عالم من الإبداع

 

    

آخر 15 موضوع
لبيكَ لبْيكَ يارحمن           »          اليوم الوطني ذكرى للرقي           »          ثرثرة / بلا قيود           »          (أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)           »          ماذا تقول لمن يخطر على بالك الآن..؟           »          بين أحضان العيد           »          شهرُ الغفران والقرب من الرحمن           »          تجربة الفراق __ وهاب شريف __ العراق           »          ياليل ياطولك           »          تدثيرة شتوية           »          من جِد           »          عاشق عنيـد           »          ـــ أبقيـ معيـ ـــ           »          وحِضنُ الحوضِ من خزفِ           »          وأشرب ُ شايا جديدا /للشاعر العراقي : وهاب شريف



حصريات المنتدى

                                            

العودة   شبكة قامات الثقافية > قامات الفكرية الثقافية > اقرأ

موضوع مغلق
قديم 06-27-2006, 11:51 AM   المشاركة رقم: 41
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


صفحة : 2297


وأعـــطـــاف جـــواريهـــا كريح الـمـسـك والـعـنــبـــر
وجـــوهـــر درة الـــغـــوا ص مـن يمـلـكـهـا يحــبـــر
ألا يا جـوهــر الـــقـــلـــب لقـد زدت عـلـى الـجــوهـــر
وقـد أكـمـــلـــك الـــلـــه بحـسـن الـدل والـمـنــظـــر
إذا غنيت يا أحسن خلق الله بالمـزهـر
فهذا حزنا يبكي وهـذا طــربـــا يكـــفـــر
وهــذا يشـــرب الـــكـــأس وذا فـــرح ينـــعـــــــر
ولا والـلـه مـا الــمـــهـــدي أولـى مـنـك بـالـمـنـــبـــر
فما عشت ففي كفيك خلع ابن أبي جعفر قال: فبلغ ذلك المهدي، فضحك وأمر لمطيع بصلة، وقال: أنفق هذا عليها، وسلها ألا تخلعنا ما عاشت.
قال: وفي جوهر يقول مطيع:
جارية أحسن من حلـيهـا وفيه فضل الدر والجوهر
وجرمها أطيب من طيبهـا والطيب فيه المسك والعنبر
جاءت بها بربر ممكـورة يا حبذا ما جلبت بـربـر قال: وقال فيها:
أنت يا جوهر عندي جوهره في بياض الدرة المشتهره
وإذا غنت فنار أضـرمـت قدحت في كل قلب شرره
صوت

يا عمود الإسلام خير عمود والذي صيغ من حياء وجود
إن يومـا أراك فـيه لـيوم طلعت شمسه بسعد السعود الشعر لأبي العتاهية يمدح محمد الأمين، والغناء لإسحاق، ثقيل أول بالبنصر عن عمرو بن بانة وإسحاق.

أخبار لأم جعفر
تستنشد أبا العتاهية مدحه للأمين: أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثنا العلائي، قال: حدثني محمد بن أبي العتاهية، قال: لما جلس الأمين في الخلافة أنشده أبو العتاهية:
يا بن عم النبي خير البـرية إنما أنت رحمة للـرعـية
يا إمام الهدى الأمين المصفى بلباب الخلافة الهاشـمـيه
لك نفس أمارة لك بالـخـي ر وكف بالمكرمات نـديه
إن نفسا تحملت منك ما حـم لت للمسلمين نفـس قـوية قال: ثم خرج إلى دار أم جعفر، فقالت له: أنشدني ما أنشدت أمير المؤمنين، فأنشدها.
فقالت: أين هذا من مدائحك في المهدي والرشيد? فغضب وقال: إنما أنشدت أمير المؤمنين ما يستملح، وأنا القائل فيه:
يا عمود الإسلام خير عمـود والذي صيغ من حياء وجود
والذي فيه ما يسلي ذوي الأح زان عن كل هالك مفقـود
إن يومـا أراك فـيه لـيوم طلعت شمسه بسعد السعود فقالت له: الآن وفيت المديح حقه، وأمرت له بعشرة آلاف درهم.
يستنجز أبو العتاهية ما كانت تجريه عليه: أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني محمد بن موسى اليزيدي، قال: حدثني محمد بن الفضل، قال: كان المأمون يوجه إلى أم جعفر زبيدة في كل سنة بمائة ألف دينار جدد وألف ألف درهم، فكانت تعطي أبا العتاهية منها مائة دينار وألف درهم، فأغفلته سنة، فدفع إلي رقعة وقال: ضعها بين يديها فوضعتها، وكان فيها:
خبروني أن في ضرب السنة جددا بيضا وصفرا حسنـه
سككا قد أحدثت لـم أرهـا مثل ما كنت أرى كل سنـه فقالت: إنا لله أغفلناه. فوجهت إليه بوظيفة على يدي.
تطلب أن ينظم أبو العتاهية أبياتا تعطف عليها المأمون حدثني محمد بن موسى، قال: حدثنا جعفر بن الفضل الكاتب، قال: أحست زبيدة من المأمون بجفاء، فوجهت إلى أبي العتاهية تعلمه بذلك، وتأمره أن يعمل فيه أبياتا تعطفه عليها، فقال: صوت
ألا إن ريب الدهر يدني ويبـعـد ويؤنس بالآلاف طورا ويفـقـد
أصابت لريب الدهر مني يدي يدي فسلمت للأقدار واللـه أحـمـد
وقلت لريب الدهر إن ذهبـت يد فقد بقيت والحمد لـلـه لـي يد
إذا بقي المأمون فالـرشـيد لـي ولي جعفر لم يفقدا ومـحـمـد الغناء لعلويه.
قال: فحسن موقع الأبيات منه، وعاد لها المأمون إلى أكثر مما كان لها عليه.
وجدت في كتاب محمد بن الحسن الكاتب.


صفحة : 2298

حدثني هارون بن مخارق، قال: حدثني أبي، قال: ظهرت لأم جعفر جفوة من المأمون، فبعثت إلي بأبيات وأمرتني أن أغني فيها المأمون إذا رأيته نشيطا وأسنت لي الجائزة، وكان كاتبها قال الأبيات، ففعلت فسألني المأمون عن الخبر فعرفته، فبكى ورق لها، وقام من وقته فدخل إليها فأكب عليها، وقبلت يديه، وقال لها: يا أمه، ما جفوتك تعمدا، ولكن شغلت عنك بما لا يمكن إغفاله، فقالت: يا أمير المؤمنين، إذا حسن رأيك لم يوحشني شغلك، وأتم يومه عندها، والأبيات:
ألا إن ريب الدهر يدني ويبعد ويؤنس بالآلاف طورا ويفقد وذكر باقي الأبيات مثل ما في الخبر الأول: ينظم أبو العتاهية شعرا على لسانها للمأمون: أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني الحسن بن علي الرازي، قال: حدثني أبو سهل الرازقي عن أبيه، قال: عمل أبو العتاهية شعرا على لسان زبيدة بأمرها لما قدم المأمون بغداد، أوله:
لخير إمام قام من خير عنصر وأفضل راق فوق أعواد منبر فذكر محمد بن أحمد بن المرزبان عن بعض كتاب السلطان: أن المأمون لما قدم مدينة السلام واستقرت به الدار، وانتظمت له الأمور، أمرت أم جعفر كاتبا لها فقال هذه الأبيات، وبعثت بها إلى علويه، وسألته أن يصنع فيها لحنا، ويغني فيه المأمون ففعل، وكان ذلك مما عطفه عليها، وأمرت لعلويه بعشرين ألف درهم. وقد روي أن الأبيات التي أولها:
يا عمود الإسلام خير عمود لعيسى بن زينب المراكبي.
أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني الحسين بن يحيى الكاتب، قال: حدثنا علي بن نجيح، قال: حدثني صالح بن الرشيد، قال: كنا عند المأمون يوما وعقيد المغني وعمرو بن بانة يغنيان، وعيسى بن زينب المراكبي حاضر، وكان مشهورا بالإبنة، فتغنى عقيد بشعر عيسى:
يا عمود الإسلام خير عمود والذي صيغ من حياء وجود
لك عندي في كل يوم جـديد طرفة تستفاد يا بن الرشيد فقال المأمون لعقيد: أنشد باقي هذا الشعر، فقال: أصون سمع أمير المؤمنين عنه، فقال: هاته ويحك فقال:
كنت في مجلس أنيق وريحان ن وراح ومسمعات وعـود
فتغنى عمرو بن بـانة إذا ذا ك وهو ممسك بأير عقـيد
يا عمود الإسلام خير عمـود والذي صيغ من حياء وجود
فتنفست ثم قلـت كـذا كـل محب صب الفؤاد عـمـيد فقال المأمون لعيسى بن زينب: والله لا فارقتك حتى تخبرني عن تنفسك عند قبض عمرو على أير عقيد: لأي شيء هو? لا بد من أن يكون ذلك إشفاقا عليه، أو على أن تكون مثله، لعن الله تنفسك هذا يا مريب قال: وإنما سمي المراكبي لتوليه مراكب المنصور، وأمه زينب بنت بشر صاحب طاقات بشر بباب الشام.

صوت

لقيت من الغنيات العـجـابـا لو أدرك مني العذارى الشبابا
غلام يكحلن حور الـعـيون ويحدثن بعد الخضاب الخضابا
ويبرقن إلا لما تـعـلـمـون فلا تمنعن النساء الضـرابـا الشعر لأيمن بن خزيم بن فاتك الأسدي، والغناء لإبراهيم الموصلي، ولحنه من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى من رواية الهشامي.

أخبار أيمن بن خريم
نسبه وتشيعه وأيمن بن خريم بن فاتك الأسدي لأبيه صحبة برسول الله -)- ورواية عنه، وينسب إلى فاتك، وهو جد أبيه. وهو أيمن بن خريم بن الأخرم بن عمرو بن فاتك بن القليب بن عمرو بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. وكان أيمن يتشيع، وكان أبوه أحد من اعتزل حرب الجمل وصفين وما بعدهما من الأحداث، فلم يحضرها.
يصف قوته لعبد الملك بن مروان، فيحسده ويتغير عليه:

صفحة : 2299

أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية، قال: حدثني النوشجاني عن العمري عن الهيثم بن عدي، عن عبد الله بن عياش، عن مجالد، قال كان عبد الملك شديد الشغف بالنساء، فلما أسن ضعف عن الجماع وازداد غرامه بهن، فدخل إليه يوما أيمن بن خريم قال له: كيف أنت? فقال: بخير يا أمير المؤمنين. قال: فكيف قوتك? قال: كما أحب، ولله الحمد، إني لآكل الجذعة من الضأن بالصاع من البر، وأشرب العس المملوء ، وأرتحل البعير الصعب وأنصبه ، وأركب المهر الأرن فأذلله، وأفترع العذراء، ولا يقعدني عنها الكبر، ولا يمنعني منها الحصر ، ولا يرويني منها الغمر ولا ينقضي مني الوطر. فغاظ عبد الملك قوله وحسده، فمنعه العطاء وحجبه، وقصده بما كره حتى أثر ذلك في حاله، فقالت له امرأته: ويحك أصدقني عن حالك? هل لك جرم? قال: لا والله، قالت: فأي شيء دار بينك وبين أمير المؤمنين آخر ما لقيته? فأخبرها، فقالت: إنا لله? من ها هنا أتيت.
تحتال له امرأته فيعود عبد الملك إلى بره: أنا أحتال لك في ذلك حتى أزيل ما جرى عليك، فقد حسدك الرجل على وصفت به نفسك، فتهيأت ولبست ثيابها ودخلت على عاتكة زوجته، فقالت: أسألك أن تستعدي لي أمير المؤمنين على زوجي، قالت: وماله? قالت: والله ما أدري أنا مع رجل أو حائط? وإن له لسنين ما يعرف فراشي، فسليه أن يفرق بيني وبينه، فخرجت عاتكة إلى عبد الملك فذكرت ذلك له، وسألته في أمرها، فوجه إلى أيمن بن خريم فحضر، فسأله عما شكت منه فاعترف به، فقال: أو لم أسألك عاما أول عن حالك فوصفت كيت وكيت? فقال: يا أمير المؤمنين، إن الرجل ليتجمل عن سلطانه، ويتجلد عند أعدائه بأكثر مما وصفت نفسي به، وأنا القائل:
لقيت من الغانيات العـجـابـا لو أدرك مني الغواني الشبابـا
ولكن جمع النساء الـحـسـان عناء شديد إذا المـرء شـابـا
ولو كلت بالمد لـلـغـانـيات وضاعفت فوق الثياب الثيابـا
إذا لم تنلـهـن مـن ذاك ذاك جحدنك عند الأمير الكتـابـا
يذدن بـكـل عـصـــا ذائد ويصبحن كل غداة صعـابـا
إذا لم يخالطـن كـل الـخـلا ط أصبحن مخرنظمات غضابا
علام يكحلن حـور الـعـيون ويحدثن بعد الخضابا الخضابـا
ويعركن بالمسـك أجـيادهـن ويدنين عند الحجال العـيابـا
ويبرقن إلا لما تـعـلـمـون فلا تحرموا الغانيات الضرابا قال: فجعل عبد الملك يضحك من قوله، ثم قال: أولى لك يا بن خريم لقد لقيت منهن ترحا ، فما ترى أن نصنع بينك وبين زوجتك? قال: تستأجلها إلى أجل العنين، وأداريها لعلي أستطيع إمساكها، قال: أفعل ذلك، وردها إليه، وأمر له بما فات من عطائه، وعاد إلى بره وتقريبه.
يعتزل عمرو بن سعيد وعبد العزيز بن مروان في منازعة بينهم ويقول في ذلك شعرا: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي أو دلف، قال: حدثنا الرياشي، قال: ذكر العتبي أن منازعة وقعت بين عمرو بن سعيد وعبد العزيز بن مروان، فتعصب لكل واحد منهما أخواله، وتداعوا بالسلاح واقتتلوا، وكان أيمن بن خريم حاضر للمنازعة فاعتزلهم هو ورجل من قومه، يقال له: ابن كوز، فعاتبه عبد العزيز وعمرو جميعا على ذلك، فقال:
أأقتل بين حجاج بن عـمـرو وبين خصيمه عبد الـعـزيز
أنقتل ضلة في غـير شـيء ويبقى بعدنا أهل الكـنـوز
لعمر أبيك ما أتـيت رشـدي ولا وفقت للحرز الـحـريز
فإني تارك لهمـا جـمـيعـا ومعتزل كما اعتزل ابن كوز يهجو يحيى بن الحكم: أخبرني عمي قال: حدثني الكراني، عن العمري عن الهيثم بن عدي، قال: أصاب يحيى بن الحكم جارية في غزاة الصائفة ، بها وضح ، فقال: أعطوها أيمن بن خريم، وكان موضحا، فغضب وأنشأ يقول:
تركت بني مروان تندى أكفـهـم وصاحبت يحيى ضلة من ضلاليا
فإنك لو أشبهت مروان لم تـقـل لقومي هجرا أن أتوك ولا لـيا وانصرف عنه، فأتى عبد العزيز بن مروان، وكان يحيى محمقا.
يرى عبد الملك مدحه لبني هاشم مثلا يحتذى:

صفحة : 2300

حدثني محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي الفضل، قال: حدثني الزبيري عن أشياخه أن عبد الملك بن مروان قال: يا معشر الشعراء تشبهوننا مرة بالأسد الأبخر، ومرة بالجبل الأوعر، ومرة بالبحر الأجاج، ألا قلتم فينا كما قال أيمن بن خريم في بني هاشم:
نهاركم مكابـدة وصـوم وليلكم صلاة واقـتـراء
وليتم بالقران وبالتزكـي فأسرع فيكم ذاك البـلاء
بكى نجد غداة غد عليكـم ومكة والمدينة والجـواء
وحق لكل أرض فارقوها عليكم لا أبالكم البـكـاء
أأجعلكم وأقوامـا سـواء وبينكم وبينهم الـهـواء
وهم أرض لأرجلكم وأنتم لأرؤسهم وأعينهم سماء شعره وقد أدى عبد الملك عنه دية قتل خطأ: أخبرني الحسن بن علي، عن أحمد بن زهير، عن أبي همام الوليد بن شجاع، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، قال: أصاب أيمن بن خريم امرأة له خطأ -يعني قتلها- فوداها عبد الملك بن مروان: أعطى ورثتها ديتها، وكفر عنه كفارة القتل، وأعطاه عدة جوار، ووهب له مالا، فقال أيمن:
رأيت الغواني شيئا عجـابـا لو أنس مني الغواني الشبابـا
ولكن جمع العذارى الحسـان عناء شديد إذا المرء شـابـا
ولو كلت بالمد للـغـانـيات وضاعفت فوق الثياب ثيابـا
إذا لم تنلـهـن مـن ذاك ذاك بغينك عند الأمير الـكـذابـا
يذدن بـكـل عـصــا ذائد ويصبحن كل غداة صعـابـا
إذا لم يخالطن كل الـخـلاط تراهن مخرنظمات غضابـا
علام يكحلن حور الـعـيون ويحدثن بعد الخضاب الخضابا
ويعركن بالمسك أجـيادهـن ويدنين عند الحجال العـيابـا
ويغمزن إلا لما تعـلـمـون فلا تحرموا الغانيات الضرابا قال: فبلغني أن عبد الملك أنشد هذا الشعر، فقال: نعم الشفيع أيمن لهن.
يستجيد عبد الملك وصفه للنساء: وأخبرني أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة وإبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة، قال: قال له عبد الملك لما أنشده هذا الشعر: ما وصف النساء أحد مثل صفتك، ولا عرفهن أحد معرفتك. قال: فقال له: لئن كنت صدقت في ذلك لقد صدق الذي يقول: صوت
فإن تسألوني بالنساء فـإنـنـي خير بأدواء النسـاء طـبـيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله فليس له في ودهن نـصـيب
يردن ثراء المال حيث علمنـه وشرخ الشباب عندهن عجـيب فقال له عبد الملك: قد لعمري صدقتما وأحسنتما، الشعر لعلقمة بن عبدة، والغناء لبسباسة، ولحنه خفيف ثقيل أول بالوسطى عن حبش. وهذه الأبيات يقولها علقمة بن عبدة يمدح بها الحارث ويسأله إطلاق ابنه شأس . وخبره يذكر وخبر الحارث بعد انقضاء أخبار أيمن بن خريم.
رجع الحديث إلى أخبار أيمن يفضل عبد العزيز بن مروان شعر نصيب على شعره، فيلحق ببشر بن مروان: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني المدائني عن أبي بكر الهذلي، قال: دخل نصيب يوما إلى عبد العزيز بن مروان، فأنشده قصيدة له امتدحه بها فأعجبته، وأقبل على أيمن بن خريم فقال: كيف ترى شعر مولاي هذا? قال: هو أشعر أهل جلدته . فقال: هو أشعر والله منك. قال أمني أيها الأمير?.
فقال: إي والله، قال: لا والله، ولكنك طرف ملول، فقال له: لو كنت كذلك ما صبرت على مؤاكلتك منذ سنة وبك من البرص ما بك ، فقال: ائذن لي أيها الأمير في الانصراف، قال: ذلك إليك، فمضى لوجهه حتى لحق ببشر بن مروان، وقال فيه:
ركبت من المقطم في جمادى إلى بشر بن مروان البـريدا
ولو أعطاك بشر ألف ألـف رأى حقا عـلـيه أن يزيدا
أمير المؤمنين أقم بـبـشـر عمود الدين إن له عـمـودا
ودع بشرا يقومهـم ويحـدث لأهل الزيغ إسلاما جـديدا
وإنا قد وجـدنـا أم بـشـر كأم الأسد مذكـارا ولـودا
كأن التاج تاج أبي هـرقـل جلوه لأعظـم الأيام عـيدا

صفحة : 2301


يحالف لونه ديباج بـشـر إذا الألوان حالفت الخدودا -يعرض بنمش كان بوجه عبد العزيز- فقبله بشر بن مروان ووصله، ولم يزل أثيرا عنده.
من مدحه في بشر بن مروان: أخبرني عمي، قال: حدثني الكراني، وأبو العيناء عن العتبي، قال: لما أتى أيمن بن خريم بشر بن مروان نظر الناس يدخلون عليه أفواجا، فقال من يؤذن لنا الأمير أو يستأذن لنا عليه? قيل له: ليس على الأمير حجاب ولا ستر، فدخل وهو يقول:
يرى بارزا للناس بشـر كـأنـه إذا لاح في أثوابه قمـر بـدر
ولو شاء بشر أغلق الباب دونـه طماطم سود أو صقالبة شقـر
أبى ذا ولكن سهل الإذن للـتـي يكون له في غبها الحمد والشكر فضحك إليه بشر، وقال: إنا قوم نحجب الحرم، وأما الأموال والطعام فلا، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
2يعير أهل العراق بقلة غنائهم في حرب غزالة: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي أبو دلف، قال: حدثني الرياشي، قال: حدثنا الأصمعي عن المعتمد بن سليمان، قال: لما طالت الحرب بين غزالة وبين أهل العراق وهم لا يغنون شيئا -قال أيمن بن خريم:
أتينا بـهـم مـائتـي فـارس من السافكين الحرام العبيطـا
وخمسون من مارقات النـسـا ء يسحبن للمنديات المروطـا
وهم مائتا ألـف ذي قـونـس يئط العراقان منهم أطـيطـا
رأيت غـزالة إن طـرحـت بمكة هودجها والـغـبـيطـا
سمت للعراقين في جمعـهـا فلاقى العراقان منها بطيطـا
ألا يستحي الله أهـل الـعـرا ق إن قلدوا الغانيات السموطا?
وخيل غزالة تسبي الـنـسـاء وتحوي النهاب وتحوي النبيطا
ولو أن لـوطـا أمـير لـكـم لأسلمتم في الملمات لـوطـا
صوت

تصابيت أم هاجت لك الشوق زينـب وكيف تصابي المرء والرأس أشيب
إذا قربت زادتك شوقا بـقـربـهـا وإن جانبت لم يسل عنها التجـنـب
فلا اليأس إن ألممت يبدو فترعـوي ولا أنت مردود بما جئت تطـلـب
وفي اليأس لو يبدو لك الـيأس راحة وفي الأرض عمن لا يؤاتيك مذهب الشعر لحجية بن المضرب الكندي، فيما ذكره إسحاق والكوفيون. وذكر الزبير بن بكار أنه لإسماعيل بن يسار، وذكر غيره أنه لأخيه أحمد بن يسار. والغناء ليونس الكاتب، ولحنه من الثقيل الثاني بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، وفيه ثقيل أول بالبنصر. ذكر حبش أنه لمالك، وذكر غيره أنه لمعبد.

أخبار حجية بن المضرب
تجعله عائشة مثلا في بر صبية لأخيه مات عنهم: حدثني ابن عمار، قال: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، وأخبرنا به وكيع عن إسماعيل بن إسحاق، عن سعيد بن يحيى الأموي، قال: حدثني المحبر بن قحذم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما قدم القاسم بن محمد بن أبي بكر وأخته من مصر -وأخبرني بهذا الخبر محمد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، عن الهيثم بن عدي، عن عوانة، قال: كان القاسم بن محمد بن أبي بكر يحدث، قال: لما قتل معاوية بن حديج الكندي وعمرو بن العاص أبي -يعني محمد بن أبي بكر بمصر- جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر فاحتملني وأختا لي من مصر. وقد جمعت الروايتين واللفظ لابن أبي الأزهر، وخبره أتم قال.
فقدم بنا المدينة، فبعثت إلينا عائشة، فاحتملتنا من منزل عبد الرحمن إليها، فما رأيت والدة قط، ولا والدا أبر منها، فلم نزل في حجرها حتى إذا كان ذات يوم وقد ترعرعنا ألبستنا ثيابا بيضاء، ثم أجلست كل واحد منا على فخذها، ثم بعثت إلى عمي عبد الرحمن، فلما دخل عليها تكلمت فحمدت الله -عز وجل- وأثنت عليه. فما رأيت متكلما ولا متكلمة قبلها ولا بعدها أبلغ منها، ثم قالت:

صفحة : 2302

يا أخي إني لم أزل أراك معرضا عني منذ قبضت هذين الصبيين منك، ووالله ما قبضتهما تطاولا عليك، ولا تهمة لك فيهما، ولا لشيء تكرهه، ولكنك كنت رجلا ذا نساء، وكانا صبيين لا يكفيان من أنفسهما شيئا، فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتقذرون به من قبيح أمر الصبيان فكنت ألطف لذلك وأحق بولايته، فقد قويا على أنفسهما وشبا، وعرفا ما يأتيان، فها هما هذان فضمهما إليك، وكن لهما كحجية بن المضرب أخي كندة، فإنه كان له أخ يقال له: معدان، فمات وترك أصيبية صغارا في حجر أخيه، فكان أبر الناس بهم وأعطفهم عليهم، وكان يؤثرهم على صبيانه، فمكث بذلك ما شاء الله. ثم إنه عرض له سفر لم يجد بدا من الخروج فيه، فخرج وأوصى بهم امرأته، وكانت إحدى بنات عمه، وكان يقال لها: زينب، فقال: اصنعي ببني أخي ما كنت أصنع بهم، ثم مضى لوجهه أشهرا، ثم رجع وقد ساءت حال الصبيان وتغيرت، فقال لامرأته: ويلك مالي أرى بني معدان مهازيل، وأرى بني سمانا? قالت: قد كنت أواسي بينهم، ولكنهم كانوا يعبثون ويلعبون، فخلا بالصبيان فقال: كيف كانت زينب لكم? قالوا: سيئة، ما كانت تعطينا من القوت إلا ملء هذا القدح من لبن -وأروه قدحا صغيرا- فغضب على امرأته غضبا شديدا وتركها، حتى إذا أراح عليه راعيا إبله قال لهما: اذهبا، فأنتما وإبلكما لبني معدان. فغضبت من ذلك زينب وهجرته، وضربت بينه وبينها حجابا، فقال: والله لا تذوقين منها صبوحا ولا غبوقا أبدا، وقال في ذلك : شعره في امرأته حين عرف سوء معاملتها لصغار أخيه:
لججنا ولجت هذه في الـتـغـضـب ولط الحجاب بينـنـا الـتـجـنـب
وخطت بفردي إثمد جفـن عـينـهـا لتقتلـنـي وشـد مـا حـب زينـب
تلوم على مال شـفـانـي مـكـانـه فلومي حياتي ما بدا لك واغضـبـي
رحمت بني معدان أن قـل مـالـهـم وحق لهم مني ورب المـحـصـب
وكان اليتامى لا يسـد اخـتـلالـهـم هدايا لهم في كل قعـب مـشـعـب
فقلت لعـبـدينـا: أريحـا عـلـيهـم سأجعل بيتي بـيت آخـر مـعـزب
وقلت خذوها واعلمـوا أن عـمـكـم هو اليوم أولى منكم بـالـتـكـسـب
عيالي أحق أن ينـالـوا خـصـاصة وأن يشربوا رنقا إلى حين مكسـبـي
أحابي بها من لو قصـدت لـمـالـه حريبا لاساني علـى كـل مـوكـب
أخي والـذي إن أدعـه لـعـظـيمة يجبني وإن اغضب إلى السيف يغضب إلى ها هنا رواية ابن عمار.
تركته زوجته إلى المدينة وأسلمت فراح يطلبها: وفي خبر إسحاق قال: فلما بلغ زينب هذا الشعر وما وهب زوجها خرجت حتى أتت المدينة فأسلمت، وذلك في ولاية عمر بن الخطاب، فقدم حجية المدينة فطلب زينب أن ترد عليه، وكان نصرانيا، فنزل بالزبير بن العوام فأخبره بقصته، فقال له: إياك وأن يبلغ هذا عنك عمر فتلقى منه أذى.
يمدح الزبير بن العوام ويرحل كئيبا يائسا: وانتشر خبر حجية وفشا بالمدينة وعلم فيم كان مقدمه، فبلغ ذلك عمر، فقال للزبير: قد بلغني قصة ضيفك، ولقد هممت به لولا تحرمه بالنزول عليك، فرجع الزبير إلى حجية فأعلمه قول عمر، قال حجية في ذلك.

إن الزبير بن عوام تـداركـنـي منه بسيب كريم سيبه عـصـم
نفسي فداؤك مأخوذا بحجزتـهـا إذ شاط لحمي وإذ زلت بي القدم
إذ لا يقوم بها إلا فـتـى أنـف عاري الأشاجع في عرنينه شمم ثم انصرف من عنده متوجها إلى بلده، آيسا من زينب كئيبا حزينا، فقال في ذلك:
تصابيت أم هاجت لك الشوق زينب الأبيات المذكورة فيها الغناء.

صوت

خليلي هبا نصطبـح بـسـواد ونرو قلوبا هامهـن صـواد
وقولا لساقينـا زياد يرقـهـا فقد هز بعض القوم سقي زياد الشعر والغناء لإسحاق، ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر.

خبر إسحاق مع غلامه زياد
وصف زياد غلام إسحاق: هذا الشعر يقوله إسحاق في غلامه له مملوك خلاسي ، يقال له: زياد. كان مولدا من مولدي المدينة، فصيحا ظريفا، فجعله ساقيه، وذكره هو وغيره في شعره. فممن ذكره من الشعراء دعبل، وله يقول:

صفحة : 2303

أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش، عن أبي سعيد السكري قال: كان زياد الذي يذكره إسحاق في عدة مواضع، منها قوله:
وقولا لساقينا زياد يرقها -وكان نظيف السقي لبقا، فقال فيه دعبل:
يقول زياد قـف بـصـحـبـك مـرة على الربع، مالي والوقوف على الربع صوت
أدرها على فقد الحبيب فـربـمـا شربت على نأى الأحبة والفجـع
فما بلغتني الكأس إلا شربـتـهـا وإلا سقيت الأرض كأسا من الدمع غنى في البيت الثاني والثالث من هذه الأبيات محمد بن العباس بن عبد الله بن طاهر لحنا من خفيف الثقيل الأول بالبنصر.
نسبة الصوت إلى غير إسحاق: قال أبو الحسن: وقد قيل: إن هذين البيتين-يعني:
خليلي هبا نصطبح بسواد -للأخطل.
زياد يراجع إسحاق وهو يغني: أخبرني علي بن سليمان، قال: حدثني أبي، قال: قال لي جعفر بن معروف الكاتب -وكان قد جاوز مائة سنة: لقد شهدت إسحاق يوما في مجلس أنس وهو يتغنى هذا الصوت:
خليلي هبا نصطبح بسواد وغلامه زياد جالس على مسورة يسقي، وهو يومئذ غلام أمرد أصفر، رقيق البدن حلو الوجه. ثم أخذ يراجعه ولا أحد يستطيع يقول له: زدني ولا انقصني.
يعتقه إسحاق ويزوجه: أخبرني علي بن صالح بن الهيثم الأنباري، قال حدثني أحمد بن الهيثم، يعني جد أبي -رحمه الله- قال: كنت ذات يوم جالسا في منزلي بسر من رأى وعندي إخوان لي، وكان طريق إسحاق في مضيه إلى دار الخليفة ورجوعه منها على منزلي، فجاءني الغلام يوما وعندي أصدقاء لي فقال لي: إسحاق بن إبراهيم الموصلي بالباب، فقلت له: قل له، ويلك يدخل، أوفى الخلق أحد يستأذن عليه لإسحاق فذهب الغلام وبادرت أسعى في أثره حتى تلقيته، فدخل وجلس منبسطا آنسا، فعرضنا عليه ما عندنا، فأجاب إلى الشرب، فأحضرناه نبيذا مشمسا فشرب منه، ثم قال: أتحبون أن أغنيكم? قلنا: إي والله أطال الله بقاءك، إنا نحب ذلك. قال: فلم لم تسألوني? قلنا: هبناك والله، قال: فلا تفعلوا، ثم دعا بعود فأحضرناه، فاندفع فغنانا، فشربنا وطربنا. فلما فرغ قال: أحسنت أم لا? فقلنا: بلى والله، جعلنا الله فداءك لقد أحسنت. قال: فما منعكم أن تقولوا لي: أحسنت.
قلنا: الهيبة والله لك، قال: فلا تفعلوا هذا فيما تستأنفون، فإن المغني يحب أن يقال له: غن، ويحب أن يقال له إذا غنى: أحسنت، ثم غنانا صوته:
خليلي هبا نصطبح بسواد فقلنا له: يا أبا محمد، من هو زياد الذي غنيته? قال: هو غلامي الواقف بالباب، أدعوه يا غلمان، فأدخل إلينا، فإذا غلام خلاسي، قيمته عشرون دينارا أو نحوها. فأمسكنا عنه، فقال: أتسألوني عنه فأعرفكم إياه ويخرج كما دخل، وقد سمعتم شعري فيه وغنائي? أشهدكم أنه حر لوجه الله، وأني زوجته أمتي فلانة، فأعينوه على أمره. قال: فلم يخرج حتى أوصلنا إليه عشرين ألف درهم، أخرجناها له من أموالنا.
إسحاق يرثيه: أخبرني يحيى بن علي قال: حدثني أبي، قال: توفي زياد غلام إسحاق الذي يقول فيه:
وقولا لساقينا زياد يرقها فقال إسحاق يرثيه:
فقدنا زيادا بعد طول صحـابة فلا زال يسقي الغيث قبر زياد
ستبكيك كأس لم تجد من يديرها وظمآن يستبطي الزجاجة صاد يطلب الأمين إسحاق فيغنيه: أخبرني عمي، قال: حدثني ابن المكي عن أبيه، قال: اصطبح محمد الأمين ذات يوم، وأمر بالتوجيه إلى إسحاق، فوجه إليه عدة رسل، كلهم لا يصادفه، حتى جاء أحدهم به، فدخل منتشيا ومحمد مغضب. فقال له: أين كنت ويلك قال: أصبحت يا أمير المؤمنين نشيطا، فركبت إلى بعض المتنزهات، فاستطبت الموضع وأقمت فيه وسقاني زياد، فذكرت أبياتا للأخطل وهو يسقيني، فدار لي فيها لحن حسن فصنعته فيها، وقد جئتك به. فتبسم، ثم قال: هات، فما تزال تأتي بما يرضي عنك عند السخط، فغناه: صوت
إذا ما زياد علني ثم علـنـي ثلاث زجاجات لهـن هـدير
خرجت أجر الذيل زهوا كأنني عليك أمير المؤمنـين أمـير قال: بل على أبيك، قبح الله فعلك، فما يزال إحسانك في غنائك يمحو إساءتك في فعلك، وأمر له بألف دينار.
الشعر في هذين البيتين للأخطل، والغناء لإسحاق، رمل بالبنصر. ورواية شعر الأخطل:












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 06-27-2006, 11:52 AM   المشاركة رقم: 42
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

صفحة : 2304


إذا ما نديمي علني ثم علني وإنما غيره إسحاق فقال: إذا ما زياد .
أخبرني علي بن سليمان عن محمد بن يزيد النحوي: أن عبد الملك بن مروان قال للأخطل: ما يدعوك إلى الخمر? فوالله إن أولها لمر، وإن آخرها لسكر قال: أجل، ولكن بينهما حالة، ما ملكك عندها بشيء، وقد قلت في ذلك:
إذا ما نديمي علني ثم علـنـي ثلاث زجاجات لهـن هـدير
خرجت أجر الذيل زهوا كأنني عليك أمير المؤمنـين أمـير قال: فجعل عبد الملك يضحك.
صوت
أشارت بطرف العين خيفة أهلـهـا إشارة مخـرون ولـم تـتـكـلـم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحـبـا وأهلا وسهلا بالحبيب الـمـسـلـم
هنيئا لكم حبي وصـفـو مـودتـي فقد سيط من لحمي هواك ومن دمي الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء لابن عائشة ثاني ثقيل بالبنصر، وفيه لدحمان ثقيل أول بالبنصر. ويقال: إنه لابن سريج، وقيل: إن الثقيل الأول لابن عائشة، والثقيل الثاني لابن سريج، وفيه خفيف ثقيل أول، ينسب إلى ابن سريج وإلى علي بن الجواري.
خبر لحبابة مع ابن عائشة تشتاق حبابة إلى ابن عائشة فتحتال لتسمع غناءه: أخبرني الحسن بن يحيى وابن أبي الأزهر، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن المدائني، قال: كانت حبابة جارية يزيد بن عبد الملك معجبة بغناء ابن عائشة، وكان ابن عائشة حديث السن، فلما طال عهدها به اشتاقت إلى أن تسمع غناءه، فلم تدر كيف تصنع، فاختلفت هي وسلامة في صوت لمعبد، فأمر يزيد بإحضاره ووجه في ذلك رسولا، فبعثت حبابة إلى الرسول سرا فأمرته أن يأتي ابن عائشة وأمير المدينة في خفاء، ويبلغهما رسالتها بالخروج مع معبد سرا، وقالت: قل لهما يستران ذلك عن أمير المؤمنين.
فلما قدم الرسول إلى عامل المدينة أبلغه ما قالت حبابة، فأمر ابن عائشة بالرحلة مع معبد، وقال لمعبد: انظر ما تأمرك به حبابة فانتبه إليه، فقال: نعم، فخرجا حتى قدما على يزيد، وبلغ الخبر حبابة فلم تدر كيف تصنع في أمر ابن عائشة. فلما حضر معبد حاكمت سلامة إليه، فحكم لها، فاندفعت فغنت صوتا لابن عائشة، وفيه لابن سريج لحن، ولحن ابن عائشة أشهرهما، وهو:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها فقال يزيد: يا حبيبتي؛ أني لك هذا ولم أسمعه منك، وهو على غاية الحسن? إن لهذا لشأنا، فقالت: يا أمير المؤمنين، هذا لحن كنت أخذته عن ابن عائشة، قال: ذلك الصبي قالت: نعم، وهذا أستاذه -وأشارت بيدها إلى معبد- فقال لمعبد: أهذا لحن ابن عائشة أو انتحله? فقال معبد: هذا -أصلح الله الأمير- له، فقال يزيد: لو كان حاضرا ما كرهنا أن نسمع منه، فقال معبد: هو والله معي لا يفارقني، فقال يزيد: ويلك يا معبد احتملنا الساعة أمرك، فزدتنا ما كرهنا، ثم قال لحبابة: هذا والله عملك، قالت: أجل يا سيدي، قال لها: هذه الشام، ولا تحتمل لنا ما تحتمله المدينة. قالت: يا سيدي أنا والله أحب أن أسمع من ابن عائشة، فأحضر، فلما دخل قال له: هات صوتا غنته حبابة:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها فغناه، فقال: هو والله يا حبابة منه أحسن منك، قالت: أجل يا سيدي، ثم قال يزيد: هات يا محمد ما عندك، فغنى: صوت
قف بالمنازل قبل أن نتفـرقـا واستنطق الربع المحيل المخلقا
عن علم ما فعل الخليط لعلـه بجواب رجع حديثهم أن ينطقا
فيبين من أخبارهـم لـمـتـيم أمسى وأصبح بالرسول معلقا
كلفا بها أبدا تسـح دمـوعـه وسط الديار مسائلا مستنطقـا
ذرفت له عين يرى إنسانـهـا في لجة من مائها مغرورقـا
تقري محاجرها الدموع كأنهـا در وهي من سلكه مستوسقـا الغناء لابن عائشة، ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى، وفيه لشاربة خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى، ويقال: إن فيه لابن جندب وحنين لحنين، قال: فقال له يزيد: أهلا وسهلا بك يا بن عائشة، فأنت والله الحسن الوجه، الحسن الغناء. وأحسن إليه ووصله.
ثم لم يره يزيد بعد هذا المجلس، وبعثت إليه حبابة ببر وألطاف واتبعتها سلامة في ذلك.

صوت

لما سمعت الديك صاح بسحرة وتوسط النسران بطن العقرب

صفحة : 2305


وبدا سهيل في السمـاء كـأنـه نور وعارضه هجان الربـرب
نبهت ندماني وقلت له اصطبـح يا بن الكرام من الشراب الطيب
صفراء تبرق في الزجاج كأنها حدق الجرادة أو لعاب الجندب الشعر لأبي الهندي، والغناء لإبراهيم الموصلي، ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو.

أخبار أبي الهندي ونسبه
اسمه ونسبه وشعره: اسمه غالب بن عبد القدوس، بن شبث بن ربعي. وكان شاعرا مطبوعا، وقد أدرك الدولتين: دولة بني أمية، وأول دولة ولد العباس. وكان جزل الشعر، حسن الألفاظ، لطيف المعاني. وإنما أخمله وأمات ذكره بعده من بلاد العرب، ومقامه بسجستان وبخراسان، وشغفه بالشراب ومعاقرته إياه، وفسقه وما كان يتهم به من فساد الدين.
هو أول من وصف الخمر من شعراء الإسلام: واستفرغ شعره بصفة الخمر، وهو أول من وصفها من شعراء الإسلام، فجعل وصفها وكده وقصده، ومن مشهور قوله فيها ومختاره:
سقيت أبا المطرح إذ أتانـي وذو الرعثات منتصب يصيح
شرابا يهرب الذبـان مـنـه ويلثغ حين يشربه الفصـيح أبو نواس يأخذ من معانيه في الخمر: أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: حدثني فضل اليزيدي أنه سمع إسحاق الموصلي يوما يقول، وأنشد شعرا لأبي الهندي في صفة الخمر، فاستحسنه وقرظه، فذكر عنده أبو نواس، فقال: ومن أين أخذ أبو نواس معانيه إلا من هذه الطبقة? وأنا أوجدكم سلخه هذه المعاني كلها في شعره، فجعل ينشد بيتا من شعر أبي الهندي، ثم يستخرج المعنى والموضع الذي سرقه الحسن فيه حين أتى على الأبيات كلها واستخرجها من شعره.
شعر مأخوذ من شعره: أخبرني الحسن بن علي؛ قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني عبد الله بن أبي سعد. قال: حدثني شيخ من أهل البصرة، قال: كنا عند أبي عبيدة، فأنشد منشد شعرا في صفة الخمر -أنسيه الشيخ- فضحك ثم قال: هذا أخذه من قول أبي الهندي:
سيغني أبا الهندي عن وطب سالم أباريق لم يعلق بها وضر الزبـد
مفـدمة قـز كـأن رقـابـهـا رقاب بنات الماء تفزع للـرعـد
جلتها الجوالي حين طاب مزاجها وطيبتها بالمسك والعنبر والـورد
تمج سلافا في الأباريق خالـصـا وفي كل كأس من مها حسن القد
تضمـنـهـا زق أزب كـأنـه صريع من السودان ذو شعر جعد نسخت من كتاب ابن النطاح.
ثلاثة أيام يسكر فيها كلما أفاق: حدثني بعض أصحابنا: أن أبا الهندي اشتهى الصبوح في الحانة ذات يوم، فأتى خمارا بسجستان في محلة يقال لها: كوه زيان -وتفسيره: جبل الخسران- يباع فيها الخمر والفاحشة، ويأوي إليها كل خارب وزان ومغنية ، فدخل إلى الخمار فقال له: اسقني، وأعطاه دينارا، فكال له، وجعل يشرب حتى سكر، وجاء قوم يسألون عنه فصادفوه على تلك الحال. فقالوا للخمار: ألحقنا به؛ فسقاهم حتى سكروا، فانتبه فسأل عنهم، فعرفه الخمار خبرهم، فقال له: هذا الآن وقت السكر، الآن طاب، ألحقني بهم، فجعل يشرب حتى سكر، وانتبهوا فقالوا للخمار: ويحك هذا نائم بعد فقال: لا، ولقد انتبه، فلما عرف خبركم شرب حتى سكر، فقالوا: ألحقنا به فسقاهم حتى سكروا، وانتبه فسأل عن خبرهم، فعرفه فقال: والله لألحقن بهم، فشرب حتى سكر، ولم يزل ذلك دأبه ودأبهم ثلاثة أيام لم يلتقوا وهم في موضع واحد، ثم تركوا الشرب عمدا حتى أفاق، فلقوه.
وهذا الخبر بعينه يحكي لواليه بن الحباب مع أبي نواس، وقد ذكر في أخبار والبة، والصحيح أنه لأبي الهندي، وفي ذلك يقول:
ندامى بعد ثالـثة تـلاقـوا يضمهم بـكـوه زيان راح
وقد باكرتها فتركت منـهـا قتيلا ما أصابتنـي جـراح
وقالوا أيها الخمار مـن ذا? فقال أخ تخونه اصطبـاح
فقالوا هات راحك ألحقـنـا به وتعللوا ثم استـراحـوا
فما إن لبثتهم أن رمـتـهـم بحد سلاحها ولهـا سـلاح
وحان تنبهي فسألت عنـهـم فقال أتاحهم قـدر مـتـاح
رأوك مجدلا فاستخبرونـي فحركهم إلى الشرب ارتياح

صفحة : 2306


فقلت بهم فألحقني فهـبـوا فقالوا هل تنبه حين راحوا?
فقال نعم فقالوا ألحـقـنـا به قد لاح للرائي صبـاح
فما إن زال الـدأب مـنـا ثلاثا يستغب ويسـتـبـاح
نبيت معا وليس لنـا لـقـاء ببيت ما لنـا فـيه بـراح يموت مختنقا: أخبرني عمي الحسن بن أحمد، قال: حدثني الحسن بن عليل العنزي، قال: قال صدقة بن إبراهيم البكري: كان أبو الهندي يشرب معنا بمرو، وكان إذا سكر يتقلب تقلبا قبيحا في نومه، فكنا كثيرا ما نشد رجله لئلا يسقط من السطح، فسكر ليلة وشددنا رجله بحبل، وطولنا فيه ليقدر على القيام إلى البول وغير ذلك من حوائجه، فتقلب وسقط من السطح، وأمسكه الحبل فبقي منكسا وتخنق بما في جوفه من الشراب، فأصبحنا فوجدناه ميتا. قال صدقة: فمررت بقبره بعد ذلك فوجدت عليه مكتوبا:
اجعلوا إن مت يوما كـفـنـي ورق الكرم وقبري معصـره
إنني أرجو مـن الـلـه غـدا بعد شرب الراح حسن المغفره قال: فكان الفتيان بعد ذلك يجيئون إلى قبره، ويشربون ويصبون القدح إذا انتهى إليه على قبره.
قال حماد بن إسحاق عن أبيه في وفاة أبي الهندي: إنه خرج وهو سكران في ليلة باردة من حانة خمار وهو ريان، فأصابه ثلج فقتله، فوجد من غد ميتا على الطريق.
شعره وقد كف عن الشراب مدة: وروى حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: حج نصير بن سيار وأخرج معه أبا الهندي، فلما حضرت أيام الموسم قال له: يا أبا الهندي، إنا بحيث ترى، وفد الله وزوار بيته، فهب لي النبيذ في هذه الأيام واحتكم علي، فلولا ما ترى، ما منعتك، فضمن له ذلك وغلظ عليه الاحتكام، ووكل به نصر بن سيار، فلما انقضى الأجل مضى في السحر قبل أن يلقي نصرا، فجلس في أكمة يشرف منها على فضاء واسع، فجلس عليها ووضع بين يديه إداوة، وأقبل يشرب ويبكي، ويقول:
أديرا علي الكأس إني فقدتهـا كما فقد المفطوم در المراضع
حليف مدام فارق الراح روحه فظل عليها مستهل المدامـع قال: وعاتب قوم أبا الهندي على فسقه ومعاقرته الشراب، فقال:
إذا صليت خمسا كـل يوم فإن الله يغفر لي فسوقي
ولم أشرك برب الناس شيئا فقد أمسكت بالدين الوثيق
وجاهدت العدو ونلت مالا يبلغني إلى البيت العتـيق
فهذا الدين ليس به خفـاء دعوني من بنيات الطريق شعره وقد امتنع من أجر فسقه: قال إسحاق: وشرب يوما أبو الهندي بكوه زيان عند خمارة هناك، وكان عندها نسوة عواهر، ففجر بهن ولم يعطهن شيئا، فجعلن يطالبنه بجعل فلم ينفعهن، فقال في ذلك:
آلي يمينا أبو الهنـدي كـاذبة ليعطين زواني لست ماشينـا
وغرهن فلما أن قضى وطرا قال ارتحلن فأخزى الله ذادينا يخطب امرأة فيرد أهلها خطبته: أخبرني عمي عن هبيد بن عبد الله بن طاهر، عن أبي محلم، قال: خطب أبو الهندي غالب بن عبد القدوس بن شبث بن ربعي إلى رجل من بني تميم، فقال: لو كنت مثل أبيك لزوجتك، فقال له غالب: لكنك لو كنت مثل أبيك ما خطبت إليك.
أمثلة من سرعة جوابه: قال أبو محلم: ومر نصر بن سيار بأبي الهندي، وهو سكران يتمايل، فوقف عليه فعذله وسبه، وقال: ضيعت شرفك، وفضحت أسلافك. فلما طال عتابه التفت إليه فقال: لولا أني ضيعت شرفي لم تكن أنت على خراسان، فانصرف نصر خجلا.
قال أبو محلم: وكان بسجستان رجل يقال له: برزين ناسكا، وكان أبوه صلب في خرابة فجلس إليه أبو الهندي -فطفق ويعرض له بالشراب. فقال له أبو الهندي: أحدكم يرى القذاة في عين أخيه، ولا يرى الخشبة في أست أبيه فأخجله.
قال أبو محلم: وكان أسرع الناس جوابا.

صوت

لقد قلت حين قـر بت العيس يا نوار
قفوا فاربعوا قليلا فلم يربعوا وساروا
فنفسي لها حنـين وقلبي له انكسـار
وصدري به غلـيل ودمعي له انحدار الشعر لسعيد بن وهب، والغناء لسليم رمل بالوسطى عن الهشامي، ومن جامع سليم ونسخة عمرو الثانية.

أخبار سعيد بن وهب
نسبه ومنشؤه:

صفحة : 2307

سعيد بن وهب أبو عثمان مولى بني سلمة بن لؤي بن نصر، مولده ومنشؤه بالبصرة، ثم سار إلى بغداد فأقام بها، وكانت الكتابة صناعته، فتصرف مع البرامكة فاصطنعوه، وتقدم عندهم.
أكثر شعره في الغزل: وكان شاعرا مطبوعا، ومات في أيام المأمون، وأكثر شعره في الغزل والتشبيب بالمذكر، وكان مشغوفا بالغلمان والشراب.
ثم تنسك وتاب، وحج راجلا على قدميه، ومات على توبة وإقلاع ومذهب جميل.
أبو العتاهية يرثيه: ومات وأبو العتاهية حي، وكان صديقه فرثاه.
فأخبرني علي بن سليمان الأخفش. عن محمد بن مزيد. قال: حدثت عن بعض أصحاب أبي العتاهية. قال: جاء رجل إلى أبي العتاهية -ونحن عنده- فساره في شيء فبكى أبو العتاهية، فقلنا له: ما قال لك هذا الرجل يا أبا إسحاق فأبكاك? فقال، وهو يحدثنا لا يريد أن يقول شعرا:
قال لي مات سعيد بن وهب رحم الله سعيد بن وهـب
يا أبا عثمان أبكيت عينـي يا أبا عثمان أوجعت قلبي قال: فعجبنا من طبعه وأنه تحدث، فكان حديثه شعرا موزونا.
يتوب ويتزهد: وأخبرني الحسن بن علي الخفاف. قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني سيبويه أبو محمد، قال: كان سعيد بن وهب الشاعر البصري مولى بني سامة قد تاب وتزهد، وترك قول الشعر. وكان له عشرة من البنين وعشر من البنات، فكان إذا وجد شيئا من شعره خرقه وأحرقه.
وكان امرأ صدق، كثير الصلاة، يزكي في كل سنة عن جميع ما عنده حتى إنه ليزكي عن فضة كانت على امرأته.
شعره وقد توعده غلام كان يعشقه: أخبرني عمي، قال: حدثني علي بن الحسين بن عبد الأعلى، قال: حدثني أبو عثمان الليثي، قال: كان سعيد بن وهب يتعشق غلاما يتشطر ، يقال له: سعيد، فبلغه أنه توعده أن يجرحه، فقال فيه:
من عذيري من سميي من عذيري من سعيد?
أنا بـالـلـحـم أجـاه ويجـائي بـالـحـديد شعره حين رأى كتابا في أحوال جميلة: حدثني جحظة، قال: حدثني ميمون بن هارون، قال: نظر سعيد بن وهب إلى قوم من كتاب السلطان في أحوال جميلة، فأنشأ يقول:
من كان في الدنيا له شارة فنحن من نظارة الـدنـيا
نرمقها من كثب حـسـرة كأننا لفظ بلا مـعـنـى
يعلوا بها الناس وأيامـنـا تذهب في الأرذل وتلأدنى شعره في غلام وسيم حين رآه: أخبرني عمي، قال: حدثني عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود، قال: حدثني عبد الله بن أبي العلاء المغني، قال: نظر إلي سعيد بن وهب، وأنا على باب ميمون بن إسماعيل، حين اخضر شاربي، ومعه إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فسلمت على إسحاق فأقبل عليه سعيد، وقال: من هذا الغلام? فتبسم، وقال: هذا ابن صديق لي، فأقبل علي وقال:
لا تخرجن مع الغزي لمغـنـم إن الغزي يراك أفضل مغـنـم
في مثل وجهك يستحل ذوو التقى والدين والعلماء كـل مـحـرم
ما أنت إلا غـادة مـمـكـورة لولا شواربك المطلة بـالـفـم يستميل غلاما بالشعر: أخبرني محمد بن خلف المرزبان، قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر، عن أبي دعامة، قال: مر سعيد بن وهب والكسائي، فلقيا غلاما جميل الوجه، فاستحسنه الكسائي وأراد أن يستميله ، فأخذ يذاكره بالنحو ويتكلم به، فلم يمل إليه، وأخذ سعيد بن وهب في العشر ينشده، فمال إليه الغلام، فبعث به إلى منزله، وبعث معه بالكسائي، وقال له: حدثه وآنسه إلى أن أجيء وتشاغل بحاجة له، فمضى به الكسائي، فما زال يداريه حتى قضى حاجته وأربه، ثم قال له: انصرف، وجاء سعيد فلم يره، فقال: شعره وقد نال الكسائي من الغلام الذي استماله:
أبو حسن لا يفـي فمن ذا يفي بعده?
أثرت له شـادنـا فصـايده وجـده
وأظهر لي غـدرة وأخلفنـي وعـده
سأطلب ما سـاءه كما ساءني جهده يرثي ابنا له:

صفحة : 2308

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثني حماد بن إسحاق، عن أبيه قال: كان سعيد بن وهب لي صديقا، وكان له ابن يكنى أبا الخطاب، من أكيس الصبيان وأحسنهم وجها وأدبا، فكان لا يكاد يفارقه في كل حال، لشدة شغفه به، ورقته عليه. فمات وله عشر سنين، فجزع عليه جزعا شديدا، وانقطع عن لذاته. فدخلت إليه يوما لأعاتبه على ذلك، وأستعطفه، فحين رأى ذلك في وجهي فاضت دموعه، ثم انتحب حتى رحمته، وأنشدني:
عين جودي على أبي الخطاب إذ تولى غضا بماء الشبـاب
لم يقارف ذنبا ولم يبلغ الحـن ث مرجى مطهـر الأثـواب
فقدته عيني إذا ما سعـى أت رابه من جمـاعة الأتـراب
إن غدا موحشا لداري فقد أص بح أنس الثرى وزين التراب
أحمد الله يا حبـيبـي فـأنـي بك راج منه عظيم الثـواب ثم ناشدني ألا أذكره بشيء مما جئت إليه، فقمت ولم أخاطبه بحرف.
وقد رأيت هذه الأبيات بعينها بخط إسحاق في بعض دفاتره، يقول فيه: أنشدني سعيد بن وهب لنفسه يرثي ابنا له صغيرا، وهي على ما ذكره جعفر بن قدامة عن حماد سواء.
كان مألفة للغلمان والظرفاء والقيان: أخبرني عيسى بن الحسين الوراق، قال: حدثني أبو هفان، قال: حدثني أبو دعامة، قال: كان سعيد بن وهب مألفة لكل غلام أمرد، وفتى ظريف، وقينة محسنة، فحدثني رجل كان يعاشره، قال: دخل إليه يوما وأنا عنده غلامان أمردان، فقالا له: قد تحاكمنا إليك: أينا أجمل وجها، وأحسن جسما? وجعلنا لك أجر حكمك أن تختار أينا حكمت له، فتقضي حاجتك منه. فحكم لأحدهما، وقام فقضى حاجته واحتبسهما فشربا عنده نبيذا، ثم مال على الآخر أيضا، وقمت معه. فداخلتهما حتى فعلت كفعله، فقال لي سعيد: هذا يوم الغارات في الحارات ، ثم قال: شعره في غلامين احتكما إليه أيهما أجمل:
رئمان جاءا فحكمـانـي لا حكم قاض ولا أمـير
هذا كشمس الضحى جمالا وذا كبدر الدجى المنـير
وفضل هذا كذا علـى ذا فضل خميس على عشير
قالا أشر بينـنـا بـرأي ونجعل الفضل للمشـير
تباذلا ثم قـمـت حـتـى أخذت فضلي من الكبير
وكان عيبـا بـأن أرانـي أحرم حظي من الصغير
فكان مني ومن قـرينـي إليهما وثبة الـمـغـير
فمن رأى حاكما كحكمي أعظم جورا بلا نكـير وقال: وشاعت الأبيات حتى بلغت الرشيد، فدعا به فاستنشده إياها، فتلكأ، فقال له: أنشد ولا بأس عليك، فأنشد، فقال له: ويلك اخترت الكبير سنا أو قدرا? قال: بل الكبير قدرا. قال: لو قلت غير هذا سقطت عندي واستخففت بك. ووصله.
يمدح الفضل بن يحيى ببيتين فيطرب لهما: أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثني أبو العيناء، قال: دخل سعيد بن وهب على الفضل بن يحيى في يوم قد جلس فيه للشعراء، فجعلوا ينشدونه ويأمر لهم بالجوائز حتى لم يبق منهم أحد، فالتفت إلى سعيد بن وهب كالمستنطق، فقال له: أيها الوزير، إني ما كنت استعددت لهذه الحال، ولا تقدمت لها، عندي مقدمة فأعرفها، ولكن قد حضرني بيتان أرجو أن ينوبا عن قصيدة، فقال: هاتهما فرب قليل أبلغ من الكثير، فقال سعيد:
مدح الفضل نفسه بالفـعـال فعلا عن مديحنا بالـمـقـال
أمروني بمدحه قـلـت كـلا كبر الفضل عن مديح الرجال قال: فطرب الفضل، وقال له: أحسنت والله وأجدت ولئن قل القول ونزر لقد اتسع المعنى وكثر.
ثم أمر له بمثل ما أعطاه كل من أنشده مديحا يومئذ، وقال: لا خير فيما يجيء بعد بيتيك ؛ وقام من المجلس وخرج الناس يومئذ بالبيتين لا يتناشدون سواهما.
كان نديم الفضل بن يحيى وأنيسه: حدثني عمي قال: حدثني ميمون بن هارون، قال: حدثت عن الخريمي، قال: كان الفضل بن يحيى ينافس أخاه جعفرا، وينافسه جعفر، وكان أنس بن أبي شيخ خاصا بجعفر، ينادمه ويأنس به في خلواته، وكان سعيد بن وهب بهذه المنزلة للفضل.
فدخلت يوما إلى جعفر، ودخل إليه سعيد بن وهب، فحدثه وأنشده وتنادر له، وحكي عن المتنادرين، وأتى بكل ما يسر ويطرب ويضحك، وجعفر ساكت ينظر إليه لا يزيد على ذلك.


صفحة : 2309

فلما خرج سعيد من عنده تجاهلت عليه، وقلت له: من هذا الرجل الكثير الهذيان? قال: أو ما تعرفه? قلت: لا؛ قال: هذا سعيد بن وهب صديق أخي أبي العباس وخلصانه وعشيقه، قلت: وأي شيء رأى فيه? قال: لا شيء والله إلا القذر والبرد والغثاثة.
ثم دخلت بعد ذلك إلى الفضل، ودخل أنس بن أبي شيخ فحدث وندر وحكى عن المضحكين وأتى بكل طريفة، فكانت قصة الفضل معه قصة جعفر مع سعيد، فقلت له بعد أن خرج من حضرته: من هذا المبرد? قال: أو لا تعرفه? قلت: لا. قال: هذا أنس بن أبي شيخ صديق أخي أبي الفضل وعشيقه وخاصته. قلت: وأي شيء أعجبه فيه? قال: لا أدري والله، إلا القذر والبرد وسوء الاحتيار.
قال: وأنا والله أعرف بسعيد وأنس من الناس جميعا، ولكني تجاهلت عليهما وساعدتهما على هواهما.
يفي للفضل بن الربيع في نكبته فيعظم قدره: حدثني عمي، قال: حدثني ميمون بن هارون، قال: قال إبراهيم بن العباس: قال لي الفضل بن الربيع ذات يوم: عرفتنا أيام النكبة من كنا نجهله من الناس، وذلك أنا احتجنا إلى أن نودع أموالنا، وكان أمرها كثيرا مفرطا، فكنا نلقيها على الناس إلقاء، ونودعها الثقة وغير الثقة، فكان ممن أودعته سعيد بن وهب، وكان رجلا صعلوكا لا مال له، إنما صحبنا على البطالة : فظننت أن ما أودعته ذاهب، ثم طلبته منه بعد حين، فجاءني والله بخواتيمه.
وأودعت علي بن الهيثم كاتبنا جملة عظيمة، وكان عندي أوثق من أودعته، فلما أمنت طالبته بالوديعة، فجحدنيها وبهتني وحلف على ذلك، فصار سعيد عندي في السماء، وبلغت به كل مبلغ، وسقط علي بن الهيثم، فما يصل إلي ولا يلقاني.
يحاجي جارية رجل من البرامكة: أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه، حدثني عمرو بن بانة. قال: كان في جواري رجل من البرامكة، وكانت له جارية شاعرة ظريفة، يقال لها حسناء، يدخل إليها الشعراء ويسألونها عن المعاني، فتأتي بكل مستحسن من الجواب، فدخل إليها سعيد بن وهب يوما، وجلس إليها فحادئها طويلا، ثم قال لها بعد ذلك:
حاجيتـك يا حـسـنـا ء في جنس من الشعر
وفيما طولـه شـبـر وقد يوفى على الشبر
له فـي رأسـه شـق مطوف بالندى يجري
إذا ما جف لـم يجـر لدى بـر ولا بـحـر
وإن بل أتـى بـالـع جب العاجب والسحر
أجيبي لم أرد فحـشـا ورب الشفع والوتـر
ولكن صغـت أبـياتـا لها حظ من الزجـر قال: فغضب مولاها وتغير لونه، وقال أتفحش على جاريتي وتخاطبها بالخنا فقالت له: خفض عليك، فما ذهب إلى ما ظننت، وإنما يعني القلم، فسري عنه، وضحك سعيد وقال: هي أعلم منك بما سمعت.

صوت

داينت أروى والديون تقـضـى فمطلت بعضا وأدت بعـضـا
يا ليت أروى إذ لوتك القرضـا جادت بقرض فشكرت القرضا الشعر لرؤبة بن العجاج، والغناء لعمرو بن بانة، رمل بالوسطى.

أخبار رؤبة ونسبه
نسبه والاحتجاج بشعره: هو رؤبة بن العجاج، واسم العجاج عبد الله بن رؤبة بن حنيفة، وهو أبو جذيم بن مالك بن قدامة بن أسامة بن الحارث بن عوف بن مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
عصره والاحتجاج بشعره: من رجاز الإسلام وفصائحهم، والمذكورين المقدمين منهم، بدوي نزل البصرة، وهو من مخضرمي الدولتين.
مدح بني أمية وبني العباس، ومات في أيام المنصور وقد أخذ عنه وجوه أهل اللغة، وكانوا يقتدون به، ويحتجون بشعره، ويجعلونه إماما؛ ويكنى أبا الجحاف وأبا العجاج.
يراه يونس بن حبيب أفصح من معد بن عدنان: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وأحمد بن عمار -واللفظ له- قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا خلاد بن يزيد، قال: حدثني يونس بن حبيب، قال: كنت جالسا مع أبي عمرو بن العلاء إذ مر بنا شبيل بن عزرة الضبعي -قال أبو يزيد: وكان علامة- فقال: يا أبا عمرو، أشعرت أني سألت رأبة عن اسمه فلم يدر ما هو وما معناه? قال يونس: فقلت له: والله لرؤبة أفصح من معد بن عدنان، وأنا غلام رؤبة، أفتعرف أنت روبة وروبة وروبة وروبة ورؤبة? قال: فضرب بغلته وذهب، فما تكلم بشيء: قال يونس: فقال لي أبو عمرو: ما يسرني أنك نقصتني منها.


صفحة : 2310

قال ابن عمار في خبره: والروبة: اللبن الخاثر، والروبة: ماء الفحل، والروبة: الساعة تمضي من الليل، والروبة: الحاجة، والرؤبة: شعب القدح، قال: وأنشدني بعد ذلك.

فأما تميم تميم بـن مـر فألفاهم القوم روبى نياما حدثني ابن عمار، قال: حدثني عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني يحيى بن محمد بن أعين المروزي، قال: حدثني أبو عبيدة؛ قال: شهدت شبيلا الضبعي وأبا عمرو، فذكر نحوه.
أخبرني أبو خليفة في كتابه إلي عن محمد بن سلام، قال: قلت ليونس: هل رأيت عربيا قط أفصح من رؤبة? قال: لا، ما كان معد بن عدنان أفصح منه.
قال يونس: قال لي رؤبة: حتى متى أزخرف لك كلام الشيطان? أما ترى الشيب قد بلغ في لحيتك يروي هو وأبوه الحديث: وقد روى رؤبة بن العجاج الحديث المسند عن رسول الله )، ورواه أبوه أيضا.
ينشد أبا هريرة فيشهد له بالإيمان: أخبرني عبد الله بن أبي داود السجستاني، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، قال: حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، عن يونس بن حبيب، عن رؤبة بن العجاج، عن أبيه قال: أنشدت أبا هريرة:
الحمد لله الـذي تـعـلـت بأمره السماء واستقـلـت
بإذنه الأرض وما تـغـيت أرسى عليها بالجبال الثبت
الباعث الناس ليوم الموقت قال أبو هريرة: أشهد أنك تؤمن بيوم الحساب.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، عن ابن شبة، عن أبي حرب البابي -من آل الحجاج بن باب- قال: حدثنا يونس بن حبيب، عن رؤبة بن العجاج، عن أبي الشعثاء، عن أبي هريرة قال: كنا مع النبي ) في سفر وحاد يحدو:
طاف الخيالان فهاجا سقمـا خيال لبنى وخيال تكتـمـا
قامت تريك خشية أن تصرما ساقا بخنداة وكعبـا أدرمـا والنبي ) يسمع ولا ينكر.
أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدثنا عبد الله بن عمرو، عن محمد بن إسحاق السهمي، عن أبي عبيدة الحداد، قال: حدثنا رؤبة بن العجاج عن أبيه، قال: سمعت أبا عبيدة يقول: السواك يذهب وضر الطعام ينشد أبا مسلم الخراساني فيجيزه: أخبرني عمي، قال: حدثنا محمد بن سعد الكراني، قال: حدثنا أبو حاتم والأشنانداني أبو عثمان، عن أبي عبيدة، عن رؤبة بن العجاج، قال: بعث إلي أبو مسلم لما أفضت الخلافة إلى بني هاشم، فلما دخلت عليه رأى مني جزعا، فقال اسكن فلا بأس عليك، ما هذا الجزع الذي ظهر منك? قلت أخافك، قال: ولم? قلت: لأنه بلغني أنك تقتل الناس، قال: إنما أقتل من يقاتلني ويريد قتلي، أفأنت منهم? قلت: لا، قال: فهل ترى بأسا? ل، فأقبل على جلسائه ضاحكا، ثم قال: أما ابن العجاج فقد رخص لنا، ثم قال: أنشدني قولك:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق فقلت: أو أشندك -أصلحك الله أحسن منه? قال: هات، فأنشدته:
قلت وقولي مستجد حوكا لبيك إذ دعوتني لبيكـا
أحمد ربا ساقني إليكـا قال: هات كلمتك الأولى، قلت: أو أنشدك أحسن منها? قال: هات، فأنشدته:
ما زال يبني خندقا ويهدمـه ويستجيش عسكرا ويهزمه
ومغنما يجمعه ويقـسـمـه مروان لما أن تهاوت أنجمه
وخانه في حكمه منجمـه قال: دع هذا وأنشدني: وقاتم الأعماق، قلت: أو أحسن منه? قال: هات، فأنشدته:
رفعت بيتا وخفضـت بـيتـا وشدت ركن الدين إذ بنـيتـا
في الأكرمين من قريش بيتا قال: هات ما سألتك عنه، فأنشدته:
ما زال يأتي الأمر من أقطاره على اليمين وعلـى يسـاره
مشمرا لا يصطلـى بـنـاره حتى أقر الملك في قـراره
وفر مروان على حـمـاره قال: ويحك هات ما دعوتك له وأمرت بإنشاده، ولا تنشد شيئا غيره، فأنشدته:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق فلما صرت إلى قولي:
يرمي الجلاميد بجلمود مدق قال: قاتلك الله لشد ما استصلبت الحافر ثم قال: حسبك، أنا ذلك الجلمود المدق.
قال: وجيء بمنديل فيه مال فوضع بين يدي، فقال أبو مسلم: يا رؤبة، إنك أتيتنا والأموال مشفوهة ، وإن لك لعودة إلينا وعلينا معولا، والدهر أطرق مستتب، فلا تجعل بجنبيك الأسدة .


صفحة : 2311

قال رؤبة: فأخذت المنديل منه، وتالله ما رأيت أعجميا أفصح منه، وما ظننت أحدا يعرف هذا الكلام غيري، وغير أبي.
قال الكراني: قال أبو عثمان الأشنانداني خاصة: يقال: اشتف ما في الإناء، وشفهه: إذا أتى عليه، وأنشد:
وكاد المال يشفهه عيالـي وما ذو عيلتي من لا أعول يأكل الفأر ويفضله على الدواجن: أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: حدثني: محمد بن يزيد، وأخبرني إبراهيم بن أيوب، قال: حدثني ابن قتيبة، قال: كان رؤبة يأكل الفأر، فقيل له في ذلك وعوتب، فقال: هو والله أنظف من دواجنكم ودجاجكم اللواتي يأكلن القذر ، وهل يأكل الفأر إلا نقي البر ولباب الطعام? يرحل هو وأبوه ليلقيا الوليد بن عبد الملك: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدثنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة، عن رؤبة، قال: لما ولي الوليد بن عبد الملك الخلافة بعث بي الحجاج مع أبي لنلقاه، فاستقبلنا الشمال حتى صرنا بباب الفراديس .
قال: وكان خروجنا في عام مخصب، وكنت أصلي الغداة، وأجتني من الكمأة ما شئت، ثم لا أجاوز إلا قليلا حتى أرى خيرا منها، فأرمي بها وآخذ الأخر، حتى نزلنا بعض المياه، فأهدي لنا حمل محرفج ووطب لبن غليظ وزبدة كأنها رأس نعجة حوشية ، فقطعنا الحمل آرابا ، وكررنا عليه اللبن والزبدة، حتى إذا بلغ إناه انتشلنا اللحم بغير خبز.
ثم شربت من مرقه لم تزل لها ذفرياي ترشحان؛ حتى رجعنا إلى حجر .
فكان أول من لقينا من الشعراء جريرا، فاستعهدنا ألا نعين عليه. فكان أول من أذن له من الشعراء أبى ثم أنا، فأقبل الوليد على جرير فقال له: ويلك ألا تكون مثل هذين? عقدا الشفاه عن أعراض الناس، فقال: إني أظلم فلا أصبر .
ثم لقينا بعد ذلك جرير فقال: يا بني أم العجاج، والله لئن وضعت كلكلي عليكما ما أغنت عنكما مقطعاتكما، فقلنا: لا والله ما بلغه عنا شيء، ولكنه حسدنا لما أذن لنا قبله، واستنشدنا قبله.
يتوعد جرير أباه فيعتذر إليه: وقد أخبرني ببعض هذا الخبر الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني أحمد ابن الحارث الخراز عن المدائني، قال: قال روح بن فلان الكلبي: كنت عند عبد الملك بن بشر بن مروان فدخل جرير، فلما رأى العجاج أقبل عليه ثم قال له: والله لئن سهرت لك ليلة ليقلن عنك نفع مقطعاتك هذه، فقال العجاج: يا أبا حزرة، والله ما فعلت ما بلغك، وجعل يعتذر ويحلف ويخضع؛ فلما خرج قال له رجل: لشد ما اعتذرت إلى جرير، قال: والله لو علمت أنه لا ينفعني إلا السلاح لسلحت.
ليس في شعره ولا شعر أبيه حرف مدغم: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة، عن أحمد بن معاوية عن الأصمعي، عن سليمان بن أخضر، عن ابن عون، قال: ما شبهت لهجة الحسن البصري إلا بلهجة رؤبة، ولم يوجد له ولا لأبيه في شعرهما حرف مدغم قط.
هو وأبوه أشعر الناس عند يونس بن حبيب: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه، قال: قيل ليونس: من أشعر الناس، قال: العجاج ورؤبة، فقيل له لم ولم نعن الرجاز? فقال: هما أشعر من أهل القصيد ، إنما الشعر كلام: فأجوده أشعره، قد قال العجاج:
قد جبر الدين الإله فجبر وهي نحو من مائتي بيت موقوفة القوافي ولو أطلقت قوافيها كانت كلها منصوبة، وكذلك عامة أراجيزهما.
يقعد اللغويون إليه يوم الجمعة: أخبرني أبو خليفة في كتابه إلي عن محمد بن سلام: عن أبي زيد الأنصاري والحكم بن قنبر: قالا: كنا نقعد إلى رؤبة يوم الجمعة في رحبة بني تميم: فاجتمعنا يوما فقطعنا الطريق، ومرت بنا عجوز فلم تقدر على أن تجوز في طريقها، فقال رؤبة بن العجاج:
تنح للعجوز عن طـريقـهـا إذا أقبلت رائحة من سوقهـا
دعها فما النحوي من صديقها يعبث به الصبيان فيستعين الوالي عليهم: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وأحمد بن عبيد الله بن عمار، قالا: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري النحوي، قال:












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 06-27-2006, 11:54 AM   المشاركة رقم: 43
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


صفحة : 2312

دخل رؤبة العجاج السوق وعليه برنكان أخضر، فجعل الصبيان يعبثون به، ويغرزون شوك النخل في برنكانه ويصيحون به، يا مرذوم يا مرذوم فجاء إلى الوالي فقال: أرسل معي الوزعة ، فإن الصبيان قد حالوا بيني وبين دخول السوق، فأرسل معه أعوانا فشد على الصبيان، وهو يقول:
أنحى على أمك بالمرذوم أعور جعد من بني تميم
شراب ألبان خلايا الكوم ففروا من بين يديه فدخلوا دارا في الصيارفة، فقال له الشرط: أين هم? قال: دخلوا دار الظالمين، فسميت دار الظالمين إلى الآن لقول رؤبة، وهي في صيارفة سوق البصرة.
بينه وبين راجز من أهل المدينة: وذكر أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني، قال: قدم البصرة راجز من أهل المدينة، فجلس إلى حلقة فيها الشعراء، فقال: أنا أرجز العرب، أنا الذي أقول:
مروان يعطي وسعيد يمنع مروان نبع وسعيد خروع وودت أني راميت من أحب في الرجز يدا بيد، والله لأنا أرجز من العجاج، فليت البصرة جمعت بيني وبينه، قال: والعجاج حاضر وابنه رؤبة معه، فأقبل رؤبة على أبيه فقال: قد أنصفك الرجل، فأقبل عليه العجاج وقال: هأنذا العجاج، فهلم وزحف إليه، فقال: وأي العجاجين أنت? قال: ما خلتك تعني غيري، أنا عبد الله الطويل 0وكان يكنى بذلك- فقال له المدني: ما عنيتك ولا أردتك، فقال: وكيف وقد هتفت بي? قال: وما في الدنيا عجاج سواك? قال: ما علمت، قال: لكني أعلم، وإياه عنيت. قال: فهذا ابني رؤبة، فقال: اللهم غفرا، ما بيني وبينكما عمل: وإنما مرادي غيركما، فضحك أهل الحلقة منه، وكفا عنه.
بينه وبين زائرين: أخبرني أبو خليفة في كتابه، عن محمد بن سلام: عن يونس، قال: غدوت يوما أنا وإبراهيم بن محمد العطاردي على رؤبة: فخرج إلينا كأنه نسر، فقال له ابن نوح: أصبحت والله كقولك:
كالكرز المشدود بين الأوتـاد ساقط عنه الريش كر الإبراد فقال له رؤبة: والله يا بن نوح ما زلت لك ماقتا، فقلت: بل أصبحت يا أبا الجحاف كما قال الآخر:
فأيقن منه وأبقى الطرا د خميصا وصلبا سمينا فضحك: وقال: هات حاجتك.
من رجزه وقد استأذن فلم يؤذن له: قال ابن سلام: ووقف رؤبة على باب سليمان بن علي يستأذن: فقيل له: قد أخذ الإذريطوس فقال رؤبة:
يا منزل الوحي علـى إدريس ومنزل اللعن على إبـلـيس
وخالق الإثنين والـخـمـيس بارك له في شرب إذريطوس يخطئه سلم بن قتيبة: أخبرني الحسن بن يحيى قال: قال حماد: أخبرني أبي عن الأصمعي قال: أنشد رؤبة سلم بن قتيبة في صفة خيل:
يهوين شتى ويقعن وقفا فقال له: أخطأت يا أبا الجحاف: جعلته مقيدا فقال: أدنني أيها الأمير ذنب البعير أصفه لك كما يجب.
من رجزه وقد قدم الطعام وهو يلعب بالنرد: أخبرني أبو خليفة في كتابه إلي، عن محمد بن سلام، عن عبد الرحمن بن محمد.
أخبرني أبو خليفة في كتابه إلي، عن محمد بن سلام، عن عبد الرحمن بن محمد، عن علقمة الضبي، قال: خرج شاهين بن عبد الله الثقفي برؤبة إلى أرضه، فقعدوا يلعبون بالنرد فلما أتوا بالخوان قال رؤبة:
يا إخوتي جاء الخوان فارفعوا حنانة كعابهـا تـقـعـقـع
لم أدر ما ثلاثها والأربـع قال: فضحكنا ورفعناه، وقدم الطعام.
يشيد الخليل بفضله وقد عاد من جنازته: أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، عن محمد بن عبد الله بن مالك عن أبيه عن يعقوب بن داود، قال: لقيت الخليل بن أحمد يوما بالبصرة فقال لي: يا أبا عبد الله دفنا الشعر واللغة والفصاحة اليوم، فقلت: وكيف ذاك? قال: هذا حين انصرفت من جنازة رؤبة.

صوت

لعمري لقد صاح الغراب ببينهـم فأوجع قلبي بالحديث الذي يبدي
فقلت له أفصحت لا طرت بعدها بريش فهل للبين ويحك من رد? الشعر لقيس بن ذريح، وقد تقدمت أخباره والغناء لعمر بن أبي الكنات، ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى.

أخبار عمرو بن أبي الكنات
اسمه وولائه وكنيته:

صفحة : 2313

هو عمرو بن عثمان بن أبي الكنات، مولى بني جمح، مكي مغن ، محسن موصوف بطيب الصوت من طبقة ابن جامع وأصحابه، وفيه يقول الشاعر:
أحسن الناس فاعلموه غناء رجل من بني أبي الكنات وله في هذا الشعر غناء مع أبيات قبله لحن ابتداؤه: صوت
عفت الدار بالهضاب اللواتي بسوار ؛ فملتقى عرفـات
فالحريان أوحشا بعد أنـس فديار بالربع ذي السلمـات
إن بالبين مربعا من سليمـى فإلى محضرين ؛ فالنخلات وبعده البيت الأول المذكور.
الغناء في هذا الشعر لعمرو بن أبي الكنات، وطريقته من الرمل بالوسطى.
وقيل: إنه لابن سريج، وقيل: بل لحن ابن سريج غير هذا اللحن، وليس فيه البيت الرابع الذي فيه ابن أبي الكنات.
ويكنى عمرو بن أبي الكنات أبا عثمان، وذكر بن خرداذبه أنه كان يكنى أبا معاذ؛ وكان له ابن يغني أيضا يقال له: دراج؛ ليس بمشهور ولا كثير الغناء.
يؤثره الرشيد على جمع من المغنين: فذكر هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات في الخبر الذي حكاه عنه من أخباره أن محمد بن عبد الله المخزومي حدثه قال: حدثني محمد بن عبد الله بن فزوة قال: قلت لابن جامع يوما: هل غلبك أحد من المغنين قط؛ قال: نعم؛ كنت ليلة ببغداد إذ جاءني رسول الرشيد ؛ يأمرني بالركوب؛ فركبت حتى إذا صرت إلى الدار، فإذا أنا بفضل بن الربيع معه زلزل العواد وبرصوما: فسلمت وجلست قليلا، ثم طلع خادم فقال للفضل: هل جاء? فقال: لا، قال: فابعث إليه؛ ولم يزل المغنون يدخلون واحدا بعد واحد حتى كنا ستة أو سبعة.
ثم طلع الخادم فقال: هل جاء? فقال: لا، قال: قم ؛ فابعث في طلبه؛ فقام فغاب غير طويل؛ فإذا هو قد جاء بعمرو بن أبي الكنات؛ فسلم؛ وجلس إلى جنبي فقال لي: من هؤلاء? قلت مغنون؛ وهذا زلزل، وهذا برصوما. فقال: والله لأغنينك غناء يخرق هذا السقف وتجيبه الحيطان ولا يفهمون منه شيئا. قال: ثم طلع الخصي فدعا بكراسي؛ وخرجت الجواري. فلما جلسن قام الخادم للمغنين: شدوا، فشدوا عيدانهم ، ثم قال: نعم يا بن جامع؛ فغنيت سبعة أو ثمانية أصوات. ثم قال: اسكت وليغن إبراهيم الموصلي؛ فغنى مثل ذلك أو دونه. ثم سكت؛ فلم يزل يمر القوم واحدا واحدا حتى فرغوا.
ثم قال: لابن أبي الكنات: عن، فقال لزلزل: شد طبقتك ، فشد ثم أخذ العود من يده فحبسه حتى وقف على الموضع الذي يريده، ثم قال: على هذا وابتدأ بصوت أوله: ألالا: فوالله لقد خيل لي أن الحيطان تجاوبه. ثم رجع النغم فيه. فطلع الخصي فقال له: اسكت. لا تتم الصوت، فسكت.
ثم قال: يحبس عمرو بن أبي الكنات، وينصرف باقي المغنين، فقمنا بأكسف حال وأسوأ بال، لا والله ما زال كل واحد منا يسأل صاحبه عن كل شعر يرويه من الغناء الذي أوله: ألالا، طمعا في أن يعرفه أو يوافق غناءه. فما عرفه منا أحد وبات عمرو ليلته عند الرشيد، وانصرف من عنده بجوائز وصلات وطرف سنيه.
يغني وقد دفع من عرفة فيزحم الناس الطريق: قال هارون: وأخبرني محمد بن عبد الله عن موسى بن أبي المهاجر قال: خرج ابن جامع وابن أبي الكنات حين دفعا من عرفة حتى إذا كان بين المأزمين جلس عمرو على طرف الجبل، ثم اندفع يغني، فوقف القطارات، وركب الناس بعضهم بعضا حتى صاحوا واستغاثوا: يا هذا، الله الله. اسكت عنا يجز الناس، فضبط إسماعيل بن جامع بيده على فيه حتى مضى الناس إلى مزدلفة.
يغني على جسر بغداد فتمتلئ الجسور بالناس: قال هارون. وحدثني عبد الرحمن بن سليمان عن علي بن أبي الجهم قال: حدثني من أثق به قال.
واقفت ابن أبي الكنات المديني على جسر بغداد أيام الرشيد. فحدثته بحديث اتصل بي عن ابن عائشة أنه فعله أيام هشام، وهو أن بعض أصحابنا حدثني قال: وقف ابن عائشة في الموسم فمر به بعض أصحابه، فقال له: ما تعمل? فقال: إني لأعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس، فلم يذهب أحد ولم يجيء. فقلت له: ومن هذا الرجل? قال: أنا، ثم اندفع يغني: صوت
جرت سنحا فقلت لها أجيزي نوى مشمولة فمتى اللقـاء
بنفسي من تذكـره سـقـام أعالجه ومطلبـه عـنـاء

صفحة : 2314

قال: فحبس الناس، واضطربت المحامل ، ومدت الإبل أعناقها، وكادت الفتنة تقع، فأتي به هشام فقال: يا عدو الله أردت أن تفتن الناس? فأمسك عنه وكان تياها، فقال له هشام: أرفق بتيهك . فقال ابن عائشة: حق لمن كانت هذه قدرته على القلوب أن يكون تياها، فضحك وأطلقه قال فبرق ابن أبي الكنات، وكان معجبا بنفسه، وقال: أنا أفعل كما فعل، وقدرتي على القلوب أكثر من قدرته كانت، ثم اندفع فغنى في هذا الصوت ونحن على جسر بغداد.
وكان إذ ذاك على دجلة ثلاثة جسور معقودة، فانقطعت الطرق، وامتلأت الجسور بالناس، وازدحموا عليها، واضطربت حتى خيف عليها أن تتقطع لثقل من عليها من الناس. فأخذ فأتي به الرشيد، فقال: يا عدو الله أردت أن تفتن الناس? فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكنه بلغني أن ابن عائشة فعل مثل هذا في أيام هشام، فأحببت أن يكون في أيامك مثله فأعجب من قوله ذلك، وأمر له بمال، وأمره أن يغني، فسمع شيئا لم يسمع مثله فاحتبسه عنده شهرا يستزيده في كل يوم استأذنه فيع في الانصراف -يوما آخر حتى تم له شهر فقال هذا المخبر عنه: وكان ابن أبي الكنات كثير الغشيان لي: فلما أبطأ توهمته قد قتل فصار إلي بعد شهر بأموال جسيمة، وحدثني بما جرى بينه وبين الرشيد.
يسمع غناؤه على ثلاثة أميال: قال هارون: وأخبرني محمد بن عبد الله المخزومي عن عثمان بن موسى مولانا قال: كنا يوما باللاحجة ومعنا عمرو بن أبي الكنات، ونحن على شرابنا إذ قال لنا قبل طلوع الشمس: من تحبون أن يجيئكم? قلنا: منصور الحجبي. فقال: أمهلوا حتى يكون الوقت الذي ينحدر فيه إلى سوق البقر، فمكثنا ساعة ثم اندفع يغني:
أحسن الناس فاعلموه غنـاء رجل من بني أبي الكنـات
عفت الدار بالهضاب اللواتي بسوار فملتقى عـرفـات فلم نلبث أن رأينا منصورا من بعد قد أقبل يركض دابته نحونا، فلما جلس إلينا قلنا له: من أين علمت بنا? قال: سمعت صوت عمرو يغني كذا وكذا وأنا في سوق البقر، فخرجت أركض دابتي حتى صرت إليكم، قال: وبيننا وبين ذلك الموضع ثلاثة أميال.
قال هارون، وأخبرني محمد بن عبد الله، قال أخبرني يحيى بن يعلى بن سعيد قال: بينا أنا ليلة في منزلي في الرمضة أسفل مكة إذ سمعت صوت عمرو بن أبي الكنات كأنه معي، فأمرت الغلام فأسرج لي دابتي، وخرجت أريده، فلم أزل أتبع الصوت حتى وجدته جالسا على الكثيب العارض ببطن عرنة يغني:
صوت

خذي العفو مني تستديمي مـودتـي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
ولا تنقريني نـقـرة الـدف مـرة فإنك لا تدرين كـيف الـمـغـيب
فإني وجدت الحب في الصدر والأذى إذا اجتمعا لم يلبث الحـب يذهـب عروضه من الطويل، ولحنه من الثقيل الثاني بالوسطى من رواية إسحاق. والشعر لأسماء بن خارجة الفزاري، وقد قيل: إنه لأبي الأسود الدؤلي، وليس ذلك بصحيح. والغناء لإبراهيم الموصلي، وفيه لحن قديم للغريض من رواية حماد عن أبيه.

أسماء بن خارجة وابنته هند
وصيته لبنته ليلة زفافها: أخبرني اليزيدي عن أحمد بن زهير عن الزبير بن بكر قال: زوج أسماء بن خارجة الفزاري بنته هند من الحجاج بن يوسف، فلما كانت ليلة أراد البناء بها قال لها أسماء بن خارجة: يا بنية، إن الأمهات يؤدبن البنات، وإن أمك هلكت وأنت صغيرة، فعليك بأطيب الطيب الماء، وأحسن الحسن الكحل. وإياك وكثرة المعاتبة، فإنها قطيعة للود، وإياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق. وكوني لزوجك أمة يكن لك عبدا، واعلمي أني القائل لأمك:
خذي العفو مني تستديمي مودتي شعر لبعض الشعراء فيها: قال: وكانت هند امرأة مجربة قد تزوجها جماعة من أمراء العراق، فقبلت من أبيها وصيته. وكان الحجاج يصفها في مجلسه بكل خبر، وفيها يقول بعض الشعراء يخاطب أباها:
جزاك الله يا أسمـاء خـيرا كما أرضيت فيشلة الأمـير
بصدغ قد يفوح المسك منـه عليه مثل كركرة البـعـير
إذا أخذ الأمير بمشعـبـيهـا سمعت لها أزيزا كالصرير
إذا لقحت بـأرواح تـراهـا تجيد الرهز من فوق السرير قال مؤلف هذا الكتاب: الشعر لعقيبة الأسدي.


صفحة : 2315

يعير معير بتزويج الحجاج فيحتال حتى يزوجه المعير أيضا: أخبرني الجوهري وحبيب المهلبي عن ابن شبة قال: لما قدم الحجاج الكوفة أشار عليه محمد بن عمير بن عطارد أن يخطب إلى أسماء ابنته هند، فخطبها فزوجه أسماء ابنته، فأقبل محمد متمثلا يقول:
أمن حذر الهزال نكحت عبدا فصهر العبد أدنى للهزال فاحتملها عليه أسماء وسكت عن جوابه، ثم أقبل على الحجاج يوما وهند جالسة، فقال: ما يمنعك من الخطبة إلى محمد بن عمير ابنته فإن من شأنها كيت وكيت. فقال: أتقول هذا وهند تسمع? فقال: موافقتك أحب إلي من رضا هند، فخطبها إلى محمد بن عمير، فزوجه إياها، فقال أسماء لمحمد بن عمير، وضرب بيده على منكبه:
دونك ما أسديتـه يا بـن حـاجـب سواء كعين الديك أو قذة الـنـسـر
بقولك للحجاج إن كنـت نـاكـحـا فلا تعد هندا من نساء بـنـي بـدر
فإن أبـاهـا لا يرى أن خـاطـبـا كفاء له إلا المتـوج مـن فـهـر
فزوجتها الحجـاج لامـتـكـارهـا ولا راغبا عنه ونعم أخو الصـهـر
أردت ضراري فاعتمدت مسـرتـي وقد يحسن الإنسان من حيث لا يدري
فإن ترها عارا فقد جئت مثـلـهـا وإن ترها فخرا فهل لك من شكـر أحبت هند عبد الله بن زياد حبا شديدا: قال المدائني حدثني الحرمازي عن الوليد بن هشام القحذمي وكان كاتب خالدا القسري ويوسف بن عمر أن هندا بنت أسماء كانت تحت عبيد الله بن زياد، وكان أبا عذرها، فلما قتل -وكانت معه- لبست قباء، وتقلدت سيفا، وركبت فرسا لعبيد الله كان يقال لها: الكامل، وخرجت حتى دخلت الكوفة ليس معها دليل، ثم كانت بعد ذلك أشد خلق الله جزعا عليه، ولقد قالت يوما: إني لأشتاق إلى القيامة لأرى وجه عبيد الله بن زياد.
بشر بن مروان يتزوجها: فلما قدم بشر بن مروان الكوفة دل عليها، فخطبها، فزوجها، فولدت له عبد الملك بن بشر، وكان ينال من الشراب ويكتم ذلك، وكان إذا صلى العصر خلا في ناحية من داره ليس معه أحد إلا أعين مولاه صاحب حمام أعين بالكوفة، وأخذ في شأنه. فلم تزل هند تتجسس خبره حتى عرفته، فبعثت مولى لها، فأحضرها أطيب شراب وأحده وأشده وأرقه وأصفاه، وأحضرت له طعاما علمت أنه يشتهيه، وأرسلت إلى أخويها: مالك وعيينة، فأتياها وبعثت إلى بشر واعتلت عليه بعلة، فجاءها فوضعت بين يديه ما أعدته، فأكل وشرب، وجعل مالك يسقيه، وعيينه يحدثه، وهند تريه وجهها. فلم يزل في ذلك حتى أمسى، فقال: هل عندكم من هذا شيء نعود عليه غدا? فقالت: هذا دائم لك ما أردته، فلزمها وبقي أعين يتبع الديار بوجهه ولا يرى بشرا، إلا أن يبحث عن أمره فعرفه، وعلم أنه ليس فيه حظ بعدها. قال ومات عنها بشر تجزع عليه، فقال الفرزدق في ذلك:
فإن تك لا هند بكته فقد بكـت عليه الثريا في كواكبها الزهر الحجاج يخلف بشرا في تزوجها: ثم خلف عليها الحجاج، وكان السبب في ذلك فيما ذكره المدائني عن الحرمازي عن القحذمي، وأخبرني به من هاهنا أحمد بن عبد العزيز عن ابن شبة عن عثمان بن عبد الوهاب عن عبد الحميد الثقفي قالا: كان السبب في ذلك أنه بعث أبا بردة بن أبي موسى الأشعري -وهو قاضيه- إلى أسماء يقول له: إن قبيحا بي مع بلاء أمير المؤمنين عندي أن أقيم بموضع فيه ابنا أخيه بشر لا أضمهما إلي، وأتولى منهما مثل ما أتولى من ولدي. فاسأل هندا أن تطيب نفسا عنهما.
وقال عمر بن شبة في خبره: وأعلمها أنه لا بد من التفرقة بينها وبينهما حتى أؤدبهما، قال أبو بردة: فاستأذنت فأذن لي وهو يأكل وهند معه، فما رأيت وجها ولا كفا ولا ذراعا أحسن من وجهها وكفها وذراعها، وجعلت تتحفني وتضع بين يدي.
قال أبو زيد في خبره: فدعاني إلى الطعام، فلم أفعل، وجعلت تعبث بي وتضحك، فقلت: أما والله لو علمت ما جئت له لبكيت، فأمسكت يدها عن الطعام فقال: أسماء: قد منعتها الأكل: فقل: ما جئت له. فلما بلغت أسماء ما أرسلت به بكت، فلم أر والله دموعا قط سائلة من محاجر أحسن من دموعها على محاجرها. ثم قالت: نعم أرسل بهما إليه، فلا أحد أحق بتأديبهما منه.


صفحة : 2316

وقال أسماء: إنما عبد الملك ثمرة قلوبنا -يعني عبد الملك بن بشر- وقد أنسنا به، ولكن أمر الأمير طاعة، فأتيت الحجاج، فأعلمته جوابها وهيئتها. فقال: ارجع فاخطبها علي فرجعت وهما على حالهما. فلما دخلت قلت: إني جئتك بغير الرسالة الأولى قال: اذكر ما أحببت. قلت: قد جئت خاطبا. قال: أعلى نفسك فما بنا عنك رغبة? قلت: لا، على من هو خير لها مني، وأعلمته ما أمرني به الحجاج، فقال: ها هي تسمع ما أديت، فسكتت، فقال أسماء: قد رضيت، وقد زوجتها إياه.
فقال أبو زيد في حديثه: فلما زوجها أبوها قامت مبادرة وعليها مطرف ، ولم تستقل قائمة من ثقل عجيزتها حتى انثنت ومالت لأحد شقيها من شحمها، فانصرفت بذلك إلى الحجاج، فبعث إليها بمائة ألف درهم وعشرين تختا من ثياب وقال: يا أبا بردة، إني أحب أن تسلمها إليها، ففعلت ذلك، وأرسلت إلي من المال بعشرين ألفا، ومن الثياب تختين. فقلت: ما أقبل شيئا حتى أستطلع رأي الأمير. ثم انصرفت إليه فأعلمته، فأمرني بقبضة ووصلني بمثله .
وقال: أبو زيد في حديثه: فأرسل إليها بثلاثين غلاما مع كل غلام عشرة آلاف درهم، وثلاثين جارية مع كل جارية تخت من ثياب، وأمر لي بثلاثين ألفا وثيابا لم يذكر عددها. فلما وصل ذلك إلى هند أمرت بمثل ما أمر لي به الحجاج، فأبيت قبوله، وقلت: ليس الحجاج ممن يتعرض له بمثل هذا. وأتيت الحجاج فأخبرته. فقال: قد أحسنت وأضعف الله لك ذلك، وأمر له بستين ألفا، وبضعف تلك الثياب، وكان أول ما أصبته مع الحجاج. وأرسل إليها: إني أكره أن أبيت خلوا ، ولي زوجة. فقالت: وما احتباس امرأة عن زوجها وقد ملكها وآتاها كرامته وصداقها، فأصلحت من شأنها، وأتته ليلا.
قال: المدائني: فسمعت أن ابن كناسة ذكر أن رجلا من أهل العلم حدثه عن امرأة من أهله قالت: كنت فيمن زفها. فدخلنا عليه وهو في بيت عظيم في أقصاره ستارة، وهو دون الستارة على فرشه، فلما أن دخلت سلمت، فأوما إليها بقضيب كان في يده. فجلست عند رجليه، ومكثت ساعة وهو لا يتكلم ونحن وقوف، فضربت بيدها على فخذه، ثم قالت: ألم تبعد من سوء الخلق? قال: فتبسم، وأقبل عليها، واستوى جالسا. فدعونا له وخرجنا وأرخيت الستور.
سبب تطليق الحجاج لها: قال: ثم قدم الحجاج البصرة، فحملها معه. فلما بنى قصره الذي دون المحدثة الذي يقال له: قصر الحجاج اليوم قال لها: هل رأيت قط أحسن من هذا القصر? قالت : ما أحسنه قال: أصدقيني، قالت: أما إذ أبيت فوالله ما رأيت أحسن من القصر الأحمر. وكان فيه عبيد الله بن زياد، وكان دار الإمارة بالبصرة، وكان ابن زياد بناه بطين أحمر. فطلق هندا غضبا بما قالته، وبعث إلى القصر فهدمه، وبناه بلبن. ثم تعهده صالح بن عبد الرحمن في خلافة سليمان بن عبد الملك، فبناه بالآجر، ثم هدم بعد ذلك فأدخل في المسجد الجامع.
حنين الحجاج إلى مراجعتها: قال: القحذمي عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي: فخرجنا يوما نعود عبد الملك بن بشر، فسلمنا عليه وعدناه معه. ثم خرجنا وتخلف الحجاج، فوقفنا ننتظره، فلما خرج التفت فرآني، فقال: يا محمد ويحك رأيت هندا الساعة فما رأيتها ، قط أجمل ولا أشب منها حين رأيتها، وما أنا بممس حتى أراجعها: فقلت: أصلح الله الأمير، امرأة طلقتها على عتب يرى الناس أن نفسك تتبعها، وتكون لها الحجة عليك. قال: صدقت، الصبر أحجى.
قال: محمد: والله ما كان منى ما كان نظرا ولا نصيحة، ولكني أنفت لرجل من قريش أن تداس أمه في كل وقت.
خبر طريف يروى عن أسماء: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائني عن جويرية بن أسماء عن عمه قال: حججت فإني لفي رفقة من قومي إذ نزلنا ومعنا امرأة، فنامت وانتبهت وحية مطوية عليها، قد جمعت رأسها وذنبها بين ثدييها. فهالنا ذلك وارتحلنا .


صفحة : 2317

فلم تزل منطوية عليها لا تضيرها حتى دخلنا الحرم فانسابت، فدخلنا مكة وقضينا نسكنا، فرآها الغريض فقال: أي شقية، ما فعلت حيتك? فقالت: في النار، قال: ستعلمين من أهل النار? ولم أفهم ما أراد، وظننت أنه مازحها، واشتقت إلى غنائه، ولم يكن بيني وبينه ما يوجب ذلك، فأتيت بعض أهله، فسألته ذلك، فقال نعم، فوجه إليه أن اخرج بنا إلى موضع كذا، وقال لي: اركب بنا، فركبنا حتى سرنا قدر ميل، فإذا الغريض هناك، فنزلنا، فإهذا طعام معد، وموضع حسن. فأكلنا وشربنا، ثم قال: يا أبا يزيد، هات بعض طرائفك فاندفع يغني، ويوقع بقضيب:
مرضت فلم تحفل علي جنوب وأدنفت والممشى إلي قريب
فلا يبعد الله الشباب وقولـنـا إذا ما صبونا صبوة سنتـوب فلقد سمعت شيئا ظننت أن الجبال التي حولي تنطق معه: شجا صوت، وحسن غناء. وقال لي: أتحب أن يزيدك ? فقلت: إي والله. فقال: هذا ضيفك وضيفنا، وقد رغب إليك وإلينا، فأسعفه بما يريد. فاندفع يغني بشعر مجنون بني عامر:
عفا الله ليلى الغداة فإنـهـا إذا وليت حكما علي تجور
أأترك ليلى ليس بيني وبينها سوى ليلة? إني إذا لصبور فما عقلت لما غنى من حسنه إلا بقول صاحبي: نجور عليك يا أبا يزيد. فقلت: وما معناك في ذلك? فقال: إن أبا يزيد عرض بأني لما وليت الحكم عليه جرت في سؤالي إياه أكثر من صوت واحد. فقلت له -بعد ساعة- سرا: جعلت فداءك، إني أريد المضي وأصحابي يريدون الرحلة، وقد أبطأت عليهم، فإن رأيت أن تسأله -حاطه الله من السوء والمكروه- أن يزودني لحنا واحدا. فقال لي: يا أبا يزيد، أتعلم ما أنهى إلينا ضيفنا? قال: نعم، أرادك أن تكلمني في أن أغنيه قلت: هو والله ذلك، فاندفع يغني:
خذي العفو مني تستديمي مـودتـي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
فإني رأيت الحب في الصدر والأذى إذا اجتمعا لم يلبث الحـب يذهـب فقال: قد أخذنا العفو منك، واستدمنا مودتك، ثم أقبل علينا فقال: ألا أحدثكم بحديث حسن? فقلنا: بلى. قال: قال شيخ العلم وفقيه الناس وصاحب علي -صلوات الله عليه- وخليفة عبد الله بن العباس على البصرة أبو الأسود الدؤلي لابنته ليلة البناء : أي بنية، النساء كن بوصيتك وتأديبك أحق مني، ولكن لا بد مما لا بد منه. يا بنية، إن أطيب الطيب الماء، وأحسن الحسن الدهن، وأحلى الحلاوة الكحل. يا بنية، لا تكثري مباشرة زوجك فيملك، ولا تباعدي عنه فيجفوك ويعتل عليك، وكوني كما قلت لأمك:
خذي العفو مني تستديمي مـودتـي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب فقلت: له فدتك نفسي، ما أدري أيهما أحسن: أحديثك أم غناؤك? والسلام عليكم. ونهضت فركبت وتخلف الغريض وصاحبه في موضعهما، وأتيت أصحابي وقد أبطأت، فرحلنا منصرفين حتى إذا كنا في المكان الذي رأيت فيه الحية منطوية على صدر المرأة ونحن ذاهبون -رأيت المرأة والحية منطوية عليها، فلم ألبث أن صفرت الحية، فإذا الوادي يسيل علينا حيات فنهشنها حتى بقيت عظاما. فطال تعجبنا من ذلك، ورأينا ما لم تر مثله قط. فقلت لجارية كانت معها: ويحك أخبرينا عن هذه المرأة، قالت: نعم أثكلت ثلاث مرات، كل مرة تلد ولدا: فإذا وضعته سجرت التنور ثم ألقته: فذكرت قول الغريض حين سألها عن الحية، فقالت: في النار. فقال: ستعلمين من في النار .
نسبة ما في هذه الأصوات من الغناء فمنها: صوت
مرضت فلم تحفل علي جنوب وأدنفت والممشى إلي قريب
فلا يبعد الله الشباب وقولـنـا إذا ما صبونا صبوة سنتـوب عروضه من الطويل. الشعر لحميد بن ثور الهلالي، والغناء للغريض من رواية حماد عن أبيه، وفيه لعلويه ثقيل أول بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة ومنها: صوت
عفا الله ليلى الغداة فإنهـا إذا وليت حكما علي تجور
أأترك ليلى ليس بيني وبينها سوى ليلة إني إذا لصبور عروضه من الطويل، والشعر -لأبي دهبل الجمحي، ويقال: إنه لمجنون بني عامر، ويقال: إنه لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج، خفيف رمل بالوسطى، عن عمرو بن بانة، وفيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى، وفي الثاني والأول خفيف ثقيل أول بالبنصر مجهول.


صفحة : 2318

أخبرني الحرمي عن الزبير عن محمد بن الضحاك عن أبيه قال: قال أبو دهبل:
أأترك ليلى ليس بيني وبينـهـا سوى ليلة إني إذا لصـبـور
هبوني امرأ منكم أضل بعـيره له ذمة إن الـذمـام كـبــير
وللصاحب المتروك أعظم حرمة على صاحب من أن يضل بعير قال الزبير وقال عمي: هذه الأبيات لمجنون بني عامر.
قال أحمد بن الحارث الخزار عن المدائني عن أبي محمد الشيباني قال: قال عبد الملك بن مروان لعمر بن أبي ربيعة: أنت القائل:
أأترك ليلى ليس بيني وبينها سوى ليلة إني إذا لصبور قال: نعم. قال فبئس المحب أنت: تركتها وبينها وبينك غدوة. قال: يا أمير المؤمنين، إنها من غدوات سليمان، غدوها شهر، ورواحها شهر.
أخبرني اليزيدي عن أحمد بن يحيى وابن زهير قال حدثني عمر بن القاسم بن المعتمر الزهري قال: قلت لأبي السائب المخزومي: أما أحسن الذي يقول:
أأترك ليلى ليس بيني وبـينـهـا سوى ليلة إني إذا لـصـبـور
هبوني امرأ منكم أضل بـعـيره له ذمة إن الـزمـام كـبــير
وللصاحب المتروك أعظم حرمة على صاحب من أن يضل بعير? فقال: بأبي أنت، كنت والله أجنبك وتثقل علي، فأنا الآن أحبك وتخف علي، حيث تعرف هذا.

صوت

من الخفرات لم تفضح أخاها ولم ترفع لوالدها شـنـارا
كأن مجامع الأرداف منهـا نقا درجت عليه الريح هارا
يعاف وصال ذات البذل قلبي ويتبع الممنـعة الـنـوارا الخفرة: الحييه، والخفر: الحياء. والشنار: العار. والنقا: الكثيب من الرمل. درجت عليه الريح: مرت. هار: تهافت وتداعى. قال الله تبارك وتعالى: على شفا جرف هار ويعاف: يكره. والنوار: الصعبة الممتنعة الشديدة الإباء .
عروضه من الوافر. الشعر للسليك بن السلكة، والغناء لابن سريج، رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لابن الهربذ لحن من رواية بذل، ولم يذكر طريقته وفيه لابن طنبورة لحن ذكره إبراهيم في كتابه ولم يجنسه.

أخبار السليك بن السلكة ونسبه
نسبه: هو السليك بن عمرو، وقيل: بن عمير بن يثربي. أحد بني مقاعس، وهو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. والسلكة: أمة، وهي أمة سوداء.
من صعاليك العرب العدائين: وهو أحد صعاليك العرب العدائين الذين كانوا لا يلحقون، ولا تعلق بهم الخيل إذا عدوا. وهم: السليك بن السلكة، والشنفري، وتأبط شرا، وعمرو بن براق، ونفيل بن براقة. وأخبارهم تذكر على تواليها ها هنا إن شاء الله تعالى في أشعار لهم يغنى فيها؛ لتتصل أحاديثهم.
فأما السليك فأخبرني بخبره الأخفش عن السكري عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي، قال: وفرئ لي خبره وشعره على محمد بن الحسن الأحوال عن الأثرم عن أبي عبيدة. أخبرني ببعضه اليزيدي عن عمه عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل، وقد جمعت رواياتهم، فإذا اختلفت نسبت كل مروي إلى روايه.
يستودع بيض النعام ماء في الشتاء ليشربه في الصيف: قال أبو عبيدة: حدثني المنتجع بن نبهان قال: كان السليك بن عمير السعدي إذا كان الشتاء استودع ببيض النعام ماء السماء ثم دفنه، فإذا كان الصيف وانقطعت إغارة الخيل وأغار. وكان أدل من قطاة -يجيء حتى يقف على البيضة. وكان لا يغير على مضر، وإنما بغير على اليمن، فإذا لم يمكنه ذلك أغار على ربيعة.
صفاته: وقال المفضل في روايته: وكان السليك من أشد رجال العرب وأنكرهم وأشعرهم. وكانت العرب تدعوه سليك المقانب وكان أدل الناس بالأرض، وأعلمهم بمسالكها، وأشدهم عدوا على رجليه لا تعلق به الخيل. وكان يقول: اللهم إنك تهيئ ما شئت لما شئت إذا شئت. اللهم إني لو كنت ضعيفا كنت عبدا، ولو كنت امرأة أمة. اللهم إني أعوذ بك من الخيبة، فأما الهيبة فلا هيبة.
من إنهاء غاراته:

صفحة : 2319

فذكروا أنه أملق حتى لم يبق له شيء فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرة من بعض من يمر به فيذهب بإبله، حتى أمسى في ليلة من ليالي الشتاء باردة مقمرة فاشتمل الصماء ثم نام -واشتمال الصماء: أن يرد فضلة ثوبه على عضده اليمنى، ثم ينام عليها-فبينا هو نائم إذ جثم رجل فقعد على جنبه فقال: استأسر. فرفع السليك إليه رأسه، وقال: الليل طويل وأنت مقمر. فأرسلها مثلا، فجعل الرجل يلهزه ويقول: يا خبيث استأسر. فلما آذاه بذلك أخرج السليك بعده، فضم الرجل إليه ضمة ضرط منها وهو فوقه، فقال السليك: أضرطا وأنت الأعلى? فأرسلها مثلا، ثم قال: من أنت? فقال: أنا رجل افتقرت، فقلت: لأخرجن فلا أرجع إلى أهلي حتى أستغني فآتيتهم وأنا غني قال. انطلق معي. فانطلقا، فوجدا رجلا قصته مثل قصتهما. فاصطحبوا جميعا حتى أتوا الجوف: جوف مراد.
فلما أشرفوا عليه إذا فيه نعم قد ملأ كل شيء من كثرته. فهابوا أن يغيروا فيطردوا بعضها، فيلحقهم الطلب. فقال لهما سليك. كونا قريبا مني حتى آتي الرعاء فأعلم لكما علم الحي، أقريب أم بعيد. فإن كانوا قريبا رجعت إليكما، وإن كانوا بعيدا قلت لكما قولا أومئ إليكما به فأغيرا. فأنطلق حتى أتى الرعاء، فلم يزن يستنطقهم حتى أخبروه بمكان الحي، فإذا هم بعيد. إن طلبوا لم يدركوا. فقال السليك للرعاء: ألا أغنيكم? فقالوا: بلى غننا، فرفع صوته وغنى:
يا صاحبي ألا لا حي بالوادي سوى عبـيد وآم بـين أذواد
أتنظران قريبا ريث غفلتهـم أم تغدوان فإن الريح للغادي? فلما سمعا ذلك أتيا السليك، فأطردوا الإبل فذهبوا بها ولم يبلغ الصريخ الحي حتى فاتوهم بالإبل.
نبأ آخر من أنباء المراتع: قال المفضل: وزعموا أن سليكا خرج ومعه رجلان من بني الحارث بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم يقال لهما: عمرو وعاصم وهو يريد الغارة، فمر على حي بني شيبان في ربيع والناس مخصبون في عشية فيها ضباب ومطر، فإذا هو ببيت قد انفرد من البيوت وقد أمسى. فقال لأصحابه: كونوا بمكان كذا حتى آتي أهل هذا البيت، فلعلي أن أصيب لكم خيرا، أو آتيكم بطعام قالوا: افعل، فانطلق وقد أمسى وجن عليه الليل، فإذا البيت بيت رويم، وهو جد حوشب بن يزيد بن رويم، وإذا الشيخ وامرأته بفناء البيت.
فأتى سليك البيت من مؤخره فدخله، فلم يلبث أن راح ابنه بإبله. فلما أراحها غضب الشيخ، فقال لابنه: هلا عشيتها ساعة من الليل. فقال له ابنه: إنها أبت العشاء فقال: العاشية تهيج الآبية، فأرسلها مثلا. ثم غضب الشيخ، ونفض ثوبه في وجهها، فرجعت إلى مراتعها ومعها الشيخ حتى مالت بأدنى روضة. فرتعت. وحبس الشيخ عندها لتتعشى، وغطى وجهه بثوبه من البرد، وتبعه سليك.
فلما وجد الشيخ مغترا ختله من ورائه، فضربه فأطار رأسه، وصاح بالإبل فطردها، فلم يشعر صاحباه -وقد ساء ظنهما وتخوفا عليه- حتى إذا هما بالسليك يطردها فطرداها معه، وقال سليك في ذلك:
وعاشية راحت بطانا ذعـرتـهـا بسوط قتيل وسطـهـا يتـسـيف
كأن عليه لـون بـرد مـحـبـر إذا ما أتـاه صـارخ يتـلـهـف
فبات لها أهل خـلاء فـنـاؤهـم ومرت بهم طير فلـم يتـعـيفـوا
وباتوا يظنون الظنون وصحبـتـي إذا ما علوا نشزا أهلوا وأوجفـوا
وما نلتها حتى تصعلكـت حـقـبة وكدت لأسباب المـنـية أعـرف
وحتى رأيت الجوع بالصيف ضرني إذا قمت تغشاني ظلال فـأسـدف من حيله للغارة: وقال الأثرم في روايته عن أبي عبيدة: خرج سليك في الشهر الحرام حتى أتى عكاظ، فلما اجتمع الناس ألقى ثيابه، ثم خرج متفضلا مترجلا، فجعل يطوف الناس ويقول: من يصف لي منازل قومه، وأصف له منازل قومي? فلقيه قيس بن مكشوح المرادي، فقال: أنا أصف لم منازل قومي، وصف لي منازل قومك، فتوافقا، وتعاهدا ألا يتكاذبا.
فقال قيس بن المكشوح: خذ بين مهب الجنوب والصبا، ثم سر حتى لا تدري أين ظل الشجرة? فإذا انقطعت المياه فسر أربعا حتى تبدو لك رملة وقف بينها الطريق، فإنك ترد على قومي مراد وخثعم.


صفحة : 2320

فقال السليك: خذ بين مطلع سهيل ويد الجوزاء اليسرى العاقد لها من أفق السماء، فثم منازل قومي بني سعد بن زيد مناة.
فانطلق قيس إلى قومه فأخبرهم الخبر، فقال أبوه المكشوح: ثكلتك أمك. هل تدري من لقيت? قال: لقيت رجلا فضلا كأنما خرج من أهله، فقال: هو والله سليك بن سعد.
فاستعلق واستعوى السليك قومه فخرج أحماس بني سعد وبني عبد شمس -وكان في الربيع يعمد إلى بيض النعام فيملؤه من الماء ويدفنه في طريق اليمن في المفاوز. قال: فإذا غزا في الصيف مر به فاستثاره - فمر بأصحابه حتى إذا انقطعت عنهم المياه قالوا: يا سليك أهلكتنا ويحك قال: قد بلغتم الماء، ما أقربكم منه حتى إذا انتهى إلى قريب من المكان الذي خبأ فيه طلبه فلم يجده، وجعل يتردد في طلبه. فقال بعض أصحابه لبعض: أين يقودكم هذا العبد? قد والله هلكتم، وسمع ذلك. ثم أصاب الماء بعد ما ساء ظنهم، فهم السليك بقتل بعضهم، ثم أمسك.
فانصرفت عنه بنو عبد شمس في طوائف من بني سعد. قال: ومضى السليك في بني مقاعس ومعه رجل من بني حرام يقال له: صرد. فلما رأى أصحابه قد انصرفوا بكى ومضى به السليك، حتى إذا دنوا من بلاد خثعم ضلت ناقة صرد في جوف الليل، فخرج في طلبها، فأصابه أناس حين أصبح، فإذا هم مراد وخثعم، فأسروه، ولحقه السليك فاقتتلوا قتالا شديدا.
وكان أول من لقيه قيس بن مكشوح، فأسره السليك بعد أن ضربه ضربة أشرفت على نفسه، وأصاب من نعمهم ما عجز عنه هو وأصحابه، وأصاب أم الحارث بنت عوف بن يربوع الخثعمية يومئذ، واستنقذ صرد من أيدي خثعم، ثم انصرف مسرعا، فلحق بأصحابه الذين انصرفوا عنه قبل أن يصلوا إلى الحي، وهم أكثر من الذين شهدوا معه، فقسمها بينهم على سهام الذين شهدوا. وقال السليك في ذلك:
بكى صرد لما رأى الحي أعرضت مهامه رمل دونهـم وسـهـوب
وخوفه ريب الـزمـان وفـقـره بلاد عـدو حـاضـر وجـدوب
ونأي بعيد عن بـلاد مـقـاعـس وأن مخـاريق الأمـور تـريب
سيكفيك فقد الحي لحم مـغـرض وماء قدور في الجفان مـشـوب
ألم ترأن الدهر لـونـان لـونـه وطوران بشـر مـرة وكـذوب
فما خير من لا يرتجى خـير أوبة ويخشى علـيه مـرية وحـروب
رددت عليه نفسـه فـكـأنـمـا تلاقى عليه منـسـر وسـروب
فما ذر قرن الشمس حتـى أريتـه قصار المنايا والـغـبـار يثـوب
وضاربت عنه القوم حتى كأنـمـا يصعد فـي آثـارهـم ويصـوب
وقلت له خذ هـجـمة حـمـيرية وأهلا ولا يبعد عـلـيك شـروب
وليلة جابـان كـررت عـلـيهـم على ساعة فيها الإياب حـبـيب
عشية كرت بالـحـرامـي نـاقة بحي هلا تدعى بـه فـتـجـيب
فضاربت أولي الخيل حتى كأنمـا أميل عـلـيهـا أيدع وصـبـيب الأيدع: دم الأخوين، والصبيب: الحناء.
من أنباء قدرته على الاحتمال: قال أبو عبيدة: وبلغني أن السليك بن السلكة رأته طلائع جيش لبكر بن وائل، وكانوا جازوا منحدرين ليغيروا على بني تميم ولا يعلم بهم أحد، فقالوا: إن علم السليك بنا أنذر قومه، فبعثوا إليه فارسين على جوادين، فلما هايجاه خرج يمحص كأنه ظبي، ، وطارداه سحابة يومه، ثم قالا: إذا كان الليل أعيا، ثم سقط أو قصر عن العدو، فنأخذه.
فلما أصبحا وجدا أثره قد عثر بأصل شجرة فنزعها ، فندرت قوسه فانحطمت، فوجدا قصدة منها قد ارتزت بالأرض، فقالا: ما له، أخزاه الله? ما أشده وهما بالرجوع، ثم قالا: لعل هذا كان من أول الليل ثم فتر، فتبعاه، فإذا أثره متفاج قد بال فرغا في الأرض وخدها فقالا: ما له قاتله الله? ما أشد متنه والله لا نتبعه أبدا، فانصرفا. ونمى إلى قومه وأنذرهم، فكذبوه لبعد الغاية، فأنشأ يقول:
يكذبني العمران عمرو بن جنـدب وعمرو بن سعد والمكذب أكـذب
لعمرك ما ساعيت من سعى عاجز ولا أنا بالواني فـفـيم أكـذب ?
ثكلتكما إن لم أكن قـد رأيتـهـا كراديس يهديها إلى الحي موكب
كراديس فيها الحوفزان وقـومـه فوارس همام متى يدع يركـبـوا -يعني الحوفزان بن شريك الشيباني-.


صفحة : 2321


تفاقدتم هـل أنـكـرن مـغـيرة مع الصبح يهديهن أشقر مغرب ? تفاقدتم: يدعو عليهم بالتفاقد .
قال، وجاء الجيش فأغاروا على جمعهم.
كان يقال له: سليك المقانب: قال: وكان يقال للسليك سليك المقانب، وقد قال في ذلك فرار الأسدي -وكان قد وجد قوما يتحدثون إلى امرأته من بني عمها فعقرها بالسيف، فطلبه بنو عمها فهرب ولم يقدروا عليه- فقال في ذلك:
لزوار ليلـى مـنـكـم آل بـرثـن على الهول أمضي من سليك المقانب
يزورونـهـا ولا أزور نـسـاءهـم ألهفى لأولد الإمـاء الـحـواطـب يلجأ إلى امرأة فتنقذه فيقول فيها شعرا: وقال أبو عبيدة: أغار السليك على بني عوار بطن من بني مالك بن ضبيعة، فلم يظفر منهم بفائدة، وأرادوا مساورته.
فقال شيخ منهم: إنه إذا عدا لم يتعلق به، فدعوه حتى يرد الماء، فإذا شرب وثقل لم يستطع العدو، وظفرتم به، فأمهلوه حتى ورد الماء وشرب، ثم بادروه، فلما علم أنه مأخوذ خاتلهم وقصد لأدنى بيوتهم حتى ولج على امرأة منهم يقال لها: فكيهة، فاستجار بها، فمنعته، وجعلته تحت درعها، واخترطت السيف، وقامت دونه، فكاثروها فكشفت خمارها عن شعرها، وصاحت بإخوتها فجاءوا، ودفعوا عنه حتى نجا من القتل، فقال السليك في ذلك:
لعمر أبيك والأنباء تـنـمـى لنعم الجار أخت بني عـوارا
من الخفرات لم تفضح أباهـا ولم ترفع لإخوتهـا شـنـارا
كأن مجامع الأرداف منـهـا نقا درجت عليه الريح هـارا
يعاف وصال ذات البذل قلبـي ويتبع الممـنـعة الـنـوارا
وما عجزت فكيهة يوم قامـت بنصل السيف واستلبوا الخمارا يأخذ رجلا من كنانة ثم يطلقه فيجزلون له العطاء: أخبرني الأخفش عن السكري عن أبي حاتم عن الأصمعي أن السليك أخذ رجلا من بني كنانة بن تيم بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن غنم بن تغلب يقال له: النعمان بن عقفان، ثم أطلقه وقال:
سمعت بجمعهم فرضخت فيهم بنعمان بن عقفان بن عمـرو
فإن تكفر فإنـي لا أبـالـي وإن تشكر فإني لسـت أدري قال: ثم قدم بعد ذلك على بني كنانة وهو شيخ كبير، وهم بماء لهم يقال له: قباقب، خلف البشر، فأتاه نعمان بابنيه الحكم وعثمان -وهما سيدا بني كنانة- ونائلة ابنته، فقال: هذان وهذه لك، وما أملك غيرهم، فقالوا: صدق، فقال: قد شكرت لك وقد رددتهم عليك.
يسبق في العدو جمعا من الشباب وهو شيخ: فجمعت له بنو كنانة إبلا عظيمة فدفعوها إليه، ثم قالوا له: إن رأيت أن ترينا بعض ما بقي من إحضارك . قال: نعم، وأبغوني أربعين شابا، وأبغوني درعا ثقيلة، فأتوه بذلك، فلبس الدرع، وقال للشبان: الحقوا بي إن شئتم. وعد، فلاث العدو لوثا، وعدوا جنبته فلم يلحقوه إلا قليلا، ثم غاب عنهم وكر حتى عاد إلى الحي هو وحده يحضر والدرع في عنقه تضرب كأنها خرقة من شدة إحضاره.
أخبر به هاشم بن محمد الخزاعي عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعي، عن عمه فذكر فيه نحو ما تقدم .
خبر مقتله: وقال السكري في خبر مقتله: إنه لقي رجلا من خثعم في أرض يقال لها: فخة، بين أرض عقيل وسعد تميم، وكان يقال للرجل: مالك بن عمير بن أبي ذراع بن جشم بن عوف، فأخذه ومعه امرأة له من خفاجة يقال لها:النوار، فقال له الخثمعي: أنا أفدي نفسي منك، فقال له: السليك: ذلك لك، على ألا تخيس بي، ولا تطلع علي أحدا من خثعم، فحالفه على ذلك، ورجع إلى قومه، وخلف امرأته رهينة معه، فنكحها السليك، وجعلت تقول: احذر خثعم؛ فإني أخافهم عليك، فأنشأ يقول:
تحذرني كي أحذر العام خثعمـا وقد علمت أني امرؤ غير مسلم
ومـا خـثـعـم إلا لــئام أذلة إلى الذل والإسحاق تنمي وتنتمي قال: وبلغ ذلك شبل بن قلادة بن عمر بن سعد، وأنس بن مدرك الخثعميين، فخالفا إلى السليك، فلم يشعر إلا وقد طرقاه في الخيل، فأنشأ يقول:
من مبلغ جذمي بأبني مقتول?
يا رب نهب قد حويت عثكول
ورب قرن قد تركت مجدول
ورب زوج قد نكحت عطبول
ورب عان قد فككت مكبـول
ورب واد قد قطعت مسبـول












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 06-27-2006, 11:55 AM   المشاركة رقم: 44
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


صفحة : 2322

قال أنس للشبل: إن شئت كفيتك القوم واكفني الرجل، وإن شئت أكفني القوم أكفك الرجل. قال: بل أكفيك القوم، فشد أنس على السليك فقتله، وقتل شبل وأصحابه من كان معه.
وكاد الشر يتفاقم بين أنس وبين عبد الملك ، لأنه كان أجاره حتى وداه أنس لما خاف أن يخرج الأمر من يده، وقال:
كم من أخ لي كريم قد فجعت بـه ثم بقيت كأنـي بـعـده حـجـر
لا أستكين على ريب الـزمـان ولا أغضي على الأمر يأتي دونه القدر
مردى حروب أدير الأمر حابـلـه إذ بعضهم لأمور تعتـري جـزر
قد أطعن الطعنة النجلاء أتبعـهـا طرفا شديدا إذا ما يشخص البصر
ويوم حمضة مطلوب دلـفـت لـه بذات ودقين لما يعفها الـمـطـر وذكر باقي الأبيات التي تتلو هذه:
إني وقتلى سليكا ثم أعقله كما ذكره من روينا عنه ذلك.
أخبرني هاشم بن محمد عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه فذكر ما تقدم.
يجعل لعبد الملك بن مويلك إتاوة ليجيره: قال أبو عبيدة وحدثني المنتجع بن نبهان قال: كان السليك يعطي عبد الملك بن مويلك الخثمعي إتاوة من غنائمه على أن يجيره فيتجاوز بلاد خثعم إلى من وراءهم من أهل اليمن، فيغير عليهم. فمر قافلا من غزوة فإذا بيت من خثعم أهله خلوف وفيه امرأة شابة بضة، فسألها عن الحي فأخبرته، فتسنمها، أي علاها، ثم جلس حجرة ، ثم التقم المحجة، فبادرت إلىالماء فأخبرت القوم، فركب أنس بن مدرك الخثعمي في طلبه فلحقه، فقتله. فقال عبد الملك: والله لأقتلن قاتله أو ليدينه، فقال أنس: والله لا أدبه ولا كرامة، ولو طلب في ديته عقالا لما أعطيته. وقال في ذلك:
إني وقتلي سليكا ثـم أعـقـلـه كالثور يخضرب لما عافت البقر
عضبت للمرء إذ نيكت حليلـتـه وإذ يشد على وجعائها الـثـفـر
إني لتارك هامـات بـمـجـزرة لا يزدهيني سواد الليل والقـمـر
أغشى الحروب وسربالي مضاعفة نغشى البنان وسيفي صارم ذكـر الغناء بشعره أفسد مجلس لهو: أخبرني ابن أبي الأزهر عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن فليح بن أبي العوراء قال: كان لي صديق بمكة، وكنا لا نفترق ولا يكتم أحد صاحبه سرا، فقال لي ذات يوم: يا فليح، إني أهوى ابنة عم لي ولم أقدر عليها قط، وقد زارتني اليوم فأحب أن تسرني بنفسك، فإني لا أحتشمك. فقلت: أفعل، وصرت إليهما، وأحضر الطعام فأكلنا، ووضع النبيذ فشربنا أقداحنا، فسألني أن أغنيهما، فكأن الله -عز وجل- أنساني الغناء كله إلا هذا الصوت:
من الخفرات لم تفصح أباها ولم تلحق بإخوتها شنـارا فلما سمعته الجارية قالت أحسنت يا أخي، أعد، فأعدته. فوثبت وقالت: أنا إلى الله تائبة، والله ما كنت لأفضح أبي ولا لأرفع لإخوتي شنارا. فجهد الفتى في رجوعها فأبت وخرجت، فقال لي: ويحك ما حملك على ما صنعت? فقلت: والله ما هو شيء اعتمدته، ولكنه ألقي على لساني لأمر أريد بك وبها. هكذا في الخبر المذكور.
وقد رواه غير من ذكرته عن فليح بن أبي العوراء، فأخبرني اليزيدي عن عمه عبيد الله قال: كان غبراهيم بن سعدان يؤدب ولد علي بن هشام، وكان يغني بالعود تأدبا ولعبا، قال: فوجه إلي يوما علي بن هشام يدعوني، فدخلت فإذا بين يديه امرأة مكشوفة الرأس تلاعبه بالنرد، فرجعت عجلا، فصاح بي: ادخل، فدخلت، فإذا بين أيديهما نبيذ يشربان منه، فقال: خذ عودا وغن لنا، ففعلت، ثم غنيت في وسط غنائي:
من الخفرات لم تفضح أباها ولم ترفع لإخوتها شنـارا فوثبت من بين يديه، وغطت رأسها، وقالت: إني أشهد الله أني تائبة إليه، ولا أفضح أبي ولا أرفع لإخوتي شنارا. ففتر علي بن هشام ولم ينطق وخرجت من حضرته، فقال لي: ويلك، من أين صبك الله علي? هذه مغنية بغداد، وأنا في طلبها منذ سنة لم أقدر عليها إلا اليوم، فجئتني بهذا الصوت حتى هربت. فقلت: والله ما اعتمدت مساءتك، ولكنه شيء خطر على غير تعمد.

صوت

أمسلم إني يا بن كـل خـلـيفة ويا جبل الدنيا ويا ملك الأرض
شكرتك إن الشكر حظ من التقى وما كل من أوليته نعمة يقضي

صفحة : 2323

الشعر لأبي مخيلة الحماني، والغناء لا بن سريج، ثقيل بالوسطى عن يحيى المكي.

أخبار أبي نخيلة ونسبه
اسمه وكنيته ونسبه: أبو نخيلة اسمه لا كنيته، ويكنى أبا الجنيد، ذكر الأصمعي ذلك وأبو عمرو الشيباني وابن حبيب، لا يعرف له اسم غيره، وله كنيتان: أبو الجنيد وأبو العرماس، وهو ابن حزن بن زائدة بن لقيط بن هرم بن يثري، وقيل: بن أثربي بن ظالم بن مجاسر بن حماد بن عبد العزى بن كعب بن لؤي بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
نفاه أبوه عن نفسه لعقوقه: وكان عاقا بأبيه، فنفاه أبوه عن نفسه، فخرج إلى الشام وأقام هناك إلى أن مات أبوه، ثم عاد وبقي مشكوكا في نسبه، مطعونا عليه. وكان الأغلب عليه الرجز، وله قصيد ليس بالكبير .
مسلمة بن عبد الملك يصطنعه: ولما خرج إلى الشام اتصل بمسلمة بن عبد الملك، فاصطنعه وأحسن إليه وأوصله إلى الخلفاء واحدا بعد واحد، واستماحهم له فأغنوه، وكان بعد ذلك قليل الوفاء لهم. انقطع إلى بني هاشم، ولقب نفسه شاعر بني هاشم، فمدح الخلفاء من بني العباس، وهجا بني أمية فأكثر.
يغزي المنصور بعيسى بن موسى فيبعث من يقتله: وكان طمعه ، فحمله ذلك على أن قال في المنصور أرجوزة يغريه فيها بخلع عيسى بن موسى وبعقد العهد لابنه محمد المهدي، فوصله المنصور بألفي درهم، وأمره أن ينشدها بحضرة عيسى بن موسى ففعل. فطلبه عيسى فهرب منه؛ وبعث في طلبه مولى له، فأدركه في طريق خراسان، فذبحه وسلخ جلده .
سأل فمطل فهجا ثم أجيب فمدح: أخبرني هاشم الخزاعي عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: رأى أبو نخيلة على شبيب حلة فأعجبته، فسأله إياها، فوعده ومطله، فقال فيه:
يا قوم لا تسودوا شبيبـا الخائن بن الخائن الكذوبا
هل تلد الذيبة إلا الذيبا? قال: فبلغه ذلك، فبعث إليه بها فقال:
إذا غدت سعد على شبيبهـا على فتاها وعلى خطيبهـا
من مطلع الشمس إلى مغيبها عجبت من كثرتها وطيبهـا لا يهجو خالد بن صفوان خشية لسانه: حدثني حبيب بن نصر المهلبي عن عمر بن شبة، قال: حدثني الرعل بن الخطاب قال: بنى أبو نخيلة داره، فمر به خالد بن صفوان وكان بينهما مداعبة قديمة، ومودة وكيدة، فوقف عليه .
فقال أبو نخيلة: يا بن صفوان، كيف ترى داري? قال: رأيتك سألت فيها إلحافا، وأنفقت ما جمعت إسرافا. جعلت إحدى يديك سطحا، وملأت الأخرى سلحا، فقلت: من وضع في سطحي وإلا ملأته بسلحي، ثم ولى وتركه.
فقيل له: ألا تهجوه? فقال: إذن والله يركب بغلته، ويطوف في مجالس البصرة، ويصف أبنيتي بما يعيبها. وما عسى أن يضر الإنسان صفة أبنيته بما يعيبها سنة ثم لا يعيد فيها كلمة.
تأديب في البادية حتى شعر: أخبرني الحسن بن علي الخفاف عن ابن مهروية عن أبي مسلم المستملي عن الحرمازي عن يحيى بن نجيم قال: لما انتفى أو نخيلة من أبيه خرج يطلب الرزق لنفسه، فتأدب بالبادية حتى شعر وقال رجزا كثيرا وقصيدا صالحا وشهر بهما، وسار شعره في البدو والحضر، ورواه الناس.
مده مسلمة بن عبد الملك: ثم وفد إلى مسلمة بن عبد الملك فرفع منه، وأعطاه، وشفع له، وأوصله إلى الوليد بن عبد الملك ، فمدحه، ولم يزل به حتى أغناه، قال لحيى بن نجيم: فحدثني أبو نخيلة قال: وردت على مسلمة بن عبد الملك فمدحته، وقلت له:
أمسلم إني يا بـن كـل خـلـيفة ويا فارس الهيجا ويا جبل الأرض
شكرتك إن الشكر حبل من التقـى وما كل من أوليته نعمة يقضـي
وألقيت لـمـا أن أتـيتـك زائرا علي لحافا سابغ الطول والعرض
وأحييت لي ذكرى وما كان خاملا ولكن بعض الذكر أنبه من بعض يستنشده مسلمة فينتحل أرجوزة لرؤبة:

صفحة : 2324

قال: فقال لي مسلمة: ممن أنت? فقلت: من بني سعد. فقال: مالكم يا بني سعد والقصيد وإنما حظكم في الرجز? قال: فقلت له: أنا والله أرجز العرب، قال: فأنشدني من رجزك، فكأني والله لما قال ذلك لم أقل رجزا قط، أنسانيه الله كله، فما ذكرت منه ولا من غيره شيئا إلا أرجوزة لرؤبة كان قالها في تلك السنة، فظننت أنها لم تبلغ مسلمة، فأنشده إياها، فنكس رأسه وتتعتعت، فرفع رأسه إلي وقال: لا تتعب نفسك، فأنا أروى لها منك، قال: فانصرفت وأنا أكذب الناس عنده وأخزاهم عند نفسي حتى تلطفت بعد ذلك ومدحته برجز كثير، فعرفني وقربني. وما رأيت ذلك أثر فيه، يرحمه الله ولا قر عني به حتى افترقنا.
من مدحه لمسلمة: وحدثني أبو نخيله قال: لما انصرف مسلمة من حرب يزيد بن المهلب تلقيته، فلما عاينته صحت به:
مسلم يا مسلـمة الـحـروب أنت المصفى من أذى العيوب
مصاصة من كـرم وطـيب لولا ثقاف ليس بالـتـدبـيب
تفري به عن حجب القلـوب لأمست الأمة شـاء الـذيب فضحك وضمني إليه، وأجزل صلتي.
يسأل رجل من عشيرته أن يوصله إلى الخليفة هشام فيفعل: حدثني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه، وأخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه -وقد جمعت روايتهما وأكثر اللفظ للأصمعي، قال: قال أبو نخيلة: وفدت على هشام بن عبد الملك فصادفت مسلمة قد مات، وكنت بأخلاق هشام غرا وأنا غريب، فسألت عن أخص الناس به، فذكر لي رجلان: أحدهما من قيس، والآخر من اليمن، فعدلت إلى القيسي بالتؤدة فقلت: هو أقربهما إلي، وأجدرهما بما أحب، فجلست إليه، ثم وضعت يدي على ذراعه وقلت له: إني مسستك لتمسني رحمك .
أنا رجل غريب شاعر من عشيرتك، وأنا غير عارف بأخلاق هذا الخليفة، وأحببت أن ترشدني إلى ما أعمل فينفعني عنده، وعلى أن تشفع لي وتوصلني إليه، فقال: ذلك كله لك علي. وفي الرجل شدة ليس كمن عهدت من أهله، وإذا سئل وخلط مدحه بطلب حرم الطالب، فأخلص له المدح، فإنه أجدر أن ينفعك، واغد إليه غدا فإني منتظرك بالباب حتى أوصلك، والله يعينك. فصرت من غد إلى باب هشام، فإذا بالرجل منتظر لي، فأدخلني معه، وإذا بأبي النجم قد سبقني فبدأ فأنشده قوله:
إلى هشـام وإلـى مـروان بيتان ما مثلهـمـا بـيتـان
كفاك بالـجـود تـبـاريان كما تبارى فرسـا رهـان
مال علي حـدث الـزمـان وبيع ما يغلو من الغلمـان
بالثمن الوكس من الأثـمـان والمهر بعد المهر والحصان يمدح هشاما فيجيزه: قال: فأطال فيها وأكثر المسألة حتى ضجر هشام، وتبينت الكراهة في وجهه، ثم استأذنت فأذن لي، فأنشدته:
لما أتتني بغـية كـالـشـهـد والعسل الممزوج بعد الرقـد
يا بردها لمشتـف بـالـبـرد رفعت من أطمار مسـتـعـد
وقلت للعيس إعتلـي وجـدي فهي تخدى أبرح الـتـخـدي
كم قد تعسفت بها مـن نـجـد ومجرهد بعـد مـجـرهـد
قد ادرعن في مسـير سـمـد ليلا كلون الطيلسان الـجـرد
إلى أمير المؤمنين المـجـدي رب مـعـد وسـوى مـعـد
ممن دعا من أصـيد وعـبـد ذي المجد والتشريف بعد المجد
في وجهه بدر بدا بالـسـعـد أنت الهمام القرم عند الـجـد
طوقتها مـجـتـمـع الأشـد فانهل لما قمت صوب الرعـد قال: حتى أتيت عليها وهممت أن اسأله، ثم عزفت نفسي وقلت: قد استنصحت رجلا، وأخشى أن أخالفه فأخطئ، وحانت مني التفاتة فرأيت وجه هشام منطلقا. فلما فرغت أقبل على جلسائه فقال: الغلام السعدي أشعر من الشيخ العجلي، وخرجت. فلما كان بعد أيام أتتني جائزته، ثم دخلت عليه بعد ذلك، وقد مدحته بقصيدة فأنشدته إياها فألقى علي جبة خز من جبابه مبطنة بسمور، ثم دخلت عليه يوما آخر، فكساني دواجا كان عليه من خز أحمر مبطن بسمور، ثم دخلت عليه يوما ثالثا فلم يأمر لي بشيء، فحملتني نفسي على أن قلت له:
كسوتنيها فهي كالتجفـاف من خزك المصونة الكثاف

صفحة : 2325


كأنني فيها وفي اللـحـاف من عبد شمس أو بني مناف
والخز مشتاق إلى الأفواف قال، فضحك -وكانت عليه جبة أفواف- وأدخل يده فيها ونزعها ورمى بها إلي، وقال: خذها، فلا بارك الله لك فيها.
يغير داليته ويجعلها في السفاح: قال محمد بن هشام في خبره خاصة: فلما أفضت الخلافة إلى السفاح نقلها إليه وغيرها وجعلها فيه -يعني الأرجوزة الدالية- فهي الآن تنسب في شعره إلى السفاح.
يشفع للفرزدق عند ان هبيرة: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني أحمد بن الهيثم بن فراس قال: حدثني أبو عمر الخصاف عن العتبي قال: لما حبس عمر بن هبيرة الفرزدق وهو أمير العراق أبى أن يشفع فيه أحدا، فدخل عليه أبو نخيلة في يوم فطر، فوقف بين يديه وأنشأ يقول:
أطلقت بالأمـس أسـير بـكـر فهل، فداك نـفـري ووفـري
من سبـب أو حـجة أو عـذر ينجي التميمي القليل الشـكـر
من حلق القيد الثقال الـسـمـر ما زال مجنونا على أست الدهر
ذا حسب ينمو وعـقـل يحـري هبه لأخوالـك يوم الـفـطـر يعود الفرزدق إلى السجن حين علم أن شفيعه أبو نخيلة: قال: فأمر بإطلاقه، وكان قد أطلق رجلا من عجل جيء به من عين التمر قد أفسد، فشفعت فيه بكر بن وائل فأطلقه. وإياه عني أبو نخيلة. فلما أخرج الفرزدق سأل عمن شفع له فأخبر، فرجع إلى الحبس وقال: لا أريمه ولو مت. انطلق قبلي بكري وأخرجت بشفاعة دعي، والله لا أخرج هكذا ولو من النار. فأخبر ابن هبيرة بذلك فضحك ودعا به فأطلقه، وقال: وهبتك لنفسي. وكان هجاه فحبسه لذلك، فلما عزل ابن هبيرة وحبس مدحه الفرزدق، فقال: ما رأيت أكرم منه، هجاني أميرا ومدحني أسيرا.
رواية أخرى لخبر هذه الشفاعة: وجدت هذا الخبر بخط القاسم بن يوسف، فذكر أن أبا القاسم الحضرمي حدثه أن هذه القصة كانت لأبي نخيلة مع يزيد بن عمر بن هبيرة، وأنه أتي بأسيرين من الشراه أخذا بعين التمر: أحدهما أبو القاسم بن بسطام بن ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة، والآخر رجل من بكر بن وائل. فتكلم في البكري قومه فأطلقه، ولم يتكلم في التميمي أحد، فدخل عليه أبو نخيلة فقال:
الحـمـد لـلـه ولـي الأمـر هو الذي أخرج كـل غـمـر
وكـل عـوار وكـل وغــر من كل ذي قلب نقي الصـدر
لما أتت من نحو عين التـمـر ست أثاف، لا أثافـي الـقـدر
فظلت القضبان فيهم تـجـري هبرا هو الهبر وفوق الهـبـر
إني لمهد لـلإمـام الـغـمـر شعري ونصح الحب بعد الشعر ثم ذكر باقي الأبيات كما ذكرت في الخبر المتقدم.
عندما نزل به ضيف هجاه: أخبرني أبو الحسن الأسدي أحمد بن محمد قال: حدثني محمد بن صالح بن النطاح قال: ذكر عن العتبي أن أبا نخيلة حج ومعه جريب من سويق قد حلاه بقند ، فنزل منزلا في طريقه، فأتاه أعرابي من بني تميم وهو يقلب ذلك السويق، واستحيا منه فعرض عليه، فتناول ما أعطاه فأتي عليه، ثم قال: زدني يا بن أخ، فقال أبو نخيلة:
لما نزلنا منزلا ممقـوتـا نريد أن نرحل أو نبيتـا
جئت ولم ندر من أين جيتا إذا سقيت المزبد السحتيتا
قلت ألا زدني وقد رويتا فقام الأعرابي وهو يسبه.
وحدثني بهذا الخبر هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعي قال: حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال: كان أبو نخيلة إذا نزل به ضيف هجاه، فنزل به يوما رجل من عشيرته، فسقاه سويقا قد حلاه، فقال له: زدني، فزاده. فلما رحل هجاه وذكر الأبيات بعينها، وقال في الخبر قال أبو عبيدة: السحتيت: السويق الدقاق.
يعتذر إلى السفاح من مدحه بني مروان: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال: حدثني ابن عائشة قال: دخل أبو نخيلة على أبي العباس السفاح فسلم، واستأذن في الإنشاد، فقال له أبو العباس: لا حاجة لنا في شعرك، إنما تنشدنا فضلات بني مروان، فقال: يا أمير المؤمنين:
كنا أناسا نرهب الأمـلاكـا إذ ركبوا الأعناق والأوراكا
قد ارتجينا زمـنـا أبـاكـا ثم ارتجينا بعـده أخـاكـا

صفحة : 2326


ثم ارتجينـا بـعـده إياك وكان ما قلت لمن سواكا
زورا فقد كفر هذا ذاكا فضحك أبو العباس، وأجازه جائزة سنية، وقال: أجل، إن التوبة لتكفر ما قبلها، وقد كفر هذا ذاك.
وأخبرنا أبو الفياض سوار بن أبي شراعة قال: حدثني أبي عن عبد الصمد بن المعذل عن أبيه قال: دخل أبو نخيلة على أبي العباس، قال وكان لا يجترئ عليه مع ما يعرفه به من اصطناع مسلمة إياه، وكثرة مديحه لبني مروان حتى علم أنه قد عفا عمن هو أكبر محلا من القوم وأعظم جرما منه، فلما وقف بين يديه سلم عليه، ودعا له وأثنى، ثم استأذنه في الإنشاد، فقال له: ومن أنت? قال: عبدك يا أمير المؤمنين أبو نخيلة الحماني. فقال: لا حياك الله، ولا قرب دارك يا نضو السوء. ألست القائل في مسلمة بن عبد الملك بالأمس:
أمسلم يا مـن سـاد كـل خـلـيفة ويا فارس الهيجا ويا قمر الأرض? والله لولا أني قد أمنت نظراءك لما ارتد إليك طرفك حتى أخضبك بدمك. فقال أبو نخيلة:
كنا أناسا نرهب الأملاكا يعفو السفاح عنه ويخوله اختيار جارية فلا يحمدها: وذكر الأبيات المتقدمة كلها مثل ما مضى من ذكرها، فتبسم أبو العباس، ثم قال له: أنت شاعر وطالب خير . وما زال الناس يمدحون الملوك في دولهم، والتوبة تكفر الخطيئة، والظفر يزيل الحقد. وقد عفونا عنك، واستأنفنا الصنيعة لك. وأنت الآن شاعرنا فاتسم بذلك فيزول عنك ميسم بني مروان، فقد كفر هذا ذاك. كما قلت. ثم التفت إلى أبي الخصيب فقال: يا مرزوق، أدخله دار الرقيق فخيره جارية يأخذها لنفسه، ففعل واختار جارية وطفاء كثيرة اللحم فلم يحمدها، فلما كان من غد دخل على أبي العباس وعلى رأسه وصيفة حسناء تذب عنه، فقال له: قد عرفت خبر الجارية التي أخذتها بالأمس وهي كذنا كونه فاحتفظ بها، فأنشأ يقول:
إني وجدت الكذنا ذنوكا غير منيك فابغني منيكا
حتى إذا حركته تحركا فضحك أبو العباس، وقال: خذ هذه الوصيفة، فإنك إذا خلوت بها تحرك من غير أن تحركه.
رجزه وقد هرب من دين طولب به: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال: أدان أبو نخيلة من بقال له يقال له: ماعز الكلابي باليمامة، وكان يأخذ منه أولا أولا حتى كثر ما عليه وثقل، فطالبه ماعز فمطله، ثم بلغه أنه قد استعدى عليه عامل اليمامة، فارتحل يريد الموصل، وخرج عن اليمامة ليلا، فلم يعلم به ماعز إلا بعد ثلاث. وقد نجا أبو نخيلة وقال في ذلك:
يا ماعز الكراث قد خزيتنـا لقد خدعت ولقد هـجـيتـا
كدت تخصينا فقد خصـيتـا وكنت ذا حظ فقد محـيتـا
ويحك لم تعلم بمن صلـيتـا ولا بأي حـجـر رمـيتـا
إذا رأيت المزبد الهـبـوتـا يركب شدقا شدقما هريتـا
طر بجناحيك فقـد أتـيتـا حران حران فهيتا هـيتـا
والموصل الموصل أو تكريتا حيث تبيع النبط الـبـيوتـا
ويأكلون العدس المـريتـا وقال أيضا لماعر هذا:
يا ماعز القمـل وبـيت الـذل بتناوبات البغل في الإصطبـل
وبات شيطان القوافي يمـلـي على امرئ فحل وغير فحـل
لا خير في علمي ولا في جهلي لو كان أودى ماعز بنخـلـي
ما زال يقليني وعيمي يغـلـي حتى إذا العيم رمى بالجـفـل
طبقت تطبيق الجراز النصل نسخت من كتاب اليوسفي.
يقرن مدح الممدوح بمدح سائسه: حدثني المنمق بن جماع عن أبيه قال: كان أبو نخيلة نذلا يرضيه القليل، ويسخطه، وكان الربيع ينزله عنده، ويأمر سائسا يتفقد فرسه، فمدح الربيع بأرجوزة، ومدح فيها معه سائسه فقال:
لولا أبو الفضل ولولا فضله ما اسطيع باب لا يسني قفله
ومن صلاح راشد إصطبلـه نعم الفتى وخير فعل فعلـه
يسمن منه طرفه وبغـلـه فضحك الربيع، وقال: يا أبا نخيلة أترضى أن تقرن بي السائس في مديح كأنك لو لم تمدحه معي كان يضيع فرسك.
يمدح خباز مضيفه: قال: ونزل أبو نخيلة بسليمان بن صعصعة، فأمر غلامه بتعهده، وكان يغاديه ويراوحه في كل يوم بالخبز واللحم، فقال أبو نخيلة يمدح خباز سليمان بن صعصعة:

صفحة : 2327


بارك ربي فيك من خـبـاز ما زلت إذ كنت على أوفاز
تنصب باللحم انصباب الباز شعره وقد رأى اجتهاد العمال في أرض له: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل تينة قال: حدثنا أحمد بن المعذل عن علي بن أبي نخيلة الحماني قال: دخلت مع أبي إلى أرض له وقد قدم من مكة، فرآها وقد أضر بها جفاء القيم عليها وتهاونه بها، وكلما رآه الذين يسقونها زادوا في العمل والعمارة حتى سمعت نقيض الليف، فقلت: الساعة يقول في هذا شعرا، فلم ألبث أن التفت إلي وقال:
شاهد مـالا رب مـال فـسـاسـه سياسة شهم حـازم وابـن حـازم
أقام بها العصرين حينـا ولـم يكـن كمن ضن عن عمرانها بالدراهـم
كأن نقيض الليف عن سعـفـاتـه نقيض رحال الميس فوق العياهـم
وأضحت تغالي بالنبـات كـأنـهـا على متن شيخ من شيوخ الأعاجـم
وما الأصل ما رويت مضرب عرقه من الماء عن إصلاح فرع بـنـائم أخبرني بهذا الخبر محمد بن مزيد عن أبي الأزهر البوشنجي قال: حدثنا حماد بن إسحاق الموصلي عن النضر بن حديد عن أبي محضة عن الأزرق بن الخميس بن أرطاة -وهو ابن أخت أبي نخيلة- فذكر قريبا مما ذكر في الخبر الذي قبله.
يسأل فلا يعطى فيهجو ثم يعطى فيمدح: وأخبرني عيسى بن الحسن الوراق المروزي قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي قال: حدثني أبي قال: ابتاع أبو نخيلة دارا في بني حمان ليصحح بها نسبه، وسأل في بنائها، فأعطاه الناس اتقاء للسانه وشره، فسأل شبيب بن شيبة فلم يعطه شيئا واعتذر إليه، فقال:
يا قوم لا تسودوا شبيبـا الملذان الخائن الكذوبا
هل تلد الذيبة إلا الذيبا فقال شبيب: ما كنت لأعطيه على هذا القول شيئا، فإنه قد جعل إحدى يديه سطحا، وملأ الأخرى سلحا، وقال: من وضع شيئا في سطحي وإلا ملأته بسلحي، من أجل دار يريد أن يصحح نسبه بها، فسفر بينهما مشايخ الحي يعطيه، فأبى شبيب أن يعطيه شيئا، وحلف أبو نخيلة ألا يكف عن عرضه أو يأخذ منه شيئا يستعين به. فلما رأى شبيب ذلك خافه، فبعث إليه بما سأل، وغدا أبو نخيلة عليه وهو جالس في مجلسه مع قومه، فوقف عليهم، ثم أنشأ يقول:
إذا غدت سعد على شبيبهـا على فتاها وعلى خطيبهـا
من مطلع الشمس إلى مغيبها عجبت من كثرتها وطيبهـا ينتحل أرجوزة لرؤبة وينشدها فيفجؤه رؤبة من مرقده فيعتذر: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: دخل أبو نخيلة على عمر بن هبيرة، وعنده رؤبة قد قام من مجلسه فاضطجع خلف ستر، فأنشد أبو نخيلة مديحه له، ثم قال ابن هبيرة: يا أبا نخيلة، أي شيءأحدثت بعدنا? فاندفع ينشده أرجوزة لرؤبة، فلما توسطها كشف رؤبة الستر، وأخرج رأسه من تحته، فقال له: كيف أنت يا أبا نخيلة? فقطع إنشاده وقال: بخير أبا العجاج، فمعذرة إليك ما علمت بمكانك، فقال له رؤبة: ألم ننهك أن تعرض لشعري إذا كنت حاضرا، فإذا ما رغبت فشأنك به فضحك أبو نخيلة، وقال: هل أنا إلا حسنة من حسناتك، وتابع لك، وحامل عنك? فعاد رؤبة إلى موضعه فاضطجع، ولم يراجعه حرفا. والله أعلم.
يمدح ثم لا يرضى الجائزة فيهجو، ثم يزاد فيمدح: أخبرني هاشم بن محمد قال: حدثنا دماذ عن أبي عبيدة: أن أبا نخيلة قدم على المهاجر بن عبد الله الكلابي -وكان أبو نخيلة أشبه خلق الله بو وجها وجسما وقامة، لا يكاد الناظر إلى أحدهما أن يفرق بينه وبين الآخر- فدخل عليه فأنشده قوله فيه:
يا دار أم مالك ألا اسـلـمـي على التنائي من مقام وانعمـي
كيف أنا إن أنت لم تكـلـمـي بالوحي أو كيف بأن تجمجمي
تقول لي بنتي مـلام الـلـوم يا أبتا إنك يومـا مـؤتـمـي
فقلت كلا فاعلمي ثم اعلـمـي أني لميقات كتاب مـحـكـم
لو كنت في ظلمة شعب مظلم أو في السماء أرتقي بسـلـم
لا نصب مقداري إلى مجرنثمي إني ورب الراقصات الرسـم
ورب حوض زمـزم وزمـزم لأستبين الخير عند مقـدمـي

صفحة : 2328


وعند ترحالي عن مـخـيمـي على ابن عبد الله قرم الأقـرم
فإنني بالـعـلـم ذو تـرسـم لم أدر ما مهاجر الـتـكـرم
حتى تبينت قضـايا الـغـشـم مهاجر يا ذا النوال الخضـرم
أنت إذا انتجعت خير مغـنـم مشترك النائل جـم الأنـعـم
ولتميم منك خـير مـقـسـم إذا التقوا شتى معا كالـهـيم
قد علم الشأم وكـل مـوسـم أنك تحلو لي كحلو المعـجـم
طورا وطورا أنت مثل العلقم قال: فأمر له المهاجر بناقة، فتركها ومضى مغضبا، وقال يهجوه:
إن الكلابي اللـئيم الأثـر مـا أعطى على المدحة نابا عرزما
ما جبر العظم ولكن تمـمـا فبلغ ذلك المهاجر، فبعث فترضاه، وقام في أمره بما يحب، ووصله، فقال له أبو نخيلة: هذه صلة المديح، فأين صلة الشبه? فإن التشابه في الناس نسب، فوصله حتى أرضاه، فلم يزل يمدحه بعد ذلك حتى مات، ورثاه بعد وفاته فقال:
خليلي مالـي بـالـيمـامة مـقـعـد ولا قرة للعين بـعـد الـمـهـاجـر
مضى ما مضى من صالح العيش فاربعا على ابن سبيل مزمع البـين عـابـر
فإن تك فـي مـلـحـودة يا بـن وائل فقد كنت زين الوفد زين الـمـنـابـر
وقد كنت لولا سلك الـسـيف لـم ينـم مقيم ولم تأمن سـبـيل الـمـسـافـر
لعز على الـحـيين قـيس وخـنـدق تبكـي عـلـي والـولـيد وجـابـر
هوى قمر من بـينـهـم فـكـأنـمـا هوى البدر من بين النجوم الـزواهـر يهجو أخته لأنها خاصمته في مال لها: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قالك تزوجت أخت أبي نخيلة برجل يقال له ميار ، وكان أبو نخيلة يقوم بمالها مع ماله، ويرعى سوامها مع سوامه، ويستبد عليها بأكثر منافعها، فخاصمته يوما من وراء خدرها في ذلك، فأنشأ يقول:
أظل أرعى وتـرا هـزينـا ململما ترى له غـصـونـا
ذا أبن مقومـا عـثـنـونـا يطعن طعنا يقضيب الوتينـا
ويهتك الأعفـاج والـربـينـا يذهب مـيار وتـقـعـدينـا
وتـفـسـدين أو تـبـذرينـا وتمنحين اسـتـك آخـرينـا
أير الحمار في است هذا دينا يطلق امرأته لأنها ولدت بنتا، ثم يراجعها ويرق للبنت: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: تزوج أبو نخيلة امرأة من عشيرته، فولدت له بنتا، فغمه ذلك، فطلقها تطليقة ثم ندم، وعاتبه قومه فراجعها. فبينما هو في بيته يوما إذ سمع صوت ابنته وأمها تلاعبها، فحركه ذلك ورق لها، فقام إليها فأخذها، وجعل ينزيها ويقول:
يا بنت من لم يك يهوى بنتـا ما كنت إلا خمسة أو ستـا
حتى حللت في الحشى وحتى فتت قلبي من جوى فانفتـا
لأنت خير من غـلام أنـتـا يصبح مخمورا ويمسي سبتا يسأل المهدي زائرا أي النساء أحب إليه فيفضل التي وصفها أبو نخيلة: أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدثنا أبو هفان قال: حدثني أصحابنا الأهتميون قالوا: دخل عقال بن شبة المجاشعي على المهدي فقال له: أيا أبا الشيظم، ما بقي من حبك بنات آدم? وما يعجبك منهن ? التي عصبت عصب الجان ، وجدلت جدل العنان، واهتزت اهتزاز البان، أم التي بدنت فعظمت وكملت فتمت? فقال: يا أمير المؤمنين أحبهما إلي التي وصفها أبو نخيلة، فإنه كانت له جارية صغيرة وهبها له عمك أبو العباس السفاح، فكان إذا غشيها صغرت عنه، وقلت تحته، فقال:
إني وجدت الكذنا ذنوكا غير منيك فابغني منيكا
شيئا إذا حركته تحركا قال، فوهب له المهدي جارية كاملة فائقة متأدبلة ربعة ، فلما أصبح عقال غدا على المهدي متشكرا، فخرج المهدي وفي يده مشط يسرح به لحيته وهو يضحك، فدعا له عقال وقال له: يا أمير المؤمنين مم تضحك? أدام الله سرورك. قال: يا أبا الشيظم، إني اغتسلت آنفا من شيء إذا حركته تحرك، وذكرت قولك الآن لما رآيتك، فضحكت.
يرثي ممدوحا له كان يكثره بره:

صفحة : 2329

أخبرني محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد قال: حدثني أحمد بن القاسم العجلي البرتي قال: حدثني أبو هفان قال: حدثتني رقية بنت حمل عن أبيها قال: كان أبو نخيلة مداحا للجنيد بن عبد الرحمن المري، وكان الجنيد له محبا، يكثر رفده ويقرب مجلسه، ويحسن ، إليه فلما مات الجنيد قال أبو نخيلة يرثيه:
لعمري لئن ركب الجنيد تحمـلـوا إلى الشأم من مر وراحت ركائبـه
لقد غادر الركب الشآمون خلفـهـم فتى غطفانيا يعـلـل جـانـبـه
فتى كان يسرى للعـدو كـأنـمـا سروب القطا في كل يوم كتائبـه
وكان كأن البـدر تـحـت لـوائه إذا راح في جيش وراحت عصائبه تلومه امرأة له على شدة حبه لابنه فيمدحها فتسكت عنه: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدثني أحمد بن القاسم قال: حدثني أبو هفان عن عبد الله بن داود عن علي بن أبي نخيلة ، قال: كان أبي شديد الرقة علي معجبا بي، فكان إذا أكل خصني بأطيب الطعام، وإذا نام أضجعني إلى جنبه، فغاظ ذلك امرأته أم حماد الحنفية، فجعلت تعذله وتؤنبه، وتقول: قد أقمت في منزلك، وعكفت على هذا الصبي، وتركت الطلب لولدك وعيالك. فقال أبي في ذلك:
ولولا شهوتي شفتـي عـلـي ربعت على الصحابة والركاب
ولكن الوسـائل مـن عـلـي خلصن إلى الفؤاد من الحجاب قال، فازدادت غضبا، فقال لها:
وليس كأم حـمـاد خـلـيل إذا ما الأمر جل عن الخطاب
منعمة أرى فتقـر عـينـي وتكفيني خلائقها عـتـابـي فرضيت وأمسكت عنا.
يمدح ببيت على مثال بيت تمناه الممدوح: حدثني عمي قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثني سهل بن زكريا قال: حدثني عبد الله بن أحمد الباهلي قال: قال أبان بن عبد الله النميري يوما لجلسائه -وفيهم أبو نخيلة-: والله لوددت أنه قيل في ما قيل في جرير بن عبد الله:
لولا جرير هلكت بجيله نعم الفتى وبئست القبيله وأنني أثبت على ذلك مالي كله، فقال له أبو نخيلة: هلم الثواب، فقد حضرني من ذلك ما تريد، فأمر له بدراهم، فقال: اسمع يا طالب ما يجزيه:
لولا أبان هلكت نـمـير نعم الفتى وليس فيهم خير يستأذن على أبي جعفر فلا يصل، ويقول في ذلك شعرا: أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: حدثنا سلمة بن خالد المازني عن أبي عبيدة قال: وقف أبو نخيلة على باب أبي جعفر واستأذن، فلم يصل، وجعلت الخراسانية تدخل وتخرج، فتهزأ به، فيرون شيخا أعرابيا جلفا فيبعثون به، فقال له رجل عرفه: كيف أنت أبا نخيلة? فأنشأ يقول:
أصبحت لا يملك بعضي بعضا أشكو العروق الآبضات أبضا
كما تشكي الأرحبي الغرضـا كأنما كان شبابـي قـرضـا فقال له الرجل: وكيف ترى ما أنت فيه في هذه الدولة? فقال:
أكثر خلق الله مـن لا يدرى من أي خلق الله حين يلقى
وحلة تنشـر ثـم تـطـوى وطيلسان يشترى فيغـلـى
لعبد عبد أو لمولى مـولـى يا ويح بيت المال ماذا يلقى يسأل عن ممدوح له فيعدد هباته له: وبهذا الإسناد عن أبي عبيدة أن أبا نخيلة قدم على أبان بن الوليد فامتدحه، فكساه ووهب له جارية جميلة، فخرج يوما من عنده، فلقيه رجل من قومه، فقيل له: كيف وجدت أبان بن الوليد يا أبا نخيلة? فقال:
أكثر واللـه أبـان مـيري ومن أبان الخير كل خيري
ثوب لجلدي وحر لأيري نسخت من كتاب اليوسفي يصاب بتخمة: حدثني خالد بن حميد عن أبي عمرو الشيباني قال: أقحمت السنة أبا نخيلة فأتى القعقاع بن ضرار -وهو يومئذ على شرطة الكوفة- فمدحه، وأنزله القعقاع بن ضرار وابنيه وعبديه وركابهم في دار، وأقام لهم الأنزال، ولركابهم العلوفة.
وكان طباخ القعقاع يجيئهم في كل يوم بأربع قصاع، فيها ألوان مطبوخة من لحوم الغنم، ويأتيهم بتمر وزبد، فقال له يوما القعقاع: كيف منزلك أبا نخيلة? فقال:
ما زال عنا قصعات أربع شهرين دأبا ذود ورجـع
عبداي وابناي وشيخ يرفع كما يقوم الجمل المطبع












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 06-27-2006, 11:57 AM   المشاركة رقم: 45
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


صفحة : 2330

قال: وكان أبو نخيلة يكثر الأكل فأصابته تخمة، فدخل على القعقاع فسأله: كيف أصبحت أبا نخيلة? فقال: أصبحت والله بشما أمرت خبازك فأتاني بهذا الرقاق الذي كأنه الثياب المبلولة، قد غمسه في الشحم غمسا، وأتبعه بزيد ، كرأس النعجة الخرسية ، وتمر كأنه عنز رابضة. إذا أخذت التمرة من موضعها تبعها من الرب كالسلوك الممدودة، فأمنعت في ذلك، وأعجبني حتى بشمت، فهل من أقداح جياد? وبين يدي القعقاع حجام واقف وسفرة موضوعة فيها المواسي، فإذا أتي بشراب النبيذ حلق رؤوسهم ولحاهم. فقال له القعقاع: أتطلب مني النبيذ وأنت ترى ما أصنع بشرابه? عليك بالعسل والماء البارد، فوثب ثم قال:
قد علم المظل والـمـبـيت أني من القعقاع فيما شـيت
إذا أتـت مــائدة أتـــيت ببدع لسـت بـهـا غـذيت
وليت فاستشفعت واستعـديت كأنني كنـت الـذي ولـيت
ولو تمنيت الـذي أعـطـيت ما ازددت شيئا فوق ما لقيت
أيا بن بيت دونـه الـبـيوت أقصر فقد فوق القرى قريت
ما بين شرابي عسل منعـوت ولا فـرات صـرد بـيوت
لكني في الـنـوم قـد أريت رطل نبيذ مخفس سـقـيت
صلبا إذا جـاذبـتـه رويت فغمزه على إسماعيل ابن أخيه، وأومأ إلى إسماعيل، فأخذ بيده ومضى به إلى منزله، فسقاه حتى صلح.
يمدح السفاح ويغضب في مدحه بعض أهل المجلس فيحرض عليه السفاح: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا قعنب بن المحرز وأبو عمرو الباهلي قالا: حدثنا الأصمعي قال: دخل أبو نخيلة على أبي العباس السفاح، وعنده أبو صفوان إسحاب بن مسلم العقيلي، فأنشده قوله:
صادتك يوم الرملتين شعفر وقد يصيد القانص المزعفر
يا صورة حسنها المصـور للريم منها جيدها والمحجر يقول فيها في مدح أبي العباس:
حتى إذا ما الأوصياء عسكروا وقام من تبر النببي الجوهـر
ومن بني العباس نبع أصفـر ينميه فرع طيب وعنـصـر
أقبل بالناس الهوى المستبهـر وصاح في الليل نهار أنـور
أنا الذي لو قيل إني أشـعـر جلي الضباب الرجز المخبر
لما مضت لي أشهر وأشهـر قلت لنفس تزدهى فتصبـر
لا يستخفنك ركـب يصـدر لا منجد يمضي ولا مغـور
وخالفي الأنباء فهي المحشـر أو يسمع الخليفة المطـهـر
مني فإني كل جنح أحـضـر وإن بالأنبار غيثـا يهـمـر
والغيث يرجى والديار تنضر ما كان إلا أن أتاها العسكـر
حتى زهاما مسجد ومنـبـر لم يبق من مروان عين تنظر
لا غائب ولا أناس حـضـر هيهات أودى المنعم المعقـر
وأمست الأنبار دارا تعـمـر وخربت مـن الـشـآم ادور
حمص وباب التبن والموقـر ودمرت بعد امتناع تـدمـر
وواسط لم يبق إلا القـرقـر منها وإلا الدير بان الأخضر )ومنها(
أين أبو الورد وأين الكوثر أبو الورد بن هذيل بن زفر، وكوثر بن الأسود صاحب شرطة مروان .

وأين مروان وأين الأشقر وأين فل لم يفت محـير
وأين عاديكم المجمـهـر وعامر وعامر وأعصر? -قال: يعني عامر بن صعصعة، وعامر بن ربيعة، وأعصر باهلة وغنى- قال: فغضب إسحاق بن مسلم، وقال: هؤلاء كلهم في حر أمك أبا نخيلة، فأنكر الخليفة عليه ذلك، فقال: إني والله يا أمير المؤمنين قد سمعت منه فيكم شرا من هذا في مجالس بني مروان. وما له عهد، وما هو بوفي ولا كريم. فبان ذلك في وجه أبي العباس، وقال له قولا ضعيفا: إن التوبة تغسل الحوبة، والحسنات يذهبن السيئات، وهذا شاعر بني هاشم. وقام فدخل، وانصرف الناس، ولم يعط أبا نخيلة شيئا.
يدعو في رجز له إلى تولية المهدي العهد فيجيزه المنصور: وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار الثقفي حدثنا علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال: حدثني أبي عن عبد الله بن أبي سليم مولى عبد الله بن الحارث قال:

صفحة : 2331

بينا أنا أسير مع أبي الفضل يعني -سليمان بن عبد الله- وحدي بين الحيرة والكوفة - وهو يريد المنصور، وقد هم بتولية المهدي العهد وخلع عيسى بن موسى، وهو يروض ذلك- إذا هو يأبى نخيلة الشاعر، ومعه ابنان له وعبد، وهم يحملون متاعه. فقال له: يا أبا نخيلة، ما هذا الذي أرى? قال: كنت نازلا على القعقاع بن معبد أحد ولد معبد زرارة، فقلت شعرا فيما عزم عليه أمير المؤمنين من تولية المهدي العهد ونزع عيسى بن موسى، فسألني التحول عنه، لئلا يناله مكروه من عيسى إذ كان صنيعته، فقال سليمان: يا عبد الله، اذهب بأب نخيلة فأنزله منزلا وأحسن نزله وبره ، ففعلت. ودخل سليمان إلى المنصور فأخبره الخبر، فلما كان يوم البيعة جاء بأبي نخيلة فأدخله على المنصور، فقام فأنشد الشعر على رؤوس الناس، وهي قصيدته التي يقول فيها:
بل يا أمين الواحد الـمـوحـد إن الذي ولاك رب المسجـد
ليس ولي عهدنـا بـالأسـعـد عيسى فزحلفها إلى محـمـد
من عند عيسى معهدا عن معهد حتى تـؤدى مـن يد إلـى يد قال: فأعطاه المنصور عشرة آلاف درهم، قال: وبايع لمحمد بالعهد، فانصرف عيسى بن موسى إلى منزله، قال: فحدثني داود بن عيسى بن موسى قال: جمعنا أبي فقال: يا بني، قد رأيتم ما جرى، فأيما أحب إليكم: أن يقال لكم: ابني المخلوع، أو يقال لكم: يا بني المفقود? فقلنا: لا، بل يا بني المخلوع. فقال: وفقتم بني. وأول هذه الأرجوزة التي هذه الأبيات منها:
لم ينسني يا بـنة آل مـعـبـد ذكراك تكرار الليالي الـعـود
ولا ذوات العصـب الـمـورد ولو طلبـن الـود بـالـتـودد
ورحن في الدر وفي الزبرجـد هيهات منهن وإن لم تعـهـدي
نجدية ذات مـعـان مـنـجـد كأن رياها بعـيد الـمـرقـد
ريا الخزامى في ثرى جعد ندى كيف التصابي فعل من لم يهتد
وقد علتـنـي درة بـادي بـدي ورثية تنهض فـي تـشـددي
بعد انتهاضي في الشباب الأملد يقول فيها:
إلى أمير المؤمنين فاعـمـد إلى الذي يندى ولا يندى ندي
سيري إلى بحر البحار المزبد إلى الذي إن نفدت لم ينفـد
أو ثمدت أشراعها لم يثمـد ويقول في ذكر البيعة لمحمد بعد الأبيات التي مضت في صدر الخبر:
فقد رضينا بالغـلام الأمـرد وقد فرغنا غير أن لم نشهـد
وغير أن العـقـد لـم يؤكـد فلو سمعنا قولك امدد امـدد
كانت لنا كزعقة الورد الصدى فناد للبيعة جمعا نـحـشـد
في يومنا الحاضر هذا أو غد واصنع كما شـئت ورد يردد
ورده مـنـك رداء يرتــد فهو رداء الساق المـقـلـد
وكان يروي أنهـا كـأن قـد عادت ولو قد نقلت لم تـردد
أقول في كرى أحاديث الغـد لله دري من أخ ومـنـشـد
لو نلت حظ الحبشي الأسود -يعني أبا دلامة.
خبر آخر من أرجوزة العهد للمهدي: فأخبرني عبد الله بن محمد الرازي قال: حدثنا أحمد بن الحارث قال: حدثنا المدائني -أن أبا نخيلة أظهر هذه القصيدة التي رواها الخدم والخاصة، وتناشدها العامة، فبلغت المنصور فدعا به، وعيسى بن منصور عنده جالس عن يمينه، فأنشده إياها، وأنصت له حتى سمعها إلى آخرها. قال: أبو نخيلة: فجعلت أرى فيه السرور، ثم قال لعيسى بن موسى: ولئن كان هذا عن رأيك لقد سررت عمك ، وبلغت من مرضاته أقصى ما يبلغه الولد البار السار. فقال عيسى: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. قال: أبو نخيلة: فلما خرجت لحقني عقال لن شبة فقال: أما أنت فقد سررت أمير المؤمنين، ولئن تم الأمر فلعمري لتصبين خيرا، ولئن لم يتم فابتغ نفقا في الأرض، أو سلما في السماء. فقلت له:
علقت معالقها وصر الجندب خبر ثالث عن هذه الأرجوزة: قال المدائني: وحدثني بعض موالي المنصور قال: لما أراد المنصور أن يعقد للمهدي أحب أن تقول الشعراء في ذلك، فحدثني عبد الجبار بن عبيد الله الحماني قال:

صفحة : 2332

حدثني أبو نخيلة قال: قدمت على أبي جعفر، فأقمت ببابه شهرا لا أصل إليه، فقال لي عبد الله بن الربيع الحارثي: يا أبا نخيلة، إن أمير المؤمنين يريد أن يقدم المهدي بين يدي عيسى بن موسى، فلو قلت شيئا على ما يريد، فقلت:
ماذا على شحط النوى عنـاكـا أم ما مرى دمعك من ذكراكا?
وقد تبكيت فمـا أبـكـاكـا وذكر أرجوزة طويلة يقول فيها:
خلـيفة الـلـه وأنـا ذاكـا أسند إلى محمد عـصـاكـا
فأحفظ الناس لهـا أدنـاكـا وابنك ما استكفيته كفـاكـا
وكلنا مـنـتـظـر لـذاكـا لو قلت هاتوا قلت هاك هاكا المنصور يحذره عيسى بن موسى وعيسى يوكل به من يقتله: قال: فأنشدته إياها، فوصلني بألفي درهم، وقال لي: احذر عيسى بن موسى، فإني أخافه عليك أن يغتالك. قال المدائني: وخلع أبو جعفر عيسى بن موسى، فبعث عيسى في طلب أبي نخيلة، فهرب منه، وخرج يريد خراسان، فبلغ عيسى خبره، فجرد خلفه مولى له يقال له: قطري، معه عدة من مواليه، وقال له: نفسك نفسك أن يفوتك أبو نخيلة، فخرج في طلبه مغذا للسير، فلحقه في طريقه إلى خراسان، فقتله وسلخ وجهه.
ونسخت من كتاب القاسم بن يوسف عن خالد بن حمل أن علي بن أبي نخيلة حدثه أن المنصور أمر أبا نخيلة أن يهرب إلى خراسان، فأخذه قطري وكتفه فأضجعه، فلما وضع السكين على أوداجه قال: إيه يا بن اللخناء، ألست القائل:
علقت معالقها وصر الجندب الآن صر جندبك. فقال: لعن الله ذاك جندبا، ما كان أشأم ذكره ثم ذبحه، قطري، وسلخ وجهه، وألقى جسمه إلى النسور، وأقسم لا يريم مكانه حتى تمزق السباع والطيور لحمه، فأقام حتى لم يبق منه إلا عظامه، ثم انصرف.
أبو الأبرش يشمت به لمهاجات كانت بينهما: أخبرنا جعفر بن قدامة قال: حدثنا أبو حاتم السجستاني قال: حدثني الأصمعي عن سعيد بن سلم عن أبيه قال: قلت لأبي الأبرش: مات أبو نخيلة، قال: حتف أنفه? قلت: لا، بل اغتيل فقتل. فقال: الحمد لله الذي قطع قلبه، وقبض روحه، وسفك دمه، وأراخى منه، وأحياني بعده.
وكان أبو نخيلة يهاجي الأبرش، فغلبه أبو نخيلة.

صوت

ولقد دخلت على الفـتـا ة الخدر في اليوم المطير
فدفعنهـا فـتـدافـعـت مشي القطاة على الغدير
فلثمتها فـتـنـفـسـت كتنفس الظبي البـهـير الشعر للمنخل اليشكري، والغناء لإبراهيم، ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو وأحمد المكي.

الجزء الحادي والعشرون

بسم الله الرحمن الرحيم

أخبار المنخل ونسبه
هو المنخل بن عمرو - ويقال: المنخل بن مسعود - بن أفلت بن عمرو بن كعب بن سواءة بن غنم بن حبيب بن يشكر بن بكر بن وائل. وذكر أبو محلم النسابة: أنه المدخل بن مسعود بن أفلت بن قط بن سوءة بن مالك بن ثعلبة بن حبيب بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر. وقال ابن الأعرابي: هو المنخل بن الحارث بن قيس بن عمرو بن ثعلبة بن عدي بن جشم بن حبيب بن كعب بن يشكر.
يتهمه النعمان بالمتجردة فيقتله: شاعر مقل من شعراء الجاهلية، وكان النعمان بن المنذر قد اتهمه بامرأته المتجردة ت وقيل: بل وجده معها، وقيل: بل سعي به إليه في أمرها فقتله، وقيل: بل حبسه، ثم غمض خبره، فلم تعلم له حقيقة إلى اليوم. فيقال: إنه دفنه حيا، ويقال: إنه غرقه. والعرب تضرب به المثل كما تضربه بالقارظ العنزي وأشباهه ممن هلك ولم يعلم له خبر. وقال ذو الرمة:
تقارب حتى تطمع التابع الصبا وليست بأدنى من إياب المنخل وقال النمر بن تولب:
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم تلاقونه حتى يئوب المنـخـل تفضيل سبب قتله: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال أخبرني أحمد بن زهير قال: أخبرني عبد الله بن كريم قال: أخبرني أبو عمرو الشيباني قال:

صفحة : 2333

كان سبب قتل المنخل أن المتجردة - واسمها ماوية وقيل: هند بنت المنذر بن الأسود الكلبية - كانت عند ابن عم لها يقال له: حلم، وهو الأسود ب المنذر بن حارثة الكلبي، وكانت أجمل أهل زمانها، فرآها المنذر بن المنذر الملك اللخمي فعشقها، فجلس ذات يوم على شرابه ومعه حلم وامرأته المتجردة، فقال المنذر لحلم: إنه لقبيح بالرجل أن يقيم على المرأة زمانا طويلا حتى لا يبقى في رأسه ولا لحيته شعرة بيضاء إلا عرفتها، فهل لك أن تطلق امرأتك المتجردة وأطلق امرأتي سلمى? قال: نعم، فأخذ كل واحد منهما على صاحبه عهدا. قال: فطلق المنذر امرأته سلمى، وطلق حلم امرأته المتجردة، فتزوجها المنذر ولم يطلق لسلمى أن تتزوج حلما، وحجبها - وهي أم ابنه النعمان بن المنذر - فقال النابغة الذيباني يذكر ذلك:
قد خادعوا حلما عن حرة خرد حتى تبطنها الخداع ذو الحلم قال: ثم مات المنذر بن المنذر، فتزوجها بعده النعمان بن المنذر ابه، وكان قصيرا دميما أبرش، وكان ممن يجالسه ويشرب معه النابغة الذبياني - وكان جميلا عفيفا - والمنخل اليشكري - وكان جميلا - وكان يتهم بالمتجردة. فأما النابغة فإن النعمان أمره بوصفها فقال قصيدته التي أولها:
من آل مية رائح أو مغتدي عجلان ذا زاد وغير مزود ووصفها فأفحش فقال:
وإذا طعنت طعنت في مشتهـدف رابي المجسة بالعبير مـقـرمـد
وإذا نزعت نزعت معن مستحصف نزع الحزور بالرشاء المحـصـد فغار المنخل من ذلك، وقال: هذه صفة معاين، فهم النعمان بقتل النابغة حتى هرب منه، وخلا المنخل بمجالسته، وكان يهوي المتجردة وتهواه، وقد ولدت للنعمان غلامين جميلين يشبهان المنخل، وكانت العرب تقول: إنهما منه. فخرج النعمان لبعض غزواته - قال ابن الأعرابي: بل خرج متصيدا - فبعثت المتجردة إلى المنخل فأدخلته قبتها، وجعلا يشربان، فأخذت خلخالها وجعلته في رجله، وأسدلت شعرها فشدت خلخالها إلى خلخاله الذي في رجله من شدة إعجابها به. ودخل النعمان بعقب ذلك فرآها على تلك الحال، فأخذه فدفعه إلى رجل من حرسه من تغلب يقال له: عكب، وأمره بقتله، فعذبه حتى قتله.
يحرض على عكب قاتله: فقال المنخل يحرض قومه عليه:
ألا من مبلغ الحيين عنـي بأن القوم قد قتلـوا أبـيا
فإن لم تأروا لي من عكب فلا رويتم أبـدا صـديا وقال أيضا:
ظل وشط الندي قتلى بلا جر م وقومي ينتجون السخـالا من شعره في المتجردة: وقال في المتجردة:
ديار للتي قتلتك غصـبـا بلا سيف يعد ولا نبـال
بطرف ميت في عين حي له خبل يزيد على الخبال وقال أيضا:
ولـقـد دخـلـت عـلـى الـفـتـا ة الخـدر فـي الـيوم الـمـطـير
الـكـاعـب الـخـنـسـاء تـــر فل في الدمـقـس وفـي الـحـرير
دافـعـتـهـا فـتـدافـــعـــت مشـى الـقـطـاة إلـى الـغـدير
ولـثـمـتـهـا فـتـنـفـســـت كتـنـفـس الـظـبـي الـبـهـير
ورنـت وقـالــت يامـــنـــخ ل هل بجـسـمـك مـن فـتـور?
ما مـس جـسـمـي غـير حــب ك فـاهـدئي عـنـي وســـيري
يا هـنـد هــل مـــن نـــائل يا هـنـد لـلـعـانـي الأســير?
وأحـبـهـا وتـحــبـــنـــي ويحـب نـاقـتـهـا بـعـــيري
ولـقـد شـربـت مـن الـمـــدا مة بـالـكـبـير وبـالـصـغــير
فإذا سـكـرت فـــإنـــنـــي رب الـخـورنـق والـســـرير
وإذا صـحـوت فــإنـــنـــي رب الـشـويهة والـبـــعـــير
يا رب يوم للمنخل قد لها فيه قصير رواية أخرى لخبر المنخل مع المتجردة: وأخبرني بخبر المنخل مع المتجردة أيضا علي بن سليمان الأخفش قال: أخبرني أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال:

صفحة : 2334

كانت المتجردة امرأة النعمان فاجرة، وكانت تتهم بالمنخل، وقد ولدت للنعمان غلامين جميلين يشبهان المنخل، فكان يقال: إنهما منه، وكان جميلا وسيما، وكان النعمان أحمر أبرش قصيرا دميما. وكان للنعمان يوم يركب فيه يطليل المكث، وكان المنخل من ندمائه لا يفارقه، وكان يأتي المتجردة في ذلك اليوم الذي يركب فيه النعمان فيطيل عندها، حتى إذا جاء النعمان آذنتها بمجيئه وليدة لها موكلة بذلك فتخرجه.
فركب النعمان ذات يوم وأتاها المنخل كما كان يأتيها فلاعبته، وأخذت قيدا، فجعلت إحدى حلقتيه في رجله والأخرى في رجلها، وغفلت الوليدة عن ترقب النعمان؛ لأن القوت الذي يجيء فيه لم يكن قرب بعد، وأقبل النعمان حينئذ ولم يطل في مكثه كما كان يفعل، فدخل إلى المتجردة، فوجدها مع المنخل قد قيدت رجلها، ورجله بالقيد، فأخذه النعمان فدفعه إلى عكب صاحب سجنه ليعذبه - وعكب رجل من لخم - فعذبه حتى قتله. وقال المنخل قبل أن يموت هذه الأبيات، وبعث بها إلى ابنيه:
ألا من مبلغ الحرين عنـي بأن القوم قد قتلـوا أبـيا
وإن لم تثأروا لي من عكب فلا أرويتما أبـدا صـديا
يطوف بي عكب في معد ويطعن بالملة في قـفـيا الأصح أن قاتله هو النعمان لا عمرو بن هند: قال ابن حبيب: وزعم ابن الجصاص أن عمرو بن هند هو قاتل المنخل، والقول الأول أصح.
قصيدته في المتجردة: وهذه القصيدة التي منها الغناء يقولها في المتجردة، وأولها قوله:
إن كنت عاذلتي فـسـيري نحو العراق ولا تحـوري
لا تسألـي عـن جـل مـا لي واذكري كرمي وخيري
وإذا الـرياح تـنـاوحـت بجوانب البيت الـكـسـير
ألفيتـنـي هـش الـنـدي بمر قدحي أو شـجـيري الشجير: القدح الذي لم يصلح حسنا، ويقال: بل هو القدح العارية - .

ونـهـى أبـو أفـعـى فـــقـــل دنـي أبـو أفـعـــى جـــريري
وجـــلالة خـــطـــــــارة هوجـاء جـائلة الـضـــفـــور
تعـدو بـأشـعـث قـــد وهـــى سربـالـه بـاقـي الـمــســـير
فضـلا عـلـى ظـهـر الـطــري ق إلـيك عـلـقـمة بــن صـــير
الـواهـب الـكـوم الـصـــفـــا يا والأوانـس فــي الـــخـــدور
يصـفــيك حـــين تـــجـــيئه بالـعـصـب والـحـلـي الـكـثـير
وفـــوارس كـــأوار حـــــر الـنـار أحــلاس الـــذكـــور
شدوا دوابـــر بـــيضـــهـــم في كـل مـحـكـمة الـقــتـــير
فاسـتـلأمـوا وتـلـــبـــبـــوا إن الـتـلـبـب لـلـمـــغـــير
وعـلـى الـجـياد الـمـضـمـــرا ت فـوارس مـثـل الـصـقـــور
يخـرجـن مـن خـلـل الـغـبـــا ر يجـفـن بـالـنـعـم الـكـثــير
فشـفـيت نـفـســـي مـــن أول ئك والـفـوائح بـالــعـــبـــير
يرفـلـن فـي الـمـسـك الـذكــي وصـائك كـدم الـــنـــحـــير
يعـكـفـن مـثـل أســاود الـــت نوم لـم تـعـــكـــف لـــزور
ولـقـد دخـلـت عـلـى الـفـتــا ة الـخـدر فـي الـيوم الـمـطــير
الـكـاعـب الـخـنـســاء تـــر فل في الـدمـقـس وفـي الـحـرير
فدفـعـتـهـا فـتــدافـــعـــت مشـي الـقـطـاة إلـى الـغـــدير
ولـثـمـتـهـا فـتـنـفــســـت كتـنـفـس الـظـبـي الـبـهــير
فدنـت وقـالـــت يا مـــنـــخ ل مـا بـجـسـمـك مـن حـرور?
ما شـف جـسـمـي غـير حـــب ك فـاهـدئي عـنــي وســـيري
ولـقـد شـربـت مـن الــمـــدا مة بـالـصـغـير وبـالـكـبـــير
ولـقـد شـربـت الـخـمـر بـــال عبـد الـصـحـيح وبــالأســـير
فإذا سـكــرت فـــإنـــنـــي رب الـخـورنـق والـــســـدير
وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير
يا رب يوم للمنخ ل قـد لـهـا فــيه قـــصـــير
يا هـنـد هـــل مـــن نـــائل يا هـنـد لـلـعـانــي الأســـير ومن الناس من يزيد في هذه القصيدة:
وأحبها وتحـبـنـي ويحب ناقتها بعيري ولم أجده في رواية صحيحة.

صوت

لمن شيخان قد نشدا كلابا كتاب الله لو قبل الكتابـا
أناشده فعرض في إبـاء فلا وأبي كلاب ما أصابا

صفحة : 2335

الشعر لأمية بن الأسكر الليثي، والغناء لعبد الله بن طاهر، رمل بالوسطى. صنعه ونسبه إلى لميس جاريته، وذكر الهشامي أن اللحن لها، وذكره عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في جامع أغانيهم ووقع إلي، فقال: الغناء فيه للدار الكبيرة، وكذلك كان يكنى عن أبيه، وعن إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وجواريهم، ويكنى عن نفسه وجاريته شاجي وما يصنع في دور إخوته بالدار الصغيرة.

أخبار أمية بن الأسكر ونسبه
نسبه
هو أمية بن حرثان بن الأسكر بن عبد الله بن سرابيل الموت بن زهرة بن زبينة بن جندع بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار.
شاعر فارس مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وكان من سادات قومه وفرسانهم، وله أيام مأثورة مذكورة.
عمر يستعمل ابنه كلابا على الأبلة: وكان له أخ يقال له: أبو لاعق الدم، وكان من فرسان قومه وشعرائهم، وابنه كلاب بن أمية أيضا أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم مع أبيه، ثم هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبوه فيه شعرا، ذكر أبو عمرو الشيباني أنه هذا الشعر، وهو خطأ، إنما خاطبه بهذا الشعر لما غزا مع أهل العراق لقتال الفرس، وخبره في ذلك يذكر بعد هذا.
قال أبو عمرو في خبره: فأمره صلى الله عليه وسلم بصلة أبيه وملازمته طاعته.
وكان عمر بن الخطاب استعمل كلابا على الأبلة، فكان أبواه ينتابانه، يأتيه أحدهما في كل سنة، ثم أبطأ عليه وكبرا فضعفا عن لقائه، فقال أبياتا وأنشدها عمر، فرق له ورده إليهما، فلم يلبث معهما إلا مدة حتى نهشته أفعى؛ فمات وهذا أيضا وهم من أبي عمرو، وقد عاش كلاب حتى ولي لزياد الأبلة، ثم استعفى، أعفاه. وسأذكر خبره في ذلك وغيره ها هنا إن شاء الله تعالى: شعره لابنه كلاب لما أغزاه عمر وطالت غيبته عنه: فأما خبره مع عمر فإن الحسن بن علي أخبرني به، قال: حدثني اعلحارث بن محمد قال: حدثني المدائني عن أبي بكر الهذلي عن الزبيري عن عروة بن الزبير قال: هاجر كلاب بن أمية بن الأسكر إلى المدينة في خلافة عمر بن الخطاب، فأقام بها مدة، ثم لقي ذات يوم طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، فسألهما: أي الأعمال أفضل في الإسلام? فقالا: الجهاد، فسأل عمر فأغزاه في جيش، وكان أبوه قد كبر وضعف، فلما طالت غيبة كلاب عنه قال:
لمن شيخان قد نشدا كلابـا كتاب الله إن قبل الكتابـا
أناديه فيعرض فـي إبـاء فلا وأبي كلاب ما أصابا
إذا شجعت حمامة بطن واد إلى بيضاتها دعرا كلابـا
أتاه مهاجران تكـنـفـاه ففارق شيخه خطئا وخابا
تركت أباك مرعـشة يداه وأمك ما تسيغ لها شرابـا
تمسح مهره شفقا عـلـيه وتجنبه أباعرها الصعابـا قال: تجنبه وتجنبه واحد، من قول الله عز وجل: )واجنبني وبني أن نعبد الأصنام(. قال:
فإنك قد تركت أباك شيخا يطارق أينقا شزبا طرابا
فإنك والتماس الأجر بعدي كباغي الماء يتبع السرابا ينشد عمر شعرا ليرد له كلابا فيبكي عمر رحمة له ويرده عليه: فبلغت أبياته عمر، فلم يردد كلابا وطال مقامه فأهتر أمية وخلط جزعا عليه، ثم أتاه يوما وهو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله المهاجرون والأنصار، فوقف عليه ثم أنشأ يقول:
أعاذل قد عذلت بغير قـدر ولا تدرين عاذل ما ألاقـي
فإما كنت عاذلتـي فـردي كلابا إذ توجه لـلـعـراق
ولم أقض اللبانة من كـلاب غداة غدوأذن بـالـفـراق
فتى الفتيان في عسر ويسـر شديد الركن في يوم التلاقي
فلا وا ما بـالـيت وجـدي ولا شفقي عليك ولا اشتياقي
وإبقائي عليك إذا شـتـونـا وضمك تحت نحر واعتناقي
فلو فلق الفؤاد شـديد وجـد لهم سواد قلبي بـانـفـلاق
سأستعدي على الفاروق ربا له دفع الحجيج إلى بسـاق
وأدعو الله مجتهـدا عـلـيه ببطن الأخشبين إلى دفـاق
إن الفاروق لم يردد كـلابـا إلى شيخين هامهمـا زواق عمر يسأل كلابا عن مبلغ بره بأبيه فيصفه له:

صفحة : 2336

قال: فبكى عمر بكاء شديدا، وكتب برد كلاب إلى المدينة، فلما قدم دخل إليه، فقال: ما بلغ من برك بأبيك? قال: كنت أوثره وأكفيه أمره، وكنت أعتمد إذا أردت أن أحلب له لبنا أغزر ناقة في إبله وأسمنها فأريحها وأتركها حتى تستقر، ثم أغسل أخلافها حتى تبرد ثم أحتلب له فأسقيه.
عمر يرد كلابا عليه ويأمره أن يلزم أبويه: فبعث عمر إلى أمية من جاء به إليه، فأدخله يتهادى وقد ضعف بصره وانحنى. فقال له: كيف أنت يا أبا كلاب? قال: كما تراني يا أمير المؤمنين. قال: فهل لك من حاجة? قال: نعم، أشتهي أن أرى كلابا فأشمه شمة، وأضمه ضمة قبل أن أموت. فبكى عمر، ثم قال: ستبلغ من هذا ما تحب إن شاء الله تعالى. ثم أمر كلابا أن يحتلب لأبيه ناقة كما كان يفعل، ويبعث إليه، بلبنها، ففعل فناوله عمر الإناء، وقال: دونك هذا يا أبا كلاب.
فلما أخذه وأدناه إلى فمه قال: لعمر: والله يا أمير المؤمنين، إني لأشم رائحة يدي كلاب من هذا الإناء، فبكى عمر، وقال: هذا كلاب عندك حاضرا قد جئناك به، فوثب إلى ابنه وضمه إليه وقبله، وجعل عمر يبكي ومن حضره، وقال لكلاب: الزم أبويك فجاهد فيهما ما بقيا، ثم شأنك بنفسك بعدهما، وأمر له بعطائه، وصرفه مع أبيه، فلم يزل معه مقيما حتى مات أبوه.
يخرجه قومه لأن إبله أصيبت بالهيام: ونسخت من كتاب أبي سعيد السكري أن أمية كانت له إبل هائمة - أي أصابها الهيام وهو داء يصيب الإبل من العطش - فأخرجته بنو بكر مخافة أن يصيب إبلهم، فقال لهم: يا بن بكر، إنما هي ثلاث ليال: ليلة بالبقعاء وليلة بالفرع، وليلة بلقف في سامر من بكر، فلم ينفعه ذلك وأخرجوه، فأتى مزينة فأجاروه، وأقام عندهم إلى أن صحت إبله، وسكنت، فقال يمدح مزينة:
تكنفها الهيام وأخرجـوهـا فما تأوي إلى إبل صحـاح
فكان إلى مزينة منتهـاهـا على ما كان فيها من جناح
وما يكن الجناح فإن فـيهـا خلائق ينتمين إلى صـلاح
ويوما في بني ليث بن بكـر تراعى تحت قعقعة الرماح
فإما أصبحن شيخا كـبـيرا وراء الدار يثقلني سلاحي
فقد آتي الصريخ إذا دعاني على ذي منعة عتد وقـاح
وشر أخي مؤامرة خـذول على ما كان مؤتكـل ولاح شعره حين ضحك راع منه وقد عمر حتى خرف: أخبرني عمي قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو والشيباني عن أبيه، وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثنا أبو توبة عن أبي عمرو قال: عمر أمية بن الأسكر عمرا طويلا حتى خرف، فكان ذات يوم جالسا في نادي قومه وهو يحدث نفسه، إذ نظر إلى راعي شأن لبعض قومه يتعجب منه، فقام لينهض فسقط على وجهه، فضحك الراعي منه، وأقبل ابناه إليه، فلما رآهما أنشأ يقول:
يا بني أمية إني عنكـمـا غـان وما الغنى غير أني مرعش فان
يا بني أمية إلا تحفظا كـبـري فإنما أنتما والـثـكـل سـيان
هل لكما في تراث تذهبان بـه إن التراث لهـيان بـن بـيان يقال: هيان بن بيان، وهي ترى للقريب والبعيد .

أصبحت هزءا لراعي الضأن يسخر بي ماذا يريبك منـي راعـي الـضـأن
أعجب لغيري إني تـابـع سـلـفـي أعمام مجـد وأجـدادي وإخـوانـي
وانعق بضأنك في أرض تطيف بـهـا بين الأساف وأنتـجـهـا بـجـلـذان جلذان: موضع بالطائف
ببلدة لا ينام الكالئان بـهـا ولا يقر بها أصحاب ألوان الإمام علي يتمثل بشعر له: وهذه الأبيات تمثل بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في خطبة له على المنبر بالكوفة.
حدثنا بها أحمد بن عبيد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري، قالا: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا محمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: قال عبد الله بن عدي بن الخيار:












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 06-27-2006, 11:59 AM   المشاركة رقم: 46
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


صفحة : 2337

شهدت الحكمين، ثم أتيت الكوفة وكانت لي إلى علي رضي الله عنه حاجة، فدخلت عليه، فلما رآني قال: مرحبا بك يا بن أم قتال، أزائرا جئتنا أم لحاجة? فقلت: كل جاء بي، جئت لحاجة، وأحببت أن أجدد بك عهدا، وسألته عن حديث فحدثني على ألا أحدث به واحدا، فبينا أنا يوما بالمسجد في الكوفة إذا علي صلوات الله عليه متنكب قرنا له. فجعل يقول: الصلاة جامعة. وجلس على المنبر، فاجتمع الناس، وجاء الأشعث بن قيس فجللس إلى جانب المنبر. فلما اجتمع الناس، ورضي منهم قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنكم تزعمون أن عندي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عند الناس، ألا وإنه ليس عندي إلا ما في قرني هذا، ثم نكت كنانته، فأخرج منها صحيفة فيها: المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم. من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . فقال له الأشعث بن قيس: هذه والله عليك لا لك، دعها تترحل، فخفض علي - صلوات الله عليه - إليه بصره، وقال: ما يدريك ما علي مما لي عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين، حائك ابن حائك، منافق ابن منافق، كافر ابن كافر. والله لقد أسرك الإسلام مرة والكفر مرة، فما فداك من واحد منهما حسبك ولا مالك، ثم رفع إلي بصره فقال: يا عبيد الله:
أصبحت قنا لراعي الضأن يلعب بي ماذا يريبك مني راعي الـضـان فقلت: بأبي أنت وأمي، قد كنت والله أحب أن أسمع هذا منك. قال: هو والله ذلك، قال:
فما قيل من بعدها من مـقـالة ولا علقت مني جديدا ولا درسا يعود كلاب إلى البصرة بعد موت أبيه ويولي الأبلة ثم يستعفي منها: أخبرني الحسن بن علي قال: ححدثنا الحارث، عن المدائني قال: لما مات أمية بن الأسكر عاد ابنه كلاب إلى البصرة، فكان يغزو مع المسلمين، منها مغازيهم، وشهد فتوحات كثيرة، وبقي إلى أيام زياد، فولاه الأبلة، فسمع كلاب يوما عثمان بن أبي العاص يحدث أن داود نبي الله - عليه السلام - كان يجمع أهله في السحر فيقول: ادعوا ربكم فإن في السحر ساعة لا يدعو فيها عبد مؤمن إلا غفر له، إلا أن يكون عشارا أو عريفا.
فلما سمع ذلك كلاب كتب إلى زياد، فاستعفاه من عمله فأعفاه.
قال المدائني: ولم يزل كلاب بالبصرة حتى مات، والمربعة المعروفة بمربعة كلاب بالبصرة منسوبة إليه.
شعر أمية وقد ظفر بنو ليث بقومه: وقال أبو عمرو الشيباني: كان بين بني غفار قومه و بني ليث حرب، فظفرت بنو ليث بغفار، فحالف رحضة بن خزيمة بن خلاف بن حارثة بن غفار وقومه جميعا بني أسلم بن أفصى بن خزاعة، فقال أمية بن الأسكر في ذلك، وكان سيد بني جندع بن ليث وفارسهم:
لقد طبت نفسا عن مواليك يا رحضا آثرت أذناب الشوائل والحمـضـا
تعللنا بالنصر فـي كـل شـتـوة وكل ربيع أنت رافضنا رفـضـا
فلولا تأسـينـا وحـد رمـاحـنـا لقد جر قوم لحمنا تربـا قـضـا القض والقضيض: الحصا الصغار عبد الله بن الزبير يتمثل بشعره: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني أحمد بن زهير قال: حدثنا مصعب بن عبد الله عن أبيه قال: افتعل عمرو بن الزبير كتابا عن معاوية إلى مروان بن الحكم بأن يدفع إليه مالا، فدفعه إليه، فلما عرف معاوية خبره كتب إلى مروان بأن يحبس عمرا حتى يؤدي المال، فحبسه مروان، وبلغ الخبر عبد الله بن الزبير، فجاء إلى مروان وسأله عن الخبر، فحدثه به، فقال: ما لكم في ذمتي، فأطلق عمرا، وأدى عبد الله المال عنه، وقال: والله إني لأؤديه عنه وإني لأعلم أنه غير شاكر، ثم تمثل قول أمية بن الأسكر الليثي:
فلولا تأسينا وحد رماحـنـا لقد جر قوم لحمنا تربا قضا سيدان يخطبان بنتا له ويتفاخران في الظفر بها: وقال ابن الكلبي: حدثنا بعض بني الحارث بن كعب قال: اجتمع يزيد بن عبد المدان وعامر بن الطفيل بموسم عكاظ، فقدم أمية بن الأسكر، ومعه بنت له من أجمل أهل زمانها، فخطبها يزيد وعامر، فقالت أم كلاب امرأة أمية: من هذان الرجلان? قال: هذا ابن الديان، وهذا عامر بن الطفيل. قالت: أعرف ابن الديان، ولا أعررف عامرا. قال: هل سمعت بملاعب الأسنة? قالت: نعم والله. قال: فهذا ابن أخيه.


صفحة : 2338

وأقبل يزيد فقال: يا أمية أنا ابن الديان، صاحب الكثيب، ورئيس مذحج، ومكلم العقاب، ومن كان يصوب أصابعه فتنطف دما، ويدلك راحتيه فتخرجان ذهبا. قال أمية: بخ بخ.
فقال عامر: جدي الأحزم، وعمي أبو الأصبع، وعمي ملاعب الأسنة، وجدي الرحال، وأبي فارس قرزل. قال أمية: بخ بخ، مرعى ولا كالسعدان، فأرسلها. مثلا.
فقال يزيد: يا عامر، هل تعلم شاعرا من قومي رحل بمدحه إلى رجل من قومك? قال: لا، قال: فهل تعلم أن شعراء قومك يرحلون بمدحهم إلى قومي? قال: نعم. قال: فهل لك نجم يمان أو برد يمان أو سيف يمان أو ركن يمان? فقال: لا، قال: فهل ملكناكم ولم تلمكونا? قال: نعم، فنهض يزيد قوقام، ثم قال:
أمي يا بن الأسكر بـن مـدلـج لا تجعلن هوازنا كـمـذحـج
إنك إن تلهج بـأمـر تـلـجـج ما النبع في مغرسه كالعوسـج
ولا الصريح المحض كالممزج وقال مرة بن دودان العقيلي، وكان عدوا لعامر بن الطفيل:
يا ليت شعري عنك يا يزيد ماذا الذي من عامر تريد?
لكل قوم فخرهـم عـتـيد أمطلقون نحن أم عبـيد?
لا بل عبيد زادنا الهبـيد فزوج أمية يزيد فقال يزيد في ذلك:
يا للرجال لطـارق الأحـزان ولعامر بن طفيل الوسـنـان
كانت إتاوة قومه لـمـحـرق زمنا وصارت بعد للنعـمـان
عد الفوارس من هوازن كلهـا كثفا علي وجـئت بـالـديان
فإذا لي الفضل المبين بـوالـد ضم الدسيعة أزأنـي ويمـان
يا عام إنك فارس مـتـهـور غض الشباب أخو ندي وقـيان
واعلم بأنك يا بن فارس قرزل دون الذي تسمو له وتـدانـي
ليست فوارس عامر بمـقـرة لك بالفضيلة في بني عـيلان
فإذا لقيت بني الخميس ومالكـا وبني الضباب وحي آل قنـان
فاسأل من المرء المنوه باسمـه والدافع الأعدجاء عن نجران?
يعطى المقادة في فوارس قومه كرما لعمرك والكـريم يمـان فقال عامر بن الطفيل مجيبا له:
يا للرجـال لـطـارق الأحـزان ولما يجـيء بـه بـنـو الـديان
فخروا علي بحبـوة لـمـحـرق وإتاوة سلفت من الـنـعـمـان
ما أنت وابن محـرق وقـبـيلـه وإتاوة اللخمـي فـي عـيلان?
فاقصد بذررعك قصد أمرك قصده ودع القبائل من بني قـحـطـان
إذ كان سالفـنـا الإتـاوة فـيهـم أولى ففخرك فخـر كـل يمـان
وافخر برهط بني الحماس ومالك وابن الضباب وزعـبـل وقـيان
وأنا المنخل وابن فـارس فـرزل وأبو نزار زانـنـي ونـمـانـي
وإذا تعاظمت الأمـور مـوازنـا كنت المنوه باسمـه والـثـانـي فلما رجع القوم إلى بني عامر وثبوا على مرة بن دودان، وقالوا: أنت شاعر بني عامر ولم تهج بني الديان، فقال:
تكـلـفـنـي هـوازن فـخـــر قـــوم يقـولـون الأنـام لـنـــا عـــبـــيد
أبوهم مذحج وأبو أبيهمإذا ما عدت الآباء هود
وهل لي إن فخرت بغير فخر مقـال والأنــام لـــه شـــهـــود?
فإنـا لـم نـزل لـهـم قــطـــينـــا تجـئ إلـيهـم مـنـــا الـــوفـــود
فإنـا نـضـرب الأحـلام صـفــحـــا عن الـعـلـياء أو مـن ذا بـــكـــيد?
فقـولـوا يا بـنـي عــيلان كـــنـــا لكـم قـنـا ومـا عـنـكـم مــحـــيد وهذا الخبر مصنوع من مصنوعات ابن الكلبي، والتوليد فيه بين، وشعره شعر ركيك غث، لا يشبه أشعار القوم، وإنما ذكرته لئلا يخلو الكتاب من شيء قد روي.
شعره حين أصيب رهط من قومه يوم المريسيع: وقال محمد بن حبيب فيما روى عنه أبو سعيد السكري، ونسخته من كتابه، قال أبو عمرو الشيباني:

صفحة : 2339

أصيب قوم من بني جندع بن ليث بن بكر بن هوازن رهط أمية بن الأسكر يقال لهم: بنو زبينة، أصابهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم المريسيع في غزوته بني المصطلق، وكانوا جيرانه يومئذ - ومعهم ناس من بني لحيان من هذيل، ومع بني جندع رجل من خزاعة يقال له: طارق، فاتهمه بنو ليث بهم، وأنه دل عليهم. وكانت خزاعة مسلمها ومشركها يميلون إلى النبي صلى الله عليه وسلم على قريش. فقال أمية بن الأسكر لطارق الخزاعي:
لعمرك إني والخزاعي طـارقـا كنعجة عاد حتفها تـتـحـفـر
أثارت عليها شفرة بكـراعـهـا فظلت بها من آخر الليل تجـزر
شمت بقوم هم صديقك أهلـكـوا أصابهم يوم من الدهر أعـسـر
كأنـك لـم تـنـبـأ بـيوم ذؤالة ويوم الرجيع إذ تنحر حـبـتـر
فهلا أباكم في هذيل وعـمـكـم ثأرتم وهم أعدى قلوبـا وأوتـر
ويوم الأراك يوم أردف سبـيكـم صميم سراة الديل عبد ويعـمـر
وسعد بن ليث إذ تسل نسـاؤكـم وكلب بن عوف نحروكم وعقروا
عجبت لشيخ من ربيعة مهـتـر أمر له يوم من الدهر منـكـر شعر طارق الخزاعي يجيبه فيه: فأجابه طارق الخزاعي فقال:
لعمرك ما أدري وإني لقائل إلى أي من يظنني أتعذر?
أعنف أن كانت زبينة أهلكت ونال بني لحيان شر ونفروا ابن عباس ومعاوية يتمثلان بشعره وشعر صاحبه: وهذه الأبيات: الابتداء، والجواب تمثل بابتدائها ابن عباس في رسالة إلى معاوية، وتمثل بجوابها معاوية في رسالة أجابه بها.
حدثني بذلك أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي العطار بالكوفة، قال: حدثنا الحسين بن نصر بن مزاحم المنقري قال: حدثنا زيد بن المعذل النمري، قال: حدثنا يحيى بن شعيب الخراز، قال: حدثنا أبو مخنف، قال: لما بلغ معاوية مصاب أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - دس رجلا من بني القين إلى البصرة يتجسس الأخبار ويكتب بها إليه، فدل على القيني بالبصرة في بني سليم، فأخذ وقتل.
وكتب ابن عباس من البصرة إلى معاوية: أما بعد، فإنك ودسك أخا بني القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش مثل الذي ظفرت به من يمانيتك لكما قال الشاعر:
لعمرك إني والخزاعي طارقـا كنعجة عاد حتفها تتـحـفـر
أثارت عليها شفرة بكراعـهـا فظلت بها من آخر الليل تجزر
شمت بقوم هم صديقك أهلكـوا أصابهم يوم من الدهر أمعـر فأجابه معاوية: أما بعد، فإن الحسن قد كتب إلي بنحو مما كتبت به وأنبني بما لم أجن ظنا وسوء رأي، وإنك لم تصب مثلنا، ولكن مثلنا ومثلكم كما قال طارق الخزاعي:
فوالله ما أدري وإني لصادق إلى أي من يظنني أتعذر?
أعنف أن كانت زبينة أهلكت ونال بني لحيان شر ونفروا
صوت

أبني إني قد كبرت ورابـنـي بصري وفي لمصلح مستمتع
فلئن كبرت نقد دنوت من البلى وحلت لكم مني خلائق أربع عروضه من الكامل، والشعر لعبدة بن الطبيب، والغناء لابن محرز، ولحنه من القدر الأوسط من الثيقيل الأول بالبنصر في مجراها عن إسحاق، وفيه لمعبد خفيف ثقيل أول بالبنصر في مجراها عنه أيضا.

نسب عبدة بن الطبيب وأخباره
نسبه واسم الطبيب أبيه
هو فيما ذكر ابن حبيب عن ابن الأعرابي، وأبو نصر أحمد بن حاتم عن الأصمعي وأبي عمرو الشيباني وأبي فروة العكلي: عبدة بن الطبيب، والطبيب اسمه يزيد بن عمبو بن وعلة بن أنس بن عبد الله بن عبد تيم بن جشم بن عبد شمس. ويقال: عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
وقال ابن حبيب خاصة: وقد أخبرني أبو عبيدة قال: تميم كلها كانت في الجاهلية يقال لها: عبد تيم، وتيم: صنم كان لهم يعبدونه.
كان شاعرا مجيدا ليس بالمكثر: وعبدة شاعر مجيد ليس بالمكثر، وهو مخضرم، أدرك الإسلام فأسلم، وكان في جيش النعمان بن المقرن الذين حاربوا معه الفرس بالمدائن. وقد ذكر ذلك في قصيدته التي أولها:
هل حـبـل خـولة بـعـد الـهـجـر مـوصـــول أم أنـت عـنـهـا بـعـيد الـدار مـشــغـــول?
حلت خويلة في دار مجاورةأهل المدينة فيها الديك والفيل

صفحة : 2340


يقارعون رؤوس العجم ضاحية منهم فوارس لا عزل ولا ميل أرثى بيت قالته العرب من شعره: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: أرثى بيت قالته العرب قول عبدة بن الطيب:
فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قـوم تـهـدمـا وتمام هذه الأبيات: أنشدناه علي بن سليمان الأخفش عن السكري والمبرد والأحول لعبدة يرثي قيسا:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحمـا
تحية من أوليته منك نـعـمة إذا زار عن شحط بلادك سلما
وما كان قيس هلكة هلك واحد ولكنه بنيان قـوم تـهـدمـا يترفع عن الهجاء: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا أبو عثمان الأشنانداني عن التوزي عن أبي عبيدة عن يونس قال: قال رجل لخالد بن صفوان: كان عبدة بن الطبيب لا يحسن أن يهجو، فقال: لا تقل ذاك، فوالله ما أبى من عي، ولكنه كان يترفع عن الهجاء ويراه ضعة، كما يرى تركه مروءة وشرفا، قال:
وأجرأ من رأيت بظهر غيب على عيب الرجال أولو العيبو عبد الملك بن مروان يروي أفضل ما ذكره في شعر له: أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال: حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب، عن ابن الأعرابي: أن عبد الملك بن مروان قال يوما لجلسائه: أي المناديل أشرف? فقال قائل منهم: مناديل مصر، كأنها غرقئ البيض. وقال آخرون: مناديل اليمن، كأنها نور الربيع. فقال عبد الملك: مناديل أخي بني سعد عبدة بن الطبيب، قال:
لما نزلنا نصبنا ظل أخـبـية وفار للقوم باللحم المراجـيل
ورد وأشقر ما يؤنيه طابخـه ما غير الغلي منه فهو مأكول
ثمت قمنا إلى جرد مـسـومة أعرافهن لأيدينـا مـنـاديل يعني بالمراجيل: المراجل، فزاد فيها الياء ضرورة.

صوت

إن الليالي أسرعت في نقضي أخذن بعضي وتركن بعضي
حنين طولي وطوين عرضي أقعدنني من بعد طول نهض عروضه من الرجز، الشعر للأغلب العجلي، والغناء لعمرو بن بانة، هزج بالبنصر.

أخبار الأغلب ونسبه
نسبه
هو - فيما ذكر ابن قتيبة - الأغلب بن جشم بن سعد بن عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.
إسلامه واستشهاده: وهو أحد المعمرين، عمر في الجاهلية عمرا طويلا، وأدرك الإسلام فأسلم، وحسن إسلامه وهاجر، ثم كان فيمن توجه إلى الكوفة مع سعد بن أبي وقاص، فنزلها، واستشهد في وقعة بنهاوند، فقبره هناك في قبور الشهداء.
هو أول من رجز الأراجيز الطوال: ويقال: إنه أول من رجز الأرايجز الطوال من العرب، وإياه عنى الحجاج بقوله مفتخرا:
إني أنا الأغلب أمسى قد نشد قال ابن حبيب: كانت العرب تقول الرجز في الحرب والحداء والمفاخرة وما جرى هذا المجرى، فتأتي منه بأبيات يسيرة، فكان الأغلب أول من قصد الرجز، ثم سلك الناس بعده طريقته.
كانت له سرحة يصعد عليها ويرتجز: أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي أو خليفة في كتابه إلينا، قال: أخبرنا محمد بن سلام، قال: حدثنا الأصمعي.
وأخبرنا أحمد بن محمد أبو الحسن الأسدي قال حدثنا الرياشي، قال حدثنا معمر بن عبد الوارث عن أبي عمرو بن العلاء، قال: كانت للأغلب سرحة يصعد عليها، ثم يرتجز:
قد عرفتني سرحتي فأطـت وقد شمطت بعدها واشمطت فاعترضه رجل من بني سعد، ثم أحد بني الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد، فقال له:
قبحت من سـالـفة ومـن قـفـا عبد إذا ما رسب القـوم طـفـا
كما شرار الرعي أطراف السفى ينقص عمر عطاءه لقبوله الإنشاد من شعر في الجاهلية: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني محمد بن عباد بن حبيب المهلبي، قال: حدثني نصر بن ناب عن داود بن أبي هند عن الشعبي، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة: أن أستنشد من قبلك من شعراء قومك ما قالوا في الإسلام، فأرسل إلى الأغلب العجلي فاستنشده فقال:
لقد سألت هينا موجودا أجرزا تريد أم قصيدا?

صفحة : 2341

ثم أرسل إلى لبيد فقال له: إن شئت مما عفا الله عنه - يعني الجاهلية - فعلت. قال: لا، أنشدني ما قلت في الإسلام. فانطلق لبيد فكتب سورة البقرة في صحيفة، وقال: أبدلني الله عز وجل بهذه في الإسلام مكان الشعر.
فكتب المغيرة بذلك إلى عمر، فنقص عمر من عطاء الأغلب خمسمائة، وجعلها في عطاء لبيد؛ فكتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، أتنقص عطائي أن أطعتك فرد عليه خمسمائة وأقر عطاء لبيد على ألفين وخمسمائة.
أخبرني محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا محمد بن حاتم، قال: حدثنا علي بن القاسم، عن الشعبي قال: دخل الأغلب على عمر، فلما رآه قال: هيه، أنت القائل:
أرجزا تريد أم قصيدا? لقد سألت هينا موجودا فقال: يا أمير المؤمنين إنما أطعتك، فكتب عمر إلى المغيرة: أن أردد عليه الخمس المائة وأقر الخمس المائة للبيد.
شعر في سجاح حين تزوجت مسيلمة: أخبرنا أبو خليفة عن مححمد بن سلام قال: قال الأغلب العجلي في سجاج لما تزوجت مسيلمة الكذاب:
لقد لقيت سجاح من بعد العـمـى ملوحا في العين مجلود الـقـرا
مثل العتيق في شبـاب قـد أتـى من اللجميميين أصحاب القـرى
ليس بـذي واهـنة ولا نـســا نشأ بلحم وبخبز مـا اشـتـرى
حتى شتا ينتـح ذفـراه الـنـدى خاظى البضيع لحمه خظابـظـا
كأنما جمع من لحم الـخـصـى إذا تمطى بـين بـرديه صـأى
كأن عـــــرق أيره إذا ودى حبل عجوز ضفرت سبع قـوى
يمشي على قوائم خـمـس زكـا يرفع وسطاهن من برد الـنـدى
قالت: متى كنت أبا الخير متـى? قال حديثا لم يغيرنـي الـبـلـى
ولم أفارق خلة لي عـن قـلـى فانتسفت فيشتـه ذات الـشـوى
كأن في أجلادها سـبـع كـلـى مازال عنها بالحديث والمـنـى
والخلق السفساف يردى في الردى قال: ألا ترينـه قـالـت: أرى
قال: ألا أدخله? قالـت: بـلـى فشام فيها مثل محراث الغضـى
يقول لما غاب فيهـا واسـتـوى لمثلها كنت أحسـيك الـحـسـا من أخبار سجاح: وكان من خبر سجاح وادعائها النبوة وتزويج مسيلمة الكذاب إياها ما أخبرنا به إبراهيم بن النسوي يحيى، عن أبيه عن شعيب عن سيف: إن سجاح التميمية ادعت النوبة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتمعت عليها بنو تميم، فكان فيما ادعت أنه أنزل عليها: يأيها المؤمنون المتقون، لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم يبغون.
واجتمعت بنو تميم كلها إليها لتنصرها. وكان فيهم الأحنف ين قيس، وحارثة بن بدر، ووجوه تميم كلها.
وكان مؤذنها شبيب بن ربعي الرياحي، فعمدت في جيشها إلى مسيلمة الكذاب وهو باليمامة، وقالت: يا معشر تميم، اقصدوا اليمامة، فاضربوا فيها كل هامة، وأضرموا فيها نارا ملهامة، حتى تتركوها سوداء كالحمامة.
وقالت لبني تميم: إن الله لم يجعل هذا الأمر في ربيعة، وإنما جعله في مضر، فاقصدوا هذا الجمع، فإذا فضضتموه كررتم على قريش. فسارت في قومها وهم الدهم الداهم. وبلغ مسيلمة خبرها، فضاق بها ذرعا، وتحصن في حجر حصن اليمامة. وجاءت في جيوشها فأحاطت به، فأرسل إلى وجوه قومه وقال: ما ترون? قالوا: نرى أن نسلم هذا الأمر إليها وتدعنا، فإن لم نفعل فهو البوار.
وكان مسيلمة ذا دهاء، فقال: سأنظر في هذا الأمر. ثم بعث إليها: إن الله - تبارك وتعالى - أنزل عليك وحيا، وأنزل علي. فهلمي نجتمع، فنتدارس ما أنزل الله علينا، فمن عرف الحق تبعه، واجتمعنا فأكلنا العرب أكلا بقومي وقومك.
فبعثت إليه: أفعل، فأمر بقبة أدم فضربت، وأمر بالعود المندلي فسجر فيها، وقال: أكثروا من الطيب والمجمر، فإن المرأة إذا شمت رائحة الطيب ذكرت الباه، ففعلوا ذلك.


صفحة : 2342

وجاءها رسوله يخبرها بأمقر القبة المضروبة للاجتماع، فأتته فقالت: هات ما أنزل عليك. فقال: ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نطفة تسعى، بين صفاق وحشا، من بين ذكر وأنثى، وأموات وأحيا، ثم إلى ربهم يكون المنتهى. قالت: وماذا? قال: ألم تر أن الله خلقنا أفواجا، وجعل النساء لنا أزواجا، فنولج فيهن الغراميل إيلاجا، ونخرجها منهن إذا شئن إخراجا. قالت: فبأي شيء أمرك? قال:
ألا قـومـــي إلـــى الـــنـــيك فقـد هـبـي لـك الـمـضــجـــع
فإن شئتي ففي البيت وإن شئتي ففي المخدع
وإن شئتي سلقناك وإن شـئتــي عـــلـــى أربـــع
وإن شـئتــي بـــثـــلـــثـــيه وإن شـئتـــي بـــه أجـــمـــع قال: فقالت: لا، إلا به أجمع. قال: فقال: كذا أوحى الله إلي، فواقعها. فلما قام عنها قالت: إن مثلي لا يجري أمرها هكذا، فيكون وصمة على قومي وعلي، وليكن مسلمة النبوة إليك، فاخطبني إلى أوليائي يزوجوك، ثم أقود تميما معك.
فخرج وخرجت معه، فاجتمع الحيان من حنيفة وتميم، فقالت لهم سجاح: إنه قرأ علي ما أنزل عليه، فوجدته حقا، فاتبعته، ثم خطبها، فزوجوه إياها، وسألوه عن المهر، فقال: قد وضعت عنكم صلاة العصر، فبنو تميم إلى الآن بالرمل لا يصلونها، ويقولون: هذا حق لنا، ومهر كريمة منا لا نرده. قال: وقال شاعر من بني تميم يذكر أمر سجاح في كلمة له:
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها وأصبحت أنبياء الله ذكرانا قال: وسمع الزبرقان بن بدر لأحنف يومئذ، وقد ذكر مسيلمة وما تلاه عليهم، فقال الأحنف: والله ما رأيت أحمق من هذا النبي قط. فقال الزبرقان: والله لأخبرن بذلك مسيلمة. قال: إذا والله أحلف أنك كذبت فيصدقني ويكذبك. قال: فأمسك الزبرقان، وعلم أنه قد صدق.
قال: وحدث الحسن البصري بهذا الحديث، فقال: أمن والله أبو بحر من نزول الوحي. قال: فأسلمت سجاح بعد ذلك وبعد قتل مسيلمة، وحسن إسلامها.

صوت

كم ليلة فيك بت أسهـرهـا ولوعة من هواك أضمرهـا
وحرقة والدموع تطـفـئهـا ثم يعود الجوى فيسعـرهـا
بيضاء رود الشباب قد غمست في خجل دائب يعصفرهـا
الله جار لها فمـا امـتـلأت عيناي إلا من حيث أبصرها الشعر للبحتري، والغناء لعريب، رمل مطلق من مجموع أغانيها، وهو لحن مشهور في أيدي الناس، والله أعلم.

أخبار البحتري ونسبه
نسبه وكنيته
هو الوليد بن عبيد الله بن يحيى بن عبيد بن شملال بن جابر بن سلمة بن مسهر بن الحارث بن خيثم ابن أبي حارثة بن جدي بن تدول بن بحتر بن عتود بن عثمة بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طيئ بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
شاعريته وندرة هجائه: ويكنى أبا عبادة، شاعر فاضل فصيح حسن المذهب، نقي الكلام، مطبوع، كان مشايخنا رحمة الله عليهم يختمون به الشعراء، وله تصرف حسن فاضل نقي في ضروف الشعر، سوى الهجاء، فإن بضاعته فيه نزرة، وجيده منه قليل. وكان ابنه أبو الغوث يزعم أن السبب في قلة بضاعته في هذا الفن أنه لما حضره الموت دعابه، وقال له: اجمع كل شيء قلته في الهجاء. ففعل، فأمره بإحراقه، ثم قال له: يا بني، هذا شيء قلته في وقت، فشفيت به غيظي، وكافأت به قبيحا فعل بي، وقد انقضى أربي في ذلك، وإن بقي روي، وللناس أعقاب يورثونهم العداء والمودة، وأخشى أن يعود عليك من هذا شيء في نفسك أو معاشك لا فائدة لك ولي فه، قال: فعلمت أنه قد نصحني وأشفق علي، فأحرقته.
أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش عن أبي الغوث.
وهذا - كما قال أبو الغوث - لا فائدة لك ولا لي فيه، لأن الذي وجدناه وبقي في أيدي الناس من هجائه أكثره ساقط، مثل قوله في ابن شيرزاد:
نفقت نفوق الحمار الذكر وبان ضراطك عنا فمر ومثل قوله في علي بن الجهم:
ولو أعطاك ربك ما تمنـى لزادك منه في غلظ الأيور
علام طفقت تهجوني ملـيا بما لفقت من كذب وزور وأشباه لهذه الأبيات، ومثلها لا يشاكل طبعه، ولا تليق بمذهبه، وتنبئ بركاكتها وغثاثة ألفاظها عن قلة حظه في الهجاء، وما يعرف له هجاء جيد إلا قصيدتان إحداهما قوله في ابن أبي قماش:

صفحة : 2343


مرت على عزمها ولم تقف مبدية للشنان والـشـنـف يقول فيها لابن أبي قماش:
قد كان في الواجب المحقق أن تعرف ما في ضميرها النطف
بما تعاطيت في العـيوب ومـا أوتيت من حكمة ومن لطـف
أما رأيت المريخ قد مازج الز هرة في الجد منه والشـرف
وأخبرتك النحـوس أنـكـمـا في حالتي ثابت ومنـصـرف
من أين أعملت ذا وأنت علـى التقويم والزيج جد منعـكـف
أما زجرت الطير العلا أو تعي فت المها أو نظرت في الكتف
رذلت في هذه الصـنـاعة أو أكديت أو رمتها على الخرف
لم تخط باب الدهليز منصرفـا إلا وخلخالها مع الـشـنـف وهي طويلة، ولم يكن مذهبي ذكرها إلا للإخبار عن مذهبه في هذا الجنس، وقصيدته في يعقوب بن الفرج النصراني، فإنها - وإن لم تكن في أسلوب هذه وطريقتها - تجري مجرى التهكم باللفظ الطيب الخبيث المعاني، وهي:
تظن شجوني لم تعتـلـج وقد خلج البين من قد خلج وكان البحتري يتشبه بأبي تمام من شعره، ويحذو مذهبه، وينحو نحوه في البديع الذي كان أبو تمام يستعمله، ويراه صاحبا وإماما، ويقدمه على نفسه، ويقول في الفرق بينه وبينه قول منصف: إن جيد أبي تمام خير من جيده، ووسطه ورديئه خير من وسط أبي تمام ورديئه، وكذا حكم هو على نفسه.
هو وأبو تمام: أخبرني محمد بن يحيى الصولي: قال: حدثني الحسين بن علي الياقظاني: قال: قلت للبحتري: أيما أشعر أنت أو أبو تمام? فقال: جيده خير من جيدي، ورديئي خير من رديئه.
حدثني محمد بن يحيى قال: حدثني أبو الغوث يحيى بن البحتري: قال: كان أبي يكنى أبا الحسن، وأبا عبادة، فأشير علي في أيام المتوكل بأن أقتصر على أبي عبادة، فإنها أشهر، فاقتصرت عليها.
حدثني محمد قال: سمعت عبد الله بن الحسين بن سعد يقول للبحتري - وقد اجتمعنا في دار عبد الله بالخلد، وعنده المبرد في سنة ست وسبعين ومائتين، وقد أنشد البحتري شعرا لنفسه قد كان أبو تمام قال في مثله - : أنت والله أشعر من أبي تمام في هذا الشعر، قال: كلا والله، إن أبا تمام للرئيس والأستاذ، والله ما أكلت الخبر إلا به، فقال له المبرد: لله درك يا أبا الحسن، فإنك تأبى إلا شرفا من جميع جوانبك.
حدثني محمد: قال: حدثني الحسين بن إسحاق: قال: قلت للبحتري: إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام، فقال: والله ما ينفعني هذا القول، ولا يضر أبا تمام، والله ما أكلت الخبز إلا به، ولوددت أن الأمر كان كما قالوا، ولكني اوالله تابع له آخذ منه لائذ به، نسيمي يركد عند هوائه، وأرضي تنخفض عند سمائه.
حدثني محمد بن يحيى: قال: حدثني سوار بن أبي شراعة، عن البحتري: قال: وحدثني أبو عبد الله الألوسي، عن علي بن يوسف، عن البحتري: قال: كان أول أمري في الشعر ونباهتي أني صرت إلى أبي تمام، وهو بحمص، فعرضت عليه شعري، وكان الشعراء يعرضون عليه أشعارهم، فأقبل علي، وترك سائر من حضر، فلما تفرقوا قال لي: أنت أشعر من أنشدني، فكيف بالله حالك? فشكوت خلة فكتب إلى أهل معرة النعمان، وشهد لي بالحذق بالشعر، وشفع لي إليهم وقال: امتدحهم، فصرت إليهم، فأكرموني بكتابه، ووظفوا لي أربعة آلاف درهم، فكانت أول مال أصبته. وقال علي بن يوسف في خبره: فكانت نسخة كتابه: يصل كتابي هذا على يد الوليد أبي عبادة الطائي، وهو - على بذاذته - شاعر، فأكرموه .
يعشق غلاما فيلتحي: حدثني جحظة: قال: سمعت البحتري يقول: كنت أتعشق غلاما من أهل منبج يقال له شقران، واتفق لي سفر، فخرجت فيه، فأطلت الغيبة، ثم عدت، وقد التحى، فقلت فيه، وكان أول شعر قلته:
نبـتـت لـحـــية شـــقـــرا ن شـقـيق الـنـفـس بـعـــدي
حلقت، كيف أتته قبل أن ينجز وعدي وقد روى في غير هذه الحكاية أن اسم الغلام شندان.
بدء التعارف بينه وبين أبي تمام: حدثني علي بن سليمان: قال: حدثني أبو الغوث بن البحتري عن أبيه، وحدثني عمي: قال: حدثني علي بن العباس النوبختي، عن البحتري، وقد جمعت الحكايتين، وهما قريبتان: قال: أول ما رأيت أبا تمام أني دخلت على أبي سعيد محمد بن يوسف، وقد مدحته بقصيدتي:

صفحة : 2344


أأفاق صب من هوى فأفيقـا أو خان عهدا أو أطاع شفيقا? فسر بها أبو سعيد، وقال: أحسنت والله يا فتى وأجدت، قال: وكان في مجلسه رجل نبيل رفيع المجلس منه، فوق كل من حضر عنده، تكاد تمس ركبته ركبته، فأقبل علي ثم قال: يا فتى، أما تستحي مني هذا شعر لي تنتحله، وتنشده بحضرتي فقال له أبو سعيد: أحقا تقول قال: نعم، وإنما علقه مني، فسبققني به إليك، وزاد فيه، ثم اندفع فأنشد أكثر هذه القصيدة، حتى شككني - علم الله - في نفسي، وبقيت متحيرا، فأقبل علي أبو سعيد، فقال: يا فتى، قد كان في قرابتك منا وودك لنا ما يغنيك عن هذا، فجعلت أحلف له بكل محرجة من الأيمان أن الشعر لي ما سبقني إليه أحد، ولا سمعته منه، ولا انتحلته، فلم ينفع ذلك شيئا، وأطرق أبو سعيد، وقطع بي، حتى تمنيت أن سخت في الأرض، فقمت منكسر البال أجر رجلي، فخرجت، فما هو إلا أن بلغت باب الدار حتى خرج الغلمان فردوني، فأقبل علي الرجل، فقال: الشعر لك يا بني، والله ما قلته قط، ولا سمعته إلا منك، ولكنني ظننت أنك تهاونت بموضعي، فأقدمت على الإنشاد بحضرتي من غير معرفة كانت بيننا، تريد بذلك مضاهاتي ومكاثرتي، حتى عرفني الأمير نسبك وموضعك، ولوددت ألا تلد أبدا طائية إلا مثلك، وجعل أبو سعيد يضحك، ودعاني أبو تمام، وضمني إليه، وعانقني، وأقبل يقرظني، ولزمته بعد ذلك، وأخذت عنه، واقتديت به، هذه رواية من ذكرت.
إشاد له بأبي سعيد محمد بن يوسف الثغري: وقد حدثني علي بن سليمان الأخفش أيضا قال: حدثني عبد الله بن الحسين بن سند القطربلي: أن البحتري حدثه أنه دخل على أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري، وقد مدحه بقصيدة، وقصده بها، فألقى عنده أبا تمام وقد أنشده قصيدة له فيه، فاستأذنه البحتري في الإنشاد وهو يومئذ حديث السن، فقال له: يا غلام أنشدني بحضرة أبي تمام? فقال: تأذن ويستمع، فقام، فأنشده إياها، وأبو تمام يسمع ويهتز من قرنه إلى قدمه استحسانا فلما فرغ منها قال: أحسنت والله يا غلام، فممن أنت? قال: من طيئ، فطرب أبو تمام وقال: من طيئ، الحمد لله على ذلك، لوددت أن كل طائية تلد مثلك، وقبل بين عينيه، وضمه إليه وقال لمحمد بن يوسف: قد جعلت له جائزتي، فأمر محمد بها، فضمت إلى مثلها، ودفعت إلى البحتري، وأعطى أبا تمام مثلها، وخص به، وكان مداحا له طول أيامه ولابنه بعده، ورثاهما بعد مقتليهما، فأجاد، ومراثيه فيهما أجود من مدائحه، وروى أنه قيل له في ذلك فقال: من تمام الوفاء أن تفضل المراثي المدائح لا كما قال الآخر - وقد سئل عن ضعف مراثيه فقال - : كنا نعمل للرجاء، نحن نعمل اليوم للوفاء. وبينهما بعد.
كان بخيلا زري الهيئة: حدثني حكم بن يحيى الكنتحي قال: كان البحتري من أوسخ خلق الله ثوبا وآلة وأبخلهم على كل شيء، وكان له أخ وغلام معه في داره، فكان يقتلهما جوعا، فإذا بلغ منها الجوع أتياه يبكيان، فيرمي إليهما بثمن أقواتهما مضيقا مقترا، ويقول: كلا، أجاع الله أكبادكما وأعرى أجلادكما وأطال إجهادكما.
قال حكم بن يحيى: وأنشدته يوما من شعر أبي سهل بن نوبخت، فجعل يحرك رأسه، فقلت له: ما تقول فيه? فقال: هو يشبه مضغ الماء ليس له طعم ولا معنى.
وحدثني أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهاني الكاتب، قال: دخلت على البحتري يوما فاحتبسني عنده، ودعا بطعام له، ودعاني إليه، فامتنعت من أكله، وعنده شيخ شامي لا أعرفه، فدعاهخ إلى الطعام، فتقدم، وأكل معه أكلا عنيفا، فغاظه ذلك، والتفت إلي، فقال لي: أتعرف هذا الشيخ? فقلت: لا، قال: هذا شيخ من بني الهجيم الذي يقول فيهم الشاعر:
وبنو الهجيم قبيلة ملـعـونة حص اللحى متشابهو الألوان
لو يسمعون بأكلة أو شـربة بعمان أصبح جمعهم بعمان قال: فجعل الشيخ يشتمه، ونحن نضحك.
ماء من يد حسناء: وحدثني جحظة: قال: حدثني علي بن يحيى المنجم: قال: اجتازت جارية بالمتوكل معها كوز ماء، وهي أحسن من القمر، فقال لها: ما اسمك? قالت: برهان، قال: ولمن هذا الماء? قالت: لستي قبيحة، قال: صبيه في حلقي، فشربه عن آخره، ثم قال للبحتري: قل في هذا شيئا، فقال البحتري:
ما شربة من رحيق كأسهـا ذهـب جاءت بها الحور من جنات رضوان












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 06-27-2006, 12:01 PM   المشاركة رقم: 47
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


صفحة : 2345


يوما بأطيب من ماء بلا عطش شربته عبثا من كف برهـان أخبرني علي بن سليمان الأخفش، وأحمد بن جعفر جحظة: قالا: حدثنا أبو الغوث بن البحتري: قال: كتبت إلى أبي يوما أطلب منه نبيذا، فبعث إلي بنصف قنينة دردي، وكتب إلي: دونكها يا بني، فإنها تكشف القحط، وتضبط الرهط. قال الأخفش، وتقيت الرهط.
قصته مع أحمد بن علي الإسكافي: حدثني أبو الفضل عباس بن أحمد بن ثوابة قال: قدم البحتري النيل على أحمد بن علي الإسكافي مادحا له، فلم يثبه ثوابا يرضاه بعد أن طالت مدته عنده، فهجاه بقصيدته التي يقول فيها:
ما كسبنا من أحمد بن علي ومن النيل غير حمى النيل وهجاه بقصيدة أخرى أولها:
قصة النيل فاسمعوها عجابه فجمع إلى هجائه إياه هجاء أبي ثوابة، وبلغ ذلك أبي، فبعث إليه بألف درهم وثياب ودابة بسرجها ولجامها، فرده إليه، وقال: قد أسلفتكم إساءة لا يجوز معها قبول رفدكم، فكتب إليه أبي: أما الإساءة فمغفورة وأما المعذرة فمشكورة، والحسنات يذهبن السيئات، وما يأسو جراحك مثل يدك. وقد رددت إليك ما رددته علي، وأضعفته، فإن تلافيت ما فرط منك أثبنا وشكرنا، وإن لم تفعل احتملنا وصبرنا. فقبل ما بعث به، وكتب إليه: كلامك والله أحسن من شعري، وقد أسلفتني ما أخجلني، وحملتني ما أثقلني، وسيأتيك ثنائي. ثم غدا إليه بقصيدة أولها:
ضلال لها ماذا أرادت إلى الصد وقال فيه بعد ذلك:
برق أضاء العقيق من ضرمه وقال فيه أيضا:
دان دعا داعي الصبا فأجابه قال: ولم يزل أبي يصله بعد ذلك، ويتابع بره لديه حتى افترقا.
شعره في نسيم غلامه: أخبرني جحظة قال: كان نسيم غلام البحتري الذي يقول فيه:
دعا عبرتي تجري على الجور والقصد أظن نسيما قارف الهم من بـعـدي
خلا ناظري من طيفه بعد شخـصـه فيا عجبا للدهر فقد عـلـى فـقـد غلاما روميا ليس بحسن الوجه، وكان قد جعله بابا من أبواب الحيل على الناس، فكان يبيعه ويعتمد أن يصيره إلى ملك بعض أهل المروءات ومن ينفق عنده الأدب، فإذا حصل في ملكه شبب به، وتشوقه، ومدح مولاه، حتى يهبه له، فلم يزل ذلك دأبه حتى مات نسيم، فكفي الناس أمره.
خبره مع محمد بن علي القمي وغلامه: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: كتب البحتري إلى أبي محمد بن علي القمي يستهديه نبيذا، فبعث إليه نبيذا مع غلام له أمرد، فجمشه البحتري، فغضب الغلام غضبا شديدا، دل البحتري على أنه سيخبر مولاه بما جرى، فكتب إليه:
ابا جعفر كان تجمـيشـنـا غلامك إحدى الهنات الدنية
بعثت إلينا بشمس الـمـدام تضيء لنا مع شمس البرية
فليت الهدية كان الرسـول وليت الرسول إلينا الهـدية فبعث إليه محمد بن علي الغلام هدية، فانقطع البحتري عنه بعد ذلك مدة، خجلا مما جرى، فكتب إليه مححمد بن علي:
هجرت كأن البر أعقب حـشـمة ولم أر وصلا قبل ذا أعقب الهجرا فقال فيه قصيدته التي أولها:
فتى مذحج عفوا فتى مذحج غفرا وهي طويلة. وقال فيه أيضا:
أمواهـب هـاتـيك أم أنـواء هطل وأخـذ ذاك أم إعـطـاء
إن دام ذا أو بعض ذا من فعل ذا ذهب السخاء فلا يعد سـخـاء
ليس الذي حلت تميم وشطـه ال دهناء، لكن صدرك الـدهـاء
ملك أغر لآل طلـحة مـجـده كفاه بحر سمـاحة وسـمـاء
وشريف أشراف إذا احتكت بهم جرب القبائل أحسنوا وأسـاءوا
أمحمد بن علي أسمـع عـذرة فيها شفاء لـلـمـسـيء وداء
مالي إذ ذكر الكـرام رأتـنـي مالي مع النفر الكرام وفـاء?
يضفو علي العذل وهو مقـارب ويضيق عني العذر وهو فضاء
إني هجرتك إذ هجرتك حشـمة لا العود يذهبـهـا ولا الإبـداء
أخجلتني بندى يديك فـسـودت ما بيننا تلك الـيد الـبـيضـاء
وقطعتني بالبر حـتـى إنـنـي متوهـم أن لا يكـون لـقـاء

صفحة : 2346


صلة غدت في الناس وهي قطيعة عجبا وبر راعح وهـو جـفـاء
ليواصلنك ركب شعـري سـائرا تهدى به في مـدحـك الأعـداء
حتى يتم لك الثـنـاء مـخـلـدا أبدا كما دامت لك الـنـعـمـاء
فتظل تحسدك الملوك الصيد بـي وأظل يحسدني بك الـشـعـراء كان موته بالسكتة: أخبرني علي بن سليمان الأخفش: قال: سألني القاسم بن عبيد الله عن خبر البحتري، وقد كان أسكت، ومات من تلك العلة، فأخبرته بوفاته، وأنه مات في تلك السكتة، فقال: ويحه رمي في أحسنه.
أبو تمام يلقن البحتري درسا في الاستطراد: أخبرني محمد بن يحيى: قال: حدثني محمد بن علي الأنباري: قال: سمعت البحتري يقول: أنشدني أبو تمام ويما لنفسه:
وسابح هطل الـتـعـداء هـتـان على الجراء أمـين غـير خـوان
أظمي الفصوص ولم تظمأ قوائمـه فخل عينيك فـي ظـمـآن ريان
فلو تراه مشيحا والـحـصـى زيم بين السنابك من مثنـى ووحـدان
أيقنت إن لم تثـبـت أن حـافـره من صخر تدمر أو من وجه عثمان ثم قال لي: ما هذا الشعر? قلت: لا أدري، قال: هذا هو المتسطرد، أو قال الاستطراد. قلت: وما معنى ذلك? قال: يريك أنه يريد وصف الفرس وهو يريد هجاء عثمان، وقد فعل البحتري ذلك، فقال في صفة الفرس:
ما إن يعاف قذى ولو أوردته يوما خلائق حمدويه الأحول وكان حمدويه الأحول عدوا لمحمد بن علي القمي الممتدح بهذه القصيدة فهجاه في عرض مدحه محمدا. والله أعلم.
أبو تمام يشيد به: حدثني علي بن سليمان الأخفش: قال: حدثني أبو الغوث بن البحتري: قال: حدثني أبي: قال: قال لي أبو تمام: بلغني أن بني حميد أعطوك مالا جليلا فيما مدحتهم به، فأنشدني شيئا منه، فأنشدته بعض ما قلته فيهم، فقال لي: كم أعطوك? فقلت: كذا وكذا، فقال: ظلموك، والله ما وفوك حقك، فلم استكثرت ما دفعوه إليك? والله لبيت منها خير مما أخذت، ثم أطرق قليلا، ثم قال: لعمري لقد استكثرت ذلك، واستكثر ذلك، واستكثر لك لما مات الناس وذهب الكرام، وغاضت المكارم، فكسدت سوق الأدب، أنت والله يا بني أمير الشعراء غدا بعدي، فقمت فقبلت رأسه ويديه ورجليه، وقلت له: والله لهذا القول أسر إلى قلبي وأقوى لنفسي مما وصل إلي من القوم.
أبو تمام ينعي نفسه: حدثني محمد بن يحيى عن الحسن بن علي الكاتب: قال: قال لي البحتري: أنشدت أبا تمام يوما شيئا من شعري، فتمثل ببيت أوس بن حجر:
إذا مقرم منا درا حد نابـه تخمط فينا ناب آخر مقرم ثم قال لي: نعيت والله إلي نفسي، فقلت: أعيذك بالله من هذا القول، فقال: إن عمري لن يطول، وقد نشأ في طيء مثلك، أما علمت أن خالد بن صفوان رأى شبيب بن شيبة، وهو من رهطة يتكلم، فقال: يا بني، لقد نعى إلي نفسي إحسانك في كلامك، لأنا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب قط إلا مات من قبله، فقلت له: بل يبقيك الله، ويجعلني فداءك. قال: ومات أبو تمام بعد سنة.
يشمخ بأنفه فيغري به المتوكل الصيمري: حدثني أحمد بن جعفر جحظة: قال: حدثني أبو العنبس الصيمري قال: كنت عند المتوكل والبحتري ينشده:
عن أي ثغر تبتسـم وبأي طرف تحتكم? حتى بلغ إلى قوله:
قل للخليفة جعفر ال متوكل بن المعتصم
المبتدي للمجـتـدي والمنعم بن المنتقـم
أسلم لدين محـمـد فإذا سلمت فقد سلم قال: وكان البحتري من أبغض الناس إنشادا، يتشادق ويتزاور في مشيه مرة جانبا، ومرة القهقري، ويهز رأسه مرة، ومنكبيه أخرى، ويشير بكمه، ويقف عند كل بيت، ويقول: أحسنت والله، ثم يقبل على المستمعين، فيقول: ما لكم لا تقولون أحسنت? هذا والله ما لا يحسن أحد أن يقول مثله: فضجر المتوكل من ذلك وأقبل علي، وقال: أما تسمع يا صيمري ما يقول? فقلت: بلى يا سيدي، فمرني فيه بما أحببت، فقال: بحياتي أهجه على هذا الروي الذي أنشدنيه، فقلت: تأمر ابن حمدون أن يكتب ما أقول، فدعا بداوة وقرطاس، وحضرني على البديهة أن قلت:
أدخلت رأسك في الرحم وعلمت أنك تنـهـزم

صفحة : 2347


يا بحتـري حـذار ويح ك من قضاقضة ضغم
فلقد أسـلـت بـواديي ك من الهجا سيل العرم
فبأي عرض تعتـصـم وبهتكه جف القـلـم?
والله حـلـفة صـادق وبقبر أحمد والـحـرم
وبحق جعـفـر الإمـا م ابن الإمام المعتصـم
لأصـيرنـك شـهـرة بين المسيل إلى العلـم
حي الطلول بذي سـلـم حيث الأراكة والخـيم
يا بن الثقيلة والثقـيل ع لى قلوب ذوي النـعـم
وعلى الصغير مع الكبي ر من الموالي والحشم
في أي سلح تـرتـطـم وبأي كف تلـتـقـم?
يا بن المباحة لـلـورى أمن العفاف أم التـهـم
إذ رحل أختك للعـجـم وفراش أمك في الظلم
وبـبـاب دارك حـانة في بيته يؤتى الحـكـم قال: فغضب، وخرج يعدو، وجعلت أصيح به:
أدخلت رأسك في الرحم وعلمت أنك تنـهـزم والمتوكل يضحك، ويصفق حتى غاب عن عينه.
هكذا حدثني جحظة عن أبي العنبس.
ووجدت هذه الحكاية بعينها بخط الشاهيني حكاية عن أبي العنبس، فرأيتها قريبة اللفظ، موافقة المعنى لما ذكره جحظة، والذي يتعارفه الناس أن أبا العنبس قال هذه الأبيات ارتجالا، وكان واقفا خلف البحتري، فلما ابتدأ وأنشد قصيدته:
عن أي ثغر تبتسـم وبأي طرف تحتكم صاح به أبو العنبس من خلفه:
في أي سلح ترتـطـم وبأي كف تـلـتـقـم
أدخلت رأسك في الرحم وعلمت أنك تنـهـزم فغضب البحتري، وخرج، فضحك المتوكل حتى أكثر، وأمر لأبي العنبس بعشرة آلاف درهم والله أعلم.
وأخبرني بهذا الخبر محمد بن يحيى الصولي، وحدثني عبد الله بن أحمد بن حمدون عن أبيه: قال: وحدثني يحيى بن علي عن أبيه: إن البحتري أنشد المتوكل - وأبو العنبس الصيمري حاضر - قصيدته:
عن أي ثغر تبتسـم وبأي طرف تحتكم? إلى آخرها، وكان إذا أنشد يختال، ويعجب بما يأتي به، فإذا فرغ من القصيدة رد البيت الأول، فلما رده بعد فراغه منها. وقال:
عن أي ثغر تبتسـم وبأي طرف تحتكم قال أبو العنبس وقد غمزه المتوكل أن يولع به:
في أي سلح ترتـطـم وبأي كف تـلـتـقـم
أدخلت رأسك في الرحم وعلمت أنك تنـهـزم فقال نصف البيت الثاني، فلما سمع البحتري قوله ولى مغضبا، فجعل أبو العنبس يصيح به:
وعلمت أنك تنهزم فضحك المتوكل من ذلك حتى غلب، وأمر لأبي العنبس بالصلة التي أعدت لللبحتري.
قال أحمد بن زياد: فحدثني أبي قال: جاءني البحتري، فقال لي: يا أبا خالد أنت عشيرتي وابن عمي وصديقي، وقد رأيت ما جرى علي، أفتأذن لي أن أخرج إلى منبج بغير إذن، فقد ضاع العلم، وهلك الأدب? فقلت: لا تفعل من هذا شيئا، فإن الملوك تمزح بأعظم مما جرى، ومضيت معه إلى الفتح، فشكا إليه ذلك، فقال له نحوا من قولي، ووصله، وخلع عليه، فسكن إلى ذلك.
الصيمري يسترسل في سخريته به بعد موت المتوكل: حدثني جحظة عن علي بن يحيى المنجم: قال: لما قتل المتوكل قال أبو العنبس الصيمري:
يا وحشة الدنيا علـى جـعـفـر على الهمام الـمـلـك الأزهـر
على قتيل مـن بـنـي هـاشـم بين سرير الملك والـمـنـبـر
والله رب البـيت والـمـشـعـر والله أن لو قتـل الـبـحـتـري
لثـار بـالـشـام لـه ثـــائر في ألف نغل من بني عض خرى
يقـدمـهـم كـل أخـــي ذلة علـى حـمـار دابـر أعـور فشاعت الأبيات حتى بلغت البحتري، فضحك، ثم قال: هذا الأحمق يرى أني أجيبه على مثل هذا، فلو عاش امرؤ القيس. فقال، من كان يجيبه?.

ذكر نتف من أخبار عريب مستحسنة
منزلتها في الغناء والأدب


صفحة : 2348

كانت عريب مغنية محسنة، وشاعرة صالحة الشعر، وكانت مليحة الخط والمذهب في الكلام، ونهاية في الحسن والجمال والظرف، وحسن الصورة وجودة الضرب، وإتقان الصنعة والمعرفة بالنغم والأوتار، والرواية للشعر والأدب، لم يتعلق بها أحد من نظرائها، ولا روئي في النساء بعد القيان الحجازيات القديمات، مثل جميلة وعزة الميلاء وسلامة الزرقاء ومن جرى مجراهن - على قلة عددهن - نظير لها، وكانت فيها من الفضائل التي وصفناها ما ليس لهن مما يكون لمثلها من جواري الخلفاء، ومن نشأ في قصور الخلافة وغذي برقيق العيش، الذي لا يدانيه عيش الحجاز، والنش بين العامة والعرب الجفاة، ومن غلظ طبعه، وقد شهد لها بذلك من لا يحتاج مع شهادته إلى غيره.
أخبرني محمد بن خلف وكيع، عن حماد بن إسحاق: قال: قال لي أبي: ما رأيت امرأة أضرب من عريب، ولا أحسن صنعة ولا أحسن وجها، ولا أخف روحا، ولا أحسن خطابا، ولا أسرع جوابا، ولا ألعب بالشطرنج والنرد، ولا أجمع لخصلة حسنة لم أر مثلها في امرأة غيرها. قال حماد: فذكرت ذلك ليحيى بن أكثم في حياة أبي، فقال: صدق أبو محمد، هي كذلك، قلت: أفسمعتها? قال: نعم هناك، يعني في دار المأمون، قلت: أفكانت كما ذكر أبو محمد في الحذق? فقال يحيى: هذه مسألة الجواب فيها على أبيك، فهو أعلم مني بها، فأخبرت بذلك أبي، فضحك، ثم قال: ما استحييت من قاضي القضاة أن تسأله عن مثل هذا.
هي وإسحاق والخليفة المعتصم: أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى: قال: حدثني أبي، قال: قال لي إسحاق: كانت عندي صناجة كنت بها معجبا، واشتهاها أبو إسحاق المعتصم في خلافة المأمون، فبينا أنا ذات يوم في منزلي، إذ أتاني إنسان يدق الباب دقا شديدا فقلت: انظروا من هذا? فقالوا: رسول أمير المؤمنين، فقلت: ذهبت صناجتي، تجده ذكرها له ذاكر، فبعث إلي فيها. فلما مضى بي الرسول انتهيت إلى الباب، وأنا مثخن، فدخلت، فسلمت، فرد علي السلام، ونظر إلى تغير وجهي، فقال لي: أسكن، فسكنت، فقال لي: إن صوتا وقال لي: أتدري لمن هو? فقلت: أسمعه، ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء الله ذلك، فأمر جارية من وراء الستارة، فغنته وضربت، فإذا هي قد شبهته بالغناء القديم، فقلت: زدني معها عودا آخر، فإنه أثبت لي، فزادني عودا آخر، فقلت: هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة، قال: من أين قلت ذاك? قلت: لما سمعت لينه عرفت أنه محدث من غناء النساء، ولما رأيت جودة مقاطعه علمت أن صاحبته ضاربة، وقد حفظت مقاطعه وأجزاءه، ثم طلبت عودا آخر، فلم أشك، فقال: صدقت، الغناء لعريب.
قال ابن المعتز: وقال يحيى بن علي: أمرني المعتمد على الله أن أجمع غناءها الذي صنعته، فأخذت منها دفاترها وصحفها التي كانت قد جمعت فيها غناءها فكتبته فكان ألف صوت.
أصواتها كما وكيفا: وأخبرني علي بن عبد العزيز، عن ابن خرداذبه: أنه سأل عريب عن صنعتها، فقالت: قد بلغت إلى هذا الوقت ألف صوت.
وحدثني محمد بن إبراهيم قريض أنه جمع غناءها من ديواني ابن المعتز، وأبي العبيس بن حمدون، وما أخذه عن بدعة جاريتها التي أعطاها إياها بنو هاشم، فقابل بعضه ببعض، فكان ألفا ومائة وخمسة وعشرين صوتا.
وذكر العتابي أن أحمد بن يحيى حدثه: قال: سمعت أبا عبد الله الهشامي يقول - وقد ذكرت صنعة عريب - : صنعتها مثل قول أبي دلف في خالد بن يزيد حيث يقول:
يا عين بكي خالدا ألفا ويدعى واحدا يريد أن غناءها ألف صوت في معنى واحد، فهي بمنزلة صوت واحد.
وحكى عنه أيضا هذه الحكاية ابن المعتز.
وهذا تحامل لا يحل، ولعمري إن في صنعتها لأشياء مرذولة لينة، وليس ذلك مما يضعها، ولا عري كبير أحد من المغنين القدماء والمتأخرين من أن يكون صنعته النادر والمتوسط سوى قوم معدودين مثل ابن محرز ومعبد في القدماء، ومثل إسحاق وحده في المتأخرين، وقد عيب بمثل هذا ابن سريج في محله، فبلغه أن المغنين في القدماء، ومثل إسحاق وحده في المتأخرين، وقد عيب بمثل هذا ابن سريج في محله، فبلغه أن المغنين يقولون: إنما يغني ابن سريج الأرمال والخفاف، وغناؤه يصلح للأعراس والولائم، فبلغه ذلك فتغنى بقوله:
لقد حببت نعم إلينا بوجههـا مساكن ما بين الوتائر فالنقع

صفحة : 2349

ثم توفي بعدها، وغناؤه يجري مجرى المعيب عليه، وهذا إسحاق يقول في أبيه: - على عظيم محله في هذه الصناعة وما كان إسحاق يشيد به من ذكره وتفضيله على ابن جامع وغيره - ولأبي ستمائة صوت، منها مائتان تشبه فيها بالقديم، وأتى بها في نهاية من الجودة، ومائتان غناء وسط مثل أغاني سائر الناس، ومائتان فلسية وددت أنه لم يظهرها وينسبها لنفسه، فأسترها عليه، فإذا كان هذا قول إسحاق في أبيه فمن يعتذر بعده من أن يكون له جيد ورديء، وما عري أحد في صناعة من الصناعة من حال ينقصه عن الغاية، لأن الكمال شيء تفرد الله العظيم به، والنقصان جبلة طبع بني آدم عليها، وليس ذلك إذا وجد في بعض أغاني عريب مما يدعو إلى إسقاط سائرها، ويلزمه اسم الضعف واللين، وحسب المحتج لها شهادة إسحاق بتفضيلها، وقلما شهد لأحد، أو سلم خلق - وإن تقدم وأجمع على فضله - من شينه إياه وطعنه عليه، لنفاسته في هذه الصناعة، واستصغاره أهلها، فقد تقدم في أخباره مع علوية، ومخارق، وعمرو بن بانة، وسليم بن سلام، وحسين بن محرز، ومن قبلهم ومن فوقهم مثل ابن جامع وإبراهيم بن المهدي وتهجينه إياهم، وموافقته لهم على خطئهم فيما غنوه وصنعوه مما يستغنى به عن الإعادة في هذا الموضع، فإذا انضاف فعله هذا بهم. وتفضيله إياها، كان ذلك أدل على التحامل ممن طعن عليها، وإبطاله فيما ذكرها به، ولقائل ذلك - وهو أبو عبد الله الهشامي - سبب كان يصطنعه عليها، فدعاه إلى ما قال، نذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ومما يدل على إبطاله أن المأمون أراد أن يمتحن إسحاق في المعرفة بالغناء القديم والحديث، فامتحنه بصوت من غنائها من صنعتها، فكاد يجوز عليه، لولا أنه أطال الفكر والتلوم واستثبت، مع علمه بالمذاهب في الصنعة، وتقدمه في معرفة النغم وعللها، والإيقاعات ومجاريها.
وأخبرنا بذلك يحيى بن علي بن يحيى: قال: حدثني أبي عن إسحاق: فأما السبب الذي كان من أجله يعاديها الهشامي، فأخبرني به يحيى بن محمد بن عبد الله بن طاهر قال: ذكر لأبي أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر عمي أن الهشامي زعم أن أحسن صوت صنعته عريب:
صاح قد لمت ظالما وإن غناءها بمنزلة قول أبي دلف في خالد:
يا عين بكي خالدا ألفا ويدعى واحدا فقال: ليس الأمر كما ذكر، ولعريب صنعة فاضلة متقدمة، وإنما قال هذا فيها ظلما وحسدا، وغمطها ما تستحقه من التفضيل، بخبر لها معه طريف، فسألناه عنه، فقال: أخرجت الهشامي معي إلى سر من رأى، بعد وفاة أخي، يعني أبا محمد بن عبد الله بن طاهر، فأدخلته على المعتز، وهو يشرب، وعريب تغني، فقال له: يا بن هشام، غن، فقال: تبت من الغناء قتل سيدي المتوكل، فقالت له عريب: قد والله أحسنت حيث تبت، فإن غناءك كان قليل المعنى، لا متقن ولا صحيح ولا مطرب، فأضحكت أهل المجلس جميعا منه، فخجل؛ فكان بعد ذلك يبسط لسانه فيها، ويعيب صنعتها، ويقول: هي ألف صوت في العدد، وصوت واحد في المعنى.
وليس الأمر كما قاله، إن لها لصنعة تشبهت فيها بصنعة الأوائل، وجودت، وبرزت فيها، منها:
أئن سكنت نفسي وقل عويلها ومنها:
تقول همي يوم ودعتها ومنها:
إذا أردت انتصافا كان ناصركم ومنها:
بأبي من هو دائي ومنها:
أسلموها في دمشق كما ومنها:
فلا تتعنتي ظلما وزورا ومنها:
لقد لام ذا الشوق الخلي من الهوى ونسخت ما أذكره من أخبارها، فأنسبه إلى ابن المعتز من كتاب دفعه إلي محمد بن إبراهيم الجراحي المعروف بقريض، وأخبرني أن عبد الله بن المعتز دفعه إليه، من جمعه وتأليفه، فذكرت منها ما استحسنته من أحاديثها، إذا كان فيها حشو كثير، وأضفت إليه ما سمعته ووقع إلي غير مسموع مجموعا ومتفرقا، ونسبت كل رواية إلى راويها.
برمكية النسب: قال ابن المعتز: حدثني الهشامي أبو عبد الله وأخبرني علي بن عبد العزيز، عن ابن خرداذبة قالا: كانت عريب لعبد الله بن إسماعيل صاحب مراكب الرشيد، وهو الذي رباها، وأدبها، وعلمها الغناء.
قال ابن المعتز: وحدثني غير الهشامي، عن إسماعيل بن الحسين خال المعتصم: أنها بنت جعفر بن يحيى، وأن البرامكة لما انتهبوا سرقت وهي صغيرة.
قال: فحدثني عبد الواحد بن إبراهيم بن محمد بن الخصيب: قال:

صفحة : 2350

حدثني من أثق به، عن أحمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي: أن أم عريب كانت تسمى فاطمة، وكانت قيمة لأم عبد الله بن يحيى بن خالد، وكانت صبية نظيفة، فرآها جعفر بن يحيى، فهويها، وسأل أم عبد الله أن تزوجه إياها، ففعلت، وبلغ الخبر يحيى بن خالد، فأنكره؛ وقال له: أتتزوج من لا تعرف لها أم ولا أب? اشتر مكانها مائة جارية وأخرجها، فأخرجها، وأسكنها دارا في ناحية باب الأنبار سرا من أبيه. ووكل بها من يحفظها، وكان يتردد إليها، فولدت عريب في سنة إحدى وثمانين ومائة، فكانت سنوها إلى أن ماتت ستا وتسعين سنة، قال: وماتت أم عريب في حياة جعفر، فدفعها إلى امرأة نصرانية، وجعلهها داية لها، فلما حدثت الحادثة بالبرامكة باعتهامن سنبس النخاس، فباعها من المراكبي.
قال ابن المعتز: وأخبرني يوسف بن يعقوب: إنه سمع الفضل بن مروان يقول: كنت إذا نظرت إلى قدمي عريب شبهتهما بقدمي جعفر بن يحيى، قال: وسمعت من يحكي أن بلاغتها في كتبها ذكرت لبعض الكتاب فقال: فما يمنعها من ذلك وهي بنت جعفر بن يحيى?.
وأخبرني جحظة قال: دخلت إلى عريب مع شروين المغني وأبي العبيس بن حمدون، وأنا يومئذ غلام علي قباء ومنطقة، فأنكرتني وسألت عني، فأخبرها شروين، وقال: هذا فتى من أهلك، هذا ابن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد، وهو يغني بالطنبور، فأدنتني، وقربت مجلسي، ودعت بطنبور، وأمرتني بأن أغني فغنيت أصواتا، فقالت: قد أحسنت يا بني ولتكونن مغنيا، ولكن إذا حضرت بين هذين الأسدين ضعت أنت وطنبورك بين عوديهما، وأمرت لي بخمسين دينارا.
قال ابن المعتز: وحدثني ميمون بن هارون: قال: حدثتني عريب قالت: بعث الرشيد إلى أهلها - تعني البرامكة - رسولا يسألهم عن حالهم، وأمره ألا يعلمهم أنه من قبله، قالت: فصار إلى عمي الفضل، فسأله، فأنشأ عمي يقول: صوت
سألونا عن حالنا كيف أنـتـم من هوى نجمه فكيف يكون?
نحن قوم أصابنا عـنـد الـده ر فظلنا لريبه نـسـتـكـين ذكرت عريب أن هذا الشعر للفضل بن يحيى، ولها فيه لحنان: ثاني ثقيل وخفيف ثقيل، كلاهما بالوسطى، وهذا غلط من عريب، ولعله بلغها أن الفضل تمثل بشعر غير هذا، فأنسيته وجعلت هذا مكانه.
فأما هذا الشعر فللحسين بن الضحاك، لا يشك فيه، يرثي به محمدا الأمين بعد قوله:
نحـن قـوم أصـابـنـا حـا دث الدهر فظلنا لريبه نستكين
نتمـنـى مـن الأمـين إيابـا كل يوم وأين منـا الأمـين? وهي قصيدة.
تعشق، وتهرب إلى معشوقها: قال ابن المعتز: وحدثني الهشامي: إن مولاها خرج إلى البصرة، وأدبها وخرجها وعلمها الخط والنحو والشعر والغناء، فبرعت في ذلك كله، وتزايدت حتى قالت الشعر، وكان لمولاها صديق يقال له حاتم بن عدي من قواد خراسان، وقيل: إنه كان يكتب لعجيف على ديوان الفرض، فكان مولاها يدعوه كثيرا، ويخالطه، ثم ركبه دين فاستتر عنه، فمد عينه إلى عريب، فكاتبها، فأجابته، وكانت المواصلة بينهما، وعشقته عريب، فلم تزل تحتال حتى اتخذت سلما من عقب، وقيل: من خيوط غلاظ، وسترته، حتى إذا همت بالهرب إليه بعد انتقاله عن منزل مولاها بمدة - وقد أعد لها موضعا - لفت ثيابها وجعلتها في فراشها بالليل، ودثرتها بدثارها، ثم تسورت من الحائط، حتى هربت، فمضت إليه، فمكثت عنده زمانا، قال: وبلغني أنها لما صارت عنده بعث إلى مولاها يستعير منه عودا تغنيه به، فأعاره عودها، وهو لا يعلم أنها عنده، ولا يتهمه بشيء من أمرها، فقال عيسى بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي، وهو عيسى ابن زينب يهو أباه ويعيره بها، وكان كثيرا ما يهجوه:
قاتـل الـلـه عـريبــا فعلت فعـلا عـجـيبـا
ركـبـت والـلــيل داج مركبا صعبـا مـهـوبـا
فارتقت متصلا بالـنـجـم أو مـنـه قــريبـــا
صبـرت حـتـى إذا مـا أقصد النـوم الـرقـيبـا
مثـلـت بـين حـشــايا هالكـيلا تـسـتـريبـا
خلـفـا مـنـهـا إذا نـو دي لم يلـف مـجـيبـا
ومضت يحملهـا الـخـو ف قضـيبـا وكـثـيبـا
محة لو حركت خفـت ع ليهـا أن تـــذوبـــا
فتدلت لمحب فتلقاها حبيبا

صفحة : 2351


جذلا ق دنال في الدنـي ا من الدنـيا نـصـيبـا
أيها الضبي الذي تسحر ع ناه الـقـلــوبـــا
والذي يأكـل بـعـضـا بعضه حسنـا وطـيبـا
كنـت نـهـبـا لـذئاب فلقد أطـعـمـت ذيبـا
وكـذا الـشـاة إذا لـم يك راعـيهـا لـبـيبـا
لا يبالـي وبـأ الـمـر عى إذا كان خصـيبـا
فلقد أصبح عبد الـلـه م كشـخـان حـريبــا
قد لعمري لطم الـوجـه وقد شـق الـجـيوبـا
وجـرت مـنـه دمـوع بكت الشعر الخضـيبـا وقال ابن المعتز: حدثنا محمد بن موسى بن يونس: أنها ملته بعد ذلك، فهربت منه، كانت تغني عند أقوام عرفتهم ببغداد، وهي متسترة متخفية، فلما كان يوم من الأيام اجتاز ابن أخ للمراكبي ببستان كانت فيه مع قوم تغني، فسمع غناءها، فعرفه، فبعث إلى عمه من وقته، وأقام هو بمكانه، فلم يبرح حتى جاء عمه، فلببها وأخذها، فضربها مائة مقرعة، وهي تصيح: يا هذا لم تقتلني أنا لست أصبر عليك، أنا امرأة حرة إن كنت مملوكة فبعني، لست أصبر على الضيقة، فلما كان من غد ندم على فعله، وصار إليها فقبل رأسها ورجلها، ووهب لها عشرة آلاف درهم، ثم بلغ محمدا الأمين خبرها، فأخذها منه، قال: وكان خبرها سقط إلى محمد في حياة أبيه، فطلبها منه، فلم يجبه إلى ما سأل، وقبل ذلك ما كان طلب منه خادما عنده، فاضطغن لذلك عليه، فلما ولي الخلافة جاء المراكبي، ومحمد راكب، ليقبل يده، فأمر بمنعه ودفعه، ففعل ذلك الشاكري، فضربه المراكبي وقال له: أتمنعني من يد سيدي أن أقبلها? فجاء الشاكري لما نزل محمد فشكاه، فدعا محمد بالمراكبي، وأمر بضر عنقه، فسئل في أمره، فأعفاه، وحبسه، وطالبه بخمسمائة ألف درهم مما اقتطعه من نفقات الكراع، وبعث، فأخذ عريب من منزله مع خدم كانوا له، فلما قتل محمد هربت إلى المراكبي، فكانت عنده ، قال: وأنشدني بعض أصحابنا لحاتم بن عدي الذي كانت عنده لما هربت إليه، ثم ملته فهربت منه، وهي أبيات عدة، هذان منها:
ورشوا على وجهي من الماء واندبوا قتيل عـريب لا قـتـيل حـروب
فليتك إن عجلتني فـقـتـلـتـنـي تكونين من بعد الممات نصـيبـي قال ابن المعتز: وأما رواية إسماعيل بن الحسين، خال المعتصم فإنها تخالف هذا، وذكر أنها إنما هربت من دار مولاها المراكبي إلى محمد بن حامد الخاقاني المعروف بالخشن، أحد قواد خراسان قال: وكان أشقر أصهب الشعر أزرق، وفيه تقول عريب - ولها فيه هزج ورمل من روايتي الهشامي وأبي العباس :
بأبـي كـل أزرق أصهب اللون أشقر
جن قلبـي بـه ول يس جنوني بمنكر تذكر ناسيا: قال ابن المعتز: وحدثني ابن المدبر قال: خرجت مع المأمون إلى أرض الروم، أطلب ما يطلبه الأحداث من الرزق، فكنا نسير مع العسكر، فلما خرجنا من الرقة رأينا جماعة من الحرم في العماريات على الجمازات وكنا رفقة، وكنا أترابا، فقال لي أحدهم: على بعض هذه الجمازات عريب، فقلت: من يراهنني أمر في جنبات هذه العماريات، وأنشد أبيات عيسى ابن زينب?.

قاتل الله عـريبـا فعلت فعلا عجيبا فراهنني بعضهم وعدل الرهنان وسرت إلى جانبها فأنشدت الأبيات رافعا صوتي بها، حتى أتممتها، فإذا أنا بامرأة قد أخرجت رأسها فقالت: يا فتى أنسيت أجود الشعر وأطيبه? أنسيت قوله:
وعريب رطبة الشف رين قد نيكت ضروبا اذهب فخذ ما بايعت فيه، ثم ألقت السجف، فعلمت أنها عريب، وبادرت إلى أصحابي خوفا من مكروه يلحقني من الخدم.
رقيب يحتاج إلى رقيب: أخبرني إسماعيل بن يونس قال: قال لنا عمر بن شبة: كانت للمراكبي جارية يقال لها مظلومة، جميلة الوجه، بارعة الحسن، فكان يبعث بها مع عريب إلى الحمام، أو إلى من تزوره من أهله ومعارفه، فكانت ربما دخلت معها إلى ابن حامد الذي كانت تميل إليه، فقال فيها بعض الشعراء وقد رآها عنده:
لقد ظلموك يا مظلوم لـمـا أقاموك الرقيب على عريب
ولو أولوك إنصافـا وعـدلا لما أخلوك أنت من الرقيب

صفحة : 2352


أتنهين المريب عن المعاصي فكيف وأنت من شأن المريب
وكيف يجانب الجاني ذنـوبـا لديك وأنت داعية الـذنـوب
فإن يسترقبوك على عـريب فما رقبوك من غيب القلوب وفي هذا المعنى، وإن لم يكن من جنس ما ذكرته ما أنشدنيه علي بن سليمان الأخفش في رقيبة مغنية استحسنت وأظنه للناشئ:
فديتك لو أنـهـم أنـصـفـوا لقد منعوا العين عن ناظـريك
ألم يقرءوا ويحـهـم مـا يرو ن من وحي طرفك في مقلتيك
وقد بعـثـوك رقـيبـا لـنـا فمن ذا يكون رقيبـا عـلـيك
تصدين أعينـنـا عـن سـواك وهل تنظر العـين إلا إلـيك من بلاط الأمين إلى بلاط المأمون: قال ابن المعتز: وحدثني عبد الواحد بن إبراهيم، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه، وعن محمد بن إسحاق البغوي، عن إسحاق بن إبراهيم: أن خبر عريب لما نمي إلى محمد الأمين بعث في إحضارها وإحضار مولاها، فأحضرا، وغنت بحضرة إبراهيم بن المهدي تقول:
لكل أناس جوهر متنـافـس وأنت طراز الآنسات الملائح فطرب محمد، واستعاد الصوت مرارا، وقال لإبراهيم: يا عم كيف سمعت? قال: يا سيدي، سمعت حسنا، وإن تطاولت بها الأيام، وسكن روعها ازداد غناؤها حسنا، فقال للفضل بن الربيع: خذها إليك، وساوم بها، ففعل، فاشتط مولاها في السوم، ثم أوجبها له بمائة ألف دينار، وانتقض أمر محمد، وشغل عنها، وشغلت عنه، فلم يأمر لمولاها بثمنها حتى قتل بعد أن أفتضها، فرجعت إلى مولاها، ثم هربت منه إلى حاتم بن عدي، وذكر باقي الخبر كما ذكره من تقدم.
وقال في خبره: إنها هربت من مولاها إلى ابن حامد، فلم تزل عنده حتى قدم المأمون بغداد، فتظلم إليه المراكبي من محمد بن حامد، فأمر بإحضاره فأحضر، فسأله عنها فأنكر، فقال له المأمون: كذبت قد سقط إلي خبرها. وأمر صاحب الشرطة أن يجرده في مجلس الشرطة، ويضع عليه السياط حتى يردها، فأخذه، وبلغها الخبر فركبت حمار مكار، وجاءت وقد جرد ليضرب، وهي مكشوفة الوجه، وهي تصيح: أنا عريب، إن كنت مملوكة فليبعني، وإن كنت حرة فلا سبيل له علي، فرفع خبرها إلى المأمون، فأمر بتعديلها عند قتيبة بن زياد القاضي، فعدلت عنده، وتقدم إليه المراكبي مطالبا بها، فسأله البينة على ملكه إياها، فعاد متظلما إلى المأمون، وقال: قد طولبت بما لم يطالب به أحد في رقيق، ولا يوجد مثله في بد من ابتاع عبدا أو أمة.
وتظلمت إليه زبيدة، وقالت: من أغلظ ما جرى علي بعد قتل محمد ابني هجوم المراكبي على داري وأخذه عريبا منها. فقال المراكبي: إنما أخذت ملكي، لأنه لم ينقدني الثمن، فأمر المأمون بدفعها إلى محمد بن عمر الواقدي - وكان قد ولاه القضاء بالجانب الشرقي - فأخذها من قتيبة بن زياد، فأمر ببيعها ساذجة، فاشتراها المأمون بخمسين ألف درهم، فذهبت به كل مذهب ميلا إليها ومحبة لها.
قال ابن المعتز: ولقد حدثني علي بن يحيى المنجم أن المأمون قبل في بعض الأيام رجلها، قال: فلما مات المأمون بيعت في ميراثه، ولم يبع له عبد ولا أمة غيرها، فاشتراها المعتصم بمائة ألف درهم، وأعتقها، فهي مولاته.
وذكر حماد بن إسحاق عن أبيه أنها لما هربت من دار محمد حين قتل تدلت من قصر الخلد بحبل إلى الطريق، وهربت إلى حاتم بن عدي.
وأخبرني جحظة، عن ميمون بن هارون: أن المأمون اشتراها بخمسة آلاف دينار، ودعا بعبد الله بن إسماعيل، فدفعها إليه وقال: لولا أني حلفت ألا أشتري مملوكا بأكثر من هذا لزدتك، ولكني سأوليك عملا تكسب فيه أضعافا لهذا الثمن مضاعفة، ورمى إليه بخاتمين من ياقوت أحمر، قيمتهما ألف دينار، وخلع خلعا سنية، فقال: يا سيدي، إنما ينتفع الأحياء بمثل هذا، وأما أنا فإني ميت لا محالة، لأن هذه الجارية كانت حياتي، وخرج عن حضرته، فاختلط وتغير عقله، ومات بعد أربعين يوما.
قال ابن المعتز: فحدثني علي بن يحيى قال: حدثني كاتب الفضل بن مروان: قال: حدثني إبراهيم بن رباح قال:












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 06-27-2006, 12:03 PM   المشاركة رقم: 48
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


صفحة : 2353

كنت أولى نفقات المأمون، فوصف له إسحاق بن إبراهيم الموصلي عريب، فأمره أن يشتريها، فاشتراها بمائة ألف درهم، فأمرني المأمون بحملها، وأن أحمل إلى إلى إسحاق مائة ألف درهم أخرى. ففعلت ذلك، ولم أدر لصائغها ودلالها، فجاء الفضل بن مروان إلى المأمون، وقد رأى ذلك، فأنكره، وسألني عنه، فقلت: نعم هو ما رأيت، فسأل المأمون، فدعاني، ودنوت إليه، وأخبرته أنه المال الذي خرج في ثمن عريب وصلة إسحاق، وقلت: أيما أصوب يا أمير المؤمنين: ما فعلت أو أثبت في الديوان أنها خرجت في صلة مغن وثمن مغنية? فضحك المأمون وقال: الذي فعلت أصوب، ثم قال للفضل بن مروان: يا نبطي، لا تعترض على كاتبي هذا في شيء.
وقال ابن المكي: حدثني أبي عن تحرير الخادم: قال: دخلت يوما قصر الحرم، فلمحت عريب جالسة على كرسي ناشرة شعرها تغتسل، فسألت عنها، فقيل: هذه عريب دعا بها سيدها اليوم، فافتضها.
قال ابن المعتز: فأخبرني ابن عبد الملك البصري: أنها لما صارت في دار المأمون احتالت حتى وصلت إلى محمد بن حامد، وكانت قد عشقته وكاتبته بصوت قالته، ثم احتالت في الخروج إليه، وكانت تلقاه في الوقت بعد الوقت، حتى حبلت منه وولدت بنتا، وبلغ ذلك المأمون فزوجه إياها.
وأخبرنا إبراهيم بن القاسم بن زرزور، عن أبيه، وحدثني به المظفر بن كيغلغ عن القاسم بن زرزور، قال: لما وقف المأمون على خبرها مع محمد بن حامد أمر بإلباسها جبة صوف وختم زيقها وحبسها في كنيف مظلم شهرا لا ترى الضوء، يدخل إليها خبز وملح وماء من تحت الباب في كل يوم، ثم ذكرها، فرق لها، وأمر بإخراجها، فلم فتح الباب عنها، وأخرجت لم تتكلم بكلمة حتى اندفعت تغني:
جبوه عن بصري فمثل شخصـه في القلب فهو محجب لا يحجب فبلغ ذلك المأمون، فعجب منها، وقال: لن تصلح هذه أبدا، فزوجها إياه.
نسبة هذا الصوت صوت
لو كان يقدر أن يبثـك مـا بـه لرأيت أحسن عاتب يتـعـتـب
حجبوه عن بصري فمثل شخصه في القلب فهو محجب لا يحجب الغناء لعريب ثقيل أول بالوسطى.
رقعة منها في تركه: قال ابن المعتز: وحدثني لؤلؤ صديق علي بن يحيى المنجم: قال: حدثني أحمد بن جعفر بن حامد: قال: لما توفي عمي محمد بن حامد صار جدي إلى منزله، فنظر إلى تركته، وجعل يقلب ما خلف، ويخرج إليه منها الشيء بعد الشيء إلى أن أخرج إليه سفط مختوم، ففض الخاتم، وجعل يفتحه، فإذا فيه رقاع عريب إليه، فجعل يتصفحها ويبتسم، فوقعت في يده رقعة، فقرأها، ووضعها من يده وقام لحاجة، فقرأتها فإذا فيها قوله: صوت
ويلي عليك ومنـكـا أوقعت في الحق شكا
زعمت أنـي خـئون جورا علي وإفـكـا
إن كان ما قلت حقـا أو كنت أزمعت تركا
فأبدل اللـه مـا بـي من ذلة الحب نسكـا لعريب في هذه الأبيات رمل وخزج، عن الهشامي والشعر لها.
تجيب على قبلة بطعنة: قال ابن المعتز: وحدثني عبد الوهاب بن عيسى الخراساني، عن يعقوب الرخامي: قال: كنا مع العباس بن المأمون بالرقة وعلى شرطته هاشم - رجل من أهل خراسان - فخرج إلي، وقال: يا أبا يوسف، ألقي إليك سرا لثقتي بك، وهو عندك أمانة، قلت: هاته، قال: كنت واقفا على رأس الأمين وبي حر شديد، فخرجت عريب، فوقفت معي، وهي تنظر في كتاب فما ملكت نفسي أن أومأت بقبلة، فقالت: كحاشية البرد. فوالله ما أدري ما أرادت، فقلت: قالت لك: طعنة.
قال: وكيف ذاك? قلت: أرادت قول الشاعر:
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة كحاشية البرد اليماني المسهـم وحكى هذه القصة أحمد بن أبي طاهر، عن بشر بن زيد، عن عبد الله بن أيوب بن أبي شمر، أنهم كانوا عند المأمون ومعهم محمد بن حامد، وعريب تغنيهم، فغنت تقول:
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة كحاشية البرد اليماني المسهـم فقال لها المأمون: من أشار إليك بقبلة، فقلت له طعنة? فقالت له: يا سيدي، من يشير إلي بقبلة من مجلسك? فقال: بحياتي عليك قالت: محمد بن حامد، فسكت.
تحب أميرا وتتزوج خادما: قال ابن المعتز: وحدثني محمد بن موسى: قال:

صفحة : 2354

اصطبح المأمون يوما ومعه ندماؤه، وفيهم محمد بن حامد وجماعة من المغنين، وعريب معه على مصلاه، فأومأ محمد بن حامد إليها بقبلة، فاندفعت تغني ابتداء:
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة كحاشية البرد اليماني المسهـم تريد بغنائها جواب محمد بن حامد بأن تقول له: طعنة، فقال لها المأمون: أمسكي، فأمسكت، ثم أقبل على الندماء فقال: من فيكم أومأ إلى عريب بقبلة? والله لئن لم يصدقني لأضربن عنقه، فقام محمد، فقال: أنا يا أمير المؤمنين أومأت إليها، والعفو أقرب للتقوى، فقال: قد عفوت.
فقال: كيف استدل أمير المؤمنين على ذلك? قال: ابتدأت صوتا، وهي لا تغني ابتداء إلا لمعنى، فعلمت أنها لم تبتدئ بهذا الصوت إلا لشيء أومئ به إليها، ولم يكن من شرط هذا الموضع إلا إيماء بقبلة، فعلمت أنها أجابت بطعنة.
قال ابن المعتز: وحدثني علي بن الحسين: أن عريب كانت تتعشق أبا عيسى بن الرشيد وروى غيره أنها كانت لا تضرب المصل إلا بحسن وجه أبي عيسى وحسن غنائه، وكانت تزعم أنها ما عشقت أحدا من بني هاشم وأصفته المحبة من الخلفاء وأولادهم سواه.
قال ابن المعتز: وحدثني بعض جوارينا: إن عريب كانت تتعشق صالحا المنذري الخادم، وتزوجته سرا، فوجه به المتوكل إلى ممكان بعيد في حاجة له، فقالت فيه شعرا، وصاغت لحنه في خفيف الثقيل وهو: صوت
أما الحبيب فقد مضى بالرغم مني لا الرضا
أخطأت في تركي لمن لم ألق منه معوضـا قال: فغنته يوما بين يدي المتوكل، فاستعاده، وجعل جواريه يتغامزن ويضحكن، فأصغت إليهن سرا من المتوكل، فقالت: يا سحاقات، هذا خير من عملكن.
قبلي سالفتي تجدي ريح الجنة: قال: وحدثت عن بعض جواري المتوكل، أنها دخلت يوما على عريب، فقالت لها: تعالي ويحك إلي، فجاءت. قال: فقالت: قبلي هذا الموضع مني فإنك تجدين ريح الجنة فأومأت إلى سالفتها، ففعلت، ثم قالت لها: ما السبب في هذا? قالت: قبلني صالح المنذري في ذلك الموضع.
وقت انسجام لا وقت ملام: قال ابن المعتز: وأخبرني أبو عبد الله الهشامي قال: حدثني محمد بن يحيى الواثقي، قال: قال لي محمد بن حامد ليلة: أحب أن تفرغ لي مضربك، فإني أريد أن أجيئك، فأقيم عندك، ففعلت، ووافاني، فلما جلس جاءت عريب، فدخلت.
وقد حدثني به جحظة: قال: حدثني أبو عبد الله بن حمدون: أن عريب زارت محمد بن حامد، وجلسا جميعا، فجعل يعاتبها، ويقول: فعلت كذا، وفعلت كذا، فقالت لي: يا محمد، هذا عندك رأي? ثم أقبلت عليه، فقالت: يا عاجز خذ بنا فيما نحن فيه وفيما جئنا إليه.
وقال جحظة في خبره: اجعل سراويلي مخنقتي، وألصق خلخالي بقرطي، فإذا كان غد فاكتب إلي بعتابك في طومار حتى أكتب إليك بعذري في ثلاثة، ودع هذا الفضول، فقد قال الشاعر: صوت
دعي عد الذنوب إذا التقينا تعالي لا أعد ولا تعـدي وتمام هذا قوله:
فأقسم لو هممت بمد شعري إلى نار الجحيم لقلت مدي الشعر للمؤمل: والغناء لعريب، خفيف رمل، وفيه لعلوية رمل بالبنصر من رواية عمرو بن بانة: مع ثمانية من الخلفاء: أخبرني أبو يعقوب إسحاق بن الضحاك بن الخصيب: قال: حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات قال: كنت يوما عند أخي أبي العباس، وعنده عريب جالسة على دست مفرد لها، وجواريها يغنين بين يدينا وخلف ستارتنا، فقلت لأخي - وقد جرى ذكر الخلفاء : قالت لي عريب: ناكني منهم ثمانية ما اشتهيت منهم أحدا إلا المعتز، فإنه كان يشبه أبا عيسى بن الرشيد. قال ابن الفرات: فأصغيت إلى بعض بني أخي، فقلت له: فكيف ترى شهوتها الساعة فضحك ولمحته، فقالت: أي شيء قلتم? فجحدتها. فقالت لجواريها: أمسكن، ففعلن، فقالت: هن حرائر لئن لم تخبراني بما قلتما لينصرفن جميعا، وهن حرائر. إن حردت من شيء جرى، ولو أنها تسفيل، فصدقتها. فقالت: وأي شيء في هذا? أما الشهوة فبحالها، ولكن الآلة قد بطلت أو قالت: قد كلت، عودوا إلى ما كنتم فيه.
شرطان فاحشان: وحدثني الحسن بن علي بن مودة قال: حدثني إبراهيم بن أبي العبيس: قال: حدثنا أبي: قال:

صفحة : 2355

دخلنا على عريب يوما مسلمين، فقالت: أقيموا اليوم عندي حتى أطعمكم لوزنيجة صنعتها بدعة بيدها من لوز رطب، وما حضر من الوظيفة، وأغنيكم أنا وهي، قال: فقلت لها على شريطة، قالت: وما هي? قلت: شيء أريد أن أسألك عنه منذ سنين، وأنا أهابك? قالت: ذاك لك، وأنا أقدم الجواب قبل أن تسأل، فقد علمت ما هو، فعجبت لها، وقلت: فقولي، فقالت: تريد أن تسألني عن شرطي أي شرط هو? فقلت: إي والله ذاك الذي أردت. قالت: شرطي أير صلب، ونكهة طيبة، فإن انضاف إلى ذلك حسن يوصف، وجمال يحمد فقد زاد قدره عندي، وإلا فهذان ما لا بد لي منهما.
تلقن حبيبها درسا في كيف تكون الهدية: وحدثني الحسن بن علي، عن محمد بن ذي السيفين إسحاق بن كنداجيق. عن أبيه: قال: كانت عريب تولع بي وأنا حديث السن، فقالت لي يوما: يا إسحاق قد بلغني أن عندك دعوة فابعث إلي نصيبي منها، قال: فاستأنفت طعاما كثيرا. وبعثت إليها منه شيئا كثيرا؛ فأقبل رسولي من عندها مسرعا. فقال لي: لما بلغت إلى بابها، وعرفت خبري أمرت بالطعام فأنهب وقد وجهت إليك برسول. وهو معي، فتحيرت وظننت أنها قد استقصرت فعلي، فدخل الخادم ومعه شيء مشدود في منديل ورقعة، فقرأتها، فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، يا عجمي يا غبي، ظننت أني من الأتراك ووخش الجند، فبعثت إلي بخبز ولحم وحلواء، الله المستعان عليك، يا فدتك نفسي، قد وجهت إليك زلة من حضرتي، فتعلم ذلك من الأخلاق ونحوه من الأفعال، ولا تستعمل أخلاق العامة، في رد الظرف. فيزداد العيب والعتب عليك إن شاء الله، فكشفت المنديل، فإذا طبق ومكبه من ذهب منسوج على عمل الخلاف، وفيه زبدية فيها لقمتان من رقاق، وقد عصبت طرفيهما وفيها قطعتان من صدر دراج مشوي ونقل وطلع وملح. وانصرف رسولها.
أيهما أغلى: الخلافة أم الخل الوفي? قال ابن المعتز: حدثني الهشامي أبو عبد الله. عن رجل ذكره، عن علوية قال: أمرين المأمون وسائر المغنين في ليلة من الليالي أن نصير إليه بكرة ليصطبح، فغدونا ولقيني المراكبي موىل عريب، وهي يومئذ عنده، فقال لي: يأيها الرجل الظالم المعتدي، أما ترق ولا ترحم ولا تستحي? عريب هائمة تحلم بك في النوم ثلاث مرات في كل ليلة، قال علوية: فقلت: أم الخلافة زانية. ومضيت معه، فحين دخلت قلت: استوثق من الباب، فإني أعرف خلق الله بفضول البوابين والحجاب، وإذا عريب جالسة على كرسي تطبخ، وبين يديها ثلاث قدور من دجاج، فلما رأتين قامت تعانقني وتقبلني، ثم قالت: أيما أحب إليك أن تأكل من هذه القدور، أو تشتهي شيئا يطبخ لك، فقلت: بل قدر من هذه تكفينا، فغرفت قدرا منها، وجعلتها بيني وبينها، فأكلنا ودعونا بالنبيذ، فجلسنا نشرب حتى سكرنا، ثم قالت: يا أبا الحسن، صنعت البارحة صوتا في شعر لأبي العتاهية، فقلت: وما هو? فقالت هو:
عذيري من الإنسان لا إن جفوته صفا لي ولا إن كنت طوع يديه وقالت لي: قد بقي فيه شيء، فلم نزل نردده أنا وهي حتى استوى، ثم جاء الحجاب فكسروا باب المراكبي واستخرجوني، فدخلت على المأمون، فلما رأيته أقبلت أمشي إليه برقص وتصفيق، وأنا أغني الصوت، فسمع وسمع من عنده ما لم يعرفوه واستظرفوه، وسألني المأمون عن خبره، فشرحته له. فقال لي: ادن وردده، فرددته عليه سبع مرات. فقال في آخر مرة: يا علوية. خذ الخلافة واعطني هذا الصاحب.
نسبة هذا الصوت صوت
عذيري من الإنسان لا إن جفوته صفا لي ولا إن كنت طوع يديه
وإني لمشتاق إلى قرب صاحب يروق ويصفو إن كدرت عليه الشعر من الطويل وهو لأبي العتاهية، والغناء لعريب، خفيف ثقيل أول بالوسطى، ونسبه عمرو بن بانة في هذه الطريقة والأصبغ إلى علوية.
لماذا غضب الواثق والمعتصم عليها: قال ابن المعتز: وحدثني القاسم بن زرزور: قال: حدثتني عريب قالت: كنت في أيام محمد ابنة أربع عشرة سنة، وأنا حينئذ أصوغ الغناء.
قال القاسم: وكانت عريب تكايد الواثق فيما يصوغه من الألحان وتصوغ في ذلك الشعر بعينه لحنا أجود من لحنه، فمن ذلك:
لم آت عامدة ذنبـا إلـيك بـلـى أقر بالذنب فاعف اليوم عن زللي لحنها فيه حفيف ثقيل، ولحن الواثق رمل، ولحنها أجود من لحنه، ومنها:

صفحة : 2356


أشكو إلى الله ما ألقى من الكمد حسبي بربي ولا أشكو إلى أحد لحنها ولحن الواثق جميعا من الثقيل الأول، ولحنها أجود من لحنه.
نسبة هذين الصوتين صوت
لم آت عامدة ذنبـا إلـيك بـلـى أقر بالذنب فاعف اليوم عن زللي
فالصفح من سيد أولى لمعـتـذر وقاك ربك يوم الخوف والوجـل الغناء للواثق رمل، ولعريب خفيف ثقيل وذكر ذكاء وجه الرزة أن لطالب بن يزداد فيه هزجا مطلقا.
صوت
أشكو إلى الله ما ألقى من الكمد حسبي بربي ولا أشكو إلى أحد
أين الزمان الذي قد كنت ناعمة في ظله بدنوي منك يا سنـدي
وأسأل الله يوما منك يفرحـنـي فقد كحلت جفون العين بالسهد
شوقا إليك وما تدري بما لقـيت نفسي عليك وما بالقلب من كمد الغناء لعريب ثقيل أول بالوسطى، وللواثق ثقيل أول بالبنصر.
قال ابن المعتز: وكان سبب انحراف الواثق عنها. وكيادها آياه، وانحراف المعتصم عنها أنه وجد لها كتابا إلى العباس بن المأمون ببلد الروم: اقتل أنت العلج ثم، حتى أقلت أنا الأعور الليلي هاهنا. تعني الواثق، وكان يسهر بالليل، وكان المعتصم استخلفه ببغداد.
تغضب على جارية مبتذلة: قال: وحدثني أو العبيس بن حمدون قال: غضبت عريب على بعض جواريها المذكورات - وسماها لي - فجئت إليها يوما. وسألتها أن تعفو عنها. فقالت في بعض ما تقوله، مما تعتد به عليها من ذنوبها: يا أبا العبيس إن كنت تشتهي أن ترى زناي وصفاقة وجهي وجراءتي على كل عظيمة أيام شبابي فانظر إليها واعرف أخبارها.
كانت تجيد ركوب الخيل: قال ابن المعتز: وحدثني القاسم بن زرزور قال: حدثني المعتمد، قال: حدثتني عريب أنها كانت في شبابها يقدم إليها برذون. فتطفر عليه بلا ركاب.
تندمج في الصوت فلا تحس لدغ العقرب: قال: وحدثني الأسدي: قال: حدثني صالح بن علي بن الرشيد المعروف بزعفرانة: قال: تمارى خالي أبو علي مع المأمون في صوت، فقال المأمون: أين عريب? فجاءت وهي محمومة، فسألها عن الصوت فقالت فيه بعلمها، فقال لها: غنية، فولت لتجيء بعود، فقال لها: غنية بغير عود، فاعتمدت على الحائط للحمي وغنت، فأقبلت عقرب، فرأيتها قد لسعت يدها مرتين أو ثلاثا، فما نحت يدها، ولا سكتت. حتى فرغت من الصوت، ثم سقطت وقد غشي عليها.
غسالة رأسها تتقسمها جواريها: قال ابن المعتز: وحدثني أبو العباس بن الفرات: قال: قالت لي تحفة جارية عريب: كانت عريب تجد في رأسها بردا، فكانت تغلف شعرها مكان العلة بستين مثقالا مسكا وعنبرا، وتغسله من جمعة إلى جمعة، فإذا غسلته أعادته، وتتقسم الجواري غسالة رأسها بالقوارير وما تسرحه منه بالميزان.
ترتجل معارضة لصوت: حدثني أحمد بن جعفر جحظة، عن علي بن يحيى المنجم: قال: دخلت يوما على عريب مسلما عليها، فلما اطمأننت جالسا هطلت السماء بمطر عظيم، فقالت: أقم عندي اليوم حتى أغنيك أنا وجواري، وابعث إلى من أحببت من إخوانك، فأمرت بدوابي فردت، وجلسنا نتحدث، فسألتني عن خبرنا بالأمس في مجلس الخليفة، ومن كان يغنينا، وأي شيء استحسنا من الغناء، فأخبرتها أن صوت الخليفة كان لحنا صنعه بنان من الماخوري، فقالت: وما هو? فأخبرتها أنه: صوت
تجافي ثم تنـطـبـق جفون حشوها الأرق
وذي كلف بكى جزعا وسفر القوم منطلق
به قلق يمـلـمـلـه وكان وما به قلـق
جوانحه على خطـر بنار الشوق تحتـرق فوجهت رسولا إلى بنان، فحضر من وقته، وقد بلته السماء، فأمرت بخلع فاخرة، فخلعت عليه، وقدم له طعام فاخر، فأكل وجلس يشرب معنا، وسألته عن الصوت، فغناها إياه فأخذت دواة ورقعة وكتبت فيها:
أجـاب الـوابـــل الـــغـــدق وصـاح الـنـرجـس الـغـــرق
وقد غنى بنان لنا: جفون حشوها الأرق
فهات الكأس مترعة كأن حـبــابـــهـــا حـــدق قال علي بن يحيى: فما شربنا بقية يومنا إلا على هذه الأبيات.
ررموز برموز: حدثني محمد بن خلف بن المرزبان، عن عبد الله بن محمد المروزي: قال:

صفحة : 2357

قال لي الفضل بن العباس بن المأمون: زارتني عريب يوما ومعها عدة من جواريها، فوافتنا ونحن على شرابنا، فتحادثنا ساعة. وسألتها أن تقيم عندي، فأبت وقالت: دعاني جماعة من إخواني من أهل الأدب والظرف، وهم مجتمعون في جزيرة المؤيد، فيهم إبراهيم بن المدبر وسعيد بن حميد ويحيى بن عيسى بن منارة، وقد عزمت على المسير إليهم، فحلفت عليها. فأقامت عندنا، ودعت بدواة وقرطاس فكتبت: بسم الله الرحمن الرحيم وكتبت بعد ذلك في سطر واحد ثلاثة أحرف متفرقة لم تزد عليها، وهي: أردت، ولولا، ولعلي.
ووجهت به إليهم، فلما وصلت الرقعة عيوا بجوابها، فأخذ إبراهيم بن المدبر الرقعة، فكتب تحت أردت: ليت، وتحت لولا: ماذا، وتحت لعلي: أرجو. ووجهوا بالرقعة فصفقت ونعرت وشربت رطلا وقالت لنا: أأترك هؤلاء وأقعد عندكم? إذا تركني الله من يديه، ولكني أخلف عندكم من جواري من يكفيكم، وأقوم إليهم، ففعلت ذلك وخلفت عندنا بعض جواريها، وأخذت معها بعضهن، وانصرفت.
لها حكم النظام: أخبرنا محمد بن خلف، عن سعيد بن عثمان بن أبي العلاء، عن أبيه قال: عتب المأمون على عريب، فهجرها أياما، ثم اعتلت فعادها، فقال لها: كيف وجدت طعم الهجر? فقالت: يا أمير المؤمنين، لولا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل، ومن ذم بدء الغضب أحمد عاقبة الرضا، قال: فخرج المأمون إلى جلسائه، فحدثهم بالقصة، ثم قال: أترى هذا لو كان من كلام النظام ألم يكن كبيرا?.
لا تريد دخيلا بينها، وبين المأمون: حدثني محمد بن خلف، عن أبي العيناء، عن أحمد بن أبي داود: قال: جرى بين عريب وبين المأمون كلام، فكلمها المأمون بشيء غضبت منه، فهجرته أياما، قال أحمد بن أبي دواد: فدخلت على المأمون. فقال لي: يا أحمد، اقض بيننا، فقالت عريب: لا حاجة لي في قضائه ودخوله فيما بيننا، وأنشأت تقول:
وتخلط الهجر بالوصال لا يدخل في الصلح بيننا أحد ماذا كانت تفعل في خلوتها مع محمد بن حامد: حدثني محمد بن خلف قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن أحمد بن حمدون، عن أبيه، قال: كنت حاضرا مجلس المأمون ببلاد الروم بعد صلاة العشاء الآخرة في ليلة ظلماء ذات رعود وبروق، فقال لي المأمون: اركب الساعة فرس النوبة وسر إلى عسكر أبي إسحاق - يعني المعتصم - فأد إليه رسالتي في كيت وكيت، قال: فركبت ولم تثبت مع شمعة، وسمعت وقع حافر دابة، فرهبت ذلك، وجعلت أتوقاه، حتى صك ركابي ركاب تلك الدابة، وبرقت بارقة فأضاءت وجه الراكب، فإذا عريب، فقلت: عريب? قالت: نعم، حمدون، قلت: نعم. ثم قتل: من أين أقبلت في هذا الوقت? قالت: من عند محمد بن حامد، قلت: وما صنعت عنده? قالت عريب: ياتكش، عريب تجيء من عند محمد بن حامد في هذا الوقت خارجة من مضرب الخليفة وراجعة إليه، تقول لها: أي شيء عملت عنده? صليت مع التراويح? أو قرأت عليه أجزاء من القرآن، أو دارسته شيئا من الفقه، يا أحمق تعاتبنا، وتحادثنا، واصطلحنا، ولعبنا، وشربنا، وغنينا، وتنايكنا، وانصرفنا، فأخجلتني وغاظتني، وافترقنا، ومضيت فأديت الرسالة، ثم عدت إلى المأمون وأخذنا في الحديث وتناشد الأشعار، وهممت والله أن أحدثه حديثها، ثم هبته فقلت: أقدم قبل ذلك تعريضا بشيء من الشعر، فأنشدته:
ألا حي أطلالا لواسعة الـحـبـل ألوف تسوى صالح القوم بالـرذل
فلو أن من أمسى بجانـب تـلـعة إلى جبلي طي فساقطة الحـبـل
جلوس إلى أن يقصر الظل عندهـا لراحوا وكل القوم منها على وصل فقال لي المأمون: اخفض صوتك لا تسمعك عريب فتغضب، وتظن أنا في حديثها، فأمسكت عما أردت أخبره، وخار الله لي في ذلك.
تعشق ولا تعشق: حدثني محمد بن أحمد الحكيمي: قال: أخبرني ميمون بن هارون، قال: قال لي ابن اليزيدي: حدثني أبي قال: خرجنا مع المأمون في خروجه إلى بلد الروم، فرأيت عريب في هودج، فلما رأتني قالت لي: يا يزيدي، أنشدني شعرا قلته حتى أصنع فيه لحناص فأنشدتها:
ماذا بقلبي من دوام الخفق إذا رأيت لمعان الـبـرق
من قبل الأردن أو دمشـق لأن من أهوى بذاك الأفق
فإن فيه وهو أعز الخلـق علي والزور خلاف الحق

صفحة : 2358


ذاك الذي يملك مني رقـي ولست أبغي ما حييت عتقي قال: فتنفست تنفسا ظننت أن ضلوعها قد تقصفت منه، فقلت: هذا والله تنفس عاشق، فقالت: اسكت يا عاجز أنا أعشق، والله لقد نظرت نظرة مريبة في مجلس، فادعاها من أهل المجلس عشرون رئيسا طريقا.
بيتا عباس بن الأحنف يصلحان بينها وبين حبيبها: حدثني محمد بن خلف: قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر: قال: حدثني أحمد بن حمدون: قال: وقع بين عريب وبين محمد بن حامد شر، وكان يجد بها الوجد كله، فكادا يخرجان من شرهما إلى القطيعة، وكان في قلبها منه أكثر مما في قلبه منها، فلقيته يوما، فقالت له: كيف قلبك يا محمد? قال: أشقى والله ما كان وأقرحه، فقالت له: استبدل تسل، فقل لها: لو كانت البلوى باختيار لفعلت: فقالت: لقد طال إذا تعبك، فقال: وما يكون? أصبر مكرها، أما سمعت قول العباس بن الأحنف.

تعب يطول مع الرجاء بذي الهوى خير له من راحة فـي الـيأس
لولا كرامتكم لما عـاتـبـتـكـم ولكنتم عندي كبعـض الـنـاس قال: فذرفت عينناها، واعتذرت إليه وأعتبته، واصطلحا، وعادا إلى أفضل ما كانا عليه.
اختلاف في فن عريب: حدثني أحمد بن جعفر جحظة: قال: قال لي أبو العباس بن حمدون - وقد تجاذبنا غناء عريب - ليس غناؤها مما يعتد بكثرته، لأن سقطه كثير، وصنعتها ساذجة، فقلت له: ومن يعرف في الناس كلهم من مغني الدولة العباسية سلمت صنعته كلها حتى تكون مثله ثم جعلت أعد ما أعرفه من جيد صنعتها ومتقدمها وهو يعترف بذلك، حتى عددت نحوا من مائة صوت مثل لحنها في:
يا عز هل لك في شيخ فتى أبدا
وسيسليك عما فات دولة مفضل
وصاح قد لمت ظالما
وضحك الزمان وأشرقت ونحو هذا، ثم قال لي: ما خلفت عريب بعدها امرأة مثلها في الغناء والرواية والصنعة، فقلت له: لا، ولا كثيرا من الرجال أيضا.
قصة لحن في بيت يتيم: ولعريب في صنعتها:
يا عز هل لك في شيخ فتى أبدا خبر أخبرني ببعضه أحمد بن عبيد الله بن عمار، عن ميمون بن هارون.
وذكر ابن المعتز أن عبد الواحد بن إبراهيم بن الخصيب حدثه عمن يثق به، عن أحمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي: قال: قالت لي عريب: حج بي أبوك وكان مضعوفا، فكان عديلي، وكنت في طريق أطلب الأعراب فأستنشدهم الأشعار، وأكتب عنهم النوادر وسائر ما أسمعه منهم، فوقف شيخ من الأعراب علينا يسأل، فاستنشدته، فأنشدني:
يا عز هل لك في شيخ فتى أبدا وقد يكون شباب غير فـتـيان فاستحسنته، ولم أكن سمعته قبل ذلك، قلت: فأنشدني باقي الشعر، فقال لي: هو يتيم، فاستحسنت قوله وبررته، وحفظت البيت وغنيت فيه صوتا من الثقيل الأول، ومولاي لا يعلم بذلك لضعفه، فلما كان في ذلك اليوم عشيا قال لي: ما كان أحسن ذلك البيت الذي أنشدك إياه الأعرابي، وقال لك: إنه يتيم. أنشدينيه إن كنت خفظته، فأنشدته، إياه، وأعلمته أني قد غنيت فيه، ثم غنيته له، فوهب لي ألف درهم بهبذا السبب، وفرح بالصوت فرحا شديدا.
قال ابن المعتز: قال ابن الخصيب: فحدثني هذا المحدث أنه قد حضر بعد ذلك بمجلس أبي عيسى بن المتوكل - ومن هاهنا تتصل رواية ابن عمار، عن ميمون، وقد جمعت الروايتين إلا أن ميمون بن هارون ذكر أنهم كانوا عند جعفر بن المأمون، وعندهم أبو عيسى، وكان عندهم علي بن يحيى، وبدعة جارية عريب تغنيهم - فذكر علي بن يحيى أن الصنعة فيه لغير عريب، وذكر أنها لا تدعى هذا وكابر فيه، فقام جعفر بن المأمون، فكتب رقعة إلى عريب - ونحن لا نعلم - يسألها عن أمر الصوت وأن تكتب إليه بالقصة، ففعلت، فكتبت إليها بخطها: بسم الله الرحمن الرحيم.

هنيا لأرباب البيوت بيوتهـم وللعزب المسكين ما يتلمس

صفحة : 2359

أنا المسكينة، وحيدة فريدة بغير مؤنس، وأنتم فيما أنتم فيه، وقد أخذتم أنسي ومن كان يلهيني، تعني جاريتها: بدعة وتحفة - فأنتم في القصف والعزف، وأنا في خلاف ذلك، هناكم الله وأبقاكم، وسألت - مد الله في عمرك - عما اعترض فيه فلان، والقصة في هذا الصوت كذا وكذا، وقصت قصتها مع الأعرابي كما حدثت به، ولم تخرم حرفا منها، فجاء الجواب إلى جعفر بن المأمون فقرأه وضحك. ثم رمى به إلى أبي عيسى، ورمى به أبو عيسى إلي، وقال: اقرأه، وكان علي بن يحيى جالسا إلى جنبي، فأراد أن يستلب الرقعة، فمنعته، وقمت ناحية، فقرأتها: فأنكر ذلك، وقال: ما هذا? فورينا الأمر عنه لئلا تقع عربدة، وكان - عفا الله عنا وعنه - مبغضا لها.
تروي قصة غرامية عن أبي محلم: قال ابن المعتز: وحدثني أبو الخطاب العباس بن أحمد بن الفرات، قال: حدثني أبي، قال: كنا يوما عند جعفر بن المأمون نشرب وعريب حاضرة إذا غنى بعض من كان هناك:
يا بدر إنك قد كسيت مشابـهـا من وجه ذاك المستنير الـلائح
وأراك تمصح بالمحاق، وحسنها باق على الأيام ليس بـبـارح فضحكت عريب وصفقت وقالت: ما على وجه الأرض أحد يعرف خبر هذا الصوت غيري، فلم يقدم أحد منا على مسألتها عنه غيري، فسألتها، فقالت: أنا أخبركم بقصته، ولولا أن صاحب القصة قد مات لما أخبرتكم، إن أبا محلم قدم بغداد، فنزل بقرب دار صالح المسكين في خان هناك، فاطلعت أم محمد ابنة صالح يوما، فرأته يبول، فأعجبها متاعه. وأحبت مواصلته، فجعلت لذلك علة بأن وجهت إليه تقترض منه مالا، وتعلمه أنها في ضيقة وأنها ترده إليه بعد جمعة، فبعث إليها عشرة آلاف درهم، وحلف أنه لو ملك غيرها لبعث به، فاستحسنت ذلك وواصلته، وجعلت القرض سببا للوصلة، فكانت تدخله إليها ليلا، وكنت أنا أغني لهم، فشربنا ليلة في القمر، وجعل أبو محلم ينظر إليه، ثم دعا بدواة ورقعة، وكتب فيها قوله:
يا بدر إنك قد كسيت مشابهـا من وجه أم محمد ابنة صالح والبيت الآخر، وقال لي: غني فيه، ففعلت واستحسناه وشربنا عليه، فقلت لي أم محمد في آخر المجلس: يا أختي، قد تنبلت في هذا الشعر إلا أنه سيبقى علي فضيحة آخر الدهر، فقال أبو محلم: وأنا أغيره، فجعل مكان أم محمد ابنة صالح، ذاك المستنير اللائح . وغنيته كما غيره، وأخذه الناس عني، ولو كانت أم محمد حية لما أخبرتكم بالخبر.
فأما نسبة هذا الصوت فإن الشعر لأبي محلم النسابة، والغناء لعريب ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى من رواية الهشامي وغيره، وأبو محلم اسمه عوف بن محلم.
تستزير حبيبها فيخشى على نفسه: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي، عن ميمون بن هارون: قال: كتبت عريب إلى محمد بن حامد - الذي كانت تهواه - تستزيره، فكتب إليها: إني أخاف على نفسي، فكتبت إليه.
صوت
إذا كنت تحذر ماتحـذر وتزعم أنك لا تجسـر
فمالي أقيم على صبوتي ويوم لقـائك لا يقـدر فصار إليها من وقته.
لعريب في هذين البيتين وبيتين آخرين بعدهما لم يذكرا في الخبر رمل، ولشاريه خفيف رمل، جمعا من رواية ابن المعتز، والبيتان الآخران:
تبينت عذري وما تعـذر وأبليت جسمي وما تشعر
ألفت السرور وخليتـنـي ودمعي من العين ما يفتر وذكر ميمون في هذا الخبر أن محمد بن حامد كتب إليها يعاتبها في شيء كرهه، فكتبت إليه تعتذر، فلم يقبل، فكتبت إليه بهذين البيتين الآخرين اللذين ذكرتهما بعد نسبة هذا الصوت.
صوت
أحببت من شعر بشار لحبـكـم بيتا، كلفت به من شعر بشـار
يا رحمة الله حلي في منازلـنـا وجاورينا فدتك النفس من جـار
إذا ابتهلت سألت الله رحمـتـه كنيت عنك وما يعدوك إضماري الشعر لأبي نواس منه البيت الأول، والثاني لبشار ضمنه أبو نواس، والغناء لعريب ثقيل أول بالبنصر، ولعمرو بن بانة في الثاني والثالث رمل.
وهذا الشعر يقوله أبو نواس في رحمة بن نجاح عم نجاح بن سلمة الكاتب.
رحمة حبيبة بشار ورحمة حبيب أبي نواس: أخبرني بخبره علي بن سليمان الأخفش، عن محمد بن يزيد النحوي: قال:

صفحة : 2360

كان بشار يشبب بامرأة يقال لها رحمة، وكان أبو نواس يتعشق غلاما اسمه رحمة بن نجاح، عم نجاح بن سلمة الكاتب، وكانت متقدما في جماله، وكان أبوه قد ألزمه وأخاه رجلا مدنيا، وكان معهم كأحدهم، وأكثر أبو نواس التشبيب برحمة في إقامته ببغداد وشخوصه عنها، وكان بشار قد قال في رحمة المرأة التي يهواها.

يا رحمة الله حلي في منازلـنـا حسبي برائحة الفردوس من فيك
يا أ يب الناس ريقا غير مختبـر إلا شهادة أطراف المـسـاويك فقال أبو نواس، وضمن بيت بشار.

أحببت من شعر بشار لحبكم بيتا كلفت به من شعر بشار الأبيات الثلاثة....
وقال فيه:
يا مـن تـأهـــب مـــزمـــعـــا لـــرواح متـيمــمـــا بـــغـــداد غـــير مـــلاح
في بـطـن جـارية كـفـتــك بـــســـيرهـــا رمـلا وكــل ســـبـــاحة الـــســـبـــاح
بنـيت عــلـــى قـــدر ولاءم بـــينـــهـــا صنــفـــان مـــن قـــار ومـــن ألـــواح
وكأنها والماء ينضح صدرهاوالخيزرانة في يد الـمـلاح
جون من الغربان يبتدر الدجى يهـوي بـصـوت واصـطــفـــاق جـــنـــاح
سلـم عـلـى شـاطـي الـصـراة وأهــلـــهـــا واخـصـص هـنــاك مـــدينة الـــوضـــاح
واقصد هذيت ولا تكن متحيرا فيمقصد عن ظبي آل نجاح
عن رحمة الرحمن واسأل من ترى سيمـــاه ســـيمـــا شـــارب لـــلـــراح
فإذا دفـــعـــت إلـــى أغـــن وألـــثـــغ ومـــنـــعـــم ومـــكـــحــــل ورداح
وكـشـمـسـنـا وكـبـدرنـا حـاشـى الـــتـــي سمـيتـهـا مـنــه بـــنـــور أقـــاحـــي
فاقـصـد لـوقـت لـقـــائه فـــي خـــلـــوة لتـبـوح عـنـــي ثـــم كـــل مـــبـــاح
واخـبـر بـمـا أحـبـبـت عـن حـالـي الـتـــي ممـسـاي فـيهـا واحـــد وصـــبـــاحـــي قال: فافتدى أبو رحمة من أبي نواس ذكر ابنه بأن عقد بينه وبينه حرمة، ودعاه إلى منزله، فجاءه أبو نواس والمديني لا يعرفه، فمازحه مزاحا أسرف عليه فيه، فقام إليه رحمة، فعرفه أنه أبو نواس، فأشفق المديني من ذلك، وخاف أن يهجوه ويشهر اسمه، فسأل رحمة أن يكلمه في الصفح له والإغضاء عن الانتقام، فأجابه أبو نواس وقال:
اذهب سلمت من الهجاء ولذعه وأما ولثغة رحمة بن نجـاح
لولا فتور في كلامك يشتهـى وترفقي لك بعد واستملاحـي
وتكسر في مقتليك هو الـذي عطف الفؤاد عليك بعد جماح
لعلمت أنك لا تمازح شاعـرا في ساعة ليست بحين مـزاح مدخل إلى ترجمة معقل بن عيسى: صوت
أأبكاك بالعرف المـنـزل وما أنت والطلل المحول?
وما أنت ويك ورسم الديار وسنك قد قاربت تكمـل? عروضه من المتقارب، والشعر للكميت بن زيد الأسدي، والغناء لمعقل بن عيسى أخي أبي دلف العجلي، ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر، وهذا البتان من قصيدة مدح الكميت بهما عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاصي بن أمية.
أخبرني الحين بن علي قال: حدثني الحسن بن عليل العنزي، عن علي بن هشام، عن محمد بن عبد الأعلى بن كناسة: قال: كان بين بني أسد وبين طيء بالحص - وهي قريبة من قادسية الكوفة - حرب، فاصطلحوا وبقي لطيء دماء رجلين، فاحتمل ذلك رجل من بني أسد، فمات قبل أن يؤديه، فاحتمله الكميت بن زيد، فأعانه فيه عبد الرحمن بن عنبسة، فمدحه بقوله:
أأبكاك بالعرف المنـزل وما أنت والطلل المحول فأعانه الحكم بن الصلت الثقفي، فمدحه بقصيدته التي أولها:
رأيت الغواني وحشا نفورا وأعانه زياد بن المغفل الأسدي، فمدحه بقصيدته التي أولها:
هل للشباب الذي قد فات من طلب? ثم جلس الكميت وقد خرج العطاء، فأقبل الرجل يعطي الكميت المائتين، والثلاث المائة، وأكثر وأقل، قال: وكانت دية الأعرابي حينئذ ألف بعير ودية الحضري عشرة آلاف درهم، وكانت قيمة الجمل عشرة دراهم، فأدى الكميت عشرين ألفا عن قيمة ألفي بعير.
نسبة ما في أشعار الكميت هذه من الأغاني
صوت
منها:
هل للشباب الذي قد فات من طلب أم ليس غابره الماضي بمنقلـب
دع البكاء على ما فات من طلـب فالدهر يأتي بألوان من العجـب غناه إبراهيم الموصلي خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى من رواية إسحاق.


صفحة : 2361


ذكر معقل بن عيسى
شاعر مغن
كان معقل بن عيسى فارسا شاعرا جوادا، مغنيا فهما بالنغم والوتر، وذكره الجاحظ مع ذكر أخيه أبي دلف وتقريظه في المعرفة بالنغم، وقال: إنه من أحسن أهل زمانه وأجود طبقته صنعة؛ إذ سلم ذلك له أخوه معقل، وإنما أخمل ذكره ارتفاع شأن أخيه، وهو القائل لأبي دلف في عتب عتبه عليه:
أخي مالك ترميني فتقصدنـي وإن رميتك سهما لم يجز كبدي
أخي مالك مجبولا على ترتـي كأن أجسادنا لم تغذ من جسـد وهو القائل لمخارق، وقد كان زار أبا دلف إلى الجبل، ثم رجع إلى العراق، أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش عن أبي سعيد السكري: صوت
لعمري لئن قرت بقربك أعين لقد سخنت بالبين منك عـيون
فسر أو أقم وقف عليك محبتي مكانك من قلبي عليك مصون
فما أوحش الدنيا إذا كنت نازحا وما أحسن الدنيا بحيث تكـون عروضه من الطويل، والشعر لمعقل بن عيسى، والغناء لمخارق، ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى، وفيه لحن لمعقل بن عيسى خفيف رمل، وفيه ثاني ثقيل يقال: إنه لمخارق، ويقال: إنه لمعقل.
ومن شعر معقل قوله يمتدح المعتصم، وفيه غناء للزبير بن دحمان من الثقيل الأول بالبنصر: صوت
الدار هاجك رسمها وطلولهـا أم بين سعدى يوم جد رحيلهـا
كل شجاك فقل لعينك أعولـي إن كان يغني في الديار عويلها
ومحمد زين الخلائف والـذي سن المكارم فاستبان سبيلـهـا صوت
أليس إلى أجبال شمخ إلى اللوى لوى الرمل يوما للنفوس معاد?
بلاد بها كنا، وكنا من أهلـهـا إذ الناس ناس والـبـلاد بـلاد الشعر لرجل من عاد فيما ذكروا، والغناء لابن محرز، ولححنه من الثقيل الأول بالبنصر عن ابن المكي، وقيل: إنه من منحوله إليه.
خبر رجل من عاد: أخبرني ابن عمار عن أبي سعد، عن محمد بن الصباح: قال: حدثنا يحيى بن سلمة بن أبي الأشهب التيمي عن الهيثم بن عدي: قال: أخبرني حماد الرواية: قال: حدثني ابن أخت لنا من مراد: قال: وليت صدقات قوم من العرب، فبينا أنا أقسمها في أهلها إذ قال لي رجل منهم: ألا أريك عجبا? قلت: بلى، فأدخلني في شعب من جبل، فإذا أنا بسهم من سهام عاد، فتى قد نشب في ذروة الشعب وإذا على الجبل تجاهي مكتوب:
ألا هل إلى أبيات شمخ إلى اللوى لوى الرمل يوما للنفوس معاد?
بلاد بها كنا وكنا من أهـلـهـا إذ الناس ناس والـبـلاد بـلاد ثم أخرجني إلى ساحل البحر، وإذا أنا بحجر يعلوه الماء طورا، ويظهر تارة، وإذا عليه مكتوب: يا بن آدم يا بن عبد ربه، اتق الله، ولا تعجل في أمرك، فإنك لن تسبق رزقك، ولن ترزق ما ليس لك، ومن البصرة إلى الديل ستمائة فرسخ، فمن لم يصدق بذلك فليمش الطريق على الساحل حتى يتحققه، فإن لم يقدر على ذلك فلينطح برأسه هذا الحجر.

صوت

يا بيت عاتكة الذي أتـعـزل حذر العدا وبه الفؤاد موكـل
إني لأمنحك الصدود وإنـنـي قسما إلأيك مع الصدود لأميل أتعزله: أتجنبه وأكون بمعزل عنه. العدا: جمع عدو، ويقال عدا بالضم وعدا بالكسر، وأمنحك: أعطيك. والمنيحة: العطية. وفي الحديث أن رجلا منح بعض ولده شيئا من ماله، فقال له النبي: أكل ولدك منحت مثل هذا? قال: لا، قال: فارجعه.
الشعر للأحوص بن محمد الأنصاري، من قصيدة يمدح بها عمر بن عبد العزيز الغناء لمعبد ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر، عن إسحاق ويونس وغيرهما، وفيه لابن سريج خفيف ثقيل الأول بالبنصر عن الهشامي وابن المكي وعلي بن يحيى.

الأحوص وبعض أخباره
الأحوص يعارض ابن أبي دباكل أو يسرقه: أخبرني بخبر الأحوص في هذا الشعر الحرمي عن الزبير قال: حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي، وأخبرنا به الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، عن مصعب الزبيري، عن المؤملي، عن عمر بن أبي بكر الموصلي، عن عبد الله بن أبي عبيدة بن عمار بن ياسر: قال:












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 06-27-2006, 12:05 PM   المشاركة رقم: 49
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


صفحة : 2362

خرجت أنا والأحوص بن محمد مع عبد الله بن الحسن بن الحسن إلى الحج، فلما كنا بقديد قلنا لعبد الله بن الحسن: لو أرسلت إلى سليمان بن أبي دباكل، فأنشدنا شيئا من شعره، فأرسل إليه فأتانا، فاستنشدناه، فأنشدنا قصيدته التي يقول فيها:
يا بـيت خـنـسـاء الـــذي أتـــجـــنـــب ذهـب الـشـبـاب وحـبـــهـــا لايذهـــب
أصـبـحـت أمـنـحـك الـصـدود وإنـــنـــي قسـمـا إلـيك مـع الـصــدود لأجـــنـــب
ما لـي أحـن إلـى جـمـالـــك قـــربـــت وأصـد عـنـك وأنــت مـــنـــي أقـــرب
للـــه درك هـــل لـــديك مـــعـــــول لمـتـيم أم هـل لـــودك مـــطـــلـــب?
فلـقـد رأيتــك قـــبـــل ذاك وإنـــنـــي لمـوكـل بــهـــواك أو مـــتـــقـــرب
إذ نـحـن فـي الـزمـن الـرخـي وأنـــتـــم متـجــاورون كـــلامـــكـــم لايرقـــب
تبـكـي الـحـمـامة شـجـوهـا فـتـهـيجـنـي ويروح عـازب هـمـــي الـــمـــتـــأوب
وتـهـب جـارية الـرياح مــن أرضـــكـــم فأرى الـبـلاد لـهـا تـطـل وتـخـــصـــب
وأرى الـسـمـية بـاسـمـكــم فـــيزيدنـــي شوقـا إلـيك رجـاؤك الـمــتـــنـــســـب
وأرى الـــعـــدو يودكــــم فـــــــأوده إن كـان ينـسـب مـنـــك أو لا ينـــســـب
وأخالف الواشين فيك تجملا وهم علي ذوو ضغائن دؤب
ثم اتخذتهم علي وليجة حتـى غـضـبـت ومـثـل ذلـك يغــضـــب قال: فلما كان من قابل حج أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان، فقدم المدينة، فدخل عليه الأحوص، واستصحبه فأصحبه، فلما خرج الأحوص قال له بعض من عنده: ماذا تريد بنفسك? تقدم بالأحوص الشام، وبها من ينافسك من بني أبيك، وهو من الأفن والسفه على ما قد علمت فيعيبونك به. فلما رجع أبو بكر من الحج دخل عليه الأحوص متنجزا لما وعده من الصحابة فدعا له بمائة ديناء وأثواب وقال: يا خال، إني نظرت فيما سألتني من الصحابة فكرهت أن أهجم بك على أمير المؤمنين من غير إذنه، فيجبهك فيشمت بك عدوي من أهل بيتي، ولكن خذ هذه الثياب والدنانير، وأنا مستأذن لك أمير المؤمنين، فإذا أذن لك كتبت إليك، فقدمت علي، فقال له الأحوص: لا ولكن قد سبعت عندك، ولا حاجة لي بعطيتك، ثم خرج من عنده، فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز، فأرسل إلى الأحوص وهو يومئذ أمير المدينة، فلما دخل عليه أعغطاه مائة دينار، وكساه ثيابا فأخذ ذلك، ثم قال له: يا أخي هب لي عرض أبي بكر، قال: هو لك، ثم خرج الأحوص، فقال في عروض قصيدة سليمان بن أبي دباكل قصيدة مدح بها عمر بن عبد العزيز.
وقال حماد: قال أبي: سرق أبيات سليمان بأعيانها، فأدخلها في شعره، وغير قوافيها فقط، فقال:
يا بيت عـاتـكة الـذي أتـعـزل حذر العدا وبه الفـؤاد مـوكـل
أصبحت أمنحك الصدود وإنـنـي قسما إليك مع الـصـدود لأمـيل
فصددت عنك وما صددت لبغـضة أخشى مقالة كاشـح لا يعـقـل
هل عيشنا بك في زمانـك راجـع فلقد تفاحش بعدك المتـعـلـل?
إني إذا قلت اسـتـقـام يحـطـه حلف كما نظر الخلاف الأقـبـل
لو بالذي عالـجـت لـين فـؤاده فأبى يلان به لـلان الـجـنـدل
وتجنبـي بـيت الـحـبـيب أوده أرضي البغيض به، حديث معضل
ولئن صددت لأنت لولا رقبـتـي أهوى من الـلائي أزور وأدخـل
إن الشباب وعيشنـا الـلـذ الـذي كنا به زمنـا نـسـر ونـجـذل
ذهبت بشابتـه وأصـبـح ذكـره حزنا يعل به الـفـؤاد وينـهـل
إلا تذكر ما مـضـى وصـبـابة منيت لقـلـب مـتـيم لا يذهـل
أودى الشباب وأخلـقـت لـذاتـه وأنا الحزين على الشباب المعـول
يبكي لما قلـب الـزمـان جـديده خلقا وليس على الزمان مـعـول
والرأس شامله الـبـياض كـأنـه بعد السواد به الثغام المـحـجـل
وسفيهة هبت علـي بـسـحـرة جهلا تلوم على الثـواء وتـعـذل
فأجبتها أن قلت لسـت مـطـاعة فذري تنصحك الـذي لا يقـبـل
إني كفانـي أن أعـالـج رحـلة عمر ونبوة من يضـن ويبـخـل
بنوال ذي فجر تكـون سـجـالـه عمما إذا نزل الزمان الممـحـل

صفحة : 2363


ماض على حدث الأمور كأنـه ذو رونق1 عضب جلاه الصيقل
تبدي الرجال إذا بدا إعظـامـه حذر البغاث هوى لهن الأجـدل
فيرون أن له علـيهـم سـورة وفضيلة سبقت له لا تـجـهـل
متحمل ثقل الأمور حـوى لـه سبق المكارم سابق متـمـهـل
وله إذا نسبت قـريش مـنـهـم مجد الأرومة والفعال الأفضـل
وله بمـكة إذ أمـية أهـلـهـا إرث إذا عد الـقـديم مـؤثـل
أعيت قرابته وكـان لـزومـه أمرا أبان رشاده مـن يعـقـل
وسموت عن أخلاقهم فتركتهـم لنداك إن الحازم المـتـحـول
ولقد بدأت أريد ود مـعـاشـر وعدوا مواعد أخلفت إن حصلوا
حتى إذا رجع اليقين مطامعـي بأسا وأخلفـنـي الـذين أؤمـل
زايلت ما صنعوا إليك بـرحـلة عجلي وعندك عنهم متـحـول
ووعدتني في حاجة فصدقتـنـي ووفيت إذ كذبوا الحديث وبدلـوا
وشكوت غرما فادحا فحملـتـه عني وأنت لمثله مـتـحـمـل
فلأشكرن لك الذي أولـيتـنـي شكرا تحل به المطي وترحـل
مدحا تكون لكم غرائب شعرهـا مبذولة ولغـيركـم لا تـبـذل
فإذا تنحلت الـقـريض فـإنـه لكم يكون خيار مـا أتـنـحـل
ولعمر من حج الحجيج لبـيتـه تهوي به قلص المطس الذمـل
إن امرأ قد نال مـنـك قـرابة يبغي منافع غيرها لمـضـلـل
تغفوا إذا جهلوا بحلمك عنـهـم وتنيل إن طلبوا النوال فتجـزل
وتكون معقلهم إذا لم ينـجـهـم من شر ما يخشون إلا المعقـل
حتى كأنك يتفنى بـك دونـهـم من أشد بيئة خادر متـبـسـل
وأرى المدينة حين صرت أميرها أمن البرىء بها ونـام الأعـزل فقال عمر: ما أراك أعفيتني مما استعفيت منه، قال: لأنه مدح عمر وعرض بأخيه أبي بكر.
نسبة ما مضى في هذه الأخبار من الأغاني صوت
ما لي أحن إذا جمالك قـربـت وأصد عنك وأنت مني أقرب?
وأرى البلاد إذا حللت بغيرهـا وحشا وإن كانت تظل وتخصب
يا بيت خنساء الذي أتـجـنـب ذهب الشباب وحبها لا يذهـب
تبكي الحمامة شجوها فتهيجني ويروح عازب همي المتـأوب الشعر لسليمان بن أبي دباكل، والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالبنصر، عن عمرو.
وقال ابن المكي: فيه خفيف ثقيل آخر لابن محرز، وأوله:
تبكي الحمامة شجوها فتهيجني من هي عاتكة? أخبرني الحسين بن يحيى قال: قال حماد: قرأت على أبي، وقال محمد بن كناسة: حدثني أبو دكين بن زكريا بن محمد بن عمار بن ياسر: قال: رأيت عاتكة التي يقول فيها الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل وهي عجوز كبيرة وقد جعلت بين عينيها هلالا من نيلج تتملح به.
أخبرني الحرمي عن الزبير، عن محمد بن محمد العمري: قال: عاتكة التي يشبب بها الأحوص عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية أخبرني الحرمي، عن الزبير، عن إسحاق بن عبد الملك: إن الأحوص كان لينا، وأن عاتكة التي ينسب بها ليست عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية، وإنما هو رجل كان ينزل قرى كانت بين الأشراف كنى عنه بعاتكة.
أخبرني الحرمي عن الزبيري عن يعقوب بن حكيم: قال: كان الأحوص لينا، وكان يلزم نازلا بالأشراف، فنهاه أخوه عن ذلك، فتركه فرقا من أخيه، وكان يمر قريبا من خيمة النازل بالأشراف ويقول:
يا بيت عاتكة الذي أتعـزل حذر العذاوية الفؤاد موكل يكنى عنه بعاتكة ولا يقدر أن يدخل عليه.
الفرزدق وكثير بزوران الأحوص: أخبرني الحرمي، عن الزبيري، عن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم: قال: حدثني عبد العزيز بن عمران: قال:

صفحة : 2364

قدم الفرزدق المدينة، فقال لكثير? هل لك بنا في الأحوص نأتيه ونتحدث عنده? فقال له: وما نصنع به? إذا والله نجد عنده عبدا حالكا أسود حلوكا يؤثره علينا، ويبيت مضاجعه ليلته حتى يصبح، قال الرزدق: فقلت: إن هذا من عداوة الشعراء بعضهم لبعض، قال: فانهض بنا إليه إذا - لا أب لغيرك - قال الفرزدق: فأردفت كثيرا ورائي على بغلتي، وقلت: تلفف يا أبا صخر، فمثلك لا يكون رديفا، فخمر رأسه وألصق في وجهه، فجعلت لا أجتاز بمجلس قوم إلا قالوا: من هذا وراءك يا أبا فراس? فأقول: جارية وهبها لي الأمير، فلما أكثرت عليه من ذلك، واجتاز على بني زريق، وكان يبغضهم، فقلت لهم ما كنت أقول قبل ذلك، كشف عن رأسه وأومض وقال: كذب، ولكني كرهت أن أكون له رديفا وكان حديثه لي معجبا، فركبت وراءه، ولم تكن لي دابة أركبها إلا دابته، فقالوا: لا تعجل يا أبا صخر، ههنا دواب كثيرة تركب منها ما أردت، فقال: دوابكم والله أبغض إلى من ردفه، فسكتوا عنه. وجعل يتغشم عليهم، حتى جاوز أبصارهم، فقلت: والله ما قالوا لك بأسا، فما الذي أغضبك عليهم? فقال: والله ما أعلم نفرا أشد تعصبا للقرشيين من نفر اجتزت بهم، قال: فقلت له: وما أنت - لا أم لك ولقريش - قال: أنا والله أحدهم، قلت: إن كنت أحدهم فأنت والله دعيهم، قال: دعيهم خير من صحيح نسب العرب، وإلا فأنا والله من أكرم بيوتهم، أنا أحد بني الصلت بن النضر، قلت: إنما قريش ولد فهر بن مالك، فقال: كذبت. فقال: ما علمك يا بن الجعراء بقريش? هم بنو النضر بن كنانة، ألم تر إلى النبي انتسب إلى النضر بن كنانة، ولم يكن ليجاوز أكرم نسبه، قال: فخرجنا حتى أتينا الأحوص، فوجدناه في مشربة له، فقلنا له: أنرقى إليك أم تنزل إلينا? قال: لا أقدر على ذلك، عندي أم جعفر، ولم أرها منذ ايام، ولي فيها شغل، فقال كثير: أم جعفر والله بعض عبيد الزرانيق فقلنا له: فأنشدنا بعض ما أحدثت به، فأنشدنا قوله:
يا بيت عاتكة الذي أتعـزل حذر العدا وبه الفؤاد موكل حتى أتى على آخرها، فقلت لكثير: قاتله الله، ما أشعره، لولا ما أفسد به نفسه، قال: ليس هذا إفسادا، هذا خسف إلى التخوم، فقلت: صدقت، وانصرفنا من عنده، فقال: أين تريد? فقلت: إن شئت فمنزلي، وأحملك على البغلة، وأهب لك المطرف، وإن شئت فمنزلك ولا أرزؤك شيئا، فقال: بل منزلي، وأبذل لك ما قدرت عليه، وانصرفنا إلى منزله، فجعل يحدثني وينشدني حتى جاءت الظهر، فدعا لي بعشرين دينارا وقال: استعن بهذه يا أبا فرس على مقدمك، قلت: هذا أشد من حملان بني زريق، قال: والله إنك ما تأنف من أخذ هذا من أحد، غير الخليفة، قال الفرزدق: فجعلت أقول في نفسي: تالله إنه لمن قريش، وهممت ألا أقبل منه. فدعتني نفسي - وهي طمعة - إلى أخذها منه، فأخذتها.
من هي الجعراء? معنى قول كثير للفرزدق: يا بن الجعراء: يعيره بدغة، وهي أم عمرو بن تميم، وبها يضرب المثل في الحماقة، فيقال: هي أحمق من دغة، وكانت حاملا، فدخلت الخلاء، فولدت، وهي لا تعلم ما الولد، وخرجت وسلاها بين رجليها، وقد استهل ولدها، فقالت: يا جارتا، أيفتح الجعرفاه فقالت جارتها: نعم يا حمقاء، ويدعو أباه، فبنو تميم يعيرون بذلك، ويقال للمنسوب منهم: يا بن الجعراء.
ملاحاة بينه وبين السري: أخبرني الحرمي، عن الزبير قال: حدثني سليمان بن داود المجمعي: قال: اجتاز السري بن عبد الرحمن بن عتبة بن عويمر بن ساعدة الأنصاري بالأحوص وهو ينشد قوله:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل فقال السري:
يا بيتعاتكة المـنـوة بـاسـمـه اقعد على من تحت سقفك واعجل فواثبةه الأحوص، وقال في ذلك:
فأنت وشتمي في أكاريس مـالـك وسبي به كالكلب إذ ينبح النجمـا
تداعى إلى زيد وما أنت مـنـهـم تحـق أبـا إلا الـولاء ولا أمـا
وإنك لو عددت أحسـاب مـالـك وأيامها فيها ولم تنطق الرجـمـا
أعادتك عبدا أو تنقـلـت كـاذبـا تلمس في حي سوى مالك جذمـا
وما أنا بالمحسوس في جذم مالـك ولا بالمسمى ثم يلتزم إلا سـمـا
ولكن أبي لو قد سألـت وجـدتـه توسط منها العز والحسب الضخما فأجابه السري فقال:

صفحة : 2365


سألت جميع هذا الخلـق طـرا متى كان الأحيوص من رجالي وهي أبيات ليست بجيدة ولا مختارة، فألغيت ذكرها.
شعره يسعف دليل المنصور: أخبرني محمد بن أحمد بن الطلاس أبو الطيب، عن أحمد بن الحارث الخراز، عن المدائني، وأخبرني به الحرمي، عن الزبير: قال: حدثني عمي - وقد جمعت روايتيهما - .
أن المنصور أمر الربيع لما حج أن يسايره برجل يعرف المدينة وأهلها وطرقها ودورها وحيطانها، فكان رجل من أهلها قد انقطع إلى الربيع زمانا، وهو رجل من الأنصار، فقال له: تهيأ فإني أظن جدك قد تحرك، إن أمير المؤمنين قد أمرني أن أسايره برجل يعرف المدينة وأهلها وطرقها وحيطانها ودورها فتحسن موافقته ولا تبتدئه بشيء حتى يسألك، ولا تكتمه شيئا، ولا تسأله حاجة، فغدا عليه بالرجل، وصلى المنصور، فقال: يا ربيع، الرجل، فقال: ها هو ذا، فسار معه يخبره عما سأل حتى ندر من أبيات المدينة، فأقبل عليه المنصور، فقال: من أنت أولا? فقال: من لا تبلغه معرفتك - هكذا ذكر الخراز وليس في رواية الزبير - فقال: ما لك من الأهل والولد? فقال: والله ما تزوجت، ولا لي خادم، قال: فأين منزلك? قال: ليس لي منزل، قال: فإن أمير المؤمنين قد أمر لك بأربعة آلاف درهم، فرمى بنفسه فقبل رجله، فقال له: اركب، فركب، فلما أراد الانصراف قال للربيع: يا أبا الفضل، قد أمر لي أمير المؤمنين بصلة، قال: إيه، قال: إن رأيت أن تنجزها لي، قال: هيهات، قال: فأصنع ماذا? قال: لا أدري والله - وفي رواية الخراز أنه قال: ما أمر لك بشيء، ولو أمر به لدعاني، فقال: أعطه أو وقع إلي - فقال الفتى: هذا هم لم يكن في الحساب، فلبثت أياما، ثم قال المنصور للربيع: ما فعل الرجل? قال: حاضر، قال: سايرنا به الغداة، ففعل، وقال له الربيع: إنه خارج بعد غد، فاحتل لنفسك، فإنه والله إن فاتك فإنه آخر العهد به، فسار معه، فجعل لا يمكنه شيء حتى انتهى إلى مسيره، ثم رجع وهو كالمعرض عنه، فلما خاف فوته أقبل عليه فقال: يا أمير المؤمنين، هذا بيت عاتكة، قال: وما بيت عاتكة? قال: الذي يقول فيه الأحوص.

يا بيت عاتكة الذي أتعزل قال: فمه، قال: إنه يقول فيها:
إن أمرأ قد نال منـك وسـيلة يرجو منافع غيرها لمضلـل
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم مذق الحديث يقول ما لا يفعل فقال الزبير في خبره: فقال له: لقد رأيتك أذكرت بنفسك، يا سليمان بن مخلد، أعطه أربعة آلاف درهم، فأعطاه إياها، وقال الخراز في خبره: فضحك المنصور، وقال: قاتلك الله، ما أظرفك، يا ربيع أعطه ألف درهم، فقال: يا أمير المؤمنين إنها كانت أربعة آلاف درهم، فقال: ألف يحصل خير من أربعة آلاف لا تحصل.
ابن المقفع يتمثل بمطلع لاميته: وقال الخراز في خبره: حدثني المدائني: قال: أخذ قوم من الزنادقة، وفيهم ابن لابن المقفع، فمر بهم على أصحاب المدائن، فلما رآهم ابن المقفع خشي أن يسلم عليهم فيؤخذ، فتمثل:
يا بيت عاتكة الذي أتعـزل حذر العدا وبه الفؤاد مركل الأبيات، ففطنوا لما أراد، فلم يسلموا عليه، ومضى.
هو ومعبد يردان اعتبار جارية: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن ابن شبة: قال: بلغني أن يزيد بن عبد الملك كتب إلى عامله أن يجهز إليه الأحوص الشاعر ومعبدا المغني.
فأخبرنا محمد بن خلف وكيع: قال: حدثنا عبد الله بن شبيب: قال: حدثني إسماعيل بن أبي أويس: قال: حدثني أبي: قال: حدثنا سلمة بن صفوان الزرقي، عن الأحوص الشاعر - وذكر إسماعيل بن سعيد الدمشقي - : أن الزبير بن بكار حدثه عن ابن أبي أويس، عن أبيه، عن مسلمة بن صفوان، عن الأحوص، وأخبرني به الحرمي، عن الزبير، عن عمه، عن جرير المديني المغني، وأبو مسكين: قالوا جميعا: كتب يزيد بن عبد الملك في خلافته إلى أمير المدينة - وهو عبد الواحد بن عبد الله النصري - أن يحمل إليه الأحوص الشاعر ومعبدا المغني مولى ابن قطن قال: فجهزنا وحملنا إليه، فلما نزلنا عمان أبصرنا غديرا وقصورا، فقعدنا على الغدير وتحدثنا وذكرنا المدينة، فخرجت جارية من بعض تلك القصور، ومعها جرة تريد أن تستقي فيها ماء، قال الأحوص: فتغنت بمدحي في عمر بن عبد العزيز:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل

صفحة : 2366

فتغنت بأحسن صوت ما سمعته قط، ثم طربت، فألقت الجرة فكسرتها، فقال معبد: غنائي والله، وقلت: شعري والله، فوثبنا إليها، وقلنا لها: لمن أنت يا جارية? قالت: لآل سعيد بن العاص - وفي خبر جرير المغني: لآل الوليد بن عقبة - ثم اشتراني رجل من آل الوحيد بخمسين ألف درهم، وشغف بي، فغلبته بنت عم له طرأت عليه، فتزوجها على أمري، فعاقبت منزلتها منزلتي، ثم علا مكانها مكاني، فلم تزدها الأيام إلا ارتفاعا، ولم تزدني إلا اتضاعا، فلم ترض منه إلا بأن أخدمها، فوكلتني باستقاء الماء، فأنا على ما تريان، أخرج أستقي الماء، فإذاا رأيت هذه القصور والغدران ذكرت المدينة، فطربت إليها، فكسرت جرتي، فيعذلني أهلي، ويلومونني، قال: فقلت لها: أنا الأحوص، والشعر لي، وهذا معبد، والغناء له، ونحن ماضيان إلى أمير المؤمنين، وسنذكرك له أحسن ذكر. وقال جرير في خبره ووافقه وكيع، ورواية عمر بن شبة: قالوا: فأنشأت الجارية تقول:
تإن تروني الغداة أسعى بجـر أستقي الماء نحو هذا الغـدير
فلقد كنت في رخاء من العـي ش وفي كل نعـمة وسـرور
ثم قد تبصران ما فيه أمـسـي ت وماذا إليه صار مصـيري
فإلى الله أشتكـي مـا ألاقـي من هوان وما يجن ضمـيري
أبلغا عـنـي الإمـام ومـا يع رف صدق الحديث غير الخبير
أنني أضرب الخلائق بالـعـو د وأحـكـاهـم بـبـم وزير
فلعـل الإلـه ينـقـذ مـمـا أنا فيه فـإنـنـي كـالأسـير
ليتني مت يوم فارقت أهـلـي وبلادي فزرت أهل القـبـور
فاسمعا ما أقـول لـقـاكـمـا الله نجاحا في أحسن التيسـير فقال الأحوص من وقته: صوت
إن زين الغدير من كسر الجر ر وغنى غناء فحل مـجـيد
قلت: من أنت يا ظعين فقالت: كنت فيما مضى لآل الولـيد وفي رواية الدمشقي:
قلت: من أين يا خلوب فقالت: كنت فيما مضى لآل سعـيد
ثم أصبحت بعد حي قـريش في بني خالد لآل الـوحـيد
فغنائي لمعـبـد ونـشـيدي لفتى الناس الأحوص الصنديد
فتباكيت ثم قلـت: أنـا الأح وص والشيخ معبد فأعـيدي
فأعادت لنا بصوت شـجـي يترك الشيخ في الصبا كالوليد وفي رواية أبي زيد:
فأعادت فأحسنـت ثـم ولـت تتهادى فقلت قـول عـمـيد
يعجز المال عن شراك ولكـن أنت في ذمة الهـمـام يزيد
ولك اليوم ذمـتـي بـوفـاء وعلى ذاك من عظام العهود
أن سيجري لك الحديث بصوت معبدي يرد حـبـل الـوريد
يفعل الله ما يشاء فـظـنـي كل خير بنا هـنـاك وزيدي
قالت القينة الكعاب: إلـى ال له أموري وأرتجي تـسـديد غناه معبد ثاني ثقيل بالبنصر من رواية حبش والهشامي وغيرهما، وهي طريقة هذا الصوت، وأهل العلم بالغناء لا يصححونه لمعبد.
قال الأحوص: وضع فيه معبد لحنا فأجاده، فلما قدمنا على يزيد قال: يا معبد أسمعني أحدث غناء غنيت وأطراه، فغناه معبد:
إن زين الغدير من كسر الجر وغنى غناء فحل مجيد فقال يزيد: إن لهذا لقصة فأخبراني بها، فأخبراه، فكتب لعامله بتلك الناحية: إن لآل فلان جارية، من حالها ذيت وذيت ، فاشترها بما بلغت، فاشتراها بمائة ألف درهم، وبعث بها هدية، وبعث معها بألطاف كثيرة، فلما قدمت على يزيد رأى فضلا باررعا فأعجب بها، وأجازها، وأخدمها، وأقطعها، وأفرد لها قصرا، قال: فوالله ما برحنا حتى جاءتنا منها جوائز وكسا وطرف.
يزيد بن عمر بن هبيرة يتمثل بشعره عند النكسة: وقال الزبير في خبره عن عمه: قال: أظن القصة كلها مصنوعة، وليس يشبه الشعر شعر الأحوص، ولا هو من طرازه، وكذلك ذكر عمر بن شبة في خبره.
أخبرني الحرمي، عن الزبير قال:

صفحة : 2367

سمعت هشام بن عبد الله بن عكرمة يحدث عن عتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: قال: كنت مع يزيد بن عمر بن هبيرة ليلة الفرات، فلما انهزم الناس التفت إلي فقال: يا أبا الحارث، أمسينا والله وهم كما قال الأحوص:
أبكي لما قلب الزمان جـديده خلقا وليس على الزمان معول بيتان من شعره يؤذنان بزوال الدولة الأموية: أخبرني الحرمي عن الزبير عن محمد بن محمد العمري: أن عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية رئيت في النوم قبل ظهور دولة بني العباس على بني أمية كأنها عريانة ناشرة شعرها تقول:
أين الشباب وعيشنا اللد الذي كنا به زمنا نسر ونجـذل
ذهبت بشاشته وأصبح ذكره حزنا يعل به الفراد وينهل فتأول الناس ذلك بزوال دنيا بني أمية، فكان كما قالوا: أخبرني بهذا الخبر الحسن بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، عن الجمحي، عن شيخ من قريش: أنه رأى في النوم امرأة من ولد عثمان بن عفان على منايم على دار عثمان المقبلة على المسجد، وهي حاسرة في يديها عود وهي تضرب به وتغني:
أين الشباب وعيشنا اللذ الذي كنا به يوما نسر ونجـذل
ذهبت بشاشته وأصبح ذكره حزنا يعل به الفؤاد وينهل قال: فما لبثنا إلا يسيرا حتى خرج الأمر عن أيديهم، وقتل مروان.
قال إسحاق: المنامة: الدكان وجمعها منايم.

صوت

يا هند إنك لو عـلـم ت بعاذلين تتـابـعـا
قالا فلم أسمع لـمـا قالا وقلت بل اسمعـا
هند أحب إلـي مـن مالي وروحي فارجعا
ولقد عصيت عواذلـي وأطغت قلبا موجعـا الشعر لعبد الله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام، والغناء لابن سريح، ولحنه فيه لحنان أحدهما من القدر الأوسط من الثقيل، الأول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق والآخر رمل بالوسطى عن عمرو، وفيه خفيف ثقيل، ذكر أبو العبيس أنه لابن سريح وذكر الهشامي وابن المكي أنه للغريض، وذكر حبش أن لإبراهيم فيه رملا آخر بالبنصر، وقال أحمد بن عبيد: الذي صح فيه ثقيل الأول وخفيفه ورمله، وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لابن عباد.

ذكر عبد الله بن الحسن بن الحسن
عليهم السلام ونسبه وأخباره وخبر هذا الشعر نسبه
عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - وقد مضى نسبه في أخبار عمه الحسين صلوات الله عليه في شعره الذي يقول فيه:
لعمرك إنني لأحب دارا تحل بها سكينة والرباب ويكنى عبد اللله بن الحسن أبا محمد، وأم عبد الله بن الحسن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وأمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله، وأمها الجرباء بنت قسامة بن رومان عن طيء.
سميت جدته الجرباء لحسنها: أخبرني أحمد بن سعيد: قال: حدثنا يحيى بن الحسن: قال: إنما سميت الجرباء لحسنها، كانت لا تقف إلى جنبها امرأة، وإن كانت جميلة إلا استقبح منظرها لجمالها، وكان النساء يتحامين أن يقفن إلى جنبها، فشبهت بالناقة الجرباء التي تتوقاها الإبل مخافة أن تعديها.
وكانت أم إسحاق من أجمل نساء قريش وأسوئهن خلقا، ويقال: إن نساء بني تيم كانت لهن حظوة عند أزواجهت على سوء أخلاقهن، ويروى أن أم إسحاق كانت ربما حملت وولدت وهي لا تكلم زوجها.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن عمه بذلك: قال: وقد كانت أم إسحاق عند الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قبل أخيه الحسين رضي الله عنه، فلما حضرته الوفاة دعا بالحسين صلوات الله عليه فقال له: يا أخي إني أرضى هذه المرأة لك، فلا تخرجن من بيوتكم، فإذا انقضت عدتها فتزوجها. فلما توفي الحسن عنها تزوجها الحسين رضي الله عنه، وقد كانت ولدت من الحسن رضي الله عنه ابنه طلحة بن الحسن، فهو أخو فاطمة لأمها وابن عمها، وقد درج طلحة ولا عقب له.
جمال وسوء خلق: ومن طرائف أخبار التيميات من نساء قريش في حظوتهن وسوء أخلاقهن ما أخبرنا به الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن محمد بن عبد الله. قال:

صفحة : 2368

كانت أم سلمة بنت محمد بن طلحة عند عبد الله بن الحسن وكانت تقسو عليه قسوة عظيمة وتغلظ، له، ويفرق منها ولا يخالفها، فرأى يوما منها طيب نفس، فأراد أن يشكو إليها قسوتها، فقال لها: يا بنت محمد، قد أحرق والله قلبي... فحددت له النظر، وجمعت وجهها وقالت له: أحرق قلبك ماذا? فخافها فلم يقدر على أن يقول لها: سوء خلقك، فقال لها: حب أبي بكر الصديق، فأمسكت عنه.
وتزوج الحسن بن الحسن فاطمة بنت الحسين في حياة عمه، وهو - رضي الله عنه - زوجه إياها.
زواجه فاطمة بنت الحسين: أخبرني الطوسي والحرمي، عن الزبير، عن عمه بذلك، وحدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن إسماعيل بن يعقوب قال: حدثني جدي عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن، قال: حدثني جدي عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن، قال: خطب الحسن بن الحسن إلى عمه الحسين - صلوات الله عليه - وسأله أن يزوجه إحدى ابنتيه، فقال له الحسن رضي الله عنه: اختر يا بني أحبهما إليك، فاستحيا الحسن، ولم يحر جوابا، فقال له الحسين رضي الله عنه: فإني اخترت منهما لك ابنتي فاطمة، فهي أكثر شبها بأمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخبرني الطوسي والحرمي عن الزبير عن عمه مصعب: إن الحسن لما خيره عمه اختار فاطمة، وكانوا يقولون: إن امرأة، سكينة مردودتها، لمنقطعة القرين في الجمال.
أخبرني الطوسي والحرمي بن أبي العلاء، عن الزبير بن بكار، وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي، عن أحمد بن يحيى وأحمد بن زهير، عن الزبير، وأخبرني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن الزبير بن بكار واللفظ للحسن بن علي، وخبره أتم: قال: قال الزبير: حدثني عمي مصعب ولم يذكر أحدا.
ليس لمخضوب البنان يمين: وأخبرني محمد بن يحيى عن أيوب، عن عمر بن أبي الموالي قال الزبير: وحدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن يوسف بن الماجشون، وقد دخل حديث بعضهم في بعض حديث الآخرين: أن الحسن بن الحسن لما حضرته الوفاة جزع، وجعل يقول: إني لأجد كربا ليس إلا هو كرب الموت، وأعاد ذلك دفعات، فقال له بعض أهله: ما هذا الجزع، تقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جدك وعلى علي والحسن والحسين - صلوات الله عليهم - وهم آباؤك? فقال: لعمري إن الأمر لكذلك، ولكن كأني بعبد الله بن عمرو بن عثمان حين أموت وقد جاء في مضرجتين أو ممصرتين وهو يرجل جمته يقول: أنا من بني عبد مناف جئت لأشهد ابن عمي، وما به إلا أن يخطب فاطمة بنت الحسين، فإذا جاء فلا يدخل علي، فصاحت فاطمة: أتسمع? قال: نعم، قالت: أعتقت كل مملوك لي، وتصدقت بكل ملك لي إن أنا تزوجت بعدك أحدا أبدا، قال: فسكن الحسن وما تنفس ولا تحرك حتى قضى، فلما ارتفع الصياح أقبل عبد الله على الصفة التي ذكرها الحسن، فقال بعض القوم: ندخله. وقال بعضهم: لا يدخل، وقال قوم: لا يضر دخوله، فدخل وفاطمة تصك وجهها، فأرسل إليها وصيفا كان معه، فجاء يتخطى الناس حتى دنا منها فقال لها: يقول لك مولاي أبقي على وجهك فإن لنا فيه أربا، قال: فأرسلت يدها في كمها واختمرت وعرف ذلك منها، فما لطمت وجهها حتى دفن صلوات الله عليه. فلما انقضت عدتها خطبها فقالت: فكيف لي بنذري ويميني? فقال: نخلف عليك بكل عبد عبدين، وبكل شيء شيئين، ففعل وتزوجته، وقد قيل في تزويجه إيها غير هذا.
أخبرني به أحمد بن محمد بن إسماعيل الهمداني، عن يحيى بن الحسن العلوي عن أخيه أبي جعفر، عن إسماعيل بن يعقوب، عن محمد بن عبد الله البكري: أن فاطمة لما خطبها عبد الله أبت أن تتزوجه، فحلفت عليها أمها لتتزوجنه، وقامت في الشمس، وآلت لا تبرح حتى تتزوجه، فكرهت فاطمة أن تحرج، فتزوجته.
وكان عبد الله بن الحسن بن الحسن شيخ أهله وسيدا من ساداتهم ومقدما فيهم فضلا وعلما وكرما، وحبسه أبو جعفر المنصور في الهاشمية بالكوفة لما خرج عليه ابناه محمد وإبراهيم فمات في الحبس، وقيل: إنه سقط عليه وقيل غير ذلك.
كان من أجمل الناس وأفضلهم: أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن عن علي بن أحمد الباهلي: قال: سمعت مصعبا الزبيري يقول: انتهى كل حسن إلى عبد الله بن حسن، وكان يقال: من أحسن الناس? فيقال: عبد الله بن الحسن، ويقال: من أفضل الناس? فيقال عبد الله بن الحسن.


صفحة : 2369

حدثني محمد بن الحسن الخثعمي الأشاني والحسن بن علي السلولي قالا: حدثنا عباد بن يعقوب قال: حدثنا تلميذ بن سليمان، قال: رأيت عبد الله بن الحسن، وسمعته يقول: أنا أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولدتني بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن، عن إسماعيل بن يعقوب، عن عبد الله بن موسى، قال: أول من اجتمعت له ولادة الحسن رضي الله عنه والحسين - صلوات الله عليهما - عبد الله بن الحسن رضي الله عنه: حدثني محمد بن الحسن الأشناني، عن عبد الله بن يعقوب، عن بندقة بن محمد بن حجازة الدهان قال: رأيت عبد الله بن الحسن، فقلت: هذا والله سيد الناس، كان مكسوا نورا من قرنه إلى قدمه.
قال علي بن الحسين: وقد روي ذلك في أخبار أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه، وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي رضي الله عنه.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن القاسم بن عبد الرزاق: قال: جاء منظور بن زيان الفزاري إلى حسن بن حسن - وهو جده أبو أمه - فقال له: لعلك أحدثت بعدي أهلا، قال: نعم، تزوجت بنت عمي الحسين بن علي - رضي الله عنهما - قال: بئسما صنعت، أما علمت أن الأرحام إذا التقت أضوت، كان ينبغي أن تتزوج في الغرب، قال: فإن الله جل وعز قد رزقني منها ولدا، قال: أرنيه، فأخرج إليه عبد الله بن الحسن فسر به، وقال: أنجبت، هذا والله ليث غاب ومعدو عليه، قال: فإن الله تعالى قد رزقني منها ولدا ثانيا، قال: فأرنيه، فأخرج إليه حسن بن حسن بن حسن، فسر به، وقال: أنجبت، وهذا دون الأول، قال: فإن الله قد رزقني منها ولدا ثالثا، قال: فأرنيه. فأراه إبراهيم بن الحسن.
غمزة ترحى بها شفاعة: حدثني أبو عبيد محمد بن أحمد الصيرفي: قال: حدثنا محمد بن علي بن خلف قال: حدثنا عمر بن عبد الغفار قال: حدثنا سعيد بن أبان القرشي قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فدخل عبد الله بن الحسن عليه، وهو يومئذ شاب في إزار ورداء، فرحب به وأدناه وحياه، وأجلسه إلى جنبه وضاحكه، ثم غمز عكنة من بطنه، وليس في البيت حينئذ إلا أموي، فقيل له: ما حملك على غمز بطن هذا الفتى? قال: إني لأرجو بها شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم.
يعطي جائزة: حدثني عمر بن عبد الله بن جميل العتكي، عن عمر بن شبة، عن إسماعيل بن جعفر الجعفري: قال: حدثني سعيد بن عقبة الجهني: قال: إني لعند عبد الله بن الحسن إذ أتاني آت، فقال: هذا رجل يدعوك، فخرجت، فإذا أنا بأبي عدي الشاعر الأموي، فقال: أعلم أبا محمد، فخرج إليه عبد الله، وهم خائفون، فأمر له بأربعمائة دينار، وهند بمائتي دينار، فخرج بستمائة دينار. وقد روى مالك بن أنس عن عبد الله بن الحسن الحديث.
كان يسدل شعره: حدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن قال: حدثنا علي بن أحمد الباهلي عن مصعب بن عبد الله قال: سئل مالك عن السدل قال: رأيت من يرضى بفعله؛ عبد الله بن الحسن يفعله، والسبب في حبس عبد الله بن الحسن وخروج ابنيه وقتلهما يطول ذكره. وقد أتى عمر بن شبة منه بما لا يزيد عليه أحد إلا اليسير، ولكن من أخباره ما يحسن ذكره ها هنا فنذكره.
السبب في حبسه وقتل ابنيه: أخبرني عمر بن عبد الله العتكي عن عمر بن شبة، قال: حدثني موسى بن سعيد بن عبد الرحمن وأيوب بن عمر عن إسماعيل بن أبي عمرو قالوا: لما بنى أبو العباس بناءه بالأنبار الذي يدعى الرصافة: رصافة أبي العباس قال لعبد الله بن الحسن: ادخل فانظر ودخل معه، فلما رآه تمثل:
ألم تر حوشبا أمسى يبني بناء نفعه لبني نـفـيلة
يؤمل أن يعمر عمر نوح وأمر الله يحدث كل يلية فاحتمله أبو العباس ولم يبكته بها.
أخبرني عمي عن ابن شبة عن يعقوب بن القاسم عن عمرو بن شهاب، وحدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن الزبير عن محمد بن الضحاك عن أبيه قالوا: إن أبا العباس كتب إلى عبد الله بن الحسن في تغيب ابنيه:
أريد حياته ويريد قـتـلـي عذيرك من خليلك من مراد قال عمر بن شبة: وإنما كتب بها إلى محمد، قال عمر بن شبة: فبعثوا إلى عبد الرحمن بن مسعود مولى أبي حنين، فأجابه:
وكيف يريد ذاك وأنت منه بمنزلة النياط من الفـؤاد

صفحة : 2370


وكيف يريد ذاك وأنت منه وزندك حين تقدح من زناد
وكيف يريد ذاك وأنت منه وأنت لهاشم رأس وهـاد أخبرني عمر بن عبد الله بن شبة عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن الحسن بن زيد عن عبد الله بن الحسن قال: بينا أنا في سمر أبي العباس، وكان إذا تثاءب أو ألقى المروحة من يده قمنا، فألقاها ليلة فقمنا، فأمسكني فلم يبق غيري، فأدخل يده تحت فراشه، وأخرج إضبارة كتب وقال: اقرأ يا أبا محمد، فقرأت فإذا كتاب من محمد بن هشام بن عمرو التغلبي يدعوه إلى نفسه، فلما قرأته قلت له: يا أمير المؤمنين، لك عهد الله وميثاقه ألا ترى منهما شيئا تكرهه ما كانا في الدنيا.
أخبرنا العتكي عن ابن شبة عن محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمر، عن عبد الله بن عبدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: لما استخلف أبو جعفر ألح في طلب محمد والمسألة عنه، وعمن يؤويه، فدعا بني هاشم رجلا رجلا، فسألهم عنه، فكلهم يقول: قد عليم أمير المؤمنين أنك قد عرفته بطلب هذا الشأن قبل اليوم، فهو يخافك على نفسه، ولا يريد لك خلافا، ولا يحب لك معصية، إلا الحسن بن زيد فإنه أخبره خبره، فقال: والله ما آمن وثوبه عليك، وأنه لا ينام فيه فر رأيك فيه قال ابن أبي عبيدة: فأيقظ من لا ينام.
أخبرني عمر بن عبد الله بن شبة عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن محمد بن عمران عن عقبة بن سلم: إن أبا جعفر دعاه فسأله عن اسمه ونسبه، فقال: أنا عقبة بن سلم بن نافع بن الأزدهاني، قال: إني أرى لك هيئة وموضعا، وإني لأريدك لأمر أنا به معني، قال: أرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين، قال: فأخف شخصك، وائتني في يوم كذا وكذا، فأتيته، فقال: إن بني عمنا هؤلاء قد أبوا إلا كيدا بملكنا، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا وكذا، يكاتبونهم، ويرسلون إليهم بصدقات وألطاف، فاذهب حتى تأتيهم متنكرا بكتاب تكتبه عن أهل تلك القرية، ثم تسير ناحيتهم، فإن كانوا نزعوا عن رأيهم علمت ذلك، وكنت على حذر منهم حتى تلقى عبد الله بن الحسن متخشعا، وإن جبهك - وهو فاعل - فاصبر وعاوده أبدا حتى يأنس بك، فإذا ظهر لك ما في قلبه فاعجل إلي، ففعلذلك، وفعل به حتى أنس عبد الله بناحيته، فقاله له عقبة: الجواب، فقال له: أما الكتاب فإني لا أكتب إلى أحد، ولكن أنت كتابي إليهم، فأقرئهم السلام، وأخبرهم أن ابني خارج لوقت كذا وكذا، فشخص عقبة حتى قدم على أبي جعفر، فأخبره الخبر.
أخبرني العتكي عن عمر بن محمد بن يحيى بن الحارث بن إسحاق، قال: سأل أبو جعفر عبد الله بن الحسن عن ابنيه لما حج، فقال: لا أعلم بهما حتى تغالظا، فأمضه، أبو جعفر، فقال له: يا أبا جعفر، بأي أمهاتي تمضني? أبخديجة بنت خويلد أم بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بفاطمة بنت الحسين - عليهم السلام - أم بأم إسحاق بنت طلحة? قال: لا ولا بواحدة منهن، ولكن بالجرباء بنت قسامة فوثب المسيب بن زهير، فقال: يا أمير المؤمنين، دعني أضرب عنق ابن الفاعلة، فقام زياد بن عبد الله، فألقى عليه رداءه، وقال: يا أمير المؤمنين، هبه لي، فأنا المستخرج لك ابنيه، فتخلصه منه.
قال ابن شبة: وحدثني بكر بن عبد الله مولى أبي بكر، عن علي بن رباح أخي إبراهيم بن رباح، عن صاحب المصلى: قال: إني لواقف على رأس أبي جعفر وهو يتغذى بأوطاس، وهو متوجه إلى مكة، ومعه على مائدته عبد الله بن الحسن وأبو الكرام الجعفري وجماعة من بني العباس، فأقبل على عبد الله بن الحسن، فقال: يا أبا محمد؛ محمد وإبراهيم أراهما قد استوحشا من ناحيتي، وإني لأحب أن يأنسا بي ويأتياني فأصلهما وأزوجهما، وأخلطهما بنفسي، قال: وعبد الله يطرق طويلا، ثم يرفع رأسه ويقول: وحقك يا أمير المؤمنين مالي بهما ولا بموضعهما من البلاد علم، ولقد خرجا عن يدي، فيقول: لا تفعل يا أبا محمد، اكتب إليهما وإلى من يوصل كتابك إليهما، قال: وامتنع أبو جعفر عن عامة غداته ذلك اليوم إقبالا على عبد الله، وعبد الله يحلف أنه لا يعرف موضعهما، وأبو جعفر يكرر عليه: لا تفعل يا أبا محمد.
قال ابن شبة: فحدثني محمد بن عباد عن السندي بن شاهك:












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 06-27-2006, 12:08 PM   المشاركة رقم: 50
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


صفحة : 2371

أن أبا جعفر قال لعقبة بن سلم: إذا فرغنا من الطعام فلحظتك فامثل بين يدي عبد الله، فإنه سيصرف بصره عنك، فدر حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك، حتى يملأ عينيه منك، ثم حسبك وإياك أن يراك ما دام يأكل، ففعل ذلك عقبة، فلما رآه عبد الله وثب حتى جثا بين يدي أبي جعفر، وقال: يا أمير المؤمنين أقلني أقالك الله، قال: لا أقالني الله إن أقلتك، ثم أمر بحبسه.
قال ابن شبة، فحدثني أيوب بن عمر، عن محمد بن خلف المخزومي قال: أخبرني العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال: لما حج أبو جعفر في سنة أربعين ومائة أتاه عبد الله وحسن ابنا حسن، فإنهما وإياي لعنده، وهو مشغول بكتاب ينظر فيه إذ تكلم المهدي فلحن فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، ألا تأمر بهذا من يعدل لسانه، فإنه يفعل فعل الأمة، فلم يفهم، وغمزت عبد الله فلم ينتبه، وعاد لأبي جعفر فأحفظ من ذلك، وقال له: أين ابنك? قال: لا أدري، قال: لتأتيني به، قال: لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه، قال: يا ربيع فمر به إلى الحبس.
زوجته هند بنت أبي عبيدة: أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن قال: توفي عبد الله في محبسه بالهاشمية وهو ابن خمس وسبعين سنة في سنة خمس وأربعين ومائة وهند التي عناها عبد الله في شعره الذي فيه الغناء زوجته هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب.
وكان أبو عبيدة جوادا وممدحا، وكانت هند قبل عبد الله بن الحسن تحت عبد الله بن عبد الملك بن مروان، فمات عنها.
فأخبرني الحرمي عن الزبير عن سليمان بن عياش السعدي قال: لما توفي أبو عبيدة وجدت ابنته هند وجدا شديدا، فكلم عبد الله بن الحسن محمد بن بشير الخارجي أن يدخل على هند بنت أبي عبيدة، فيعزيها ويؤسيها عن أبيها، فدخل معه عليها، فلما نظر إليها صاح بأبعد صوته.

قومي اضربي عينيك يا هند لن تري أبا مثله تسمو إليه الـمـفـاخـر
وكنت إذا أسبلـت فـوقـك والـدا تزيني كما زان الـيدين الأسـاور فصكت وجهها، وصاحت بحربها وجهدها، فقال له عبد الله بن الحسن: ألهذا دخلت? فقال الخارجي: وكيف أعزي عن أبي عبيدة وأنا أعزى به.
أخبرني العتكي، عن شبة: قال: حدثني عبد الرحمن بن جعفر بن سليمان، عن علي بن صالح، قال: زوج عبد الملك بن مروان ابنه عبد الله هند بنت أبي عبيدة وريطة بنت عبد الله بن عبد المدان لما كان يقال إنه كائن في أولادهما، فمات عنهما عبد الله أو طلقهما، فتزوج هندا عبد الله بن الحسن، وتزوج ريطة محمد بن علي، فجاءت بأبي العباس السفاح.
أخبرني العتكي عن عمر بن شبة عن ابن داجة عن أبيه قال: لما مات عبد الله بن عبد الملك رجعت هند بميراثها منه، فقال عبد الله بن حسن لأمه فاطمة: اخطبي علي هندا، فقالت: إذا تردك، أتطمع في هند وقد ورثت ما ورثته، وأنت ترب لا مال لك? فتركها ومضى إلى أبي عبيدة أبي هند، فخطبها إليه، فقال: في الرحب والسعة، أما مني فقد زوجتك، مكانك لا تبرح، ودخل على هند، فقال: يا بنية، هذا عبد الله بن حسن، أتاك خاطبا، قالت: فما قلت له? قال: زوجته. قالت: أحسنت. قد أجزت ما صنعت، وأرسلت إلى عبد الله: لا تبرح حتى تدخل على أهلك. قال: فتزينت له فبات بها معرسا من ليلته، ولا تشعر أمه، فأقام سبعا، ثم أصبح يوم سابعه غاديا على أمه وعليه ردع الطيب، وفي غير ثيابه التي تعرف، فقالت له: يا بني، من أين لك هذا? قال: من عند التي زعمت أنها لا تريدني.
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعمي عبد العزيز بن أحمد بن بكار: قالا: حدثنا الزبير: قال: حدثتني ظبية مولاة فاطمة: قالت: كان جدك عبد الله بن مصعب يستنشدني كثيرا أبيات عبد الله بن حسن ويعجب بها:
إن عيني تعودت كحل هند جمعت كفها مع الرفق لينا
صوت

يا عيد مالك من شـوق وإيراق ومر طيف على الأهوال طراق
يسري على الأين والحيات محتفيا نفسي فداؤك من سار على ساق عروضه من البسيط: العيد: ما اعتاد الإنسان من هم أو شوق أو مرض أو ذكر. والأين والأيم: ضرب من الحيات. والأين: الإعياء أيضا، وروى أبو عمرو:
يا عيد قلبك من شوق وإيراق

صفحة : 2372

الشعر لتأبط شرا، والغناء لابن محرز ثقيل أول بالوسطى من رواية يحيى المكي وحبش وذكر الهشامي أنه من منحول يحيى إلى ابن محرز.

أخبار تأبط شرا ونسبه
نسبه ولقبه
هو ثابت بن جابر بن سفيان بن عميثل بن عدي بن كعب بن حزن. وقيل: حرب بن تميم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس عيلان بن مضر بن نزار.
وأمه امرأة يقال لها: أميمة، يقال: إنها من بني القين بطن من، فهم ولدت خمسة نفر: تأبط شرا، وريش بلغب، وريش نسر، وكعب جدر، ولا بواكي له، وقيل: إنها ولدت سادسا اسمه عمرو.
وتبأبط شرا لقب لقب به، ذكر الرواة أنه كان رأى كبشا في الصحراء، فاحتمله تحت إبطه، فجعل يبول عليه طول طريقه، فلما قرب من الحي ثقل عليه الكبش، فلم يقله فرمى به فإذا هو الغول، فقال له قومه: ما تأبطت يا ثابت? قال: الغول، قالوا: لقد تأبطت شرا فسمي بذلك.
وقيل: بل قالت له أمه: كل إخوتك يأتيني بشيء إذا راح غيرك، فقال لها: سآتيك الليلة بشيء، ومضى فصاد أفاعي كثيرة من أكبر ما قدر عليه، فلما راح أتى بهن في جراب متأبطا له، فألقاه بين يديها، ففتحته، فتساعين في بيتها، فوثبت، وخرجت، فقال لها نساء الحي: ماذا أتاك به ثابت? فقالت: أتاني بأفاع في جراب، قلن: وكيف حملها? قالت: تأبطها، قلن: لقد تأبط شرا، فلزمه تأبط شرا.
حدثني عمي قال حدثني علي بن الحسن بن عبد الأعلى عن أبي محلم بمثل هذه الحكاية وزاد فيها: أن أمه قالت له في زمن الكمأة: ألا ترى غلمان الحي يجتنون لأهليهم الكمأة، فيروحون بها? فقال أعطيني جرابك، حتى أجتني لك فيه، فأعطته، فملأه لها أفاعي، وذكر باقي الخبر مثل ما تقدم.
ومن ذكر أنه إنما جاءها بالغول يحتج بكثرة أشعاره في هذا المعنى، فإنه يصف لقاءه إياها في شعره كثيرا، فمن ذلك قوله:
فأصبحت الغول لي جارة فيا جارتا لك ما أهـولا
فطالبتها بضعها فالتـوت علي وحاولت أن أفعـلا
فمن كان يسأل عن جارتي فإن لها باللوى مـنـزلا كان أحد العدائين المعدودين: أخبرني عمي عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني قال: نزلت على حي من فهم إخوة بني عدوان من قيس، فسألتهم عن خبر تأبط شرا، فقال لي بعضهم: وما سؤالك عنه، أتريد أن تكون لصا? قلت: لا، ولكن أريد أن أعرف أخبار هؤلاء العدائين، فأتحدث بها، فقالوا: نحدثك بخبره: إن تأبط شرا كان أعدى ذي رجلين وذي ساقين وذي عينين، وكان إذا جاع لم تقم له قائمة، فكان ينظر إلى الظباء فينتقي على نظره أسمنها، ثم يجري خلفه فلا يفوته، حتى يأخذه، فيذبحه بسيفه، ثم يشويه فيأكله.
يصف غولا افترسها: وإنما سمي تأبط شرا لأنه - فيما حكي لنا - لقي الغول في ليلة ظلماء في موضع يقال له رحى بطسان في بلاد هذيل، فأخذت عليه الطريق فلم يزل بها، حتى قتلها، وبات عليها فلما أصبح حملها تحت إبطه وجاء بها إلى أصحابه، فقالوا له: لقد تأبطت شرا، فقال في ذلك:
تأبط شرا ثم راح أو اغـتـدى يوائم غنما أو يشيف على ذحل يوائم: يوافق، ويشيف: يقتدر. وقال أيضا في ذلك:
ألا من مبلغ فـتـيان فـهـم بما لاقيت عند رحى بطـان
وأني قد لقيت الغول تهـوي بسهب كالصحيفة صحصحان
فقلت لها: كلانـا نـضـوأين أخو سفر فخلي لي مكانـي
فشدت شدة نحوي فـأهـوى لها كفي بمصقول يمـانـي
فأضربها بلا دهش فخـرت صريعا لليدين ولـلـجـران
فقالت: عد، فقلت لها: رويدا مكانك إنني ثبت الـجـنـان
فلم أنفك متـكـئا عـلـيهـا لأنظر مصبحا ماذا أتـانـي
إذا عينان فـي رأس قـبـيح كرأس الهر مشقوق اللسـان
وساقا مخدج وشواة كـلـب وثوب من عباء أو شـنـان لم لا تنهشه الحيات? أخبرنا الحسين بن يحيى: قال: قرأت على حماد: وحدثك أبوك عن حمزة بن عتبة اللهبي: قال: قيل لتأبط شرا: هذه الرجال غلبتها، فكيف لا تنهشك الحيات في سراك? فقال: إني لأسرى البردين. يعني أول الليل، لأنها تمور خارجة من حجرتها، وآخر الليل تمور مقبلة إليها.
يبيع ثقفيا أحمق اسمه بطيلسانة:

صفحة : 2373

قال حمزة: ولقي تأبط شرا ذات يوم رجلا من ثقيف يقال له أبو وهب، كان جبانا أهوج، وعليه حلة جيدة، فقال أبو وهب لتأبط شرا: بم تغلب الرجال يا ثابت، وأنت كما أرى دميم ضئيل? قال: باسمي، إنما أقول ساعة ما ألقى الرجل: أنا تأبط شرا، فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت، فقال له الثقفي: أقط قال: قط، قال: فهل لك أن تبيعني اسمك? قال: نعم، فبم تبتاعه? قال: بهذه الحلة وبكنيتك قال له: أفعل، ففعل، وقال له تأبط شرا لك اسمي ولي كنيتك?، وأخذ حلته وأعطاه طمرية، ثم انصرف، وقال في ذلك يخاطب زوجة الثقفي:
ألا هل أتى الحسناء أن حـلـيلـهـا تأبط شرا واكـتـنـيت أبـا وهـب
فهبه تسمى اسمي وسميت باسـمـه فأين له صبري على معظم الخطب?
وأين له بأس كبـأسـي وسـورتـي وأين له في كل فـادحة قـلـبـي? يخونه نشاطه أمام الحسان: قال حمزة: وأحب تأبط شرا جارية من قومه، فطلبها زمانا لا يقدر عليها، ثم لقيته ذات ليلة فأجابته وأرادها، فعجز عنها، فلما رأت جزعه من ذلك تناومت عليه فآنسته وهدأ، ثم جعل يقول:
مالك من أير سلبت الخله عجزت عن جارية رفله
تمشي إليك مشية خوزله كمشية الأرخ تريد العله الأرخ: الأنثى من البقر التي لم تنتج. العلة تريد أن تعل بعد النهل، أي أنها قد رويت فمشيتها ثقيلة. والعل: الشرب الثاني.

لو أنها راعية في ثـلـه تحمل قلعين لها قبـلـه
لصرت كالهراوة العتله قصته مع بجيلة: أخبرني الحسن بن علي عن عبد الله بن أبي سعد عن أحمد بن عمر عن أبي بركة الأشجعي قال: أغار تأبط شرا - وهو ثابت بن العميثل الفهمي، ومعه ابن براق الفهمي على بجيلة - فأطردا لهم نعما، ونذرت بهما بجيلة، فخرجت في آثارهما ومضيا هاربين في جبال السراة، وركبا الحزن، وعارضتهما بجيلة في السهل فسبقوهما إلى الوهط - وهو ماء لعمرو بن العاص بالطائف - فدخلوا لهما في قصبة العين، وجاءا، وقد بلغ العطش منهما، إلى العين، فلما وقفا عليها قال تأبط شرا لابن براق: أقل من الشراب فإنها ليلة طرد، قال: وما يدريك? قال: والذي أعدو بطيره، إني لأسمع وجيب قلوب الرجال تحت قدمي. وكان من أسمع العرب وأكيدهم. فقال له ابن براق: ذلك وجيب قلبك. فقال له تأبط شرا: والله ما وجب قط، ولا كان وجابا، وضرب بيده عليه، وأصاخ نحو الأرض يستمع فقال: والذي أعدو بطيره، إني لأسمع وجيب قلوب الرجال، فقال له ابن براق: فأنا أنزل قبلك، فنزل فبرك وشرب وكان أكل القوم عند بجيلة شوكة، فتركوه وهم في الظلمة، ونزل ثابت، فلما توسط الماء وثبوا عليه، فأخذوه وأخرجوه من العين مكتوفا، وابن براق قريب منهم لا يطمعون فيه لما يعلمون من عدوه، فقال لهم ثابت: إنه من أصلف الناس وأشدهم عجبا بعدوه، وسأقول له: أستأسر معي، فسيدعوه عجبه بعدوه إلى أن يعدو من بين أيديكم، وله ثلاثة أطلاق: أولها كالريح الهابة، والثاني كالفرس الجواد، والثالث يكبو فيه ويعثر، فإذا رأيتم منه ذلك فخذوه فإني أحب أن يصير في أيديكم كما صرت إذ خالفني ولم يقبل رأيي ونصحي له، قالوا: فافعل، فصاح به تأبط شرا: أنت أخي في الشدة والرخاء، وقد وعدني القوم أن يمنوا عليك وعلي، فاستأسر، وواسني بنفسك في الشدة، كما كنت أخي في الرخاء، فضحك ابن براق، وعلم أنه قد كادهم، وقال: مهلا يا ثابت، أيستأسر من عنده هذا العدو? ثم عدا فعدا أول طلق مثل الريح الهابة كما وصف لهم، والثاني كالفرس الجواد، والثالث جعل يكبو ويعثر ويقع على وجهه. فقال ثابت: خذوه، فعدوا بأجمعهم، فلما أن نفسهم عنه شيشئا عدا تأبط شرا في كتافه، وعارضه ابن براق، فقطع كتافه، وأفلتا جميعا، فقال تأبط شرا قصيدته القافية في ذلك:
يا عيد مالك من شوق وإبـراق ومر طيف على الأهوال طراق
يسري على الأين والحيات محتفيا نفسي فداؤك من سار على ساق
طيف ابنة الحر إذ كنا نواصلهـا ثم اجتنبت بها من بعد تـفـراق
لتقر عن علي السـن مـن نـدم إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي
تالله آمن أنثى بعدما حـلـفـت أسماء بالله من عهد ومـيثـاق

صفحة : 2374


ممزوجة الود بينا واصلت صرمت الأول اللذ مضى والآخر الباقـي
فالأول اللذ مضى قال مودتـهـا واللذ منها هذاء غـير إحـقـاق
تعطيك وعد أمانـي تـغـر بـه كالقطر مر على صخبآن بـراق
إني إذا خلة ضنـت بـنـائلـهـا وأمسكت بضعيف الحبل أحـذاق
نجوت منها نجائي في بـجـيلة إذ ألقيت للقوم يوم الروع أرواقـي وذكرها ابن أبي سعيد في الخبر إلى آخرها.
وأما المفضل الضبي فذكر أن تأبط شرا وعمرو بن براق والشنفري - وغيره يجعل مكان الشنفري السليك بن السلكة - غزوا بجيلة فلم يظفروا منهم بغرة، وثاروا إليهم فأسروا عمرا، وكتفوه، وأفلتهم الآخران عدوا، فلم يقدروا عليهما، فلما علما أن ابن براق قد أسر قال تأبط شرا لصاحبه: امض فكن قريبا من عمرو، فإني سأتراءى لهم وأطمعهم في نفسي حتى يتباعدوا عنه، فإذا فعلوا ذلك فحل كتافه، وانجوا، ففعل ما أمره به، وأقبل تأبط شرا، حتى تراءى لبجيلة، فلما رأوه طمعوا فيه، فطلبوه، وجعل يطمعهم في نفسه، ويعدو عدوا خفيفا يقرب فيه، ويسألهم تخفيف الفدية وإعطاءه الأمان، حتى يستأسر لهم، وهم يجيبونه إلى ذلك، ويطلبونه وهو يحضر إحضارا خفيفا، ولا يتباعد، حتى علا تلعة أشرف منها على صاحبيه، فإذا هما قد نجوا، ففطنت لهما بجيلة، فألحقتهما طلبا ففاتاهم، فقال: يا معشر بجيلة أأعجبكم عدو ابن براق اليوم، والله لأعدون لكم عدوا أنسيكم به عدوه، ثم عدا عدوا شديدا، ومضى وذلك قوله:
يا عيد مالك في شوق وإبراق وأما الأمصعي فإنه ذكر فيما أخبرني به ابن أبي الأزهر عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن عمه: أن بجيلة أمهلتهم حتى وردوا الماء وشربوا وناموا، ثم شدوا عليهم، فأخذوا تأبط شرا، فقال لهم: إن ابن براق دلاني في هذا، وإنه لا يقدر على العدو لعقر في رجليه، فإن تبعتموه أخذتموه، فكتفوا تأبط شرا، ومضوا في أثر ابن براق، فلما بعدوا عنه عدا في كتافه ففاتهم، ورجعوا.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا أبو سعيد السكري قال: حدثنا ابن الأثرم، عن أبيه. وحدثنا محمد بن حبيب، عن أبي عمرو، قالا: كان تأبط شرا يعدو على رجليه، وكان فاتكا شديدا، فبات ليلة ذات ظلمة وبرق ورعد في قاع يقال له رحى بطان، فلقيته الغول فمازال يقاتلها ليلته إلى أن أصبح وهي تطلبه، قال: والغول: سبع من سباع الجن، وجعل يراوغها، وهي تطلبه، وتلتمس غرة منه، فلا تقدر عليه، إلى أن أصبح، فقال تأبط شرا:
ألا من مبلغ فـتـيان فـهـم بما لاقيت عند رحى بطـان
بأني قد لقيت الغول تـهـوي بسهب كالصحيفة صحصحان
فقلت لها: كلانـا نـضـوأين أخوه سفر فخلي لي مكانـي
فشدت شدة نحوي فـأهـوى لها كفي بمصقول يمـانـي
فأضربها بلا دهش فخـرت صريعا لليدين ولـلـجـران
فقالت عد، فقلت لهـا: رويدا مكانك إنني ثبت الـجـنـان
فلم أنفك متـكـئا عـلـيهـا لأنظر مصبحا ماذا أتـانـي
إذا عينان فـي رأس قـبـيح كرأس الهر مشقوق اللسـان
وساقا مخدج وشواة كـلـب وثوب من عباء أو شـنـان يفر ويدع من معه: قالوا: وكان من حديثه أنه خرج غازيا يريد بجيلة هو ورجل معه، وهو يريد أن يغترهم، فيصيب حاجته، فأتى ناحية منهم، فقتل رجلا، ثم استاق غنما كثيرة، فنذروا به، فتبعه بعضهم على خيل، وبعضهم رجالة، وهم كثير، فلما رآهم، وكان من أبصر الناس عرف وجوههم، فقال لصاحبه: هؤلاء قوم قد عرفتهم، ولن يفارقونا اليوم حتى يقاتلونا أو يظفروا بحاجتهم، فجعل صاحبه ينظر، فيقول: ما أتبين أحدا، حتى إذا دهموهما قال لصاحبه: اشتد فإني سأمنعك مادام في يدي سهم، فاشتد الرجل، ولقيهم تأبط شرا، وجعل يرميهم حتى نفدت نبله، ثم إنه اشتد فمر بصاحبه فلم يطق شده، فقتل صاحبه، وهو ابن عم لزوجته، فلما رجع تأبط شرا وليس صاحبه معه عرفوا أنه قد قتل، فقالت له امرأته: تركت صاحبك وجئت متباطئا، فقال تأبط شرا في ذلك:
ألا تلكما عرسي منيعة ضمنت من الله إثما مستسا وعالـنـا

صفحة : 2375


تقول: تركت صاحبا لك ضـائعـا وجئت إلينا فارقـا مـتـبـاطـئا
إذا ما تركت صاحـبـي لـثـلاثة أو اثنتين مثلينا فـلا أبـت آمـنـا
وما كنت أباء على الخـل إذا دعـا ولا المرء يدعوني ممرا مداهنـا
وكري إذا أكرهت رهطا وأهلـه وأرضا يكون العوض فيها عجانهنا
ولما سمعت العوص تدعو تنفـرت عصافير رأسي من غواة فراتنـا
ولم أنتظر أن يدهموني كـأنـهـم ورائي نحل في الخلـية واكـنـا
ولا أن تصيب النافذات مقـاتـلـي ولم أك بالشد الـذلـيق مـداينـا
فأرسلت مثنيا عن الشـد واهـنـا وقلت تزحزح لا تكونـن حـائنـا
وحثحثت مشعوف النجـاء كـأنـه هجف رأى قصرا سمالا وداجنـا
من الحص هرروف يطير عفـاؤه إذا استدرج الفيفا ومد المغابـنـا
أزج زلوج هـزرفـي زفـازف هزف يبد الناجيات الصـوافـنـا
فزحزحت عنهم أو تجئني منـيتـي بغبراء أو عرفاء تفري الدفـائنـا
كأني أراها المـوت لا در درهـا إذا أمكنت أنيابهـا والـبـراثـنـا
وقالت لأخرى خلفها وبـنـاتـهـا حتوف تنقي مخ من كان واهـنـا
أخاليج وراد علي ذي مـحـافـل إذا نزعوا مدوا الدلا والشواطـنـا وقال غيره: بل خرج تأبط شرا هو وصاحبان له، حتى أغاروا على العوص من بجيلة، فأخذوا نعما لهم، واتبعتهم العوص، فأدركوهم، وقد كانوا استأجروا لهم رجالا كثيرة، فلما رأى تأبط شرا ألا طاقة لهم بهم شمر وتركهما، فقتل صاحباه، وأخذت النعم، وأفلت، حتى أتى بني القين من فهم، فبات عند امرأة منهم يتحدث إليها، فلما أراد أن يأتي قومه دهنته ورجلته، فجاء إليهم وهم يبكون، فقالت له امرأته: لعنك الله تركت صاحبيك وجئت مدهنا، وإنه إنما قال هذه القصيدة في هذا الشأن، وقال تأبط شرا يرثيهما وكان اسم أحدهما عمرا:
أبعد قتيل العوص آسى على فتـى وصاحبه أو يأمل الزاد طـارق?
أأطرد فهما آخر الليل أبـتـغـي علالة يوم أن تعـوق الـعـوائق
لعمر فتـى نـلـتـم كـأن رداءه على سرحة من سرح دومة سامق
لأطرد نهبـا أو نـرود بـفـتـية بأيمانهم سمر القنـا والـعـقـائق
مساعرة شعث كـأن عـيونـهـم حريق الغضا تلفى عليها الشقـائق
فعدوا شهور الحرم ثم تـعـرفـوا قتيل أناس أو فـتـاة تـعـانـق محاولة قتله هو وأصحابه بالسم: قال الأثرم: قال أبو عمرو في هذه الرواية: وخرج تأبط شرا يريد أن يغزو هذيلا في رهط، فنزل على الأحل بن قنصل - رجل من بجيلة - وكان بينهما حلف، فأنزلهم ورحب بهم، ثم إنه ابتغى لهم الذراريح ليسقيهم فيستريح منهم، ففطن له تأبط شرا، فقام إلى أصحابه، فقال: إني أحب ألا يعلم أنا قد فطنا له، ولكن سابوه حتى نحلف ألا نأكل من طعامه، ثم أغتره فأقتله لأنه إن علم حذرني - وقد كان مالأ ابن قنصل رجل منهم يقال له لكيز قتلت فهم أخاه - فاعتل عليه وعلى أصحابه فسبوه وحلفوا ألا يذوقوا من طعامه ولا من شرابه، ثم خرج في وجهه، وأخذ في بططن واد فيه النمور، وهي لا يكاد يسلم منها أحد، والعرب تسمي النمر ذا اللونين، وبعضهم يسميه السبنتي، فنزل في بطنه وقال لأصحابه: انطلقوا جميعا فتصيدوا، فهذا الوادي كثير الأروى، فخرجوا وصادوا، وتركوه في بطن الوادي فجاءوا فوجدوه قد قتل نمرا وحده، وغزا هذيلا فغنم وأصاب، فقال تأبط شرا في ذلك:
أقسمت لا أنسى وإن طال عيشنا صنيع لكيز والأحل بن قنصـل
نزلنا به يوما فساء صبـاحـنـا فإنك عمري قد ترى أي منزل
بكى إذ رآنا نازلـين بـبـابـه وكيف بكاء ذي القليل المعـيل
فلا وأبيك ما نزلنـا بـعـامـر ولا عامر ولا الرئيس ابن قوقل عامر بن مالك أبو براء ملاعب الأسنة، وعامر بن الطفيل، وابن قوقل: مالك بن ثعلبة أحد بني عوف بن الخزرج - .


صفحة : 2376


ولا بالشليل رب مروان قاعدا بأحسن عيش والنفاثي نوفل رب مروان: جرير بن عبد الله البجلي. ونوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن يعمر أحد بني الديل بن بكر - .

ولا ابن وهيب كاسب الحمد والعلا ولا ابن ضبيع وسط آل المخبـل
ولا ابن حليس قاعدا في لقـاحـه ولا ابن جري وسط آل المغفـل
ولا ابن رياح بالـزلـيفـات داره رياح بن سعد لا رياح بن معقـل
أولئك أعطى لـلـولائد خـلـفة وأدعى إلى شحم السديف المرعبل يتخذ من العسل مزلقا على الجبل فينجو من موت محقق: وقال أيضا في هذه الرواية: كان تأبط شرا يشتار عسلا في غار من بلاد هذيل، يأتيه كل عام، وأن هذيلا ذكرته، فرصدوه لإبان ذلك، حتى إذا جاء هو وأصحابه تدلى، فدخل الغار، وقد أغاروا عليهم فأنفروهم، فسبقوهم ووقفوا على الغار، فحركوا الحبل، فأطلع تأبط شرا رأسه، فقالوا: أصعد، فقال: ألا أراكم، قالوا: بلى قد رأيتنا. فقال: فعلام أصعد، أعلى الطلاقة أم الفداء? قالوا: لا شرط لك، قال: فأراكم قاتلي وآكلي جناي، لا والله لا أفعل، قال: وكان قبل ذلك نقب في الغار نقبا أعده للهرب، فجعل يسيل العسل من الغار ويثريقه، ثم عمد إلى الزق فشده على صدره ثم لصق بالعسل فلم يبرح ينزلق عليه حتى خرج سليما وفاتهم، وبين موضعه الذي وقع فيه وبين القوم مسيرة ثلاث، فقال تأبط شرا في ذلك:
أقول للحيان وقد صفـرت لـهـم وطابي ويومي ضيق الحجر معور
هما خطـتـا إمـا إسـار ومـنة وإما دم والقتل بـالـحـر أجـدر
وأخرى أصادي النفس عنها وإنهـا لمورد حزم إن ظفرت ومصـدر
فرشت لها صدري فزل عن الصفا به جؤجؤ صلب ومتن مخـصـر
فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا به كدحه والموت خزيان ينـظـر
فأبت إلى فهم ومـا كـنـت آئبـا وكم مثلها فارقتها وهي تصـفـر
إذا المرء لم يحتل وقد جـد جـده أضاع وقاسى أمره وهو مـدبـر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نـازلا به الأمر إلا وهو للحزم مبصـر
فذاك قريع الدهر ما كـان حـولا إذا سد منه منخر جاش منـخـر
فإنك لو قايست باللصب حيلـتـي بلقمان لم يقصر بي الدهر مقصر غارة ينتصر فيها على العوص: وقال أيضا في حديث تأبط شرا: إنه خرج من عدة من فهم، فيهم عامر بن الأخنس، والشنفري، والمسيب، وعمرو بن براق، ومرة بن خليف، حتى بيتوا العوص وهم حي من بجيلة، فقتلوا منهم نفرا، وأخذوا لهم إبلا، فساقوها حتى كانوا من بلادهم على يوم وليلة، فاعترضت لهم خثعم وفيهم ابن حاجز، وهو رئيس القوم، وهم يومئذ نحو من أربعين رجلا، فلما نظرت إليهم صعاليك فهم قالوا لعامر بن الأخنس: ماذا ترى? قال: لا أرى لكم إلا صدق الضراب، فإن ظفرتم فذاك، وإن قتلتم كنتم قد أخذتم ثأركم، قال تأبط شرا: بأبي أنت وأمي، فنعم رئيس القوم أنت إذا جد الجد، وإذا كان قد أجمع رأيكم على هذا فإني أرى لكم أن تحملوا على القوم حملة واحدة فإنكم قليل والقوم كثير، ومتى افترقتم كثركم القوم، فحملوا عليهم فقتلوا منهم في حملتهم، فحملوا ثانية فانهزمت خثعم وتفرقت، وأقبل ابن حاجز فأسند في الجبل فأعجز، فقال تأبط شرا في ذلك:
جزى الله فتيانا على العوص أمطرت سماؤهم تحت العـجـاجة بـالـدم
وقد لاح ضوء الفجر عرضا كأنـه بلمحـتـه إقـراب أبـلـق أدهـم
فإن شـفـاء الـداء إدراك ذحــلة صباحا على آثار حـوم عـرمـرم
وضاربتهم بالسفح إذ عارضـتـهـم قبائل من أبناء قـسـر وخـثـعـم
ضرابا عدا منه ابن حاجز هـاربـا ذرا الصخر في جوف الوجين المديم وقال الشنفري في ذلك:
دعيني وقولي بعد ما شئت إننـي سيغدي بنعشي مـرة فـأغـيب
خرجنا فلم نعهد وقلت وصاتـنـا ثمانية ما بعدهـا مـتـعـتـب
سراحين فتيان كأن وجوهـهـم مصابيح أو لون من الماء مذهب

صفحة : 2377


نمر برهو الماء صفحـا وقـد طـوت ثمـائلـنـا والـزاد ظـن مـغـيب
ثلاثا على الأقدام حتـى سـمـا بـنـا على العوص شعشاع من القوم محرب
فثاروا إلينا في السواد فهـجـهـجـوا وصوت فينا بالصـبـاح الـمـثـوب
فشن عليهم هـزة الـسـيف ثـابـت وصمم فيهم بالحـسـام الـمـسـيب
وظلت بفـتـيان مـعـي أتـقـيهـم بهن قـلـيلا سـاعة ثـم جـنـبـوا
وقد خر منـهـم راجـلان وفـارس كمي صرعنـاه وحـوم مـسـلـب
يشـق إلـيه كـل ربـع وقـلــعة ثمانية والـقـوم رجـل ومـقـنـب
فلما رآنا قـومـنـا قـيل أفـلـحـوا فقلنا: اسألـوا عـن قـائل لايكـذب وقال تأبط شرا في ذلك:
أرى قدمي وقعهما خفيف كتحليل الظليم حدا رئاله
أرى بهما عذابا كـل يوم بخثعم أو بجيلة أو ثماله ففرق تأبط شرا أصحابه، ولم يزالوا يقاتلونهم حتى انهزمت خثعم، وساق تأبط شرا وأصحابه الإبل حتى قدم بها عليا مكة.
عود إلى سبب تسميته: وقال غيره: إنما سمي تأبط شرا ببيت قاله: وهو:
تأبط شرا ثم راح أو اغـتـدى يوائم غنما أو يشيف على ذحل غارته على مراد: قال: وخرج تأبط شرا يوما يريد الغارة، فلقي سرحا لمراد فأطرده، ونذرت به مراد، فخرجوا في طلبه، فسبقهم إلى قومه، وقال في ذلك:
إذا لاقيت يوم الصدق فاربع عليه ولا يهمـك يوم سـو
على أني بسرح بني مـراد شجوتهم سباقا أي شـجـو
وآخر مثله لا عـيب فـيه بصرت به ليوم غـير زو
خفضت بساحة تجري علينا أباريق الكرامة يوم لهـو مع غلام من خثعم: أغار تأبط شرا وحده على خثعم، فبينا هو يطوف إذ مر بغلام يتصيد الأرانب، معه قوسه ونبله، فلما رآه تأبط شرا أهوى ليأخذه، فرماه الغلام فأصاب يده اليسرى، وضربه تأبط شرا فقتله، وقال في ذلك:
وكادت وبيت الله أطناب ثابـت تقوض عن ليلى وتبكي النوائح
تمنى فتى منا يلاقي ولـم يكـد غلام نمته المحصنات الصرائح
غلام نمى فوق الخماسي قدره ودون الذي قد ترتجيه النواكح
فإن تك نالته خطاطيف كـفـه بأبيض قصال نمى وهو فادح
فقد شد في إحدى يديه كنـانـه يداوى لها في أسود القلب قادح هذه الأبيات أن تكون لقوم المقتول أشبه منها بتأبط شرا - .
قالوا لها لا تنكحيه: قال: وخطب تأبط شرا امرأة من هذيل من بني سهم فقال لها قائل: لا تنكحيه، فإنه لأول نصل غدا يفقد فقال تأبط شرا:
وقـالـوا لـهـا: لا تـنـكــحـــيه فـــإنـــه لأول نـصـل أن يلاقـي مـــجـــمـــعـــا
فلـم تـر مـــن رأي فـــتـــيلا وحـــاذرت تأيمـهـا مـن لابـــس الـــلـــيل أروعـــا
قلـيل غـرار الـنـوم أكـــبـــر هـــمـــه دم الـثـأر أو يلـقـى كـمـيا مـقـــنـــعـــا
قلـــيل ادخـــار الـــزاد إلا تـــعـــــلة وقد نـشـز الـشـر سـوف والـتـصـق الـمـعـي
تنـاضـلـه كـل يشــجـــع نـــفـــســـه ومـا طـبـه فـي طـرقـه أن يشــجـــعـــا
يبـيت بـمـغـنـى الـوحـش حـتـى ألـفـنـــه ويصـبـح لا يحـمـى لـهـا الـدهـر مـرتـعــا
رأين فـتــى لا صـــيد وحـــش يهـــمـــه فلـو صـافـحـت إنـسـا لـصـافـحـنـه مـعـا
ولـكـن أربـاب الـمـخـاض يشـــقـــهـــم إذا افـتـــقـــدوه أو رأوه مـــشـــيعـــا
وإني ولا علم لأعلم أننيسألقى سنان الموت يرشق أضلعا
على غرة أو جهرة من مكاثر أطـال نـزال الـمـوت حـتـى تـسـعـسـعـــا تسعسع: فني وذهب. يقال: قد تسعسع الشهر، ومنه حديث عمر رضي الله عنه حين ذكر شهر رمضان فقال: إن هذا الشهر قد تسعسع
وكنت أظن الموت في الحـي أو أرى ألذ وأكـرى أو أمـوت مـقـنـعـا
ولست أبيت الدهر إلا عـلـى فـتـى أسلبه أو أذعر الـسـرب أجـمـعـا
ومن يضـرب الأبـطـال لابـد أنـه سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا عود إلى فراره وترك صاحبيه:












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 06-27-2006, 12:10 PM   المشاركة رقم: 51
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


صفحة : 2378

قال: وخرج تأبط شرا ومعه صاحبان له: عمرو بن كلاب أخو المسيب، وسعد بن الأشرس وهم يريدون العارة على بجيلة فنذروا بهم، وهم في جبل ليس لهم طريق عليهم فأحاطوا بهم وأخذوا عليهم الطريق، فقاتلوهم فقتل صاحبا تأبط شرا ونجا، ولم يكد حتى أنى قومه. فقالت له امرأته وهي أخت عمرو بن كلاب إحدى نساء كعب بن علي بن إبراهيم بن رياح: هربت عن أخي وتركته وغررته، أما والله لو كنت كريما لما أسلمته، فقال تأبط شرا في ذلك:
ألا تلكما عرشي منيعة ضمنت من الله خزيا مستسرا وعاهنا وذكر باقي الأبيات.
وإنما دعا امرأته إلى أن عيرته أنه لما رجع بعد مقتل صاحبيه انطلق إلى امرأة كان يتحدث عندها، وهي من بني القين بن فهم، فبات عندها، فلما أصبح غدا إلى امرأته وهو مدهن مترجل، فلما رأته في تلك الحال علمت أين بات، فغارت عليه فعيرته.
يغير على خثعم: وذكروا أن تأبط شرا أغار على خثعم، فقال كاهن لهم: أروني أثره حتى آخذه لكم فلا يبرح حتى تأخذوه، فكفئوا على أثره قال: هذا ما لا يجوز في صاحبه الأخذ، فقال تأبط شرا:
ألا أبلغ بني فهم بن عمرو على طول التنائي والمقالة
مقال الكاهن الجامي لمـا رأى أثري وقد أنهبت ماله
رأى قدمي وقعهما حثـيث كتحليل الظليم دعا رئالـه
أرى بهما عذابا كـل عـام لخثعم أو بجيلة أو ثمـالة
وشر كان صب على هذيل إذا علقت حبالهم حبـالـه
ويوم الأزد منهم شـر يوم إذا بعدوا فقد صدقت قاله فزعموا أن ناسا من الأزد ربئوا لتأبط شرا ربيئة وقالوا: هذا مضيق ليس له سبيل إليكم من غيره، فأقيموا فيه حتى يأتيكم، فلما دنا من القوم توجس، ثم انصرف، ثم عاد فنهضوا في أثره حين رأوه لا يجوز، ومر قريبا فطمعوا فيه، وفيهم رجل يقال له حاجز؛ ليث من ليوثهم سريع، فأغروه به فلم يلحقه، فقال تأبط شرا في ذلك:
تتعتعت حضني حاجز وصـحـابـه وقد نبذوا خلقانهـم وتـشـنـعـوا
أظن وأن صادفت وعثـا وأن جـرى بي السهل أو متن من الأرض مهيع
أجاري ظلال الطير لو فـات واحـد ولو صدقوا قالوا لـه هـو أسـرع
فلو كان من فتيان قـيس وخـنـدف أطاف به القناص من حيث أفزعـوا
وجـاب بـلادا نـصـف يوم ولـيلة لآب إلـيهـم وهـو أشـوس أروع
فلو كان منكـم واحـد لـكـفـيتـه وما ارتجعوا لو كان في القوم مطمع
فأجــابـــه حـــاجـــز:
فإن تك جاريت الظلال فربما سبقت ويوم القرن عـريان أسـنـع
وخليت إخوان الصـفـاء كـأنـهـم ذبائح عنـز أو فـحـيل مـصـرع
تبكيهم شجو الـحـمـامة بـعـدمـا أرحت ولم ترفع لهم منك إصـبـع
فهذي ثلاث قد حـويت نـجـاتـهـا وإن تنج أخرى فهي عنـدك أربـع خير أيامه: أخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال ذكر علي بن محمد المدائني، عن ابن دأب قال: سئل تأبط شرا: أي يوم مر بك خير? قال: خرجت حتى كنت في بلاد بجيلة، أضاءت لي النار رجلا جالسا إلى امرأة. فعمدت إلى سيفي فدفنته قريبا، ثم أقبلت حتى استأنست، فنبحني الكلب، فقال: ما هذا? فقلت: بائس. فقال: ادنه فدنوت، فإذا رجل جلحاب آدم، وإذا أضوى الناس إلى جانبه، فشكوت إليه الجوع والحاجة، فقال: اكشف تلك القصعة، فأتيت قصعة إلى جنب إبله، فإذا فيها تمر ولبن، فأكلت منه حتى شعبت، ثم خررت متناوما، فوالله ما شئت أن أضطجع حتى اضطجع هو ورفع رجله على رجله، ثم اندفع يغني وهو يقول:
خير الليالي إن سألت بـلـيلة ليل بخيمة بين بيش وعـثـر
لضجيع آنسة كأن حـديثـهـا شهد يشاب بمزجة من عنبـر
وضجيع لاهية ألاعب مثلهـا بيضاء واضحة كظيظ المئزر
ولأنت مثلهما وخير منهـمـا بعد الرقاد وقبل أن لم تسحري

صفحة : 2379

قال: ثم انحرف فنام، ومالت فنامت: فقلت: ما رأيت كالليلة في الغرة، فإذا عشر عشراوات بين أثلاث فيها عبد واحد وأمة، فوثبت فانتضيت سيفي، وانتحيت للعبد فقتلته وهو نائم، ثم انحرفت إلى الرجل فوضعت سيفي على كبده حتى أخرجته من صلبه، ثم ضربت فخذ المرأة فجلست، فلما رأته مقتولا جزعت، فقلت: لا تخافي، أنا خير لك منه. قال: وقمت إلى جل متاعها فرحلته على بعض الإبل أنا والأمة فما حللت عقده حتى نزلت بصعدة بني عوف بن فهر. وأعرست بالمرأة هناك وحين اضطجعت فتحت عقيرتي وغنيت:
بحليةل البجلي بت من ليلهـا بين الإزار وكشحها ثم الصق
بأنيسة طويت على مطـويهـا طي الحمالة أو كطي المنطق
فإذا تقوم فصعدة فـي رمـلة لبدت بريق ديمة لم تـغـدق
وإذا تجيء تجيء شحب خلفها كالأيم أصعد في كثيب يرتقي
كذب الكواهن والسواحر والهنا أن لا وفاء لعاجز لا يتعقـي قال: فهذا خير يوم لقيته.
شر أيامه: وشر يوم لقيت أني خرجت، حتى إذا كنت في بلاد ثمالة أطوف، حتى إذا كنت من القفير عشيا إذا أنا بسبع خلفات فيهن عبد، فأقبلت نحوه، وكأني لا أريده وحذرني فجعل يلوذ بناقة فيها حمراء، فقلت في نفسي: والله إنه ليثق بها. فأفوق له، ووضع رجله في أرجلها وجعل يدور معها، فإذا هو على عجزها. وأرميه حين أشرف فوضعت سهمي في قلبه فخر، وندت الناقة شيئا وأتبعتها فرجعت فسقتهن شيئا ثم قلت: والله لو ركبت الناقة وطردتهن، وأخذت بعثنون الحمراء فوثبت، فساعة استويت عليها كرت نحو الحي تريع وتبعتها الخلفات، وجعلت أسكنها وذهبت، فلما خشيت أن تطرحني في أيدي القوم رميت بنفسي عنها، فانكسرت رجلي، وانطلقت والذود معها. فخرجت أعرج، حتى انخنست في طرف كثيب وجازني الطلب، ونويرة صغيرة، فهويت للصغرى، وأنا أجمر، فلما نبحني الكلب نادى رجل فقال: من هذا? فقلت: بائس، فقال: ادنه، فدنوت وجلست وجعل يسائلني، إلى أن قال: والله إني لأجد منك ريح دم. فقلت: لا والله، ما بي دم. فوثب إلي فنفضني، ثم نظر في جعبتي فإذا السهم، فقلت: رميت العشية أرنبا فقال كذبت، هذا ريح دم إنسان، ثم وثب إلي ولا أدفع الشر عن نفسي فأوثقني كتافا، ثم علق جعبتي وقوسي، وطرحني في كسر البيت ونام، فلما أسحرت حركت رجلي، فإذا هي صالحة وانفتل الرباط فحللته، ثم وثبت إلى قوسي وجعبتي فأخذتهما ثم هممت بقتله فقلت: أنا ضمن الرجل، وأنا أخشى أن أطلب فأدرك ولم أقتل أحدا أحب إلي، فوليت ومضيت. فوالله إني لفي الصحراء أحدث نفسي إذا أنا به على ناقة يتبعني، فلما رأيته قد دنا مني جلست على قوسي وجعبتي وأمنته، وأقبل فأناخ راحلته ثم عقلها، ثم أقبل إلي، وعهده بي عهده، فقلت له: ويلك، ما تريد مني? فأقبل يشتمني، حتى إذا أمكنني، وثبت عليه فما ألبثته أن ضربت به الأرض، وبركت عليه أربطه، فجعل يصيح: يا لثمالة، لم أر كاليوم. فجنبته إلى ناقته وركبتها، فما نزعت حتى أحللته في الحي، وقلت:
أغـرك مـنـي يا بـن فـعــلة عـــلـــتـــي عشـــية أن رابـــت عـــلـــي روائبــــي
ومـوقـد نـــيران ثـــلاث فـــشـــرهـــا وألأمـهـا إذا قــدتـــهـــا غـــير عـــازب
سلبت سلاحي بائسا وشتمتني فيا خير مسلوب ويا شر سالب
فإن أك لم أخضبك فيها فإنها نيوب أســـاويد وشـــول عـــقـــــــارب
ويا ركـبة الـــحـــمـــراء شـــرة ركـــبة وكـادت تـكـون شـــر بـــكـــبة راكـــب مخاتلة يظفر فيها:

صفحة : 2380

قال: وخرج تأبط غازيا يريد الغارة على الأزد في بعض ما كان يغير عليهم وحده، فنذرت به الأزد، فأهملوا له إبلا، وأمروا ثلاثة من ذوي بأسهم: حاجز بن أبي، وسواد بن عمرو بن مالك، وعوف بن عبد الله، أن يتبعوه حتى ينام فيأخذوه أخذا، فكمنوا له مكمنا، وأقبل تأبط شرا فبصر بالإبل، فطردها بعض يومه. ثم تركها ونهض في شعب لينظر: هل يطلبه أحد? فكمن القوم حين رأوه ولم يرهم، فلما لم ير أحدا في أثره عاود الإبل فشلها يومه وليلته والغد حتى أمسى، ثم عقلها، وصنع طعاما فأكله، والقوم ينظرون إليه في ظله، ثم هيأ مضطجعا على النار، ثم أخمدها وزحف على بطنه ومعه قوسه، حتى دخل بين الإبل، وخشي أن يكون رآه أحد وهو لا يعلم، ويأبى إلا الحذر والأخذ بالحزم، فمكث ساعة وقد هيأ سهما على كبد قوسه، فلما أحسو نومه أقبلوا ثلاثتهم يؤمون المهاد الذي رأوه هيأه، فإذا هو يرمي أحدهم فيقتله، وجال الآخران، ورمى آخر فقتله، وأفلت حاجز هاربا، وأخذ سلب الرجلين، وأطلق عقل الإبل وشلها حتى جاء بها قومه، وقال تأبط في ذلك:
ترجي نساء الأزد طلعة ثـابـت أسيرا ولم يدرين كيف حويلـي
فإن الأللى أوصيتم بـين هـارب طريد ومسفوح الدماء قـتـيل
وخدت بهم حتى إذا طال وخدهم وراب عليهم مضجعي ومقيلـي
مهدت لهم حتى إذا طاب روعهم إلى المهد خاتلت الضيا بختـيل
فلما أحسوا النوم جاءوا كأنـهـم سباع أصابت هجمة بـسـلـيل
فقلدت سوار بن عمرو بن مالك بأسمر جسر القدتـين طـمـيل
فخر كأن الفيل ألقـى جـرانـه عليه بـريان الـقـواء أسـيل
وظل رعاع المتن من وقع حاجز يخر ولونهنهت غـير قـلـيل
لأبت كما آبا ولو كنـت قـارنـا لجئت وما مالكت طول ذميلـي
فسرك ندمانك لمـا تـتـابـعـا وأنك لم ترجع بعوص قـتـيل
ستأتي إلى فهم غنـيمة خـسـلة وفي الأزد نوح ويلة بـعـويل فقال حاجز بن أبي الأزدي يجيبه:
سألت فلم تكلمني الرسوم وهي في أشعار الأزد.
فأجابه تأبط شرا:
لقد قال الخلي وقال خلـسـا بظهر الليل شد به العكـوم
لطيف من سعاد عناك منهـا مراعاة النجوم ومـن يهـيم
وتلك لئن عنيت بـهـا رداح من النسوان منطقها رخـيم
نياق القرط غراء الـثـنـايا وريداء الشباب ونعـم خـيم
ولكن فات صاحب بطن وهو وصاحبه فأنت بـه زعـيم
أؤاخذ خطة فـيهـا سـواء أبيت وليل واترهـا نـؤوم
ثأرت به وما اقترفـت يداه فظل لها بنـا يوم غـشـوم
تحز رقابهم حتى نـزعـنـا وأنف الموت منخره رمـيم
وإن تقع النسور علي يومـا فلحم المعتفي لحـم كـريم
وذي رحم أحال الدهر عنـه فليس له لذي رحـم حـريم
أصاب الدهر آمن مروتـيه فألقاه المصاحب والحمـيم
مددت له يمينا من جناحـي لها وفر وكـافـية رحـوم
أواسيه عـلـى الأيام إنـي إذا قعدت به اللؤمـا ألـوم موت أخيه عمرو: ذكروا أنه لما انصرف الناس عن المستغل؛ وهي سوق كانت العرب تجتمع بها، قال عمرو بن جابر بن سفيان أخو تأبط شرا لمن حضر من قومه: لا واللات والعزى لا أرجع حتى أغير على بني عتير من هذيل، ومعه رجلان من قومه هو ثالثهما، فأطردوا إبلا لنبي عتير فأتبعهم أرباب الإبل، فقال عمرو: أنا كار على القوم ومنهنهم عنكما، فامضيا بالإبل. فكر عليهم فنهنهم طويلا، فجرح في القوم رئيسا، ورماه رجل من بني عتير بسهم فقتله، فقالت بنو عتير: هذا عمرو بن جابر، ما تصنعون أن تلحقوا بأصحابه? أبعدها الله من إبل، فإنا نخشى أن نلحقهم فيقتل القوم منا، فيكونوا قد أخذوا الثأر، فرجعوا ولم يجاوزوه. وكانوا يظنون أن معه أناسا كثيرا، فقال تأبط لما بلغه قتل أخيه:
وحرمت النساء وإن أحلت بشور أو بمزج أو لصاب
حياتي أو أزور بني عتير وكاهلها بجمع ذي ضباب

صفحة : 2381


إذا وقعت لكعب أو خثـيم وسيار يسوغ لها شرابي
أظني ميتا كمـدا ولـمـا أطالع طلعة أهل الكراب
ودمت مسيرا أهدي رعيلا أؤم سواد طود ذي نقاب فأجابه أنس بن حذيفة الهذلي:
لعلك أن تجيء بك المـنـايا تساق لفتية منـا غـضـاب
فتنزل في مكرهم صـريعـا وتنزل طرقة الضبع السغاب
تأبط سوأة وحمـلـت شـرا لعلك أن تكون من المصاب أخوه السمع يثأر لأخيه عمرو: ثم أن السمع بن جابر أخا تأبط شرا خرج في صعاليك من قومه يريد الغارة على بني عتير ليثأر بأخيه عمرو بن جابر، حتى إذا كان ببلاد هذيل لقي راعيا لهم، فسأله عنهم، فأخبره بأهل بيت من عتير كثير مالهم، فبيتهم، فلم يفلت منهم مخبر، واستاقوا أموالهم، فقال في ذلك السمع بن جابر:
بأعلى ذي جماجم أهل دار إذا ظعنت عشيرتهم أقاموا
طرقتهم بفـتـيان كـرام مساعير إذا حمي المقـام
متى ما أدع من فهم تجبني وعدوان الحماة لهم نظـام إصابته في غارة على الأزد: ذكروا أن تأبط شرا خرج ومعه مرة بن خليف يريدان الغارة على الأزد، وقد جعلا الهداية بينهما، فلما كانت هداية مرة نعس، فجار عن الطريق، ومضيا حتى وقعا بين جبال ليس فيها جبل متقارب، وإذا فيها مياه يصيح الطير عليها؛ وإذا البيض والفراخ بظهور الأكم، فقال تأبط شرا: هلكنا واللات يا مرة، ما وطئ هذا المكان إنس قبلنا، ولو وطئته إنس ما باضت الطير بالأرض، فاختر أية هاتيت القنتين شئت، وهما أطول شيء يريان من الجبال، فأصعد إحداهما وتصعد أنت الأخرى، فإن رأيت الحياة فألح بالثوب، وإن رأيت والموت فألح بالسيف، فإني فاعل مثل ذلك، فأقاما يومين. ثم إن تأبط شرا ألاح بالثوب، وانحدرا حتى التقيا في سفح الجبل، فقال مرة: ما رأيت يا ثابت? قال: دخانا أو جرادا. قال مرة: إنك إن جزعت منه هلكنا، فقال تأبط شرا: أما أنا فإني سأخرم بك من حيث تهتدي الريح، فمكثا بذلك يومين وليلتين، ثم تبعا الصوت، فقال تأبط شرا: النعم والناس. أما والله لئن عرفنا لنقتلن، ولئن أغرنا لندركن، فأت الحي من طرف وأنا من الآخر، ثم كن ضيفا ثلاثا، فإن لم يرجع إليك قلبك فلا رجع، ثم أغر على ما قبلك إذا تدلت الشمس فكانت قدر قامة، وموعدك الطريق. ففعلا، حتى إذا كان اليوم الثالث أغار كل واحد منهما على ما يليه، فاستاقا النعم والغنم، وطردا يوما وليلة طردا عنيفا حتى أمسيا الليلة الثانية دخلا شعبا، فنحرا قلوصا، فبينا هما يشويان إذا سمعا حسا على باب الشعب، فقال تأبط: الطلب يا مرة، إن ثبت فلم يدخل فهم مجيزون، وإن دخل فهو الطلب، فلم يلبث أن سمع الحس يدخل، فقال مرة: هلكنا، ووضع تأبط شرا يده على عضد مرة، فإذا هي ترعد، فقال: ما أرعدت عضدك إلا من قبل أمك الوابشية من هذيل، خذ بظهري، فإن نجوت نجوت، وإن قتلت وقيتك. فلما دنا القوم أخذ مرة بظهر تأبط، وحمل تأبط فقتل رجلا، ورموه بسهم فأعلقوه فيه؛ وأفلتا جميعا بأنفسهما، فلما أمنا وكان من آخر الليل، قال مرة: ما رأيت كاليوم غنيمة أخذت على حين أشرفنا على أهلنا، وعض مرة عضده، وكان الحي الذين أغاروا عليهم بجيلة، وأتى تأبط امرأته، فلما رأيت جراحته ولولت، فقال تأبط في ذلك:
وبالشعب إذ سدت بجـيلة فـجـه ومن خلفه هضب صغار وجامـل
شددت لنفس المرء مرة حـزمـه وقد نصب دون النجاء الحـبـائل
وقلت له: كن خلف ظهري فإننـي سأفديك وانظر بعد ما أنت فاعـل
فعاذ بحد السيف صاحب أمـرهـم وخلوا عن الشيء الذي لم يحاولوا
وأخطأهم قتلي ورفعت صاحـبـي على الليل لم تؤخذ عليه المخاتـل
واخطأ غنم الحي مـرة بـعـدمـا حوته إلـيه كـفـه والأنـامـل
بعض على أطرافه كـيف زولـه ودون الملا سهل من الأرض مائل
فقلت له: هذي بتـلـك وقـد يرى لها ثمنا من نـفـسـه مـا يزاول
تولول سعدى أن أتيت مـجـرحـا إليها وقد منت علي الـمـقـاتـل

صفحة : 2382


وكائن أتاها هاربا قبل هـذه ومن غانم فأين منك الولاول يثبث مع قلة من أصحابه فيظفرون: فلما انقضت الأشهر الحرم خرج تأبط والمسيت بن كلاب في ستة نفر يريدون الغارة على بجيلة، والأخذ بثأر صاحبيهم عمرو بن كلاب وسعد بن الأشرس. فخرج تأبط والمسيب بن كلاب وعامر بن الأخنس وعمرو بن براق ومرة بن خليف والشنفري بن مالك، والسمع وكعب حدا رابنا جابر أخوا تأبط. فمضوا حتى أغاروا على العوص، فقتلوا منهم ثلاثة نفر: فارسين وراجلا، وأطردوا لهم إبلا، وأخذوا منهم امرأتين، فمضوا بما غنموا، حتى إذا كانوا على يوم وليلة من قومهم عرضت لهم خثعم في نحو من أربعين رجلا، فيهم أبي بن جابر الخثعمي، وهو رئيس القوم، فقال تأبط: يا قوم، لا تسلموا لهم ما في أيديكم حتى تبلوا عذرا، وقال عامر بن الأخنس: عليكم بصدق الضراب وقد أدركتم بثأركم، وقال المسيب: اصدقوا القوم الحملة، وإياكم والفشل، وقال عمرو بن براق: ابذلوا مهجكم ساعة، فإن النصر عند الصبر. وقال الشنفري:
نحن الصعاليك الحماة البزل إذا لقينا لا نرى نـهـلـل وقال مرة بن خليف:
يا ثابت الخير ويا بـن الأخـنـس ويا بن براق الكـريم الأشـوس
والشنفري عند حـيود الأنـفـس أنا ابن حامي السرب في المغمس
نحن مساعير الحروب الضرس وقال كعب حدار أخو تأبط:
يا قوم أما إذ لقيتم فاصبروا ولا تخيموا جزعا فتدبروا وقال السمع أخو تأبط:
يا قوم كونوا عندها أحرارا لا تسلموا العون ولا البكارا
ولا القناعيس ولا العشـارا لخثعم وقد دعـوا غـرارا
ساقوهم الموت معا أحرارا وافتخروا الدهر بها افتخارا فلما سمع تأبط مقالتهم قال: بأبي أنتم وأمي، نعم الحماة إذا جد الجد، أما إذا أجمع رأييكم على قتال القوم فاحملوا ولا تتفرقوا، فإن القوم أكثر منكم، فحملوا عليهم فقتلوا منهم، ثم كروا الثانية فقتلوا، ثم كروا الثالثة فقتلوا فانهزمت خثعم وتفرقت في رؤوس الجبال، ومضى تأبط وأصحابه بما غنموا وأسلاب من قتلوا، فقال تأبط من ذلك:
جزى الله فتيانا على العوص أشرقت سيوفهم تحت العـجـاجة بـالـدم الأبيات...
وقال الشنفري في ذلك:
دعيني وقولي بعد ما شئت إنني سيفدي بنفسي مرة فـأغـيب الأبيات...
وقال الشنفري أيضا:
ألا هل أتى عنا سعاد ودونهـا مهامه بيد تعتلي بالصعالـيك
بأنا صبحنا القوم في حر دارهم حمام المنايا بالسيوف البواتـك
قتلنا بعمرو منهم خير فـارس يزيد وسعدا، وابن عوف بمالك
ظللنا نفري بالسيوف رؤوسهم ونرشقهم بالنبل بين الدكـادك ينهزم أمام النساء:

صفحة : 2383

قال: وخرج تأبط في سرية من قومه، فيهم عمرو بن براق، ومرة بن خليف، والمسيب بن كلاب، وعامر بن الأخنس، وهو رأس القوم، وكعب حدار، وريش كعب، والسمع وشريس بنو جابر إخوة تأبط شرا، وسعد ومالك ابنا الأقرع، حتى مروا ببني نفاثة بن الديل وهم يريدون الغارة عليهم، فباتوا في جبل مطل عليهم، فلما كان في وجه السحر أخذ عامر بن الأخنس قوسه، فوجد وترها مسترخيا، فجعل يوترها ويقول له تأبط: بعض حطيط وترك يا عامر، وسمعه شيخ من بني نفاثة، فقال لبنات له: أنصتن فهذه والله غارة لبني ليث - وكان الذي بينهم يومئذ متفاقما في قتل حميصة بن قيس أخي بلعاء، وكانوا أصابوه خطأ - وكانت بنو نفاثة في غموة والحي خلوف وليس عندهم غير أشياخ وغلمان لا طباخ بهم، فقالت امراة منهم: اجهروا الكلام، والبسوا السلاح، فإن لنا عدة فواللات ما هم إلا تأبط وأصحابه. فبرزن مع نوفق وأصحابه، فلما بصر بهم قال: انصرفوا فإن القوم قد نذروا بكم، فأبوا عليه إلا الغارة فسل تأبط سيفه وقال: لئن أغرتم عليهم لأتكئن على سيفي حتى أنفذه من ظهري، فانصرفوا ولا يحسبون إلا أن النساء رجال، حتى مروا بإبل البلعاء بن قيس بقرب المنازل فأطردوها، فلحقهم غلام من بني جندع بن ليث? فقال: يا عامر بن الخنس، أتهاب نساء بني نفاثة وتغير على رجال بني ليث? هذه والله إبل لبلعاء بن قيس. فقال له عامر: أو كان رجالهم خلوفا? قال: نعم، قال: أقرئ بلعاء مني السلام، وأخبره بردي إبله، وأعلمه أني قد حبست منها بكرا لأصحابي، فإنا قد أرملنا، فقال الغلام: لئن حبست منها هلبة لأعلمنه، ولا أطرد منها بعيرا أبدا. فحمل عليه تأبط فقتله، ومضوا بالإبل إلى قومهم؛ فقال في ذلك تأبط:
ألا عجب الفـتـيان مـن أم مـالـك تقول: أراك اليوم أشـعـث أغـبـرا
تبوعـا لآثـار الـسـرية بـعـدمـا رأيتك بـراق الـمـفـارق أيسـرا
فقـلـت لـهـا: يومـان يوم إقـامة أهز به غصنا من البـان أخـضـرا
ويوم أهز السـيف فـي جـيد أغـيد له نسوة لم تلـق مـثـلـي أنـكـرا
يخفن علـيه وهـو ينـزع نـفـسـه لقد كنت أبـاء الـظـلامة قـسـورا
وقد صحت في آثار حـوم كـأنـهـا عذارى عقيل أو بـكـارة حـمـيرا
أبـعـد الـنـفـاثـيين آمـل طـرقة وآسى علـى شـيء إذا هـو أدبـرا
أكفكف عنهم صحبـتـي وإخـالـهـم من الذل يعرا بـالـتـلاعة أعـفـرا
فلو نالت الكفان أصـحـاب نـوفـل بمهمهة من بطن ظرء فـعـرعـرا
ولما أبى الـلـيثـي إلا تـهـكـمـا بعرضي وكان العرض عرضي أوفرا
فقلت له: حـق الـثـنـاء فـإنـنـي سأذهب حتى لـم أجـد مـتـأخـرا
ولما رأيت الـجـهـل زاد لـجـاجة يقـول فـلا يألـوك أن تـتـشـورا
دنوت له حـتـى كـأن قـمـيصـه تشرب من نضح الأخادع عصـفـرا
فمن مبلغ ليث بـن بـكـر بـأنـنـا تركنا أخاهـم يوم قـرن مـعـفـرا قال: غزا تأبط بني نفاثة بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهم خلوف، ليس في دارهم رجل، وكان الخبر قد أتى تأبط، فأشرف فوق جبل ينظر إلى الحي وهم أسفل منه، فرأته امرأة فطرح نفسه، فعلمت المرأة أنه تأبط، وكانت عاقلة، فأمرت النساء فلبسن لبسة الرجال، ثم خرجن كأنهن يطلبن الضالة، وكان أصحابه يتفلتون ويقولون: أغز، وإنما كان في سرية من بين الستة إلى السبعة، فأبى أن يدعهم، وخرج يريد هذيلا، وانصرف عن النفاثيين، فبينا هو يتردد في تلك الجبال إذ لقي حليفا له من هذيل، فقال له: العجب لك يا تأبط، قال: وما هو? قال: إن رجال بني نفاثة كانوا خلوفا فمكرت بك امرأة، وأنهم قد رجعوا.
ففي ذلك يقول:
ألا عجب الفتيان من أم مـالـك تقول: لقد أصبحت اشعث أغبرا وذكر باقي الأبيات المتقدمة.


صفحة : 2384

وقال غيره: لا بل قال هذه القصيدة في عامر بن الأخنس الفهمي، وكان من حديث عامر بن الأخنس أنه غزا في نفر، بضعة وعشرين رجلا، فيهم عامر بن الأخنس، وكان سيدا فيهم، وكان إذا خرج في غزو رأسهم، وكان يقال له سيد الصعاليك، فخرج بهم حتى باتوا على بني نفاثة بن عدي بن الديل ممسين، ينتظرون أن ينام الحي، حتى إذا كان في سواد الليل مر بهم راع من الحي قد أغدر، فمعه غديرته يسوقها فبصر بهم وبمكانهم، فخلى الغديرة وتبع الضراء ضراء الوادي، حتى جاء الحي فأخبرهم بمكان القوم وحيث رآهم، فقاموا فاختاروا: فتيان الحي فسلحوهم، وأقبلوا نحوهم، حتى إذا دنوا منهم قال رجل من النفاثيين: والله ما قوسي بموترة. فقالوا: فأوتر قوسك، فوضع قوسه فأوترها، فقال تأبط لأصحابه: اسكتوا، واستمع فقال: أتيتم والله، قالوا: وما ذلك? قال: أنا والله أسمع حطيط وتر قوس. قالوا: والله ما نسمع شيئا، قال: بلى والله إني لأسمعه، يا قوم النجاء، قالوا: لا والله ما سمعت شيئا، فوثب فانطلق وتركهم، ووثب معه نفر، وبيتهم بنو نفاثة فلم يفلت منهم إنسان، وخرج هو وأصحابه الذين انطلقوا معه، وقتل تلك الليلة عامر بن الأخنس.
قال ابن عمير: وسألت أهل الحجاز عن عامر بن الأخنس، فزعموا أنه مات على فراشه.
فلما رجع تأبط قالت له امرأته: تركت أصحابك، فقال حينئذ:
ألا عجب الفتيان من أم مـالـك تقول: لقد أصبحت أشعث أغبرا مصرعه على يد غلام دون المحتلم: فلما رجع تأبط وبلغه ما لقي أصحابه قال: والله ما يمس رأسي غسل ولا دهن حتى أثأر بهم. فخرج في نفر من قومه، حتى عرض لهم بيتع من هذيل بين صوى جبل، فقال: اغنموا هذا البيت أولا، قالوا: لا والله، ما لنا فيه أرب، ولئن كانت فيه غنيمة ما نستطيع أن نسوقها. فقال: إني أتفاءل أن أنزل، ووقف، وأتت به ضبع من يساره، فكرهها، وعاف على غير الذي رأى، فقال: أبشري أشبعك من القوم غدا. فقال له أصحابه: ويحك، انطلق، فوالله ما نرى أن نقيم عليها. قال: لا والله لا أريم حتى أصبح. وأتت به ضبع عن يساره فقال: أشبعك من القوم غدا. فقال أحد القوم: والله إني أرى هاتين غدا بك، فقال: لا والله لا أريم حتى أصبح. فبات، حتى إذا كان في وجه الصبح، وقد رأى أهل البيت وعدهم على النار، وأبصر سواد غلام من القوم دون المحتلم، وغدوا على القوم، فقتلوا شيخا وعجوزا، وحازوا جاريتين وإبلا. ثم قال تأبط: إني قد رأيت معهم غلاما؛ فأين الغلام الذي كان معهم? فأبصر أثره فاتبعه، فقال له أصحابه: ويلك دعه فإنك لا تريد منه شيئا، فاتبعه، واستتر الغلام بقتادة إلى جنب صخرة، وأقبل تأبط يقصه وفوق الغلام سهما حين رأى أنه لا ينجيه شيء، وأمهله حتى إذا دنا منه قفز قفزة، فوثب على الصخرة، وأرسل السهم، فلم يسمع تأبط إلا الحبضة فرفع رأسه، فانتظم السهم قلبه، وأقبل نحوه وهو يقول: لا بأس، فقال الغلام: لا بأس، والله لقد وضعته حيث تكره، وغشية تأبط بالسيف وجعل الغلام يلوذ بالقتادة، ويضربها تأبط بحشاشته، فيأخذ ما أصابت الضربة منها، حتى خلص إليه، فقتله، ثم نزل إلى أصحابه يجر رجله، فلما رأوه وثبوا، ولم يدروا ما أصابه، فقالوا: مالك? فلم ينطق، ومات في أيديهم، فانطلقوا وتركوه، فجعل لا يأكل منه سبع ولا طائر إلا مات، فاحتملته هذيل، فألقته في غار يقال له غار رخمان، فقالت ريطة أخته وهي يومئذ متزوجة في بني الديل:
نعم الفتى غادرتم برخمان ثابت بن جابر بن سفيان وقال مرة بن خليف يرثيه:
إن العزيمة والـعـزاء قـد ثـويا أكفان ميت غدا في غار رخمـان
إلا يكن كرسف كـفـنـت جـيده ولا يكن كفن من ثـوب كـتـان
فإن حرا من الأنسـاب ألـبـسـه ريش الندى، والندى من خير أكفان
وليلة رأس أفعاها إلـى حـجـر ويوم أور من الـجـوزاء رنـان
أمضيت أول رهط عـنـد آخـره في إثر عـادية أو إثـر فـتـيان وقالت أم تأبط ترثيه:
وابناه وابن الليل مقته:












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 06-27-2006, 12:12 PM   المشاركة رقم: 52
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


صفحة : 2385

قال أبو عمر الشيباني: لا بل كان من شأن تأبط وهو ثابت بن جابر بن سفيان، وكان جريئا شاعرا فاتكا أنه خرج من أهله بغارة من قومه، يريدون بني صاهلة بن كاهل بن الحارث بن سعيد بن هذيل، وذلك في عقب شهر حرام مما كان يحرم أهل الجاهلية، حتى هبط صدر أدم، وخفض عن جماعة بني صاهلة، فاستقبل التلاعة، فوجد بها دارا من بني نفاثة بن عدي، ليس فيها إلا النساء، غير رجل واحد، فبصر الرجل بتأبط وخشية، وذلك في الضحى، فقام الرجل إىل النساء، فأمرهن فجعلن رؤوسهن جمما وجعلن دروعهن أردية، وأخذن من بيوتهن عمدا كهيئة السيوف فجعلن لها حمائل، ثم تأبطنها ثم نهض ونهضن معه يغريهن كما يغري القوم، وأرمهن أن لا يبرزن خدا، وجعل هو يبرز للقوم ليروه، وطفق يغري ويصيح على القوم، حتى أفزع تأبط شرا واصحابه وهو على ذلك يغري. في بقية ليلة أو ليلتين من الشهر الحرام، فنهضوا في شعب يقال له شعب وشل، وتأبط ينهض في الشعب مع أصحابه، ثم يقف في آخرهم، ثم يقول: يا قوم لكأنما يطردكم النساء، فيصيح عليه أصحابه فيقولون: انج أدركك القوم، وتأبى نفسه، فلم يزل به أصحابه حتى مضى معهم فقال تأبط في ذلك:
أبعد النفاثيين أزجر طائرا وآسى على شيء إذا هو أدبرا
أنهنه رجلي عنهم وإخالهم من الـذل يعـرا بـالــتـــلاعة أعـــفـــرا
ولـو نـالـت الـكـفـان أصـحـاب نـــوفـــل بمـهـمـهة مـن بـين ظــرء وعـــرعـــرا قال: ثم طلعوا الصدر حين أصبحوا فوجدوا أهل بيت شاذ من بني قريم ذنب نمار فظل يراقبهم حتى أمسوا، وذلك البيت لساعدة بن سفيان أحد بني حارثة بن قريم، فحصرهم تأبط وأصحابه حتى أمسوا. قال: وقد كانت قالت وليدة لساعدة: إني قد رأيت اليوم القوم أو النفر بهذا الجبل، فبات الشيخ حذرا قائما بسيفه بساحة أهله. وانتظر تأبط وأصحابه أن يغفل الشيخ، وذلك آخر ليلة من الشهر الحرام فلما خشوا أن يفضحهم الصبح، ولم يقدروا على غرة مشوا إليه وغروه ببقية الشهر الحرام، وأعطوه من مواثيقهم ما أقنعه، وشكوا إليه الجوع، فلما اطمأن إليهم وثبوا عليه فقتلوه وابنا له صغيرا حين مشى. قال: ومضى تأبط شرا إلى ابن له ذي ذؤابة، كان أبوه قد أمره فارتبأ من وراء ماله، يقال له: سفيان بن ساعدة. فأقبل إليه تأبط شرا مستترا بمجنة، فلما خشي الغلام أن يناله تأبط بسيفه وليس مع الغلام سيف، وهو مفوق سهما، رمى مجن تأبط بحجر، فظن تأبط أنه قد أرسل سهمه، فرمى مجنه عن يده، ومشى إليه فأرسل الغلام سهمه فلم يخط لبته حتى خرج منه السهم، ووقع في البطحاء حذو القوم، وأبوه ممسك، فقال أبو الغلام حين وقع السهم: أخاطئه سفيان? فحرد القوم، فذلك حين قتلوا الشيخ وابنه الصغير، ومات تأبط.
فقالت أمه - وكانت امرأة من بني القين بن جسر بن قضاعة - ترثيه:
قتيل ما قتيل بنـي قـريم إذا ضنت جمادى بالقطار
فتى فهم جميعا غـادروه مقيما بالحريضة من نمار وقالت أمه ترثيه أيضا:
ويل أم طرف غادروا برخمان بثابت بن جابر بن سـفـيان
يجدل القرن ويروي الندمـان ذو مأقط يحمي وراء الإخوان وقالت ترثيه أيضا: وابناه وابن الليل، ليس بزميل، شروب للقيل، رقود بالليل، وواد ذي هول، أجزت بالليل، تضرب بالذيل، برجل كالثول.
قال: وكان تأبط شرا يقول قبل ذلك:
ولقد علمت لـتـعـدون م علي شتم كالحساكـل
يأكلـن أوصـالا ولـح ما كالشكاعي غير جاذل
يا طير كلن فـإنـنـي سم لكـن وذو دغـاول وقال قبل موته:
لعـلـي مــيت كـــمـــدا ولـــمـــا أطـالـع أهـل ضـيم فـــالـــكـــراب
وإن لم آت جمع بني خثيم وكاهلها برجل كالضباب
إذا وقعت بكعب أو قريم وســيار فـــيا ســـوغ الـــشـــراب فأجابه شاعر من بني قريم:
تأبط سوأة وحمـلـت شـرا لعلك أن تكون من المصـاب
لعلك أن تجيء بك الـمـنـايا تساق لفتية منـا غـضـاب
فتصبح في مكرهم صـريعـا وتصبح طرفة الضبع السغاب
فزلتم تهربون لو كـرهـتـم تسوقون الحرائم بالـنـقـاب
وزال بأرضكم مـنـا غـلام طليعة فتية غلب الـرقـاب

صفحة : 2386

ونذكر ها هنا بعد أخبار تأبط شرا أخبار صاحبيه عمرو بن براق والشنفري ونبدأ بما يغني فيه من شعريهما، ونتبعه بالأخبار.
فأما عمرو بن براق فمعا يغنى فيه من شعره قوله:
صوت

متى تجمع القلب الذكي وصارما وأنفا حميا تجتنبك الـمـظـالـم
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهـم فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالـم
كذبتم وبيت الله لا تـأخـذونـهـا مراغمة مادام للـسـيف قـائم
ولا صلح حتى تعثر الخيل بالقنـا وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم عروضه من الطويل، الشعر لابن براق وقيل ابن براقة. والغناء لمحمد بن إسحاق بن عمرو بن بزيع ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن الهشامي.

عمرو بن براق
يسلبه حريم ماله فيسترده منه: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا السكري عن ابن حبيب قال: وأخبرنا الهمداني ثعلب، عن ابن الأعرابي، عن المفضل، قالا: أغار رجل من همدان يقال له حريم على إبل لعمرو بن براق وخيل، فذهب بها، فأتى عمرو امرأة كان يتحدث إليها ويزورها فأخبرها أن حريما أغار على إبله وخيله فذهب بها، وأنه يريد الغارة عليه، فقالت له المرأة ويحك لا تعرض لتلفات حريم فإني أخافه عليك، قال: فخالفها، وأغار عليه، فاستاق كل شيء كان له، فأتاه حريم بعد ذلك يطلب إليه أن يرد عليه ما أخذه منه، فقال: لا أفعل، وأبى عليه، فانصرف، فقال عمرو في ذلك:
تقول سليمى لا تعرض لـتـلـفة وليلك عن ليل الصعالـيك نـائم
وكيف ينام الليل من جـل مـالـه حسام كلون الملح أبيض صـارم
صموت إذا عض الكريهة لم يدع لها طمعا طوع اليمـين مـلازم
نقدت به ألفا وسامـحـت دونـه على النقد إذ لا تستطاع الدراهـم
ألم تعلم أن الصعاليك نـومـهـم قليل إذا نام الدثور الـمـسـالـم
إذا الليل أدجى واكفهرت نجومـه وصاح من الإراط هام جـواثـم
ومال بأصحاب الكرى غالبـاتـه فإني على أمر الغـواية حـازم
كذبتم وبيت الله لا تـأخـذونـهـا مراغمة مادام لـلـسـيف قـائم
تحالف أقوام علي لـيسـمـنـوا وجروا علي الحرب إذا أنا سالـم
أفالآن أدعى للهـوادة بـعـدمـا أجيل على الحي المذاكي الصلادم
كأن حريما إذا رجا أن يضمـهـا ويذهب مالي يا بنة القوم حـالـم
متى تجمع القلب الذكي وصارمـا وأنفا حميا تجتنبك الـمـظـالـم
ومن يطلب المال الممنع بالقـنـا يعش ذا غنى أو تخترمه المخارم
وكنت إذا قوم غزوني غزوتـهـم فهل أنا في ذا يالهمدان ظـالـم
فلا صلح حتى تعثر الخيل بالقنـا وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم وأما الشنفري فإنه رجل من الأزد ثم من الأواس بن الحجر بن الهنو بن الأزد. ومما يغنى فيه من شعره قوله:
صوت

ألا أم عمرو أزمعت فاستقلـت وما ودعت جيرانها إذ تولـت
فواندما بانت أمامة بـعـدمـا طمعت فهبها نعمة قد تولـت
وقد أعجبتني لا سقوطا خمارها إذا ما مشت ولا بذات تلفـت غنى في هذه الأبيات إبراهيم ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو بن بانة.

أخبار الشنفري ونسبه
نسبه ونشأته في غير قومه: وأخبرني بخبره الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا أبو يحيى المؤدب وأحمد بن أبي المنهال المهلبي، عن مؤرج عن أبي هشام محمد بن هشام النميري:

صفحة : 2387

أن الشنفري كان من الأواس بن الحجر بن الهنو بن الأزد بن الغوث، أسرته بنو شبابة بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان، فلم يزل فيهم حتى أسرت بنو سلامان بن مفرج بن عوف بن ميدعان بن مالك بن الأزد رجلا من فهم، أحد بني شبابة ففدته بنو شبابة بالشنفري قال: فكان الشنفري في بني سلامان بن مفرج لا تسبح إلا أحدهم حتى نازعته بنت الرجل الذي كان في حجره، وكان السلامي اتخذه ولدا وأحسن إليه وأعطاه، فقال لها الشنفري: اغسلي رأسي يا أخية وهو لا يشك في أنها أخته، فأنكرت أن يكون أخاها ولطمته، فذهب مغاضبا حتى أتى الذي اشتراه من فهم، فقال له الشنفري: اصدقني ممن أنا? قال: أنت من الأواس بن الحجر، فقال: أما إني لن أدعكم حتى أقتل منكم مائة بما استعبدتموني، ثم إنه مازال يقتلهم حتى قتل تسعة وتسعين رجلا، وقال الشنفري للجارية السلامية التي لطمته وقالت: لست بأخي:
ألا ليت شعري والتلهف ضـلة بما ضربت كف الفتاة هجينها?
ولو علمت قعسوس أنساب والدي ووالدها ظلت تقاصر دونـهـا
أنا ابن خيار الحجر بيتا ومنصذبا وأمي ابنة الأحرار لو تعرفينها غارته على من نشأ فم: قال: ثم لزم الشنفري دار فهم فكان يغير على الأزد على رجليه فيمن تبعه من فهم، وكان يغير وحده أكثر من ذلك، وقال الشنفري لبني سلامان:
وإني لأهوى أن ألف عجاجـتـي على ذي كساء من سلامان أو برد
وأصبح بالعضداء أبغي سراتـهـم وأسلك خلا بين أرباع والـسـرد فكان يقتل بني سلامان بن مفرج حتى قعد له رهط من الغامديين من بني الرمداء فأعجزهم فأشلوا عليه كلبا لهم يقال له حبيش ولم يضعوا له شيئا، ومر وهو هارب بقرية يقال لها دحيس برجلين من بني سلامان بن مفرج فأرادهما ثم خشي الطلب فقال:
قتيلي فجار أنتما إن قتلـتـمـا بجوف دحيس أو تبالة يا اسمعا يريد: يا هذان اسمعا، وقال فيما كان يطالب به بني سلامان:
فإلا تزرني حتفتي أو تـلاقـنـي أمش بدهر أو عـذاف فـنـورا
أمشي بأطراف الحمـاط وتـارة تنفض رجلي بسبطا فعصنصـرا
وأبغي بني صعب بن مرب بلادهم وسوف ألاقيهم إن الـلـه يسـرا
ويوما بذات الرأس أو بطن منجل هنالك تلقى القاصي المتـغـورا يقتلونه بعد أن يسملوا عينه: قال: ثم قعد له بعد ذلك أسيد بن جابر السلاماني وخازم الفهمي بالناصف من أبيدة ومع أسيد ابن أخيه، فمر عليهم الشنفري، فأبصر السواد بالليل فرماه، وكان لا يرى سوادا إلا رماه كائنا ما كان، فشك ذراع ابن أخي أسيد إلى عضده، فلم يتكلم، فقال الشنفري: إن كنت شيئا فقد أصبتك وإن لم تكن شيئا فقد أمنتك، وكان خازم باطحا: يعني منبطحا بالطريق يرصده، فنادى أسيد: يا خازم أصلت، يعني اسلل سيفك. فقال الشنفري: لكل أصلت، فأصلت الشنفري. فقطع إصبعين من أصابع خازم الخنصر والبنصر، وضبطه خازم حتى لحقه أسيد وابن أخيه نجدة، فأخذ أسيد سلاح الشنفري وقد صرع الشنفري خازما وابن أخي أسيد، فضبطاه وهما تحته، وأخذ أسيد برجل ابن أخيه، فقال أسيد: رجل من هذه? فقال الشنفري: رجلي، فقال ابن أخي أسيد: بل هي رجلي يا عم فأسروا الشنفري، وأدوه إلى أهلهم، وقالوا له: أنشدنا، فقال: إنما النشيد على المسرة، فذهبت مثلا، ثم ضربوا يده فتعرضت، أي اضطربت فقال الشنفري في ذلك:
لا تبعدي إما ذهبت شامـه فرب واد نفرت حمـامـه
ورب قرن فصلت عظامه ثم قال له السلامي: أأطرفك? ثم رماه في عينه فقال الشنفري له: كأن كنا نفعل أي كذلك كنا نفعل، وكان الشنفري إذا رمى رجلا منهم قال له: أأطرفك? ثم يرمي عينه. ثم قالوا له حين أرادوا قتله: أين نقبرك? فقال:
لا تقبرونـي إن قـبـري مـحـرم عليكم ولكن أبـشـري أم عـامـر
إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري وغودر عند الملتقـى ثـم سـائري
هنالك لا أرجوا حـياة تـسـرنـي سمير الليالي مبسـلا بـالـجـرائر تأبط شرا يرثي الشنفري:
على الشنفري سارى الغمام ورائح غزير الكلي، وصيب الماء باكر

صفحة : 2388


عليك جزاء مثل يومك بـالـجـبـا وقد أرعفت منك السيوف البواتـر
ويومك يوم العيكـتـين وعـطـفة عطفت وقد مس القلوب الحناجـر
تجول ببز الموت فيهـم كـأنـهـم بشوكتك الحـدى ضـئين نـوافـر
فإنك لو لاقيتني بـعـد مـا تـرى وهل يلقين من غيبته الـمـقـابـر
لألفيتني في غارة أنتـمـي بـهـا إلـيك وإمـا راجـعـا أنـا ثـائر
وإن تك مأسورا وظلت مـخـيمـا وأبليت حتـى مـا يكـيدك واتـر
وحتى رماك الشيب في الرأس عانسا وخيرك مبسوط وزادك حـاضـر
وأجمل موت المرء إذ كـان مـيتـا ولابد يوما موتـه وهـو صـابـر
فلا يبعدن الشنفـري وسـلاحـه ال حديد وشـد خـطـوه مـتـواتـر
إذا راع روع الموت راع وإن حمى حمى معه حر كـريم مـصـابـر رواية أخرى في مقتله: قال: وقال غيره: لا بل كان من أمر الشنفري وسبب أسره ومقتله أن الأزد قتلت الحارث بن السائب الفهمي، فأبوا أن يبوءوا بقتله، فباء بقتله رجل منهم يقال له حزام بن جابر قبل ذلك، فمات أخو الشنفري، فأنشأت أمه تبكيه، فقال الشنفري، وكان أول ما قاله من الشعر:
ليس لوالـدة هـوءهـا ولا قولها لابنها دعـدع
تطيف وتحدث أحوالـه وغيرك أملك بالمصرع قال: فلما ترعرع الشنفري جعل يغير على الأزد مع فهم: فيقتل من أدرك منهم، ثم قدم منى وبها حزام بن جابر، فقيل له: هذا قاتل أبيك، فشد عليه فقتله، ثم سبق الناس على رجليه فقال:
قتلت حزاما مـهـديا بـمـلـبـد ببطن منى وشط الحجيج المصوت قال: ثم إن رجلا من الأزد أتى أسيد بن جابر، وهو أخو حزام المقتول فقال: تركت الشنفري بسوق حباشة، فقال أسيد بن جابر: والله لئن كنت صادقا لا نرجع حتى نأكل من جنى أليف أبيدة، فقعد له على الطريق هو وابنا حزام، فأحسوه في جوف الليل وقد نزع نعلا ولبس نعلا ليخفى وطأه، فلما سمع الغلامان وطأه قالا: هذه الضبع، فقال أسيد: ليست الضبع، ولكنه الشنفري، ليضع كل واحد منكما نعله على مقتله، حتى إذا رأى سوادهم نكص مليا لينظر هل يتبعه أحد، ثم رجع حتى دنا منهم، فقال الغلامان: أبصرنا، فقال عمهما: لا والله ما أبصركما، ولكنه أطرد؛ ليكما تتبعاه، فليضع كل واحد منكما نعله على مقتله. فرماهم الشنفري فخسق في النعل ولم يتحرك المرمي، ثم رمى فانتظم ساقي أسيد، فلما رأى ذلك أقبل حتى كان بينهم، فوثبوا عليه، فأخذوه فشدوه وثاقا، ثم إنهم انطلقوا به إلى قومهم، فطرحوه وسطهم، فتماروا بينهم في قتله، فبعضهم يقول: أخوكم وابنكم، فلما رأى ذلك أحد بني حزام ضربه ضربة فقطع يده من الكوع، وكانت بها شامة سوداء، فقال الشنفري حين قطعت يده:
لا تبعدي إما هلكت شامـه فرب خرق قطعت قتامـه
ورب قرن فصلت عظامه وقال تأبط شرا يرثيه:
لا يبعدن الشنفـري وسـلاحـه ال حديد وشد خـطـوه مـتـواتـر
إذا راع روع الموت راع وإن حمى حمى معه حر كريم مـصـابـر قال: وذرع خطو الشنفري ليلة قتل فوجد أول نزوة نزاها إحدى وعشرين خطوة، ثم الثانية سبع عشرة خطوة.
قال: وقال ظالم العامري في الشنفري وغاراته على الأزد وعجزهم عنه، ويحمد أسيد بن جابر في قتله الشنفري:
فما لكم لم تدركوا رجل شنفري وأنتم خفاف مثل أجنحة الغرب
تاديتم حتى إذا ما لـحـقـتـم تباطأ عنكم طالب وأبو سقـب
لعمرك للساعي أسيد بن جابـر أحق بها منكم بني عقب الكلب قال: لوما قتل الشنفري وطرح رأسه مر به رجل منهم فضرب جمجمة الشنفري بقدمه، فعقرت قدمه فمات منها، فتمت به المائة.
من شعر الشنفري: وكان مما قاله الشنفري فيهم من الشعر وفي لطمه المرأة التي أنكرته الذي ذكرته واستغنى عن إعادته مما تقدم ذكره من شعر الشنفري، وقال الشنفري في قتله حزاما قاتل أبيه:
أرى أم عمرو أجمعت فاستقلت وما ودعت جيرانها إذ تولـت
فقد سبقتنا أم عمرو بأمـرهـا وقد كان أعناق المطي أظلت

صفحة : 2389


فواند ما على أميمة بـعـد مـا طمعت فهيبها نعمة العيش ولت
أميمة لا يخزي نثاها حليلـهـا إذا ذكر النسوان عفت وجلـت
يحل بمنجاة من اللوم بـيتـهـا إذا ما بيوت بالملامة حـلـت
فقد أعجبتني، لا سقوط قناعهـا إذا ما مشت ولا بذات تلـفـت
كأن لها في الأرض نسيا تقصه إذا ما مشت وإن تحدثك تبلـت النسي: الذي يسقط من الإنسان وهو لا يدري أين هو؛ يصفها بالحياء، وأنها لا تلتفت يمينا ولا شمالا ولا تبرج. ويروى:
تقصه على أمها وإن تكلمـك
فدقت وجلت واسبكرت وأكملت فلو جن إنسان من الحسن جنت
تبيت بعيد النوم تهدي غبوبـهـا لجاراتها إذا الهـدية قـلـت الغبوب: ما غب عندها من الطعام أي بات ويروى: غبوقها
فبتنا كأن البيت حـجـر حـولـنـا بريحانة راحت عـشـاء وطـلـت
بريحانة من بطن حلـية أمـرعـت لها أرج من حولها غير مسـنـت
غدوت من الوادي الذي بين مشعـل وبين الجباهيهات أنسأت سربـتـي
أمشي على الأرض التي لن تضيرني لأكسب مالا أو ألاقـي حـمـتـي
إذا ما أتتني حتفتـي لـم أبـالـهـا ولم تذر خالاتي الدموع وعمـتـي
وهنئ بي قوم وما إن هـنـأتـهـم وأصبحت في قوم وليسوا بمنبـتـي
وأم عيال قد شهـدت تـقـوتـهـم إذا أطعمتهم أو تـحـت وأقـلـت
تخاف علينا الجوع إن هي أكثـرت ونحـن جـياع، أي ألـي تـألـت
عفاهية لا يقصر السـتـر دونـهـا ولا ترتجى للبـيت إن لـم تـبـيت
لها وفضة فيها ثلاثون سـلـجـمـا إذا ما رأت أولى العدي اقشعـرت
وتأتي العدي بارزا نصف ساقـهـا كعدو حمار العانة الـمـتـفـلـت
إذا فزعت طارت بأبـيض صـارم وراحت بما في جفرها ثم سـلـت
حسام كلون الملـح صـاف حـديده جراز من أقطار الحديد المنـعـت
تراها كأذناب المـطـي صـوادرا وقد نهلت من الـدمـاء وعـلـت
سنجزي سلامان بن مفرج قرضهـم بمـا قـدمـت أيديهـم وأزلــت
شفينا بعبد الله بعـض غـلـيلـنـا وعوف لدى المعدى أوان استهلـت
قتلنا حزامـا مـهـديا بـمـلـبـد محلهما بين الحجيج الـمـصـوت
فإن تقبلوا تقبل بمن نـيل مـنـهـم وإن تدبروا فأم مـن نـيل فـتـت
ألا لا تزرني إن تشكيت خـلـتـي كفاني بأعلى ذي الحميرة عدوتـي
وإني لحـلـو إن أريدت حـلاوتـي ومر إذا النفس الصدوف استمـرت
أبي لمـا آبـى وشـيك مـفـيئتـي إلى كل نفس تنتحـي بـمـودتـي وقال الشنفري أيضا:
ومرقبة عنقـاء يقـصـر دونـهـا أخو الضروة الرجل الخفي المخفف
نميت إلى أعلى ذراهـا وقـد دنـا من الليل ملتف الـحـديقة أسـدف
فبت على حد الـذراعـين أحـدبـا كما يتطوى الأرقم المتـعـطـف
قليل جهازي غير نعلين أسحـقـت صدورهما مخصورة لا تخصـف
ومـلـحـفة درس وجـرد مـلاءة إذا أنهجت من جانب لا تـكـفـف
وأبيض من ماء الحـديد مـهـنـد مجد لأطراف السواعد مقـطـف
وصفراء من نبـع أبـي ظـهـيرة ترن كإرنان الجشـي وتـهـتـف
إذا طال فيها النزع تأتي بعجسـهـا وترمي بذرويها بهـن فـتـقـذف
كأن حفيف النبل من فوق عجسهـا عوازب نحل أخطأ الغار مطنـف
نأت أم قيس المربعين كـلـيهـمـا وتحذر أن ينأى بها المـتـصـيف
وإنك لو تـدرين أن رب مـشـرب مخوف كداء البطن أو هو أخـوف
وردت بمـأثـور ونـبـل وضـالة تخيرتها مـمـا أريش وأرصـف
أركبها في كـل أحـمـر عـاتـر وأقذف منهن الذي هـو مـقـرف

صفحة : 2390


وتابعت فيه البري حتى تـركـتـه يزف إذا أنـفـذتـه ويزفــزف
بكفي منها للـبـغـيض عـراضة إذا بعت خلا مالـه مـتـخـوف
وواد بعيد العمق ضنك جـمـاعـه بواطنه للجـن والأسـد مـألـف
تعسفت منه بعد ما سقـط الـنـدى غماليل يخشى غيلها المتعـسـف
وإني إذا خام الجبان عـن الـردى فلي حيث يخشى أن يجاوز مخسف
وإن امرأ أجار سعد بـن مـالـك علي وأثواب الأقيصـر يعـنـف وقال الشنفري أيضا:
ومستبسل ضافى القميص ضغته بأزرق لا نكس ولا متـعـوج
عليه نساري على خوط نـبـعة وفوق كعرقوب القطاة مخدرج
وقاربت من كفي ثم فرجتـهـا بنزع إذا ما استكره النزع مخلج
فصاحت بكفي صيحة ثم رجعت أنين الأميم ذي الجراح المشجج وقد روى: فناحت بكفي نوحة.
رواية ثالثة في مقتله: وقال غيره: لا بل كان من أمر الشنفري أنه سبت بنو سلامان بن مفرج بن مالك بن هوازن بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد الشنفري - وهو أحد بني ربيعة بن الحجر بن عمران بن عمرو بن حارثة بن ثعلبة بن امرىء القيس بن مازن بن الأزد - وهو غلام، فجعله الذي سباه في بهمة يرعاها مع ابنة له، فلما خلا بها الشنفري أهوى ليقبلها، فصكت وجهه، ثم سعت إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليه ليقتله، فوجده وهو يقول:
ألا هل أتى فتيان قومي جماعة بما لطمت كف الفتاة هجينها?
ولو علمت تلك الفتاة مناسبـي ونسبتها ظلت تقاصر دونهـا
أليس أبي خير الأواس وغيرها وأمي ابنة الخيرين لو تعلمينها
إذا ما أروم الود بيني وبينـهـا يؤم بياض الوجه مني يمينهـا قال: فلما سمع قوله سأله: ممن هو، فقال: أنا الشنفري، أخو بني الحارث بن ربيعة، وكان من أقبح الناس وجها، فقال له: لولا أني أخاف أن يقتلني بنو سلامان لأنكحتك ابنتي. فقال: علي إن قتلوك أن أقتل بك مائة رجل منهم، فأنكحه ابنته، وخلى سبله، فسار بها إلى قومه، فشدت بنو سلامان خلافه على الرجل فقتلوه، فلما بلغه ذلك سكت ولم يظهر جزعا عليه، وطفق يصنع النبل، ويجعل أفواقها من القرون والعظام، ثم إن امرأته بنت السلاماني قالت له ذات يوم: لقد خست بميثاق أبي عليك، فقال:
كأن قد فلا يغررك مني تمكثيسلكت طريقا بين يربغ فالسرد
وإني زعيم أن تثور عجاجتي علـى ذي كـسـاء مــن ســـلامـــان أو بـــرد
هم عـرفــونـــي نـــاشـــئا ذا مـــخـــيلة أمـشـي خـلال الـدار كـالـــفـــرس الـــورد
كأنـي إذا لـم يمـس فـي الــحـــي مـــالـــك بتـيهـاء لا أهـدى الـــســـبـــيل ولا أهـــدي قال: ثم غزاهم فجعل يقتلهم، ويعرفون نبله بأفواقها في قتلاهم، حتى قتل منهم تسعة وتسعين رجلا، ثم غزاهم غزوة، فنذروا به، فخرج هاربا، وخرجوا في إثره، فمر بامرأة منهم يلتمس الماء فعرفته، فأطعمته أقطا ليزيد عطشا، ثم استسقى فسقته رائبا، ثم غيبت عنه الماء، ثم خرج من عندها، وجاءها القوم فأخبرتهم خبره، ووصفت صفته وصفة نبله، فعرفوه، فرصدوه على ركي لهم، وهو ركي ليس لهم ماء غيرلاه، فلما جن عليه الليل أقبل إلى الماء، فلما دنا منه قال: إني أراكم، وليس يرى أحدا إنما يريد بذلك أن يخرج رصدا إن كان ثم، فأصاخ القوم وسكتوا. ورأى سوادا، وقد كانوا أجمعوا قبل إن قتل منهم قتيل أن يمسكه الذي إلى جنبه لئلا تكون حركة، قال: فرمى لما أبصر السواد، فأصاب رجلا فقتله، فلم يتحرك أحد، فلما رأى ذلك أمن في نفسه وأقبل إلى الركي، فوضع سلاحه، ثم انحدر فيه، فلم يرعه إلا بهم على رأسه قد أخذوا سلاحه فنزا ليخرج. فضرب بعضهم شماله فسقطت، فأخذها فرمى بها كبد الرجل، فخر عنده في القليب، فوطئ على رقبته فدقها. وقال في قطع شماله:
لا تبعدي إما ذهبت شامه فرب واد نفرت حمامـه
ورب قرن فصلت عظامه ورب حي فرقت سوامه

صفحة : 2391

قال: ثم خرج إليهم، فقتلوه وصلبوه، فلبث عاما أو عامين مصلوبا وعليه من ذنره رجل، قال: فجاء رجل منهم كان غائبا، فمر به وقد سقط فركض رأسه برجله، فدخل فيها عظم من رأسه فعلت عليه فمات منها، فكان ذلك الرجل هو تمام المائة.

صوت

ألا طـرقـت فـي الــدجـــى زينـــب وأحـبـب بـزينـــب إذ تـــطـــرق
عجبت لزينب أنى سرت وزينب من ظلها تفرق عروضه من المتقارب، الشعر لابن رهيمة، والغناء لخليل المعلم رمل بالبنصر، عن الهشامي وأبي أيوب المدني.

أخبار الخليل ونسبه
نسبه
هو الخليل بن عمرو، مكي، مولى بني عامر بن لؤي، مقل لا تعرف له صنعة غير هذا الصوت.
يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني القطراني المغني، عن محمد بن حسين، قال: كان خليل المعلم يلقب خليلان، وكان يؤدب الصبيان ويلقنهم القرآن والخط، ويعلم الجواري الغناء في موضع واحد، فحدثني من حضره قال: كنت يوما عنده وهو يردد على صبي يقرأ بين يديه )ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم( ثم يلتفت إلى صبية بين يديه فيردد عليها:
اعتاد هذا القللب بلباله أن قربت للبين أجماله فضحكت ضحكا مفرطا لما فعله، فالتفت إلي فقال: ويلك مالك? فقلت: أتنكر ضحكي مما تفعل? والله ما سبقك إلى هذا أحد ثم قلت: انظر شأي شيء أخذت على الصبي من القرآن، وأي شيء هو ذا تلقي على الصبية، والله إني لأظنك ممن يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله، فقال: أرجو ألا أكون كذلك إن شاء الله.
يسيء الأزدي فهم غنائه: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال: حدثني عبد الصمد بن المعذل قال: كان خليلان المعلم أحسن الناس غناء، وأفتاهم وأفصحهم، فدخل يوما على عقبة بن سلم الأزدي الهنائي فاحتبسه عنده، فأكل معه ثم شرب، وحانت منه التفاتة، فرأىى عودا معلقا، فعلم أنه عرض له به، فدعا به وأخذه فغناهم:
يا بنة الأزدي قلبي كئيب مستهام عندها ما ينيب وحانت من التفاتة فرأى وجه عقبة بن سلم متغيرا، وقد ظن أنه عرض به، ففطن لما أراد فغنى:
ألا هزئت بنا قرش ية يهتتز موكبهـا فسري عن عقبة وشرب، فلما فرغ وضع العود من حجره، وحلف بالطلاق ثلاثا أنه لا يغني بعد يومه ذلك إلا لمن يجوز حكمه عليه.
نسبة هذين الصوتين
يا بنة الأزدي قلبي كـئيب مستهام عندها ما ينـيب
ولقد لاموا فقلت: دعوني إن من تنهون عنه حبيب
إنما أبلى عظامي وجسمي حبها والحب شيء عجيب
أيها العائب عندي هواهـا أنت تفدي من أراك تعيب عروضه من المديد، والشعر لعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - والغناء لمعبد ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، وفيه لمالك خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عنه، وفيه خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى لم ينسبه إسحاق إلى أحد، ووجدته في روايات لا أثق بها منسوبا إلى حنين، وقد ذكر يونس أن فيه لحنين ولمالك كلاهما، ولعل هذا أحدهما، وذكر حبش أن خفيف الرمل لابن سريج، وذكر الهشامي وعلي بن يحيى أن لحن مالك الآخر ثاني ثقيل، وذكر الهشامي أن فيه لطويس هزجا مطلقا في مجرى البنصر، وذكر عمرو بن بانة أن لمالك فيه ثقيلا أول وخفيفه، ولمعبد خفيف ثقيل آخر: صوت
ألا هزئت بنا قـرشـية يهتـز مـوكـبـهـا
رأت بي شيبة في الرأ س مني ما أغيبـهـا
فقالت لي: ابن قيس ذا? وبعض الشيب يعجبها
لها بعل خبيث النفـس يحصرها ويحجبـهـا
يراني هكـذا أمـشـي فيوعدها ويضربـهـا عروضه من الوافر، الشعر لابن قيس الرقيات، والغناء لمعبد خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى وفيه ليونس ثقيل أول عن إسحاق بن إبراهيم والهشامي.

صوت

هل ما علمت وما استودعت مكتوم أم حبلها إذ نأتك اليوم مـصـروم
أم هل كئيب بكى لم يقض عبرته إثر الأحبة يوم البين مـشـكـوم

صفحة : 2392


يحملن أترجة، نضخ العبير بـهـا كأن تطيابها في الأنف مشـمـوم
كأن فأرة مسك في مفـارقـهـا للباسط المتعاطي وهو مـزكـوم
كأن إبريقهم ظبي علـى شـرف مفدم بسبا الـكـتـان مـلـثـوم
قد أشهد الشرب فيهم مزهر صدح والقوم تصرعهم صهباء خرطوم الشعر لعلقمة بن عبدة، والغناء لابن سريج، وله فيه لحنان أحدهما في الأول والثاني خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق، والآخر رمل بالخنصر في مجرى البنصر في الخامس والسادس من الأبيات، وذكر عمرو بن بانة أن في الأربعة الأبيات الأول المتوالية لمالك خفيف ثقيل بالوسطى، وفيها ثقيل أول نسبه الهشامي إلى الغريض، وذكر حبش أن لحن الغريض ثاني ثقيل بالبنصر، وذكر حبش أن في الخامس والسادس خفيف رمل بالبنصر لابن سريج.

أخبار علقمة ونسبه
هو علقمة بن عبدة بن النعمان بن ناشرة بن قيس بن عبيد بن ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار.
واش يلقى جزاءه: وكان زيد مناة بن تميم وفد هو وبكر بن وائل - وكانا لدة عصر واحد - على بعض المولك، وكان زيد ماة حسودا شرها طعانا، وكان بكر بن وائل خبيثا منكرا داهيا فخاف زيد مناة أن يحظى من الملك بفائدة، ويقل معها حظه، فقال له: يا بكر لا تلق الملك بثياب سفرك، ولكن تأهب للقائه وادخل عليه في أحسن زينة، ففعل بكر ذلك، وسبقه زيد مناة إلى الملك، فسأله عن بكر، فقال: ذلك مشغول بمغازلة النساء والتصدي لهن، وقد حدث نفسه بالتعرض لبنت الملك، فغاظه ذلك، وأمسك عنه، ونمى الخبر إلى بكر بن وائل، فدخل إلى الملك فأخبره بما دار بينه وبين زيد مناة، وصدقه عن، واعتذر إليه مما قاله فيه عذرا قبله، فلما كان من غد اجتمعا عند الملك، فقال الملك لزيد مناة: ما تحب أن أفعل بك، فقال: لا تفعل ببكر شيئا إلا فعلت بي مثليه، وكان بكر أعور العين اليمنى، قد أصابها ماء فذهب بها، فكان لا يعلم من رآه أنه أعور، فأقبل الملك على بكر بن وائل فقال له: ما تحب أن أفعل بك يا بكر، قال: تفقأ عيني اليمنى، وتضعف لزيد مناة، فأمر بعينه العوراء ففقئت، وأمر بعيني زيد مناة ففقئتا، فخرج بكر وهو أعور بحاله، وخرج زيد مناة وهو أعمى.
سبب تسميته بعلقمة الفحل: وأخبرني بذلك محمد بن الحسن بن دريد، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة.
ويقال لعلقمة بن عبدة علقمة الفحل، سمي بذلك لأنه خلف على امرأة امرئ القيس لما حكمت له على امرئ القيس بأنه أشعر منه في صفة فرسة، فطلقها، فخالفه عليها، ومازالت العرب تسمية بذلك، وقال الفرزدق:
والفحل علقمة الذي كانت له حلل الملوك كلامه يتنحـل قصيدتاه سمطا الدهر: أخبرني عمي قال: حدثني النضر بن عمرو قال: حدثني أبو السوار، عن أبي عبيد الله موىل إسحاق بن عيسى، عن حماد الرواية قال: كانت العرب تعرض أشعارها على قريش، فما قبلوه منها كان مقبولا، وما ردوه منها كان مردودا، فقدم عليهم علقمة بن عبدة، فأنشدهم قصيدته التي يقول فيها:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم أم حبلها أن نأتك اليوم مصـروم فقالوا: هذه سمط الدهر، ثم عاد إليهم العام المقبل فأنشدهم:
طحابك قلب في الحسان طروب بعيد الشباب عصر حان مشيب فقالوا: هاتان سمطا الدهر.
يسرقون شعره: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك، عن حماد بن إسحاق قال: سمعت أبي يقول: سرق ذو الرمة قوله:
يطفو إذا ما تلقته الجراثيم من قول العجاج:
إذا تلقته العقاقيل طفا وسرقه العجاج من علقمة بن عبده في قوله:
يطفو إذا ما تلقته العقاقيل أيهما أوصف للفرس هو أم امرئ القيس: أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثنا العمري عن لقيط، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني أبو عبيدة قال: كانت تحت امرئ القيس امرأة من طيء تزوجها حين جاور فيهم، فنزل به علقمة الفحل بن عبدة التميمي، فقال كل واحد منهما لصاحبه: أنا أشعر منك، فتحاكما إليها، فأنشد امرؤ القيس قوله:
خليلي مرا بي على أم جندب حتى مر بقوله:












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 06-27-2006, 12:14 PM   المشاركة رقم: 53
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

صفحة : 2393


فللسوط ألهوب وللـسـاق درة وللزجر منه وقع أخرج مهذب ويروى: أهوج منعب فأنشدها علقمة قوله:
ذهبت من الهجران في غير مذهب حتى انتهى إلى قوله:
فأدركه حتى ثنى من عنانه يمر كغيث رائح متحلـب فقالت له: علقمة أشعر منك، قال: وكيف? قالت: لأنك زجرت فرسك، وحركته بساقك، وضربته بسوطك. وأنه جاء هذا الصيد، ثم أدركه ثانيا من عنانه، فغضب امرؤ القيس وقال: ليس كما قلت، ولكنك هويته، فطلقها، فتزوجها علقمة بعد ذلك ، وبهذا لقب علقمة الفحل.
ربيعة بن حذار يحكم له: أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثنا العمري، عن لقيط قال: تحاكم علقمة بن عبدة التميمي. والزبرقان بن بدر السعدي، والمخبل، وعمرو بن الأهتم، إلى ربيعة بن حذار الأسدي، فقال: أما أنت يا زبرقان فإن شعرك كلحم لا أنضج فيؤكل، ولا ترك نيئا فينتفع به، وأما أنت يا عمرو فإن شعرك كبرد حبرة يتلألأ في البصر، فكلما أعدته فيه نقص، وأما أنت يا مخبل فإنك قصرت عن الجاهلية ولم تدرك الإسلام، وأما أ،ت يا علقمة فإن شعرك كمزادة قد أحكم خرها فليس يقطر منها شيء.
بيت من أبياته يضرب المتمثل به عشرين سوطا: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثني عمي، عن العباس بن هشام، عن أبيه قال: مر رجل من مزينة على باب رجل من الأنصار، وكان يتهم بامرأته، فلما حاذى بابه تنفس ثم تمثل:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم أم حبلها إذ نأتك اليوم مصـروم? قال: فتعلق به الرجل: فرفعه إلى عمر رضوان الله عليه، فاستعداء عليه، فقال له المتمثل: وما علي في أن أنشدت بيت شعر، فقال له عمر رضي الله عنه عنه: مالك لم تنشده قبل أن تبلغ بابه? ولكنك عرضت به مع ما تعلم من القالة فيه، ثم أمر به فضرب عشرين سوطا.

صوت

فوالله لا أنـسـى قـتـيلا رزيتـه بجانب قوسي ما حييت على الأرض
بلى إنها تغفـو الـكـلـوم وإنـمـا توكل بالأدنى وإن جل ما يمـضـي
ولم أدر من ألـقـى عـلـيه رداءه ولكنه قد بز عن ماجـد مـحـض الشعر لأبي خراش الهذلي، والغناء لابن محرز خفيف ثقيل أول بالوسطى من رواية عمرو بن بانة وذكر يحيى بن المكي أنه لابن مسجح وذكر الهشامي أنه ليحيى المكي، نحله بن مسجح، وفي أخبار معبد أن له فيه لحنا.

ذكر أبي خراش الهذلي وأخباره
أبو خراش اسمه خويلد بن مرة، أحد بني قرد، واسم قرد عمرو بن معاوية بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار.
شاعر فحل من شعراء المذكورين الفصحاء، مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام فأسلم وعاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم مدة، ومات في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نهشته أفعى فمات، وكان ممن يعدو فيسبق الخيل في غارات قومه وحروبهم.
يتربصون به فيفلت منهم: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعمي والحسن بن علي قالوا: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثنا أحمد بن عمير بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثني أبو بركة الأشجعي من أنفسهم قال: خرج أبو خراش الهذلي من أرض هذيل يريد مكة، فقال لزوجته أم خراش: ويحك إني أريد مكة لبعض الحاجة، وإنك من أفك النساء، وإن بني الديل يطلبونني بتراث فإياك وأن تذكريني لأحد من أهل مكة حتى نصدر منها قالت: معاذ الله أن أذكرك لأهل مكة وأنا أعرف السبب.


صفحة : 2394

قال: فخرج بأم خراش وكمن لحاجته وخرجت إلى السوق لتشتري عطرا أو بعض ما تشتريه النساء من حوائجهن، فجلست إلى عطار فمر بها فتيان من بني الديل، فقال أحدهما لصاحبه: أم خراش ورب الكعبة وإنها لمن إفك النساء وإن كان أبو خراش معها فستدلنا عليه، قال: فوقفا عليها فسلما وأحفيا المسألة والسلام، فقالت: من أنتما بأبي أنتما? فقالا: رجلان من أهلك من هذيل، قالت: بأبي أننتما. فإن أبا خراش معي ولا تذكراه لأحد، ونحن رائحون العشية، فخرج الرجلان فجمعا جماعة من فتيانهم وأخذوا مولى لهم يقال له مخلد وكان من أجود الرجال عدوا، فكمنوا في عقبة على طريقه، فلما رآهم قد لاقوه في عين الشمس قال لها: قتلتني ورب الكعبة لمن ذكرتني? فقالت: والله ما ذكرتك لأحد إلا لفتيين من هذيل، فقال لها: والله ما هما من هذيل ولكنهما من بني الديل وقد جلسا لي وجمعا علي جماعة من قومهم فاذهبي أنت فإذا جزت عليهم فإنهم لن يعرضوا لك لئلا أستوحش فأفوتهم، فاركضي بعيرك، وضعي عليه العصا، والنجاتء النجاء.
قال: فانطلقت وهي على قعود عقيلي يسابق الريح، فلما دنا منهم وقد تلثموا ووضعوا تمرا على طريقه على كساء، فوقف قليلا كأنه يصلح شيئا، وجازت بهم أم خراش فلم يعرضوا لها لئلا ينفر منهم، ووضعت العصا على قعودها، وتواثبوا إليه ووثب يعدو.
قال: فزاحمه على المحجة التي يسلك فيها على العقبة ظبي، فسبقه أبو خراش، وتصايح القوم: يا مخلد أخذا أخذا.
قال: ففات الأخذ. فقالوا: ضربا ضربا، فسبق الضرب، فصاحوا: رميا رميا فسبق الرمي، وسبقت أم خراش إلى الحي فنادت: ألا إن أبا خراش قد قتل، فقام أهل الحي إليها، وقام أبوه وقال: ويحك ما كانت قصته، فقالت: إن بني الديل عرضوا له الساعة في العقبة، قال: فما رأيت، أو ما سمعت،? قالت: سمعتهم يقولون: يا مخلد أخذا أخذا، قال: ثم سمعت ماذا? قالت: ثم سمعتهم يقولون: ضربا ضربا، قال: ثم سمعت ماذا? قالت: سمعتهم يقولون: رميا رميا، قال: فإن كنت سمعت رميا رميا فقد أفلت، وهو منا قريب، ثم صاح: يا أبا خراش، فقال أبو خراش: يا لبيك، وإذا هو قد وافاهم على أثرها. وقال أبو خراش في ذلك:
رفوني وقالوا يا خويلد لم ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم رفوني بالفاء: سكنوني وقالوا: لا بأس عليك.

فغاررت شيئا والدريس كأنمـا يزعزعه وعك من الموم مردم غاررت: تلبثت. والدريس: الخلق من الثياب، ومثله الجرد والسحق والحشيف. ومردم: لازم.

تذكرت ما أين المـفـر وإنـنـي بحبل الذي ينجي من الموت معصم
فوالله ما ربـداء أو عـلـج عـانة أقب وما إن تيس رمل مصـمـم
بأسرع مني إذ عرفـت عـديهـم كأني لأولاهم من القـرب تـوأم
وأجود مني حين وافـيت سـاعـيا وأخطأني خلف الثـنـية أسـهـم
أوائل بالشد الـذلـيق وحـثـنـي لدى المتن مشبوح الذراعين خلجم
تذكر ذحلا عندنـا وهـو فـاتـك من القوم يعروه اجتراء ومـأثـم
تقول ابنتي لمـا رأتـين عـشـية: سلمت وما إن كدت بالأمس تسلـم
فقلت وقد جاوزت صارى عشـية: أجاوزت أولى القوم أم أنا أحـلـم
فلولا دراك الشد آضت حليلـتـي تخير في خطـابـهـا وهـي أيم
فتسخط أو ترضى مكاني خـلـيفة وكاد خراش عـنـد ذلـك ييتـم يسابق الخيل فيسبقها: أخبرني هاشم بن محمد الخراعي ومحمد بن الحسين الكندي خطيب المسجد الجامع بالقادسية قالا: حدثنا الرياشي قال: حدثنا الأصمعي قال: حدثني رجل من هذيل قال: دخل أبو خراش الهذلي مكة وللوليد بن المغيرة المخزومي فرسان يريد أن يرسلهما في الحلبة، فقال للوليد: ما تجعل لي إن سبقتهما? قال: إن فعلت، فهما لك، فأرسلا، وعدا بينهما فسبقهما فأخذهما.
قال الأصمعي: إذا فاتك الهذلي أن يكون شاعرا أو ساعيا أو راميا فلا خير فيه.
وأخبرني بما أذكره من مجموع أخبار أبي خراش علي بن سليمان الأخفش، عن أبي سعيد السكري، وأخبرني بما أذكره من مجموع أشعارهم وأخبارهم فذكره أبو سعيد، عن محمد بن حبيب، عن ابن الأعرابي، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، وعن ابن حبيب عن أبي عمرو.


صفحة : 2395

يمدح دببة حيا ويرثيه ميتا: وأخبرني ببعضه محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثنا الرياشي، عن الأصمعي، وقد ذكرت ما رواه في أشعار هذيل وأخبارها كل واحد منهم عن أصحابه في مواضعه، قال السكري: فيما رواه عن ابن حبيب عن أبي عمرو قال: نزل أبو خراش الهذلي على دبية السلمي - وكان صاحب العزى التي في غطفان وكان يسدنها، وهي التي هدمها خالد بن الوليد لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها فهدمها وكسرها وقتل دببة السلمي - قال: فلما نزل عليه أبو خراش أحسن ضيافته. ورأى في رجله نعلين قد أخلقتا، فأعطاه نعلين من حذاء السبت فقال أبو خراش يمدحه:
حذاني بعد ما خذمت نعـالـي دبية إنـه نـعـم الـخـلـيل
مقابلتين من صلـوي مـشـب من الثيران وصلهما جـمـيل
بمثلهما يروح المـرء لـهـوا ويقضي الهم ذو الأرب الرجيل
فنعم معرس الأضياف تذحـي رحالـهـم شـآمـية بـلـيل
يقاتل جوعهـم بـمـكـلـلات من الفرني يرعبها الجـمـيل قال أبو عمرو: الجميل: إلا هالة، ولا يقال لها جميل حتى تذاب إهالة كانت أو شحما، وقال أبو عمرو: ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فهدم عزى غطفان، وكانت ببطن نخلة، نصبها ظالم بن أسعد بن عامر بن مرة وقتل دبية فقال أبو خراش الهذلي يرثيه:
ما لـدبـية مـنـذ الـيوم لــم أره وسط الشروب ولم يلمم ولـم يطـف
لو كان حيا لغـاداهـم بـمـتـرعة فيها الرواويق من شيزى بني الهطف بنو الهطف: قوم من بني أسد يعملون الجفان.

كابي الرماد عظيم القدر جفنـتـه حين الشتاء كحوض المنهل اللقف المنهل: الذي إبله عطاش. واللقف: الذي يضرب الماء أسفله فيتساقط وهو ملآن
أمسى سقام خلاء لا أنيس بـه إلا السباع ومر الريح بالغرف يرثي زهير بن العجوة: وقال الأصمعي وأبو عمرو في روايتهما جميعا: أخذ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حنين أسارى، وكان فيهم زهير بن العجوة أخو بني عمرو بن الحارث، فمر به جميل بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وهو مربوط في الأسرى، وكانت بينهما إحنة في الجاهلية، فضرب عنقه، فقال أبو خراش يرثيه:
فجع أصحابي جميل بن معـمـر بذي فجر تأوي إلـيه الأرامـل
طويل نجاد السيف ليس بـحـيدر إذا قام واستنت عليه الحـمـائل
إلى بيته يأوي الغريب إذا شـتـا ومهتلك بالي الدريسـين عـائل
تروح مقرورا وراحت عـشـية لها حدب تـحـتـثـه فـيوائل
تكـاد يداه تـسـلـمــان رداءه من القر لما استقبلته الشـمـائل
فما بال أهل الدار لم يتصـدعـوا وقد خف منها الموذعي الحلاحل
فأقسم لو لاقتـيه غـير مـوثـق لآبك بالجزع الضباع النـواهـل
لظل جميل أسـوأ الـقـوم تـلة ولكن ظهر القرن للمرء شاغـل
فليس كعهد الـدار يا أم مـالـك ولكن أحاطت بالرقاب السلاسـل
وعاد الفتى كالكهل ليس بـقـائل سوى الحق شيئا فاستراح العواذل
ولم أنـس أيامـا لـنـا ولـيالـيا بحلية إذ نلقى بها مـا نـحـاول وقال أيضا يرثيه:
أفي كل ممسى ليلة أنـا قـائل من الدهر لا يبعد قتيل جمـيل
فما كنت أخشى أن تصيب دماءنا قريش ولما يقتلـوا بـقـتـيل
فأبرح ما أمرتـم وعـمـرتـم مدى الدهر حتى تقتلوا بغلـيل يستنقذ أسرى بني ليث:

صفحة : 2396

وقال أبو عمرو في خبره خاصة: أقبل أبو خراش وأخوه عروة وصهيب القردي في بضعة عشر رجلا من بني قرد يطلبون الصيد فبينا هم بالمجمعة من نخلة لم يرعهم إلا قوم قريب من عدتهم فظنهم القرديون قوما من بني ذؤيبة أحد بني سعد بن بكر بن هوازن أو من بني حبيب أحد بني نصر، فعدا الهذليون إليهم يطلبونهم وطمعوا فيهم حتى خالطوهم وأسروهم جميعا، وإذا هم قوم من بني ليث بن بكر، فيهم ابنا شعوب أسرهما صهيب القردي، فهم بقتلهما، وعرفهم أبو خراش فاستنقذهم جميعا من أصحابه وأطلقهم، فقال أبو خراش في ذلك يمن على ابني شعوب أحد بني شجع بن عامر بن ليث فعله بهما:
عدونا عدوة لا شـك فـيهـا وخلناهم ذؤيبة أو حـبـيبـا
فنغري الثائرين بهم وقـلـنـا شفاء النفس أن بعثوا الحروبا
منعنا من عدي بني حـنـيف صحاب مضرس وابني شعوبا
فأثنوا يا بني شجع عـلـينـا وحق ابني شعوب أن يثـيبـا
وسائل سبرة الشجعي عـنـا غداة نخالهم نجوا جـنـيبـا
بأن السابق القـردي ألـقـى عليه الثوب إذ ولـى دبـيبـا
ولولا ذاك أرهقه صـهـيب حسام الحد مطرورا خشيبـا يزهد زهد الهنود: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا الرياشي: قال: حدثنا الأصمعي قال: أقفز أبو خراش الهذلي من الزاد أياما، ثم مر بامرأة من هذيل جزلة شريفة، فأمرت له بشاة فذبحت وشويت، فلما وجد بطنه ريح الطعام قرقر، فضرب بيده على بطنه وقال: إنك لتقرقر لرائحة الطعام، والله لأطعمت منه شيئا ثم قال: يا ربة البيت، هل عندك شيء من صبر أو مر? قالت: تصنع به ماذا? قال: أريده، فأتته منه بشيء فاقتمحه، ثم أهوى إلى بعيره فركبه، فناشدته المرأة فأبى، فقالت له: يا هذا، هل رأيت بأسا أو أنكرت شيئا? قال: لا والله، ثم مضى وأنشأ يقول:
وإني لأثوي الجوع حتى يملنـي فأحيا ولم تدنس ثيابي ولا جرمي
وأصطبح الماء القراح فأكتفـي إذا الزاد أضحى للمزلج ذا طعم
أرد شجاع البطن قد تعلمـينـه وأوثر غيري من عيالك بالطعم
مخافة أن أحـيا بـرغـم وذلة فللموت خير من حياة على رغم يفتدي أخاه عروة فيلطمه: وأخبرني عمي عن هارون بن محمد الزيات، عن أحمد بن الحارث، عن المدائني بنحو مما رواه الأصمعي.
وقال أبو عمرو: أسرت فهم عروة بن مرة أخا أبي خراش - وقال غيره: بل بنو كنانة أسرته - فلما دخلت الأشهر الحرم، مضى أبو خراش إليهم ومعه ابنه خراش، فنزل بسيد من ساداتهم ولم يعرفه نفسه ولكنه استضافه فأنزله وأحسن قراه، فلما تحرم به انتسب له، وأخبره خبر أخيه، وسأله معاونته حتى يشتريه منهم، فوعده بذلك، وغدا على القوم مع ذلك الرجل، فسألهم في الأسير أن يهبوه له، فما فعلوا، فقال لهم: فبيعونيه، فقالوا: أما هذا فنعم، فلم يزل يساومهم حتى رضوا بما بذله لهم، فدفع أبو خراش إليهم ابنه خراشا رهينة، وأطلق أخاه عروة ومضيا، حتى أخذ أبو خراش فكاك أخيه، وعاد به إلى القوم حتى أعطاهم إياه وأخذ ابنه. فبينما أبو خراش ذات يوم في بيته إذ جاءه عبد له فقال: إن أخاك عروة جاءني وأخذ شاة من غنمك، فذبحها، ولطمني لما منعته منها، فقال له: دعه، فلما كان بعد أيام عاد، فقال له: قد أخذ أخرى، فذبحها، فقال: دعه، فلما أمسى قال لهه: إن أخاك اجتمع مع شرب من قومه، فلما انتشى جاء إلينا وأخذ ناقة من إبلك، لينحرها لهم فعاجله، فوثب أبو خراش إليه، فوجده قد أخذ الناقة، لينحرها، فطردها أبو خراش، فوثب أخوه عروة إليه فلطم وجهه، وأخذ الناقة، فعقرها، وانصرف أبو خراش، فلما كان من غد لامه قومه، وقالوا له: بئست لعمر الله المكافأة، كانت منك لأخيك؛ رهن ابنه فيك، وفداك بماله، فففعلت به ما فعلت، فجاء عروة يعتذر إليه، فقال أبو خراش:
لعلك نافعي يا عـرو يومـا إذا جاورت من تحت القبور
أخذت خفارتي ولطمت عيني وكيف تثيب بالمن الكـبـير
ويوم قد صبرت عليك نفسي لدى الأشهاد مرتدي الحرور
إذا ما كان كس القوم روقـا وجالت مقلتا الرجل البصير

صفحة : 2397


بما ييممته وتركت بـكـري وما أطعمت من لحم الجزور قال معنى قوله بكري أي بكر ولدي أي أولهم.
خبر أخويه الأسود وأبي جندب: وقال الأصمعي وأبو عبيدة وأبو عمرو وابن الأعرابي: كان بنو مرة عشرة: أبو خراش، وأبو جندب، وعروة، والأبح، والأسود، وأبو الأسود، وعمرو، وزهير، وجناد، وسفيان، وكانوا جميعا شعراء دهاة سراعا لا يدركون عدوا، فأما الأسود بن مرة فإنه كان على ماء من داءة وهو غلام شاب، فوردت عليه إبل رئاب بن ناضرة بن المؤمل من بني لحيان، ورئاب شيخ كبير، فرمى الأسود ضرع ناقة من الإبل فعقرها، فغضب رئاب، فضربه بالسيف، فقتله، وكان أشدهم أبو جندب، فعرف خبر أخيه، فغضب غضبا شديدا، وأسف، فاجتمعت رجال هذيل إليه يكلمونه وقالوا: خذ عقل أخيك، واستبق ابن عملك، فلم يزالوا به حتى قال: نعم، أجمعوا العقل، فجاءوه به في مرة واحدة، فلما أراحوه عليه صمت فقطال صمته فقالوا له: أرحنا: اقبضه منا، فقال: إني أريد أن أعتمر فاحبسوه حتى أرجع، فإن هلكت فلأم ما أنتم هذه لغة هذيل يقولون: إم بالكسر، ولا يستعملون الضم وإن عشت فسوف ترون أمري، وولى ذاهبا نحو الحرم، فدعا عليه رجال من هذيل، وقالوا: اللهم لا ترده، فخرج فقدم مكة فواعد كل خليع وفاتك في الحرم أن يأتوه يوم كذا وكذا، فيصيب بهم قومه، فخرج صادرا، حتى أخذته الذبحة في جانب الحرم، فمات قبل أن يرجع، فكان ذلك خبره.
خبر أخيه زهير: قالوا: وأما زهير بن مرة فخرج معتمرا قد جعل على جسده من لحاء الحرم، حتى ورد ذات الأقير من نعمان، فبينا هو يسقي إبلا له إذ ورد عليه قوم من ثمالة، فقتلوه، فله يقول أبو خراش، وقد انبعث يغزو ثمالة ويغير عليهم، حتى قتل منهم بأخيه أهل دارين، أي حلتين من ثمالة.

خذوا ذلك بالصلح إني رأيتكم قتلتم زهيرا وهو مهد ومهمل مهد أي أهدى هديا للكعبة. ومهمل: قد أهمل إبله في مراعيها.

قتلتم فتى لا يفجر الله عامدا ولا يجتويه جاره عام يمحل
وجدتهم ثمالة بن أسلـمـا وكان أبو خراش إذا لقيهم في حروبه أوقع بهم ويقول:
إلــــيك أم ذبـــــــان ما ذاك مـن حـلـب الـضـان
لكن مصاع الفتيان بكل لين حران خبر أخيه عروة وابنه خراش: قال: وأما عروة بن مرة وخراش بن أبي خراش فأخذهما بطنان من ثمالة يقال لهما بنو رزام وبنو بلال، وكانوا متجاورين، فخرج عروة بن مرة وابن أبي خراش أخيه مغيرين عليهم طمعا في أن يظفروا من أموالهم بشيء، فظفر بهما الثماليون، فأما بنو رزام فنهوا عن قتلهما وأبت بنو بلال إلا قتلهما، حتى كاد يكون بينهم شر، فألقى رجل من القوم ثوبه على خراش حين شغل القوم بقتل عروة، ثم قال له: انج، وانحرف القوم بعد قتلهم عروة إلى الرجل، وكانوا أسلموه إليه، فقالوا: أين خراش? فقال: أفلت مني، فذهب، فسعى القوم في أثره، فأعجزهم، فقال أبو خراش في ذلك يرثي أخاه رعروة، ويذكر خلاص ابنه:
حمـدت إلـهـي بـــعـــد عـــروة إذ نـــجـــا خراش وبـعـض الـشـر أهـون مــن بـــعـــض
فوالله لا أنسى قتيلا رزيته بجانب قوسي ما حييت على الأرض
بلى إنها تعفو الكلوم وإنما نوكـل بـالأدنــى وإن جـــل مـــا يمـــضـــي
ولـــم أدر مـــن ألـــقـــى عـــلـــيه رداءه سوى أنـه قـد سـل عـن مــاجـــد مـــحـــض
ولـم يك مـثـلـوج الـــفـــؤاد مـــهـــبـــلا أضـاع الـشـبـاب فـي الـربـيلة والـخـــفـــض
ولـكـنـه قــد نـــازعـــتـــه مـــجـــاوع علـى أنـه ذو مــرة صـــادق الـــنـــهـــض قال: ثم إن أبا خراش وأخاه عروة استنفرا حيا من هذيل يقال لهم بنو زليفة بن صبيح ليغزوا ثمالة بهم طالبين بثأر أخيهما، فلما دنوا من ثمالة أصاب عروة ورد حمى، وكانت به حمى الربع فجعل عروة يقول:
أصبحت مورودا فقربـونـي إلى سواد الحي يدفنـونـي
إن زهيرا وسطهم يدعونـي رب المخاض واللقاح الجون

صفحة : 2398

فلبثوا إلى أن سكنت الحمى، ثم بيتوا ثمالة، فوجدوهم خلوفا ليس فيهم رجال، فقتلوا من وجدوا من الرجال، وساقوا النساء والذراري والأموال، وجاء الصائح إلى ثمالة عشاء، فلحقوهم، وانهزم أبو خراش وأصحابه، وانقطعت بنو زليفة، فنظر الأكنع الثمالي - وكان مقطوع الأصبع - إلى عروة فقال: يا قوم، ذلك والله عروة، وأنا والله رام بنفسي عليه، حتى يموت أحدنا، وخرج يمعج نحو عروة، فصاح عروة بأبي خراش أخيه: أي أبا خراش، هذا والله الأكنع وهو قاتلي، فقال أبو خراش: أمشه، وقعد له على طريقه، ومر به الأكنع مصمما على عروة، وهو لا يعلم بموضع أبي خراش، فوثب عليه أبو خراش، فضربه على حبل عاتقه حتى بلغت الضربة سحره، وانهزمت ثمالة، ونجا أبو خراش وعروة. وقال أبو خراش يرثي أخاه ومن قتلته ثمالة وكنانة من أهله، وكان الأصمعي يفضلها:
فقدت بني لبنى فلما فقدتـهـم صبرت فلم أقطع عليهم أباجلي الأبجل: عرق في الرجل.

رماح من الخطي زرق نصالهـا حداد أعاليها شـداد الأسـافـل
فلهفي على عمرو بن مرة لهـفة ولهفي على ميت بقوسي المعاقل
حسان الوجوه طيب حجزاتـهـم كريم نثاهم غير لف مـعـازل
قتلت قتيلا لا يحـالـف غـدرة ولا سبة لازلت أسفـل سـافـل
وقد أمنوني واطمأنت نفوسـهـم ولم يعلموا كل الذي هو داخلـي
فمن كان يوجو الصلح مني فإنـه كأحمر عاد أو كلـيب بـن وائل
أصيبت هذيل بابن لبنى وجدعـت أنوفهم باللوذعـي الـحـلاحـل
رأيت بني العلات لما تضافـروا يحوزون سهمي دونهم بالشمـائل أخبار أخوته: قالوا: وأما أبو الأسود فقتلته فهم بياتا تحت الليل، وأما الأبح فكان شاعرا، فأمسى بدار بعرعر من ضيم، فذكر لسارية بن زنيم العبدي أحد بني عبد بن عدي بن الديل، فخرج بقوم من عشيرته يريده ومن معه، فوجدوهم قد ظعنوا. وكان بين بني عبد بن عدي بن الديل وبينهم حرب، فقال الأبح في ذلك:
لعمرك ساري بن أبي زنيم لأنت بعرعر الثأر المنـيم
تركت بني معاوية بن صخر وأنت بمربع وهم بـضـيم
تساقيهم على رصف وظـر كدابغة وقد ححـلـم الأديم رصف وظر: ماءان، ومربع وضيم: موضعان.

فلم نتركهم قصـدا ولـكـن فرقت من المصالت كالنجوم
رأيتهم فوارس غـير عـزل إذا شرق المقاتل بالكـلـوم فأجابه سارية، فقال:
لعلك يا أبح حسـبـت أنـي قتلت الأسود الحسن الكريمـا
أخذتم عقله وتـركـتـمـوه يسوق الظمي وسط بني تميما عيرهم بأخذ دية الأسود بن مرة أخيهم، وأنهم لم يدركوا بثأره، وبنو تميم من هذيل.
قالوا: وأما جنادة وسفيان فماتا، وقتل عمرو، ولم يسم قاتله. قالوا: وأمهم جميعا لبنى إلا سفيان بن مرة، فإن أمه أم عمرو القردية، وكان أيسر القوم وأكثرهم مالا.
وقال أبو عمرو: وغزا أبو خراش فهما، فأصاب منهم عجوزا، وأتى بها منزل قومه، فدفعها إلى شيخ منهم، وقال: احتفظ بها حتى آتيك، وانطلق لحاجته، فأدخلته بيتا صغيرا، وأغلقت عليه، وانطلقت، فجاء أبو خراش، وقد ذهبت، قال:
سدت عليه دولجا يمـمـت بني فالج بالليث أهل الخزائم الدولج: بيت صغير يكون للبهم، والليث: ماء لهم، والخزائم البقر واحدتها خزومة.

وقالت له: دنخ مكانك إنـنـي سألقاك إن وافيت أهل المواسم يقال: دنخ الرجل ودمخ إذا أكب على وجهه ويديه.
وقال أبو عمرو: دخلت أميمة امرأة عروة بن مرة على أبي خراش وهو يلاعب ابنه فقالت له: يا أبا خراش تناسيت عروة، وتركت الطلب بثأرة، ولهوت مع ابنك، أما والله لو كنت المقتول ما غفل عنك، ولطلاب قاتلك حتى يقتله، فبكى أبو خراش، وأنشأ يقول:
لعمري لقد راعت أميمة طلعتي وإن ثوائي عندهـا لـقـلـيل
وقالت: أراه بعد عروة لاهـيا وذلك رزء لو علمت جـلـيل
فلا تحسبي أني تناسيت فـقـده ولكن صبري يا أميم جـمـيل
ألم تعلمي أن قد تفرق قبلـنـا نديما صفاء مالـك وعـقـيل

صفحة : 2399


أبى الصبر أني لا يزال يهيجني مبيت لنا فيما خـلا ومـقـيل
وأني إذا ما الصبح آنست ضوءه يعاودني قطع علـي ثـقـيل قال أبو عمرو: فأما أبو جندب أخو أبي خراش فإنه كان جاور بني نفاثة بن عدي بن الديل حينا من الدهر، ثم إنهم هموا بأن يغدروا به، وكانت له إبل كثيرة فيها أخوه جنادة، فراح عليه أخوه جنادة ذات ليلة، وإذا به كلوم، فقال له أبو جندب: مالك? فقال: ضربني رجل من جيرانك، فأقبل أبو جندب، حتى أتى جيرانه من بني نفاثة، فقال لهم: يا قوم، ما هذا الجوار? لقد كنت أرجو من جواركم خيرا من هذا، أيتجاور أهل الأعراض بمثل هذا?.
فقالوا: أولم يكن بنو لحيان، يقتلوننا، فوالله ما قرت دماؤنا، ومازالت تغلي، والله إنك للثار المنيم، فقال: أما إنه لم يصب أخي إلا خير، ولكنما هذه معاتبة لكم، وفطن للذي يريد القوم من الغدر به، وكان بأسفل دفاق، فأصبحوا ظاعنين، وتواعدوا ماء ظر، فنفذ الرجال إلى الماء، وأخروا النساء لأن يتبعنهم إذا نزلوا، واتخذوا الحياض للإبل، فأمر أبو جندب أخاه جنادة وقال له: اسرح مع نعم القوم.
ثم توقف، وتأخر، حتى تمر عليك النعم كلها، وأنت في آخرها سراح بإبلك، واتركها متفرقة في المرعى، فإذا غابوا عنك فاجمع إبلك، واطردها نحو أرضنا، وموعدك نجد ألو ذثنية، في طريق بلاده، وقال لامرأته أم زنباع وهي من بني كلب بن عوف: اظعني وتمكثي، حتى تخرج آخر ظعينة من النساء.
ثم توجهي، فموعدك ثنية يدعان من جانب النخلة، وأخذ أبو جندب دلوه، وورد مع الرجال، فاتخذ القوم الحياض، واتخذ أبو جندب حوضا، فملأه ماء، ثم قعد عنده، فمرت به إبل ثم إبل، فكلما وردت إبل سأل عن إبله فيقولون: قد بلغت، تركناها بالضجن.
ثم قدمت النساء كلما قدمت ظعينة سألها عن أهله، فيقولون: بلغتك، تركناها تظعن، حتى إذا ورد آخر النعم وآخر الظعن قال: والله لقد حبس أهلي حابس، أبصر يا فلان، حتى أستأنس أهلي وإبلي، وطرح دلوه على الحوض.
ثم ولى، حتى أدرك القوم بحيث وعدهم، فقال أبو جندب في ذلك:
أقول لأم زنباع أقيمي صدور العينس شطر بني تميم
وغربت الدعاء وأين مني أنـــاس بـــــين مـــــــر وذي يدوم غربت الدعاء: دعوت من بعيد.

وحي بالمناقب قد حمـوهـا لدى قران حتى بطن ضـيم
وأحياء لدى سعد بن بـكـر بأملاح فـظـاهـرة الأديم
أولئك معشري وهم أرومي وبعض القوم ليس بذي أروم
هنالك لو دعوت أتاك منهـم رجال مثل أرمية الحـمـيم الأرمية: السحاب الشديد الوقع، واحدها رمي، والحميم: مطر القيظ.

أقل الله خـيرهـم ألـمـا يدعهم بعض شرهم القديم
ألما يسلم الجيران منـهـم وقد سال الفجاج من الغميم
غداة كأن جناد بن لبـنـى به نضخ العبير من الكلوم
دعا حولي نفاثة ثم قالـوا: لعلك لست بالثأر المـنـيم المنيم: الذي إذا أدرك استراح أهله وناموا.

نعوا من قتلت لحيان منهم ومن يغتر بالحرب القروم قالوا جميعا: وكان أبو جندب ذا شر وبأس، وكان قومه يسمونه المشئوم، فاشتكى شكوى شديدة، وكان له جار من خزاعة يقال له حاطم، فوقعت به بنو لحيان، فقتلوه قبل أن يستنبل أبو جندب من مرضه، واستاقوا أمواله، وقتلوا امرأته، وقد كان أبو جندب كلم قومه، فجمعوا لجاره غنما، فلما أفاق أبو جندب من مرضه خرج من أهله، حتى قدم مكة، ثم جاء يمشي، حتى استلم الركن، وقد شق ثوبه عن استه، فعرف الناس أنه يريد شرا، فجعل يصيح ويقول:
إني امرؤ أبكي على جارية أبكي على الكعبي والكعبية
ولو هلكت بـكـيا عـلـيه كانا مكان الثوب من حقويه فلما فرغ من طوافه، وقضى حاجته من مكة خرج في الخلعاء من بكر وخزاعة، فاستجاشهم على بني لحيان، فقتل منهم قتلى، وسبى من نسائهم وذراريهم سبايا، وقال في ذلك:
لقد أمسى بنو لحيان مـنـي بحمد الله في خزي مبـين
تركتهم على الركبات صعرا يشيبون الذوائب بـالأنـين يشكو إلى عمر فراق ابنه:

صفحة : 2400

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي، قال: حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال: حدثني عمي قال: هاجر خراش بن أبي خراش الهذلي في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وغزا مع المسلمين، فأوغل في أرض العدو، فقدم أبو خراش المدينة، فجلس بين يدي عمر، وشكا إليه شوقه إلى ابنه، وأنه رجل قد انقرض أهله، وقتل إخوته، ولم يبق له ناصر ولا معين غير ابنه خراش، وقد غزا وتركه، وأنشأ يقول:
ألا من مبلغ عني خراشا وقد يأتيك بالنبأ البعـيد
وقد يأتيك بالأخبار من لا تجهز بالحذاء ولا تزيد تزيد وتزود واحد، من الزاد
يناديه لـيغـبـقـه كـلـيب ولا يأتي، لقد سفه الـولـيد
فرد إنـاءه لا شـيء فــيه كأن دموع عينـيه الـفـريد
وأصبح دون عابقه وأمسـى جبال من حرار الشام سـود
ألا فاعلم خراش بأن خبر المه اجر بعد هجـرتـه زهـيد
رأيتك وابتغاء الـبـر دونـي كمحصور اللبان ولا يصـيد قال: فكتب عمر رضي الله عنه بأن يقبل خراش إلى أبيه، وألا يغزو من كان له أب شيخ إلا بعد أن يأذن له.
مصرعه: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي، قال: حدثنا عمر بن شبة: قال: حدثنا الأصمعي. وأخبرني حبيب بن نصر، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثنا علي بن الصباح، عن ابن الكلبي، عن أبيه.
وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا أبو غسان دماذ: قال أبو عبيدة: وأخبرني أيضا هاشم، قال: حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، عن عمه، وذكره أبو سعيد السكري في رواية الأخفش عنه عن أصحابه، قالوا جميعا: أسلم أبو خراش فحسن إسلامه، ثم أتاه نفر من أهل اليمن قدموا حجاجا، فنزلوا بأبي خراش والماء منهم غير بعيد، فقال: يا بني عمي، ما أمسى عندنا ماء، ولكن هذه شاة وبرمة وقربة، فردوا الماء، وكلوا شاتكم، ثم دعوا برمتنا وقربتنا على الماء، حتى نأخذها، قالوا: والله ما نحن بسائرين في ليلتنا هذه، وما نحن ببارحين حيث أمسينا، فلما رأى ذلك أبو خراش أخذ قربته، وسعى نحو الماء تحت الليل حتى استقى، ثم أقبل صادرا، فنهشته حية قبل أن يصل إليهم، فأقبل مسرعا حتى أعطاهم الماء، وقال: ابطخوا شاتكم وكلوا ولم يعلمهم بما أصابه، فباتوا على شاتهم يأكلون حتى أصبحوا، وأصبح أبو خراش في الموت، فلم يبرحوا حتى دفنوه، وقال وهو يعالج الموت:
لعمرك والمنايا غـالـبـات على الإنسان تطلع كل نجـد
لقد أهلكت حية بطـن أنـف على الأصحاب ساقا ذات فقد وقال أيضا:
لقد أهلكت حية بـطـن أنـف على الأصحاب ساقا ذات فضل
فما تركت عدوا بين بـصـرى إلى صنعاء يطلـبـه بـذحـل قال: فبلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه خبره، فغضب غضبا شديدا، وقال: لولا أن تكون سبة لأمرت ألا يضاف يمان أبدا، ولكتبت بذلك إلى الآفاق. إن الرجل ليضيف أحدهم، فيبذل مجهوده فيسخطه ولا يقبله منه، ويطالبه بما لا يقدر عليه، كأنه يطالبه بدين، أو يتعنته ليفضحه، فهو يكلفه التكاليف، حتى أهلك ذلك من فعلهم رجلا مسلما، وقتله، ثم كتب إلى عامله باليمن بأن يأخذ النفر الذين نزلوا بأبي خراش فيغرمهم ديته، ويؤدبهم بعد ذلك بعقوبة تمسهم جزاء لأعمالهم.

صوت

تهيم بها لا الدهر فان ولا المنى سواها ولا ينسيك نأي ولا شغل
كبيضة أدحي بمـيث خـمـيلة يحففها جون بجؤجؤة صعـل الشعر لعبد الرحمن بن مسافع بن دارة، والغناء لابن محرز ثقيل أول بالوسطى، عن ابن المكي.

أخبار ابن دارة ونسبه
نسبه












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 06-27-2006, 12:16 PM   المشاركة رقم: 54
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.






تمَّ
الجزء الثامن من كتاب الأغاني للأصفهاني .








.












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

تصميم و وتركيب انكسار ديزاين

جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 08:35 PM.




Powered by vBulletin Version 3.7.3
جميع الحقوق محفوظة لشبكة قامات الثقافية 2008
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009