجيا والثقافة، ضمن إطار التقسيم الاجتماعي السائد. غير أن غرامشي في تحديده لمفهوم المثقف نجده يتخطى جدلياً وتاريخياً المفهوم، الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر الأوروبي، والذي يتسم بالتمييز بين العمل الفكري والذهني، والعمل اليدوي والساعد، بتوجيه "ضربه قاضيه للأفكار المسبقه حول المثقفين بوصفهم طبقة وراثية مغلقه"، حين قال أن كل البشر مثقفون، مستدركاً في الوقت عينه، "ولكن ليس لكل البشر وظيفة المثقفين في المجتمع". والحال هذه، فهو يعتبر كل إنسان يمارس مهنة، وحتى خارج مجال مهنته، إنسان "يمارس نوعاً ما من النشاط الثقافي، أي أنه "فيلسوف" فنان، إنسان متذوق، يشارك في تصوره عن العالم، لديه خط واع لمسلك أخلاقي، ومن ثم فإنه يسهم في دعم أو تعديل تصور ما عن العالم، أي يثير سبلاً جديدة في التفكير"(1).‏

إذن فتحليل غرامشي لمفهوم المثقف، مثلما هو تصنيفه للمثقفين، ينطلق من مقولة النقض الثوري لكل فراق بين العمل الذهني والفكري، والعمل اليدوي، لأن في نظره "أي عمل عضلي، حتى في شكله الأكثر ميكانيكية وابتذالاً، يوجد قدر، ولو بسيط، من التأهيل التقني، أي فاعلية ذهنية مبدعه"(2).‏

ويرتبط تعريف المثقف عند غرامشي، بالرؤيه الماركسية في كليتها، والتي ترى في انقسام الناس إلى طبقات اجتماعية، حيث تكون الطبقات في كل منها أصيله ومختلفة من حيث مكانها في الانتاج، الذي يفرز بالضرورة التاريخية وجود طبقات، بعضها تكون مسيطرة وأخرى مضطهدة، ووضعها المشروط بعلاقتها المختلفة بوسائل الانتاج، باعتبارهما سمتين رئيسيتين تحددان المقياس الرئيس للفوارق الطبقية، وبالتالي لانقسام الناس إلى طبقات متناقضة في مصالحها وأهدافها وتصورها للعالم والحياة. فإذا حللنا البنية الطبقية في المجتمع الرأسمالي، فإنه يتكون من طبقة الرأسماليين، وطبقة العمال، والبرجوازية المتوسطة في المجتمع الرأسمالي، فإنه يتكون من طبقة الرأسماليين، وطبقة العمال، والبرجوازية المتوسطة والصغيرة، فضلاً عن ثمة فئة كبيرة من المثقفين العاملين فكرياً، المهندسين، والأطباء، والأساتذة، والمعلمين، ورجال الأدب والفن- ليست مالكة لوسائل الانتاج، ولا منتجة للخيرات المادية، ولكنها تقدم أهداف الانتاج، والمجتمع، والطبقة المسيطرة. ولهذا فهي تمثل فئة اجتماعية لا طبقة اجتماعية. ثم إن النشاط الثقافي لهذه الفئة ضروري لنشاط الناس في شتى مجالات الحياة الاجتماعية، كما أنه يلعب دوراً مهماً في تطور المجتمع. ولما كان المجتمع منقسماً إلى طبقات، فإن كل طبقة تفرز مثقفيها، الذين يعبرون مباشرة عن مصالح الطبقة التي ينتمون إليها. إذ أن ما يحدد دور كل ثقافة في المجتمع، هو عن أية مصالح طبقية تعبر هذه الثقافة فإذا كانت الثقافة محافظة- رجعية، فهي تعكس مصالح الطبقات الرجعية في عصر ما، وتكون عقبة حقيقية في سير تطور المجتمع. وإذا كانت الثقافة تقدمية وثورية، فهي تعبر عن مصالح الطبقات والفئات الاجتماعية التقدمية والثورية، في هذا العصر التاريخي، وبالتالي فهي تسهم اسهاماً حقيقياً في دفع عجلة تطور وتقدم المجتمع إلى الأمام.‏

وهكذا فإن تحديد غرامشي لمفهوم المثقف، انطلاقاً من الرؤية الماركسية، باعتبارها تشكل نقطة التحول في اتجاه هذا التحديد، يقوم على أداء المثقف للوظيفة الاجتماعية ضمن خصوصية الواقع الاجتماعي في مرحلة تاريخية معينة، وعلى المكان الذي يحتله المثقفون في بنية المجتمع. إذ أنه ليس هناك طبقة مستقله من المثقفين، بل "تخلق كل طبقة اجتماعية، معها، وبشكل عضوي، زمرة أو مجموعة من زمر المثقفين، التي تعطي لهذه الطبقة تجانسها والوعي بوظيفتها الخاصة بها، وليس فقط في الميدان الاقتصادي، ولكن في الميدان الاجتماعي والسياسي أيضاً"(3).‏

وعن هذا ينتج أن تحديد مفهوم المثقف مرتبط مباشرة، بالطبقة التي ينتمي إليها، غير أن غرامشي يذهب إلى أبعد من ذلك حين يميز بين نمطين من المثقفين. فهو يعتبر المثقفين العضويين، أولئك الذين يمثلون عاده "اختصاصات نواح جزئيه من النشاط البدائي للنوع الاجتماعي الجديد، الذي تولد عن الطبقة الجديدة". والمثقفون العضويون يؤدون وظائف تنظيمية ليس في المجال الثقافي فحسب بل وفي المجال الاداري والسياسي، وفي مجال الانتاج أيضاً، نظراً لعلاقاتهم بعالم الانتاج التي "ليست مباشرة كما في حال الطبقات الاجتماعية بل هي "متوسطة"بدرجات مختلفة من قبل التركيبة الاجتماعية بأسرها، وتعقيد البنى الفوقية. والمثقفون موظفون لدى هذه التركيبه وهذه البنى". أما النمط الثاني من المثقفين، فهم التقليديون الذين يمثلون فئة من المثقفين الموجودين مسبقاً، والذين يستمرون في الوجود تاريخياً، على الرغم من حدوث الانقلاب الثوري والجذري في نمط الانتاج المعين، بمرحله تاريخية معينة، غير أنهم لا تربطهم علاقة مباشرة مع الطبقة الثورية الصاعدة الجديدة، الحاملة في سيرورتها الطبقية نظام الانتاج الجديد، والتي تسعى إلى فرض هيمنتها السياسية والتاريخية على المجتمع، بل إن علاقتهم العضوية تنتمي إلى الطبقة القديمة، التي اندثرت من على مسرح التاريخ، والتي كانت تمثل نظام الانتاج القديم. لنأخذ على سبيل المثال، كان أهل الفكر والثقافة العاليه من رجال الكنيسة واليسوعيين يمثلون المثقفين العضويين بالنسبه لطبقة الارستقراطية العقارية والنبلاء، في بنية النظام القديم الاقطاعية السائدة، أما مع اندلاع الثورة البرجوازية، وصعود الطبقة البرجوازية كطبقة مهيمنة نقيص الطبقة الارستقراطية، تحول هؤلاء المثقفين، الذين كانوا عضويين حين كانت هذه الأخيرة مهيمنة، إلى مثقفين تقليديين، حيث عملت الطبقة البرجوازية على كسبهم في إطار النظام الجديد. يقول غرامشي في هذا الموضوع، إن "كل مجموعة اجتماعية "جوهرية" تنبثق على سطح التاريخ، من بنية اقتصادية سابقة، كتعبير عن تطور هذه البنية نجد وكما حصل في التاريخ حتى يومنا هذا مجموعات من المثقفين الذين قبلها، والذين يظهرون كممثلي الاستمرارية التاريخية الغير متقطعة بأي تغييرات وإن كانت معقدة وجذرية، في الأشكال السياسية والاجتماعية"(4).‏

وانطلاقاً من هذه الرؤية، فان المثقفين التقليديين يشعرون بأنهم "مستقلون ومتحررون عن الفئة الاجتماعية المسيطرة". أما المثقفون العضويون، فهم فئة مديري المؤسسات وكبار الموظفين، والاختصاصيون التكنيكيون والمهندسون، والمستخدمون، التي تحتل أهمية اجتماعية وسياسية في التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الرأسمالية. لأن الوظائف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي يقوم بها هؤلاء المثقفون العضويون، في ارتباطهم بأجهزة الدولة الحديثة التكنوقراطية، والمهنية، والبيروقراطية المدنية والعسكرية العليا، وفي المواقع التي يسيطرون بواسطتها في مراكز القرارات الاقتصادية والسياسية، وأنماط التحكم في الفائض الاقتصادي، وعلاقات السوق، هذه الوظائف مجتمعة، تؤلف جزءاً مهماً في بنية الانتاج والاقتصاد الرأسماليين بموجب ما تقتضيه مقومات الهيمنة للطبقة البرجوازية، التي تسيطر على ملكية وسائل الانتاج، والتي تلعب دوراً مهيمناً في التنظيم والتوزيع الاقتصاديين للفائض الاقتصادي، والتي تمارس هيمنتها الفكرية، والايديولوجية، والثقافية على نطاق كل المجتمع، فضلاً عن دورها المهيمن في صنع القرار السياسي بواسطة جهاز الدولة.‏

إذاً، المثقفون العضويون هم على علاقة أكثر مباشرة بأجهزة الدولة، وبالطبقة الاجتماعية المهيمنة، وبالبنية الاقتصادية الخاصة بمجتمعهم، "ويعطي المثقف العضوي طبقته انسجاماً وادراكاً لوظيفتها سواء في الحقل الاقتصادي، أم على المستويين الاجتماعي والسياسي.‏

فالمبادر الرأسمالي يدفع إلى الأمام المدير الصناعي والعالم السياسي والمبدع الثقافي وقانوناً جديداً.. وهكذا"(5).‏

إن المثقفين العضويين، في إطار وظيفتهم، التي هي "التنظيم والتوجيه، أي أنها تربويه، وهذا يعني فكرية"، يقومون بدور توسيط الهيمنة السياسية والثقافية، لمصلحة الطبقة المسيطرة على المجتمع برمته، ضمن اختصاصاتهم المتعددة والمتنوعة، سواء بتنظيم الصناعة وتنظيم الاقتصاد لمصلحة ا لرأسماليين، أم في الدعاية الايديولوجية، وتوسيط الوحدة الايديولوجية لبنية الطبقة المسيطرة، باعتبار أن هؤلاء المثقفين العضويين "موظفي ايديولوجيا" يبررون شرعية هيمنتها، ويدعمون نفوذها الفعلي، من خلال صياغة جملة التصورات، والمواقف والممارسات الايديولوجية، بشكل متجانس، للعالم والحياة لهذه الطبقة المسيطرة المعنية، بهدف توسيط تصورها ورؤيتها، ووعيها في المجتمع الرأسمالي، وترسيخه أيضاً في واقع الجماهير ووعيها، وفي سبيل خلق الشروط المناسبة لتوسيع دائرة الهيمنة السياسية بالنسبة للطبقة المسيطرة على السلطة، وبالتالي على أجهزة الدولة، بواسطة المجتمع المدني، ومؤسساته العامة والخاصة، وتكويناته السياسية والنقابية المختلفة، والتي تشكل جهاز هيمنة لهذه الطبقة المسيطرة على باقي الجماهير الشعبية، عن طريق الموافقة، وكذلك أيضاً بواسطة المجتمع السياسي أي ديكتاتورية جهاز الدولة القمعي، الذي يهدف إلى اخضاع المجتمع ككل للهيمنة السياسية لهذه الطبقة الاجتماعية البرجوازية المعنية، وبالتالي لتكييف واقع الجماهير الشعبية مع نوع هذه الهيمنة السياسية في مرحلة تاريخية معينة، حيث تكون هذه الهيمنة بالاكراه، أي بالقمع. علماً بأن هذه الهيمنة السياسية يحكمها توازن هيمني يتصف "بمزيج من القوة على أنها تستعمل بموافقة الأكثرية، كما تعبر عنها أجهزة الرأي العام المزعومه- الصحف والاتحادات الأخرى والتي تضاعف اصطناعياً لهذا الهدف".‏

ولما كان المثقفون العضويون يمثلون عناصر متخصصه في تبرير شرعية الهيمنة، وبالتالي في اضفاء شرعية مطلقة على النظام الاجتماعي- الاقتصادي والسياسي، باعتبارهم وكلاء أجهزة الدولة، فإن الدولة الرأسمالية، التي تحتكر العمل الذهني داخل مؤسساتها المختلفة، تعمل على دمج هؤلاء المثقفين العضويين، واعدادهم واحتكارهم، وتوظيفهم في البنى الفوقية لهذه الدولة الرأسمالية، حيث أن هذه البنى الفوقية أصبحت واقعاً فعالاً، وعاملاً، متطابقاً مع مصالح الطبقة المسيطرة. "وللدولة الرأسمالية علاقة خاصة بالعمل الذهني، فكما أنها تصدر خطابات خارجية وتبث رسالات ايديولوجية لتسيير وضبط المجتمع فإنها تحوي بداخلها بنية للقول الداخلي والذي يمكن أن نعده بمثابة خطاباً مستوراً وموثقاً لحفظ البنية المؤسسية وتنظيم الأفراد العاملين بداخلها بهدف انتاج رسالات وممارسات خارجية تحفظ كدولة طبقية هيمنتها. ويندرج الأفراد العاملون داخل الدولة والمؤسسات ضمن هذه البنية الضابطة مع اختلاف تصوراتهم الاجتماعية ومحتوياتهم الذهنية، ويبدون "كمثقفين عضويين". ويبدو وكأن خطاب الدولة الخارجي صادر عنهم كذوات حرة. ومن هنا فإننا نرى أن عضوية هذه الذوات الاجتماعية محكومة بأولية العلاقات المؤسساتية حيال الوعي الفردي، وباعتبار أنهم دعائم لعلاقات مؤسسية تنظم الهيمنة وتحتكر العمل الذهني بغية توظيفه واصدار الخطاب البرجوازي الواعي"(6).‏

ليس من شك أن للمثقفين العضويين سلطة كبيرة جداً عند الشعب، لما يمتلكونه من عنصر السلطة، وعنصر التنظيم لها، في عملية الهيمنة هذه، على الرغم من توزع سلطتهم. ويعود هذا إلى العلاقة العضوية، التي تربطهم بجهاز الدولة، وبالطبقة الاجتماعية، التي ينتمون إليها، بشكل من الاستقلال الذاتي. غير أن المثقفين العضويين يمتلكون معرفه ثقافية موسوعية، بحكم أن مجال عملهم الفكري والذهني هو مجال الثقافة، التي تشمل أيضاً مجالات أخرى تربطها علاقات معقدة ومتشابكه، تؤثر في بعضها البعض، مثل مجال السياسة والايديولوجيا، ومجال البحث العلمي والتكنولوجي والاقتصاد، ومجال الاقتصاد والايديولوجيا والسياسة، الخ.. وفضلاً عن ذلك فإن هؤلاء المثقفين العضويين يرتبطون في الوقت عينه بنشاط الناس الانتاجي والاجتماعي اليومي، وبفروع تخصصاتهم الآنفة الذكر، وهم بذلك يلعبون "دور الرابط بين ممارسات الناس اليومية وبين ما تنتجه هذه الاختصاصات المذكورة من معارف وعمل"(7).‏

ومن هذا المنظور، فإن سمات الموسوعية، والنظرة الكونيه، والتمايز، والموضوعية، التي يتسم بها المثقفين العضويين تجعلهم يتسلحون دائماً بسلاح النقد الذاتي للطبقة، التي ينتمون إليها، ويتخذون منها مواقف نقديه انطلاقاً، من ممارساتها اليومية السياسية والاجتماعية، ومما تفرزه اختصاصاتهم المتعددة، التي تتدخل بشكل قوي في مختلف مجالات حياة الناس اليومية. فهذا الحضور النقدي، وكذلك استقلالية العمل الثقافي، يجعلان من المثقفين العضويين المرتبطين عضوياً بالطبقة المعنية، وبالتالي بجهاز الدولة المدافع عن هذه الطبقة، فئة اجتماعية غير خاضعة، بل رافضة لكل أنواع القبول والامتثال والخنوع الأعمى، سواء كانت طبقية أو جهازية. فالعلاقة العضوية، لا تعني الانصياع والامتثال لكل شروطها، خصوصاً حين تصبح هذه العضوية متناقضة جذرياً مع قضايا طبقية وقومية، واجتماعية، وسياسية، وانسانية عادلة. فالمثقفون العضويون متقدمون بوعيهم وبثقافتهم عن طبقتهم، وهذا ما يجعلهم يتخذون مواقف متغيرة ومتحولة باستمرار، وحتى متمردة على طبقتهم، والجهاز، الذي تربطهم به علاقة عضوية، خصوصاً وأن خاصية العلاقة العضوية مع الجهاز تفترض منطق الخضوع الأعمى والامتثال، والثبات في الموقف، وهذه أمور يرفضها المثقفون العضويون، لأنهم يهربون من كل ثبات، ومن التوجه الوحيد الجانب "ويعتبرون أن التناقض هو قانون ومولد لحركتهم، "فكل موقف ثابت ونهائي يقتل الحركة "لذلك فهم لا يشعرون بالراحة وسط الأجهزة لأن كل جهاز يتطلب ثباتاً ونظرة واحدة".‏

من المنطقي والتاريخي، أن تبرز أزمة بين المثقفين العضويين والطبقة، التي ينتمون إليها، وقد تقود هذه الأزمة إلى أبعادهم عن طبقتهم في شروط سياسية وتاريخية معينة، مثلما يمكن أن تشكل قاعدة جديدة للاقتراب من طبقتهم بصورة عضوية أكثر وثوقاً، "ومع هذا فإن الابتعاد كما الاقتراب، في شروط الأزمة العضوية، يأخذ أشكالاً مختلفة، منها القطع النهائي مع الطبقة، وإنهاء الرابطة العضوية فيها. ينتج عن ذلك: أن ابتعاد المثقفين العضويين عن الطبقة التي ينتمون إليها تعبير سافر عن أزمة عضوية شاملة تعيشها هذه الطبقة. وفي شروط كهذه قد يلعب المثقف الوعي الذاتي النقدي للطبقة، وقد يصل أيضاً إلى حدود التفكك، أي فقدان الانتماء الطبقي"(8).‏

إن ظاهرة المثقفين العضويين حديثه ومعاصرة، انبثقت للوجود مع بروز المجتمع البرجوازي الحديث والمعاصر، الذي يتميز بخصائص التعقيد والتنوع في بناه الفوقية والتحتية، وبوجود فضاءات حرة مستقلة، وبتقديس الاستقلال والحرية للذات الفرديه، ورفض الخضوع الأعمى والامتثال، وبانفصال الايديولوجيا عن الدولة، على نقيض المجتمع الاقطاعي القديم، أو مجتمعات الاشتراكية المشيدة قبل انهيارها، ومجتمعات عالم الجنوب، حيث تسيطر الايديولوجية بشكل مطلق على الدولة والمجتمع، في ظل وجود نظام شمولي يحتكر بشكل مطلق الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويصادر الكلمه الشعبية، والحرية والاستقلال للذات الفردية، ولا يفسح في المجال لظهور استقلالية نسبية للمثقفين، بل إنه يحتاج إلى المثقف الايديولوجي، الذي يجسد الامتثال والولاء المطلق للنظام، الذي يبث ثقافة التجهيل الثقافي، والاستبداد والفساد على نطاق كل المجتمع. وفضلاً عن ذلك البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذه المجتمعات لا يمكن لها أن تفرز ظاهرة المثقفين العضويين، لأن الدولة في هذه المجتمعات هي عبارة عن وحش كاسر، تعمل على تسييج، وتحطيم المجتمع المدني الوليد بالايديولوجيه الشموليه، وبتعميق الميول الديكتاتورية والاستبدادية في الوعي والمجتمع، والتدمير المنتظم والدائم للسياسة الثقافية الديمقراطية التي تشكل نسيج المجتمع المدني، والتي ينجم عنها انعدام التعايش والتفاهم والعمل المشترك بين الأفراد والجمعات المكونه لهذا المجتمع المدني.‏

وهكذا فإن الطبقة الصاعدة الجديدة، التي تمثل الطبقة الثورية والنقيض، تفرز بالضرورة مثقفيها العضويين، ولما كانت قضيتها المركزية هي انتهاج استراتيجية ضرورية لتحقيق هيمنتها داخل فضاءات المجتمع المدني، فانها تفسح في المجال لامكانية التطور الحر والديمقراطي لسياسة ثقافية جديدة، والتحرر العقلي، حيث يلعب المثقفون العضويون دوراً طليعياً في هذا الاتجاه. وهذا النضال من جانب المثقفين العضويين تكون وظيفته تكون الاجماع السياسي، وتحقيق هيمنة هذه الطبقة الصاعدة، نظراً لتطابق مصالحهم مع مصالحها، وتحطيم الاحتكار الثقافي السابق، الذي كان عائقاً في عملية التحرر السياسي والاجتماعي، والذي كان يجسده المثقفون التقليديون المضادون لمصالح الطبقة الصاعدة. لهذا السبب، عملت الطبقة البرجوازية الصاعدة الباحثة عن توسع قاعدتها الهيمنية على نطاق المجتمع المدني على استعاب هؤلاء المثقفين التقليدين وكسبهم ايديولوجيا، وذلك بهدف توسيع السلطة الهيمنية على الطبقات التي كان ينتمي إليها عضوياً هؤلاء المثقفون، يعني بين أشياء أخرى، أنه ينبغي على البروليتاريا، بعد استلام السلطة، أن تستوعب مثقفي البرجوازية، الذين أصبحوا والحالة هذه مثقفين تقليديين"(9).‏

إذا انتقلنا من التصنيف الأفقي بين المثقفين التقليديين والمثقفين العضويين، الذي اعتمده غرامشي، ضمن ارتباطهم بوضعهم في حركة الصراع الطبقي، وبوظيفتهم المحددة التقنية والتوجيهية في المجتمع، من أجل تحقيق هيمنة الطبقة، التي تتطابق مصالحها مع مصالحهم، فان غرامشي نفسه ينتقل إلى دراسة واقع المثقف ضمن خصوصية الجغرافيا والأصول الطبقية، والعلاقة بين المدينة والريف، والشمال والجنوب، التي تتميز بها خصوصاً ايطاليا، كأساساً ثابتاً لتصنيف المثقفين، حيث أن دراسة وضع المثقف في تصور غرامشي هي "دراسة تاريخ المثقف الايطالي في علاقته بنشوء وتطور الرأسمالية الايطالية". إن قانون التطور اللامتكافىء الذي حكم تطور الرأسمالية في ايطاليا، أبرز اختلافاً بنيوياً في سياق تطورها بين الشمال الصناعي الرأسمالي المتطور، وبين الجنوب الفلاحي المتأخر تاريخياً، وينعكس في الوقت عينه على وجود فئتين من المثقفين مدنية وفلاحية. فالمثقف المدني المنحدر من الشمال جاء من بيئة اجتماعية اقتصادية متطورة صناعية، وبالتالي ترعرع في الصناعة وارتبط بصائرها، وأصبح يمثل نموذج المثقف العصري، الذي يتمثل في "نمط تقني المصنع الذي يربط بين الجماهير العماليه والطبقة الرأسمالية". فالمثقف المدني مرتبط بعملية الانتاج الرأسمالي، حيث أن برجوازية المدن الكبرى تنتج المثقفين التقنيين للصناعة الرأسمالية، "فلا يرى في الدولة كياناً متعالياً ومحايداً، بل يراها كعلاقة فاعلة، في الانتاج والاستغلال، الأمر الذي يمنعه دورالمنظم الايديولوجي للطبقات المسيطرة، بل إنه ينزع، في شروط محددة الالتحاق بالطبقة العاملة والدفاع عن قضيتها"(10)، وتبعاً لذلك يكون المثقفون المدنيون عضويين.‏

أما المثقفون الريفيون ومثقفو المحافظات، فإنهم عادة ما يكونون موظفي الدولة، وأعضاء المهن الحرة، باعتبارها حلم كل مثقف ريفي ايطالي، حيث أنه يعمل لاخضاع الجماهير الفلاحية لسلطة الدولة. ولكن غرامشي يقول أيضاً أن للمجتمع التقليدي لجنوب ايطاليا بعض مثقفيه العضويين من "أصحاب قبعة القش" ويقوم هؤلاء بدور الوسطاء بين الفلاحين من جهة، وملاك الأراضي والحكومة من جهة أخرى"(11).‏

غير أن الطبقة الفلاحية، لا تفرز بالضرورة المثقفين العضويين الخاصين بها، حتى إن وجد هؤلاء المثقفين، فإنه في الأعم الأغلب يكونون غير منسجمين مع الطبقة التي أفرزتهم، وفضلاً عن ذلك، فان المثقفين الريفيين، الذين يضعون في صلبهم القسم الأعظم من رجال الدين، "هم في الجانب الأكبر منهم "تقليديون" أي مرتبطون بالجماهير الاجتماعية الريفية وبالبرجوازية الصغيرة في المدن (وخاصة منها المراكز الصغرى) التي لم تتطور بعد، ولم يبدأ حركتها النظام الرأسمالي".‏

إن كل طبقة تاريخية جديدة، لابد لها أن تفرز مثقفيها العضويين الجدد، الذين يقومون بدورهم بخلق ثقافة جديدة لها، تمتلك تصوراً جديداً للعالم والحياة، والطبقة العاملة إذا تأصلت فيها هذه القناعة، ووعت ذاتها كطبقة عارفة وفاعلة، ومستقلة ذاتياً استقلالاً تاماً، لابد لها أن تطرح مسألة بناء حزبها لتنظيم نفسها، باعتباره يمثل مصالحها في ظل شروط معينة ورمزها في الوقت عينه، بشكل متواز مع مسألة غزوها فضاءات المجتمع المدني، وبالتالي غزو السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية بالتلازم مع غزو السلطة الثقافية.‏

ليس من شك أن غرامشي دأب على اعطاء أهمية كبيرة لقضية الحزب السياسي، ليس فيما يتعلق بحزب الطبقة العاملة فقط، وإنما للأحزاب في حياة الدول الرأسمالية الغربية، لأنه يعتبر الحزب أداة للتثقيف والتحضر، حين يقول "إذا كانت الدولة تشكل الذراع الاكراهي والعقابي للحكم الشرعي القانوني للبلد، فان الأحزاب، التي تمثل الانتماء العفوي لنخبه ما إلى ذلك الحكم (والمعتبر كتنظيم جماعي يجب أن تثقف كل الجماهير بموجبه)، عليها أن تظهر في حياتها الداخلية إنها قد تشربت القواعد التي هي في الدولة التزامات قانونية، على اعتبار أنها مبادىء للسلوك الأخلاقي والوجداني. وفي الأحزاب أصبحت الضرورة حرية، وهذا هو منطلق القيمة السياسية الكبرى.. للانضباط الحزبي الداخلي.. ومن وجهة النظر هذه يمكن اعتبار الأحزاب كمدارس لحياة الدولة"(12).‏

إن هذه الفقرة تكتسي أهميتها من علاقة الأحزاب ووظيفتها بالمؤسسات القانونية والسياسية والاجتماعية، التي تشكل البنية الفوقية في دولة ما. ومن هذا المنظور، فإن على هذه الأحزاب أن تمتثل للحكم القانوني الراهن، الذي ينظم علاقتها بالدولة، وأن تدخل اللعبة الديمقراطية من موقع الصراع التنافسي السلمي. أما فيما يتعلق بمقوله "وفي الأحزاب أصبحت الضرورة حرية"، فان المقصود بها أنه بواسطة الانضباط الحزبي، الذي يعد "ليس بالتأكيد قبولاً سلبياً وكسولاً للأوامر، وليس تنفيذاً آلياً، للمهمات، ولكن فهماً واعياً وواضحاً للأهداف التي يجب تنفيذها والانضباط بهذا المعنى لا ينفي الشخصية الفردية بل يحد من الاندفاعات المرتطبة بالرغبات والاندفاعات غير المسؤولة"، أي من خلال هذا الدور الانضباطي الحزبي تستطيع الطبقة التابعة، أي الطبقة الموجهه قبل الاستيلاء الفعلي على السلطة، أن تحقق أهدافها. والحال هذه، ما هو مفهوم الحزب عند غرامشي؟ وماهي الشروط التاريخية والسياسية التي تفرزه، وتبرر وجوده وشرعيته.‏

لا يمكن لنا أن نفهم تعريف غرامشي للحزب أي "للأمير الحديث" ألا ضمن الظروف المحدده، التي أحاطت به، ومنها تحليله الأساسي للأحزاب السياسية، ولمسألة السلطة، وتطويره المحدد للصيغه اللينينيه للحزب، ضمن متطلبات الشروط التاريخية المحددة، والتي تمحورت سياسياً وتاريخياً ونظرياً حول دور المثقفين، وأهمية البنى الفوقية، ومسألة التجديد الثقافي، والاصلاح الفكري والأخلاقي على صعيد الجبهة الثقافية.‏

إن الترابط بين الوعي المطابق، أو بالأحرى المقاربة المثمرة لواقع اجتماعي سياسي متغير باستمرار وبين الواقع التاريخي، يجعل ممكناً تحقيق الوحدة بين النظرية والعمل فقط، كشرط ضروري لأية فعالية نظرية ثورية، مثلما يجعل ممكناً تحقيق الاتساق بين حركة الطبقة العاملة وأهدافها- حينما تكون لهذه الطبقة، ولحلفائها الممكنين، معرفة صحيحة وواقعية لذاتها، وبالتالي معرفة صحيحة وواقعية للمجتمع باعتبارها الشرط المباشر لتوكيد ذاتها في استراتيجية الصراع من أجل الهيمنة- في نطاق التفاعل المباشر والمطابق مع سيرورة الثورة الاجتماعية، ومع حركة التاريخ، عندئذ فقط تتطابق الأهداف مع النتائج. ولأن خلق مثل هذه الوحدة بين النظرية والعمل على قاعدة فكرية وثقافية جديدة لا يشكل أحد شروط ممارسة وظيفة الهيمنة من جانب الطبقة العاملة، التي تعلن سر وجودها الخاص فقط، وإنما ترتبط عضوياً بعملية التغيير الثوري بواسطة الحزب الثوري، أو الأمير الحديث، حيث أن ماهيته الجوهرية تكمن لا "كمقولة اجتماعية بل كحزب يريد أن يؤسس دولة"(13).‏

إن وضع كهذا، هو الذي جعل غرامشي يؤكد على أهمية دور المثقفين الحاسم في تحقيق اللحمة الفكرية والثقافية الجديدة داخل الكتلة الثورية الجديدة، حين يقول "يشير وعي الذات النقدي تاريخياً وسياسياً إلى بروز نخبة من المثقفين. ليس بإمكان كتلة بشرية أن "تميز" نفسها وأن تصبح مستقلة بارادتها بدون أن تنظم نفسها، ولا تنظيم بدون مثقفين أو قاده، أي بدون أن يكون الجانب النظري من رابط nexus النظرية- الممارسة مميز عينياً في مجموعة مختصة بالتطوير المفهومي والفلسفي".‏

وكان غرامشي يرى أن الشرط المسبق والضروري لتحقيق هذه الوحدة للحلف الطبقي الثوري على صعيد الايديولوجيا والثقافة الجديدة، في إطار معركة تحرير الجماهير الشعبية، يجب أن يحدث موضوعية مطابقة، حيث يصبح الحزب الثوري أو الأمير الحديث، في علاقته العضوية مع المثقفين والجماهير، الصيغة التاريخية والحامل الفعال ليس للوعي الطبقي فقط، وإنما أيضاً التصور الجديد المتكامل للعالم والحياة، أي "لحضارة جديدة في كل مجالات الحياة".‏

ثم أن الجماهير الشعبية عامة، والطبقة العاملة بخاصة تصبح في لحظة معينة من تاريخها، وتطورها، واعية بأنها تفتقد إلى عنصر مكون ضروري، لكي تحتل صراعاً رفيعاً في حركة الصراع الطبقي، وهذا يفترض تنظيم نفسها في حزب ثوري، يمركز ارادتها الجمعية القومية الشعبية، ويبلور الصيغ المنطقية والمنظورة لوعيها الطبقي، ويوحد تلك الكتل العضوية من الجماهير بكل زخم وعيها الطبقي الغريزي، في اتجاه تطوير وعيها الخاص، باعتباره المثقف الجمعي، حيث يكون كل عضو فيه مثقفاً إلى حد ما، بمعنى آخر إنه يشارك في التصور للعالم والحياة.‏

كما أن الحزب- المثقف الجمعي، والمثقف العضوي لا يتمكنان من تملك نظريتهما الثورية، إلا عبر انتهاج سياسية ثورية قوامها تأمين العلاقة بين النظرية والممارسة، لا في النظرية فقط، وإنما في الممارسة أيضاً، عبر وحدة الفكر والتعاضد الثقافي العضوية، وهذا يتطلب اقامة العلاقة العضوية بين المثقفين العضويين والجماهير الشعبية، بنفس قوة علاقة الوحدة المطلوب تحقيقها بين النظرية والممارسة. وهذه الوحدة لا تكون ممكنة، بل إنها تصبح مشروطة، بالدور الذي يلعبه المثقفون العضويون، وبقدرتهم على أن يجعلوا أنفسهم مفكرين عضويين لتلك الجماهير الشعبية، بالإضافة إلى قدرتهم على تنمية وتطوير وتوحيد المسائل، التي تطرحها الجماهير الشعبية في خضم نشاطها الثوري، عبر خلق كتلة ثقافية واجتماعية ثورية. وهنا تكمن مهمة المثقفين العضويين والحزب، في تحقيق العلاقة الجدلية مع الجماهير الشعبية، وفي مد الجسور بين "الفلسفة العليا" و"الفلسفة السفلى"، حيث أن الماركسية باعتبارها فلسفة عالية، لا يمكن لها أن تظل فلسفة متخصصة موجهة إلى زمر محدودة من أهل الفكر والثقافة، بل إن المطلوب من الفلسفة الماركسية، هو اعداد وتنمية فكر وثقافة أرفع وأعلى من فلسفة الجماهير السفلى البدائية، أي فلسفة الحس العام، لكي تخلق ثقافة جديدة نقدية متماسكة تماسكاً عملياً، أي فلسفة جماهيرية جديدة، أو ماركسية شعبية واقعية وتاريخية تكون في علاقة عضوية بالجماهير الشعبية، وتستهدف النهوض بها نحو تصور أعلى للعالم والحياة.‏

يقول غرامشي أن الماركسية لا تتوخى "ترك الجماهير في فلسفتها البدائية، بل توجيهها نحو نظرة أعلى للحياة "محققة بذلك" التقدم الفكري للجماهير وليس فقط لفئات قليلة من المثقفين "ويضيف قائلاً.. "عندما يتجاوز عنصر من الجماهير الحس العام نقدياً، فإنه يقبل في الواقع فلسفة جديدة".‏

والفلسفة الماركسية تصبح ابداعية حين تنتج حقاً فلسفة جماهيرية جديدة، تمتلك تصوراً جديداً للعالم والحياة، وتخصب ثقافة الجماهير، وتغذيها عبر تحقيق التقدم الفكري والسياسي في وعي الجماهير، وتؤمن عملية الانتقال من العلم، باعتبار الماركسية علماً، إلى إعداد فلسفة أخلاقية وسياسية شعبية، أي ماركسية شعبية موافقه لهذا التصور الجديد، تكون بمنزلة الفلسفة الواقعية والتاريخية للعمل السياسي للجماهير الشعبية. وفلسفة البراكسيس تستهدف تحقيق عملية انتقال الجماهير الشعبية من فلسفتها القديمة المحافظة والثابتة وغير النقدية، إلى تبني ماركسية جماهيرية تكمن وظيفتها في إنشاء كتلة فكرية وأخلاقية تعبد الطريق لعلاقة تربوية جديدة بين المثقفين والجماهير الشعبية، تسهم اسهاماً حقيقياً في تطوير الوعي النقدي المتماسك، والتقدم الفكري، اللذان يغيران بشكل جذري كل مرتكزات الفلسفة القديمة، في سبيل تحطيمها جدلياً. والحال هذه فإن الحزب، أو الأمير الحديث "يعيد قراءة الماركسية العالية، ويعيد صياغة الحس العام، ويطرح برنامج عمل، جوهره السيرورة، حيث يعاد أبداً تركيب النظرية والحزب والجماهير.‏

"إن المقدمات السابقة جميعها تأخذ دلالتها من علاقتها ومفهوم الحزب ووظيفته، ودوره، كما يراه غرامشي، فبدون وجود الحزب كوسيط سياسي متعدد المعاني يصبح الحديث عن السياسة الثقافية، وماركسية الجماهير شكلاً من اللغو والثرثره، أو يصبح شكلاً من الحلم الذي لا مجال لتحقيقه على الأرض"(14).‏

لما كان حزب الطبقة العاملة أو الأمير الحديث هو حزب من نمط جديد، له أهمية كبيرة ودلالة بالغة في عالمنا المعاصر، لجهة صياغة التصور الجديد للعالم والحياة الأكثر جذرية، والأكثر مناقضة للتصورات وأنماط الايديولوجيات، والأفكار القديمة، فإن عمله السايسي التاريخي لا يتم دون هذه العلاقة العضوية بين المثقفين والجماهير الشعبية، لأنه في حال انحلال هذه العلاقة، تحول الحزب إلى مجرد علاقات بيروقراطية صورية. فالوظيفة الحقيقية للأمير الحديث، هو تحقيق الوحدة الجدلية بين النظرية والسياسة، وهذه مهمة كلية وشاقة، وحبلى بالتناقضات، وبالتقدم والتراجع، طبقاً للجدل المعقد لحركة الصراع الطبقي في المجتمع. وعملية تحقيق هذه الوحدة مرتبطة أيضاً بجدل العلاقة العضوية بين المثقفين، الذين يتحملون مسؤولية تاريخية في انتاج ثقافة جديدة، عقلانية، وجذرية، وتاريخية، موجهة إلى الجماهير الشعبية، تهتدي بها في نشاطها العملي، وفي ممارستها للصراع الطبقي، وذلك باقامة كتله ثقافية واجتماعية لمواجهة الثقافة المسيطرة، وبين كتلة الجماهير البسيطة الخاملة، التي يعمل الحزب الثوري على الارتقاء بها إلى مستويات ثقافية أعلى، وهذا لن يتحقق إلا بالترابط العضوي بين وجهة النظر السياسية الثقافية من جهة، وبين متانة التنظيم والمركزية الثقافية الجديدة للتربية الجماهيرية من جهة أخرى.‏

يستنتج من هذا، إنه لكي يقوم الأمير الحديث بهذا الفعل التاريخي، أي عمل التجديد الثقافي، وتحقيق الاستقلال الثقافي الذاتي للجماهير الشعبية، لابد له من القيام بالاصلاح الفكري والأخلاقي، من أجل رفع المستوى الفكري والثقافي والسياسي للجماهير الشعبية أوسع فأوسع، والعمل على خلق نخبة من المثقفين تنبثق مباشرة من الجماهير الشعبية، وتكون على علاقة عضوية معها. فعملية الاصلاح الفكري والثقافي مرتبطة بجدل المثقفين والجماهير الشعبية، وبالدور السياسي التاريخي، الذي يلعبه الأمير الحديث، أو المصلح الأكبر، في بلورة سياسة ثقافية جديدة، تكون مكوناً أساسياً من مكونات استراتيجية الصراع من أجل الهيمنة، وتكون في الوقت عينه ابنة الصراع الطبقي في الحقل الثقافي، تؤسس للطبقة العاملة وحلفائها الممكنين تصوراتها الايديولوجية المنسقة والمتجانسة، وباعتبار أن المسألة المطروحة على بساط البحث من جانب هذا المصلح الأكبر، هو تحقيق الوحدة الايديولوجية لهذه الكتلة الاجتماعية- الثقافية، وبالتالي تحقيق الاستقلال الذاتي الثقافي المتمايز للجماهير الشعبية، باعتباره شرطاً مهماً لتحقيق الاستقلال السياسي- الذاتي لها حيث أن هذا الأخير لن يكون حيوياً وجذرياً، وأكثر مناقضة لأنماط الفكر القديمة، إلا إذا احتضن الاستقلال الثقافي الذاتي لهذه الجماهير الشعبية.‏

فالمطلوب، إذاً، من الاصلاح الفكري والثقافي والأخلاقي، هو تأسيس فكر سياسي ثوري، يفك الارتباط بين ايديولوجية الطبقة المسيطرة، والتفكير الجديد، الذي يقوم به المثقفون العضويون، ويكون مرتبطاً بحقائق المجتمع وحاجات تغييره راديكالياً، فضلاً عن أن هذا الفكر السياسي والثقافي القائم على الروح النقدية والممارسة النقدية، وعلى تركيز بنيته الذاتية المستقله، مطالب بأن يساعد الجماهير الشعبية على مغادرة معتقداتها، وتصوراتها القديمة عن العالم والحياة. فالجماهير الشعبية في حاجة دائمة إلى فكر سياسي ثوري، والثقافة الجديدة لن تسهم في تحرير هذه الجماهير من معتقداتها الضيقة المسيطرة عليها، وبالتالي تسهم في تحرير المجتمع بأسره من العلاقات الايديولوجية والثقافية المسيطرة، إلا إذا كانت ملازمة بصورة أساسية لاستراتيجية الصراع من أجل هيمنة الطبقة العاملة، حيث أن صراعها التاريخي الهادف إلى "كسر الوحدة القائمة على الايديولوجية التقليدية، الكسر الذي بدونه لن تستطيع القوة الجديدة وعي شخصيتها المستقلة"، لابد أن يكون مستنيراً بفكر سياسي وتاريخي، في سبيل الاستيلاء على السلطة.‏

وليس من شك أن الحزب، أو الأمير الحديث، هو الواسطة الثقافية للطبقة العامله، والقوة المنظمة المطورة لتصور فكري جديد متكامل، وشامل، والمسؤول الأول عن تنظيم وقيادة السياسية الثورية المؤدية إلى انشاء الهيمنة، كقيادة فكرية وثقافية وسياسية للطبقات الاجتماعية التقدمية، حيث يقول غرامشي "يجب على الأمير الحديث أن يكون عامل اصلاح ثقافي وأخلاقي، إذ أن الاصلاح هو أرضية تحقيق تطور لاحق للارادة الجماعية القومية- الشعبية أرضية تشكل منجز- شامل للحضارة الحديثه"(15).‏

إن مهمة الحزب هي تحقيق وحدة الفكر والسياسية العملية، الذي لا يمكن التوصل إليها، إلا إذا جسد الحزب استراتيجية ثقافية تربوية تهدف أساساً إلى تحقيق همينة الكتلة الثورية في المجتمع، عبر العلاقة الجدلية بين المثقفين العضويين والجماهير، وبالتالي عبر المشاركة الفعلية بين الأمير الحديث والقاعدة الاجتماعية للجماهير الشعبية، التي يمثلها. فالعلاقة التربوية بين المثقفين والجماهير التي يشدد عليها غرامشي، تشكل دينامية ثقافية خاصة، التي يعمل الحزب المهيمن من خلالها، على تحقيق الهيمنة، لأن المجتمع حسب مقولة غرامشي، هو نظام من العلاقات التربوية، إذ أن "كل علاقة هيمنة هي بالضرورة علاقة تربوية"...‏

إن غرامشي يدعو إلى بناء حزب طليعي من نمط جديد هو الحزب المهيمن، الذي يقوم على العلاقة العضوية المتقدمة بين الطبقة العاملة وطليعتها الواعية والمثقفة، وعلى الاسهام العملي والشمولي، والواقعي، من أجل بناء حركه شعبية ثورية ممكنة، تتلاقى فيها الحركة العضوية للجماهير الشعبية والارادة الواعية المثقفة المركزية الموجهة والمنظمة للمثقفين الثورية، وحلفائها الممكنين، في إطار حزب ثوري جماهيري، يجسد الوحدة "ما بين العضوية وبين القيادة الواعية، أو الانضباط هي بالضبط الفعل السياسي الحقيقي للطبقات الدنيا، طالما استمر هذا العمل في أن يكون عملاً جماهيرياً، وليس مجرد مغامرة تقوم بها مجموعات تدعي تمثيل الجماهير".‏

إن وجود الحزب التاريخي تتطلبه بالضرورة السياسية والتاريخية للعلاقة العضوية مع الطبقة الثورية، والجماهير الشعبية، التي يطمح إلى تمثيلها، عبر تجسيده للوحدة بين "التلقائية" و"الاتجاه الواعي"، وهو يقوم بتنمية ثلاثة عناصر أساسية.‏

أولاً: القاعدة الجماهيرية المؤلفة، من "عناصر واسعة الانتشار من الرجال العاديين الذين تتم مشاركتهم بالانضباط والايمان وليس بروح ابداعية أو تنظيمية".‏

ثانياً: القيادة، التي هي "عامل التلاحم الرئيسي الممركز في الميدان الوطني والذي ينمي الفاعلية والقوة في مجموعة من القوى غير ذات القيمة افرادياً "والقيادة تلعب دوراً مهماً أساسياً وتاريخياً في الوجود التاريخي للحزب، "إننا نتحدث عن قيادة بلا جيش، ولكن الواقع إنه من الأسهل أن تشكل جيشاً من أن تجد قادة. ومن المؤكد أن جيشاً موجوداً يمكنه أن يدمر إذا كان يفتقر إلى القادة، في حين أن مجموعة من القادة المتعاونيين والمتفقين على الأهداف المشتركة لن تكون بطيئة في تشكيل جيش حتى وإن لم يكن موجوداً"(16).‏

ويضيف غرامشي بأن القيادة تتحمل مسؤولية كبيرة في ظروف الأزمات والمنعطفات السياسية الخطيرة، ولهذا فان القادة القادرين هم الذين يظهرون جدارتهم في خلق "وجود الشروط الضرورية والكافية التي يمكن لها، وبالتالي يجب أن تحل مشكلات معينة تاريخياً (يجب.. لأن أي فشل في أداء الواجب التاريخي يزيد الفوضى والاعداد لكوارث أكبر خطراً"(17).‏

ثالثاً: الكوادر الحزبية، التي تشكل "العنصر المتوسط الذي يمفصل العنصر الأول مع العنصر الثاني باقامة الاتصال "الجسدي" بينهما، وجدانياً وفكرياً"(18).‏

إن الأمير الحديث يمثل سلطة الظل، قائمة بالفعل، وهو يمارس وظيفة الهيمنة من الموقع، الذي يحتله في الصراع الطبقي الاجتماعي، والتاريخي، والسياسي، باعتباره طليعة ثورية للطبقات الشعبية المضطهدة والمستَغَلَة، والمثقف الجمعي، الذي يهدف إلى تأسيس هيمنة جديدة لهذه الطبقات، يكون لها انتاجها المعرفي الجديد، واخلاقياتها الجديدة، وفعلها السياسي المناضل الجديد، "الكتلة التاريخية" الجديدة. ويكمن دور الحزب المهيمن، باعتباره المثقفي الجمعي، على تحقيق الاختلافات الكبيرة داخل الكتلة التاريخية القديمة، من أجل خلق كتلة تاريخية جديدة.‏

إن الدور التاريخي لحزب الطبقة العاملة، أي الأمير الحديث يكمن في قدرته على بلورة استراتيجية الصراع من أجل الهيمنة، حيث أن على الحزب السياسي أن يقوم بمهمة غزو فضاءات المجتمع المدني، من خلال اختراق أجهزته المهيمنة المتداخلة تداخلاً كبيراً مع المجتمع السياسي، وعبر الهيمنة في الفكر والسلوك الأخلاقي، حيث يقول غرامشي أيضاً "عندما يتحقق جهاز الهيمنة، بقدر ما يخلق أرضية ايديولوجية جديدة، يحدد اصلاحاً لوعي البشر ومناهج للمعرفة، فيكون حدثاً معرفياً، حدثاً فلسفياً"(19).‏

إن الحزب الثوري، لا يمكن أن يتخطى جدلياً وثورياً الاطار الاجتماعي والسياسي، القائم على هيمنة الطبقة السائدة، إلا إذا استوعب، وحلّل أن أزمة المجتمع هي في حقيقتها التاريخية، وضمن سياقها السياسي والتاريخي، أزمة هيمنة، في واقع متصارع.‏

ويقول غرامشي في هذا الموضوع: هناك أزمة هيمنة الطبقة السائدة أو أزمة الأحزاب المعارضة في اكتساب موقع مهيمن. فتحدث أزمة الطبقة السائدة عندما تفشل في مشروع كبير كانت قد طلبت من أجل تحقق وفاق الجماهير أو فرضته بالقوة) الحرب مثلاً- كما تحدث أزمة في هيمنتها عند تنتقل جماهير واسعة من السلبية السياسية إلى نشاط ما وتحدث ثورة(20).‏

أما أزمة الحزب السياسي المعارض، فتحدث حين تشتد النزعة البيروقراطية في داخل الحزب، وتصبح قوة محافظة متحجرة، ومصابة بالانغلاق الايديولوجي، وبالتصلب في شرايين العقل، وتشعر بنظرة استعلائية في علاقتها مع الجماهير، الأمر الذي يقود إلى وجود أزمة علاقة بين الحزب والجماهير الشعبية، حيث أن من مظاهر أزمة الماركسية، في عصرنا الراهن، هي أزمة علاقة الحزب بالجماهير، واستشراس الظاهرة المرضية للمركزية البيروقراطية في الحزب، العاجزة عن اتخاذ أية مبادرة نحو الاصلاح الفكري والثقافي في داخله، لأن هذا أصبح يتناقض جذرياً مع مصالحها الطبقية الجديدة، وبذلك يتحول الحزب إلى مستنقع فاسد، وبركة راكدة، لأن كل نهجه النظري والسياسي، تحول إلى نهج تبريري لعلاقات السيطرة والخضوع القائمة في المجتمع. فالبيروقراطية، التي تمثل الفئة الأوليغارشية الحاكمة داخل الحزب، تعمل على نفي أية ممارسة للديمقراطية السياسية في الحزب، حيث أن التخلي عن الممارسة الديمقراجطية في داخله، تُحَوِل هذا الأخير إلى مزرعة اقطاعية لمصلحة البيروقراطية، التي تقوم بحق انتقاء أعضائها، والاحتفاظ بهم في المراكز الحساسة، في إطار ممارسة عقيمة، تقوم على معيار الولاء لهذه البيروقراطية بصفة أساسية.‏

إن معيار قوة الحزب تكمن في قدرته على انجاز وظيفة الهيمنة، مثلما أن أزمة الحزب، هي أزمة هيمنته، وبالتالي أزمته في العلاقة مع الجماهير الشعبية، حيث يعلق غرامشي على هذه الأزمة قائلاً "ففي لحظات الأزمة الحادة يفرغ من مضمونه الاجتماعي فيبقى كأنه مبني في الفراغ". ويضيف "من الممكن تقييم وظيفة الهيمنة والقيادة للأحزاب من خلال مراقبة نمو الحياة الداخلية لهذه الأحزاب نفسها، فاذا كانت الدولة عبر قواعدها التشريعية تمثل القمعية والنظامية لبلد من البلاد، فعلى الأحزاب التي تمثل الانتماء التلقائي لصفوة من البشر لمعايير من السلوك تعتبر السلوك الأفضل لتربية الجمهور كله- فعلى الأحزاب إذاً أن تظهر في حياتها الداخلية إنها قد استوعبت كمبادىء للسلوك الأخلاقي هذه القواعد التي هي في الدولة ضرورات أخلاقية فتتحول الضرورة إلى الحرية في داخل الأحزاب- تأتي من هنا القيمة السياسية العظيمة (أي قيمة القيادة السياسية) للنظام الداخلي للحزب وقيمة هذا النظام من أجل تقييم امكانيات الانتشار للأحزاب- الأخلاق (مقاومة غرائز الثقافات التي انقضت)- الشرف (الارادة الصارمة في سند نمط جديد من الثقافة ومن الحياة)- الكرامة (الوعي بالفعل من أجل هدف أسمى)"(21).‏

إن موضوع الهيمنة يشكل الاستراتيجية الرئيسة بالنسبة للحزب في موقعه داخل حقل الصراع الطبقي، من أجل بناء مجتمع جديد، تسود فيه فلسفة جديدة للعالم والحياة، وأخلاقيات جديدة، حيث أن الحزب مطالب بممارسة وظيفة الهيمنة هذه المرة وقد أعيد توجيه هذا المفهوم نحو بلدان أوروبا الغربية، التي تسيطر فيها السلطة البرلمانية البرجوازية، المرتبطة بظاهرة الديمقراطية الكلاسيكية الغربية.‏

هوامش الفصل الخامس:‏



(1)- أنطونيو بوزوليني- غرامشي- ترجمة سمير كرم- المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الأولى كانون الأول (ص182).‏

(2)-‏

Gramsci dans le texte. Editions sociales Paris 1975 (PP595- 609).‏

(3)-‏

D. Grisoni R. Maggiori: Lire Gramsci. Editions universtitaires Paris 1983. (P209).‏

(4)- الأمير الحديث ترجمه زاهي شرفان- قيس الشامي، دار الطليعة، الطبعة الأولى نيسان 1970، (ص170).‏

(5)- جون كاميت- غرامشي حياته وأعماله ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية، الطبعة الأولى 1984- (ص129).‏

(6)- غرامشي وقضايا المجتمع المدني- ندوه القاهرة 1990، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر الطبعة الأولى 1991، (ص234).‏

(7)- رضا الزواري، من هو المثقف؟ مجلة اطروحات- العدد الرابع عشر السلسلة الثالثة 1988- (ص33).‏

(8)- فيصل دراج- غرامشي والبحث عن سؤال الثقافة، مجلة النهج العدد 19- 1988 (ص132).‏

(9)-‏

Lire Gramsci P211 (Gramsci. Gli interllectuali, E.R. Torino 1975).‏

(10)- فيصل دراج مصدر سابق (ص126).‏

(11)- جون كاميت- مصدر سابق (ص269).‏

(12)- المصدر السابق (ص258).‏

(13)-‏

C. Buci- Glucksmann: Gramsci et l`Etat Fayard, Paris 1975, (P36).‏

(14)- غرامشي وقضايا المجتمع المدني- مصدر سابق (ص214).‏

(15)-‏

A. Tosel. Praxis- Editions Sociales- 1984, (P213).‏

(16)- جون كاميت- غرامشي حياته وأعماله- مصدر سابق (ص260).‏

(17)- المصدر السابق- (ص260).‏

(18)- المصدر السابق- (ص260).‏

(19)-‏

Christine Buci Glucsmann L'Etat et l'hégemonie- Dialectiques 4-5, 1976- (P193).‏

(20)- ملاحظات حول ماكيا فللي- الطبعات الاجتماعية في باريس 1975- (ص505).‏

(21)- الماضي والحاضر مشار إليه في مدخل لدراسة الفلسفة (ص152)- هامش 17.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 09:00 PM   المشاركة رقم: 17
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

القسم الثالث

في السيرورة التاريخية العربية‏



الفصل الأول: تاريخية المجتمع المديني في الوطن العربي‏



أولاً : هل ثمة مجتمع مديني عربي،‏

وماهي سيرورة تطوره التاريخية؟‏

عرفت المنطقة العربية أول التجمعات الحضارية، وقامت على أرضها أعرق الحضارات القديمة، الملقبة بحضارات الشرق القديم من جانب الباحثين المختصين، التي كان لها أعظم تأثير على الحضارتين الاغريقية والرومانية وغيرهما على الحضارة العالمية في العصور الحديثة. ففي خلال الآلاف 10- 7 قبل المسيح، من عهد ثورة العصر الحجري الحديث، باعتباره شكل مفصلاً تاريخياً مهماً في التحول الجذري، الذي طرأ على حياة الاجتماع البشري، وعلى اعادة بناء كاملة وجذرية لبنية المجتمع الاقتصادية، من خلال انتقال الاقتصاد الاستهلاكي إلى الاقتصاد المنتج، تحققت الثورة النيوليتية.‏

وكانت المنطقة العربية، ممثلة بالشرق الأدنى، منطقة سوريا، وفلسطين، وسيناء، والهلال الخصيب، هي "المنطقة النووية" الأولى لهذه الثورة النيوليتية، حسب تعريف المختصين- التي كانت توفر للانسان النباتات الحبية والعلفيه في حالتها البرية، وأنواع الحيوانات الآكله للعشب، وكذلك الشروط الضرورية والموائمة لظهور نمط جديد من الحضارة. وقد اعتبر المؤرخ الانكليزي غوردون شيلد الثورة النيوليتية، بأنها تضاهي في عظمتها وقدرتها، واكتشافاتها، الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر في العصر البرجوازي الحديث.‏

لقد ظلت حياة الانسان طوال كافة مراحل وجوده على الأرض منذ مئات آلاف السنين مقتصرة على ممارسة الصيد وجمع الثمار، وهو يتصرف في علاقته مع الطبيعة‏

مثل باقي الحيوانات الأخرى، أي كنهاب، ومدمر، ولم يكن له أي هم لاعادة انتاج المواد النباتية والثمار الضرورية لاستهلاكه. غير انه مع حدوث الثورة النيوليتيه، انتقل الانسان من مرحلة الانسان النهاب والمدمر إلى مرحلة الانسان المنتج، وتكمن أهمية الثروة النيوليتيه في تحطيمها النمط الاقتصادي القديم القائم على الصيد وجمع الثمار، وفي احداثها تحول جذرى في نظام الانتاج، الذي أصبح قائما هذه المرة على الانتقال إلى نمط الحياة الزراعي والرعوي، أي الانتقال إلى الاقتصاد المنتج. ومنذ ذاك التاريخ، تشكلت الجماعات الزراعية، والرعوية القادرة على جمع ومراكمة المحاصيل الزراعية والغذائية، وانتقلت في نمط حياتها من حالة الترحل إلى حالة الاقامة والاستقرار، وبالتالي إلى حالة التحضر والمدنية، في مجموعات كبيرة داخل القرى والمدن، وذلك بفضل النتائج الاجتماعية والاقتصادية، والثقافية لظهور تربية الماشية والزراعة، والتقسيم الاجتماعي للعمل، الذي ظهر وبلغ درجة من التعقيد بسرعة، جراء تخصيص قسم من السكان في الصناعات الحرفية مثل صناعة الخزف والفخار، والنسيج، وصناعة السلال والمذارى، وسواها، بهدف تلبية الحاجات المحلية أولاً، ثم عبر ممارسة المبادلة مع مجموعات بشرية أخرى، ثانياً، (تصدير اسلحة ومواد). وهكذا كانت بداية ولادة التجارة.‏

ان السمات الخاصة للثورة النيوليتيه تتمثل بشكل جوهري في المسائل التالية:‏

أولاً: تشكلت المراكز الاولية المهمة للاقتصاد المنتج القديم في مناطق سورية، وبلاد ما بين النهرين السهلية، أي العراق وحتى جنوب غرب ايران، ومن فلسطين وسيناء، وحتى ماوراء القفقاز، وعلى الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. وكانت هذه المراكز الأولية من اقدم المراكز الزراعية في العالم، حيث كانت تنمو فيها اصناف الحبوب البرية، والنباتات الغريبة، وتنتشر فيها ايضاً زراعة القمح ذى الحبة الواحدة، والشعير، والعدس، والحمص، والكرسنة، والكتان. ولم تكن اسيا الامامية من اقدم مراكز الزراعة والرعي فقط،" بل كانت الموطن القديم لصناعة التعدين، اذ توفرت هنا في الألف السابع المقدمات الانتاجية لنشوء التعدين فأن الناس الذين كانوا يمارسون استخراج الجير تعلموا منذ مطلع العصر الحجري الحديث طريقة الحصول على الحرارة الضرورية، لصهر خامات النحاس/700-800 درجة مئوية)"(1). وفيما بعد انتقلت صناعة التعدين إلى المناطق المجاورة لاسيما الامامية، إلى مصر، وايران، واوروبا، وافغانستان.‏

كما أن شمال افريقيا يعتبر مركزاً زراعياً ومستقلاً عن هذه المراكز الانفة الذكر ويحكمه تطوره الخاص. وكان له تأثيره المباشر مثله في ذلك مثل هذه المراكز الزراعية القديمة في آسيا الامامية- على تطور الزراعة في مصر العليا، والتدجين المحلي للحيوانات. فالحيوانات الاليفة جاءت إلى مصر من اسيا الامامية ومن شمال افريقيا، وانتشرت تربيتها في دلتا النيل منذ عصرما قبل الصوان، أي منذ الألف الخامس.‏

ثانياً: أنه بفضل هذه الثورة النيوليتيه، التي غدت أكثر ضخامة من حيث قدرتها على أحداث تحولات جذرية عميقة في البنية الاجتماعية، ظهرت وتبلورت المجتمعات البشرية، بصورة عميقة ومدهشة. وازدادت بسرعة التفاعلات الاثنية والحضارية بين هذه المجتمعات، وبدأت تنضج عملية تشكل الطبقات، وقامت المدن ونشأت الدول، وظهرت الحضارات الأولى في المنطقة العربية.‏

أن أهمية الانتقال إلى الزراعة وتطور الرعي، وازدياد أنواع المنتجات الرعوية، وتحسن أشكال الزراعة الفعالة، وتبدل ظروف تربية الماشية وتدجين الحيوانات، وانتشار نمط حياة القبائل الرحل في بعض المناطق، حيث كانت حياة البداوة مرتبطة بالترحال العمودي إلى المراتع الشتوية والصيفية، التي تقع في الجبال والسفوح على ارتفاعات مختلفة، قد أحدث تطوراً وانقلاباً جذرياً وكاملاً في نمط حياة الناس وفي علاقاتهم الاجتماعية.‏

الانتقال إلى الاقتصاد المنتج، يعني الانتقال إلى مجتمع العمل والانتاج، وبالتالي الانتقال إلى عملية التشكل الاجتماعي. ولما كان الناس هم الذي ينتجون حياتهم الاجتماعية، فانه تتوضح لنا العلاقة الجدلية القائمة بين المجتمع والانتاج. فالمجتمع يشترط وجود وتوافر الانتاج، الذي يحدد ما هيته وسيرورة تطوره، وكذلك الأمر بالنسبة للانتاج، الذي لايوجد بدون المجتمع ولا خارجه. وهكذا فان الانتقال إلى الاقتصاد المنتج كاحدى افرازات الثورة النيوليتية، قد شكل المقدمات الضرورية للعملية الانتاجية بالمعنى الواسع والعميق، الذي اعطاه ماركس لهذه الكلمة، أي ظهور حجم الانتاج للخيرات المادية والروحية، وظهور فائض مستمر من المنتوج، وبروز توجه نحو الانتاج المتخصص، وتعميق تقسيم العمل الاجتماعي، وتفرد المهن طبقا للوظائف الاقتصادية والاجتماعية، المختلفة، وتعقد نظام الادارة، بفضل وحدة العملية الانتاجية في شقيها المادي والروحي، باعتبار أن العملية الانتاجية الاجتماعية، هي في حد ذاتها عملية فكرية وروحية. وبفضل الانتقال إلى الزراعة والرعي، تشكلت- المقدمات المادية الضرورية للحياة الاجتماعية بكل عمقها وشمولها، وارست المقومات المادية الثابتة للحياة الحضارية المستقرة مع ازدياد عدد السكان، وحجم الانتاج، وبالتالي تحددت خصائص وسمات المجتمع المدني القديم في المنطقة العربية، وتشكلت الدول والحضارات، حيث كان لنشوء الزراعة والرعي في عهد الثورة النيوليتية ظاهرة ثورية حقاً، في ارساء حضارة الدولة -المدينة Cite´-L´ETAT، والمجتمع المديني، بظهور القرى والمدن في بلاد الشام، وبلاد الرافدين، وفلسطين، ومصر بين الألف التاسع والألف الخامس قبل الميلاد.‏

وهنا نؤكد على ان المجتمع المدني الحديث ليس انجازا برجوازيا فقط، حتى وان بلغ درجة تطوره الكامل في العصر البرجوازي الحديث في أوروبا لان البذور الاصول والجذور التاريخية للمجتمع المدني على الصعيد العربي قديمه جدا ومتنوعة، فضلاً عن توافر مقومات الاجتماع في التاريخ العربي. فالمنطقة العربية تعتبر أول المناطق في العالم، التي عرفت العمل الاجتماعي، والوعي الاجتماعي المتجسد في الاسطورة والدين، أما المؤشرات التي تشير إلى وجود المجتمع المديني، فلها علاقة بالمقولة التالية: ان التاريخ تنويعة على اشكال الاجتماع، وبالتالي فالتاريخ لايظل اسير شكل واحد، كما تعلل ذلك الايديولوجية الطبقوية الستالينيه السائدة في الوطن العربي.‏

ثانياً- المؤشرات التي تشير إلى وجود المجتمع المديني:‏

ان الثورة النيوليتيه التي ظهرت في العصر الحجري الحديث، قد حققت انقلاباً عظيما، وقطعاً تاريخيا على صعيد حياة الانسان باهتدائه إلى الزراعة، وعملية توسيعها، وتدجين الحيوان، حيث ان هذا القطع التاريخي مع ماسبقه، تم في المنطقة العربية: سوريا، العراق، ومصر بالدرجة الأولى، ومهد لتطورات اجتماعية وسياسية وفكرية على غاية من الاهمية عاشتها هذه المنطقة في تاريخها القديم. وفضلاً عن ذلك، فقد كانت هذه المنطقة مهدا ومركزاً للديانات السماوية، ومصدرا للإشعاع الديني، الذي أنار اصقاع الدنيا قاطبة، ومهد لنشوء الحضارات الناضجة في المراحل التي عقبت العصر الحجري الحديث. وكان للعنصر السامي العربي دور اساسي في صياغة، وبلورة، وتطوير هذه الحضارات الانسانية، التي أول مابزغ فجرها في هذه المنطقة من العالم" وفي اضفاء الوحدة المجتمعية والسياسية، والحضارية المدنية لمنطقة الشرق الادنى، وعلاقتها الوثيقة بحضارة وادي النيل. ولقد" ساهم في صنع هذا التاريخ سكان مناطق الشرق الادنى وهم شعوب الصحراء العربية، وكنعان، والساحل الفينيقي، وجبال آسيا الصغرى، وبلاد ما بين النهرين، ومنطقة الأراضي الرسوبية على الخليج العربي، ثم شعوب جبال ايران وهضابها.‏

تختلف هذه الشعوب عن بعضها دما وعرقاً، الا ان لجميعها هدفا واحداً هو الوصول إلى أراضي الهلال الخصيب، وبالتالي التمكن من السيطرة على بلاد جنوب ما بين النهرين، بلاد السومرين، التي أول ما عرفت الحضارة المزدهرة عند مطلع الألف الثالثة ق.م/ تنتسب الشعوب القادمة من الصحراء العربية وبادية الشام، التي دخلت أراضي الهلال الخصيب على شكل موجات عديدة ومتلاحقة طوال ثلاثة آلاف سنة إلى أسرة الشعوب السامية. وبالمقابل تنتسب الشعوب الجبلية أو على الأقل طبقتها القائدة، إلى المجموعات الهندية، الجرمانية التي وجهت اهتمامها إلى المنطقة وتحركت نحوها في الألف الثاني والأولى قبل الميلاد.‏

كما نجد هناك شعوبا أخرى ساهمت في صنع تاريخ هذه المنطقة كالسومرين مثلاً الذين لانستطيع معرفة أصلهم، ذلك لأن لغتهم بعيدة عن ان تكون مرتبطة باللغات المعروفة حتى الآن.‏

لاتختلف هذه الشعوب فيما بينها بالدم واللغة والمستوى الحضاري فحسب، بل نراها ضمن مناطقها الجغرافية المتنوعة تتبع نظاما اجتماعياً مختلفاً، وذلك بفعل تأثير شروط المعيشة الخاصة بها، فهناك بادية الشام موطن البدو الساميين الرحل، الذين ينتظمون في عشائر متعددة ترعى قطعان اغنامها وجمالها في مناطق واسعة ومحددة بدقة.‏

وإلى جانب ذلك فهناك الجبال التي يقطنها البدو الرحل، الذين يعتمدون في عيشهم على الصيد وتربية الخيول وذلك عندما لايوجد مكانا لهم في الوديان الخصبة، التي استقر فيها من سبقهم من السكان الحضر. وختاماً نجد الهلال الخصيب المحصور بين الصحراء والسلاسل الجبلية قد أصبح موطن الفلاحين المتحضرين، الذين لم يعودوا ينظمون بعد حسب علاقاتهم العشائرية أو القبلية بل اطلاقاً من موطن سكنهم أو انتمائهم لقبائلهم أو كما حدث بصورة خاصة في الأراضي الرسوبية حتى جنوب الرافدين وذلك حسب مناطق مقابلة لهم دويلات آلهتهم.‏

كانت هذه الفئات الثلاث، أهل البادية، وبدو الجبال، والفلاحين على اتصال مستمر فيما بينهم. وكانت هذه الفئات تتأرجح في عيشها مع بعضها بين وئام وخصام دائمين رغم حاجة كل منها لحاصلات الأخرى.‏

لقد حاول الحضر من السكان السيطرة دوما على الطرق التجارية التي كانت في ايادي البدو، وعلى النقيض من ذلك فقد استهدف البدو بصورة رئيسية الولوج والتحكم بالمناطق المتحضرة، وبالرغم من احتقارهم في الواقع للفلاحين كانوا يطمعون دوماً في ارزاقهم وخيراتهم. ويلازم هذا الصراع الاجتماعي في بلدان الشرق الادنى بتناقض بين السكان من النواحي اللغوية والفكرية والاحوال العرفية. إذا تتبعنا تاريخ الشرق الادنى نجد أنه لايتمثل في شعب واحد خلق توزان القوى الغربية والمحلية. لقد كان هذا التاريخ نتيجة لصراع دام قرونا من الزمن بين شعوب غريبة عن بعضها البعض. غير ان تحاك أو بالاحرى تشابك المصالح المادية والفكرية جعلها تنتظم في مجتمعات ودول كما أصبحت عليه في بلاد الغرب خلال القرون الوسطى والعصر الحاضر(2).‏

أننا حين نعود لدراسة التاريخ القديم للمنطقة العربية، فلكي نحلل آليات انتقال حياة الانسان من مرحلة الفطرة والتوحش إلى مرحلة بناء المجتمع المديني، وانشاء الدول والحضارات الناضجة، حيث أن أسس المجتمع المدني الحديث، والحضارة الانسانية الحاضرة، تمتدان إلى ذلك المجتمع المديني القديم، وتلك الحضارات.‏

ومن المؤكد أن المادة المتكاثرة عن نشوء المجتمع المديني، والحضاري، والعمران البشري، وحياة ذلك العمران، وأحواله، على الصعيد العربي، ستساعدنا لاعلى تكوين آراء، وتعليل نشوء المجتمع المدني فقط، وانما ستساعدنا أيضاً على فهم ذلك الماضي البعيد الذي تكون فيه المجتمع المديني، وتوضيح حاضر المجتمع المدني وفهمه. ويهمنا هنا أن نوجز أهم الانقلابات، والمؤشرات، التي حدثت في تاريخ تطور المجتمع المديني منذ العصور الحجرية القديمة، ومنها بداية الزراعة وتربية الحيوان، وصنع الالات والادوات، ونشوء اللغة، التي ظهرت عند الانسان في زمن ما من العصر الحجري، حيث ان اللغة ليست البنية الفوقية كما تعرفها لنا التوصيفات الماركسية، انما اللغة هي البنية التحتية التي أسست لظهور المجتمع على الصعيد العربي، وبتبلور فكرة الأمة العربية، لأنه بدون لغة ليس هناك تجمع بشري. لذا فإن اللغة ومارافقها من تكون ثقافي، وصنع الالات، شكلا ركنين اساسيين في تأسيس المجتمع المديني والحضارة البشرية. ولقد كانت اللغة، والكتابة والتدوين، قد تم اختراعها في بلاد وادي الرافدين، ووادي النيل التي كانت اساس نشوء المجتمع المديني القديم في المنطقة العربية.‏

1- العصر الحجري الحديث 8500-5500ق.م‏

لما كانت العلاقة بين الاستقرار والانتاج علاقة سببية، فقد شهد هذا العصر، بداية الزراعة وتربية الحيوان، ونشوء القرى، والحرف اليدوية، وكانت سوريا الشمالية وفلسطين موطنان لزراعة القمح والشعير، اللذين يتمتعان بقيمة غذائية عالية، فضلاً عن أن السكان الذين قطنوا في هذين البلدين، كانوا أول من مارسوا شكلا من اشكال الزراعة في الشرق الادنى ،" ويبدو أن المهاجرين الساميين الاوليين إلى مصر انما اتوا من سورية وادخلوا معهم القمح وزراعة الكرمة"(3).‏

لقد احدثت الزراعة انقلاباً جذرياً في حياة الانسان، وكذلك الأمر بالنسبة لتربية المواشي، وتدجين الحيوان، وهذان العاملان هما المحددان الرئيسيان في انتقال الانسان إلى ممارسة حياة مستقرة ومنتجة، وإلى سيطرته على موارده الغذائية. ومن هنا فان هذه الحياة المستقرة التي ارتبطت بنشوء الزراعة وتدجين الحيوان، قد جعلت الانسان ينتقل من السكن في الكهوف والملاجئ الصخرية في الاماكن المرتفعة إلى السكن في السهول، وظهرت مصاحبة لذلك ملكية الأرض. ولاشك أن الاستقرار على صعيد المسكن والعمل، قد مكن الإنسان من تجميع طاقاته الابداعية واختباراته المتشابهة، لكي يجسدها في صراعه ضد الطبيعة، وفي سبيل بناء القرى والمدن، وارساء تقاليد حضارية. واوضحت التقنيات الاثرية وجود أثار قرى شهدت ازدهاراً كبيراً في هذا العصر، ومنها قرية المريبط التي تقع على الضفة اليسرى من دير الزور من نهر الفرات، والتي شهدت تقدماً في فن العمارة مثل ادخال الافران، والساحات العامة خارج البيوت، الامر الذي يشير إلى وجود تعاون السكان في تنظيم واستخدام هذه المرافق العامة المشتركة. ودلت التنقيبات الاثرية على ازدهار قرية تل بقرص التي تقع على الضفة اليسرى لنهر الفرات والتي تبعد حوالي 40 كيلو متر إلى الجنوب من دير الزور، وقرية تل الرماد القريبة من دمشق، والواقعة بين قطنا وعرطوز.‏

كما ظهرت قرى أخرى تحمل نفس الخصائص الحضارية المميزة في العراق، مثل تل صوان وأم دباغيه.‏

ان توافر عوامل حياة الاستقرار، قد انبثق عنها التعاون بين الأفراد، خصوصاً وان مجتمعات الانتاج الزراعي والحيواني، تتطلب مثل هذا التعاون، الذي يفرضه التقسيم الاجتماعي للعمل وصنع وسائل الانتاج المتطورة والمتعددة، وبروز الحرفيون المهرة. وفضلاً عن ذلك فإن الحياة المستقرة تتطلب أيضاً العمران، الذي يحتاج أيضاً إلى مستلزمات كبيرة، ان الاستقرار ولد الحياة الجماعية، وهذه الأخيرة كونت الأفكار، وشكلت عاملاً قوياً في تطور اللغة، باعتبارها وسيلة التواصل بين هؤلاء الافراد في اطار هذه الحياة الجماعية.‏

" والذي يذهلنا اليوم هو درجة الاتقان التي وصلتها اللغة بفعل العقل البشري في العصر الحجري الوسيط، وترينا مقارنة العربية الحديثة الدارجة مثلاً بما يمكن معرفته من اللغة السامية الأم تطوراً مستمراً نحو التبسيط بالنسبة للمستوى العالي في عصورما قبل التاريخ البعيدة، واثرا آخر للحياة العقلية عند إنسان العصر الحجري الوسيط اعتقاده الديني بآلهه أو بمجموعة من الالهة وظهور فكرة بدائية عنده أولية عن نوع من حياة ثانية للراحل بعد الموت"(4).‏

وفي سياق هذا التطور للغة والحياة العقلية عامة، تطور الفن، باعتباره مثل اللغة صفة مميزة للبشر،" ويبدو ان " أقدم الأمثلة المعروفة للفن التشكيلي في فلسطين على كل حال" يستدل من كل ماذكرناه، ان الحياة المستقرة، وتطور الزراعة، وتربية المواشي، وظهور ملكية الأرض ونشوء القرى، وتطور اللغة، وانتشار نظام الفيض الحسابية، الذي كان يستخدم في عملية جرد المؤن الواردة والموزعة، في جميع أرجاء الهلال الخصيب، من غرب سوريا إلى أواسط ايران، في الألف السابع قبل المسيح، وحصول تقسيم للعمل بوتائر متسارعة، مع تطور الحرف، مثل صناعة الفخار، والنسيج، والتعدين، كل هذه العوامل مجتمعة، احدثت انقلاباً حضارياً مهما في حياة الناس الذين كانوا يسكنون في اقطار بلاد الشام، ووادي الرافدين، لكي يؤسسوا مجتمعا مدينياً ذى بنية اجتماعية أكثر تعقيداً، مع ازدهار انتاج المواد والسلع الغذائية، وازدهار المقايضة الداخلية والخارجية، ويروز الرقابة على الحياة الاقتصادية للمجتمع المديني الوليد من جانب السلطة.‏

2-من الزراعة وتربية الحيوانات إلى اكتشاف الادوات المعدنية‏

يشكل اكتشاف المعدن مرحلة جدية في تدرج الانسان العاقل والصانع، في استعمال المعادن، وفن التعدين، في الاطوار الاخيرة من العصر الحجري النحاسي، الذي امتد من 5500 إلى 3500 قبل الميلاد. ويجمع المؤرخون على تسمية هذا العصر، بالعصر الحجري المعدني، أو بعصر ما قبل نشوء السلالات الحاكمة بهيئة امراء وملوك في كل من العراق ومصر. وليس من شك ان اكتشاف النحاس وتصنيعه بشكل جيد، وعلى اوسع نطاق، والاستفادة منه في مجالات متعددة، قد مثل تحولاً نوعيا على صعيد التغيرات الاجتماعية التي ظهرت على المجتمعات القروية الزراعية، التي قوت علاقات الاتصال والتواصل فيما بينها.‏

فاكتشاف النحاس قد ولّد صناعات جديدة، وأوجد طلائع تقسيم العمل والتخصص، وأسهم في عملية اتساع الانتاج الزراعي، بعد ان كان الانتاج في العصر الحجري الحديث مقتصراً على مقادير محددة تحقق الاكتفاء الذاتي.‏

وفي هذا العصر النحاسي أصبح الفلاحون ينتجون انتاجاً زائداً بهدف مبادلته بالسلع الصناعية الجديدة فنشأت طبقة جديدة من الناس تمركزت في القرى المنسقة، تخصصت في الصناعات الابتدائية، مثل صناعة أواني الفخار المصبوغ بالالوان والاشكال الزاهية، وتنسب حضارة ذلك العصر إلى حضارة حلف 5500-4500 نسبة إلى تل حلف الذي يقع على منابع الخابور بالقرب من بلدة رأس العين، على بعد خمسة كيلومتر إلى الجنوب منها، حيث ان مايميز حضارة حلف هو صنع الاواني الفخارية وتنوع اشكالها الهندسية، المعينات، المثلثات، والمربعات، وكذلك زخارفها. وفي هذا العصر تابع هؤلاء الناس الحضر مسيرتهم في التمدن والتحضرمن خلال نشوء طبقة الصناع، الذين طوعوا النحاس بالمطرقة، بعد صهر المعادن، وصنعوا الاواني ونقشوها بألوان متعددة، وصنعوا الاختام، وتوزيع الأشكال على سطح هذه الاختام، وقد سميت حضارة هذا العصر النحاسي بحضارة العبيد نسبة إلى تل العبيد الصغير الذي يقع في جنوب العراق، إلى القرب من مدينة أور الشهيرة حوالي ستة كيلومتر." لقد توجت الاختراعات التي اهتدى اليها سكان وادي الرافدين في عصور ما قبل السلالات بانقلابات خطيرة في الاطوار الأخيرة منها، ولاسيما بعد ان حل قرب الانهار في العراق وفي مصر، ومن ذلك ما ذكرناه من اتساع الزراعة وبداية الحياة الحضرية ونشوء أولى المدن والاختصاص، وعرف بناة الحضارة الاوائل في العراق ومصر فن التعدين أي صناعة النحاس والبرونز. فعرف العراقيون القدماء صنع النحاس في العهد المسيحي بطور" العبيد"(في حدود 4000 قبل الميلاد) وعرفوا صنع البرونز في عهد" جمده نصر"(في حدود 3200 قبل الميلاد) وابتدعوا دولاب الخزاف وصنعوا الاجر والاختام الاسطوانية والعربية ذات العجلة والمحراث، الذي حل محل قطعة الحجر التي كانت تستعمل لنبش الأرض في العصور الحجرية الحديثة، واهتدى سكان العراق القدماء إلى صنع السفن الشراعية في عهد قديم جداً في عهد العبيد السالف الذكر، بدلالة ما وجد من الماذج في أور/ المقير من ذلك العهد وفي ايدو، وتوجت كل هذه الوسائل بابتداع وسيلة للتدوين أي الكتابة، وقد تم ذلك في العراق قبل غيره من اقطار الدنيا. كما عرف دولاب الخزف وفن التعدين والعجلة فيه كذلك قبل الحضارات الاخرى، وبدأت في الأطوار الأخيرة من عصور ما قبل السلالات الفنون الراقية كالنحت والتصوير والتطعيم (تطعيم اوتكفيت الاحجار باحجار أخرى ثمينة) وقد بدأ فن النحت منذ عصر الوركاء ولاسيما منذ نصفه الثاني (وفي حدود 3500 ق.م). وظهرت كذلك المباني العامة كالمعابد، منذ عصر العبيد" وكثرت المعابد وازدادت أهميتها منذ عصر العبيد، وظهرت في طور الوركاء الابنية التذكارية الدينية ومن بين ذلك أولى الابنية الشاهقة التي سماها البابليون" زقوره" وهي الصرح أو البرج المدرج"(5).‏

ان الخصائص المميزة لهذا العصر النحاسي عن العصر الحجري الحديث الذي سبقه، تشكل نقلة حضارية في تدرج حياة الناس من حيث تطويرهم للصناعات والاختراعات، باستخدام النحاس أولاً، ثم مزيجه القاسي وهو البرونز من أجل صنع الاسلحة الحربية، قبل ان يستخدم لأدوات السلم. كما ان تطور الزراعة المعتمدة على الري والتي شملت أنواعاً متعددة من الخضار، انعكس على تنوع الغذاء للناس، وكميته في ارتفاع معدل القامة البشرية للانسان ارتفاعا ملموسا، في العصر الحجري النحاسي.‏

ولقد ادت صناعة المعادن والخزف والفخار وتخصصها إلى ظهور الحرف المختلفة وبالتالي التخصص في التقسيم الاجتماعي للعمل، وإلى زيادة في العلاقات التجارية بين القرى وممالك القبائل، ثم ان انتقال الناس من حياة البداوة إلىالزراعة والحضارة، وازدياد عدد السكان، وميلهم إلى الاجتماع البشري والتعاون فيما بينهم، سواء في مجال التقسيم الاجتماعي للعمل، أم في مجالات العلاقات التجارية، قد ادى إلى قيام المدن المنظمة وظهور الحكومات الصغيرة المستقلة بعضها عن بعض. وكانت المتاجرة بطريقة المقايضة، أي تبادل السلع بسلع أخرى، هو التقليد السائد بين السكان، الذين سكنوا سورية وفلسطين ولبنان من جهة، ومصر والعراق من جهة أخرى، وعلى الرغم من ان التجارة، كانت بسيطة، في ذلك العصر. إلا أن الاتصالات التجارية، والثقافية، وتطوير المعتقدات الدينية التي ظهرت بظهور المعابد، وانتشار حضارة العبد انتشاراً كبيراً امتد تأثيرها حتى سواحل شبه الجزيرة العربية المطلة على الخليج العربي، وشملت أيضاً الاقليم الشمالي من بلاد الشام، وكانت لها انعكاسات مهمة على صعيد تنشيط الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في جميع مظاهرها. وكان اختراع الكتابة التي انتشرت من جنوب بلاد الرافدين إلى شمال سوريا، حيث أنه بالكتابة بدأ التاريخ الحقيقي للمجتمع المديني، الذي بزغ في المنطقة العربية، ومارافقه من سير عام باتجاه التمدن والمدنية من الشرق إلى الغرب، وماشاكل ذلك من ثمار العمران والحضارات." ومع ظهور الكتابة أصبح النشاط المعرفي- الفكري ميدانا خاصاً من ميادين الممارسة والحياة العملية، له استقلالية ملحوظة، وانفصل عن تيار حياة الجماعة القديمة، الذي كان حت ذلك الوقت، غير متفكك تقريبا. وان ظهور الدولة والكتابة يفصل العصر القديم عن العصور البدائية، ويشير إلى فجر الحضارة وبداية تاريخ البشرية الحقيقي، وتعتبر كتابة ما بين النهرين أقدم كتابة في العالم واغلب الظن أن الفضل في اختراع الكتابة يعود إلى السومريين، وهو شعب كان يعيش في جنوب العراق الحالي، خلال الالفين الرابع والثالث ق.م"(6).‏

3- علاقة المجتمع المديني بالدول‏

القومية الامبراطورية :‏

حققت الانسانية قفزة نوعية كبيرة باجتيازها العقبة التي تفصل بين العصر الحجري النحاسي، والعصر النحاسي، في جنوب ما بين النهرين الملقبة ببلاد سومر على الخليج العربي، وأضطلعت سومر بمركز الطليعة الفكرية والحضارية في بلاد الشرق الادنى منذ مطلع الألف الثالثة قبل الميلاد"و" سبقت مصر في خلق أول حضارة مزدهرة تكمن فيها بذور تاريخية. ولكننا لانعرف ما إذا كان ذلك ثمرة النضوج الفكري لشعب المنطقة أم أنه كان بتأثير شعب جديد قدم إلى هناك.‏

أن ما حققه أولئك السكان القلائل الأولين في مجالات الفكر والاقتصاد والسياسة في ذلك الاقليم المنتزع من الطبيعة المتمركزة في مدينة المعبد وذلك كتجسيد للايمان بالقوى الخفية المنطلقة من فلسفة دينية ثابتة تشمل الفرد والجماعة على حد سواء والتي وجدت تعبيرها في العمارة الضخمة وفي الفنون الشكلية الجديدة من نوعها "(7).‏

وكانت مدينة الوركا"( =أوروك) من اقدم المدن السومرية، وتقع في شرق الفرات بالقرب من ناحية الخضر (السماوه). ويسمى عصر ازدهار الحضارة السومرية بعصر الوركا نسبة إلى أوروك الشهيرة، المعروفة بالتوراة تحت اسم ايرخ، والتي شهدت تقدما كبيرا في فن العمارة ولا سيما المباني العامة، والمعابد المشيدة على" مصاطب صناعية مكونة من عدة طبقات هي أصل( الزقورة) أو الصرح المدرج الذي امتازت به حضارة العراق القديم".‏

والزقورة برج شاهق (كبرج بابل المشهور وبرج أور المقير وبرج بور سبناالمسمى الآن برس نمرود وبرج عقرفوف) كان يشيد جوار معبد المدينة". وكان سكان هذه الحضارة القديمة يشيدون فوق قمة البرج معبداً للعبادة إله المدينة الخاص. كما يشهد عصر الوركاء بالإضافة إلى مستوى الفخامة والعظمة في فن العمارة، اختراع العراقيون القدماء في هذا العصر الختم الأسطواني، المنقوش بصور ورسم مختلفة بهيئة معكوسة، والذي أصبح بالإضافة إلى الزيقورات، والكتابة المسمارية من أهم خصائص حضارات العراق القديم خاصة، والشرق الأدنى عامة.‏

لقد أسس السومريون فلسفتهم في الحياة على اساس دورة الحياة والموت، المتجسدة، في أوروك الأسطوري المعروف بالإنسان الإله دوهوزى، والمشهور في التوراة باسم "تموز". ومن خلال هذا التوازن "تفتقت قدرة السومريين الخلاقة في فجر تاريخهم والتي تجلت في إدراك أن الموت والحياة يدوران في دوامة أبدية، وفي الإيمان بأن دولة الإله وتنظيمها المجتمع البشري على أساس تيوقراطي تشرف فيه الدولة على كافة وسائل الإنتاج ليكون في خدمة الآلهة. ولقد تجلى هذا الإدراك أيضاً في العمارة الشامخة في أول المنحوتات العامة، وفي الأختام، وذلك كتعبير عن فلسفات دينية.(8).‏

أعقب عمر الوركاء، عمر "جمدة نصر" أو الطور الثاني لفجر التاريخ، وقد أطلق عليه اسم "جمدة نصر"(3200-3000ق.م) نسبة إلى تل صغير يعرف بهذا الاسم قرب مدينة كيش القديمة. وظهرت في هذا العصر مدناً كبيرة منها "جمدة نصر" وماري (تل الحريري). وتعتبر حضارة "جمدة نصر" استمراراً فعلياً لحضارة عصر أوروك، وتركت شواهده حاضرة في كافة أرجاء الشرق الأدنى. ففي هذا العصر ظهرت الحضارة الناضجة في القسم الجنوبي من العراق، حيث يسمونه المؤرخون بطور تكوين الحضارة السومرية أو عصر فجر السلالات الذي تبلورت فيه الحضارة السومرية. فتطورت القرى الكبيرة إلى مدن وظهرت مرافقاً لها نظام المدينة، والدول-المدن، التي امتاز بها عصر فجر السلالات لاحقاً، وظهرت الأبنية التذكارية كالمعابد والزقورات، وانتشر استعمال فن التعدين واتقانه. وبالإضافة إلى هذا العصر، أي عصر "جمدة نصر"، انتقل العراق في فجر حياته السياسية إلى عصر دويلات المدن، عبر الإنقلاب الذي حصل على كامل حضارة "جمدة نصر"، من خلال انتقالها إلى عصر ميزيليم، حيث "تحول مركز ثقل الحضارة من أقصى الجنوب إلى الخليج العربي إلى المنطقة التي تعلوها قليلاً إلى الشمال، هي منطقة العاصمة بغداد حالياً. أي من مدن أوروك وأيدو وأور إلى مدينة كيش عاصمة الملك ميزيليم، التي تعتبر الأمة القديمة لمدينة بابل الشهيرة عاصمة الحقبة الكلاسيكية، والتي انطلقت منها منذ ذلك الحين موجة عم بها العنصر السامي المنطقة"(9).‏

إن ما يتميز به عصر ميزيليم هو التطور المذهل في فن العمارة والبناء، ففي هذا العصر عمد الإنسان إلى حفر أساسيات للجدران، ونشوء المعابد العالية، التي تشكل وحدة بنائية متماسكة. كما يضم المعبد مكاناً واحداً أو اثنين أو ثلاثة أمكنة لقدس الأقداس. وفي هذا العصر تم تشييد السور المزدوج، والمستدير لمدينة أوروك، بنوع من الآجر السلحفي الشكل وكتل الطوب الكبيرة، كنوع من التحصينات الدفاعية للمدينة، حيث أن النص البابلي يشير أن جلجا ميش هو الذي بنى هذا السور باعتباره الملك الأسطوري لأوروك، في سبيل المحافظة على شهرته الخالدة.‏

ويشكل هذا العمل الخطوة الأولى "نحو التحول من نظام دولة الإله مع المعبد كمركز لها إلى نظام اجتماعي جديد يكون فيه المعبد والقصر، كبير الكهنة والملك جنباً إلى جنب متفقين أو متعادين، لقد أصبحت أيضاً مدينة المعبد نفسها بتسوير حدودها منعزلة عن بقية أقسام المدينة. وهكذا شكلت هذه الأقسام مع قصر الملك، والسور المحيط بها عالماً قائماً بذاته، إنها الثنائية (المعبد والملك) التي كان قدر لها أن تقرر السياسة الداخلية لبلدان الشرق الأدنى طيلة آلاف من السنين"(10).‏

أن السومريين الذين شيدوا أعرق حضارة في العراق خلال عصري أورك وجمدة نصر، هم الذين أسسوا الوحدات الاقتصدية والسياسية القائمة على نظام دول- المدن. وكانت بابل التي تمتد من بغداد إلى جنوب العراق تمثل وحدة سياسية اقتصادية قائمة على الإرواء النهري، من دجلة والفرات، وقد لعبت خصائص العراق الجغرافية والبيئية دوراً مهماً في تعرض بلاد ما بين النهرين إلى هجرة الأقوام الضعيفة وإلى غزواتها المتكررة مثل تغلغل الساميين، الذين جاءوا من بادية الشام وذلك خلال عصر ميزيليم، واختلاطهم بالسكان والحضارات الموجودة في العراق إلى درية كبيرة.‏

إذا ألقينا نظرة عامة على أعمال التنقيب عن الآثار لبقايا مستوطنات عصر فجر التاريخ، لرأينا أهمية المخططات القديمة لبناء المدن في بلاد ما بين النهرين، وتنظيماتها المعمارية، ومنشآتها العامة. حيث اننا نجد ثلاثة عناصر رئيسية في مخطط المدينة المعابد- وشبكة الري- والتحصينات الدفاعية. ففي كل مدينة سومرية، في القسم الجنوبي من العراق، شكلت بحد ذاتها دويلة مستقلة، اطلق عليها اسم " دولة المعبد " وكان يترأسها شخص لقب بـ" باتيزى " أو نزى" ومعناها " الخادم" أو " الامير".‏

ويكشف لنا التقدم الهائل في تنظيم المدن في فجر التاريخ عملية تحصين تلك المدن بأسوار مؤلفة من جدار أو جدارين، مثل مدينة أوروك( الوركاء)، التي كانت محاطة بجدارين سمك الجدار الداخلي منها بين اربعة وخمسة امتار، وبلغ طوله 15،9 كيلو متر واختراقهما بوابتان شمالية وجنوبية.‏

غير ان التطور الهائل ااذي بلغه مجتمع المدن في تلك الحقبة التاريخية يتمثل في بناء المعابد، التي كانت بمنزلة المقر الرئيسي لتسيير شؤون الدولة، باعتبارها مؤسسة ذات صفة اعتبارية تمتلك " وسائل الانتاج "، وتشكل في الوقت عينه ملاجئ روحية لافراد المجتمع المديني. ونشأ عن صراع هذا المجتمع المديني الوليد مع ظروف بيئته الطبيعية، تطورا على صعيد الحركة، والابداع، والاختراع، تجسد ذلك في مد قنوات الري، وعملية الاتصال بين أحياء المدينة لتزويد السكان بالمياه الصالحة للشرب، ولري الحقوق والحدائق. وفضلاً عن ذلك أهتم الناس باقامة التحصينات الدفاعية التي كانت تقام داخل وخارج أطراف المدينة، حيث أن مهمتها تتمثل في حماية هذا المجتمع المديني الجديد من الهجمات المعادية، وفي مقدمتها غزوات البدو، ومن هنا كانت كثرة البوابات والابراج الدفاعية في دول المدن السومرية القديمة.‏

وتؤكد حضارة العراق القديم ومصر، اللذان عرفا دويلات المدن التي كان يحكمها امراء لهم صفة دينية، أو أنهم في عرف المجتمع المديني ينوبون عن الاله، في تسيير شؤون البلاد، أن المعبد العام الذي تحدثنا عنه كان هو محور الحياة الاجتماعية والسياسية في دول المدن، ومركزاً لاوائل المدن. وكان الكهنة، هم الذين يشرفون على ادارة المجتمع الخاص بالمعبد نيابة عن الاله. وكانت حكومتهم تلقب بـ" حكومة الكهنة"، التي لم تكن قادرة على مواجهة الازمات، التي تواجه المجتمع خصوصاً مع اندلاع الحروب بين دويلات المدن من ناحية، والحروب ضد غزوات البدو الذين عاشوا في اطراف الحضارات في جنوب العراق من ناحية أخرى.‏

وتظهر لنا الاثار، والمكتوبات، الكيفية التي عاش بها المجتمع المديني، في ذلك العصر فجر التاريخ، حيث كان الاقوام" يملأون شوارع مدن بابل والآن هم وقود تحت انقاضها الصامتة. والظاهرة أنه كان في المدينة جماعة من ارباب الاملاك يستخدمون العبيد في فلاحة وزراعة أراضيهم ويتعاطون في الوقت نفسه التجارة مستخدمين لها القوافل في البر والسفن في النهر، ذهابا وايابا، وكان موظفو المملكة ورجال الدين، الذين حسبوا أعيان المدينة وأكابرها ارفع درجة من سواهم. ومنهم من الملاكين في أرياض المدينة تألفت الوحدة الساسية أو المملكة التي كانت عبارة عن مدينة، وما حولها من الضواحي.‏

ومنها تسمت القرون الثلاثة الأولى بعد نحو 3050 ق.م/ بعض ممالك المدن السومرية أو الممالك المدينية (City Kinjdoms) السومرية. وكان من سكان المدن المذكورة اذا طرق مسامعهم أن أحدى المدن المجاورة لهم زاحفة عليهم لامتلاك شيء من أراضيهم عنوة سارعوا إلى الانضواء تحت لواء حاكمهم ليصدوا هجمات الاعداء عنهم. وبما ان حوادث كهذه كانت كثيرة الوقوع، كان تاريخ سومر مدة ثلاثة قرون من 3050- 2750 ق.م/ تاريخ انقلابات مستمرة في هذه الممالك الصغيرة، وذلك لتوافر الحروب فيها. وكما كانت ممالك السومريين الصغيرة تثير الحروب أحيانا كثيرة بعضها على بعض، كذلك كانت تنضوي أحياناً أخرى، تحت لواء واحد لمقاتلة عدو خارجي. فان قبائل الساميين الرحل كانت منذ القديم قد أخذت تحتل البلاد الواقعة إلى الشمال من سومر والمعروفة بأّكد حيث الرافدين على معظم اقترابهما. وكانت بلاد أكد واقعة على السكة الكبرى التي تصل النهرين بالجبال الشرقية. وكانت القبيلة السامية ذات الزعامة هناك تدعى بالأكاديين"(11).‏

وتتجسد علاقة المجتمع المديني بدول المدن من خلال أولى أنظمة الحكم السياسيى التي انبثقت في فجر التاريخ، حيث كانت الملكية والقابها مرتبطة وخاضعة لسياق تطور المجتمع المديني، وملكية الدولة لوسائل الانتاج، وبروز الملكية الخاصة، ثم مقتضيات وحاجات المجتمع المديني في سبيل تطور الاقتصاد. ولما كان المعبد هو المقر الرئيس لتسيير شؤون الدولة كما اسلفنا في الحديث عنه، فان الملكية ارتبطت بشكل مباشر في المعبد) وبآلهه الأكبر، أو الآله القومي للسومريين، الذي يوجد في مدينة" نيبور". وقد عرف جنوب العراق في عهد الحضارة السومرية عدة دول مدن، أهمها دولة مدينة" كيش " التي كان ملكها ميزيلم أقدم ملك سومري 2600 ق.م/ ونافستها دول ومدن أخرى، وانتزعت منها السيادة مثل دولة مدينة" لاجاشي" و" شوروباك".‏

واذا كان النظام التيوقراطلي هو أساس النظام السياسي الذي ساد في الحقب التاريخية الأولى من عصر دول المدن، في جنوب العراق، حيث كان للمعبد هيبته، واعتباره، وحيث كان الكهنة يتدخلون في شؤون الحكم ويمارسون التسلط على الجماهير المسحوقة. غير ان التطور الذي قطعه المجتمع المديني في علاقته مع دول المدن في الحضارة السومرية، جعله يتناقض مع الحكم التيوقراطي القديم، مثلما أضحى هذا المجتمع يتطلب وجود دولة ذات نظام ملكي جديد، يحكمه ملك قوي، ويجسد في شخصيته القيادة السياسية والعسكرية. ولما كانت دول المدن السومرية عاجزة عن تحقيق وحدة سياسية كبيرة، تمكنها من بسط نفوذها وسلطانها سياسياً وعسكرياً على بيئتها ومجالها الحيوي، بما ينسجم مع مقتضيات التطور، فقد استشرست فيها المنافسة والحروب المنظمة بين دويلات المدن هذه على السيطرة، خصوصاً بين دولة مدينة كيش وبين دولة مدينة" أوروك" المقدسة، فضلاً عن اشتداد الازمات، مع تعرض دول المدن السومرية لكوارث الاجتياح والغزو.‏

أن دول المدن السومرية التي انبثقت في عصر فجر السلالات، والتي تتألف من المجتمعات المدنية المعبدية، أي تلك المجتمعات التي تتركز حول معبد معين _ حيث أن الله الذي يعبدفي معابد المدينة هو الحاكم الحقيقي والمالك الحقيقي للمدينة والناس، أما الحكام والكهنة، فهم وكلاء فيه حكمة فيه في حكمه على الناس)، مارست نظام المجلسين الديمقراطيين منذ بداية الألف الثالث قبل المسيح. ولكن هذه الممارسة الديمقراطية، التي كانت خاصية هذا النظام السياسي المديني في اطار علاقته الحميمية مع المجتمع المديني الجديد لم تكن جديرة بالاستمرار والبقاء، بل أنها تجمدت في نظام دولة- المدنية ذات الطبيعة المصغرة. وكانت عرضة للانكسار، لأنه كلما اسست دولة- مدنية ديمقراطياً على أساس تقدمي، كلما فاجأتها مدينة أخرى منافسة لها" بغزوة تدمر ما شيدته وتوقعها فريسة للقوة المنتصرة، كما ان هذه الدويلات تكون دائماً عاجزة عن مواجهة المخاطر الخارجية".‏

والحال هذه فإن دول المدن السومرية اندثرت من على مسرح التاريخ بحكم ضعفها، وصغرها، وعجزها عن التوحد في اطار دولة قومية واحدة، تساوي بين جميع المواطنين، لكي تتم تخطيها جدلياً وتاريخياً من الاقتتال المتواصل بين دول المدن الصغيرة، عبر تأسيس الدولة الامبراطورية القومية الأكادية، باعتبارها حدثاً تاريخياً مهما في تاريخ الانسانية، حمل مفاهيما سياسية واجتماعية وقومية، وحضارية جديدة، حين بسط سرجون أكادي الكبير " سلطانه على بابل وآشور وسورية الغربية، ودخل آسيا الصغرى، وامتدت تجارته حتى جزيرة قبرص التي ضمها إلى أمها اليابسة. وفي عهده حققت الدولة الاكادية ادارة منظمة ومركزية صارت مثالاً للدولة القومية المركزية التي نشأت فيما بعد، ومنذ ذلك الحين بدأ يتضح النزوع إلى دولة عالمية، تلك التي مهدت بطابعها كل تاريخ آسيا الغربية حتى عصر الدولة الاسلامية... بهذا الحدث التاريخي الحضاري الكبير كانت سورية رائدة ومعلمة وموزعه مفاهيم انسان جديد رائد، تعاليمه ومفاهيمه وقواعده القومية الاجتماعية لم يقدر الغرب ان يتقنها حتى اليوم، بل لم يقدر هذا الغرب ان يرفقها، في القرن العشرين، بالروح القومية الاجتماعية الانسانية التي تجلت في دولة سرجون الأكادي (2300 ق.م) (12).‏

هوامش الفصل الأول:‏

(1) - بونفارد ليفين- الجديد حول الشرق القديم- ترجمة جابر أبي جابر (المقدمة والفصول 1-6) وخيري الغامش( الفصول 7-14) دار التقدم 1988 (ص64).‏

(2)- الدكتور انطوان مورتكات، تاريخ الشرق الأدنى القديم، تعريب توفيق سليمان، علي أبو عساف، قاسم طوير،( 12-13).‏

(3)- الدكتور فيليب حقي- ج أول تاريخ سورية ولبنان وفلسطين- ترجمة الدكتور جورج حداد، وعبد الكريم وافق- دار الثقافة بيروت 1982 (17).‏

(4) - المصدر السابق (ص19).‏

(5)- طه باقر- مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة- القسم الأول تاريخ العراق القديم- من مطبوعات دار المعلمين العالية(ص52-53).‏

(6) - بونفارد ليفين- مصدر سابق(ص88- 53).‏

(7)- الدكتور انطوان مورتكات - مصدر سابق (ص31).‏

(8) - المصدر السابق (ص43).‏

(9)- المصدر السابق(ص44).‏

(10)- المصدر السابق(ص47).‏

(11)- الدكتور جايمس هنري براستد- العصور القديمة نقلة إلى العربية داود قربان مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، 1983 - بيروت لبنان (ص 131-133).‏

(12)- أسد الاشقر - تاريخ سورية- الجزء الأول- الطبعة الأولى 1978 مكتبة الغساني ص98-104).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 09:09 PM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الثاني

بالدول القومية الامبراطورية‏


أن المغزى العام للتاريخ هو تكوين الدولة- الامبراطورية. والأكاديون، الذين هم فرع من الاقوام السامية هاجروا من الجزيرة العربية، باعتبارها مهدَّا ومنطلقاً للاقوام السامية، التي انتشرت من الجزيرة العربية، على اساس هجرات أو موجات متعاقبة في أزمان مختلفة باتجاه مناطق مابين النهرين، أي العراق، وبلاد الشام، حيث استوطن الساميون في العراق وتعايشوا مع السومريين منذ أقدم العصور التاريخية، وطغوا على حياة العراق ومعظم الشرق الأدنى، منذ العهد الأكادي بعد ان تغلب زعيم منهم وهو سرجون الأكادي على دول المدن السومرية في أواخر عصر فجر السلالات"(1). اذا هؤلاء الأكاديون كانوا آنذاك مهيأين، بسبب نضج الظروف والشروط الموضوعية والذاتية لتأسيس دولة امبراطورية عظمى عرفت بالدولة الاكادية، باسم السلالة الاكادية، نسبة إلى سرجون الاكادي، الذي كان ينتمي إلى الشعب الفقير، الذي انبثق منه. وكانت تتألب عليه طبقات مستغلة تنعم بالامتيازات، وتتألف من الامراء الاقطاعيين والكهنة، وقضاة الهياكل وكبار الموظفين ورجال الحاشية الملكية، كما ان هذه الظروف والشروط مهدت ايضاً لولادة المجتمع لمديني، ذلك ان هذا الأخير لايظهر للوجود إلا بالدولة، ومع الدولة، وضد الدولة في آن معاً.‏

ويجمع المؤرخون على ان الدولة الاكدية تعتبر أول نظام للامبراطورية في تاريخ البشر السياسي، كان لها تأثير مباشر على تطور المجتمع المديني في حضارة العراق القديم، والشرق الادنى عامة. وكان المشروع السياسي القومي لسرجون الاكادي يتمثل في الاجمال في تأسيس جيش قومي جديد ومؤمن بقضية الحرية والعدالة الاجتماعية، ومتكون من عشرات الألاف من الفلاحين، والعمال والصناع، مكنه من الزحف على القصر الملكي، وخلع أول ملك، وتنصيب نفسه ملكاً جديداً يسمى نفسه حالاً" شاوكين" أو" الملك الشرعي"‏

" والملك صاحب السلطان العالمي"، ويسميه المؤرخون سرجون الأعظم أو" شرلمان آسيا الغربية. فالدولة الاكادية التي أسسها سرجون قامت بفتوحات سورية الطبيعة كلها ومن ضمنها قبرص، بعد أن تغلبت على دول المدن السومرية في آواخر عصر فجر السلالات، في اطار دولة مركزية واحدة، تضم مناطق العالم الاربع سورجا تو( الشمال) أمورو( الغرب المتوسطي)، عيلام (الشرق) سومر وأكاد( الوسط والجنوب). وليس من شك أن هذه الدولة الاكادية- الامبراطورية تعتبر الدولة النموذجية في التاريخ، التي احتذى بها حمورابي الملك البابلي الصالح، مثلما ليس هناك مايضاهيها من حيث بنائها لنظام سياسي قومي مركزي سوى الدولة العربية في عهد الخلفاء الراشدين، وفي العصر الأموي، والعصر العباسي، حين بلغ المجتمع المدني أوج ازدهاره على الصعيد العربي.‏

ان النقلة النوعية، التي حققها سرجون في عهد الدولة القومية الاكادية، تتمثل في اقامته نظاماً سياسياً استطاع أن يتخطى جدلياً وتاريخياً نظام المدينة والامارة، الذي رافقته الفوضى والحروب الداخلية في عهد دول المدن السومرية، هذا النظام السياسي هو نظام الدولة القومية الفعلي، الذي أصبح مثالاً يحتذى به على صعيد التاريخ السياسي العالمي.‏

ويقول المؤرخ الايطالي موسكاتي في مؤلفه " تاريخ الشعوب السامية وحضاراتها" حول هذا الموضوع" وسع سرجون امبراطوريته فشمل بابل وآشور وسورية( يعني سورية التقليدية أي الغربية) ودخل آسيا الصغرى.‏

وامتدت تجارته إلى قبرص. وان لدولة أكاد في عهده إدارة منظمة ومركزية، أصبحت فيما بعد مثالاً للانظمة اللاحقة. ومنذ ذلك العصر ظهرت بوضوح نزعة إلى الدولة العالمية طبعت كل تاريخ آسيا الغربية بطابعها حتى عصر الاسلام.‏

أن الدولة الاكادية، التي اتخذ سرجون أكاده عاصمة لملكه، والتي استمرت باسم السلالة الأكادية زهاء القرنين (2350-2210 قبل الميلاد) تأسست على فكرة الوطن الذي كان سرجون- يريد توحيده من المناطق الممتدة من" البحر الادنى" إلى البحر الأعلى" وعلى عملية الاندماج، والانصهار الكامل بين السومريين والاكاديين مع جميع الاقوام السورية، مجسداً بذلك عملية الاندماج الاجتماعي بين عنصري وادي الرافدين الرئيسيين، ومبرهنا ايضاً على أن الاكاديين والسومريين وجميع الاقوام السورية قادرة ومؤهلة لبناء مجتمع مديني تسود فيه روح الابداع والتطور. ومن خصائص هذا المجتمع المديني الذي ظهر مع الدولة القومية الاكادية، السمات التالية:‏

أولاً: عرفت الكتابة، والتدوين في عصر سرجون تطوراً كبيراً اذ أصبحت الكتابات الملكية، والوثائق التجارية تكتب باللغة السامية الأكدية، التي استعارت بدورها العلامات المسمارية السومرية. ولما كان المشروع السياسي القومي لسرجون مرتبطاً ببناء دولة قومية امبراطورية، وبالتالي بناء حضارة عريقة، فانه جعل اللغة السامية الأكدية اللغة الرسمية السائدة في الدولة، نظراً لمرونتها وثرائها من حيث الاشتقاق والتصريف. ولعبت اللغة السامية الأكدية دوراً مهما في عملية الاندماج والانصهار الشعبي والحضاري بين السومريين والساميين الأكديين.‏

ثانياً: سيادة الاسلوب الموحد لتقويم السنين، والاوزان، والمقاييس، والمكاييل، والنظام العددي، واساليب المعاملات التجارية، على نقيض ماكان سائدا في عصر السلالات السابقة أي عصر دول المدن، حيث كان لكل مدينة تقويمها الخاص،وأشهرها، وأعيادها الخ.‏

ثالثاً: تحرير الفلاحين من الاستعباد الاقطاعي، والقضاء على النظام الاميري الاقطاعي عليها واحلال الملكية الخاصة الصغيرة، وانشاء ديوان لتسجيل الاملاك تسجيلاً قانونياً، حيث أصبح الفلاحون ملتزمين فقط أمام المراجع الملكية المركزية مباشرة.‏

رابعاً : تجريد الكهنة من املاك الهياكل التي كانوا يشتغلونها بالوارثة، وتحرير العمال والصناع العاملين في مشاغل الهياكل الصناعية، وانشاء ادرات خاصة للأراضي، والمشاغل الاكليريكية تشرف عليها الدولة مباشرة.‏

خامساً: الغاء جميع محاكم الهياكل، وإنشاء محاكم مدنية، وأصبحت الحكومة المركزية هي التي تعين القضاة الملكيون الخاضعون مباشرة لمراقبيها. واتسعت صلاحيات القضاة في عهد الدولة الأكادية" الذين كانوا قبل سرجون أشبه مايكونون بالمحكمين، ولكن صار حكمهم منذ العهد الأكادي الزاميا باسم الملك. وبموجب هذا العرف الجديد يكون سرجون قد أوجد بوجه عملي محكمة للاستئناف للبلاد حيث كان هو رأسها، وهي مستقلة عن المدن المختلفة، وهذه الخطوة مهمة في تطور العراق القديم، وتطور شرائعه، وكان حمورابي مثل ذلك ايضاً ".‏

أن الغاء استغلال الانسان للانسان، واعلان الحريات الفردية الكاملة في عهد سرجون، حيث أصبح المواطنون يعيشون ضمن قوانين الدولة المركزية الجديدة، يؤكد على ان العلاقة بين المجتمع المديني والدولة، كانت قائمة على أساس العدالة والمساواة واحترام القانون، لأن دولة سرجون المركزية، لم تكن نزوعا توسعيا عسكريا، بقدر ما هي دولة كانت تريد تحقيق الاصلاح وتحرير الانسان، وتوحيد بلاد دول المدن. وبالفعل كانت الامبراطورية السرجونية انتصاراً للحضارة السومرية، ولم يقدم سرجون إلا فكره السياسي والقومي ولغته العربية الجميلة التعبير. وقد نوه المؤرخ موسكاتي بهذه الظاهرة الاندماجية في العرف والحضارة بقوله:" ان العناصر الاثنية التي ابدعت تلك الصروح الفنية والادبية في تاريخ وادى الرافدين ، وحضارته هي في الاساس سومرية، واكادية، لقد عاش هذان الشعبان ضمن شراكة تفاعلية خيرة وليس كما كنا نتوهم منذ سنوات أن المحن التي المت بتلك المنطقة هي ناتجة عن مقارنة أو تناقض بينهما، فقد حدث بالأحرى أنصهار بين هذه العناصر الاثنية، فالعرب الذين كانت لهم الغلبة، قد امتصوا القسم الأكبر من الحضارة السومرية"(2).‏

من الناحية السياسية والقومية، يشكل بناء الدولة الاكادية بقيادة سرجون حدثا تاريخياً مهما، افسح في المجال لولادة مجتمع مديني جديد سادت فيه مفاهيم جديدة، واطلق العنان لظهور تيارات فكرية وفلسفية واجتماعية، ولتفاعل ثقافي ولغوي واجتماعي قل نظيره. فالتفاعل بين الاكاديين العرب والسومريين انشأ حضارة عريقة في هذه الدولة الامبراطورية، وحتى عندما بنى سرجون عاصمته أغادة، التي أضحت مركزاً للدوائر والاجهزة الملكية المشرفة على جميع شؤون الدولة الامبراطورية الشاسعة، فإنه بالمقابل حافظ على تجديد وتعظيم المدينة الدينية المقدسة نيبور، وبذلك " أخذت تترسخ التقاليد الدينية الموحدة والنظرية السومرية الاكادية في نشوء الحياة والكون، وهي كانت الأولى أو المعاصرة للنظرية المصرية. وقد كانت هاتان النظريتان أساس النظريات الدينية المناقبيه والفلسفية في العالم....‏

وسرجون عندما يقوم بحركته الثورية الكبرى، فيلغي نظام المدينة الدولة والامارة- الدولة، وجميع ما ينتج عنهما من امتيازات ومظالم، فإنه يبقي على منابع القيم الدينية، والمناقبية والتشريعية محدثاً فيها الاصلاحات الضرورية، وذلك لتتخذ حركته صفة التطور والتحدي والاصلاح والاستمرار في آن واحد، وليعمق بذور الحضارة السومرية- البابلية فتصبح تراثاً ثابتاً لاتقوى عليه الغزوات الخارجية، والفتوحات الطفيلية الداخلية"(3).‏

لقد لعبت نظرية السومريين الاكاديين في نشوء الحياة والكون والحضارة أدوارا مهمة خلقية تتضمن توقهم الشديد المولع بالحق والخير والجمال، ونزوعهم إلى العالمية الانسانية، وتبلور فكرة الوطن عندهم الذي يشمل المناطق الممتدة من" البحر الادنى" إلى " البحر الاعلى". ويقول جاك بيران في" نظرية نشوء الكون والحياة في نيبور مايلي: أن" تطور القانون الدولي الذي جعل العلاقات الاقتصادية والسياسية ممكنة بين المدن، هو مرتبط ارتباطاً وثيقاً مع وضع نظرية لنشوء الكون والحياة في نيبور توحد جميع العبادات المحلية في نظام ديني واحد. وكما في مصر كذلك في سومر، يسير الانصهار الديني المركزي متوازيا مع المركزية الدينية. في البداية لم يكن أقل اتصال فيما بين الالهه المحليين، ولكن تأثير الظروف السياسية، الخاضعة ، هي بدورها، للضرورات الاقتصادية، وفق علاقات قرابة، فقد جعلت سيطرة أور وقتاً من الأوقات، من" سن" اله القمر، وألد شمس الاله- الشمس، سيد لارساه، ومن عشتار الالهه- الامام القديمة، الالهة حارسة لأوروك.‏

كل هذه التكتلات المنبثقة في نيبور، آلت إلى قيام نظرية في نشوء الحياة والكون. هذه النظرية تعي العالم منبثقاً من عدم بدئي سائل، مكون من عنصرين: الأول ذكر خالق هو"ابسو" مبدأ الخير، والثاني انثى هي" نيامه" مادة كونت منها المخلوقات، أصل الأشياء المخلوقة، وبالنتيجة المحدودة إذن مصدر الشر.‏

ان اتحاد هذين العنصرين بخلق العالم الذي رمزه الاله- السماء " انشار " والالهة- الأرض " كيشار". ويرتكز هذا العالم المولود من الخير والشر على الاوقيانوس" ابسو" مبدأ خالق لاينفك يجدده.‏

منذ ذلك الحين كانت الخليقة. وهذا العالم المخلوق، وهو مادة متشعبة بمبدأ الحياة ينمو بتطور ذاتي، مولدا سلسلة من المخلوقات، تتدرج من الالهة إلى المخلوق المادي البسيط، وقد أنشئ هذا الخلق كما في مصر، بصورة ذريات وأجيال. من انشار وكيشار ولد آلهته ذكور ثلاثة: آنو، ملك السماء، أنليل ملك الأرض، وأيا، ملك الاقيانوس البدئي. ثم ظهرت الكواكب، وارواح طاهرة، والشمس، شمس، والقمر، سن" و السيارات، بينهما عشتار، والزهرة، تحتلان مركزاً مهيمناً. كل الخليقة تخضع لكبار الالهة الثلاثة: السماء والأرض والبحر. انو الأله الأكبر- ايا هو خالق البشر. انليل، أله نيبور هو سيد البشريين وموزع السلطان. هو الذي سبب الطوفان ليعاقب العالم على كفره.‏

هذه النظرية، التي تقدم العناصر على الالهة، ترتكز على فكرة تطورية سابقة العصر العلمي، بعد ان خلق انو السماء، والسماء والأرض، والارض الانهار، والانهار الحفر، والحفر الوحول، والوحول الدودة" آنذاك ظهرت الحياة على الأرض.‏

وهكذا بينما كانت مصر ثكنة العالم كتسجيد للضمير الالهي، جاء له من الأفكار المطلقة الحقائق الأولى، كانت سومر تقدمه كحاصل تطور ملتحم بالمادة، متشبع بمبدأ الحياة. وهكذا من ضمن نظريتي نشوء الحياة والكون الناشئتين هي هليوبوليس ونيبور، انبثق منذ الألف الثالث، النظامان اللذان مافتئا يتقاسمان الفكر الانساني: النظرية المثالية والنظرية المادية.‏

قررت المثالية المصرية أن الغاية الكبرى من الوجود هي طلب الله ورجوع النفس إلى الالوهه التي انبثقت منها، ذلك قد حملها على اعتبار المناقبيه بصفتها وحيا الاهيا، المبدأ الموجه للحياة الشخصية والاجتماعية. أما المادية السومرية فقد اعتبرت الموت كنهاية للوجدان الانساني ورجوع إلى العدم المادي. وبما أنها جعلت من الاكتفاء الحسي غاية الوجود في هذه الحياة، فقد بقيت غريبة عن الانشغال بالقضايا المناقبية، متجهة بكليتها نحو الغايات العلمية، والمصالح المادية، التي وضعت في سبيلها. منذ الألف الثالث نشأت كل مبادئ القانون التجاري الذي ورثه الغرب فيما بعد "(4).‏

ان الجانب المناقبي في المفاهيم الدينية والأدبية والفلسفية والسياسية والاجتماعية تشكل خاصة رئيسية في التراث الحضاري السومري الاكادي، أثارها المؤرخ جاك بيران في اطار المقارنة بين المثالية المصرية والمادية السومرية.‏

وقد" درج المؤرخون المتأثرون بالعقائد الالهية الملهمة، والفلاسفة المثاليون، على احتكار المثالية، واعتبار الفلسفة المادية بعيدة عن المناقبيه الصحيحة لقولها بالتطور، ولعدم تسليمها بأن الاقطار المجردة هي حقائق أولى مطلقة. والحقيقة ان المناقبيه السومرية البابلية قد برهنت في حركة اووكاجينا التحررية وفي ثورة سرجون التي توخت كل الخير والحق والعدالة والمساواة للشعب، وفي عهد حمورابي الذي كان بحق فيلسوف الفضائل الاجتماعية، وفي نظرية نشوء الكون والحياة، لقد برهنت تلك المناقبية على أنها قمة من القمم الخلقية في تاريخ المجتمعات الانسانية "(5).‏

الواقع، ان الدولة القومية الطابع التي أسسها سرجون الأكادي، والتي اكتسبت شرعية سياسية تاريخية حضارية ودينية، لا لأنها فقط، كانت انقاذاً وتجاوزاً جدلياً لوضعية الحروب الأهلية المدمرة بين دويلات المدن الصغيرة السومرية، وانما لأن سرجون استطاع بفضل حنكته كقائد حربي وكرجل سياسي، ان يبني دولة قومية، هي بالفعل دولة سياسية، أصبحت نموذجاً سائداً حتى مجيء الدولة العربية الاسلامية. غير أن التحول العظيم الذي حصل بين العهد السومري الذي ساد فيه دويلات المدن، والعهد الاكادي الذي سيطرت فيه الدولة القومية الامبراطورية، يكمن في أن الدولة السياسية التي أسسها سرجون أصبحت لها مجالاً سياسياً كما يسمونه علماء الاجتماع والسياسة اليوم، من خلال ظهور مجتمع مديني مترافق مع بناء هذه الدولة السياسية، ومن خلال ممارسة السياسية كسياسة، تظهره ذلك الاصلاحات، والانجازات التقدمية والتحررية، كالتي قام بها سرجون لمصلحة الشعب، وتطور وتقدم المجتمع. ولاشك أن هذه الانجازات الحضارية نابعة من العقل السياسي للاقوام السامية الصاعدة من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام والعراق عامة، وسرجون بخاصة، والذي كان قوامه تفتح أفق هذا العقل السياسي، واستعداده للتكيف والتطور والاقتباس طبقاً للواقع الجديد، مع المحافظة على التفاعل والاقتباس على تراث من عاصره أو سبقه.......‏

المجتمع المديني في عصر دولة حمورابي.‏

فيما انهارت الدولة الامبراطورية الاكادية، حتى حصل الغزو المزدوج الذي قام به " الأموريون"( وهم قبائل سامية- العرب السوريون القادمون من الفرات الأوسط) و" العيلاميون القادمون من شرق العراق، الذي نجم عنه تشكل سلالتين حاكمتين في جنوب العراق وهما سلالة " ايسن " وسلالة " لارسا" نسبة إلى مدينة لارسية، التي تقع إلى الشمال الغربي من الناصرية بنحو /70/ كيلو متر. واستولت سلالة ثالثة على مدينة بابل، التي لم تكن سوى قرية صغيرة لا شأن لها على صعيد النفوذ والسلطة السياسية في عهد الدولة الاكادية.‏

وفي ظل غياب السلطة المركزية القوية والموحدة، عادت إلى البروز من جديد دويلات المدن، سلالة " ايسن" في أيدي الماريين (أهل ماري)، وسلالة لارسا في أيدي العيلاميين، فضلاً عن اشتداد التنازع على السلطة والسيطرة بين هاتين السلالتين، اللتين حكمتا القسم الجنوبي من العراق. في ذلك الوقت، تكونت سلالة جديدة ثالثة اشتهرت بسلالة بابل الأولى، وكان أشهر ملوكها الملك السادس حمورابي، حيث كانت كل الظروف الموضوعية مناسبة لقيام هذه السلالة. وما ان تسلم الملك حمورابي عرش السلطة بعد أبيه (1728-1685ق.م)، حتى أخذ على عاتقه انجاز مشروع سياسي قومي وانساني هدف إلى توحيد البلاد، بعد القضاء على دويلات المدن، وبناء دولة امبراطورية جديدة. غير ان استلام حمورابي السلطة في بابل، تطلب منه الانتقال إلى خوض حروب التوحيد القومي لكل بلاد ما بين النهرين، التي تحكمها عدة دويلات منها القوية كالعيلامية، ومملكة " ماري" ومنها الضعيفة مثل" اشنونا". ولما كانت هذه الدول متنافرة فيما بينها، فان حرب التوحيد القومي من أجل بناء الدولة القومية الواحدة على مستوى المملكة، اصبح امراً محتوما. وككل الحروب، فإن دراسة موازين القوى العسكرية لهذه الدويلات، واستغلال تناقضاتها فيما بين بعضها البعض، ودراسة أمور السياسة الدولية، التي كانت محيطة بمملكة حمورابي، تعتبر من العناصر الاساسية في أية استراتيجية عسكرية وسياسية ناجحة. وهذا ما قام به حمورابي، من أجل هزيمة أعدائه، الواحد تلو الآخر، خصوصا حين أقام تحالفات مع الملك العيلامي ريم سن، مكنه من خوض المعركة ضد العدو الرئيسي الأول له الملك الأشوري/ شمس حدد/، والانتصار عليه. وكذلك الأمر، حين خاض المعركة ضد عدوه العيلامي " ريم سن"، الذي كان رابضا بقواته العسكرية على أطراف مملكته بابل، فأنه تحالف مع مملكة أوغاريت السورية". لقد تغير الوضع تماما بعد ان قضى حمورابي على دويلات المدن، واعاد النظام إلى مملكته الامبراطورية الموحدة، التي توسعت بجمعها وادي الرافدين كله، من الخليج حتى نهر الخابور، أحد روافد الفرات في شمال ماري، وبانتشار نفوذها السياسي في بلاد الشام.‏

وهكذا فان التحول الجذري الذي عرفته دولة حمورابي القومية لم يحصل دفعة واحدة بل كان نتيجة لجملة من التحولات، أوجز أهمها، على النحو التالي:‏

1- الانتصار على البربرية بطردها إلى الخارج، خصوصاً وان هؤلاء البرابرة الجبليين كانوا يأتون دائماً من آسيا الصغرى ليقوموا بغزواتهم.‏

2- القضاء على أنظمة دول المدن، والامارة العاجزة عن اقامة دولة قومية متحررة يسود فيها العدل الاجتماعي، وقادرة على حماية نفسها من الغزوات البربرية.‏

3- ترسيخ القوانين الجديدة في المجتمع القومي الجديد، بما يفسح في المجال أمام المواطنين جميعهم لمزيد من التفاعل والاندماج القومي في مختلف المجالات الفكرية، واللغوية، والاقتصادية،.‏

4- اقامة الدولة القومية الكبرى التي تمتلك القدرة على تحرير طرق المواصلات وحمايتها، وتفسح في المجال لتطور القوى المنتجة، وللنشاط الاقتصادي، واستغلال الموارد الطبيعية.‏

5- سن حمورابي شرائع جديدة ألفها في كتاب ضخم سمي دستورا أو مجموعة قوانين. وكانت هذه الشرائع مكتوبة بلغة الاكاديين والاموريين السامية ،ثم أمر بحفرها على عمود جميل من الحجر كان منقوشاً على اعلاه مشهد يمثل الملك وهو يتناول الشريعة من الاله الشمس، ثم نصب عمود الدستور الجديد في هيكل الاله العظيم مردوخ في بابل وبقي في زماننا الحاضر. وهو اقدم مجموعة من الشرائع القديمة حفظت إلى ايامنا. واشهر تلك الشرائع، المبدأ القائل بوجوب مقاصة المجرم بمثل ماجنت يداه وهو " مبدأ العين بالعين، والسن بالسن"(6).‏

مايهمنا بالدرجة الأولى في هذا العرض، ابراز خصائص المجتمع المديني في العصر البابلي، وكيف كان هذا المجتمع يتطور ويتقدم بواسطة هذه الدولة القومية ومن أجلها، وكيف أنه يضمر ويتراجع بضمورها، وتراجعها.‏

أولاً- ان أهم خاصية تميز بها المجتمع المديني في العصر البابلي، هو أنه أصبح مجتمعاً منتجاً، وحقق أشواطاً كبيرة من التقدم والنجاح في هذا المضار يشهد على ذلك، كما يذكر المؤرخون، تطور محاصيل الزراعة من الحنطة، والتمور، وارتفاع عدد رؤوس الماشية من البقر والماعز والأغنام، وشيوع حياكة الصوف لارتداء الثياب الصوفية، التي اصبحت رائجة في كل آسيا الغربية.‏

ثانيا: أنه مع تطور المجتمع الانتاجي، تطورت بدورها التجارة والعلاقات التجارية، بين المجتمع البابلي، والاقوام الأخرى البعيدة. ولما كانت دولة حمورابي تمتلك جيشاً قوياً فأن طرق التجارة الدولية، وكذلك الأمن الداخلي داخل المملكة كانت محمية من قبله، حتى كانت قوافل الحمير تسير على رسلها حاملة سلع التجار إلى مختلف المدن والاقوام الذين رغب تجار بابل في الاتجار معهم. وكانت بالات البضاعة في افنية المنازل ركاما مركوماً بعضها فوق بعض وعلى كل منهم ختم صاحبها لاله على اسمه، وحين فتح البالات، كانوا يكسرون ختومها ويطرحونها على الأرض. وبحكم الاتجار مع باقي المدن السورية والبلاد التي تقع وراء مضائق الجبال الشمالية، انتشرت الكتابة المسمارية تدريجياً في آسيا الغربية، حتى صار التجار السوريون بعد أمر يسير يكتبون رسائلهم وقوائمهم التجارية على الاجر كتجار بابل انفسهم، وطارت شهرة حمورابي التجارية في جميع الارجاء الغربية، المعروفة في ذلك العهد وخلد ذكره بين يهود سورية وفلسطين حتى بعد وفاته(7).‏

ثالثاً : لقد تحولت تجارة الهياكل التي بحوزتها املاكا شاسعة إلى مراكز تجارية مزدهرة، تعطي للتجار القروض، وتتعاطى هي بدورها التجارة، وتشرف على أراضي واسعة. ومما يدل على ازدهار التجارة في هذا المجتمع المديني البابلي، تثمين الاشياء بقطع من الفضة ذات أوزان معلومة، المتداولة شيوعا في ذلك العصر، وانتشار عقد القروض وشيوعه مع معدل فائدة مرتفع. ان تطور التجارة واحتلالها المركز الأول في نشاط البابليين، يدل على سيادة العلاقات النقدية والسلعية في عملية التبادل بين الناس، وعلى وجود قدر عال من الحريات، التي تتيح لمواطني الدولة القومية قدرا كبيراً من المبادرة.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 09:11 PM   المشاركة رقم: 19
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



رابعاً: ان تطور التجارة مرتبط أيضاً بتطور التعليم في المدارس، وقد رأى البابليون ان المدارس ضرورية لتربية الشعب واعداد النشئ لكي يتولى أمور التجارة، والصناعة، وهندسة البناء، وبناء القناطر التي اصبحت شائعة، ووصل استعمالها لاحقاً إلى أوروبا. وتميز المجتمع المديني البابلي بازدهار العلوم والمعارف البشرية، وبروز مجموعات كبيرة من الاداب والمعاجم اللغوية، وتطور حركة تدوين اسماء الحيوانات والنباتات، وغيرها من المواد والمفردات اللغوية القديمة. واصبحت الاكادية اللغة الرسمية في كامل البلاد.‏

خامساً: ولعل أهم سمة من سمات المجتمع المديني البابلي، هو دفع الضرائب بلا تأخر، واصرار حمورابي على المقصرين بوجوب تسديد ضرائبهم بلا تأخر، وعلى معاقبة كل من يأخذ رشوة مهما كان مركزه في المملكة. والحال هذه يدل على ان التنظيم كان جيدا، فضلاً عن سيادة المحاكم المدنية التي حلت محل محاكم القضاة الكهنة، واستخدام اموال الضرائب في تدعيم سلطان القانون والنظام.‏

لقد بلغ المجتمع المديني البابلي أوج ازدهاره، حين سن الملك حمورابي في أواخر حكمه شريعته الشهيرة، التي كانت تتويجاً لقراءته وتأمله في كل الشرائع المكتوبة القديمة، التي جمعها، والتي بلور فيها حمورابي فلسفته لبناء المجتمع والدولة، وتسيير شؤونهما، من خلال تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، والعلاقات التجارية، والعلاقات بين الحاكم والمحكومين، بقوانين مدونة، تطبق على جميع الناس في مملكته، ويلتزمون بها.‏

ومن ناحية النظر إلى المجتمع المديني البابلي، وإلى الدولة التي بناها حمورابي، يعتبر حمورابي مجدداً، بل ومؤسساً لأول دولة قانون في التاريخ. لأن شرائع حمورابي، كانت بالاساس مدافعة عن حقوق المواطن وحريته، وتمتاز بصبغة مدنية راقية.‏

وما ان توطد حمورابي في الحكم، حتى مثل أمام اله العدالة" شمس" الذي سلمه كتاب الشريعة الكاملة ليحكم بموجب قوانينها ونصوصها. فقام حمورابي بإعلان تلك الشريعة المقدسة على الشعب، وجاء في مقدمة شريعة حمورابي مايلي:" ولما أن عهد أنو الاعلى ملك الانوناكي، وبل رب السماء والأرض الذي يقرر مصير العالم، لما ان عهدا بحكم بين الانسان كلهم إلى مردوك.. ولما ان نطقا باسم بابل الاعلى، واذا عاشرتها في جميع انحاء العالم، واقاما في وسطها مملكة خالدة أبد الدهر، قواعدها ثابتة ثبات السماء والأرض. وفي ذلك الوقت ناداني أنووبل، أنا حمورابي الامير الاعلى، عابد الالهه، لكي انشر العدالة في العالم واقضي على الاشرار والآثمين، وامنع الاقوياء من ان يظلموا الضعفاء، وانشر النور في الأرض، وأرعى مصالح الخلق. ان حمورابي الذي اختاره بل حاكماً، والذي جاء بالخير والخصب والذي اتم كل شيء لينيبور ودور يلو. والذي وهب الحياة لمدينة ايك، والذي أمد سكانها بالماء الغزير، والذي جعل مدينة باديسا.. والذي خزن الحرب لاوراش العظيم... والذي أعان شعبه في وقت المحنة، وأمن الناس على املاكهم، في بابل، حاكم الشعب والخادم الذي تسر اعماله انونيت".‏

و بعلق المؤرخ الانكليزي " دول ديورانت" على مقدمة شريعة حمورابي قائلاً:‏

" ان الالفاظ التي انتقاها في هذه العبارة لذات نفحة حديثة، وان المرء يتردد قبل ان يصدق ان قائلها حاكم شرقي" مستبد". حاكم عاش في القرن الثامن عشر قبل المسيح، يجعلنا نعتقد ان القوانين التي يمهد لها استمدت أصولها من قوانين سومرية مضى عليها الآن أكثر من ستة ألاف عام. وهذا الأصل القديم، مضافا إلى الظروف التي كانت تسود بابل وقتئذ، هو الذي جعل قانون حمورابي شريعة مركبة غير متجانسة فهي تفتتح بتحية الالهة، ولكنها لاتحفل بها بعدئذ في كل ذ لك التشريع الدستوري البعيد كل البعد عن الصبغة الدينية، وهي تمزج أرقى القوانين واعظمها استنارة، بأقسى العقوبات وأشدها .‏

وتضع قانون النفس بالنفس والتحكم الالهي إلى جانب الاجراءات القضائية في المحكمة، والعمل الحصيف على الحد من استبداد الازواج بزوجاتهم. على أن هذه القوانين البالغة عدتها 285/ قانوناً، والتي رتبت ترتيباً يكاد يكون هو الترتيب العملي الحديث، فقسمت إلى قوانين خاصة بالاملاك المنقولة، والاملاك العقارية، وبالتجارة والصناعة، وبالاسرة، وبالاضرار الجسيمة، وبالعمل، تقول ان هذه القوانين تكون في مجموعها أكثر رقياً وأكثر تمدينا من شريعة أشور التي وضعت بعد أكثر من ألف عام. وهي من وجوه عدة لاتقل رقيا عن شريعة اية دولة أوروبية حديثة". وقليلاً ما يجد الانسان في تاريخ الشرائع كله الفاظاً أرقى وأجمل من الالفاظ التي يختتم بها البابلي العظيم شريعته".‏

" ان الشرائع العادلة التي رفع منارها الملك حمورابي، والتي أقام بها في الأرض دعائم ثابتة وحكومة طاهرة صالحة:"‏

أنا الحاكم الحفيظ الأمين عليها، في قلبي حملت أهل أرض سومر وأكاد... وبحكمتي قيدتهم، حتى لايظلم الأقوياء الضعفاء، وحتى ينال العدالة اليتيم والأرملة... فليأت اليّ كل انسان مظلوم له قضية أمام صورتي أنا ملك العدالة، وليقرأ النقش الذي على أثرى، وليلق باله إلى كلماتي الخطيرة. ولعل أثرى هذا يكون هادياً له في قضيته يفهم منه حالته، ولعله يريح قلبه فينادي:‏

" حقاً أن حمورابي حاكم كالوالد الحق لشعبه... لقد جاء بالرخاء إلى شعبه مدى الدهر كله، واقام في الأرض حكومة طاهرة صالحة.‏

" ولعل الملك الذي يكون في الأرض فيما بعد وفي المستقبل يرعى الفاظ العدالة التي نقشتها على أثري".‏

ويقول بيران أيضاً في عهد حمورابي:‏

" لقد اتسعت في عهده فكرة المسؤولية حتى شملت مبدأ حق التعويض عن كل عاطل وضرر فهي تلزم السلطات العامة نفسها بالتعويض عن أي عمل جنائي لم تقدر ان تمنعه وتقمعه.‏

هذا التشريع الذي حرك المعاملات العقارية وسهلها، وشجع على التجارة، رافقته تدابير اجتماعية أخرى، منها أن القانون فصل في التعاقد بين الموظف والموظف، وجعل المسؤولية متبادلة وقد لوحظ حد أدنى للمرتبات في جميع الحرف. وفرض على جميع المقاولين، والصناعيين، والزراعيين، ان يعطوا موظفيهم، شهريا عطلة ثلاثة ايام مدفوعة الأجور. التدريب على العمل واستئجار السفن واتعاب الاطباء والمهندسين، كلها شؤون نظمت قانونياً بموجب قانون جزائي، وهي مدهشة بقدمها بالنسبة إلى ما فيها من كمال المبادئ القانونية التي كان القانون يستهدف حمايتها.‏

" واخيراً لقد ارغمت المعابد، التي كانت تستغل اموال خزينتها وتقوم مقام المصارف، على ان تقدم قروضاً مجانية للمدنيين العاجزين عن الدفع، لتمكنهم من تجنب العبودية بسبب ديونهم، وللمرضى الذين تعفى عيالهم من الدفع في حالة الوفاة.‏

"ان عمل حمورابي الشرعي هذا، هو مساهمة بابل العظيمة في الحضارة الانسانية. وقد استمر هذا العمل بعد خرابها، وبقي اساساً لتطور القانون التجاري حتى الامبراطورية الرومانية".‏

" كان حمورابي واحداً من أكبر عظماء رجال الدولة في التاريخ القديم، وكملك مطلق نظم السلطة المركزية، وأنشأ ادارة المالية وأملاك التاج والاشغال العامة في المركز الحكومي الرئيسي وكان ديوان الملك، بواسطة مكتب المراسلات، يقوم بالاتصالات في جميع الولايات، ويسير أعمال ادارتها الفرعية. الأكادية أصبحت لغة الدولة الر سمية الوحيدة. ولكن أهمية الوثائق السومرية، سواء في التشريع، أو في الدين، كان تفرض معرفتها على الكتبة، لذلك وضع المعاجم السومرية- الأكادية، وعُلِّمَت اللغة السومرية في المدارس.‏

"في جميع انحاء الامبراطورية نظمت الادارة على اسس جديدة، في بلدي سومر وأكاد، حيث كان الامراء قد ظهروا من جديد ازالتهم الادارة وعين حكام محلهم.‏

"ولكي يمحو نهائياً استقلال المدن الداخلية القديم، قسم الدلتا إلى مناطق، عين على رأس كل منها حاكماً موظفاً. الملك يوليه منصبه مثبتاً ذلك بقرار رسمي أمام شهود".‏

" وهكذا كان يرافق مركزية الدولة، كما في مصر نزعة مزدوجة إلى اقامة المساواة بين جميع المواطنين، وجعل العدالة وسيلة لا لتأمين النظام، وإنما قبل كل شيء لتأمين الحق والانصاف.‏

بعد فتح سومر تحقق مشروع حمورابي نهائياً. خسرت المحاكم الكهنوتية، ومجالس الاعيان القديمة في مدن الجنوب كل استقلال قضائي.‏

وبعد ان تنظمت العدالة الملكية، بطريقة موحدة واتبعت قواعد واحدة أصبحت هي وحدها ذات الصلاحية. أما محافظ المدينة فكان حارس النظام والأمن، عليه تقع مسؤولية قمع الشقاوة وتوقيف المجرمين على أرض المدينة لاحالتهم إلى المحكمة. وإذا تمكن المجرمون من الافلات من يد العدالة، يحق لضحاياهم ان يرتدوا ضد المحافظ، وضد المدينة، وأن يطالبوا بعطل وضرر. هذا الجهاز القضائي، كانت تسيطر عليه سلطة الملك العليا.‏

فهو قادر كقاضي أعلى أن يأمر بتحويل القضايا اليه شخصياً. والجهات المتقاضية تقدر ايضاً ان تطلب من الملك مباشرة اذ رأت أنه يستحيل عليها الحصول على حقها في المحاكم العادية".‏

" قبل حمورابي كانت قوانين المدن الراقية تتسرب إلى الارياف تدريجياً وبصورة بطيئة. وكان الاقطاعيون والكهنة والامراء يقاومون انتشارها ليطول أمد استغلالهم وطغيانهم، ولكن عهد حمورابي وضع حدا لهذه الحالة المتأخرة: كسر جميع الدوائر المغلقة على الشعب، ودفعهم إلى الخروج من سجونهم المتنوعة. عبودية الاملاك الاميرية، والاقطاعية، والكهنوتية الغيت، والفلاح حرر نهائياً، وأصبح قادراً على ان يترك الأرض التي التصق بها مرغماً مئات السنين وحراً في أن يمتلك مايريد. وبما أن حالته المادية والنفسية كانت تمنعه من ممارسة حقه بالمساواة مع الاحرار، كانت له في القوانين الجديدة امتيازات تشجعه على الوصول مادياً ونفسياً إلى مستوى الاحرار، فهي تخوله أن يتزوج بدون أن يدفع مهراً وان يدفع نصف أتعاب الاطباء والمهندسين والاطباء البيطرين، وغيرهم من أصحاب المهن الحرة.‏

" هذا الوضع الاجتماعي الجديد يؤدي حتماً إلى انتقال الملكيات الخاصة وتحرك الثروة الحرة إلى نشوء رأسمالية، كانت في ذلك الزمن مرحلة تقدمية جديدة" فالرأسمالية تستهدف الانتاج، وهي تتضمن رغبة في استثمار مكثف للأراضي، تختلف كلياً عن النظام الاقطاعي الذي لم يكن يطمع إلى الاكتفاء"(8).‏

في سياق اعجابه بعظمة الملك حمورابي كتب الكاتب السوري أسد الاشقر يقول:‏

هذا الاسلوب الجديد في تثمير جميع المشاريع الزراعة والصناعية والتجارية، حرك نشاط الشعب وطاقته الانتاجية، كما حرك الثروة التي يملك، فكان نمو اقتصادي ورفاهية لم يسبق لهما مثيل في حياة الشعب. أن الثروة الشخصية التي نمت في يد الافرادشجعتهم على استكمال حاضرهم مادياً ونفسيا، وعلى ممارسة حقوقهم الكاملة التي يعطيهم اياها القانون وعلى الشعور بواجباتهم نحو الدولة التي أوصلتهم إلى هذا المستوى من الحرية، والمساواة والعدالة. ولم تكن الدولة نفسها غريبة عن هذه الحركة الاقتصادية الجديدة، بل كانت تستغل لحسابها مشاريع جارية كبرى. فالأمن المخيم في جميع أنحاء البلاد حرك التجارة العالمية من جديد، وكان في ذلك موارد للثروة لاتحد.‏

أن مشاريع الدولة التجارية كانت ذات غايتين الواحدة سياسية والأخرى اقتصادية. لقد رأى حمورابي بنظره البعيد أن كل ثروة ضخمة ستصبح في يد التجار والرأسماليين، اذ ماترك هذا المجال العالمي لهم وحدهم، قد تؤدي إلى نشوء خطر على الدولة فأراد أن يجنب الشعب بعد أن أنقذه من يد الاقطاعيين والامرار والكهنة، والوقوع في يد الاوليغارشيين الذين كانوا يحكمون بنفوذهم المدن السومرية.‏

لذلك" سعى الملك للحد من قوة التجار الرأسماليين الاقتصادية بممارسة نوع من اشتراكية الدولة. لم تلغ التجارة الخاصة ولكنها خضعت لمرخص خاصة تسمح بالملاحة في مياه دجلة والفرات ولضريبة ملكية".‏

أن تعرضنا في اطار التصنيف والتحقيب للدول القومية الامبراطورية القديمة، التي عرفتها المنطقة العربية، وبخاصة منها بلاد الرافدين والشام، ليس القصد منه التأريخ بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، لأن هذا الموضوع قد غطته الكتب التاريخية بما فيه الكفاية، بل الهدف الرئيسي منه هو الحفر في سيرورة التحضر والتمدن في التاريخ العربي، لتبيان المؤشرات الحقيقية التي تشير إلى وجود المجتمع المديني في اطار علاقته مع الدولة القومية الامبراطورية. من هنا كان تركيزها على أهم القضايا الجذرية لتاريخ سيرورة المجتمع المديني في بلاد ما بين النهرين، وبخاصة حول المجتمع المديني البابلي، في عهد الملك حمورابي- الذي كان أقوى ملك بين ملوك الساميين الغربيين- على نقيض المجتمع المديني البدائي، الذي اسسه السومريون الفلاحون في العصور القديم، القائم على نظام اشتراكية الدولة التيوقراطية (الدينية)، حيث كان القصر والمعبد يشكلان عماد الحياة الاقتصادية والدينية على نحو متكامل. ومن خلال هذا الترابط بين المصالح المادية والروحية، وبالتالي عماد اقتصاد الدولة عينها. فالفرد في نظام اشتراكية الدولة التيوقراطية القديمة لايملك شيئاً، لأن كل الحياة الاقتصادية الاجتماعية كانت تدار من قبل الملكية والكهنوت، باعتبارهما وريثي نائب الاله، ويعملان لحساب الاله، الذي يملك الدولة. بيد أنه مع تطور التقسيم الاجتماعي للعمل، وظهور الملكية الخاصة مع مر الزمن، شهدت سلطتي رجال الدين (الكهنوتية) والقيادة العسكرية، أي القصر والمعبد، تطوراً تفارقياً باتجاه انفصال بعضهما عن بعض، وأصبح نظام حكم الآله الاشتراكي في دويلات المدن السومرية الأولى، نظاماً سياسياً متخلفاً، لأن القوة الاقتصادية فيه كانت ملكاً لطبقة الكهنوت، التي تمثل السلطة الدينية في معابدها المركزية، في اطار التكامل والتقاسم الوظيفي مع القصر، والحال هذه، اصبح يتطلب تخطيه جدلياً وتاريخياً. من هنا كان قانون حمورابي ذى أهمية تاريخية عظيمة، نظراً لأنه بات يشكل عماد هذه الدولة الامبراطورية المركزية القوية، التي تتألف من مواطنين كاملي الحقوق، ومن اناس احرار يعتبرون متساوين من الناحية القانونية. وتكمن خصائص المدنية في المجتمع البابلي، من خلال حرص المدن على المحافظة على استقلاليتها الذاتية في ادارة شؤونها، وحماية امتيازات المواطنين، وتعزيز، وصون، حرياتهم الفردية، والعامة، خارج دائرة نفوذ واختصاص المجتمع السياسي، أي الدولة ممثله بالملك.‏

وخلافا للمدن في عصر اشتراكية الدولة التيوقراطية (الدينية)، فان المدن في المجتمع المديني البابلي، كان يوجد فيها مجالس شيوخ، وجمعيات حرفية، يرأسها " ثابر" يقوم بدور عميل الملك". وكانت الطبقة البرجوازية الرأسمالية المكونة من هؤلاء الحرفيين الاحرار تعيش في المدن، في حين أن أكثرية الفلاحين كانوا يستأجرون الأراضي من الاقطاعيين، الذين حافظوا على امتيازاتهم الموروثة من العهد السابق. وفي ظل سيادة دولة القانون، العلامة المميزة للمجتمع المديني البابلي، كان المواطنون الاحرار يتمتعون بحق الاشتراك في المجلس الشعبي، الذي كان يتمتع بسلطة قضائية تخوله البت في مختلف قضايا الادارة المحلية، رفض دعاوي الممتلكات بين المواطنين، والشؤون العائلية الخ.‏

" وقد برهن المجلس الشعبي في بلاد الرافدين على جدارته وحيوته وقدرته على التلاؤم والتكيف، فقد عاصر الامبراطوريتين البابلية والآشورية، وملوك الفرس والاسكندر المقدوني.‏

وان زوال المجلس الشعبي كان يعني الانتقال من العصور القديمة الوسطى في آسيا الامامية، وفقدان سكان المدن في المنطقة المذكورة لحقوقهم المدنية ولحرية الفكر والسياسية.‏

وبتعبير آخر فإن الخط الفاصل بين العصور القديمة والقرون الوسطى يمر بتلك المرحلة التي أدى فيها زوال المجلس الشعبي إلى تحول فئة المشاعين القوية المتماسكة إلى طبقة مضطهدة"(9).‏

ولما كان مقياس تطور المجتمع المديني مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمدى تحرر المرأة ونيلها الحقوق، فإن قانون حمورابي حول الأسرة والزواج والطلاق، يشكل ثورة حقيقية، مقابل القوانين القديمة، التي كانت تأيد اضطهاد الرجل للمرأة. ففي ظل قانون حمورابي تستطيع المرأة أن تطلق زوجها في بعض الحالات الخاصة. وكان يحق للزوج في السابق أن يطلق زوجته في أي وقت يشاء، على ان يدفع لمطلقته نصف منية، أما الآن فنجده قد فقد شيئاً من هذا الامتياز. إذ ليس عليه أن يدفع لزوجته المطلقة بدون ذنب جهازها وحسب، والذي هو دوماً أكبر من ثمنها بل زيادة على ذلك عليه ان يؤدي لها نفقة معينة"(10).‏

أخيراً، ان المجتمع المديني البابلي، الذي تحكمت فيه النظم القانونية لحمورابي، التي كانت حامية للضعفاء، والفلاحين الصغار، والحرفيين والعمال اليوميين، والتي حددت الفوائد وضرائبها إلى جانب تأمين القروض الصغيرة، تشكل نقلة تاريخية نوعية في سيرورة التمدن والتحضر على الصعيد العربي لاحقاً، وكان له تأثير واضح على معظم الامبراطوريات التي تشكلت عقب انهيار الدولة البابلية، في بلادالرافدين، والشام ومصر، وبخاصة على الدولة الكلدانية، أو الدولة البابلية الجديدة.‏

على ان هناك سمات مشتركة بين المجتمع المديني البابلي في عهد حمورابي، ونظيره في عهد الدولة الكلدانية، التي أسسها نبوخذ نصرابن" نابوبولاصره" مؤسس السلالة الجديدة الحاكمة في بابل العام 626 قبل الميلاد، والتي عرفت بالسلالة البابلية الاخيرة. والفروقات الملحوظة هنا، هي فروقات كمية في مستوى التطور المادي المحقق، سواء على مستوى نمو قوى الانتاج، أو على مستوى تبلور ونظم الطبقات والدولة والفكر القائمة في جوهرها على نمط الانتاج الخراجي في مرحلته الأولى. وظل هذا المجتمع المديني في عهد الدولة البابلية الجدية، يعيش في بحر من البربرية والهمجية المحيطة به، على الرغم من ان نبوخذ نصر استطاع أن يخضع المدن الفينيقية المطلة على الساحل السوري، لكي يفسح في المجال للبيوت التجارية والمالية الكلدانية الدخول إلى مسرح التجارة العالمية، باعتبارها مراكز تجارية مهمة على البحر المتوسط بعد هزيمته للجيس المصري، حين كانت مصر الفرعونية العدو الأكبر للدولة البابلية. وفي هذه المرحلة التاريخية" تمردت الدولة اليهودية، وامتنعت عن دفع الجزية، رغم تحذيرات النبي ارميا للسطات اليهودية بعدم مقارعة الكلدانيين، جرد نبوخذ نصر حملة على مملكة يهوذا فدخل أورشليم عام 596 ق.م/ وسبى قسماً من سكانها( من رؤساء وجبابرة بأس وجميع الصناع والاقيان) إلى بابل وهذا هو السبى الأول. وعزل ملكها يهوما فين/ وعين مكانه عما صدقيا، ولكن صدقيا بتحريض من فراعنة مصر وتحت ضغط الامراء اليهود المؤيدين لهم، تمرد أيضاً على سيطرة الكلدانيين رغم تكرار تحذيرات النبي ارميا، فعاد نبوخذ نصر إلى الهجوم على أورشليم وفتحها سنة 586 قبل الميلاد، والقى القبض على صدقيا، وسبى سكان المدينة إلى بابل وكيش نبيور، وهذا هو السبي الثاني. أما سكان الارياف اليهود، فقد فر معظمهم إلى مصر فخلت فلسطين من اليهود تقريباً. وزالت مملكة يهوذا. واقتصرت فلسطين على سكانها الاصليين من العرب الكنعانيين"(11).‏

كما ان الحضارة المصرية القديمة، تشترك في سمات المجتمع المديني عينه، منذ تأسيس الدولة المصرية خلال العهود الثلاثة التي عرفتها. عهد الامبراطورية القديمة، التي نشأت حوالي عام 3000 قبل الميلاد، والتي حكمها فراعنة الاسرات العشر الأولى (بناة الاهرام) وعهد الامبراطورية الوسطى الممتدة من 2050- 1700 ق.م) التي حكمتها الاسرات الحادية عشرة، والثانية عشرة، والثالثة عشرة، والرابعة عشرة، حيث عاشت مصر عهوداً مظلمة في ظل حكم الاسرتين الاخيرتين، قادت إلى ضعف الدولة المصرية، وتدهور الزراعة، وإلى نجاح الهيكسوس( وهم ملوك الرعاة أو البدو والأجانب الذين قدموا من سورية وفلسطين وتشكلوا من قبائل سامية وحثية وكاشية) في احتلال مصر، واستقرارهم في القسم الشرقي من الدلتا بعد أن" اتخذوا مدينة أفاريس عاصمة لهم. وبسطوا نفوذهم على مصر وسورية وبلاد الرافدين. واستمر احتلال الهيكسوس لمصر حوالي /150/ سنة، وحكمت منهم اسرتان: الخامسة عشرة، والسادسة عشرة. أحكم الغزاة سيطرتهم على معظم البلاد، وفرضوا على السكان جزية باهظة، واستعبدوا الفلاحين، ونهبوا المعابد وخربوا بعضها، في حين أظهروا التسامح مع الارستقراطية المحلية"( 12).‏

ثم في عهد الدولة الحديثة (1584-1071ق.م) التي انشأت في مصر بعد طرد الهيكسوس، وحكمت البلاد خلالها الأسرات الثامنة عشر، والتاسعة عشر، والعشرون، وفي عهد الاسرة الثامنة عشر، وخلفاء تحوتمس الأول" ارسلت حملات إلى فلسطين وسورية بقصد اخضاع الدويلات الفينيقية وغيرها، وفي سبيل الحصول على الذهب والفضة والاخشاب والخمور والمواشي والرقيق، ليس ابداً بواسطة التبادل التجاري، وإنما تحت اسم جزية ثابتة وبكميات كبيرة، وقد أفادت هذه الحملات بشكل خاص، قمة المجتمع العبودي : الفرعون أسرته، كبار موظفيه، الكهنة، قادة الجيش، وحتى الجنود استفادوا من هذه الحروب فكان لكل منهم حصته من الغنيمة... ان فتح سورية وفلسطين جعل من مصر واحدة من اقوى دول الشرق الأدنى، فقد أرسل ملك بابل الكاش وملك الحثيين هدايا ثمينة إلى فرعون مصر، وانصبت الثروات المنهوبة من سورية وفلسطين في مصر الفرعونية"(13).‏

واستمرت الدولة المصرية الحديثة في الوجود إلى ان سقطت مصر تحت الاحتلال الفارسي العام 525 قبل الميلاد، حين أخضع كورش زعيم الدولة الفارسية بابل عام 538/ قبل الميلاد، وشرع في" تهيئة الظروف ووضع الخطط لفتح مصر، فأطلق اليهود المأسورين في بابل منذ عهد نبوخذ نصر،، وأمر بعودتهم إلى فلسطين، ومنحهم استقلالا ذاتياً، وسمح لهم باعادة بناء القدس، بعد ان تفاهم معهم على خطة تحويل فلسطين إلى قاعدة استراتيجية فارسية يهودية للعدوان على مصر والاستيلاء عليها ... وزحف بالفعل بجيشه إلى هناك، ولكن قبائل الشاش والمساجيث وقفت في وجهه وقاومته مقاومة بطولية، وفي احدى المعارك قتل كورش عام 529 قبل الميلاد، تاركاً تنفيذ خطة فتح مصر التي وضعها وهيأ ظروفها إلى ابنه قمبيز. وفي عام 529/ قاد قمبيز الجيش الفارسي فاستولى على مصر بمساعدة اليهود والقاعدة اليهودية، وأنهى حكم الاسرة السادسة والعشرين"( 14).‏

وهكذا، تمثل العصور التاريخية لظهور الدولة الامبراطورية ذات الميل العالمي الخاصة بمنطقتنا العربية، وأقصد دولة سرجون الأكادي، ودولة حمورابي في بلاد الرافدين والشام، ودولة سلالات الفراعنة في مصر، مروراً بامبراطورية نبوخذ نصر الشهيرة التي شملت بلاد الرافدين والشام وفلسطين واجزاء من ايران، واعادت واكملت بناء بابل منذ قبل 2500 عام، مرحلة تاريخية تحضرية وتمدينية على الصعيد العربي. وكان هذا التحضر والتمدن التاريخيين ضروريين في توحيد عملية الاندماج لأهم العناصر الجوهرية للمجتمع المديني في شرق حوض البحر التموسط، الذي يمثل قلب هذا المجتمع المديني في المنطقة العربية، ثم في مناطق الجزيرة العربية واليمن، باعتبار التحضر والتمدن يمثلان تجسيداً لفكرة التقدم سواء على مستوى تقدم القوى المنتجة، أو على مستوى الاشكال الاجتماعية التي ترافق هذا التقدم. علما بأن سيرورة نمو التمدن والتحضر للمجتمع المديني في العصور القديمة، يقاس بمستوى نمو القوى المنتجة، وتبلور نظم الدولة، واستخدام الكتابة.‏

هوامش الفصل الثاني:‏

(1)- طه باقر مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة- القسم الأول - تاريخ العراق القديم من مطبوعات دار المعلمين العالية (ص124).‏

(2)- أسد الاشقر- تاريخ سورية - الجزء الأول - الطبعة الأولى 1978 مكتبة الغساني (ص 122-123).‏

(3)- المصدر السابق (132-133).‏

(4)- المصدر السابق(ص140-143-144).‏

(5)- المصدر السابق(144-145).‏

(6)- الدكتور جايمس هنري براستد العصور القديمة نقله إلى العربية داود قربان مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر 1983 بيروت - لبنان -ص142).‏

(7)- المصدر السابق (144).‏

(8)- أسد الأشقر - تاريخ سورية - مصدر سابق (ص 186،188،189،190).‏

(9)- بونفارد ليفين - الجديد حول الشرق القديم - ترجمة جابر أبي جابر - دار التقدم (ص202).‏

(10)- الدكتور أنطون مورتكات- تاريخ الشرق الأدنى القديم- تعريب توفيق سليمان علي أبو عساف، قاسم طوير (ص146).‏

(11)- برهان الدين دلو- حضارة مصر والعراق- دار الفارابي الطبعة الأولى تموز 1989 (ص247-248).‏

(12)- المصدر السابق (ص64).‏

(13)- المصدر السابق( ص65-66) الملاحظ ان الاستاذ برهان الدين دلو يستشهد في هذه المقاطع من كتب أخرى ومنها خاصة برشتد جيمس هنري - تاريخ مصر- ترجمة الدكتور حسين كمال- وكتاب جماعة من المؤرخين السوفيات- تاريخ العصور القديمة باللغة الفرنسية.‏

(14) - المصدر السابق (ص73- 74).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 09:15 PM   المشاركة رقم: 20
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الثالث

على الصعيد العربي‏




في سياق التحقيب في حفريات معرفة المجتمع المديني، وكذلك تشخيص المراحل التاريخية التي مرّ بها، ننتقل الى منطقة الجزيرة العربية واليمن، التي ازدهر فيها المجتمع المديني من خلال استعارته بالتتبع من حضارات العصر القديم في بلاد الرافدين ومصر والشام، وعبر أبداعه وتقدمه في العصور الوسيطة المسيحية والاسلامية. فكيف تشكل المجتمع المديني في الجزيرة العربية واليمن؟‏

اذا كان الغزو والنهب اللذين لعبا دوراً مهما في عملية الاندماج من خلال المعاهدات التي كانت تبرم بين القبائل والصلح والزواج المختلط، باعتبار ان النهب والسلب كانا مرتبطين بوجود الانتاج، فان المجتمع المدني يبدأ مع نفي الحرب إلى خارج القبيلة والجماعة، التي تعتبر بذرة أية وحدة مجتمعية. ولقد شكلت جزيرة العرب مهد الجنس السامي علىمر التاريخ. ويجمع المؤرخون ان بدو عرب الجزيرة هم الممثلون الحققيون للسلالة السامية، من عدة نواحي بيولوجية، ونفسية، واجتماعية، ولغوية. وتعتبر جزيرة العرب المنشأ الأول، التي انطلقت منها الهجرات السامية القديمة. ومنها هجرة الاموريين إلى بلاد الرافدين حوالي منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، حيث كان من بين العناصر التي تألفت منها هذه الموجة الكنعانيون الذين سكنوا غربي سورية وفلسطين بعد 2500 قبل الميلاد، وقد لقب الاغارقة الساحليون بالفينيقين، " وكان هؤلاء الفينينقيون أول من نشر في العالم نظاما خاصا للكتابة بالحروف الهجائية المجردة، وعددها اثنان وعشرون، وكانت هذه الحروف أساساً لكل الحروف الهجائية التي يكتب بها اليوم أبناء أوروبا وآسيا وأمريكا أو أفريقيا بحيث صح قول القائل أن هذا أعظم اختراع اخترعه البشر على الاطلاق". كما تسرب العبرانيون إلى جنوب الشام أي فلسطين، وكذلك الاراميون (السريان) شمال سهل البقاع في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد،و" جاء القرن السابع فإذا نحن أمام موجة جد يده هي آخر الهجرات، وقد جرت تحت راية الاسلام، وهنا تحطمت السدود أمامها، فلم يقتصر فيضانها على أرض الهلال الخصيب، هذا القوس الممتد من رأس الخليج العربي إلى زواية البحر المتوسط الشرقية الجنوبية، بل تعداه وغمر مصر وافريقية الشمالية واسبانية وفارس وبعض انحاء آسية الوسطى(1).‏

وهكذا فإن جزيرة العرب هي الوطن الاصلي للساميين، وهي التي انطلقت منها الهجرات السامية الكبيرة نحو بلاد الرافدين والشام، ومصر، والتي شكلت عبر سيرورتها التاريخية أم البابليين، والاشوريين، والكلدانيين، والفينيقيين، والعبرانيين، " وفي تربة هذه الجزيرة الرملية، نشأت العناصر الأصلية للديانة اليهودية، وبالتالي المسيحية، وظهرت هذه السمات والسجايا التي أصبحت بحكم التطور فيما بعد من ميزات الخلق السامي، وأما في العصور الوسطى فقد اخرجت جزيرة العرب هذا الشعب الذي سيطر على معظم العالم الممتد، آنذاك وكانت مهدا لدين هو الاسلام.... (2). علماً بأن ديانة العرب التوحيدية بعد اليهودية والمسيحية، والحال هذه الاسلام تربطها علاقات وثيقة بالديانتين السابقتين لها، باعتبار أن هذه الديانات الثلاث كانت نتاجاً روحياً واحداً لحياة هؤلاء الساميين، الذين عاشوا في جزيرة العرب ومنطقة الشرق الأدنى.‏

ثم ان " العرب من بين الشعبين الباقيين اللذين يمثلان العرق السامي قد احتفظوا أكثر من اليهود بالمميزات الطبيعية والخاصيات العقلية لهذا العرق، واما لغتهم فعلى الرغم من أنها أحدث اللغات السامية آداباً، فإنها قد احتفظت بخصائص اللسان الأخرى، ومن هنا كانت اللغة العربية أحسن مدخل لدراسة اللغات السامية. وكذلك بلغت الديانة السامية في الاسلام كمالها الطبيعي(3).‏

غير أن قسماً من المستشرقين يجمعون أن المناطق الواقعة في الجنوب، والجنوب الغربي (اليمن)، وأواسط الجزيرة العربية، هي مهد العرب، وموطن الساميين، ومنها انطلقت الهجرات السامية إلى سائر بلاد الرافدين والشام، واتجهت نحو الشرق والغرب، والجنوب،و" هي في نظر المستشرقين أيضاً (مصنع العرب)، وذلك لأن بقعتها امدت الجزيرة بعدد كبير من القبائل قبل الاسلام بامد طويل وفي الاسلام. ومن اليمن كان (نمرود) وكذلك جميع الساميين(4).‏

ويتفق علماء التاريخ، والانتربولوجيا والرواة، وأهل الاخبار، عن ان لفظة العرب أطلقت على جميع سكان جزيرة العرب، ويتفقون على تقسيم العرب من حيث القدم إلى طبقات عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة، ويقسم الاخباريون والمؤرخون العرب من حيث النسب إلى قسمين:‏

العرب القحطانيون، وهم عرب الجنوب، ومناطقهم الجغرافية تقع في اليمن. والعرب العدنانيون، وهم عرب الشمال، ومناطقهم الجغرافية تقع في الحجاز، ونجد في أواسط الجزيرة.‏

والعرب البائدة في عرف أكثر أهل الاخبار هم العرب الذين هلكوا واندثروا قبل الاسلام و" هم عاد، وثمود، وطسم، وجديس، واميم، وجاسم، وعبيل، وعبد ضخم، وجرهم الأولى، والعمالقة، وحضورا. هؤلاء هم مادة العرب البائدة وخامها، وهم اقدم طبقات العرب على الاطلاق في نظر أهل الاخبار"(5).‏

اما العرب العاربة على أقوال الناسبين، وهي الطبقة الثانية من طبقات العرب بعد البائدة" هم من ابناء قحطان واسلاف القحطانيين المنافسين للعرب العدنانيين، الذين هم العرب المستعربة في عرف النسابين. وقحطان الذي يرد في الكتب العربية هو (قحطان) الذي يرد اسمه إلى سفر التكوين وهو( قحطان بن عابر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح) في رأي أكثر النسابين. وهو (يقظان بن عابر بن شالح بن ارفكشاد بن سام ابن نوح) في التوراة(6).‏

والعرب المستعربة هي الطبقة الثالثة من طبقات على رأي أهل الاخبار و" هم (العرب المستعربة) (المتعربة)، ويقال لهم العدنانيون أو النزاريون أو المعديون. وهم من صلب( اسماعيل بن ابراهيم) وامرأته( رعلة بن مضاض بن عمرو الجرهمي) قيل لهم (العرب المستعربة)، لأنهم انضموا إلى العرب العاربة، وأخذوا العربية منهم. ومنهم تعلم (اسماعيل) الجد الأكبر للعرب المستعربة العربية، فصار نسلهم من ثم من العرب واندمجوا فيهم. وموطنهم الأول مكة على مايستنبط من كلام الاخباريين، فيها تعلم (اسماعيل) العربية، وفيها ولد أولاده، فهي اذا المهد الأول لللاسماعيليين"(7).‏

وهكذا، فان العرب القحطانيين يعود نسبهم إلى جدهم الأعلى قحطان. وكذلك الأمر بالنسبة للعدنانيين، الذين يعود نسبهم إلى جدهم الأعلى عدنان. وكلاهما يشكلان العرب الباقية، بعد ما اندثرت الطبقة الأولى البائدة من العرب. ولقد استوعب القحطانيون وهم أهل اليمن، الذين تسللوا من قحطان، وهم سكان البلاد الاصليون، والعدنانيون وهم فئة العرب المستعربة من الحجازيين والنجديين والانباط وأهل تدمر، الذين تسللوا من سلالة عدنان، كل شعوب العرب، على الرغم من أن هذه التقسيمات بين عرب الجنوب وعرب الشمال، ظلت قائمة بنسبة متفاوتة، وخصوصاً في المناطق المتأخرة تاريخياً." ولم تتلاشى الفوارق بين هاتين الدوحتين العربيتين إلى الآن بل بقي الاختلاف بينهما واضحاً على الرغم مما حاوله الاسلام من توحيد العرب والجمع بين قبائلهم وبعث أمه عربية واحدة".‏

في سياق الفحص التاريخي هذا، نجد ا القسم الجنوبي الغربي من الجزيرة العربية أي اليمن، الذي يسكنه عرب الجنوب، كان مركزاً قديماً للحضارات البشرية القديمة، أسهمت منجزاتها بحيز كبير في تاريخ الحضارة العالمية. ولقد لعب اليمن دوراً مهما" في اقامة الاتصالات البرية والبحرية بين دول الشرق القديم، وفي تبادل المواد الطبيعية والمصنوعات الحرفية والانجازات الحضارية والتكنولوجية بين شعوب حوض البحر الابيض المتوسط والشرقين الادنى والوسط والهند وشمال شرق افريقيا في العصور القديمة، وكذلك في القرون الوسطى جزئياً. وان مثل هذه الصلات كانت عاملاً هاماً من عوامل الحياة الاقتصادية والثقافية لهذه الشعوب خلال العصور القديمة والوسطى التي اعطت زخماً كبيراً لعملية التقدم العام.‏

وأخيراً فان الجزئين الشمالي والشرقي والجنوبي من الجزيرة العربية لم يقعا على مفترق الصلات التجارية والحضارية والدولية فحسب، بل كانا ومنذ أوائل العصر الحجري حلقة وصل تارة، ونقطة انطلاق تارة أخرى لحركات النزوح الكبيرة التي حددت في نهاية المطاف الملامح العامة للخارطة الاثنية اللغوية للشرق الأدنى والبلدان المتاخمة "(8).‏

وتكتسي دراسة المجتمع المديني في اليمن أهمية علمية وحضارية، لأنها تفيدنا بمعلومات قيمة عن السيرورة الكاملة والمترابطة للتطور التاريخي، لسكانه شعوب منطقة الشرق الادنى والجزيرة العربية وشمال افريقيا، حيث تؤكد نتائج الابحاث المتعلقة بهذه المناطق بأنها مهد البشرية عامة، والمدنية بوجه خاص. وعلى الرغم من ان مركزي المجتمع المديني، والثقافة، والحضارة، كانا بلاد الرافدين والشام من جهة، ومصر من جهة أخرى، إلا أن القسم الجنوبي من جزيرة العرب، أي اليمن، شكل تاريخياً منطقة تماس بين هذين المركزين، وخضع لتأثيراتهما، فضلاً عن أنه كان نقطة تماس بين افريقيا والجزيرة في الشمال حتى شبه جزيرة سيناء.‏

ويشهد على أصالة هذا المجتمع المديني في اليمن، وخصوصاً الحضرموتي القديم منه، تطور فن الصناعة الحجرية، والمراحل التاريخية التي قطعتها الحضارة الزراعية والرعوية في حضرموت في الألف الأولى قبل الميلاد، وحتى القرن السادس الميلادي، وأنواع منشآت الري، وتنظيم أعمال الري، والخصائص التاريخية المقاربة لانماط ونماذج السكان الاقتصادية والحضارية وطقوس الدفن والمعتقدات الدينية، وفن بناء المعابد، ولغات وفولكلور سقرطه وحضرموت الخ.‏

كما ان اليمنيين اشتهروا بانبات وتصدير الورس، والزعفران العربي، والعسل، والبخور وسائر المواد العطرية والصمغ والكافور، واللبان.‏

وكان المصريون يستوردون اللبان الذي يستخدمونه مع البخور في المعابد، ويحرقونه في هياكلهم ويستعملونه في تحنيط موتاهم.‏

" واشتهرت حضرموت وهي بين اليمن وعمان لأنها كانت أرض البخور واللبان، وكانت مساحتها في القديم أعظم منها الآن، لأنها كانت تشمل قطري مهري والشحر الساحليين. وأهم مدنها آنئذ ظفار وهي ذقر اليوم من مقاطعات الساحل، ولسلطان عمان نفوذ اسمى عليها، ويجب أن لانخلط بين ظفار هذه التي كانت المركز التجاري لبلاد اللبان وهي على الساحل الجنوبي وبين ظفار المدينة اليمنية الداخلية التي كانت عاصمة حمير.‏

ولا تزال اشجار اللبان تنمو في حضرموت وغيرها من انحاء الجنوب ولاتزال الظفار كما كانت في الماضي مركز تجاري.... وجدير بالذكر أن المصريين القدماء لم يشتغلوا بميدان المصالح التجارية في الجزيرة، فقد كان ينازعهم في تجارة الطيوب والمعادن منافسون أشداء في مقدمتهم أبناء بابل"(9).‏

اذا كانت تجارة اللبان والعطور التي كانت تنقل من المناطق الشمالية الشرقية لمملكة حضرموت القديمة قد حصلت على شهرة عالمية، نظراً للرحلات التجارية البحرية المنتظمة، التي كان يقوم بها التجار اليونانيون والرومان عبر سواحل الجزيرة العربية إلى الهند، مروراً بمصر الهلنستية، الا أن اليمن وساحل الجزيرة الغربي عرفا ايضاً بغناء ثرواتهما الباطنية والمعدنية وبخاصة الذهب، وهذا ما حدى بالكتاب اليونانيين والرومان الذين أعجبوا أشد اعجاب بثروة ورخاء، وتقدم المجتمع المديني في اليمن، حيث ذكر استرابوا مدنا عامرة" تزينها الهياكل الجميلة والقصور " قال:" ولقد أصبحت " السبأى" والجرهاي بما لهم من نصيب في تجارة (الطيوب) أغنى القبائل عامة، فعندهما مستحدثات الادوات المصنوعة من الذهب والفضة، منها الاسرة ومثلثات القوائم والاحواض واوعية الشرب وناهيك بمنازلهم الفخمة، وقد تزوقت أبوابها وجدرانها وسطوحها بالالوان وترصعت بالعاج والذهب والفضة والحجارة الكريمة.‏

وروى بلينيوس عن ابليوس غالوس ما يؤيد ذلك: فاقت" السبأى" الجميع ثروة بما يتوفر في أرضها من ادغال ذات عطور ومناجم ذهب وامواه للري وهي تنتج العسل والشمع بكثرة.. فلو تحريت هذه الاقطار تماما علمت أنها أغنى بلدان الأرض قاطبة بما يتوارد إليها من كنوز دولة الرومان ودولة الفرثبين.‏

ليس من شك من ان ثروات اليمن، وتقدم المجتمع المديني، كانا موضوع اعجاب ومديح من جانب عدد كبير من الكتاب اليونايين والرومان، حيث يشير تيوفراست تلميذ أرسطو إلى القدرة الفائقة التي يتمتع بها السبئيون باعتبارهم" محاربين ومزراعين وتجارا سافروا على وجوه البحار في السفن او زوارق من الجلد للتجارة". وكنتيجة لعملية التراكم التاريخي، التي قام بها السبئيون على صعيد تجميع الثروات الهائلة المتآتية من تجارة اللبان والعطور وغيرها، فان هذا كله تجسد في تطور المجتمع الزراعي والرعوي لمناطق الوديان النهرية وحضارته المادية والروحية، وفي الصناعات والفنون الجميلة والتحف الرائعة، التي يزخر بها المجتمع المديني في اليمن، وفي ظهور الدولة المعينية المتوافقة مع تقدم المجتمع المديني. يلقب ربانية اليونان والرومان عرب جنوب الجزيرة، أي سكان اليمن، وأهل سبأ، بفينيقي البحر الجنوبي، نظراً للسمات التماثلية بينهم وبين فينيقي الساحل المتوسطي، خصوصاً في مجال الانتصارات التجارية والاقتصادية والمعرفة بطرق وتعرجات السواحل والموانئ التجارية، والقدرة على افتتاح خطوط برية بين اليمن والشام تحاذي ساحل الجزيرة الغربي، ومنها تتجه إلى بلاد الرافدين، ومكة والبتراء، ومصر، والشام.‏

ولما كانت اليمن مركزاً تجارياً ذى أهمية، يصدر الفضة والاحجار الكريمة، واحجار الزينة والزعفران العربي( الورس) والاقمشة والالبسة الفاخرة، وكانت التجارة تجري عبر الطرق البرية، وعبر البحار على حد سواء، وكانت تربية الماشية، وبخاصة منها تربية الابقار في اليمن القديمة ذات طابع حضاري، فان هذه العوامل مجتمعة هيأت السبئين باعتبارهم أقدم الاقوام العربية التي انعتقت في المدنية مبكراً، لكي يشكلوا دولة مركزية متطورة هي من أقدم الدول العربية. وكان الوضع الاقتصادي والثقافي في اليمن، الذي كان يتميز باشتداد التأثير المتبادل للنمطين الاقتصاديين والثقافيين الخاصين بالرحل مربي الماشية( البدو)، والحضر المزارعين، يتميز بوجود هذه الدول المدنية الضخمة في جنوب جزيرة العرب.‏

" وإذا كان تطور اتحادات القبائل العربية في الشمال قد حدث في ظروف انعكس فيها بقوة أثر دول ذات مستوى رفيع في نظمها الاجتماعية، فان النظام الحكومي لعرب الجنوب ينال أهمية خاصة لأن تطوره سار في طريق مستقلة، ذلك ان بلاد اليمن لم تتعرض لمثل ذلك الأثر الطويل الأمد للحضارة اليونانية الرومانية، وخاصة وان ذلك العالم لم يكن له نفوذ مباشر عليها رغماً من ان ازمة القرن الثالث التي حاقت بمجتمع البحر المتوسط القائم على الرق تردد صداها في ظاهرة انهيار تجارة منطقة البحر الاحمر بأكملها، غير ان خواص البناء الاجتماعي لمنطقة الجوب العربي يخضع للقوانين التاريخية نفسها التي عملت عملها في تشكيل أوضاع العالم الغربي والعالم الشرقي على السواء. وطابع البناء الاجتماعي لعرب ماقبل الاسلام باليمن يمكن استجلاؤه، من الرقوم الكتابية القديمة لتلك البلاد ."(10).‏

مما لاشك فيه ان سكان المجتمع العربي في جنوب الجزيرة قد عاشوا حياة مدنية، سياسية واجتماعية منذ اقدم الازمنة، وذلك عندما دخلت العلاقات الاجتماعية، والحياة المدنية، والسياسية، مرحلة تتفق مع شكل الدولة المعينية، التي تعتبر أقدم الدول العربية، والتي قامت في اليمن، وعاشت وازدهرت في المرحلة التاريخية الممتدة بين 1300 و630 قبل الميلاد، على رأي بعض العلماء. لقد بلغت الدولة المعينية أوج ازدهارها في جوف اليمن، وهي منطقة سهلية تقع بين نجران وحضر موت، أرضها خصبة ومنبسطة. وكانت تسقيها مياه وادي الخارد، ومياه الأمطار. واتخذت الدولة المعينية مدينة " القرن" عاصمة لها، وهي معن أو"معين"، ونجد في التوراة اسم" ماعون" و" معون و" معين " وهي كلها دلالات لاسم موضع، ولاحقاً أصبحت" معين " أي ماء نبع" وفي دراستنا للمجتمع المديني في عهد الدولة المعينية، فاننا نشير إلى تطور مدن القوافل، وهي المدن التي ظهرت نتاج الظروف، التي نشطت فيها تجارة القوافل، كما نشطت فيها التجارة البحرية. وساد في هذا المجتمع المديني التقسيم الطبقي للمجتمع، على الرغم من استمرار الروابط والعلاقات القبلية على أشدها، المتجسدة في وجود في آن معاً، النظام القبلي القديم، والارستقراطية الاقطاعية، والنظام الملكي، والمعاملات النقدية المتزايدة المرتبطة بتراكم النقود الذهبية والفضية.‏

عمل المعينيون في الزراعة والتجارة، وهما خاصيتان أساسيتان للمجتمع المديني المنتج في ذلك العصر، وانشأوا لهم في شمال الحجاز في يدان (العلا) وفي معان (معران). كما يستنتج من الكتابات المعينية، التي عثر عليها علماء الاثار موضعي( العلا) و( معان)، وسيطروا على الطريق التجارية بين الجنوب والشمال. وذكر موسل" أنه خلال الألف الأولى قبل الميلاد، كان الجزء الاعظم من التجارة العالمية في بلاد العرب بأيدي المعينيين والسبئيين الذين كانوا يهيمنون على الركن الجنوبي الغربي من الجزيرة العربية"(11).‏

وكان السبئيون والمعينيون يتنافسون بالسيادة لا على اليمن فحسب، بل ايضاً على الواحات التي تقع على طول الطريق التجارية بين اليمن وبلاد الشام"(12).‏

وتعتبر مملكة حضرموت(1020-125 قبل الميلاد) أهم مملكة عاصرت الدولة المعينية أما كلمة،" هزرماوت"(حزر ماوت) الواردة في التوراة على أنها الابن الثالث لابناء _ يقطان)، تعني حضرموت، ومعناها اللغوي (دار الموت)، ولعل لهذا المعنى علاقة بالاسطورة التي شاعت عند اليونان أيضاً عن(حضرموت) وأنها (وادي الموت) وعرفت في الموارد الاسلامية كذلك، وقد وصلت في الاسلام من طريق أهل الكتاب، قال ابن الكلبي" اسم حضرموت في التوراة حاضر ميت، وقيل سميت بحضر موت بن يقطن ابن عامر بن شالح"(13).‏

وكانت عاصمة مملكة حضرموت شبوه، وهي بمنزلة مستوطنة مركزية لمجموعة كبيرة من السكان يعملون في الزراعة، ويكشف لنا دراسة المجتمع المديني وتاريخ تطوره في حضرموت عن وجود أهم معبدين، وهما معبدا ذات حميم وعشترم، اللذين ظلا قائمين أكثر من ستة قرون، جرى خلالهما ترميمهما عدة مرات، فضلاً عن تطور شبكة انظمة توزيع مياه الري، التي تحول إلى الحقول المزروعة، وتؤمن الاستفادة الكاملة من مياه السيول والفياضانات ومياه الامطار الموسمية، التي كانت تملأ الوديان، وتنزل من منحدرات الجبال لأهداف السقاية والري.‏

الدولة السبئية:‏

ورد اسم سبأ في القرآن الكريم في سورة سبأ الرقم 34، والآية 015 و"سبأ عند الاخباريين اسم جدا ولد أولاًداً نسلوا وكانت من ذرياتهم شعوب، ووالده" يشحب بن يعرب بن قحطان)، ومن أولاده قبائل كثيرة انتشرت في كل مكان من جزيرة العرب قبل الاسلام وبعده، والية نسب نسله السبئيون، وقد زعموا ان اسمه الحقيقي، هو (عبد شمس) وأما سبأ، فلقب به، لأنه أول من سبأ، أي بن السبي من ملوك العرب، وأدخل اليمن السبايا وذكر بعضهم أنه بنى مدينة (عين شمس باقليم مصر، وولى عليها ابنه (بابلون)( بابليون) وقالوا أشياء أخرى من هذا القبيل.(14).‏

ويذهب المستشرق (هومل) في رؤيته إلى ان السبئيين هم من أهل العربية الشمالية في الأصل، غير أنهم تركوا مواطنهم هذه، وارتحلوا في القرن الثامن قبل الميلاد إلى جنوب جزيرة العرب، حيث استقروا في منطقة (صرواح) و(مارب) وفي الأماكن السبئية الأخرى كانوا يقيمون على رأيه في المواضع التي عرفت ب،_ اريبي)(عريبي) _اريبيو) في الكتابات الاشورية وبـ"( يارب) Jareb=Jarb في التوراة. ومن (يرب) (يارب) على رأيه جاء اسم (مأرب) عاصمة (سبأ). ويؤيد رأيه بما جاء في النصGlaserll55 الذي سبق أن تحدث عنه من تعرض السبئيين لقافلة معينية في موضع يقع بين (معان) و( رجمت) الواقع على مقربة من (نجران) وعنده ان هذا النص يشير إلى أن السبئيين كانوا يقيمون في أيام ازدهار حكومة معين في أراضي شمالية إلى اليمن، ثم انتقلوا إلى اليمن، ويرى في اختلاف لهجتهم عن لهجة بقية الشعوب العربية الجنوبية دليلاً آخر على ان السبئيين كانوا في الأصل سكان المواطن الشمالية من جزيرة العرب، ثم هاجروا إلى الجنوب.(15).‏

بعد هذا العرض التاريخي حول منشأ السبئيين، الذين يعتبرون أعظم فرع بين فروع السلالة العربية الجنوبية، نقول بإن السبئيين عاصروا الدولة المعينية في القسم الأكبر من تاريخها، وأسسوا دولتهم على انقاضها، واستفادوا كثيرا من أرث حضارتها المتنوعة في المرحلة التاريخية لحكمهم( 800-30 قبل الميلاد). وتعتبر الدولة العربية السبئية من أعظم الدول التي عرفها اليمن، لاباعتبارها فقط، أنها ورثت حكومات معين وقتبان، وأوسان، وحضرموت، وانما لأنها أصبحت مركزاً تجارياً مهما، تحتكر التجارة بين الحبشة والهند، وبين بلاد الشام ومصر، وحيث أن السبئيين مارسوا الزراعة، لذا كانت السدود والقناطر والاقنية التي يشيدونها، دليلاً قاطعاً على تطور النمط الاجتماعي والاقتصادي لذلك المجتمع المديني، الذي بلغ مستوى معيناً من التحضر والمدنية بالدولة السبئية، ساعد على نموها ظروف تجار المورو، نظراً لان ولع السبئيين بالبحر كان كبيراً، حيث انطلقوا من خلاله إلى الموانئ العالمية كي يصدروا ما يفيضوا من منتجاتهم، ويستوردوا مايلزمهم لمتطلباتهم، وما يمكن بيعه في الاسواق الخارجية". وكان تجار سبأ يتاجرون مع العبرانيين، بأفخر أنواع الطيب، والذهب واللبان. وتذكر التوراة بإن معارف العبرانيين عن السبئيين قد حصلوا عليها من خلال علاقاتهم التجارية بهم، وهي محصورة في هذه الناحية فقط." وقصة زيارة (ملك سبأ) لسليمان، المدونة في التوراة، هي تعبير عن علم العبرانيين بالسبئيين، وعن الصلات التجارية التي كانت بينهم، وبين شعب سبأ، ولم تذكر التوراة اسم هذه الملكة، ولا أسم العاصمة أو الأرض التي كانت تقيم بها"(16).‏

ويجمع علماء العربية الجنوبية انطلاقاً من الكتابات السبئية التي حصلوا عليها والمتعلقة بأصول الحكم في سبأ، بإن الدولة السبئية شهدت عصرين، تبدل الحكم خلالهما. ولذلك كان الحكم في الدولة السبئية خاصعاً لعصرين الأمر الذي جعل المؤرخون المحدثون، يلقبون العصر الأول بلقب عصر (مكرب) الذي امتد (800 وحتى 650)، حيث قدر المستشرق ملاكر حكم المكربين بحوالي قرنين ونصف قرن، اذ افترض ان حكم المكرب الأول كان في حوالي السنة( 650) قبل الميلاد. وفي حوالي هذا الزمن استبدل على رايه- بلقب مكرب لقب( ملك) وانتهى بهذا التغيير في اللقب دور المكربين( 17).‏

فالعصر الأول من الدولة السبئية عرف بعصر (المكربين) مفرد مكرب- وهو المقرب من الآلهه، وفي الواقع يعمل وسيطاً بين الالهه والناس، وقد كان حاكم الدولة آنئذ يلقب بالمكرب ويقوم بمهام مزدوجة دينية ودنيوية،" وكان يجمع بين الكهانة والملك معاً وقد ذكر اثنان من سبأ الواحد باسم يشعمر والثاني باسم كريبئيل في اخبار سرجون الثاني وسنحاريب الاشورية الملكية (18).‏

وكانت عاصمة الدولة السبئية في عصر المكربين مدينة (سرواح) وهي على مسيرة يوم واحد من مأرب، وكان أهم بناء فيها هيكل المقه- الاله القمر. وتذكر النقوش المكتشفة ان المكرب اسمه يدعيل هو مؤسس الدولة السبئية، حيث كانت تقدم البخور باسمه الاله القمر (المقه).‏

ويبدو ان عهد (المكربين) لم يكن كله سلاماً وعمراناً، وانما قامت خلاله حروب، وأكبر الحروب التي أشارت إليها النقوش تلك التي خاضها (كرب ايل وتر) ضد بقايا الدولة المعينية التي تمكن من القضاء عليها نهائياً، كما انتصر على (القبانيين) الذين كانوا يسكنون في الطرف الجنوبي الغربي من بلاد اليمن. وقد سجل (كرب ايل وتر9 هذه الانتصارات على جدران معبد سرواح ويبدو ان هذا الحاكم ضاق ذرعاً بلقبه الديني( مكرب) فتحرر منه وتلقب بلقب مدني بدلاً منه هو (ملك سبأ)، حيث يعد أول حاكم سبئي يلقب بهذا اللقب الذي يبدأ مع هذا التغيير عصر جديد لسبأ هو عصر الملوك(19).‏

لقد استفاد كرب ايل من الظروف الدولية المحيطة به، في تحقيق انتصارات كاسحة على خصومه ومنها خضوع مصر على أيدي الآشوريين، وحروب بابل ضد الآشوريين، ثم مع اليهود في فلسطين، وفضلاً عن ذلك، فان حروب التوسع جعلته يراكم الغنائم ومصادر الثروة، والموارد المالية الكبيرة، التي مكنته من بناء السدود والمعابد، والقصور والحصون، ولكن مع استئثار كرب ايل بالسلطة، تشكلت في عهده أرستقراطية اقطاعية قبلية كدست الثروات الهائلة، من خلال الاستغلال للجماهير المسحوقة، والنهب للمناطق المفتوحة أو الخاضعة.‏

أن أكبر انجاز حضاري تميز به حكم المكارب السبئيين هو بناؤهم السد الشهير المعروف باسم " سد مأرب"، الذي يعتبر أعظم سد أنشئ في الجزيرة العربية. وقد أسهم بناء هذا السد في تطوير الحياة الزراعية، ونظام الري داخل المجتمع اليمني القديم في عصر الدولة السبئية جنباً إلى جنب مع تطور التجارة. والسد عبارة عن حائط ضخم أقيم في عرض وادي أذنه الذي تتجمع فيه معظم مياه السيول المنحدرة من الجبال الواقعة في أطراف صنعاء،يمتد بطول حوالي 800 ذراع وبعرض 150 ذراعاً من الشرق إلى الغرب، وقد بني السد بالتراب والحجارة، ينتهي اعلاه بسطحين مائلين على زاوية منفرجة تكسوها طبقة من الحصى لمنع انجراف التراب عند تدفق المياه، ويستند السد من طرفيه إلى جبلين، وعند اسفل كل من هذين الجبلين منافذ للمياه مبنية بالحجارة الضخمة المبتلة تخرج منها الماء ليسقي الجنتين اليمنى واليسرى، ويصعد من هذه المنافذ إلى أعلى الجبل بمدرجات مبنية على وجه الجبل، وكانت هذه المنافذ تفتح وتسد بواسطة أبواب محكمة وحركات هندسية. فتفتح للسقي حسب الحاجة، ثم تسد عند اتمام السقي. وقد أدخلت عدة اضافات على السد بعد بناته حتى استكمل شكله النهائي في حوالي 300(20).‏

أما العصر الثاني من حكم ملوك سبأ، فبدأ سنة 650ق.م وعندئذ يبدأ عصر جديد في تاريخ سبأ، حيث تخلى فيه حكام سبأ عن لقبهم الديني( مكرب) واستبدلوه بلقب دنيوي هو( الملك). اذ كان المكربين قد اتخذوا من صرواح عاصمة لهم باعتبارها مدينة الدولة السبئية الأولى، فإنه في عصر حكم الملوك أصبحت مأرب هي عاصمة الدولة السبئية، واشتهرت مأرب بقصورها ومعبدها الكبير، وقد اتخذ الملوك السبئيون من قصر( سلحن) (سلحين) (سلحم) مقرا لحكمهم. وفي هذا العصر من حكم الملوك السبئيين، ازدهرت الزراعة وتنوعت صنوف محاصيلها الزراعية، مثل البخور، والقرنفل، والعطور، والطيوب، والصمغ، والكافور، والورس، والقطن، والنخل، والعنب، الذي قال عنه الهمذاني أنه يثمر مرتين في العام، ثم سائر أصناف الحبوب والفواكه، والبن، والموز، وقصب السكر، والذرة، والقمح الفاخر. وكان هذا التطور في الزراعة وازدهارها يعود إلى التوسع في أعمال الري بفضل سد مأرب، وبالاضافة إلى ازدهار الزراعة، عرفت التجارة اليمنية في عهد السبئيين ازدهاراً كبيراً، حيث كان لطبقة التجار اليمنيين نفوذ ونشاط مهم، بحكم الموقع الجغرافي الذي يحتله اليمن القديم كوسيط تجاري بين أمم العالم القديم الهند وبلاد الشام، وبلاد الرافدين، ومصر والحبشة، الأمر الذي جعله ينشأ مواني عديدة تلبي هذا النشاط التجاري العالمي المزهر " وعن طريق هذه الموانئ كانت لآلئ الخليج العربي، وحرير الصين، وسيوف الهند وتوابلها، والعاج الافريقي والذهب الاثيوبي، تصل إلى مصر وبلاد الشام بواسطة القوافل اليمنية البرية، التي كانت تحملها عن طريق صنعاء ومأرب وظفار، وقد تمكن التجار اليمنيون من السيطرة على الطريق التجارية بين الشمال والجنوب منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد (21).‏

ولم يلبث نفوذهم السياسي أن أدرك شمال الحجاز وأطرافه فدخلت معان وديدن( العلا) في نطاق هذا النفوذ، وكان المعينيون والسبئيون يقيمون نوابا عنهم وحاميات عسكرية في الواحات الهامة التي يمر بها الطريق التجاري كتيماء ومعان وديدن، تمكيناً لمصالحهم التجارية.‏

كذلك سيطر السبئيون على الطريق البحري للتجارة الهندية عبر البحر الأحمر، وكان لهم اسطولهم التجاري الكبير الذي يتولى نقل هذه التجارة إلى بلاد الشرق الأدنى القديم (22).‏

وقد اثرى اليمنيون بسبب ذلك ثراء فاحشاً إلى درجة وضعت هذه الطبقة في تاريخ الطبري بإن أفرادها كانوا يأكلون بصحائف من ذهب وفضة، ويأكلون على طريقة الروم والفرس بسكاكين وشوكات مصنوعة من الذهب والفضة، وكانوا يتحلون بالخواتم المصنوعة من الذهب تزينها احجار كريمة(23).‏

ويالاضافة إلى ازدهار التجارة، فان اليمنيين مارسوا العديد من الصناعات، وان كانت مزاولة الحرف الصناعية والأعمال الحرفية اقتصرت بشكل عام على الطبقات الدنيا من المجتمع اليمني، ومن العوامل التي أسهمت في ازدهار الصناعة اليمنية وتنوعها كصناعة المنسوجات الحريرية والقطنية والصوفية والكتانية وغيرها:‏

1- توفر المواد الخام اللازمة لقيام صناعاتهم من المواد المعدنية والنباتية والحيوانية.‏

2-توفر الايدي العاملة اللازمة لقيام هذه الصناعات على اعتبار أن مزاولي الحرف الصناعية هم من نفس الفئات الاجتماعية التي كانت تقوم بالاعمال الزراعية، أي من طبقة العبيد والرقيق والفئات المستضعفة إلى حد كبير في مصانع الاثرياء والطبقة الحاكمة بشكل عام(24).‏

بالاضافة إلى توفر الاسواق اللازمة لتصريف المنتوجات في الداخل والخارج وجني الارباح المغرية.‏

ويمكن القول بإن المجتمع اليمني في عصر الدولة السبئية كان مجتمعاً مدينياً، تؤكده في ذلك آراء المؤرخين المحدثين الذين بنوا رأيهم هذا بناءاً على ماقرأوه من الكتابات المكتوبة على الألواح المعدنية أو الحجرية، التي يعود تاريخها إلى القرن السادس قبل الميلاد..‏

ولكن الدولة السياسية التي حكمت المجتمع المديني في عصر السبئيين، بدأت بالانهيار التاريخي، وبفقدان عظمتها السياسية عند اصطدامها بالقبائل العربية القوية، التي ظهرت إلى جانبها وتمكنت من لعب دور خطير في سياسة بلاد العرب الجنوبية من بينها قبيلة همدان، التي تمكنت من اغتصاب العرش من ملوك سبأ(25).‏

وفي غضون ذلك اندلعت عدة ثورات داخلية عنيفة أثارها الهمدانيون والقبائل الأخرى، الطامعة بالعرش، والحقت اضراراً مادية بالدولة والاقتصاد والمجتمع المديني لمملكة سبأ، ومكنت الدول الاجنبية من التدخل في شؤونها، وأدى ذلك إلى فقدان سبأ السيطرة على البحر الأحمر وسواحل افريقية بعد ان انتقلت التجارة البحرية من ايديهم إلى اليونان والرومان"(26).‏

لقد قادت الصراعات التي نشبت بين سبأ وقتبان والصراعات على العرش بين الأسر الارستقراطية المتعددة، داخل قبائلهم، وتدخل الحبشة التي احتلت مواضع على سواحل اليمن إلى تدمير الدولة السبئية. وفي غمرة هذا الصراع استغل الريدانيون والحميريون هذا الوضع وتمكنوا من السيطرة على عرش سبأ، وأسسوا أسرة حاكمة جديدة لقب ملوكها بلقب ملوك (سبأ وذى ريدان) وهم الحميريون الذين حكموا اليمن (27).‏

على ان عصر دولة سبأ وذى ريدان لقب من جانب المؤرخين بعصر الدولة الحميرية الأولى، حيث تلاه عصر ثاني عرف بعصر ملوك سبأ، وذى ريدان وحضرموت ويمنت) أو عصر الدولة الحميرية الثانية. ومنذ ذاك الحين سيطرت الدولة الحميرية الأولى والثانية على الاحداث السياسية في بلاد العرب الجنوبية.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

تصميم و وتركيب انكسار ديزاين

جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 09:28 PM.




Powered by vBulletin Version 3.7.3
جميع الحقوق محفوظة لشبكة قامات الثقافية 2008
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009