عالم من الإبداع

 

    

آخر 15 موضوع
(أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)           »          ثرثرة / بلا قيود           »          ماذا تقول لمن يخطر على بالك الآن..؟           »          بين أحضان العيد           »          شهرُ الغفران والقرب من الرحمن           »          تجربة الفراق __ وهاب شريف __ العراق           »          ياليل ياطولك           »          تدثيرة شتوية           »          من جِد           »          عاشق عنيـد           »          ـــ أبقيـ معيـ ـــ           »          وحِضنُ الحوضِ من خزفِ           »          وأشرب ُ شايا جديدا /للشاعر العراقي : وهاب شريف           »          قولوا لمن قد رافقوا شجوني           »          بعد إدمانيَ شهدكْ



حصريات المنتدى

                                            

العودة   شبكة قامات الثقافية > قامات الفكرية الثقافية > اقرأ

موضوع مغلق
قديم 07-01-2006, 08:37 AM   المشاركة رقم: 21
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



سأل فلاديمير: "-أيعقل أنك تظن أن الألمان سيأخذون موسكو؟" وتبادل النظرات مع إيليا، الذي راح يدخن غير مستعجل، معبراً بتموضعه عن برودة أعصاب كسولة.‏

تكلم إيليا من غير أن يوجه حديثه إلى أحد:‏

"-ازداد عدد مثيري الذعر كثيراً، ولا يكفون عن التذمر. على الرغم من أمر قائد موسكو الجنرال سينيلوف- إعدام المتذمرين والـهامسين والمخربين رمياً بالرصاص فوراً."‏

"-هكذا إذن؟ تهزآن أيها الغران. أيها البطلان المغفلان؟"‏

نفث الرجل الشبيه بالحجر الـهواء من منخريه وقد احمر، وراح فكاه المغلقان الشبيهان بمجرفة البلدوزر يدحرجان تلال العظم الوجني القاسية- برز شيء ما مهدد وقاتم في هيئته الضخمة كلـها، فهتف فانيا الخائف بصوت غنائي متداركاً صداماً غير حكيم:‏

"-لماذا احمررت أيها العم الجيد كالسرطان المسلوق؟ لم يمسك أحد فاجلس ما داما لا يقولان إلا كلاماً. تشعر باهتمام- تحدث إلينا، وقل شيئاً ذكياً لنا، وسنستمع إلى رجل كبير مسن."‏

تأوه الرجل الشبيه بالحجر، وتحرك على الكرسي، ثم تكلم بصوت كصوت البوق وقد برّدت أعصابه مداخلة فانيا المحترمة:‏

"-آه منكم. عشب بستان أنتم. علماء مقدامون أنتم. لا مفر منكم. ما بكم- تركتم الحلمة للتو؟ رضّع؟ في موسكو تركض أقوام مختلفة قطعاناً مندفعةً نحو محطات القطار، أما أنتم فلا تفقهون؟ إليكم من يثيرون الذعر، إليكم من يجب رميه بالرصاص. أقاموا في شارع سادوفايا سدادة بستة صفوف من السيارات. كلـها منطلقة إلى غوركي وكويبيشيف."‏

دس إيليا مصطنعاً عدم الحماسة: "-الجلاء. ما العمل..."‏

"-يا لك من شيطان ذكي. ثمة من يفكر بالجلاء وثمة من يفكر بالمرق الدسم في هذه الضجة الكبيرة. ذهب محاسبنا مع عامل الصندوق إلى المصرف لجلب الرواتب، ولم ترهما سوى روح الكلاب. اختفى الاثنان بعِدْلٍ من النقود، إليك... المصنع من غير مواد لليوم الثاني، والراتب حجز جنازة لدى الرب الإلـه. علَّم المجانين الذكاء، أما محاسبنا سيميون بوريسوفيتش فأخاف أن يكون الآن في غوركي يشرب الشاي مع الفودكا على نفقة النقود الحكومية العمالية. لا شأن لـه إن أنتج المصنع قنابل مضادة للدروع أم لم ينتج. هاك ماذا يفعل جلاؤك. فهمت- لا تعرف رأسك من مداسك..."‏

صمت الرجل الشبيه بالحجر، ودحرج عينيه الداميتين نحو باب المطبخ، الذي فُتح مصدراً صريراً وظهر من وراء الستارة الملوثة بالدهون النادل المسن في مئزره الوسخ، مذعوراً، ومختنقاً بصراخه، وقد توترت عروق رقبته:‏

"-أيها المواطنون، غارة جوية. أيها المواطنون، غارة..."‏

سمعت أصوات في المكان: "-ماذا، ماذا؟ لماذا تصرخ على هذا النحو السخيف؟ هل أذاعوا بالراديو؟ أم تهيأ لك؟"‏

بدأت ضجة أصوات الناس تهدأ تدريجاً في القبو، التفتت الرؤوس نحو النادل المسن، ثم حدثت حركة سريعة عند باب الدخول، وانزلق بضعة أناس واحدهم تلو الآخر إلى الخارج، وتردد صوت وقع أقدام راكضة إلى الأعلى على الدرجات الحجرية، ولاحت على الرصيف قرب النوافذ، ثم قال أحدهم من وراء المنضدة المجاورة متوجساً:‏

"-يا للجنون. أين المفر من الموت؟"‏

"-اندفع الشباب نحو محطة مترو أرباتسكايا."‏

"-يا لكثرة ما صاروا يغيرون. عموماً، تحتاج طائرات اليونكرس إلى بضع دقائق طيران من موجايسك، وهم يقلعون من مطار موجايسك."‏

"-ليس المكان هنا أسوأ من المترو. انظر، السقف اسمنتي مسلح كما في الملجأ. لا بأس. سيحـ- حتمل."‏

"-أية واحدة؟ ذات الخمسة كيلوغرامات أم ذات الطن؟ متندر، ظهره في قوقعة."‏

"-ولم الـهرب، قل لي؟ في مقدورنا أن نجلس على نحو مؤدب معاً. لن يحدث ما هو أسوأ من الموت."‏

"-إه، ضقت ذرعاً من الجري في أوقات الإنذارات."‏

"-ماذا نفعل إذن؟ هل سنجلس؟"‏

صاحوا كالمتوحشين من خلف زاوية القبو على النادل، الذي راح يتلفت مشتتاً نحو المناضد بوجهه النحيل المغطى بالشعر القصير الخشن: "-ما بك تقف كالزجاجي؟ هيا، اجلب شواءك الشبيه بالنعل المشوي قبل أن يقصفونا. هاته ركضاً."‏

تراجع النادل نحو باب المطبخ وهو يمسح، لسبب ما، يديه الراقصتين بمئزره غير الجديد، فاشتبك بالستارة، وصار يتخلص منها بمرفقيه المترددين إلى الأمام وإلى الخلف، ثم اندفع نحو المطبخ ترافقه قهقهة عصبية مستفزة من وراء المناضد. قال إيليا متساهلاً:‏

"-أيها الأرنب الرمادي الجبان." وصرخ هنا في أثر النادل مغتاظاً: "-اسمع أيها الرفيق، إننا نموت جوعاً. إلى متى سننتظر؟"‏

زجره الرجل الشبيه بالحجر الكبير بشدة: "-لماذا أنت غاضب؟ وترفع صوتك وكأنك كبير؟ أهو الجبان؟ ألا يكون لديه أطفال أصغر من الصغار؟ الجميع أبطال حين ينمو على الخطم نصف شارب. يسهل إبراز الصدر حين لا يكون ثمة شيء خلف الظهر- لا زوجة ولا أطفال. صغار أنتم، صغار. لو تشمون ما معنى إطعام أسرة؟ البطولة في رؤوسكم؟ الحرب كاللعبة... هاك كيف تصنع الألعاب المضادة للدبابات ثلاث عشرة ساعة في اليوم." وعرض لإيليا كفه الأيمن المغطى بتلال المسامير الجلدية البنية، وأضاف: "-لو أهشم بهذه المطرقة رأس المحاسب. ماذا إذن أيها الأبطال، هل سنصنع المآثر هنا؟ أم إلى المترو كالعاقلين؟"‏

قال فلاديمير متغلباً على صمت إيليا: "-إننا نموت جوعاً."‏

أعلن فانيا الأبرص منهمكاً: "-وماذا؟ لقد أكلت، وكرشي يفرقع. صحبتكما لا تناسبني كثيراً. سأتدفأ في المترو على الأقل. أما في هذا القبو فيتخدر المرء برداً ولا يشعلون ناراً."‏

"-هيا أيها الغر."‏

انتزع الشبيه بالحجر قبعته الفرائية المدعوكة عن المنضدة، وحين تحرك نحو المخرج بدا غير طويل جداً، لكن منكبيه ورقبته كانت عريضة على نحو لا يصدق، وبدأت جزمته الرخيصة القديمة تصفق محتدمة غضباً على الأرض الإسمنتية قرب خطى مالك الحزين القصيرة لفانيا النحيل. صفق الباب وراءهما، ثم خطت الجزمة الرخيصة بصلابة قرب النوافذ ومن خلفها ساقان فتيتان نحيلتان. في تلك اللحظة (لم يتسن بعد لفلاديمير أن يزيح ناظريه عن النافذة) خرج النادل المسن بوحشية جامحة من وراء ستارة الباب المندفعة جانباً، ناشراً رائحة البصل المحروق واللحم المفرط في الشواء، ورمى صحنين حديديين على منضدتهما مصدراً رنيناً، ووضع كأسين من النبيذ الأحمر. ضحك إيليا مندهشاً، وهتف: "-أوه، فلنفترسها" ثم شم الـهواء بتلذذ مصوراً الغبطة التي حلت أخيراً، والتقط بالشوكة القصديرية ذات الأسنان المنفرجة قطعة لحم ملتصقة بالبصل، وغرز فيها أسنانه.‏

فكر فلاديمير: "غارة جوية إذن؟" وكان غاضباً من نفسه لأنه شعر، كما هو واضح، بالقلق أكثر من إيليا بسبب من الـهدوء البارد في الشارع، والضوضاء التي خفت شيئاً فشيئاً في القبو، لكنه مع ظهور الصحنين على المنضدة تناول (متخذاً هيئة الرائد المقدام) الكأس الباردة الزلقة، مع أن أية خمرة كانت مقززة لـه حينذاك، واجترع بشجاعة جرعة من السائل الأحمر، الذي كان مذاقه مذاق الحديد البارد الكريه، وقال: "- رائع." وشرع يلتهم الشواء الذي راحت قشرته المحترقة الفواحة تتكسر بين أسنانه.‏

في اللحظة التالية قفزت الكأسان على المنضدة راشّتين النبيذ، وبدأت الصحون تصطك: بدا وكأن طلقات المدافع المضادة للطائرات راحت تتردد بجنون، وترن، وتصفق على نحو مصم تحت النوافذ وعلى بعد مترين من الباب، وبدأت تقصف المدافع الرشاشة باستعجال وعلى نحو معدني متقطع. لكن شيئاً صدم الأرض حالاً وأرجحها بهدير مرعد مدمر، فخفت الضوء الكهربائي في القبو وانطفأ. انهمرت من السقف المتعرق قطرات ضخمة كزخ المطر، وارتطمت قطع الطينة بالمناضد، وقال أحدهم بصوت مخنوق: "- على الكريملين... سيرمون الآن مرة أخرى..." وتسمر الجميع. تأرجحت المصابيح المطفأة كالنواسات على الأسلاك فوق الرؤوس، أما الوجوه التي صارت كلسية فقد همدت مرفوعة إلى السقف من غير حراك. ثم بدأ بريق دهني كدر يكسو تلك الوجوه المنتظرة برعب انفلاق جسم السقف الإسمنتي، المخترق بجذع حديدي مميت لقنبلة ثقيلة ساقطة من السماء.‏

أحس فلاديمير بشد كريه في معدته، انتابه في أثناء القصف عند المخاضة قرب موجايسك، لكن هذا كان أيضاً فضولاً جشعاً تجاه نفسه وتجاه تعبير أعين الآخرين، وتجاه انتظار الموت في جمهرة القبو ("لا، لا، لن يحدث الآن شيء خطير، يجب أن لا يحدث.") نظر إلى إيليا، وقد أضناه النفور من هذه الرائحة الحامضة الفائحة من ثياب الناس المتزاحمين الوسخة، ومن العرق الدهني على وجوههم ومن رائحة رعب ما قبل الموت، وصاح به وهو يشعر بالمرح من حزمه:‏

"-لنذهب وننظر في الشارع."‏

أجابه إيليا بنظرة جاهزة مستعدة للتنفيذ وهو يخرج بالشوكة قطعة طينة من كأس النبيذ، ثم عد بسرعة النقود من فئة الثلاثة روبلات، وبحث بعينيه عن النادل المسن غير أنه لم يجده، فدس النقود تحت حافلة الصحن المصطك الذي لم يؤكل الشواء فيه حتى النهاية، ونهض وهو يتكلم بصوت يتصنع البهلوانية الـهزلية:‏

"-أيها المواطنون المحترمون. احتكاماً إلى نظرية الاحتمالات لن تقسط القنبلة هنا. أتموا التهام شوائكم بهدوء."‏

انطلقت في إثرهما من المناضد الأخيرة بضعة نداءات فزعة: "-هيه، إلى الوراء أيها الولدان." وحين فتحا باب القبو الثقيل وتخطيا العتبة اصطدما هنا على الفور، وقد أصابهما بالصمم دوي نيران المدافع المضادة للطائرات، وصوت إطلاق المدافع القريبة العجول، وقرع الرشاشات الثقيلة المخنوق، وأصوات الانفجارات الجوية المشدودة، برجل يرتدي معطفاً وعلى كمه شريط المناوب الأحمر، وكان يطل بنظره من تحت المظلة الحديدية رافعاً رأسه ومضيقاً عينيه كما لو أنه ينظر إلى نور مبهر.‏

صاح الرجل مكشراً عن أنيابه، ودفعهما نحو الباب: "-هيه... ممنوع. إلى أين؟ قفا هنا، ممنوع الذهاب إلى هناك، ممنوع. ألا تريان- يقصف المركز. تركوه يمر، السافل."‏

شاهدا من هنا، من تحت المظلة، جزءاً من الشارع وأشجار الحور العارية خلف الحاجز الحجري، وشاهدا فوق الأسطح جزء السماء المحفورة في كل مكان بثقوب في الغيوم سوداء وبيضاء كالثلج، وببريق كبريق النجوم متكرر، وبدا وكأن رذاذاً بارداً راح يتساقط في الأعالي مفجراً الأدخنة وراشاً نيراناً ممزقة، وكان كل ما أمكنت رؤيته في الأعلى من هنا مدروزاً في اتجاهات مختلفة بخطوط الرشاشات المضادة للطيران، التي تلاقت وتناثرت كمروحة يدوية، وتدافعت وتصالبت، وخطت نحو السماء متلمسة الـهدف غير المرئي في مكان ما وسط النجوم المتساقطة والمذنبات. ابتعدت الخطوط المنقطة اللامتناهية عن الأرض مندفعة، واخترقت طبقات الغيوم الأولى، ثم سبحت بعد ذلك في الأعالي السماوية بنيران ياقوتية بطيئة، حتى صار محالاً إبعاد الأنظار عن هذه المخاريط النارية المتحركة في الأقاصي، وعن هذه الزينة الضوئية الشريرة وغير الطبيعية فوق المدينة. ومن هناك شق بصعوبة طريقه صوت غريب مغرغر، ومخمد بفرقعة الألعاب النارية الجنونية ورنينها وهديرها، وحمل في السماء ثقلاً حديدياً كبيراً، متميزاً بوجوده الخطر وسط تهلل مطر النجوم المجنون والمصم هذا ووسط ومضات النور المنقط السابح وراء الحدود. وعلى الرغم من أن هالة ليلكية شاحبة انتشرت من اليسار بين الأسطح البعيدة، وعلى الرغم من أن السماء كانت تحترق هناك، وتورم كل شيء في الأسفل بشدة، وتلون بلون أحمر ريان، فإن فلاديمير لم يشعر بالرعب الذي يقتلع الروح كما لو أنه كان مؤمناً بخلوده وخلود الناس، وأحس كيف سحره على نحو غريب هذا الجمال الشرير، الذي تبدى كسريان فوضى ضوئية وكانحناءاتها ونبضاتها.‏

أثار الدهشة أيضاً أنه في وقت متأخر على الجبهة، وبعد أن خبر الخسائر والمصادفة والخوف الدبق، كان يقف أحياناً في هدوء الليل، حين يتفقد الحرس، ووجهه نحو الـهالة التي تملأ الأفق، وينظر إليها طويلاً كما ينظر إلى الغروب، وكان في تلك الـهالة سلام وغبش هادئ ورائحة الأكاسيا...‏

في موسكو لم يعرف فلاديمير حينئذ ولم يخطر في بالـه من أين أتى هذا السلطان غير المرئي عليه- من أعماق الغرائز من هاوية الدفاع البيولوجي الذي لا يسمح قبل الأوان بفهم إمكان حدوث الكارثة الشخصية وموت الذات في الكارثة وموت الآخر، لكن إحساساً بزخم نيران المضادات المرح والموحي بالنصر في الوقت نفسه ملأه، فقال مهتاجاً لإيليا:‏

"-يا للمنظر الجميل. يا للشيطان."‏

قال إيليا على نحو غير محدد، وهو ينظر إلى الأعلى نحو المظلة الحديدية، التي راحت الشظايا المنهمرة تقرعها وتنقرها وتحفها: "-آها، كرنفال خريفي في حديقة الثقافة والراحة. انظر وحسب أية أشياء جميلة تنهمر من السماء." وتناول من على الدرجة شظية طويلة لقذيفة مضادة للطيران، قطعة معدن رمادي محززة، سقطت هناك، من على المظلة المائلة: "-هل تعلم يا فولودكا؟ لو أصاب هذا الشيء الساقط من عل رأسك لجندلك بكل حماقة. إليك ماذا ينتج: ينتج أنك تأذيت بشظيتك."‏

مس فلاديمير الشظية التي لم تكن قد فقدت دفأها بعد، والتي كانت حوافها حادة وتخز الأصابع، وتفحصها باهتمام شخص وجد ذرة من جسم فضائي، وقال على نحو لا يخلو من الأسف:‏

"-قذائف كثيرة، لكن لماذا لا تسقط ولو واحدة؟"‏

"-لا يخطر ببالك أيها الشاب ذو الـهيئة المريحة ما معنى إسقاط اليونكرس..."‏

رمى المناوب عينيه إلى السماء من غير أن يكمل جملته، وكأنه يستمع بنظره مصلياً إلى الجنون الذي لا يهدأ فوق الرؤوس. أما هناك فقد سقطت عربة ترامواي من مكان ما من الدهاليز الجوية غير المرئية ومن متاهات الأعالي، واندفعت شاقولية نحو الأرض بأقصى سرعتها، وراحت تهبط وتهبط على سكة زاعقة زعيقاً جنونياً، ومخترقةً الـهواء بحدة ومصدرة زعيقاً وصريراً وصوت عويل جسم حديدي هائل، حتى ثقب الآذان ألم حار حاد من هذا الصوت الوحشي الذي غطى الأرض.‏

انقطعت السكة الشاقولية فوق الأسطح- اندفعت عربة الترامواي متشقلبة نحو الأرض من غير صرير عجلاتها على السكة. وصل الزعيق الحديدي حد الجنون، بعدئذ ارتطم ذلك الشيء الـهائل والثقيل بالأرض على نحو أصم، ورج بأرجحة محسوسة الأرض الإسمنتية تحت مظلة القبو، وهز هدير الإعصار خلف الأبنية الشارع كالزلزال. أعمى الانفجار الأبصار بإعصار ناري ورن الزجاج في الجوار وتحطم، ورفعت الريح في الجو أوراق الأشجار الصفيحية وكتل أوراق الإعلانات ومزق الصحف عن قارعة الطريق- فاح المكان بدفء حديدي جوفي كما لو أن الأرض انشقت حول أربات.‏

ورأى فلاديمير، الذي رماه ارتجاج الأرض الشديد نحو الدرجات، هولاً قاحلاً في نظرة المناوب المصعوقة، ورأى وجه إيليا الغاضب والشاحب والموجه نحو جدار البناء المجاور، الذي تصدع على نحو مائل وقطعه خط التشقق المنكسر كاشفاً خلف طينة الواجهة عن الجوف الأحمر للطوب، وقد راح الغبار ينهمر منه كالشلال.‏

قال إيليا بصوت عالٍ، ونظر إلى فلاديمير بعينين لا تضحكان: "-أصابه. لو سقطت هنا لما بقي منا سوى الغبار..."‏

"- لم تسقط هنا."‏

نطق فلاديمير هذه الكلمة عنوة، وفي نيته أن يرد على إيليا بنبرة غير قلقة، لكن، وفي لحظة، اختفى الاهتياج من المنظر المتشكل بنيران المضادات، التي لم تمنع الطائرة الألمانية من أن ترمي على مركز المدينة شيئاً ما هائلاً ومريعاً انتشر كالزلزال في الشوارع المجاورة كلـها.‏

قال إيليا، وشتم: "- هل سيسقطون هذا السافل أم لا؟ أين يصوب أولئك المساطيل؟"‏

أخبرهما المناوب هامساً، وقد راح ذقنه يقفز، ولم تكن نظرته تخفي تصلب الرعب فيها، أما الـهالة خلف الأسطح فاتسعت وكبرت، وراحت الغيوم المثقلة تغلي محمرة وقد أججتها من الأسفل نار حريق كبير:‏

"-رمى قذيفة تزن طناً. صوّب نحو الكريملين لكنها انحرفت يساراً.. أصاب بناءً سكنياً."‏

قال فلاديمير ناقماً: "- هل يعقل أن لا يسقطوه؟ ما هذا؟"‏

أما السماء فأرعدت كالسابق وبرقت بالشظايا على نحو رهيب، وراحت الخطوط تخترقها والطلقات تدرزها، وكانت ممزقة كلـها بالمعدن الـهادر، الذي بدا الخروج من خللـه مستحيلاً، لكن هدير القاذفة المغرغر، الذي يصعب إدراكه راح يبتعد متحرراً، وينسل بهدوء في هذا الكيس السماوي الحديدي المتوهج.‏

فيما بعد طارد فلاديمير زمناً طويلاً التصور الواضح لـهذا الكيس السماوي المليء من الأرض وحتى السمت بطوابير طلقات الرشاشات وشظايا القذائف التي ابتعدت في ازدحامها غرغرة الطائرة المنيعة.‏

... عند الغسق عرجا على ماشا سيرغييفنا.‏

كان واضحاً من غرفة الدخول أن الفوضى التامة سادت المنزل، وكأنهم راحوا يحضرون أنفسهم للسفر طوال النهار من غير أن يستطيعوا ذلك. ربما لـهذا السبب عدّ إيليا من الضروري أن يقول عند العتبة إنهما "اقتحما المكان من غير دعوة". بيد أن ماشا ضمت راحتيها أمام ذقنها ضاحكة، كما لو أنها تشكر اللـه على اللقاء المفرح غير المتوقع، وهتفت: "-كم أنا سعيدة بكما أيها الولدان. لا يمكنكما، ببساطة، أن تتصورا." ثم قبلت وجنتيهما، كلاً بدوره، بشفتيها اللتين فاحت منهما رائحة شيء ما حلو، وقادتهما إلى الغرفة غير المرتبة وهي تقول مسرورة:‏

"- اسمعوا، يا لحسن ما سارت عليه الأمور. تعرفا من فضلكما- هذا إيليا وفلاديمير، صديقاي، وأرجو أن تحباهما أيها الخال إدوارد وأنت يا فسيفولود. انظري يا ماما من جاءنا. لقد كانا عند الخنادق".‏

رد النقيب النحيل هازئاً، وكان متوسط السن مرتدياً قميصه العسكري من غير الحزام:‏

"- مسرور جداً، للغاية، على كافة الأصعدة. سعيد على نحو فائق، بكل المعاني." وأحنى من جديد رأسه ذا الشعر الممشط على صلعته، فوق الحقيبة المفتوحة على المنضدة، وانشغل بتعبئة الأشياء والحاجيات المنثورة في كل مكان في الغرفة. تكلم بإلحاح متابعاً على الأرجح الحديث المقطوع من غير أن يعير أي انتباه لإيليا وفلاديمير: "- عليك أن تفكري الآن يا تامارا، لأن الوقت غداً سيكون متأخراً. نعم، أن تفكري وتقرري يا غاليتي. أنت الآن في حال ما من التردد السرنمي(4)..."‏

استلقت أم ماشا، تامارا أركادييفنا الممثلة، على الأريكة متدثرة بمعطف من الفرو الأبيض فوق البطانية الصوفية، وراحت تقرأ مجلد كوبرين السميك مسندة ذقنها، ولافة عنقها بشال أورنبورغي موبر، كما لو أنها مريضة بالتهاب اللوزتين (كانت ثمة مساحيق وزجاجة عليها لصاقة صيدلانية على الخزانة الصغيرة قرب رأسها) وقد بهت وجهها الدقيق ذو العينين الشبيهتين بعيني حورية، واللتين كان فلاديمير يخاف النظر إليهما حين يلتقيها في الطريق، وأصابه الـهزال، وبدت الظلال الزرقاء، التي برزت تحت رمشيها البطيئين، قاتمة وموحية بالمرض. ابتسمت تارمارا أركادييفنا لـهما مرحبة، ونظرت مستفهمة إلى ماشا، ثم حل من جديد هم حزين على عينيها المصوبتين نحو الكتاب. جلس متقوساً هناك أيضاً عند طرف الأريكة فتى هزيل لا يعرفانه، وقد لفت النظر بركبتيه الحادتين واكتئاب جفنيه الغامزين، ففكر فلاديمير: "ومن هذه البثرة أيضاً- فسيفولود؟"‏

تابع النقيب النحيل، الذي سمته ماشا إدوارد أركادييفيتش حديثه، وهو يضع في الحقيبة على سبيل الاحتياط ألبسة داخلية وعلب قهوة وألواح شوكولا وكاكاو مع الحليب المكثف، وكانت هذه الأشياء قبل الحرب ثروة كاملة تلمع ببطاقاتها الآسرة: "- نعم، يا حلوتي الذهبية، يا شقيقتي الحسناء غير المنظورة، سيفوت الأوان بعد غد. أن أطير غداً صباحاً إلى يوغسلافيا فهذا ليس هرباً يا تاماروتشكا وليس جلاءً، بل توافق ظروف مفرح، وأنا سعيد لأنني سأصور نشاط الأنصار حتى اللحظة "ن". حتى اللحظة "ن"، هل تفهمين يا أختاه؟"‏



سأل فلاديمير: "-أيعقل أنك تظن أن الألمان سيأخذون موسكو؟" وتبادل النظرات مع إيليا، الذي راح يدخن غير مستعجل، معبراً بتموضعه عن برودة أعصاب كسولة.‏

تكلم إيليا من غير أن يوجه حديثه إلى أحد:‏

"-ازداد عدد مثيري الذعر كثيراً، ولا يكفون عن التذمر. على الرغم من أمر قائد موسكو الجنرال سينيلوف- إعدام المتذمرين والـهامسين والمخربين رمياً بالرصاص فوراً."‏

"-هكذا إذن؟ تهزآن أيها الغران. أيها البطلان المغفلان؟"‏

نفث الرجل الشبيه بالحجر الـهواء من منخريه وقد احمر، وراح فكاه المغلقان الشبيهان بمجرفة البلدوزر يدحرجان تلال العظم الوجني القاسية- برز شيء ما مهدد وقاتم في هيئته الضخمة كلـها، فهتف فانيا الخائف بصوت غنائي متداركاً صداماً غير حكيم:‏

"-لماذا احمررت أيها العم الجيد كالسرطان المسلوق؟ لم يمسك أحد فاجلس ما داما لا يقولان إلا كلاماً. تشعر باهتمام- تحدث إلينا، وقل شيئاً ذكياً لنا، وسنستمع إلى رجل كبير مسن."‏

تأوه الرجل الشبيه بالحجر، وتحرك على الكرسي، ثم تكلم بصوت كصوت البوق وقد برّدت أعصابه مداخلة فانيا المحترمة:‏

"-آه منكم. عشب بستان أنتم. علماء مقدامون أنتم. لا مفر منكم. ما بكم- تركتم الحلمة للتو؟ رضّع؟ في موسكو تركض أقوام مختلفة قطعاناً مندفعةً نحو محطات القطار، أما أنتم فلا تفقهون؟ إليكم من يثيرون الذعر، إليكم من يجب رميه بالرصاص. أقاموا في شارع سادوفايا سدادة بستة صفوف من السيارات. كلـها منطلقة إلى غوركي وكويبيشيف."‏

دس إيليا مصطنعاً عدم الحماسة: "-الجلاء. ما العمل..."‏

"-يا لك من شيطان ذكي. ثمة من يفكر بالجلاء وثمة من يفكر بالمرق الدسم في هذه الضجة الكبيرة. ذهب محاسبنا مع عامل الصندوق إلى المصرف لجلب الرواتب، ولم ترهما سوى روح الكلاب. اختفى الاثنان بعِدْلٍ من النقود، إليك... المصنع من غير مواد لليوم الثاني، والراتب حجز جنازة لدى الرب الإلـه. علَّم المجانين الذكاء، أما محاسبنا سيميون بوريسوفيتش فأخاف أن يكون الآن في غوركي يشرب الشاي مع الفودكا على نفقة النقود الحكومية العمالية. لا شأن لـه إن أنتج المصنع قنابل مضادة للدروع أم لم ينتج. هاك ماذا يفعل جلاؤك. فهمت- لا تعرف رأسك من مداسك..."‏

صمت الرجل الشبيه بالحجر، ودحرج عينيه الداميتين نحو باب المطبخ، الذي فُتح مصدراً صريراً وظهر من وراء الستارة الملوثة بالدهون النادل المسن في مئزره الوسخ، مذعوراً، ومختنقاً بصراخه، وقد توترت عروق رقبته:‏

"-أيها المواطنون، غارة جوية. أيها المواطنون، غارة..."‏

سمعت أصوات في المكان: "-ماذا، ماذا؟ لماذا تصرخ على هذا النحو السخيف؟ هل أذاعوا بالراديو؟ أم تهيأ لك؟"‏

بدأت ضجة أصوات الناس تهدأ تدريجاً في القبو، التفتت الرؤوس نحو النادل المسن، ثم حدثت حركة سريعة عند باب الدخول، وانزلق بضعة أناس واحدهم تلو الآخر إلى الخارج، وتردد صوت وقع أقدام راكضة إلى الأعلى على الدرجات الحجرية، ولاحت على الرصيف قرب النوافذ، ثم قال أحدهم من وراء المنضدة المجاورة متوجساً:‏

"-يا للجنون. أين المفر من الموت؟"‏

"-اندفع الشباب نحو محطة مترو أرباتسكايا."‏

"-يا لكثرة ما صاروا يغيرون. عموماً، تحتاج طائرات اليونكرس إلى بضع دقائق طيران من موجايسك، وهم يقلعون من مطار موجايسك."‏

"-ليس المكان هنا أسوأ من المترو. انظر، السقف اسمنتي مسلح كما في الملجأ. لا بأس. سيحـ- حتمل."‏

"-أية واحدة؟ ذات الخمسة كيلوغرامات أم ذات الطن؟ متندر، ظهره في قوقعة."‏

"-ولم الـهرب، قل لي؟ في مقدورنا أن نجلس على نحو مؤدب معاً. لن يحدث ما هو أسوأ من الموت."‏

"-إه، ضقت ذرعاً من الجري في أوقات الإنذارات."‏

"-ماذا نفعل إذن؟ هل سنجلس؟"‏

صاحوا كالمتوحشين من خلف زاوية القبو على النادل، الذي راح يتلفت مشتتاً نحو المناضد بوجهه النحيل المغطى بالشعر القصير الخشن: "-ما بك تقف كالزجاجي؟ هيا، اجلب شواءك الشبيه بالنعل المشوي قبل أن يقصفونا. هاته ركضاً."‏

تراجع النادل نحو باب المطبخ وهو يمسح، لسبب ما، يديه الراقصتين بمئزره غير الجديد، فاشتبك بالستارة، وصار يتخلص منها بمرفقيه المترددين إلى الأمام وإلى الخلف، ثم اندفع نحو المطبخ ترافقه قهقهة عصبية مستفزة من وراء المناضد. قال إيليا متساهلاً:‏

"-أيها الأرنب الرمادي الجبان." وصرخ هنا في أثر النادل مغتاظاً: "-اسمع أيها الرفيق، إننا نموت جوعاً. إلى متى سننتظر؟"‏

زجره الرجل الشبيه بالحجر الكبير بشدة: "-لماذا أنت غاضب؟ وترفع صوتك وكأنك كبير؟ أهو الجبان؟ ألا يكون لديه أطفال أصغر من الصغار؟ الجميع أبطال حين ينمو على الخطم نصف شارب. يسهل إبراز الصدر حين لا يكون ثمة شيء خلف الظهر- لا زوجة ولا أطفال. صغار أنتم، صغار. لو تشمون ما معنى إطعام أسرة؟ البطولة في رؤوسكم؟ الحرب كاللعبة... هاك كيف تصنع الألعاب المضادة للدبابات ثلاث عشرة ساعة في اليوم." وعرض لإيليا كفه الأيمن المغطى بتلال المسامير الجلدية البنية، وأضاف: "-لو أهشم بهذه المطرقة رأس المحاسب. ماذا إذن أيها الأبطال، هل سنصنع المآثر هنا؟ أم إلى المترو كالعاقلين؟"‏

قال فلاديمير متغلباً على صمت إيليا: "-إننا نموت جوعاً."‏

أعلن فانيا الأبرص منهمكاً: "-وماذا؟ لقد أكلت، وكرشي يفرقع. صحبتكما لا تناسبني كثيراً. سأتدفأ في المترو على الأقل. أما في هذا القبو فيتخدر المرء برداً ولا يشعلون ناراً."‏

"-هيا أيها الغر."‏

انتزع الشبيه بالحجر قبعته الفرائية المدعوكة عن المنضدة، وحين تحرك نحو المخرج بدا غير طويل جداً، لكن منكبيه ورقبته كانت عريضة على نحو لا يصدق، وبدأت جزمته الرخيصة القديمة تصفق محتدمة غضباً على الأرض الإسمنتية قرب خطى مالك الحزين القصيرة لفانيا النحيل. صفق الباب وراءهما، ثم خطت الجزمة الرخيصة بصلابة قرب النوافذ ومن خلفها ساقان فتيتان نحيلتان. في تلك اللحظة (لم يتسن بعد لفلاديمير أن يزيح ناظريه عن النافذة) خرج النادل المسن بوحشية جامحة من وراء ستارة الباب المندفعة جانباً، ناشراً رائحة البصل المحروق واللحم المفرط في الشواء، ورمى صحنين حديديين على منضدتهما مصدراً رنيناً، ووضع كأسين من النبيذ الأحمر. ضحك إيليا مندهشاً، وهتف: "-أوه، فلنفترسها" ثم شم الـهواء بتلذذ مصوراً الغبطة التي حلت أخيراً، والتقط بالشوكة القصديرية ذات الأسنان المنفرجة قطعة لحم ملتصقة بالبصل، وغرز فيها أسنانه.‏

فكر فلاديمير: "غارة جوية إذن؟" وكان غاضباً من نفسه لأنه شعر، كما هو واضح، بالقلق أكثر من إيليا بسبب من الـهدوء البارد في الشارع، والضوضاء التي خفت شيئاً فشيئاً في القبو، لكنه مع ظهور الصحنين على المنضدة تناول (متخذاً هيئة الرائد المقدام) الكأس الباردة الزلقة، مع أن أية خمرة كانت مقززة لـه حينذاك، واجترع بشجاعة جرعة من السائل الأحمر، الذي كان مذاقه مذاق الحديد البارد الكريه، وقال: "- رائع." وشرع يلتهم الشواء الذي راحت قشرته المحترقة الفواحة تتكسر بين أسنانه.‏

في اللحظة التالية قفزت الكأسان على المنضدة راشّتين النبيذ، وبدأت الصحون تصطك: بدا وكأن طلقات المدافع المضادة للطائرات راحت تتردد بجنون، وترن، وتصفق على نحو مصم تحت النوافذ وعلى بعد مترين من الباب، وبدأت تقصف المدافع الرشاشة باستعجال وعلى نحو معدني متقطع. لكن شيئاً صدم الأرض حالاً وأرجحها بهدير مرعد مدمر، فخفت الضوء الكهربائي في القبو وانطفأ. انهمرت من السقف المتعرق قطرات ضخمة كزخ المطر، وارتطمت قطع الطينة بالمناضد، وقال أحدهم بصوت مخنوق: "- على الكريملين... سيرمون الآن مرة أخرى..." وتسمر الجميع. تأرجحت المصابيح المطفأة كالنواسات على الأسلاك فوق الرؤوس، أما الوجوه التي صارت كلسية فقد همدت مرفوعة إلى السقف من غير حراك. ثم بدأ بريق دهني كدر يكسو تلك الوجوه المنتظرة برعب انفلاق جسم السقف الإسمنتي، المخترق بجذع حديدي مميت لقنبلة ثقيلة ساقطة من السماء.‏

أحس فلاديمير بشد كريه في معدته، انتابه في أثناء القصف عند المخاضة قرب موجايسك، لكن هذا كان أيضاً فضولاً جشعاً تجاه نفسه وتجاه تعبير أعين الآخرين، وتجاه انتظار الموت في جمهرة القبو ("لا، لا، لن يحدث الآن شيء خطير، يجب أن لا يحدث.") نظر إلى إيليا، وقد أضناه النفور من هذه الرائحة الحامضة الفائحة من ثياب الناس المتزاحمين الوسخة، ومن العرق الدهني على وجوههم ومن رائحة رعب ما قبل الموت، وصاح به وهو يشعر بالمرح من حزمه:‏

"-لنذهب وننظر في الشارع."‏

أجابه إيليا بنظرة جاهزة مستعدة للتنفيذ وهو يخرج بالشوكة قطعة طينة من كأس النبيذ، ثم عد بسرعة النقود من فئة الثلاثة روبلات، وبحث بعينيه عن النادل المسن غير أنه لم يجده، فدس النقود تحت حافلة الصحن المصطك الذي لم يؤكل الشواء فيه حتى النهاية، ونهض وهو يتكلم بصوت يتصنع البهلوانية الـهزلية:‏

"-أيها المواطنون المحترمون. احتكاماً إلى نظرية الاحتمالات لن تقسط القنبلة هنا. أتموا التهام شوائكم بهدوء."‏

انطلقت في إثرهما من المناضد الأخيرة بضعة نداءات فزعة: "-هيه، إلى الوراء أيها الولدان." وحين فتحا باب القبو الثقيل وتخطيا العتبة اصطدما هنا على الفور، وقد أصابهما بالصمم دوي نيران المدافع المضادة للطائرات، وصوت إطلاق المدافع القريبة العجول، وقرع الرشاشات الثقيلة المخنوق، وأصوات الانفجارات الجوية المشدودة، برجل يرتدي معطفاً وعلى كمه شريط المناوب الأحمر، وكان يطل بنظره من تحت المظلة الحديدية رافعاً رأسه ومضيقاً عينيه كما لو أنه ينظر إلى نور مبهر.‏

صاح الرجل مكشراً عن أنيابه، ودفعهما نحو الباب: "-هيه... ممنوع. إلى أين؟ قفا هنا، ممنوع الذهاب إلى هناك، ممنوع. ألا تريان- يقصف المركز. تركوه يمر، السافل."‏

شاهدا من هنا، من تحت المظلة، جزءاً من الشارع وأشجار الحور العارية خلف الحاجز الحجري، وشاهدا فوق الأسطح جزء السماء المحفورة في كل مكان بثقوب في الغيوم سوداء وبيضاء كالثلج، وببريق كبريق النجوم متكرر، وبدا وكأن رذاذاً بارداً راح يتساقط في الأعالي مفجراً الأدخنة وراشاً نيراناً ممزقة، وكان كل ما أمكنت رؤيته في الأعلى من هنا مدروزاً في اتجاهات مختلفة بخطوط الرشاشات المضادة للطيران، التي تلاقت وتناثرت كمروحة يدوية، وتدافعت وتصالبت، وخطت نحو السماء متلمسة الـهدف غير المرئي في مكان ما وسط النجوم المتساقطة والمذنبات. ابتعدت الخطوط المنقطة اللامتناهية عن الأرض مندفعة، واخترقت طبقات الغيوم الأولى، ثم سبحت بعد ذلك في الأعالي السماوية بنيران ياقوتية بطيئة، حتى صار محالاً إبعاد الأنظار عن هذه المخاريط النارية المتحركة في الأقاصي، وعن هذه الزينة الضوئية الشريرة وغير الطبيعية فوق المدينة. ومن هناك شق بصعوبة طريقه صوت غريب مغرغر، ومخمد بفرقعة الألعاب النارية الجنونية ورنينها وهديرها، وحمل في السماء ثقلاً حديدياً كبيراً، متميزاً بوجوده الخطر وسط تهلل مطر النجوم المجنون والمصم هذا ووسط ومضات النور المنقط السابح وراء الحدود. وعلى الرغم من أن هالة ليلكية شاحبة انتشرت من اليسار بين الأسطح البعيدة، وعلى الرغم من أن السماء كانت تحترق هناك، وتورم كل شيء في الأسفل بشدة، وتلون بلون أحمر ريان، فإن فلاديمير لم يشعر بالرعب الذي يقتلع الروح كما لو أنه كان مؤمناً بخلوده وخلود الناس، وأحس كيف سحره على نحو غريب هذا الجمال الشرير، الذي تبدى كسريان فوضى ضوئية وكانحناءاتها ونبضاتها.‏

أثار الدهشة أيضاً أنه في وقت متأخر على الجبهة، وبعد أن خبر الخسائر والمصادفة والخوف الدبق، كان يقف أحياناً في هدوء الليل، حين يتفقد الحرس، ووجهه نحو الـهالة التي تملأ الأفق، وينظر إليها طويلاً كما ينظر إلى الغروب، وكان في تلك الـهالة سلام وغبش هادئ ورائحة الأكاسيا...‏

في موسكو لم يعرف فلاديمير حينئذ ولم يخطر في بالـه من أين أتى هذا السلطان غير المرئي عليه- من أعماق الغرائز من هاوية الدفاع البيولوجي الذي لا يسمح قبل الأوان بفهم إمكان حدوث الكارثة الشخصية وموت الذات في الكارثة وموت الآخر، لكن إحساساً بزخم نيران المضادات المرح والموحي بالنصر في الوقت نفسه ملأه، فقال مهتاجاً لإيليا:‏

"-يا للمنظر الجميل. يا للشيطان."‏

قال إيليا على نحو غير محدد، وهو ينظر إلى الأعلى نحو المظلة الحديدية، التي راحت الشظايا المنهمرة تقرعها وتنقرها وتحفها: "-آها، كرنفال خريفي في حديقة الثقافة والراحة. انظر وحسب أية أشياء جميلة تنهمر من السماء." وتناول من على الدرجة شظية طويلة لقذيفة مضادة للطيران، قطعة معدن رمادي محززة، سقطت هناك، من على المظلة المائلة: "-هل تعلم يا فولودكا؟ لو أصاب هذا الشيء الساقط من عل رأسك لجندلك بكل حماقة. إليك ماذا ينتج: ينتج أنك تأذيت بشظيتك."‏

مس فلاديمير الشظية التي لم تكن قد فقدت دفأها بعد، والتي كانت حوافها حادة وتخز الأصابع، وتفحصها باهتمام شخص وجد ذرة من جسم فضائي، وقال على نحو لا يخلو من الأسف:‏

"-قذائف كثيرة، لكن لماذا لا تسقط ولو واحدة؟"‏

"-لا يخطر ببالك أيها الشاب ذو الـهيئة المريحة ما معنى إسقاط اليونكرس..."‏

رمى المناوب عينيه إلى السماء من غير أن يكمل جملته، وكأنه يستمع بنظره مصلياً إلى الجنون الذي لا يهدأ فوق الرؤوس. أما هناك فقد سقطت عربة ترامواي من مكان ما من الدهاليز الجوية غير المرئية ومن متاهات الأعالي، واندفعت شاقولية نحو الأرض بأقصى سرعتها، وراحت تهبط وتهبط على سكة زاعقة زعيقاً جنونياً، ومخترقةً الـهواء بحدة ومصدرة زعيقاً وصريراً وصوت عويل جسم حديدي هائل، حتى ثقب الآذان ألم حار حاد من هذا الصوت الوحشي الذي غطى الأرض.‏

انقطعت السكة الشاقولية فوق الأسطح- اندفعت عربة الترامواي متشقلبة نحو الأرض من غير صرير عجلاتها على السكة. وصل الزعيق الحديدي حد الجنون، بعدئذ ارتطم ذلك الشيء الـهائل والثقيل بالأرض على نحو أصم، ورج بأرجحة محسوسة الأرض الإسمنتية تحت مظلة القبو، وهز هدير الإعصار خلف الأبنية الشارع كالزلزال. أعمى الانفجار الأبصار بإعصار ناري ورن الزجاج في الجوار وتحطم، ورفعت الريح في الجو أوراق الأشجار الصفيحية وكتل أوراق الإعلانات ومزق الصحف عن قارعة الطريق- فاح المكان بدفء حديدي جوفي كما لو أن الأرض انشقت حول أربات.‏

ورأى فلاديمير، الذي رماه ارتجاج الأرض الشديد نحو الدرجات، هولاً قاحلاً في نظرة المناوب المصعوقة، ورأى وجه إيليا الغاضب والشاحب والموجه نحو جدار البناء المجاور، الذي تصدع على نحو مائل وقطعه خط التشقق المنكسر كاشفاً خلف طينة الواجهة عن الجوف الأحمر للطوب، وقد راح الغبار ينهمر منه كالشلال.‏

قال إيليا بصوت عالٍ، ونظر إلى فلاديمير بعينين لا تضحكان: "-أصابه. لو سقطت هنا لما بقي منا سوى الغبار..."‏

"- لم تسقط هنا."‏

نطق فلاديمير هذه الكلمة عنوة، وفي نيته أن يرد على إيليا بنبرة غير قلقة، لكن، وفي لحظة، اختفى الاهتياج من المنظر المتشكل بنيران المضادات، التي لم تمنع الطائرة الألمانية من أن ترمي على مركز المدينة شيئاً ما هائلاً ومريعاً انتشر كالزلزال في الشوارع المجاورة كلـها.‏

قال إيليا، وشتم: "- هل سيسقطون هذا السافل أم لا؟ أين يصوب أولئك المساطيل؟"‏

أخبرهما المناوب هامساً، وقد راح ذقنه يقفز، ولم تكن نظرته تخفي تصلب الرعب فيها، أما الـهالة خلف الأسطح فاتسعت وكبرت، وراحت الغيوم المثقلة تغلي محمرة وقد أججتها من الأسفل نار حريق كبير:‏

"-رمى قذيفة تزن طناً. صوّب نحو الكريملين لكنها انحرفت يساراً.. أصاب بناءً سكنياً."‏

قال فلاديمير ناقماً: "- هل يعقل أن لا يسقطوه؟ ما هذا؟"‏

أما السماء فأرعدت كالسابق وبرقت بالشظايا على نحو رهيب، وراحت الخطوط تخترقها والطلقات تدرزها، وكانت ممزقة كلـها بالمعدن الـهادر، الذي بدا الخروج من خللـه مستحيلاً، لكن هدير القاذفة المغرغر، الذي يصعب إدراكه راح يبتعد متحرراً، وينسل بهدوء في هذا الكيس السماوي الحديدي المتوهج.‏

فيما بعد طارد فلاديمير زمناً طويلاً التصور الواضح لـهذا الكيس السماوي المليء من الأرض وحتى السمت بطوابير طلقات الرشاشات وشظايا القذائف التي ابتعدت في ازدحامها غرغرة الطائرة المنيعة.‏

... عند الغسق عرجا على ماشا سيرغييفنا.‏

كان واضحاً من غرفة الدخول أن الفوضى التامة سادت المنزل، وكأنهم راحوا يحضرون أنفسهم للسفر طوال النهار من غير أن يستطيعوا ذلك. ربما لـهذا السبب عدّ إيليا من الضروري أن يقول عند العتبة إنهما "اقتحما المكان من غير دعوة". بيد أن ماشا ضمت راحتيها أمام ذقنها ضاحكة، كما لو أنها تشكر اللـه على اللقاء المفرح غير المتوقع، وهتفت: "-كم أنا سعيدة بكما أيها الولدان. لا يمكنكما، ببساطة، أن تتصورا." ثم قبلت وجنتيهما، كلاً بدوره، بشفتيها اللتين فاحت منهما رائحة شيء ما حلو، وقادتهما إلى الغرفة غير المرتبة وهي تقول مسرورة:‏

"- اسمعوا، يا لحسن ما سارت عليه الأمور. تعرفا من فضلكما- هذا إيليا وفلاديمير، صديقاي، وأرجو أن تحباهما أيها الخال إدوارد وأنت يا فسيفولود. انظري يا ماما من جاءنا. لقد كانا عند الخنادق".‏

رد النقيب النحيل هازئاً، وكان متوسط السن مرتدياً قميصه العسكري من غير الحزام:‏

"- مسرور جداً، للغاية، على كافة الأصعدة. سعيد على نحو فائق، بكل المعاني." وأحنى من جديد رأسه ذا الشعر الممشط على صلعته، فوق الحقيبة المفتوحة على المنضدة، وانشغل بتعبئة الأشياء والحاجيات المنثورة في كل مكان في الغرفة. تكلم بإلحاح متابعاً على الأرجح الحديث المقطوع من غير أن يعير أي انتباه لإيليا وفلاديمير: "- عليك أن تفكري الآن يا تامارا، لأن الوقت غداً سيكون متأخراً. نعم، أن تفكري وتقرري يا غاليتي. أنت الآن في حال ما من التردد السرنمي(4)..."‏

استلقت أم ماشا، تامارا أركادييفنا الممثلة، على الأريكة متدثرة بمعطف من الفرو الأبيض فوق البطانية الصوفية، وراحت تقرأ مجلد كوبرين السميك مسندة ذقنها، ولافة عنقها بشال أورنبورغي موبر، كما لو أنها مريضة بالتهاب اللوزتين (كانت ثمة مساحيق وزجاجة عليها لصاقة صيدلانية على الخزانة الصغيرة قرب رأسها) وقد بهت وجهها الدقيق ذو العينين الشبيهتين بعيني حورية، واللتين كان فلاديمير يخاف النظر إليهما حين يلتقيها في الطريق، وأصابه الـهزال، وبدت الظلال الزرقاء، التي برزت تحت رمشيها البطيئين، قاتمة وموحية بالمرض. ابتسمت تارمارا أركادييفنا لـهما مرحبة، ونظرت مستفهمة إلى ماشا، ثم حل من جديد هم حزين على عينيها المصوبتين نحو الكتاب. جلس متقوساً هناك أيضاً عند طرف الأريكة فتى هزيل لا يعرفانه، وقد لفت النظر بركبتيه الحادتين واكتئاب جفنيه الغامزين، ففكر فلاديمير: "ومن هذه البثرة أيضاً- فسيفولود؟"‏

تابع النقيب النحيل، الذي سمته ماشا إدوارد أركادييفيتش حديثه، وهو يضع في الحقيبة على سبيل الاحتياط ألبسة داخلية وعلب قهوة وألواح شوكولا وكاكاو مع الحليب المكثف، وكانت هذه الأشياء قبل الحرب ثروة كاملة تلمع ببطاقاتها الآسرة: "- نعم، يا حلوتي الذهبية، يا شقيقتي الحسناء غير المنظورة، سيفوت الأوان بعد غد. أن أطير غداً صباحاً إلى يوغسلافيا فهذا ليس هرباً يا تاماروتشكا وليس جلاءً، بل توافق ظروف مفرح، وأنا سعيد لأنني سأصور نشاط الأنصار حتى اللحظة "ن". حتى اللحظة "ن"، هل تفهمين يا أختاه؟"‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 08:43 AM   المشاركة رقم: 22
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



سألته تامارا أركادييفنا من غير أن تتحول عن الكتاب، وقد لازمت التجعيدة ما بين حاجبيها الأملسين: "- وما معنى اللحظة "ن"؟ هل تظن فعلاً؟..."‏

"- أظن يا ذهبيتي أن كل فرد الآن... في هذه الأيام يقرر مصيره... في الواقع- نحن أمام معضلة مأساوية ثنائية الوجه.."‏

قالت ماشا في هذه اللحظة:‏

"- لن نسمع الجدالات الشؤمية. منذ أمس والقيامة قائمة في المنزل وكأن الألمان دخلوا موسكو، أما أنا فلا أصدق، لا أصدق، لا أصدق. لا بل من المضحك سماع هذه المعضلات المأساوية ثنائية الوجه. الأفضل أن نقضي على شوكولا خالي. تحدثا، تحدثا من فضلكما. كيف أنتما؟"‏

تناولت عن المنضدة في أثناء سيرها لوح الشوكولا المفضوض والمغلف بالفضة الرقيقة الفاخرة، وقادتهما إلى منضدة الكتب قرب السرير المغطى بغطاء من المخمل- إلى الركن الخاص بها من هذه الغرفة الكبيرة ذات السقف المزركش، فأجلستهما على الأريكتين، وجلست هي على السرير قبالتهما، وصارت، وهي عابسة بمرح، تكسر لوح الشوكولا إلى أقسام متساوية مخشخشة بغلافه الفضي.‏

همست مشيرة بعينيها الرماديتين الضاحكتين إلى إدوارد أركادييفيتش، الذي راح يرص الأشياء في الحقيبة برشاقة: "- خالي صغير طيب. سيرسلونه مع البرنامج الإخباري إلى يوغسلافيا. المهم أنهم أعطوه تعييناً ملوكياً من النواشف. هاكما. امسكا وكلا حتى النهاية. ليكن في معلومكما- "البطاقة الذهبية". هل تذكران كيف استلقت هذه الألواح كمروحة يدوية خلابة في واجهة حانوت الحلويات على شارع سيربوخوف؟ أما الآن فطارت.. لا أثر لـها... حسناً، متى رجعتما؟ أمس؟ اليوم؟ متى؟ تكلما..."‏

أجاب إيليا: "- ليلاً. وكما ترين بصحة تامة، وقررنا أن نزورك."‏

"- أيها العزيزان، كم أنا سعيدة بالنظر إليكما. صار وجهاكما فظين نوعاً ما وبنيين مثل وجوه الجنود..."‏

صفرت، ودست في يد كل منهما قطعة من اللوح المكسور، فشعر فلاديمير برائحة الشوكولا الدافئة الممزوجة بالرائحة الحلوة المنبعثة من صدرية ماشا الفرائية حين انحنت نحوهما، ناشرة بابتسامتها نوراً مشاكساً تآمرياً، وتذكر أمسية كانونية من أمسيات ما قبل الحرب، والصقيع العاصف في الشارع، والمدفأة الـهولندية غير المشتعلة، وهدوء هذه الغرفة الشتوي، حيث استلقيا شاعرين بخدر مدير للرأس على السجادة وقد فاحت منها رائحة الغبار والعطور (كانت السجادة مفروشة في الغرفة الآن أيضاً)، ثم تذكر متسمراً الإحساس بشفتيها المرنتين الرقيقتين- فهزته إبر القشعريرة الخشنة من داخلـه. لم يستطع نسيان أي شيء من تلك الأمسية السعيدة، التي حدثت منذ عامين، أما هي، وكأنها لا تذكر شيئاً، فلم يكن في نظرتها وفي صوتها وفي ابتسامتها ولو طيف خفيف لذلك التقارب الطفولي العصي على الفهم بينهما، والذي لم تدعه من بعده ولو مرة واحدة إلى منزلـها.‏

قال فلاديمير: "- لا أحب الشوكولا." وكان يحاول التغلب على المقاومة التي لا سبب لـها لكل ما فعلته ماشا أو ما كان في مقدورها أن تفعلـه الآن، وقد فكر: لـهذا السبب كانت شفتاها حلوتين حين قبلت وجنتيهما، ثم أكمل حديثه بفظاظة متعمدة: "- لا أفهم كيف يمكن تناول هذه التفاهة المفرطة في الحلاوة."‏

قال إيليا بتفوق مازح: "- أما أنا فأحبها. هاتها إلى هنا." وانتزع مازحاً من فلاديمير حصته، ثم ضم القطعتين معاً وقضمهما بشهية وتلذذ جعلا ماشا تضحك، وتغطي أذنيها بيديها وهي تقول بصوتها الممطوط:‏

"- أوي. لا تحرج الحسناوات أيها الحوذي المسكين من الحانة البطرسبورغية من القرن التاسع عشر. كف عن التحامق (واتخذ إيليا على الفور هيئة حسناء متدللة، وصار يمضغ بحذر ضاماً شفتيه على نحو مقزز ونزوي) كف عن هذا، كف حالاً وإلا رغبت في البكاء لا في الضحك. (نظرت إلى إدوارد أركادييفيتش وأمها، وبرقت عيناها توسلاً) احكيا لي من فضلكما ماذا رأيتما هناك؟ هل شاهدتما ولو ألمانياً حياً واحداً؟ يقولون إنهم... لا، انتظر يا ايليوشا... أعطني المشط. هل لديك؟ كم نما شعراكما عند الخنادق. مثل سكان الأدغال. النظر إليكما مرعب. هات المشط حالاً."‏

بحث إيليا في جيوبه متهاوناً، ومنصاعاً للعبة الجديدة غير جاد طبعاً، ثم قدم المشط لـها بعد أن نفخ عليه بلباقة مبالغ فيها، واستمر في التعبير عن الطاعة، أما هي فقفزت عن السرير واقتربت منه حتى التصقت به وهو جالس على الأريكة، وبدأت تمشط ببطء شعره الأسود إلى الخلف. نظر إيليا الصاغر على نحو مصطنع والمبتسم من غير حراك إلى الزر الذهبي (أمام وجهه تماماً) على صدريتها، التي نشرت رائحة الفرو الجديد الزكية، وكان في حرية ماشا غير المعهودة هذه، وفي وقوفها وهي تمس تقريباً بركبتيها إيليا القادر على أن يقبل تحت صدريتها غير المزررة كنزتها، التي فاحت برائحتها، عذابٌ مسكرٌ ما وعيب مخادع كما في ذلك الحلم المفرح، الذي رآه فلاديمير مرة في أمسية كانونية قبل رأس السنة. لم يعرف إيليا، كما بدا، هذا الشعور، فكان يعبث بهدوء مع ماشا، من غير أن يبذل أية جهود، كما يفعل دائماً، ليستحوذ على رضاها- لم تعد تهمه منذ فترة "السو-سو، والكو-كو البريئة على مقعد حديقة المدرسة"- وكان مفهوماً أنه لم يستطع أن يعرف أمر تلك الأمسية الشتوية في هذه الغرفة الـهادئة، حين حاولت هي، ماشا، أن تجسد على نحو رائع دور امرأة طائشة من مخيلتها، أما هو، فلاديمير، المصعوق من الشعور بالرقة نحوها، والغارق في ضباب حار فقبّل برودة نهدها الصغير المخملية.‏

سمع صوت ماشا: "- هكذا أفضل على نحو ما. بدأت أعرفك الآن." ورأى كيف اتحد صفاء عينيها المشع لحظة واحدة مع السخرية المتهاونة في نظرة إيليا، ثم التفتت نحو فلاديمير ومست شعره باصبعها: "- وأنت؟ لماذا تنظر إليّ هكذا؟"‏

-أنا؟ لا أنظر. "وأزاح رأسه، ولكي يبرر حدة كلماته اللاإرادية قال غاضباً: "- لا أحب أن يمشط أحد شعري مثل قطة ما."‏

استلقى إيليا على الأريكة، وراح يتفحص الغرفة من غير حياء. كان يحسن التأقلم سريعاً، ويتمتع بمقدرة تثير الحسد على تخطي العوائق والمنغصات في أي ظرف:‏

"- إن كنت أشبه القطة فإن دقة ملاحظتك هائلة. ماشا، لقد تسكعنا منذ الصباح في موسكو، وعرجنا كي نتحقق إن كنت قد رحلت. الفناء خاوٍ كلـه. انسل الجميع إلى الجلاء. ألن تسافري؟"‏

جلست ماشا على السرير وهي تلف نفسها بالصدرية الواسعة عليها، وقالت: "- لا أعرف، لا أعرف شيئاً. إذا كنا سنسافر فمع أمي حين ستتعافى. لن نتحدث عن هذا. لا أريد، لا أريد. الأفضل أن تقولا لي أيها الولدان ما هذا الذي يحدث في ضواحي موسكو؟ أيعقل أن كل شيء مرعب هناك؟"‏

مررت ذقنها على فراء الصدرية بانتظار الجواب، وظن فلاديمير أن شفتيها تجمدتا برداً، وتخيل مرونتهما الكرزية الباردة، وشعر مع قشعريرة داخلية برنة صوتها، وقرْبِ وجهها وركبتيها المائلتين إلى السمنة الآن، والمشدودتين بالجوربين الصوفيين المتينين، وهب عليه نسيم الفرح النافذ، الذي يحبس الأنفاس كلما رآها، لكن كان لـهذا النسيم الشبيه بانتظار العيد وكذلك للإحساس بوقوع الكارثة سلطان كبير عليه، حتى أنهما بدلا فيه حالاً شيئاً ما، وجعلاه حاداً وفظاً على الرغم منه.‏

صار إيليا يروي نصف جاد عن حفر الخنادق قرب موجايسك، وكيف راحوا مرة ليلاً، وقد تسلحوا بالمجارف، يحاولون، من غير أن ينجحوا، التقاط المخربين الألمان، الذين رمتهم الطائرة في الحقل، وكيف أنهضوهم جميعاً قبل أسبوع بعد أن التفَّت حولـهم الدبابات من اليمين واليسار، وكيف خرجوا من الحصار نحو موسكو عبر الغابات مع بقايا فوج رماة مدحور..‏

تكلم إدوارد أركادييفيتش ممسداً جبينه المتعرق: "- يا أيها الـهراقلة، يا أيها الاسكندريون المقدونيون، يا أبطال هذا الزمان الـهائلين." ومال بحدة عن الحقيبة غير المرتبة نحو المنضدة، وملأ قدحاً بالكونياك، ودحرج متعذباً عينيه الجاحظتين نحو السقف، وشرب، وقال مرة أخرى: "- هراقلة هائلون." وشرع من جديد يمسد جبينه متألماً ويدحرج عينيه متعباً، ويسير في الغرفة من المنضدة نحو الأريكة حيث راحت تامارا أركادييفنا تقرأ مهمومة حزينة، وقد تدثرت بالبطانية والمعطف الفرائي، ثم تكلم فجاءة بلـهجة لاذعة متجهمة وهو يلثغ بعض الشيء متصنعاً: "- قصتك الـهائلة أيها الشاب تهز أعماق النفس. يا لفترة الطفولة والشباب البديعة. في الأمام طبعاً حياتان سعيدتان، أما الشباب والصحة فخالدان. الأصدقاء كلـهم جميلون ونبلاء وخالدون، أما الأعداء فمعوجو السيقان والخطم وعاجزون. كم رغبت وكم حلمت أن أعيش يوماً واحداً، ساعة واحدة، بضع دقائق في حال الطفولة العزيزة هذه والـهائلة تماماً. في جنة الكلمات الزرقاء واللازوردية هذه. يا للفترة السعيدة حين كل شيء في الدنيا- أيتها الراحات، أيتها الراحات، أين كنت- لدى الجدة(5). هل تسمعين يا تاماروتشكا(6) العزيزة؟ حقاً لا أريد الوجود في حال التفكير الناضج والمتعقل والعملي، بل أريد الطفولة. اغفر لي يا ربي أحلامي العبثية، يا أيتها الفترة العزيزة، سحر العيون(7). أظن أن بوشكين قالـها هكذا أيها الفتيان القرعان؟"‏

قال فلاديمير وقد احمر متكدراً: "- أنت مخطئ. لم يقلـها بوشكين هكذا." الفترة الخريفية سحر العيون"، و... أي "فتيان قرعان، نحن أيضاً؟"‏

تدخل إيليا لمساندة فلاديمير: "- لقد أبدعت خصوصاً فيما يتعلق بالأحلام الزرقاء اللازوردية، وفيما يتعلق بالراحات وبوشكين."‏

صاحت ماشا منزعجة: "- لماذا تستمع إلى حديثنا يا خالي؟ لا بل إنه أمر غريب، يا للخجل، ليس من عادتك أبداً، و... ببساطة، ببساطة لم تتصرف هكذا؟"‏

رفع إدوارد أركادييفيتش يديه نحو السقف المزركش وهو يهزهما كما لو أنه يستسلم للأسر من غير مقاومة:‏

"- سامحيني، سامحيني يا ابنة قيصر قوم القيرغيزكايساتسكيين، يا شبيهة الآلـهة. لقد سمعت حديثكم مصادفة. ليكن في معلومك أنني حمار هائل، فأذناي يا عزيزتي ليستا أميتين." واتجه بحيوية نحو المنضدة، وتناول زجاجة الكونياك، لكنه، وقبل أن يصب لنفسه، صوَّب عينيه الجاحظتين باتجاه إيليا وفلاديمير متريثاً تريثاً ساخراً: "- ألا ترغبان أيها الفتيان في أن نقرع أقداح الكونياك الأرمني غير الرديء أبداً؟ اعذراني، فرأسي يتحطم لليوم الثاني، والكونياك مفيد أحياناً. أتريدان؟ آ، لا، أفهم، الوقت مبكر، الوقت مبكر. سيئين الأوان، وستجربان كل شيء. ستجترعان مرارة المعرفة، والحزن العظيم، وستفكران في أثناء الأسى الكبير بوجودكما. أوه، يا للروعة، رائحة الشمس." أنّ، وراح يفرغ القدح بجرعات صغيرة متذوقة، ويقضم قطعة شوكولا باستمتاع، وقد ظل يسير طوال الوقت في الغرفة بقميصه العسكري من غير الحزام، ثم قال وهو يتحسس سريعاً بأصابعه المرنة كما لو أنه يتحقق إن كان ألم الرأس قد فارقه أخيراً: "- نعم، بالمناسبة، فيما يخص الماضي والحاضر. أين هو صباح ما قبل الحرب، الماضي، العزيز، الصافي؟ الماضي- مجاز. الحاضر- معتم، متجهم، مأساوي في عصيانه على الفهم. المستقبل خلف سبعة أبواب. أوه، يا للشيطان. الرأس ينفجر. لا البيراميدون ولا الكونياك يفيدان على الرغم من أنني كنت متماسكاً كرجال الإطفاء ولم أشرب أمس. لم أشرب. الأرجح أن الأمر عصبي تماماً، نسائي، فرويدي. لا أستطيع، لا أملك القوة كي أنسى يا تامارا حديثي الصباحي مع أحد أصدقائي. عرجت عليه في طريقي من الستوديو. تخيلي اللوحة: منذ وقت قريب كان أنيق الملبس وممتعاً ونظيفاً، أما الآن فغير حليق ووسخ وينتعل جزمة لبد طويلة، ويجلس في أريكة قرب المدفأة ويحرق أوراقاً وصوراً ما. أما العينان- فملتهبتان، مجنونتان، ويتمتم بكلمة واحدة فقط: "كذب، كذب..." سخافة هائلة، مشهد من دوستويفسكي. عفاريت. وأما ابنه الطالب في معهد الطيران، والأعرج منذ الصغر بعد شلل الأطفال، وهو ولد ذكي ووسيم، فقد راح يمزق الأوراق أيضاً قرب المدفأة الـهولندية، ولم تكن هيئة الاثنين، لو تدرين، مرعبة بل وحشية. سألته: "ماذا يا جينيتشكا(8)، هل سترحل إلى ألما آتا أم ستبقى يا عزيزي؟" أما هو فضحك ضحكاً جنونياً نوعاً ما، هستيرياً، لو تدرين، وقال: "ناوبت اليوم ليلاً بدوري، ورأيت جيداً، جيداً جداً كيف لغموا الجسر على نهر موسكو. وقفت الشاحنة عند البوابة، وكانت مليئة بصناديق المتفجرات. هذا معناه أنهم لغموا الجسور كلـها تماماً، وليست الجسور وحدها. إنهم يحرقون الأراشيف في لوبيانكا(9) وفي المركز. هذا معناه أننا خسرنا الحرب، وأن موسكو قد قضي عليها." وقال: "ما يخصني، فاعذرني، لأنني لا أصدق شيئاً إطلاقاً. محال توحيد القطيع البشري، كل يقتطع لنفسه قطعة. قميص المرء أقرب إلى جسده. رموا للفقراء شعاراً: "اضربوا الأغنياء، انزعوا الملكيات، خذوا ما لديهم." فأخذوا ونزعوا واقتسموا، فهل صارت الحال أفضل؟" ثم أعلن لي: "قررنا، أنا وابني، أن نبقى. لست حزبياً، أما ميشا(10) فكومسمولي، حسناً، لكل زمن أغنية. سيدفن ميشا بطاقته الكومسمولية وسيعمل بهدوء. "لو تدرين، راح ميشينكا الأعرج والكسيح يومئ برأسه موافقاً: "نعم، سأدفنها وسأعمل بهدوء. أنا معاق ولا أحد يحتاج إلي..." جنون هائل، كابوس من كوابيس قيام الساعة. لا أستطيع يا تامارا أن أقتلع هذا الحديث مع جينيا من رأسي، لست قادراً على أن أتخيل كيف حزم أمره. أمر يبعث على الجنون. مع أن..." مسد إدوارد أركادييفيتش صدغيه مشعثاً شعره الممشط من الجانبين على صلعته، وصمت، وراح ينظر بعينين جاحظتين رماديتين حزينتين إلى الفضاء فوق رأس شقيقته، التي تحولت عن الكتاب ونظرت إليه نظرة ضعيفة، راجية إياه أن لا يمس المحظورات وما لا يجب أن يسمعه الغرباء. أما إدوارد أركادييفيتش فتابع حديثه غارقاً في حال من العزلة المشتتة: "- مع أن الأوضاع على أعلى درجة من المأساوية." قال ذلك وأدار لـها ظهره: "- غير مفهوم. غير معقول. أمر لا يدركه العقل. أعلنوا في السادس عشر من تشرين الأول أن الألمان اخترقوا الجبهة، وبدأ الـهلع. الألمان قريبون- فكروا فقط. أخذوا كالوغا، إنهم في البيوت الريفية في ضواحي موسكو... الجنود الألمان يجلسون في قطارات الضواحي ويستبدلون أحذيتهم- صور هائلة. لكن هذا محال، محال. أما في موسكو فيجري ما يسمى آخر جلاء. إنهم يخرجون المصانع. الشعب يركض حاملاً الصرر نحو طريق غوركي السريعة. بدأ النهب، أعوذ باللـه، على الرغم من أن أوامر الجنرال سينيلوف معلقة عند كل ركن. يرمون بالرصاص في الأفنية مباشرة العملاء واللصوص، أما الألمان فيهجمون. في مقدورهم أن يكونوا في موسكو غداً، غداً. لا أحد يضمن شيئاً. غداً؟... أم بعد غد؟... كابوس هائل. ما الذي حصل؟ وكيف حصل؟ من يعطي جواباً؟ "صاح إدوارد أركادييفيتش بصوت محبط، ورفع يديه نحو السقف على نحو موح: "- كن مستعداً للعمل والدفاع. أبْعَدَ من الجميع، أعلى من الجميع، أسرع من الجميع. كم قيل من الكلمات الـهائلة، فماذا حصل؟ الألمان عند القناة، عند سد ايسترينسك. قرب خيمكي. هل تستطيعين أن تجيبي يا تامارا العزيزة؟ هل تستطيعين أن تشرحي- بأي شكل؟ أم في مقدوركم أيها الكومسموليون الفتيان أن تجيبوا بشيء ما؟ كيف؟ بأي شكل؟"‏

قالت تامارا أركادييفنا بصوت منخفض مزكوم، وهي تصحح مضطربة وضع الشال الأورينبورغي الموبر على عنقها: "- أظن أنك لست في حاجة إلى طرح المزيد من الأسئلة. لا تقحم الأولاد في هذا كرمى للـه، فهم ليسوا مذنبين."‏

ضم أصابعه الثلاثة وضغطها على جبينه، ثم أبعدها وفتحها في الـهواء: "- افهمي، افهمي. لا ينبغي عليك، ولا على ماشا، أن تبطآ. لا ينبغي البقاء هنا. هذا جنو-ون لا يمكن شرحه. التهاب اللوزتين ومصيرك- أليس مضحكاً؟ أرغمي نفسك يا أختاه العجيبة. أن تبقى امرأتان في الجوع والبرد والمجهول، ولو أسبوعاً من غير موارد جدية... وحدهما في بناء فارغ تقريباً- فهذا ليس مخاطرة وحسب، وإنما انتحار على أقل تقدير. تصوري ما هو أسوأ. لم تستطيعا الرحيل، وحلت الكارثة على موسكو. بأية موارد ستعيشان- ستبيعان الخواتم والأقراط وسقط المتاع والخرق؟ كم ستكفيكما؟ وبعد؟ ستعرضان نفسيكما على رصيف شارع أربات؟‏

سامحيني، سامحيني. إنني مهتاج طبعاً، لكن الجوهر يكمن، على هذا النحو أو ذاك، في شيء واحد. الإصابة الآن بالتهاب اللوزتين في موسكو ترف لا يمكن السماح به. يجب الرحيل إلى طشقند يا أختاه الذهبية. عليك اللحاق بالمسرح، أن تسافري غداً فوراً، غداً، السفر."‏

قالت ماشا بهدوء، وهي لا زالت تلف نفسها في صدريتها الفرائية، وكأنها تشعر ببرد شديد: "- لا أفهم يا خالي. تتحدث كما لو أن الفاشيين سيدخلون موسكو غداً... غداً. أيعقل أنك تفكر على هذا النحو؟ هل سيدخلون؟"‏

هتف إدوارد أركادييفيتش مندهشاً: "- ماشا، يا ابنة أختي العزيزة الغالية. لا يعرف هذا إلا الرب الإلـه. ولن يقول أحد أو يخبر مسبقاً، يا للأسف، حتى لو حاصرت الدبابات الألمانية موسكو وقطعت الطرق. لكن الدلائل كلـها تشير إلى أن الوضع فائق الجدية على نحو لم تعرفه ذاكرتنا بعد. نعم يا ماشينكا، يا مخلوقتي الفتية الساحرة. سنك يعني التفاؤل الذي لا يتزعزع، لكن أن يكون المرء متغافلاً في مثل هذه الأيام فهذه خفة عقل شبيهة بالموت... هل تفهمين يا ماشينكا ما معنى أن تظل امرأتان في مدينة قد تنشب فيها حرب شوارع. ستذهبان إلى المتاريس مثل جان دارك؟ الممثلة وابنتها- الجنديتان الشجاعتان..."‏

انبعثت من كلمات إدوارد أركادييفيتش وحيوية أصابعه، التي كان يمسح بها جبينه العالي تارة، وتارة يطقطقها بعصبية فترات طويلة ويداه خلف ظهره، ومن صوته، الذي بدا وكأنه يرش حولـه إبراً سامة، حدة الخطر الخانقة، واحتدم النفور منه في داخل فلاديمير كنار حارقة. استمع إيليا بانتباه شديد إلى إدوارد أركادييفيتش مضيقاً عينيه، ومن غير أن يدع كلمة تفوته، وكان فمه مضموماً بصبر وكأنهم يدعونه إلى عراك لا ينبغي قبولـه فوراً، غير أن فلاديمير لم يحتمل:‏

"- إنك تجبن ببساطة..."‏

(أوه، ما كان سيقول هذا بعد سنوات عديدة، لكن حينئذ، في فترة تشرين الأول من عام واحد وأربعين، كان الصفاء الصادق، وإيمان الشباب الساذج بعدالة عالم الإنسان ونقائه، هذا الإيمان الذي أشعل بعدئذ مواقد إحراق الذات أربعة أعوام.)‏

انحنى إدوارد أركادييفيتش وهو يبتسم ابتسامة ضعيفة، كاشفاً عن تسريحته البارعة على صلعته المبكرة، وتابع حديثه على نحو مسالم: "- أشكرك أيها الشاب، أشكرك. أنا جبان؟ ممتاز، رائع. في مثل سنك يا صديقي اعتبرت جميع من هم في سني الحالي بغالاً مسنة لا يفهمون في الحياة شيئاً. كانت هذه الكلمة على الموضة حينئذ. حسناً، أتعاطف معك تماماً وأشاركك استياءك النبيل مشاركة تامة." قام بانحناءة أخرى تجاه فلاديمير وهو يشع بالعرفان الساخر، بعدئذ وقف عند رأس تامارا أركادييفنا، وشرع يتحدث بلـهجة حماسية مقنعة: "- لكن مهما بدوت جباناً أمام البطلين الشابين فإنني ألح يا أختاه على رحيلك مع ماشا في قطار الصباح. أتوسل إليك أن تجهزي نفسك اليوم. آ، هاتي، هاتي من فضلك. سأنظر بنفسي. إنك تقيسين الحرارة بغير نهاية." انتزع باندفاع ميزان الحرارة منها، ونظر إليه مرتين غير واثق، ثم هزه وتكلم وهو يضم كتفيه محتاراً: "- يا عزيزتي، لا أعرف ماذا أفعل- سبع وثلاثون وتسعة. لكن عليك أن ترغمي نفسك، أن تتماسكي، أن تقسريها على اتخاذ القرار أخيراً. افهمي، لن يكون ممكناً تصحيح هذا..."‏

نهضت تامارا أركادييفنا على مرفقها، وانثنى حاجباها بحزن، وقالت وهي تتنهد شاكيةً: "- افهمني أنت أيضاً. إنني خائفة... أريد السفر لكنني لا أستطيع. أنهكتني الحرارة المرتفعة طوال الأسبوع. إنني خائرة القوى ببساطة، سأموت في الطريق في مكان ما. هل تريد أن يدفنوني في مقبرة قروية ما؟.. لا تكفيني القوة يا إدوارد..."‏

صاح إدوارد أركادييفيتش مفرجاً بين أصابعه المتحركة، وهازاً إياها: "- هائل. جميل... والأولاد؟ هذه قلة عقل، جنون. البقاء مع الأولاد على حافة الـهاوية... ماذا بشأن فسيفولود؟ ماذا بشأن ماشا؟ هل فكرت بمصيرهما؟"‏

ضغط فسيفولود، الحدث ذو الوجه الكئيب كثير البثور، الذي ظل الوقت كلـه صامتاً ومتقوساً عند قدمي تامارا أركادييفنا، واستمع الوقت كلـه بوجل إلى حديث إدواردأركادييفيتش المتواصل والمشبع بالقلق المالح، قبضتيه على خديه فجاءة، وبدأ يخور بصوت غليظ أصم فتي، ويرتجف متشنجاً، وينحني متأرجحاً إلى الأسفل نحو ركبتيه، كما لو أنهم يلوونه من الخلف من رقبته، ثم راح يكرر هامساً: "- كيف ستكون حالي؟ إلى أين سأذهب؟" ورأى فلاديمير هنا كيف تشوه وجه ماشا الشاحب بتصعيرة اشمئزاز، ورن صوتها باستياء:‏

"- كفى من فضلك يا فسيفولود. مظهرك مخجل وأنت تتحول إلى امرأة. وأنت يا خالي، كف عن تعذيبنا. لن نذهب إلى أي مكان ما لم تشفَ ماما، إلى أي مكان. لقد اختلقت شيئاً مخيفاً. سنظل حالياً هنا، وسيبقى فسيفولود معنا، والآن اصمت وإلا سأزعق ولن أدعك تتكلم. هكذا، هل تسمعني؟"‏

زعقت على نحو يائس ومؤثر، ثم ضحكت عنوة، وقفزت على عجل، وجلست على الأريكة قرب أمها، واحتضنتها من كتفيها مدافعة عنها ومهدئة إياها، وقبلت شعرها (أغمضت تامارا أركادييفنا عينيها ونشجت، واستدارت نحو الجدار)، وفكر فلاديمير أن وجوده مع إيليا هنا صار من غير معنى، وأنهما ضيفان قدما في وقت غير مناسب، ولكي يتخلص من إحراج الجدال الذي جرى أمامهما، ولكي لا يسمع مرة أخرى زعيق ماشا اليائس، الذي لا زال يطن في الآذان، قال لإيليا بغير تكليف مفرط:‏

"- تحية أم ماذا؟"‏

كانت هذه الجملة معروفة في المدرسة، وترمز إلى الوداع الاضطراري في الظروف الخاصة، فوقف إيليا بعد أن فهم، وقل بنبرة حاسمة:‏

"- قرأنا اليوم في أمر قائد مدينة موسكو: يرمى المخربون ومثيرو الذعر بالرصاص في أمكنتهم. ألست منهم؟"‏

أحرق بنظرته إدوارد أركادييفيتش، وضرب من غير اكتراث طرف المنضدة وهو متجه نحو الباب بحافة يده كما لو أنه يستعرض في الاستراحة في المدرسة حركة جيدو، فرنت زجاجات الكونياك التي أحاطت بها علب الكونسروة، ثم قال بتبجيل لتامارا أركادييفنا، وقد نظرت إليه مذهولة:‏

"- سامحينا، جئنا إلى ماشا ولم نعلم أن لديكم حديثاً أسروياً صاخباً."‏

سألته تامارا أركادييفنا هامسة: "- ماذا، ماذا؟ لماذا "صاخب"؟ لماذا "أسروي"؟ عم تتحدث يا إيليا؟ إنك تسلك سلوكاً غير مهذب وفظاً..."‏

تكلم إدوارد أركادييفيتش بخوف تهريجي، وصلّب بحمية بهلوانية، وراح يمثل لاهثاً الشروع في فقدان الوعي: "- آه، أي فارسين هائلين لديك يا ماشينكا. مثلـهما قادر على الضرب أيضاً. فلينجنا القدر من الالتقاء بهما في زقاق معتم. ارحلا كرمى للـه. اخرجا، ارحلا قبل أن... قبل أن أطلب الحراس أو الشرطة. اذهبا، اذهبا بعيداً أيها الشابان ولا تتدخلا في شؤون الآخرين. أتوسل إليكما..."‏

صرخت ماشا: "- كف من فضلك عن التهريج يا خالي." وزعقت من جديد على نحو مصم وخارق، حتى أن أمها ألقت رأسها على الوسادة وضغطت متألمة الشال الموبر على أذنيها. أما إدوارد أركادييفيتش فسقط في الأريكة وأدخل عينيه تحت جبينه طالباً الرحمة بيديه. ثم صاحت من غير أن يتضح إن كانت تبكي أم تضحك: "- هاك، هاك على ما فعلته بصديقيّ. لن أدعك تقول كلمة واحدة، ولا كلمة، ولا حرف."‏

أطلق إيليا ضحكة ساخرة، وأومأ لفلاديمير الصامت: "- لنرحل بعيداً، أحضروا العربة لنا أحضروها. لنرحل إلى حيث يوجد ركن للمهانين."(11)‏

خرجا إلى الشارع المسائي المليء بأوراق الأشجار المتجلدة الملتصقة بالأرصفة، وهناك أدركتهما ماشا وقد رمى الـهواء البارد شعرها، وأطاح بطرفي معطفها الطويل غير المزرر وألصقهما بساقيها. لا بل بدا لفلاديمير أيضاً أن البرد الذي هب بحدة قد ثنى أهدابها القاتمة الكثيفة وأجبرها على أن ترد رأسها إلى الوراء، وقد وقفت أمامهما، وراحت تمعن النظر في وجهيهما، جاهدة كي تبتسم وتتكلم بمرح، ثم صارت في رمشة عين ماشا السابقة التي تحبس الأنفاس من نظرة واحدة.‏

شرعت تتحدث بصوتها المرن مستعجلة: "- ما كان عليكما أن تعيرا خالي انتباهاً. إنه ليس على ما يرام طبعاً. فسيفولود ابنه بالتبني من زوجه الأولى، وهو يريد أن يرحل معنا. هل تفهمان؟"‏

أجاب إيليا: "- ليس ثمة ما يستحق الفهم. أظن أن خالك فائق الروعة ما هو إلا ثمرة من شجرة ناشري الذعر."‏

أكد فلاديمير: "- يا لـه من شخص، لا بل إنه كذاب من الطراز الأول أيضاً."‏

قالت ماشا ماطة الكلمات: "- أي أحمقين غبيين أنتما، ومع ذلك فإنني أحبكما، أنتما الاثنان أيها الأحمقان الجيدان الغريبان اللذان لا يفقهان شيئاً."‏

مسدت بلطف وجنة إيليا باصبعين من يدها اليسرى، ومست بيدها اليمنى ذقن فلاديمير ففاض عليهما الإشعاع اللطيف من عينيها الملتهبتين تحت أهدابها المثنية، وشعر فلاديمير وكأن الأرض تهتز من ملامسة أصابعها الدافئة ومن هذه الـهاوية المشعة في نظرتها غير المفهومة التي تعد بشيء ما مفرح وسري وخاطئ جعل البرداء تصيبه وجعل أسنانه تبرد. سألتهما:‏

"- ماذا ستفعلان في موسكو؟ هل ستبقيان؟ لم يدعونا نتكلم بسبب من ضوضائهم الجنونية هذه. أريد أن أعرف ماذا ستفعلان."‏

قال فلاديمير بصدق خالٍ من الحرج: "- نحن؟ إلى الجيش." ثم أخرج علبة سجائر "المدفع" وعرضها على إيليا وتابع قائلاً: "- كنا اليوم في اللجنة العسكرية."‏

أيده إيليا على نحو عابر وهو يتناول سيجارة بسرور ويشعل عود ثقاب ويقربه من فلاديمير ليشعل سيجارته أولاً: "- فولودكا لا يكذب. لقد حللنا هذه المسألة تقريباً."‏

استغربت ماشا: "- هل تدخنان أيها الصبيان؟ هل تعلمتما هناك عند الأعمال الدفاعية؟ يا لكما من غريبين. صرتما كبيرين حقاً... إلى الجيش. لقد حزرت أنكما ذاهبان إلى الجيش." كررت ذلك وعضت شفتها: "- آه، كم أريد أن أذهب إلى الجيش أيضاً. لكن لا بأس، لن أنجح. لا أستطيع أن أترك ماما."‏

قال إيليا مضيقاً عينيه من دخان السيجارة، وبدا وكأنه لا يفكر بأي شيء صعب: "- أنت جميلة جداً على الجيش يا ماشينكا. ستبدأ المبارزات بين الرجال. لذلك اجلسي مع أمك وانتظرينا، والأدق، انتظري فولودكا، فأنا لدي خمس شامات على كتفي الأيسر- هذا معناه أن مصيري مصير متجول يجوب الدنيا كما تنبأت لي إحدى الغجريات، وإذا قتلوني فلن تكون المصيبة كبيرة: سيبكون قليلاً ثم سيكفون. أليس صحيحاً؟"‏

(لماذا قال هذه الجملة القدرية حينذاك؟)‏

نظرت ماشا إلى إيليا مباشرة، وكأنها حزرت تماماً سبب إصراره على أن يكون غير جاد وسبب مزاحه الطائش حول أمور لا تجوز السخرية منها، لكنها قالت أيضاً بنبرة استخفاف وتغافل:‏

"- كم كل شيء مضحك على نحو غير معقول. خمس شامات على كتفك الأيسر؟ كم هذا شاعري، روايات ميريميه الإسبانية. أليست كارمن هي من تنبأت لك يا إيليا؟"‏

تنهد إيليا متصنعاً: "- أسوأ، مع أن الغجرية كانت جميلة جمالاً خيالياً، طول أهدابها متران وساقاها ساقا إلـهة."‏

خفق رمشا ماشا الكثيفان: "- أسوأ؟ أسوأ ممن؟ كيف نفهم "أسوأ"؟"‏

نقر إيليا السيجارة بأظفره متأسفاً، كما لو أنه يفكر بشيء يقولـه ليجرح شعور ماشا:‏

"- أسوأ بمعنى أن مثيلات كارمن ما عدن موجودات في الدنيا. اضمحل الجمال وعلينا أن نرسل أي مشاعر جياشة إلى المتحف منذ زمن طويل. صارت قديمة مثل الفأس الحجرية."‏

استقامت ماشا متوترة:‏

"- غباء، حتى أن هذا لا يثير الشفقة. عرفت دائماً أنك فظ مثل حجر. قبضتك وعضلاتك دليل كاف على ذلك. ما هذا المتحف الذي افتتح؟ أين؟"‏

غاص في الدخان، وراح يضحك مبيناً أسنانه السوية الممتازة: "- سيفتتح. متحف المشاعر الجياشة. إننا نعيش في قرن القوة الفظ. عموماً، إنني لا أمزح، لقد فكرت فعلاً في أنك قد تثيرين بلبلة في الجيش، فالحمقى المخبولون لا زالوا كثيرين، وكل منهم يظن نفسه الوسيم الذي لا يقاوم، و أنه مخلوق من أجل تفاهة مليئة بالمشاعر الجياشة."‏

هتفت ماشا وهي تضم كتفيها مندهشة: "- ها هو الغباء الذي يهز أعماق روحي. ألا.. ألا تغار عليّ؟"‏

قال إيليا: "- صحيح."‏

"- ومنذ متى؟"‏

"- لا يهم."‏

"- لماذا لا يهم؟ الأرض مليئة بالشائعات عن مغازلتك التي لم تخل من نجاح لمدربة الكرة الطائرة في المدرسة الرياضية. الحسناء الشقراء التي لا تقاوم. لا أذكر اسمها... أظن بولينا؟..."‏

أكمل إيليا تدخين السيجارة ورماها على شبكة المزراب، حيث تألقت باكفهرار قشرة الجليد وبرزت منها أوساخ الطريق المتجمدة التي لم يغسلـها المطر، ثم جذب ماشا من مرفقها وبدأ يتكلم كلام الكبار الخالي من الكلفة، والذي تصعب فيه معرفة إن كان جاداً أم يمزح:‏

"- أنت صغيرة جيدة. لا أعرف ماذا بشأن فولوديا، لكنك تعجبينني قليلاً. رمشاك أطول كثيراً من رمشي تلك الغجرية."‏

برقت عينا ماشا على وجه إيليا الثابت، ورفعت ياقتها شاعرة بالبرد، ودست يديها في جيبي المعطف: "- ما معنى هذا؟ مزاح لطيف؟ اعتراف بالحب على غرار دون جوان أم ماذا؟ لماذا تقول ذلك؟ آه، فهمت. استعراض العجرفة... ألم يختلط الأمر عليك بيني وبين بولينا، أو أية خاطئة أخرى مغرمة بك من المدرسة الرياضية؟"‏

قال إيليا باللـهجة مدعية الخبرة نفسها: "- لم يختلط الأمر، وليس ثمة أي استعراض. علينا أن نتوادع. هيا بنا نتبادل القبل..."‏

رمت ماشا رأسها إلى الخلف.‏

"- ماذا يعني أن نتبادل القبل؟"‏

"- يقبل الأطفال الصغار بعضهم جبين بعض. أما أنت فيجب أن تُقبل شفتاك طبعاً. هل أريك كيف؟"‏

"- هذا أمر مسل. جرب إن كنت ستنجح في ذلك."‏

وقفت دافعة رأسها إلى الخلف، ونظرت إليه من غير أن تخرج يديها من جيبيها، واضعة شفتيها المتسائلتين والمدورتين بابتسامتها عرضة لـهول قريب ما. أما هو فجذبها من مرفقها من غير أي حرج، وكأنه معتاد على التصرف هكذا كل يوم، وراح يضغط شفتيه ببطء على شفتيها المبتسمتين مقبلاً إياها قبلة جريئة طويلة حتى أنها صارت تنحني إلى الخلف قليلاً، وأخرجت يديها من جيبيها وأنشبتهما في صدره وراحت تدفعه حذرة، ثم حررت أخيراً فمها الخائف وهي تلـهث وغطته باصبعها، وتكلمت هامسة همساً غريباً:‏

"- لماذا تتصرف بفظاظة؟ إذا كنت تودعني فهل يعقل أنك تريد أن أتذكر فظاظتك؟ لا، أنت غوريللا ما، إنسان غاب..."‏

ضحك إيليا بلطف: "- حقاً؟ فظاظة؟ إنسان غاب؟ لديك شفتان لذيذتان وحسب. ممكن أيضاً؟.."‏

"- لا، لا لزوم." وتنحت مصفرة، واقتربت من فلاديمير باستعجال كاذب ومبالغ، فسقط على الفور في أعماق نظرتها الضبابية، وغرق متعذباً في حدقتيها: "- عليّ أن أودعك أنت أيضاً؟ حسناً، قبلني من فضلك..."‏

شد تشنج شائك على حنجرته، ولم يستطع أن يصدر صوتاً واحداً حين راح إيليا يتحدث إلى ماشا ويقبلـها من غير أن يخجل من حضوره وكأنه عد الأمر طبيعياً تماماً لكونهما صديقين، وكان رد إيليا على كلماتها عن الفظاظة بابتسامة لطيفة نابعة عن خبرةٍ رجولية، وفزعها من إلحاحه العابث واندفاعها لتوديع فلاديمير من أجل الخلاص، وكل شيء مكشوفاً وغير مفهوم حتى العجز، مع أن نظرتها فضحت كل شيء وكذلك ارتجاف أهدابها وعض شفتها الحائر- أدار رأسه جانباً كي لا يشاهد وجهها، وسار صامتاً في الشارع خوفاً من أن لا يتماسك ويكتشف ما يخجل منه. حجبت الدموع أنفاسه على نحو خانق، وكان يحتاج على الأرجح إلى التخلص منها ليرتاح، لكنه لم يحسن ذلك...‏

غطت الظلمة المبكرة الشارع، وفاحت فيه رائحة الندى المثلج المعدنية، ورائحة الرماد الورقي، الذي تدفق وتدفق في الـهواء، وانسابت الـهالة الحمراء الناجمة عن الحريق في المركز فوق الأسيجة مبرزة سواد شبكة الأغصان العارية.‏

(1) بطل من أبطال الجيش الأحمر في أثناء الثورة (المعرب).‏

(2) فانيا تصغير اسم ايفان (المعرب).‏

(3) المسرح الكبير أو مسرح البولشوي (المعرب).‏

(4) السرنمة هي مرض السير في أثناء النوم (المعرب).‏

(5) يردد مقطعاً من حكاية أطفال شعبية روسية (المعرب).‏

(6) تاماروتشكا هي تصغير اسم تامارا (المعرب).‏

(7) يردد مطلع قصيدة مشهورة لبوشكين (المعرب).‏

(8) جينيتشكا وجينيا تصغيران لاسم يفغيني (المعرب).‏

(9) المقصود مبنى مديرية الأمن والمخابرات.‏

(10) ميشا وميشينكا تصغيران لاسم ميخائيل (المعرب).‏

(11) يردد بيتاً من قصيدة ألكسندر سيرغييفيتش غريبوييدوف الـهزلية "مصيبة بسبب من العقل" (المعرب).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:07 AM   المشاركة رقم: 23
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


الفصل التاسع



رن جرس الباب.‏

قال فاسيلييف مشتتاً: "- فلننه عمل اليوم." وضع لوح الألوان على المنضدة وفتح الباب (كان يقفل على نفسه في أثناء العمل). دخلت فيكتوريا المرسم قارعة الأرض بكعبي جزمتها، ومرتدية معطفاً منغوليا محشواً بفراء أبيض، فانتشرت على الفور رائحة هواء الشارع وطراوة الصقيع الصباحي. قبلت بشفتيها الباردتين وجنة أبيها غير الحليقة، ونظرت بعينيها الرماديتين القاتمتين، عيني ماريا، إلى شيغلوف المتموضع في الأريكة، وقالت:‏

"- مرحباً يا بابا، مرحباً أيها الخال."‏

نهض إدوارد أركادييفيتش فوراً برشاقة فائقة، معبراً عن الإعجاب والحب والوفاء الفروسي، وهرع نحو فيكتوريا بانبهار يفوق الحدود، وبمشية طائرة كراقص باليه، وسروالـه الأخضر الضيق، الذي لا يعيبه شيء، يبرق، ثم انبرى يقبل يديها متأثراً وهو يتكلم في أثناء ذلك بصوت مخرخر:‏

"- يا جميلتي، يا ذهبيتي، يا جوهرتي التي لا مثيل لـها، يا أذكى فتاة رائعة في العالم. ماذا، ماذا أفعل لك، هل أجد لك طائر النور أو فردة الحذاء الذهبي؟ هل أوقف الحصان السائر وأدخل الكوخ المحترق؟"‏

ضحكت فيكتوريا محررة يديها: "- كف أيها الخال، لو أطلب منك الآن مائتي روبل فإنك ستخرج محفظة نقودك وتتأوه وتقول: يا للأسف، محفظتي نظيفة كضميري. أليس صحيحاً؟ لكنني مع ذلك أحبك يا خالي على فوضويتك."‏

خرخر إدوارد أركادييفييتش صاغراً، وقام بإيماءة أسف حار: "- إنني يا مليكتي ودرتي وفرحتي مذنب دائماً، وعديم النقود دائماً، مثل الكلب. كنت سأستدين بنفسي، مسروراً، مبلغاً ما، لكن المكانة والسنين لا تسمح يا عزيزتي. حسناً." وصار يشعر بحيوية أكثر، فشرع يتأوه ويخور بحماسة حلوة، وأمسك معصم فيكتوريا الدقيق بكلتا يديه، وبدأ ينقره بلطف بأنفه مبيناً صلعته الشاحبة وشعره الممشط بمهارة وغندرة من الأذن حتى الأذن: " سأنطلق، سأختفي، سأطير لأنني سأتأخر على التدريب، حيث سيتم حديث ضخم جداً مع إحدى الممثلات، مشعوذة حقيقية، سامحني يا ربي. سن تلك العزيزة تقارب الستين، والشيخوخة لاحت من النافذة منذ زمن طويل، لكنها تطمح، ساق الملفوف القديمة، وتسعى، المِبْهَرةُ القديمة، طوال الوقت إلى لعب دور فتاة في العشرين. لن تعزفي، لن تعزفي على البالالايكا(1) إذا ما كانت في يدك مقلاة. أقبلك بحرارة يا فلاديمير ألكسييفيتش."‏

ارتدى باستعجال معطفه ذا الترابيع الكبيرة فاتحة اللون على الموضة، وشد القفازين الجلديين، وركض بعد أن أرسل قبلة هوائية عند العتبة، خارجاً من المرسم كمحام متأنق نشيط يترك المسرح: "- فلتزدهرا يا عزيزيَّ."‏

فُقد في المرسم بعد رحيلـه شيء ما وانطفأ، وكأن تيار هواء هب في الغرفة بمروره السريع، فصفق الباب ليحل الصمت من جديد، ولتعود حال الـهدوء المعتاد، أما لوحة البورتريه غير المنجزة فكانت غامضة، إذ برقت خلف العدستين العينان الجاحظتان، وتثنت قليلاً جداً، كالأفعى، حافة الفم المسن، الذي لا زال متيناً، والمستعد للجملة السامة أو الساخرة، مع شيء من حزن يكاد لا يلحظ ويبرز أحياناً وقتاً قصيراً حين يسهم في منتصف الحديث.‏

فكر فاسيلييف: "ومع ذلك، فلماذا أشفق عليه؟ يبدو لي أنه يهرب طوال الوقت من نفسه."‏

قالت فيكتوريا، وقد وقفت عند المنصة، ثم جلست من غير أن تخلع معطفها في مقعد القش المهزاز خلف فاسيلييف: "- أظن لا بأس."‏

سمع صرير المقعد وحفيف المعطف مفكوك الأزرار، ثم التفت متوقعاً مسبقاً حديثاً مفاجئاً مع ابنته، التي لا يراها عنده في المرسم كل يوم.‏

سألته فيكتوريا: "- ممكن يا بابا؟ لديك، كما أظن، "فيليب موريس"؟" وسحبت بأظافرها المصقولة القاتمة سيجارة من العلبة من غير أن تنتظر الإذن- هكذا تُخرج ماريا السجائر- أما هو فأحس فجاءة بانقباض حزين في صدره مع رؤيته نار القداحة بين أصابع ابنته الضعيفة والواهنة، ومع رؤيته دخان السيجارة الذي أطلقته شفتاها الفتيتان البريئتان، ولحظ عنقها الأبيض الشبيه بعنق طائر التم، والذي كشفته ياقة المعطف المدفوعة، فبدا أيضاً ضعيفاً لا يحميه شيء، ومعرضاً لخطر غير مرئي، وفكر أنه عاجز عن منع أي شيء عن ابنته، وأنها بدأت تدخن بعد مرضها ذاك، وبعد ذلك الشيء غير المنسي والغامض الذي حدث لـها منذ عامين خارج المدينة، والذي ما عادت تذكره لا هي ولا ماريا لاحقاً.‏

سألـها فاسيلييف، وقد اقترب منها مجانباً وقبّل شعرها الخفيف الفواح برائحة النظافة والدفء العزيز: "- إنك تريدين أن تقولي لي شيئاً ما على الأرجح؟ فأنت لا تأتين إلي كثيراً يا فيكا..."‏

قطبت حاجبيها مفكرة بشيء ما يخصها من غير أن ترفع عينيها.‏

ثم قالت بصرامة: "- أردت أن أحدثك عن هذا تحديداً يا بابا. لم نرك في المنزل منذ أربعة أيام. صرت تقضي الليالي في المرسم دائماً لسبب ما. لا أدري ماذا يجري بينك وبين ماما، غير أن كل شيء غريب. هي صامتة، لكنني أرى كيف تتعذب. هل تفهم يا بابا؟ لن تشكو لأحد وإن صارت حالـها سيئة جداً. لا، لا تظن من فضلك. " صححت حازمة: "- لا أريد معرفة أية أسرار، لكن ثمة أمر ما حدث لكما بعد إيطاليا. صرتما غريبي الأطوار، ولا أفهم يا بابا ما بكما. يسود المنزل هدوء الموت ببساطة. هل تعلم كيف كتبوا سابقاً الملحوظات في المسرحيات: الـهدوء في المنزل كهدوء ما قبل العاصفة. من أين العاصفة يا بابا؟"‏

نظر مستفسراً، أما هي فرمت تحت نظرته السيجارة في صحن السجائر مع تعبير عن الغضب، وكان انثناء عنقها الرقيق والشحوب المرضي على وجهها الدقيق، وعيناها الرماديتان الواسعتان على نحو غير طبيعي في ظل أهدابها الكثيفة القاتم- وكل شيء، هشاً وعزيزاً وشبيهاً بماريا، ومكرَّراً على نحو مدهش فيها، في ابنته، مكرراً بحبه لماريا وبالسحر الغامض للشيفرة الوراثية، التي خضعت منذ عشرين عاماً خلت لـهما فقط، وسرى في روح فاسيلييف شعور بشيء من الشفقة وشيء من الرقة.‏

مسَّد بجهة يده المعاكسة غير الملطخة بالألوان وجنة ابنته، وقال:‏

"- لم أصر إنساناً آخر يا فيكا." ابتعد نحو المغسلة، وانبرى يغسل الريشات بماء مصوبن: "- لا بل أكثر من ذلك." قال هذا وهو ينظر إلى فيكتوريا بابتسامة مذنبة، ويفكر في الوقت نفسه بفجائية الشعور البسيط الذي يعيه الآن: "هل هذا الذي يجلس في المقعد الآن هو ابنتي، هل فيها جزء من ماريا وجزء مني، جوهرنا، أملنا الوحيد، استمرارنا في العالم؟ ماذا عليّ أن أفعل من أجلـها كي تفهم أنهما- ماريا وهي- أغلى من كل شيء، وأنني ما كنت قادراً على العيش لولاهما..": "- لا بل أكثر من ذلك يا فيكا. قولي لماما هكذا: إنه يحبنا أكثر من ذي قبل، لكن عليّ أن أبقى قليلاً هنا، في المرسم، لأعمل وأفكر فترتاحا مني قليلاً." ثم كرر: "- عليكما أن ترتاحا مني قليلاً. ينبغي ذلك."‏

"- قل يا بابا بصراحة: ألم يحدث شيء بينك وبين ماما مؤخراً؟"‏

فكر: "هل حدث شيء حقاً؟" وشعر بتساوي الحقيقة مع الكذب في حالـه هذه، إذ لم يحدث ما يخل بحياته السابقة، ومع ذلك فقد حصل شيء غير مريح لكليهما، تشكل منذ بعض الوقت على نحو غير ملحوظ، حتى صار صعباً عليهما تخطيه حين يبقيان وحدهما، وكان، حين يرحل عن المنزل ويغلق على نفسه في المرسم، يقنع نفسه بأن عليه أن يجتاز هذا الأمر أيضاً بالعمل والوحدة.‏

قال فاسيلييف مازحاً تقريباً: "- كل شيء على ما يرام يا ابنتي. لم تحدث بيني وبين ماما أية أحداث مخيفة. ربما نحن متعبان قليلاً."‏

"- صارت ماما تدخن بكثرة مرعبة، حتى أنها هزلت."‏

"- وأنت أيضاً تدخنين. هل ثمة لزوم لـهذا؟"‏

لم تجب.‏

وضع الريشات على المنضدة الملطخة بالألوان، ولحظ هنا نظرتها المصوبة مجانبةً إياه نحو بريق الشمس في النافذة الضخمة المغطاة بالجليد. جلست بمعطفها المفتوح متكئة بمرفقها ومسندة ذقنها بسبابتها، ونظرت عيناها المخترقتان ببياض لون الصقيع إلى مكان ما في صباح شهر شباط، وكانتا مهمومتين وبعيدتين وحزينتين- وراح تشنج الشفقة المعروف لفاسيلييف يشد على حنجرته على نحو خانق، كما لو أنه المذنب في مرضها الذي أصابها منذ عامين، وفي شحوبها، وفي هذا الشرود الذي أخافه. سألـها بنصف صوته:‏

"- هل أنت معافاة يا عزيزتي؟"‏

ضمت كتفها: "- لست في المنزل يا بابا."‏

"- ألا تريدين أن تجيبي؟"‏

أغمضت عينيها وأرجعت قذالـها نحو مسند المقعد، وهمست همساً مرحاً غير طبيعي: "- معافاة مثل فيلة. غير أن الروح مريضة بعض الشيء يا بابا. تتذمر بصوت منخفض، ولا تكف. لكن هذا أمر تافه سيزول. هل تفهم يا بابا؟"‏

"- ما معنى "تتذمر بصوت منخفض" يا فيكا؟"‏

"- لا أعرف ماذا سيحدث لي. هذا كل شيء."‏

قال فاسيلييف قلقاً: "- والمعنى؟ لم أفهم يا ابنتي." لكنه سرعان ما تدارك نفسه، وشرع يتكلم على نحو سوي مهدئ: "- ربما، واضح تماماً ما قد يحدث لك خلل هذه الخطة الخمسية. ستنهين معهدك التمثيلي، ثم تبدأين التصوير وتتزوجين..."‏

تكلمت فيكتوريا باشمئزاز، وثنت حاجبيها: "- دعك من هذا يا بابا. بمن سأتزوج؟ ولم؟ أمر يثير قهقهة وحشية. بأولئك الرضع طويلي الشعر أم بالصبيان المنزليين ذوي الثياب المكوية جيداً وربطات العنق الأجنبية، الذين يحلمون بالمكانة المرموقة؟ يدرس أغلبهم، لسبب ما، في المعهد الديبلوماسي. أمر مضحك. فراغ يا بابا، المكان حولنا مقفر، فطور فقط، مناكب ضيقة وسيقان دقيقة وعيون حلوة.... خيالة معاصرون، فرسان حماية، خاطبون موسورون. أوه، يا للقرف. بالمناسبة، لو تدري يا بابا. قدم لي سفيتوزاروف الطائش ما يشبه عرض الزواج أمس، وبجدية متناهية. إنه، طبعاً، ثرثار ومغفل والـهواء يصفر في رأسه. أظن أنه متزوج مرتين أو أربع مرات، وقد أثمرت زيجاته عن أكثر من عشرة أطفال... حتى أنه لا يذكر أسماءهم." قهقهت فيكتوريا فجاءة، وراحت تتأرجح في المقعد الـهزاز وتنظر تائهة إلى السقف: "- يا لـه من طائش، طائش. لكن التعامل معه سهل ولا يتطلب التفكير، فهو يكذب ويقول إنه يكذب. إنه بالون منفوخ في يوم عيد. والأصح- مغامر خفيف العقل قرب التنانير النسائية. خليط السو-سو المتزلفة والثرثار العاطفي في الثلل."‏

سألـها فاسيلييف: "- وبماذا أجبته؟"‏

"- بماذا أجبته؟ سألته ألا يرغب في العيش الرغيد على حساب نقود أبي، الفنان المشهور فاسيلييف، وتخيل- لم يشعر بالاستياء: "ماذا في الأمر؟ لِم لا؟" قلت لـه إنني سأفكر بجدية، وسأزن الحسنات كلـها والسيئات كلـها، وسأحصي بدقة متناهية عدد زوجاته السابقات وأولاده كي أعرف بمن أستبدل حريتي الثمينة..."‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:09 AM   المشاركة رقم: 24
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



قالت هذا بحيوية أول الأمر، وتأرجحت برتابة في المقعد متسلية بحديثها نفسه، ثم اختفت الحيوية عن وجهها المهموم، واستبدلت بتصعيرة الاحتقار الساخر، ثم صمتت متأرجحة أبطأ فأبطأ.‏

قالت بصوت ملؤه النفور العميق: "- كم هذا تافه وكريه يا بابا، وكم كل شيء رذيل وغير ممتع في هذا الحب الأحمق. تصور: تتزوج الفتيات الغبيات الآن من أجل الوجاهة. نجني يا إلـهي من الخاطبين الحمقى، الذين لا أطيقهم."‏

عرف أنه لا يستطيع أن يساعد ابنته ذات العشرين ربيعاً بأية كلمات على أن تخفف من ضراوتها اللامبالية والباردة. لقد نفذت برودتها إلى روحه وصار حبه لـها يشتد كلما شعر باغترابها عن من هم في مثل سنها، والذين، وكم كان ذلك غريباً، يحومون حولـها دائماً.‏

تكلم فاسيلييف بنبرة ليست جدية جداً، مع أنه كان يعي عدم وجود أي دافع للمزاح: "- ألا تبالغين في الحماسة- النسناسة؟ ربما لا يستحق الأمر تعقيد أي شيء؟ الحياة هي الحياة، وهي رائعة في مثل سنك خصوصاً..."‏

ظلت فيكتوريا تنظر إلى السقف وهي تصر بالمقعد بانتظام، أما عيناها الرماديتان القاتمتان، المخترقتان بالشمس، فكانتا بعيدتين في فضاء خارج الحدود، وقد انثنى عنقها الضعيف الدقيق إلى الخلف قليلاً- تموضع اللامبالاة والتعب والتنائي الغامض- كان كل شيء فيها معروفاً، قريباً لـه، مأخوذاً من ماريا، من فترة شبابها قبل الحرب، وفي الوقت نفسه كان هشاً ومثيراً للرثاء وضعيفاً أمام العالم كلـه.‏

كررت فيكتوريا، وحبست أنفاسها كما لو أنها تصلي في الواقع بحماسة شديدة: "- نجني يا إلـهي." ثم سألته من غير أن تدير رأسها نحوه: "- ألا يحدث أن تخرج عن طورك بسبب من الناس يا بابا؟ مفهوم، تنقذك مهنتك، عليك أن تحب الجميع، أما أنا فلا أستطيع، وكم تصير الأمور صعبة يا بابا، وكم يصير الاستيقاظ صباحاً أمراً لا يطاق أحياناً."‏

سرت على وجهها ظلال مبهمة، فصمت عارفاً بما تفكر، ثم تكلم بخفة خرقاء:‏

"- ثمة في سنك وسيلة رائعة واحدة يا ابنتي، أن تعيشي كما يملي عليك القانون الحيوي.."‏

نظرت إليه مستفسرة: "- لم أفهم يا بابا. ما معنى القانون الحيوي؟"‏

"- النظرية جافة يا صديقي في كل مكان، أما شجرة الحياة فتخضر بكثافة."‏

حركت فيكتوريا كتفها باحتقار: "- هل هو حبيبك غوته أم ماذا؟ "ثم قالت بحزم: "- شجرة؟ تخضر بكثافة؟ يكذب شاعرك العظيم، وإذا لم يكذب كثيراً فإن الشجرة الكثيفة ازدهرت في وقت ما من القرن التاسع عشر، أما الآن فقطعوها في مناطق التحطيب من أجل تنفيذ الخطة. " كفت عن التأرجح في المقعد الـهزاز، وارتجف حاجباها وكأنها تضحك: "- ألم تلحظ كيف يحاول الناس أن يتكلموا على نحو جميل؟ ألم تعر انتباهك؟ أما أنا فأعرف لماذا. كي يتقنعوا كما ينبغي، وها أنت أيضاً، المسمى فناناً تقدمياً، تهديني لأتسلى لعبة من الألعاب التي تعلق على شجرة رأس السنة: "أما شجرة الحياة فتخضر بكثافة". لماذا يا بابا الطيب، ما المغزى؟"‏

قال فاسيلييف: "- مهما قلنا، أنا وأنت، يا فيكا فإن حياتنا كلـها مزحة تثير الفضول، والشباب هدية رائعة سرعان ما ينتزعها الزمان منا يا للأسف. لا زالت هذه الـهدية لديك، وليذهب بعيداً أي قتل للذات. هكذا تحديداً يا فيكا، هنا تحديداً مغزى القانون الحيوي."‏

قالت فيكتوريا وتنشقت بأنفها معبرة عن دهشة الرضا الخطابي الغبي: "- يعيش القانون الحيوي في ظروف النهوض العملي والفكري الذي يجسد في الحياة ما خطط مسبقاً. عاصفة من التصفيق والـهتاف- وبعد. أيتها الإوزات، أيتها الإوزات، غا، غا، غا... ألا تريدين أن تأكلي؟ نعم، نعم، نعم، حسناً، طيري. لا نستطيع، فالذئب قرب الجبل...(2) حماقة. لا يخيفنا الذئب الأِشهب." هتفت فيكتوريا بابتهاج يحاكي بسخرية ابتهاج النصر، ونهضت بخفة موقفة المقعد الـهزاز، ولفت نفسها بالمعطف كما لو أن كل شيء انتهى بفرح ونجاح: "- سنتقبل الحياة ضاحكين."‏

اقتربت ضاحكة من المرآة القديمة المصفرة، التي انبثق منها اللون الثلجي ليوم مشمس من أيام شباط، وصارت تتفحص وجهها مجعدة قصبة أنفها على نحو نزوي، ثم مسدت بخنصرها حاجبيها، وسألت بمرح:‏

"- هل تنتظر ضيوفاً يا بابا؟"‏

"- لا."‏

"- ألن يأتي إليك أحد؟"‏

"- لا، لماذا تسألين؟"‏

مست شحمتي أذنيها، حيث راح قرطان يلمعان بلونهما الفضي:‏

"- هل يمكنني أن أنهبك يا بابا؟ إنك تدرك عم أتحدث، وإذا لم يكن لديك فإنني سأتفهم: لا، لن أستاء. سأعيش حتى المنحة... مع أن ما رأيته يساوي خمس منح كمنحتي. تدليل، إفساد، أمر غير تربوي، تضليل الجيل الشاب. آ... ممكن؟"‏

سألـها فاسيلييف، ومسح يديه بالخرقة، وفتح باب الخزانة الصغيرة، وسحب الدرج حيث وضعت النقود: "- وما سبب النهب؟ أليس سراً يا فيكا؟"‏

"- أقراط ذات زمردات رائعة على القسم المتدلي. عموماً، لا، لا لزوم لـها. إنها ليست جيدة، حتى أنها خالية من الذوق ومظهرها غبي على نحو لا يوصف. لن تكف النساء الشبيهات بالخزائن والحبّارات البرجوازيات الصغيرات عن إيقافي في الطريق وسؤالي من أين اشتريتها. أوه، أي قبح.."‏

استدارت عن المرآة بمقاومة مشمئزة، لكنها ابتسمت من جديد حين التقت بالنظرة المهمومة لفاسيلييف، الذي لم يدفع حتى النهاية الدرج إلى داخل الخزانة، واقتربت منه بسرعة، فلم تقبلـه، بل مست وجنته بحافة أنفها قائلة:‏

"- تذكرنا قليلاً يا بابا. لسنا سيئتين إلى هذا الحد، ولسنا جيدتين، لكننا امرأتان مع ذلك، وأنت الوحيد لدينا، إلى اللقاء."‏

رن الـهاتف في تلك اللحظة، حين اتجهت فيكتوريا إلى الباب، فالتفتت نحو أبيها، وسألته بحزم مشاكس بحاجبيها المرفوعين: "هل تحتاج إلى مساعدة، آ؟" ثم رفعت السماعة ونطقت على نحو ممطوط ومتأنق: "نعـ ـم." وبعد فاصل استمر دقيقة تكلمت بنبرة تعال وعجرفة، مستمتعة بدور ما تلعبه:‏

"- أنت مخطئ. فيكا ليست في المنزل. توجد فيكتوريا- بالأحرى فيكتوريا فلاديميروفنا. تفضل، أقبل اعتذارك، وأرجو أن لا تسميني هكذا في المرة القادمة: على حد علمي فإن فيكا هي عشبة ما مثل البرسيم أو نوع من الحمص. هل تعلم ذلك؟ قلت إنني أقبل اعتذارك الفروسي. لا، ليس في المرسم، خرج. لا أعرف متى سيعود، ماذا أنقل لـه؟ من اتصل؟ آه، ستتصل مرة أخرى؟ أتمنى التوفيق."‏

وضعت السماعة وقالت على نحو عابر:‏

"- لم يسم نفسه. أظنه كوليتسين. صوته السمين الشبيه بصوت مغن ناجح من المسرح الغنائي. لا شك أنه يحتاج إليك. " ابتسمت ولوحت بأصابعها مودعة: "- لا تنسنا يا بابا. أنا ذاهبة."‏

"لا أريد أن أرى أحداً في هذا العالم الكريه." تذكر صرخة ابنته المنتحبة في أثناء مرضها قبل عامين، لكنه تذكرها من غير حدتها السابقة، وبألم متثلم، حين صمت قرع جزمة فيكتوريا في الممر وفكر أنها بخفتها المتكلفة الجسورة تبعد عن نفسها ذلك الشيء الذي لم يلتئم تماماً وتخمده فيها، وأنه، هو نفسه، لم ينس أيضاً يأس ابنته المريضة الذي هزه حينئذ، ابنته، التي بدا أنه لم يعرفها قبل ذلك المرض معتبراً إياها طفلة عزيزة، غالباً ما تُظهِر كبر السن.‏

سار فاسيلييف بعد ذلك في المرسم، وراح ينظر من الجانب إلى بورتريه شيغلوف غير المنجز وغير الدقيق في انتقالاته العصبية جداً والقاسية والمستعجلة، ثم عاد بأفكاره من جديد إلى ماريا وفيكتوريا غير راض وغير مسرور إطلاقاً من صباح هذا اليوم. لم يفارقه ضعف روحي، أقلقه بهدوء، كأنه ذنب قديم لا يمكن التخلص منه، وقد صار يتكرر شعوره به في الأعوام الأخيرة من وقت إلى آخر، حين يتعب من العمل ويكون وحيداً.‏

حطم رنين الـهاتف صمت المرسم مرة ثانية، وصرخ فيه على نحو لا يرحم. رفع فاسيلييف السماعة متردداً وشاعراً برجفة تعب داخلية، ومتوقعاً وخائفاً لسبب ما من أن يسمع صوت ماريا (كان هذا رنينها)، وقال على نحو غير واضح: "- أنت يا ماشا؟" لكن صوتاً جهورياً غضاً ذا ذبذبة ممتعة تردد في السماعة مدحرجاً كلمات متدثرة بملابس مريحة:‏

"- فلاديمير ألكسييفيتش، عزيزي فولوديا. أطلب منك المغفرة لأنني أقتحم خلوتك منذ الصباح وفي ساعات العمل. أوليغ كوليتسين يتكلم ("حزرت فيكا- إنه هو، وهو قد اتصل بضع مرات، ماذا يريد؟") فلاديمير، يا عزيزي، لقد أقلقتك حينئذ ليلاً. كنت متعباً جداً كالكلب، ومهتاجاً ومتوتراً حتى الجنون، لذلك لا تذكرني بسوء، وسامحني بطيب خاطر، أما إن كنت قد تساخفت وفهت بما يسيء فإنني، إن شئت، قد أركع وأطلب المغفرة أمام عموم الشعب؟ "ضحك ضحكاً رناناً نابعاً عن إنسان غير حقود ورحب الصدر، وينوي معاقبة نفسه، وفكر فاسيلييف أنه لا يريد حقاً أن يذكر أي شيء عن مجيء كوليتسين إليه ليلاً وعن الحديث الذي دار بينهما: "- عليك في مرة أخرى يا فلاديمير أن تطرد زوارك المملين من تلابيبهم ببساطة حين تريد أن تنام، لا أن تعمل بلسانك. إن اتصالي بك هذا من أجل العمل، وبناء على طلب ملح من لجنتنا الأجنبية... ألا تستطيع أن تستقبل أجنبياً مندفعاً إليك بحماسة؟ والأصح هو سائح واحد، إيطالي، والأدق- مهاجر من روسيا، روسي الجنسية. لا تخف، لا تخف... سبب الزيارة: شاهد معرضك في روما وفينيسيا، ويريد أن يزور مرسمك إذا منحته الموافقة طبعاً. كرمى لجميع القديسين، جد وقتاً لـه يا فولوديا، فأنا لا أرجو..."‏

لم يسمع فاسيلييف بعد ذلك كلمة واحدة. فَقَدَ صوت كوليتسين الجهوري صبغته اللونية متعددة الطبقات وتشبعه بالعصائر الصوتية فوراً، وانساب في شريط رمادي متموج، وبرز من خلل التأرجح المتزعزع لصوته، الذي فقد شكلـه ومعناه، إدراك غير دقيق جداً بَعْدُ وغير محدد تماماً بأن إيليا رامزين، الذي قدم إلى موسكو، يبحث كما هو واضح عن لقاء معه، ولم يعد فاسيلييف يرغب في الشك بهذا الإدراك. مع أنه بدا من المستحيل ببساطة أن يتصور المرء أن إنساناً روسياً، لم يعد عام خمسة وأربعين من الأسر إلى وطنه، يتمكن فعلاً من القدوم كسائح، ويحصل على تأشيرة، وأخيراً، على إذن من وزارة الخارجية بالدخول إلى البلاد... بعد لقائه مع إيليا العام الفائت في فينيسيا، وخلل زيارته السفير السوفييتي في روما، نقل فاسيلييف على الرغم من كل شيء، في أثناء حديثه عن انطباعات الرحلة، وعلى نحو غير صلب وبإلحاح غير شديد طلب تأشيرة الدخول من قبل صديق طفولته السابق، الذي اكتشف على نحو غير منتظر بين الأحياء وعلى الأرض الأجنبية في إيطاليا الخريفية الضبابية، الأمر الذي بدا شبيهاً حينئذ والآن بحلم، وبأوهام خيال ملتهب، فسأل فاسيلييف بصوت أبح وهو يسمع في السماعة على نحو غير واضح صوت كوليتسين الجهوري السابح مبتعداً:‏

"- من هو- قلت إيطالي؟ من أصل روسي" هل لقبه رامزين؟"‏

اكتسب صوت كوليتسين غير المرئي في السماعة إشباع ألوانه التام فرحاً بهذا السؤال:‏

"- نعم، نعم، نعم. السينيور رامزين. اسمه واسم أبيه إيليا بيتروفيتش. ماذا، هل تعرفه؟"‏

أجابه فاسيلييف: "- ما أهمية ذلك؟"‏

بللـه عرق الاضطراب، وشعر برغبة في الجلوس والارتماء خائر القوى في الأريكة مغمض العينين، وفي تذكر الحديث الذي جرى العام الماضي في أثناء الإفطار في الفندق الفينيسياني ذلك الصباح التشريني المشمس، الذي اتصل عبر عود خشبي دقيق ومتقلقل ومتقوس فوق الـهاوية مع صباح آخر، صباح أوكراييني صيفي حار من صباحات عام ثلاثة وأربعين، حين بدأ كل ما لم يحسب، لا إيليا ولا هو، حسابه.‏

(1) آلة موسيقية وترية روسية (المعرب).‏

(2) تردد لعبة يلعبها الأطفال، تتمثل في أن يلعب أحدهم دور ذئب والآخرون دور إوزات (المعرب).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:12 AM   المشاركة رقم: 25
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


الفصل العاشر




جلسوا على الجذور الدافئة عند طرف تلة الصنوبر، وفكوا أزرار ياقات قمصانهم العسكرية، وراحوا يتنشقون باستمتاع نفحة البرودة المنعشة الآتية من الأسفل، من الجدول، الذي كان مرئياً في الأمام على امتداد ردمية السكة الحديدية. ابيضّت الطريق الترابية المقفرة من اليمين صاعدة من المنخفض نحو الجسر الخشبي نصف المهدم، وانقطعت على تلك الضفة حيث برز عند المعبر حاجز طريق مخطط. أما إلى اليسار تحت الردمية فبدت قمة سطح محماة بحر القيظ، واخضر بكثافة بستان ممتد حتى المياه، وقد تبرقش بالظلال الشبكية على عشبه.‏

قال الرقيب شابكين بحيوية، وقد استند إلى صنوبرة وراح يليح بقبعته القماشية كالمروحة أمام وجهه المتصبب عرقاً: "- بعد هذا يبدأ الخط الحيادي على ما يبدو. أمس كانت في هذه المنطقة فصيلتا مشاة. قبعوا هنا مع رشاش "مكسيم"، ولم يكن غيرهم عند السكة الحديدية، لا جماعتنا ولا جماعتكم، وها هي هناك مدفعيتنا الحبيبة. " قال هذا وقذف رأسه مبتهجاً إلى اليمين، حيث برزت كالتلال أكوام التراب الطازج: "- أما المشاة فابتلعتهم العفاريت. أمر مضحك، المدفعية تقف عوضاً عن المشاة..."‏

فكر فاسيلييف وقد حرف نظره نحو إيليا: "ما به شابكين مبتهج هكذا؟ ما المضحك في اختفاء المشاة؟"‏

جلس إيليا على الجذور مزيحاً إلى الخلف قبعته القماشية عن شعره القطراني الملتصق بجبينه، وراح ينظر إلى ردمية السكة الحديدية وإلى الطريق الترابية قرب الجسر، مضيقاً عينيه مع تعبير عن الاهتمام بمخاطرة متوقعة يمكن انتظار حدوثها هنا.‏

قال إيليا: "- إذا كان الألمان عند الردمية فإن قناصيهم يقبعون في مكان ما، وهذا معناه أن الجدول والبستان والسكة الحديدية- والخط الحيادي كلـه على مرمى منهم. هل ما أقولـه صحيح يا فولودكا؟ في هذه الحال لن تفسر الخريطة شيئاً. فلنذهب إلى المدفع ونتحقق، ولننظر إلى الأمور من هناك؟"‏

وقف سريعاً، ونهض في إثره بعنفوان شابكين، بجزمته الألمانية وسروال الخيالة الألماني المتأنق ذي الحاشية النافرة الذي يرتديه، وكان حاذقاً ومتيناً كالفطر بعينيه السماويتين ومشيته المقدامة التي تولد انطباعات عن لعبة لا تعرف الخسارة، وليس فيها موت أو خوف، بل أمر وحيد: ازدراء جسور وصارم للحياة. كانت هذه اللعبة تثير اهتياج فلاديمير على مرأى من الجميع، ربما لاندفاع شابكين الاستعراضي، غير أنه كان معجباً بحيويته وطبعه الخفيف وزهوه الصبياني غير المتكلف. لقد نال الأوسمة بجدارة بعد كل معركة، وكان يبرز بحدة صدره، الذي يرن ويتألق ويلمع كالذهب، ويقول ضاحكاً إنه حين سيعود إلى أوستاشكوف من الحرب سيعلق "ميدالياته العسكرية" وسيتخطرفي الشارع، فتتساقط الفتيات فاغرات الأفواه من النوافذ إلى قارعة الطريق. لم يُخفِ أيضاً أنه (إذا حالفه الحظ طبعاً) سيحصل على نجمة(1) في الفرصة المناسبة، وسأل مرة إيليا بحضور فلاديمير إن كان يحق لأحد الضباط أن يزكيه لنيل لقب بطل على أعمالـه المستحقة بالدم.‏

ومع ذلك لم يحبه فلاديمير حتى النهاية بسبب من ضجيجه وصوته العالي والـهرمونيكا الألمانية المزينة بالفضة، التي لم يحسن الرقيب شابكين العزف عليها (كان يصفر ويطنطن بها)، لكنه حملـها طوال الوقت في جيب صدره عارضاً إياها، ومصوراً بهيئته ومشيته الشاب الذي يصلح لكل شيء. ها هو فلاديمير يفكر الآن أيضاً، حين نهض شابكين باندفاع خلف إيليا ورنت أوسمته بالذهب العائد إلى الحياة، أن هذا الرقيب يمثل أمام الضباط، هنا على خط الحياد، الشجاعة التامة، فقال غير راض:‏

"- سيصيب قناص من الردمية حائط أيقوناتك، حينئذ ستعرف. لا أفهم، لماذا لم تنزع أوسمتك؟ أظن أن الفتيات لا ينظرن من النوافذ."‏

رد شابكين بعدم ترو، كما لو أنه يدعو إلى تسلية أخرى: "- لن يحدث لي أي شيء. لا، لا يطلق النار هنا الألمان الأحياء. لقد شممت شيئاً ما هنا مساء أمس. من أين تظن أنني حصلت على البندورة؟ من السوق؟ لا، من تلك الجنائن. هل ترى على تلك الضفة حيث ينتهي البستان؟ لقد زحفت إلى هناك- خضت في الجدول ووصلت إلى هناك. أما المشاة... فعددهم هناك صفر وصفر بالعشرة، وثمة رشاشان يدويان تحسباً للظروف..."‏

قال إيليا باستحسان جاف قليلاً: "- عافاك يا شابكين. ما بك توقفت يا فاسيلييف، قدنا إلى مدفعك."‏

كان منتصف النهار، وكان الجو قائظاً. وهبّ على وجوههم هواء حار مشبع برائحة الـهشيم الذاوي والقطران الساخن، ورائحة التراب النهرية، وبدا غريباً أن لا تكف الجداجد على ذلك الجانب عن الصرير على العشب، فكان البستان المغمور بالشمس الأوكرايينية والمصاب بكسل الظهيرة، والذي أعمت الأبصار فيه الأوراق المغبرة على أشجار الحور عند السياج المجدول بالأغصان، مليئاً كلـه أيضاً برنينها الحاد.‏

نادوهم بصوت منخفض من الخندق على التلة قرب بداية الغابة، وبرز رأس مكرهاً من خلف المتراس ثم اختفى: "- من الذي دفعه الشيطان إلى هنا أيضاً؟ إن كنت صديقاً فاعبر جانباً، لا عمل لك لدينا، وإن كنت غريباً فسأطلق النار على مسعطك وستبقى من غير وثائق، واضح أم لا؟"‏

صاح شابكين مشاكساً، وهو يقفز إلى الأمام ويتحدث مقهقهاً: "- أنت يا لازاريف؟ هذا أنا، صديق، قادم مع ضابطين. ما بك، هل تريد أن تصب النار على أصدقائك؟ هل أتخمتم من شرب الشنابس(2)؟"‏

"- كف عن الثرثرة يا قفا القنفذ. اقفز إلى خندق الاتصال ما دمت تقود الضباط إلى هنا."‏

حفر هنا على التلة منذ وقت قريب خندق اتصال قليل العمق، يبدأ عند الغابة، فدخلوا عبره إلى خندق المدفع الترابي البارد، حيث استلقى رجلا مدفعية على بطنيهما بين الركيزتين قرب قدر مليئة عن آخرها بأقراص العسل الطازج، وبدا أنهم فطروا متأخرين هنا أو تغدوا باكراً. كانت على المشمع المفروش كومة كبيرة من ثمار البندورة الحمراء اللامعة تحت الشمس والخيار الفتي ذي القشرة الحبيبية ورؤوس الخشخاش الليلكية، وقد وضعت جانباً قِدر مستوية فيها ماء.‏

سأل فلاديمير مندهشاً من اختفاء الناس في الساحة قرب المدفع: "- أين البقية؟"‏

رمى قائد جماعة الاستطلاع، المساعد لازاريف، الضخم وكبير الوجنتين، وذو الشعر المجعد الطويل فاتح اللون، وفتحتي المنخرين الشريرين المائلتين، القادمين بنظرة من تحت كتفه، غير أنه لم يفكر في أن يقف (كما يقضي النظام عند تحية الضباط) وتكلم مستلقياً بصوت غليظ أجوف كصوت الدب: "- نائمون بعد صخب الأمس، يثوبون إلى رشدهم. أكل الروسي والألماني والبولندي سلة يوسف أفندي. اعبرا إلى هنا أيها الضابطان، وكلا معنا."‏

سأل الملقم كالينكين محابياً، وكان ضيق العظام كثير العروق، طويل الشعر أيضاً، وذا عنق نحيل عار ممدود دائماً إلى الخارج من ياقة القميص العسكري المشبعة بالعرق: "- أخاف أن أياً منكما لم يذق بلسانه العسل في الأقراص؟ تناولا الأقراص وأتبعاها بالخيار. تفضل أيها الرفيق الملازم ما دمنا أغنياء، وإلا فلن تبقى سوى الذكريات."‏

وأخرج من القدر رقاقة صفراء ذهبية تقطر عسلاً، فقضم نصفها، وشرع يمضغها ويمصها متمطقاً. راحت القطرات الكهرمانية تنفصل عن القرص وتنزلق على ظهر كفه المشعر والوسخ نحو كمه الملوث بالدهون، أما هو فلم يشعر لسبب ما بهذا الدبق القابض وبهذه الدغدغة اللزجة على معصمه.‏

اهتم إيليا للأمر، وانتقى مع شابكين من غير استحياء قطعة كبيرة من القدر، وشرع يمص منحنياً، كي لا يلوث قميصه، رقاقة العسل بشهية وهو ينظر إلى لازاريف، ثم سألـه ساخراً:‏

"- من أين مخزون الأغذية؟ هل خربتم منحلة، أم رماها الألمان بالمظلات؟ أم أن مطبخنا العزيز يزود بالعسل؟"‏

قال المساعد لازاريف متكاسلاً: "- انظر ايها الملازم. نحن فتيان قنافذ لنا في كل سد منافذ. انظر هناك، في تلك الجهة أيها الملازم. هل ترى السطح تحت الحديد؟ وهل ترى البستان؟"‏

"- فلنفترض، وماذا بعد؟"‏

رد لازاريف على نحو لاذع وبصوت غليظ وخشن قليلاً: "- أما بعد فلا تسمح الكتفان أيها الملازم. دسست رأسي، لكن الكتفين، ولا بأية حال. قاعدتنا الغذائية هناك، عند الخط الحيادي. هل فهمت؟"‏

تدخل فلاديمير: "- لم تدر المعركة في تلك الجهة من الجدول، ولم نصوب نيراننا إلى هناك."‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:15 AM   المشاركة رقم: 26
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



صار الآن فقط مرئياً خلف سياج أشجار الحور وسط خضرة البستان حدور السطح الحديدي، اللامع تحت الشمس، وجدار المنزل المبيَّض والمبقع بظلال أشجار التفاح، والذي نمت عليه شجرة لبلاب حول طنف المدخل- وراح ذلك المكان يجذب مغرياً بدفء غريب مجهول كالـهواء الساخن.‏

سأل إيليا ممسكاً قرص العسل بيد ممدودة: "- من في المنزل؟ أفترض أن الألمان غير موجودين ما دمتم تزحفون وراء الغنائم إلى هناك؟ إذن أين الألمان؟ وراء الردمية؟"‏

دوّر لازاريف منخريه بغضب فجاءة، والتفت نحو شابكين، الذي غرز أسنانه بحبور في لب ثمرة بندورة مفرطة في النضج: "- عليك أن تعرف ذلك من جندي الاتصال. كان يكسب رزقه بنفسه عند الخط الحيادي. سيحدثك بكل شيء كما يقضي النظام."‏

قال إيليا ببرود: "- النظام يقضي بأن يعرف هذا قائد جماعة الاستطلاع، لذلك سألت هذا السؤال."‏

تكلم لازاريف، وهز منخريه المائلين: "- لست مجبراً على الإجابة عن أسئلة أحد. من كنت أجيبهم ليسوا هنا. دفناهم أول أمس."‏

ابتسم شابكين مهادناً، وأمسك ثمرة بندورة أخرى: "- ما بك تكشر أيها المساعد؟ يسألونك كرجل أيها الأخرق في عيد رأس السنة."‏

غرز فمه بشهوانية في ثمرة البندورة فرشّ عصيرها صدره، ثم شرع يتكلم وهو يمضغ ويمسح بكمه أوسمته الرنانة:‏

"- الألمان غير موجودين هناك. لا يوجد حي واحد في المنزل أيها الرفيق الملازم. حين زحفت إلى هناك أول ما فعلت هو أنني ألقيت نظرة على المنزل- كل شيء نظيف، وعلى أحسن وجه. الأثاث في مكانه والمناشف معلقة، ولا توجد روح حية. يبدو أنهم هربوا إلى مكان ما حين بدأ إطلاق النار من حولـهم. هذا ما أفترضه."‏

لم يوافق لازاريف: "- ليس الأمر كذلك. في المنزل امرأة."‏

هتف شابكين وهو يتلاعب بعينيه السماويتين ملمحاً: "- انظروا إليه. لم ألحظ ذلك. وهل هي فتية؟"‏

برّد لازاريف من حميته: "- وما شأنك؟ ما بك فرحت مثل العجل؟ أرى أنك لم تجمع سدى عِدْلاً من الأوسمة والحدائد. أنت بطل على النساء أيها الرقيب، بطل..."‏

أنذره شابكين، وقد دفع وجهه إلى الأمام دفعة واحدة، وضم أذنيه مثل وحش مفترس يستعد للانقضاض: "- لا تمس أوسمتي بسوء أيها السجين كبير المنخرين. هل جننت أم ماذا؟ لا تمسنا، نحن جنود الاتصال أيها المستطلع، فسرية التأديب لا تخيفني... هل فهمت؟"‏

"- فهمت كل شيء منذ زمن. حين رحت تزحف بسرتك العارية على نثرات الخشب."‏

نهر فلاديمير المساعد بصوت جاف: "- ألست ثملاً قليلاً يا لازاريف؟" ثم قال لإيليا عابساً: "- جلبوا من المطبخ ليلة أمس جالوناً من الفودكا للفصيلة كلـها، لكنك تعرف كم كانت الخسائر..."‏

غمس لازاريف خيارة بالعسل السائل من الأقراص في القدر، وقضم نصفها، وراح يحرك فكيه بكسل ورباطة جأش رجل واثق من نفسه، وهو يغمز إيليا:‏

"- هكذا، جلبوا الفودكا للفصيلة فحصل عليها طاقم مدفع وحده. عيشنا رغيد كما في الجنة. نهجم منذ شهرين، ونغتسل بالدم، نصيح "أورا"، "أورا"، ثم نشرب الفودكا على روح الموتى" صاح بصوت جهوري: "- ألا تسمع يا كالينكين ما أقول. رش من الجالون للضابطين فأعصابهما متوترة جداً. إنهما قلقان جداً بشأن الألمان، يسألان أين هم. يشعران بالملل من غيرهم."‏

قال إيليا متفحصاً البستان على الضفة الأخرى: "- لا معنى للرش. لن أشرب، آه، ها هم الفتيان القنافذ." ثم سألـه من غير اهتمام: "- نعم صحيح، أين هم؟"‏

"- ستراهم الآن أيها الملازم. انظر إلى طرف البستان الأيسر."‏

"- كيف أفهم هذا أيها المساعد؟"‏

"- انظر، قلت لك انظر."‏

قال إيليا، الذي مسته نبرة قائد جماعة الاستطلاع المليئة بالثقة الفظة بالنفس: "- هل ستستمر هذه الثرثرة طويلاً يا لازاريف؟" ثم كرر بجفاف: "- أسألك هل ستستمر طويلاً؟"‏

أجاب لازاريف بخشونة وبصوت ميت، لكنه نظر في الحال إلى ساعته اليدوية المغتنمة، ورمى ما بقي من الخيارة بين قدميه من غير أن يكمل مضغها: "- لست أنا من يثرثر، بل الأحمق. قلت لدينا هدنة مع الألمان. قلت لك انظر، سيخرج الألمان زاحفين الآن. هذا وقتهم."‏

أنهض بصعوبة جسمه القوي الثقيل، ووقف ملاصقاً إيليا تماماً، أخرق، تفوح منه رائحة البارود والعرق الشديد، وقذف اصبعه باتجاه طرف البستان الأيسر:‏

"- ها هناك، خلف شجيرات توت العليق توجد بندورة وخيار وحقل جبَس صغير. مرعانا هناك. نحن قبل الغداء والألمان بعده. هاك، هاك أحدهم يزحف من الردمية... انظر إليه أيها الملازم."‏

ساد الـهدوء الصيفي هنا، ولم يخل به أحد- لم تطلق القنابل المضيئة ليلاً والطلقات الدورية نهاراً- منذ مساء أمس الأول، بعد أن انسحب الألمان أخيراً عند الغسق، وانتهت المعركة ودفنوا القتلى. أما الآن فبدا وكأن رغد حرارة تموز وصرير الجداجد ورائحة العشب الدافئ وبرودة التراب، وخضرة بستان التفاح قد دفعت الحرب والألمان والمعركة ونتن التولين ودمار المدفع الثاني إلى سابع أرض- وحين رأى فلاديمير حركة غير واضحة وسط الظلال الكثيفة بين شجيرات توت العليق عند طرف البستان الأيسر، حيث دس اصبعه لازاريف، لم يعر أهمية جدية لكلمات هذا الأخير، وظن أنهم يسخرون بعدائية منه، هو قائد الفصيلة، ومن إيليا، الذي عين اليوم في مركز قائد البطارية، فسأل لازاريف بصرامة:‏

"- ما هذه الـهدنة؟ ما هذا الـهراء؟"‏

قال إيليا: "- نعم، اجتمع لديك شبان مرحون يا فاسيلييف... يستطيع المرء أن يضحك حتى الموت. إذن أقمتم هدنة؟ هل هم هكذا عندك دائماً؟ هل دعوت قائد جماعة الاستطلاع إلى فصيلتك من أجل الضحك خصيصاً؟ لماذا يطيل المساعد المكوث عند مدفعك؟"‏

صمت فلاديمير، وقد صدمه على حين غرة ألم ارتفع إلى عينيه مثل ضباب قاتم، وشعر بشد الغثيان وبدوار وضجيج في أذنيه، وسبح كل شيء متماوجاً أمامه. تهالك إلى الخلف على صندوق القذائف، والتصق ظهره وقذالـه بالجدار الترابي لخندق المدفع أملاً في أن تبرده ملامسة التراب وتذيب الألم المثير للغثيان، الذي راح يعذبه بعد الارتجاج الذي أصابه أول أمس. كانت نوبات دوار الرأس هذه تهزه كالملاريا، فتصطك أسنانه ولا يعرف كيف يدفئ أصابعه الباردة ذات الأظافر المزرقة كأظافر الموتى.‏

فكر فلاديمير: "لا، لا، هذا ليس ارتجاجاً. تسممت بالبندورة ببساطة." وجعد جبينه حين راح يتذكر كيف أتخم أفراد الطاقم كلـهم حتى القرف نهار أمس في الـهدوء السائد بالبندورة التي جلبها لازاريف في أكياس الأمتعة من وراء الجدول، وكيف بدأ فيما بعد يقطع بحربة ألمانية على صندوق القذائف جبستين صغيرتين، طريتين بسبب من الشمس، وملوثتين بالتراب، فرش جزمته ومشمع التاربولين المفروش بالبزور والنتف الزلقة الحمراء اللينة. بدا جوف الجبستين المفتوح دبقاً على نحو منفر، ومالحاً كالدم، أما الحربة الألمانية المثلمة والوسخة، فاسودت أيضاً بدم قديم متخثر كالصدأ في أخدودها، وهنا تقيأ فلاديمير بتشنج شديد أول مرة بعد الارتجاج، وصار الألم يصدع رأسه بنوبات كانت قد أجبرته اليوم فجراً على أن يتجه إلى المؤخرة القريبة بحثاً عن السرية الصحية فلم يجدها. لكنه عاد إلى المقدمة مع إيليا، الذي عين في منصب قائد البطارية المستشهد في معركة أول أمس.‏

تكلم إيليا هازئاً، وراح، من غير أن يلحظ شفرة الألم المستعصي الضيقة في حدقتي فلاديمير، يتابع باهتمام غير واثق اهتزاز شجيرات توت العليق عند طرف البستان قرب المنحدر نحو الجدول، حيث تكورت خلف أشجار التفاح أجسام الجبس المخططة وسط أوراقها: "- ها، يا فاسيلييف؟ ماذا تقول؟ راح الفتيان يكشفون عن مؤهلاتهم فيما كنت تتمشى في المؤخرة. حسناً، من أقر الـهدنة؟ الرب الإلـه، قائد الجبهة، أم أنها فصيلتك على الرغم من كل شيء؟"‏

أكره فلاديمير نفسه على النظر إلى هناك، وهو يشعر بألم حاد فوق حاجبيه وبطنين في أذنيه بسبب من الشمس اللافحة، وبدت لـه بوضوح مفاجئ ثمار الجبس في المزرعة حمير وحش صغيرة، أضناها القيظ، فاستلقت متعبة تحت الأشجار التي ظللت المكان مثل شجرات نخيل واطئة تحمل ثماراً حمراء. "لا، لست على ما يرام." شعر كيف حمي رأسه من الشمس، واحترق عبر القميص بحدة ظهره الذي لم تبرده الأرض، وكيف ضربته برداء لا تقاوم متحدة مع الحرارة الشائكة، ولم تكفه الإرادة كي يتغلب على ارتجاف أسنانه. فكر فاسيلييف: "ما الذي يحدث لي؟ سأقع الآن؟" ونهض شاعراً بتمايل خدر، وخطا نحو ساتر الخندق وسقط بمرفقيه على الحافة محاولاً أن يراقب إلى جوار إيليا. لكن وميض الأوراق المغمورة بالشمس، الشبيه بوميض المرايا، وحركة البقع الشمسية على العشب تحت أشجار التفاح بهرته بسطوعها الحارق. لم ير بوضوح جيد ما هيّج انتباه إيليا، وبعد أن دلك عينيه المتألمتين حرر أخيراً المنظار من بيته. اقتربت في الحال على نحو أشبه بالوهم شجيرات توت العليق ووجه فتي، صبياني تماماً، برز شاربه كالخط، وقد ارتفع نحو تلك الشجيرات ماطاً على نحو ساذج ومضحك شفتيه الملطختين بالعصير، وراح يلتقط بهما برقة الثمار الكبيرة والريانة والناضجة والممتلئة بالرطوبة الحلوة العطرة حتى صارت مرنة، وكانت عينا هذا الصبي الألماني المضيقتين قليلاً في تيار أشعة الشمس فرحتين على نحو غريب، وكذلك بدت خصلة الشعر الملتصق بجبينه المتعرق. استلقى بإعياء هانئ على الأرض تحت الشجيرات في ذلك الجو الخانق الراكد، وكانت سترته العسكرية الخضراء مفكوكة الأزرار حتى الحزام، ووضعت قبعته القماشية المليئة عن آخرها بثمار التوت على العشب مثل قارب، وراح يتلذذ، مستمتعاً بالـهدوء والنهار الذهبي والأمان، بتناول الثمار المتدلية فوق وجه ، وبدا وكأنه يلاعبها بمط شفتيه الضاحكتين اللطيف نحوها. برزت في وعي فلاديمير وهلة ألمانيا الفائحة برائحة الخزام، ومنزل نظيف مدبب الذروة في بستان مقصوص العشب، ورمل أصفر على طرق سوية، والصبي الألماني هناك بجوربين أبيضين وقبعة بنامية بيضاء... أين رأى هذا؟ هل في الصور التي وجدها في وثائق القتلى؟‏

بان كل شيء في المنظار بأدق التفاصيل، وكان وجه الألماني قريباً، وكذلك قطرات العرق على جبينه وعنقه غير الملوح بالشمس والمكشوف بسترته العسكرية مفتوحة الياقة، حتى تهيأ لـه أن جزءاً من حياة أخرى وسهو إنسان آخر مكشوفان لـه مصادفة. لكن تمثل في الوقت نفسه في تسليته غير المؤذية ورضاه الصبياني والتقاطه الفرح للثمار الناضجة بفمه المبتسم شيءٌ ما محرم وممنوع، لم يكن يرغب في أن يراه الآن.‏

قال إيليا بقسوة بعد أن أمعن، على الأرجح، النظر جيداً إلى الألماني تحت شجيرات توت العليق: "- يرعى مثل عجل. آه منك أيها النذل اللطيف." ثم أمر بصوت غير عال طاعناً ظهر لازاريف الثابت بسواد عينيه الخطر: "- أعطني قربينتك يا شابكين. هل هي محشوة بالمتفجرات؟"‏

رد شابكين بشجاعة فائقة: "- بالمتفجرات دوماً. رؤوس الرصاصات مطلية بالأحمر."‏

وقفز هازاً كتفيه المدورين نحو إيليا، ورمى في يده قربينة ألمانية جديدة ما كان يفارقها أبداً، ويحملـها عادة في حزامه وفوهتها نحو الأسفل.‏

كرر إيليا: "- تزحف هناك وترعى؟ آه منك أيها النذل اللطيف." ثم التقط القربينة الجاهزة وكأن وجهه الأسمر قد تجمد، وأسند مرفقيه المتباعدين على حافة الساتر المغطاة بتراب ممزوج بالعشب والجذور، وصوب ضاغطاً وجنته الحليقة على الأخمص المصقول.‏

لم يتسن لأحد أن يقول لـه شيئاً، ولم يتسن لأحد أن يوقفه- تدحرجت الطلقة، واقتحمت الصمت هادرة، وأفلتت في الغابات المجاورة مصحوبة بالصدى، وانتفض الألماني في الوقت نفسه خائفاً ومتلفتاً غير فاهم، وراح يزرر سترته على عجل. التقط بعد ذلك قبعته القماشية المليئة بتوت العليق عن الأرض والقدر المسطح المليء بالبندورة، الذي ظهر بجانبه، وصار يزحف إلى الخلف على ركبتيه حذراً، ثم اختفى بضع ثوان خلف شجيرات توت العليق وركض مباشرة على حين غرة من تحت أشجار الحور المتطرفة في البستان، واندفع إلى الأعلى على الردمية المشمسة شديدة الانحدار مجدفاً ومنزلقاً بجزمته على التراب، وحاملاً قبعته المليئة بتوت العليق بيد وقدر الألمنيوم المليئة بالبندورة باليد الأخرى. فرقعت الطلقة الثانية فوق الأذن في الحال، وضربت الأنف رائحة البارود، وقفز الألماني على الردمية قفزة غريبة، وترنح إلى الخلف ورفع يديه كما لو أنه يريد أن يمسك خائفاً برأسه وشعره الفاتح المشعث. تدحرجت القدر المنفلتة على الردمية نحو الأسفل ناثرة حبات البندورة، وهوت القبعة مع توت العليق على الرمل. ركض متعثراً في كل خطوة يخطوها، عائداً إلى البستان بعد أن استدار لسبب ما بوجهه المتشوه من الدهشة الذليلة نحو جهة الإطلاق، وهناك، تحت أشجار الحور المتطرفة، سقط، ودفن وجهه في العشب، وراح كتفاه يهتزان كأنه ينتحب، وكان مخيفاً النظر إلى شعره الأشقر، الذي راح يلمع مع العشب من حولـه ببقع حمراء سميكة تحت الشمس الحارقة.‏

"- جاهز، الفرخ الألماني."‏

رمى إيليا القربينة على الساتر، ورمق حانقاً شابكين، الذي قال هذه الجملة، ثم اصطدم بنظرة فلاديمير المشتتة، وبعيني لازاريف الثاقبتين كمثقبين فولاذيين، وجلس مبدياً رباطة جأش على صندوق القذائف وسط صمت عام، وقد فاضت وجنته بسمرة دقيقة.‏

قال إيليا بصوت مشدود: "- أبسبب من البندورة القذرة أقمتم مع الألمان هدنة؟ هل نسيتم كيف دفنا نصف فصيلتكم أول أمس؟ هل نسيتم مقبرة إخواننا وراء هذه الغابة؟ يا للقنافذ الجيدة لديك يا فاسيلييف. يبيعون أمهاتهم من أجل الطعام. ألم تشاهدوا مثل هذه القذارة؟.."‏

شتم، والتقط من القدر حبة بندورة ذات قشرة مرنة لامعة، وقذفها بكل قوته نحو جدار فجوة القذائف الترابي. سال عصير البندورة الأحمر على الجدار، وتقاطر لبها على غطاء الصندوق الخشبي، فاندفع الشعور بالغثيان نحو حنجرة فلاديمير مرة أخرى. تسنى لـه أن يركض خارجاً من فسحة المدفع. ثم أجبره الإقياء والسعال عند طرف الغابة على أن يتمسك بجذع صنوبرة. تعذب طويلاً وهو يكاد يبكي عجزاً، وخنقه النفور من شيء كثيف ما، أحمر، يلمع فاقعاً هناك في البستان تحت أشجار الحور، وهنا على جدار الفجوة وألواح صندوق القذائف.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:18 AM   المشاركة رقم: 27
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



مرت في تلك اللحظة زوبعة مدوية فوق رأسه، ولمع البرق، الذي أفقدته الشمس لونه، عند المدفع، وفرقعت الرصاصات على مقربة بصوت رنان غض، وتناثرت أوراق الصنوبر المقتلعة على قبعة فلاديمير. اندفع عائداً نحو الموقع الناري وهو يمسح شفتيه والدموع في عينيه، من غير أن يعي بعد من أين أطلق الرشاش الألماني الثقيل رشقته نحو المدفع.‏

نظروا في الموقع الناري جميعهم باتجاه واحد، إلى حيث ترامت الغابة إلى اليسار وراء ردمية السكة الحديدية، وإلى حيث تلألأت من بعيد جذوع أشجار الصنوبر البنية وازرقت السماء بين الأغصان والأوراق على نحو يعمي الأبصار. لكن الـهدوء الصادح بصرير الجداجد ساد في كل مكان، ولم يكن مفهوماً من أين أطلق الرشاش نيرانه- لم يستطع فلاديمير أن يتبين الخطوط البرتقالية والـهدير المدوي لرشقات الطلقات رداً على طلقتي القربينة. "عليّ أن أنام جيداً اختلط كل شيء في رأسي. أي هذيان هذا..."‏

نطق إيليا بنبرة لا تقبل النقاش: "- صار واضحاً الآن أين تخندق الألمان، لكن ليس واضحاً لي لماذا عقدتم أواصر الأخوة معهم. مشاتنا غير موجودين في الأمام، أما أنتم فأرى أنكم تعيشون حياة جيدة أيها الفتيان."‏

سألـه لازاريف بملل، وقد تحجر وجهه ضخم الوجنتين مهدداً: "- لِم أطلقت أيها الملازم؟"‏

وضع إيليا غير مستعجل قدمه المنتعلة جزمة التاربولين على صندوق القذائف، وراح يتفحص ببطء ردمية السكة الحديدية: "- وبعد، أيها المساعد. تابع، إنني أسمعك أيها المساعد."‏

كرر لازاريف نافخاً منخريه: "- لِم عكرت صفونا من غير سابق إنذار. لديك فصيلتك فلتتأمر هناك. ألا تشعر؟ لم ينادك أحد إلى هنا أيها الملازم."‏

لم يرفع صوته، لكن نظرته صارت ثقيلة، وتوقفت عند الجزمة المصنوعة من جلد التاربولين، التي انتعلـها إيليا الجالس على ساقه بسلام (قايض بهذه الجزمة في مؤخرة فوج الرماة مسدس بارابيللو مغتنم)، ورأى فلاديمير أيضاً الجزمة الضيقة ذات المظهر الأنيق، الموضوعة على صندوق الذخيرة، وقد لطخها التراب وأوراق الأشجار من الجانب. سعى إيليا على نحو حثيث وخاص منذ مدرسة المدفعية، وكذلك الآن في الوفج، إلى أن يرتدي زياً جديداً وكتافيات ميدانية، ويبطن ياقة قميصه بحشية سيليلويدية لم يعرف أحد من أين حصل عليها (حلم الضباط الشبان كلـهم)، وكان هذا الزي لائقاً عليه وملتصقاً على نحو أملس ومن غير طيات بكتفيه وصدره القوي المشدود بالحمالة الممررة تحت الكتافية المغسولة جيداً أو الملوثة كلـها بالتراب. أما فردة الجزمة الموضوعة بثقة على صندوق القذائف فبدت وكأنها تؤكد قوته المستقلة الخفيفة، التي استفزت على الأرجح لازاريف، الغاضب غضباً شديداً بسبب من طلقتي إيليا غير المتوقعتين، اللتين أخلتا دفعة واحدة بالـهدواء والطمأنينة قرب المدفع.‏

أنذره لازاريف، وقد انتفخت بشدة عروقه على عنقه العريض والسمين: "- ألبست ساقيك جزمة وتظن أيها الملازم أن الجميع في البطارية سيسيرون أمامك على قوائمهم الخلفية؟ تريد أن تدوسنا بالنظام ايها الملازم؟ تريد أن تسحب أمعاءنا من أنوفنا كي نخافك من بعيد؟" تكلم لازاريف وهو يقهقه قهقهة مخنوقة: "- إنك لا تعرفني جيداً. كنا في فصائل مختلفة، ومع أنك ضابط فإنني قادر على الإساءة بشدة على نحو غير متوقع إذا ما حاول أحدهم أن يضغطني بظفره نحو الأرض، هل فهمت؟"‏

قال إيليا غير متفهم بعض الشيء: "- الإساءة؟ بشدة؟ إليّ؟ على ماذا؟ يا لك من أحمق يا لازاريف. حسناً، مرحباً ما دمت عصبياً هكذا. هات يدك، ما بك تنظر؟" ومد للمساعد يده كاشفاً عن أسنانه السوية بابتسامة باردة من غير أن يرفع فردة جزمته عن صندوق القذائف: "- مرحباً، أيها المحترم، مرحباً..."‏

"- ماذا؟"‏

"- أقول مرحباً."‏

نظر لازاريف حانقاً إلى اليد الممدودة لـه، وبدا واضحاً أنه لم يفهم هذه الإيماءة، لكنه، بعد أن قرر، كما بدا، في لحظة واحدة أن يلقن الملازم الغريب مرة وإلى الأبد درساً لا ينساه، ضرب في الحال بقوة راحته الـهائلة الوعرة براحة إيليا، فصدر صوت لسع شديد، وأمسك بها كما بالكماشة، وراح يضغط على أصابعه.‏

توعد لازاريف مقهقهاً بصوته الأبح نفسه، ودعا الجميع إلى اللعبة المقترحة، غامزاً بجفنيه المتدليين على شكل طيات كالينكين وشابكين، الذي جلس على ركيزة المدفع منتظراً بدهشة، ودافعاً قبعته القماشية نحو قذالـه:‏

"- إذن انظر أيها الملازم. سأحطم أصابعك مثل فتاة."‏

نظر إيليا بهدوء خطرٍ قاسٍ إلى عيني لازاريف السئمتين عمداً، وسمح لـه قائلاً: "- حطم يا لازاريف، لا ترحم."‏

وقفا قرابة الدقيقتين متقابلين ومتحدين في نزال مناف للطبيعة، وأحدهما يشد على كف الآخر ويفتلـه مصافحاً، وقد راح المساعد لازاريف يلوي أقوى فأقوى ومن غير رحمة أصابع الملازم، محاولاً أن يضفي على وجهه ضخم الوجنتين تعبيراً نعساً وسئماً، وهو ينظر ببلادة إلى جبين إيليا الشاحب والمغسول بقطرات العرق.‏

قال إيليا فجاءة: "- تعال، تعال إلى هنا يا ميكولا سيليانينوفيتش."‏

وجذب لازاريف نحو الفجوة حيث كان المكان أرحب، ووقفا متقابلين مرة أخرى ومتشابكين بمصافحة عدائية.‏

بعد ذلك، وبعد أن باعد لازاريف بين ساقيه الشبيهين بجذعي شجرة في جزمة رخيصة، نطح كتف إيليا برأسه على نحو لا يخلو من ثقة متكاسلة، مقترحاً عليه بدأ المصارعة، لكن هذا الأخيرة التفت نصف التفاتة بمرونة وعصبية، وتأرجح نحو الأمام، ورمى بسرعة البرق ذراع لازاريف من خلل كتفه وشده بحدة حتى فرقع المفصل، ثم دفع حالاً الجسم الثقيل من الجانب بطريقة ما نحو ساتر فسحة المدفع، مقطباً بسبب من صرخة انطلقت من حنجرة المساعد عبر أسنانه المكشرة. قام بخطوة نحو لازاريف المطروح أرضاً، واستقام فوقه وهو يتنفس بعمق، ويصحح على صدره الحمالة التي سقطت في أثناء العراك. أما لازاريف المبلل بالعرق كلـه فراح يتنشق الـهواء بنشقات شرهة، وانتفخ عنقه العريض، ثم شرع ينهض بصعوبة، مستنداً على مرفقه، وكرر لاهثاً:‏

"- معنى ذلك أنك أردت أن تحطم عنقي؟ أليس كذلك؟ معنى ذلك أنك أردت أن تحطم عنقي بحركة ممنوعة."‏

"- صحيح، أردت. لكنني لم أحطمه. في المرة القادمة سأفعل، وسأرسلك إلى المشفى أيها الشيطان الأحمق."‏

تكلم إيليا بنصف صوته جاذباً قميصه العسكري وكأن انعدام الرغبة المنفر في شرح أي شيء كان يكبحه، أما عيناه المضيقتان فكانتا ملتهبتين بنار لا ترحم فيها تفوق مقنع.‏

تابع إيليا كلامه بمهابة لا تقبل المماحكة: "- إذا كان في رأسك ولو تلفيفان فاسمع يا لازاريف وتذكر. أولاً- لقد قابلت أمثالك منذ أيام المدرسة ومدرسة المدفعية، وأؤكد لك أنني كدستهم على المجرفة. ثانياً- ستنصاع لأوامري صاغراً. واضح؟ أنا- قائد الفصيلة الأولى، وقد عينوني لأقوم مقام قائد البطارية، واضح أيضاً؟ هل فهمت كل شيء أيها المساعد؟ أم ليس تماماً؟"‏

وقف لازاريف قبالة إيليا لاهثاً، وقد برز شعره المجعد على نحو مدهش على وجهه الغاضب المتجهم، بيد أنه وجد في نفسه القوة كي ينطق بنبرة الحقد اللطيف.‏

"- ربما تعلمني هذه الحركة الماهرة أيها الملازم؟"‏

"- لن أعلمك."‏

"- رويدك، لا ترتكب الـهفوات. سيأتي يوم تطلب فيه صداقتي، فأنا فتى قنفذ لي في كل سد منفذ. اليوم أنت الرابح، أما غداً فأنا."‏

قال إيليا مجيباً بمجاملة متكلفة، وربت براحته متصنعاً الرقة على منكب لازاريف الضخم، الذي وقف ضاغطاً فكيه وحسب: "- سي- لا- في(3) كما يقول الفرنسيون... اتفقنا؟ أم يحتاج الأمر إلى دلائل أخرى؟"‏

****‏

لم يُخفِ إيليا في اشتباكه المفاجئ هذا مع المساعد تفوقه الساخر على قائد جماعة الاستطلاع الأكبر منه سناً بما يقارب العشرة أعوام، والمغتر بقوته، والمجبر مع ذلك على الانصياع لـه، هو الضابط- الصبي، القادم إلى هنا، إلى الموقع الناري بصفته الجديدة كقائد البطارية، والذي أخل في رمشة عين بالنظام السائد هنا.‏

عرف فلاديمير من المدرسة ومن مدرسة المدفعية قلة صبر إيليا تجاه أية قوة جسدية لأي كان، وعرف أنه مارس بولع منذ الصف السابع الجمباز تارة وتارة في قسم الملاكمة، ممرناً عضلاته بالتمارين المستمرة والتمارين على العارضة وبالضغط الدائم في قبضته على الكرة المطاطية- وفي الصف التاسع صار مشهوراً بأنه الأقوى في "البناء الرابع"، ولم يحاول أي من المنافسين في أزقة زاموسكفوريتشيه أن يدعوه بصلف إلى "الصدام" وجهاً لوجه. حين أصابه الـهزال في مدرسة المدفعية بسبب من التعيينات المتواضعة، وخيل أنه نسي هواياته السابقة، صار يدلك نفسه من جديد بالثلج في الرياضة الصباحية، ويداوم مساء على تمارين السامبو، وقد بدا هذا الأمر غير ضروري ومضحكاً مثل التلاعب المغرور بمهارة الجسد المدرب جيداً أمام أعين الفتيات في الصالة الرياضية قبل الحرب، ومرة حدثه فلاديمير بذلك، لكن إيليا تقبل ملحوظته بطيب نفس تقريباً، وأجاب أن تنمية العضلات ضرورية للمرء ليس في فترة الطفولة وحسب بل في بعض الفترات في الحياة حتى لا يذل بقوة الآخرين.‏

كان إذلال لازاريف واضحاً، وكادت الإرادة لا تكفيه كي يتعامل بذكاء مع سورة الغضب الجنوني العاجز، التي كانت ستذلـه أكثر في نظر الضابطين، غير أن عقلـه الخبير أوحى لـه باستعادة هيئة التوازن على الأقل وبتخفيف الـهزيمة، فصدح صوته الأجش بجنون معسول:‏

"- ربما نحاول الاتفاق بالسكاكين أيضاً؟ على عادة الغجر. أرى أن خنجرك وطني، أما خنجري فمغتنم. الفرق كبير إذا ما تعاركنا حتى تسيل أول قطرات دم."‏

وأخرج من الغمد خنجراً دقيقاً مع أخدود لتصريف الدم، وكأنه يخرجه من ضحية يحقد عليها، وبصق على ظفره ومس الشفرة الفولاذية، أما إيليا فخطا بمرونة نحوه وهو يفقد تمالك أعصابه، وقال ملتوياً غيظاً:‏

"- كفى، فلتنه هذا السيرك الرخيص يا لازاريف وإلا سأكسر عنقك فعلاً. واضح؟"‏

مسح لازاريف الخنجر بكمه على نحو لا يخلو من حذر طقوسي، وراح يهز بإيجاب وبحلاوة زائدة وجهه عريض الوجنتين.‏

"- لقد عمل الخنجر عملـه. اختُبِر."‏

كرر إيليا: "- أسألك- واضح؟ أم لا؟.."‏

وكان في صوته من السلطة قدر ما يملك من الثقة في تصرفاته واستعداده للإقدام على أي شيء من أجل انتظامه النفسي ومن أجل انتظام شكل العلاقات المتبادلة، حتى أن لازاريف، كما بدا، قد وعى بذهن صاف في تلك اللحظة ما قد ينوي عليه قائد الفصيلة الأولى المعين في وظيفة قائد البطارية.‏

رد لازاريف، وقد أدخل الخنجر في غمده: "- واضح. هذا ما سنكتب، واضح."‏

نصحه إيليا بحدة: "- هكذا تماماً. أنصحك بأن تهتم بالأهداف من أجل البطارية، وأن تجهز نقطة المراقبة قبل أن يفوت الأوان، وليس عقد أواصر الأخوة."‏

ثم قال لفلاديمير: "- علينا أن نتحدث يا فاسيلييف."‏

سارا في الغابة على الطريق المغطاة بأوراق الصنوبر المتساقطة والمرقطة بالجزر الشمسية، وتدفق في كل مكان دفء القطران المداس، وطغت من خلف كتف الطريق رائحة توت العليق الساخن، فتذكر فلاديمير مرة أخرى كيف مط الصبي الألماني الأشقر شفتيه نحو الثمار الناضجة، وكيف أصابته الطلقة الثانية على الردمية المكشوفة، وكيف سقط ودفن وجهه في العشب موقعاً قبعته وما فيها من توت العليق، وصار شعره يتورم بالدم السميك.‏

قال فلاديمير شاعراً بتوعك: "- لماذا؟ ما كان ثمة لزوم..."‏

"- أنت حنون القلب يا فولودينكا كما أرى. أم أنك- وقعت ولازاريف هدنة مع الألمان؟ ويسمونه قائد جماعة الاستطلاع. انتقل إلى فصيلتك ويتظاهر بأنه في المقدمة. يلتهم الطعام ويتواجد فيها، أما أين طلائع الألمان فلا يعرف. مدفعك في موقع التسديد المباشر كما أفهم، فأين الألمان؟"‏

"- كانوا على الردمية."‏

"- أين- على الردمية؟ رد رشاش واحد على طلقتيّ من مكان ما من اليسار- واحد فقط. أين حد الألمان الأمامي أمامك؟ إلى أين ستطلق؟"‏

فكر فلاديمير المهزوز بالبرداء والمكتسح، الذي لم يستفق بعد من معركة أول أمس، ولم ينس مدفعه المدمر وأفراد طاقمه المستشهدين في أثناء هجوم الدبابات المضاد على بعد كيلومترين تقريباً خلف غابة الصنوبر هذه: "إنه غاضب مني أيضاً."‏

عارض فلاديمير، وقد أجبرت كلماته المدعوكة باصطكاك أسنانه إيليا على أن يلتفت إليه بسرعة:‏

"- لا تقلق بـ ـ شـ ـ أني... من فضلك."‏

"- اسمع. ربما عليك أن تذهب إلى المشفى بارتجاجك هذا؟ ما بك ترتجف؟"‏

تمتم فلاديمير: "- لا، الأمر عادي. لا بأس، ارتجاج غير قوي، سيزول."‏

فك إيليا ياقة قميصه، وتلكأ قرب شجيرات التوت البري النامية خلف حافة الطريق وقد فاحت رائحة أوراقها الحارة ورائحة جو الغابة الخانق القديم، فقطف بضع حبات ضخمة ورماها في فمه.‏

"- قذارة... يا لـها من ساخنة كيف راح يلتهمها؟"‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:21 AM   المشاركة رقم: 28
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



بصق بقرف، وتسللت يده نحو علبة السجائر المعدنية الألمانية، التي رسم على غطائها رسم غوطي، وأخرج منها سيجارة. مر في عينيه ظل مكفهر لذكرى سيئة، فضغط شفتيه متسلطاً، كما كان يفعل دائماً حين لا يريد أن يشعر بأنه غير محق.‏

تكلم إيليا، وهو يجلس على صنوبرة مقلوبة غير بعيدة عن الممر، وكان مرئياً من فوقها المدفع المموه بالمشمع والجنديان المستلقيان على العشب، وقد غطيا وجهيهما بقبعتيهما القماشيتين وأغفيا متدفئين تحت الشمس المحرقة: "- إليك التالي يا فولوديا. إليك أين يكمن غباء الوضع. مشاتنا غير موجودين أمامك، والألمان غير موجودين على الردمية. يشرف مدفعاي على هذه الطريق بعد المعركة، وكما ترى فالجنود يتشمسون. الأوامر أن نتوقف، ونحن متوقفون كالعميان. هل تظن أن الدبابات ستسير نحو هذه الغابة؟ لا يبدو الأمر كذلك. كان كل شيء واضحاً أول أمس. هجمنا نحو وولوا الأدبار هم. أين الألمان الآن- خلف الردمية أم ابتعدوا أكثر من ذلك- اللـه أعلم. على هذا النحو سنخرج مدفعيّ من هنا ونضعهما على بعد مائة متر من مدفعك عند طرف الغابة. سيكون هذا أجدى، فإذا هجمت الدبابات فإنها ستندفع عبر معبر السكة الحديدية ثم عبر الجسر..."‏

أشعل السيجارة ومضغ طرفها، وبرزت خرزات العرق فوق حاجبيه المزاحين بسبب من الـهواء الخانق المشبع بالبخار، وفاحت هنا رائحة التوابل والتحلل الثقيلة، وأزت الذبابات الخضر الناعسة فوق الطريق، وبرقت كالنقاط تحت الشمس، وحطت على مواد معركة أول أمس المغروزة بالعجلات في التراب- أسطوانات مضادات الغاز الألمانية المضلعة، التي فلطحتها العجلات، والعبوات الحديدية التي تحفظ بها الألغام، وعلب السجائر المدعوكة ورقائق الكحول الاصطناعي البيضاء وسكرية اللون المتناثرة- مواد أجنبية غامضة أثارت فضول فلاديمير بالحياة المختلفة المسجونة بها، والتي تحمل رائحتها الخاصة ومعناها الخاص.‏

قال فلاديمير شاعراً بنسمة جسد متحلل في الـهواء المشبع بالبخار، وكأن أزيز الذباب الأخضر هو الذي حملـها إلى هنا: "- ثمة قتلى على مقربة."‏

جعد إيليا جبينه، وغرز بكعب جزمته مخزن بندقية آلية ألمانية فارغاً في التراب، ثم أكمل حديثه مهتاجاً: "- يكمن غباء الوضع في أننا، أنا وأنت، مرتبطان بلازاريف في أمور كثيرة، وأنا لا أطيق الإبهام."‏

"- سيختار لازاريف نقطة مراقبة على الردمية ليلاً، وسيكون كل شيء على ما يرام."‏

"- لا."‏

"- ماذا "لا"؟"‏

قال إيليا: "- لا، أولاً- الوقت طويل حتى الليل، وثانياً- لا أثق كثيراً بلازاريف. أظن أنني سأضطر إلى تمريغ خطمه بالتراب أكثر من مرة. أفكر في أن أعين شابكين قائداً لجماعة الاستطلاع، ولازاريف مكانه في الاتصال. هذا أضمن، أما هناك فسنرى."‏

تسلم إيليا من غير تردد قيادة ثلاثة مدافع من مدافع الفوج، وتسعة عشر جندياً، الباقين بعد معركة أول أمس، التي استشهد فيها قائد البطارية الملازم أول دروبيشيف وقائد فصيلة التوجيه الملازم كوروتشكين مع طاقم المدفع الرابع كلـهم. لقد قتلوا جميعهم بإصابة مباشرة- حدد مدفعان سياران اتجاه الطلقات وتسللا عبر الجناح على نحو غير ملحوظ إلى مرتفعين مغطيين بالشجيرات، وضربا من على بعد مائتي متر المدفع المكشوف. تمركز المدفع الثالث عند تقاطع الطرق الميدانية، على بعد مائة وخمسين خطوة تقريباً إلى اليمين من المدفع الرابع، لذلك نقل المدفعان السياران نيرانهما نحوه من غير إبطاء، وحين ثاب فلاديمير، الذي أصمه الدوي الـهادر وغطاه التراب، إلى رشده مختنقاً بسعالـه فإنه رأى حافة كتف الطريق مدمرة كلـها، ومقطوعة بحفر القذائف المدخنة، وقد برزت حوافي الشظايا الحادة من التربة المحروقة، ولم يحفظ لـه حياته في تلك السنتيمترات القليلة من الفراغ، الذي سلم من القصف، سوى المصير السعيد والحظ وتساهل القدر. أصيب بالارتجاج، وراح صرير الجداجد المتحول إلى رنين خالص يملأ أذنيه من وقت إلى آخر كما لو أنه مستلق على سطح العنبر في ليلة صافية في القرية، وكان الصمم التام يحيط به أحياناً، ويشعر بألم وثمالة في رأسه فلا يعود يسمع صوته. أما ما بقي من أفراد المدفع الرابع، وما وجب جمعه فيما بعد أشلاء أشلاء ودفنه قرب المدفع المحطم في قبر محفور بسرعة، فكان مخيفاً وبشعاً إلى درجة استحال معها معرفة أي كان ولو من الثياب، أو تسمية أي كان باسمه، وكان مستحيلاً التفريق بين الملازم أول دروبيشيف والملازم كوروتشكين. ألغى الارتجاج، الذي حجب وعي فاسيلييف، الواقع، فاستولى عليه جنون مسعور، وراح يشتم غاضباً وهو يصدر الأوامر للمدفع الوحيد الباقي من فصيلته، ويبكي ويمرغ بقبضته الدموع على وجهه المخطط بخطوط من سخام البارود.‏

انطلق المشاة إلى الـهجوم بضع مرات، وكانوا يستلقون ثم ينهضون من جديد مصحوبين بالصفير والصيحات والقنابل المضيئة، وسرعان ما اسود الميدان الممتد حتى خنادق الألمان بكثافة بجثث القتلى، وكان الـهجوم الأخير منهَكاً تماماً- انفصلت أجساد نادرة عن الأرض وتحركت في فوضى نيران الرشقات الخطاطة.‏

انتهت المعركة في الظلمة، وصمت كل شيء. استولى المشاة، الذين فقدوا خلل النهار نصف التعزيزات التي أتتهم منذ وقت قريب، على خندق الألمان أخيراً، وامتدوا نحو الغابة، واحتلوا في وقت متأخر من المساء محطة القطار خلف الغابة.‏

استلمت المدفعية أمراً بالانتقال، وبأن تشغل فصيلة رامزين الأولى الموقع في منطقة الممر قرب الطريق باتجاه تهدده الدبابات، أما فصيلة فاسيلييف الثانية (المدفع الوحيد المتبقي) فتقف على مرمى مباشر قبالة معبر السكة الحديدية. مع حلول منتصف الليل جهزوا الموقع الناري، وحفروا الخنادق الصغيرة بكامل شكلـها، وأمضوا اليوم التالي الراكد والقائظ كلـه في حال من النعاس، فلم يرغب أحد في الحركة وفي تناول الطعام والتحدث، وملأ الطنين رأس فلاديمير، الذي لم يخرج من خندقه، وراحت تسبح في ذاكرته مزق الثياب المدماة وأزرار الضباط المعدنية عليها، وحفر القذائف بين ركائز المدفع وشيء ما هلامي أحمر التصق على شكل خثرة مشعثة بدرع المدفع الجانح، وانتشرت في الميدان كلـه أجساد القتلى من التعزيز الأخير- معاطف جديدة ظهورها قاسية على نحو لا يعقل ولفائف سميكة على الأقدام لم تهترئ بعد...‏

أيقظه صباحاً قائد المدفع الرقيب ديمين، ودعاه إلى الطاقم لتناول فطور ملكي- عسل وخيار وبندورة وجبس- لكن فلاديمير رفض رفضاً قاطعاً: برزت أمام عينيه طوال الوقت تلك الخثرة السميكة الـهلامية على درع المدفع المدمر، وبدأ يشعر بالغثيان دفعة واحدة وبتقلب معدته الفارغة، وأصابه سعال تشنجي ونفرت من عينيه دموعه الغزيرة المهينة، التي كان يخجل من ذرفها أمام الجنود.‏

لم يرغب في أن يتذكر معركة أمس الأول، ولم يرغب في أن يعرف إيليا بالارتجاج الذي أصابه، شاعراً بالحسد من وجهه الأسمر الحليق على نحو متحذلق، ومن قوته التي لا تعرف التردد حين راح يؤكد جدارته في مركزه الجديد كقائد للبطارية، وكان صوته الآمر، الذي أعلن به الآن عن عدم ثقته بقائد جماعة الاستطلاع، مليئاً بالحزم والإصرار.‏

قال إيليا: "- أظن أن الملازم كوروتشكين، ليكن مثواه الجنة، قد أفرط في تدليل لازاريف حتى صار لا يطاق. كان يقوم بكل شيء عنه، أما هو فيذر الرماد في الأعين، واسؤال ما حاجتي إلى استطلاع كهذا من أجل المدفعية؟ لا يعرف بدقة أين طلائع الألمان، ويسير في البطارية مثل ديك رومي."‏

"- تعرف أن لازاريف كان في السجن قبل الجبهة، وهو، عموماً، شخص مشكوك فيه ولا أحد يريد التعامل معه."‏

"- أعرف، ولا أريد هذه المعرفة. لا يهمني من كان. ما يهمني من هو الآن. يجب طرد لازاريف من الاستطلاع. يجب طرده حالاً من تلابيبه. يدهشني، طبعاً، أن هذا المساعد الظريف يعتبر نفسه محور البطارية. لا يريد الانصياع كما ترى. غبي، سأجبره على تنفيذ مهامه مثل جندي أنموذجي أو سأحطم عموده الفقري، الأحمق."‏

"- أظن أنك فعلت ما فيه الكفاية."‏

"- هذا ما كان يحتاج إليه. عموماً، فأنا لا أنوي أن أغفر لـه شيئاً."‏

"- أنت أدرى يا ايليا. الاستطلاع والاتصال تحت إمرتك."‏

"- هكذا تحديداً، تحت إمرتي."‏

****‏

"هل يمكن الموافقة على أن قرار إيليا في ذلك اليوم من شهر تموز عام 1943 قد لعب دوره في تحديد مصيره، وغيّر مجرى حياته كلـها؟ وأنني لم أستطع أن أفعل شيئاً أو أتنبأ بشيء؟ لكن هل كان في الإمكان إيقافه؟"‏

****‏

رجعا إلى المدفع، وأعلن إيليا عن تبديل قائدي جماعتي فصيلة التوجيه. بعد أن سمع لازاريف الأمر شمل بنظرة من عينيه المصوبتين والمتلألئتين قامة شابكين المتينة من رأسه إلى قدميه، ثم بصق من فوق الساتر بغيظ كسول، وجلس قرب قدر أقراص العسل وهو مقتنع ظاهرياً قناعة راسخة بوقوف الحق إلى جانبه. لم يبدل هذا التغيير في الجوهر أي شيء في حياة لازاريف (الاستطلاع واتصال البطارية وجهان لعملة واحدة) لكن، احتكاماً إلى جلوسه على ركيزة المدفع وقد وسع منخريه، وراح يمضغ الأقراص وينظر باهتمام مصطنع إلى الدبابير الحائمة حول القدر، واحتكاماً إلى صمته العنيد، كان واضحاً كم كلفه من جهد الانصياع التام لإرادة قائد البطارية الجديد الصارمة، الذي حطم وضعه المتين المستقل عن قادة الفصائل النارية. انهمك كالينكين بتقطيع الجبس على مشمع التاربولين ماداً عنقه العاري، فيما استلقى الباقون في ظل الساتر، وهم يقضمون الخيار بصوت غير عالٍ، من غير أن يحزم أحدهم أمره وينظر إلى وجه لازاريف، الذي كف تدريجاً عن المضغ وتصلب عظما وجنتيه.‏

تكلم إيليا بصوت رجل آمرٍ لا يشك في شيء: "- ... إليكم ماذا سنفعل. سنحرك المدفعين من الغابة نحو بدايتها، باتجاه مدفع فصيلة فاسيلييف. انتهت الـهدنة مع الألمان. جدير بك أن تعي ذلك يا لازاريف. انتهى التقاعس أيضأ. على شابكين أن يشغل نقطة المراقبة على ردمية السكة الحديدية وأن يجهزها فوراً. في منطقة البستان والمنزل. أمنحك ساعتين للتجهيز. أمنح لازاريف الوقت نفسه ليتصل بالمشاة."‏

****‏

أبلغوه بعد ساعتين تماماً أن نقطة المراقبة اختيرت على ردمية السكة الحديدية، وأنهم أقاموا الاتصال بين المدافع الثلاثة المتخندقة عند طرف الغابة، والاتصال مع كتيبة رماة الميمنة، التي تشغل محطة القطار ثم انتقل إيليا إلى الجهة الأخرى من الجدول، نحو الردمية كي يتمركز في نقطة مراقبة البطارية.‏

وسال مجدداً السكون الصيفي لـهذا النهار المشمس قادماً من أدغال غابة الصنوبر، فلف المدافع بالحر والـهدوء وبأزيز الدبابير أحادي النغمة، وزحفت غشاوة النعاس اللزجة فالتصقت أجفان الجنود بعد الطعام. جلس الحارس كالينكين على ركيزة المدفع الأخير، وراح يتثاءب من وقت إلى آخر باسترخاء شهواني وعلى نحو ممطوط، مصفقاً كالنساء بيده الخشنة على فمه، أما الرقيب ديمين الوسيم ذو الصدر المتين والشعر الأصهب فاتخذ لنفسه مكاناً تحت الساتر، دافعاً قبعته على جبينه وضيق عينيه بسبب من الغيوم المتراكمة التي لمعت حوافها في زرقة السماء. تفرق الجنود الباقون هاربين من الشمس المحرقة، التي لفحت المكان المكشوف عند المدفع، فمنهم من زحف إلى الخنادق المحفورة الصغيرة ليقتربوا من برودة التراب، ومنهم من زحف إلى حفرة القذائف التي غطيت بمشمع التاربولين.‏

استلقى فلاديمير على المشمع المفروش عند بداية الغابة قرب شجرة صنوبر ضخمة (سرت هنا من الأرض برودة تكاد لا تلحظ)، وشعر كيف راح ألم الرأس يفارقه، فبدا وكأنه يذوب كلـه في كسل ساعة الشبع المسالم، وفي برقشة بقع الضوء، وفي هناء هذا الصيف الخالي من أي صوت من أصوات الحرب، هذا الصيف الواعد وعداً ملحاً بالحياة الدائمة المليئة بالأيام الخضراء وغزيرة النور، والمشبعة بالحب والفرح كما كانت في وقت ما في فترات الغسق الريفية في مالاخوفكا المحجوبة بأدخنة السماورات الرمادية الزرقاء، وقد صدحت فيها أصوات الحاكيات من الأزقة التي نما الليلك فيها، وهدير قطارات الضواحي الكهربائية المتأخر خلف الغابة المنارة بنور القمر.‏

أشد ما آلمه هو أن إيليا كان يستلم الرسائل من ماشا والمثلثات المطوية من أوراق الدفاتر المدرسية المسطرة، فيقرؤها رافعاً حاجبيه بسخرية، ويقول بشيء من الدهشة: "آ"- ثم يدسها في حقيبته الميدانية على نحو لا يخلو من قلة اهتمام، وكان فلاديمير يعجز في كل مرة عن مقاومة رغبته في السؤال عن ما كتبته ماشا من طشقند، فيضيف إيليا ساخراً كل مرة بعد أن ينقل تحياتها لـه: "- تخيل، لا زالوا يجلسون على المقاعد ويحلون المسائل في الـهندسة الفراغية، ذهول، حنان، زقزقة عصافير في البساتين. بم أجيبها؟" أما نحن، لو تدرين يا ماشا، فنقصف الدبابات"؟ الأفضل أن تجيبها أنت. هل تريد؟"‏

كان في علاقته برسائلـها سأم متساهل لرجل ناضج تجاه كلمات طفولية، كتبتها تلميذة قابلـها على نحو عابر منذ سنوات كثيرة، وهو الآن لا يرغب كثيراً في أن يتعب نفسه بمراسلتها بانتظام. أما فلاديمير فكان يكتب لـها راغباً، والأدق كان يجيبها عنه وعن إيليا، لكن رسائلـها، كما من قبل، لم تأته هو، فكان يعاني من الشعور بالاستياء والظلم من وقت إلى آخر. كان عليه، كما هو واضح، أن لا يتذكرها كثيراً. آن الأوان كي يتعامل مع الماضي المدرسي الساذج كما يتعامل ايليا- بتساهل ودي صادر عن ضابط فهم في الحرب أكثر كثيراً مما فهمه هو- خلل تسعة أشهر من الدراسة في مدرسة المدفعية وخلل اثني عشر شهراً في الجبهة، حيث قادا، هما الاثنان، فصيلتين ناريتين، وقل ما افترقا وهما يدعمان الكتائب المختلفة بالنيران.‏

كان إيليا، احتكاماً إلى طبيعته، مستعداً منذ زمن لقيادة البطارية. لم يحمل قائد البطارية السابق الملازم أول دروبيشيف، الرجل الذي لم يعد فتياً وضيق الأفق والأخرق، والذي دعي إلى الجيش من الاحتياط "خرقة مدينة"، على محمل الجد، بيد أنه نفذ أوامره بتلك الحماسة المصطنعة ذاتها التي ساعدته على أن يخفي نفوره الخاص.‏

فكر فلاديمير، الذي خدره النعاس وهو مستلق على المشمع تحت أغصان شجرة الصنوبر: "سيجبر الجميع في البطارية الآن على الاستماع إليه. سيجبر الجميع على تنفيذ واجباتهم، ولن يصبر على أي تماد."‏

تلاشت في الأعالي خلف الذروة الخضراء العريضة تكورات الغيوم المشبعة بالنور مثل دخان رقيق، وتهيأ لـه أنه استلقى بعد السباحة هكذا في قارب في يوم قائظ، مسبلاً المجدافين، منصتاً إلى صوت تلاطم الماء على الجانبين. فاحت طوال الوقت رائحة النهر الصيفي الرائعة ورائحة المنشفة المبللة، وانسابت جانباً ضفتا كليازما الريفيتان، وسبحت الغيوم المستديرة الساقطة في الماء على امتداد خمائل القصب النهري.‏

وتذكر في غفوته نهاية الصيف في موسكو، حين بدأوا يتقاطرون إليها مع افتتاح المدرسة- أمسيات آب الطويلة في الفناء، التي راحت تُرجع دفء الاسفلت في أزقة زاموسكفوريتشيه، وتصاعد الغبار الزهري عند الغروب فوق ملعب الكرة الطائرة الغاص بالناس في حديقة المدرسة، وكيف كان يرى، حين يستقبل الكرة المرسلة من ماشا، كيف يتطاير شعرها المحروق، وتلمع عيناها المستمتعتان والضاحكتان لإحساسها بمرونة جسدها الطيع الفتي ولمعرفتها سلطانها على أولئك الذين نظروا باهتمام فائق إلى كتفيها الذهبيتين الملوحتين والشبيهتين بالشوكولا عند الغسق، بسبب من مياه البحر وشمس الجنوب...‏

تحرك فلاديمير قليلاً، ثم جلس متهالكاً على جذع الصنوبرة. هبت عليه موجات من هواء قطراني، واستلقى كل ما حولـه في سبات نعس لدن فرضه صرير الجداجد. تناهى إلى مسمعه من المدفع ومن فجوة القذائف ومن تحت مشمع التاربولين شخير الجنود نافحاً إياه بشعور راسخ، منزلي، وكأن الطاقم الرابع لم يدفن كلـه أول أمس في مقبرة أخوية.‏

تثاءب الحارس كالينكين طويلاً، وقد وضع وهو جالس على ركيزة المدفع وسناً القربينة على ركبتيه، وراح يدير عينيه الحمراوين، وردَّ بصيحة استياء حين أيقظته فجاءة دفعة من قدم ديمين:‏

"-هل جننت أم ماذا؟"‏

حينئذ رفع ديمين عن الأرض رأسه الجميل ذا الشعر الأصهب، ونادى على نحو لا يخلو من استعطاف هزلي: "- كالينكين."‏

"- نعم."‏

"- أنت كالغنم."‏

شرع كالينكين يتكلم بصوت لائم هادئ، وانكمشت كالمذنبة شفته العلوية المقطوعة بشظية والشبيهة بشفة الأرنب: "- هل عدت إلى ألاعيبك مرة أخرى؟ ماذا فعلت لك؟ لماذا تسخر مني؟ أنت ابن مدينتي يا ديمين، كم عددنا نحن الفارونيجيين.. واحد، اثنان، وانتهى. لا تسئ إلي كرمى للـه.. لم يبق سوانا من المدينة نفسها. أول أمس سقط ماكاروف... من ماليخ دفوريكوف. أصابته شظية في صدره فخربته. أنا وأنت الأخيران."‏

أما ديمين، الذي راح يتمطى على الأرض بجسده الشاب مستمتعاً بعدم القيام بأي عمل وباسترخاء الشبع، فناداه مجدداً متصنعاً الرزانة:‏

"- كالينكين. هل تسمع يا كاليـ ـ ينكين؟ أم أنك أصبت بالصمم كالقطا؟"‏

"- ماذا؟ نعم؟"‏

"- أنت كالغنم. ذكي جداً. لذلك يغلبك الشخير في موقع الحراسة. رأسك ماكر، من أين لك هذا المكر؟"‏

سألـه كالينكين شاكياً، وتجعدت شفته العلوية المشوهة بما يشبه الابتسامة: "- لأجل أي هدف تضايقني يا ديمين؟"‏

تكلم ديمين ممتلئاً حبوراً مصطنعاً، وأطلق زفرة من صدره الواسع: "- راعي الحمام. ما إن تكف عن التفكير فأنت لا تفكر، وما إن تفكر فبماذا تفكر؟ الحظ حليف الصناديق من قريتكم دائماً. خصوصاً إذا كانت الآذان كراعي الحمام. " ظل ديمين يمط الكلام ساخراً، وهو يراقب فرحاً تغير الغيوم في السماء: "- أما ذوو تلك الآذان لديكم فتجدهم خلف كل سياج. نصف القرية كالينكينيون. يا للغرابة، أينما بصقت فإنك ستصيب كالينكيناً ما. كل البقرات دونكا وكل الكلاب شاريك، وغيرهم لا يوجد في العالم حمقى."‏

تمتم كالينكين خجلاً: "- ما الذي لا يروق لك فينا؟ قريتنا صغيرة، خمسة عشر فناء فقط. الناس جيدون، محبون للعمل. عندكم في ميخائيلوفسك يتعارك الشبان دائماً، أما لدينا فالأفنية هادئة، يعزفون على الـهرمونيكا والفتيات يغنين. نحن- هادئون، ولدينا بساتين ومزارع كثيرة. إننا لا نسيء إلى أحد."‏

قال ديمين وقد راح صدره يهتز ضاحكاً: "- لقد قلت لك- أنت قديس من قديسي القصر. سوف تعزف على الـهرمونيكا مائة عام بعد الحرب، وبعد ذلك سوف تصعد إلى السماء- ومباشرة إلى الجنة."‏

ناداه بعد دقيقة بصوت سئم: "- كالينكين."‏

"- ما بك؟"‏

"- الفأر في ثيابك."‏

"- هل عدت إلى ألاعيبك مرة أخرى؟ ماذا فعلت لك يا ديمين؟"‏

"- أسألك بلغة روسية جدية يا كالينكين، على أي أساس يسمون الكلاب كلـها في كولخوزكم شاريك؟"‏

كانت تلك الساعات من ذلك اليوم من أيام تموز فارغة وخالية من الـهموم، وقد انحفرت في ذاكرة فلاديمير مثل بريق شمس محرق قبل الظلمة الحالكة...‏

(1) النجمة هي جائزة الحائزين على لقب بطل الاتحاد السوفييتي (المعرب).‏

(2) مشروب روحي ألماني (المعرب).‏

(3) هكذا هي الحياة (بالفرنسية).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:27 AM   المشاركة رقم: 29
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


الفصل الحادي عشر




حين بدأت الغيوم الرمادية الثابتة تغفو بعد مغيب الشمس في الماء المسائي الزهري القاتم، وحين انتشرت رطوبة العشب من المنخفض اتصل إيليا المرح من نقطة المراقبة، وقال: "- كفى نوماً. تعال واشرب الشاي مع الخشخاش في المنزل المعروف تحت الأشجار." تفقد فلاديمير الحراس عند المدافع، وعبر الجسر المقام من جذوع الأشجار إلى ضفة الجدول الأخرى، التي صارت مظلمة، وانحدر متحسساً طريقه على المنحدر الشديد نحو البستان. فاحت هنا الظلمة برائحة التفاح الناضج وبجفاف الأسيجة المجدولة من الأغصان، التي لم تبردها بعد برودة الطقس.‏

كان المنزل محجوباً بأشجار التفاح، وضرب لون سطحه تحت ضوء النجوم بين مجاهل أوراق الأشجار إلى الزرقة الصفيحية القاتمة، وسكنت على الجدار المبيّض آثار العنب البري الضعيفة الشبيهة بالبراثن، وتلألأ على نحو زئبقي على بعد ثلاث خطوات عن المدخل دلو قديم مصقول على ساعد "المكبس" المحاصر بظلمة البستان- كان كل شيء هادئاً ومريحاً على الطريقة القروية، وقد راحت ثمار التفاح المفرطة في النضج تسقط مصدرة نقراً أصم. صاح الحارس المتخدر في وحدته، بصوت مكبوت قرب المنزل: "- قف، من القادم؟" وخطا على الممر بين الأشجار وهو يقضم تفاحة بصوت عال، ثم شرع يتكلم وقد أفرحه الشعور بالنشاط، الذي بثه الحديث فيه:‏

"- أي هناء، ويا للغرابة... لا قنابل مضيئة ولا طلقات، وكأن الألمان غير موجودين إطلاقاً. الجداجد وحدها تطلق الرشقات. لبستها العفاريت."‏

تحدث بملء فيه، مبتلعاً لب التفاحة وهو ينشق بأنفه- كان في تلك الأصوات أيضاً شيء قديم ما، مهدئ، قادم من أعماق القرون- وتخطى فلاديمير عتبة المنزل شاعراً باضطراب مبهم.‏

فاحت عليه في النصف الأول رائحة بخار الماء المغلي في السماور، وأنار مصباح الكاز العالي على المنضدة الصحاف التي وضعت فيها قطع دهن الخنزير، وزجاجة خضراء مسدودة بخرقة، وعرمة من ثمار التفاح الضخمة وجبسة مقسومة إلى نصفين، وقد اسودت بالبذور، وعسل برتقالي في الصحون- ثروة كاملة، عبقة، وفيرة، ذكرته بعيد الأحياء الذي بدأ أول أمس ولم ينقطع، والذي دفع بعيداً ساعة القدر بغض النظر عن الناس.‏

جلس إيليا وراء المنضدة في الركن الأحمر بقميصه المفكوك وحشية ياقته السيليلويدية، تحت أيقونة مزينة بمنشفة مطرزة، وراح يبتسم بلطف ولباقة لصاحبة المنزل، المرأة في الثلاثين من عمرها تقريباً، التي ابتسمت في المقابل ابتسامة وديعة بشفتيها الكبيرتين الساطعتين رداً على نظرته المرحة، وقد تلألأت في ابتسامتها الرطبة هذه الطاعة المذنبة.‏

أخذ المساعد لازاريف يذهب ويجيء مع جندي الاتصال قرب جهاز الـهاتف، ويتصل ليجرب الخطوط الواصلة بين المدافع وينظر مستفسراً خلل كتفه إلى إيليا والمرأة، لكنه لم يشارك في الحديث ممتنعاً بحكمة عن التدخل في شؤون قائد البطارية الجديد.‏

تكلم إيليا بحيوية كعادته حين يكون في مزاج جيد، كأنه لم يمارس في حياته كلـها شيئاً سوى تحطيم قلوب النساء، وأحاط بعينيه السوداوين عنق المراة المستدير وصدرها الممتلئ: "- ها هو أخيراً الملازم فاسيلييف. تعرّف يا فولوديا بصاحبة المنزل المضياف الفاتنة. هل ترى أية حسناوات لا زلن في هذه الدنيا؟ كنت تقول إنهن قد انتهين منذ القرن التاسع عشر... هاك، كانوا سيقتلوننا من غير أن نشاهد هذا الأنموذج الرائع. حسناً، سنمضي الأمسية كلـها في تقبيل يديك يا نادينكا(1)."‏

لقد بالغ في ما يخص جمال المرأة الفتية الخارق، لكن بدا جلياً أن مزاجه كان ممتازاً إلى حد لم يعهده فلاديمير منذ زمن طويل، إذ راح يتحدث بنبرة مازحة ممتعة، ولم تكن نبرته هذه تسيء إلى أحد بل على العكس جذبت الجميع للاستماع إلى حديثه.‏

فكر فلاديمير، وهو يهز رأسه لصاحبة المنزل دلالة على قيام التعارف: "ومع ذلك، حسن أنني وإياه في بطارية واحدة."‏

بعد أن ردت المرأة على فلاديمير بهزة خجولة من رأسها قالت بصوت خفيض، وهي تنظر إلى الإبريق الذي ملأته بالماء المغلي كثيراً من السماور، فانتشرت مع البخار حرارة أوراق عنب الثعلب المفرومة: "-إنك تسخر مني يا إيليا بيتروفيتش." ثم دلت فلاديمير على المقعد تحت النوافذ المغطاة بطبقة من الصحف القديمة، وقد لفه صوتها برقة بموجة من لطف نافذ رخيم: "- اجلس من فضلك هناك. سترتاح في هذا المكان. تفضل وكل..."‏

تابع إيليا، وقد أمسك كفها الملوح الفظ قليلاً، ثم نهض بظرافة وقبلـه بجراءة: "- إنني أتكلم جاداً يا نادينكا، ليس ثمة مزاح هنا."‏

"- ماذا دهاك؟ ماذا دهاك؟... لا لزوم لـهذا..."‏

اعترضت واحمرت من خلل سمرتها، وقامت بمحاولة ضعيفة لتحرير كفها، لكن إيليا لم يتركه، بل ضغط بشدة أكبر على أصابعها، وقبلـه مرة ثانية مبتسماً، وناظراً مباشرة إلى عينيها العسليتين المتسمرتين. لم يخجل من مغازلته المكشوفة لـهذه المرأة، التي أعجبته كما بدا، وشعر فلاديمير بنوايا غير بسيطة في لعبته هذه.‏

سأل لازاريف باهتمام بريء من غير أن يلتفت عن الـهاتف: "- ألم يقبّل الألمان أيدي النساء حين كانوا عندكم؟ أم ماذا؟ الألمان معلمون كبار في ما يتعلق بالتيتي ميتي. ليس سدى أن يحملوا معهم أينما حلوا لوحات تشبه الإرشادات."‏

سألـه إيليا ببراءة أيضاً: "- لم أفهم. ماذا قصدت تحديداً يا لازاريف؟ هل أردت أن تقول إن الخرائط الطبوغرافية الألمانية لا تعجبك؟"‏

تكلم لازاريف على نحو معسول من غير أن يعير اهتماماً لجملة إيليا المخففة: "- أقول إنهم أفسدوا بضعاً من نسوتنا... وأصابوهن بالعدوى." ثم سالـها مرة أخرى وقد صب في نبرته المعسولة سماً محلى، لم يكن محضراً من أجلـها بل من أجل إيليا من غير شك: "- هل وقف الألمان عندك هكذا أيتها الحسناء؟ وقبلوا يدك؟ أم كيف؟"‏

أغلقت المرأة الصنبور، وغطت الإبريق بغطائه، وصارت تقرب الفناجين المغسولة جيداً، وذات الحواف المكسورة، من السماور، ثم أدارت وجهها بوجل نحو الظل، حيث علقت على الحائط بين النافذتين وفوق الخزانة الصغيرة المغطاة ببساط مزركش بالدانتيلا بضع صور قديمة، كانت من بينها في الوسط صورة لشاب ذي وجه صارم وكبير الفكين، يعتمر قبعة رجال السكك الحديدية، وعلى جيب سترته شارة من ما قبل الحرب. قالت المرأة بصوت مضطرب:‏

"- أقاموا في المحطة، أما عندي فلم... بيتي واقع جانباً، وهم لا يحبون البيوت المتطرفة. جاؤوا أربع مرات تقريباً على الدراجة النارية: "أعطنا أيتها الأم دجاجة وبيضاً ودهناً"، اغتسلوا عند البئر وهزوا أشجار التفاح، ثم أخذوا عسلاً ورحلوا."‏

انتفض منكبا لازاريف المائلان.‏

"-و- من غير أعمال وحشية؟ ألم يتحرشوا؟ ترالا-لا؟"‏

"- عذبوا المعلمة في المحطة وشنقوها... أتت إلينا عام واحد وأربعين. من كييف. كانت زرقاء العين حسناء.."‏

كان واضحاً أن لازاريف لم يستطع أن يغفر لنفسه ذلـه الذي مزق روحه، والذي اضطر إلى أن يراه اليوم، فراح يثأر من إيليا على نحو غير مباشر. أما هذا الأخير، الذي أدهش الجميع بابتسامته الطيبة، التي لم تفارقه فنظر إلى المرأة الشابة، وقد أحنت رأسها وراحت تحرك الفناجين بغباء ومن غير هدف، تحت صنبور السماور، من غير أن تحزم أمرها لسبب ما على أن تصب الشاي، فصار وجهها النشيط ذو العينين البنيتين معذباً في رمشة عين.‏

قال إيليا فجاءة على نحو سوي، وقد أكدت لـهجته كلامه الذي لا يقبل الجدل: "- أنت شاب قوي أيها المساعد. أعرف ذلك. لكن إن فهت يا لازاريف الآن بشيء ذكي مرة أخرى فسأرمي رأسك من النافذة كي لا أسمع نفساً من أنفاسك هنا. واضح؟" ثم تابع حديثه بهدوء ولطف جاف، وراح يقرع بانتظام المنضدة بإظفر سبابته: "- افهم أخيراً أيها الذكي. لم أمارس الملاكمة والسامبو عدة سنوات كي أدع أمثالك يجلسون علىكتفي. واضح أيضاً؟ حسن إن لم ألقن طبعك المثقف والمرهف اليوم العقل فسأفعل ذلك غداً في الوقت الذي يناسبنا."‏

انتفخ منخرا لازاريف الغاضبان وتكورا، وابيضت عيناه حتى أقفرتا، وقال بصوت أبح:‏

"- شُدَّ أيها الملازم واضغط، لكن انظر، فأنا أيضاً قادر على أن أقلب الدب، فأنا محب للصيد... وقد ردمتُ..."‏

مست يده الضخمة مصادفة، وعلى نحو ثقيل ومنزلق، غمد الخنجر وتركته حالاً، وكان النظر إلى الصحراء البيضاء في عينيه اللتين التهمهما الحقد يبث الرعب، غير أن إيليا وقف مكرهاً من غير أن يكمل سماع تهديده المبطن، وأمره بنصف صوته وهو ينفذ بنظرة فضولية إلى حدقتيه الملتهبتين:‏

"- سر إلى نقطة المراقبة أيها المساعد، وقلل من ظهورك على مرأى مني حتى تصير ذكياً."‏

كشر لازاريف: "- وماذا في الأمر؟ في مقدورنا. فوراً. إلى نقطة المراقبة، فلنذهب إلى نقطة المراقبة." ورفع عن المقعد البندقية الآلية منتصباً كما يقتضي النظام، واقترب من صاحبة المنزل المذعورة متمايلاً: "- شكراً لك أيتها الحسناء على الضيافة، سأذكر حتى اللحد الشاي والدهن والساموغون(2). شبعت حتى التخمة."‏

تكلمت صاحبة المنزل بحيرة، ناظرة إلى ظهر لازاريف الكبير وهو يخرج: "- لكنني... لكنك لم تأكل بعد، لكنك لم تشرب..."‏

قال إيليا من غير اهتمام، وأخرج الخرقة من عنق الزجاجة، وصب الساموغون في الفناجين: "- لا ضير في ذلك، فأمثالـه لا يموتون جوعاً يا نادينكا. حسناً، أظن أن في مقدورنا أن نشرب مائة غرام، آ؟ ماذا يا نادينكا، هل ستقرعين قدحك معنا؟ " ظل إيليا يتكلم بطيبة نفس، ثم وجه الحديث إلى صاحبة المنزل رافعاً فنجانه: "- هل تسمحين يا نادينكا أن نشرب نخبك... نخب صاحبة المنزل اللطيفة المضيافة. كيف يا فولوديا؟ هل تؤيد نخبي؟ نخب ناديا، ونخب الحظ الذي حالفنا بلقائنا هذه المرأة اللطيفة."‏

أراد أن يعجبها، وكان مستثاراً بهذا الغزل الجنوني، وبهذه الثرثرة الخفيفة التي لا تلُزم بشيء، وبهذه الراحة المدنية في هذا المنزل النظيف الذي لم تمسه الحرب والذي عاشت صاحبته فيه حياة وحدة غامضة، وهي ترد الآن على كلماته المرحة بابتسامة حائرة ومرتجفة على شفتيها الطويلتين. سألـها فلاديمير على نحو أخرق حين نظر إلى صورة الشاب الصارم في قبعة رجال السكك الحديدية فوق الخزانة الصغيرة:‏

"- هل زوجك في الجبهة؟"‏

أجابته بصوت رخيم واهن: "- رحل حين بدأت الحرب، ولا أثر لـه ولا خبر عنه. عشنا معاً سنة واحدة فقط. لقد قتل..."‏

××××‏

استيقظ لأن أحدهم هزه من كتفه وراح يهمس لـه: "- انهض يا فولودكا."‏

ارتمى على المقعد بعد أن استفاق من نومه، وسمع في جو البيت الخانق صوت الأنفاس المنتظم الصادر عن جندي الاتصال الغافي قرب الـهاتف في هدوء الليل العميق: أنار مصباح الكاز على المنضدة المكان بنور غير قوي وفاحت رائحة الزجاج المحروق والمسود.‏

"- انهض، هيا."‏

وقف إيليا قربه بقميصه المفكوك ومن غير الحمالة، وقد تعثر همسه ببحة لطيفة، وأضيء وجهه في هذه الظلمة الخفيفة بإرهاق الرضى الخفيف.‏

سألـه فلاديمير بسرعة: "- ماذا؟ ما بك؟"‏

قال إيليا، ودفعه من كتفه: "- اذهب، إنها تنتظرك."‏

لم يفهم فلاديمير: "- من التي تنتظر؟"‏

أجاب إيليا وجلس قربه على المقعد حاراً ومتعرقاً: "- ناديا. إنها عند مقلب القش في الفناء." ثم ضحك باقتضاب: "- يا لـها من امرأة." مس شفته وتكلم مضيقاً عينيه باهتياج: "- سيحالفني الحظ إن لم تبق غداً آثار أسنانها. ليست امرأة بل شيطانة. لكنها، لو تدري، تسمح بكل شيء، ولا تخاف إلا من هذا... اسمع، أي صدر فاخر لديها وأي فخذين... اذهب، قالت إنني لست أنا من يعجبها بل أنت. اذهب ما بك تنظر يا فولودكا؟ أقول لك إنها تنتظرك."‏

احتضنه إيليا من كتفيه ودفعه بتشجيع ودي:‏

"- اذهب."‏

"كان الآن عند مقلب القش مع تلك المرأة اللطيفة الشابة، وراح يقبل شفتيها الطويلتين هناك... وهو يريد الآن أن أذهب أنا؟ أن أذهب إلى ناديا بعده؟ أمن الممكن تقبيل امرأة بعد رجل آخر؟ لا، لن تكفيني الجراءة، لن أقدر..."‏

لكن هذه الناديا الغريبة أعجبته هو أيضاً، وحين جلست معهما وراحت تقدم لـهما الطعام وراء المائدة شعر أحياناً بالضيق والخوف المضني من قرب صدرها الممتلئ وفخذيها المتينين وجسدها الفتي الأنيق، وانحبست أنفاسه من قرب عينيها البنيتين الرقيقتين والصاغرتين أحياناً ما إن يتلاقى نظراهما وهو يتناول من يديها الأنثويتين الخدومتين فنجان منقوع عنب الثعلب.‏

"- ألم تستيقظ؟ ما بك جالس كجذمور الشجرة؟ اذهب، كفاك تفكيراً. مقلب القش في العنبر، ستراه حين تخرج. هل عليّ أن أرافقك أم ماذا؟"‏

"- كف عن التحامق يا إيليا. أعرف بنفسي ماذا علي أن أفعل."‏

دفعه فلاديمير بخفة، ونهض وخرج عبر المطبخ الصغير، المشبع برائحة الخبز، والمتلألئ بفضل النافذة الصغيرة فيه، إلى ظلمة البستان والـهواء الندي. كان كل شيء هادئاً ومنعشاً: حط برد الليل الأصم الرطب على العشب وعلى أوراق الأشجار، وراحت نجوم تموز تلعب وتتلون بألوانها المختلفة فوق الأغصان.‏

لم يكن الحارس موجوداً قرب المنزل، ولم يسمع وقع خطواته وحفيفها على العشب- كان على الأرجح واقفاً أو جالساً في مكان ما من البستان وينصت إلى صمت هذه الساعة من الليل.‏

ظهر العنبر مثل بقعة سوداء في آخر الفناء، وهناك كانت تنتظره على مقلب القش تلك المرأة الشابة، التي سماها إيليا من غير خجل ناديا ونادينكا، والتي احمرت وابتسمت لـهما بخفة بعينيها الخجولتين تارة والمتسعتين على وجهها الملوح تارة أخرى، مبقية ظهرها مستقيماً مع عنقها المستدير وخصل شعرها الدقيقة والفاتحة، وكأنها انتظرت وحيدة زمناً طويلاً كي تعجبهما هي أيضاً بقامتها الأنثوية المصونة، وبأناقتها التي لم تدمر بالعمل القروي في المنزل.‏

"- هذا- جبن. يا للسهولة التي غازلـها بها إيليا، وكم كل شيء صعب علي. لِم كل هذا؟ لا أريد... إنني أفكر بماشا، ولا أستطيع الذهاب إليها... لكن ماذا سيظن بي إيليا؟.."‏

كان العنبر مع مقلب القش على بعد عشرين خطوة عن المنزل، لكن كان عليه أن يمر بمحاذاة أشجار الحور قرب البئر وسط الفناء، ويقترب من الباب نصف المفتوح ويهتف هناك بصوت منخفض: "ناديا"، فلا يعود يشعر بالخجل هناك في الظلام الدامس، ويسقط معها، مع جسدها المتين، إلى مكان ما، إلى الخوف المميت للسديم الحلو، الذي جربه مرة قبل الحرب على نحو غير تام كما لو أنه كان يحلم.‏

ناداها محاولاً أن ينطق اسمها مازحاً كما نطقه إيليا، لكن التقليد كان مكرهاً ومغتصباً، فتابع هامساً في فتحة الباب التي أرهبته:‏

"- نادينكا... ناديا... ناديا، اسمعي..."‏

"- تعال إلى هنا أيها الشاب، تعال..."‏

صار يتحسس الجدار بيده مصغياً إلى قفزات قلبه المجنونة، ثم صر الباب متأرجحاً، وتهادى على مفاصلـه القديمة مدفوعاً نحو جدار العنبر، أما من الأمام، من الظلام الحالك، الفائح بالروائح القروية، فتناهى إليه خلل ضربات الدم في رأسه همس مبهم ورخيم وسريع في العبق العسلي المخدر للقش الجاف، واصطدم فجاءة باليدين الماهرتين الحارتين اللتين جذبتاه إليها، وبأنفاس الشفتين المفتوحتين الحارة، وأحس بقرب النهدين الممتلئين الباردين المؤلم، وملمس بطنها الحريري، ورائحة عنقها وكتفيها النظيفة الشبيهة برائحة الخيار الطازج. سقط وإياها معاً على البطانية المفروشة على القش، وشعر كيف تقدمت ركبتاها تحت ركبتيه، وأحس بالبرودة فجاءة بسبب من أسنانها الرطبة ومن حركة حضنها الملاطفة وغير الخجولة ومن همسها السابح المتموج، الذي لفه بدوائر برتقالية.‏

"- وا مصيبتاه أيها الشاب... ذلك الملازم... المقحام... قال إنني أعجبك، إذن قبلني أيها الشاب اللطيف..."‏

همس مرتجفاً من البرداء، وغير عارف لماذا لا يستطيع أن يسميها نادينكا كما استطاع ذلك بإتقان إيليا: "- ناديا." ثم كرر في ضباب خجلـه، الذي جعلـه يرتجف: "- ناديا، ناديا... أنت جميلة، أنت رائعة..."‏

سمع صوتها المكبوت والمتوسل: "- سامحني يا إلـهي. قتل زوجي منذ زمن، وأنا وحدي مثل سمانة. أنا الزوج وأنا ربة المنزل. يا إلـهي..." تكلمت مرة أخرى بصوت لا هو ضاحك ولا هو باك: "- أي شاب واضح ووسيم... اسمك فولوديا؟ يا إلـهي، وامصيبتاه. فولودينكا، أيها الشاب.."‏

صاحت شاكية من غير أن تنهض، وفي تلك اللحظة برز وجهها في الظلمة وأنير بضوء أخضر وظهرت عيناها الكبيرتان المفتوحتان والدموع فيهما- اندفع الضوء الغريب عبر باب العنبر المفتوح، وبرق في البستان ثم خمد كل شيء.‏

لم يفهم أول الأمر ما هذا الضوء الذي ارتفع خلف البستان مخترقاً العنبر وشقوقه، لم يفهم لأنه لم يسمع الطلقة. لكن صوت تحطم زجاجة وفحيح متصاعد تردد في مكان قريب جداً، وتفتت مذنب أحمر وأخضر في الأعلى على مساحة واسعة فوق ردمية السكة الحديدية، متناثراً على ذرا أشجار الحور كغبار آخذ في الانطفاء، وبرز من جديد وابيض وجه المرأة نصف العارية المرفوع، ذو العينين المتسعتين والدموع غير المذروفة. نهض فلاديمير على قدميه، بعد أن وعى من غير تركيز تقريباً لماذا هو هنا، ومتوجساً شيئاً ما مفاجئاً وحتمياً يجب أن يحدث الآن، وراح يشد حزامه في أثناء سيره، وركض خارجاً تحت المطر الناري المتساقط بفعل القنبلة المضيئة الثالثة، التي أنارت بسطوع لا يطاق الفناء كلـه والبئر ومكبسها والتفاحات الضخمة على الفروع المثقلة وردمية السكة الحديدية في الأعلى خلف أهرامات الحور.‏

تراءت لفلاديمير في هذا الفاصل القصير، الممتد بضع ثوان، بين النور والظلمة حركة أجسام على ردمية السكة الحديدية، وتناهت من هناك في الحال صرخة وحشية غير مفهومة، كما لو أنها صادرة عن حنجرة مقتلعة، ثم انطلقت في الأعلى رشقات البنادق الآلية مصحوبة بدوي حاد قاطعة تلك الصرخة ومخمدة إياها. اندفعت خطوط الطلقات مثل زينة ضوئية قرمزية فوق ذرا البستان، وانفجرت بين الأغصان بأنوار بنفسجية. سقطت قرب السياج تفاحتان ناضجتان، قطعتهما الطلقات، وتدحرجتا على الممر ثم اختفتا في العشب.‏

رأى فلاديمير التفاحتين بدقة غير عادية في الفوضى العاصفة التي أثارتها القنابل المضيئة المنطلقة في الأمام، وراحت الألعاب النارية تتأرجح وتتهدل خلف السكة الحديدية، وهناك أزت المحركات مدوية على نحو متقطع وهي تندفع نحو الغابة وتتوتر أكثر فأكثر بذبذبة حديدية. صعق فلاديمير: "من أين ظهرت الدبابات؟ كان المكان هادئاً خلل اليومين..."‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:30 AM   المشاركة رقم: 30
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



كاد يصطدم قرب باب المنزل بإيليا. قفز هذا الأخير خارجاً إلى الفناء وقد ارتدى زيه كاملاً وشد الحمالة المتصالبة على صدره، وراح ينظر هو يركض إلى السماء الممتلئة بالقنابل المضيئة ويصيح لفلاديمير:‏

"- بدأوا؟ ليلاً؟ هذا ليس من عادة الألمان. تعال معي إلى نقطة المراقبة. هناك أوضح."‏

حين ركضا خارجين من البستان تحركت بسرعة تحت أشجار التفاح من جهة أشجار الحور المتطرفة النامية على امتداد كتف الطريق هيئة قاتمة مهتاجة، وهي تحف المشمع بالأغصان، وانطلقت صيحة مذعورة:‏

"- من هناك؟ سأطلق النار."‏

ناداه إيليا بصوت رنان: "- إلى الوراء أيها الحارس. أصدقاء. أسألك إلى أين اندفعت؟ اركض إليّ حالاً."‏

هرع الحارس إليه متعثراً بقدميه وتحشرج صوته على نحو متقطع:‏

"- ظننت أيها الرفيق قائد البطارية أن الألمان... ظننتكما ألماناً..."‏

"- هل جننت؟ أنى للألمان أن يظهروا في البستان؟"‏

"- خيل لي منذ بعض الوقت وكأن حصاة نقرت على الردمية."‏

"- متى "منذ بعض الوقت"؟"‏

"- منذ عشر دقائق بدأت تنقر..."‏

فكر فلاديمير: "- بدا لي أيضاً أن ثمة حركة ما على الردمية في أثناء القنبلة المضيئة الثانية. هل خيل لي أيضاً؟"‏

تكلم إيليا بغضب مشمئز: "- لماذا إذن لم تعلن الخطر من قبل أيها الحارس؟ كنت تحلم أيها الشيطان المجذوب؟" ودفع بيده اليسرى الجندي من صدره، فسقط هذا الأخير على قفاه وقد تعثرت جزمته بالعشب، وصاح بصوت ضيق:‏

"- لم أنم أيها الرفيق قائد البطارية، لم أنم."‏

شتم إيليا بنفور: "- هيا اغرب عن وجهي أيها القذر."‏

حين تسلقا منحدر الردمية نحو خندق الاتصال القصير، وحين شاهدا هنا في خندق نقطة المراقبة، ما أزال الشكوك كلـها بحدة لا تلين، بدا لـهما للوهلة الولى أن الألمان قد عزلوهم والتفوا من المؤخرة- طارت قنبلتان مضيئتان مرتفعتين فوق طرف الغابة على ضفة الجدول الأخرى، غير بعيدتين عن مواقع المدافع الثلاثة، وتلألأتا بغموض ثم انطفأتا في الماء المشتعل لحظة. كانت هاتان القنبلتان خلف نقطة المراقبةغير متوقعتين وخطرتين إلى حد خيل لفلاديمير معه أنه يسمع بوضوح صيحات أوامر ألمانية عند طرف الغابة حيث تمركزت المدافع، فقال وهو يكاد لا يلتقط أنفاسه:‏

"- كل شيء واضح يا إيليا. أظن أن الألمان التفوا حولنا. أنا ذاهب إلى البطارية."‏

أمره ايليا ناظراً سريعاً إلى الخلف، نحو طرف الغابة: "- على رسلك، سنتبين الأمر. لا تذعر..." واندفع يساراً نحو حافة الخندق: استلقى هناك الرقيب شابكين بصدره على الساتر وراح يطلق رشقات قصيرة من بندقيته على امتداد السكة الحديدية. صاح إيليا: "- هل يلتفون من اليسار؟ ماذا؟ الرماة؟ يحاصرون نقطة المراقبة. أين الراميين من المشاة؟"‏

التفت شابكين كاشفاً عن أسنانه الوردية بتكشيرة وحشية، لكنه لم يستطع أن يجيب بشيء واضح وراح يرمي برأسه وحسب في الفضاء المليء بخطوط الطلقات وهدير المحركات وأقواس القنابل المضيئة المحترقة وإطلاقات نيران المدفعية التي أضاءت الظلمة بسطوع.‏

رأى فلاديمير في فواصل تناوب النيران والظلام هذه الميدان الذي يبتدئ إلى يمين الغابة خلف ردمية السكة الحديدية والمغطى بأكداس القش الطويلة، وقد راحت الدبابات تسير بينها وتزحف خارجة من الغابة وتتحرك بزاوية متطاولة إلى اليمين في الحقل على امتداد الجبهة نحو محيط المحطة، اما في جوار أبنية المحطة المتطرفة خلف تلاع خنادق المشاة فراحت تصفق من غير صوت مدافعنا عيار 45مم، وترد باستعجال محموم، غير أن الدبابات سارت حصينة، وصارت تقترب شيئاً فشيئاً من محيط المحطة، وكانت ظلالـها في نور القنابل المضيئة ممطوطة على نحو مهول ومتكسرة، وقد راحت تقذف الطلقات من قرون استشعارها السميكة نحو الأبنية.‏

أمر إيليا فلاديمير: "- هيا إلى المدافع. مدافع الـ45 لا تستطيع أن تضرب سوى الذباب. أخرج المدافع إلى الرمي المباشر وضعها على الردمية. سيكون الرمي من هنا أفضل. هيا..."‏

"- أيها الملازم، قائد الكتيبة على الـهاتف. أيها الخامس، المشاة يطلبونك."‏

برز من تفرع الخندق شبح المساعد لازاريف الأخرق، وسمع فلاديمير وهو يركض خارجاً من خندق الاتصال كيف صاح إيليا "للخامس" في السماعة، وأوضح لـه أنه لا يسمح لأحد بأن يصرخ في وجهه كالمذبوح، وأنه يرى الدبابات وسيدعم الآن المشاة بنيران مباشرة، ثم تدحرج على حدور الردمية بعد أن سمع سبابه المخنوق الموجه للازاريف، واتجه إلى هاوية البستان المظلمة، التي راح ينيرها وميض القنابل المضيئة طوال الوقت.‏

اندفع نحو الجسر مباشرة من غير أن يميز الممرات، ورأى في الفناء مكبس البئر تحت الأشجار، والعنبر ببابه المفتوح، الذي تدفقت عبره على وجهه منذ قليل رائحة القش الفتي والحليب الطازج وحيث انطلق حينئذ من الظلمة همس المرأة الحار ويداها الجاذبتان وحركة جسدها الصريحة التي ألـهبته خجلاً- وخطر في بالـه هنا، في الحال، أن عليه أن يقول لـها من غير إبطاء ويحذرها من أن المعركة قد نشبت، وأن البقاء هنا خطر، فأطل بنظره وهو راكض على عتمة العنبر العسلية الخانقة، وصاح بصوت مخنوق: "ناديا، هل تسمعينني؟" لم يرد عليه أحد. استدار في اللحظة التالية نحو المنزل المعروف وفتح بابه بدفعة من كتفه، وصاح من جديد في هالة مصباح الكاز البرتقالية في ركن المطبخ الصغير: "ناديا، ارحلي من هنا، ارحلي حالاً." وبعد أن تأوه صوت شاك، وحجب شبح امرأة ضوء المصباح ارتد عن الباب وانطلق مباشرة إلى طرف البستان منزلقاً على العشب، واطئاً ثمار التفاح المتعفنة، وحين قفز فوق السياج المقلوب سابحاً في عرقه ووصل إلى الجسر لم يعد الـهواء يكفيه، وارتدت ضربات الدم مصحوبة بالألم في رأسه المصاب بالارتجاج، وراحت تتراقص ألعاب القنابل المضيئة على شكل قفزات من الخلف، من وراء الظهر، وتندفع فوق البستان نحو ذرا تلة الصنوبر، وتبهر العيون وهي تتناثر في الأمام، عند طرف الغابة، حيث بدت المدافع وكأنها تقفز خارجة من الظلمة إلى النور العاري، وأخذت هيئات أشخاص تنحني حولـها متحدبة كالتلال وتقفز وتجلس القرفصاء في رقصة غير مرئية.‏

اتجه نحو المدافع مباشرة على ساقيه المعوجتين، مترنحاً ومتخبطاً بجزمته في التراب اللزج وهو يصيح آمراً:‏

"- عربات الجر إلى البطارية."‏

خطر خاطر في رأسه المقيد بالألم النابض: "- لا أسمع شيئاً مرة أخرى." لكنه رأى على مقربة بقع الوجوه البنفسجية المتراقصة بجانب المدافع وعامت على نحو غير دقيق أصوات الجنود والأوامر المتكررة والقرع الحديدي للركائز المسحوبة وصوت المذخر كالينكين الغنائي المقطوع لسبب ما، والذي يخترق الآذان:‏

"- ماذا يحدث، ماذا يحدث..."‏

لم يثب الحوذيون، الذين أنهضهم الخطر الداهم، إلى رشدهم تماماً على الأرجح، إذ خرجت عربات الجر من مخابئها في الغابة وهي تتمايل يمنة ويسرة على التلة، ثم تدحرجت أخيراً نحو مواقع المدافع، وهناك صفوا العربات على نحو لا يدل على المهارة وهم يصيحون على الجياد ويتلفتون على السروج بغباء، ثم أرجعوها بخط منكسر إلى الخلف، وربطوا المدافع بالخطافات مقرقعين، حتى أن عرائش العربات ارتفعت شادة معها رؤوس الجياد. قفز فلاديمير على درجة عربة المدفع المتحركة أولاً وتسلق الرقيب ديمين الدرجة الأخرى في الوقت نفسه.‏

"- خببا، إلى الطريق. عبر الجسر. نحو المعبر."‏

زعق ديمين وهو ينحني إلى الأمام نحو الحوذيين: "- إلى المعبر ثكلتكم أمكم. بسرعة."‏

ساط الحوذيان الجياد، فاندفعت من أمكنتها، وصر التراب تحت العجلات العالقة خلف خط النار مباشرة، ثم راحت العربة تنقذف يمنة ويسرة بسبب من وعورة الطريق، وتمكن فلاديمير من الثبات بصعوبة بعد أن تشبث بحاجز العربة. بعدئذ راحت حوافر الخيول تقرع بقوة الطريق السوية ثم ضربت على نحو أصم الجسر المقام من جذوع الشجر فوق الجدول، وبدأت تقترب من الأمام مباشرة خطوط المعبر. اندفعت هناك، خلف ردمية السكة الحديدية، صاعدة كالشلالات أسراب القنابل المضيئة المخترقة بالطلقات الخطاطة المعترضة، أما من اليسار، في الأسفل، فظهر واختفى في قفزات الضوء بستان التفاح والمنزل وسط الأشجار، حيث كانت المرأة ذات اليدين عديمتي الحياء والصدر الممتلئ...‏

خطر لفلاديمير: "سنقطع المعبر الآن وننعطف يساراً نحو نقطة المراقبة.."‏

وأراد أن يصدر الأمر للحوذيين، لكن ذلك لم يتسن لـه ولم يفهم ما حدث في اللحظة التالية...‏

قفزت عربة جر المدفع نحو المعبر على الردمية وكأنها تحلق في السماء فوق الحرائق في البلدة قرب المحطة وفوق هياكل الدبابات الزاحفة في الأمام والممتدة من اليسار إلى اليمين، نحو المنازل المتطرفة- قفزت العربة نحو المعبر، وحينئذ ضربت الآذان قرقعة حديدية، وأعمى الأبصار لـهيب انفجار تحت حوافر الخيول. هوى الجوادان الأماميان المنطلقان بأقصى سرعة على قوائمهما الأمامية، وطار الجوادان الخلفيان فوقهما مطلقين شخيراً، فانقذفت العربة وانقلبت على جانبها، وفهم فلاديمير بغموض، مبتلعاً التولين الألماني والدخان المتصاعد ضفائر ضفائر، ومذهولاً، وقد ألقته على الأرض دفعة قوية مخيفة، أنهم أطلقوا النار على المدفع عن كثب، ومن مسافة قريبة على نحو لا يعقل، لذلك لم يسمع صوت الطلقة. أجهد نفسه محاولاً النهوض ليصيح للمدفع الثاني ويأمر طاقمه بالتوقف في الأسفل وعدم الخروج إلى المعبر وإلى هذا المكان المكشوف- وراى في تلك اللحظة على بعد ستين متراً تقريباً إلى اليمين، على ردمية السكة الحديدية مباشرة، جسم الدبابة الـهائل الثابت القاتم ذا السبطانة المرتجفة الطويلة المنكسة.‏

أصابت القذيفة الثانية منتصف العربة الثانية تماماً، فشب الجوادان الأماميان على قوائمهما الخلفية، مدفوعين بالنار المندلعة من الأسفل، وسقط الحوذيان عن السرجين، فيما سحب الجوادان الخلفيان العربة إلى مكان ما يساراً، جارين المدفع على حافة المنحدر، فانكفأ على إحدى عجلتيه وتحطم الخطاف مصدراً صريراً معدنياً، وانفصل عن العربة التي تدحرجت مع الجوادين الخلفيين إلى الـهاوية.‏

أطلقت الدبابة، التي صعدت إلى ردمية السكة الحديدية، النار عن قرب على المدافع التي لم تدخل المعركة بعد، وفاح عجز ما قبل الموت برائحة برد القبور، ورأى فلاديمير، وهو يوجه ويصيح ويصدر الأوامر، الجنود الزاحفين نحو المدفع من غير أن يرى أياً منهم بمفرده، وشعر بالكراهية نحو نفسه ونحوهم على زحفهم هذا الشبيه بزحف النمل امام الدبابة، التي قصفت من غير رحمة المدافع على الدرمية قبل أن تطلق طلقة واحدة.‏

برقت في رأسه: "لو نستطيع إطلاق قذيفة واحدة، لو نطلق على الدبابة طلقة واحدة." وراح يكرر أوامره للجنود وهو مستلق على المعبر من غير أن يسمع صوته، ويطلب منهم ويرجوهم أن يدخلوا المدفع في المعركة، ويلقموه جاثين، ثم شتم غاضباً، وشعر أنه يبكي ذارفاً دموع العجز.‏

سمع بعد ذلك طلقة الدبابة الثالثة. رمت الدبابة على المدفع الثالث، الذي انعطف بعد الطلقتين الأوليين عن ردمية السكة الحديدية إلى خارج الطريق. سارت عربة جر المدفع على المنحدر نحو المنخفض مباشرة، نحو سياج البستان، وانطلقت قذيفة الدبابة خلف الدرع من غير أن تمس لا المدفع ولا الطاقم الذي تشتت في المنخفض.‏

فكر: "لو نستطيع إطلاق طلقة واحدة، لو نستطيع..." وراح، وكأنه يهذي حاثاً الجنود، ويداه تصطدمان بالمناكب والظهور المتعرقة، يساعد في دفع حديد الركائز الثقيلة، فرحاً لأن الدبابة تركت المدفعين اللذين أوقفهما على المعبر خارج مرماها وراحت ترمي على المدفع الثالث، الذي خرج من تحت الانفجارات. أصابته ثواني التقاط النفس هذه، الممنوحة لـه مصادفة كمحاولة أخيرة للخلاص من هذا الحلم الغبي المميت، برجفة الجنون من فكرة وحيدة: "لو نستطيع إطلاق طلقة واحدة، ولو طلقة."‏

لم يعرف حينذاك أن أبدية كاملة ومئات المصادفات الممكنة وحياة البشرية كلـها ونظرة من أحدهم استغرقت ثانية واحدة في موجِّه التصويب قد حالت بينه وبين تلك الطلقة. لكنه حينئذ عرف بدقة تامة أن مدفعه بارز كالـهدف التدريبي على المعبر على بعد ستين متراً أمام الدبابة، ومتميز بتحدب درعه الواضح والأسود كالفحم- و("ساعدني يا إلـهي") بدا كل شيء مكشوفاً تماماً أمام برد الموت الحديدي. لم يكن مستعداً آنذاك للموت ولـهذا الظلم الـهائل، ورأى كدر الرعب واليأس الغبي وانتظار اللحظة الأخيرة في عيون الجنود ووجه الرقيب ديمين الـهامد بضراوة، وقد راح يزحف كالوحوش على أربع نحو الموجه، وفوهة خزنة المدفع المفتوحة والركائز المفرَّج بينها والمسندة كسكك المحاريث في مسامير السكة الحديدية المصقولة وذقن كالينكين المرتجفة، وقد انحنى متقوساً فوق صندوق القذائف المتداعي، الذي سقط عن القاعدة حين اصطدم الجوادان الخلفيان المصعوقان من الانفجار بالجوادين الأماميين المقتولين بالشظايا.‏

رغب فلاديمير في أن يفهم: "أين إيليا؟ عليه أن يرى من نقطة المراقبة ما حدث لنا عند المعبر." وكان يصدر في ذلك الوقت الأمر نفسه الذي يحمل لدى الجميع معنى الفناء العام، ثم التقط في سورة جنونه وفقدانه الذاكرة، متخطياً كالينكين، قذيفة وأدخلـها في الخزنة وهو يزحف على ركبتيه حول الركائز.‏

حين ضرب وجهه هواء البارود المحترق الحامضي لم يقدر، وقد أعماه برق الطلقة، على أن يحدد إصابة قذيفته، غير أن زوبعة نارية صفرت في الحال فوق رأسه وصفعت الحديد، وتأوه أحدهم قرب المدفع وصاح: "ماذا يحدث، ماذا يحدث، يضربون من الخلف." والتفت الرقيب ديمين عن الموجه بعينين مجنونتين. راحت الجياد تصعد بالمدفع الثالث خبباً إلى المعبر، وركض إيليا أمامها والبندقية الآلية معلقة برقبته، وأخذ يصيح بشيء ما للحوذيين المنحنيين على ظهري جواديهما خوفاً، أما من الخلف، من عند بداية تلة الصنوبر حيث كانت المدافع متمركزة قبل قليل، فراح يرميهم رشاش يدوي ألماني برشقات خطاطة. وفهم فلاديمير أن إيليا، بعد أن شاهد من نقطة المراقبة ما حدث عند المعبر، اندفع للقاء المدفع الثالث كي يخرجه إلى الموقع الناري ضد الدبابات الزاحفة نحو البلدة المجاورة للمحطة. لكن مشهد إيليا الراكض على الطريق بالبندقية وعربة جر المدفع ورشقات الرشاش الألماني القريبة من الخلف ومض لحظة فقط- واختفى كل شيء في قفزات اللـهب والصرير والدوي والعويل، وفي التولين الألماني الخانق. قذفت قوة الانفجارات الـهائلة المدفع على المعبر، وارتفع الدخان الممزق بأسنان النار فوق الدرع، وابتعد أفراد الطاقم زاحفين قرب الردمية وهم يسعلون ويكادون يختنقون، وصار ظهر الرقيب ديمين المحدودب يظهر ويختفي في هذا اللـهب المبهر، وميز فلاديمير، الصائح صياحاً مخنوقاً ("ديمين، ديمين")، والمدفوع عن المدفع بهبات الـهواء المتوهج بوحشية، التي سدت فمه وأنفه، ملامح رؤوس الجياد المرفوعة إلى السماء وهي تقفز جارة عربة المدفع الثالث نحو المعبر، وعيني الحوذي الأمامي الخائفتين والمنحرفتين نحو إيليا. أما إيليا فراح يشد بعناد الجوادين الأماميين المجفلين من عنانيهما وهو ينظر بغضب إلى أفراد الطاقم المنبطحين بسبب من الانفجارات "نهوضاً، نهوضاً، إلى المدفع." انطلق الصوت البشري ضعيفاً من فوضى الأصوات الزائرة والصارة- اقتلع الدوي العوارض حول المعبر، وهدم التراب إلى اليمين من المدفع وأمامه، وخيل لفلاديمير أن بضع دبابات قد خرجت من خلف الأكداس إلى الحقل عازلة البلدة المجاورة للمحطة وصعدت من المنخفض نحو ردمية السكة الحديدية، حيث راح الدخان يتصاعد بكثافة من الدبابة الأولى ("أصبتها، أصبتها...")، وانفجرت خطوط القذائف المتقاطعة كالإعصار من الجانبين عند المعبر. أراد أن يحدد بدقة من أين ضربت الدبابات، فرفع بصعوبة رأسه، الذي صار ثقيلاً جداً، ورائحة الحريق تكاد تخنقه.‏

لم تكن عربة جر المدفع الثالث موجودة ولا الحوذي الأمامي ذو الوجه المشوه من الخوف والملتفت نحو إيليا. ولم يكن أيضاً إيليا نفسه، الذي شد يائساً عنان الجوادين الأماميين- كل ما ظهر عند المعبر قبل دقيقة تدحرج على المنحدر مثل شلة خيطان سوداء متشابكة إلى هناك، نحو المنخفض من حيث أخرج إيليا العربة للتو عبر الطريق. جر المدفع، الذي لم يوقفه أفراد الطاقم ("أين هم؟ هل قتلوا جميعاً؟")، خلفه بفعل الثقالة الحديدية العربة بالعرض على الطريق والجياد الأربعة، التي راحت تصهل من غير الحوذيين صهيل الألم وتقف على قوائمها الخلفية وتسقط على ركبها وتكسر قوائمها. تدحرجت العربة المتشابكة والمرتعشة، التي ما عاد الحوذيان يسوقانها، على الردمية نحو الأسفل، أما عند بداية التلة، والآن من البستان، فراحت تدرز العتمة رشقات بنادق الألمان الملتفين من الخلف، منغرزة في هذه الشلة الـهائلة ومجهزة على الجياد الـهائجة من ضربات الدبابات.‏

"الموت؟... ههنا؟ الآن؟" دقت هذه الكلمات على صدغي فلاديمير المضغوط بالزعيق وتوهج الشظايا على العوارض، أما العوارض فكانت تنتفض تحته وتدفعه من صدره، ولم ينتظر، وهو المصاب بالارتجاج وبتشنجات الغثيان في معدته، ألم الجسد الممزق بالشظايا وهذا الشعور بمفارقة الجسد، بل انتظر ضربة تلسع الرأس، وسقوطاً فورياً في السواد... حاول، حاقداً على انزلاقه الكريه إلى لجة الخوف، الذي ضغطه على الأرض، أن يعي أن عليه النهوض إلى المدفع والاستمرار في إطلاق النار، وحاول أن يرفع رأسه. "إيليا، أين إيليا؟ أين إيليا؟ أين ديمين؟ أين كالينكين؟..."‏

"- فولودكا. أنت حي؟.."‏

سقط أحدهم على نحو ثقيل إلى جانبه، وهزه من كتفه بقوة غاضبة، ورأى قربه عيني إيليا الممتلئتين حنقاً، وفمه المعوج، وشعره الأسود الملتصق على نحو مائل بصدغه المتعرق. صاح غاضباً: "- لم أنت مستلق؟ هل سننفق؟.. ضابطان عند المدفع وننفق؟ ذخر، ذخر، ذخر يا فولودكا، ذخر..."‏

ونهض على ركبتيه، مرتدأ عن كتف فلاديمير، وتطاول نحو الموجه، لكن يده اليسرى زحفت نحو عجلة التوجيه بدفعات خرقاء، وكان كفه وكم قميصه ملطخين لسبب ما بالتراب حتى السواد، ولم يستطع أن يمسك بعجلة آلية الرفع إذ اصطدمت أصابعه الملطخة بالطين كلـها كالميتة بالحديد.‏

صاح فلاديمير وهو يرمي القذيفة في الخزنة جاثياً: "- ماذا؟ ماذا؟ ماذا يا إيليا؟"‏

همس إيليا بصوت مسعور أبح: "- ذخر. سننفق فيما بعد. فيما بعد..." وانحرف بهيكلـه كلـه مدوراً عجلة التوجيه بالتناوب، وضغط مستعجلاً جبينه على منظار الموجه وصرف بأسنانه وضغط زر الإطلاق.‏

دخلت الدبابات الأمامية البلدة، والتهمت الحرائق المنازل المتطرفة، وتدحرجت أعمدة الدخان الأحمر في الطرقات مع أرجوحة الشرار، وغمرت المنخفض، واقتربت من ردمية السكة الحديدية قرب بناء المحطة، حيث أخذت أشكال بشرية رمادية تذهب وتجيء في المزيج الناري، وتصادمت خطوط طلقات البنادق، وراح صهريج نفط في الطرقات خلف سطح مستودع البضائع يحترق مسوِّداً السماء بدخان كثيف، وهناك، قرب مستودع البضائع، صعدت الدبابات المنارة بالحرائق نحو السكة الحديدية، وعبرت الردمية، وخرجت إلى ضفة الجدول الأخرى مخترقة دفاعات مشاتنا.‏

... استطاعا إطلاق صندوقي قذائف على الدبابات. أصابهما الصمم من دوي الطلقات، ولم يسمع واحدهما أوامر الآخر، وراحا يخمنان غريزياً تقريباً دقة الإصابات ويسبان بأقذع كلمات الحقد مع اندلاع اللـهب القرمزي على دروع الدبابات، لكن هدوءاً لا يمكن تخيلـه قطع فجاءة دوي الطلقات. ضربت رشقات البنادق الآلية الآتية من الخلف واليمين جسم المدفع مصحوبة برنين متقطع. تنحى إيليا الجاثي على ركبتيه جانباً، ونظر بعينيه المضيقتين المبهورتين بخط الطلقة إلى الجهة التي انطلقت منها، وسقط في الحال ببطنه على الأرض بين الركائز مخرجاً مسدسه من قرابه، ووجهه غير معروف من الغضب الذي شوهه:‏

"- آ، الأنذال. التفوا من الخلف."‏

ثبت على الركيزة يده الممدودة، وأطلق بضع طلقات على التوالي باتجاه حركة الناس الجماعية فوق الجسر المقام من جذوع الأشجار، من حيث انطلقت الومضات النابضة، ولحظ فلاديمير في تلك اللحظة، في بريق الحرائق على الردمية، سلسلة من الألمان الذين تحركوا على امتداد السكة الحديدية نحو المعبر ناثرين حزم الرشقات، أما من الأسفل، من البستان، فصعدت على المنحدر ظلال راكضة، ودرزت نيران البنادق الطريق والجسر والردمية قرب المعبر وأحرقتها- تراقصت نيران الطلقات المنفجرة المتكاثفة، والمنهمرة بوحشية، بين عشب المنحدر وعبر السكة الحديدية ناشرة إعصاراً حاراً مميتاً- ولم يكن في الإمكان رفع الرأس.‏

"- لقد عزلونا يا إيليا. هل ترى؟"‏

تناهى إلى مسامع فلاديمير صوته الأبح المختنق: "- انتهى. حاصرونا، الأنذال. لننسحب. انتهى. عبر الجدول، عبر الجدول. نحو المحطة... اتبعوني..."‏

(1) نادينكا وناديا تصغيران لاسم ناديجدا (المعرب).‏

(2) الساموغون هو مشروب روحي منزلي الصنع (المعرب).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:32 AM   المشاركة رقم: 31
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


الفصل الثاني عشر




لم يتذكر تماماً كيف تسللوا إلى الجدول، وكيف تدحرجوا على الردمية إلى الأسفل، وكيف مكثوا هنا في المنخفض بضع ثوان بانتظار الباقين، وكيف نهض أحدهم بأمر من إيليا لمناداتهم ثم انبطح من جديد على الطريق وقد ضغطته على الأرض النيران المنطلقة من ثلاث جهات. وهنا، في المنخفض، وفي لحظة التقاط النفس هذه، رأى فلاديمير أخيراً أن كف إيليا اليسرى التي اصطدمت أصابعها على نحو خال من الحياة بعجلة توجيه المدفع قبل البدء بالإطلاق، لم تكن ملطخة بالوحل بل بالدم، وفهم أنه جريح. دس إيليا مسدسه خلف حزامه بعد أن جلس أرضاً ومزق بأسنانه كيسه الشخصي، وراح يلف معصمه بالشاش باستعجال. بدا وجهه في أثناء ذلك مشوهاً على نحو مأساوي، وأمر فلاديمير بإيماءة منه، وهو يتلوى، بأن يربط نهاية الشاش المتأرجحة، وشتم بكلمات سريعة:‏

"- تخدرت السافلة مثل الخشب."‏

وكان ذلك آخر صوت سمعه فلاديمير بوضوح مع أصوات الطلقات. سبح كل شيء في الصمم اللزج الرنان. رأى التلويح الآمر بالمسدس في يد إيليا اليمنى، ثم وجهي ديمين وكالينكين المضرجين بالـهالة والمتوترين، وعيونهما الجاحظة، والفم المصلوب باللـهاث على وجه المساعد لازاريف، الراكض على المنحدر بقفزات متعثرة، والتكشيرة الوحشية الحمراء كالدم على وجه الرقيب شابكين مع ومضات البندقية الآلية، التي كثيراً ما كان هذا الأخير يرميها نحو كتفه، ويرتد بطريقة ما جانباً بعد كل رشقة، منزلقاً على المنحدر نحو ضفة الجدول.‏

أما فلاديمير فكان يغوص في طنين الأجراس السابح والأصم تارة، وتارة يطفو فجاءة على فاصل الواقع المصم، وحينئذ كانت تنتصب في وعيه فجائية الليل القاسية، لكنه لم يشعر بقسوة هذه الظروف كاملة إلا بعد أن ركضوا كيلو مترين تقريباً في منخفض الجدول، وتسللوا إلى الغابة، فأوقفهم هنا إيليا جميعاً، مسنداً يده الجريحة، ولف الجنود بعينيه الكارهتين، وتكلم وهو يكاد يختنق:‏

"- هل معنى هذا أننا تركنا المدافع؟ نحن؟.."‏

صاح شابكين بصوت رطب وهو يمسح العرق عن عنقه بقبعته القماشية: "- أيعقل أيها الملازم أنك تريد الوقوع في الأسر؟ ولو تأخرنا قليلاً لـ-"هيند، هوه، بيتة" لقد دَحَرَنا الألمان.."‏

نطق ايليا والكراهية لم تنطفئ في عينيه: "- سفالة، سفالة، سفالة..."‏

بقيت أصوات المعركة خلفهم، لكن الإطلاق ودوي الانفجارات سرعان ما راحا يقتربان من الأمام واليسار، وحين تخطوا شريحة الغابة انكشف الحقل المخضوضر في هواء الفجر الرمادي، وانكشف المرتفع المغطى بأشجار الصنوبر وسط الغابة. وقفت هناك على الطريق، عند سفح المرتفع، مدرعتان مغبرتان، وراح الجنود غير البعيدين عن منحدر كتف الطريق يظهرون قرب سبطانات مدافع الـهاون المرفوعة إلى الأعلى ثم يقفزون مبتعدين لحظة الإطلاق. حلقت قذائف الـهاون مصحوبة برنين قاس في سمت السماء، ورفعت الانفجارات التراب في نهاية الحقل، حيث كان مشاتنا ينسحبون على شكل قفزات، وقد تخندقوا وتمركزوا على حدور المرتفع قرب الطريق السائرة خلل حقل القمح حتى المحطة نفسها. كانت البلدة المجاورة للمحطة، التي حاصرها الألمان ليلاً واحتلوها مع بزوغ الفجر، تحترق خلف حقل القمح هذا، وخلف السكة الحديدية، مغطية بالأدخنة السماء، التي بدأ الضوء يتسلل إليها، وراحت الدبابات من تحت هذه الأدخنة تتخطى ردمية السكة الحديدية بمربعات عريضة، وتزحف إلى مكان ما على يسار المحطة نحو طرف الغابة، وكانت الرشاشات الثقيلة ترمي من الردمية الحقل كلـه والمرتفع.‏

احتشدت قرب المدرعتين مجموعة من ضباط المشاة المتعبين، الذين نمت لحاهم خلال هذه الليلة الساهدة. كانوا يدخنون بنهم مصدرين الأوامر لجنود الاتصال، ويراقبون المحطة بالمناظير، وراح أحدهم، وكانت عيناه مدورتين على نحو رهيب، يصيح آمراً ومخرجاً يده من تحت حافة المشمع:‏

"- من هؤلاء الرجال؟ من أين؟" واندفع في الحال نحو إيليا بعد أن عرف رجال المدفعية، ونطق مندهشاً: "- آه، بطارية الفوج؟ أين المدافع إذن؟ أين المدافع أيها الملازم؟ يا للعجب، إلى أين تقود الناس؟ ألا تقودهم إلى نزهة في الجوار؟ أين المدافع؟"‏

تكلم إيليا بصوت مضغوط ما كان ليتكلم به من قبل على هذا النحو المهين أمام ضابط أعلى منه رتبة، وارتجفت ذقنه مع ارتجاف صوته: "- عليّ أن أقدم تقريري لقائد الفوج."‏

أنزل الضباط المشغولون بالمراقبة مناظيرهم، وحرفوا أنظارهم المليئة بالشك والعداء نحو إيليا ورجال المدفعية المتجمهرين، المهلـهلين والمتعرقين والمتنفسين بصعوبة والملوثين بالتولين المحترق وذوي النظرة الجائسة المقلوبة إلى الداخل، التي تظهر لدى من لا زال جلدهم يذكر نفس الموت الذي ألقى نظرة على أرواحهم- وانعكس منظر الجنود الرث وأحزمتهم المائلة وأغوار وجناتهم المغطاة بالشعر القصير الخشن على وجوه ضباط المشاة نفوراً غاضباً، وقال أحدهم بصوت مزقزق مصدراً حكماً ساحقاً:‏

"- تركوا المدافع وولوا الأدبار، الجبناء؟ هاتهم إلى المشاة أيها النقيب غوجافين، وبعد المعركة إلى المحكمة الميدانية."‏

شعر فلاديمير بالتشنج في حنجرته. لم يرغب في رؤية الجسد البشري لـهذا الصوت المزقزق، الذي أصدر حكمه بهذه اللامبالاة الخالية من الرحمة، وكأن كل شيء قد تغير منذ هذه اللحظة وخضع لقانون الحرب غير المكتوب، مجرداً حياتهم من كل قيمة في رمشة عين، ومعرياً أمام ضباط المشاة الغرباء شيئاً ما بشعاً ومعيباً ومذلاً، فلم يعد الآن في العالم ثمة تفهم أو غفران بعد الجريمة المخجلة المرتكبة.‏

أمر النقيب غوجافين: "- إلى المشاة. الجميع. ما عدا الضابطين. هيا إلى هنا."وأشار بعينيه الرهيبتين لـهم ليسيروا باتجاه المرتفع حيث تخندق المشاة خلف الطريق: "- ركضاً."‏

خطا إيليا نحو النقيب وقال، وقد ابيض وجهه: "- كلا. لن أعطيك رجلاً من رجالي ما لم أقدم تقريري إلى القائد..."‏

صاح غوجافين بصوت ثاقب، ورمى بحدة طرف المشمع وأسقط يده اليمنى على قراب المسدس: "- صمـ -متاً. سأسوقهم عنوة كالفارين إن فهت بكلمة واحدة."‏

زعق إيليا في جنونه الجائح، وكان واضحاً، احتكاماً إلى سحبه المسعور من القراب المفتوح للمسدس، الذي راح يرتجف بين أصابعه، وإلى تضييق شفتيه المزرقتين، أنه مستعد للمضي إلى أبعد حد في مقاومته الحانقة:‏

"- أنت أيضاً ـ صمـ ـ متاً."‏

"-ماذا قلت أيها الملازم؟ ماذا؟"‏

"- ما سمعته أيها النقيب."‏

أحس فلاديمير أن شيئاً ما لا يمكن تصحيحه سيحدث الآن بين النقيب غوجافين وإيليا، لكن كل ما عانوه ليلاً- مقتل جياد العربات والمدافع المصابة من قبل الدبابات عند المعبر وخروج ثمانية أشخاص، هم الباقون من البطارية، أحياء من الحصار- بدا كلـه في عيون ضباط المشاة هرباً، وإنقاذاً لا يغتفر للحياة، ثمنه هو المدافع المتروكة، وكانت مقاومة إيليا هذه في عيونهم محاولة تافهة لا معنى لـها للدفاع عن النفس.‏

قال النقيب متمهلاً، وبموافقة ساخرة لا مبالية:‏

"- هيا، هيا أيها البطل، قدم تقريرك للقائد. سيرشحك لنيل وسام على شجاعتك. ستحصل على تسعة غرامات لفتح الشهية أو سيعينك طليعياً في الكتيبة التأديبية كهدية. فلنذهب، سأقودكم إليه، فلنذهب. أيها البطل من مدينة الـهاربين. وتظهر الشجاعة أيضاً، يا مثقف المربيات. أنت- مقدام..."‏

قهقه غاضباً، وقفز من على كتف الطريق، وخطا صاعداً المرتفع حازماً لا يلين، منقلاً بمتانة وصلابة جزمته المصنوعة من جلد الكروم.‏

سار إيليا خلفه واضعاً المسدس في القراب، ومترنحاً بخفة وكأنه في فراغ اللاوعي، وراح العشب يحف مبللاً جزمته، أما ضباب ما قبل الصباح فكان يدخن وينساب خصلاً على المنحدرات ويتنقل بين الشجيرات بطبقات دخانية ممزقة.‏

لم تهدأ المعركة في الخلف، لكن المكان هنا، على المرتفع، كان مقفراً ومكفهراً، وغسل هواء الصباح الوليد الرطب والبارد والدبق وجه فلاديمير المتعرق، ولم يكف تشنج الغثيان طوال الوقت عن شد معدته بسبب من صمت النقيب السائر في الأعلى على المنحدر بصلابة ثأرية ومن انطوائية إيليا العابس، الذي راح يصرف بأسنانه ولم يلتفت مرة واحدة إلى الجنود المتخلفين بتهيب خلف ظهور الضباط. وظن فلاديمير أنهم يسوقونهم إلى الإعدام وأن أي شيء لن يساعدهم، وأن أي واحد منهم لن يقدر على تبرير الوضع الذي نشأ عند معبر السكة الحديدية وتلك الدقائق التي لم يعدها أحد ولم يعدها شيء حين عزل الرماة البطارية وحاصروها، وحين اضطروا إلى ترك المدافع المستهدفة عن قرب من ثلاث جهات... "ما هذا؟ ماذا حدث لنا كلنا؟ لم لم نبق نقاتل في الحصار ونستشهد هناك؟.."‏

****‏

وقفت على قمة المرتفع، وسط الأشجار، ثلاث سيارات "ويليس" وسيارة أركان خضراء فتح بابها الجانبي وتردد منها صوت التفريغ الكهربائي لمحطة الإرسال. راح أربعة جنود في قمصانهم العسكرية وأحزمتهم المفكوكة يحفرون قرب السيارات الخنادق الصغيرة المخصصة على ما بدا لضباط الأركان المتجمهرين فوق الخريطة المفروشة على جذمور، راح جنديا اتصال يضعان قربه جهاز الـهاتف ويؤرضانه. استقر بجانبهم على المشمع ثانياً ساقه تحته الرائد فوروتيوك النحيل، ذو الوجه المدبب والصدغين الأشيبين. كان يلتهم باشمئزاز شطيرة من خبز جاف أبيض مدهون بالزبدة، ويحتسي بعدها باشمئزاز أيضاً الحليب من كأس حديدي، رامياً باتجاه الضباط عينيه النافذتين، البنيتين، المغروستين بجانب أنفه المعقوف مما أضفى عليه هيئة باشق تثير في النفوس الرغبة في تفادي حدقتيه. جلست على مقربة شقراء مزيحة ركبتيها المتوترتين والمفتوحتين بسبب من تنورة الجوخ المشدودة الضيقة، وبدت هذه الممرضة الفتية من الكتيبة الصحية وكأنها مكونة كلـها من عظم أبيض ثمين. كانت "الصديقة الجبهوية" لقائد الفوج، كما يقول الضباط الآخرون، والأدق- زوجه، التي أحبها الرائد من غير وعي، واصطحبها معه أينما حل من غير أن يخجل من تأنيب القيادة. لقد غفر الكثير للرائد فوروتيوك، الضابط المنفذ الأشجع في الفرقة، الذي كانت كتائبه تحمل على عاتقها دائماً الصليب العسكري الأثقل (احتلال المرتفعات، عبور الأنهار الأولي، الاستطلاع بالمعركة) خصوصاً وأن مرض القرحة كان يتيح لـه من غير أية عوائق أن يستلقي في المشفى للعلاج، وهذا ما كان يأبى فعلـه حتى في فترات الـهدوء.‏

كانت شفتا فوروتيوك المستويتان ملوثتين بالحليب، إذ راح يشربه من الكأس غير راغب فيه كالدواء. تناولت الممرضة الشقراء فطورها أيضاً، مسبلة أهدابها بصمت تحت النظرات المسترقة من قبل الجنود الشبان الذين كانوا يحفرون الخنادق، فراحت تقضم قطع الخبز الجاف بصوت غير عال غامسة إياها في صحن العسل، الذي وضعه مساعد الفوج المهموم على المفرش الملقى وسط المرج وغير العادي باتساعه النظيف على العشب، وبطعام الحمية- الحليب والزبدة والخبز الجاف- الذي استمتع به الرائد فوروتيوك.‏

لم يلتق فلاديمير مرة واحدة في مثل هذه الحال بقائد الفوج المشغول بفطوره على نحو اعتيادي، في الوقت الذي كانوا ملزمين فيه بأن يقدموا لـه تقريرهم عن معركتهم الليلية الفاشلة عند معبر السكة الحديدية، وعن المدافع الثلاثة التي تركوها في وضع لا مخرج منه- وسرت برودة الخطر الداهم في ظهره الرطب، في تلك اللحظة توقف النقيب غوجافين أمام مدى المفرش الأبيض مخرجاً يده اليمنى من تحت المشمع، وبدأ يدلي بتقريره بغضب حازم لفوروتيوك. رمى الرائد عينيه الكاسرتين الثاقبتين على إيليا ثم نقل نظرته إلى مجموعة رجال المدفعية المستمرين بترقب مذنب، وراحت تتوهج في هذه النظرة المفترسة المصوبة حدة معدنية لا تعرف الرحمة. حينئذ خطا إيليا المنفصم عن ذاته خطوة للقائها، وتكلم على نحو أصم:‏

"- أيها الرفيق الرائد.."‏

نطق فوروتيوك بصوت أجش دقيق يكاد لا يفهم، ووضع كأس الحليب على المفرش قرب كومة الخبز الجاف: "- اصمت. ستجيب حين أبدأ أسألك. لقد عينتك قائداً للبطارية أيها الملازم رامزين فارتكبت خطأ. هيئتك هيئة خيّال أما روحك فروح أرنب. ماذا، هل ركضتم حتى التصقت سيقانكم بأدباركم؟ ولم تطلق النار على جبينك للخلاص من العار؟" دلك بأصابعه الطفولية بطنه، حيث راح الألم على الأرجح يزعجه، وصمت غارزاً حدقتيه الحادتين في وجه إيليا: "- هل تعرف جيداً ماذا يفترض بالضابط الفار من ميدان المعركة أن يفعل؟"‏

استقام إيليا باستعداد، ووقف صامتاً أمام الجميع، على بعد ثلاث خطوات عن قائد الفوج، وكان ملحوظاً كيف توتر لوحا كتفيه تحت قميصه المتشبع عرقاً حتى آخر خيط فيه.‏

كرر فوروتيوك بصوت دقيق قاطع وهو يطعن بناظريه فلاديمير، ثم مجموعة رجال المدفعية:‏

"- وأنتم، أنتم، يا آلـهة الحرب، هل عرفتم جيداً ماذا يفعلون بالفارين؟ هل عرفتهم حين هربتم من عند المدافع أنكم لم تعودوا محاربين بل موتى؟ هل عرفتم أنكم سترسلون إلى الشيطان كجبناء فارين وفاقاً للأمر مائتين وسبعة وعشرين؟ فأي طلقة أحلى- الألمانية أم الروسية؟ لقد اعتبرت أنكم استشهدتم كالأبطال.. كالأبطال. أطلقتم القذائف كلـها واستشهدتم تحت جنازير الدبابات، ولم أظن أنكم ذهبتم، أنكم هربتم... آه، أيها الجبناء، أيها الجبناء."‏

لفظ الكلمات الأخيرة بأسف متقزز، بيد أن كل شيء في هيئته- في قده النحيل الشبيه بقد صبي أشيب، وفي صدره البراق كلـه بالذهب والفضة وفي وجهه المدبب نحو الأسفل- كان راسخاً ومشحوذاً وبارداً.‏

"- هل تسمح أيها الرفيق الرائد بقول الحقيقة كلـها؟"‏

"- ومن هذا أيضاً؟ أية حقيقة أيضاً؟"‏

"- ما كنا لنذهب أيها الرفيق الرائد لو لم يأمرونا..." تردد صوت ثقيل متقطع بسبب من التنفس الكثيف، وخدش إحساس مفاجئ بمصيبة حتمية صدغ فلاديمير بمخالبه الخانقة، وارتد في رأسه على شكل ضربات: "ماذا يقول لازاريف؟ عم يتحدث؟ عن أي أمر؟": "- لولا الأمر لوقفنا حتى آخر فرد فينا، ولما سمحنا بمرور الدبابات نحو المحطة. لكن أمر الضابط قانون للجندي..."‏

قاطعه الرائد فوروتيوك بصيحة نافدة الصبر: "- من تحديداً أصدر الأمر بترك المدافع؟ من تحديداً؟"‏

طن لازاريف طائعاً: "- ما كنا لنذهب أيها الرفيق الرائد. ليست المرة الأولى التي نصد الدبابات فيها. الملازم رامزين هو الذي أمر إن أردت الحقيقة كلـها..."‏

تفتتت في الأسفل انفجارات قذائف الدبابات مخمدة برنينها الـهادر أصوات رشقات الرشاشات. أما على أطراف المرج فتصاعد فوق العشب ضباب خفيف، واقتلعت غرابة المفرش النظيف كالثلج، الممدود على العشب لسبب ما، وكومة الخبز الجاف، والقدر المملوءة بالحليب الضارب إلى الزرقة، والقد الصغير الواضح لفوروتيوك الجالس بساقه المضمومة، وأهداب زوجه الشقراء المسبلة بحصانة، وقد كفت عن قضم الخبز الجاف، وهذا الصوت الغليظ والخشن والوقح بعض الشيء الصادر عن المساعد لازاريف المتعطش، كما بدا، للعدالة والحقيقة، فلاديمير من حال التسمر بقوة الخطر غير المنتظر، ولم يستطع أن يميز بوضوح كاف لازاريف الذي تقدم إلى الأمام، ربما لأن عينيه، اللتين فتك البارود المحترق بهما، قد آلمتاه، همد مبللاً بالعرق كلـه وملطخاً بالوحل حتى الحزام (اضطروا إلى الركض أول الأمر عبر ضفة الجدول الضيقة) على بعد ثلاث خطوات عن المفرش في وضع الاستعداد، وقد تدور منخراه الشريران.‏

سأل فلاديمير ببطء غير فاهم: "- عن أي أمر تتحدث؟ لم أرك قرب المدافع حين رحنا نقصف الدبابات..."‏

رفع لازاريف طنين صوته الغليظ، وفي الوقت نفسه، حاول متزلفاً أن يستحوذ بوجهه كبير الوجنتين على اهتمام فوروتيوك: "- اسمح لي إذن أيها الرفيق الرائد أن أقول الحقيقة كاملة، لا تسد فمي. لو لم يقض الرفيق الملازم رامزين... أرجو المعذرة أيها الرفيق الرائد، لو لم يقض ليلة حب مع المرأة لتسنى لنا أن نشغل الموقع الناري على الردمية، ولفتحنا النيران المباشرة على الدبابات... تأخرنا في إطلاق النار."‏

قاطعه فوروتيوك مرة أخرى كاشفاً عن أسنانه الدقيقة السكرية، ورنا بنظره نحو وجه زوجه الشابة المتورد متكدراً من شرح لازاريف: "- أية امرأة أيضاً؟ بم تهذي أيها المساعد؟ من أين ظهرت المرأة في بطاريتكم؟"‏

نفخ لازاريف صدره العظيم بالـهواء، وأجاب بنبرة مخفضة مليئة بالبساطة البريئة:‏

"- امرأة شابة كانت في المنزل قرب نقطة مراقبتنا أيها الرفيق الرائد. بدأ بينها وبين الملازم رامزين حب. هجم الألمان ولم يكن الملازم رامزين في نقطة المراقبة. كان يمرح مع المرأة في مقلب القش..."‏

برق في رأس فلاديمير المندهش من صمت إيليا: "إنه يفتري على إيليا." أما هذا الأخير فظل واقفاً كالسابق في مقدمة الجميع ضاماً عقبي جزمته من غير حراك، وشاداً كتفيه ومتحجراً في هيئة نظامية لضابط أنموذجي مدرب ومذنب أمام القيادة العليا.‏

تكلم فلاديمير بصوت فاقد القوة ولا شكل لـه كصوت الـهذيان، حين تصطدم الصرخة المندفعة تلقائياً بالحنجرة، لكنها تخرج على هيئة صوت ضعيف: "- أي هراء... أنا من كان مع المرأة وليس الملازم رامزين." تحدث فجاءة بمرونة محلقاً كالمغمى عليه إلى الحدود السماوية الخارجة عن السيطرة للجسارة الملتهبة اليائسة، وواعياً لا بعقلـه وإنما بخجل ضرورة قول الحقيقة إن لم يكن لأجل شيء فلأجل فكرة أنه قد يخون إيليا والماضي وموسكو والمدرسة وكل ما بينهما، وموافقاً على العار الذي سيلحق به وعلى أقصى حدود عقاب الذات الصادق، فتابع فلاديمير شاعراً بالألم المدمر في صدغيه: "- كان الملازم رامزين في نقطة المراقبة في المنزل، أما أنا فكنت... أنا من كان عند مقلب القش. حين بدأت المعركة أمرني الملازم رامزين بأن أضع المدافع في موقع جديد ضد الدبابات. لم يكن المشاة موجودين أمامنا... بدأ الألمان الـهجوم وفتحنا النار عليهم. المشكلة ليست في التأخير... قتلت جياد عربات الجر. حاصرونا عند المعبر. ما شأن المرأة هنا؟"‏

شرع لازاريف يتحدث حديث حق مبرهن لرجل مقتنع بقدسية ما يقولـه وصحته، وقد خطا في أثناء ذلك خطوة نحو فوروتيوك: "- اسمح لي بالتكلم أيها الرفيق الرائد. لست ضابطاً أيها الرفيق الرائد وقلَّ ما يصدقني أحد، غير أن الملازمين زميلا دراسة، وقد استخدما المرأة معاً أيضاً، أرجو المعذرة، لم أشأ أن أتحدث عن هذا... لكن كلماتي بدت وكأنها كاذبة أيها الرفيق الرائد. أريد أن أقول، وأقسم أن لا ذنب للجنود هنا، كان أمر الملازم رامزين- وتركنا المدافع..."‏

سألـه فوروتيوك بهمس حار: "- إذن فقد نفذتم الأمر؟ هربتم؟ اتركوا المدافع؟ اهربوا؟ اسمحوا للدبابات بالوصول إلى المحطة؟ هاكم، انظروا أين هي... انظروا إلى هنا سريعاً. انظروا جميعاً يا أولاد الكلب، يا رجال المدفعية التيوس." زعق، ونهض على قدميه، فبدا قصير القامة في جزمة أنيقة من مشمع التاربولين، وتموج ستار الأوسمة على صدره، وانحرفت شفتاه المستويتان: "- من كان عليه أن يوقفها؟ المسيح؟ من؟.."‏

"- أيها الرفيق الرائد... الأول يطلبك... قائد الفرقة..."‏

انتزع فوروتيوك مستثاراً السماعة الممدودة من يد جندي الاتصال: "- الأول؟" وتكلم مطلقاً زفرة: "- الرابع يسمعك." بدأ يمسد بطنه بعصبية، وصار وجهه النحيل أكثر حدة، واكتسب مسحة ضاربة إلى الصفار، وكرر بصوت رخيم: "- تماماً أيها الرفيق الأول، سأقوم بالـهجوم المضاد. ساقوم بالـهجوم. بطارية مدفعية الفوج استشهدت في التسديد المباشر فاقتحمت الدبابات المحطة. هذه خطيئتي وسأكفر عنها. اسمح لي بأن أطلعك على الموقف بعد ساعتين أيها الرفيق الأول؟"‏

صار المرتفع مرئياً بوضوح كلـه في الـهواء الشفاف في فجر ذلك اليوم من أيام شهر تموز، وكذلك المرج المبلل والأشجار والخمائل والضباب السابح متموجاً فوق العشب البارد، أما في الأسفل، في تلك الجهة، إلى حيث هبطت مسرعة أشجار الصنوبر على المنحدر الشديد، واتحدت في المحطة أدخنة الحرائق التي أفقدها الصباح لونها، وتنقلت متدحرجة ضربات الانفجارات المتكررة، وبرزت الدبابات الألمانية سوداء ومحدبة بين المنازل المحترقة، وانغرز في الآذان مع دوي المحركات صوت الرائد فوروتيوك الدبق بعد أن أنهى الحديث مع قائد الفرقة:‏

"- من كان عليه أن يوقف الدبابات إذن؟ فجل فيل البحر الحار، أم فيل البحر من غير الفجل الحار؟ أسألك أيها الملازم، من؟ أنا؟ قائد الفرقة؟ قائد الجيش؟ أسألك، من؟ هل يعقل أن لا يوجد بينكم ماتروسوف(1) واحد؟ كان عليكم أن تلفوا أنفسكم بالقنابل وترموها تحت الدبابات ما دام لم يكن أمامكم مخرج آخر." امتصت عيناه المغروستان قرب أنفه إيليا، وصارتا وحشيتين وشديدتي العزم ومشوهتين، وقد ملأهما الغيظ: "- آه منكم يا أبطال فوجي. حاصركم الصعاليك الألمان أما أنتم فحملتم سيقانكم بأيديكم ووليتم الأدبار؟ أنقذتم حياتكم الثمينة؟ لم أنت صامت يا قائد البطارية؟ (وقف إيليا منتصباً كالحجر) إليك إذن أمري أيها الملازم، واسمعني بانتباه إن كنت تريد أن تعيش. عودوا جميعكم إلى المدافع. استطعتم أن تتركوها وستستطيعون استعادتها. افعلوا ما يحلو لكم- هاجموا، استردوها خلسة، أخرجوها أجزاء أجزاء من الحصار. افعل ما تريد يا قائد البطارية، المهم أن تكون المدافع في الفوج، أن تكون مثل الزوج الشاب يوم السبت. أن تكون هنا عند المرتفع. إن لم تسترد المدافع فستذهب إلى المحكمة العسكرية. ستذهب أنت تحديداً يا قائد البطارية، والجميع معك. أنت المسؤول عن كل شيء. هل كل شيء واضح أيها الملازم؟ اذهب وفكر أية طلقة أحلى، طلقتنا أم الألمانية. اذهب، سر من هنا. خذ الرجال وسر."‏

شق الـهواء بيده قاطعاً بهذه الإيماءة أي حل ممكن آخر، ففكر فلاديمير في تلك اللحظة أن فوروتيوك لن يقف أمام أي شيء في سورة غضبه وإدانته البطارية التي لم توقف الدبابات عند مشارف المحطة المستولى عليها بنجاح قبل يومين من قبل فوجهم.‏

قالت الممرضة الشقراء: "- على رسلك أيها الملازم." ونهضت نحيلة مقطبة، وأمسكت إيليا من مرفقه، ونظرت إلى الضماد على كفه: "- اصبر، سأضع لك شاشاً نظيفاً وإلا فسيصيبك الكزاز."‏

حرر مرفقه من غير أن يجيبها.‏

كرر فوروتيوك باهتياج وهو يمسّد بطنه، وكأن نوبة القرحة كانت تثيره، لكن ما كان يثيره أيضاً هو استمرار إيليا في صمته متخذاً هيئة الضابط النظامي المدرب جيداً: "- هل الأمر واضح أيها الملازم؟ واضح؟ إذن تذكر أيها الملازم، إن لم ترجع المدافع فسأقدمك كفار وجبان أمام محكمة سريعة. أسألك، هل هذا واضح؟"‏

قال إيليا بغيظ هادئ مجنون، ولم يتضح إن كان يضحك أم أنه راح ينشج ذارفاً الدموع المحصورة في حلقه: "- واضح، لكنني لا أرغب في أن أمنحك هذه المتعة، أنت تحديداً أيها الرفيق الرائد."‏

نظروا نحوه جميعاً.‏

لم يصدر عن إيليا صوت واحد زيادة. استدار بحدة آلية وكأن نابضاً اشتغل في داخلـه، وهنا صار مرئياً وجهه المخيف بسكونه الجليدي، المشدود على عظميه الوجنيين، الذي فقد سمرته المعهودة وخلا من كل قطرة دم، وأضحى شبيهاً بوجه من حكم على نفسه بالموت ميتة القديسين المعذبين- وحين سار بسرعة مبتعداً عن فوروتيوك شمخ برأسه لتجد نظرته جسم لازاريف فأزاحه جانباً بدفعة حقد كأنها دفعة من يده.‏

تكلمت الممرضة بنصف صوتها موجهة كلامها غير الخالي من الادعاء لفوروتيوك: "- هذا المساعد مقرف. ألا ترى أيها الرفيق الرائد أنه يكذب؟ إنه يكذب مثل حصان رمادي مخصي."‏

نطق فوروتيوك: "- أن يموتوا كلـهم أبطالاً حتى آخر فرد فيهم أفضل من أن يتحللوا في الأرض جثثاً. لا يغير شيئاً أمر من منهم الكاذب... تركوا الدبابات تمر- فليغسلوا ذنبهم بالدم، بالدم..."‏

قال إيليا بصوت أبح: "- اتبعوني." وتحرك خلفه كل من انتظر هذا الأمر وخاف منه، عائداً عبر هذا المرج والمنحدر المغطى بالأشجار إلى الأسفل، إلى حيث راح هدير محركات الدبابات يمزق كتل الضباب ويجزئها ويهزها في المنخفض، وراحت رطوبة الـهواء المهشم الزاحفة تغرق الوجوه في برد تقشعر لـه الأبدان.‏

أشار الضابط في المشمع، النقيب غوجافين، الذي راح يقضم غاضباً عشبة في أثناء الحديث، باصبعه داعياً لازاريف، وانحدرا متخلفين عن الجميع.‏

(1) ماتروسوف أحد الأبطال السوفييت المشهورين (المعرب).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:34 AM   المشاركة رقم: 32
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


الفصل الثالث عشر




ركضوا في الغابة على امتداد خطة الجبهة أول الأمر، ثم ساروا من غير أن يتوقفوا أو يقوموا باستراحات قصيرة لالتقاط النفس. تدحرجت من اليمين باستمرار كالعجلات أصوات المعركة غير البعيدة، وأحياناً كان ينهال على طرف الغابة هدير الانفجارات. أما من اليسار فكان الـهدوء الصباحي يرد بدوي الصدى في الأدغال الضبابية.‏

خطا إيليا في المقدمة ويده معلقة بالحمالة إلى عنقه، وكان وكأنه يسير على نابض، من غير أن يصدر أوامر أو يحث الآخرين أو يلتفت نحوهم. اسود قميصه العسكري على لوحي كتفيه ببقع العرق، والتصقت طبقات أوراق الشجر بالطين الجاف والغبار المسود على جزمة التاربولين التي كانت جديدة حتى أمس، وراح قراب مسدسه المفتوح يشتبك باستمرار بالشجيرات ويتأرجح على فخذه الأيمن مبيناً مقبض المسدس.‏

سار فلاديمير خلفه شاعراً بثقل خانق في هدوء إيليا المنيع هذا، وفي الانفراد الصامت لكل من سار خلفهما صاغراً ومنصاعاً لأمر فوروتيوك، الذي أهداهم بضع ساعات من الحياة قبل القيام بمحاولة إخراج المدافع من الحصار. "كيف نخرجها؟ من غير جياد؟ بأيدينا؟ والألمان؟.."‏

وراحت جملة فوروتيوك، التي قالـها هناك، على المرتفع، لقائد الفرقة على الـهاتف، والتي أخبره فيها أن بطارية الفوج قد أبيدت، تتردد في وعيه ملحة ولجوجة، ولم يكن مفهوماً إن كان يحمي بجملته هذه عناصر المدفعية أم أنها سهلت عليه تبرير انسحاب كتائب المشاة وتبرير احتلال الألمان المحطة.‏

ناداه فلاديمير بصوت جاف: "- إيليا." ولحق به بعد أن سرع خطاه، وكلمه جاهداً: "- لا يمكننا العودة من غير المدافع، لكن لا لزوم لـهذا الجنون: لن نستطيع إخراج ثلاثة مدافع من الحصار على ظهورنا. ماذا سنفعل؟"‏

قال إيليا بنبرة باردة خالية من الحماسة، وأدهشت فلاديمير ابتسامته العريضة التي غضنت وجنته السابحة في العرق: "- سنموت. أية طلقة أحلى؟ الألمانية أم الروسية؟ أ؟" ردد كلمات فوروتيوك التي لم تخرج من رأسه على الأرجح: "- لا، لا يحتاج إلينا أحياء. لقد أخبر القيادة أننا قضينا أبطالاً مداسين بالجنازير، ولذلك احتلت الدبابات المحطة. موتنا هو تبريره يا فولودكا. فوروتيوك لا يتراجع أبداً. لقد متنا مع المدافع. هل فهمت؟"‏

"- أفكر في هذا أيضاً."‏

"- كل شيء واضح مثل اثنين ضرب اثنين يا فولودكا. لقد دفنونا."‏

شد إيليا في الحمالة كفه الأيسر المضمد بالشاش الوسخ، ومسح العرق عن وجنتيه بحركة حادة من قبضة يده اليمنى، وأزال شعره القطراني الملتصق بجبينه تحت حافة قبعته، التي كانت مرتبة حتى وقت قريب، لكنها الآن متسخة، ثم التفت بحدة إلى الخلف فجاءة ونظر إلى الجهة التي صدرت منها صيحة بحاء:‏

"- أيها الملازم، أيها الملازم."‏

أوقفت هذه الصيحة الجميع، والتفت الناس وهم يتنفسون بضيق وقد أجفلـهم الخوف من أن أحدهم، كما هو واضح، قد اكتشف الألمان في مكان ما وراءهم، فتصلصلت أسلحتهم استعداداً للفعل الأخير، وانطلقت الأصوات الصاخبة:‏

"- من هناك؟ من يصيح؟ هيه، ماذا؟..."‏

انفصل في الخلف آخر جنديين، واتجها يساراً نحو أشجار حرج الجوز. راح الرقيب شابكين المكتنز مثل الفطر يدفع بوحشية، من الأعلى إلى الأسفل، بسبطانة بندقية آلية ألمانية لازاريف من بطنه آمراً إياه ومهدداً: "- اليدين إلى الأعلى، اليدين إلى الأعلى." أما هذا الأخير فرفع يديه كمن يتصنع الخوف، وتكلم بصوت صدري غليظ وخشن مصحوباً بقهقهة حذرة نصف مداهنة:‏

"- اضغط، اضغط الزناد. هات رشقة. أهلكني ما دمت يسوع القديس وتعرف الحقيقة، وما دامت الحقيقة حقيقتك مثل سروالك فهي تغطي مؤخرتك العارية."‏

صاح شابكين مرتجفاً غضباً وغارزاً بقوة أشد سبطانة البندقية في بطن لازاريف: "- أيها النذل الوضيع. أيها القحبة الخائنة. بم ملأت رأس الرائد؟ نلت الحظوة؟ وشيت بالملازم أيها الجاني القذر؟ وشيت بنا جميعاً؟ أيها الأخوة. تعالوا إلى هنا." أمرهم شابكين بذلك، ونظر بعينيه الزرقاوين الملتهبتين إلى رجال المدفعية المتوقفين: "- تعال إلى هنا أيها الملازم. دع هذا الكلب يقل للجميع لماذا وشى بنا؟ دعه يقل..."‏

لم يتحرك أحد من مكانه. وقفوا جميعاً متحفزين وصامتين، متنشقين الـهواء وملتفتين جانباً بضيق. لم تكف المقدرة أياً منهم على إهدار ما بقي من قوة على هذا الحقد الثأري، الذي احترق شابكين بناره بعد أن فهم فجاءة ما حدث على المرتفع. كان وجهه الصبياني، المرح دائماً، والمتلقف لأي مزاح، مشوهاً، وتدحرجت قطرات العرق الضخمة على جبينه واستقرت عند حاجبيه المثنيين وقد صاح بحنق شديد:‏

"- قَتْلُ هذا السافل قليل أيها الملازم. لقد وشى بك وأساء إليك يا قائد البطارية. أراد أن يثأر منك وأعرف لماذا. أراد أن يسافر إلى الجنة على حدبة غيره، السجين الملعون. تبين أنه الأشجع بيننا، منعه الأمر من أن يرمي نفسه تحت الدبابة. إلى الأعلى، يديك إلى الأعلى وإلا سأفرغ الطلقات كلـها في بطنك أيها الكلب الأجرب."‏

وراح في سورة حنقه هذه وفي الحبور المستثار بالحقد يضغط سبطانة البندقية مثل الحربة في بطن لازاريف، لافاً الزناد بإصبعه المتأهب. ("من أين لـه هذه البندقية؟ وأين قربينته الألمانية؟") أما لازاريف المضغوط بظهره على شجرة الصنوبر، رافعاً يديه على نحو أخرق، فلم يحد بنظره المقيد على نحو مقفر عن الإصبع المعقوف، الذي تراءى لـه آخذاً في الضغط أوضح فأوضح على زناد الإطلاق، وحاول مرتجفاً أن يكسو وجهه شيء من تفوقه المعهود لاهثاً بكلمات مدعوكة:‏

"- إنه حاميك يا قائد البطارية. اغمز لـه- فيقتلني... ويدخل الفرحة إلى قلبك. يجبرني مثل الألماني على أن أرفع يدي. ينبغي تقدير أمثالـه. يدك، أنت نفسك، تؤلمك..."‏

أصدر إيليا أمره الجاف الرنان، الذي اخترق صمت الغابة بصوت الصدى الصفيحي المقتضب:‏

"- دع هذه الجيفة يا شابكين."‏

وتفحص بعينيه الضيقتين لازاريف ووجهه المشعر ضخم الوجنتين وصدره ذي العضلات البارزة والوشم البنفسجي البادي من خلف ياقة قميصه العسكري المفكوكة والجزمة على قدميه المتينتين. تفحصه على مهل، ثم قال بفتور تقريباً لشابكين، الذي لم ينزل البندقية فوراً:‏

"- سيكون لدي متسع من الوقت لأختبر شجاعته."‏

كان في صوت إيليا المكبوح هذا تأجيل راسخ للحساب، مغطى بانعدام الحماسة الظاهري، وشعر فلاديمير هنا أنه لا يعرف إيليا معرفة تامة على الرغم من كل شيء، ولا يعرف عناده الحقود والمتأنف.‏

قال إيليا بصرامة حين تحركا من جديد عبر الغابة في مقدمة سلسلة رجال المدفعية المترامية: "- أراد الغبي أن يغرقني أمام فوروتيوك. يا لـه من أحمق، يا لـه من حثالة خطرة." ودفع بإيماءة حادة القراب المفتوح مقرباً إياه من فخذه، وتكلم بالصرامة السابقة نفسها: "- أرجو من اللـه شيئاً واحداً: أن أتمكن، إن حدث شيء ما، من أن أطلق نحوه رصاصتين، ورصاصة لي." ضحك مظهراً أسنانه البيضاء المتلاصقة: "-لا، لن أدع هذا الساقط يسير منتصرا فوق الأرض."‏

شتم فلاديمير المصدوم بضحك إيليا الخشبي المتقطع: "-فلتذهب إلى الشيطان لن يساعدنا رجاؤك في إخراج المدافع".‏

قال إيليا: " -كل شيء" جائز."‏

كمن خلف سواد عينيه البراق تعبير الحزم، التعبير الذي ظهر عليه بعد الشروح المهينة أمام الرائد فوروتيوك على المرتفع. بدا هذا الإيليا غير معروف، مسحوقاً، متهماً بالجبن والفشل كضابط لم يكن جديراً بمنصبه الجديد، وبدا جور قائد الفوج المذل، الذي لم يرغب في أن يعرف أية أسباب، والشعور بالذنب الشخصي لأنهم لم يستطيعوا إيقاف الدبابات في موقع معبر السكة الحديدية، والغضب من فوروتيوك لأنه أبقى هذا الموقع عارياً ولم يغط البطارية لا بسرية مشاة ولا بجماعة منهم، والأمر المستحيل بإخراج المدافع من الحصار، وهذه العودة إلى مكان المعركة الليلية، وكأنها مجتمعة قد قوضت شيئاً ما في إيليا وقلبته. وانتقل بالـهول الرمادي المنتصب في عينيه وتعبير الحزم على القيام بأي عمل من أجل استعادة احترام الآخرين لـه والبرهنة على أحقيته به إلى فلاديمير كتيار عصبي بارد وحدّه مع إيليا في خروجهما معا إلى ظلام الخطوة الأخيرة اللا محدود، حيث لا زال يحتمل وجود أعجوبة وتوفيق ومصادفة قدرية من نوع ما. لكن كل شيء في إيليا صار يوحي بالتنائي، وانبعثت منه الحدة الشريرة المنفرة حين قال فجاءة وهو يضحك بكراهية ضحكا متقطعا:‏

"-انظر إلى الخلف. أين يسير لا زاريف؟ لا أريد أن ألتفت.. كم كل شيء بليد يا فولودكا، كم كل شيء بليد..".‏

خاف من الالتفات لأنه لم يشأ، على الأرجح، أن يروا وجهه غير العادي، المشوه بالرجفة، وبهذا الضحك المفروم والمنتحب، وأسنانه المطبقة حتى شرعت تصرف، لم يقدر إيليا على تمالك نفسه، وجعلـه الشيء الجديد غير المعهود في هيئته، التي فقدت الثقة المتساهلة بالنفس، غريباً وأكبر من سنه ببضع سنوات.‏

كرر إيليا أمره بصيحة مهتاجة: "-قلت لك انظر إلى الخلف. أين لازاريف؟‏

"-سار خلفنا. ما لك ولـه يا إيليا؟"‏

"-أقول لك انظر".‏

لم يسمح لـه العرق الحار على حاجبيه بأن يرى بدقة شمس تموز الصاعدة خلف الغابة والتي تخللت مشعثة ذرا الأشجار، فظهرت جذوع الصنوبر من الضباب الآخذ في الزوال سوداء بسبب منها، وانتشرت في كل مكان فوضى ألوان قطرات الندى البكر المشعشعة- على العشب وعلى الأوراق وعلى خضرة حرج الجوز المعتمة. انبعثت من الغابة شرارات حية متحركة في كل مكان، وخيل لـهم أن رنينا نحاسياً قد فاض وسبح عبر الشجيرات المبللة، ووسط هذا الرنين المتمهل وهدير الانفجارات البعيدة والرائحة القابضة المنبعثة من أوراق الشجر الرطبة الملتصقة بالجزمات المغسولة بالندى رأى فلاديمير الثمانية الباقين كلـهم من البطارية، السائرين في الخلف في سلسلة مترامية، بقمصانهم المدخنة، وكان لازاريف آخرهم، وقد سار وهو يقضم جائعاً ثمار الجوز غير الناضجة التي قطفها في الطريق منتقيا إياها من قبعته القماشية ويبصق القشور بين قدميه.‏

قال فلاديمير مجهدا نفسه على أن يبتسم: "-يسير أخيراً ويقضم الجوز، الديك الرومي." ثم أضاف: "- إليك ما سأقول: لا تعر هذا الدنيء انتباها".‏

رد إيليا مفكرا بشيء ما: "-يسير أخيراً. حسنا، واضح" وسأل مضيقا عينيه وكأنه يقدر مسافة الـهدف: "-هل تعلم أنه يراقبني؟".‏

"-كيف يراقبك؟"‏

"-أوه، ساذج أنت، ساذج ولا أمل في إصلاحك، هل رأيت كيف راح ذلك النقيب غوجافين يهمس لـه؟ هل أعرت انتباهك إلى أنهما سارا معا؟".‏

"-وماذا في ذلك".‏

"-ساذج لطيف. ألم تفكر أبداً أين والدي؟".‏

"-ليس مهماً ما فكرت به. لقد خمنت شيئا ما في أقصى الأحوال".‏

"-أنت إنسان سعيد. تاريخ حياتك رائع."‏

"-كف عن التحامق يا إيليا."‏

أنزل إيليا يده اليمنى على كتف فلاديمير وعلى كتافيته المغطاة بسخام البارود المحترق:‏

"-إذن، اسمعني بانتباه يا فولودكا. إليك ما سأقول: لدي شعور جنوني ما.. أو توجس.. إن ظلّ احدنا حيا بعد هذه المعمعمة كلـها فلا ينبغي أن يكتب لأمينا أية تفاصيل محزنة. واضح."‏

"-قل شيئاً آخر عن اللـه.. أرجو اللـه"...".‏

قال على نحو متقطع: "-لا، انتهى كل شيء الآن. لا أريد التحدث في أي أمر.. كل شيء مقرف ومقزز. تخيل – يعتبروننا جبناء، أمر مقزز" وجذب الـهواء بفمه: -لكننا سنرى، سنرى .. وليساعدنا اللـه نفسه أو الشيطان أو ابليس أو الملاك أو الغواط.. هل فهمتني؟ هل فهمت؟ حسناً، فليذهب كل شيء إلى الجحيم، لن يحدث ما هو أسوأ من الموت. "قاطع إيليا نفسه وسأل بسخرية حادة: "-هل حدث شيء بينك وبين ناديا على الأقل؟"‏

"-أية ناديا؟ آه.. لا يا إيليا، لقد بدأت المعركة. "‏

"-أشعر بالحزن بسبب من براءتك ونظافتك يا فولودكا، يا صديقي...".‏

حفظ في ذاكرته إيليا أيضًا في تلك الساعات حين وصلوا أخيراً إلى ذلك المكان المعروف من الغابة حيث حفروا مخابئ عربات جر المدافع قبل يومين في المرج قرب الطريق المؤدية إلى معبر السكة الحديدية. ظلت مطبوعة هنا على التراب إلى الآن مجاري العجلات الثقيلة وآثار الحدوات المنقوشة على طبقة أوراق الشجر التي غطت الأرض. سمعوا هناك من ناحية طرف الغابة أصوات الألمان العالية ورنين المجارف والضحك، فسقطوا أرضاً تنفيذا للأمر، وزحفوا نحو الدغل، واستلقوا بين الشجيرات تحت أشجار الصنوبر حتى حلول الظلام، وحتى تلك اللحظة الفاصلة المقطوعة بأمر إيليا بأن يتبعه خمسة منهم (ناداهم هامساً، كلاً بلقبه، مبقيا تحسباً للظروف اثنين منهم للتغطية مع بندقيتيهما – الملازم فاسيلييف والملقم كالينكين)- وغاب الخمسة في الظلمة المخملية لتلك الليلة المليئة بالنجوم، وحينئذ رأى فلاديمير آخر مرة وجه إيليا الغاضب، المنشغل، الملتفت نحو الباقيين، وسمع آخر مرة حفيف أمره المبتعد: "شابكين ولا زاريف- إلى الأمام".‏

أما هو فانبطح مع كالينكين عند طرف الغابة، وراحا يتنصتان معاً إلى عتمة المنخفض الصامتة، إلى حيث راحت تشده برودة الجدول وطراوة بستان التفاح. كف العشب هناك عن الحفيف، وضج التراب الرطب قليلا تحت أقدام المبتعدين، وخيل لـه أن الخمسة قد ذابوا في عمق الفضاء الذي لا قاع لـه أمام السكة الحديدية، وغرق كل شيء هناك في صرير الجداجد المؤجج الذي شق الـهدوء حتى طال النجوم.‏

"أرجو اللـه.." تذكر فلاديمير كلمات إيليا غير المعتادة، ولم يعد يميز الآن، بعد أن ضغط أخمص البندقية على كتفه وغرز مرفقيه المتخدرين في التراب المبرّد إن كان الطنين في رأسه المصاب بالارتجاج أم أن ليلة ما قبل الموت هذه، والنجوم، والجداجد بصريرها الحديدي تملأ أذنيه، وراحت تتكرر في وعيه فكرة وحيدة: "لو نسحب مدفعاً كاملاً واحدا، سأؤمن حينئذ بالحظ السعيد. فليحالفنا الحظ، فليحالفنا الحظ، فليحالف الحظ..".‏

ترددت بعد ذلك في الأمام نقرة حذرة وطارت من المنخفض كرة نارية عمودية في السماء المليئة بالنجوم، وسمع صوت فحيح متصاعد باضطراد، وانهمر شلال الضوء الكيماوي من السموات على الأرض، ودفع مخرجاً من الظلمة ردمية السكة الحديدية والجسر المقام من جذوع الأشجار على الجدول المضاء بزجاج أخضر والمعبر مع حطام الحاجز المنكس، وتحدبات جثث الجياد المقتولة على الدرب، والعربة المنحرفة وشبح المدفع المخروطي المدفوع عن المعبر قرب المنحدر- التقط شلال الضوء ذلك كلـه وجرفه حاملاً إياه إلى هاوية العتمة المتكاثفة. نبح في الوقت نفسه، مع موجة الضوء التي جرفت الأرض، نداء مهدد آت من مكان ما في الأسفل‏

Halt. Wer ist do? Halt (1)‏

"لحظوهم؟ اصطدموا بالألمان؟ أم خيل لي بعد الارتجاج؟‏

Ha-a-alt…”‏

لا، ما عاد يشك في أن طارئاً قد طرأ هناك، في الأسفل، حيث قاد إيليا الجنود، لأن نقراً تناهى إلى مسامعه من جديد، وصار فحيح القنبلة المضيئة الشبيه بفحيح الأفاعي يتصاعد، وصخ في الأمام من جديد صوت ألماني "هالت"- ثم سقطت على الطريق قرب المعبر قنبلة يدوية، وانفجرت ناثرة ريشاتها البنية، وانطلقت رشقتان عموديتان من بندقية على ضفة الجدول الأخرى واصطدمتا بالمعبر ("إنهم هناك. على الضفة اليسرى. لقد عبروا الجدول") ولحظ فلاديمير في مسحة الوساوس الضوئية الخفيفة كيف بدأت أشكال محنية تخرج قافزة من بوابة البستان الخشبية، الذي أنير لحظة واحدة ببريق قمري بنفسجي، وركضت هذه الأشكال على الردمية نحو المعبر ملقية على الحدور ظلالـها المشوهة على نحو بشع ("الألمان. وناديا – ماذا حدث لـها؟ الألمان عندها...").‏

"-ماذا يحدث، ماذا يحدث.. اصطدام جنودنا بالألمان.. حلت نهايتنا.. لن نسحب المدافع الآن..." زحف كالينكين مطلقاً زفيرا ناشجاً، زحف بمرفقيه على التراب وعلى جذور الصنوبر الظاهرة، التي استلقيا عليها، وأدار وجهه الطويل المخيف لوعيه ما حدث نحو فلاديمير مجعدا شفته الشبيهة بشفة الأرنب.‏

صاح فلاديمير هامساً همساً مخنوقاً وشاعراً بهول ما يحدث الآن وما لا يمكن تصحيحه هناك، في المنخفض: "-اصمت" .ثم تكلم يائساً: -انتظر القنبلة المضيئة. هل ترى بوابة البستان الخشبية؟ أطلق عليهم ما إن يركضوا خارجين. سأطلق أنا على الردمية. "‏

"-ماذا يحدث، ماذا يحدث..".‏

"-كف عن هذا. انتظر القنبلة المضيئة ثم أطلق. "‏

لم يذكر كم من الوقت استغرق إطلاق النار، وكم مرة أوقف ضغط اصبعه المتحجر على الزناد خوفاً من أن يطلق القرص كلـه، وكم مرة أمر كالينكين بأن يقتصد في الطلقات كي لا يخرج من المعركة بسبب من حمية متهورة ويبقى إيليا من غير تغطية، أما في السماء فانفجرت القنابل المضيئة متوالية بسرعة، الواحدة تلو الأخرى، وتضافرت فوق ضفة الجدول، وسقطت خطوط طلقات البنادق المتصالبة، ودوت القنابل اليدوية الألمانية مستعجلة، وخيل لـه أنه سمع أصواتاً ما غير واضحة، روسية وألمانية، حملـها إليه الـهواء الذي امتلأ بإعصار الرشقات. خفق هذا الـهواء المصفر بأجنحته الخانقة حول رأس فلاديمير مسقطاً لحاء أشجار الصنوبر على كتفيه وظهره. انغرزت شظية خشبية صغيرة حادة كالإبرة في يده حتى سال دمه، فانتزعها غريزياً بأسنانه، شاعراً لحظة بمذاق الخشب القطراني. فهم هنا في اللحظة نفسها، بانتظار الضربة الساخنة، أن هذا علامة الموت الذي يتنفس في وجهه، وفهم أن الألمان قد أطلقوا عليهما النار من الردمية، وأن عليهما أن يغيرا الموقع من غير إبطاء. صاح مبلغاً كالينكين بأن عليهما أن يغيرا المكان، ونهض واندفع يساراً من وراء الأشجار على امتداد طرف الغابة. ركض قرابة العشرين متراً، ثم سقط بصدره على الجذور الغليظة، وانطرح إلى جانبه أرضاً مثل عدل ثقيل كالينكين اللاهث، وقد فاحت منه على نحو خانق رائحة التبغ المفروم المحروق الغامضة.‏

"-ماذا يحدث، ماذا يحـ...".‏

غص بنهاية الكلمة، وتشبث بكم فلاديمير ماداً نحوه وجهه المتجعد: سقطت في المنخفض آخر قنبلة مضيئة، وعمّ الـهدوء كل مكان. "النهاية؟ انتهى كل شيء؟ انتهى كل شيء هناك؟ أين إيليا؟ أين الآخرون؟ لماذا لا يطلقون؟".‏

سبح الـهدوء في الليل – سبحت في صمته الخفيف مرارة البارود المثيرة للقشعريرة، وتأرجحت بصدى بعيد وحسب سطور الجداجد الدقيقة، ولم تعد القنابل المضيئة تحلق في أي مكان. لكنه سمع بعد ذلك أصواتاً غريبة متيقظة على الجانب الآخر من المعبر، وأنيرت مصابيح جيب، وتحركت باتجاه الجسر مادة مجسات الأشعة على الطريق، وتوقفت في سلسلة، على ما بدا، عند حافة المنحدر نحو الجدول. صُوبت الأشعة إلى الأسفل، وراحت تفتش يمنة ويسرة. حينئذ فقط فهم فلاديمير من حركة المصابيح الباحثة والمزدحمة أن إيليا وجماعته ردوا على إطلاق النار من تحت المخبأ على الضفة، حيث رموهم من الأعلى بالقنابل اليدوية.‏

وقف الألمان على التلة وسلطوا مصابيحهم نحو الأسفل متفحصين على الأرجح القتلى الروس، وكانوا يتحدثون فيما بينهم من بعيد ويتهاتفون باهتياج مرح، ورغب فلاديمير، بعد أن تخيل إيليا المقتول تحت المنحدر على ضفة الجدول، وقد طعنه فجاءة يأس الكارثة في أن يصيح لكالينكين "أطلق النار، أطلق"- وتنشق الـهواء وكأنه يختنق ويبكي من غير دموع، وطوق بحقد الزناد الزلق باصبعه، وأطلق الرشقة المتبقية على السلسلة المحتشدة على حافة المنحدر. رمى البندقية بقرصها الفارغ بعد أن نهض، وابتعد راكضاً بضع خطوات ثم سقط بين الأشجار، وجذب وهو مستلق قراب المسدس عن فخذه مقنعا نفسه بصوت مسموع وهو يكاد يفقد الذاكرة: "يجب أن لا أهدر الطلقات كلـها الآن. ينبغي أن أبقي واحدة على الأقل...".‏

أطفأ الألمان المصابيح دفعة واحدة، وفتحوا النيران المضادة من غير أن يوقفوها قرابة العشر دقائق.‏

استلقيا منصتين الليلة كلـها عند طرف الغابة بانتظار أن يلتقطا صوت تلاطم ماء أو حفيف عشب في المنخفض أو صوتاً يناديهما من العتمة. كانا لا يزالان يأملان في أن يعود أحدهم. غلبهما النعاس مع بزوغ الفجر لافاً الدماغ مثل ستار ضبابي، وبدأت الأرض تتحرك منزلقة انزلاقاً انسيابياً.‏

حين أفاقا، وقد أيقظهما النسيم الرطب وبرد الصباح، كانت هرمونيكا تعزف لحناً واحداً في مكان ما غير بعيد، ورأى فلاديمير في الحال، بعد أن انتفض، وجه كالينكين المدعوك والمذعور وعينيه الـهالكتين، ثم رأى الألمان عند المعبر وسطح المنزل في البستان وذرا أشجار الحور المحمرة قليلاً بضوء الشمس المبكرة. كان كل شيء هادئاً، مسالماً، عادياً. الشمس تنشر الدفء في الشرق وجلس على حاجز الطريق المكسور والمسبل ألمانيان يرتديان مشمعين وعلى صدريهما بندقيتاهما، وقد أدارا ظهريهما وراح أحدهما يعزف على الـهرمونيكا (ربما انتزعها من شابكين المقتول؟) فيما كان الآخر يدخن لافاً رأسه بدخان السيجارة. سار الألمان أيضاً في البستان الذي ظل ندياً في ظلال المنخفض، وراحوا يتحدثون ناعسين، وصرّ مكبس البئر، ورن هناك الدلو على السلسلة، وتصاعد من خلف أشجار التفاح دخان ليلكي، وانتشرت في هواء الصباح رائحة اللحم المشوي اللذيذة. شعر فلاديمير بسبب من هذه الرائحة ومن طنين الـهرمونيكا بألم مر، وانقطعت أنفاسه، فقطب محاولاً التحرر من الخناق الكريه، وسعل وأنّ من غير أن يجد لنفسه مكاناً إذ كان الأسى اليائس يمزق صدره.‏

"هل يعقل ؟إيليا؟ إيليا؟ إيليا...؟"‏

بعد ذلك حل نهار قائظ تموزي على الغابة مرة أخرى وهناء كسول نشره الـهدوء الشمسي، والرائحة الدافئة المنبعثة من توت العليق الرخو، أما هما فسارا إلى حيث أرعدت انهيارات بعيدة، وكانت الغشاوة الساخنة المرتجفة تحجب من وقت إلى آخر الغابة والشمس والعشب، وتقفز في هذه الغشاوة وتتقاطع أشعة مصابيح الجيب الموجهة إلى المنحدر عند ضفة الجدول، حيث لم تعد تطلق من هناك أية طلقة- فشرع يلـهث ويخدش صدره، وأحرقت الدموع وجنتيه، لكنه لم يشعر بالراحة.‏

(1) قف من هناك؟ قف ( بالألمانية)‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:36 AM   المشاركة رقم: 33
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


الفصل الرابع عشر




"نعم، سنلتقي الآن.. لكن أي سخف وأي أمر مناف للعقل أنه سيكون برفقة كوليتسين. لا يمكن أن يتم بحضوره أي حديث بيننا..."‏

غسل الريشات أسير العادة، وأزال الألوان عن اللوح بسكين مزج الألوان، وغطى بخرقة اللوحة القماشية على المنصب، بعد ذلك مسح يديه بالكولونيا وراح يتفحص مطولاً، مفكراً، الزجاجات في الخزانة الجدارية وعلبة سكاكر الشوكولا المحضرة مسبقا من قبل ماريا من أجل الزوار غير المتوقعين، ثم نظر من النافذة الواسعة. كل شيء مشمس فضي في البقع الشباطية الدائرية الذائبة، ورأى سيارة "الفولغا" السوداء كالفحم وهي تدخل الفناء ببطء بالقرب من الكتيبات الضاربة إلى الزرقة (" إنه هو –إيليا") –وأجبرته دفعة حارة في صدغيه على أن يعبر المرسم بضع مرات كي يكبح اضطرابه.‏

كان لزاماً عليه أن يجعل وجهه هادئا وبشوشا بالقدر الملائم ("ما بي – لست صادقا، مزيف؟ أريد أن أستقبل إيليا مثل أجنبي قادم لينظر بأم عينه إلى فنان سوفييتي ويشتري لوحاته؟) وأن يحييهما بشيء من الجفاف ، وأن يقول لكوليتسين أنه سيمنحهما أربعين دقيقة، بيد أن عليه أن يلتقي بإيليا لقاء حقيقياً فيما بعد بصحبة ماريا.‏

استقر فاسيلييف على هذا الرأي، لكن حين تردد وقع الخطوات في الممر وصوت قرع الباب، وحين دخل كوليتسين بمعطفه الفرائي مثيراً الضجيج، وقد تورد بسبب من الاستثارة والكونياك وبدا سميناً بخديه المنتفخين، ثم تبعه رجل شاحب طويل القامة، حليق بعناية، بمعطف رمادي ويعتمر قبعة لينة، ومستقيم حتى أنه بدا رشيقاً، ولم يكن في الإمكان معرفة الملازم رامزين من العام ثلاثة وأربعين فيه مثلما كان ذلك غير ممكن في أثناء اللقاء الخريف الماضي في فينيسيا، حين أثار الدهشة بتصرفاته الغريبة غير المعهودة، وبثيابه ونبرة صوته، تكلم فاسيلييف بنبرة عملية متوازنة مسرفة وهو يتقدمه لا إرادياً ويمد يده أولاً:‏

"-مرحباً يا ايليا، لم ير أحدنا الآخر منذ أربعة أشهر. اخلع معطفك، علقه هنا، دعني أساعدك."‏

عارض إيليا بحيوية: "-نو، نو، نو. سأتدبر أمري بنفسي. "وعلق معطفه على المشجب في غرفة الدخول، ومس شعره الأشيب المصفف على نحو سوي عبر مفرق مائل، وخطا بخفة إلى المرسم المشمس وهو ينظر مضيقاً عينيه الضاحكتين والملتهبتين قليلاً إلى الجدران، ثم نقلـهما إلى فاسيلييف: "-أوهو، المكان لديك لطيف ومريح جداً. هل تبدع هنا يا فلاديمير؟ هل تبتكر هنا"‏

صحح لـه فلاديمير مازحاً قدر المستطاع:‏

"-أبدع – هذا مدو. أعمل. الآلـهة هي من يبدع وليس كل يوم".‏

تابع إيليا حديثه، وراح يدلك أصابعه ويدعكها على نحو حثيث وكأنه يدفئها، لم يلحظ فاسيلييف هذه الحركة أبداً من قبل: "-لكن المكان لديك ممتاز، ممتاز، فيه الكثير من الشمس أنا سعيد برؤيتك يا فلاديمير، وسعيد جداً بوجودي في مرسمك".‏

"-أنا أيضاً سعيد".‏

كان كوليتسين في تلك الأثناء منشغلاً في غرفة الدخول، فراح، من غير مناسبة، ينظف نفسه بالفرشاة بمرح ويمسح قدميه، وراح كذلك يخور مدندناً شيئاً ما على الموضة وكأنه يظهر طبع إنسان متغافل مرحب به جيدا هنا، وجاهز دائما لقضاء الأوقات الممتعة. تذكر فاسيلييف، حين سمع خواره الموسيقي، وجهه غير الصاحي والمهتاج بخديه الشبعين المنتفخين هذين، وتذكر مصارحاته المغتاظة في تلك الليلة التي لا تنسى، وفكر على نحو لا يخلو من أسى: "كم سيعيقنا الآن." خرج حالاً بعد أن أجلس إيليا في الأريكة ("اجلس لحظة. سأعود حالا") إلى غرفة الدخول حيث كان كوليتسين لا يزال أمام المرآة يمسد بالفرشاة مدندناً بزته المحاكة على نحو ممتاز، وقال لـه بصوت غير عال:‏

"-اسمع يا أوليغ، هلا تركتنا ساعة لنتحدث، جئت به وشكراً لك، عدا ذلك فالحديث الآن، لو تدري، سيكون صعباً نوعاً ما ومتعباً لي".‏

رد كوليتسين إلى الخلف بجلال لبدته الشبيهة بلبدة الأسد، وتحولت عيناه المثلثتان إلى معينين، لكن خديه ظلا يعبران، وهما يتباعدان، عن بساطة مشاكسة لا تضمر حقداً، ثم أجاب هامساً:‏

"-لا تنس يا فولودينكا أنني أنا من يشتغل مع الأجانب". وخطا كوليتسين إلى المرسم مالئاً المكان بقامته الأنيقة وصوته الجهوري المخملي الرخيم، ومشعا بابتهاج خفيف ورضاً نابعين عن رجل مهذب محب لمجالس الرجال، ثم انحنى فوق أريكة إيليا بعد أن أخرج كما يفعل الساحر زجاجة كونياك أرمني من حقيبته: "-أظن أيها السيد رامزين أن ارتشاف الكونياك الأرمني الفريد ومشاهدة اللوحات أفضل من مشاهدة اللوحات من غير ارتشاف الكونياك الفريد."‏

ينبغي الافتراض أن ما قالـه كان نكتة دنيوية ألقيت في مثل هذه الحال لتستثير الضحك في فيض من المزاج الجيد، بيد أن إيليا نظر إلى كوليتسين نظرة ود كما لو أن هذا الأخير قد كرر لعبة خفة مسلية وغير مفيدة، وقال مبتسماً:‏

"- أشكرك أيها السيد كوليتسين. لا أشرب مطلقا. لقد شربت منذ زمن المعيار المخصص لي في الحياة. "ابتسم لفلاديمير: "-وإذا قدم لي السيد فاسيلييف، صديقي القديم منذ فينيسيا، كأساً من الحليب فسأكون لـه من الشاكرين. الحليب هو مشروبي."‏

"السيد فاسيلييف.. السيد كوليتسين.. السيد رامزين.. صديقي القديم منذ فينيسيا. لا يريد أن يعرف كوليتسين أن أحدنا يعرف الآخر منذ زمن طويل. لكن إيليا، إيليا.. السيد رامزين؟ ها هو يجلس في الأريكة- ليس إيليا، بل رجل آخر تماماً. هذا السيد رامزين، وإيليا في الوقت نفسه، الذي ظل بعد الحرب في ألمانيا الغربية، والذي يقطن الآن في ضواحي روما والذي عاش حياة كاملة في الخارج، ما الذي بقي فيه من الملازم إيليا رامزين، ومن تلك الليلة، ومن ذلك الصباح التموزي حين عدنا إلى المدافع المتروكة في الحصار؟ لم يقل في فينيسيا مع ذلك كيف وقع في الأسر. ومع ذلك –كيف؟"‏

قال فاسيلييف، وفي تلك اللحظة لم يكن قد فهم بعد لماذا كانت فكرة اللقاء الخريفي في فينيسيا تقلقه: "-يا للأسف، ليس عندي حليب. كم أشعر بالأسى لأنني لا أحوي الحليب في المرسم لا أشرب الحليب."‏

فتح كوليتسين الممتلئ بالمعارضة الطيبة زجاجة الكونياك ووضعها بحركة تمثيلية في منتصف المنضدة، وسأل: "-وهل تحوي أقداحا من أجل ضيوفك على الأقل يا رمبراندت؟ أبدا، أبدا." وحين التقط نظرة إيليا المتسائلة صاح بقلق مسرحي مصوراً بتدفقات صوته ممراحاً روسياً مضيافاً جالساً وسط أصحابه: "-لقد اتفقنا، لن نشرب إذن لن نشرب. سنملأ الأقداح وحسب احتفاء بهذا اللقاء ولن نقترب منها مثل الناسك الأفوني".‏

سألـه إيليا: "-الناسك الأفوني؟ من هذا الناسك الأفوني؟".‏

وضيّق عينيه مرة أخرى فظهرت شعيعات التجعيدات القاسية الشبيهة بالنجوم إلى جانبهما، لكن وجهه لم يكتسب بسبب من هذا التضييق المعروف كما من قبل التعبير الواثق عن الأصرار على الفعل بل صار مهتماً ومتعباً ومصغياً.‏

"-كان الناسك الأفوني يستلقي كل ليلة بين عذراوين من غير أن يمس أية منهما . ها – ها. هل تتخيل عذاب الجسد المقموع؟‏

قال إيليا على نحو غير محدد: "-نـ- نعم، الناسك. قرأت عنه في مكان ما، قرأت، أليس في حياة القديسين؟".‏

"-تصعب عليّ الإجابة. نسيت في خضم الحياة".‏

"آه، إنه راغب في أن يعجب إيليا، لكن.. لماذا؟" عبس فلاديمير وهو يخرج من الخزانة زجاجة عصير السفرجل، ونظر إلى كوليتسين كثير الكلام الجذاب، وفكر حازماً أن أي حديث مع إيليا لا يمكن طبعاً أن يتم بحضوره، وأن الوقت سيهدر على نحو لا يغتفر على الثرثرة فقط، فقال فاسيلييف بغيظ مكبوح بلباقة، ثائراً فجاءة على صبره الخانع الذي تجلى أيضاً آنذاك، ليلاً، حين سمح لكوليتسين بالمجيء ليسمعه، والآن، وقد شعر بغضب أشد من عدم تكلفه المفرط:‏

"-حكايتك عن الناسك يا أوليغ يفغينيفيتش ممتعة جداً والعظة فيها على أعلى درجة، لكن في الواقع.. ("عبثاً أقول لـه هذا. لا أستطيع الامتناع عن أن أكون حاداً، وأصنع لنفسي عدواً مدى الحياة.") .. لا وقت لدي يا أوليغ يفغينيفيتش. أرجو منك أن تمنحني إمكان التحدث بهدوء مع السيد رامزين ولو ساعة فقط..".‏

صب كوليتسين في تلك الأثناء الكونياك بمهارة، ولم يرد على كلمات فاسيلييف سوى برفع حاجبيه مدوراً إياهما نصف استدارة، و وزع الأقداح على ثلاث زوايا من زوايا المنضدة، وصدح بصوته الجهوري الرخيم:‏

"-نعم، لكن يا عزيزي..".‏

رجاه فاسيلييف متغلباً على الرغبة في أن يقول لـه إنه لجوج على نحو فائق بتمثيلـه الروح الطيبة لكرم الضيافة الروسي الأسطوري أمام السيد رامزين، الذي يعرف ذلك كونه نفسه روسياً: "-أتوسل إليك، من غير رفع كلفة غير مناسب. اعمل معروفاً "ثم تابع فاسيلييف على نحو لا يخلو من العناد: "-اسمع يا أوليغ يفغينيفيتش، لست في حاجة إلى أن تتلف خلاياك العصبية.. وأن تشغل الضيف بحديث ممتع، وأحدنا يعرف الآخر منذ زمن".‏

هتف كوليتسين بفرح وافر متجاهلاً كلمات فاسيلييف هذه التي مسته: "- صارت صداقتكما في إيطاليا معروفة، وهذا، تخيل، أمر محمود ورائع. إننا لا نجد كل يوم معجبين في الخارج." تناول عن المنضدة القدح مبرزاً خنصره ذا الظفر المصقول، ووجه نظره نحو إيليا ثم فلاديمير: "-نخب تعارفكما في فينيسيا الساحرة، الذي قادكما لللقاء في موسكو...".‏

قاطعه فاسيلييف باهتياج: "-معرفة واحدنا بالآخر قبل فينيسيا".‏

"هل ثمة لزوم لأن يعرف هذا؟"‏

"-كيف "قبل"؟ آه، نعم، من لوحاتك التي عرضتها في إيطاليا سابقاً؟"‏

قال فاسيلييف بتلك الحدة المتحدية، التي خلصته فوراً من الازدواجية الكاذبة، وجردت كوليتسين في الوقت نفسه من سلاحه: "-البتة. معرفة أحدنا بالآخر منذ الطفولة ما دمت لم تفهم شيئاً. آمل يا أوليغ يفغينيفيتش أنك أدركت لماذا لا لزوم للانحناءات الدبلوماسية".‏

ضيّق كوليتسين المتوتر جفنيه المتورمين قليلاً، وأضاءت عيناه المثلثتان على نحو متفهم، وتجمدتا عند حد غير مرئي في الـهواء فوق رأس فاسيلييف، ثم نطق بصوت مخفف غير طبيعي:‏

"-آ، هكذا إذن... ما كنت لأظن هذا أبداً، ما كان ليخطر في بالي. آه، هكذا إذن..."‏

قال فاسيلييف: "-ولم العجب، ما الذي يدعو إلى التأوه هنا يا أوليغ يفغينيفيتش. يعرف أحدنا الآخر منذ زمن بعيد".‏

أعاد كوليتسين القدح غير المشروب حتى النهاية إلى مكانه، وبدت بنزاهة على وجهه الأبيض البدين ذي الخدين المتدليين قليلاً استقلالية الرجل المهذب الأبية: "-أرجو المعذرة. نعم، لقد فهمت كل شيء. أقدم اعتذاري. سأتصل إلى هنا بعد ساعة... هل تمانع أيها السيد رامزين؟"‏

أومأ إيليا بشيء من الشكر المتكلف:‏

"-سيكون جيداً بعد ساعتين. هكذا تماماً أيها السيد كوليتسين".‏

"-سأتصل بعد ساعتين تماماً".‏

نفض كوليتسين شعره الطويل على نحو لا يخلو من عزة نفس ووقار بانحناءة للاثنين معاً، وخرج بخطوات مرنة إلى غرفة الدخول، وراح يغمغم وهو يرتدي معطفه الفرائي بنشاط، مردداً لحناً ما، ثم فرقع، بنشاط أيضاً، بقفل الباب الخارجي، فقطع إيليا حينئذ حبل الصمت أولاً:‏

"-السيد كوليتسين-رئيس الرسامين في القضايا الخارجية، أما أنت فسلكت سلوك مشهور متقلب الأهواء. هل هذا مقبول يا فلاديمير؟ ألن يسبب هذا ضرراً؟"‏

أشاح فاسيلييف بيده: "-أي مشهور متقلب الأهواء أيضاً" وأشعل سيجارة ثم سقط في الأريكة القديمة التي رنت نوابضها، وراح يتكلم باستعجال وبعدم رضا تقريباً: "-لست قادراً على أن أقول لك حقاً إن كنت سعيداً أم لا بقدومك. اعذرني على صراحتي، لكن علينا، أنا وأنت، أن نتكلم من غير شهود. من غير عيون غريبة. لدينا أمورنا الخاصة".‏

"-قلت: لدينا أمورنا الخاصة؟ ماذا تقصد؟"‏

"-في طفولتنا لم يكن أحدنا يستطيع قضاء يوم من غير الآخر، وفي الحرب كنا في بطارية واحدة. كنت سعيداً لأننا معاً. لا يمكن القول إن لقاءنا العام الماضي في فينيسيا قد صعقني، بل على نحو ما... أسفت أعواماً كثيرة، أسفت طوال الوقت لأنك لست بين الأحياء... صديقي، الذي يمكن معه إلقاء النفس في النار والماء. كل شيء هكذا يا إيليا. لكننا لسنا كما كنا... في فينيسيا فهمت أن أي شيء سوى الذكريات لا يجمعنا. يا للأسف يا إيليا، لـهذا السبب لن نزوّر الأمور: لم تأت إلى موسكو كي تشتري لوحاتي في فيض من المزاج المليء بالمشاعر الجياشة. بم أستطيع مساعدتك؟"‏

ارتد إيليا في الأريكة وضم راحتيه، وأسند ذقنه ساهماً بأطراف أصابعه، وقال:‏

-"الحياة شيء مخيف شيء مخيف... وكما يقول الفرنسيون لا يعرف أحد لماذا يحتاج الناس إلى الحقيقة، لكنهم يعرفون جميعاً لماذا يحتاجون إلى الكذب. أليس كذلك؟ لا يعرف الناس بعضهم بعضاً حتى القعر، حتى الأزواج المثاليين الذين قضوا الحياة معاً. أخاف يا فلاديمير أنك لم تعرفني حق المعرفة لا في المدرسة ولا في الحرب. وأنا أيضاً لم أعرفك".‏

ضحك إيليا ضحكة صفيحية قصيرة جعلته بعيداً وهرماً على نحو غير مستحب، وصعق فاسيلييف من هاتين العينين الملتهبتين غير المؤمنتين بشيء، اللتين أفرطتا في معرفة حكمة الحياة، ومن شيء ما غير معروف بتاتاً وغير شاب في عنقه، الذي لا زال متيناً كفاية، وربما في ثنايا الجلد فوق ياقة قميصه، ومن الجفاف والشحوب السوي على وجهه الحليق بعناية، ومن شعره الرمادي الضارب إلى اللون الأزرق –أي عمل دؤوب أداه الزمن، لقد بدا وكأنه شابَ أكثر خلل هذه الأشهر الأربعة.‏

"لكن من هو إيليا الحقيقي؟ ذلك الملازم، صديقي، الذي افتقدته طوال الوقت بعد الحرب، أم هذا الإنسان المتعب من الحياة والغريب عني؟ ومن أنا الحقيقي: هناك، في الطفولة، أم في تموز عام ثلاثة وأربعين، أم أنا هنا، في هذا المرسم، الرجل ذو الأربعة والخمسين عاماً، الذي لا يدهشني شيء؟"‏

تكلم فاسيلييف مقطباً: "-قلت إنني لم أعرفك. جائز... لقد آمنت ببساطة بنقاء الصداقة وقدسيتها، وآمنت بأن واحدنا لن يخون الآخر أبداً. عموماً، كان الشباب الجميل في هذا. لقد أعجبني في أوكرايينيا، حين عينوك قائداً للبطارية، كيف فرضت نفسك على نحو مدهش. هل تذكر: الحر والمنزل قرب الردمية والـهدوء والألماني في بستان توت العليق، والـهدنة التي أقامها المساعد لازاريف؟ بعد ذلك تبين أن في المنزل امرأة شابة. أذكر اسمها جيداً... كانت تدعى ناديا. حزمك كان غير عادي يا إيليا".‏

كرر إيليا وهو يدلك يديه مفكراً ويدعكهما قرب ذقنه: "-غير عادي؟ فولوديا، فولوديا. لم تكن تعرف أشياء كثيرة في ذلك الوقت. لكن أحد المدققين في الفوج عرف على نحو ممتاز ابن من كنت أنا. لست قادراً حتى الآن على أن أعقل كيف سلموني البطارية. أغلب الظن أن قائد فوجنا فوروتيوك الشجاع قرر المخاطرة كما كان يخاطر دائماً. أنا واثق من أنه كان سيرميني بالرصاص على النحو الجميل ذاته الذي عينني فيه. عافاه، كان رائداً مدهشاً. لا أستطيع منذ أعوام كثيرة أن أتذكره من غير رقة".‏

أضاف فاسيلييف: "-و، طبعاً، المساعد لازاريف؟ "ثم سأل ما لم يتسن لـه سؤالـه في لقائهما الأول: "-قل، كيف مات لازاريف؟"‏

نظر إيليا إلى السقف من غير مبالاة بعد أن ابتسم ساخراً: "-موت الأبطال. ملكوت السموات لـه على الرغم من أنه لا يستحقه".‏

"-لم لا يستحقه يا إيليا. الموت في الحرب يجعل الجميع سواسية".‏

حمل إيليا القدح نحو ذقنه وتنشق أريج الكونياك، بيد أنه لم يشرب قطرة واحدة، وأعاد القدح إلى مكانه، وقال بوضوح: "-معه-لا. كان شخصية قوية معتدة بذاتها، بداية شيطانية، غينول(1) عموماً، وفي نهاية الأمر حثالة. لقد نسيت الكثير عنه، لكنك تذكرته هو تحديداً.."‏

"-عموماً، لقد كفّر بالموت عن خطاياه كما يقال. كفرّ عنها بمقتلـه حين وقعت في الأسر".‏

أجاب إيليا بجفاف: "- Auch (2)، لقد محوته من ذاكرتي، مع أنني وضعت الشموع أكثر من مرة على روح الفقيد. لقد قتل، وبقيت أنا حياً بغض النظر عن أي شيء، لكن... "نظر إيليا إلى فلاديمير بتريث استطلاعي، ثم شرع يتكلم من غير استعجال وبنبرة التعقل الضرورية لكليهما: "-لا يوجد لدينا سبب لنتذكر الحرب. ينعم لازاريف منذ زمن بعيد بالراحة الأبدية، فليكن اللـه معه. الموت-التكفير... لقد تجنب الأشد رعباً، الذي لم نتجنبه أنا وأنت- أن يعيش الحياة. الرب يعاقب بالموت والحياة، أليس كذلك؟"‏

"-هل تؤمن باللـه يا إيليا؟"‏

"-علينا في سننا هذه أن نؤمن بشيء ما. سيؤول المآل الوحيد سريعاً جداً..."‏

"-ما المآل الوحيد؟"‏

"-الفراق مع كل ما هو أرضي. الفراق يا فلاديمير. الأوان غير بعيد –وسنضطر وراء البوابات السماوية إلى أن نعبد بطرس الرسول".‏

فكر فلاديمير: "أذكر جيداً ما قالـه حين سرنا في الغابة. أراد أن يحتفظ بثلاث طلقات في مسدسه: طلقتان للازاريف وواحدة لنفسه، لم يطلق النار على نفسه ووقع في الأسر. لكن كيف... كيف قُتل لازاريف؟"‏

"-هل يعقل أنك تأمل في دخول الجنة يا إيليا؟ إنني، عليّ أن أعترف، لا أطمح إلى الراحة لدى الرب الإلـه".‏

"-إذا تسنى لي أن أكفر عن خطاياي الثقيلة فإن الرب لن يدعني أغيب في العذابات إلى الأبد. نعم يا فلاديمير، إنني لا أمزح. الحياة كلـها اختيار لا ينتهي. كل يوم – من اختيار العصيدة وربطة العنق صباحاً حتى اختيار المساء بأكملـه – بأية امرأة ستلتقي، وإلى أين تذهب، وكيف ستقتل الوقت الملعون، يحدث كل شيء بعد الاختيار: الحب، الحرب، القتل. أفكر كثيراً في الأعوام الأخيرة، ما الذي يتحكم بخياراتنا في الحياة؟ لكن من يعلم، هل سيكون ثمة خيار بعد الموت؟ الجحيم؟ الجنة؟ النوم؟ ماذا سيوجد هناك وراء الحافة؟"‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:38 AM   المشاركة رقم: 34
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

"كم غيرته الحياة. غيرته هو؟ لقد فكرت به ولم أفكر بنفسي. إنه يتكلم وكأنه لا يريد أن يكشف شيئاً ما، أن لا يوضح نفسه كما أعرفه، بل يريد الـهرب من الأمر الأساسي، لكن ماذا أريد؟ أن أفهم من هو إيليا الآن؟ أنه غير صادق ويكذب؟ لكن ما المغزى؟ لا أحد يعرف ماذا حدث لـهم في تلك الليلة حين ساروا إلى المدافع. لقد فهمت الآن أخيراً ما الذي يثيرني: إنني أبحث في لا وعيي عن إيليا السابق فيه، أريد أن أرى وأن أعيد ذلك الإيليا الشاب، ذلك الملازم إيليا، لكن لا وجود لـه. لا يجتمع ذلك الإيليا الذي أحببت مع هذا الغريب في الجوهر. هل يمكن أن يكون الأمر كذلك؟ وهل أجتمع أنا مع نفسي، السابق؟"‏

سألـه فاسيلييف: "-ما هذه الخطايا الثقيلة لديك يا إيليا؟" ثم تابع حديثه نصف جاد، متضايقاً من أسئلته التي قد تبدو لجوجة جداً: "-لا أؤمن بهناء ما بعد اللحد، وأتهم نفسي بخطايا مخيفة: أتهمها بانعدام الموهبة والجبن والعجز. عذابي منذ بضع سنوات هو الأرق. إنها الشيخوخة يا إيليا، صرنا فوق الخمسين".‏

"-اسمح لي أن لا أوافقك يا فلاديمير. الأمر أسوأ كثيراً مما يبدو لك. إنها الدورة الأخيرة قبل النهاية، وليست الشيخوخة. إنني ألـهث، لكنني أركض بآخر ما أملك من قوة، أرى خط النهاية وأسمع صيحات التهليل التي تطلق بعد السباق..."‏

"-هل تحب المزاح الأسود؟ هذا مزاج متشائم جداً... إلى حد الخيال".‏

"-على العكس..."‏

تناول إيليا القدح ورفعه نحو عينيه اللامعتين بسوادهما، ونظر عبره إلى ضوء النافذة الشتوية الشمسي، وشم الكونياك مرة أخرى باستمتاع طويل، وقال باتزان:‏

"-أية روعة، أي حبور، أية حياة في هذا الأريج، لكن بعد قرابة عام أو عام ونصف العام في مقدورك أن تتنشق أيضاً الرائحة الزكية المنبعثة من أنواع الكونياك المختلفة، التي شربت منها الكثير، أما أنا فسأكون هناك... كم الأمر غريب ومخيف، أليس كذلك؟ ستظل ترسم لوحاتك أما أنا فلن يبقى مني شيء... هل كان؟ هل سار على الأرض؟ أمر لا يعقل، لا يدرك. تخيل أنني أعرف كل شيء عن نفسي، لكن، كما ترى، لا أصاب بمس من الجنون، ولا أمثل مأساة، لا بل لا معنى حتى للتحدث عن هذا".‏

"-لم أفهم يا إيليا".‏

"-هل تعرف ما معنى خداع الوجود يا فلاديمير؟ الأمل العبثي. ترقب الدمار. كلنا سياح عشوائيون في الدنيا، ولكل منا فترة معينة كي يغادر الرقم المحجوز لـه في الفندق، بالمناسبة، لن أطيل المكوث في ضيافتك أيضاً.. مع أنني أرغب جداً، جداً في رؤيتك".‏

ضحك ذلك الضحك الصفيحي المصطنع، الغريب عنه على نحو يثير الغضب، وربما لأن عينيه لم تضحكا، بل كانتا تصيران ضيقتين فقط، وباردتين وحزينتين وكأنه لم يكن يحتاج البتة إلى هذا الضحك.‏

قال فاسيلييف عابساً: "-مذنب لأنني لم أفهم شيئاً ما. أية فترة تذكرت؟ ما هذا العام أو العام ونصف العام؟ من تنبأ لك؟"‏

أجاب إيليا بهدوء كالسابق: "-لقد أنفقت كثيراً جداً من النقود على الطبابة حتى أصدق التنبوءات. أحمد اللـه أن الغد لن يكون آخر يوم. مقدر لي أن أزفر زفرة..."‏

"آخر يوم؟" فهم فاسيلييف بوضوح مفاجئ متخيلاً إيليا المتين ظاهرياً والناعم والأشيب بأناقة والجالس هنا في مرسمه ليس هنا في موسكو، بل في مكان ما من ضواحي روما القائظة، في فيللاه الفارغة في الطبقة الثانية، مستلقياً وحيداً على الملاءة المفروشة على السرير ويداه الشمعيتان متصالبتان، وشمس الظهيرة تنفذ عبر أغصان الصنوبر تحت النوافذ إلى هدوء المنزل الساكن حيث تفوح رائحة الـهواء الخانق والموت.‏

"بعد عام أو عام ونصف العام؟ وهو يعرف ذلك؟ "-أمعن فاسيلييف النظر إلى كفي إيليا الجافتين والمعتنى بهما جيداً، بأظافرهما المطولة والنظيفة، واللتين كانتا سابقاً كفين قويتين صغيرتين (حين كان يمارس في شبابه الجمباز والملاكمة والسامبو)، وتصور في الحال ليالي السهاد التي يقضيها إيليا مع نفسه، في وحدته، واعياً بدقة فترته الأخيرة، وفكر أيضاً، شاعراً بكامل أسى هذه الليالي الذي لا مفر منه: "ما كان في مقدوري أن أنتظر على هذا النحو إعدامي الوشيك".‏

تكلم فاسيلييف: "-ما مرضك يا إيليا؟ القلب؟" آلمه السؤال الذي لم يستطع تجنبه الآن، ساعياً إلى أن لا يسمي مرضاً مستعصياً مميتاً، يولِّد مجرد لفظه القصير الواخز الإحساس بتزعزع كل شيء في هذا العالم.‏

قال إيليا ساخراً: "-لم يكن لي الخيار... لكن الأوهام انتهت. خضعت منذ أربعة أعوام لعمل جراحي يعيشون بعده خمسة أعوام، وفي أحسن الأحوال ستة. الطعن في الحكم غير ممكن. لذلك أعرف ما لم أعرفه من قبل. عموماً... لم أرغب في رؤيتك من أجل هذه الأحاديث. لا يستحق الأمر".‏

وراح يتفحص باهتمام الجدران والسقف المضاء بخطوط الضوء المنعكس من الثلج والكثبان في الفناء، ومن شمس ما قبل الربيع المتدفقة بسطوع عبر الخمائل الجليدية الشبيهة بخمائل الغابات على الزجاج الذي بدأ الجليد يذوب عنه، والمتدفقة على إعلانات المعارض، وعلى رفوف الكتب في المرسم الفسيح والمرح في هذا اليوم الصاحي من أيام شباط، وحين انتهى ضيّق جفنيه وكأنه كان يشعر بالفضول والألم من رؤية عيد الضوء الشتوي هذا هنا، وقال بحزن متهكم:‏

"-هل تذكر اليوم الشتوي في جبال فوروبيوف والصقيع والندى المثلج وقد رحنا نسير بالزلاجات مع تلاميذ الصف كلـهم على ضفة نهر موسكو المتجلد. كان وقتاً سعيداً. هكذا كان، أليس كذلك؟ أو-المساء، والثلج يهطل حول المصابيح، وساحة التزلج في حديقة الأدب والراحة، وأنا وأنت وماشا نكاد لا نقدر على الوقوف على أرجلنا من التزلج، وقد دخلنا بالمزالج مباشرة إلى المطعم وشربنا الكاكاو الساخن، وتناولنا الكعك بالخشخاش، وكان شهياً جداً بعد البرد. كنتما، أنت وماشا، مغرمين آنذاك، ألم يكن ذلك؟"‏

"-لست دقيقاً تماماً يا إيليا".‏

صمت فاسيلييف غير راغب بالتحدث عن ماشا، التي لم تكن حينئذ مغرمة به بل بإيليا تحديداً. أما هو، إيليا، فلم يعر اهتماماً جدياً للفتيات، إذ كان مشغولاً بنزواته "العاطفية" السرية في قسم الجمباز ويرتدي قميص بحارة مخطط تحت قميصه وحزام بحارة ذا نوط نحاسي (هكذا كانت الموضة)، وحينذاك لم يكن يطيق المكاشفات العاطفية في أي نمط من أنماط تجلياتها.‏

"لكن... لم شرع يتكلم على ماشا؟ لا يمكن أن أغار عليها منه بعد هذه السنين. لا، ثمة أمر آخر هنا. يبدو وكأنه يريد أن يبرر موقفه أمامي. أن يبرر ماذا؟ زواجه الغريب بالألمانية بعد الأسر؟ مصنع ما لإبر الحياكة أو إبر الحاكيات. وعدم عودته بعد الحرب. عطشه للحياة ومرضه إذا كان الأمر كذلك؟.. إنه يثير فيَّ فضولاً لا يمكن كبت جماحه، وأنا من يسألـه، وليس هو الذي يسألني..."‏

سألـه فاسيلييف مستوحياً من كل شيء أن إيليا لم يلتق رايسا ميخائيلوفنا: "-يبدو لي أنك لم تلتق أمك بعد؟ هل تعرف أنك في موسكو؟ هل ستمكث طويلاً؟"‏

تكلم إيليا غير واثق من نفسه، واتكأ على مسند الأريكة حاجباً عينيه براحته: "-أسبوعاً. هل تصدق يا فلاديمير؟ أخاف الذهاب إليها وحدي. إنها، كما أعلم، ليست بصحة جيدة، وأخاف أكثر من الموت أن لا تحتمل. لقد طلبت –هل تذكر في فينيسيا؟ -أن تلمحا لـها ولو على نحو ضبابي عني... وأنني حي".‏

"-نعم، تحدثت ماريا إليها، كانت عندها في المنزل".‏

"-وماذا؟"‏

"-يمكن فهم ردة فعلـها، قالت رايسا ميخائيلوفنا إنك قتلت وهي لا تريد أن تصدق المعجزات".‏

لم يجب فاسيلييف بذلك فوراً، وفكر بمرارة أن الرغبات الإنسانية لا تملك أية ضمانات، وحياة إيليا العائد من اللاوجود، إن كان حقاً مريضاً مرضاً جدياً، ستنتهي بعد فترة قصيرة، وكم يبدو تخيل ذلك مريعاً، هذا معناه أن الموت يقبع على أهبة الاستعداد في كل فرد منا، ويسير ملازماً إياه كظلـه بانتظار ساعته: "ويذهب كل شيء إلى الشيطان في لحظة: الشمس، هذا الثلج، أقمشة لوحاتي، الكلمات الرنانة عن الإبداع، ساعات العمل ههنا في المرسم، حبي لماشا وفيكتوريا، حبي لـهاتين المرأتين في العالم كلـه، وكل ما كان... وما كان يمكن أن يكون. كم كل شيء معلق بشعرة دقيقة جداً".‏

نهض فاسيلييف، وشرع يسير في المرسم على الأرض المشمسة الملطخة بالألوان ثم سأل: "-ماذا عليَّ أن أفعل؟ بم أستطيع مساعدتك؟ هل أذهب إلى رايسا ميخائيلوفنا؟ هل أتحدث إليها؟ متى أنت مستعد للذهاب إليها؟".‏

أجاب إيليا على نحو أصم: "-غداً، لن تكفيني القوة اليوم، أرجوك يا فلاديمير أن تذهب معي... لا كمرافق. بل كـ... كصديق سابق، سيكون الأمر هكذا أسهل... لـها ولي". اصطدمت عيناه بنظرة فاسيلييف الساهمة والمكفهرة فرجاه بنصف صوته: "-اتصل بها وأخبرها أنك ستزورها غداً، وأنك لن تكون وحدك... اتصل بها الآن، بحضوري، لو أمكن. اشرح لـها وقل إنني حي معافى، وقد أتيت إلى موسكو لأراها..."‏

فكر فاسيلييف من جديد: "سأقول لـها هذه الجملة وأشترك مع إيليا بالخداع، لكنه ربما جاء إلى موسكو ليودعها. "وقف متجهماً بعض الوقت قبالة الـهاتف الموضوع على الخزانة الصغيرة داساً يديه في جيبيه، وحين رفع السماعة وأدار رقم رايسا ميخائيلوفنا على نحو غير متتابع مخطئاً مرتين شعر وهلة بالـهدوء التام خلفه وبالنظرة المسلطة على ظهره، التي جعلته يضطرب: طلب منه إيليا صراحة أن يساعده في لقائه الأول مع أمه، شاعراً بالشك على ما يبدو في أمر ما مهم لـه.‏

لم يقترب أي كان من الـهاتف فترة طويلة.‏

شرع فاسيلييف يتكلم بعد أن سمع أخيراً الصوت غير القوي الممطوط بلين، الذي خيل لـه أنه دافئ ولونه بني، وراح يتلعثم على الرغم منه باحثاً عن الكلمات التي لم تنتظم في الصف الديبلوماسي اللازم:‏

"-رايسا ميخائيلوفنا، هذا أنا، مرحباً. نعم، هذا أنا يا رايسا ميخائيلوفنا. نعم، هذا أنا. لا لم أنسك. لم أتصل، لم أرك دهراً كاملاً، سامحيني. لكنني أردت أن أقول لك... أي ينبغي أن أعرج عليك غداً، ولن أكون وحدي، بل مع صديقي القديم، الذي تعرفينه أفضل مني... ("غبي، ديبلوماسي مضحك، غبي أنموذجي ببساطة، ما لزوم المرح التافه الذي لا يطاق هنا؟") القصة وما فيها أن... إيليا أتى إلى موسكو، وقد التقيت به يا رايسا ميخائيلوفنا. نعم، أتى إيليا من إيطاليا معافى ("هل أكرر كلمات إيليا؟") وهو مندفع إليك حالاً ("كاذب، كاذب")، أما أنا فأرجوه أن يرتاح عندي بعد الطائرة..."‏

نطق الجملة الأخيرة متلعثماً ولاعناً مشاركته الخرقاء والقسرية في هذه اللعبة المدبرة من أجل اصطناع الحقيقة، وفاح صمت رايسا ميخائيلوفنا الذي حل في السماعة بعد حركته الديبلوماسية غير الماهرة والساذجة، برائحة التعقيد المتوقع الباردة، وخاف أن ينفجر هذا الصمت بصرخة ونحيب مخنوق يقطع بالدموع المنفلتة أسئلتها عن إيليا، فلم يسمع تقريباً صوتها المنزلق، الذي أضعفته الاستكانة المتعبة:‏

"-أعرف يا فولوديا. لقد وصل".‏

دهش فاسيلييف وانقطعت أنفاسه، وتردد أمام الخزانة الصغيرة ساعياً إلى أن لا يلتفت نحو إيليا: "-من أين عرفت يا رايسا ميخائيلوفنا؟ هل أنبأك أحدهم؟"‏

تكلمت على نحو غير واضح: "-حلمت حلماً سيئاً يا فولوديا. وقالت لي ماشا. كانت عندي منذ أسبوع..."‏

"-متى؟ منذ أسبوع؟ ماذا قالت؟"‏

"-قالت إنه سيأتي."‏

"-صار في موسكو يا رايسا ميخائيلوفنا. سنأتي إليك غداً... سنأتي غداً..."‏

"كيف عرفت ماشا بقدوم إيليا؟ كيف استطاعت أن تعرف؟"‏

وضع السماعة وقلبه يدق بشدة معيقاً تنفسه، وراح يقنع نفسه أن الأمر قد التبس على رايسا ميخائيلوفنا حين تحدثت عن لقائها بماريا قبل أسبوع ("لماذا أخفت ماريا عني هذا؟")، ثم قال لإيليا على نحو اعتيادي متعمد كي يكبت الشعور المهين بالشك:‏

"-لا شك أن صلب الحديث كان مفهوماً لك. إنها تعرف بوصولك. بم أستطيع مساعدتك أيضاً؟"‏

"-لا تستعجلني كرمى للـه".‏

ظل إيليا باستمرار يمسح بالمنديل صدغيه المتعرقين طوال فترة تحدث فاسيلييف بالـهاتف ("ماذا كان ينتظر؟ رفض أمه؟ هل ساوره الشك في رغبتها في أن تراه؟") وسقط واهناً على ظهر الأريكة، وقال بصوت أبح قليلاً:‏

"-هل تسمح بان أدخن سيجارة؟"‏

"-تفضل".‏

"-أشكرك، وأسمح لي بأن أصمت وأفكر بضع دقائق".‏

فتح إيليا على ركبته علبة السجائر الفضية المطعمة بالصدف، وأخرج من أعماقها السيجارة الوحيدة المضغوطة بقطعة مطاطية حريرية، وهي الأخيرة في معدلـه اليومي البالغ ثلاث سجائر (كما تذكر من فينيسيا)، وقرر فاسيلييف بعد أن رأى ارتجاف حاجبيه حين أشعل سيجارته بقداحة الغاز المعروفة، أن اللقاء برايسا ميخائيلوفنا سيكون صعباً على إيليا ومساوياً الكثير لـه، هذا اللقاء الذي انتظره وخاف منه.‏

طلب منه إيليا بصوت خافت، نافثاً الدخان باستمتاع ظاهر ومطول، ومتلذذاً بمذاق التبغ وحدته: "-أرني شيئاً ما وأنا أدخن. أرني ولو لوحة. تعلم أنني واحد من المعجبين بك، وكنت سأشتري لوحة لولا أنك..."‏

لم يكمل كلامه ومج السيجارة بنهم.‏

تمتم فاسيلييف آلياً وهو يخطو في المرسم: "-شكراً، لكن الأفضل أن أهديك شيئاً ما".وتوقف عند الرفوف خلف منصب الرسم قبالة اللوحات الموضوعة على الأرض والمدارة نحو الجدار، فسحب إحداها ونفخ عليها منظفاً إياها من الغبار، ثم أسندها إلى قائمة المنصب ودس يديه في جيبيه وابتعد نحو الجدار الآخر في المرسم وهو يقول مشتتاً:‏

"-إليك هذه القطعة".‏

عمل على هذه اللوحة بضع سنوات واهباً نفسه للأجواء السعيدة في نهار صيفي صاف ولخضرة الأرض ولشفافية الماء الساكن (بدت حصاة نهرية وكأنها تحت زجاجة مكبرة)، الذي استلقت قربه فتاة شابة مستسلمة للوسن، كانت طفلة حتى وقت قريب، وقد وضعت إحدى يديها خلف رأسها فتدبب نهدها العاري متوتراً، وانبعث من جسدها الفتي النحيل كلـه إشعاع من المتعة البريئة البارد، وإشعاع النظافة الصباحية والصدق الطاهر الذي لم يعرف الخجل بعد –حاول فاسيلييف في جميع الأشكال إزالة لغز الشهوة ولم يقدر على ذلك حتى النهاية، محققاً سيادة سر الجسد الأنثوي، من غير أن يرغب في مساسه باشتهاء متهور.‏

قال فاسيلييف حارفاً نظره من بعيد نحو اللوحة: "-مرة دخلت الصالة في معرض أوفيتسي عند الغسق وشعرت بوجنتي... نعم، نعم بوجنتي، بدفء كأنه حر المدفأة، كأنه هواء دافئ... نظرت: كانت إلى يساري "فينوس" تيتسيان. شعرت بدفء جسدها. هذا أعجوبة، حقاً كان هذا أعجوبة. أما أنا... فحاولت أن أنقل شيئاً آخر... برودة النظافة وروعتها".‏

قال إيليا وهو يبتسم حزيناً:‏

"-تفوح من فينوسك عذرية غير معاصرة. حلم بالمنسي منذ زمن. على الرجال Streng Verboten (3)."‏

"-إطلاقاً. الجمال مقولة أبدية كالقبح تماماً،" فعذراء سكستين" لرفائيل لا تثير الشهوة، وهي في الوقت نفسه مثال الجمال الأنثوي".‏

ألقى إيليا قذالـه على ظهر الأريكة مسترخياً، وراح يتفحص اللوحة ببطء، ثم قال بنصف صوته مؤكداً على رضاه:‏

"-أنت وفي لنفسك كالسابق... عاشق لماريا وحدها. ربما ثمة شيء منها هنا أيضاً...".‏

حاول فاسيلييف أن يجيب مازحاً، وكان غاضباً في الوقت نفسه من هذا الرضى الكاذب في كلمات إيليا: "-ما يهمني أكثر هو أمر آخر. كيف الحال لديك؟ من هي؟".‏

أجاب إيليا: "-ليس لـها وجود في الطبيعة. " ثم أكمل حديثه على نحو لا يخلو من سخرية من نفسه: "-صار كل شيء من الماضي. قل ما تثير النساء اهتمامي".‏

"-ماذا؟"‏

"-كان عددهن كبيراً جداً".‏

دعك إيليا السيجارة المنتهية في صحن السجائر مستنداً على متكأ المرفق من الأريكة، وغطى جبينه براحته.‏

تكلم بانتعاش مبالغ فيه، وشمل فاسيلييف من تحت يده بنظرة خوف غير مصطنع متوسلاً منه المساعدة: "-سامحني يا إلـهي، أنا الخاطئ. قل لي... كيف ستستقبلني؟"‏

قال فاسيلييف: "-أظن أنك لا تفكر بهذا الأمر".‏

عارض إيليا: "-به، به. أخاف... لا مبالاتها أكثر من أي شيء. هل ستعرفني؟"‏

"-ماذا تريد أن تقول بذلك يا إيليا؟"‏

صمت إيليا حاجباً بيده جبينه الرطب، وكان واضحاً أنه خائف من التحدث عن هذا الأمر ولم يرغب فيه.‏

(1) شخصية من مسرح العرائس الفرنسي ظهرت في القرن الثامن عشر. (المعرب).‏

(2) أيضاً (بالألمانية).‏

(3) ممنوع منعاً باتاً (بالألمانية).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:40 AM   المشاركة رقم: 35
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


الفصل الخامس عشر






أطلقا سيارة الأجرة عند زاوية زقاق فيشنياكوفسك، ونظرا مطولاً إلى الكنيسة الصغيرة حيث أضاءت بخفوت أنوار الشموع عبر زركشات شِباك النوافذ، وبدت أشكال العجائز السوداء على الطنف، أما حولـهما فتورد زجاج الطبقات العلوية وكأنهما في مدينة هادئة غير مدينتهما، وتورد الثلج على الأفاريز، وأشعلت شمس ما قبل المغيب الصلبان فوق القباب السامقة التي هدمت قبل الحرب وأعيد ترميمها الآن. حلقت غربان الزرع فوق الأجراس بفرقعة قروية، وتذكر فاسيلييف فجاءة الـهواء الرطب جداً، والبرد والنجوم ودوي الحديد في قمة الجرس حين عادا في الليلة التشرينية عام واحد وأربعين من حفر الخنادق قرب موجايسك، وخرجا عبر شارع نوفوكوزنيتسك إلى هذا الزقاق ليختصرا الطريق إلى المنزل بعد أن قطعا موسكو كلـها.‏

لكن هنا عند الركن إلى اليسار كان يقوم في بناء من طبقتين حانوت صغير لبيع الأغذية والخبز، كانوا يركضون إليه دائماً قبل الحرب لجلب الأرغفة، فكان الدفء يفوح في الصباحات الربيعية برائحة الخبز الطازج الحلوة، وقامت هنا في زقاق فيشنياكوفسك منازل التجار المتينة المؤلفة من طبقتين وذات الأفنية المعشبة وعنابر الحطب، وكانت تتنزه على أسطحها المغطاة بالتولين والملتهبة بالحر طيور الحمام الخارجة من أقفاصها الشبكية، فيما تتدفأ الـهررة المتكبرة بكسل في ظهيرات أيار تحت الشمس هازة آذانها بسبب من ضوضاء أعراس الدوري الجنونية في أعماق الزيزفون المتكاثف. كانت زوابع زغب الحور تثور في نهاية شهر أيار في شوارع زاموسكفوريتشيه وأزقتها وحاراتها المسدودة كلـها، فينزلق الزغب غشاء ناعماً على قارعات الطرق ويطير عبر النوافذ المفتوحة ويسبح فوق مناصب حوانيت الخضار في أنصاف الأقبية، ويلتصق بلوحات الإعلانات على الأسيجة وعلى زجاج أكشاك الصحف ويحاصر أنصاف الأعمدة الحجرية بأمواج بيضاء حول مداخل الأفنية، ويتشبث بأعمدة المصابيح الحديدية. كان ملمسه الخفيف يدغدغ الوجه والحاجبين والأهداب، فيشعر المرء برغبة في الضحك وفي نفخه...‏

لم يكن فاسيلييف هنا منذ بضع سنوات – لم تتوافر لديه ساعة واحدة ليأتي إلى هنا، أو، ربما، وقاه لا وعيه من الماضي، ومن هذه التغييرات الجديدة كلـها قرب الكنيسة الصغيرة التي يعرفها منذ الطفولة في زقاق فيشنياكوفسك. لم يعد هنا حانوت بيع الخبز ولا حوانيت الخضار الصغيرة ولا الفيلات المسكونة المكونة من طبقتين ولا أنصاف الأعمدة الحجرية عند مداخل الأفنية ولا الحمام الشبع على أسطح الأقفاص. انتصب هناك، حيث كانت هذه الأفنية والفيلات القديمة وأشجار الزيزفون التي يبلغ عمرها مئات السنين، بناء ضخم متعدد الطبقات، واغبرّ متسخاً، وشق جدار واجهته السماء البنفسجية مع حلول المساء بسخافة وعلى نحو مسطح، وبرزت لافتات محل الالكترونيات فيه وشرفاته غير الجميلة التي جففت عليها بياضات مرقشة ووضعت عليها صناديق وزلاجات، أما قبالة الكنيسة وخلف سياجها فابتعد إلى الأعلى فوق الزقاق باستعلاء وعلى نحو أخرق برج من أربع عشرة طبقة – وانسل هؤلاء الدخلاء الغرباء وهؤلاء المحتلون الأجانب إلى عيني فاسيلييف بعداء وقبح مستهتر معاصر- وفهم أنه تأخر في القدوم إلى هنا، إلى أرض طفولته، وأن خداعاً قد ارتكب شبيهاً باغتصاب لا يمكن تفسيره.‏

نظر إلى إيليا عند زاوية لوجنيكوفسك، لكن هذا الآخر صمت منطوياً، وسرى ارتباك يكاد لا يلحظ، على شكل تشنج غامض، على وجهه، وخيل أن هذا كان ابتسامة ضعيفة غير مكتملة، تشبه انعكاس التعرف غير الواضح على الطفولي والقديم الذي ظل في كوات الثلج الضارب إلى الزرقة والمستقر على أغصان حور الطريق، وفي مياه أنابيب تصريف مياه الثلج الذائب المتجلدة والمبللة، وفي النوازل الجليدية المتشكلة على الأفاريز والتي تتساقط القطرات منها، وفي الستائر الشفافة الرقيقة على نوافذ الطبقات الأولى، وفي تشعث الشمس المنخفضة الثابت فوق الأسطح البيضاء ذات الزرقة المؤلمة في الأقسام المائلة والظليلة منها، والتي تصير على هذه الحال مع اقتراب الربيع، والتي انحفرت في الذاكرة لسبب ما في الأعوام المنصرمة إلى الأبد. لم يمس الزمن ذلك كلـه- الجليد على المزاريب، وشرارات الشمس على النوازل، والقطرات، والظلال، وحتى هواء شباط الفواح بشيء ما رطب ومر قليلاً كأنه دخان مدافئ. وسمع فاسيلييف بوضوح كيف لفظ إيليا هامساً:‏

"-أذكر، هكذا كان." وتنشق الـهواء بأنفه متوهاً ناظريه على أسطح الأبنية.‏

سألـه فاسيلييف: "-هل قلت شيئاً؟ قلت: هكذا كان؟"‏

أجاب إيليا متمهلاً، وقد أدهشت فاسيلييف نبرة صوته الجافة:‏

"-لقد صمتُ، وفكرت –نسيت كل شيء- كل شيء... سيظهر الآن فوج الإطفاء.. وبناؤنا. أظن... رقمه أربعة... أذكر المرآب جيداً في هذه الجهة".‏

"-أذكره أيضاً".‏

قام هنا مرآب فوج الإطفاء المعروف في المنطقة كلـها، وكانت بوابته قبل الحرب مطلية دائماً بلون العشب، وكانت تظل مفتوحة عادة في صباحات الصيف الحارة فيبدو للعيان كيف كانوا هناك، في البرودة المعتمة قليلاً والفواحة برائحة الزيت، يغسلون برشات مرنة من فوهات الخراطيم السيارات الحمراء الملساء واللامعة بتأثير المياه وذات جرس الإنذار الذهبي الرنان، الذي يبدأ يقرع بعنف ما إن تخرج السيارات من المرآب لطارئ ما ويظل يقرع إلى أن تختفي باتجاه زاتسبيا في الغسق المتشكل بتضافر أغصان الحور الكثيفة المتدلية فوق الشارع. قام الآن عوضاً عن بوابة المرآب الخضراء جدار متقشر الطينة وازرقت فيه شاحبة بنور مشع خفيف نافذة محترف ما...‏

لا، كان خطأً اصطحاب إيليا إلى هنا، كان تهديماً لركن الطفولة الفرح في روحه، للزمن الشاب قبل الحرب وبعدها (أفضل أعوام حياته)، وصار هذا الخطأ واضحاً خصوصاً حين رأى الفناء العزيز من غير سياج وبوابة، مهملاً، رثاً، ضئيلاً، مليئاً بالكثبان عن آخره، وليس فناء بل بقايا فناء، فمن اليمين تعدى عليه بناء جديد من خمس طبقات بواجهاته الرمادية، ومن اليسار جدار أسمنتي لبناء رمادي جديد أيضاً ذي ألواح زجاجية مربعة، بني على الأرجح في الأعوام الأخيرة مكان الفيلات ثنائية الطبقات ذات المداخل المظللة (حيث كان المارة في وقت ما يختبئون من المطر). والدرابزون الحديدي على الشرفات المحمولة على أكتاف الأطالسة الجبارة، الذين كانت شمس الغروب تنير بدفء عضلاتهم خلل أوراق الزيزفون.‏

لم يكن الفناء ولا كل ما كّون الفناء موجوداً، بيد أن بناءهما ثنائي الطبقات المتسخ بالـهباب القاتم ظل سليماً، وكذلك مدخلـه المظلم المتداعي المائل ودرجاته الخشبية. كانت نوافذ الطبقة الأولى المغبرة وحدها المغطاة في كل مكان من الداخل بالصحف المصفرة – لم يعد أحد يسكن في الأسفل.لكن النوافذ العلوية ذات الستائر المزاحة بدت وكأنها لا تزال محافظة على الأنفاس البشرية، و قادتهما الطريق الضيقة بين الكثبان إلى غرفة المدخل. راحت امرأة مجهولة في منديل موبر تضرب سجادة صغيرة على الثلج قرب الدرجات، فجفل قلب فاسيلييف: رايسا ميخائيلوفنا؟ بيد أن تلك المرأة مسطحة الوجه وقصيرة الجسم، والتي لم تسكن من قبل في فنائهما أبداً، باعدت بطريقة تدل على أنها من أصحاب المكان، بين ساقيها السمينتين المنتعلتين جزمة، وأدخلت شعرها المنزلق تحت المنديل، وبدأت تضرب بالعصا من جديد ضربات مدوية نافضة الغبار.‏

سارا عبر الممر. توقف إيليا قرب المدخل وهو ينظر إلى المرأة مخمناً، وتمتم: "مرحباً"، ثم التفت فوراً إلى فاسيلييف مستفهماً بقلق: "من هذه المرأة التي نسيها على الأرجح؟ " أجابه فاسيلييف بضم كتفيه: "-لا أعرفها أيضاً".‏

كانت تفوح من قبل عند السلم المتين في المدخل رائحة الخشب القديم الجيد والغبار الجاف المائر صباحاً في عمود الشمس القادم من النافذة الجانبية، ورائحة المطبخ العامر، وشيء ما منزلي لا يمكن وصفه، أما الآن فالمكان هنا مهمل، وغير مريح، فسدت النافذة المحطمة بألواح تمرر ضوء النهار من بين شقوقها، وتفوح رائحة العفونة والفئران وبرد العليِّات.‏

بدا السلم المؤدي إلى الطبقة الثانية صغيراً وضيقاً مثل الممر الكئيب في الأعلى، وبدت الأبواب المخدوشة ضئيلة، وصارت النوافذ واطئة كما في القرى –عاد كل شيء مختلفاً بائساً، وحين صعدا تلفت فاسيلييف حولـه أيضاً في الطبقة الثانية شاعراً بألم حلو.‏

"ههنا في وقت ما كانت الحياة خالية من الغيوم ومشمسة وسعيدة..."‏

تبادلا النظرات.‏

قال إيليا صاغراً: "-ساعدني يا إلـهي". ثم خلع قبعته كالمحكوم وأمسكها بيده المسبلة، وتحرك نحو باب منزلـهم، الأول إلى اليمين، ذي الطلاء المقشور منذ زمن، والذي عُلِّق عليه على نحو مائل صندوق بريد متقشر أيضاً أُلصق عليه شريط من الورق، فقرأ بهمس مسموع:‏

"-رايسا ميخائيلوفنا رامـ ـ ـزينا..."‏

ولم يكن ما صعق فاسيلييف هو وجه إيليا غير الواثق، وشحوبه العاجي، بل صوته المتلعثم الذي لفظ كنيته وكأنها غريبة عنه ويسمعها أول مرة.‏

قال فاسيلييف وهو ينظر إلى آخر الممر، حيث اصفرّ كالبيض الباب الأخير المكسو بجلد اصطناعي جديد وغير المعروف بصفرته الفاقعة الحالية، والذي يجب أن تكون وراءه غرفتاهم المتلاصقتان، بنوافذهما المطلة على الفناء والمشرعتان دائماً منذ الربيع للخضرة الفرحة ولبرودة الزيزفون. من يعيش هناك الآن وراء هذا الباب الأصفر المخيف؟‏

"-ربما الأفضل أن تدخل وحدك. سأنتظرك هنا".‏

رجاه إيليا، ولم ير فاسيلييف من قبل أبداً في عينيه مثل هذا التعبير الوجل والعاجز:‏

"-أرجوك أن تدخل معي ولو دقيقة واحدة. أتوسل إليك أن تساعدني يا فولوديا..."‏

"-اقرع الباب يا إيليا".‏

"-حالاً...".‏

قرع خائفاً، فلم يرد أحد من وراء الباب. قرع مرة أخرى، وضغط بحذر الباب بأصابعه منصتاً ففتح من غير صرير المفاصل وزعيقها الصدئ الذي يصادف كثيراً في المنازل الآيلة إلى الدمار، وكان أول ما شعر به فاسيلييف هو الـهدوء الراسخ والثابت المنبعث من الغرفة المنارة بالشمس عبر نافذتين.‏

ساد الصمت هنا. كانت مملكتها هنا بخزائن الكتب ذات المصاريع نفسها، المصفوفة على امتداد الجدار الأيسر، وبالمرآة القائمة القديمة نفسها في إطارها المصنوع من الخشب المحفور وبالخزانة الصغيرة نفسها، لكن شيئاً ما أعاق على الفور وعلى نحو مقلق الإحساس بالقديم غير الممسوس: لم تكن هناك منضدة الكتابة الخاصة بإيليا موجودة، ولم تكن صوفاه البدائية المزينة برف من المرايا، التي كان يستلقي عليها أحياناً ويرفع الأثقال كي يقوى عضلات يديه.‏

لم يتمكن فاسيلييف من تفحص ما ظل على حالـه وما تغير في النصف الأيمن من الغرفة لأنه رأى هناك الباب المفتوح للمدفأة الـهولندية الآخذة في الانطفاء، وفي الأريكة قبالة منضدة الطعام (أمام النافذة المطلة على سطح المدخل المغمور بالثلج) امرأة نحيلة شاب شعرها حتى صار أبيض خالصاً، تضع على عينيها نظارة ذات إطار معدني كتلك التي كانت تضعها المعلمات قبل الحرب. لم يعرف فيها رايسا ميخائيلوفنا بل خمن ذلك تخميناً، ثم سمع في الحال صوت إيليا الأصم المخنوق: "ماما...". سار نحوها ممسكاً قبعته بإحدى يديه على نحو أخرق. أما هي فنقلت آليا على نحو ما الكتاب السميك من على ركبتيها إلى حافة المنضدة وهي تستقيم، وخلعت نظارتها، وتكلمت بصوت واهن: "-إيليوشا؟.. "ونهضت، وسارت للقائه بخطا صغيرة.‏

"-ماما..."‏

ألصق وجنته بصدغها وهو يحتضنها وتسمر هكذا، أما هي فوقفت كالميتة مرجعة رأسها ذا الحزمة الشيباء عند القذال، وحدهما شفتاها البيضاوان راحتا تتحركان وتنطقان بكلمات تكاد لا تسمع ولا تدرك: "-لماذا يا إيليوشا، كيف استطعت... طوال هذا الوقت؟"‏

تكلم إيليا بحرص في وضع الانحناء من غير أن يفك عناقها، ولا يزال ممسكاً بخراقة منسية القبعة خلف ظهرها، لكن حاجبيه راحا يقفزان وكأنه يكبت نحيبه: "-ماما، ماما، يا غاليتي.. سامحوني(1) على كل شيء... أنا مذنب في حقكم، مذنب..."‏

تنحت قليلاً وهي تتفحصه بابتسامة متكلفة وهمست: "-هل هذا أنت يا إيليوشا؟ وأنت حي؟.‏

"-هذا أنا يا ماما. أتيت لأراكم".‏

قالت وهي تمسد وجنته، فأمسك يدها مغمضاً عينيه، وضغطها بفمه: "-وصرت على هذه الحال يا إيليوشا؟ تجاعيد وأشيب تماماً؟ حين روت لي ماشا كيف التقيتم في الخارج لم أتخيلك أشيب. كنت أحلم بك ولداً دائماً." وأومأت برأسها لفاسيلييف الواقف عند الباب: "-حين ذهبت مع فولوديا إلى الحرب كنتما ولدين... انقضت حياة كاملة. مرت كالحلم..."‏

وهنا فقط بكت مرتعشة وراحت ترمش بجفنيها جاهدة كي لا تذرف دموع العجائز الصغيرة لكنها أخذت قبعة إيليا في الحال ووضعتها على المنضدة داعية إياه بعينيها المبللتين إلى الغرفة وطلبت من فاسيلييف متكلمة بصوت متماسك:‏

"-اخلع معطفك من فضلك، وأنت أيضاً، يا فولوديا، اخلع معطفك... كم سنة، كم سنة مرت. الحمد للـه أنك حي يا إيليوشا. " تكلمت وهي تغمز برموشها النادرة الرطبة: "-أذكر كيف عدتما من الخنادق، وكيف جلستما وراء هذه المنضدة. كم سنة مضت... " كررت رايسا ميخائيلوفنا بهمس مرتجف: "-أما أنا فعشت الحياة كلـها وحدي... كم تقلبت أفكاري حولك يا إيليوشا، صدقت ولم أصدق. يا للورقة المرعبة التي جاءتني: ضاع من غير أثر... ويا للفراغ الذي حل في الروح... أين أنت؟ في الأسر؟ قتلت؟ ماذا حل بك؟ كم فكرت بك، كم من الدموع ذرفت في الليالي يا إيليوشينكا. ولم تصلني منك ولو رسالة صغيرة، ولو كلمة... كيف استطعت ذلك طوال هذا الوقت؟ يا بني، يا وحيدي، يا أعز إنسان... كان من الممكن أن أموت... لماذا تركتني أتعذب بقسوة كل هذه السنين؟..."‏

قال إيليا خالعاً معطفه وملتفتاً باستعجال، بوجه متوسل نحو أمه، وكأنه خائف من دموعها، ومما لم تعانه بعد من يأس الفقدان، ومن تأنيبها المنفلت من غير قصد: "-ماما، سامحوني إن كنتم تستطيعون، سامحوني كرمى للـه. سأروي لكم كل شيء، يجب أن تسمعوني يا أماه، أريد أن أروي لكم كل شيء..."‏

قالت رايسا ميخائيلوفنا: "-ها أنت تخاطبني بصيغة الجمع يا إيليوشا. لماذا تخاطبني بصيغة الجمع كالغريبة؟"‏

"-اعذروني يا ماما. كنت أذكركم. كنت أذكركم طوال هذه السنين..."‏

"-وهل عدت نهائياً؟ أين أسرتك؟"‏

أطلق إيليا زفرة مصحوبة بأنين، واقترب منها وكأنه رازح كلـه تحت وطأة نظرتها المتسائلة، فدلك يديه وضمهما ثم حررهما بانصياع مذنب: "-اغفري لي يا أمي. ليس لي أسرة. أتيت وحدي... كان عليّ أن أراك يا ماما".‏

"-وحدك؟ وأين زوجك يا إيليوشا".‏

"-أنا أرمل يا أماه".‏

فكر فاسيلييف معانياً من حرج شديد بسبب من وجوده واقفاً عند الباب من غير أن يخلع معطفه: "ما كنت لأتصور إيليا أبداً مغرماً بأمه هكذا وحائراً أمامها. لكن تعذبني وتلاحقني فكرة أن إيليا جاء ليودعها. يا لللطف الذي ينظر به إلى رايسا ميخائيلوفنا، يا لرغبته في أن يبتسم لـها ويمسح يديها وللوجل الذي يعتريه من أسئلتها... نعم، نعم. هذا هو إيليا الذي يرتدي بذوق رفيع بزة رائعة، والحليق بعناية، لا بل الوسيم أيضاً، لكنه ميت. لن يكون على الأرض بعد عام أو عامين. ورايسا ميخائيلوفنا لا تعرف ذلك. ستعيش أكثر منه. ما دمت أفكر بهذا طوال الوقت فهذا معناه أنني لا أرغب في أية حال بالموافقة على موته".‏

"-سأغيب يا رايسا ميخائيلوفنا لأشتري السجائر. نسيت، لو تدرين، العلبة في المرسم. أظن أن ثمة كشكاً هنا عند الركن؟ سأعود حالاً، يا للأسف".‏

وضرب فاسيلييف على سبيل البرهان جيبيه وخرج حالاً إلى الممر من غير أن ينتظر ممانعتهما إياه. لقد فهم أنه لم يعد قادراً على مساعدة لا إيليا ولا رايسا ميخائيلوفنا بمشاركة غير مقصودة منه.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:42 AM   المشاركة رقم: 36
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



لم ينعطف فاسيلييف في الممر نحو المخرج بل إلى اليمين، نحو نهاية الممر، نحو ذلك الباب الضارب إلى الصفرة الذي جذبه على نحو لا يقاوم، وذي قبعات المسامير المعدنية البراقة المطروقة في الجلد الاصطناعي الجديد الذي يكسوه. جلس على حافة النافذة منصتاً إلى الصمت وراء باب هاتين الغرفتين اللتين صارتا غريبتين، وفكر في أنه يتمنى لو يلقي نظرة، ولو دقيقة واحدة، إلى هناك كي يرى فقط المدفأة الـهولندية المغطاة بالبلاط، والتي كانت صوفاه قبالتها.‏

"-إلى أين أيها المواطن؟ عمن تبحث؟ ‍آ ؟"‏

صوبت المرأة قصيرة القامة في المنديل الموبر، التي التقيا بها قبل قليل في الفناء، نحو فاسيلييف نظرة عدائية ضاربة إلى البياض من تحت جبينها مع لـهاث مصفّر، وهي تضم إلى بطنها بقوة السجادة الصغيرة الملفوفة.‏

شرع فاسيلييف يتكلم: "- أنت... في هذه الشقة؟ أنا، كما ترين، في وقت ما... " مسه على نحو غريب أن هذه المرأة الدميمة وغير البشوشة تعيش في غرفتيهم، وأن وجهها المسطح بدا وكأنه مستعد لإطلاق صرخة مدوية وللصراع الغاضب دفاعاً عن بابها، فلم يكمل كلامه وقاطع نفسه بابتسامة ساخرة: "باردون مدام. لم آت إليك. يا للأسف، لم أرك هنا أبداً. آسف أسفاً شديداً يا مدام أن شخصك لم يزين هذا البناء من قبل. "قال هذه الجملة الساخرة التي خطرت لـه لسبب غير معروف، والخالية تماماً من أي معنى، وبعد أن قالـها فرقع بكعبي حذائه وأحنى رأسه كما يفعل الفرسان، وراح يفكر في الوقت نفسه بأسى بهذه الصبيانية: " يبدو أنني سأجن..."‏

تنحنح في الخلف صوت فيه مسحة من الشجار حين اتجه فاسيلييف نحو السلم: "-هه، يسيرون ومظهرهم كمظهر المثقفين، يعتمرون القبعات، أما هم في الواقع فزعران..."‏

"مثقفون زعران يسيرون في القبعات". ظلت هذه الجملة ترن فيه برخامة لاذعة إلى أن هبط إلى المدخل الفواح برائحة العفن.‏

لفحته الرطوبة الناعمة التي حملـها هواء ذوبان الثلج، لكنه لم يشعر بالارتياح التام في الفناء أيضاً، حيث راح جدار البناء المجاور خماسي الطبقات يلتهب كلـه في الغروب المبكر، وزأر من خلفه محرك مهتزاً بكل قوته تارة ومخفضاً عدد دوراته تارة أخرى، وصرّت الجنازير وترددت أصوات ضربات ثقيلة، وانهال شيء ما، وحف وسال تحت هذه الضربات التي ملأ وقعها الزقاق.‏

"مثقفون زعران يسيرون في القبعات". سخر فاسيلييف من نفسه ذهنياً، فيما قاده الممر بين الكثبان المحمرة إلى حيث كان المدخل إلى الفناء والبوابة الخشبية.‏

وقف هنا متلفتاً ومستنشقاً رائحة الثلج الذائب، وراح يتخيل فجاءة أمراً آخر: غسق الصيف البعيد ودفء الغروب الـهادئ في ذرا الزيزفون غير المتحركة، والبريق الـهادئ لزجاج العليات كالبحيرات الصغيرة في الغابات في غبش المساء، أما في الأسفل فتناهى في أماكن متفرقة من النوافذ المفتوحة وعبر أوراق الأشجار ضوء المصابيح المنزلية وتناهت أصوات مكبوتة ورنين الأواني... ثم ليلة حارة من ليالي تموز والنجوم فوق الأشجار وفوق الـهوائيات القاتمة، والبوابة الخشبية المغلقة بالمزلاج حتى الصباح من قبل البواب العم أخميت، والفناء الليلي الذي يبدو كالمطوق والمعزول عن الأزقة والشوارع الـهادئة، والمتحد في الداخل بالثقة المتبادلة الشبيهة تقريباً بالثقة بين الأقرباء: أخرج إلى تحت كل نافذة سرير قديم من السقائف، ووضعت المفارش على المقاعد والألواح الخشبية، وابيضت الوسائد في الظلمة، وراح الجيران يتبادلون الأحاديث بأصوات غير عالية قبل النوم، ويتردد أحياناً ضحك طفولي مغطى بالبطانية، أما حول الفناء فسبح صمت الليل الساكن القادم من الأفنية الأخرى، ومن الشوارع القريبة وزاموسكفوريتشيه كلـها. وفي تلك الساعات كانت الرغبة تراوده في النظر طويلاً من السرير إلى السحر المتزحزح في الأعماق الزرق القاتمة، وإلى الحركة الغريبة والتشكل الغامض لمعينات النجوم ومثلثاتها، وفي أن يشعر بوجهه بعد أن يغفو ويستيقظ بهبوب النسيم المتبرد وأن ينكمش بسبب من إحساسه بالصلة السرية مع السماء، وأن يسمع من مكان ما بعيد صوت عواء حافلة كهربائية متأخرة.‏

فكر فاسيلييف متخيلاً بوضوحٍ الفرح الطفولي بالليلة الـهادئة والنجوم وذرا الزيزفون القاتمة في الفناء حتى أنه أحس برائحة نسيم الصباح وبالوسادة الباردة تحت وجنته في الـهواء الطلق: "ما هذا الذي كان؟ أهي العراقة العزيزة التي تتصف بها أفنية التجار؟ لا، كان أمراً آخر ما هو؟ الحنين إلى الماضي؟ لا، إنه بغض النظر عن أي شيء التقارب الواثق بين أناس يقطنون معاً. وكان الأمل الوحيد. وكان لدى الجميع كفاية متواضعة ومتماثلة... أين هذا كلـه؟ هل غرق في نهر الزمن؟ هل رحل من غير أثر؟"‏

***‏

هز المحرك الـهواء بزئيره، ودوى خلف البناء خماسي الطبقات، وتناهت أصوات الضربات البليدة منتظمةً، فاقترب فاسيلييف من منعطف الزقاق نافد الصبر، تتملكه الرغبة في أن يرى ماذا يبنون هناك.‏

تحركت خلف السياج المقام من ألواح الخشب عربة مجنزرة شبيهة بالرافعة فوق ركام الطوب المتكسر، وراحت كرة فولاذية معلقة على خطافها تتأرجح على نحو رهيب وتضرب باضطراد صدر الجدار المشوه –علق الغبار البني في الـهواء وانهالت الطينة، وراح الطوب الأحمر المتحطم يتساقط ويطرق الأرض، وهوت عوارض الجسور السميكة. كان الجدار لا يزال قائماً ومحافظاً بأعجوبة على كورنيش الفيلا المزين بالأشكال الجدارية، وفي الأسفل هب الـهواء عبر فتحات النوافذ المحطمة وفتحة باب الشرفة العريضة ذات الدرابزون الحديدي المبروم والمتضافر ليشكل وريقات الزنبق المتفتح السوداء، أما الأطالسة تحته، المغبرون، نصف المحطمين، فكانوا لا يزالون يسندون بمناكبهم المتوترة وبآخر ما يملكون من قوة الشرفة المهتزة مع كل ضربة مدوية من الكرة الفولاذية الرنانة التي لا ترحم. كان هذا بقايا واجهة الفيلا ثنائية الطبقات لمالك معمل الحلويات السابق على الأرجح، والتي وضعت فيها قبل الحرب مكتبة للأطفال. وشعر فاسيلييف بالألم في صدغيه بسبب من عدم وضوح أو فهم لزوم تهديم هذه الفيلا القديمة، التي كحلت الأنظار وسط أشجار الزيزفون النامية منذ قرون بشرفاتها و مزاغلـها المزخرفة ودوارات الـهواء المغنية فوق الأبراج وبمدخلـها المشيد على شكل بوابة عالية-و بسبب من زئير المحرك الذي يرج الأرض كهدير الدبابات، وتأرجحات الكرة وضرباتها القاتلة شعر بالألم في صدغيه.‏

نظر باشمئزاز إلى الكرة الثقيلة المتأرجحة ببلادة أمام الجدار المشوه، وفكر بإيليا ورايسا ميخائيلوفنا وبالفناء غير الموجود وبانعدام الفائدة من جهود البشر للمحافظة على أنفسهم في الزمن.‏

"أنا مستعد لأن أوافق على أنني مذنب أيضاً في هذا كلـه. لكن من أين هذه الشيطنه الـهدامة؟ هل يعقل أن لا يبقى الماضي، وأن لا يذكر أحد شيئاً؟ ولا أياً منا؟ سيهدمون البناء القديم ويبنون بناء جديداً مسبق الصنع، ثم يأتي آخرون بعدنا ويهدمون الأبنية مسبقة الصنع ويبنون أبنية أقبح... وربما سيتناثر ماضينا في الكون مثل ذرات الغبار. وحدها ذاكرة القليلين... ربما وحده الفن قد يحفظ شيئاً ما قليلاً..."‏

وسار في الزقاق المرتج من دوي الصدمات، وقد أثارته سخافة هذا التدمير، وتذكر لسبب ما كيف راحت مرة زوبعة في أمسية من أمسيات شباط بعد الحرب تدور بعنف خاص في هذا الزقاق، مثيرة الغبار الثلجي عن الأسطح وعن ذرا الكثبيات، وكيف سارت الأقماع وبرمت على قارعة الطريق، وتأرجحت المصابيح في كل مكان وصرَّت مع أشجار الزيزفون المتجمدة، وصار نور متكدر يتخطر على الأسيجة إلى الأعلى تارة وإلى الأسفل تارة أخرى، وكيف ظهر بصعوبة خلل هذه العاصفة الثلجية المدخنة منزل منار عند المنعطف مع أبراج الحراسة فيه ودورات الـهواء المصفرة كالزعران، أما هو- وكان لا يزال في معطفه الرسمي- فسار مع ماشا غير حليق الذقن، مرحاً، تلسعه الزوبعة، ولم ير عينيها اللتين حجبهما فراء الياقة. لقد رأى جزءاً من جبينها فقط وحاجبيها المشعثين اللذين علق الثلج بهما، وكان غالباً ما يتوقف مبتسماً ("ماشا، ماشا") ويجذبها من كتفيها ثانياً عن وجهها الياقة اللزجة المبللة، ويبدأ يقبل غير مستعجل شفتيها الرطبتين، الفواحتين برائحة الشتاء والحلوتين حلاوة لا حد لـها، فتعبس وتنشب في صدره يدها المدفونة في القفاز، وكان يظل ممسكاً بها برقة متعطشة...‏

فكر فاسيلييف: "هذا أيضاً غير موجود. بقي في ذاكرتي وحسب".‏

كان صوت الكرة الحديدية المتين، التي راحت تهدم بقايا واجهة البناء، شبيهاً بضربات كتل الدبابات على جدران الطوب (حدث مرة في كامينيتس بودولسك قرب القلعة حين راحت الدبابات الألمانية تهاجم)، وقد رافق هذا الصوت المنتظم للحديد المنغرز في الطوب فاسيلييف حتى المنعطف نحو شارع لوجنيكوفسك، حتى مكان بوابة بنائهم السابقة، ولم يهدأ الألم المضني في صدغيه. شعر بالأسف لأنه، بسبب من انشغالـه كالثور المخصي بعملـه الذي لا ينتهي، وبسبب من إرضاء الذات المغرورة، لم يأت منذ قرابة العشر سنوات إلى ركن الطفولة هذا، وكان في مقدوره أن لا يرى بقاياه لولا إيليا. لم يستطع أن يغفر لنفسه هدر الوقت الذي لا يعوض وتأجيلـه المخادع والمهدئ إلى "ما بعد"، كما لو أنه كان يأمل في حياة ثانية.‏

"إذن، الوداع أيها الزقاق العزيز. كان عليَّ أن آتي إلى هنا مصطحباً مسودة الرسم منذ زمن بعيد، لكنني لم آت..."‏

كانت العودة إلى آل رامزين صعبة عليه، لم يشأ أن يرى دهليزهم والتناثر الظافر لرؤوس مسامير التنجيد الفضية على الجلد الصناعي الأصفر على بابهم العزيز منذ الطفولة، والذي بدا وكأنه يدفعه عنه بخيانة ما مرتكبة، وبخنوع الزمن المذل أمام تلك المرأة المتجهمة ذات الوجه المسطح.‏

صعد بعد قرابة الساعة ونصف الساعة إلى رايسا ميخائيلوفنا ليودعها، وحين قرع الباب وفتحه بعد أن سمع أصواتاً مكبوتة أوقفته للوهلة الأولى فكرة أنه وصل، على الرغم من كل شيء، في الوقت غير المناسب، لكن الخروج صار مستحيلاً. التفت إيليا عن المنضدة، ونظر إلى فاسيلييف وكأنه يكبح استياءه: "-هيا ادخل، ادخل، لا تتخبط عند العتبة، ليس ثمة أسرار. " وعاد يتكلم من جديد موجهاً حديثه لرايسا ميخائيلوفنا، وقد شابت صوته الحيرة:‏

"- ماما، لن أستطيع الرحيل على هذا النحو، عليك أن تفهميني. أريد أن تكون شيخوختك هادئة".‏

جلست في الأريكة مغطية وجهها بأسى بيديها الجافتين، وبانت على المنضدة قرب الفناجين وصحون المربى رزمة من أوراق مالية خضراء جديدة، قرّبها إيليا من رايسا ميخائيلوفنا متابعاً حديثه بارتباك:‏

"- لست فقيراً يا أماه، صدقيني. لن تتسببي في إفلاسي. سأرسل لك كل شهرة مائة وخمسين دولاراً لمصاريفك. ثمة في موسكو محلات بيريوزكا(2) ممتازة، وبالعملة الصعبة سيكون في مقدورك..."‏

أزاحت رايسا ميخائيلوفنا يديها عن وجهها ونظرت إليه من الأسفل إلى الأعلى بعينين جافتين وبتعبير مرّ عن المصاب الكبير والتعب الروحي، وقالت مبتسمة ابتسامة ضعيفة:‏

"- كم تأخر الوقت يا إيليوشا. مضى العمر كلـه. لقد وصلتَ مع نهاية حياتي".‏

تمتم إيليا من غير أن يقدر على إخفاء استيائه: "-أرى يا أماه أنك لست سعيدة لمجيئي. أما أنا فأردت... لا يمكنك أن تتصوري كم رغبت في رؤيتك. بقينا، أنا وأنت، وحدنا. وحدنا في هذا العالم كلـه".‏

ترنحت رايسا ميخائيلوفنا إلى الأمام كالمغشي عليها، وضغطت صدغيها براحتيها، وتكلمت بهمس كهمس المصلين، وبألم منفلت مفزع، وبدموع داخلية غير مذروفة:‏

"-لماذا هذا العقاب. عشت حياتك كلـها مستغنياً عني يا إيليوشا، استطعت... أن تعيش مستغنياً عني في مكان ما. أما الآن فجئت تقول إنك تحبني وتعرض عليّ نقوداً... ما حاجتي إلى النقود الأجنبية في سني شيخوختي يا إيليوشا؟ لم أعد أرغب في شيء. لن آخذها معي إلى القبر. " هتفت رايسا ميخائيلوفنا بذلك وهي تمعن النظر إلى شحوب وجنتيه النحيلتين الرمادي، أما هو فظل واقفاً على بعد خطوتين عن الأريكة مسنداً أصابعه إلى حافة المنضدة حتى انثنت بمرونة وابيضت، وكان ينظر بثبات إلى آنية المربى: "-كنت أحتاج إلى حبك وحسب يا إيليوشا. لكنك استطعت أن تحيا حياتك كلـها مستغنياً عني. " رددت رايسا ميخائيلوفنا ذلك بفتور: "-اعذرني، قلت كل شيء... كي لا يعذب واحدنا الآخر بالواجبات المزيفة. آه، كم تعبت اليوم، خارت قواي... " أغمضت عينيها منهكة، وجلست على هذا النحو بعض الوقت، ثم أكملت كلامها وفي صوتها رجفة وهن: "-اذهب يا إيليوشا، انتظرك فولوديا طويلاً. تعال إليّ مرة أخرى... قبل سفرك. خذ النقود. ستحتاج إليها..."‏

قال إيليا، وقد اقترب من الأريكة بساقين مستقيمتين، وانحنى متصلباً ووجلاً، وقبّل صدغ أمه حيث بانت عروقها الزرقاء: "-سأمر بك يا ماما من بعد إذنك. " أما هي فمست بخفة كتفه بأصابعها الثلاث المضمومة، فتمتم: "-ماما، ماما. سامحيني وإلى اللقاء. سامحيني على كل شيء...".‏

تذكر فاسيلييف جيداً كيف راح إيليا يدس حزمة الأوراق الخضراء في محفظته كالأعمى، وكيف أومأت رايسا ميخائيلوفنا لـهما حزينة متعبة من غير أن تقف، وكيف هبطا على السلم المتقلقل إلى غرفة المدخل وخرجا إلى الزقاق، حيث أصابهما بالصمم زئير الجرافة، وقد وحدهما صمتهما وحال بينهما – لم يتكلم إيليا إلا عند منعطف فيشنيافسك، إذ تمتم: "قف." وتلكأ ناظراً إلى امتداد الشارع الذي عتمه الغروب، حيث تدلى باكراً فوق غصون الزيزفون العارية في السماء الخضراء الفاتحة بدر ما قبل الربيع الشفاف، وتنشق بأنفه الـهواء المشبع برطوبة الثلج الذائب، وتكلم بحدة متجهمة:‏

"-هل على الابن الضال أن يعود إلى الأماكن المقدسة؟ ثمن الرومانسية في زمننا باهظ. "يوضع النعش حيث المائدة عامرة بالأطايب".‏

قال ذلك شاحباً وساخراً من نفسه، لكن وجهه صار غاضباً على نحو مكشوف وقاسياً، مذكراً في شيء ما بإيليا الآخر من عام ثلاثة وأربعين، صباح يوم العودة إلى المدافع المحاصرة من قبل الألمان عند معبر السكة الحديدية.‏

(1) يحدث والدته بصيغة الجمع احتراماً لـها (المعرب).‏

(2) محلات تجارية تبيع البضائع المستوردة بالعملات الصعبة (المعرب).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:47 AM   المشاركة رقم: 37
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


الفصل السادس عشر




أدهشه في البدء النور في نوافذ شقته المضاءة مثل شريط في الطبقة الثامنة، وحين فتحت ماريا الباب صعقته ظلال الحداد تحت عينيها. قبّلـها على عجل والشك لا يخامره في أن شيئاً ما غير سليم قد حدث في المنزل، وسألـها قلقاً:‏

"-ماشا؟ ما بك؟"‏

"-شكراً لأنك أتيت. اتصلت بك في المرسم لأنني لم أستطع..."‏

دخلت الغرفة وتهالكت على مسند الأريكة تحت المصباح القائم، ورتبت ثوبها المنزلي على ساقيها، وتناولت عن حافة صحن السجائر السيجارة المدخنة. بدا أن ماريا كانت تقرأ وحيدة هنا وهي تنتظره: استلقى الكتاب الإنكليزي المفتوح على منضدة الصحف.‏

قالت ماريا، وقد وضعت الكتاب على ركبتيها لسبب ما: "-لم أشأ أن أوقظك. لكن سامحني، لست على ما يرام. كل شيء يصير مخيفاً. اتصلت فيكتوريا في السادسة مساءً. قالت إنها تتكلم من هاتف عمومي في طريقها إلى المنزل، وها هي الساعة الآن الثانية ليلاً ولم تعد. لا يمكنك أن تتخيل شيئاً لم أفكر به. يا إلـهي..."‏

أوقفها فاسيلييف بلين مهدئ مصطنع: "-انتظري يا ماشا، انتظري. مع من كانت؟ هل رافقها أحدهم؟"‏

"-لم أسألـها مع من كانت، لم أفطن لذلك لأن الوقت كان مبكراً. أعلم أنهم يذهبون أحياناً إلى طريق ديميتروف، إلى مدرس مهنة التمثيل. ما اسمه؟ إنه مخرج مشهور بعض الشيء. هل تذكر الفيلم عن الصبي القروي الذي أثار ضجة؟ ماذا يسمونه؟ يجب أن تتذكره، أنت تعرفه..."‏

"-لا أذكر الفيلم يا ماشا. ببساطة لم أشاهده".‏

حرفت ماريا ركبتها نافدة الصبر ممسكة بالكتاب المفتوح الذي انزلق على قماش ثوبها.‏

قالت: "-عليك أن تتذكر. يا إلـهي، لن أحتمل..." وشعر من نظرتها إلى باب الغرفة المفتوح وإلى الـهاتف الصامت في الدهليز ومن أسلوب حديثها وإمساكها بالكتاب الذي أعاقها باهتياجها غير المبرر الآن، وفكر أن أفضل شيء هو أن لا يلحظ ذلك وينسى فوراً كيف حاول نسيان أمر جديد في علاقتهما نشأ على نحو مؤلم كعائق بينه وبينها في صباح من الصباحات الخريفية. تناولا حينئذ فطورهما. نظرت عبر النافذة إلى الأسطح الضبابية فشاهد فجاءة بقلق تدفق الدفء العميق من عينيها الرماديتين الغامقتين، والبريق الشاب الفائض منهما، وأحس أنه مغرم بها وأنه ممتلئ نحوها برقة قديمة، وصار يقول لـها سخافات مرحة، مفادها أنه يحبها أكثر مما أحبها منذ ثلاثين عاماً، لكنها عبست مستفسرة، وبدت تلك الليلة ذاتها، وهي في أحضانه، بعيدة، ميتة، فأشاحت بوجهها جانباً مخبئة شفتيها عن قبلاته، وكان في برودتها تلك وفي وصالـها الصاغر اللا مبالي شيء معروف ومخيف ومكدر.‏

لا، بدأ كل شيء قبل ذلك بكثير. لقد شعر بتنائيها منذ فينيسيا، حين رفضت أن يتعشيا معاً، وذهب هو إلى البار ليشرب هناك ويسترخي. ذلك المساء فهم رفضها على أنه نزوة تعب ناتجة عن التنقلات واللقاءات في المعارض والاستقبالات في روما، ولم يربط أبداً برود ماريا غير المفهوم برسالة إيليا وظهوره يوم افتتاح المعرض في روما، وحتى بلقائها به في مطعم في الضواحي (وهي ما روته لـه فيما بعد) –كان من المضحك أن يغار من مشاعر ما قبل الحرب الطفولية المنقضية.‏

ومع ذلك فإن الفكرة المهينة عن الغيرة المثيرة للضحك في سنه هذا، وفي الوقت نفسه معرفة ماريا مسبقاً بوصول إيليا إلى موسكو وإبلاغها رايسا ميخائيلوفنا بيوم وصولـه من غير أن تخبره شيئاً خدشت روحه بمخلبها على الرغم من أنه لم يرغب في أن يفكر بذلك.‏

قال فاسيلييف من غير أن ينظر إلى وجهها كي لا يرى دهشتها غير الحقيقية:‏

"-تعرفين على الأرجح يا ماشا أن إيليا وصل".‏

ردت على نحو عابر: "-وصل إيليا؟" نعم، أعرف. " ورمت الكتاب على الأريكة، ثم شرعت تسير في الغرفة حاضنة كتفيها بيدين متصالبتين: "-تقول إيليا- إيليا... لماذا شرعت تتكلم على إيليا؟ ما شأنه هنا؟... أين يمكن أن تكون؟ قل لي من فضلك أين؟ إذا كانوا قد عرجوا على مخرجهم فماذا في مقدورهم أن يفعلوا حتى الثانية ليلاً؟ وإن لم تكن عند المخرج فأين هي؟ أين؟ أين؟ ما اسمه؟ ماذا يدعى؟ ليوباريف؟ نيكونوف؟ لا، لا، آه، تذكرت... أظن... تيخوميروف. نعم، نعم تيخوميروف... " عضت شفتها وهي تنظر حولـها باحثة عن الاسم المفقود وكررت: "-نعم، نعم، أظنه نيكولاي ستيبانوفيتش تيخوميروف. أذكر أنها لفظت اسمه. يجب أن يكون رقم هاتفه لدينا، يجب أن يكون..."‏

سحبت في الدهليز مفكرة الـهاتف من تحت الرسائل والفواتير المختلفة المكومة على الخزانة الصغيرة، وشرعت تقلب صفحاتها بسرعة موقعة رماد السيجارة. اقترب فاسيلييف من الخلف، ورأى في المرآة وجهها المركّز المحني، المثير للشفقة والعزيز في كل تجعيدة، وفكر مرة أخرى بمرارة في أن كل شيء في هذا العالم معلق بشعرة، وقبض تشنج مفاجئ على صوته:‏

"-اسمحي لي أن أتصل، سيكون الأمر أسهل عليّ".‏

"-لو... لو ينقضي كل شيء معها... هل وجدت الرقم؟"‏

"-اهدأي يا ماشا".‏

وجد رقم هاتف نيكولاي ستيبانوفيتش تيخوميروف المسجل بخط فيكتوريا فطلبه، وتردد أزيز دوران القرص العجول عالياً في صمت الدهليز المطبق كإشارة أمل غير راسخ. لكن أحداً لم يرفع السماعة، ووصل الطنين الطويل أحادي النغمة من غير أن يرد عليه أحد من الصحراء المكتومة في الشقة الغريبة. لم ترفع السماعة حتى بعد أن طلب الرقم مرة ثالثة ورابعة. ظلت الشقة المجهولة في طرف المدينة الآخر صامتة كالسابق. وحين راح فاسيلييف يبحث عن الرقم ويتصل وينتظر الرد كان يلتقي كل دقيقة في المرآة بعيني ماريا الرماديتين القاتمتين المتسمرتين، فيحاول أن يهدئها بنظره شاعراً بقلق متنام من الجمود المنذر بالخطر في عينيها ومن الضوء الصحراوي المنار في كل مكان من الشقة، ومن الطنين اليتيم في السماعة، الذي بدا وكأنه يظهر من اللا وجود وينساب في الوجود على شكل خط متقطع –نحو هاوية موسكو الليلية الحالكة، حيث يمكن أن يحدث أي شيء...‏

لم يشأ أن يصدق كل هذا الليلي القاتم، لكنه حين تخيل ابنته النحيلة اللدنة مثل طائر التم وهشاشة عنقها وكتفيها وتخيل ساقيها الطويلين جداً وصدرها ناقص النمو والشفقة القاتلة التي يثيرها ذلك كلـه فيه، وحين تخيل ابتسامتها الداعية وصوتها المنساب: "مرحباً بابا" لم يعد يشعر بالاضطراب بل بزحزحة الرعب المتجلدة في أعلى معدته، وصار كل شيء على الفور تافهاً ما عدا هذا الشعور.‏

قال فاسيلييف من غير أن يرفع يده عن سماعة الـهاتف: "-اسمعي يا ماريا. ثمة رجل آخر لا هم لديه، ويمكن أن تكون عنده. إنه خالك العجيب إدوارد أركاد ييفيتش. يحدث أن تكون مونولوجاته بغير نهاية، والتهرب منها ليس سهلاً..."‏

هزت كتفيها برداً.‏

"-بدأت أتصل بالجميع منذ الثانية عشر والنصف ليلاً. اتصلت بإدوارد أركادييفيتش وبصديقك لوباتين، وبهذا المغفل سفيتوزاروف. لن تصدق، وجدت المغفل في المنزل، كان يشاهد مباراة بالـهوكي، وأكد لي أنه لم ير فيكا اليوم. أي عجز، أي عجز مرعب..."‏

تحدث فاسيلييف بصرامة: "-تعالي لنجلس يا ماشا ونفكر بهدوء. أينما كانت فيكتوريا فليس لنا سوى أمر وحيد هو الانتظار".‏

كررت: "-تقول الانتظار؟ " ثم تكلمت بسخرية متألمة: "-أليس لديك شعور بأنني أنتظر ابنتي في غرفة الضيوف هذه منذ عامين؟".‏

"-ماذا تريدين أن تقولي بذلك يا ماشا؟"‏

فحت الساعة في غرفة الضيوف، وقرعت المطرقة، ومع ازدياد الفحيح وقعت الضربة المقطوعة بصوت رخيم كثيف كصوت الأورغ، وترددت في الدهليز والغرف على شكل دوي بطيء وتوقفت دقات الساعة، وعاد "باول بوريه" القديم يتكتك من جديد برتابة وحيداً. وفي تعداد ثواني أعماق الليل هذه غير المبالية بأي شيء انتصب أمام عيني فاسيلييف بناؤهم الغارق في ظلمة آذار ونوافذهم الثلاث الساطعة المنذرة بالخطر، التي اخترقت العتمة وقد انساب خلفها الزمن الثقيل من غير رادع.‏

فكر فاسيلييف من غير مناسبة: " ربما كانت السعادة ستغمرنا لو أن مشاعرنا كانت فوق الزمن. وكان الخلاص سيأتي في الأحلام اللازوردية".‏

"-إن ابنتنا، الفتاة الشابة، مغرمة بشاب ما على الأرجح، و، طبعاً، يمكن أن يكون بينهما أي شيء كما يحدث في سني الشباب. " قال فاسيلييف ذلك وهو غير راغب إطلاقاً في هذا "الأي شيء" لكنه سعى إلى تهدئة ماريا: "- تخيلي أن شاباً وشابة متحابين قد نسيا كل شيء في الدنيا، ولا يوجد هاتف في الشقة، وليست لديهما الرغبة في أن يهرعا إلى الـهاتف العمومي. ألا يمكن أن يكون الأمر كذلك يا ماشا؟"‏

ردت ماريا هامسة: "-إنك لا تعرف شيئاً. لا تعرف شيئاً إطلاقاً... لا تعرف كيف انتظرتها هكذا حتى الصباح منذ عامين..."‏

نهضت متجهمة وقد عرَّضت وجهها لرعب غير مرئي لـه، متخيلة فقط ذلك الأمر الذي لا يمكن رميه جانباً، والذي لم يستطع معرفته أو افتراض حدوثه بعد. وعصره الخوف الممزوج بالحب تجاه كل ملمح من ملامح وجهها بقشعريرة معروفة لـه.‏

سألـها: "- ما الذي لا أعرفه يا ماشا؟ ماذا تخفين عني؟"‏

"-لم أرغب..."‏

جلست في الأريكة قرب المصباح القائم، ووضعت، من غير أن تدعو الحاجة إلى ذلك، الكتاب الإنكليزي نفسه على ركبتها المنكشفة بتكورها واكتنازها عند حافة ثوبها المنزلي، وأحنت رأسها صامتة فوق الصفحات، فرأى أهدابها المسبلة المنتفخة بالدموع.‏

قال لـها، وفي نيته أن يخفف التوتر، شاعراً كيف راحت الشفقة عليها تستولي عليه بظلام أخضر شائك: "-ربما لا حاجة إلى أن تقولي لي شيئاً؟ عم تتحدثين؟"‏

تكلمت ماريا بصوت خارج من أنفها، ومسحت دمعتين متفشيتين سقطتا على صفحة الكتاب:‏

"-لم أشأ أن أحكي لك. لا ينبغي على الرجل والأب أن يعرف هذا. هل تذكر مرض فيكتوريا؟" لم تحتمل، فقد شرعت الدموع تتلألأ على خديها، وأشاحت بوجهها شاكية، وقالت في حال من العجز الـهادئ: "-طبعاً، لا تعرف كل ما هو مخيف...".‏

لا، لم يعرف كل ما حدث منذ عامين، عرف فقط أن مرض ابنته بدأ على نحو غامض بعض الشيء، بعد ذهابها إلى خارج المدينة إلى ضاحية ما تدعى غريبانوفكا. كان ذلك موقعاً للبيوت الريفية في ضواحي موسكو، حيث اجتمعت ثلة طلاب السنة الأولى لدى أحدهم بعد الانتهاء من الامتحانات. عادت فيكتوريا إلى المنزل عند الفجر (كان فاسيلييف يعمل في مرسمه تلك الليلة)، وحين اتصلت به ماريا في الصباح الباكر ووصل إلى الشقة بغير إبطاء، مصعوقاً من صوتها الجليدي، سقطت بصدغها على صدره وهي تنتحب نحيباً مخنوقاً، وهمست: "لا لزوم للدخول إلى فيكا الآن".. وفهم من همسها ومن الـهدوء ومن رائحة الأدوية أن حادثاً جدياً خطراً قد وقع مغيراً كل شيء في المنزل بسرعة البرق. بعد ذلك ذهبت إلى غرفة ابنتها بينما جلس هو عند الباب، وراح يمص السيجارة غير المشعلة ويستمع إلى فيكتوريا وقد راحت تبكي خلف الجدار بكاء متقطعاً، وتنادي ماريا وتزعق غير واعية. تمكن من التقاط كلماتها المتفرقة وجملـها غير المترابطة وهذيانها وتوسلـها الموجه إلى سائق سيارة أجرة ما، ولشبان مستعدين للقتل وشرطي ما لم يشأ أن يتخذ أي إجراء، وتردد زعيق ابنته ذات الثمانية عشر عاماً المتكرر وعويلـها الذي لا يقبل سلوى على شكل ضربات من الألم في داخلـه. وكان غير فاهم لذلك الشيء المرعب الذي حدث لـها أمس خارج المدينة. أما ماريا فكذبت عليه على نحو خال من المهارة، وحدثته متلعثمة عن خصائص نفسية عمرية أنثوية لا يجوز شرحها للرجال كما قالت. استأجرت جليسة ليلية كانت ممرضة سابقة، وحصلت على إجازة من العمل ولم تفارق فيكتوريا شهراً كاملاً. ضمرت، وذوي جمالـها، وكفت عن الابتسام، أما في الأماسي فكانت تجلس حاملة كتاباً قرب المصباح القائم مرهفة سمعها ومنصتة للحفيف في غرفة فيكتوريا، فتنتفض لأقل صوت صادر من خلف الجدار، وفكر بقلق لم يفارقه: "ماذا يخفون عني؟ ولماذا؟"‏

رأى فاسيلييف ابنته بعد ثمانية أيام حين أدخلوه أخيراً ذات يوم حزيراني غرفتها المهواة والمليئة بالشمس (فاحت رائحة الحور الصيفية الطرية في كل مكان)، رأى على الوسادة البيضاء كالثلج وجه ابنته الناحل والأبيض أيضاً، وفمها الأسود الجاف والمعضوض، وعينيها المزرقتين، اللتين صارتا كبيرتين كالعيون في الأيقونات، وقد شع منهما نور حزين عاجز لحيوان جرح جرحاً مميتاً، فعصرته قشعريرة كقشعريرة الملاريا، ولكي لا يبين ذلك لـها نطق بنشاط زائف:‏

"-مرحباً يا ابنتي، كيف تشعرين يا عزيزتي؟"‏

أدارت وجهها، ونظرت إليه حتى أنها جربت في اللحظة الأولى أن تبتسم لـه بعينيها الضخمتين. انحنى كي يقبلـها، وابتسم أيضاً، لكن وجه فيكتوريا شرع يرتجف فجاءة وتصعر، وراحت الدموع تتدحرج دمعة وراء الأخرى على شفتيها المشوهتين الجافتين، واندفعت نحوه بجسدها كلـه مخرجة يديها من تحت الغطاء، واحتضنته باكية وصارخة وضاربة جبينها بعنقه، وراجية إياه: "-با- با. عزيزي... ساعدني. ساعدني يا بابا..."‏

عانى فجاءة، ضاغطاً بعناق مهدئ ابنته الدافئة، المرتجفة، العاجزة، وشاعراً بالفقرات الدقيقة الضعيفة على ظهرها، من ذلك اليأس عند الفاصل المتقلقل بين الحياة وموت مخلوق قريب، غال، يطلب العون، حتى أنه لم يستطع أن يتفوه بحرف واحد، وأحس فقط كيف راحت وجنتاها المبللتان العزيزتان تتمرغان بذقنه وهي تكرر على نحو متقطع وتتفهق مرتجفة:‏

"-بابا، عزيزي، ساعدني، لا أستطيع، لا أريد... رؤية الناس... لا أريد رؤيتهم بعد الآن..."‏

"-ما بك يا فيكا؟ ما بك يا عزيزتي؟"‏

"-لا أستطيع، لا أستطيع يا أبي أن أحكي لك، لا أستطيع، لا أستطيع، لا أستطيع..."‏

لاحقت فاسيلييف بعد ذلك كلمات ابنته حارمةً إياه السكينة ومتكررةً بالنبرة ذاتها وبالتوسل نفسه والأمل نفسه والشكوى المهتاجة نفسها. وكان الألم الأبوي الذي وعاه أشد وطأة لأن فيكتوريا راحت تبحث غريزياً عن حمايته، وكان عاجزاً عن مساعدتها.‏

والآن، بعد أن تذكر حال الشفقة العاجزة التي لا مخرج منها، ويدي ابنته الملتفتين حول عنقه والواثقتين به وزعيقها المجهش: "بابا، عزيزي، ساعدني" فكر أن ذاك الذي هزه لم ينته لدى فيكتوريا، وأن ماريا ربطت اعتلال ابنتها الشديد ذاك بغيابها الليلي اليوم – ولكي يفك الأنشوطة الحديدية عن حنجرته سألـها: "-ماذا حدث لفيكتوريا آنذاك؟"‏

نظرت إليه من الأسفل إلى الأعلى، فبدا وكأنه مس الضوء الحذر الرطب.‏

"-هل ثمة حاجة إلى أن تعرف يا فلاديمير؟"‏

"-قرري بنفسك يا ماشا. ثمة حاجة على الأغلب".‏

"-الحديث عن ذلك مرعب. " صمتت، ثم تكلمت، وقد أوقفت على وجهه عينيها المتوترتين المظلمتين، اللتين انهار وراءهما كل شيء: "-يا إلـهي، لم كان عليها أن تتأخر يومئذ ولا تذهب مع الجميع إلى زميلـهم. نزلت من قطار الضواحي، وتاهت في الظلام في حرج الصنوبر وهي تبحث عن ضاحية غريبانوفكا الفظيعة. لكن الأفظع كان أنها التقت شابين من تلك المنطقة يركبان دراجتيهما، وكانا صاحبي زميلـها، وتخيل، وعداها ضاحكين ومازحين بمرافقتها حتى ذلك الشارع حيث قام المنزل الريفي الذي تبحث عنه... ظنت أن الخلاص قد جاء، أما الفارسان راكباً الدراجتين فجّرا الفتاة المسكينة إلى عنبر مهجور، وسدا فمها وهدداها بسكين، وصلباها على القش الوسخ..." تكلمت ماريا باشمئزاز وأشاحت بوجهها: "-يمكنك أن تتخيل ما الذي احتملته، ما الذي صبرت عليه. أية سفالة، أية قذارة. مر أحدهم في الطريق قربهم، استطاعت أن تصرخ وتفلت وتخدش صاحبي سحنتي الدراجتين، فتركاها..."‏

رمت ماريا الكتاب على منضدة الصحف وفاض وجهها الذي بدلـه التشنج بنفور اشمئزاز، وكان متألماً ومنهكاً.‏

"-الأقبح من ذلك كان حين خرجت فيكتوريا من العنبر المرعب ووصلت إلى قطار الضواحي، وكان في المحطة شرطي الحراسة فشرعت وهي ممزقة، هل يمكنك أن تتصور، تروي وتشرح لـه أنهما اعتديا عليها، أما هو فرأى بوضوح سترتها الممزقة وراح يؤكد ويردد حماقة منافية للعقل، وهي، كما قال، ترتدون الجينز وتحتسون الفودكا، ولـهذا تثيرون المشاجرات. هل تفهمين، تثيرون المشاجرات. لم يكن صعباً إيجاد "الفارسين" صاحبي الدراجتين، لكن... تلخصت هذه الـ "لكن" في أن فيكتوريا نفسها لم ترغب في ذلك. تخيل فقط فحوصات الأطباء المهينة. حين تتذكر غريبانوفكا يتملكها الرعب وتنتابها رجفة الحمى، حتى أنها تبدأ تشعر بالغثيان..."‏

وقف فاسيلييف عند النافذة جاذباً الستارة من غير أن يرد على ماريا، وناظراً إلى الأسطح الثلجية المزرقة، هب من الزجاج هواء بارد، أما جبينه فتبلل بعرق حار، وتراءى لـه بوضوح ذلك الأسى الطفولي وعينا ابنته المليئتان بالدموع حين عانقها وهي تفهق مرتجفة ناحبة، مصعوقاً بهشاشة فقراتها تحت رداء النوم الشبيهة بهشاشة الطيور وبتوسلـها إليه: "بابا، عزيزي، ساعدني..."‏

اشتهت فيكتوريا التفاح مرة العام الماضي في المنزل الريفي في إحدى أماسي أيلول، فخرجا معاً إلى الحديقة الخريفية الباردة. ضج الـهواء في أعالي أشجار البتولا قرب السياج، ونثر الأوراق على نحو غير صيفي، واصطفت النجوم الضخمة بقوة لا تقاس فوق سطح المنزل الريفي الأسود، وبرزت الجوزاء بين طبقات الشوح الفحمية على شكل حزام أبيض عال. هز فاسيلييف في الظلام جذوع أشجار التفاح، وأشعل مصباح الجيب فمس شعاع الضوء على العشب جوانب التفاحات المتكورة، وراحت فيكتوريا تجمعها خاشة بالسلة وفرحة بهذه المغامرة المسائية: "انظر يا بابا أية ثمرة حمقاء ضخمة استلقت وتوارت. "سقطت آخر التفاحات على الأرض مصدرة وقعاً شديداً رياناً، وحين أدخلا السلة المليئة إلى المنزل وأفرغا التفاحات على منضدة الشرفة انتشرت في كل مكان برودة الـهواء الليلية، وبدا وكأن نظافة جليد الأنهار الشفاف وطراوة التكوين الأول قد فاحت من فيكتوريا ومن عينيها الواسعتين الزرقاوين الرماديتين الداعيتين إلى الصدق والمأدبة المرحة. وفكر مهدئاً نفسه أن فيكا قد تعافت تماماً من مرضها، وعاد إليها إحساسها السابق بالحياة. لكنه رأى بعد نصف ساعة، حين صعد إلى العلية حيث المرسم، أن الضوء مطفأ في الأعلى، وقد ساد الليل الأسود ذو الأبراج المتلألئة في النوافذ الضخمة الممتدة على طول الجدار كلـه. أما فيكتوريا فاستلقت تحت النافذة على السرير وبكت بكاء أصمّ هادئاً، ونظرت عيناها البراقتان بالدموع إلى عينيه فزعة متوسلة، وحين انحنى نحوها وسألـها ماذا حدث أجابته محتدمة، وجلست على السرير: "-لا، لا شيء، لا تشعل النور من فضلك. "وصارت تقضم التفاحة ناشقة بأنفها كالأطفال من غير أن تقول شيئاً آخر.‏

"بابا، عزيزي، لا أستطيع، لا أريد أن أرى الناس... " تذكر مرة أخرى كلمات اليأس الذي لا عزاء لـه، التي فاهت بها في أيام مرضها، وسمع، مجبراً نفسه على أن لا يلتفت عن النافذة نحو ماريا، كيف اقتربت حذرة من الخلف وأسندت رأسها على كتفه وسألته هامسة:‏

"-لماذا أنت صامت؟"‏

تمتم بأسف حاد، وكأنه لم يرغب في ملامسات ماريا الآن:‏

"-لم نساعدها، لا أنا ولا أنت. الشيء الوحيد الذي أستطيع قولـه".‏

تنحت وقالت، وهي تمسد كتفه برقة قسرية:‏

"-لكن-كيف؟.. لقد اعتدت يا فولوديا فلا تلحظ كم تحبك فيكتوريا. لن تحتمل لو عرفت بحديثنا... أرادت أن تظل كما كانت في نظرك. حتى أنني واثقة من أنها تحبك أكثر مني كثيراً. لكن يبدو لي أنك تلومني على شيء ما؟"‏

"-لا ألومك على شيء".‏

"-ثمة أمر ما غير جيد بيننا".‏

"-ببساطة، صرت تحبيننا أقل".‏

فاه بذلك من غير أن يعي بعد لماذا قال هذه الجملة، وعبر متفاديا ماريا إلى الدهليز المليء بالضوء من أولـه حتى آخره، ذي المرآة الكبيرة المتلألئة على نحو فارغ، وذي الـهاتف الذي لا معنى لـه، فارتدى معطفه سريعاً ورمى سلسلة الباب وتوقف وقد باغته نداؤها الضعيف:‏

"-إلى أين يا فولوديا".‏

أجابها قائلاً: "-سأنتظر فيكتوريا قرب البناء".‏

وخرج إلى فسحة السلم متجهاً نحو المصعد.‏

***‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:49 AM   المشاركة رقم: 38
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



كان يحتاج إلى أن يتنشق الـهواء الطلق مهما كلفه الأمر وإلى أن يخفف من شدة انضغاط نابض الاختناق فيه. حين خرج من المدخل أزاح قبعته الفرائية عن جبينه الذي لا زال رطباً، وفك الأزرار عن صدره –غسلته رطوبة الليل عبر كنزته وصارت حالـه أحسن قليلاً.‏

أما في الأعلى فتعالى الصفير والـهدير على الأسطح وتدافعت الأمواج، وتردد في العتمة صوت تلاطمها اللزج، وضج البحر في كان ما وراء الأبنية، وصفق على شكل هبات وتمزق إلى أشلاء شراع مبلل، واندفع من وراء زاوية البناء الـهواء حابساً الأنفاس.‏

سار فاسيلييف على الجليد المتهشم، وكان البدر يظهر أمامه فوق أغصان الحور في أعماق الفتحة الصافية تارة، وتارة يندفع ويغوص في الدخان الرمادي الأزرق. فاحت من الـهواء في كل مكان رائحة آذار، وتماوجت الأشجار في عتمة الشارع العبقة والمنتفخة. تردد هديرها البحري مع صفير الأسلاك كتيارات ضيقة، وسط الأسطح، فانفلت الثلج الذائب المشحوذ بهواء الجنوب عن الأفاريز ودوّى منهاراً في الميازيب.‏

"أهو الربيع؟.. لم ألحظ كيف أتى. قبل أمس كان شباط..." فكر فاسيلييف بذلك متنشقاً الرطوبة الحلوة لليل آذار، ومندهشاً من سرعة مرور الوقت، وغير فرح بالربيع، الذي كان يوقظ فيه دائماً في أيام الشباب المقدرة وانتظار الأمل غير المفقود: "ماذا يحدث لي في الفترة الأخيرة؟ أنا معتل أو مريض مرضاً ما مؤلماً. أشعر أنني مذنب بحق الجميع- بحق ماشا وبحق فيكتوريا وبحق إيليا... وهذا يشبه الألم... لكن بم أنا مذنب؟ أفي أن بعضنا لا يستطيع مساعدة بعضنا الآخر في الوقت المناسب؟ لكن فيكتوريا رغبت ولم ترغب في طلب العون."‏

وسار في دوائر قرب البناء على محيط البولفار مصاباً بالصمم من ضجيج الأشجار ومن الأصوات الصماء في الميازيب، ماراً قرب السيارات المتوقفة شتاءً، والتي راحت تبرز من تحت الكثبان الآخذة في الذوبان تحت الأشجار، كاشفةً عن ظهورها الحدباء ومتلونةً بلون ضارب إلى الزرقة تحت ضوء البدر.‏

"أين يمكن أن تكون فيكتوريا الآن؟"‏

كانت فترة كتيمة سبقت الفجر تلك الليلة. لم يكن ثمة مار واحد في الشوارع المجاورة، ولم تُنر نافذة واحدة. وصار البرد الداخلي الحاد يخترق جسده، وتجمد فاسيلييف بعد أن رفع ياقته المشبعة بالرطوبة متوجساً مصاباً محتوماً قاسياً مثل نذير أو تحذير بأن عليه عاجلاً أم آجلاً أن يدفع ثمن خمسة عشر عاماً من العمل الـهادئ، وثمن ما يسمى نجاحاته واعتراف الناس به وشراء المتاحف لوحاته وسفراته إلى خارج البلاد لإقامة المعارض-ألم يفرط في الانشغال بنفسه في هذه السنين الموفقة؟..‏

ثاب إلى رشده فجاءة ورفع رأسه بسبب من صوت محرك، ومن ضجيج تلاطم المياه في برك الثلج الذائب بفعل العجلات، ومن فرقعة كسرة جليد. سطع مصباحا سيارة في نهاية الزقاق غير المنار، وامتدت أشعتهما عبر البرك وعبر الخطين المدحولين في الثلج الأسمر الداكن، فأنارا بوضوح السياج الملطخ وجذوع الحور الرطبة – وتوقفت السيارة قبالة ركن البناء ناشرة الدفء الزيتي المنبعث من المحرك، وانطفأ المصباحان الملطخان بالأوساخ.‏

ميز أن السيارة كانت سيارة أجرة، غير أن الضوء الأخضر لم يكن مناراً، ولم يخرج منها أحد، وساد الظلام الحالك خلف زجاجها. لكن فاسيلييف شعر هنا بخفة مندفعة في صدره وبثقل غير معقول في ساقيه، فتهالك ظهره على الميزاب الذي راح الماء داخلـه يتمتم ويرن لاثغاً، وتنشق الـهواء بضع مرات كي يخفف من ضربات قلبه.‏

لا، لم ير فيكتوريا، ولم يسمع صوتها، لكن في هذه السيارة الوحيدة القادمة من الشوارع الليلية وفي أنها أشعلت مصباحيها ثم أطفأتهما في الزقاق بحثاً عن مكان مناسب من أجل التوقف، وفي أنها توقفت قرب زاوية بنائهم، الدليل الذي لا يدحض على وجود فيكتوريا فيها، لذلك سار من غير أن يساوره الشك في ذلك نحو السيارة التي ظل محركها يعمل، ففتح بابها الخلفي حالاً:‏

"-بابا عزيزي. أنت؟ أتستقبلني بنفسك؟"‏

"-إنني أنتظرك..."‏

خرجت فيكتوريا بقبعتها الفرائية ومعطفها الطويل المحشو بالفراء من السيارة. وانتصبت نحيلة أمامه، وكان ذلك واقعاً: عيناها الممعنتان المبتسمتان، ملامسة شفتيها العزيزتين الباردة على خده، رائحة الخمرة المنذرة بالخطر التي شعر بها، صوتها الفتي الرقيق اللدن الخالي من أي أثر للإحساس بالذنب والمشبوك بعفوية حرة خفيفة:‏

"- لم أعرف يا بابا أنني سأجبرك على الانتظار حتى هذا الوقت المتأخر... لكنني لست وحدي. ثمة من يرافقني، ولم يكن أي داع للقلق إطلاقاً... لم أنت خجل يا إيليا بيتروفيتش فلم تظهر نفسك لأبي؟ " تكلمت بمرح متعمد في باب السيارة المفتوح متسلية بعفوية بما شكل من غير سابق إنذار وضعاً مثيراً للفضول.‏

"إيليا بيتروفيتش؟ إيليا؟ بأي شكل؟ كيف التقيا؟ أين؟"‏

نظرت فيكتوريا إلى أبيها مبتسمة ابتسامة الاهتمام البريئة. فهم أنها توقعت منه التعبير عن الدهشة أو عدم الارتياح، فعبس فاسيلييف فقط حين رأى كيف خرج إيليا من السيارة غير مستعجل إطلاقاً، بمعطفه القصير وقبعته اللبادية الناعمة، وقد ابيض في ظل حوافها وجهه النحيل.‏

تكلم إيليا بصوت جدي مسكوك زيادةً وغير ميال إطلاقاً للمزاح والتبرير، فقال: "-مساء الخير... الأصح، ليلة طيبة يا فلاديمير. أعترف أنني لم أتوقع اللقاء بك. لكن بما أنني التقيت بك... استلم ابنتك الأسطورية سليمة مصانة".‏

لم يتماسك فاسيلييف: "-أليس كثيراً يا إيليا، يا للشيطان، كيف تأمر أن نفهم هذا كلـه؟"‏

نزع إيليا قبعته وانحنى بشيء من الظرف لفيكتوريا، ثم لفاسيلييف، وأجاب بلـهجة صاحب حق لا يتزعزع:‏

"-أرجوك أن تتكلم مع ابنتك. ستشرح لك كل شيء تماماً. ليلة هادئة. لقد أخللت اليوم بأنظمتي كلـها، وعليّ أن أذهب إلى الفندق. تعبت اليوم حتى الموت. اسمح لي يا فلاديمير أن أتصل بك صباحاً. سأسافر بعد غد".‏

ركب سيارة الأجرة وصفق الباب مصدراً فرقعة معدنية ترددت عالياً في الزقاق الضيق، وتحركت السيارة وقد تعالى صوت حفيف إطاراتها الرطب في برك الثلج الذائب، وانعطفت باتجاه المركز على امتداد خط الترامواي.‏

بدأ فاسيلييف حديثه متماسكاً، وعارفاً أن لا معنى الآن للتعبير عن الدهشة والأسى وعدم الرضى: "-فيكتوريا، أنت راشدة وتفهمين ما تفعلين. اتصلت بي أمك في المرسم في الواحدة والنصف، ونحن ننتظرك منذ ثلاث ساعات. انظري – إنها الخامسة إلا عشر..."‏

قالت فيكتوريا، وقد تأبطت ذراعه: "-إنك تعنفني على نحو سيئ يا بابا. ربما تحبني، ولـهذا لا تحسن تعنيفي..."‏

دخلا الفناء، فنظر هنا على نحو لا إرادي إلى الأعلى، إلى النوافذ المنارة في الطبقة الثامنة، إلى حيث برق البدر كالمرآة فوق السطح وسط الغمائم البنفسجية المدخنة، وتلاطمت عالياً أمواج بحر آذار القريب. هبت من الأعلى على وجهه رطوبة دافئة، وتساقطت قطرات دقيقة عبقة برائحة قشرة حور رجراج رطبة – رائحة الليل الربيعية.‏

أدركت فيكتوريا اهتمام أبيها بالنوافذ فجعدت قصبة أنفها ساهمة وأخرجت برقة كفها غير الثقيلة من تحت ذراعه.‏

قالت لـه بصوت مليء بالرجاء: "-فلندخن يا بابا ونتنزه معاً بعض الوقت. لا أريد الصعود إلى المنزل... أريد أن أتحدث إليك. هل أنت موافق يا بابا؟"‏

هز رأسه مستعداً للموافقة على كل شيء وفزعاً في الوقت نفسه من نبرتها سريعة التصديق ومن صدقها.‏

"- لكن اتصلي بأمك. قولي لـها إن كل شيء على ما يرام وإننا سنتمشى قرب البناء. لنذهب إلى الـهاتف العمومي. هل لديك كوبيكان؟"‏

راحت في كشك الـهاتف تنقب في حقيبتها، ثم أخرجت قطعة النقود، وحين شرعت تتحدث مع ماريا فكر أن شيئاً ما مشدوداً إلى آخر حد في روحها سيسترخي أخيراً الآن، ومسته في هذه اللحظة حال قريبة من الارتياح.‏

فكر، حين رآها تشعل سيجارة وهي خارجة من القمرة من غير أن تخجل منه: " هل سيطول هذا؟ لكن كيف... لماذا أتت مع إيليا؟"‏

راحت تتكلم بصوتها المرن، ونظرت إليه برقة مشاكسة وهي تدس من جديد كفها تحت ذراعه:‏

"-أعرف أنك تشعر بالنفور حين أدخن يا بابا، لكنك تحبني، وستغفر لي، خصوصاً وأن أوان الإقلاع قد فات..."‏

مرا قرب الفناء، وسارا على محيط البولفار المخترق بالتيارات الـهوائية وقد تعالى صوت الأغصان الخادشة في دهليز الشارع المقفر.‏

قال فاسيلييف بهدوء مصطنع: "-ربما يا ابنتي ما عاد شيء يرتبط تقريباً بغفراني أو عدمه. في مثل سنك قدت بطارية، وكنت فتى ذا استقلالية في شيء ما. قد أكون مخطئاً، لكنني أرى أنك صرت أيضاً تتخذين قرارات مستقلة... من غير أن تستشيري أمك أو تستشيريني".‏

"-من أين علمت يا بابا؟"‏

"-ماذا؟"‏

"-أنني اتخذت قراراً بنفسي".‏

أجبرته بضغط خفيف وملح من كفها على التوقف. وجذبته من مرفقه نحوها، واكتسى الوجه الذي كان مبتسماً منذ وقت قصير بتعبير جدي ومتشكك نابع من إنسان مستعد لعدم الموافقة على أي شيء.‏

"-من أين علمت يا بابا أنني اتخذت قراراً؟"‏

سألـها فاسيلييف مهموماً: "-أي قرار؟"‏

أنزلت رأسها، وسحبته وراءها بضغط ثان، ثم سارت إلى جانبه مختارة بجزمتها كتل الجليد غير الذائب، التي راحت تفرقع بصوت رنان.‏

قالت شاجبة بغضب: "-يا للغرابة يا بابا. لماذا لا تسألني عن إيليا بيتروفيتش؟ فأنت مندهش، أليس كذلك؟"‏

"-ماذا عليّ أن أسأل –كيف التقيتما؟ في مقدوري أن أخمن..."‏

"-لا، لن تحزر شيئاً".‏

"-حسناً، ليكن الأمر كذلك. ماذا أردت أن تقولي لي يا فيكا؟"‏

مجت السيجارة، وأشاحت بوجهها، ونفثت الدخان جانباً بشفتيها الرقيقتين الممطوطتين.‏

"-لا تغضب يا بابا، فلقد احتلت بعض الشيء حين عرجت عليك في المرسم. لم أقل لك حينئذ إن صديقك إيليا بيتروفيتش سيصل مع أنني كنت أعلم بوصولـه. وماما كانت تعرف. هل تفهمني يا بابا؟"‏

"-لا أفهمك لكنني.. أسمعك يا فيكا".‏

"-بعد سفركما إلى إيطاليا أصاب ماما شيء من الحزن، وأرتني في الألبوم صورتك مع إيليا بيتروفيتش. كنتما واقفين قرب عارضة على خلفية عنبر ما وبرج حمام ما... فتيان من زمن ما قبل الحرب، أبولونان مفتولا العضلات، يا للروعة. لن تجد شبيهاً لـهما الآن. طبعاً، كان إيليا بيتروفيتش قبل الحرب لا يقاوم. قل بصراحة يا بابا: كان في ذلك الوقت معشوق أمي، أليس كذلك؟"‏

"-ربما كان كذلك يا فيكا".‏

"-لا تفش أمري، لكن بعد سفركما صارت ماما تتلقى رسائل منه من إيطاليا، وأخفتها عنك. قل لي، هل غرت على ماما في وقت ما منه؟ ولو مرة؟"‏

قال فاسيلييف بصدق كي لا يخيف فيكتوريا بازدواجية المتملص: "-كنا صديقين، وكنت أثق بإيليا بيتروفيتش. لم أشأ أن أغار، لكنني غرت مع ذلك. أحببت أمك من غير وعي..."‏

"-أعرف منذ زمن أنك تحب ماما أكثر كثيراً مني. أنت مخلص يا بابا".‏

"-أحبكما أنتما الاثنتين يا فيكتوريا".‏

"-ولكنك لا تملك الحق في أن لا تحب طفلك".‏

"-في هذه الحال لديَّ طفلان".‏

تكلمت فيكتوريا وهي تضغط مرفقه بثقة: "-اسمع يا بابا ما سأقولـه لك. حين رأيت آخر رسالة من إيليا بيتروفيتش بين أوراق أمي لم أحتمل وقرأتها – أترى أية دنيئة مخيفة أنا؟ كتب لأمي أنه سيصل في السادس والعشرين، وأنه حجز غرفة في فندق "ميتروبول". اسمع يا بابا كيف حدث الأمر...أردت كثيراً أن أراه، صديقك القديم، ومعشوق أمي السابق، أبولو، الذي لا يقاوم في تلك الصورة. انتابني فضول شيطاني كي أعرف هاتفه وأتصل به في غرفته من بهو "ميتروبول"، وأرى كيف جحظت عيناه على السلم نحوي: "كيف؟ أنت ابنة ماريا؟ مدهش، غير ممكن، عموماً، تشبهينها أشد الشبه، ماريا الشابة عينها. "هذا ما حدث، بعد ذلك بدا مسلياً الاستماع إليه وهو يخطئ مرتين- سماني ماشا. هل تعلم، استمتعت بالوقت معه: فيه مأساوية ومرارة ما..."‏

كاد فاسيلييف يئن خوفاً من نظافتها الشفافة البريئة وتصرفاتها غير الحذرة، ومن سرعة تصديقها المفزعة، وقال بصوت أجش: "-لكن ما حاجتك إلى ذلك كلـه يا فيكا، يا عزيزتي؟ لو لم يكن هذا إيليا بيتروفيتش لما كان ممكناً فهمك كما ينبغي".‏

صفرت فيكتوريا لا مبالية، ثم تكلمت متحدية:‏

"-بابا، إياك فقط الإتيان على ذكر التعقل الكريه. إنه كذب ونفاق وجبن، والشيطان يعرف ما هو. يا إلـهي، كم العالم مليء بدواليب الإنقاذ الكاذبة. من يحتاج إليها؟ " غاصت في دخان السيجارة، وبدا صوتها الرفيع شبيهاً بنشيج طفولي وخز فاسيلييف بإبر الألم: "-لا يا بابا، كل شيء مرتبط بنا. " تمالكت فيكتوريا نفسها ورمت بغضب السيجارة تحت قدمها، وتابعت بنبرة متأنفة: "-هل تعلم من يشيد الجحيم على الأرض؟ ليست الطبيعة، ولا قوة سوداء. لا يا بابا. الإنسان هو الخالق العظيم للجحيم الأرضي. هذه الجملة جديرة بأن نتذكرها، فهي ليست خداعة مثل الكثيرات غيرها".‏

"-من قال هذا يا ابنتي؟ في أية رواية؟"‏

قالت فيكتوريا: "-لا تبالغ في حكمة كتاب الدراما لدينا. قال هذا إيليا بيتروفيتش... اسمع يا بابا، ولا تعجب مما سأقول لك. " تركت مرفقه، وتخطت بجزمتها بانسياب بقعة ثلج ذائب، وابتعدت عشر خطوات إلى الأمام مفرقعة بكعبيها على الحواف الزجاجية الـهشة للبرك، حيث راح البدر المنزلق يتصدع ويبرق، ثم التفتت، طويلة، بمعطفها الضيق، وتكلمت من بعيد بصوت يرن رنيناً غير عادي مثل شفرة مشحوذة: "-سأسافر على الأغلب إلى إيطاليا يا بابا. إنه يدعوني وقد قررت".‏

قال فاسيلييف مصعوقاً: "-يدعوك إلى إيطاليا؟ يدعوك؟ متى؟ لماذا؟"‏

"-سيرسل لي دعوة يا بابا وسأسافر. لا أعرف إلى متى: مدة شهر أو عام أو خمسة أعوام- لا أعرف. لا لزوم للأحاديث عن التعقل وإلا سنختلف. ولا تقل لي إنكما تعارضان لأنكما تحبانني- هذه حركة ممنوعة. أعرف أنكما الاثنان الوحيدان اللذان يحبانني على وجه الأرض، لكن ما العمل يا بابا؟ قررت... ومن النذالة أن أتراجع وأجبن".‏

ورأى في وجهها احتقاراً لا حد لـه للجبن المحتمل والتراجع الممكن.‏

لم يتكلم فوراً في محاولة مؤلمة منه لإيجاد المعنى الدقيق لعدم الموافقة: "-فكري في أمر وحيد يا فيكا. ستقتلين أمك. لا نملك الحق في أن يكون بعضنا عديم الرحمة ببعض".‏

"-لكنهم قتلوني يا بابا. " قالت ذلك بمرح تقريباً، ورفعت يديها بيأس وكأنها تقدم نفسها للقدر القاتل، حتى أنه لم يتماسك فاحتضنها وقبل جبينها العزيز البارد ملسوعاً بالحب والشفقة الأبوية العاجزة، وشاعراً بما هو ضعيف وطفولي ويائس فيها:‏

"-فيكا، فيكا..."‏

تكلمت فيكتوريا هامسة: "-لا لزوم يا بابا وإلا سأبكي". ولم تدس رأسها في صدره، بل تنحت من غير أن تتقبل المساعدة، وسارت مسرعة إلى المنزل تحت ضجيج أشجار الحور البحري في البولفار.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:55 AM   المشاركة رقم: 39
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


الفصل السابع عشر




في العاشرة مساء وبعد رنات طويلة وملحة، وبعد قرع على الباب فرقع فاسيلييف بالقفل ودخل أوليغ يفغينيفيتش كوليتسين المرسم مستعجلاً، فوضع حقيبته تحت المشجب في غرفة الدخول، وشرع يتكلم بانفعال من غير أن يلقي التحية ومشرعاً معطفه الفرائي:‏

"-لا تعجب يا فاسيلييف فقد تسللت إليك اليوم في زيارة غير ديبلوماسية. شكراً لك أيها الزميل، شكراً على غطرستك أيها المعلم الكبير. شكراً لأنك طردتني من عنقي مثل صبي أمخط بحضور رجل أجنبي. نعم، طردت تحديداً من مرسمك عديمَ موهبة ملحاحاً يحشر نفسه بين صفوة أصدقائك، والسؤال لماذا أهنتني؟ أنا مندفع نحوك من كل قلبي وأنت؟ لماذا؟..."‏

كان كوليتسين مهتاجاً إلى حد لا يوصف، إذ تكلم مرتجفاً، ونظرت عيناه المثلثتان الحمراوان الكامدتان نظرات مشتتة غاضبة، ولم يشأ فاسيلييف، الذي شعر بالندم على ما أبداه من انفعال يوم وصول إيليا، أن يصعّد أي شيء (ما كانت قواه ستكفيه كي يشرح لكوليتسين شروحاً لا طائل منها)، فتكلم مصالحاً:‏

"-أولاً، مرحباً. وثانياً... أرجو منك المغفرة إذا كنت قد تصرفت بغباء ما. اخلع معطفك من فضلك يا أوليغ يفغينيفيتش".‏

"-سأخلعه حتى لو لم تدعني. لكن الأمر مشوق. كل شيء لديك مشوق يا فولوديا... أدعوك باسمك فتدعوني باسم الأب(1) . هكذا إذن. وكأن واحدنا يعرف الآخر بالطرق الرسمية. ما الذي تؤكده بذلك؟ عدم توافقنا؟ الـهاوية بين الموهبة والوسطية".‏

اعترض فاسيلييف بامتعاض: "-هكذا يتم إبداء الاحترام في روس(2). " وبدا خجلاً من تذكر فظاظته، فسأل: "-هل استقبلت أحداً اليوم؟"‏

نطق كوليتسين متوتراً، ورمى المعطف على الأريكة: "-أخطأت، لم أستقبل أحداً، ولم أودع أحداً، ولم ألاطف بالمجاملات أحداً، لا أحد. إنني اليوم أنتمي إلى الموظف كوليتسين غير المعروف لك، إلى نفسي فقط... إلى "أناي". من غير السلتيين والـهون واليانكي- ولم يكن هناك كوكتيلات أو كؤوس الجن مع التونيك. أنا سعيد اليوم يا فاسيلييف. كان في مرسمي أحد أصحابي القدماء، وقد أريته... شاهدنا أشيائي منذ الصباح. فأريته كل شيء. شعرت بالرغبة في أن أريه أعمالي كلـها: كان مفتوناً... ليس حكراً عليكم أنتم العباقرة، ها- ها... ليس حكراً عليكم مجد العالم كلـه، بل، كما في تلك الأغنية " الصيصان تريد أن تعيش أيضاً". فتكرم، تكرم. " صرخ كوليتسين وأمسك بيده الرطبة يد فاسيلييف وشده بقوة: "-عليك الآن، عليك الآن أن تذهب معي إلى مرسمي، من غير إبطاء، ارتد ثيابك. ما كنت عندي أبداً، ما كنت. أبداً، أبداً. مرة في الحياة، هل يمكنك أن تجبر نفسك مرة في الحياة على أن تضحي بساعتين من أجل رفيق دراستك؟ إنك لم تر في مرسمي شيئاً واحداً من أشيائي. أنا في نظرك شخص من السلك الوظيفي في فننا التشكيلي. فلنذهب يا فولوديا، فلنذهب إلى المرسم".‏

"- الآن؟.."‏

وخطا فاسيلييف في المرسم متخيلاً أي عذاب لا إنساني قد يسببه الذهاب ليلاً إلى ماسلوفكا لمشاهدة أعمال مع كوليتسين المفرط في الاهتياج، وسماع إساءاته وتوبيخاته غير المواربة والفظة، والحديث بكلمات ما عن اللون والتشكيل والمديح والنفاق-سيكون هذا قتلاً لا يرحم للوقت وإتلافاً للخلايا العصبية، وعذاباً عبثياً للذات، وهذا ما لم تكفه الإرادة للموافقة عليه، فقال مسالماً:‏

"-يا للأسف، أنت مستثار قليلاً. أما أنا ففي صفاء زهدي قبل النوم. سأستيقظ في السادسة يا أوليغ".‏

تكلم كوليتسين بغيظ، وخطا إلى جانب فاسيلييف في المرسم مشعثاً شعره الطويل الرمادي الأشيب ونافشاً إياه:‏

"-تشمئز مني؟ لا.. آ، سنذهب، سنذهب إليّ يا فاسيلييف. لن ترفض، لن تأنف مني. لقد جئت إليك من مرسمي مباشرة، أتيت لآخذك، لآخذك. لقد جئت لـهذا الغرض".‏

خلل أعوام كثيرة لم يظهر كوليتسين نفسه أبداً مهتاجاً إلى هذا الحد، مفرطاً فجاءة بمظهره المهيب وابتسامة وجهه البشوش الوقورة، ومشيته الظافرة الراسخة، لم يره فاسيلييف هكذا من قبل، كانت كنزته المحاكة بفظاظة، والتي ارتداها على ما يبدو من أجل العمل، مهترئة الكمين عند المرفق، وملطخة بالألوان ومدسوسة على نحو غير منتظم في سروال الجينز البالي، وركضت عيناه المليئتان بالدم والملتهبتان والمتورمتان على اللوحات المدارة نحو الجدار، فكانتا تصطدمان طوال الوقت بالمنصب المغطى بالقماش، وقد بدا أنه يثير فضولـه.‏

تكلم بصوت متلعثم: "-هل معنى هذا أنك لن تذهب؟ هل معناه أنك لا تبالي؟ " وخرج متمايلاً إلى غرفة الدخول وجلب من هناك حقيبة كبيرة وراح يقرع بها المنضدة بشدة وهو يفتح مستعجلاً أقفالـها المطلية بالنيكل: "-حسناً، سنمسح أنفنا. حسناً، اصطدم خطمنا بصخرة التعالي – وها نحن نمسح أنفنا، نمسح أنفنا. إذن تنازل يا فولوديا وانظر إلى هذه على الأقل... الق نظرة على الأقل على هذه الأشياء التافهة. لم أرك أعمالي أبداً، ولم أطلب... نعم، هذه ثلاثة أشياء. إنها عزيزة عليّ، انظر، انظر".‏

أخرج من الحقيبة بيديه المرتجفتين ثلاثة أعمال زيتية ملفوفة جيداً بخرقة من الفانيلا، كل منها بحجم صفحة دفتر، ثم وضعها بعناية على المنضدة ووقف خلف فاسيلييف، وراح يتنفس بصوت عال خلف كتفه. وصلت رائحة الخمرة الحامضة الجانبية المنفرة إلى فاسيلييف فعبس متفحصاً اللوحات. هتف كوليتسين بمشقة:‏

"-ماذا؟ ماذا؟ لم تعجبك؟"‏

وارتجف كوليتسين خلف ظهره وكأنه ينتظر حكماً بالإعدام، وراحت ركبته تصطدم بقائمة المنضدة، فجعل صوت أنفاسه العصبية وحموضة رائحة الخمرة الفائحة منه وملامسة ساقه المرتجفة، التي هزت المنضدة، فاسيلييف يعجب فجاءة من ترقب وتهيب هذا الرجل الناجح في الحياة، والذي لم يكن، يا للأسف، ليأمل بأي شيء في الفن. وعلى الرغم من أن أعمال كوليتسين المبكرة، أيام كان طالباً، ومناظره الطبيعية ولوحات الطبيعة الصامتة لم تكن مستقلة تماماً كما يذكر فاسيلييف إلا أن طراوة الشباب وضوء الشمس برزا فيها، واستلقى فيها ظل أخضر مبرقش ليوم صيفي، وحينئذ قال أحد المعلمين لـه: "يجب البحث بفظاظة أكبر عن الذات، عن الذات وليس عن عين الانطباعيين في الذات، حينئذ قد يكون ثمة معنى. "سرعان ما نسيت هذه الكلمات المشجعة التي صارت معروفة لطلاب السنة كلـهم، لكن المعنى كان، فأنهى كوليتسين المعهد بنجاح، ودعوه بعد فترة قصيرة للتدريس، ثم انتخبوه لمناصب اجتماعية مختلفة –هل بحث عن ذاته في هذه الأعوام المثقلة بالمراتب والـهموم والعمل في لجنة الأجانب والكوكتيلات والمطارات والاجتماعات؟ نادراً ما شارك في المعارض. من كان المذنب هنا؟‏

سألـه فاسيلييف مستعيناً بجمل مخففة غير مواربة ومتعاطفة: "-هل أنت واثق من أن هذا أفضل ما لديك؟ لماذا أريتني هذه الأعمال الثلاثة تحديداً يا أوليغ؟"‏

"-أرجوك... أريد أن أعرف تقويمك. لكن بصدق، بصدق. ما تفكر به... لقد أخذت رأي صاحبي... ذاك الذي كان عندي. نصحني بأن أريك هذه الأشياء الثلاثة. كان مذهولاً، اعذرني، كان مذهولاً".‏

كرر فاسيلييف بنغمة غير محددة وهو يتمعن في لوحة رسم فيها بأدق التفاصيل منظراً داخلياً لمرسم مغمور بالشمس: "-كان مذهولاً، ليأخذه الشيطان، كان مذهولاً. منضدة خشبية دائرية في الركن عليها صحن سجائر مملوء بأعقاب مدخنة – ما دمت تريد الصدق يا أوليغ فيا للعنوان الذي اخترته والذي يدير الرأس: صورة ذاتية... لقد سبقت المحدثين بكل المقاييس، تخطيت مفاتنهم العزيزة، ليس لديهم أي مفر. ماذا هنا أيضاً؟ " سألـه فاسيلييف ولم يستطع أن يكبت عدم رضاه حين رأى في اللوحة الثانية زاوية مدفأة روسية مرسومة جيداً، وحبلاً ممدوداً من مسمار إلى مسمار، علقت عليه، متلاصقةً، سراويل داخلية شبيهة بالرايات المسننة وقمصان، وجففت جزمة جلدية مستهلكة مربوطة من عراها: "-لا أفهم مثل هذا الجمال يا أوليغ. السراويل الداخلية مجتمعة مع الجزمة. أهي الواقعية الجديدة الروسية؟ " سألـه فاسيلييف بسخرية مقطبة، ثم نقل انتباهه إلى اللوحة الثالثة، وهي منظر طبيعي لحدور نهري، كل عشبة فيه منارة بآخر شعاع غروب متورد في القصب والماء: "-اعذرني، ثمة أمر لا أفهمه جيداً هنا أيضاً. كأن المقصد العبقري بالبساطة. لكن أين الفكرة يا للشيطان؟ لا معنى للمنظر الطبيعي من غير فكرة، ووفاقاً للأسلوب... عتيق، ثمة الكثير من الخصيلات والتفاصيل الجميلة على الحدور، تتجزأ العين كما في صندوق الدنيا. لا، لا أقصد ذلك". قطع فاسيلييف كلامه غاضباً من نفسه: "-لا أقصد هذا يا أوليغ. عموماً، لا تسمع شيئاً ولا تسمع أحداً. " ألاح فاسيلييف بيده وابتعد عن المنضدة متجنباً النظر إلى هذه اللوحات التي تعري كوليتسين: "-كل شيء مجازي في الفن، كل شيء ذاتي في نهاية الأمر، رأيي بلوحاتك لا يجعلـها أفضل ولا أسوأ".‏

فكر فاسيلييف وهو يزداد كدراً: "لا أريد قول الحقيقة، إنني أخدعه، أفرش لـه قش الكذب وأهين نفسي بالثرثرة الطيبة. وما الذي ستغيره حقيقتي؟ ولماذا يحتاج إليها؟ الطموح؟ الزهو؟ إنه ناجح، واقف بمتانة على قدميه –دكتور وبروفيسور وسكريتير، ويدرّس في المعهد، وأستاذ، ويعلم الطلاب... ويريد أيضاً أن يعرف رأيي؟"‏

نطق فاسيلييف العابس: "-إليك ما خطر في بالي. لماذا طلبت مني التكلم بصدق مع أن رأيي لا يملك أية أهمية لك؟ أعرف أن الطبيعة ذاتها والحدث ذاته يتقبلـهما الناس على نحو مختلف. ربما بهجة الحياة والفن تكمن في المختلف يا أوليغ. لكن لا يعقل أن تمسك بيديك دجاجة وتتخيل أنك أمسكت طائر النور. لا تزعل، لدي شعور بأنك أمسكت بيديك دجاجة، لكنك لم تنتفها هي أيضاً. أطلق ذات الريش هذه يا أوليغ كرمى للـه، أطلقها، دعها تتنزه على هواها. " تنهد فاسيلييف بضيق: "-أما أنت فاكتب ما شئت من الكتب عن التشكيلات والتلوين، لكن لا تفسد عيون الطلاب بأناقتك المبتكرة في الفن التشكيلي. فهذا الأجمل من الجمال أسوأ عندهم من معجنات الحلوى العفنة. الواقعية – شيء لا يرحم..."‏

قال ذلك وأجهد نفسه كي يتجنب الكلمات الفظة، فيما كان كوليتسين واقفاً أمامه مصالباً يديه على صدره مثل روماني، وراداً رأسه بتحد، وقد زحف اصفرار الموت على وجهه المتجمد وعلى أنفه الذي صار شمعياً، والذي تدبب على نحو مفزع، وبدا أن كوليتسين ينشق الـهواء نشقات قسرية كي يقطع نشيجه العميق المتراكم. برق في رأس فاسيلييف: "سيقع الآن"، لكن كوليتسين قفز على الفور مرتداً إلى الوراء كالأعمى وارتمى نحو المنصب وتعبير الألم يكسوه، ونزع القماش بقوة عن اللوحة، عن الصورة المنظفة بعض التنظيف أمس للمخرج شيغلوف، الذي لم يتمكن فاسيلييف منه ولا بأية حال، والذي أتخمه متحمساً بالأحاديث لاذعاً إياه بكلمات الغضب المغلية:‏

"-أو تظن أن أعمالك هي آخر حدود الفن؟ أنموذج الكمال؟ أو ربما تظن نفسك مشرع الفن المعاصر؟ ربما تظن أنك الوحيد الذي يرى العالم باللون والمسحات؟ لا يا فولودينكا. استطاع ذلك المعلمون العظماء العالميون، الذرا التي لا تطال، وليس أنت، التلة، النتوء مقارناً بهم. كما أن... كما أن أحداً لا يدري بعد من منا الأكثر موهبة. لا أحد يدري. إنني أبصق على رأيك يا فاسيلييف. أبصق على ألوانك الرنانة، وعلى أسلوبك القاسي كلـه، الذي لا يساوي تفصيلاً واحداً مما لدي. إنني أبصق عليه، أبصق عليه... أيها المجدد الغواطي. إن أياً من أشيائي غير الناجحة أعلى بمقدار رأس من نجاحاتك كلـها. لا أطيق أخويتكم ما بعد الحربية كلـها، بكل ما فيها من أساليب، قاسية ولينة، لا أطيقها...".‏

كان كوليتسين يصيح على نحو خصامي منفر من غير رادع، وكان رأسه الكبير الشبيه بلبدة الأسد يهتز في سورة غضبه الحانق، وكان جفناه المتورمان ينقبضان ويتمددان مدحرجين خارجاً الدموع القصديرية الضخمة، وحين أفلتت منه في أثناء صياحه علامات ليست علامات نحيب ولا علامات ضحك هستيري فكر فاسيلييف المذهول أن الناس قد يفقدون عقولـهم هكذا في سورات الحسد العاجز، وكان، بعد أن التفت عن كوليتسين شاعراً بالخجل وعدم الارتياح، لا يتمنى الآن شيئاً سوى أمر واحد – لو يرحل هذا الرجل سريعاً من المرسم، سريعاً، سريعاً... "غداً سيتذكر آسفاً جنونه هذا".‏

صاح كوليتسين مقهقهاً قهقهة مسرحية جاشت الدموع فيها، وضرب مسعوراً قبضة بقبضة حتى أن صوت عظام تردد: "-عبقري، أنت عبقري. أجبني يا موتسارت العظيم. قل، قل لي، أنا ساليري الوضيع، لماذا، لماذا أنت واثق من أن اللـه منحك الموهبة، أما أنا فمنحني خازوقاً مطلياً بالزيت؟ أجبني، أجبني –أتعتبرني غير موهوب، وتظن أنني، أنا ساليري الدودة الدنيئة، أحسدك، أنت موتسارت الإلـهي؟ أحسدك؟ هل تظن ذلك؟"‏

تكلم فاسيلييف: "-طلبت مني قول الحقيقة. قلت نصفها وتحولت إلى أحمق، وأنا الآن لا أعجب لذلك. لذلك أرجوك أن لا تصرخ وأن ترحل".‏

"-يا لك من... هكذا إذن. معنى ذلك أنك تطردني مرة ثانية..."‏

"-إنني مضطر إلى أن أرجو منك الذهاب".‏

"-اصمت، اصمت. إذا تفوهت بكلمة أخرى فسأضربك".‏

وضرب كوليتسين المستشيط قبضة بقبضة من جديد هارساً ما كان يحقد عليه ويعاديه، وأكدت صحراء عينيه المحروقة بالغضب وخداه المبللان بالدموع وهاتان القبضتان المضمومتان بقوة حتى الارتجاف واللتان راحت إحداهما تلكم الأخرى لفاسيلييف ما لم يكن ليصدقه أبداً من قبل- لقد قام بينه وبين كوليتسين وضوح ضروري مدقق للعلاقة بينهما، ومفرّق بينهما نهائياً، لكنه تمتم بلين:‏

"-أرغب في أن أرجوك مرة أخرى يا أوليغ، ارحل من فضلك".‏

"-سأرحل، وسأتذكر هذا المساء. سأتذكره مدى الحياة أيها العبقري..."‏

صدحت فرقعة الباب المنغلق مثل طلقة في الدهليز المسائي، أما فاسيلييف فمشى من ركن إلى ركن مصرفاً بأسنانه ومجعداً جبينه، وراح يتذكر من غير أن يهدأ كيف بكى كوليتسين بغيظ وضرب قبضة بقبضة على نحو هستيري، وكيف صرخ هنا، في المرسم، متلوياً من الجرح الأعمق الذي لا براء منه.‏

***‏

تقلب من جنب إلى جنب، وأُنهك جسده كلـه في هذا الأسى الجليدي، وفي هذا الخوف القاتل، حتى أنه خاف من أن يصيح بصوت عال ويثب من فراشه ويتصرف تصرفاً مفزعاً وخالياً من الحكمة، ولكي يتحرر من خوف الجسد العصي هذا حاول الإيحاء لنفسه بأن الصباح سيطلع بعد بضع ساعات، وحينئذ سيفارقه ألم الروح الممزق أو سيخف.‏

"ما هذا الحلم المخيف الذي حلمت به؟"‏

طارت في البدء حوامتان ضخمتان في السماء، ثم تدلتا كبنائين مستطيلين فوق كنيسة مبنية على شكل طبقات حلقية مثل برج بابل، وقد ارتفعت ذروتها مبتعدة عالياً في السماء القاتمة. أشعلت على كل طبقة شمعة ثخينة، وسار الناس على الطبقات المستديرة، وأنيرت في الحوامتين أيضاً أضواء قرمزية تنذر بالشؤم، وهناك، في السماء وراء هذه الأنوار، كان يُعدُّ أمر عدائي قاتل. لكن في تلك اللحظة طارت نحو الحوامة الأولى من وراء سياج الكنيسة سلسلة خطوط غربية شبيهة بحجارة متوهجة. انفجر المبنى المستطيل في السماء ونثر لـهيباً ممزقاً، وتساقطت الشظايا متشقلبة على الكنيسة وتراكمت الواحدة تلو الأخرى على الصليب هازة على نحو تجديفي القبة الـهائلة المدببة.‏

ركض الناس في الطريق حفاة، بقمصان داخلية رمادية ذات أكمام كبيرة على نحو لا يصدق، متلفتين إلى المعبد الذي بدأ يتأرجح على وشك الانهيار بطبقاته كلـها: لذعت الطريق الحجرية المتلظية بالشمس الإفريقية الأقدام على نحو لا يحتمل، وانغرز الشوك في الأعقاب كخطاطيف حديدية.‏

من كانوا؟ وممن هربوا؟ ومن كان ذلك الذي طار في الأمام من غير أن يمس الأرض بقدميه فوق الطريق الحارة الضاربة إلى الحمرة، المحروقة بالشمس، مليحاً بكميه الطويلين، ومندفعاً بخط منكسر إلى اليمين تارة وإلى اليسار تارة أخرى؟ كان، احتكاماً إلى ظهره وقذالـه، يشبه إيليا، أما الوجوه فكان التمعن فيها غير ممكن، لكن لم يكن ثمة معنى لذلك لأن أمراً أصدره أحدهم صائحاً استحثهم على الركض: "ورائي، ورائي، إلى البستان".‏

ظهر سياج إلى يسار الطريق، وامتد وراءه بستان، وفاحت رائحة الغبار الحجري الجاف. راحوا، والرائحة الخانقة الحادة تضيق على أنفاسهم، يتسلقون الأشجار والأغصانَ الشائكة المغبرة، التي دخلت أشواكها عيونهم وخدشت جلودهم حتى سال الدم منها. أحنت الأغصانَ من حولـهم ثمار صفراء غامضة ذات قشرة سميكة قاسية، فصاروا يقطفونها باستعجال جنوني ويدسونها في جيوبهم، ويملأون أعبابهم وقد أضناهم الجوع والمطاردة الطويلة، أما المطاردة فكانت في مكان ما قربهم، في الصحراء المحيطة بهم، وحينئذ صاح إيليا من الشجرة المجاورة مستنداً بقدميه العاريتين على الجذع المتفرع إلى فرعين: "اقضموها هكذا. "كان ينبغي قضم الثمار السميكة مثل التفاح، فتقشرت القشرة مثل درع فولاذي، وذابت الجوزة الضئيلة في الفم. التهمها بنهم على غرار إيليا مهدئاً جوعه، ومتلفتاً طوال الوقت نحو الصحراء الخطرة وراء البستان، وقد راح الـهلاك يقترب قادماً منها حتى صار لصيقاً... وهنا رأى ماريا في الأسفل تحت الشجرة. وقفت شابةً، نحيلةً، في خمار أسود غطته طبقة غبار، ولم ترتدِ مثلـه أبداً كان وجهها شاحباً وانثنى حاجباها خطين قاتمين، وكانت عيناها الرماديتان الغامقتان الضخمتان تتوسلان إليه خرساوين. أما هو فبدأ يرمي لـها الثمار إلى الأرض مستعجلاً، وقد أضعفه الحب والرقة، فاهماً أنها تبعته بعناد عبر الصحراء وهي جائعة جوعاً لا يوصف. وفي تلك اللحظة حين ظهرت ماريا تحت الشجرة فهم أنهما سيموتان الآن. لاح على بعد مائة متر تقريباً خلف السياج، وسط الرمل القائظ، شكلان إنسانيان، رجلان، أحدهما شاب في قميص ابيض وعظماه الوجنيان عريضان، والآخر أكبر سناً ويعتمر سدارة رسمية على حافتها مطرقتا سكك حديدية، وبدا وجه الرجل، الذي انكشف وهلة، معروفاً: وجنتاه المنتفختان الحليبيتان، عيناه الأسديتان المثلثتان بين جفونه المتورمة. من هذا؟ كوليتسين؟ معقول؟ لا، لا. لكن كم كان شبيهاً به. حمل هذا الرجل بيده بإحكام حقيبة سفر سوداء، حيث راحت ترن أدوات واخزة وحادة مجهزة لتعذيب الـهاربين...‏

أمسكا بهما فقط (لم يجدا إيليا معهما)، وقاداهما إلى منصة خشبية وسط الصحراء المتنفسة بالحر الناري، نزعاً عنهما الثياب ثم رفعاه مقيداً إلى المنصة، وقد أفردا على الألواح الخشبية الأدوات الحادة المطلية بالنيكل، والتي يجف الدم في العروق لمرآها، لكي يمزقاه، أما ماريا فأبقياها في الأسفل تحت المنصة، وراحا يعذبانها، فسمع من هناك أنين ألمها، ورأى كيف تقوس عنقها الرقيق على الرمل، وكيف استلقى وجهها ذو العينين المغمضتين، اللتين انهمرت الدموع منهما، وأحس أن قلبه الآن سينفجر لنشيج ماريا هذا. صرخ بهما بصوت أبح، وهو غير قادر على التحرر ومساعدتها، كي يقتلاه ويتركاها... رجاهما، وناداهما عارفاً أن هذا الشيء الوحيد الذي لا زال يستطيع به أن يخفف آلامها.‏

اقترب منه حينئذ الرجل ذو العينين المثلثتين، وصار، وهو ينظر على نحو زجاجي إلى حدقتيه مباشرة، يدفع بقدمه أقرب فأقرب المنضدة الصغيرة التي أفردت عليها الأدوات المطلية بالنيكل مرتبة وفاقاً لمقاساتها...‏

"-فولوديا، فولوديا. لماذا تئن هكذا؟"‏

استفاق وقلبه يدق دقات خانقة، وحين ثاب إلى رشده تماماً نظر طويلاً في الظلام، حيث بصت الستارة على النافذة، معانياً من وحدة وأسى يمزق الروح بعد أن شعر بماريا قربه، وقد مست بكفها جبينه الرطب بوجل حتى أنه كاد يفقد زمام نفسه ويهمس لـها وهو لا يزال كلـه أسير الكابوس الذي لم يفارق وعيه بعد: "ماشا، عزيزتي، لماذا صارت حالنا شاقة هكذا؟ "لكنه قبّل معصمها بوجل أيضاً وقال شيئاً مختلفاً تماماً، عادياً، شجاعاً شجاعة كاذبة:‏

"-حلمت حلماً متشابكاً. حلماً سخيفاً".‏

"-لكنك كنت تتقلب وتئن. ألا تشعر بالألم؟ أنت مبلل بالعرق كلك. هل أعطيك الفاليدول؟"‏

"-لا لزوم يا ماشا".‏

استدارت عنه بهدوء وسرعان ما غفت. وها هو البستان مرة أخرى والمطاردة والمنصة في الصحراء، وتكرر كل شيء مرة أخرى، وتمثل كل شيء كحقيقة ثاقبة، وكان حقيقياً ذلك الرجل في السدارة الرسمية ذات المطرقتين، الذي عذبهما بحماسة وتلذذ. تقلب فاسيلييف في الفراش، وخار بخفوت في الوسادة، وراح يمسد قلبه على نحو غير مسموع، أما قلبه فكان يدق ويفلت من الاختناق على نحو متقطع. خاف أن يموت فجاءة، وقد أنهضه هذا الخوف من الفراش. قام من غير أن يشعل النور. محاولاً أن لا يوقظ ماريا، فشرب الماء في المطبخ ثم سار جيئة وذهاباً في الدهليز مصالباً يديه على صدره، وراح يردد هامساً بشفتيه الجافتين:‏

"-أي أسى، أي أسى".‏

منعه الفراغ الحاد والضاغط في صدره من أن يجد الاتزان، وبعد أن أزاح الستارة وفتح مصراع النافذة، سامحاً لنفحة باردة بالدخول، راح ينظر باهتمام بليد إلى الشارع الذي صار أشهب بهواء الفجر، وفكر: "نعم، أنا مريض. صرت ألحظ هذا في نفسي أكثر فأكثر...".‏

ثم ارتدى ثيابه، وبعد أن فرقع بالقفل بحذر هبط إلى الفناء المقفر، الذي لا زال مكبلاً بصقيع ما قبل الصباح.‏

***‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-01-2006, 09:58 AM   المشاركة رقم: 40
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.57 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



لم يخرج هذا الحلم الـهذياني من رأسه طوال ذلك الصباح، وظهر كواقع معيش، وحين بدأ يعمل فرّق نور آذار المشمس على نحو متنافر وضارب ما أراد فاسيلييف أن يوحده على القماش وهشمه. رأى بنظره الداخلي الغبار الحار والصحراء الحمراء المتوهجة وبريق القيظ الحارق ومنصة ما من أجل الإعدام، وفي الأسفل تحتها ماريا الممدودة على الأرض ووجهها المستلقي المبلل بالدموع، أما هو، المقيد على المنصة، فلم يستطع الحراك عاجزاً عجزاً تاماً، حتى أنه لم يقدر على التقاط أنفاسه، ولحظ فاسيلييف، غير القادر على التركيز وقد بللـه العرق، لطخات الريشة العصبية على قماش اللوحة.‏

***‏

... عمل على هذا المنظر الطبيعي منذ زمن طويل، فقد خط الرسم التحضيري في الخريف في ضواحي بسكوف قرب دير الرجال السابق، الذي لم يبق منه سوى الأنقاض، وكان الاضطراب، كلما عاد إلى هذا العمل غير المكتمل، ينفخ فيه قلقاً من خسارة غير محددة.‏

كان على قماش اللوحة يوم وداعي ساطع من آخر أيام تشرين الأول، والشمس البيضاء منخفضة، وقد نفذت من بين جذوع البتولا البعيدة، التي بدت سوداء على المنحدر قبالة الشمس. هب الـهواء وعرّى حديقة الدير المهجورة، وتلألأت السماء الزرقاء الصيفية تماماً بالقليل من الغيوم الصيفية فوق ذرا الأشجار الملوحة وفوق الجدار الحجري المهدم والمنار من جانبه. استلقت التفاحة الوحيدة الساقطة على العشب قرب الجدار وهي تكاد لا ترى من خلل الأوراق الملتصقة بها.‏

نعم، كان وحيداً تماماً في جوار ذلك الدير، وكان يوماً مشمساً جافاً رحباً. ضجت فيه بكثافة متلونة بالذهب بقايا أوراق الأشجار الاسفندان القديمة، وهبت زوبعة قرمزية على دروب البستان التي نما العشب عليها، وكان كل شيء شفافاً، نقياً، وداعياً. لماذا وداعي؟ لماذا لم يكن قادراً بعد الخمسين، وخصوصاً في أيام الخريف الساطعة الجافة الرنانة، على الـهرب من الإحساس بأنه سرعان ما سيتعرض لذلك الذي حدث للملايين من الناس الآخرين، السائرين مثلـه تماماً على مثل هذه الممرات التي نما العشب عليها قرب جدران أخرى، والمتنشقين باستمتاع حزين البرودة التشرينية في حديقة مهملة أخرى تهب الريح فيها، والمنشغلين بالفكرة نفسها حول استحالة الفراق إلى الأبد وحتميته؟ هل فكر بهذا فروبل أو نيستروف؟ لكن قد يكون في وعي هشاشة جمال كل ما في هذا العالم وقصر أمده ولحظته المفرحة خداع الحياة العظيم، وخداع الذات الحلو العظيم، الذي ينزلق فيه بصيص السعادة الدافئ والأمل المنقذ بشيء ما سيحدث بعدنا...‏

ربما نحن نعي الجمال في لحظة ولادته المقدرة الوجلة (الصباح، الانتقال إلى منتصف النهار، بداية الغسق، نهاية العاصفة الرعدية، الثلج الأول) وقبل اختفائه الحتمي وذبولـه وعلى مشارف النهاية والبداية، وعلى حافة الـهاوية؟‏

ليس ثمة ما هو أقصر أجلاً من الجمال، لكن كم هو مرعب على نحو لا يحتمل أن تولد مع كل ظهور للرائع نهايته، موته،النهار يموت في المساء، الشباب في الشيخوخة، الحب في البرود واللا مبالاة، وما لحظة الجمال الملتقطة، التي فيها جنين القضاء المحتوم غير المرئي، إلا كذب حلو، وهو مع رفض الأجل القصير على الأرض والإيمان بالاستمرارية والصحة والخلود سذاجة عظيمة تسم الحياة البشرية كلـها. نعم، خداع ذات رائع وعظيم...‏

إذن – في الولادة الوداع، وبالعكس؟‏

وضع فاسيلييف الريشة على المنضدة، ومسح يديه، وشرع يرفع عن الرفوف بتباطؤ ساهم المناظر الطبيعية التي رسمها العام الماضي، ويسندها على الجدار.‏

غسق شتوي مبكر، أشجار بتولا بنفسجية في هواء القرية المسائي، ركن منزل قروي سدت نوافذه بألواح متصالبة، آخر شعاع قرمزي على حدور الكثيب الثلجي الذي طمر المدخل، وهدوء الخلق الأول الممتد فراسخ عديدة، الممزوج كما يتخيل المرء بنباح كلاب بعيد، والنجمة الوحيدة الأولى. نافذة شرفة واسعة، مفتوحة في يوم حار أخضر، انقضت العاصفة الرعدية، كل شيء ريان، فرح، مغسول:‏

العشب غير المقصوص وأشجار التفاح وقد أثقلتها الرطوبة وراحت تلمع تحت مروحة الأشعة القادمة من خلف الغيوم المبتعدة، خطوط الماء المرح تتدفق من البرميل الفائض حيث سبحت التفاحات الساقطة بفعل المطر الغزير، عمت الطراوة الرطبة الحديقة كلـها، وبدا وكأن الـهطل الصيفي لا يزال يطن في الآذان، يسقط على سطح الشرفة بدوي أصم مهشم (أية متعة وأي شعور حزين أن يرسم لحظة فرح فتي من الصيف سرعان ما اختفت). آب، ذرا الحور الرجراج تلمع بلون ذهبي في الـهواء الـهادئ والدافئ قبل الغروب، السكون الـهانئ في كل مكان، وداع صاغر لليوم مع الحر، روائح الأعشاب والأوراق المحماة، ثبات كل شيء بانتظار الغروب والغسق وتحول الحياة الجديد (كم أراد أن يلتقط حال الانتقال القابضة هذه). سماء الشمال المسائية المنظفة بالـهواء، مياه الخريف الكالحة حتى الأفق وقاربان عتيقان جنباً إلى جنب عند الشاطئ، مربوطان بإحكام بسلسلة صدئة مثل اثنين لا يفترقان في العالم كلـه، يربطهما الحب والزمن والخوف والواجبات مثل وحدتين مرتبطتين... (كم كل شيء محزن، محزن). نيسان، قمر ليموني في غابة بتولا عارية، ينير سواد الأرض، جزر الثلج المتبقية، أوراق الأشجار الساقطة العام الماضي. ومرة أخرى كَمَنَ في هذا كلـه القلق من الوداع السريع والوحدة ومتعة الفقدان وترقب الصلب، المديد، المشمس، الذي لم يصادفه مرة واحدة في حياته...‏

"لم يكن هذا بعد الحرب أبداً... ومع ذلك كان... لكن بم هو مرتبط؟ بالطفولة؟ بالحرب؟ بماريا؟".‏

سقط فاسيلييف في الأريكة التي رنت نوابضها، وبدأ، وهو ينظر إلى اللوحات، يمسد صدغيه متبعاً نصيحة قرأها في مكان ما لينشط نفسه أملاً في أن يفارقه ثقل رأسه وتتحسن حالـه. انسال اليوم الصافي من شهر آذار بنوره عبر نافذة المرسم بكرم ربيعي، وفاحت من الـهواء المنساب عبر المصراع، لسبب ما، رائحة التفاح الناضج الفتية مذكرة بالاضطراب اللطيف الناجم عن الإنهاك، وبالذنب المستمر...‏

"بم أنا مذنب؟ أنا مرهق جداً، متعب تعباً لا يوصف..."‏

مسد صدغيه، لكن الألم لم يفارقه، وصار وهن الدوار يزحف تدريجاً إلى يديه وبطنه وكأنه ناجم عن جوع شديد أو هزال، ثم تصبب العرق من ظهره وصدره، ورغب في الاضطجاع والاستراحة على المقعد، وفي أن لا يفكر بأي شيء مستلقياً على ظهره في حال من عدم التركيز المريح، كأنه يسبح في الـهواء ملفوفاً بضباب مخملي خفيف، حيث لا يوجد تأنيب ضمير ولا شعور بالذنب أو الشفقة ولا بألم الروح الذي يضنيه ساعات طوال.‏

لحظ هذه الحال العصبية المعقدة منذ عام ونصف العام، حين غفا في الأريكة قرب المنصب في مساء يوم من آب، وقد أرهقه جداً العمل على ثلاثية لوحات، ثم أيقظته رنات الـهاتف الحادة، التي أجبرته على أن يثب والدم يضرب رأسه.‏

كان المرسم الغارق في الدخان البنفسجي المغبر للغروب المنطفئ نصف معتم، فتلون قماش اللوحة المستطيل على نحو مضلع ومشؤوم بألوان دموية، أما الـهاتف فرن على الخزانة الصغيرة متشنجاً ومنادياً، حتى أن فاسيلييف انتزع السماعة بغضب وظل مدة طويلة لا يدرك من المتصل به. لفظ صوت شائخ أو أضعفته المسافة جملاً غامضة لم يفهم فاسيلييف معناها التام، وكان في مقدوره أن يحزر فقط أن رساماً ما، أحد المعجبين به من الشرق الأقصى (هكذا قال: "من الشرق الأقصى"- من غير أن يسمي المدينة) هو المتصل، وسينطلق غداً إلى موسكو كي يزور مرسمه... أي رسام؟ أي معجب؟ ولماذا من الشرق الأقصى؟ في اللحظة الأولى لم يفهم شيئاً، وكان غاضباً ومنزعجاً لأن الـهاتف انتزعه على نحو مفاجئ من نومه الـهادئ، لكنه في الدقيقة التالية شعر بهواء صقيعي يهب على لوحي كتفيه: من الذي اتصل به؟ فهو قد سمع مئات المرات هذا الصوت الأصم بعض الشيء والضعيف والمرتج أحياناً كصوت الطيور. لا، من كان هذا، من؟‏

وهرع فاسيلييف من جديد إلى الـهاتف مدفوعاً بقلق لا يقهر، وشرع يستعلم من استعلامات المخابرات بين المدن عمن اتصل به للتو ومن أية مدينة (لم تُستثنَ المشاكسة أيضاً هنا)، لكن عاملات المقسم لم تستطعن الإجابة بما يفيد ومعرفة المتصل ومن أين-وحينئذ، وهو جالس وحيداً في ظلمة المرسم المحفحفة من غير أن يجهد ذاكرته تقريباً، تذكر صاحب هذا الصوت. بدت الموافقة على ما فكر في تلك اللحظة أمراً مريعاً ووحشياً، لكن الصوت الشائخ الأصم أحياناً والضعيف والمرتجف كصوت الطيور أحياناً أخرى كان صوت المرحوم أبيه المتوفى منذ عشرة أعوام. فهم فاسيلييف أن هذا مستحيل تماماً، وأنه بداية الجنون ببساطة، وأنه في الوقت نفسه لم يكن خداع سمع ولا هلوسة- لقد فهم بوضوح شديد الصوت في السماعة وخصوصية نبرة أبيه.‏

"ألا أكون قد حلمت بهذا كلـه؟.."‏

تصاعد هذا الإحساس بما هو مناف للطبيعة بعد أسبوع: لم يعرج أحد من الشرق الأقصى على المرسم ولم يتصل أحد من القادمين إلى موسكو، فصار يعتبر الآن ذلك الاتصال غير المنتظر في مساء من أماسي آب إشارة تحذير في المنام أو علامة تذكير مبهمة ما بذنبه السابق تجاه أبيه. عاش أبوه في مكان ما غير بعيد جداً عن موسكو (ليلة واحدة بالقطار) على ضفاف بحيرة بسكوف في قرية صيادين، انتقل إليها من موسكو بعد تقاعده. كان فاسييليف منذ قرابة الخمس عشرة سنة يزوره كثيراً، فكان يعمل هناك في الطبيعة منذ الربيع وحتى وقت متأخر من الخريف راسماً كل ما استطاع رسمه، وهنا فقط فهم لماذا رحل أبوه المريض بالربو عن موسكو واشترى منزلاً في الـهواء النظيف. كانت الرحابة هنا والشمس والـهدوء وزرقة السماء العالية بهضاب الغيوم المجعدة، المنقلبة نحو مرآة البحيرة الرقيقة، هنا، خلف الجزء الضحل، راحت قوارب الصيد المقطرنة تتأرجح منسابة وترن سلاسل مراسيها في حر الظهيرة بخفة، والنوارس تصرخ زاعقة في ما ندر وهي تحط على الزوارق التي صارت بيضاء من روثها، وهب الـهواء الدافئ بلطف على الرمل الأبيض بين الصخور الحمراء محركاً شجيرات راعي الحمام المحماة، وقد طنت فوقها بشدة نحلات كبيرة مخططة، وفاحت رائحة الأعشاب المائية ورطوبة القاع من الشباك المنشورة على الأسيجة، وسار الحمام على المرسى الخشبي، واستلقت البقرات وهي تمضغ بكسل وقد أضناها القيظ على اللسان الرملي أو خاضت حتى ركبها في الماء مليحة بأذيالـها، ونظرت بغير معنى إلى المراكب القديمة الصدئة الغارقة حتى منتصفها، حيث جلس صبية ملوحون حفاة ممسكين صناراتهم. أما الغروب فكان عنيفاً لا ضابط لـه، غامضاً، لا ينطفئ طويلاً في السماء والبحيرة، وكانت الليالي عميقة مليئة بالنجوم وكأنها تستوعب في ذاتها خوف المعمورة المترامية...‏

تذكر كيف كان أبوه في تلك السنوات يتوقف أحياناً خلف ظهره في ساعات العمل في الطبيعة، متسمراً من الاعتزاز والإعجاب بابنه، الذي استطاع بفضل الجهد والموهبة أن يصير من صفوة الناس ويحرز النجاح والشهرة، وكان يخاف من أن يتزحزح فيعطلـه عن غير قصد عن عملـه بتنفسه الربوي وبسعالـه المغرغر. لكن فاسيلييف كان ينزعج من وجود والده الممل خلف ظهره ومن الإعجاب البالغ في عينيه الذابلتين وهو يتحسس بنظرة لطيفة الرسوم التحضيرية واللوحات الجاهزة الموضوعة على الشرفة كي تجف ألوانها. "موهبتك فائقة يا فولوديا. احرص عليها. لقد أكرمتك الطبيعة. "وكان يشعر بالحرج حين يضطرب أبوه ويحمّر ببقع تصلبية ويثأثَّئ خجلاً ويتأوه لمرأى النقود التي كان يعطيها لـه فاسيلييف لتغطية نفقاته. كان أبوه يتمتم دائماً الجمل ذاتها مخفياً عينيه، وهي أنه لا يحتاج الآن إلى أية نقود، فمعاشه التقاعدي يكفيه. أما فاسيلييف فكان يخيل لـه أن أباه يخادع ويتملق، وكان يشعر بالارتباك لمرأى وجهه الوردي المهتاج وإيماءاته ويديه وهما تخفيان الأوراق المالية في جيبه.‏

وأذهلـه اكتشافه بعد موت أبيه أن النقود كلـها التي أعطاه إياها والتي حولـها لـه كل شهر بقيت غير ممسوسة وغير منفقة، وقد أوصى بها كتابياً لابنه مع المنزل والأمتعة وعشرات القمصان الجديدة في أكياس النايلون غير المفتوحة، التي لم يرتدها، والتي أهداها لـه فاسيلييف في مناسبات مختلفة.‏

لكن الأمرّ من ذلك كلـه أن أباه قبل عام من مماته راح يسألـه في رسائلـه بتأدب شديد إن كان مناسباً أن يأتي إلى موسكو يوماً واحداً ليشاهد اللوحات الجديدة ويرى حفيدته – ألن تستاء ماريا من اقتحامه العجائزي؟ قرأ فاسيلييف تلك الرسائل قراءة سطحية ورماها في كومة الرسائل الأخرى والدعوات والاتفاقات والأوراق، وكان في أحيان غير كثيرة يرد عليها بسطرين ساعياً إلى أن يفصِّل كل شيء، ويكتب أن مجيء أبيه ضروري لزاماً حين يفرغ من أعمالـه التي لا تقبل التأجيل، وكان أبوه عادة يعتذر بتذلل في الرسالة التالية ("إنني أفهم انشغالك يا بني. اعذر أباك الملحاح")، لكنه وبعد مضي القليل من الوقت يشرع يسأل من جديد متردداً إن كان في مقدوره أن يأتي إلى المرسم يوماً واحداً "لأنظر إلى اللوحات وإلى حفيدتي، ثم أركب القطار في الصباح- وإلى المنزل".‏

وهكذا لم يخصص ذلك الوقت من أجل أبيه على الرغم من أنه أهدر في تلك الفترة أياماً وأمسيات كاملة على مختلف أنواع الجلسات والثرثرة "المثقفة" الفارغة واللقاءات غير المجدية في النادي. لم يجرؤ أبوه، المعجب به الـهياب، على القدوم لتمضية يوم واحد من غير دعوة، خوفاً من أن يعطل ابنه عن عملـه المقدس. أما فاسيلييف فسرعان ما اضطر إلى السفر من أجل دفن أبيه، معانياً فجاءة من فراغ وتأنيب ضمير هائلين حتى أنه قضى الليل كلـه واقفاً عند نافذة العربة وهو يكاد يختنق من استذكار رسائلـه الأخيرة وحدها...‏

وحين رأى فاسيلييف في النعش وجه أبيه الـهامد، الذي صار فتياً حتى لم يعد معروفاً، وفمه الكئيب الثابت بنصف ابتسامة رضى مع التعبير المتكبر عن السكون الغيبي، أذهلـه كيف يبدل الموت الملامح الحية بغطرسة لا ترحم، واضعاً عوضاً عنها دمغة سر التنائي الأبدية، لكن ما الذي كان في الثنايا المرة لشفتيه المضغوطتين على نحو غير معهود؟ أهي معرفة ما لم يكن الأحياء وهذا العالم المبهرج كلـه يعرفونه؟ كم أشفق بمرارة وعن دراية بكل شيء على الباقين على الأرض... ربما لم يعد يحتاج ببساطة إلى أي شيء، لا إلى مجد ابنه ولا إلى القدوم إلى المرسم ولا إلى الزيارة القصيرة لحفيدته. ومس فاسيلييف مودعاً يد أبيه المتحجرة (آمن أن عليه أن يلمس المرحوم فيحل الارتياح)، لكن هذا لم يساعده لا ذلك اليوم ولا بعدئذ. كان في مقدوره أن يقنع نفسه بأن الأحياء مذنبون دوماً بحق الموتى، وأن الكثيرين في عصر الإجهادات العصبية تنقصهم خطوة واحدة فقط على الطريق نحو الخير، لذلك خفّت على الأرض روابط القربى والفهم المتبادل بين الأقرباء. أثارت محاولته التبريرية المنطقية هذه في نفسه الشعور بالخجل، ولم يستطع أن يسامح نفسه على جفافه. ("ليأخذني الشيطان. أستقبل الأجانب وأريهم اللوحات ساعات طوالاً، وأكون صبوراً ولطيفاً، وأجيب عن أية سخافة منافية للعقل. أما من أجل والدي فلم أجد وقتاً".) وكان لا يغتفر في أيام سفره إلى أبيه، إلى بحيرة بسكوف، انزعاجه من فضولـه الذي لا يشبع أبداً تجاه عمل "ابنه الشهير"، ومن عشقه الخانع تقريباً ومن سعالـه المكبوت بصعوبة حين كان يراقب ولادة اللوحة من وراء ظهر فاسيلييف ("لماذا كان يحبس أنفاسه وهو يراقب يديَّ؟"). كان فاسيلييف العابس يلتفت ليلتقي نظره بعينيه الشائختين الـهامدتين الزرقاوين النيليتين، اللتين تقولان لـه: "سامحني، سامحني. "ثم يبتسم أبوه مختنقاً بسعالـه خلل الدموع المنهمرة وكأنه كان مذنباً لأنه لا يزال يعيش في الدنيا.‏

وحفظ فاسيلييف ابتسامة الاعتذار الأليم هذه إلى الأبد.‏

"هل من المعقول أنني لم أصر على الرغم مني قريباً من أقرب الناس لي؟ لقد خلقني والدي أما أنا فبادلته الانزعاج الصامت من أناني مشغول بنفسه".‏

صدمه ذلك الاتصال المسائي الغريب من الشرق الأقصى، وذلك الصوت الضعيف المرتجف كصوت الطيور بالحد المسموم للذنب القديم، ويبدو أنه شعر حينئذ بأعراض مرضه الأولى.‏

***‏

شق رنين الـهاتف هدوء المرسم، بيد أن فاسيلييف ظل جالساً كالسابق قبالة اللوحات المصفوفة عند الجدار ماسحاً العرق عن جبينه وشاعراً بالارتجاف والوهن في بطنه. لكنه الآن لم يعد يرى هذه المناظر الطبيعية المتشابهة بعدم اكتمال مقولتها المرهق، وراح ينصت متعجباً إلى شبكة الألم الطنانة من غير انقطاع في داخلـه. فهم أن هذا ليس ألماً جسمانياً، وإنما أعصاب منهكة إلى أبعد حد، وأن الحزن الأصم والشفقة على فيكتوريا وماريا والمرحوم أبيه يعصرانه ويضغطانه ويضنيانه وكأنه، هو فاسيلييف، قد خانهم بقسوة. جرب ذهن فاسيلييف أن يبرهن على أن لا شيء أكثر عقماً من تعذيب الذات، وأن تعبه الشديد وبداية إرهاقه العصبي هما نتيجة عملـه سنوات طوال من غير راحة: "أنت موهوب وناجح ووضعك المادي جيد، ومتزوج من المرأة التي تحب، هل من المعقول أنك لم تصل إلى حال الرضى السعيد؟ ما الذي تحتاج إليه أيضاً؟ لن تفلت، لن تفلت.." - واندفع فيه هذا الصوت اللجوج مصحوباً بشيء ما، وتعقبه بإلحاح في الساعات الطوال حين كان يبقى وحيداً مع نفسه.‏

فكر فاسيلييف مقاوماً وراغباً في التخلص من ضيقه الكئيب: "لا يمكن أن تكون حياتي كلـها ذنباً بحق الآخرين. " وها هو من جديد صوت متسلل يرد عليه بهدوء مساعداً أحدهم: "ولم لا أيها السعيد؟.. وقع إيليا في الأسر أما أنت فعدت، أحبته ماشا لكنها صارت زوجك. إيليا مريض مرضاً خطيراً أما أنت فأعصابك فقط. لكنك لن تفلت... الحياة لا تحتمل لوناً واحداً فقط من ألوان النجاح. عليك أن تدفع ثمن كل شيء... عودة الدين القديم أيها المدين للتوازن، يا ضحية ميزان الحياة الذي لا يرحم. كم مضحك وقع كلمة "ضحية". لا، لن تفلت، لن تفلت... أيها المدين للواقع والحقيقة. من يحتاج إلى دينك؟ آه، أي أسى، أي أسى.."‏

انقطع الـهاتف، ثم راح يفرقع من جديد بغضب وبإلحاح متصاعد. رفع فاسيلييف السماعة على الرغم من أنه لم يشك في أن المتصل هو إيليا، ومن أنه لم يكن مستعداً للحديث معه متذكراً كلماته عن فيكتوريا، لكن دموع الفرح المفاجئة أنزلت رده حتى الـهمس: "نعم، ساشا.." كان المتصل الرسام لوباتين، صديقه المقرب الوحيد الذي لم يره منذ زمن طويل بعض الشيء: عمل هذا الأخير على الأرجح متجنباً بهرجة العاصمة، ومتخفياً في ملاذه المحبب- إحدى القرى قرب نهر الفولغا.‏

"-مرحباً يا فلاديمير الراهب. كيف تتنفس؟"‏

شرع فاسيلييف يتكلم وهو يشرق ويكاد لا يسيطر على نفسه: "-ساشا، عزيزي، تعال فوراً، أرجوك أن تأتي. إنني بأمس الحاجة إليك... تعال الآن حالاً".‏

ضخم لوباتين صوته ضاحكاً: "-احزر من أين أتكلم معك يا رافائيل العفريت؟ من المطعم الذي يسمى "أراغفي". عرجت لأعرف ماذا بشأن اللحم المشوي، هل تفهم؟ اشتقت إليه في القرية، هل تفهم؟ ثمة مسرح يلـهو هنا، سيدات على رؤوسهن ريش وذكور في صنادل يحتفلون بمناسبة ما، إما برتبة أو بالعرض الأول. المكان مليء بالضجيج والمطعم كلـه يموج، والندّل مغمى عليهم. الأفضل أن تأتي أنت يا فولودينكا. لم أرك أيها الشيطان منذ قرن. سنتذوق اللحم المشوي. سننظر إلى الشعب...".‏

توسل إليه فاسيلييف: "-لا أريد أن أرى أحداً غيرك. لا أريد رؤية أحد غيرك. تعال كرمى للـه، إنني أنتظرك، أنتظرك بفارغ الصبر..".‏

ضاع رد لوباتين في هاوية الحفيف الـهوائي المفرقع في الـهاتف العمومي الذي لا يعمل كما ينبغي، وسبح من الفوضى الصوتية ما يشبه الوعد بالراحة المنتظرة طويلاً:‏

"-... سآتي يا فولوديا. سأكون بعد ثلاثين دقيقة تقريباً. سآتي على حنطوري".‏

فكر فاسيلييف وهو يخطو في المرسم من ركن إلى ركن لاوياً أصابعه والأمل يملؤه: "ها هو الخلاص، ها هو... إنه يخلصني دوماً في الأوقات العصيبة. يكفيني أن أراه... وأرى لحيته وعينيه الحكيمتين الخفيفتين حتى تصير حالي أحسن".‏

***‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

تصميم و وتركيب انكسار ديزاين

جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 04:11 AM.




Powered by vBulletin Version 3.7.3
جميع الحقوق محفوظة لشبكة قامات الثقافية 2008
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009