صفحة : 2297
وأعـــطـــاف جـــواريهـــا كريح الـمـسـك والـعـنــبـــر
وجـــوهـــر درة الـــغـــوا ص مـن يمـلـكـهـا يحــبـــر
ألا يا جـوهــر الـــقـــلـــب لقـد زدت عـلـى الـجــوهـــر
وقـد أكـمـــلـــك الـــلـــه بحـسـن الـدل والـمـنــظـــر
إذا غنيت يا أحسن خلق الله بالمـزهـر
فهذا حزنا يبكي وهـذا طــربـــا يكـــفـــر
وهــذا يشـــرب الـــكـــأس وذا فـــرح ينـــعـــــــر
ولا والـلـه مـا الــمـــهـــدي أولـى مـنـك بـالـمـنـــبـــر
فما عشت ففي كفيك خلع ابن أبي جعفر قال: فبلغ ذلك المهدي، فضحك وأمر لمطيع بصلة، وقال: أنفق هذا عليها، وسلها ألا تخلعنا ما عاشت.
قال: وفي جوهر يقول مطيع:
جارية أحسن من حلـيهـا وفيه فضل الدر والجوهر
وجرمها أطيب من طيبهـا والطيب فيه المسك والعنبر
جاءت بها بربر ممكـورة يا حبذا ما جلبت بـربـر قال: وقال فيها:
أنت يا جوهر عندي جوهره في بياض الدرة المشتهره
وإذا غنت فنار أضـرمـت قدحت في كل قلب شرره
صوت
يا عمود الإسلام خير عمود والذي صيغ من حياء وجود
إن يومـا أراك فـيه لـيوم طلعت شمسه بسعد السعود الشعر لأبي العتاهية يمدح محمد الأمين، والغناء لإسحاق، ثقيل أول بالبنصر عن عمرو بن بانة وإسحاق.
أخبار لأم جعفر
تستنشد أبا العتاهية مدحه للأمين: أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثنا العلائي، قال: حدثني محمد بن أبي العتاهية، قال: لما جلس الأمين في الخلافة أنشده أبو العتاهية:
يا بن عم النبي خير البـرية إنما أنت رحمة للـرعـية
يا إمام الهدى الأمين المصفى بلباب الخلافة الهاشـمـيه
لك نفس أمارة لك بالـخـي ر وكف بالمكرمات نـديه
إن نفسا تحملت منك ما حـم لت للمسلمين نفـس قـوية قال: ثم خرج إلى دار أم جعفر، فقالت له: أنشدني ما أنشدت أمير المؤمنين، فأنشدها.
فقالت: أين هذا من مدائحك في المهدي والرشيد? فغضب وقال: إنما أنشدت أمير المؤمنين ما يستملح، وأنا القائل فيه:
يا عمود الإسلام خير عمـود والذي صيغ من حياء وجود
والذي فيه ما يسلي ذوي الأح زان عن كل هالك مفقـود
إن يومـا أراك فـيه لـيوم طلعت شمسه بسعد السعود فقالت له: الآن وفيت المديح حقه، وأمرت له بعشرة آلاف درهم.
يستنجز أبو العتاهية ما كانت تجريه عليه: أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني محمد بن موسى اليزيدي، قال: حدثني محمد بن الفضل، قال: كان المأمون يوجه إلى أم جعفر زبيدة في كل سنة بمائة ألف دينار جدد وألف ألف درهم، فكانت تعطي أبا العتاهية منها مائة دينار وألف درهم، فأغفلته سنة، فدفع إلي رقعة وقال: ضعها بين يديها فوضعتها، وكان فيها:
خبروني أن في ضرب السنة جددا بيضا وصفرا حسنـه
سككا قد أحدثت لـم أرهـا مثل ما كنت أرى كل سنـه فقالت: إنا لله أغفلناه. فوجهت إليه بوظيفة على يدي.
تطلب أن ينظم أبو العتاهية أبياتا تعطف عليها المأمون حدثني محمد بن موسى، قال: حدثنا جعفر بن الفضل الكاتب، قال: أحست زبيدة من المأمون بجفاء، فوجهت إلى أبي العتاهية تعلمه بذلك، وتأمره أن يعمل فيه أبياتا تعطفه عليها، فقال: صوت
ألا إن ريب الدهر يدني ويبـعـد ويؤنس بالآلاف طورا ويفـقـد
أصابت لريب الدهر مني يدي يدي فسلمت للأقدار واللـه أحـمـد
وقلت لريب الدهر إن ذهبـت يد فقد بقيت والحمد لـلـه لـي يد
إذا بقي المأمون فالـرشـيد لـي ولي جعفر لم يفقدا ومـحـمـد الغناء لعلويه.
قال: فحسن موقع الأبيات منه، وعاد لها المأمون إلى أكثر مما كان لها عليه.
وجدت في كتاب محمد بن الحسن الكاتب.
صفحة : 2298
حدثني هارون بن مخارق، قال: حدثني أبي، قال: ظهرت لأم جعفر جفوة من المأمون، فبعثت إلي بأبيات وأمرتني أن أغني فيها المأمون إذا رأيته نشيطا وأسنت لي الجائزة، وكان كاتبها قال الأبيات، ففعلت فسألني المأمون عن الخبر فعرفته، فبكى ورق لها، وقام من وقته فدخل إليها فأكب عليها، وقبلت يديه، وقال لها: يا أمه، ما جفوتك تعمدا، ولكن شغلت عنك بما لا يمكن إغفاله، فقالت: يا أمير المؤمنين، إذا حسن رأيك لم يوحشني شغلك، وأتم يومه عندها، والأبيات:
ألا إن ريب الدهر يدني ويبعد ويؤنس بالآلاف طورا ويفقد وذكر باقي الأبيات مثل ما في الخبر الأول: ينظم أبو العتاهية شعرا على لسانها للمأمون: أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني الحسن بن علي الرازي، قال: حدثني أبو سهل الرازقي عن أبيه، قال: عمل أبو العتاهية شعرا على لسان زبيدة بأمرها لما قدم المأمون بغداد، أوله:
لخير إمام قام من خير عنصر وأفضل راق فوق أعواد منبر فذكر محمد بن أحمد بن المرزبان عن بعض كتاب السلطان: أن المأمون لما قدم مدينة السلام واستقرت به الدار، وانتظمت له الأمور، أمرت أم جعفر كاتبا لها فقال هذه الأبيات، وبعثت بها إلى علويه، وسألته أن يصنع فيها لحنا، ويغني فيه المأمون ففعل، وكان ذلك مما عطفه عليها، وأمرت لعلويه بعشرين ألف درهم. وقد روي أن الأبيات التي أولها:
يا عمود الإسلام خير عمود لعيسى بن زينب المراكبي.
أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني الحسين بن يحيى الكاتب، قال: حدثنا علي بن نجيح، قال: حدثني صالح بن الرشيد، قال: كنا عند المأمون يوما وعقيد المغني وعمرو بن بانة يغنيان، وعيسى بن زينب المراكبي حاضر، وكان مشهورا بالإبنة، فتغنى عقيد بشعر عيسى:
يا عمود الإسلام خير عمود والذي صيغ من حياء وجود
لك عندي في كل يوم جـديد طرفة تستفاد يا بن الرشيد فقال المأمون لعقيد: أنشد باقي هذا الشعر، فقال: أصون سمع أمير المؤمنين عنه، فقال: هاته ويحك فقال:
كنت في مجلس أنيق وريحان ن وراح ومسمعات وعـود
فتغنى عمرو بن بـانة إذا ذا ك وهو ممسك بأير عقـيد
يا عمود الإسلام خير عمـود والذي صيغ من حياء وجود
فتنفست ثم قلـت كـذا كـل محب صب الفؤاد عـمـيد فقال المأمون لعيسى بن زينب: والله لا فارقتك حتى تخبرني عن تنفسك عند قبض عمرو على أير عقيد: لأي شيء هو? لا بد من أن يكون ذلك إشفاقا عليه، أو على أن تكون مثله، لعن الله تنفسك هذا يا مريب قال: وإنما سمي المراكبي لتوليه مراكب المنصور، وأمه زينب بنت بشر صاحب طاقات بشر بباب الشام.
صوت
لقيت من الغنيات العـجـابـا لو أدرك مني العذارى الشبابا
غلام يكحلن حور الـعـيون ويحدثن بعد الخضاب الخضابا
ويبرقن إلا لما تـعـلـمـون فلا تمنعن النساء الضـرابـا الشعر لأيمن بن خزيم بن فاتك الأسدي، والغناء لإبراهيم الموصلي، ولحنه من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى من رواية الهشامي.
أخبار أيمن بن خريم
نسبه وتشيعه وأيمن بن خريم بن فاتك الأسدي لأبيه صحبة برسول الله -)- ورواية عنه، وينسب إلى فاتك، وهو جد أبيه. وهو أيمن بن خريم بن الأخرم بن عمرو بن فاتك بن القليب بن عمرو بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. وكان أيمن يتشيع، وكان أبوه أحد من اعتزل حرب الجمل وصفين وما بعدهما من الأحداث، فلم يحضرها.
يصف قوته لعبد الملك بن مروان، فيحسده ويتغير عليه:
صفحة : 2299
أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية، قال: حدثني النوشجاني عن العمري عن الهيثم بن عدي، عن عبد الله بن عياش، عن مجالد، قال كان عبد الملك شديد الشغف بالنساء، فلما أسن ضعف عن الجماع وازداد غرامه بهن، فدخل إليه يوما أيمن بن خريم قال له: كيف أنت? فقال: بخير يا أمير المؤمنين. قال: فكيف قوتك? قال: كما أحب، ولله الحمد، إني لآكل الجذعة من الضأن بالصاع من البر، وأشرب العس المملوء ، وأرتحل البعير الصعب وأنصبه ، وأركب المهر الأرن فأذلله، وأفترع العذراء، ولا يقعدني عنها الكبر، ولا يمنعني منها الحصر ، ولا يرويني منها الغمر ولا ينقضي مني الوطر. فغاظ عبد الملك قوله وحسده، فمنعه العطاء وحجبه، وقصده بما كره حتى أثر ذلك في حاله، فقالت له امرأته: ويحك أصدقني عن حالك? هل لك جرم? قال: لا والله، قالت: فأي شيء دار بينك وبين أمير المؤمنين آخر ما لقيته? فأخبرها، فقالت: إنا لله? من ها هنا أتيت.
تحتال له امرأته فيعود عبد الملك إلى بره: أنا أحتال لك في ذلك حتى أزيل ما جرى عليك، فقد حسدك الرجل على وصفت به نفسك، فتهيأت ولبست ثيابها ودخلت على عاتكة زوجته، فقالت: أسألك أن تستعدي لي أمير المؤمنين على زوجي، قالت: وماله? قالت: والله ما أدري أنا مع رجل أو حائط? وإن له لسنين ما يعرف فراشي، فسليه أن يفرق بيني وبينه، فخرجت عاتكة إلى عبد الملك فذكرت ذلك له، وسألته في أمرها، فوجه إلى أيمن بن خريم فحضر، فسأله عما شكت منه فاعترف به، فقال: أو لم أسألك عاما أول عن حالك فوصفت كيت وكيت? فقال: يا أمير المؤمنين، إن الرجل ليتجمل عن سلطانه، ويتجلد عند أعدائه بأكثر مما وصفت نفسي به، وأنا القائل:
لقيت من الغانيات العـجـابـا لو أدرك مني الغواني الشبابـا
ولكن جمع النساء الـحـسـان عناء شديد إذا المـرء شـابـا
ولو كلت بالمد لـلـغـانـيات وضاعفت فوق الثياب الثيابـا
إذا لم تنلـهـن مـن ذاك ذاك جحدنك عند الأمير الكتـابـا
يذدن بـكـل عـصـــا ذائد ويصبحن كل غداة صعـابـا
إذا لم يخالطـن كـل الـخـلا ط أصبحن مخرنظمات غضابا
علام يكحلن حـور الـعـيون ويحدثن بعد الخضابا الخضابـا
ويعركن بالمسـك أجـيادهـن ويدنين عند الحجال العـيابـا
ويبرقن إلا لما تـعـلـمـون فلا تحرموا الغانيات الضرابا قال: فجعل عبد الملك يضحك من قوله، ثم قال: أولى لك يا بن خريم لقد لقيت منهن ترحا ، فما ترى أن نصنع بينك وبين زوجتك? قال: تستأجلها إلى أجل العنين، وأداريها لعلي أستطيع إمساكها، قال: أفعل ذلك، وردها إليه، وأمر له بما فات من عطائه، وعاد إلى بره وتقريبه.
يعتزل عمرو بن سعيد وعبد العزيز بن مروان في منازعة بينهم ويقول في ذلك شعرا: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي أو دلف، قال: حدثنا الرياشي، قال: ذكر العتبي أن منازعة وقعت بين عمرو بن سعيد وعبد العزيز بن مروان، فتعصب لكل واحد منهما أخواله، وتداعوا بالسلاح واقتتلوا، وكان أيمن بن خريم حاضر للمنازعة فاعتزلهم هو ورجل من قومه، يقال له: ابن كوز، فعاتبه عبد العزيز وعمرو جميعا على ذلك، فقال:
أأقتل بين حجاج بن عـمـرو وبين خصيمه عبد الـعـزيز
أنقتل ضلة في غـير شـيء ويبقى بعدنا أهل الكـنـوز
لعمر أبيك ما أتـيت رشـدي ولا وفقت للحرز الـحـريز
فإني تارك لهمـا جـمـيعـا ومعتزل كما اعتزل ابن كوز يهجو يحيى بن الحكم: أخبرني عمي قال: حدثني الكراني، عن العمري عن الهيثم بن عدي، قال: أصاب يحيى بن الحكم جارية في غزاة الصائفة ، بها وضح ، فقال: أعطوها أيمن بن خريم، وكان موضحا، فغضب وأنشأ يقول:
تركت بني مروان تندى أكفـهـم وصاحبت يحيى ضلة من ضلاليا
فإنك لو أشبهت مروان لم تـقـل لقومي هجرا أن أتوك ولا لـيا وانصرف عنه، فأتى عبد العزيز بن مروان، وكان يحيى محمقا.
يرى عبد الملك مدحه لبني هاشم مثلا يحتذى:
صفحة : 2300
حدثني محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي الفضل، قال: حدثني الزبيري عن أشياخه أن عبد الملك بن مروان قال: يا معشر الشعراء تشبهوننا مرة بالأسد الأبخر، ومرة بالجبل الأوعر، ومرة بالبحر الأجاج، ألا قلتم فينا كما قال أيمن بن خريم في بني هاشم:
نهاركم مكابـدة وصـوم وليلكم صلاة واقـتـراء
وليتم بالقران وبالتزكـي فأسرع فيكم ذاك البـلاء
بكى نجد غداة غد عليكـم ومكة والمدينة والجـواء
وحق لكل أرض فارقوها عليكم لا أبالكم البـكـاء
أأجعلكم وأقوامـا سـواء وبينكم وبينهم الـهـواء
وهم أرض لأرجلكم وأنتم لأرؤسهم وأعينهم سماء شعره وقد أدى عبد الملك عنه دية قتل خطأ: أخبرني الحسن بن علي، عن أحمد بن زهير، عن أبي همام الوليد بن شجاع، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، قال: أصاب أيمن بن خريم امرأة له خطأ -يعني قتلها- فوداها عبد الملك بن مروان: أعطى ورثتها ديتها، وكفر عنه كفارة القتل، وأعطاه عدة جوار، ووهب له مالا، فقال أيمن:
رأيت الغواني شيئا عجـابـا لو أنس مني الغواني الشبابـا
ولكن جمع العذارى الحسـان عناء شديد إذا المرء شـابـا
ولو كلت بالمد للـغـانـيات وضاعفت فوق الثياب ثيابـا
إذا لم تنلـهـن مـن ذاك ذاك بغينك عند الأمير الـكـذابـا
يذدن بـكـل عـصــا ذائد ويصبحن كل غداة صعـابـا
إذا لم يخالطن كل الـخـلاط تراهن مخرنظمات غضابـا
علام يكحلن حور الـعـيون ويحدثن بعد الخضاب الخضابا
ويعركن بالمسك أجـيادهـن ويدنين عند الحجال العـيابـا
ويغمزن إلا لما تعـلـمـون فلا تحرموا الغانيات الضرابا قال: فبلغني أن عبد الملك أنشد هذا الشعر، فقال: نعم الشفيع أيمن لهن.
يستجيد عبد الملك وصفه للنساء: وأخبرني أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة وإبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة، قال: قال له عبد الملك لما أنشده هذا الشعر: ما وصف النساء أحد مثل صفتك، ولا عرفهن أحد معرفتك. قال: فقال له: لئن كنت صدقت في ذلك لقد صدق الذي يقول: صوت
فإن تسألوني بالنساء فـإنـنـي خير بأدواء النسـاء طـبـيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله فليس له في ودهن نـصـيب
يردن ثراء المال حيث علمنـه وشرخ الشباب عندهن عجـيب فقال له عبد الملك: قد لعمري صدقتما وأحسنتما، الشعر لعلقمة بن عبدة، والغناء لبسباسة، ولحنه خفيف ثقيل أول بالوسطى عن حبش. وهذه الأبيات يقولها علقمة بن عبدة يمدح بها الحارث ويسأله إطلاق ابنه شأس . وخبره يذكر وخبر الحارث بعد انقضاء أخبار أيمن بن خريم.
رجع الحديث إلى أخبار أيمن يفضل عبد العزيز بن مروان شعر نصيب على شعره، فيلحق ببشر بن مروان: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني المدائني عن أبي بكر الهذلي، قال: دخل نصيب يوما إلى عبد العزيز بن مروان، فأنشده قصيدة له امتدحه بها فأعجبته، وأقبل على أيمن بن خريم فقال: كيف ترى شعر مولاي هذا? قال: هو أشعر أهل جلدته . فقال: هو أشعر والله منك. قال أمني أيها الأمير?.
فقال: إي والله، قال: لا والله، ولكنك طرف ملول، فقال له: لو كنت كذلك ما صبرت على مؤاكلتك منذ سنة وبك من البرص ما بك ، فقال: ائذن لي أيها الأمير في الانصراف، قال: ذلك إليك، فمضى لوجهه حتى لحق ببشر بن مروان، وقال فيه:
ركبت من المقطم في جمادى إلى بشر بن مروان البـريدا
ولو أعطاك بشر ألف ألـف رأى حقا عـلـيه أن يزيدا
أمير المؤمنين أقم بـبـشـر عمود الدين إن له عـمـودا
ودع بشرا يقومهـم ويحـدث لأهل الزيغ إسلاما جـديدا
وإنا قد وجـدنـا أم بـشـر كأم الأسد مذكـارا ولـودا
كأن التاج تاج أبي هـرقـل جلوه لأعظـم الأيام عـيدا
صفحة : 2301
يحالف لونه ديباج بـشـر إذا الألوان حالفت الخدودا -يعرض بنمش كان بوجه عبد العزيز- فقبله بشر بن مروان ووصله، ولم يزل أثيرا عنده.
من مدحه في بشر بن مروان: أخبرني عمي، قال: حدثني الكراني، وأبو العيناء عن العتبي، قال: لما أتى أيمن بن خريم بشر بن مروان نظر الناس يدخلون عليه أفواجا، فقال من يؤذن لنا الأمير أو يستأذن لنا عليه? قيل له: ليس على الأمير حجاب ولا ستر، فدخل وهو يقول:
يرى بارزا للناس بشـر كـأنـه إذا لاح في أثوابه قمـر بـدر
ولو شاء بشر أغلق الباب دونـه طماطم سود أو صقالبة شقـر
أبى ذا ولكن سهل الإذن للـتـي يكون له في غبها الحمد والشكر فضحك إليه بشر، وقال: إنا قوم نحجب الحرم، وأما الأموال والطعام فلا، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
2يعير أهل العراق بقلة غنائهم في حرب غزالة: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي أبو دلف، قال: حدثني الرياشي، قال: حدثنا الأصمعي عن المعتمد بن سليمان، قال: لما طالت الحرب بين غزالة وبين أهل العراق وهم لا يغنون شيئا -قال أيمن بن خريم:
أتينا بـهـم مـائتـي فـارس من السافكين الحرام العبيطـا
وخمسون من مارقات النـسـا ء يسحبن للمنديات المروطـا
وهم مائتا ألـف ذي قـونـس يئط العراقان منهم أطـيطـا
رأيت غـزالة إن طـرحـت بمكة هودجها والـغـبـيطـا
سمت للعراقين في جمعـهـا فلاقى العراقان منها بطيطـا
ألا يستحي الله أهـل الـعـرا ق إن قلدوا الغانيات السموطا?
وخيل غزالة تسبي الـنـسـاء وتحوي النهاب وتحوي النبيطا
ولو أن لـوطـا أمـير لـكـم لأسلمتم في الملمات لـوطـا
صوت
تصابيت أم هاجت لك الشوق زينـب وكيف تصابي المرء والرأس أشيب
إذا قربت زادتك شوقا بـقـربـهـا وإن جانبت لم يسل عنها التجـنـب
فلا اليأس إن ألممت يبدو فترعـوي ولا أنت مردود بما جئت تطـلـب
وفي اليأس لو يبدو لك الـيأس راحة وفي الأرض عمن لا يؤاتيك مذهب الشعر لحجية بن المضرب الكندي، فيما ذكره إسحاق والكوفيون. وذكر الزبير بن بكار أنه لإسماعيل بن يسار، وذكر غيره أنه لأخيه أحمد بن يسار. والغناء ليونس الكاتب، ولحنه من الثقيل الثاني بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، وفيه ثقيل أول بالبنصر. ذكر حبش أنه لمالك، وذكر غيره أنه لمعبد.
أخبار حجية بن المضرب
تجعله عائشة مثلا في بر صبية لأخيه مات عنهم: حدثني ابن عمار، قال: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، وأخبرنا به وكيع عن إسماعيل بن إسحاق، عن سعيد بن يحيى الأموي، قال: حدثني المحبر بن قحذم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما قدم القاسم بن محمد بن أبي بكر وأخته من مصر -وأخبرني بهذا الخبر محمد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، عن الهيثم بن عدي، عن عوانة، قال: كان القاسم بن محمد بن أبي بكر يحدث، قال: لما قتل معاوية بن حديج الكندي وعمرو بن العاص أبي -يعني محمد بن أبي بكر بمصر- جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر فاحتملني وأختا لي من مصر. وقد جمعت الروايتين واللفظ لابن أبي الأزهر، وخبره أتم قال.
فقدم بنا المدينة، فبعثت إلينا عائشة، فاحتملتنا من منزل عبد الرحمن إليها، فما رأيت والدة قط، ولا والدا أبر منها، فلم نزل في حجرها حتى إذا كان ذات يوم وقد ترعرعنا ألبستنا ثيابا بيضاء، ثم أجلست كل واحد منا على فخذها، ثم بعثت إلى عمي عبد الرحمن، فلما دخل عليها تكلمت فحمدت الله -عز وجل- وأثنت عليه. فما رأيت متكلما ولا متكلمة قبلها ولا بعدها أبلغ منها، ثم قالت:
صفحة : 2302
يا أخي إني لم أزل أراك معرضا عني منذ قبضت هذين الصبيين منك، ووالله ما قبضتهما تطاولا عليك، ولا تهمة لك فيهما، ولا لشيء تكرهه، ولكنك كنت رجلا ذا نساء، وكانا صبيين لا يكفيان من أنفسهما شيئا، فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتقذرون به من قبيح أمر الصبيان فكنت ألطف لذلك وأحق بولايته، فقد قويا على أنفسهما وشبا، وعرفا ما يأتيان، فها هما هذان فضمهما إليك، وكن لهما كحجية بن المضرب أخي كندة، فإنه كان له أخ يقال له: معدان، فمات وترك أصيبية صغارا في حجر أخيه، فكان أبر الناس بهم وأعطفهم عليهم، وكان يؤثرهم على صبيانه، فمكث بذلك ما شاء الله. ثم إنه عرض له سفر لم يجد بدا من الخروج فيه، فخرج وأوصى بهم امرأته، وكانت إحدى بنات عمه، وكان يقال لها: زينب، فقال: اصنعي ببني أخي ما كنت أصنع بهم، ثم مضى لوجهه أشهرا، ثم رجع وقد ساءت حال الصبيان وتغيرت، فقال لامرأته: ويلك مالي أرى بني معدان مهازيل، وأرى بني سمانا? قالت: قد كنت أواسي بينهم، ولكنهم كانوا يعبثون ويلعبون، فخلا بالصبيان فقال: كيف كانت زينب لكم? قالوا: سيئة، ما كانت تعطينا من القوت إلا ملء هذا القدح من لبن -وأروه قدحا صغيرا- فغضب على امرأته غضبا شديدا وتركها، حتى إذا أراح عليه راعيا إبله قال لهما: اذهبا، فأنتما وإبلكما لبني معدان. فغضبت من ذلك زينب وهجرته، وضربت بينه وبينها حجابا، فقال: والله لا تذوقين منها صبوحا ولا غبوقا أبدا، وقال في ذلك : شعره في امرأته حين عرف سوء معاملتها لصغار أخيه:
لججنا ولجت هذه في الـتـغـضـب ولط الحجاب بينـنـا الـتـجـنـب
وخطت بفردي إثمد جفـن عـينـهـا لتقتلـنـي وشـد مـا حـب زينـب
تلوم على مال شـفـانـي مـكـانـه فلومي حياتي ما بدا لك واغضـبـي
رحمت بني معدان أن قـل مـالـهـم وحق لهم مني ورب المـحـصـب
وكان اليتامى لا يسـد اخـتـلالـهـم هدايا لهم في كل قعـب مـشـعـب
فقلت لعـبـدينـا: أريحـا عـلـيهـم سأجعل بيتي بـيت آخـر مـعـزب
وقلت خذوها واعلمـوا أن عـمـكـم هو اليوم أولى منكم بـالـتـكـسـب
عيالي أحق أن ينـالـوا خـصـاصة وأن يشربوا رنقا إلى حين مكسـبـي
أحابي بها من لو قصـدت لـمـالـه حريبا لاساني علـى كـل مـوكـب
أخي والـذي إن أدعـه لـعـظـيمة يجبني وإن اغضب إلى السيف يغضب إلى ها هنا رواية ابن عمار.
تركته زوجته إلى المدينة وأسلمت فراح يطلبها: وفي خبر إسحاق قال: فلما بلغ زينب هذا الشعر وما وهب زوجها خرجت حتى أتت المدينة فأسلمت، وذلك في ولاية عمر بن الخطاب، فقدم حجية المدينة فطلب زينب أن ترد عليه، وكان نصرانيا، فنزل بالزبير بن العوام فأخبره بقصته، فقال له: إياك وأن يبلغ هذا عنك عمر فتلقى منه أذى.
يمدح الزبير بن العوام ويرحل كئيبا يائسا: وانتشر خبر حجية وفشا بالمدينة وعلم فيم كان مقدمه، فبلغ ذلك عمر، فقال للزبير: قد بلغني قصة ضيفك، ولقد هممت به لولا تحرمه بالنزول عليك، فرجع الزبير إلى حجية فأعلمه قول عمر، قال حجية في ذلك.
إن الزبير بن عوام تـداركـنـي منه بسيب كريم سيبه عـصـم
نفسي فداؤك مأخوذا بحجزتـهـا إذ شاط لحمي وإذ زلت بي القدم
إذ لا يقوم بها إلا فـتـى أنـف عاري الأشاجع في عرنينه شمم ثم انصرف من عنده متوجها إلى بلده، آيسا من زينب كئيبا حزينا، فقال في ذلك:
تصابيت أم هاجت لك الشوق زينب الأبيات المذكورة فيها الغناء.
صوت
خليلي هبا نصطبـح بـسـواد ونرو قلوبا هامهـن صـواد
وقولا لساقينـا زياد يرقـهـا فقد هز بعض القوم سقي زياد الشعر والغناء لإسحاق، ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر.
خبر إسحاق مع غلامه زياد
وصف زياد غلام إسحاق: هذا الشعر يقوله إسحاق في غلامه له مملوك خلاسي ، يقال له: زياد. كان مولدا من مولدي المدينة، فصيحا ظريفا، فجعله ساقيه، وذكره هو وغيره في شعره. فممن ذكره من الشعراء دعبل، وله يقول:
صفحة : 2303
أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش، عن أبي سعيد السكري قال: كان زياد الذي يذكره إسحاق في عدة مواضع، منها قوله:
وقولا لساقينا زياد يرقها -وكان نظيف السقي لبقا، فقال فيه دعبل:
يقول زياد قـف بـصـحـبـك مـرة على الربع، مالي والوقوف على الربع صوت
أدرها على فقد الحبيب فـربـمـا شربت على نأى الأحبة والفجـع
فما بلغتني الكأس إلا شربـتـهـا وإلا سقيت الأرض كأسا من الدمع غنى في البيت الثاني والثالث من هذه الأبيات محمد بن العباس بن عبد الله بن طاهر لحنا من خفيف الثقيل الأول بالبنصر.
نسبة الصوت إلى غير إسحاق: قال أبو الحسن: وقد قيل: إن هذين البيتين-يعني:
خليلي هبا نصطبح بسواد -للأخطل.
زياد يراجع إسحاق وهو يغني: أخبرني علي بن سليمان، قال: حدثني أبي، قال: قال لي جعفر بن معروف الكاتب -وكان قد جاوز مائة سنة: لقد شهدت إسحاق يوما في مجلس أنس وهو يتغنى هذا الصوت:
خليلي هبا نصطبح بسواد وغلامه زياد جالس على مسورة يسقي، وهو يومئذ غلام أمرد أصفر، رقيق البدن حلو الوجه. ثم أخذ يراجعه ولا أحد يستطيع يقول له: زدني ولا انقصني.
يعتقه إسحاق ويزوجه: أخبرني علي بن صالح بن الهيثم الأنباري، قال حدثني أحمد بن الهيثم، يعني جد أبي -رحمه الله- قال: كنت ذات يوم جالسا في منزلي بسر من رأى وعندي إخوان لي، وكان طريق إسحاق في مضيه إلى دار الخليفة ورجوعه منها على منزلي، فجاءني الغلام يوما وعندي أصدقاء لي فقال لي: إسحاق بن إبراهيم الموصلي بالباب، فقلت له: قل له، ويلك يدخل، أوفى الخلق أحد يستأذن عليه لإسحاق فذهب الغلام وبادرت أسعى في أثره حتى تلقيته، فدخل وجلس منبسطا آنسا، فعرضنا عليه ما عندنا، فأجاب إلى الشرب، فأحضرناه نبيذا مشمسا فشرب منه، ثم قال: أتحبون أن أغنيكم? قلنا: إي والله أطال الله بقاءك، إنا نحب ذلك. قال: فلم لم تسألوني? قلنا: هبناك والله، قال: فلا تفعلوا، ثم دعا بعود فأحضرناه، فاندفع فغنانا، فشربنا وطربنا. فلما فرغ قال: أحسنت أم لا? فقلنا: بلى والله، جعلنا الله فداءك لقد أحسنت. قال: فما منعكم أن تقولوا لي: أحسنت.
قلنا: الهيبة والله لك، قال: فلا تفعلوا هذا فيما تستأنفون، فإن المغني يحب أن يقال له: غن، ويحب أن يقال له إذا غنى: أحسنت، ثم غنانا صوته:
خليلي هبا نصطبح بسواد فقلنا له: يا أبا محمد، من هو زياد الذي غنيته? قال: هو غلامي الواقف بالباب، أدعوه يا غلمان، فأدخل إلينا، فإذا غلام خلاسي، قيمته عشرون دينارا أو نحوها. فأمسكنا عنه، فقال: أتسألوني عنه فأعرفكم إياه ويخرج كما دخل، وقد سمعتم شعري فيه وغنائي? أشهدكم أنه حر لوجه الله، وأني زوجته أمتي فلانة، فأعينوه على أمره. قال: فلم يخرج حتى أوصلنا إليه عشرين ألف درهم، أخرجناها له من أموالنا.
إسحاق يرثيه: أخبرني يحيى بن علي قال: حدثني أبي، قال: توفي زياد غلام إسحاق الذي يقول فيه:
وقولا لساقينا زياد يرقها فقال إسحاق يرثيه:
فقدنا زيادا بعد طول صحـابة فلا زال يسقي الغيث قبر زياد
ستبكيك كأس لم تجد من يديرها وظمآن يستبطي الزجاجة صاد يطلب الأمين إسحاق فيغنيه: أخبرني عمي، قال: حدثني ابن المكي عن أبيه، قال: اصطبح محمد الأمين ذات يوم، وأمر بالتوجيه إلى إسحاق، فوجه إليه عدة رسل، كلهم لا يصادفه، حتى جاء أحدهم به، فدخل منتشيا ومحمد مغضب. فقال له: أين كنت ويلك قال: أصبحت يا أمير المؤمنين نشيطا، فركبت إلى بعض المتنزهات، فاستطبت الموضع وأقمت فيه وسقاني زياد، فذكرت أبياتا للأخطل وهو يسقيني، فدار لي فيها لحن حسن فصنعته فيها، وقد جئتك به. فتبسم، ثم قال: هات، فما تزال تأتي بما يرضي عنك عند السخط، فغناه: صوت
إذا ما زياد علني ثم علـنـي ثلاث زجاجات لهـن هـدير
خرجت أجر الذيل زهوا كأنني عليك أمير المؤمنـين أمـير قال: بل على أبيك، قبح الله فعلك، فما يزال إحسانك في غنائك يمحو إساءتك في فعلك، وأمر له بألف دينار.
الشعر في هذين البيتين للأخطل، والغناء لإسحاق، رمل بالبنصر. ورواية شعر الأخطل: