عالم من الإبداع

 

    

آخر 15 موضوع
وحِضنُ الحوضِ من خزفِ           »          وأشرب ُ شايا جديدا /للشاعر العراقي : وهاب شريف           »          قولوا لمن قد رافقوا شجوني           »          بعد إدمانيَ شهدكْ           »          عشقك جنون           »          أمي           »          ..مــؤلـمـ...           »          اعتذار بنكهة شعر           »          تأيّنوا بمحدٍ           »          ارتعاشـــــــــــة ..... شعر:مهند الياس           »          (( الشَّامُ شَاميْ ))           »          وإن أوتَرَتْ بالهمس ينفلق الإبا           »          ثوري يــــــ أمي وزلزلي           »          ثرثرة / بلا قيود           »          المُذنَّب حسان ( قصة )



حصريات المنتدى

                                            

العودة   شبكة قامات الثقافية > قامات الفكرية الثقافية > اقرأ

موضوع مغلق
قديم 06-26-2006, 12:04 AM   المشاركة رقم: 21
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.26 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

هتفت حمامة فقال شعرا
وذكر عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه: أن المجنون كان ذات ليلة جالسا مع أصحاب له من بني عمه وهو وله يتلظى ويتململ يعظونه ويحادثونه، حتى هتفت حمامة من سرحة كانت بإزائهم، فوثب قائما وقال: صوت

لقد غردت في جنح ليل حمامة على إلفها تبكي وإني لـنـائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا لما سبقتني بالبكاء الحـمـائم ثم بكى حتى سقط على وجهه مغشيا عليه، فما أفاق حتى حميت الشمس عليه من غد. الغناء في هذين البيتين لعبد الله بن دخمان ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى.
مرور رجل به وهو برمل يبرين
وذكر أبو نصر عن أصحابه أن رجلا مر بالمجنون وهو برمل يبرين يخطط فيه، فوقف عليه متعجبا منه وكان لا يعرفه، فقال له: ما بك يا أخي? فرفع رأسه إليه وأنشأ يقول:
بي اليأس والداء الهيام أصابني فإياك عني لا يكن بك ما بـيا
كأن جفون العين تهمي دموعها غداة رأت أظعان ليلى غواديا
غروب أمرتها نواضح بـزل على عجل عجم يروين صاديا مر به نفر من اليمن فقال شعرا
قال خالد بن جمل: ذكر حماد الرواية أن نفرا من أهل اليمن مروا بالمجنون، فوقفوا ينظرون إليه فأنشأ يقول:
ألا أيها الركب اليمانون عرجوا علينا فقد أمسى هوانا يمانـيا
نسائلكم هل سال نعمان بعدنـا وحب إلينا بطن نعمـان واديا يقول في هذا القصيدة: صوت

ألا يا حمامي قصر ودان هجتما علي الهوى لما تغنيتـمـا لـيا
فأبكيتماني وسط صحبي ولم أكن أبالي دموع العين لو كنت خاليا غنى في هذين البيتين علويه غناء لم ينسب.

فوالله إني لا أحب، لـغـير أن تحل بها ليلى البراق الأعالـيا
ألا يا خليلي حب ليلى مجشمي حياض المنايا أو مقيدي الأعاديا
ويا أيها القمريتـان تـجـاوبـا بلحنيكما ثم اسجعا عـلـلانـيا
فإن أنتما استطربتما وأردتـمـا لحاقا بأطراف الغضى فاتبعانيا رحيل زوج ليلى بها وشعره بذلك
قال أبو نصر: وذكر خالد بن كلثوم أن زوج ليلى لما أراد الرحيل بها إلى بلده بلغ المجنون أنه غاد بها فقال: صوت

أمزمعة للبين ليلى ولم تمت كأنك عما قد أظلك غافل

صفحة : 136


ستعلم إن شطت بهم غربة النوى وزالوا بليلـى أن لـبـك زائل الغناء للزبير بن دحمان ثقيل أول بالوسطى.
قال أبو نصر قال خالد: وحدثني جماعة من بني قشير أن المجنون سقم سقاما شديدا قبل اختلاطه حتى أشفى على الهلاك، فدخل إليه أبوه يعلله فوجده ينشد هذه الأبيات ويبكي أحر بكاء وينشج أحر نشيج:
ألا أيها القلب الذي لـج هـائمـا بليلى وليدا لم تقطع تـمـائمـه
أفق قد أفاق العاشقون وقد أنـى لحالك أن تلقى طبيبـا تـلائمـه
فما لك مسلوب العزاء كـأنـمـا ترى نأى ليلى مغرما أنت غارمه
أجدك لا تنسيك لـيلـى مـلـمة تلم ولا ينسيك عهدا تـقـادمـه خبر نظره إلى أظعان ليلى وقد رحل بها زوجها
قال: وقف مستترا ينظر إلى أظعان ليلى وقد رحل بها زوجها وقومها، فلما رآهم يرتحلون بكى وجزع، فقال له أبوه: ويحك إنما جئنا بك متخفيا ليتروح بعض ما بك بالنظر إليهم، فإذا فعلت ما أرى عرفت، وقد أهدر السلطان دمك إن مررت بهم، فأمسك أو فانصرف، فقال: ما لي سبيل إلى النظر إليهم يرتحلون وأنا ساكن غير جازع ولا باك فانصرف بنا، فانصرف وهو يقول: صوت

ذد الدمع حتى يظعن الحي إنما دموعك إن فاضت عليك دليل
كأن دموع العين يوم تحمـلـوا جمان على جيب القميص يسيل أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أنشدني إسحاق بن محمد عن بعض أصحابه عن ابن الأعرابي للمجنون: صوت من المائة المختارة

ألا ليت ليلى أطفأت حـر زفـرة أعالجها لا أستطـيع لـهـا ردا
إذا الريح من نحو الحمى نسمت لنا وجدت لمسراها ومنسمها بـردا
على كبد قد كاد يبدي بها الهـوى ندوبا وبعض القوم يحسبني جلـدا هذا البيت الثالث خاصة يروى لابن هرمة في بعض قصائده، وهو من المائة المختارة التي رواها إسحاق أوله:
أفاطم إن النأي يسلي من الهوى وقد أخرج في موضع آخر. غنى في هذين البيتين عبد آل الهذلي، ولحنه المختار على ما ذكره جحظة ثاني ثقيل، وهما في هذه القصيدة:
وإني يماني الهوى منجد الـنـوى سبيلان ألقى من خلافهما جـهـدا
سقى الله نجدا من ربـيع وصـيف وماذا يرجى من ربيع سقى نجـدا
بلى إنه قد كان لـلـعـيش قـرة وللصحب والركبان منزلة حمـدا
أبى القلب أن ينفك من ذكر نسـوة رقاق ولم يخلقن شؤما ولا نـكـدا
إذا رحن يسحبن الـذيول عـشـية ويقتلن بالألحاظ أنفسنـا عـمـدا
مشى عيطلات رجح بحضورهـا روادف وعثات ترد الخـطـا ردا
وتهتز ليلى العامـرية فـوقـهـا ولاثت بسب القز ذا غدر جـعـدا
إذا حرك المدرى ضفائرها العـلا مججن ندى الريحان والعنبر الوردا وأخبار الهذليين تذكر في غير هذا الموضع إن شاء الله لئلا تنقطع أخبار المجنون، ولهما في المائة الصوت المختارة أغان تذكر أخبارها معا إن شاء الله.
خبر ظبية سأل صياديها أن يطلقاها
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني ميمون بن هارون قال ذكر الهيثم بن عدي، وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان عن أحمد بن الهيثم عن العمري عن الهيثم بن عدي قال: مر المجنون برجلين قد صادا ظبية فربطاها بحبل وذهبا بها، فلما نظر إليها وهي تركض في حبالهما دمعت عيناه، وقال لهما: حلاها وخذا مكانها شاة من غنمي - وقال ميمون في خبره: وخذا مكانها قلوصا من إبلي - فأعطاهما وحلاها فولت تعدو هاربة. وقال المجنون للرجلين حين رآها في حبالهما:
يا صاحبي اللذين اليوم قـد أخـذا في الحبل شبها لليلى ثم غلاهـا
إني أرى اليوم في أعطاف شاتكما مشابها أشبهت ليلى فـحـلاهـا قال: وقال فيها وقد نظر إليها وهي تعدو أشد عدو هاربة مذعورة: صوت

أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني لك اليوم من وحشية لصديق
ويا شبه ليلى لو تلبثت ساعة لعل فؤادي من جواه يفـيق

صفحة : 137


تفر وقد أطلقتها من وثاقها فأنت لليلى لو علمت طليق خبره مع نسوة عذلنه في ليلى
وذكر أبو نصر عن جماعة من الرواة وذكر أبو مسلم ومحمد بن الحسن الأحول أن ابن الأعرابي أخبرهما أن نسوة جلسن إلى المجنون فقلن له: ما الذي دعاك إلى أن أحللت بنفسك ما ترى في هوى ليلى، وإنما هي امرأة من النساء، هل لك في أن تصرف هواك عنها إلى إحدانا فنساعفك ونجزيك بهواك ويرجع إليك ما عزب من عقلك وجسمك? فقال لهن: لو قدرت على صرف الهوى عنها إليكن لصرفته عنها وعن كل أحد بعدها وعشت في الناس سويا مستريحا؛ فقلن له: ما أعجبك منها? فقال: كل شيء رأيته وشاهدته وسمعته منها أعجبني، والله ما رأيت شيئا منها قط إلا كان في عيني حسنا وبقلبي علقا، ولقد جهدت أن يقبح منها عندي شيء أو يسمج أو يعاب لأسلو عنها فلم أجده؛ فقلن له: فصفها لنا، فأنشأ يقول:
بيضاء خالصة البياض كأنهـا قمر توسط جنح ليل مـبـرد
موسومة بالحسن ذات حواسـد إن الجمال مظنة للـحـسـد
وترى مدامعها ترقرق مقـلة سوداء ترغب عن سواد الإثمد
خود إذا كثر الكلام تـعـوذت بحمى الحياء وإن تكلم تقصد قال: ثم قال ابن الأعرابي: هذا والله من حسن الكلام ومنقح الشعر.
وأنشد أبو نصر للمجنون أيضا، وفيه غناء، قال:
كأن فؤادي في مخالـب طـائر إذا ذكرت ليلى يشد بها قبـضـا
كأن فجاج الأرض حلقة خـاتـم علي، فما تزداد طولا ولا عرضا أودع رجلا شعرا ينشده ليلى
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أبو مسلم عن القحذمي قال: قال رجل من عشيرة المجنون له: إني أريد الإلمام بحي ليلى فهل تودعني إليها شيئا? فقال: نعم قف بحيث تسمعك ثم قل: صوت

الله يعلم أن النـفـس هـالـكة باليأس منك ولكني أعـنـيهـا
منيتك النفس حتى قد أضر بهـا واستيقنت خلفا مما أمـنـيهـا
وساعة منك ألهوها وإن قصرت أشهى إلي من الدنيا وما فيهـا قال: فمضى الرجل، ولم يزل يرقب خلوة حتى وجدها، فوقف عليها ثم قال لها: يا ليلى لقد أحسن الذي يقول:
الله يعلم أن النفس هالكة باليأس منك ولكني أعنيها وأنشد الأبيات؛ فبكت بكاء طويلا ثم قالت: أبلغه السلام وقل له:
نفسي فداؤك، لو نفسي ملكـت إذا ما كان غيرك يجزيها ويرضيهـا
صبرا على ما قضاه الله فيك على مرارة في اصطباري عنك أخفيها قال: فأبلغه الفتى البيتين وأخبره بحالها؛ فبكى حتى سقط على وجهه مغشيا عليه، ثم أفاق وهو يقول:
عجبت لعروة العذري أضحى أحاديثا لقـوم بـعـد قـوم
وعروة مات موتا مستريحـا وها أنا ميت فـي كـل يوم أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب عن أبي نصر للمجنون: صوت

أيا زينة الـدنـيا لا ينـالـهـــا مناي ولا يبدو لقلبي صـريمـهـا
بعيني قذاة من هـواك لـو أنـهـا تداوى بمن تهوى لصح سقيمـهـا
وما صبرت عن ذكرك النفس ساعة وإن كنت أحيانا كثيرا ألـومـهـا أبوه يحتال أن يبلغه أن ليلى تشتمه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال: سأل الملوح أبو المجنون رجلا قدم من الطائف أن يمر بالمجنون فيجلس إليه فيخبره أنه لقي ليلى وجلس إليها، ووصف له صفات منها ومن كلامها يعرفها المجنون، وقال له: حدثه بها، فإذا رأيته قد اشرأب لحديثك واشتهاه فعرفه أنك ذكرته لها ووصفت ما به فشتمته وسبته، وقالت: إنه يكذب عليها ويشهرها بفعله، وإنها ما اجتمعت معه قط كما يصف؛ ففعل الرجل ذلك، وجاء إليه فأخبره بلقائه إياها؛ فأقبل عليه وجعل يسائله عنها، فيخبره بما أمره به الملوح، فيزداد نشاطا ويثوب إليه عقله، إلى أن أخبره بسبها إياه وشتمها له؛ وقال وهو غير مكترث لما حكاه عنها: صوت

تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضى ويصدع قلبي أن يهب هبـوبـهـا

صفحة : 138


إذا هبت الريح الشمال فـإنـمـا جواي بما تهدى إلي جنـوبـهـا
قريبة عهد بالـحـبـيب وإنـمـا هوى كل نفس حيث كان حبيبهـا
وحسب الليالي أن طرحنك مطرحا بدار قلى تمسي وأنت غريبـهـا
حلال لليلى شتمنا وانتقـاصـنـا هنيئا ومغفور لليلـى ذنـوبـهـا ذكر أبو أيوب المديني أن الغناء في هذا الشعر لابن سريج ولم يذكر طريقته. وفيه لمتيم غناء ينسب. وذكر الهيثم بن عدي أن المجنون قال - وفيه غناء -: صوت

كأن لم تكن ليلى تزار بذي الأثل وبالجزع من أجزاع ودان فالنخل
صديق لنا فيما نرى غير أنـهـا ترى أن حبي قد أحل لها قتلـي وصف لليلى فبكت وقالت شعرا
أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن عثمان بن عمارة بن حريم عن أشياخ من بني مرة قالوا: خرج منا رجل إلى ناحية الشأم والحجاز وما يلي تيماء والسراة وأرض نجد، في طلب بغية له، فإذا هو بخيمة قد رفعت له وقد أصابه المطر فعدل إليها وتنحنح، فإذا امرأة قد كلمته فقالت: انزل، فنزل. قال وراحت أبلهم وغنمهم فإذا أمر عظيم، فقالت: سلوا هذا الرجل من أين أقبل؛ فقلت: من ناحية تهامة ونجد؛ فقالت: ادخل أيها الرجل، فدخلت إلى ناحية من الخيمة، فأرخت بيني وبينها سترا ثم قالت لي: يا عبد الله، أي بلاد نجد وطئت? فقلت: كلها؛ قالت: فبمن نزلت هناك? قلت: ببني عامر؛ فتنفست الصعداء ثم قالت: فبأي بني عامر نزلت? فقلت: ببني الحريش؛ فاستعبرت ثم قالت: فهل سمعت بذكر فتى منهم يقال له: قيس بن الملوح ويلقب بالمجنون? قلت: بلى والله وعلى أبيه نزلت، وأتيته فنظرت إليه يهيم في تلك الفيافي، ويكون مع الوحش لا يعقل ولا يفهم إلا أن تذكر له امرأة يقال لها ليلى، فيبكي وينشد أشعارا قالها فيها. قال: فرفعت الستر بيني وبينها، فإذا فلقة قمر لم تر عيني مثلها، فبكت حتى ظننت - والله - أن قلبها قد انصدع، فقلت: أيتها المرأة، اتقي الله فما قلت بأسا، فمكثت طويلا على تلك الحال من البكاء والنحيب ثم قالت:
ألا ليت شعري والخطوب كثيرة متى رحل قيس مستقل فراجع
بنفسي من لا يستقل برحـلـه ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع ثم بكت حتى سقطت مغشيا عليها، فقلت لها: من أنت يا أمة الله? وما قصتك? قالت: أنا ليلى صاحبته المشئومة والله عليه غير المؤنسة له؛ فما رأيت مثل حزنها ووجدها عليه قط .
خبر شيخ من بني مرة لقيه ميتا في واد
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، وحبيب بن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال ذكر الهيثم ابن عدي عن عثمان بن عمارة، وأخبرني عثمان عن الكراني عن العمري عن لقيط، وحدثنا إبراهيم بن أيوب عن عبد الله بن مسلم قال ذكر الهيثم بن عدي عن عثمان بن عمارة، وذكر أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي وأبو مسلم المستملي عن ابن الأعرابي - يزيد بعضهم على بعض -

صفحة : 139

أن عثمان بن عمارة المري أخبرهم أن شيخا منهم من بني مرة حدثه أنه خرج إلى أرض بني عامر ليلقى المجنون، قال: فدللت على محلته فأتيتها، فإذا أبوه شيخ كبير وإخوة له رجال، وإذا نعم كثير وخير ظاهر، فسألتهم عنه فاستعبروا جميعا، وقال الشيخ: والله لهو كان آثر في نفسي من هؤلاء وأحبهم إلي وإنه هوي امرأة من قومه، والله ما كانت تطمع في مثله، فلما أن فشا أمره وأمرها كره أبوها أن يزوجها منه بعد ظهور الخبر فزوجها من غيره، فذهب عقل ابني ولحقه خبل وهام في الفيافي وجدا عليها، فحبسناه وقيدناه، فجعل يعض لسانه وشفتيه حتى خفنا عليه أن يقطعها فخلينا سبيله، فهو يهيم في هذه الفيافي مع الوحوش يذهب إليه كل يوم بطعامه فيوضع له حيث يراه، فإذا تنموا عنه جاء فأكل منه. قال: فسألتهم أن يدلوني عليه، فدلوني على فتى من الحي صديقا له وقالوا: إنه لا يأنس إلا به ولا يأخذ أشعاره عنه غيره، فأتيته فسألته أن يدلني عليه؛ فقال: إن كنت تريد شعره فكل شعر قاله إلى أمس عندي، وأنا ذاهب إليه غدا فإن قال شيئا أتيتك به؛ فقلت: بل أريد أن تدلني عليه لآتيه؛ فقال لي: إنه إن نفر منك نفر مني فيذهب شعره، فأبيت إلا أن يدلني عليه؛ فقال اطلبه في هذه الصحاري إذا رأيته فادن منه مستأنسا ولا تره أنك تهابه، فإنه يتهددك ويتوعدك أن يرميك بشيء، فلا يروعنك واجلس صارفا بصرك عنه والحظه أحيانا، فإذا رأيته قد سكن من نفاره فأنشده شعرا غزلا، وإن كنت تروي من شعر قيس بن ذريح شيئا فأنشده إياه فإنه معجب به؛ فخرجت فطلبته يومي إلى العصر فوجدته جالسا على رمل قد خط فيه بأصبعه خطوطا، فدنوت منه غير منقبض، فنفر مني نفور الوحش من الإنس، وإلى جانبه أحجار فتناول حجرا فأعرضت عنه، فمكث ساعة كأنه نافر يريد القيام، فلما طال جلوسي سكن وأقبل يخط بأصبعه، فأقبلت عليه وقلت: أحسن والله قيس بن ذريح حيث يقول:
ألا يا غراب البين ويحك نبني بعلمك في لبنى وأنت خبير
فإن أنت لم تخبر بشيء لمته فلا طرت إلا والجناح كسير
ودرت بأعداء حبيبك فـيهـم كما قد تراني بالحبيب أدور فأقبل علي وهو يبكي فقال: أحسن والله، وأنا أحسن منه قولا حيث أقول:
كأن القلب ليلة قيل يغدى بليلى العامرية أو يراح
قطاة عزها شرك فباتت تجاذبه وقد علق الجناح فأمسكت عنه هنيهة، ثم أقبلت عليه فقلت: وأحسن الله قيس بن ذريح حيث يقول:
وإني لمفن دمع عيني بالبـكـا حذارا لما قد كان أو هو كائن
وقالوا غدا أو بعد ذاك بـلـيلة فراق حبيب لم يبن وهو بـائن
وما كنت أخشى أن تكون منيتي بكفيك إلا أن من حان حـائن قال: فبكى - والله - حتى ظننت أن نفسه قد فاضت، وقد رأيت دموعه قد بلت الرمل الذي بين يديه، ثم قال: أحسن لعمر الله، وأنا والله أشعر منه حيث أقول: صوت

وأدنيتني حتى إذا ما سبيتـنـي بقول يحل العصم سهل الأباطح
تناءيت عني حين لا لي حـيلة وخلفت ما خلفت بين الجوانـح - ويروى: وغادرت ما غادرت... - ثم سنحت له ظبية فوثب يعدو خلفها حتى غاب عني وانصرفت، وعدت من غد فطلبته فلم أجده، وجاءت امرأة كانت تصنع له طعامه إلى الطعام فوجدته بحاله، فلما كان في اليوم الثالث غدوت وجاء أهله معي فطلبناه يومنا فلم نجده، وغدونا في اليوم الرابع نستقري أثره حتى وجدناه في واد كثير الحجارة خشن، وهو ميت بين تلك الحجارة، فاحتمله أهله فغسلوه وكفنوه ودفنوه.
ندم أبي ليلى على عدم تزويجه بها


صفحة : 140

قال الهيثم: فحدثني جماعة من بني عامر: أنه لم تبق فتاة من بني جعدة ولا بني الحريش إلا خرجت حاسرة صارخة عليه تندبه؛ واجتمع فتيان الحي يبكون عليه أحر بكاء، وينشجون عليه أشد نشيج، وحضرهم حي ليلى معزين وأبوها معهم فكان أشد القوم جزعا وبكاء عليه، وجعل يقول: ما علمنا أن الأمر يبلغ كل هذا، ولكني كنت امرأ عربيا أخاف من العار وقبح الأحدوثة ما يخافه مثلي، فزوجتها وخرجت عن يدي، ولو علمت أن أمره يجري على هذا ما أخرجتها عن يده ولا احتملت ما كان علي في ذلك. قال: فما رئي يوم كان أكثر باكية وباكيا على ميت من يومئذ.
نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني منها الصوت الذي أوله:
ألا يا غراب البين ويحك نبني بعلمك في لبنى وأنت خبير الغناء لابن محرز ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي، وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لحكم. وفي رواية ابن الأعرابي أنه أنشده مكان:
ألا يا عراب البين ويحك نبني بعلمك في لبنى وأنت خبير صوت
ألا يا غراب البين هل أنت مخبـري بخير كما خبرت بالنـأي والـشـر
وخبرت أن قد جد بـين وقـربـوا جمالا لبين مثقلات مـن الـغـدر
وهجت قذى عين بلبنـى مـريضة إذا ذكرت فاضت مدامعها تجـري
وقلت كذاك الدهر مازال فاجـعـا صدقت وهل شيء بباق على الدهر الشعر لقيس بن ذريح، والغناء لابن جامع، ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لبحر ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وفيه لدحمان ثاني ثقيل عن الهشامي وعبد الله بن موسى.
ومنها الصوت الذي أوله.

كأن القلب ليلة قيل يغدى بليلي العامرية أو يراح ومنها الصوت الذي أوله:
وأدنيتني حتى إذا ما سبيتـنـي بقول يحل العصم سهل الأباطح الغناء لإبراهيم، خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشامي.
بكاء أبي ليلى على المجنون
وشعر وجد بعد موت المجنون في خرقة
أخبرنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثنا الفضل الربعي عن محمد بن حبيب قال: لما مات مجنون بني عامر وجد أرض خشنة بين حجارة سود، فحضر أهله وحضر معهم أبو ليلى - المرأة التي كان يهواها - وهو متذمم من اهله، فلما رآه ميتا بكى واسترجع وعلم أنه قد شرك في هلاكه، فبينما هم يقلبونه إذ وجدوا خرقة فيها مكتوب:
ألا أيها الشيخ الذي ما بنا يرضـى شقيت ولا هنيت من عيشك الغضا
شقيت كما أشقيتني وتركـتـنـي أهيم مع الهلاك لا أطعم الغمضا صوت

كأن فؤادي في مخالـب طـائر إذا ذكرت ليلى يشد بها قبضـا
كأن فجاج الأرض حلقة خاتـم علي فما تزداد طولا ولا عرضا في هذين البيتين رمل ينسب إلى سليم وإلى ابن محرز، وذكر حبش والهشامي أنه لإسحاق.
عوتب على التغني بالشعر فقال
أخبرني محمد بن خلف قال حدثني أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب قال حدثني بعض القشيريين عن أبيه قال: مررت بالمجنون وهو مشرف على واد في أيام الربيع، وذاك قبل أن يختلط، وهو يتغنى بشعر لم أفهمه، فصحت به: يا قيس، أما تشغلك ليلى عن الغناء والطرب فتنفس تنفسا ظننت أن حيازيمه قد انقدت، ثم قال: صوت

وما أشرف الأيفاع إلا صـبـابة ولا أنشد الأشعـار إلا تـداويا
وقد يجمع الله الشتيتين بعـد مـا يظنان جهد الظن أن لا تلاقـيا
لحي الله أقواما يقولون إنـنـي وجدت طوال الدهر للحب شافيا التقاؤه بقيس بن ذريح
وطلبه منه إبلاغ سلامه لليلى


صفحة : 141

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: اجتاز قيس بن ذريح بالمجنون وهو جالس وحده في نادي قومه، وكان كل واحد منهما مشتاقا إلى لقاء الآخر، وكان المجنون قبل توحشه لا يجلس إلا منفردا ولا يحدث أحدا ولا يرد على متكلم جوابا ولا على مسلم سلاما، فسلم عليه قيس بن ذريح فلم يرد عليه السلام؛ فقال له: يا أخي أنا قيس بن ذريح فوثب إليه فعانقه وقال: مرحبا بك يا أخي، أنا والله مذهوب بي مشترك اللب فلا تلمني، فتحدثا ساعة وتشاكيا وبكيا، ثم قال له المجنون: يا أخي، إن حي ليلى منا قريب، فهل لك أن تمضي إليها فتبلغها عني السلام? فقال له: أفعل. فمضى قيس بن ذريح حتى أتى ليلى فسلم وانتسب؛ فقالت له: حياك الله، ألك حاجة? قال: نعم، ابن عمك أرسلني إليك بالسلام؛ فأطرقت ثم قالت ما كنت أهلا للتحية لو علمت أنك رسوله، قل له عني: أرأيت قولك:
أبت ليلة بالـغـيل يا أم مـالـك لكم غير حب صادق ليس يكذب
ألا إنمـا أبـقـيت يا أم مـالـك صدى أينما تذهب به الريح يذهب أخبرني عن ليلة الغيل، أي ليلة هي? وهل خلوت معك في الغيل أو غيره ليلا أو نهارا? فقال لها قيس: يابنة عم، إن الناس تأولوا كلامه على غير ما أراد، فلا تكوني مثلهم، إنما أخبر أنه رآك ليلة الغيل فذهبت بقلبه، لا أنه عناك بسوء؛ قال: فأطرقت طويلا ودموعها تجري وهي تكفكفها، ثم انتحبت حتى قلت تقطعت حيازيمها، ثم قال: اقرأ على ابن عمي السلام، وقل له: بنفسي أنت والله إن وجدي بك لفوق ما تجد، ولكن لا حيلة لي فيك؛ فانصرف قيس إليه ليخبره فلم يجده.
رأى ليلى فبكى ثم قال شعرا
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عمي عن ابن الصباح عن ابن الكلبي عن أبيه قال: مر المجنون بعد اختلاطه بليلى وهي تمشي في ظاهر البيوت بعد فقد لها طويل، فلما رآها بكى حتى سقط على وجهه مغشيا عليه، فانصرفت خوفا من أهلها أن يلقوها عنده، فمكث كذلك مليا ثم أفاق وأنشأ يقول:
بكى فرحا بلـيلـى إذ رآهـا محب لا يرى حسنا سواهـا
لقد ظفرت يداه ونال ونال ملكا لئن كانت تراه كمـا يراهـا الغناء لابن المكي رمل بالبنصر. وفيه لعريب ثقيل أول عن الهشامي. وفيه خفيف رمل ليزيد حوراء. وقد نسب لحنه إلى ابن المكي ولحن ابن المكي إليه.

صوت من المائة المختارة

من رواية علي بن يحيى

رب ركب قد أناخوا عندنـا يشربون الخمر بالماء الزلال
عصف الدهر بهم فانقرضوا وكذاك الدهر حالا بعد حال الشعر لعدي بن زيد العبادي، والغناء لابن محرز ولحنه المختار خفيف رمل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه خفيف رمل آخر بالبنصر ابتداؤه نشيد ذكر عمرو بن بانة أنه لابن طنبورة، وذكر أحمد بن المكي أنه لأبيه. وهذه الأبيات قالها عدي بن زيد العبادي على سبيل الموعظة للنعمان بن المنذر، فيقال: إنها كانت سبب دخوله في النصرانية.
عظة عدي بن زيد للنعمان بن المنذر
وتنصر النعمان
حدثني بذلك أحمد بن عمران المؤدب قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن عمرو قال حدثني علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال: خرج النعمان بن المنذر إلى الصيد ومعه عدي بن زيد فمروا بشجرة، فقال له عدي بن زيد: أيها الملك، أتدري ما تقول هذه الشجرة? قال: لا، قال تقول:
رب ركب قد أناخوا عندنـا يشربون الخمر بالماء الزلال
عصف الدهر بهم فانقرضوا وكذاك الدهر حالا بعد حال قال: ثم جاوز الشجرة فمر بمقبرة، فقال له عدي: أيها الملك، أتدري ما تقول هذه المقبرة? قال: لا، قال تقول:
أيها الركب المـخـبـو ن على الأرض المجدون
فكـمـا أنـتـم كـنــا وكما نحن تـكـونـون

صفحة : 142

فقال له النعمان: إن الشجرة والمقبرة لا يتكلمان، وقد علمت أنك إنما أردت عظتي، فما السبيل التي تدرك بها النجاة? قال: تدع عبادة الأوثان وتعبد الله وتدين بدين المسيح عيسى ابن مريم؛ قال: أو في هذا النجاة? قال: نعم فتنصر يومئذ. وقد قيل: إن هذه الفصة كانت لعدي مع النعمان الأكبر بن المنذر، وإن النعمان الذي قتله هو ابن المنذر بن النعمان الأكبر الذي تنصر. وخبر هذا يأتي مع أحاديث عدي.

ذكر عدي بن زيد ونسبه وقصته ومقتله
نسبه
هو عدي بن زيد بن حماد بن أيوب بن محروف بن عامر بن عصية بن امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار.
عدي بن زيد لا يعد في فحول الشعراء وكان أيوب هذا فيما زعم ابن الأعرابي أول من سمي من العرب أيوب، شاعر فصيح من شعراء الجاهلية، وكان نصرانيا وكذلك كان أبوه وأمه وأهله، وليس ممن يعد في الفحول، وهو قروي. وكانوا قد أخذوا عليه أشياء عيب فيها. وكان الأصمعي وأبو عبيدة يقولان: عدي بن زيد في الشعراء بمنزلة سهيل في النجوم يعارضها ولا يجري معها مجراها. وكذلك عندهم أمية بن أبي الصلت، ومثلهما كان عندهم من الإسلاميين الكميت والطرماح. قال العجاج: كانا يسألاني عن الغريب فأخبرهما به، ثم أراه في شعرهما وقد وضعاه في غير مواضعه؛ فقيل له: ولم ذاك? قال: لأنهما قرويان يصفان ما لم يريا فيضعانه في غير موضعه، وأنا بدوي أصف ما رأيت فأضعه في مواضعه. وكذلك عندهم عدي وأمية.
سبب نزول آل عدي الحيرة قال ابن الأعرابي فيما أخبرني به علي بن سليمان الأخفش عن السكري عن محمد بن حبيب عنه وعن هشام بن الكلبي عن أبيه قال: سبب نزول آل عدي بن زيد الحيرة أن جده أيوب بن محروف كان منزله اليمامة في بني امرىء القيس بن زيد مناة، فأصاب دما في قومه فهرب فلحق بأوس بن قلام أحد بني الحارث بن كعب بالحيرة. وكان بين أيوب بن محروف وبين أوس بن قلام هذا نسب من قبل النساء، فلما قدم عليه أيوب بن محروف أكرمه وأنزله في داره، فمكث معه ما شاء الله أن يمكث، ثم إن أوسا قال له: يابن خال، أتريد المقام عندي وفي داري? فقال له أيوب: نعم، فقد علمت أني إن أتيت قومي وقد أصبت فيهم دما لم أسلم، وما لي دار إلا دارك آخر الدهر؛ قال أوس: إني قد كبرت وأنا خائف أن أموت فلا يعرف ولدي لك من الحق مثل ما أعرف، وأخشى أن يقع بينك وبينهم أمر يقطعون فيه الرحم، فانظر أحب مكان في الحيرة إليك فأعلمني به لأقطعكه أو أبتاعه لك؛ قال: وكان لأيوب صديق في الجانب الشرقي من الحيرة، وكان منزل أوس في الجانب الغربي، فقال له: قد أحببت أن يكون المنزل الذي تسكننيه عند منزل عصام بن عبدة أحد بني الحارث بن كعب؛ فابتاع له موضع داره بثلمثائة أوقية من ذهب وأنفق عليها مائتي أوقية ذهبا. وأعطاه مائتين من الإبل برعائها وفرسا وقينة؛ فمكث في منزل أوس حتى هلك، ثم تحول إلى داره التي في شرقي الحيرة فهلك بها. وقد كان أيوب اتصل قبل مهلكه بالملوك الذين كانوا بالحيرة وعرفوا حقه وحق ابنه زيد بن أيوب، وثبت أيوب فلم يكن منهم ملك يملك إلا ولولد أيوب منه جوائز وحملان.
<H6 مقتل زيد بن أيوب</H6

صفحة : 143

ثم إن زيد بن أيوب نكح امرأة من آل قلام فولدت له حمادا، فخرج زيد بن أيوب يوما من الأيام يريد الصيد في ناس من أهل الحيرة وهم منتدون بحفير - المكان الذي يذكره عدي بن زيد في شعره - فانفرد في الصيد وتباعد من أصحابه، فلقيه رجل من بني امرىء القيس الذين كان لهم الثأر قبل أبيه، فقال له - وقد عرف فيه شبه أيوب -: ممن الرجل? قال: من بني تميم، قال: من أيهم? قال: مرئي؛ قال له الأعرابي: وأين منزلك? قال: الحيرة؛ قال أمن بني أيوب أنت? قال: نعم، ومن أين تعرف بني ايوب? واستوحش من الأعرابي وذكر الثأر الذي هرب أبوه منه؛ فقال له: سمعت بهم، ولم يعلمه أنه قد عرفه؛ فقال له زيد بن أيوب: فمن أي العرب أنت? قال: أنا امرؤ من طيء؛ فأمنه زيد وسكت عنه، ثم إن الأعرابي اغتفل زيد بن أيوب: فرماه بسهم فوضعه بين كتفيه ففلق قلبه، فلم يرم حافر دابته حتى مات؛ فلبث أصحاب زيد حتى إذا كان الليل طلبوه وقد افتقدوه وظنوا أنه قد أمعن في طلب الصيد، فباتوا يطلبونه حتى يئسوا منه، ثم غدوا في طلبه فاقتفوا أثره حتى وقفوا عليه ورأوا معه أثر راكب يسايره فاتبعوا الأثر حتى وجدوه قتيلا، فعرفوا أن صاحب الراحلة قتله، فاتبعوه وأغدوا السير فأدركوه مساء الليلة الثانية، فصاحوا به وكان من أرمى الناس فامتنع منهم بالنبل حتى حال الليل بينهم وبينه وقد أصاب رجلا منهم في مرجع كتفيه بسهم فلما أجنه الليل مات وأفلت الرامي، فرجعوا وقد قتل زيد بن أيوب ورجلا آخر معه من بني الحارث بن كعب.
تولى حماد بن زيد الكتابة للنعمان الأكبر فمكث حماد في أخواله حتى أيفع ولحق بالوصفاء؛ فخرج يوما من الأيام يلعب مع غلمان بني لحيان، فلطم اللحياني عين حماد فشجه حماد، فخرج أبو الليحاني فضرب حمادا، فأتى حماد أمه يبكي، فقالت له: ما شأنك? فقال: ضربني فلان لأن ابنه لطمني فشججته، فجزعت من ذلك وحولته إلى دار زيد بن أيوب وعلمته الكتابة في دار أبيه، فكان حماد أول من كتب من بني أيوب، فخرج من أكتب الناس وطلب حتى صار كاتب الملك النعمان الأكبر، فلبث كاتبا له حتى ولد له ابن من امرأة تزوجها من طيء فسماه زيدا باسم أبيه.
<H6 سبب اتصال زيد بن حماد بكسرى</H6 وكان لحماد صديق من الدهاقين العظماء يقال له فروخ ماهان، وكان محسنا إلى حماد، فلما حضرت حمادا الوفاة أوصى بابنه زيد إلى الدهقان، وكان من المرازبة، فأخذه الدهقان إليه فكان عنده مع ولده، وكان زيد قد حذق الكتابة والعربية قبل أن يأخذه الدهقان، فعلمه لما أخذه الفارسية فلقنها، وكان لبيبا فأشار الدهقان على كسرى أن يجعله على البريد في حوائجه، ولم يكن كسرى يفعل ذلك إلا بأولاد المرازبة، فمكث يتولى ذلك لكسرى زمانا.
(تمليك زيد بن حماد على الحيرة)ثم إن النعمان النصري اللخمي هلك، فاختلف أهل الحيرة فيمن يملكونه إلى أن يعقد كسرى الأمل لرجل ينصبه، فأشار عليهم المرزبان يزيد بن حماد، فكان على الحيرة إلى أن ملك كسرى المنذر بن ماء السماء ونكح زيد بن حماد نعمة بنت ثعلبة العدوية فولدت له عديا، وملك المنذر وكان لا يعصيه في شيء، وولد للمرزبان ابن فسماه شاهان مرد
0












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-26-2006, 12:05 AM   المشاركة رقم: 22
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.26 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
تعلم عدي بن زيد الفارسية
فلما تحرك عدي بن زيد وأيفع طرحه أبوه في الكتاب، حتى إذا حذق أرسله المرزبان مع ابنه شاهان مرد إلى كتاب الفارسية، فكان يختلف مع ابنه ويتعلم الكتابة والكلام بالفارسية حتى خرج من أفهم الناس بها وأفصحهم بالعربية وقال الشعر، وتعلم الرمي بالنشاب فخرج من الأساورة الرماة، وتعلم لعب العجم على الخيل بالصوالجة وغيرها.
اتصاله بكسرى وتوليه الكتابة له

صفحة : 144

ثم إن المرزبان وفد على كسرى ومعه ابنه شاهان مرد فبينما هما واقفان بين يديه إذ سقط طائران على السور فتطاعما كما يتطاعم الذكر والأنثى فجعل كل واحد منقاره في منقار الآخر، فغضب كسرى من ذلك ولحقته غيرة، فقال للمرزبان وابنه: ليرم كل واحد منكما واحدا من هذين الطائرين، فإن قتلتماهما أدخلتكما بيت المال وملأت أفواهكما بالجوهر، ومن أخطأ منكما عاقبته؛ فاعتمد كل واحد منهما طائرا منهما ورميا فقتلاهما جميعا، فبعثهما إلى بيت المال فملئت أفواههما جوهرا، وأثبت شاهان مرد وسائر أولاد المرزبان في صحابته؛ فقال فروخ ماهان عند ذلك للملك: إن عندي غلاما من العرب مات أبوه وخلفه في حجري فربيته، فهو أفصح الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية، والملك محتاج إلى مثله، فإن رأى أن يثبته في ولدي فعل؛ فقال: ادعه، فأرسل إلى عدي بن زيد، وكان جميل الوجه فائق الحسن وكانت الفرس تتبرك بالجميل الوجه، فلما كلمه وجده أظرف الناس وأحضرهم جوابا، فرغب فيه وأثبته مع ولد المرزبان.
عدي أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى فكان عدي أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى، فرغب أهل الحيرة إلى عدي ورهبوه، فلم يزل بالمدائن في ديوان كسرى يؤذن له عليه في الخاصة وهو معجب به قريب منه، وأبوه زيد بن حماد يومئذ حي إلا أن ذكر عدي قد ارتفع وخمل ذكر أبيه، فكان عدي إذا دخل على المنذر قام جميع من عنده حتى يقعد عدي، فعلا له بذلك صيت عظيم، فكان إذا أراد المقام بالحيرة في منزله ومع أبيه واهله استأذن كسرى فأقام فيهم الشهر والشهرين وأكثر وأقل.
إرسال كسرى له إلى ملك الروم ثم إن كسرى أرسل عدي بن زيد إلى ملك الروم بهدية من طرف ما عنده، فلما أتاه عدي بها أكرمه وحمله إلى عماله على البريد ليريه سعة أرضه وعظيم ملكه - وكذلك كانوا يصنعون - فمن ثم وقع عدي بدمشق، وقال فيها الشعر. فكان مما قاله بالشأم وهي أول شعر قاله فيما ذكر:
رب دار بأسفل الجزع مـن دو مة أشهى إلي مـن جـيرون
وندامى لا يفرحون بـمـا نـا لوا ولا يرهبون صرف المنون
قد سقيت الشمول في دار بشر قهوة مرة بـمـاء سـخـين ثم كان أول ما قاله بعدها قوله:
لمن الدار تعفـت بـخـيم أصبحت غيرها طول القدم
ما تبين العين من آياتـهـا غير نؤي مثل خط بالقلـم
صالحا قد لفها فاستوسقـت لف بازي حماما في سلـم تولية أهل الحيرة زيدا أبا عدي على الحيرة وإبقاء اسم الملك للمنذر قال: وفسد أمر الحيرة وعدي بدمشق حتى أصلح أبوه بينهم، لأن أهل الحيرة حين كان عليهم المنذر أرادوا قتله لأنه كان لا يعدل فيهم، وكان يأخذ من أموالهم ما يعجبه، فلما تيقن أن أهل الحيرة قد أجمعوا على قتله بعث إلى زيد بن حماد بن زيد بن أيوب، وكان قبله على الحيرة، فقال له: يا زيد أنت خليفة أبي، وقد بلغني ما أجمع عليه أهل الحيرة فلا حاجة لي في ملككم، دونكموه ملكوه من شئتم؛ فقال له زيد: إن الأمر ليس إلي، ولكني أسبر لك هذا الأمر ولا آلوك نصحا، فلما أصبح غدا إليه الناس فحيوه تحية الملك، وقالوا له: ألا تبعث إلى عبدك الظالم - يعنون المنذر- فتريح منه رعيتك? فقال لهم: أولا خير من ذلك قالوا: أشر علينا؛ قال: تدعونه على حاله فإنه من أهل بيت ملك، وأنا آتيه فأخبره أن أهل الحيرة قد اختاروا رجلا يكون أمر الحيرة إليه إلا أن يكون غزو أو قتال، فلك اسم الملك وليس إليك سوى ذلك من الأمور؛ قالوا: رأيك أفضل. فأتى المنذر فأخبره بما قالوا؛ فقبل ذلك وفرح، وقال: إن لك يا زيد علي نعمة لا أكفرها ما عرفت حق سبد - وسبد صنم كان لأهل الحيرة - فولى أهل الحيرة زيدا على كل شيء سوى اسم الملك فإنهم أقروه للمنذر. وفي ذلك يقول عدي:
نحن كنا قد علمتم قبلكـم عمد البيت وأوتاد الإصار قدوم عدي للحيرة وخروج المنذر للقائه قال: ثم هلك زيد وابنه عدي يومئذ بالشأم. وكانت لزيد ألف ناقة للحمالات كان أهل الحيرة أعطوه إياها حين ولوه ما ولوه، فلما هلك أرادوا أخذها؛ فبلغ ذلك المنذر، فقال: لا، واللات والعزى لا يؤخذ مما كان في يد زيد ثفروق وأنا أسمع الصوت.


صفحة : 145

ففي ذلك يقول عدي بن زيد لابنه النعمان بن المنذر:
وأبوك المرء لـم يشـنـأ بـه يوم سيم الخسف منا ذو الخسار قال: ثم إن عديا قدم المدائن على كسرى بهدية قيصر، فصادف أباه والمرزبان الذي رباه قد هلكا جميعا، فاستأذن على كسرى في الإلمام بالحيرة فإذن له فتوجه إليها، وبلغ المنذر خبره فخرج فتلقاه في الناس ورجع معه. وعدي أنبل أهل الحيرة في أنفسهم، ولو أراد أن يملكوه لملكوه، ولكنه كان يؤثر الصيد واللهو واللعب على الملك، فمكث سنين يبدو في فصلي السنة فيقيم في جفير ويشتو بالحيرة، ويأتي المدائن في خلال ذلك فيخدم كسرى، فمكث كذلك سنين، وكان لا يؤثر على بلاد بني يربوع مبدى من مبادي العرب ولا ينزل في حي من أحياء بني تميم غيرهم، وكان أخلاؤه من العرب كلهم بني جعفر، وكانت إبله في بلاد بني ضبة وبلاد بني سعد، وكذلك كان أبوه يفعل: لا يجاوز هذين الحيين بإبله.
<H6 تزوجه هند بنت النعمان</H6 ولم يزل على حاله تلك حتى تزوج هند بنت النعمان بن المنذر، وهي يومئذ جارية حين بلغت أو كادت. وخبره يذكر في تزويجها بعد هذا.
قال ابن حبيب وذكر هشام بن الكلبي عن إسحاق بن الجصاص وحماد الراوية وأبي محمد بن السائب قال: كان لعدي بن زيد أخوان: أحدهما اسمه عمار ولقبه أبي، والآخر اسمه عمرو ولقبه سمي، وكان لهم أخ من أمهم يقال له عدي بن حنظلة من طيء، وكان أبي يكون عند كسرى، وكانوا أهل بيت نصارى يكونون مع الأكاسرة، ولهم معهم أكل وناحية، يقطعونهم القطائع ويجزلون صلاتهم.
<H6 جعل المنذر ابنه النعمان في حجر عدي</H6 وكان المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان بن المنذر في حجر عدي بن زيد، فهم الذين أرضعوه وربوه، وكان للمنذر ابن آخر يقال له الأسود أمه مارية بنت الحارث بن جلهم من تيم الرباب، فأرضعه ورباه قوم من أهل الحيرة يقال لهم بنو مرينا ينتسبون إلى لخم وكانوا أشرافا. وكان للمنذر سوى هذين من الولد عشرة، وكان ولده يقال لهم الأشاهب من جمالهم، فذلك قول أعشى بن قيس بن ثعلبة:
وبنو المنذر الأشاهب في الحي رة يمشون غدوة كالسـيوف <H6 سعي عدي بن زيد في ولاية النعمان</H6 ابن المنذر وسبب الخلاف بينه وبين عدي بن مرينا


صفحة : 146

وكان النعمان من بينهم أحمر أبرش قصيرا، وأمه سلمى بنت وائل بن عطية الصائغ من أهل فدك، فلما احتضر المنذر وخلف أولاده العشرة، وقيل: بل كانوا ثلاثة عشر، أوصى بهم إلى إياس بن قبيصة الطائي، وملكه على الحيرة إلى أن يرى كسرى رأيه، فمكث عليها أشهرا وكسرى في طلب رجل يملكه عليهم، وهو كسرى بن هرمز، فلم يجد أحدا يرضاه فضجر فقال: لأبعثن إلى الحيرة اثني عشر ألفا من الأساورة، ولأملكن عليهم رجلا من الفرس، ولآمرنهم أن ينزلوا على العرب في دورهم ويملكوا عليهم أموالهم ونساءهم، وكان عدي بن زيد واقفا بين يديه، فأقبل عليه وقال: ويحك يا عدي: من بقي من آل المنذر? وهل فيهم أحد فيه خير? فقال: نعم أيها الملك السعيد، إن في ولد المنذر لبقية وفيهم كلهم خير، فقال: ابعث إليهم فأحضرهم، فبعث عدي إليهم فأحضرهم وأنزلهم جميعا عنده، ويقال: بل شخص عدي بن زيد إلى الحيرة حتى خاطبهم بما أراد وأوصاهم، ثم قدم بهم على كسرى. قال: فلما نزلوا على عدي بن زيد أرسل إلى النعمان: لست أملك غيرك فلا يوحشنك ما أفضل به إخوتك عليك من الكرامة فإني إنما أغترهم بذلك، ثم كان يفضل إخوته جميعا عليه في النزل والإكرام والملازمة ويريهم تنقصا للنعمان وأنه غير طامع في تمام أمر على يده، وجعل يخلو بهم رجلا رجلا فيقول: إذا أدخلتكم على الملك فالبسوا أفخر ثيابكم وأجملها، وإذا دعا لكم بالطعام لتأكلوا فتباطئوا في الأكل وصغروا اللقم ونزروا ما تأكلون، فإذا قال لكم: أتكفونني العرب? فقولوا: نعم، فإذا قال لكم: فإن شذ أحدكم عن الطاعة وأفسد، أتكفوننيه? فقولوا: لا، إن بعضنا لا يقدر على بعض، ليهابكم ولا يطمع في تفرقكم ويعلم أن للعرب منعة وبأسا فقبلوا منه، وخلا بالنعمان فقال له: البس ثياب السفر وادخل متقلدا بسيفك، وإذا جلست للأكل فعظم اللقم وأسرع المضغ والبلع وزد في الأكل وتجوع قبل ذلك، فإن كسرى يعجبه كثرة الأكل من العرب خاصة، ويرى أنه لا خير في العربي إذا لم يكن أكولا شرها، ولاسيما إذا رأى غير طعامه وما لا عهد له بمثله، وإذا سألك هل تكفيني العرب? فقل: نعم، فإذا قال لك: فمن لي بإخوتك? فقل له: إن عجزت عنهم فإني عن غيرهم لأعجز. قال: وخلا ابن مرينا بالأسود فسأله عما أوصاه به عدي فأخبره، فقال: غشك والصليب والمعمودية وما نصحك، لئن أطعتني لتخالفن كل ما أمرك به ولتملكن، ولئن عصيتني ليملكن النعمان ولا يغرنك ما أراكه من الإكرام والتفضيل على النعمان، فإن ذلك دهاء فيه ومكر، وإن هذه المعدية لا تخلو من مكر وحيلة، فقال له: إن عديا لم يألني نصحا وهو أعلم بكسرى منك، وإن خالفته أوحشته وأفسد علي وهو جاء بنا ووصفنا وإلى قوله يرجع كسرى، فلما أيس ابن مرينا من قبوله منه قال: ستعلم. ودعا بهم كسرى، فلما دخلوا عليه أعجبه جمالهم وكمالهم ورأى رجالا قلما رأى مثلهم، فدعا لهم بالطعام ففعلوا ما أمرهم به عدي، فجعل ينظر إلى النعمان من بينهم ويتأمل أكله، فقال لعدي بالفارسية: إن لم يكن في أحد منهم خير ففي هذا، فلما غسلوا أيديهم جعل يدعو بهم رجلا رجلا فيقول له: أتكفيني العرب? فيقول: نعم أكفيكها كلها إلا إخوتي، حتى انتهى النعمان آخرهم فقال له: أتكفيني العرب? قال: نعم قال: كلها? قال: نعم، قال: فكيف لي بإخوتك? قال: إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز، فملكه وخلع عليه وألبسه تاجا قيمته ستون ألف درهم فيه اللؤلؤ والذهب.
<H6 توعد عدي بن مرينا لعدي بن زيد</H6 <H6 بأن يهجوه ويبغيه الغوائل ما بقي </H6

صفحة : 147

فلما خرج وقد ملك قال ابن مرينا للأسود: دونك عقبى خلافك لي. ثم إن عديا صنع طعاما في بيعة وأرسل إلى ابن مرينا أن ائتني بمن أحببت فإن لي حاجة فأتى في ناس فتغدوا في البيعة، فقال عدي بن زيد لابن مرينا: يا عدي، إن أحق من عرف الحق ثم لم يلم عليه من كان مثلك، وإني قد عرفت أن صاحبك الأسود بن المنذر كان أحب إليك أن يملك من صاحبي النعمان، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، وأنا أحب ألا تحقد علي شيئا لو قدرت عليه ركبته، وأنا أحب أن تعطيني من نفسك ما أعطيت من نفسي، فإن نصيبي في هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك، وقام إلى البيعة فحلف ألا يهجوه أبدا ولا يبغيه غائلة؛ ولا يزوي عنه خيرا، أبدا فلما فرغ عدي بن زيد، قام عدي بن مرينا فحلف مثل عينه ألا يزال يهجوه أبدا ويبغيه الغوائل ما بقي. وخرج النعمان حتى نزل منزل أبيه بالحيرة، فقال عدي بن مرينا لعدي بن زيد:
ألا أبلغ عـديا عـن عـدي فلا تجزع وإن رثت قواكا
هياكلنا تبر لـغـير فـقـر لتحمد أو يتم به غـنـاكـا
فإن تظفر فلم تظفر حمـيدا وإن تعطب فلا يبعد سواكا
ندمت ندامة الكسعي لـمـا رأت عيناك ما صنعت يداكا <H6 تدبير عدي بن مرينا المكيدة لعدي</H6 قال: ثم قال عدي بن مرينا للأسود: أما إذا لم تظفر فلا تعجزن أن تطلب بثأرك من هذا المعدي الذي فعل بك ما فعل، فقد كنت أخبرك أن معدا لا ينام كيدها ومكرها وأمرتك أن تعصيه فخالفتني، قال: فما تريد? قال: أريد ألا تأتيك فائدة من مالك وأرضك إلا عرضتها علي ففعل. وكان ابن مرينا كثير المال والضيعة، فلم يكن في الدهر يوم يأتي إلا على باب النعمان هدية من ابن مرينا، فصار من أكرم الناس عليه حتى كان لا يقضي في ملكه شيئا إلا بأمر ابن مرينا، وكان إذا ذكر عدي بن زيد عند النعمان أحسن الثناء عليه وشيع ذلك بأن يقول: إن عدي بن زيد فيه مكر وخديعة، والمعدي لا يصلح إلا هكذا. فلما رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده لزموه وتابعوه، فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه: إذا رأيتموني أذكر عديا عند الملك بخير فقولوا: إنه لكذلك، ولكنه لا يسلم عليه أحد وإنه ليقول: إن الملك - يعني النعمان - عامله، وإنه هو ولاه ما ولاه، فلم يزالوا بذلك حتى أضغنوه عليه، فكتبوا كتابا على لسانه إلى قهرمان له ثم دسوا إليه حتى أخذوا الكتاب منه وأتوا به النعمان فقرأه فاشتد غضبه، فأرسل إلى عدي بن زيد: <H6 حبس النعمان لعدي بن زيد</H6 <H6 وما خاطب به عدي النعمان من الشعر </H6 عزمت عليك إلا زرتني فإني قد اشتقت إلى رؤيتك، وعدي يومئذ عند كسرى، فاستأذن كسرى فأذن له. فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبسه في محبس لا يدخل عليه فيه أحد، فجعل عدي يقول الشعر وهو في الحبس، فكان أول ما قاله وهو محبوس من الشعر:
ليت شعري عن الهمام ويأتي ك بخبر الأنباء عطف السؤال
أين عنا إخطارنا المال والأنف س إذ ناهدوا ليوم المـحـال
ونضالي في جنبك الناس يرمو ن وأرمي وكلنا غـير آلـي
فأصيب الذي تريد بلا غـش وأربي عـلـيهـم وأوالـي
ليت أني أخذت حتفي بكفـي ولم ألـق مـيتة الأقـتـال
محلوا محلهم لصرعتنا العـا م فقد أوقعوا الرحا بالثفـال وهي قصيدة طويلة. قالوا وقال أيضا وهو محبوس:
أرقت لمكفهـر بـات فـيه بوارق يرتقين رؤوس بشيب
تلوح الـمـشـرفـية ذراه ويجلو صفح دخدار قشـيب ويروي: تخال المشرفية. والدخدار: فارسية معربة وهو الثوب المصون. يقول فيها:
سعى الأعداء لا يألون شـرا علي ورب مكة والصلـيب
أرادوا كي تمهل عن عـدي ليسجن أو يدهده في القليب
وكنت لزاز خصمك لم أعرد وقد سلكوك في يوم عصيب
أعالنهم وأبطـن كـل سـر كما بين اللحاء إلى العسيب
ففزت عليهم لما التـقـينـا بتاجك فوزة القدح الأريب
وما دهري بأن كدرت فضلا ولكن ما لقيت من العجيب

صفحة : 148


ألا من مبلغ النعمـان عـنـي وقد تهدى النصيحة بالمغـيب
أحظي كان سلـسـلة وقـيدا وغلا والبيان لـدى الـطـيب
أتاك بأنني قد طال حـبـسـي ولم تسأم بمسجـون حـريب
وبيتي مـقـفـر إلا نـسـاء أرامل قد هلكن من النحـيب
يبادرن الدموع عـلـى عـدي كشن خانه خـرز الـربـيب
يحاذرن الوشاة عـلـى عـدي وما اقترفوا عليه من الذنـوب
فإن أخطأت أو أوهمت أمـرا فقد يهم المصافي بالحـبـيب
وإن أظلم فقد عاقبتـمـونـي وإن أظلم فذلك من نصـيبـي
وإن أهلك تجد فقدي وتـخـذل إذا التقت العوالي في الحروب
فهل لك أن تدارك ما لـدينـا ولا تغلب على الرأي المصيب
فإني قد وكلت الـيوم أمـري إلى رب قريب مسـتـجـيب قالوا: وقال فيه أيضا:
طال ذا الليل علينا واعتكـر وكأني ناذر الصبح سـمـر
من نجي الهم عنـدي ثـاويا فوق ما أعلن منـه وأسـر
وكأن اللـيل فـيه مـثـلـه ولقد ما ظن بالليل القصـر
لم أغمض طوله حتى انقضى أتمنى لو أرى الصبح جشر
غير ما عشق ولكن طـارق خلس النوم وأجداني السهـر وفيها يقول:
أبلغ النعمان عني مـالـكـا قول من قد خاف ظنا فاعتذر
أنني والله، فاقبل حـلـفـي لأبيل كلمـا صـلـى جـأر
مرعد أحشاؤه فـي هـيكـل حسن لمته وافي الـشـعـر
ما حملت الغل من أعدائكـم ولدى الله من العلم المـسـر
لا تكونن كآسي عـظـمـه بأسا حتى إذا العظم جـبـر
عاد بعد الجبر يبغي وهـنـه ينحنون المشي منه فانكسـر
واذكر النعمى التي لم أنسهـا لك في السعي إذا العبد كفر وقال له أيضا - وهي قصيدة طويلة -:
أبلغ النعمان عـنـي مـألـكـا أنه قد طال حبسي وانتظـاري
لو بغير الماء حلـقـي شـرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري
ليت شعري عن دخيل يفـتـري حيثما أدرك ليلـي ونـهـاري
قاعدا يكرب نفـسـي بـثـهـا وحراما كان سجني واحتصاري
أجل نعمـى ربـهـا أولـكـم ودنوي كان منكم واصطهـاري في قصائد كثيرة كان يقولها فيه، ويكتب بها إليه فلا تغني عنده شيئا. )هذه رواية الكلبي(.
<H6 رواية المفضل الضبي في سبب ذلك</H6 وأما المفضل الضبي فإنه ذكر أن عدي بن زيد لما قدم على النعمان صادفه لا مال ولا أثاث ولا ما يصلح لملك، وكان آدم إخوته منظرا وكلهم أكثر مالا منه، فقال له عدي: كيف أصنع بك ولا مال عندك فقال له النعمان: ما أعرف لك حيلة إلا ما تعرفه أنت، فقال له: قم بنا نمض إلى ابن قردس - رجل من أهل الحيرة من دومة - فأتياه ليقترضا منه مالا، فأبى أن يقرضهما وقال: ما عندي شيء فأتيا جابر بن شمعون وهو الأسقف أحد بني الأوس بن قلام بن بطين بن جمهير بن لحيان من بني الحارث بن كعب فاستقرضا منه مالا، فأنزلهما عنده ثلاثة أيام يذبح لهم ويسقيهم الخمر، فلما كان في اليوم الرابع قال لهما: ما تريدان? فقال له عدي: تقرضنا أربعين ألف درهم يستعين بها النعمان على أمره عند كسرى، فقال: لكما عندي ثمانون ألفا، ثم أعطاهما إياها، فقال النعمان لجابر: لا جرم لا جرى لي درهم إلا على يديك إن أنا ملكت. قال: وجابر هو صاحب القصر الأبيض بالحيرة، ثم ذكر من قصة النعمان وإخوته وعدي وابن مرينا مثل ما ذكره ابن الكلبي. وقال المفضل خاصة: إن سبب حبس النعمان عدي بن زيد، أن عديا صنع ذات يوم طعاما للنعمان، وسأله أن يركب إليه ويتغدى عنده هو وأصحابه، فركب النعمان إليه فاعترضه عدي بن مرينا فاحتبسه حتى تغدى عنده هو وأصحابه وشربوا حتى ثملوا، ثم ركب إلى عدي ولا فضل فيه، فأحفظه ذلك، ورأى في وجه عدي الكراهة فقام فركب ورجع إلى منزله، فقال عدي بن زيد في ذلك من فعل النعمان:

صفحة : 149


أحسبت مجلسنـا وحـس ن حديثنا يودي بمـالـك
فالمال والأهلون مـص رعة لأمرك أو نكالـك
ما تأمـرن فـينـا فـأم رك في يمينك أو شمالك قال: وأرسل النعمان ذات يوم إلى عدي بن زيد فأبى أن يأتيه ثم أعاد رسوله فأبى أن يأتيه، وقد كان النعمان شرب فغضب وأمر به فسحب من منزله حتى انتهي به إليه، فحبسه في الصنين ولج في حبسه وعدي يرسل إليه بالشعر، فمما قاله له:
ليس شيء على المنون ببـاق غير وجه المسبح الـخـلاق
إن نكن آمنين فاجـأنـا شـر مصيب ذا الود والإشـفـاق
فبرىء صدري من الـظـلـم للرب وحنث بمعقد الميثـاق
ولقد ساءنـي زيارة ذي قـر بى حبيب لودنـا مـشـتـاق
ساءه ما بنا تـبـين فـي الأي دي وإشناقها إلى الأعـنـاق
فاذهبي يا أميم غـير بـعـيد لا يؤاتي العناق من في الوثاق
واذهبي يا أميم إن يشأ الـلـه ينفس من أزم هذا الخـنـاق
أو تكن وجهة فتلك سبيل النـا س لا تمنع الحتوف الرواقي ويقول فيها:
وتقول الـعـداة أودى عـدي وبنوه قد أيقـنـوا بـغـلاق
يا أبا مسهر فأبـلـغ رسـولا إخوتي إن أتيت صحن العراق
أبلغا عامـرا وأبـلـغ أخـاه أنني موثق شـديد وثـاقـي
في حديد القسطاس يرقبني الحا رس والمرء كل شيء يلاقي
في حديد مضاعف وغـلـول وثياب منضـحـات خـلاق
فاركبوا في الحرام فكوا أخاكم إن عيرا قد جهزت لانطلاق يعني الشهر الحرام. قالوا جميعا: وخرج النعمان إلى البحرين، فأقبل رجل من غسان فأصاب في الحيرة ما أحب، ويقال: إنه جفنة بن النعمان الجفني، فقال عدي بن زيد في ذلك:
سما صقر فأشعل جانبيها وألهاك المروح والعزيب المروح: الإبل المروحة إلى أعطانها. والعزيب: ما ترك في مراعيه.

وثبن لدى الثوية ملجمـات وصبحن العباد وهن شيب
ألا تلك الغنـيمة لا إفـال ترجيها مـسـومة ونـيب
ترجيها وقد صابت بـقـر كما ترجو أصاغرها عتيب <H6 لما طال سجنه كتب إلى أخيه</H6 <H6 في ذلك شعرا فأجابه </H6 وقالوا جميعا: فلما طال سجن عدي بن زيد كتب إلى أخيه أبي وهو مع كسرى بهذا الشعر:
ابلـغ أبـيا عـلـى نـأيه وهل ينفع المرء ما قد علم
بأن أخاك شقـيق الـفـؤا د كنت به واثقا ما سـلـم
لدى ملك موثق في الحـد يدإما بحق وإمـا ظـلـم
فلا أعرفنك كذات الغـلام ما لم تجد عارما تعـتـرم
فأرضك أرضك إن تأتينـا تنم نومة ليس فيها حـلـم قال: فكتب إليه أخوه أبي:
إن يكن خانك الزمان فلا عـا جز باع ولا ألف ضـعـيف
ويمـين الإلـه لـو أن جـأوا ء طحونا تضيء فيها السيوف
ذات رز مجتابة غمرة الـمـو ت صحيح سربالها مكفـوف
كنت في حميها لجئتك أسعـى فاعلمن لو سمعت إذ تستضيف
أو بمال سألـت دونـك لـم يم نع تلاد لحـاجة أو طـريف
أو بأرض أسطيع آتيك فـيهـا لم يهلني بعد بها أو مخـوف
إن تفتني والله إلفا فـجـوعـا لا يعقبك ما يصوب الخـريف
في الأعادي وأنت مني بـعـيد عز هذا الزمان والتعـنـيف
ولعمري لئن جزعت عـلـيه لجزوع على الصديق أسـوف
ولعمري لئن ملكـت عـزائي لقليل شرواك فيمـا أطـوف <H6 أمر كسرى النعمان بإطلاق عدي فقتله</H6 <H6 قبل وصول الرسول إليه </H6

صفحة : 150

قالوا جميعا: فلما قرأ أبي كتاب عدي قام إلى كسرى فكلمه في أمره وعرفه خبره، فكتب إلى النعمان يأمره بإطلاقه، وبعث معه رجلا، وكتب خليفة النعمان إليه: إنه كتب إليك في أمره، فأتى النعمان أعداء عدي من بني بقيلة وهم من غسان، فقالوا له: اقتله الساعة فأبى عليهم، وجاء الرسول، وقد كان أخو عدي تقدم إليه ورشاه وأمره أن يبدأ بعدي فيدخل إليه محبوس بالصنين، فقال له: ادخل عليه فانظر ما يأمرك به فامتثله، فدخل الرسول على عدي، فقال له: إني قد جئت بإرسالك، فما عندك? قال: عندي الذي تحب ووعده بعدة سنية، وقال له: لا تخرجن من عندي وأعطني الكتاب حتى أرسله إليه، فإنك والله إن خرجت من عندي لأقتلن، فقال: لا أستطيع إلا أن آتي الملك بالكتاب فأوصله إليه، فانطلق بعض من كان هناك من أعدائه فأخبر النعمان أن رسول كسرى دخل على عدي وهو ذاهب به، وإن فعل والله لم يستبق منا أحدا أنت ولا غيرك، فبعث إليه النعمان أعداءه فغموه حتى مات ثم دفنوه. ودخل الرسول إلى النعمان فأوصل الكتاب إليه، فقال: نعم وكرامة، وأمر له بأربعة آلاف مثقال ذهبا وجارية حسناء، وقال له: إذا أصبحت فادخل أنت بنفسك فأخرجه، فلما أصبح ركب فدخل السجن، فأعلمه الحرس أنه قد مات منذ أيام ولم نجترىء على إخبار الملك خوفا منه، وقد عرفنا كراهته لموته. فرجع إلى النعمان، وقال له: إني كنت أمس دخلت على عدي. وهو حي، وجئت اليوم فجحدني السجان وبهتني، وذكر أنه قد مات منذ أيام. فقال له النعمان: أيبعث بك الملك إلي فتدخل إليه قبلي كذبت، ولكنك أردت الرشوة والخبث، فتهدده ثم زاده جائزة وأكرمه، وتوثق منه ألا يخبر كسرى إلا أنه قد مات قبل أن يقدم عليه. فرجع الرسول إلى كسرى، وقال: إني وجدت عديا قد مات قبل أن أدخل عليه. وندم النعمان على قتل عدي وعرف أنه احتيل عليه في أمره، واجترأ عليه وهابهم هيبة شديدة.
<H6 مدح النعمان لدى كسرى زيدا</H6 <H6 بن عدي فاتخذه كاتبا </H6 ثم إنه خرج إلى صيده ذات يوم فلقي ابنا لعدي يقال له زيد، فلما رآه عرف شبهه، فقال له: من أنت? فقال: أنا زيد بن عدي بن زيد، فكلمه فإذا غلام ظريف، ففرح به فرحا شديدا وقربه وأعطاه ووصله واعتذر إليه من أمر أبيه وجهزه، ثم كتب إلى كسرى: إن عديا كان ممن أعين به الملك في نصحه ولبه، فأصابه ما لابد منه وانقطعت مدته وانقضى أجله، ولم يصب به أحد أشد من مصيبتي، وأما الملك فلم يكن ليفقد رجلا إلا جعل الله له منه خلفا لما عظم الله من ملكه وشأنه، وقد بلغ ابن له ليس بدونه، رأيته يصلح لخدمة الملك فسرحته إليه، فإن رأى الملك أن يجعله مكان أبيه فليفعل وليصرف عمه عن ذلك إلى عمل آخر. وكان هو الذي يلي المكاتبة عن الملك إلى ملوك العرب في أمورها وفي خواص أمور الملك. وكانت له من العرب وظيفة موظفة في كل سنة: مهران أشقران يجعلان له هلاما، والكمأة الرطبة في حينها واليابسة والأقط والأدم وسائر تجارات العرب، فكان زيد بن عدي يلي ذلك له وكان هذا عمل عدي. فلما وقع زيد بن عدي عند الملك هذا الموقع سأله كسرى عن النعمان، فأحسن الثناء عليه. ومكث على ذلك سنوات على الأمر الذي كان أبوه عليه. وأعجب به كسرى، فكان يكثر الدخول عليه والخدمة له.
<H6 كيد زيد للنعمان عند كسرى</H6 <H6 حتى غضب عليه فقتله </H6

صفحة : 151

وكانت لملوك العجم صفة من النساء مكتوبة عندهم، فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصفة، فإذا وجدت حملت إلى الملك، غير أنهم لم يكونوا يطلبونها في أرض العرب ولا يظنونها عندهم. ثم إنه بدا للملك في طلب تلك الصفة، وأمر فكتب بها إلى النواحي، ودخل إليه زيد بن عدي وهو في ذلك القول، فخاطبه فيما دخل إليه فيه، ثم قال: إني رأيت الملك قد كتب في نسوة يطلبن له وقرأت الصفة وقد كنت بآل المنذر عارفا، وعند عبدك النعمان من بناته وأخواته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة، قال: فاكتب فيهن، قال: أيها الملك، إن شر شيء في العرب وفي النعمان خاصة أنهم يتكرمون - زعموا في أنفسهم - عن العجم، فأنا أكره أن يغيبهن عمن تبعث إليه أو يعرض عليه غيرهن، وإن قدمت أنا عليه لم يقدر على ذلك، فابعثني وابعث معي رجلا من ثقاتك يفهم العربية حتى أبلغ ما تحبه، فبعث معه رجلا جلدا فهما، فخرج به زيد، فجعل يكرم الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة، فلما دخل عليه أعظم الملك وقال: إنه قد احتاج إلى نساء لنفسه وولده وأهل بيته، وأراد كرامتك بصهره فبعث إليك، فقال: ما هؤلاء النسوة? فقال: هذه صفتهن قد جئنا بها. وكانت الصفة أن المنذر الأكبر أهدى إلى أنوشروان جارية كان أصابها إذ أغار على الحارث الأكبر بن أبي شمر الغساني، فكتب إلى أنوشروان بصفتها، وقال: إني قد وجهت إلى الملك جارية معتدلة الخلق، نقية اللون والثغر، بيضاء قمراء وطفاء كحلاء دعجاء حوراء عيناء قنواء شماء برجاء زجاء أسيلة الخد، شهية المقبل، جثلة الشعر، عظيمة الهامة، بعيدة مهوى القرط، عيطاء، عريضة الصدر، كاعب الثدي، ضخمة مشاش المنكب والعضد، حسنة المعصم، لطيفة الكف، سبطة البنان، ضامرة البطن، خميصة الخصر، غرثى الوشاح، رداح الأقبال، رابية الكفل، لفاء الفخذين، ريا الروادف، ضخمة المأكمتين، مفعمة الساق، مشبعة الخلخال، لطيفة الكعب والقدم، قطوف المشي، مكسال الضحى، بضة المتجرد، سموعا للسيد، ليست بخنساء ولا سفعاء، رقيقة الأنف، عزيزة النفس، لم تغذ في بؤس، حيية رزينة، حليمة ركينة، كريمة الخال، تقتصر على نسب أبيها دون فصيلتها، وتستغني بفصيلتها دون جماع قبيلتها، قد أحكمتها الأمور في الأدب، فرأيها رأي أهل الشرف، وعملها عمل أهل الحاجة، صناع الكفين، قطيعة اللسان ورهو الصوت ساكنته، تزين الولي، وتشين العدو، إن أردتها اشتهت، وإن تركتها انتهت، تحملق عيناها، وتحر وجنتاها، وتذبذب شفتاها، وتبادرك الوثبة إذا قمت، ولا تجلس إلا بأمرك إذا جلست. قال: فقبلها أنوشروان وأمر بإثبات هذه الصفة في دواوينه، فلم يزالوا يتوارثونها حتى أفضى ذلك إلى كسرى بن هرمز. فقرأ زيد هذه الصفة على النعمان، فشقت عليه؛ وقال لزيد والرسول يسمع: أما في مها السواد وعين فارس ما يبلغ به كسرى حاجته فقال الرسول لزيد بالفارسية: ما المها والعين? فقال له بالفارسية: كاوان أي البقر؛ فأمسك الرسول. وقال زيد للنعمان: إنما أراد الملك كرامتك، ولو علم أن هذا يشق عليك لم يكتب إليك به. فأنزلهما يومين عنده، ثم كتب إلى كسرى: إن الذي طلب الملك ليس عندي، وقال لزيد: اعذرني عند الملك. فلما رجعا إلى كسرى؛ قال زيد للرسول الذي قدم معه: اصدق الملك عما سمعت، فإني سأحدثه بمثل حديثك ولا أخالفك فيه. فلما دخلا على كسرى، قال زيد: هذا كتابه إليك، فقرأه عليه. فقال له كسرى: وأين الذي كنت خبرتني به? قال: قد كنت خبرتك بضنتهم بنسائهم على غيرهم، وإن ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشبع والرياش، وإيثارهم السموم والرياح على طيب أرضك هذه، حتى إنهم ليسمونها السجن، فسل هذا الرسول الذي كان معي عما قال، فإني أكرم الملك عن مشافهته بما قال وأجاب به. قال للرسول: وما يقال أيها الملك، إنه قال: أما كان في بقر السواد وفارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا، فعرف الغضب في وجهه، ووقع في قلبه منه ما وقع، لكنه لم يزد على أن قال: رب عبد قد أراد ما هو أشد من هذا ثم صار أمره إلى التباب. وشاع هذا الكلام حتى بلغ النعمان، وسكت كسرى أشهرا على ذلك.
<H6 النعمان يسلم نفسه لكسرى</H6

صفحة : 152

وجعل النعمان يستعد ويتوقع حتى أتاه كتابه: أن أقبل فإن للملك حاجة إليك، فانطلق حين أتاه كتابه فحمل سلاحه وما قوي عليه، ثم لحق بجبلي طي وكانت فرعة بنت سعد بن حارثة بن لأم عنده، وقد ولدت له رجلا وامرأة، وكانت أيضا عنده زينب بنت أوس بن حارثة، فأراد النعمان طيئا على أن يدخلوه الجبلين ويمنعوه فأبوا ذلك عليه، وقالوا له: لولا صهرك لقتلناك، فإنه لا حاجة بنا إلى معاداة كسرى، ولا طاقة لنا به. وأقبل يطوف على قبائل العرب ليس أحد منهم يقبله، غير أن بني رواحة بن قطيعة بن عبس قالوا: إن شئت قاتلنا معك، لمنة كانت له عندهم في أمر مروان القرظ، قال: ما أحب أن أهلككم، فإنه لا طاقة لكم بكسرى. فأقبل حتى نزل بذي قار في بني شيبان سرا، فلقي هانىء بن قبيصة، وقيل بل هانىء بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وكان سيدا منيعا، والبيت يومئذ من ربيعة في آل ذي الجدين لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الجدين، وكان كسرى قد أطعم قيس بن مسعود الأبلة، فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك، وعلم أن هانئا يمنعه مما يمنع منه نفسه.
وقال حماد الراوية في خبره: إنه إنما استجار بهانىء كما استجار بغيره فأجاره، وقال له: قد لزمني ذمامك وأنا مانعك مما أمنع نفسي وأهلي وولدي منه ما بقي من عشيرتي الأدنين رجل، وإن ذلك غير نافعك لأنه مهلكي ومهلكك، وعندي رأي لك، لست أشير به عليك لأدفعك عما تريده من مجاورتي ولكنه الصواب؛ فقال: هاته؛ فقال: إن كل أمر يجمل بالرجل أن يكون عليه إلا أن يكون بعد الملك سوقة، والموت نازل بكل أحد، ولأن تموت كريما خير من أن تتجرع الذل أو تبقى سوقة بعد الملك، هذا إن بقيت، فأمض إلى صاحبك وارسل إليه هدايا ومالا وألق نفسك بين يديه، فإما أن صفح عنك فعدت ملكا عزيزا، وإما أن أصابك فالموت خير من أن يتلعب بك صعاليك العرب ويتخطفك ذئابها وتأكل مالك وتعيش فقيرا مجاورا أو تقتل مقهورا؛ فقال: كيف بحرمي? قال: هن في ذمتي، لا يخلص إليهن حتى يخلص إلى بناتي؛ فقال: هذا وأبيك الرأي الصحيح، ولن أجاوزه. ثم اختار خيلا وحللا من عصب اليمن وجوهرا وطرقا كانت عنده، ووجه بها إلى كسرى وكتب إليه يعتذر ويعلمه أنه صائر إليه، ووجه بها مع رسوله، فقبلها كسرى وأمره بالقدوم؛ فعاد إليه الرسول فأخبره بذلك وأنه لم ير له عند كسرى سوءا. فمضى إليه حتى إذا وصل إلى المدائن لقيه زيد بن عدي على قنطرة ساباط، فقال له: انج نعيم، إن استطعت النجاء؛ فقال له: أفعلتها يا زيد أما والله، لئن عشت لك لأقتلنك قتلة لم يقتلها عربي قط ولألحقنك بأبيك فقال له زيد: امض لشأنك نعيم، فقد والله أخيت لك أخيه لا يقطعها المهر الأرن.
<H6 وصول النعمان لكسرى وموته</H6 فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه، فقيده وبعث به إلى سجن كان له بخانقين، فلم يزل فيه حتى وقع الطاعون هناك فمات فيه.
وقال حماد الراوية والكوفيون: بل مات بساباط في حبسه. وقال ابن الكلبي: ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطئته حتى مات، واحتجوا بقول الأعشى:
فذاك وما أنجى من الموت ربه بساباط حتى مات وهو محزرق قال: المحرزق: المضيق عليه. وأنكر هذا من زعم أنه مات بخانقين، وقالوا: لم يزل محبوسا مدة طويلة، وإنه إنما مات بعد ذلك بحين قبيل الإسلام، وغضبت له العرب حينئذ، وكان قتله سبب وقعه ذي قار.
عدي بن زيد وهند بنت النعمان أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح وأخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال قال علي بن الصباح حدثني هشام بن الكلبي عن أبيه قال: كان عدي بن زيد بن حماد بن زيد بن أيوب الشاعر العبادي يهوى هند بنت النعمان بن المنذر بن المنذر بن امرىء القيس بن النعمان بن امرىء القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن مسعود بن مالك بن غنم بن نمارة بن لخم وهو مالك بن عدي بن الحارث بن مرة بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ولها يقول:
علق الأحشاء من هند علق مستسر فيه نصب وأرق وهي قصيدة طويلة. وفيها أيضا يقول:
من لقلب دنف أو معتـمـد قد عصى كل نصوح ومغد

صفحة : 153

وهي طويلة. وفيها أيضا يقول:
يا خليلي يسرا التـعـسـيرا ثم روحا فهجرا تهـجـيرا
عرجا بي على ديار لهـنـد ليس أن عجتما المطي كبيرا <H6 قصة تزوجه بهند</H6 قال ابن الكلبي: وقد تزوجها عدي. وقال ابن أبي سعد، وذكر ذلك خالد ابن كلثوم أيضا قالا: كان سبب عشقه إياها أن هندا كانت من أجمل نساء أهلها وزمانها، وأمها مارية الكندية؛ فخرجت في خميس الفصح، وهو بعد السعانين بثلاثة أيام، تتقرب في البيعة، ولها حينئذ إحدى عشرة سنة، وذلك في ملك المنذر؛ وقد قدم عدي حينئذ بهدية من كسرى إلى المنذر، والنعمان يومئذ فتى شاب، فاتفق دخولها البيعة وقد دخلها عدي ليتقرب، وكانت مديدة القامة عبلة الجسم، فرآها عدي وهي غافلة فلم تنتبه له حتى تأملها، وقد كان جواريها رأين عديا وهو مقبل فلم يقلن لها ذلك، كي يراها عدي، وإنما فعلن هذا من أجل أمة لهند يقال لها مارية، وقد كانت أحبت عديا فلم تدر كيف تأتي له. فلما رأت هند عديا ينظر إليها شق ذلك عليها، وسبت جواريها ونالت بعضهن بضرب؛ فوقعت هند في نفس عدي، فلبث حولا لا يخبر بذلك أحدا. فلما كان بعد حول وظنت مارية أن هندا قد أضربت عما جرى وصفت لها بيعة دومة - وقال خالد بن كلثوم: بيعة توما وهو الصحيح - ووصفت لها من فيها من الرواهب، ومن يأتيها من جواري الحيرة، وحسن بنائها وسرجها؛ وقالت لها: سلي أمك الإذن لك في إتيانها، فسألتها ذلك فأذنت لها، وبادرت مارية إلى عدي فأخبرته الخبر فبادر فلبس يلمقا كان فرخانشاه مرد قد كساه إياه وكان مذهبا لم ير مثله حسنا، وكان عدي حسن الوجه، مديد القامة، حلو العينين، حسن المبسم، نقي الثغر. وأخذ معه جماعة من فتيان الحيرة، فدخل البيعة؛ فلما رأته مارية قالت لهند: انظري إلى هذا الفتى فهو والله أحسن من كل ما ترين من السرج وغيرها قالت: ومن هو? قالت: عدي بن زيد؛ قالت: أتخافين أن يعرفني إن دنوت منه لأراه من قريب? قالت: ومن أين يعرفك وما رآك قط من حيث يعرفك فدنت منه وهو يمازح الفتيان الذين معه وقد برع عليهم بجماله، وحسن كلامه وفصاحته، وما عليه من الثياب، فذهلت لما رأته وبهتت تنظر إليه. وعرفت مارية ما بها وتبينته في وجهها، فقالت لها: كلميه، فكلمته، وانصرفت وقد تبعته نفسها وهويته، وانصرف بمثل حالها. فلما كان الغد تعرضت له مارية، فلما رآها هش لها، وكان قبل ذلك لا يكلمها، وقال لها: ما غدا بك? قالت: حاجة إليك، قال: اذكريها، فوالله لا تسأليني شيئا إلا أعطيتك إياه، فعرفته أنها تهواه، وأن حاجتها الخلوة به على أن تحتال له في هند، وعاهدته على ذلك؛ فأدخلها حانوت خمار في الحيرة ووقع عليها، ثم خرجت فأتت هندا، فقالت: أما تشتهي أن تري عديا? قالت: وكيف لي به? قالت: أعده مكان كذا وكذا في ظهر القصر وتشرفين عليه؛ قالت: افعلي، فواعدته إلى ذلك المكان، فأتاه وأشرفت هند عليه، فكادت تموت، وقالت: إن لم تدخليه إلي هلكت. فبادرت الأمة إلى النعمان فأخبرته خبرها وصدقته، وذكرت أنها قد شغفت به، وأن سبب ذلك رؤيتها إياه في يوم الفصح، وأنه إن لم يزوجها به افتضحت في أمره أو ماتت؛ فقال لها: ويلك وكيف أبدؤه بذلك فقالت: هو أرغب في ذلك من أن تبدأه أنت، وأنا أحتال في ذلك من حيث لا يعلم أنك عرفت أمره. وأتت عديا فأخبرته الخبر، وقالت: ادعه، فإذا أخذ الشراب منه فاخطب إليه فإنه غير رادك؛ قال: أخشى أن يغضبه ذلك فيكون سبب العدواة بيننا؛ قالت: ما قلت لك هذا حتى فرغت منه معه؛ فصنع عدي طعاما واحتفل فيه، ثم أتى النعمان بعد الفصح بثلاثة أيام، وذلك في يوم الإثنين، فسأله أن يتغدى عنده هو وأصحابه، ففعل. فلما أخذ منه الشراب خطبها إلى النعمان، فأجابه وزوجه وضمها إليه بعد ثلاثة أيام.
<H6 ترهب هند بعد قتل عدي</H6 قال خالد بن كلثوم: فكانت معه حتى قتله النعمان، فترهبت وحبست نفسها في الدير المعروف بدير هند في ظاهر الحيرة. وقال ابن الكلبي: بل ترهبت بعد ثلاث سنين ومنعته نفسها واحتبست في الدير حتى ماتت، وكانت وفاتها بعد الإسلام بزمان طويل في ولاية المغيرة بن شعبة الكوفة، وخطبها المغيرة فردته.
<H6 خطبها المغيرة بن شعبة فردته</H6

صفحة : 154

أخبرني عمي قال حدثني ابن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن هشام بن محمد بن الكلبي عن أبيه والشرقي بن القطامي قالا: مر المغيرة بن شعبة لما ولاه معاوية الكوفة بدير هند، فنزله ودخل على هند بنت النعمان بعد أن استأذن عليها، فأذنت له وبسطت له مسحا فجلس عليه، ثم قالت له: ما جاء بك? قال: جئتك خاطبا؛ قالت: والصليب لو علمت أن في خصلة من جمال أو شباب رغبتك في لأجبتك، ولكنك أردت أن تقول في المواسم: ملكت مملكة النعمان بن المنذر ونكحت ابنته، فبحق معبودك هذا أردت? قال: إي والله؛ قال: فلا سبيل إليه؛ فقام المغيرة وانصرف وقال فيها:
أدركت ما منيت نفسي خالـيا لله درك يابنة الـنـعـمـان
فلقد رددت على المغيرة ذهنه إن الملوك نـقـية الأذهـان وفي رواية أخرى:
إن الملوك بطية الإذعـان
يا هند حسبك قد صدقت فأمسكي فالصدق خير مقالة الإنسان <H6 حديث عشقها لزرقاء اليمامة</H6 وقد روى عن ابن الكلبي غير علي بن الصباح في هند أنها كانت تهوى زرقاء اليمامة، وأنها أول امرأة أحبت امرأة في العرب، فإن الزرقاء كانت ترى الجيش من مسيرة ثلاثين ميلا؛ فغزا قوم من العرب اليمامة، فلما قربوا من مسافة نظرها قالوا: كيف لكم بالوصول، مع الزرقاء فاجتمع رأيهم على أن يقتلعوا شجرا تستر كل شجرة منها الفارس إذا حملها؛ فقطع كل واحد منهم بمقدار طاقته وساروا بها؛ فأشرفت، كما كانت تفعل، فقال لها قومها: ما ترين يا زرقاء? وذلك في آخر النهار؛ قالت: ارى شجرا يسير؛ فقالوا: كذبت أو كذبتك عينك، واستهانوا بقولها؛ فلما أصبحوا صبحهم القوم، فاكتسحوا أموالهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأخذوا الزرقاء فقعلوا عينها فوجدوا فيها عروقا سوداء، فسئلت عنها فقالت: إني كنت أديم الاكتحال بالإثمد فلعل هذا منه، وماتت بعد ذلك بأيام؛ وبلغ هندا خبرها فترهبت ولبست المسوح وبنت ديرا يعرف بدير هند إلى الآن، فأقامت فيه حتى ماتت.
<H6 قيل إن النعمان أكرهه على طلاقها</H6 وروى ابن حبيب عن ابن الأعرابي: أن النعمان لما حبس عديا أكرهه في أمرها على طلاقها ولم يزل به حتى طلقها. قال ابن حبيب: وذكر عدي بن زيد صهره هذا للنعمان في قصائده وكان زوج أخته - هكذا ذكر العلماء من أهل الحيرة. وقالت رواة العرب: إنه كان زوج ابنته هند - فمن ذلك قوله في قصيدته التي أولها:
أبصرت عيني عشاء ضوء نار فقال فيها:
أجل نعمى ربـهـا أولـكـم ودنوي كان منكم واصطهاري
نحن كنا قد علمتم قـبـلـهـا عمد البيت وأوتـاد الإصـار سبب تنصر النعمان وما وقع بينه وبين عدي في ذلك أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا إبراهيم بن فهد قال حدثنا خليفة بن خياط شباب العصفري قال حدثنا هشام بن محمد قال حدثنا يحيى بن أيوب البجلي قال حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي قال: سمعت جدي جرير بن عبد الله يقول، وأخبرني به عمي قال حدثنا أحمد بن عبيد الله قال أخبرنا محمد بن يزيد بن زياد الكلبي أبو عبد الله قال حدثني معروف بن خربوذ عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة بن عمرو قال: سمعت جدي جرير بن عبد الله - ولفظ هذا الخبر لأحمد ابن عبيد الله وروايته أتم - قال: كان سبب تنصر النعمان - وكان يعبد الأوثان قبل ذلك، وقال أحمد بن عبيد الله في خبره: النعمان بن المنذر الأكبر - أنه كان قد خرج يتنزه بظهر الحيرة ومعه عدي بن زيد، فمر على المقابر من ظهر الحيرة ونهرها؛ فقال له عدي بن زيد: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه المقابر? قال: لا، وقال أحمد بن عبيد الله في خبره: فقال له تقول:
أيها الركب المـخـبـو ن على الأرض المجدون
كمـا أنـتـم كـنـــا وكما نحن تـكـونـون وقال الصولي في خبره: فقال له تقول:
كنا كما كنتم حـينـا فـغـيرنـا دهر فسوف كما صرنا تصيرونا قال: فانصرف وقد دخلته رقة، فمكث بعد ذلك يسيرا؛ ثم خرج خرجة أخرى فمر على تلك المقابر ومعه عدي، فقال له: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه المقابر? قال: لا؛ قال: فإنها تقول:
من رآنا فليحدث نفـسـه أنه موف على قرن زوال

صفحة : 155


وصروف الدهر لا يبقى لـهـا ولما تأتي به صم الـجـبـال
رب ركب قد أناخوا عـنـدنـا يشربون الخمر بالماء الـزلال
والأبـاريق عـلـيهـا فــدم وجياد الخيل تردي في الجلال
عمروا دهرا بعـيش حـسـن آمني دهرهم غـير عـجـال
ثم أضحوا عصف الدهر بـهـم وكذاك الدهر يودي بالرجـال
وكذاك الدهر يرمي بالـفـتـى في طلاب العيش حالا بعد حال قال الصولي في خبره وهو الصحيح: فرجع النعمان فتنصر؛ وقال أحمد بن عبيد الله في خبره عن الزيادي الكلبي: فرجع النعمان من وجهه وقال لعدي: ائتني الليلة إذا هدأت الرجل لتعلم حالي، فأتاه فوجده قد لبس المسوح وتنصر وترهب وخرج سائحا على وجهه فلا يدرى ما كانت حاله، فتنصر ولده بعده، وبنوا البيع والصوامع، وبنت هند بنت النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر الدير الذي بظهر الكوفة ويقال له: دير هند فلما حبس كسرى النعمان الأصغر أباها ومات في حبسه ترهبت هند ولبست المسوح وأقامت في ديرها مترهبة حتى ماتت فدفنت فيه.
<H6 رأي المؤلف أن النعمان هو الذي تنصر</H6 قال مؤلف هذا الكتاب: إنما ذكرت الخبر الذي رواه الزيادي على ما فيه من التخليط لأني إذا أتيت بالقصة ذكرت كل ما يروى في معناها. وهو خبر مختلط، لأن عدي بن زيد إنما كان صاحب النعمان بن المنذر وهو المحبوس والنعمان الأكبر لا يعرفه عدي ولا رآه ولا هو جد النعمان الذي صحبه عدي كما ذكر ابن زياد، وقد ذكرت نسب النعمان آنفا، ولعل هذا النعمان الذي ذكره عم النعمان بن المنذر الأصغر بن المنذر الأكبر، والمتنصر السائح على وجهه ليس عدي بن زيد أدخله في النصرانية، وكيف يكون هو المدخل له في النصرانية وقد ضربه مثلا للنعمان في شعره لما حبسه مع من ضربه مثلا له من الملوك السالفة.
<H6 حكاية خالد بن صفوان مع هشام</H6 <H6 بن عبد الملك وتذكره قصة النعمان وتنصره </H6 حدثنا بخبر ذلك الملك جعفر بن محمد الفريابي وأحمد بن عبد العزيز بن الجعد الوشاء قالا: حدثنا إسحاق بن البهلول الأنباري قال حدثني أبي البهلول بن حسان التنوخي قال حدثني إسحاق بن زياد من بني سامة بن لؤي عن شبيب بن شيبة عن خالد بن صفوان بن الأهتم قال:

صفحة : 156

أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك في وفد أهل العراق قال: فقدمت عليه وقد خرج بقرابته وحشمه وغاشيته وجلسائه، فنزل في أرض قاع صحصح منيف أفيح، في عام قد بكر وسميه وتتابع وليه، وأخذت الأرض فيه زينتها على اختلاف ألوان نبتها من نور ربيع مونق فهو في أحسن منظر، وأحسن مختبر، وأحسن مستمطر، بصعيد كأن ترابه قطع الكافور؛ قال: وقد ضرب له سرادق من حبرة كان يوسف بن عمر صنعه له باليمن، فيه فسطاط فيه أربعة أفرشة من خز أحمر مثلها مرافقها، وعليه دراعة من خز أحمر مثلها عمامتها، وقد أخذ الناس مجالسهم؛ قال: فأخرجت رأسي من ناحية السماط فنظر إلي شبه المستنطق لي فقلت: أتم الله عليك يا أمير المؤمنين نعمه، وجعل ما قلدك من هذا الأمر رشدا، وعاقبة ما يؤول إليه حمدا، وأخلصه لك بالتقى، وكثره لك بالنماء، ولا كدر عليك منه ما صفا، ولا خالط سروره بالردى، فلقد أصبحت للمؤمنين ثقة ومستراحا، إليك يقصدون في مظالمهم، ويفزعون في أمورهم، وما أجد شيئا يا أمير المؤمنين هو أبلغ في قضاء حقك، وتوقير مجلسك، وما من الله جل وعز علي به من مجالستك من أن أذكرك نعم الله عليك، وأنبهك لشكرها، وما أجد في ذلك شيئا هو أبلغ من حديث من سلف قبلك من الملوك، فإن أذن أمير المؤمنين أخبرته به؛ قال: فاستوى جالسا وكان متكئا ثم قال: هات يابن الأهتم، قال: قلت يا أمير المؤمنين إن ملكا من الملوك قبلك خرج في عام مثل عامك هذا إلى الخورنق والسدير في عام قد بكر وسميه، وتتابع وليه، وأخذت الأرض فيه زينتها على اختلاف ألوان نبتها في ربيع مونق، فهو في أحسن منظر، وأحسن مختبر، بصعيد كأن ترابه قطع الكافور، وقد كان أعطي فتاء السن مع الكثرة والغلبة والقهر، فنظر فأبعد النظر ثم قال لجلسائه: لمن مثل هذا، هل رأيتم مثل ما أنا فيه وهل أعطي أحد مثل ما أعطيت قال: وعنده رجل من بقايا حملة الحجة، والمضي على أدب الحق ومنهاجه، قال: ولم تخل الأرض من قائم لله بحجة في عباده؛ فقال: أيها الملك إنك سألت عن أمر، أفتأذن في الجواب عنه? قال: نعم؛ قال: أرأيت هذا الذي أنت فيه، أشيء لم تزل فيه، أم شيء صار إليك ميراثا وهو زائل عنك وصائر إلى غيرك كما صار إليك? قال: كذلك هو؛ قال: فلا أراك إلا عجبت بشيء يسير تكون فيه قليلا وتغيب عنه طويلا، وتكون غدا بحسابه مرتهنا؛ قال: ويحك فأين المهرب وأين المطلب? قال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل فيه بطاعة الله ربك على ما ساءك وسرك، وأمضك وأرمضك، وإما أن تضع تاجك، وتخلع أطمارك، وتلبس أمساحك، وتعبد ربج حتى يأتيك أجلك؛ قال: فإذا كان السحر فاقرع علي بابي فإني مختار أحد الرأيين، وربما قال إحدى المنزلتين، فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرا لا يعصى، وإن اخترت فلوات الأرض وقفر البلاد كنت رفيقا لا يخالف؛ قال: فقرع عليه عند السحر بابه فإذا هو قد وضع تاجه، وخلع أطماره، ولبس أمساحه، وتهيأ للسياحة، فلزما والله الجبل حتى أتاهما أجلهما، وهو حيث يقول عدي بن زيد أخو بني تميم:
أيها الشأمت الـمـعـير بـالـد هر أأنت المبـرأ الـمـوفـور
أم لديك العهد الوثـيق مـن الأي ام بل أنت جـاهـل مـغـرور
من رأيت المنون خلـدن أم مـن ذا عليه من أن يضـام خـفـير
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر وان أم أين قـبـلـه سـابـور
وبنو الأصفر الكرام ملـوك الـر وم لم يبق مـنـهـم مـذكـور
وأخو الحضـر إذ بـنـاه وإذ دج لة تجبـى إلـيه والـخـابـور
شاده مرمرا وجلـلـه كـلـس ا فللـطـير فـي ذراه وكـور
لم يهبه ريب المنون فباد الملـك عنـه فـبـابـه مـهـجـور
وتذكر رب الخورنق إذ أشـرف يومـا ولـلـهـدى تـفـكـير
سره ماله وكثـرة مـا يمـلـك والبحر معـرضـا والـسـدير
فارعوى قلبه فقال وما غـبـطة حي إلـى الـمـمـات يصـير
ثم بعد الفلاح والـمـلـك والإمة وارتهـم هـنـاك الـقـبـور
ثم صاروا كأنهم ورق جف فألوت به الـصـبـا والــدبـــور

صفحة : 157

قال: فبكى والله هشام حتى أخضل لحيته، وبل عمامته، وأمر بنزع أبنيته، وبنقلان قرابته وأهله وحشمه وغاشيته من جلسائه، ولزم قصره، فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان فقالوا: ما أردت إلى أمير المؤمنين أفسدت عليه لذته، ونغصت عليه مأدبته، فقال: إليكم عني فإني عاهدت الله عز وجل ألا أخلو بملك إلا ذكرته الله عز وجل.
قصرا الحضر والخورنق فأما خبر الحضر وصاحبه، والخورنق وصاحبه، فإني أذكرخبرهما ها هنا لأنه مما يحسن ذكره بعقب هذه الأخبار ولا يستغنى عنه، والشيء يتبع الشيء.
أخبرني بخبره إبراهيم بن السري عن أبيه عن شعيب عن سيف، وأخبرني به الحسن بن علي قال حدثنا الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي، وأخبرني به علي بن سليمان الأخفش في كتاب المغتالين عن السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل بن سلمة الضبي، وهشام بن الكلبي عن أبيه، وإسحاق بن الجصاص عن الكوفيين: أن الحضر كان قصرا بحيال تكريت بين دجلة والفرات، وأن أخا الحضر الذي ذكره عدي بن زيد هو الضيزن بن معاوية بن العبيد بن الأجرام بن عمرو بن النخع بن سليح من بني تزيد بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وأمه جبهلة امرأة من بني تزيد بن حلوان أخي سليح بن حلوان، وكان لا يعرف إلا بأمه هذه، وكان ملك تلك الناحية وسائر أرض الجزيرة، وكان معه من بني الأجرام ثم من بني العبيد ابن الأجرام وسائر قبائل قضاعة ما لا يحصى، وكان ملكه قد بلغ الشأم. فأغار الضيزن فأصاب أختا لسابور ذي الأكتاف وفتح مدينة نهر شير وفتك فيهم، فقال في ذلك عمرو بن السيح بن حدي بن الدها بن غنم بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة:
لقيناهم بجمع من عـلاف وبالخيل الصلادمة الذكور
فلاقت فارس منا نـكـالا وقتلنا هرابذ شهـرزور
دلفنا للأعاجم من بـعـيد بجمع م الجزيرة كالسعير قالوا: ثم إن سابور ذا الأكتاف جمع لهم وسار إليهم، فأقام على الحضر أربع سنين لا يستغل منهم شيئا. ثم إن النضيرة بنت الضيزن عركت - أي حاضت - فأخرجت إلى الربض، وكانت من أجمل أهل دهرها، وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم إذا حضن، وكان سابور من أجمل أهل زمانه، فرآها ورأته، وعشقها وعشقته، فأرسلت إليه: ما تجعل لي أن دللتك على ما تهدم به هذه المدينة وتقتل أبي? قال: أحكمك وأرفعك على نسائي، وأخصك بنفسي دونهن؛ قالت: عليك بحمامة مطوقة ورقاء، فاكتب في رجلها بحيض جارية بكر تكون زرقاء، ثم أرسلها فإنها تقع على حائط المدينة فتتداعى المدينة، وكان ذلك طلسمها لا يهدمها إلا هو، ففعل وتأهب لهم، وقالت له: أنا أسقي الحرس الخمر، فإذا صرعوا فاقتلهم وادخل المدينة، ففعل فتداعت المدينة، وفتحها سابور عنوة، فقتل الضيزن يومئذ، وأباد بني العبيد، وأفنى قضاعة الذين كانوا مع الضيزن فلم يبق منهم باق يعرف إلى اليوم، وأصيب قبائل حلوان وانقرضوا ودرجوا، فقال في ذلك عمرو بن آلة وكان مع الضيزن:
ألم يحزنك والأنبـاء تـنـمـي بما لاقت سراة بني العـبـيد
ومصرع ضيزن وبنـي أبـيه وأحلاس الكتائب مـن تـزيد
أتاهم بالـفـيول مـجـلـلات وبالأبطال سابور الـجـنـود
فهدم من أواسي الحضر صخرا كأن ثقـالـه زبـر الـحـديد قال: فأخرب سابور المدينة واحتمل النضيرة بنت الضيزن فأعرس بها بعين التمر، فلم تزل ليلتها تتضور من خشانة في فرشها وهي من حرير محشو بالقز، فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هي ورقة آس ملتصقة بعكنة من عكنها قد أثرت فيها. قال: وكان ينظر إلى مخها من لين بشرتها. فقال لها سابور: ويحك باي شيء كان أبوك يغذيك? قالت: بالزبد والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفوة الخمر فقال: وأبيك لأنا أحدث عهدا بمعرفتك، وآثر لك من أبيك الذي غذاك بما تذكرين ثم أمر رجلا فركب فرسا جموحا وضفر غدائرها بذنبه، ثم استركضه فقطعها قطعا، فذلك قول الشاعر:
أقفرا الحضر من نضير فالمر باع منها فجانب الـثـرثـار قالوا: وكان الضيزن صاحب الحضر يلقب الساطرون، وقال غيرهم: بل الساطرون صاحب الحضر كان رجلا من أهل باجرمى والله أعلم أي ذلك كان. هذا خبر صاحب الحضر الذي ذكره عدي.


صفحة : 158

وأما صاحب الخورنق فهو النعمان بن الشقيقة، وهو الذي ساح على وجهه فلم يعرف له خبر، والشقيقة أمه بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان. وهو النعمان بن امرىء القيس بن عمرو بن عيد بن نصر بن ربيعة بن الضخم اللخمي، وهو صاحب الخورنق، فذكر ابن الكلبي في خبره الذي قدمنا ذكره ورواية علي بن الصباح أياه عنه: أنه كان سبب بنائه الخورنق أن يزدجرد بن سابور كان لا يبقى له ولد، فسأل عن منزل مريء صحيح من الأدواء والأسقام، فدل على ظهر الحيرة، فدفع ابنه بهرام جور بن يزدجرد إلى النعمان بن الشقيقة، وكان عامله على أرض العرب، وأمره بأن يبني الخورنق مسكنا له ولابنه وينزله إياه معه، وأمره بإخراجه إلى بوادي العرب، وكان الذي بنى الخورنق رجلا يقال له سنمار فلما فرغ من بنائه عجبوا من حسنه وإتقان عمله، فقال: و علمت أنكن توفوني أجرتي وتصنعون بي ما أستحقه، لبنيته بناء يدور مع الشمس حيثما دارت، فقالوا: وإنك لتبني ما هو أفضل منه ولم تبنه أمر به فطرح من أعلى الجوسق. وقال: في بعض الروايات أنه قال له: إني لأعرف في هذا القصر موضع عيب إذا هدم تداعى القصر أجمع، فقال له: أما والله لا تدل عليه أحدا أبدا، ثم رمي به من أعلى القصر، فقالت الشعراء في ذلك أشعارا كثيرة منها قول أبي الطمحان القيني:
جزاء سنمار جزوها وربـهـا وباللات والعزى جزاء المكفر ومنها قول سليط بن سعد:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر وحسن فعل كما يجزى سنمار وقال عبد العزى بن امرىء القيس الكلبي - وكان أهدى إلى الحارث بن مارية الغساني أفراسا، ووفد إليه فأعجب به واختصه، وكان للملك ابن مسترضع في بني عبد ود من كلب فنهشته حية، فظن الملك أنهم اغتالوه، فقال لعبد العزى: جئني بهؤلاء القوم، فقال: هم قوم أحرار ليس لي عليهم فضل في نسب ولافعل، فقال: لتأتينى بهم أو لأفعلن وأفعلن، فقال له: رجونا من حبائك امرا حال دون عقابك ودعا ابنيه شراحيل وعبد الحارث - فكتب معهما إلى قومه:
جزاني جزاه الله شـر جـزائه جزاء سنمار وما كان ذا ذنـب
سوى رصه البنيان عشرين حجة يعلى عليه بالقراميد والسكـب وهي أبيات، قال: فقتله النعمان، وكان أمره قد عظم وجعل معه كسرى كتيبتين: أحداهما يقال لها: دوسر وهي لتنوخ، والأخرى: الشهباء وهي للفرس، وكانتا أيضا تسميان القبيلتين، وكان يغزو بهما بلاد الشأم، وكل من لم يدن له من العرب. فجلس يوما يشرف من الخورنق فأعجبه ما رأى من ملكه. ثم ذكر باقي خبره مثل ما ذكره خالد بن صفوان لهشام من مخاطبة الواعظ وجوابه وما كان من اختياره السياحة وتركه ملكه.
<H6 رثاء النابغة الذبياني للنعمان</H6 أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محم دبن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن عمرو قال ذكر ابن حمزة عن مشايخه: أن النعمان بن المنذر لما نعي إلى النابغة الذبياني وحدث بما صنع به كسرى قال: طلبه من الدهر طالب الملوك ثم تمثل:
من يطلب الدهر تدركه مخالبـه والدهر بالوتر ناج غير مطلوب
ما من أناس ذوي مجد ومكرمة إلا يشـد شـــدة الـــذيب
حتى يبيد على عمد سـراتـهـم بالنافذات من النبل المصـاييب
إني وجدت سهام الموت معرضة بكل حتف من الآجال مكتـوب الغناء في شعر عدي بن زيد












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-26-2006, 12:06 AM   المشاركة رقم: 23
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.26 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

وفي سائر قصائد عدي بن زيد التي كتب بها إلى النعمان يستعطفه ويعتذر إليه أغان.
منها: صوت

لم أر مثل الفتيان في غبن ال أيام ينسون ما عواقـبـهـا
ينسون إخوانهم ومصرعهـم وكيف تعتاقهم مخالـبـهـا
ماذا ترجى النفوس من طلب الخير وحب الحياة كاربهـا
تظن أن لن يصيبها عـنـت الدهر وريب المنون صائبها ويروى عقب الدهر - يقول: الأيام تغبن الناس فتخدعهم وتختلهم مثل الغبن في البيع. وتعتاقهم: تحبسهم، يقال: اعتاقه واعتقاه. وكاربها ها هنا: غامها، وهو في موضع آخر القريب منها، يقال كربه الأمر وكرثه وبهضه وغنظه إذا غم - الغناء في هذه الأبيات لابن محرز خفيف رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة.


صفحة : 159

وفيها رمل بالبنصر، نسبه حبش ودنانير إلى حنين، ونسبه الهشامي وابن المكي إلى الهذلي.
ومنها: صوت

يا لبينى أوقدي النـارا إن من تهوين قد حارا
رب نار بت أرمقهـا تقضم الهندي والغارا
عندها ظبي يؤرثـهـا عاقد في الجيد تقصارا عروضه من المديد - حار يحير هنا: ضل، وحار في موضع آخر: رجع. والغار: شجر طيب الريح، والغار أيضا: شجر السوس، والغار: الغيرة. ويؤرثها: يوقدها ويكثر حطبها. والتقصار: المخنقة - الغناء لحنين خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه خفيف رمل يقال إنه لعريب.
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق، وأخبرنا به يحيى بن علي عن داود بن محمد عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن عائشة عن يونس النحوي قال: مات رجل من جند أهل الشأم عظيم القدر، له فيهم عز وعدد ؛ فحضر الحجاج جنازته وصلى عليه وجلس على قبره، وقال: لينزل إليه بعض إخوانه، فنزل نفر منهم، فقال أحدهم وهو يسوي عليه: رحمك الله أبا قنان، إن كنت ما علمت لتجيد الغناء، وتسرع رد الكأس، ولقد وقعت في موضع سوء لا تخرج منه والله إلى يوم القيامة. قال: فما تمالك الحجاج أن ضحك، وكان لا يكثر الضحك في جد ولا هزل. فقال له: أهذا موضع هذا لا أم لك فقال: أصلح الله الأمير، فرسه حبيس في سبيل الله لو سمعه الأمير وهو يغني:
يا لبينى أوقدي النـارا إن من تهوين قد حارا لا نتشر الأمير على سعنة، وكان الميت يلقب بسعنة، فقال: إنا لله أخرجوه من القبر ما أبين حجة أهل العراق في جهلكم يا أهل الشأم قال: وكان سعنة هذا الميت من أوحش خلق الله كلهم صورة، وأذمهم قامة. فلم يبق أحد حضر القبر إلا استفرغ ضحكا.
ومنها من قصيدته التي أولها:
لمن الدار تعفت بخيم صوت

وثلاث كالحمامات بـهـا بين مجثاهن توشيم الحمم
أسأل الدار وقد أنكرتهـا عن حبيبي فإذا فيها صمم - ويروى: توشيم العجم. والتوشيم أراد به آثار الوقود قد صار فيها كالوشم. والثلاث يعني الأثافي التي تنصب عليها القدر - الغناء لإبراهيم خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن عمرو وابن المكي. وفيه لحكم لحن من كتاب إبراهيم غير مجنس. وهذه القصيدة التي أولها:
لمن الدار تعفـت بـخـيم أصبحت غيرها طول القدم
ما تبين العين من آياتـهـا غير نؤي مثل خط بالقلـم وبعده.

وثلاث كالحمامات بهـا بين مجثاهن توشيم الحمم وعلى هذا خفض قوله: وثلاث كالحمامات.
ومنها قوله:
كفى غير الأيام للمرء وازعا صوت

بنات كرام لـم يربـن بـضـرة دمى شرقات بالعبـير روادعـا
يسارقن م الأستار طرفا مفـتـرا ويبرزن من فتق الخدور الأصابعا بنات كرام موضعه نصب وهو يتبع ما قبله وينصب به وهو قوله:
وأصبى ظباء في الدمقس خواضعا بنات كرام هكذا في القصيدة على تواليها، وقد يجوز رفعه على الابتداء. ويروى: بضرة وبضرة جمعا بالضم والفتح. والدمى: الصور، واحدتها دمية. الغناء في هذين البيتين لابن قندح ثقيل أول بالبنصر عن عمرو، وذكر الهشامي أنه لمحمد بن إسحاق بن عمرو بن بزيع، وذكر حبش أنه لإبراهيم.
صوت

أرقت لمكفهر بـات فـيه بوارق يرتقين رؤوس شيب
تروح المشرفية فـي ذراه ويجلو صفحة الذيل القشيب والمكرهف والمرهف: السحاب المتوالي المتراكب. والشيب: السحائب التي فيها سواد وبياض شبهها بالرؤوس الشيب، وقال قوم: بل شيب: جبل معروف. شبه البرق في السحاب بلمعان السيوف. ورواه ابن الأعرابي:
ويجلو صفح دخدار قشيب وقال: الدخدار: الثوب المصون، وهو أعجمي معرب أصله تخت دار. والقشيب: الجديد. الغناء لعريب ثقيل أول بالبنصر.
ومنها من قصيدته التي أولها:
ألا يا طال ليلي والنهار صوت

ألا من مبلغ النعمان عني علانية فقد ذهب السرار
بأن المرء لم يخلق حديدا ولا هضبا توقاه الوبـار

صفحة : 160


ولكن كالشهاب فثم يخـبـو وحادي الموت عنه ما يحار
فهل من خالد إما هلكـنـا وهل بالموت يا للناس عار الهضب: الجبل. والوبار: جمع وبر. والشهاب: السراج. ويخبو: يطفأ. الغناء لبابويه ثقيل أول بالبنصر عن حبش والهشامي.
ومنها: صوت

ألا من مبلغ النعمان عنـي فبينا المرء أغرب إذ أراحا
أطعت بني بقيلة في وثاقي وكنا في حلوقهم ذبـاحـا
منحتهم الفرات وجانـبـيه وتسقينا الأواجن والملاحـا الغناء لحنين خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق.
ومنها: صوت

من لقلب دنف أو معتمـد قد عصى كل نصيح ومفد
لست إن سلمى نأتني دارها سامعا فيها إلى قول أحـد المعتمد: الذي عمده الوجع بعمده عمدا. غناه ابن محرز ولحنه خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لمالك خفيف ثقيل آخر بالوسطى عن عمرو. وذكر يونس أن فيه لمالك لحنا، ولسنان الكاتب لحنا، وهو ثقيل أول بالوسطى عن حبش.
ومنها: صوت

أرواح مـودع أم بـكــور لك فاعمد لأي حال تصـير
ويقول العـداة أودى عـدي وعدي بسخـط رب أسـير
أيها الشأمت المعير الـدهـر أأنت المبـرأ الـمـوفـور
أم لديك العهد الوثيق من الأيام بل أنت جاهـل مـغـرور يريد: ارواح نودعك فيه أم بكور? أيهما تريد? فاعمد للذي تصير إليه من أمر آخرتك. والموفور: الذي لم تصبه نوائب الدهر. الغناء لحنين من كتاب يونس ولم يذكر طريقته، وذكر حماد بن إسحاق عن أبيه أن حنينا غناه خالدا القسري أيام حرم الغناء، فرق له وقال: غن ولا تعاشر سفيها ولا معربدا. والخبر في ذلك يذكر في أخبار حنين.
ومما يغنى فيه أيضا من شعر عدي صوت

ألا يا ربـمـا عــز خليلي فتـهـاونـت
ولو شئت على مقـد رة مني لعـاقـبـت
ولكن سرني أن يعلموا قدري فأقـلـعـت
ألا لا فاسألوا الفتـية ما قالوا وقد قـمـت الغناء لسياط رمل عن الهشامي. وفيه ليحيى المكي خفيف ثقيل نسبه إلى مالك وليس له. ولعريب في البيتين الأولين ثقيل أول. وبعدهما بيت ليس من العشر وهو:
ولكن حبيبي جل عندي فتغافلت ومما يغنى فيه من شعره: صوت

تعرف أمس من لميس الطلل مثل الكتاب الدارس الأحول الذي قد درس فلا يقرأ.

أنعم صباحا علقم بن عـدي أثويت الـيوم أم تـرحـل
قد رحل الفتـيان عـيرهـم واللحم بالغيطان لم ينـشـل
إذ هي تسبى الناظرين وتجلو واضحا كالأقحـوان رتـل الرتل: المستوي البنية.

عذبا كما ذقت الجني من التفاح مسقيا ببرد، الطل هكذا يغنى. والذي قاله عدي: يسقيه برد الطل. الغناء لحنين رمل بالوسطى عن عمرو.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن ابن الكلبي أن عمرو بن امرىء القيس المكنى بأبي سريح وعلقمة بن عدي - وقيل علقم بن عدي بن كعب - وعمرو بن هند خرجوا إلى الصيد فأتوا قصر ابن مقاتل فمكثوا فيه يتصيدون، فزعموا أن علقمة بن عدي تبع حمادا فصرعه والشمس لم تطلع، ثم لحق آخر فطعنه فانقصف الرمح فيه ومر به فرسه يركض، فجال به العير فضربه فأصاب صدره فقتله، وقيل: إن الرمح المنقصف دخل في صدره فقتله، وذلك في أيام الربيع، وكان عدي بن زيد معهم وإليه قصدوا، وكان نازلا في قصر ابن مقاتل، فقال عدي هذه القصيدة يرثيه بها.

صوت من المائة المختارة

عفا من سليمى مسحلان فحامره تمشى به ظلمـانـه وجـآذره
بمستأسد القريان عاف نـبـاتـه فنواره ميل إلى الشمس زاهره
رأت عارضا جونا فقامت غريرة بمسحاتها قبل الظلام تـبـادره
فما برحت حتى أتى الماء دونها وسدت نواحـيه ورفـع دابـره

صفحة : 161

عروضه من الطويل. عفا: درس. مسحلان: موضع. وحامره: موضع أضافه إلى مسحلان. والظلمان: ذكور النعام واحدها ظليم. والجآذر: أولاد البقر واحدها جؤذر وجؤذر بضم الذال وفتحها. وتمشى: تكثر المشي. والقريان: مجاري الماء إلى الرياض وحدها قري. والمستأسد: ما التف منها وطال. والنوار يقال: إنه يكون أبدا حيال الشمس يستقبلها بوجهه، فيقول: إن نوار هذه الروضة يميل زاهره حيال الشمس. والعارض: السحاب. والجون: الأسود. والغريرة: الناعمة التي لم تجرب الأمور، يقول: لما رأت هذه المرأة السحابة السوداء قامت بمسحاتها تصلح النؤي حوالي بيتها وهو الحاجز بينه وبين الأرض المستوية. وقوله: رفع دابره أي مؤخره الذي يلي الماء من النؤي. الشعر للحطيئة يهجو الزبرقان بن بدر. والغناء لابن عائشة ولحنه المختار خفيف رمل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق وذكر حبش أن فيه لحنا آخر من الثقيل الثاني.

خبر الحطيئة ونسبه

والسبب الذي من أجله هجا الزبرقان بن بدر
نسبه
الحطيئة لقب لقب به، واسمه جرول بن أوس بن مالك بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار. وهو من فحول الشعراء ومتقدميهم وفصحائهم، متصرف في جميع فنون الشعر من المديح والهجاء والفخر والنسيب، مجيد في ذلك أجمع، وكان ذا شر وسفه، ونسبه متدافع بين قبائل العرب، وكان ينتمي إلى كل واحدة منها إذا غضب على الآخرين وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام فأسلم ثم ارتد وقال في ذلك.
إسلامه وارتداده وشعره في ذلك

أطعنا رسول الله إذ كان بيننـا فيا أحباد الله ما لأبي بـكـر
أيورثها بكرا إذا مات بـعـده وتلك لعمر الله قاصمة الظهر سبب لقبه الحطيئة
ويكنى الحطيئة أبا مليكة، وقيل: إن الحطيئة غلب عليه ولقب به لقصره وقربه من الأرض وقال حماد الراوية قال أبو نصر الأعرابي: سمي الحطيئة لأنه ضرط ضرطة بين قوم، فقيل له: ما هذا? فقال: إنما هو حطيئة، فسمي الحطيئة. وقال المدائني قال أبو اليقظان: كان الحطيئة يدعي أنه ابن عمرو بن علقمة أحد بني الحارث ابن سدوس، قال: وسمي الحطيئة لقربه من الأرض.
انتماؤه إلى بني ذهل ابن ثعلبة
أخبرني الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة في كتابه إلي بإجازته لي يذكر عن محمد بن سلام: أن الحطيئة كان ينتمي إلى بني ذهل بن ثعلبة فقال:
إن اليمامة خير ساكنهـا أهل القرية من بني ذهل قال: والقرية: منازلهم، ولم ينبت الحطيئة في هؤلاء.
تلونه وانتسابه إلى عدة قبائل وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن ابن الكلبي قال: سمعت خراش بن إسماعيل وخالد بن سعيد يقولان: كان الحطيئة إذا غضب على بني عبس يقول: أنا من بني ذهل، وإذا غضب على بني ذهل قال: أنا من بني عبس.
أخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال قال حماد بن إسحاق قال أبي قال ابن الكلبي: كان الحطيئة مغموز النسب، وكان من أولاد الزنا الذين شرفوا. قال إسحاق وقال الأصمعي: كان الحطيئة يضرب بنسبه إلى بكر بن وائل فقال في ذلك.

قومي بنو عوف بن عمرو إن أراد العلـم عـالـم
قوم إذا ذهبـت خـضـا رم منهم خلفت خضـارم
لا يفشلون ولا تبيت علـى أنوفهـم الـمـخـاطـم قال الأصمعي وقدم الحطيئة الكوفة فنزل في بني عوف بن عامر بن ذهل يسألهم وكان يزعم أنه منهم وقال في ذلك:
سيري أمام فإن المال يجـمـعـه سيب الإله وإقبـالـي وإدبـاري
إلى معاشر منـهـم ياأمـام أبـي من آل عوف بدوء غير أشـرار
نمشي على ضوء أحساب أضأن لنا ما ضوأت ليلة القمراء للسـاري خبره مع أخويه من أوس بن مالك


صفحة : 162

وقال ابن دريد في خبره عن عمه عن ابن الكلبي عن أبيه، وحماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن الكلبي عن أبيه قال: كان أوس بن مالك بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس تزوج بنت رياح بن عمرو بن عوف بن الحارث بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، وكان له أمة يقال لها الضراء فأعلقها بالحطيئة ورحل عنها. وكان لبنت رياح أخ يقال له: الأفقم، وكان طويلا أفقم، صغير العينين، مضغوط اللحيين، فولدت الضراء الحطيئة فجاءت به شبيها بالأفقم، فقالت لها مولاتها: من أين هذا الصبي? فقالت لها: من أخيك، وهابت أن تقول لها من زوجك، فشبهته بأخيها؛ فقالت لها: صدقت. ثم مات أوس وترك ابنين من الحرة، وتزوج الضراء رجل من بني عبس فولدت له رجلين فكانا أخوي الحطيئة من أمه. فأعتقت بنت رياح الحطيئة وربته فكان كأنه أحدهما. وترك الأفقم نخلا باليمامة. فأتى الحطيئة أخويه من أوس بن مالك وقد كانت أمه لما أعتقتها بنت رياح اعترفت أنها اعتلقت من أوس بن مالك، فقال لهم: أفردوا إلي من مالكم قطعة فقالا: لا، ولكن أقم معنا فنحن نواسيك فقال:
أأمرتماني أن أقيم عليكمـا كلا لعمر أبيكما الحـبـاق
عبدان خيرهما يشل بضبعه شل الأجير قلائص الوراق خبره وقد سأل أمه من أبوه
قال: وسأل الحطيئة أمه: من أبوه فخلطت عليه فقال:
تقول لي الضراء لست لـواحـد ولا اثنين فانظر كيف شرك أولئكا
وأنت امرؤ تبغي أبا قد ضللـتـه هبلت ألما تستفق من ضلالـكـا خبره مع إخوته من بني الأفقم
قال: وغضب عليها فلحق بإخوته بني الأفقم فقال:
سيري أمام فإن المال يجمعه سيب الإله وإقبالي وإدباري قال: فلم يدفعوه ولم يقبلوه فقال:
إن اليمامة خير ساكنهـا أهل القرية من بني ذهل وسألهم ميراثه من الأفقم فأعطوه نخلات من نخل أبيهم تدعى نخلات أم مليكة، وأم مليكة: امرأة الحطيئة، فقال:
ليهني تراثي لامرىء غير ذلة صنابير أحدان لهن حفـيف قال: ثم لم تقنعه النخيلات، وقد أقام فيهم زمانا فسألهم ميراثه كاملا من الأفقم فلم يعطوه شيئا وضربوه، فغضب عليهم وقال:
تمنيت بكرا أن يكونوا عمارتي وقومي وبكر شر تلك القبائل
إذا قلت بكري نبوتم بحاجتـي فيا ليتني من غير بكر بن وائل فعاد إلى بني عبس وانتسب إلى أوس بن مالك. وقال الأصمعي في خبره: لما أتى أهل القرية، وهم بنو ذهل، يطلب ميراثه من الأفقم مدحهم فقال:
إن اليمامة خر ساكـنـهـا أهل القرية من بني ذهـل
الضامنون لمال جـارهـم حتى يتم نواهض البـقـل
قوم إذا انتسبوا ففرعـهـم فرعي وأثبت أصلهم أصلي قال: فلم يعطوه شيئا، فقال يهجوهم:
إن اليمامة شر ساكنـهـا أهل القرية من بني ذهل تزوجت أمه فهجاها
وقال أبو اليقظان في خبره: كان الرجل الذي تزوج أم الحطيئة أيضا ولد زنا اسمه الكلب بن كنيس بن جابر بن قطن بن نهشل، وكان كنيس زنى بأمة لزرارة يقال لها رشية، فولدت له الكلب ويربوعا، فطلبهم من زرارة فمنعه منهم، فلما مات طلبهم من أبيه لقيط فمنعه؛ وقال لقيط في ذلك:
أفي نصف شهر ما صبرتم لحقنا ونحن صبرنا قبل ذاك سنـينـا وهي أبيات. فتزوج الكلب الضراء أم الحطيئة؛ فهجاه الحطيئة وهجا أمه فقال:
ولقد رأيتك في النساء فـسـؤتـنـي وأبا بنيك فساءني في الـمـجـلـس
إن الذلـيل لـمـن تـزور ركـابـه رهط ابن جحش في الخطوب الحوس
قبح الإلـه قـبـيلة لـم يمـنـعـوا يوم المجيمر جارهم من فـقـعـس
أبلغ بني جحـش بـأن نـجـارهـم لؤم وأن أبـاهـم كـالـهـجـرس وقال الحطيئة يهجو أمه:
جزاك الله شرا من عجـوز ولقاك العقوق من البنـين
فقد ملكت أمر بنيك حتـى تركتهم أدق من الطحـين
فإن تخلى وأمرك لا تصولي بمشتد قـواه ولا مـتـين
لسانك مبرد لا خـير فـيه ودرك در جـاذبة دهـين وقال يهجو أمه أيضا:

صفحة : 163


تنحي فاجلسي مني بعـيدا أراح الله منك العالمينـا
أغر بالا إذا استودعت سرا وكانونا على المتحدثـينـا
حياتك ما علمت حياة سوء وموتك قد يسر الصالحينا كان هجاء دنىء النفس فاسد الدين
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: كان الحطيئة جشعا سؤولا ملحفا، دنىء النفس، كثير الشر، قليل الخير، بخيلا، قبيح المنظر، رث الهيئة، مغموز النسب، فاسد الدين، وما تشاء أن تقول في شعر شاعر من عيب إلا وجدته، وقلما تجد ذلك في شعره.
أخبرني ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: بخلاء العرب أربعة: الحطيئة، وحميد الأرقط، وأبو الأسود الدولي، وخالد بن صفوان.
أخبرنا ابن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال قال أبو عبيدة: كان الحطيئة بذيا هجاء، فالتمس ذات يوم إنسانا يهجوه فلم يجده، وضاق عليه ذلك فأنشأ يقول:
أبت شفتاي اليوم إلا تكلمـا بشر فما أدري لمن أنا قائله وجعل يدهور هذا البيت في أشداقه ولا يرى إنسانا، إذ اطلع في ركي أو حوض فرأى وجهه فقال:
أرى لي وجها شوه الله خلقه فقبح من وجه وقبح حامله قدم المدينة فجمعت له العطايا خوفا منه نسخت من كتاب الحرمي بن أبي العلاء: حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال: قدم الحطيئة المدينة فأرصدت قريش له العطايا خوفا من شره، فقام في المسجد فصاح: من يحملني على بغلين.
أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام وأخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال قال أبو عبيدة والمدائني ومصعب: كان الحطيئة سؤولا جشعا، فقدم المدينة وقد أرصدت له قريش العطايا، والناس في سنة مجدبة وسخطة من خليفة، فمشى أشراف أهل المدينة بعضهم إلى بعض، فقالوا: قد قدم علينا هذا الرجل وهو شاعر، والشاعر يظن فيحقق، وهو يأتي الرجل من أشرافكم يسأله، فإن أعطاه جهد نفسه بهرها، وإن حرمه هجاه، فأجمع رأيهم على أن يجعلوا له شيئا معدا يجمعونه بينهم له، فكان أهل البيت من قريش والأنصار يجمعون له العشرة والعشرين والثلاثين دينارا حتى جمعوا له أربعمائة دينار، وظنوا أنهم قد أغنوه، فأتوه فقالوا له: هذه صلة آل فلان وهذه صلة آل فلان وهذه صلة آل فلان، فأخذها؛ فظنوا أنهم قد كفوه عن المسئلة، فإذا هو يوم الجمعة قد استقبل الإمام ماثلا ينادي: من يحملني على بغلين وقاه الله كبة جهنم.
متانة شعره
ووصف أبو عبيدة ومحمد بن سلام شعر الحطيئة فجمعت متفرق ما وصفاه به في هذا الخبر، أخبرنا به أبو خليفة عن محمد بن سلام وابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة قالا: طلب من كعب بن زهير أن يقول شعرا يضعه فيه بعده فقال، وهجاه لذلك مزرد بن ضرار كان الحطيئة متين الشعر، شرود القافية، وكان دنىء النفس، وما تشاء أن تطعن في عشر شاعر إلا وجدت فيه مطعنا، وما أقل ما تجد ذلك في شعره. قالا: فبلغ من دناءة نفسه أنه أتى كعب بن زهير - وكان الحطيئة راوية زهير وآل زهير - فقال له: قد علمت روايتي لكم أهل البيت وانقطاعي إليكم، وقد ذهب الفحول غيري وغيرك، فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك وتضعني موضعا بعدك - وقال أبو عبيدة: تبدأ بنفسك فيه ثم تثني بي - فإن الناس لأشعاركم أروى وإليها أسرع فقال كعب:
فمن للقوافي شانها من يحوكها إذا ما ثوى كعب وفور جرول
كفيتك لا تلقى من الناس واحدا تنخل منها مثل ما نتـنـخـل
نقول فلا نعيا بشيء نقـولـه ومن قائليها من يسيء ويجمل
نثقفها حتى تلين مـتـونـهـا فيقصر عنها كل ما يتمـثـل قال: فاعترضه مزرد بن ضرار، واسمه يزيد وهو أخو الشماخ، وكان عريضا أي شديد العارضة كثيرها، فقال:
باستك إذ خلفتني خلف شاعـر من الناس لم أكفىء ولم أتنخل
فإن تخشبا أخشب وإن تتنخـلا وإن كنت أفتى منكما أتنخـل
فلست كحسان الحسام ابن ثابت ولست كشماخ ولا كالمخبـل أنشد عمر شعرا هجا به قومه
ومدح إبله


صفحة : 164

نسخت من كتاب الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الضحاك قال: أنشد الحطيئة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قصيدة نال فيها من قومه ومدح إبله فقال:
مهاريس يروي رسلها ضيف أهلها إذا الريح أبدت أوجه الخـفـرات
يزيل القتاد جذبـهـا بـأصـولـه إذا أصبحت مقورة خـرصـات دخوله حفل سعيد بن العاص
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني عن التوزي عن أبي عبيدة قال: بينا سعيد بن العاص يعشي الناس بالمدينة والناس يخرجون أولا أولا، إذ نظر على بساطه إلى رجل قبيح المنظر، رث الهيئة، جالس مع أصحاب سمره، فذهب الشرط يقيمونه فأبى أن يقوم، وحانت من سعيد التفاتة فقال: دعوا الرجل، فتركوه؛ وخاضوا في أحاديث العرب وأشعاره مليا؛ فقال لهم الحطيئة: والله ما أصبتم جيد الشعر ولا شاعر العرب؛ فقال له سعيد: أتعرف من ذلك شيئا? قال: نعم؛ قال: فمن أشعر العرب? قال: الذي يقول:
لا أعد الإقتار عدما ولكن فقد من قد رزئته الإعدام وأنشدها حتى أتى عليها؛ فقال له: من يقولها? قال: أبو داود الإيادي؛ قال: ثم من? قال: الذي يقول:
أفلح بما شئت فقد يدرك بال جهل وقد يخـدع الأريب ثم أنشدها حتى فرغ منها؛ قال: ومن يقولها? قال عبيد بن الأبرص؛ قال: ثم من? قال: والله لحسبك بي عند رغبة أو رهبة إذا رفعت إحدى رجلي على الأخرى ثم عويت في أثر القوافي عواء الفصيل الصادي؛ قال: ومن أنت? قال: الحطيئة؛ قال: فرحب به سعيد، ثم قال: أسأت بكتماننا نفسك منذ الليلة؛ ووصله وكساه.
خبره مع عتيبة بن النهاس
ومضى لوجهه إلى عتيبة بن النهاس العجلي فسأله؛ فقال له: ما أنا على عمل فأعطيك من عدده، ولا في مالي فضل عن قومي؛ قال له: فلا عليك، وانصرف. فقال له بعض قومه: لقد عرضتنا ونفسك للشر قال: وكيف قالوا: هذا الحطيئة وهو هاجينا أخبث هجاء؛ فقال ردوه: فردوه إليه، فقال له: لم كتمتنا نفسك كأنك كنت تطلب العلل علينا اجلس فلك عندنا ما يسرك؛ فجلس فقال له: من أشعر الناس? قال: الذي يقول:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الـشـتـم يشـتـم فقال له عتيبة: إن هذا من مقدمات أفاعيك؛ ثم قال لوكيله: اذهب معه إلى السوق فلا يطلب شيئا إلا اشتريته له؛ فجعل يعرض عليه الخز ورقيق الثياب فلا يريدها ويومىء إلى الكرابيس والأكسية الغلاظ فيشتريها له حتى قضى أربه ثم مضى؛ فلما جلس عتيبة في نادي قومه أقبل الحطيئة، فلما رآه عتيبة قال: هذا مقام العائذ بك يا أبا مليكة من خيرك وشرك؛ قال: كنت قلت بيتين فاستمعهما ثم أنشأ يقول:
سئلت فلم تبخل ولم تعـط طـائلا فسيان لا ذم عـلـيك ولا حـمـد
وأنت امرؤ لا الجود منك سـجـية فتعطى ولا يعدي على النائل الوجد ثم ركض فرسه فذهب.
ليس في شعره مطعن
أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد البوشنجي قالا حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني محمد بن عمرو الجرجرائي عن أبي صفوان الأحوزي قال: ما من أحد إلا لو أشاء أن أجد في شعره مطعنا لوجدته إلا الحطيئة.
قول إسحاق أنه أشعر الشعراء بعد زهير
وفتيان صدق من عدي عـلـيهـم صفائح بصرى علقت بالعواتـق
إذا ما دعوا لم يسألوا من دعاهـم ولم يمسكوا فوق القلوب الخوافق
وطاروا إلى الجرد العتاق فألجموا وشدوا على أوساطهم بالمناطـق
أولئك آباء الغريب وغـاثة الـص ريخ ومأوى المرملين الـدرادق
أحلوا حياض الموت فوق جباههم مكان النواصي من وجوه السوابق ويروى:
إذا اسـتـلـحـــمـــوا... وإذا ركبوا لم ينظروا عن شمالهم ويروى: أولئك أبناء العزيف - ثم قال: أما إني ما أزعم أن أحدا بعد زهير أشعر من الحطيئة.
وافقه ابن ميادة في شطر فعرف أنه شاعر أخبرني الحسين بن يحيى حماد بن إسحاق عن أبيه قال: بلغني أنه لما قال ابن ميادة:
تمشي به ظلمانه وجآذره

صفحة : 165

قيل له: قد سبقك الحطيئة إلى هذا، فقال: والله ما علمت أن الحطيئة قال هذا قط، والآن علمت والله أني شاعر حين واطأت الحطيئة.
شعره وقول الأصمعي أفسده بالهجاء قال حماد: قال أبي: وقال لي الأصمعي وقد أنشدني شيئا من شعر الحطيئة: أفسد مثل هذا الشعر الحسن بهجاء الناس وكثرة الطمع.
سئل من أشعر الناس فأخرج لسانه يعني نفسه قال حماد: قال أبي: وبلغني عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أنه قال: لقيت الحطيئة بذات عرق فقلت له: يا أبا مليكة، من أشعر الناس? فأخرج لسانه كأنه لسان الحية ثم قال: هذا إذا طمع.
قابل حسان متنكرا وسمع من شعره ونسخت من كتاب أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير قال حدثني يحيى بن محمد بن طلحة وكان قد قارب ثمانين سنة قال: أخبرني بعض أشياخنا أن أعرابيا وقف على حسان بن ثابت وهو ينشد، فقال له حسان: كيف تسمع يا أعرابي? قال: ما أسمع بأسا؛ قال حسان: أما تسمعون إلى الأعرابي ما كنيتك أيها الرجل? قال: أبو مليكة، قال: ما كنت قط أهون علي منك حين أكتنيت بامرأة، فما اسمك? قال: الحطيئة، فأطرق حسان ثم قال له: امض بسلام.
كان بخيلا يطرد أضيافه
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائني قال: مر ابن الحمامة بالحطيئة وهو جالس بفناء بيته، فقال: السلام عليكم؛ فقال: قلت ما لا ينكر؛ قال: إني خرجت من عند أهلي بغير زاد؛ فقال: ما ضمنت لأهلك قراك؛ قال: أفتأذن لي أن آتي ظل بيتك فأتفيأ به? قال: دونك الجبل يفيء عليك؛ قال: أنا ابن الحمامة؛ قال: انصرف وكن ابن أي طائر شئت.
وأخبرنا بهذا الخبر اليزيدي عن الخزاز عن المدائني فحكى ما ذكرناه من قول الحطيئة عن أبي الأسود الدؤلي.
وأخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة والمدائني قالا: أتى رجل الحطيئة وهو في غنم له فقال له: يا صاحب الغنم، فرفع الحطيئة العصا وقال: إنها عجراء من سلم؛ فقال الرجل: إني ضيف؛ فقال: للضيفان أعددتها، فانصرف عنه. قال إسحاق: وقال غيرهما: إن الرجل قال له: السلام عليكم؛ فقال له: عجراء من سلم؛ فقال: السلام عليكم؛ فقال: أعددتها للطراق؛ فأعاد السلام فقال له: إن شئت قمت بها إليك؛ فانصرف الرجل عنه.
كان يقول إنما أنا حسب موضوع
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال: زعم الجاحظ أن الحطيئة كان يقول: إنما أنا حسب موضوع؛ فسمع عمرو بن عبيد رجلا يحكي ذلك عنه يقال له عبد الرحمن بن صديقة، فقال عمرو: كذب ترحه الله إنما ذلك التقوى.
هجاؤه أضيافه وقد ضافه صخر بن أعيى فتهاجيا
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال الأصمعي: لم ينزل ضيف قط بالحطيئة إلا هجاه، فنزل به رجل من بني أسد لم يسمه الأصمعي، وذكر أبو عبيدة أنه صخر بن أعيى الأسدي أحد بني أعيى ابن طريف بن عمرو بن قعين، فسقاه شربة من لبن، فلما شربها قال:
لما رأيت أن من يبتغي القـرى وأن ابن أعيى لا محالة فاضحي
شددت حيازيم ابن أعيى بشـربة على ظمأ سدت أصول الجوانح وروى الأصمعي شدت بالشين المعجمة.

ولم أك مثل الكاهلـي وعـرسـه بغى الود من مطروفة العين طامح
غدا باغيا يبغي رضـاهـا وودهـا وغابت له غيب امرىء غير ناصح
دعـت ربـهـا ألا يزال بـفـاقة ولا يغتدي إلا علـى حـد بـارح قال فأجابه صخر بن أعيى فقال:
ألا قـبـح الـحـطـيئة إنـه على كل ضيف ضافه هو سالح
دفعت إليه وهو يخنق كـلـبـه ألا كل كلب لا أبا لـك نـابـح
بكيت على مذق خبيث قـريتـه ألا كل عبسي على الزاد شائح قال أبو عبيدة وهجا الحطيئة أيضا رجلا من أضيافه فقال:
وسلم مرتين فقلت مـهـلا كفتك المرة الأولى السلاما
ونقنق بطنه ودعا رؤاسـا لما قد نال من شبع ونامـا أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام عن يونس أن الحطيئة خرج في سفر له ومعه امرأته أمامة وابنته مليكة، فنزل منزلا وسرح ذودا له ثلاثا، فلما قام للرواح فقد إحداها فقال:
أذئب القفـر أم ذئب أنـيس أصاب البكر أم حدث الليالي

صفحة : 166


ونحن ثـلاثة وثـلاث ذود لقد جار الزمان على عيالي أخبرني محمد بن خلف وكيع والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد عن أبيه قال قال أبو عمرو بن العلاء: لم تقل العرب بيتا قط أصدق من بيت الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس فقيل له: فقول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تـزود فقال: من يأتيك بها ممن زودت أكثر، وليس بيت مما قالته الشعراء إلا وفيه مطعن إلا قول الحطيئة:
لا يذهب العرف بين الله والناس قال إسحاق قال المدائني قال سلم بن قتيبة: ما أعلم قافية تستغني عن صدرها وتدل عليه وإن لم ينشد مثل قول الحطيئة:
لا يذهب العرف بين الله والناس كتب له الأصمعي أربعين قصيدة في ليلة
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا الرياشي قال سمعت الأصمعي يقول: كتبت للحطيئة في ليلة أربعين قصيدة.
قوله لا يذهب العرف مكتوب في التوراة
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة قال: بلغني أن هذا البيت في التوراة، ذكره غير واحد عن أبي بن كعب. يعني قول الحطيئة:
لا يذهب العرف بين الله والناس قال إسحاق وذكر عبد الله بن مروان عن أيوب بن عثمان الدمشقي عن عثمان بن أبي عائشة قال: سمع كعب الحبر رجلا ينشد بيت الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس فقال: والذي نفسي بيده إن هذا البيت لمكتوب في التوراة. قال إسحاق قال العمري: والذي صح عندنا في التوراة لا يذهب العرف بين الله والعباد .
أوصى ابن شداد ابنه محمدا بشعره
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه قال قال أبو عدنان: لما حضرت عبيد الله ابن شداد الوفاة دعا ابنه محمدا فأوصاه وقال له: يا بني أرى داعي الموت لا يقلع، وبحق أن من مضى لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزع. يا بني، ليكن أولى الأمور بك تقوى الله في السر والعلانية، والشكر لله، وصدق الحديث والنية، فإن للشكر مزيدا، والتقوى خير زاد، كما قال الحطيئة:
ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو الـسـعـيد
وتقوى الله خير الزاد ذخـرا وعند الله للأتـقـى مـزيد
وما لابـد أن يأتـي قـريب ولكن الذي يمضـي بـعـيد مدحه أبا موسى الأشعري
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال أخبرني أبو عبيدة عن يونس قال: قدم حماد الراوية البصرة على بلال بن أبي بردة وهو عليها؛ فقال له: ما أطرفتني شيئا يا حماد؛ قال: بلى، ثم عاد إليه فأنشده للحطيئة في أبي موسى الأشعري يمدحه:
جمعت من عامر فيه ومن جشم ومن تميم ومن حاء ومن حـام
مستحقبات رواياها جحافلـهـا يسمو بها أشعري طرفه سامي فقال له بلال: ويحك أيمدح الحطيئة أبا موسى الأشعري وأنا أروي شعر الحطيئة كله فلا أعرفها ولكن أشعها تذهب في الناس.
وذكر المدائني أن الحطيئة قال هذه القصيدة في أبي موسى، وأنها صحيحة. قالها فيه وقد جمع جيشا للغزو فأنشده:
جمعت من عامر فيه ومن أسد وذكر البتين وبينهما هذا البيت وهو:
فما رضيتهم حتى رفدتـهـم بوائل رهط ذي الجدين بسطام فوصله أبو موسى؛ فكتب إليه عمر رضي الله عنه يلومه على ذلك؛ فكتب إليه: إني اشتريت عرضي منه بها؛ فكتب إليه عمر: إن كان هذا هكذا وإنما فديت عرضك من لسانه ولم تعطه للمدح والفخر فقد أحسنت. ولما ولى بلال ابن أبي بردة أنشده إياها حماد الراوية فوصله أيضا.
كذبه عمر في بيت قاله
ونسخت من كتاب لحماد بن إسحاق حدثني به أبي وأخبرني به عمي عن الكراني عن الرياشي قال حدثني محمد بن الطفيل عن أبي بكر بن عياش عن الحارث بن عبد الرحمن بن مكحول قال: سبق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فرس له فجثا على ركبتيه وقال: إنه لبحر ؛ قال عمر: كذب الحطيئة حيث يقول:
وإن جياد الخيل لا تسـتـفـزنـا ولا جاعلات الريط فوق المعاصم لو ترك هذا أحد لتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أراد سفرا فاستعطفته امرأته فرجع


صفحة : 167

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن ابي عبيدة أن الحطيئة أراد سفرا فأتته امرأته وقد قدمت راحلته ليركب، فقال:
أذكر تحنننا إليك وشوقنـا واذكر بناتك إنهن صغار فقال: حطوا، لا رحلت لسفر أبدا.
رؤية صاحب الحطيئة الجني
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي ومحمد بن الحسن بن دريد قالا حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه عن أبيه قال: قال رجل: ضفت قوما في سفر وقد ضللت الطريق، فجاءوني بطعام أجد طعمه في فمي وثقله في بطني، ثم قال شيخ منهم لشاب: أنشد عمك؛ فأنشدني:
عفا من سليمى مسحلان فحامره تمشى به ظلمـانـه وجـآذره فقلت له: أليس هذا للحطيئة? فقال: بلى، وأنا صاحبه من الجن.
ابن شبرمة يستجيد شعره
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: قال ابن عيينة: سمعت ابن شبرمة يقول: أنا والله أعلم بجيد الشعر، لقد أحسن الحطيئة حيث يقول:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا الـبـنـى وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعماء فيهم جزوا بـهـا وإن أنعموا لا كدروهـا ولا كـدوا
وإن قال مولاهم على جـل حـادث من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا قال: وقال الأصمعي وقد سأله أبو عدنان عن هذا البيت: ما واحد البنى، قال: بنيه؛ فقال له: أتجمع فعلة على فعل? قال: نعم مثل رشوة ورشى وحبوة وحبى.
نزوله على بني مقلد بن يربوع
حدثنا أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن أحمد بن صدقة الأنباري قال حدثنا ابن الأعرابي عن المفضل: أن الحطيئة أقحمته السنة، فنزل ببني مقلد بن يربوع، فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: إن هذا الرجل لا يسلم أحد من لسانه، فتعالوا حتى نسأله عما يحب فنفعله وعما يكره فنجتنبه؛ فأتوه فقالوا له: يا أبا مليكة، إنك اخترتنا على سائر العرب ووجب حقك علينا، فمرنا بما تحب أن نفعله وبما تحب أن ننتهي عنه؛ فقال: لا تكثروا زيارتي فتملوني، ولا تقطعوها فتوحشوني، ولا تجعلوا فناء بيتي مجلسا لكم، ولا تسمعوا بناتي غناء شبانكم، فإن الغناء رقية الزنا. قال: فأقام عندهم. وجمع كل رجل منهم ولده وقال: أمكم الطلاق، لئن تغنى أحد منكم والحطيئة مقيم بين أظهرنا لأضربنه ضربة بسيفي أخذت منه ما أخذت. فلم يزل مقيما فيما يرضى حتى انجلت عنه السنة، فارتحل وهو يقول:
جاورت آل مقلد فحمدتـهـم إذ ليس كل أخي جوار يحمد
أيام من يرد الصنيعة يصطنع فينا ومن يرد الزهادة يزهد خبره مع الزبرقان وسبب هجائه إياه
فأما خبره مع الزبرقان بن بدر والسبب في هجائه إياه، فأخبرني به أبو خليفة عن محمد بن سلام ولم يتجاوزه به، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن سلام عن يونس، وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة، وأخبرني اليزيدي عن عمه عبيد الله عن أبي حبيب عن ابن الأعرابي وقد جمعت رواياتهم وضممت بعضها إلى بعض:

صفحة : 168

أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ولى الزبرقان بن بدر بن امرىء القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم عملا، وذكر مثل ذلك الأصمعي، وقال: الزبرقان: القمر، والزبرقان: الرجل الخفيف اللحية. قال: وأقره أبو بكر رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم على عمله، ثم قدم على عمر في سنة مجدبة ليؤدي صدقات قومه، فلقيه الحطيئة بقرقرى ومعه ابناه أوس وسوادة وبناته وامرأته؛ فقال له الزبرقان وقد عرفه ولم يعرفه الحطيئة: أين تريد? قال: العراق، فقد حطمتنا هذه السنة؛ قال: وتصنع ماذا? قال وددت أن أصادف بها رجلا يكفيني مؤونة عيالي وأصفيه مدحي أبدا؛ فقال له الزبرقان: قد أصبته، فهل لك فيه يوسعك لبنا وتمرا ويجاورك أحسن جوار وأكرمه? فقال له الحطيئة: هذا وأبيك العيش، وما كنت أرجو هذا كله؛ قال: فقد أصبته؛ قال: عند من? قال: عندي؛ قال: ومن أنت? قال: الزبرقان بن بدر؛ قال وأين محلك? قال: اركب هذه الإبل، واستقبل مطلع الشمس، وسل عن القمر حتى تأتي منزلي. قال يونس: وكان اسم الزبرقان الحصين بن بدر، وإنما سمي الزبرقان لحسنه، شبه القمر. وقيل: بل لبس عمامة مزبرقة بالزعفران فسمي الزبرقان لذلك. وقال أبو عبيدة في خبره: فقال له: سر إلى أم شذرة وهي أم الزبرقان وهي أيضا عمة الفرزدق، وكتب إليها أن أحسني إليه، وأكثري له من التمر واللبن. وقال آخرون: بل وكله إلى زوجته. فلحق الحطيئة بزوجته على رواية ابن سلام، وهي بنت صعصعة بن ناجية المجاشعية، واسمها هنيدة، وعلى رواية أبي عبيدة: أنها أمه، وذلك في عام صعب مجدب، فأكرمته المرأة وأحسنت إليه؛ فبلغ ذلك بغيض بن عامر بن شماس بن لأي بن جعفر وهو أنف الناقة بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وبلغ إخوته وبني عمه فاغتنموها. وفي خبر اليزيدي عن عمه قال ابن حبيب عن ابن الأعرابي: وكانوا يغضبون من أنف الناقة، وإنما سمي جعفر أنف الناقة لأن أباه قريعا نحر ناقة فقسمها بين نسائه، فبعثت جعفرا هذا أمه، وهي الشموس من وائل ثم من سعد هذيم، فأتى أباه ولم يبق من الناقة إلا رأسها وعنقها، فقال: شأنك بهذا؛ فأدخل يده في أنفها وجر ما أعطاه؛ فسمي أنف الناقة. وكان ذلك كاللقب لهم حتى مدحهم الحطيئة، فقال:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا فصار بعد ذلك فخرا لهم ومدحا، وكانوا ينازعون الزبرقان الشرف - يعني بغيضا وإخوته وأهله - وكانوا أشرف من الزبرقان، إلا أنه قد كان استعلاهم بنفسه. وقال أبو عبيدة في خبره: كان الحطيئة دميما سيء الخلق، لا تأخذه العين، ومعه عيال كذلك. فلما رأت أم شذرة حاله هان عليها وقصرت به، ونظر بغيض وبنو أنف الناقة إلى ما تصنع به أم شذرة، فأرسلوا إليه: أن ائتنا، فأبى عليهم وقال: إن من شأن النساء التقصير والغفلة، ولست بالذي أحمل على صاحبها ذنبها. فلما ألح عليه بنو أنف الناقة، وكان رسولهم إليه شماس بن لأي وعلقمة بن هوذة وبغيض بن شماس والمخبل الشاعر، قال لهم: لست بحامل على الرجل ذنب غيره، فإن تركت وجفيت تحولت إليكم؛ فأطعموه ووعدوه وعدا عظيما. وقال ابن سلام في خبره: فلما لم يجبهم دسوا إلى هنيدة زوجة الزبرقان أن الزبرقان إنما يريد أن يتزوج ابنته مليكة؛ وكانت جميلة كاملة، فظهرت من المرأة للحطيئة جفوة وهي في ذاك تداريه. ثم أرادوا النجعة، قال أبو عبيدة: فقالت له أم شذرة - وقال ابن سلام: فقالت له هنيدة -: قد حضرت النجعة فاركب أنت وأهلك هذا الظهر إلى مكان كذا وكذا، ثم اردده إلينا حتى نلحقك فإنه لا يسعنا جميعا؛ فأرسل إليها: بل تقدمي أنت فأنت أحق بذلك؛ ففعلت وتثاقلت عن ردها إليه وتركته يومين أو ثلاثة، وألح بنو أنف الناقة عليه وقالوا له: قد تركت بمضيعة. وكان أشدهم في ذلك قولا بغيض بن شماس وعلقمة بن هوذة، وكان الزبرقان قد قال في علقمة:
لي ابــن عـــم لا يزا ل بعيني ويعـين عـائب
وأعينـه فـي الـنـائبـا ت ولا يعين على النوائب
تسـري عـقـاربــه إل ى ولا تدب له عـقـارب
لاه ابـن عـمـك لا يخـا ف المحزنات من العواقب

صفحة : 169

قال: فكان علقمة ممتلئا غيظا عليه. فلما ألحوا على الحطيئة أجابهم وقال: أما الآن فنعم، أنا صائر معكم. فتحمل معهم، فضربوا له قبة، وربطوا بكل طنب من أطنابها جلة هجرية، وأراحوا عليه إبلهم، وأكثروا له من التمر واللبن، وأعطوه لقاحا وكسوة. قال: فلما قدم الزبرقان سأل عنه فأخبر بقصته، فنادى في بني بهدلة بن عرف، وهم لأم دون قريع، أمهم السفعاء بنت غنم بن قتيبة من باهلة. فركب الزبرقان فرسه، وأخذ رمحه، وسار حتى وقف على نادي بني شماس القريعيين، فقال: ردوا علي جاري؛ فقالوا: ما هو لك بجار وقد اطرحته وضيعته؛ فألم أن يكون بين الحيين حرب، فحضرهم أهل الحجا من قومهم، فلاموا بغيضا وقالوا: اردد على الرجل جاره؛ فقال: لست مخرجه وقد آويته، وهو رجل حر مالك لأمره، فخيروه فإن اختارني لم أخرجه، وإن اختاره لم أكرهه. فخيروا الحطيئة فاختار بغيضا ورهطه؛ فجاء الزبرقان ووقف عليه وقال له: أبا مليكة، أفارقت جواري عن سخط وذم? قال: لا؛ فانصرف وتركه. هذه رواية ابن سلام، وأما أبو عبيدة فإنه ذكر أنه كان بين الزبرقان ومن معه من القريعيين تلاح وتشاح. وزعم غيرهما أن الزبرقان استعدى عمر بن الخطاب على بغيض، فحكم عمر بأن يخرج الحطيئة حتى يقام في موضع خال بين الحيين وحده ويخلى سبيله، ويكون جار أيهما اختار؛ ففعل ذلك به، فاختار القريعيين. قال: وجعل الحطيئة يمدحهم من غير أن يهجو الزبرقان، وهم يحضونه على ذلك ويحرضونه فيأبى ويقول: لا ذنب للرجل عندي؛ حتى أرسل الزبرقان إلى رجل من النمر بن قاسط يقال له دثار بن شيبان، فهجا بغيضا فقال:
أرى إبلي بجوف الماء حلـت وأعوزها به المـاء الـرواء
وقد وردت مياه بنـي قـريع فما وصلوا القرابة مذ أساءوا
تحلأ يوم ورد الناس إبـلـي وتصدر وهي محنقة ظمـاء
ألم أك جار شماس بـن لأي فأسلمني وقد نزل الـبـلاء
فقلت تحـولـي يا أم بـكـر إلى حيث المكارم والعـلاء
وجدنا بيت بهدلة بـن عـوف تعالى سمكه ودجا الفـنـاء
وما أضحى لشماس بـن لأي قديم في الفعـال ولا ربـاء
سوى أن الحطيئة قال قـولا فهذا من مقـالـتـه جـزاء فحينئذ قال الحطيئة يهجو الزبرقان ويناضل عن بغيض قصيدته التي يقول فيها:
والله ما معشر لاموا امرأ جنبـا في آل لأي بن شماس بأكـياس
ما كان ذنب بغيض لا أبا لـكـم في بائس جاء يحدو آخر النـاس
لقد مريتـكـم لـو أن درتـكـم يوما يجيىء بها مسحي وإبساسي
وقد مدحتكم عمـدا لأرشـدكـم كيما يكون لكم متحي وإمراسي
لما بدا لي منكم غيب أنفسـكـم ولم يكن لجراحي فيكـم آسـي
أزمعت يأسا مبينا من نوالـكـم ولن يرى طاردا للحر كالـياس
جار لقوم أطالوا هون منـزلـه وغادروه مقيما بـين أرمـاس
ملوا قراه وهرتـه كـلابـهـم وجرحوه بـأنـياب وأضـراس
دع المكارم لا ترحل لبغـيتـهـا واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
من يفعل الخير لا يعدم جـوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ما كان ذنبي أن فلت معاولـكـم من آل لأي صفاة أصلها راسي
قد ناضلوك فسلوا من كنائنـهـم مجدا تليدا ونبلا غير أنـكـاس - الجنب: الغريب. والإبساس: أن يسكنها عند الحلب. والماتح: المستقي الذي يجذب الدلو من فوق. والإمراس: أن يقع الحبل في جانب البكرة فيخرجه












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-26-2006, 12:07 AM   المشاركة رقم: 24
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.26 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

استعدى الزبرقان عليه فحبسه فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب، فرفعه عمر إليه واستنشده فأنشده؛ فقال عمر لحسان: أتراه هجاه? قال: نعم وسلح عليه، فحبسه عمر: <H6 فصل زياد بنحو ما فصل عمر</H6 <H6 في أمر الزبرقان والحطيئة </H6

صفحة : 170

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية عن أبي عبد الرحمن الطائي عن عبد الله بن عياش عن الشعبي قال: شهدت زيادا وأتاه عامر بن مسعود بأبي علاثة التيمي، فقال: إنه هجاني؛ قال: وما قال لك? قال قال:
وكيف أرجي ثروها ونمـاءهـا وقد سار فيها خصية الكلب عامر فقال أبو علاثة: ليس هكذا قلت؛ قال: فكيف قلت? قال قلت:
وإني لأرجو ثروها ونماءهـا وقد سار فيها ناجذ الحق عامر قال زياد: قاتل الله الشاعر، ينقل لسانه كيف شاء، والله لولا أن تكون سنة لقطعت لسانك فقام قيس بن فهد الأنصاري فقال: أصلح الله الأمير، ما أدري من الرجل، فإن شئت حدثتك عن عمر بما سمعت منه - قال: وكان زياد يعجبه الحديث عن عمر رضي الله عنه - قال: هاته، قال شهدته وأتاه الزبرقان بن بدر بالحطيئة فقال: إنه هجاني؛ قال ما قال لك? قال قال لي:
دع المكارم لا ترحل لبغيتـهـا وقاعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فقال عمر: ما أسمع هجاء ولكنها معاتبة؛ فقال الزبرقان: أو ما تبلغ مروؤتي إلا أن آكل وألبس فقال عمر: علي بحسان، فجيء به فسأله؛ فقال: لم يهجه ولكن سلح عليه - قال ويقال: إنه سأل لبيدا عن ذلك فقال: ما يسرني أنه لحقني من هذا الشعر ما لحقه وأن لي حمر النعم - فأمر به عمر فجعل في نقير في بئر ثم ألقي عليه شيء، فقال:
ماذا تقول لأفـراخ بـذي مـرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظـلـمة فاغفر عليك سلام الله يا عمـر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبـه ألقى إليك مقاليد النهى البـشـر
لم يؤثروك بها إذ قدمـوك لـهـا لكن لأنفسهم كانت بـك الأثـر فأخرجه وقال له: إياك وهجاء الناس؛ قال: إذا يموت عيالي جوعا، هذا مكسبي ومنه معاشي؛ قال: فإياك والمقذع من القول؛ قال: وما المقذع? قال: أن تخاير بين الناس فتقول: فلان خير من فلان، وآل فلان خير من آل فلان؛ قال: فأنت والله أهجى مني. ثم قال: والله لولا أن تكون سنة لقطعت لسانك، ولكن اذهب فأنت له، خذه يا زبرقان؛ فألقى الزبرقان في عنقه عمامة فاقتاده بها؛ وعارضته غطفان فقالوا له: يا أبا شذرة، إخوتك وبنو عمك، هبه لنا؛ فوهبه لهم. فقال زياد لعامر بن مسعود: قد سمعت ما روي عن عمر، وإنما هي السنن، فاذهب به فهو لك؛ فألقى في عنقه حبلا أو عمامة، وعارضته بكر بن وائل فقالوا له: أخوالك وجيرانك؛ فوهبه لهم.
<H6 استعطف عمر بشعر فأطلقه</H6 أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة: أن الحطيئة لما حبسه عمر قال وهو أول ما قاله:
أعوذ بجـدك إنـي امـرؤ سقتني الأعادي إليك السجالا
فإنك خير من الزبـرقـان أشد نكالا وأرجـى نـوالا
تحنن علي هداك المـلـيك فإن لكل مـقـام مـقـالا
ولا تأخذني بقول الـوشـاة فإن لكـل زمـان رجـالا
فإن كان ما زعموا صادقـا فسيقت إليك نسائي رجـالا
حواسر لا يشتكين الـوجـا يخفضن آلا ويرفـعـن آلا فلم يلتفت عمر إليه حتى قال أبياته التي أولها:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ أخبرني الحرمي بن أبي العلاء ومحمد بن العباس اليزيدي وعمر بن عبد العزيز بن أحمد وطاهر بن عبد الله الهشامي قالوا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الضحاك بن عثمان الحزامي قال حدثني عبد الله بن مصعب عن ربيعة بن عثمان عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: أرسل عمر إلى الحطيئة وأنا جالس عنده وقد كلمه فيه عمرو بن العاص وغيره فأخرجه من السجن فأنشده قوله:
ماذا تقول لأفـراخ بـذي مـرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظـلـمة فاغفر عليك سلام الله يا عمـر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبـه ألقى إليك مقاليد النهي البـشـر
لم يؤثروك بها إذ قدمـوك لـهـا لكن لأنفسهم كانت بـك الأثـر

صفحة : 171


فامنن على صبية بالرمل مسكنهم بين الأباطح تغشاهم بها القـرر
أهلي فداؤك كم بيني وبـينـهـم من عرض داوية تعمى بها الخبر - قال فبكى حين قال:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ فقال عمرو بن العاص: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أعدل من رجل يبكي على تركه الحطيئة - فقال عمر: علي بالكرسي، فأتي به، فجلس عليه ثم قال: أشيروا علي في الشاعر، فإنه يقول الهجر وينسب بالحرم ويمدح الناس ويذمهم بغير ما فيهم، ما أراني إلا قاطعا لسانه، ثم قال: علي بالطست، فأتي بها، ثم قال: علي بالمخصف، علي بالسكين، لا بل علي بالموسى، فهو أوحى؛ فقالوا لا يعود يا أمير المؤمنين، فأشاروا إليه أن قل لا أعود؛ فقال: لا أعود يا أمير المؤمنين؛ فقال له: النجاء. قال: فلما ولى قال له عمر: يا حطيئة، كأني بك عند فتى من قريش، قد بسط لك نمرقة وكسر له أخرى وقال: غننا يا حطيئة فطفقت تغنيه بأعراض الناس. قال ابن أسلم: فما انقضت الدنيا حتى رأيت الحطيئة عند عبيد الله بن عمر قد بسط له نمرقة وكسر له أخرى وقال: غننا يا حطيئة، فجعل يغنيه، فقلت له: يا حطيئة، أتذكر قول عمر? ففزع وقال: يرحم الله ذلك المرء، أما إنه لو كان حيا ما فعلت. قال: وقلت لعبيد الله: سمعت أباك يقول كذا وكذا فكنت أنت ذلك الرجل.
اشترى منه عمر أعراض المسلمين وروي عن عبد الله بن المبارك أن عمر رضي الله عنه لما أطلق الحطيئة أراد أن يؤكد عليه الحجة فاشترى منه أعراض المسلمين جميعا بثلاثة آلاف درهم؛ فقال الحطيئة في ذلك:
وأخذت أطراف الكلام فلم تدع شتما يضر ولا مديحا ينـفـع
وحميتني عرض اللئيم فلم يخف دمي وأصبح آمنـا لا يفـزع شفاعة ابن عوف له عند عمر أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه عن نافع بن أبي نعيم: أن عبد الرحمن بن عوف هو الذي استرضى عمر بن الخطاب وكلمه في أمر الحطيئة حتى أخرجه من السجن. قال حماد وأخبرني أبي عن أبي عبيدة أن عمر رضي الله عنه لما أطلقه قال الشاعر النمري الذي كان الزبرقان حمله على هجاء بغيض:
دعاني الأثبجان ابنا بـغـيض وأهلي بالعلاة فـمـنـيانـي
وقالوا سر بأهلـك فـأتـينـا إلى حب وأنـعـام سـمـان
فسرت إليهم عشرين شـهـرا وأربعة فـذلـك حـجـتـان
فلما أن أتيت ابنـي بـغـيض وأسلمني بـدائي الـداعـيان
يبيت الذئب والعثواء ضـيفـا لنا بالليل بئس الـضـائفـان
أمارس منهمـا لـيلا طـويلا أهجهج عن بنـي ويعـروان
تقول حليلتي لما اشـتـكـينـا سيدركنا بنو القرم الهـجـان
سيدركنا بنو القمر بـن بـدر سراج الليل للشمس الحصان
فقلت ادعي وأدعـو إن أنـدى لصـوت أن ينـادي داعـيان
فمن يك سائلا عنـي فـإنـي أنا النمري جار الزبـرقـان
طريد عشيرة وطريد حـرب بما اجترمت يدي وجنى لساني
كأني إذ نزلـت بـه طـريدا نزلت على الممنع من أبـان
أتيت الزبرقان فلم يضعـنـي وضيعني بتريم من دعـانـي مكثه في بني قريع
إلى أن أخصبوا وأجازوه فرحل عنهم ومدحهم
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة قال: لم يزل الحطيئة في بني قريع يمدحهم حتى إذا أحيوا قال لبغيض: ف لي بما كنت تضمنت؛ فأتى بغيض علقمة بن هوذة فقال له: قد جاء الله بالحيا، فف لي بما قلت - وكان قد ضمن له مائة بعير - وأبرئني مما تضمنته عهدتي؛ فقال: نعم، سل في بني قريع فمهما فضل بعد عطائهم أن يتم مائة أتممته، ففعل فجمعوا له أربعين أو خمسين بعيرا، كان الرجل يعطيه على قدر ماله البعير والبعيرين؛ قال: فأتمها علقمة له مائة وراعيين فدفعت إليه فلم يزل يمدحهم وهو مقيم بينهم حتى قال كلمته السينية واستعدى الزبرقان عليه عمر رضي الله عنه. فلما رحل عنهم قال:
لا يبعد الله إذ ودعت أرضهم أخي بغيضا ولكن غيره بعدا

صفحة : 172


لا يبعد الله من يعطي الجزيل ومن يحبو الجليل وما أكدي ولا نكـدا
ومن تلاقيه بالمعروف مبتهـجـا إذا اجرهد صفا المذموم أو صلدا
لاقيته ثلجـا تـنـدى أنـامـلـه أن يعطك اليوم لا يمنعك ذاك غدا
إني لرافده ودي ومنـصـرتـي وحافظ غيبه إن غاب أو شهـدا سؤاله ابن عباس في هجاء الناس
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن ابن دأب عن عبد الله بن عياش المنتوف قال: بينا ابن عباس جالس في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما كف بصره وحوله ناس من قريش، إذ أقبل أعرابي يخطر وعليه مطرف وجبة وعمامة خز، حتى سلم على القوم فردوا عليه السلام، فقال: يابن عم رسول الله، أفتني؛ قال: فيماذا? قال أتخاف علي جناحا إن ظلمني رجل فظلمته وشتمني فشتمته وقصر بي فقصرت به? فقال: العفو خير، ومن انتصر فلا جناح عليه؛ فقال: يابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت امرأ أتاني فوعدني وغرني ومناني ثم أخلفني واستخف بحرمتي، أيسعني أن أهجوه? قال: لا يصلح الهجاء، لأنه لابد لك من أن تهجو غيره من عشيرته فتظلم من لم يظلمك، وتشتم من لم يشتمك، وتبغي على من لم يبغ عليك، والبغي مرتع وخيم، وفي العفو ما قد علمت من الفضل؛ قال: صدقت وبررت؛ فلم ينشب أن أقبل عبد الرحمن بن سيحان المحاربي حليف قريش، فلما رأى الأعرابي أجله وأعظمه وألطف في مسئلته، وقال: قرب الله دارك يا أبا مليكة، فقال ابن عباس: أجرول? قال: جرول؛ فإذا هو الحطيئة، فقال ابن عباس: لله أنت أي مردي قذاف، وذائد عن عشيرة، ومثن بعارفة تؤتاها أنت يا أبا مليكة والله لو كنت عركت بجنبك بعض ما كرهت من أمر الزبرقان كان خيرا لك، ولقد ظلمت من قومه من لم يظلمك، وشتمت من لم يشتمك؛ قال: إني والله بهم يا أبا العباس لعالم؛ قال ما أنت بأعلم بهم من غيرك؛ قال: بلى والله يرحمك الله ثم أنشأ يقول:
أنا ابن بجدتهم علما وتـجـربة فسل بسعد تجدني أعلم النـاس
سعد بن زيد كثير إن عددتهـم ورأس سعد بن زيد آل شماس
والزبرقان ذناباهـم وشـرهـم ليس الذنابى أبا العباس كالراس فقال ابن عباس: اقسمت عليك ألا تقول إلا خيرا، قال: أفعل. ثم قال ابن عباس: يا أبا مليكة، من أشعر الناس? قال: أمن الماضين أم من الباقين? قال: من الماضين؛ قال: الذي يقول:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الـشـتـم يشـتـم وما بدونه الذي يقول:
ولست بمستبق أخا لا تـلـمـه على شعث أي الرجال المهذب ولكن الضراعة أفسدته كما أفسدت جرولا - يعني نفسه - والله يابن عم رسول الله لولا الطمع والجشع لكنت أشعر الماضين، فأما الباقون فلا تشك أني أشعرهم وأصردهم سهما إذا رميت.
الزبرقان وبنو أنف الناقة
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: روي لنا عن أبي عبيدة والهيثم بن عدي وغيرهما: أن عبد الله بن أبي ربيعة لما قدم من البحرين نزل على الزبرقان بن بدر بمائه فحلأه وهو الماء الذي يقال له بنيان، فنزل على بني أنف الناقة بمائهم وهو الذي يقال له وشيع، فأكرموه وذبحوا له شاة وقالوا: لو كانت إبلنا منا قريبة لنحرنا لك؛ فراح من عندهم يتغنى فيهم بقوله:
وما الزبرقان يوم يمنع مـاءه بمحتسب التقوى ولا متوكـل
مقيم على بنيان يمنـع مـاءه وماء وشيع ماء ظمآن مرمل قال: فركب الزبرقان إلى عمر رضي الله عنه فاستعداه على عبد الله وقال: إنه هجاني يا أمير المؤمنين؛ فسأل عمر عن ذلك عبد الله؛ فقال له: يا أمير المؤمنين، إني نزلت على مائه فحلأني عنه؛ فقال عمر رضوان الله عليه: يا زبرقان، أتمنع ماءك من ابن السبيل قال: يا أمير المؤمنين ألا أمنع ماء حفر آبائي مجاريه ومستقره وحفرته أنا بيدي فقال عمر: والذي نفسي بيده، لئن بلغني أنك منعت ماءك من أبناء السبيل لا ساكنتني بنجد أبدا فقال بعض بني أنف الناقة يعير الزبرقان ما فعله:
أتدري من منعت ورود حوض سليل خضارم منعوا البطاحـا

صفحة : 173


أزاد الركب تمنع أم هشاما وذا الرمحين أمنعهم سلاحا
هم منعوا الأباطح دون فهر ومن بالخيف والبدن اللقاحا
بضرب دون بيضتهم طلخف إذ الملهوف لاذ بهم وصاحا
وما تدري بأيهـم تـلاقـي صدور المشرفية والرماحا وصيته عند موته بالشعراء والفقراء
وللحطيئة وصية ظريفة يأتي كل فريق من الرواة ببعضها، وقد جمعت ما وقع إلي منها في موضع واحد وصدرت بأسانيدها.
أخبرني بها محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال حدثنا عيينة بن المنهال عن الأصمعي، وأخبرني بها أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة، وأخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة، ونسختها من كتاب محمد بن الليث عن محمد بن عبد الله العبدي عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي عمرة عن أبيه، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة، وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قالوا: لما حضرت الحطيئة الوفاة اجتمع إليه قومه فقالوا: يا أبا مليكة: أوص فقال: ويل للشعر من راوية السوء؛ قالوا: أوص رحمك الله يا حطىء؛ قال: من الذي يقول:
إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ترنم ثكلى أوجعتها الجنـائز? قالوا: الشماخ؛ قال: أبلغوا غطفان أنه أشعر العرب؛ قالوا: ويحك أهذه وصية أوص بما ينفعك قال: أبلغوا أهل ضابىء أنه شاعر حيث يقول:
لكل جديد لذة غير أنـنـي رأيت جديد الموت غير لذيذ قالوا: أوص ويحك بما ينفعك قال: أبلغوا أهل امرىء القيس أنه أشعر العرب حيث يقول:
فيا لك من ليل كأن نجومـه بكل مغار الفتل شدت بيذبل قالوا: اتق الله ودع عنك هذا؛ قال: أبلغوا الأنصار أن صاحبهم أشعر العرب حيث يقول:
يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل قالوا: هذا لا يغني عنك شيئا، فقل غير ما أنت فيه؛ فقال:
الشعر صعب وطويل سلمه إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه يريد أن يعربه فيعجـمـه قالوا: هذا مثل الذي كنت فيه؛ فقال:
قد كنت أحيانا شديد المعتـمـد وكنت ذا غرب على الخصم ألد
فوردت نفسي وما كادت ترد قالوا: يا أبا مليكة، ألك حاجة? قال: لا والله، ولكن أجزع على المديح الجيد يمدح به من ليس له أهلا. قالوا: فمن أشعر الناس? فأومأ بيده إلى فيه وقال: هذا الحجير إذا طمع في خير )يعني فمه( واستعبر باكيا؛ فقالوا له: قل لا إله إلا الله؛ فقال:
قالت وفيها حيدة وذعر عوذ بربي منكم وحجر فقالوا له: ما تقول في عبيدك وإمائك? فقال: هم عبيد قن ما عاقب الليل النهار؛ قالوا: فأوص للفقراء بشيء؛ قال: أوصيهم بالإلحاح في المسئلة فإنها تجارة لا تبور، واست المسئول أضيق.
قالوا: فما تقول في مالك? قال: للأنثى من ولدي مثل حظ الذكر؛ قالوا: ليس هكذا قضى الله جل وعز لهن؛ قال: لكني هكذا قضيت.
قالوا: فما توصي لليتامى? قال: كلوا أموالهم ونيكوا أمهاتهم؛ قالوا: فهل شيء تعهد فيه غير هذا? قال: نعم، تحملونني على أتان وتتركونني راكبها حتى أموت فإن الكريم لا يموت على فراشه، والأتان مركب لم يمت عليه كريم قط؛ فحملوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون عليها حتى مات وهو يقول:
لا أحد ألأم مـن حـطـيه هجا بنيه وهجا الـمـريه
من لؤمه مات على فريه والفرية: الأتان.
الغناء في شعر الحطيئة
ذكر ما غني فيه من القصائد التي مدح بها الحطيئة بغيضا وقومه وهجا الزبرقان وقومه منها: صوت

ألا طرقتنا بعد ما هجعـوا هـنـد وقد جزن غورا واستبان لنا نجـد
وإن التي نكبتها عـن مـعـاشـر علي غضاب أن صددت كما صدوا الغناء لعلويه ثقيل أول بالوسطى عن عمرو، وهذه القصيدة التي يقول فيها:
أتت آل شماس بن لأي وإنمـا أتاهم بها الأحلام والحسب العد

صفحة : 174


فإن الشقي من تعـادي صـدورهـم وذو الجد من لانوا إليه ومـن ودوا
يسوسون أحلاما بـعـيدا أنـاتـهـا فإن غضبوا جاء الحفيظة والـجـد
أقلـوا عـلـيهـم لا أبـا لأبـيكـم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا الـبـنـى وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعمى عليهم جزوا بهـا وإن أنعموا لا كدروهـا ولا كـدوا
وإن قال مولاهم على جـل حـادث من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا
مطاعين في الهيجا مكاشيف للدجـى بنى لهم آباؤهـم وبـنـى الـجـد ومنها: صوت

وأدماء حرجوج تعاللت مـوهـنـا بسوطي فارمدت نجاء الخـفـيدد
إذا آنست وقعا من السئوط عارضت به الجور حتى يستقيم ضحى الغـد
وتشرب بالقعب الصغير وإن تقـد بمشفرها يوما إلى الحوض تنقـد الموهن: وقت من الليل بعد مضي صدر منه. وارمدت: نجت، والارمداد: النجاء. والخفيدد: الظليم.
الغناء لابن محرز خفيف رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر الهشامي: أن فيه لإبراهيم خفيف رمل آخر، وهو في جامع إبراهيم غير مجنس. وفيه خفيف ثقيل مجهول، وذكر حبش: أنه لمعبد؛ ويشبه أن يكون ليحيى المكي.
عده بعضهم أشعر الناس
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني إبراهيم بن المنذر عن ابن عباية عن محمد بن مسلم الجوسق عن رجل من كعب قال: جئت سوق الظهر فإذا بكثير، وإذا الناس متقصفون عليه، فتخلصت حتى دنوت منه فقلت: أبا صخر؛ قال: ما تشاء? قلت: من أشعر الناس? قال: الذي يقول:
وآثرت إدلاجي على ليل حـرة هضيم الحشا حسانة المتجـرد
تفرق بالمدرى أثيثـا نـبـاتـه على واضح الذفرى أسيل المقلد قال: قلت: هذا الحطيئة? قال: هو ذاك.
كذبه سيدنا عمر في شعر له
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا أحمد بن الحارث الخزاز عن المدائني عن علي ابن مجاهد عن هشام بن عروة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنشد قول الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد نار عندها خير مـوقـد فقال عمر: كذب، بل تلك نار موسى نبي الله صلى الله عليه وسلم.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية: أن رجلا دخل على الحطيئة، وهو مضطجع على فراشه وإلى جانبه سوداء قد أخرجت رجلها من تحت الكساء، فقال له: ويحك أفي رجلك خف? قال: لا والله ولكنها رجل سوداء، أتدري من هي? قال: لا؛ قال: هي والله التي أقول فيها:
وآثرت إدلاجي على ليل حرة - وذكر البيتين - والله لو رأيتها يابن أخي لما شربت الماء من يدها؛ قال: فجعلت تسبه أقبح سب وهو يضحك.
ومنها: صوت

ما كان ذنب بغيض لا أبا لكـم في بائس جاء يحدو أنيقا شزبـا
طافت أمامة بالـركـبـان آونة يا حسنها من خيال زار منتقبـا
إذ تستبيك بمصقول عوارضـه حمش اللثات ترى في مائه شنبا
قد أخلقت عهدها من بعد جدتـه وكذبت حب ملهوف وما كذبـا الغناء لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة.
ومنها: صوت

جزى الله خيرا والجزاء بكفهبأحسن ما يجزي الرجال بغيضا
فلو شاء إذ جئناه صد فلم يلم وصـادف مـنـأى فـي الــبـــلاد عـــريضـــا الغناء للهدلي ثقيل أول بالبنصر عن الهشامي.

أخبار ابن عائشة ونسبه
اسمه وكنيته ونسبه إلى أمه


صفحة : 175

محمد بن عائشة ويكنى أبا جعفر، ولم يكن يعرف له أب فكان ينسب إلى أمه، ويلقبه من عاداه أو أراد سبه ابن عاهة الدار . وكان يزعم أن اسم أبيه جعفر؛ وليس يعرف ذلك. وعائشة أمه مولاة لكثير بن الصلت الكندي حليف قريش. وقيل: إنها مولاة لآل المطلب بن أبي وداعة السهمي، ذكر ذلك إسحاق عن محمد بن سلام. وحكى ابن الكلبي القول الأول، وقال إسحاق: هو الصحيح، يعني قول ابن الكلبي. وقال إسحاق فيما رواه لنا الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه: إن محمد بن معن الغفاري ذكر له عن أبي السائب المخزومي أن ابن عائشة مولى المطلب بن أبي وداعة السهمي وإنه كان لغير رشدة، فأدركت المشيخة وهم إذا سمعوا له صوتا حسنا قالوا: أحسن ابن المرأة. قال إسحاق وقال عمران بن هند الأرقمي: بل كان مولى لكثير بن الصلت.
سأله الوليد عن نسبه لأمه فأجابه قال إسحاق: قال عبيد الله بن محمد بن عائشة: قال الوليد بن يزيد لابن عائشة: يا محمد، ألغية أنت? قال: كانت أمي يا أمير المؤمنين ماشطة، وكنت غلاما، فكانت إذا دخلت إلى موضع قالوا: ارفعوا هذا لابن عائشة؛ فغلبت على نسبي.
كان يفتن كل من سمعه
وأخذ عن معبد ومالك
قال إسحاق: وكان ابن عائشة يفتن كل من سمعه، وكان فتيان من المدينة قد فسدوا في زمانه بمحادثته ومجالسته. وقد أخذ عن معبد ومالك ولم يموتا حتى ساواهما على تقديمه لهما واعترافه بفضلهما.
كان جيد الغناء دون الضرب وقد قيل: إنه كان ضاربا ولم يكن بالجيد الضرب؛ وقيل: بل كان مرتجلا لم يضرب قط.
كان يضرب بابتدائه المثل وكان أحسن المغنين بعد معبد وابتداؤه بالغناء كان يضرب به المثل، فيقال للابتداء الحسن كائنا ما كان من قراءة قرآن، أو إنشاد شعر، أو غناء يبدأ به فيستحسن: كأنه ابتداء ابن عائشة. قال إسحاق: وسمعت علماءنا قديما وحديثا يقولون: ابن عائشة أحسن الناس ابتداء، وأنا أقول: إنه أحسن الناس ابتداء وتوسطا وقطعا بعد أبي عباد معبد، وقد سمعت من يقول: إن ابن عائشة مثله؛ وأما أنا فلا أجسر على أن أقول ذلك.
وكان ابن عائشة غير جيد اليدين فكان أكثر ما يغني مرتجلا. وكان أطيب الناس صوتا.
قال إسحاق وحدثني محمد بن سلام قال قال لي جرير: لا تخدعن عن أبي جعفر محمد بن عائشة، فلولا صلف كان فيه لما كان بعد أبي عباد مثله.
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني محمد بن أحمد بن يحيى المكي عن أبيه عن جده قال: ثلاثة من المغنين كانوا أحسن الناس حلوقا: ابن عائشة وابن تيزن وابن أبي الكنات.
ابن أبي عتيق وانتصاره له حدثني عمي قال حدثنا محمد بن داود بن الجراح قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني مصعب الزبيري عن أبيه قال: رأى ابن أبي عتيق حلق ابن عائشة مخدشا فقال: من فعل هذا بك? قال: فلان، فمضى فنزع ثيابه وجلس للرجل على بابه، فلما خرج أخذ بتلبيبه وجعل يضربه ضربا شديدا والرجل يقول له: مالك تضربني أي شيء صنعت وهو لا يجيبه حتى بلغ منه؛ ثم خلاه وأقبل على من حضر فقال: هذا أراد أن يكسر مزامير داود: شد على ابن عائشة فخنقه وخدش حلقه.
لولا آخر غنائه لفاق ابن سريج قال إسحاق في خبره: وحدثني أبي عن سياط عن يونس الكاتب قال: ما عرفنا بالمدينة أحسن ابتداء من ابن عائشة إذا غنى، ولو كان آخر غنائه مثل أوله لقدمته على ابن سريج. قال إبراهيم: هو كذاك عندي، وقال إسحاق مثل قولهما. قال: وقال يونس: كان ابن عائشة يضرب بالعود ولم يكن مجيدا، وكان غناؤه أحسن من ضربه، فكان لا يكاد يمس العود إلا أن تجتمع جماعة من الضراب فيضربون عليه ويضرب هو ويغني، فناهيك به حسنا.
كان يصلح لمنادمة الخلفاء والملوك أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن صالح بن حسان أنه ذكر يوما المغنين بالمدينة، فقال: لم يكن بها أحد بعد طويس أعلم من ابن عائشة ولا أظرف مجلسا ولا أكثر طيبا؛ وكان يصلح أن يكون نديم خليفة أو سمير ملك. قال إسحاق: فأذكرني هذا القول قول جميلة له: وأنت يا أبا جعفر فمع الخلفاء تصلح أن تكون.
الحسن يكرهه على غناء مائة صوت

صفحة : 176

قال إسحاق وحدثني المدائني قال حدثني جرير قال: كان ابن عائشة تائها سيىء الخلق، فإن قال له إنسان: تغن، قال: ألمثلي يقال هذا وإن قال له إنسان وقد ابتدأ هو بغناء: أحسنت، قال: ألمثلي يقال أحسنت ثم يسكت، فكان قليلا ما ينتفع به. فسال العقيق مرة فدخل عرصة سعيد بن العاصي الماء حتى ملأها، فخرج الناس إليها وخرج ابن عائشة فيمن خرج، فجلس على قرن البئر، فبينا هم كذلك إذ طلع الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، على بغلة وخلفه غلامان أسودان كأنهما من الشياطين، فقال لهما: امضيا رويدا حتى تقفا بأصل القرن الذي عليه ابن عائشة، فخرجا حتى فعلا ذلك. ثم ناداه الحسن: كيف أصبحت يابن عائشة? قال: بخير، فداك أبي وأمي، قال: انظر من إلى جنبك، فنظر فإذا العبدان، فقال له: أتعرفهما? قال: نعم، قال: فهما حران لئن لم تغنني مائة صوت لآمرنهما بطرحك في البئر، وهما حران لئن لم يفعلا لأقطعن أيديهما، فاندفع ابن عائشة فكان أول ما ابتدأ به صوتا له وهو:
ألا للـه درك مـن فتى قوم إذا رهبوا ثم لم يسكت حتى غنى مائة صوت، فيقال إن الناس لم يسمعوا من ابن عائشة أكثر مما سمعوا في ذلك اليوم، وكان آخر ما غنى: صوت

قل للمنازل بالظهران قد حانا أن تنطقي فتبيني القول تبيانا قال جرير: فما رئي يوم أحسن منه، ولقد سمع الناس شيئا لم يسمعوا مثله، وما بلغني أن أحدا تشاغل عن استماع غنائه بشيء، ولا انصرف أحد لقضاء حاجة ولا لغير ذلك حتى فرغ. ولقد تبادر الناس من المدينة وما حولها حيث بلغهم الخبر لاستماع غنائه، فيقال: إنه ما رئي جمع في ذلك الموضع مثل ذلك الجمع، ولقد رفع الناس أصواتهم يقولون له: أحسنت والله، أحسنت والله، ثم انصرفوا حوله يزفونه إلى المدينة زفا.
نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني
صوت

ألا لـلـه درك مــن فتى قوم إذا رهبـوا
وقالوا من فتى للحـر ب يرقبنا ويرتـقـب
فكنت فتاهـم فـيهـا إذا تدعي لها تـثـب
ذكرت أخي فعاودنـي رداع السقم والوصب
كما يعتاد ذات البو بعد سلوهـا الـطـرب
على عبد بن زهرة بت طول الليل أنتـحـب الشعر لأبي العيال الهذلي. والغناء لمعبد، وله فيه لحنان، أحدهما ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق يبدأ فيه بقوله:
ذكرت أخي فعاودني رداع السقم والوصب والآخر خفيف رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة. وفيه لابن عائشة خفيف رمل آخر، وقيل: بل هو لحن معبد. وذكر حماد بن إسحاق أن خفيف الرمل لمالك. البو: جلد يحشى تبنا ويجفف لكيلا تحبث رائحته، ويدنى إلى الناقة التي قد نحر فصيلها أو مات لتشمه فتدر عليه.
ومنها: صوت

قل للمنازل بالظهـران قـد حـانـا أن تنطقي فتبيني القـول تـبـيانـا
قالت ومن أنت قل لي قلت ذو شغف هجت له من دواعي الحب أحزانـا الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن عائشة خفيف ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وحبش.
غنى بالموسم فحبس الناس عن المسير
وقال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات حدثني عبد الرحمن بن سليمان عن علي بن الجهم الشاعر قال حدثني رجل: أن ابن عائشة وافقا بالموسم متحيرا، فمر به بعض أصحابه فقال له: ما يقيمك ها هنا? فقال: إني أعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس ها هنا فلم يذهب أحد ولم يجيء؛ فقال له الرجل: وما ذاك? قال أنا، ثم اندفع يغني:
جرت سنحا فقلت لها أجيزي نوى مشمولة فمتى اللقـاء قال: فحبس الناس، واضطربت المحامل، ومدت الإبل أعناقها، وكادت الفتنة أن تقع. فأتي به هشام بن عبد الملك، فقال له: يا عدو الله، أردت أن تفتن الناس قال: فأمسك عنه وكان تياها، فقال له هشام: ارفق بتيهك، فقال: حق لمن كانت هذه مقدرته على القلوب أن يكون تياها، فضحك منه وخلى سبيله.
نسبة هذا الصوت الذي غناه ابن عائشة صوت

جرت سنحا فقلت لها أجيزي نوى مشمولة فمتى اللقـاء
بنفسي من تذكـره سـقـام أعانيه ومطلـبـه عـنـاء

صفحة : 177

السانح: ما أقبل من شمالك يريد يمينك، والبارح ضده. وقال أبو عبيدة: سمعت يونس بن حبيب يسأل رؤبة عن السانح والبارح، فقال: السانح: ما ولاك ميامنه، والبارح: ما ولاك مشائمه. وقوله: أجيزي أي انفذي. قال الأصمعي: يقال: أجزت الوادي إذا قطعته وخلفته، وجزته أي سرت فيه فتجاوزته، وجاوزته مثله. قال أوس بن مغراء:
ولا يريمون في التعريف موقفهم حتى يقال أجيزوا آل صوفانـا ومشمولة: سريعة الانكشاف. أخذه من السحابة المشمولة، وهي التي تصيبها الشمال فتكشفها، ومن شأن الشمال أن تقطع السحاب، واستعارها ها هنا في النوى لسرعة انكشافهم فيها عن بلدهم، وأجرى ذلك مجرى الذم للسانح لأنه يتشاءم به. البيت الأول من الشعر لزهير بن أبي سلمى، والثاني محدث ألحقه المغنون به لا أعرف قائله. والغناء لابن عائشة، ولحنه خفيف ثقيل أول بالبنصر.
غنى الوليد بحضرة معبد ومالك
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق وأخبرني به محمد بن مزيد والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية قال: كتب الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر: أما بعد، فإذا قرأت كتابي هذا فسرح إلي حمادا الراوية على ما أحب من دواب البريد، وأعطه عشرة آلاف درهم يتهيأ بها. قال: فأتاه الكتاب وأنا عنده فنبذه إلي، فقلت: السمع والطاعة، فقال: يا دكين، مر شجرة يعطيه عشرة آلاف درهم، فأخذتها. فلما كان اليوم الذي أردت الخروج فيه أتيت يوسف بن عمر، فقال: يا حماد، أنا بالموضع الذي قد عرفته من أمير المؤمنين، ولست مستغنيا عن ثنائك؛ فقلت: أصلح الله الأمير إن العوان لا تعلم الخمرة وسيبلغك قولي وثنائي. فخرجت حتى انتهيت إلى الوليد وهو بالبخراء، فاستأذنت عليه فأذن لي، فإذا هو على سرير ممهد، وعليه ثوبان أصفران: إزار ورداء يقيئان الزعفران قيئا، وإذا عنده معبد ومالك بن أبي السمح وأبو كامل مولاه، فتركني حتى سكن جأشي، ثم قال أنشدني:
أمن المنون وريبها تتوجع فأنشدته حتىأتيت على آخرها؛ فقال لساقيه: يا سبرة اسقه، فسقاني ثلاثة أكؤس خثرن ما بين الذؤابة والنعل. ثم قال يا مالك، غنني:
ألا هل هاجك الأظعا ن إذ جاوزن مطلحا ففعل. ثم قال له: غني:
جلا أمية عني كل مـظـلـمة سهل الحجاب وأوفى بالذي وعدا ففعل. ثم قال له: غنني:
أتنسى إذ تودعنا سليمـى بفرع بشامة سقي البشام ففعل. ثم قال: يا سبرة، أو يا أبا سبرة، اسقني بزب فرعون؛ فأتاه بقدح معوج فسقاه به عشرين، ثم أتاه الحاجب فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، الرجل الذي طلبت بالباب؛ قال: أدخله، فدخل شاب لم أر شابا أحسن وجها منه، في رجله بعض الفدع، فقال: يا سبرة اسقه، فسقاه كأسا؛ ثم قال له: غنني:
وهي إذ ذاك عليها مئزر ولها بيت جوار من لعب فغناه؛ فنبذ إليه الثوبين. ثم قال له: غنني:
طاف الخيال فمرحبا ألفا برؤية زينـبـا فغضب معبد وقال: يا أمير المؤمنين، إنا مقبلون عليك بأقدارنا وأسناننا، وإنك تركتنا بمزجر الكلب، وأقبلت على هذا الصبي فقال: والله يا أبا عباد، ما جهلت قدرك ولا سنك، ولكن هذا الغلام طرحني في مثل الطناجير من حرارة غنائه. قال حماد الراوية: فسألت عن الغلام فقيل لي هو ابن عائشة.
نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني
صوت

جلا أمية عني كل مـظـلـمة سهل الحجاب أوفى بالذي وعدا
إذا حللت بأرض لا أراك بـهـا ضاقت علي ولم أعرف بها أحدا الغناء لابن عباد الكاتب خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر عمرو بن بانة أنه لعمر الوادي. وذكر حبش أن فيه لمالك لحنا من خفيف الثقيل الأول بالوسطى.
ومنها: صوت

أتنسى إذ تودعنا سلـيمـى بفرع بشامة سقي البشـام
متى كان الخيام بذي طلوح سقيت الغيث أيتها الخـيام
أتمضون الخيام ولم نسلـم كلامكم علـي إذا حـرام
بنفسي من تجنبـه عـزيز علي ومن زيارته لمـام
ومن أمسي وأصبح لا أراه ويطرقني إذا رقد النـيام

صفحة : 178

الشعر لجرير. والغناء لابن سريج، وله في هذه الأبيات ثلاثة ألحان: أحدها في الأول والرابع ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. والآخر في الثاني ثم الأول ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو، والآخر في الثالث وما بعده رمل بالبنصر عن الهشامي وحبش. وللدلال في الثاني والثالث ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق والمكي. وللغريض في الأول والثاني والثالث خفيف رمل بالبنصر عن عمرو. وفيها لمالك ثقيل أول بالبنصر عن الهشامي. ولابن جامع في الأول والثاني والرابع والخامس هزج عن الهشامي. وفيها لابن جندب خفيف ثقيل بالبنصر.
ومنها الصوت الذي أوله في الخبر:
وهي إذ ذاك عليها مئزر وأوله صوت

عهدتنـي نـاشـئا ذا غـرة رجل الجمة ذا بطن أقـب
أتبع الولدان أرخي مـئزري ابن عشر ذا قريط من ذهب
وهي إذ ذاك عليهـا مـئزر ولها بيت جوار من لعـب الشعر لامرىء القيس، ويقال: إنه أول شعر شبب فيه بالنساء. والغناء لابن عائشة ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي ودنانير وحماد بن إسحاق. وفيه خفيف ثقيل بالبنصر ذكر حماد في أخبار جميلة أنه لها، وذكر حبش والهشامي أنه لابن سريج، وقيل: إنه لغيرهما.
ومنها: صوت

ألا هل هاجك الأظعان إذ جاوزن مـطـلـحــا
نعم ولو شـك بـينـهـم جرى لك طائر سنحـا
أخذن الماء مـن ركـك وضوء الفجر قد وضحا
يقلن مـقـيلـنـا قـرن نباكر ماءه صـبـحـا
تبعتهم بطرف الـعـين حتى قيل لي افتضحـا
يودع بعضنا بـعـضـا وكل بالهوى جـرحـا
فمن يفـرح بـينـهـم فغيري إذ غدوا فرحـا الشعر ترويه الرواة جميعا لعمر بن أبي ربيعة سوى الزبير بن بكار فإنه رواه عن عمه وأهله لجعفر بن الزبير بن العوام، وقد ذكر خبره في هذا مع أخباره المذكورة في آخر الكتاب. ورواه الزبير
إذ جاوزن من طلحا وقال: ليس على وجه الأرض موضع يقال له: مطلح. والغناء لمالك وله فيه لحنان: ثقيل أول بالبنصر عن إسحاق، وخفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيه لمعبد ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن سريج في الخامس - وهو تبعتهم بطرف العين إلى آخر الأبيات - ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيها للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي، قال: وهو الذي فيه استهلال. وذكر ابن المكي أن الثقيل الثاني لمالك، وخفيف العقيل للغريض.
صوت

طرق الخيال فمرحبا ألفا برؤية زينـبـا
أنى اهتديت لفـتـية سلكوا السليل فعليبا طرب أبي جعفر الناسك لغناء ابن عائشة
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن محمد بن سلام قال حدثني جرير قال: أخذ بعض ولاة المدينة المغنين والمخنثين والسفهاء بلزوم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في المسجد رجل ناسك يكنى أبا جعفر مولى لابن عياش بن أبي ربيعة المخزومي يقرىء الناس القرآن، وكان ابن عائشة يلازمه، فخلا لابن عائشة يوما الموضع مع أبي جعفر فقرأ له فطرب ورجع، فسمع الشيخ صوتا لم يسمع مثله قط، فقال له: يابن أخي، أفسدت نفسك وضيعتها، فلو أنك لزمت المسجد وتعلمت القرآن لأقمت للناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، ولأصبت بذلك من الولاة خيرا، فوالله ما دخل أذني قط صوت أحسن من صوتك؛ فقال ابن عائشة: فكيف لو سمعت يا أبا جعفر صوتي في الأمر الذي صنع له قال وما هو? قال: انطلق معي حتى أسمعكه، فخرج معه إلى ميضأة ببقيع الغرقد عند دار المغيرة بن شعبة، وكان أبو جعفر يتوضأ عندها كل يوم، فاندفع ابن عائشة يغني:
ألآن أبصرت الهـدى وعلا المشيب مفارقي فبلغ ذلك من الشيخ كل مبلغ، وقال: يابن أخي، هذا حسن وأنا أشتهي أن أسمعه، ولكن لا أطلبه ولا أمشي إليه؛ قال ابن عائشة: فعلي أن أسمعكه؛ فكان يرصده، فإذا خرج أبو جعفر يتوضأ خرج ابن عائشة في أثره حتى يقف خلف جدار الميضأة بحيث غناءه، فيغنيه أصواتا حتى يفرغ أبو جعفر من وضوئه. فلم يزل يفعل ذلك حتى أطلقوا من لزوم المسجد.


صفحة : 179

نسبة هذا الصوت
صوت

طرق الخيال المعتري وهنا فؤاد العـاشـق
طيف ألم فهـاجـنـي للبين أم مـسـاحـق
ألآن أبصرت الهـدى وعلا المشيب مفارقي
وتركت أمر غوايتـي وسلكت قصد طرائقي
ولقد رضيت بعيشـنـا إذ نحن بـين حـدائق
وركائب تهوي بـنـا بين الدروب فـدابـق الشعر للوليد بن يزيد، ويقال: إنه لابن رهيمة. والغناء لابن عائشة رمل بالبنصر عن عمرو، وذكره يونس أيضا له في كتابه. وفيه لأبي زكار الأعمى خفيف رمل بالوسطى عن عمرو والهشامي. وذكر ابن خرداذبه أنه لأبي زكار الأعمى وهو قديم، وأنه وجد ذلك في كتاب يونس. وفيه لحكم الوادي لحن في كتاب يونس غير مجنس، ولاأدري أيها هو. وفي هذه الأبيات خفيف ثقيل متنازع فيه نسب إلى معبد وإلى مالك، ولم أجده لهما عن ثقة، وأظنه لحن حكم.
أكرهه الحسن ليخرج معه إلى البغيبغة ليغنيه
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر البوشنجي والحسين بن يحيى الأعور المرداسي قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلام عن أبيه قال: كان الحسن بن الحسن مكرما لابن عائشة محبا له، وكان ابن عائشة منقطعا إليه، وكان من أتيه خلق الله وأشده ذهابا بنفسه، فسأله الحسن أن يخرج معه إلى البغيبغة فامتنع ابن عائشة من ذلك؛ فأقسم عليه فأبى؛ فدعا بغلمان له حبشان وقال: نفيت من أبي لئن لم تسر معي طائعا لتسيرن كارها، ونفيت من أبي لئن لم ينفذوا أمري فيك لأقطعن أيديهم. فلما رأى ابن عائشة ما ظهر من الحسن علم أنه لابد من الذهاب، فقال له: بأبي أنت وأمي، أنا أمضي معك طائعا لا كارها. فأمر الحسن بإصلاح ما يحتاج إليه وركب، وأمر لابن عائشة ببغلة فركبها ومضيا، حتى صارا إلى البغيبغة فنزلا الشعب، وجاءهم ما أعدوا فأكلوا؛ ثم أمرالحسن بأمره وقال يا محمد؛ فقال له: لبيك يا سيدي؛ قال: غنني؛ فاندفع فغناه: صوت

يدعو النبي بعمه فـيجـيبـه يا خير من يدعو النبي جلالا
ذهب الرجال فلا أحس رجالا وأرى الإقامة بالعراق ضلالا
وأرى المرجي للعراق وأهله ظمآن هـاجـرة يؤمـل آلا
وطربت إذ ذكر المدينة ذاكر يوم الخميس فهاج لي بلبـالا
فظللت أنظر في السماء كأنني أبغي بناحية السمـاء هـلالا - الشعر لابن المولى من قصيدة طويلة قالها وقد قدم إلى العراق لبعض أمره فطال مقامه بها واشتاق إلى بلده. وقد ذكر خبره في موضعه من هذا الكتاب. والغناء لابن عائشة ثقيل أول بالبنصر عن حماد والهشامي وحبش. وقال الهشامي خاصة: فيه لحن لقراريط - فقال له الحسن: أحسنت والله يابن عائشة فقال ابن عائشة: والله لا غنيتك في يومي هذا شيئا؛ فقال الحسن: فوالله لا برحت البغيبغة ثلاثة أيام فاغتم ابن عائشة ليمينه وندم وعلم أنه لا حيلة له إلا المقام، فأقاموا. فلما كان اليوم الثاني قال له الحسن: هات ما عندك فقد برت يمينك، وكانوا جلوسا على شيء مرتفع، فنظروا إلى ناقة تقدم جماعة إبل، فاندفع ابن عائشة فغنى:
تمر كجندلة الـمـنـجـنـي ق يرمى بها السور يوم القتال
فماذا تخـطـرف مـن قـلة ومن حدب وإكـام تـوالـي
ومن سيرها العنق المسبطـر والعجرفية بـعـد الـكـلال فقال له الحسن: ويلك يا محمد لقد أحسنت الصنعة؛ فسكت ابن عائشة؛ ثم قال له: غنني، فغناه:
إذا ما انتشيت طرحت اللجا م في شدق منجرد سلهب
يبذ الجـياد بـتـقـريبـه ويأوي إلى حضر ملهـب
كميت كأن على مـتـنـه سبائك من قطع المذهـب
كأن القرنفل والزنجـبـيل يعل على ريقها الأطـيب

صفحة : 180

فقال له الحسن: أحسنت يا محمد، فقال له ابن عائشة: لكنك، بأبي أنت وأمي، قد ألجمتني بحجر فما أطيق الكلام. فأقاموا باقي يومهم يتحدثون؛ فلما كان اليوم الثالث قال الحسن: هذا آخر أيامك يا محمد؛ فقال ابن عائشة: عليه وعليه إن غناك إلا صوتا واحدا حتى تنصرف، وعليه وعليه إن حلفت ألا أبر قسمك ولو في ذهاب روحه فقال له الحسن: فلك الأمان على محبتك؛ فاندفع فغناه: صوت

أنعم الله لي بذا الوجـه عـينـا وبه مرحبا وأهـلا وسـهـلا
حين قالت لا تذكرن حـديثـي يابن عمي أقسمت قلت أجل لا
لا أخون الصديق في السر حتى ينقل البحر بالغرابـيل نـقـلا قال: ثم انصرف القوم، فما رأى الحسن بن الحسن ابن عائشة بعدها.
نسبة ما لم تمض نسبته في الخبر من هذه الأصوات
منها: نسبة الغناء في الشعر الذي غنى به ابن عائشة ذلك اليوم صوت

تمر كجندلة المنجنيق يرمى بها السور يوم الـقـتـال
فماذا تخطرف مـن قـلة ومن حدب وإكام تـوالـي
ومن سيرها العنق المسبطر والعجرفية بعد الـكـلال
ألا يا لقوم لطيف الـخـيا ل أرق من نازح ذي دلال
يثني التحية بعـد الـسـلا م ثم يفدي بـعـم وخـال
خيال لسلمى فقد عاد لـي بنكس من الحب بعد اندمال أما الذي قاله الشاعر في هذا الشعر فإنه قال: يمر بالياء لأنه وصف به حمارا وحشيا، ولكن المغنين جميعا يغنونه بالتاء على لفظ المؤنث، وقد وصف في هذه القصيدة الناقة ولم يذكر من صفتها إلا قوله:
ومن سيرها العنق المسبطر ولكن المغنين أخذوا من صفة العير شيئا ومن صفة الناقة شيئا فخلطوها وغنوا فيهما. وقوله:
فماذا تخطرف من قلة يعني أنه يمر بالموضع المرتفع فيطفره. وروى الأصمعي:
فماذا تخطرف من حالق ومن قلة وحجاب وجال فالحالق: ما أشرف. والحجاب: ما حجب عنك ما بين يديك من الأرض.
والجال: حرف الشيء، يقال له: جال وجول. والعنق المسبطر: المسترسل السهل.
والعجرفية: التعسف والإسراع. يقول: أذا كلت وتعبت تعجرفت في السير من بقية نفسها وشدتها. وروى الأصمعي فيها:
خيال لجعدة قد هـاج لـي نكاسا من الحب بعد اندمال يقال: نكس ونكاس بمعنى واحد وهو عود المرض بعد الصحة. والاندمال: الإفاقة من العلة، واندمال الجرح: برؤه. فأما الأبيات التي يصف فيها الناقة فقوله:
فسل الـهـمـوم بـعـيرانة مواشكة الرجع بعد انتـقـال
ذمول تزف زفيف الـظـلـي م شمر بالنعف وسط الـرئال
وترمد همـلـجة زعـزعـا كما انخرط الحبل فوق المحال
ومن سيرها العنق المسبطـر والعجرفية بـعـد الـكـلال
كأني ورحلـي إذا رعـتـهـا على جمزى جازىء بالرمال وأما صفة الحمار في هذه القصيدة فقوله فيه وفي الأتن:
فظـل يسـوف أبـوالـهـــا ويوفي زيازي حـدب الـتـلال
فطاف بتعـشـيره وانـتـحـى جوائلها وهو كالـمـسـتـجـال
تهـادى حـوافـرهـا جـنـدلا زواهق ضرب قـلات بـقـال
رمى بالجزاميز عرض الوجـي ن وآرمد في الجري بعد انفتـال
بشأو لـه كـضـريم الـحـري ق أو شقة البرق في عرض خال
يمر كجـنـدلة الـمـنـجـنـي ق يرمى بها السور يوم القـتـال
فماذا تخـطـرف مـن حـالـق ومن حـدب وحـجـاب وجـال

صفحة : 181

الشعر لأمية بن أبي عائذ الهذلي. والغناء لابن عائشة. ولحن ابن عائشة مشكوك فيه: أي الألحان المصنوعة في هذا الشعر هو، فيقال: إنه خفيف الرمل، ويقال: إنه هو الثقيل الأول، ويقال: إنه الرمل. فأما خفيف الرمل فهو بالخنصر في مجرى الوسطى، وذكره إسحاق في موضع فتوقف عنه ولم ينسبه، ونسبه في موضع آخر إلى ابن أبي يزن المكي. ونسبه عمرو بن بانة إلى معبد وقال: فيه خفيف رمل آخر لمالك. وذكره يونس في أغاني ابن أبي يزن المكي ونسبه ولم يجنسه. وذكر ابن خرداذبه والهشامي أن فيه لهشام بن المرية لحنا من الثقيل الأول، ورأيت ذلك ايضا في بعض الكتب بخط علي بن يحيى المنجم كما ذكرا. وذكر إسحاق أن الرمل مطلق في مجرى الوسطى وأنه لابن عائشة. وذكر أحمد بن المكي أنه لأبيه، وذكر غيره أنه غلط وأن لحن أبيه هو الثقيل الأول والرمل لابن عائشة. وقال حبش: فيه لابن سريج هزج خفيف بالوسطى.
ومنها، - وقد مضى تفسيره في الخبر واقتصر على البيت الأول منه -: صوت

إذا انتشيت طرحت اللجـا م في شدق منجرد سلهب الشعر للنابغة الجعدي. والغناء لابن عائشة: خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشامي وحماد.
ومنها الصوت الذي أوله:
أنعم الله لي بذا الوجه عينا وقد جمع مع سائر ما يغنى فيه من القصيدة، وهو:
أثل جودي على المـتـيم أثـل لا تزيدي فؤادي أثـل خـبـلا
أثل إني والراقصات بـجـمـع يتبـارين فـي الأزمة فـتـلا
سابحات يقطعن من عـرفـات بين أيدي المطي حزنا وسهـلا
والأكف المطهرات على الرك ن لشعث سعوا إلى البيت رجلا
لا أخون الصديق في السر حتى ينقل البحر بالغرابـيل نـقـلا
أو تمور الجبال مور سـحـاب مرتق قد وعى من الماء ثقـلا
أنعم الله لي بذا الوجـه عـينـا وبه مرحبا وأهـلا وسـهـلا
حين قالت لا تفشـين حـديثـي يابن عمي أقسمت قلت أجل لا
فاتقي الله واقبلي العذر مـنـي وتجافي عن بعض ما كان زلا
إن أكن سؤتكم به فلك الـعـت بى لـدينـا وحـق ذاك وقـلا
لم أرحب بأن سخطت ولـكـن مرحبا أن رضيت عنا وأهـلا
إن شخصا رأيتـه لـيلة الـبـد ر عليه ابتنى الجمـال وحـلا
جعل اللـه كـل أنـثـى فـداء لك بل خدها لرجلـيك نـعـلا
وجهك الوجه لو سألت به المز ن من الحسن والجمال استهـلا الشعر للحارث بن خالد المخزومي. والغناء لمعبد في الأربعة الأبيات الأول: خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو بن بانة. ولابن هوبر في الأول والثاني ثقيل أول عن إسحاق. ولابن سريج في الأول والثاني والخامس ثقيل أول وآخر بالبنصر أوله استهلال. وللغريض في الخامس وما بعده إلى التاسع خفيف ثقيل بالوسطى. ولدحمان في التاسع والثالث عشر والرابع عشر خفيف ثقيل أول بالبنصر. ولمالك في التاسع إلى آخر الثاني عشر لحن من كتاب يونس ولم يقع إلي من يجنسه. ولابن سريج فيها بعينها رمل بالوسطى عن الهشامي. وفيها أيضا للغريض خفيف رمل بالبنصر. ولابن عائشة في السابع والثامن لحن ذكره حماد عن أبيه ولم يجنسه.
غنى الوليد فطرب وقبل كل أعضائه
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وإسماعيل بن يونس الشيعي وحبيب بن نصر المهلبي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن سلام، وأخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلام عن أبيه عن شيخ من تنوخ، ولم يقل عمر بن شبة في خبره: محمد بن سلام عن أبيه، ورواه عن محمد عن شيخ من تنوخ، قال: كنت صاحب ستر الوليد بن يزيد، فرأيت ابن عائشة عنده وقد غناه: صوت

إني رأيت صبيحة النـفـر حورا نفين عزيمة الصبـر
مثل الكوكب في مطالعهـا بعد العشاء أطفن بالـبـدر
وخرجت أبغي الأجر محتسبا فرجعت موفورا من الوزر

صفحة : 182

- قال إسحاق في خبره: والشعر لرجل من قريش، والغناء لمالك. هكذا في خبر إسحاق. وما وجدته ذكره لمالك في جامع أغانيه. ووجدته في غناء ابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي - قال: فطرب الوليد حتى كفر وألحد، وقال: يا غلام، اسقنا بالسماء الرابعة، وكان الغناء يعمل فيه عملا ضل عنه من بعده؛ ثم قال: أحسنت والله يا أميري أعد بحق عبد شمس، فأعاد؛ ثم قال: أحسنت والله يا أميري أعد بحق أمية، فأعاد؛ ثم قال: أعد بحق فلان، أعد بحق فلان، حتى بلغ من الملوك نفسه، فقال: أعد بحياتي؛ فأعاده. قال: فقام إليه فأكب عليه فلم يبق عضو من أعضائه إلا قبله وأهوى إلى هنه؛ فجعل ابن عائشة يضم فخذيه عليه؛ فقال: والله العظيم لا تريم حتى أقبله، فأبداه له فقبل رأسه، ثم نزع ثيابه فألقاها عليه، وبقي مجردا إلى أن أتوه بمثلها، ووهب له ألف دينار، وحمله على بغلة وقال: اركبها - بأبي أنت - وانصرف، فقد تركتني على مثل المقلى من حرارة غنائك؛ فركبها على بساطه وانصرف.
أمر لمحتاج بمال فابى إلا سماعه
فحكى ذلك للوليد فجعله في ندمائه
وأخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن الحسن النخعي قال حدثني محمد بن الحارث بن كليب بن زيد الربعي قال: خرج ابن عائشة المدني من عند الوليد بن يزيد وقد غناه:
أبعدك معقلا أرجو وحصنـا قد اعيتني المعاقل والحصون - وهي أربعة أبيات، هكذا في الخبر، ولم يذكر غير هذا البيت منها -قال فأطربه فأمر له بثلاثين ألف درهم وبمثل كارة القصار كسوة. فبينا ابن عائشة يسير إذ نظر إليه رجل من أهل وادي القرى كان يشتهي الغناء ويشرب النبيذ، فدنا من غلامه وقال: من هذا الراكب? قال: ابن عائشة المغني؛ فدنا منه وقال: جعلت فداءك، أنت ابن عائشة أم المؤمنين? قال: لا، أنا مولى لقريش وعائشة أمي وحسبك هذا فلا عليك أن تكثر؛ قال: وما هذا الذي أراه بين يديك من المال والكسوة? قال: غنيت أمير المؤمنين صوتا فأطربته فكفر وترك الصلاة وأمر لي بهذا المال وهذه الكسوة؛ قال: جعلت فداءك، فهل تمن علي بأن تسمعني ما أسمعته إياه? فقال له: ويلك أمثلي يكلم بمثل هذا في الطريق قال فما أصنع? قال: الحقني بالباب. وحرك ابن عائشة بغلة شقراء كانت تحته لينقطع عنه؛ فعدا معه حتى وافيا الباب كفرسي رهان، ودخل ابن عائشة فمكث طويلا طمعا في أن يضجر فينصرف، فلم يفعل؛ فلما أعياه قال لغلامه: أخله؛ فلما دخل قال له: ويلك من أين صبك الله علي قال: أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهي هذا الغناء؛ فقال له: هل لك فيما هو أنفع لك منه? قال: وما ذاك? قال: مائتا دينار وعشرة أثواب تتصرف بها إلى أهلك؛ فقال له: جعلت فداءك، والله إن لي لبنية ما في أذنها - علم الله - حلقة من الورق فضلا عن الذهب، وإن لي لزوجة ما عليها - يشهد الله - قميص. ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على هذه الخلة والفقر اللذين عرفتكهما وأضعفت لي ذلك، لكان الصوت أعجب إلي - وكان ابن عائشة نائها لا يغني إلا لخليفة أو لذي قدر جليل من إخوانه - فتعجب ابن عائشة منه ورحمه، ودعا بالدواة وكان يغني مرتجلا، فغناه الصوت؛ فطرب له طربا شديدا، وجعل يحرك رأسه حتى ظن أن عنقه سينقصف، ثم خرج من عنده ولم يرزأه شيئا، وبلغ الخبر الوليد بن يزيد فسأل ابن عائشة عنه، فجعل يغيب عن الحديث. ثم جد الوليد به فصدقه عنه، وأمر بطلب الرجل فطلب حتى أحضر، ووصله صلة سنية، وجعله في ندمائه ووكله بالسقي، فلم يزل معه حتى مات.
سمع الشعبي غناءه فمدحه
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني عمر بن أبي خليفة قال: كان الشعبي مع أبي في أعلى الدار، فسمعنا تحتنا غناء حسنا، فقال له أبي: هل ترى شيئا? قال: لا، فنظرنا فإذا غلام حسن الوجه حديث السن يتغنى:
قالت عبيد تـجـرمـا في القول فعل المازح فما سمعت غناء كان أحسن منه، فإذا هو ابن عائشة، فجعل الشعبي يتعجب من غنائه، ويقول: يؤتي الحكمة من يشاء.
نسبة هذا الصوت
صوت

قالت عبيد تـجـرمـا في القول فعل المازح
أنجز بعمرك وعـدنـا فأظن حبك فاضحـي

صفحة : 183


فاجبتها لـو تـعـلـم ين بما تجن جوانحي
فيما أرى لرحمتنـي من خمل حب فـادح
ما في البرية لي هوى فاسمع مقالة ناصـح
أشكو إليه جفـاءكـم إلا سلام مصافحـي زعم حبش أن الغناء لابن عائشة خفيف ثقيل بالبنصر.
حج ولقيه جماعة من قريش
فاحتالوا عليه حتى غنى لهم
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني بعض أهل المدينة قال: حدثني من رأى ابن عائشة حاجا وقد دعاه فتية من بني هاشم فأجابهم، قال: وكنت فيهم، فلما دخلنا جعلوا صدر المجلس لابن عائشة فجلس فتحدثوا حتى حضر الطعام؛ فلما طعموا دعا بشراب فشربوا، وكان ابن عائشة إذا سئل أن يغني أبى ذلك وغضب، فإذا تحدث القوم بحديث ومضى فيه شعر قد غنى فيه ابتدأ هو فغناه، فكان من فطن له يفعل ذلك به، فقال رجل منهم: حدثني اليوم رجل من الأعراب ممن ان يصاحب جميلا بحديث عجيب؛ فقال القوم: وما هو? فقال: حدثني أن جميلا بينما هو يحدثه كما كان يحدثه إذ أنكره ورأى منه غير ما كان يرى، فثار نافرا، مقشعر الشعر، متغير اللون إلى ناقة له مجتمعة قريبة من الأرض، موثقة الخلق، فشد عليها رحله ثم أتاها بمحلب فيه لبن فشربته، ثم ثنى فشربت حتى رويت، ثم قال: اشدد أداة رحلك واشرب واسق جملك، فإني ذاهب بك إلى بعض مذاهبي، ففعلت، فجال في ظهر ناقتي، فسرنا بياض يومنا وسواد ليلتنا، ثم أصبحنا فسرنا يومنا لا والله ما نزلنا إلا للصلاة؛ فلما كان اليوم الثالث دفعنا إلى نسوة فمال إليهم فوجدنا الرجال خلوفا، وإذا قدر لبأ وقد جهدت جوعا وعطشا، فلما رأيت القدر اقتحمت عن بعيري وتركتهم جانبا، ثم أدخلت رأسي في القدر ما يثنيني حرها حتى رويت، فذهبت أخرج رأسي من القدر فضاقت علي وإذا هي على رأسي قلنسوة، فضحكن مني وغسلن ما أصابني. وأتي جميل بقرى فوالله ما التفت إليه؛ فبينا هو يحدثهن إذا رواعي الإبل، وقد كان السلطان أحل لهم دمه إن وجدوه في بلادهم، وجاء الناس فقلن: ويحك انج وتقدم، فوالله ما أكبرهم ذلك الإكبار، فإذا بهم يرمونه، ويطردونه، فإذا غشوه قاتلهم ورمى فيهم، وقام بي جملي، فقال لي: يسر لنفسك مركبا خلفي، فأردفني خلفه، لا والله ما انكسر ولا انحل عن فرصته حتى رجع إلى أهله، وقد سار ست ليال وستة أيام وما التفت إلى طعام وقال في ذلك:
إن المنازل هيجت أطرابي واستعجمت آياتها بجوابي وهي قصيدة طويلة. وقال أيضا:
وأحسن أيام وأبهج عيشتـي إذا هيج بي يوما وهن قعود قال فقال ابن عائشة: أفلا أغني لكم ذلك? فقلنا: بلى والله، فاندفع فغناه، فما سمع السامعون شيئا أحسن من ذلك، وبقي أصحابنا يتعجبون من الحديث وحسنه والغناء وطيبه؛ فقال له أصحابنا: يا أبا جعفر، إنا مستأذنوك، فإن أذنت لنا سألناك، وإن كرهت تركناك؛ فقال: سلوا، فقالوا: نحب أن تغنينا في مجلسنا هذا ما نشطت هذا الصوت فقط؛ فقال لهم: نعم ونعمة عين وكرامة، فما زلنا في غاية السرور حتى انقضى المجلس.
نسبة هذا الغناء
صوت

إن المنازل هيجت أطرابـي واستعجمت آياتها بجـوابـي
قفر تلوح بذي اللجين كأنهـا أنضاء وشم أو سطور كثاب
لما وقفت بها القلوص تبادرت مني الدموع لفرقة الأحبـاب
وذكرت عصرا يا بثينة شاقني إذ فاتني وذكرت شرخ شبابي الشعر لجميل. والغناء للهذلي ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أحمد بن يحيى المكي عن أبيه قال حدثني عمرو بن أبي الكنات الحكمي قال حدثني يونس الكاتب قال:

صفحة : 184

كنا يوما متنزهين بالعقيق أنا وجماعة من قريش، فبينا نحن على حالنا إذ أقبل ابن عائشة يمشي ومعه غلام من بني ليث وهو متوكىء على يده، فلما رأى جماعتنا وسمعني أغني جاءنا فسلم وجلس إلينا وتحدث معنا، وكانت الجماعة تعرف سوء خلقه وغضبه إذا سئل أن يغني، فاقبل بعضهم على بعض يتحدثون بأحاديث كثير وجميل وغيرهما من الشعراء، يستجرون بذلك أن يطرب فيغني، فلم يجدوا عنده ما أرادوا، فقلت لهم أنا: لقد حدثني اليوم بعض الأعراب حديثا يأكل الأحاديث، فإن شئتم حدثتكم إياه؛ قالوا: هات؛ قلت: حدثني هذا الرجل أنه مر بناحية الربذة فإذا صبيان يتغاطسون في غدير، وإذا شاب جميل منهوك الجسم عليه أثر العلة، والنحول في جسمه بين، وهو جالس ينظر إليهم، فسلمت عليه فرد علي السلام وقال: من أين وضح الراكب? قلت: من الحمى؛ قال: ومتى عهدك به? قلت: رائحا؛ قال: وأين كان مبيتك? قلت: ببني فلان؛ فقال: أوه وألقى بنفسه على ظهره وتنفس الصعداء تنفسا قلت إنه قد خرق حجاب قلبه؛ ثم أنشأ يقول: صوت

سقى بلدا أمست سليمى تحلـه من المزن ما يروى به ويسيم
وإن لم أكن من قاطنيه فإنـه يحل به شخص علي كـريم
ألا حبذا من ليس يعدل قربـه لدي وإن شط المزار نـعـيم
ومن لامني فيه حميم وصاحب فرد بغيظ صاحب وحـمـيم ثم سكن كالمغشي عليه، فصحت بالصبية، فأتوا بماء فصببته على وجهه، فأفاق وأنشأ يقول:
إذا الصب الغريب رأى خشوعي وأنفاسي تزين بـالـخـشـوع
ولي عين أضر بها التـفـاتـي إلى الأجزاع مطلقة الـدمـوع
إلى الخلوات يأنس فيك قلـبـي كما أنس الغريب إلى الجمـيع فقلت له: ألا أنزل فأساعدك، أو أكر عودي على بدئي إلى الحمى في حاجة إن كانت لك حاجة أو رسالة? فقال: جزيت وصحبتك السلامة امض لطيتك، فلو أني علمت أنك تغني عني شيئا لكنت موضعا للرغبة وحقيقا بإسعاف المسئلة، ولكنك أدركتني في صبابة من حياتي يسيرة؛ فانصرفت وأنا لا أراه يمسي ليلته إلا ميتا، فقال القوم: ما أعجب هذا الحديث واندفع ابن عائشة فتغنى في الشعرين جميعا وطرب وشرب بقية يومه، ولم يزل يغنينا إلى أن انصرفنا.
فأما نسبة هذين الصوتين فإن في الأول منهما لحنا من خفيف الرمل الثقيل المطلق في مجرى الوسطى، نسبه يحيى المكي إلى معبد، وذكر الهشامي أنه منحول. وفي هذا الخبر: أن ابن عائشة غناه، وهو يغني في البيت الأول والثاني من الأبيات. وفيه للضيزني الملقب بنبيكة لحن جيد من الثقيل الأول. وكان نبيكة هذا من حذاق المغنين وكبارهم، وقد خدم المعتمد ثم شخص إلى مصر فخدم خمارويه بن أحمد، ثم قدم بغداد في أيام المقتدر، ورأيناه وشاهدناه، وكانت في يده صبابة قوية من إفضال ابن طولون واستغنى بها حتى مات، وله صنعة جيدة قد ذكرت ما وقع إلي منها في المجرد . وذكرت مما وقع إلي له في هذا الكتاب لحنا جيدا في شعر سعد ذلفاء، وهو:
ولما وقفنا دون سرحة مالك في موضعه من أخباره.
وأما الشعر الثاني الذي ذكرت في هذا الخبر الماضي: أن ابن عائشة غناه فما رأيت له نسبة في كتاب ولا سمعت فيه صنعة من أحد، ولعله مما انطوى عني أو لم يشتهر فسقط عن الناس.
سبب موته
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه، وأخبرني به الحسن بن علي عن هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات عن حماد عن أبيه عن يعقوب بن طلحة الليثي عن بعض مشايخه من أهل المدينة قال: أقبل ابن عائشة من الشأم حتى نزل قصر ذي حشب ومعه مال وطيب وكسا فشرب فيه، ثم تطرقوا إلى ظهر القصر فصعدوا، ثم نظر فإذا بنسوة يتمشين في ناحية الوادي، فقال لأصحابه: هل لكم فيهن? قالوا: وكيف لنا بهن? فنهض فلبس ملاءة مدلوكة، ثم قام على شرفة من شرفات القصر فتغنى:
وقد قالت لأتراب لها زهر تلاقينا
تعالين فقد طاب لنا العيش تعالينا فأقبلن إليه فطرب واستدار حتى سقط من السطح؛ وهذا الخبر يذكر على شرحه في خبر وفاته.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-26-2006, 12:09 AM   المشاركة رقم: 25
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.26 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

كان يعشق شعر الحطيئة
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد: قرأت على أبي عن محمد بن سلام عن جرير أبي الحصين قال:

صفحة : 185

كان ابن عائشة إذا غنى في صوت له من شعر الحطيئة وهو:
عفا من سليمى مسحلان فحامره نظر إلى أعطافه في كل رنة، فسئل يوما - وقد دب فيه الشراب - عن ذلك، فقال: أنا عاشق لهذا الصوت، وعاشق لحديثه، وعاشق لغريبه، وعاشق لقول الحطيئة، إن الغناء رقية من رقى النيك، ويعجبني فهم الحطيئة بالغناء وليس هو من أهله ولا بصاحب غناء، وكيف لا أعجب به ومحله مني هذا المحل وكان لا يسأله أحد إياه إلا غناه، فمن فطن له أكثر سؤاله إياه. وكان جرير يقول: إنه أحسن صوت له وأرقه وأجوده.
وفاة ابن عائشة
توفي في خلافة الوليد بن يزيد وتوفي ابن عائشة فيما قيل في أيام هشام بن عبد الملك، وقيل في أيام الوليد. وما أظن الصحيح إلا أنه توفي في أيام الوليد، لأنه أقدمه إليه. وذكر من زعم أنه توفي في خلافة هشام: أنه إنما وفد على الوليد وهو ولي عهد.
روايات أخرى في سبب موته أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: ذكر عمران بن هند: أن الغمر بن يزيد خرج إلى الشأم، فلما نزل قصر ذي خشب شرب على سطحه، فغنى ابن عائشة صوتا طرب له الغمر، فقال: اردده، فأبى، وكان لا يرد صوتا لسوء خلقه، فأمر به، فطرح من أعلى السطح فمات. ويقال: بل قام من الليل وهو سكران ليبول فسقط من السطح فمات.
قال إسحاق فحدثني المدائني قال حدثني بعض أهل المدينة قال: أقبل ابن عائشة من عند الوليد بن يزيد وقد أجازه وأحسن إليه فجاء بما لم يأت به أحد من عنده، فلما قرب من المدينة نزل بذي خشب على أربعة فراسخ من المدينة، وكان واليها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، ولاه هشام وهو خاله، وكان في قصر هناك، فقيل له: أصلح الله الأمير، هذا ابن عائشة قد أقبل من عند الوليد بن يزيد، فلو سألته أن يقيم عندنا اليوم فيطربنا وينصرف من غد فدعا به فسأله المقام عنده فأجابه إلى ذلك، فلما أخذوا في شربهم أخرج المخزومي جواريه، فنظر إلى ابن عائشة وهو يغمز جارية منهن، فقال لخادمه: إذا خرج ابن عائشة يريد حاجته فارم به، وكانوا يشربون فوق سطح ليس له إفريز ولا شرفات، وهو يشرف على بستان، فلما قام ليبول رمى به الخادم من فوق السطح فمات، فقبره معروف هناك.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه وأخبرني به الحسن بن علي عن هارون بن محمد بن عبد الملك بن حماد بن إسحاق عن أبيه عن يعقوب بن طلحة الليثي عن بعض مشايخه من أهل المدينة قال: أقبل ابن عائشة من الشأم حتى نزل بقصر ذي خشب ومعه مال وطيب وكسا، فشرب فيه، ثم تطرقوا إلى ظهر القصر فصعدوا، ثم نظر فإذا بنسوة يتمشين في ناحية الوادي، فقال لأصحابه: هل لكم فيهن? قالوا: وكيف لنا بهن? فنهض فلبس ملاءة مدلوكة، ثم قام على شرفة من شرف القصر فتغنى في شعر ابن أذينة:
وقد قالت لأتراب لها زهر تلاقينا
تعالين فقد طاب لنا العيش تعالينا فأقبلن إليه؛ وطرب فاستدار فسقط فمات. قال: وقال قوم: بل قدم المدينة فمات بها.
بكى عليه أشعب فأضحك الناس
قال: ولما مات قال أشعب: قد قلت لكم، ولكنه لا يغني حذر من قدر: زوجوا ابن عائشة ربيحة الشماسية تخرج لكم بينهما مزامير داود فلم تفعلوا، وجعل يبكي والناس يضحكون منه.
نسبة هذا الصوت الذي غناه
صوت

سليمى أزمعت بـينـا فأين تقـولـهـا أينـا
وقد قـالـت لأتـراب لها زهر تـلاقـينـا
تعالين فـقـد طـاب لنا العيش تعـالـينـا
وغاب البـرم الـلـيل ة والعين فلا عـينـا
فأقبلن إلـيهـا مـس رعـات يتـهـادينـا
إلى مثل مهـاة الـرم ل تكسو المجلس الزينا
إلى خـود مـنـعـمة حففن بهـا وفـدينـا
تمـنـين مـنـاهـن فكنا مـا تـمـنـينـا الشعر لعروة بن أذينة. والغناء لابن عائشة لحنان أحدهما رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق، والآخرثاني ثقيل بالوسطى عن حبش.
كان مالك بن أنس يكره الغناء
أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال:

صفحة : 186

سمعت إبراهيم بن سعد يحلف للرشيد وقد سأله عمن بالمدينة يكره الغناء، فقال: من قنعه الله بخزيه مالك بن أنس، ثم حلف له إنه سمع مالكا يغني:
سليمى أزمعت بينا فأين تقولها أينـا في عرس رجل من أهل المدينة يكنى أبا حنظلة.
خبر ابن عائشة وابن أذينة
وطلبه إليه أن يقول له شعرا يغنيه
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز وإسماعيل بن يونس قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان محمد بن يحيى عن بعض أصحابه قال: مر ابن عائشة بابن أذينة فقال له: قل أبياتا هزجا أغن فيها؛ فقال له: اجلس فجلس؛ فقال:
سليمى أزمعت فينا الأبيات. قال أبو غسان: فحدثت أن ابن عائشة رواها، ثم ضحك لما سمع قوله:
تمنين مناهن فكنا ما تمنينا ثم قال له: يا أبا عامر، تمنيتك لما أقبل بخرك، وأدبرذفرك، وذبل ذكرك فجعل يشتمه. هذا لفظ إسماعيل بن يونس.
أخبرني الجوهري وإسماعيل بن يونس قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان قال فحدثني حماد الخشبي قال: ذكر ابن أذينة عند عمر بن عبد العزيز، فقال: نعم الرجل أبو عامر، على أنه الذي يقول:
وقد قالت لأتراب لها زهر تلاقينا غنى للوليد بن يزيد بمكة فأجازه
أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد عن أبيه عن المدائني عن إسحاق بن أيوب القرشي قال: كان هشام بن عبد الملك مكرما للوليد بن يزيد، وكان عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدبا للوليد، وكان، فيما يقال، زنديقا، فحمل الوليد على الشراب والاستخفاف بدينه، فاتخذ ندماء وشرب وتهتك، فأراد هشام قطعهم عنه، فولاه الموسم في سنة عشر ومائة، فرأى الناس منه تهاونا واستخفافا بدينه، وأمر مولاه عيسى فصلى بالناس، وبعث إلى المغنين فغنوه وفيهم ابن عائشة فغناه:
سليمى أجمعت بينا فنعر الوليد نعرة أذن لها أهل مكة. وأمر لابن عائشة بألف دينار، وخلع عليه عدة خلع، وحمله.
فخرج ابن عائشة من عنده بأمر أنكره الناس، وأمر للمغنين بدون ذلك، فتكلم أهل الحجاز وقالوا: أهذا ولي عهد المسلمين وبلغ ذلك هشاما فطمع في خلعه، وأراده على ذلك فأبى؛ وتنكر هشام للوليد، وتمادى الوليد في الشرب واللذات فأفرط، وتعبث هشام بالوليد وخاصته ومواليه، فنزل بالأزرق بين أرض بلقين وفزارة على ماء يقال له الأغدق، حتى مات هشام. انقضت أخباره .
ومن المائة صوت المختارة من أغانيه
غناؤه في صوت من المائة الصوت المختارة
صوت
من رواية علي بن يحيى:
حنت إلى برق فقلت لها قـري بعض الحنين فإن شجوك شائقي
بأبي الوليد وأم نفسي كـلـمـا بدت النجوم وذر قرن الشـارق
أثوى فأكرم في الثواء وقضـيت حاجاتنا من عند أروع بـاسـق
لا تبـعـدن إداوة مـطـروحة كانت حديثا للشراب العـاتـق ويروي: بالشراب العاتق. عروضه من الكامل. حنت، يعني ناقته. وهذا البيت يتبع بيتا قبله وهو:
فإلى الوليد اليوم حنت ناقتي تهوي بمغبر المتون سمالق وبعده حنت إلى برق... وقوله: قري من الوقار، كأنها لما حنت أسرعت ونازعت إلى الوطن أو المقصد، فقال يخاطبها: قري. وذر قرن الشارق: طلع قرن الشمس؛ يريد: بأبي الوليد وأمي في كل ليل ونهار أبدا. وأثوى: أنزل.
والثواء: الإقامة؛ قال الأعشى:
لقد كان في حول ثواء ثويته تقضى لبانات ويسأم سـائم والباسق: الطويل؛ قال الله عز وجل: والنخل باسقات أي طوالا. ويروي:
لا تبعدن إداوة مطروحة الشعر لعبد الرحمن بن أرطاة المحاربي. والغناء لابن عائشة. ولحنه المختار ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه للهذلي لحن آخر من الثقيل الأول عن الهشامي وابن المكي. فأول لحن الهذلي استهلال في:
حنت إلى برق فقلت لها قري وأول لحن ابن عائشة:
بأبي الوليد وأم نفسي كلـمـا بدت النجوم وذر قرن الشارق
أخبار ابن أرطاة ونسبه
نسبه


صفحة : 187

هو عبد الرحمن بن أرطاة، وقيل: عبد الرحمن بن سيحان بن أرطاة بن سيحان بن عمرو بن نجيد بن سعد بن لاحب بن ربيعة بن شكم بن عبد الله بن عوف بن زيد بن بكر بن عمير بن علي بن جسر بن محارب بن خصفة بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار. وأم جسر بن محارب كأس بنت لكيز بن أقصى بن عبد القيس، وأم علي بن جسر ماوية بنت علي بن بكر بن وائل، هذه رواية أبي عمرو الشيباني أخبرني بها عمي والصولي عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه، قال وشكم بن عبد الله أول محاربي ساد قومه وأبذهم رأسا بنفسه، وكانوا جيرانا في هوازن؛ وآل سيحان حلفاء حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وبمنزلة بعضهم عندهم خاصة وعند سائر بني أمية عامة.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن عمران قال: بنو سيحان من بني جسر بن محارب، وبنو مناف تقوي حلفهم، وهم عندي أعزاؤهم وليسوا بأحلافهم.
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان قال: لما قتل هشام بن الوليد أبا أزيهر، بعثت قريش أرطاة بن سيحان حليف حرب بن أمية إلى الشراة يحذر من بها من تجار قريش، وخرج حاجز الأزدي ليخبر قومه، فسبقه أرطاة، وقال في ذلك وقد حذرهم فنجوا:
مثل الحليف يشد عـروتـه يثني العناج لها مع الكرب
زلم إذا يسـروا بـه يسـر ومناضل يحمي عن الحسب
هل تشكرن فهر وتاجرهـا دأب الشرى بالليل والخبب
حتى جلوت لهم يقـينـهـم ببيان لا ألـس ولا كـذب وكان حليفا لبني أمية ومدحهم
وكان عبد الرحمن شاعرا مقلا إسلاميا ليس من الفحول المشهورين ولكنه كان يقول في الشراب والغزل والفخر ومدح أحلافه من بني أمية، وهو أحد المعاقرين للشراب والمحدودين فيه، وكان بني أمية كواحد منهم إلا أن اختصاصه بآل أبي سفيان وآل عثمان خاصة كان أكثر، وخصوصه بالوليد بن عثمان ومؤانسته إياه أزيد من خصوصه بسائرهم، لأنهما كانا يتنادمان على الشراب.
وهذه الأبيات التي فيها الغناء يقولها في الوليد بن عثمان، وقيل: بل في الوليد بن عتبة. وخبره في ذلك يذكر بعد هذا.
أصابه خمار فداواه منه الوليد بن عثمان
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال عتبة بن المنهال المهلبي حدثني غير واحد من أهل الحجاز قالوا: كان ابن سيحان حليفا لقريش ينزل بالمدينة، وكان نديما للوليد بن عثمان، فأصابه ذات يوم خمار، فذهب لسانه وسكنت أطرافه وصرخ أهله عليه، فأقبل الوليد إليه فزعا، فلما رآه قال: أخي مخمور ورب الكعبة، ثم أمر غلاما له فأتاه بشراب من منزله في إداوة فأمر به فأسخن ثم سقاه إياه وقيأه، وصنع له حساء وجعل على رأسه دهنا وجعل رجليه في ماء سخن، فما لبث أن انطلق وذهب ما كان به. ومات الوليد بعد ذلك. فبينا ابن سيحان يوما جالس وبعض متاعه ينقل من بيت إلى بيت، إذ مرت الخادم بإدواة الوليد التي كان داواه بما فيها من الشراب وقد يبست وتقبضت، فانتحب وقال:
لا تبعدن إداوة مطـروحة كانت حديثا للشراب العاتق وذكر باقي الأبيات.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أحمد بن معاوية عن الواقدي قال حدثنا عبد الله بن أبي عبيدة عن أبيه قال: كان الوليد بن عثمان بن عفان يشرب مع الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وابن سيحان وكان يخمر فأصابه من ذلك شيء شديد حتى خيف عليه وشق النساء عليه الجيوب، فدعي له ابن سيحان، فلما رآه قال: اخرجن عني وعن أخي، فقال له: الصبوح أبا عبد الله، فجلس مفيقا؛ فذلك حين يقول ابن سيحان:
بأبي الوليد وأم نفسي كلـمـا بدت النجوم وذر قرن الشارق
أثوى فأكرم في الثواء وقضيت حاجاتنا من عند أروع باسـق
كم عنده من نائل وسـمـاحة وفضائل معـدودة وخـلائق
وسماحة للمعتفين إذا اعتفـوا في ماله حقا وقول صـادق
لا تبعـدن إداوة مـطـروحة كانت حديثا للشراب العاتـق كان من ندماء الوليد بن عثمان

صفحة : 188

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان الوليد بن عثمان يكنى أبا الجهم، وكان لابن سيحان صديقا ونديما، وكان صاحب شراب، فمرض فعاده الوليد وقال: ما تشتهي? قال: شرابا، فبعث فجاءه بشراب في إدواة. ثم ذكر باقي الخبر نحو الذي قبله.
<H6 قيل إنه خرج معه إلى الحجاز لجني تمره</H6 <H6 ولما عاد أعطاه إداوة وذكره بها فمدحه </H6 أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية قال: كان الوليد بن عثمان ذا غلة في الحجاز يخرج إليها في زمان التمر بنفر من قومه، يجنون له ويعاونونه، فكان إذا حضر خروجهم دفع إليهم نفقات لأهليهم إلى رجعتهم، فخرج بهم مرة كما كان يخرج وفيهم ابن سيحان، فأتى ابن سيحان كتاب من أهله يسألونه القدوم لحاجة لابد منها، فاستأذنه فأذن له، فقال له ابن سيحان: زودوني من شرابكم هذا، فزودوه إداوة ملأها له من شرابهم، فكان يشربها في طريقه حتى قدم على أهله، فألقاها في جانب بيته فارغة، فمكث زمانا لا يذكرها، ثم كنسوا البيت فرآها ملقاة في الكناسة فقال:
لا تبـعـدن إداوة مـطـروحة كانت حديثا للشراب العـاتـق
إن تصبحي لا شيء فيك فربمـا أترعت من كأس تلـذ لـذائق
بأبي الوليد وأم نفسي كـلـمـا بدت النجوم وذر قرن الشـارق
كم عنده من نـائل وسـمـاحة وشمـائل مـيمـونة وخـلائق
وكرامة للمعتفين إذا اعتـفـوا في ماله حقا وقـول صـادق
أثوى فأكرم في الثواء وقضـيت حاجاتنا من عند أروع بـاسـق
لما أتينـاه أتـينـا مـاجـد ال أخلاق سباقا لـقـرم سـابـق
قال الوليد يدي لكم رهن ربمـا حاولتم من صامت أو نـاطـق
فإلى الوليد اليوم حنت ناقـتـي تهوي بمغبر المتون سمـالـق
حنت إلى برق فقلت لها قـري بعض الحنين فإن شجوك شائقي حده مروان بالخمر ومنع منه معاوية
أخبرني عمي قال حدثني محمد بن عبد الله التميمي الأصبهاني المعروف بالحزنبل قال حدثني عمرو ابن أبي عمرو الشيباني عن أبيه وأخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال قال حماد بن إسحاق: قرأت على أبي، قالا جميعا: كان عبد الرحمن بن سيحان قد غاظ مروان بن الحكم أيام كان معاوية يعاقب بينه وبين سعيد بن العاص في ولاية الحرمين، وأنكر عليه أشياء بلغته فغاظته: من مدحه سعيدا وانقطاعه إليه وسروره بولايته، فرصده حتى وجده خارجا من دار الوليد بن عثمان وهو سكران فضربه الحد ثمانين سوطا. وقدم البريد من المدينة على معاوية فسأله عن أخبار الناس فجعل يخبره بها، حتى انتهى به الحديث إلى ابن سيحان فأخبره أن مروان ضربه الحد ثمانين؛ فغضب معاوية وقال: والله لو كان حليف أبي العاص لما ضربه ولكنه ضربه لأنه حليف حرب، أليس هو الذي يقول:
وإني آمرؤ حلف إلى أفضل الورى عديدا إذا ارفضت عصا المتخلف كذب والله مروان، لا يضربه في نبيذ أهل المدينة وشكهم وحمقهم؛ ثم قال لكاتبه: أكتب إلى مروان: فليبطل الحد عن ابن سيحان، وليخطب بذلك على المنبر، وليقل إنه كان ضربه على شبهة ثم بان له أنه لم يشرب مسكرا، وليعطه ألفي درهم. فلما ورد الكتاب على مروان عظم ذلك عليه، ودعا بابنه عبد الملك فقرأه عليه وشاوره فيه؛ فقال له عبد الملك: راجعه ولا تكذب نفسك، ولا تبطل حكمك؛ فقال مروان: أنا أعلم بمعاوية إذا عزم على شيء أو أراده، لا والله لا أراجعه. فلما كان يوم الجمعة وفرغ من الخطبة قال: وابن سيحان فإنا كشفنا أمره فإذا هو لم يشرب مسكرا، وإذا نحن قد عجلنا عليه؛ وقد أبطلت عنه الحد. ثم نزل فأرسل إليه بألفي درهم.
خبر الوليد ومروان أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية عن الواقدي قال حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال:

صفحة : 189

كان عبد الرحمن بن سيحان المحاربي شاعرا، وكان حلو الحديث، عنده أحاديث حسنة غريبة من أخبار العرب وأيامها وأشعارها، وكان على ذلك يصيب من الشراب، فكان كل من قدم من ولاة بني أمية وأحداثهم ممن يصيب الشراب يدعوه وينادمه، فلما ولي الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وعزل مروان وجد مروان في نفسه وكان قد سبعه، فحقد عليه مروان واضطغنه، وكان الوليد يصيب من الشراب ويبعث إلى ابن سيحان فيشرب معه، وابن سليمان لا يطن أن مروان يفعل به الذي فعله، وقد كان مدحه ابن سليمان ووصله مروان، ولكن مروان أراد فضيحة الوليد، فرصده ليلة في المسجد، وكان ابن سيحان يخرج في السحر من عند الوليد ثملا فيمر في المقصورة من المسجد حتى يخرج في زقاق عاصم، وكان محمد بن عمرو يبيت في المسجد يصلي، وكذلك عبد الله بن حنظلة وغيرهما من القراء يبيتون في المسجد يتهجدون، فلما خرج ابن سيحان ثملا من دار الوليد أخذه مروان وأعوانه، ثم دعا له محمد بن عمرو وعبد الله بن حنظلة فأشهدهما على سكره وقد سأله أن يقرأ أم القرآن فلم يقرأها، فدفعه إلى صاحب شرطته فحبسه؛ فلما أصبح الوليد بلغه الخبر وشاع في المدينة وعلم أن مروان إنما أراد أن يفضحه، وأنه لو لقي ابن سيحان ثملا خارجا من عند غيره لم يعرض له، فقال الوليد: لا يبرئني من هذا عند أهل المدينة إلا ضرب ابن سيحان، فأمر صاحب شرطته فضربه الحد ثم أرسله.
مكث في بيته استحياء فحمله عبد الرحمن بن الحارث على الخروج إلى المسجد فجلس ابن سيحان في بيته لا يخرج حياء من الناس، فجاءه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام في ولده وكان له جليسا فقال له: ما يجلسك في بيتك? قال: الاستحياء من الناس؛ قال: اخرج أيها الرجل، وكان عبد الرحمن قد حمل له معه كسوة، فقال له: البسها ورح معنا إلى المسجد فهذا أحرى أن يكذب به مكذب، ثم ترحل إلى أمير المؤمنين فتخبره بما صنع بك الوليد فإنه يصلك ويبطل هذا الحد عنك؛ فراح مع عبد الرحمن في جماعة ولده متوسطا لهم حتى دخل المسجد فصلى ركعتين، ثم تساند مع عبد الرحمن إلى الأسطوانة؛ فقائل يقول: لم يضرب، وقائل يقول: رحل إلى معاوية وشفع فيه يزيد فعفا عنه وكتب بذلك إلى الوليد أنا رأيته يضرب، وقائل يقول: عزر أسواطا. فمكث أياما ثم رحل إلى معاوية فدخل إلى يزيد فشرب معه، وكلم يزيد أباه معاوية في أمره فدعا به فأخبره بقصته وما صنعه به مروان، فقال: قبح الله الوليد ما أضعف عقله أما استحيا من ضربك فيما شرب وأما مروان فإني كنت لا أحسبه يبلغ هذا منك مع رأيك فيه ومودتك له، ولكنه أراد أن يضع الوليد عندي ولم يصب، وقد صير نفسه في حد كنا ننزهه عنه، صار شرطيا ثم قال لكاتبه: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة. أما بعد، فالعجيب لضربك ابن سيحان فيما تشرب منه، ما زدت على أن عرفت أهل المدينة ما كنت تشربه مما حرم عليك، فإذا جاءك كتابي هذا فأبطل الد عن ابن سيحان، وطف به في حلق المسجد وأخبرهم أن صاحب شرطك تعدى عليه وظلمه، وأن أمير المؤمنين قد أبطل ذلك عنه، أليس ابن سيحان الذي يقول:
وإني امرؤ أنمى إلى أفضل الورى عديدا إذا ارفضت عصا المتحلف
إلى نضد من عبد شمس كأنـهـم هضاب أجا أركانها لم تقـصـف
ميامين يرضون الكفاية إن كفـوا ويكفون ما ولوا بغير تـكـلـف
غطارفة ساسوا البلاد فأحسـنـوا سياستها حتى أقـرت لـمـردف
فمن يك منهم موسرا يفش فضلـه ومن يك منهم معسرا يتعـفـف
وإن تبسط النعمى لهم يبسطوا بهـا أكفا سباطا نفعها غير مـقـرف
وإن تزو عنهم لا يضجوا وتلفهـم قليلي التشكي عندها والتكـلـف
إذا انصرفوا للحق يوما تصرفـوا إذا الجاهل الحيران لم يتصـرف
سموا فعلوا فوق البرية كـلـهـا ببنيان عال من منيف ومـشـرف

صفحة : 190

قال: وكتب له بأن يعطى أربعمائة شاة وثلاثين لقحة مما يوطن السيالة وأعطاه هو خمسمائة دينار، وأعطاه يزيد مائتي دينار. ثم قدم بكتاب معاوية إلى الوليد، فطاف به في المسجد، وأبطل ذلك الحد عنه، وأعطاه ما كتب به له معاوية. وكتب معاوية إلى مروان يلومه فيما يفعله بابن سيحان، وما أراده بذلك. ودعا الوليد عبد الرحمن بن سيحان إلى أن يعود للشرب معه؛ فقال: والله لا ذقت معك شرابا ابدا.
<H6 ضربه مروان الحد فأبطله معاوية</H6 أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو مسلم الغفاري قال حدثني موسى بن عبد العزيز قال: أخذ ابن سيحان الجسري - هكذا قال وهو غلط - في شراب في إمارة مروان، وكان حليفا لأبي سفيان ابن حرب، فضربه مروان ثمانين سوطا على رؤوس الناس، فكتب إلى معاوية يشكوه، فكتب إليه معاوية: أما بعد فإنك أخذت حليف حرب فضربته ثمانين على رؤوس الناس، والله لتبطلنها عنه، أو لأقيدنه منك؛ فقال مروان لابنه عبد الملك: ماترى? قال: أرى والله ألا تفعل؛ قال: ويحك أنا أعلم بعزمات معاوية منك، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنا كنا ضربنا ابن سيحان بشهادة رجل من الحرس ووجدناه غير عدل ولا رضا، فاشهدوا أني قد أبطلت ذلك الحد عنه.
أخبرني أحمد قال حدثنا عمر قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبد العزيز بن عمران قال: ضرب مروان عبد الرحمن بن سيحان في الخمر ثمانين سوطا، فكتب إليه معاوية: أما بعد، فإنك ضربت عبد الرحمن في نبيذ أهل الشأم الذي يستعملونه وليس بحرام، وإنما ضربته حيث كان حلفه إلى أبي سفيان بن حرب، وايم الله لو كان حليفا للحكم ما ضربته، فأبطل عنه الحد قبل أن أضرب من أخذ معه: أخاك عبد الرحمن بن الحكم؛ فأبطل مروان عنه الحد؛ فقال ابن سيحان في ذلك يذكر حلفه:
إني امرؤ عقدي إلى أفضل الورى عديدا إذا ارفضت عصا المتحلف وقال الطوسي: كان عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان يشرب مع ابن سيحان، فلما ضربه مروان الحد كتب إليه معاوية: والله لتبطلنه عنه أو لأبعثن إلى أخيك من يضرب ظهره بالسوط في السوق، أليس ابن سيحان الذي يقول:
سموت بحلفي للطوال من الـربـى ولم تلقني قنا لدى مبرك الـجـرب
إذا ما حليف الذل اقمـأ شـخـصـه ودب كما دب الحسير على نـقـب
وهصت الحصى لا أخنس الأنف قابعا إذا أنا راخى لي خناقي بنو حـرب كان مع سعيد بن عثمان حين قتله
وهرب عنه ثم رثاه
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء وأحمد بن سليمان الطوسي قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب وغيره قالوا: قدم سعيد بن عثمان المدينة فقتله غلمان جاء بهم من الصغد، وكان معه عبد الرحمن بن أرطاة بن سيحان حليف بني حرب بن أمية، فهرب عنه لما قتلوه، فقال خالد بن عقبة بن أبي معيط يرثي سعيد بن عثمان - وعثمان أخوه لأمه -:
يا عين جودي بدمع منك تهتانـا وابكي سعيد بن عثمان بن عفانا
إن ابن زينة لم تصدق مودتـه وفر عنه ابن أرطاة بن سيحانا فقال ابن سيحان يعتذر من ذلك:
يقول رجال قد دعاك فلم تـجـب وذلك من تلقاء مـثـلـك رائع
فإن كان نادى دعوة فسمعـتـهـا فشلت يدي واستك مني المسامع
وإلا فكانت بالذي قـال بـاطـلا ودارت عليه الدائرات القـوارع
يلومونني أن كنت في الدار حاسرا وقد فر عنه خـالـد هـو دارع فقال بعض الشعراء يجيبه:
فإنك لم تسمـع ولـكـن رأيتـه بعينيك إذ مجراك في الدار واسع
وأسلمته للصغد تدمي كـلـومـه وفارقته والصوت في الدار شائع
وما كان فيها خالـد بـمـعـذر سواء عليه صم أو هو سـامـع
فلا زلتما في غل سوء بعـبـرة ودارت عليكم بالشمات القـوارع أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال: لما قتل سعيد بن عثمان بن عفان قالت أمه: أشتهي أن يرثيه شاعر كما في نفسي حتى أعطيه ما يحتكم؛ فقال ابن سيحان:
إن كنت باكـية فـتـى فابكي هبلت على سعيد:

صفحة : 191


فارقت أهـلـك بـغـتة وجلبت حتفك من بعـيد
أذري دموعك والـدمـا ء على الشهيد ابن الشهيد فقالت: هكذا كنت أشتهي أن يقال فيه، ووصلت ابن سيحان. وكانت تندبه بهذا الشعر.
وقال أبو عمرو في روايته التي ذكرتها عن عمي عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه قال: جلس ابن سيحان وخالد بن عقبة بعد مقتل سعيد بن عثمان يتحدثان، فجرى ذكره فبكيا جميعا عليه، فقال ابن سيحان يرثيه:
ألا إن خير الناس إن كنت سائلا سعيد بن عثمان القتيل بلا ذحل
تداعت عليه عصبة فـارسـية فأضحى سعيد لا يمر ولا يحلي وقال خالد بن عقبة:
ألا إن خير الناس نفسـا ووالـدا سعيد بن عثمان قتيل الأعـاجـم
بكت عين من لم يبكه وسط يثرب مدى الدهر منه بالدموع السواجم
فإن تكن الأيام أردت صروفهـا سعيدا، فمن هذا عليها بسـالـم قال الحزنبل: أنشدني عمرو بن أبي عمرو عن أبيه لابن سيحان قال عمي وأنشدني السكري عن ابن حبيب والطوسي له: صوت

رحم الله صاحبي ابـنـي الـحـا رث إذ ينهـانـنـي أن أبـوحـا
بالـتـي تـيمـت فـؤادي وأن أذ ري دموعي على ردائي سفوحـا
في مغاني منـازل مـن حـبـيب باشرت بعـده قـطـارا وريحـا
ولقد قـلـت لـلـفـؤاد ولـكـن كان قدما إلى هـواه جـمـوحـا
قلت أقصر عن بعض حبك أروى إن بعض الحباب كان فضـوحـا
فعصاني، فلـيس يسـمـع قـولا من حمام على الأراك، جنـوحـا
أم يحيى تـقـبـل الـلـه يحـيى بقبول كـمـا تـقـبـل نـوحـا
أم يحيى لولا طلابك قـد سـحـت مع الوحش أو لبست المسـوحـا
ولـقـد قـلـت لا أحـدث سـرا سر أخرى ما دامت أمشي صحيحا الغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس. وفيه للغريض ثقيل أول عن الهشامي. وفيه لزريق رمل.
قال أبو عمرو: وابن سيحان الذي يقول:
ألا هل هاجك الأظعا ن إذ جاوزن مطلحا بنو مطيع وذمه لهم
والناس يروونه لعمر بن أبي ربيعة لغلبته على أهل الحجاز جميعا. وقال أبو عمرو في خبره: كان ابن سيحان يحدث قال: كنت آلف من قريش أهل بيتين سوى من كنت منقطعا إليه من بني أمية: بني عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وبني مطيع، فلما ضربني مروان الحد جئت فجلست إلى بني مطيع كما كنت أجلس، فلما رأوني عرفت الكراهة في وجوههم، والله ما أقبلوا بوجوههم علي بحديثم ولا وسعوا لي، فانصرفت ورحت إلى بني عبد الرحمن، فلما رأوني أقبلوا بوجوههم علي وحيوا ورحبوا وسهلوا ووسعوا ورفعوني إلى حيث لم أكن أجلس وأقبلوا علي بوجوههم يحدثونني، وقالوا: لعلك خشعت للذي لحقك، أما والله لقد علم الناس أنك مظلوم، وظلموا مروان في فعله، ورأوا أنه قد أساء وأخطأ في شأنك، وقالوا: ما ضرك ذلك ولا نقصك ولا زادك إلا خيرا، ولم يزالوا حتى بسطوني، فقلت أمدحهم وأذم بني مطيع:
لقد حرمت ود بني مـطـيع حرام الدهن للرجل الحـرام
وإن جنف الزمان مددت حبلا متينا من حبال بني هـشـام
رطيب عودهـم أبـدا وريق إذا ما اغبر عيدان الـلـئام ما وقع له مع إمرأته بسبب سكره
وقال أبو عمرو في خبره: كان عبد الرحم بن سيحان ينادم الوليد بن عثمان على الشراب فيبيت عنده خوفا من أن يظهر وهو سكران فيحد، فقالت له امرأته: قد صرت لا تبيت في منزلك وأظنك قد تزوجت، وإلا فما مبيتك عن أهلك فقال لها:
لا تعدميني نديما مـاجـدا أنـفـا لا قائلا قاذفا خلقا بـبـهـتـان
أغر راووقـه مـلآن صـافـية تنفي القذى عن جبين غير خزيان
سبيئة من قرى بيروت صـافـية عذراء أو سبئت من أرض بيسان
إنا لنشربها حتـى تـمـيل بـنـا كما تمايل وسنـان بـوسـنـان حثه ابن عمه على شرب الخمر


صفحة : 192

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال: كان ابن سيحان صاحب شراب، فدخل على ابن عم له يقال له الحارث بن سريع فوجده يشرب نبيذ زبيب، فجعل يعظه ويأمره بشرب الخمر، وقال له: يابن سريع، إن كنت تشربه على أن نبيذ الزبيب حلال فإنك أحمق، وإن كنت تشربه على أنه حرام تستغفر الله منه وتنوي التوبة فاشرب أجوده فإن الوزر واحد، ثم قال:
دع ابن سريع شرب ما مات مـرة وخذها سلافا حية مزة الطـعـم
تدعك على ملك ابن ساسان قـادرا إذا حرمت قراؤنا حلب الـكـرم
فشتان بين الحي والميت فاعـتـزم على مزة صفراء راووقها يهمي
فإن سريعا كان أوصى بحـبـهـا بنيه وعمي جاوز الله عن عمـي
ويا رب يوم قد شهدت بنـي أبـي عليها إلى أن غاب تالية النـجـم
حسوها صلاة العصر والشمس حية تدار عليهم بالصغير وبالضـخـم
فماتوا وعاشوا والمدامة بـينـهـم مشعشعة كالنجم توصف بالوهـم أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال: كان ابن سيحان حليف حرب بن أمية ينادم الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ويشرب معه الخمر، وهو القائل:
إصبح نديمك من صهباء صافـية حتى يروح كريما ناعم الـبـال
واشرب هديت أبا وهب مجاهرة واختل فإنك من قوم أولى خـال
أنت الجواد أبا وهب إذا جمـدت أيدي الرجال بما تحويه من مال
لولا رجاؤك قد شمرت مرتحـلا عنسا تعاقب تخـويدا بـإرقـال
لما تواصوا بقتلي قمت معتزمـا حتى حميت من الأعداء أوصالي
عم الوليد بمعروف عـشـيرتـه والأبعدون حظوا منه بإفضـال شعره في الوليد وقد حماه من أخواله
قال: وكان ابن سيحان قد ضرب رجلا من أخواله بالسيف فقطع يده ولم تقم عليه بينة، فتآمر به القوم ومنع منه ابن خال له منهم؛ وخاف الوليد بن عقبة أن يرجع إلى المدينة هاربا منهم وخوفا من جنايته عليهم فيفارقه وينقطع عنه، فدعاهم وأرضاهم وأعطاهم دية صاحبهم. فلم يزل عند الوليد حتى عزل وهو نديمه وصفيه. وهو القائل في الوليد - وفيه غناء -: صوت

بات الوليد يعاطيني مشعـشـعة حتى هويت صريعا بين أصحابي في الغناء: بات الكريم يعاطيني.

لا أستطيع نهوضا إن هممت به وما أنهنه من حسو وتشـراب
حتى إذا الصبح لاحت لي جوانبه وليت أسحب نحو الفوم أثوابـي
كأنني من حميا كأسـه جـمـل صحت قوائمه من بعد أوصاب ويروى:
كأنني من حميا كأسه ظلع الغناء ليحيى المكي - وروي: ضلع - خفيف ثقيل بالبنصر عن الهشامي وبذل: قالت بذل: وفيه لحن آخر ليحيى، ولم تذكر طريقته.
خبره مع سعيد بن العاص
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو فهيرة قال: دخل عبد الرحمن بن أرطاة على سعيد بن العاص وهو أمير المدينة؛ فقال له: ألست القائل:
إنا لنشربها حتى تميل بنا كما تمايل وسنان بوسنان فقال له عبد الرحمن: معاذ الله أن أشربها وأنعتها، ولكني الذي أقول:
سموت بحلفي للطـوال مـن الـذرى ولم تلقني كالنسر في ملتقـى جـدب
إذا ما حليف القوم أقعـى مـكـانـه ودب كما يمشي الحسير من النقـب
وهصت الحصى لا أرهب الضيم قائما إذا أنا راخى لي خناقي بنـو حـرب وقام يجر مطرفه بين الصفين حتى خرج. فأقبل عمرو بن سعيد على أبيه فقال: لو أمرت بهذا الكب فضرب مائتي سوط كان خيرا له؛ فقال: يا بني، أضربه وهو حليف حرب بن أمية ومعاوية خليفة بالشأم إذا لا يرضى فلما حج معاوية لقيه بمنى، فقال: إيه يا سعيد أمرك أحمقك بأن تضرب حليفي مائتي سوط أما والله لو جلدته سوطا لجلدتك سوطين فقال له سعيد: ولم ذاك? أو لم تجلد أنت حليفك عمر بن جبلة فقال له معاوية: هو لحمي آكله ولا أوكله. قال: وكان ابن سيحان قد قال:

صفحة : 193


لا يعدمني نديمي ماجدا أنـفـا لا قائلا خالطا زورا ببهـتـان
أمسي أعاطيه كأسا لذ مشربها كالمسك حفت بنسرين وريحان
سبيئة من قرى بيروت صافـية أو التي سبئت من أرض بيسان
إنا لنشربها حتى تمـيل بـنـا كما تمايل وسنان بـوسـنـان انقضت أخباره.

أحد الأصوات من المائة المختارة

من رواية علي بن يحيى

يا خليلي هجرا كي تروحـا هجتما للرواح قلبا قريحـا
إن تريغا لتعلما سر سعـدى تجداني بسر سعدى شحيحا
إن سعدى لمنية المتمـنـي جمعت عفة ووجها صبيحا
كلمتني وذاك ما نلت منهـا إن سعدى ترى الكلام ربيحا الشعر لابن ميادة. والغناء لحنين، ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر عمرو بن بانة أن فيه لدحمان لحنا من الثقيل الأول بالبنصر، وأظنه هذا، وأن عمرا غلط في نسبته إلى دحمان.

أخبار ابن ميادة ونسبه
نسبه
اسمه الرماح بن أبرد بن ثوبان بن سراقة بن حرملة، هكذا قال الزبير بن بكار في نسبه. وقال ابن الكلبي: ثوبان بن سراقة بن سلمى بن ظالم ويقال سراقة بن قيس بن سلمى بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر.
كان يزعم أن أمه فارسية وأمه ميادة أم ولد بربرية، وروي أنها كانت صقلبية. ويكنى أبا شرحبيل، وقيل بل يكنى أبا شراحيل.
وكان ابن ميادة يزعم أن أمه فارسية، وذكر ذلك في شعره فقال:
أنا ابن سلمى وجـدي ظـالـم وأمي حصان أخلصتها الأعاجم
أليس غلام بين كسرى وظالـم بأكرم من نيطت عليه التمـائم <H6 كذبه موسى بن سيار أن أمه فارسية</H6 أخبرني بذلك الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو مسلمة مرهوب بن سيد وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني موسى بن زهير الفزاري قال أخبرني موسى بن سيار بن نجيح المزني قال: أنشدني ابن ميادة أبياته التي يقول فيها:
أليس غلام بين كسرى وظالم بأكرم من نيطت عليه التمائم فقلت له: لقد أشحطت بدار العجوز وأبعدت بها النجعة، فهلا غربت يريد أنها صقلبية ومحلها بناحية المغرب فقال: إي بأبي أنت، إنه من جاع انتجع، فدعها تسر في الناس فإنه من يسمع يخل . قال الزبير قال ابن مسلمة: ولما قال ابن ميادة هذه الأبيات قال الحكم الخضري يرد عليه: <H6 رد عليه الحكم الخضري فخره بأمه وهجاه</H6
وما لك فيهم من أب ذي دسيعة ولا ولدتك المحصنات الكـرائم
وما أنت إلا عبدهم إن تربـهـم من الدهر يوما تستربك المقاسم
رمى نهبل في فرج أمك رمية بحوقاء تسقيها العروق الثواجم قال أبو مسلمة: ونهبل عبد لبني مرة كانت ميادة تزوجته بعد سيدها، وكانت صقلبية. وابن ميادة شاعر فصيح مقدم مخضرم من شعراء الدولتين. وجعله ابن سلام في الطبقة السابعة، وقرن به عمر بن لجأ والعجيف العقيلي والعجير السلولي.
<H6 كان يتعرض للمهاجاة ويقول لأمه اصبري</H6 <H6 على الهجو </H6 أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا الحسن بن الحسين السكري قال حدثنا محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال: كان ابن ميادة عريضا للشر، طالبا مهاجاة الشعراء ومسابة الناس. وكان يضرب بيده على جنب أمه ويقول:
اعرنزمي مياد للقوافي أي إني سأهجو الناس فيهجونك.
وأخبرنا يحيى بن علي عن أبي هفان بهذه الحكاية مثله، وزاد فيها:
اعرنزمي مياد للقوافي واستسمعيهن ولاتخافي
ستجدين ابنك ذا قذاف <H6 استنشد امرأة أمام أمه ما هجيت به</H6

صفحة : 194

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا داود بن علفة الأسدي قال: جاورة امرأة من الخضر: رهط الحكم الخضري أبيات ابن ميادة، فجاءت ذات يوم تطلب رحى وثفالا لتطحن، فأعاروها إياهما فقال لها ابن ميادة: يا أخت الخضر، أتروين شيئا مما قاله الحكم الخضري لنا، يريد بذلك أن تسمع أمه، فجعلت تأبى، فلم يزل حتى أنشدته:
أمياد قد أفسدت سيف ابن ظالم ببظرك حتى عاد أثلم بـالـيا قال: وميادة جالسة تسمع. فضحك الرماح، وثارت ميادة إليها بالعمود تضربها به وتقول: أي زانية هيا زانية أإياي تعنين وقام ابن ميادة يخلصها، فبعد لأي ما أنقذها، وقد انتزعت منها الرحى والثفال.
<H6 إنشاده شماطيط هجاء أمه</H6 أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو حرملة منظور بن أبي عدي الفزاري قال حدثني شماطيط - وهو الذي يقول:
أنا شماطيط الذي حدثت به متى أنبه للغداء أنتـبـه
حتى يقال شره ولست به - قال: كنت جالسا مع ابن ميادة فوردت عليه أبيات للحكم الخضري يقول فيها:
أأنت ابن أشبانية أدلجت بـه إلى اللؤم مقلات لئيم جنينها - أشبانية: صقلبية - قال: وأمه ميادة تسمع فضرب جنبها وقال:
اعرنزمي مياد للقوافي فقالت: هذه جنايتك يابن من خبث وشر، وأهوت إلى عصا تريد ضربه بها؛ ففر منها وهو يقول:
يا صدقها ولم تكن صدوقا فصحت به: أيهما المعني? فقال: أضرعهما خدين وألأمهما جدين؛ فضربت جنبها الآخر وقلت: فهي إذا ميادة، وخرجت أعدو في أثر الرماح، وتبعتنا ترمينا بالحجارة وتفتري علينا حتى فتناها.
أمه ميادة وقصة تزوجها أبرد أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني أبو داود الفزاري: أن ميادة كانت أمة لرجل من كلب زوجة لعبد له يقال له نهبل، فاشتراها بنو ثوبان بن سراقة فأقبلوا بها من الشأم، فلما قدموا وصبحوا بها المليحة وهي ماءة لبني سلمى ورحل بن ظالم بن جذيمة نظر رجل من بني سلمى إليها وهي ناعسة تمايل على بعيرها، فقال: ما هذه? قالوا: اشتراها بنو ثوبان؛ فقال: وأبيكم إنها لميادة تميد وتميل على بعيرها، فغلب عليها ميادة . وكان أبرد ضلة من الضلل ورثة من الرثث جلفا لا تخلص إحدى يديه من الأخرى، يرعى على إخوته وأهله، وكانت إخوته كلهم ظرفاء غيره. فأرسلوا ميادة ترعى الإبل معه فوقع عليها، فلم يشعروا بها إلا قد أقعسها بطنها، فقالوا لها: لمن ما في بطنك. قالت: لأبرد، وسألوه فجعل يسكت ولا يجيبهم، حتى رمت بالرماح فرأوا غلاما فدغما نجيبا، فأقر به أبرد. وقالت بنو سلمى: ويلكم يا بني ثوبان ابتطنوه فلعله ينجب؛ فقالوا: والله ما له غير ميادة، فبنوا لها بيتا وأقعدوها فيه، فجاءت بعد الرماح بثوبان وخليل وبشير بني أبرد، وكانت أول نسائه وآخرهن، وكانت امرأة صدق، ما رميت بشيء ولا سبت إلا بنهبل. قال عبد الرحمن بن جهيم الأسدي في هجائه ابن ميادة:
لعمري لئن شابت حليلة نهبل لبئس شباب المرء كان شبابها
ولم تدر حمراء العجان أنهبل أبوه أم المري تب تبابـهـا هجا بني مازن فرد عليه رجل منهم قال أبو داود: وكان ابن ميادة هجا بني مازن وفزارة بن ذبيان، وذلك أنهم ظلموا بني الصارد - والصارد من مرة - فأخذوا مالهم وغلبوهم عليه حتى الساعة؛ فقال ابن ميادة:
فلأوردن على جماعة مـازن خيلا مقلصة الحصى ورجالا
ظلوا بذي أرك كأن رءوسهم شجر تخطاه الربيع فـحـالا فقال رجل من بني مازن يرد عليه:
يابن الخبيثة يابن طلة نهـبـل هلا جمعت كما زعمت رجالا
أببظر ميدة أم بخصيي نهـبـل أم بالفساة تنـازل الأبـطـالا
ولئن وردت على جماعة مازن تبغي القتال لتلـقـين قـتـالا قال: وبنو مرة يسمون الفساة لكثرة امتيارهم التمر، وكانت منازلهم بين فدك وخيبر فلقبوا بذلك لأكلهم التمر. وقال يحيى بن علي في خبره - ولم يذكره عن أحد -: وقال ابن ميادة يفتخر بأمه: شعره في الفخر بنسبه
أنا ابن ميادة تهوي نجبـي صلت الجبين حسن مركبي

صفحة : 195


ترفعني أمي وينمينـي أبـي فوق السحاب ودوين الكوكب قال يحيى بن علي في خبره عن حماد عن أبيه عن أبي داود الفزاري: إن ابن ميادة قال يفخر بنسب أبيه في العرب ونسب أمه في العجم:
أليس غلام بين كسرى وظالم بأكرم من نيطت عليه التمائم
لو أن جميع الناس كانوا بتلعة وجئت بجدي ظالم وابن ظالم
لظلت رقاب الناس خاضعة لنا سجودا على أقدامنا بالجماجم سمع الفرزدق شيئا من شعره فانتحله
فأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال: كان ابن ميادة واقفا في الموسم ينشد:
لو أن جميع الناس كانوا بتلعة وذكر تمام البيت والذي بعده. قال: والفرزدق واقف عليه في جماعة وهو متلثم، فلما سمع هذين البيتين أقبل عليه ثم قال: أنت يابن أبرد صاحب هذه الصفة كذبت والله وكذب من سمع ذلك منك فلم يكذبك؛ فأقبل عليه فقال: فمه يا أبا فراس؛ فقال: أنا والله أولى بهما منك، ثم أقبل على روايته فقال: اضممهما إليك:
لو أن جميع الناس كانوا بتلعة وجئت بجدي دارم وابن دارم
لظلت رقاب الناس خاضعة لنا سجودا على أقدامنا بالجماجم قال: فأطرق ابن ميادة فما أجابه بحرف، ومضى الفرزدق فانتحلهما.
كان له أخوان شاعران
وقد أتاهم الشعر من قبل جدهم زهير
أم بني ثوبان - وهو أبرد أبو ابن ميادة والعوثبان وقريض وناعضة، وكان العوثبان وقريض شاعرين - أمهم جميعا سلمى بنت كعب بن زهير بن أبي سلمى.
مهاجاته لعقبة بن كعب بن زهير ويقال: إن الشعر أتى ابن ميادة عن أعمامه من قبل جدهم زهير. قال إسحاق في خبره هذا: وحدثني حميد بن الحارث أن عقبة بن كعب بن زهير نزل المليحة على بني سلمى بن ظالم فأكلوا له بعيرا، وبلغ ابن ميادة أن عقبة قال في ذلك شعرا، فقال ابن ميادة يرد عليه:
ولقد حلفت برب مكة صادقا لولا قرابة نسوة بالحاجـر
لكسوت عقبة كسوة مشهورة ترد المناهل من كلام عائر وهي قصيدة؛ فقال له عقبة:
ألوما أنني أصبحـت خـالا وذكر الخال ينقص أو يزيد
لقد قلدت من سلمى رجالا عليهم مسحة وهم العبـيد فقال ابن ميادة:
أن تك خالنا فقبحت خـالا فأنت الخال تنقص لا تزيد
فيوما في مزينة أنت حـر ويوما أنت محتدك العبـيد
أحق الناس أن يلقى هوانا ويؤكل ماله العبد الطريد أوصاف ابن ميادة
قال إسحاق فحدثني عجرمة قال: كان ابن ميادة أحمر سبطا عظيم الخلق طويل اللحية، وكان لباسا عطرا، ما دنوت من رجل كان أطيب عرفا منه.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-26-2006, 12:10 AM   المشاركة رقم: 26
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.26 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

مقارنة بينه وبين النابغة
قال إسحاق: وحدثني أبو داود قال: سمعت شيخا عالما من غطفان يقول: كان الرماح أشعر غطفان في الجاهلية والإسلام، وكان خيرا لقومه من النابغة، لم يمدح غير قريش وقيس، وكان النابغة إنما يهذي باليمن مضللا حتى مات.
هو كثير السقط في شعره
قال إسحاق: وحدثني أبو داود أن بني ذبيان تزعم أن الرماح بن ميادة كان آخر الشعراء. قال إسحاق: وحدثني أبو صالح الفزاري أن القاسم بن جندب الفزاري، وكان عالما، قال لابن ميادة: والله لو أصلحت شعرك لذكرت به، فإني لأراه كثير السقط؛ فقال له ابن ميادة: يابن جندب، إنما الشعر كنبل في جفيرك ترمى به الغرض، فطالع وواقع وعاصد وقاصد.
كان زمن هشام وبقي إلى خلافة المنصور
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال: كان ابن ميادة حديث العهد لم يدرك زمان قتيبة بن مسلم، ولا دخل فيمن عناه حين قال: أشعر قيس الملقبون من بني عامر والمنسوبون إلى أمهاتهم من غطفان ، ولكنه شاعر مجيد كان في أيام هشام بن عبد الملك وبقي إلى زمن المنصور.
مدح بني أمية وبني هاشم
أخبرنا يحيى بن علي قال: كان ابن ميادة فصيحا يحتج بشعره، وقد مدح بني أمية وبني هاشم: مدح من بني أمية الوليد بن يزيد وعبد الواحد بن سليمان، ومدح من بني هاشم المنصور وجعفر بن سليمان.
علم أنه شاعر حين وافق الحطيئة


صفحة : 196

في بيت قاله
وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي قال أخبرني طماح ابن أخي الرماح ابن ميادة قال: قال لي عمي الرماح: ما علمت أني شاعر حتى واطأت الحطيئة، فإنه قال:
عفا مسحلان من سليمى فحامره تمشى به ظلمـانـه وجـآذره فوالله ما سمعته ولا رويته فواطأته بطبعي فقلت:
فذو العش والممدور أصبح قاويا تمشى به ظلمـانـه وجـآذره فلما أنشدتها قيل لي: قد قال الحطيئة:
تمشى به ظلمانه وجآذره فعلمت أني شاعر حينئذ.
كان ينسب بأم جحدر وشعره فيها
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني موسى بن زهير بن مضرس قال: كان الرماح بن أبرد المعروف بابن ميادة ينسب بأم جحدر بنت حسان المرية إحدى نساء بني جذيمة، فحلف أبوها ليخرجنها إلى رجل من غير عشيرته ولا يزوجها بنجد؛ فقدم عليه رجل من الشأم فزوجه إياها؛ فلقي عليها ابن ميادة شدة، فرأيته وما لقي عليها، فأتاها نساؤها ينظرن إليها عند خروج الشأمي بها. قال: فوالله ما ذكرن منها جمالا بارعا ولا حسنا مشهورا، ولكنها كانت أكسب الناس لعجب. فلما خرج بها زوجها إلى بلاده اندفع ابن ميادة يقول:
ألا ليت شعري هل إلى أم جحدر سبيل فأما الصبر عنها فلا صبرا
إذا نزلت بصرى تراخى مزارها وأغلق بوابان من دونها قصـرا
فهل تأتيني الريح تدرج موهـنـا برياك تعروري بها جرعا عفرا قال الزبير: وزادني عمي مصعب فيها:
فلو كان نذر مدنـيا أم جـحـدر إلي لقد أوجبت في عنقي نـذرا
ألا لا تلطي الستر يا أم جحـدر كفى بذرا الأعلام من دوننا سترا
لعمري لئن أمسيت يا أم جحـدر نأيت لقد أبليت في طلب عـذرا
فبهرا لقومي إذ يبيعون مهجتـي بغانية بهرا لهم بعدهـا بـهـرا قال الزبير: بهرا ها هنا: يدعو عليهم أن ينزل بهم من الأمور ما يبهرهم، كما تقول: جدعا وعقرا. وفي أول هذه القصيدة - على ما رواه يحيى بن علي عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن حميد بن الحارث - يقول:
ألا لا تعدلي لوعة مثل لوعـتـي عليك بأدمى والهوى يرجع الذكرا
عشية ألوي بالرداء على الحـشـا كأن ردائي مشعل دونه جـمـرا زاوج أم جحدر وما قاله في ذلك قال حميد بن الحارث: وأم جحدر امرأة من بني رحل بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيظ بن مرة.
أخبرني يحيى بن علي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير عن موهوب بن رشيد عن جبر بن رباط النعامي: أن أم جحدر كانت امرأة من بني مرة ثم من بني رحل، وأن أباها بلغه مصير ابن ميادة إليها، فحلف ليزوجنها رجلا من غير ذلك البلد، فزوجها رجلا من أهل الشأم فاهتداها وخرج بها إلى الشأم، فتبعها ابن ميادة، حتى أدركه أهل بيته فردوه مصمتا لا يتكلم من الوجد بها؛ فقال قصيدة أولها:
خليلي من أبنـاء عـذرة بـلـغـا رسائل منا لا تـزيدكـمـا وقـرا
ألما على تيماء نـسـأل يهـودهـا فإن لدى تيماء من ركبهـا خـبـرا
وبالغمر قد جازت وجاز مطـيهـا عليه فسل عن ذاك نيان فالغـمـرا
ويا ليت شعري هل يحلن أهـلـهـا وأهلك روضات ببطن اللوى خضرا قصة عشقه لها

صفحة : 197

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني أبو سعيد يعني عبد الله بن شبيب قال حدثني أبو العالية الحسن بن مالك وأخبرني به الأخفش عن ثعلب عن عبد الله بن شبيب عن أبي العالية الحسن بن مالك الرياحي العذري قال حدثني عمر بن وهب العبسي قال حدثني زياد بن عثمان الغطفاني من بني عبد الله بن غطفان قال: كنا بباب بعض ولاة المدينة فغرضنا من طول الثواء، فإذا أعرابي يقول: يا معشر العرب، أما منكم رجل يأتيني أعلله إذ غرضنا من هذا المكان فأخبره عن أم جحدر وعني? فجئت إليه فقلت: من أنت? فقال: أنا الرماح بن أبرد، قلت: فأخبرني ببدء أمركما؛ قال: كانت أم جحدر من عشيرتي فأعجبتني، وكانت بيني وبينها خلة، ثم إني عتبت عليها في شيء بلغني عنها، فأتيتها فقلت: يا أم جحدر إن الوصل عليك مردود؛ فقالت: ما قضى الله فهو خير. فلبثت على تلك الحال سنة، وذهبت بهم نجعة فتباعدوا، واشتقت إليها شوقا شديدا، فقلت لامرأة أخ لي: والله لئن دنت دارنا من أم جحدر لآتينها ولأطلبن إليها أن ترد الوصل بيني وبينها، ولئن ردته لا نقضته أبدا، ولم يكن يومان حتى رجعوا، فلما أصبحت غدوت عليهم فإذا أنا ببيتين نازلين إلى سند أبرق طويل، وإذا امرأتان جالستان في كساء واحد بين البيتين، فجئت فسلمت، فردت إحداهما ولم ترد الأخرى، فقالت: ما جاء بك يا رماح إلينا? ما كنا حسبنا إلا أنه قد انقطع ما بيننا وبينك؛ فقلت: إني جعلت علي نذرا لئن دنت بأم جحدر دار لآتينها ولأطلبن منها أن ترد الوصل بيني وبينها، ولئن هي فعلت لا نقضته أبدا وإذا التي تكلمني امرأة أخيها وإذا الساكتة أم جحدر؛ فقالت امرأة أخيها: فادخل مقدم البيت فدخلت، وجاءت فدخلت من مؤخره فدنت قليلا، ثم إذا هي قد برزت، فساعة برزت جاء غراب فنعب على رأس الأبرق فنظرت إليه وشهقت وتغير وجهها؛ فقلت: ما شأنك? قالت: لا شيء، قلت: بالله إلا أخبرتني؛ قالت: أرى هذا الغراب يخبرني أنا لا نجتمع بعد هذا اليوم إلا ببلد غير هذا البلد، فتقبضت نفسي، ثم قلت: جارية والله ما هي في بيت عيافة ولا قيافة، فأقمت عندها، ثم تروحت إلى أهلي فمكنت عندهم يومين، ثم أصبحت غاديا إليها، فقالت لي امرأة أخيها: ويحك يا رماح أين تذهب? فقلت: إليكم؛ فقالت: وما تريد? قد والله زوجت أم جحدر البارحة، فقلت: بمن ويحك? قالت: برجل من أهل الشأم من أهل بيتها، جاءهم من الشأم فخطبها فزوجها وقد حملت إليه، فمضيت إليهم فإذا هو قد ضرب سرادقات، فجلست إليه فأنشدته وحدثته وعدت إليه أياما، ثم إنه احتملها فذهب بها فقلت:
أجارتنا إن الخطـوب تـنـوب علينا وبعض الآمنين تـصـيب
أجارتنا لست الـغـداة بـبـارح ولكن مقيم ما أقـام عـسـيب
فإن تسأليني هل صبرت فإننـي صبور على ريب الزمان صليب قال علي بن الحسين: هذه الأبيات الثلاثة أغار عليها ابن ميادة فأخذها بأعيانها، أما البيتان الأولان فهما لامرىء القيس قالهما لما احتضر بأنقرة في بيت واحد وهو:
أجارتنا إن الخطوب تنوب وإني مقيم ما أقام عسيب والبيت الثالث لشاعر من شعراء الجاهلية، وتمثل به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في رسالة كتب بها إلى أخيه عقيل بن أبي طالب، فنقله ابن ميادة نقلا. ونرجع إلى باقي شعر ابن ميادة:
جرى بانبتات الحبل من أم جحدر ظباء وطير بالفراق نـعـوب
نظرت فلم أعتف وعافت فبينت لها الطير قبلي واللبيب لبـيب
فقالت حرام أن نرى بعد هـذه جميعـين إلا أن يلـم غـريب
أجارتنا صبرا فيا رب هـالـك تقطع من وجد عليه قـلـوب رحل إلى الشأم لرؤيتها فردته

صفحة : 198

قال: ثم انحدرت في طلبها، وطمعت في كلمتها: إلا أن نجتمع في بلد غير هذا البلد . قال: فجئت فدرت الشأم زمانا فتلقاني زوجها فقال: مالك لا تغسل ثيابك هذه أرسل بها إلى الدار تغسل، فأرسلت بها؛ ثم إني وقفت أنتظر خروج الجارية بالثياب، فقالت أم جحدر لجاريتها: إذا جاء فاعلميني؛ فلما جئت إذا أم جحدر وراء الباب فقالت: ويحك يا رماح قد كنت أحسب أن لك عقلا أما ترى أمرا قد حيل دونه وطابت أنفسنا عنه? انصرف إلى عشيرتك فإني أستحي لك من هذا المقام؛ فانصرفت وأنا أقول: صوت

عسى إن حججنا أن نرى أم جحدر ويجمعنا من نخلـتـين طـريق
وتصطك أعضاد المطي وبينـنـا حديث مسـر دون كـل رفـيق في هذين البيتين لحن من الثقيل الثاني ذكر الهشامي أنه للحجبي شعره فيها وقال حين خرج إلى الشأم - هذه رواية ابن شبيب -:
ألا حييا رسما بذي العش مقـفـرا وربعا بذي الممدور مستعجما قفرا
فأعجب دار دارهـا غـير أنـنـي إذا ما أتيت الدار ترجعني صفـرا
عشية أثني بالرداء على الحـشـى كأن الحشى من دون أشعرت جمرا
يميل بنا شحط النوى ثم نلـتـقـي عداد الثريا صادفـت لـيلة بـدرا
وبالغمر قد جازت وجاز مطـيهـا فأسقى الغوادي بطن نيان فالغمـرا
خليلي من غيظ بن مـرة بـلـغـا رسائل مني لا تزيدكـمـا وقـرا
ألا ليت شعري هل إلى أم جحـدر سبيل، فأما الصبر عنها فلا صبرا
فإن يك نذر راجـعـا أم جـحـدر علي لقد أوذمت في عنقـي نـذرا
وإني لاستنشي الحديث من أجلـهـا لأسمع منها وهي نـازحة ذكـرا
وإني لأستحيى مـن الـلـه أن أرى إذا غدر الخلان أنوي لهـا غـدرا أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال أنشدني أبو داود لابن ميادة وهو يضحك منذ أنشدني إلى أن سكت:
ألم تـر أن الـصـاردية جـاورت ليالي بالمـمـدور غـير كـثـير
ثلاثا فلـمـا أن أصـابـت فـؤاده بسهمين من كحل دعت بهـجـير
بأصهب يرمي للـزمـام بـرأسـه كأن على ذفراه نـضـخ عـبـير
جلت إذ جلت عن أهل نجد حمـيدة جلاء غـنـى لا جـلاء فـقـير
وقالت وما زادت على أن تبسمـت عذيرك مـن ذي شـيبة وعـذيري
عدمت الهوى ما يبرح الدهر مقصدا لقلبي بسهم فـي الـيدين طـرير
وقد كان قلبي مات للـوجـد مـوتة فقد هم قلبي بعـدهـا بـنـشـور قال: فقلت: وما أضحكك? فقال: كذب ابن ميادة، والله ما جلت إلا على حمار وهو يذكر بعيرا ويصفه وأنها جلت جلاء غنى لا جلاء فقير، فأنطقه الشيطان بهذا كله كما سمعت.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني موسى بن زهير قال: مكثت أم جحدر عند زوجها زمانا ثم مات زوجها عنها ومات ولدها منه، فقدمت نجدا على إخوتها وقد مات أبوها .
آخر عهده بها

صفحة : 199

أخبرني سيار بن نجيح المزني قال: لقيت ابن ميادة وهو يبكي فقلت له: ويحك مالك? قال: أخرجتني أم جحدر وآلت يمينا ألا تكلمني، فانطلق فاشفع لي عندها؛ فخرجت حتى غشيت رواق بيتها فوجدتها وهي تدمك جريرا لها بين الصلاية والمدق تريد أن تخطم به بعيرا تحج عليه؛ فقالت: إن كنت جئت شفيعا لابن ميادة فبيتي حرام عليك أن تلقي فيه قدمك. قال: فحجت، ولا والله ما كلمته ولا رآها ولا رأته. قال موسى قال سيار: فقلت له: اذكر لي يوما ما رأيته منها؛ فقال لي: أما والله لأخبرنك يا سيار بذلك: بعثت إليها عجوزا منهم فقلت: هل ترين من رجال? فقالت: لا والله، ما رأيت من رجل؛ فألقيت رحلي على ناقتي ثم أرسلتها حتى أنختها بين أطناب بيتهم؛ ثم جعلت أقيد الناقة، فما كان إلا ذاك حتى دخلت وقد ألقت لي فراشا مرقوما مطموما، وطرحت لي وسادتين على عجز الفراش وأخريين على مقدمه؛ قال: ثم تحدثنا ساعة وكأنما تلعقني بحديثها الرب من حلاوته، ثم إذا هي تصب في عس مخصوب بالحناء والزعفران من ألبان اللقاح، فأخذت منها ذلك العس وكأنه قناة فراوحته بين يدي، ما ألقمته فمي ولا دريت أنه معي حتى قالت لي عجوز: ألا تصلي يابن ميادة لا صلى الله عليك فقد أظلك صدر النهار ولا أحسب إلا أنني في أول البكرة؛ قال: فكان ذلك اليوم آخر يوم كلمتها فيه حتى زوجها أبوها، وهو أظرف ما كان بيني وبينها.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني حكم بن طلحة الفزاري ثم المنظوري قال: قال ابن ميادة: إني لأعلم أقصر يوم مر بي من الدهر، قيل له: وأي يوم هو يا أبا الشرحبيل? قال: يوم جئت فيه أم جحدر باكرا فجلست بفناء بيتها فدعت لي بعس من لبن فأتيت به وهي تحدثني، فوضعته على يدي وكرهت أن أقطع حديثها إن شربت، فما زال القدح على راحتي وأنا أنظر إليها حتى فاتتني صلاة الظهر وما شربت.
قال الزبير: وحدثني أبو مسلمة موهوب بن رشيد بمثل هذا، وزاد في خبره: وقال ابن ميادة فيها أيضا:
ألم تـر أن الـصـاردية جـاورت ليالي بالمـمـدور غـير كـثـير
ثلاثا فلـمـا أن أصـابـت فـؤاده بسهمين من كحل دعت بهـجـير
بأحمر ذيال الـعـسـيب مـفـرج كأن على ذفراه نـضـخ عـبـير
حلفت برب الراقصات إلى مـنـى زفيف القطا يقطعن بطن هـبـير
لقد كان حب الصاردية بـعـدمـا علا في سواد الرأس نبـذ قـتـير
يكون سفاهـا أو يكـون ضـمـانة على ما مضى من نعمة وعصور
عدمت الهوى لا يبرح الدهر مقصدا لقلبي بسهم في الـفـؤاد طـرير
وقد كان قلبي مات للحـب مـوتة فقد هم قلبي بعـدهـا بـنـشـور
جلت إذ جلت عن أهل نجد حمـيدة جلاء غـنـى لا جـلاء فـقـير ومما يغنى فيه من أشعار ابن ميادة في النسيب بأم جحدر قوله : صوت

ألا يا لقومي للهوى والتذكـر وعين قذى إنسانها أم جحدر
فلم تر عيني مثل قلبي لم يطر ولا كضلوع فوقه لم تكسـر الغناء لإسحاق ثقيل أول بالوسطى.
سيار يروي خبر جاريته
أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا حكيم بن طلحة الفزاري عن رجل من كلب قال: جنيت جناية فغرمت فيها، فنهضت إلى أخوالي بني مرة فاستعنتهم فأعانوني، فأتيت سيار بن نجيح أحد بني سلمى بن ظالم فأعانني، ثم قال: انهض بنا إلى الرماح بن أبرد - يعني ابن ميادة - حتى يعينك، فدفعنا إلى بيتين له، فسألنا عنه فقيل: ذهب أمس؛ فقال سيار: ذهب إلى أمة لبني سهيل، فخرجنا في طلبه فوقعنا عليه في قرارة بيضاء بين حرتين، وفي القرارة غنم من الضأن سود وبيض، وإذا حمار مقيد مع الغنم وإذا به معها، فجلسنا فإذا شابة حلوة صفراء في دراعة مورسة، فسلمنا وجلسنا؛ فقال: أنشديهم مما قلت فيك شيئا؛ فأنشدتنا:
يمنونني منك الـلـقـاء وإنـنـي لأعلم لا ألقاك مـن دون قـابـل
إلى ذاك ما حارت أمورك وانجلت غياية حبيك انجلاء الـمـخـايل
إذا حل أهلي بالجناب وأهـلـهـا بحيث التقى الغلان من ذي أرائل

صفحة : 200


أقل خلة بانت وأدبـر وصـلـهـا تقطع منها بـاقـيات الـحـبـائل
وحالت شهور الصيف بين وبينـهـا ورفع الأعادي كل حق وبـاطـل
أقول لعـذالـي لـمـا تـقـابـلا علي بلوم مثل طعن الـمـعـابـل
لا تكثرا عنها الـسـؤال فـإنـهـا مصلصلة من بعض تلك الصلاصل
من الصفر لا ورهاء سمج دلالهـا وليست من السود القصار الحـوائل
ولكنها ريحانة طـاب نـشـرهـا وردت عليها بالضحى والأصـائل ثم قال لها: قومي فاطرحي عنك دراعتك، فقالت: لا حتى يقول ليس سيار بن نجيح ذلك، فأبى سيار؛ فقال له ابن ميادة: لئن لم تفعل لافضيت حاجتكما، فقال لها فقامت فطرحتها، فما رأيت أحلى منها. فقال له سيار : فما لك يا أبا الشرحبيل لا تشتريها? فقال: إذا يفسد حبها.
ابن ميادة وصخر بن الجعد الخضري
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثتني مغيرة بنت أبي عدي بن عبد الجبار بن منظور بن زبان ابن سيار الفزارية قالت أخبرني أبي قال: جمعني وابن ميادة وصخر بن الجعد الخضري، مجلس، فأنشدنا ابن ميادة قوله:
يمنونني منك اللقاء وإنـنـي لأعلم لا ألقاك من دون قابل فأقبل عليه صخر فقال له: المحب المكب يرجو الفائت ويغم الطير، وأراك حسن العزاء يا أبا الشرحبيل؛ فأعرض عنه ابن ميادة. قال أبو عدي فقلت:
صادف درء السيل سيلا يردعه بهضـبة تـرده وتـدفـعـه - ويروي: درء السيل سيل - فقال لي: يا أبا عدي، والله لا أتلطخ بالخضر مرتين وقد قال أخو عذرة:
هو العبد أقصى همه أن تـسـبـه وكان سباب الحر أقصى مدى العبد قال الزبير: قوله يغم الطير يقول: إذا رأى طيرا لم يزجرها مخافة أن يقع ما يكره.
قال: فلم يحر إليه صخر بن الجعد جوابا. يعني بقوله: لا أتلطخ بالخضر مرتين مهاجاته الحكم الخضري، وكانا تهاجيا زمانا ثم كف ابن ميادة وسأله الصلح فصالحه الحكم.
ابن ميادة والحكم الخضري أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو مسلمة موهوب بن رشيد عن عبد الرحمن بن الأحول التغلبي ثم الخولاني قال: كان أول ما بدأ الهجاء بين ابن ميادة وحكم بن معمر الخضري أن ابن ميادة مر بالحكم بن معمر وهو ينشد في مصلى النبي صلى الله عليه وسلم في جماعة من الناس قوله:
لمن الديار كأنها لم تعـمـر بين الكناس وبين برق محجر حتى انتهى إلى قوله:
يا صاحبي ألم تشـيمـا بـارقـا نضح الصراد به فهضب المنحر
قد بت أرقبه وبات مـصـعـدا نهض المقيد في الدهاس الموقر فقال له ابن ميادة: ارفع إلي راسك أيها المنشد، فرفع حكم إليه رأسه؛ فقال له: من أنت? قال: أنا حكم بن معمر الخضري؛ قال: فوالله ما أنت في بيت حسب، ولا في أرومة شعر؛ فقال له حكم: وماذا عبت من شعري? قال: عبت أنك أدهست وأوقرت؛ قال له حكم: ومن أنت? قال أنا ابن ميادة، قال: ويحك فلم رغبت عن أبيك وانتسبت إلى أمك? قبح الله والدين خيرهما ميادة، أما والله لو وجدت في أبيك خيرا ما انتسبت إلى أمك راعية الضأن. وأما إدهاسي وإبقاري فإني لم آت خيبر إلا ممتارا لا متحاملا، وما عدوت أن حكيت حالك وحال قومك، فلو كنت سكت عن هذا لكان خيرا لك وأبقى عليك. فلم يفترقا إلا عن هجاء.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم الجمحي قال حدثني عمير بن ضمرة الخضري قال: أول ما هاج الهجاء بين ابن ميادة وبين حكم بن معمر بن قنبر بن جحاش بن سلمة بن ثعلبة بن مالك بن طريف بن محارب - قال: والخضر ولد مالك بن طريف، سموا بذلك لأن مالكا كان شديد الأدمة، وكذلك خرج ولده فسموا الخضر - أن حكما نزل بسمير بن سلمة بن عوسجة بن أنس بن يزيد بن معاوية بن ساعدة بن عمرو وهو خصيلة بن مرة. فأقبل ابن ميادة إلى حكم ليعرض عليه شعره وليسمع من شعره، وكان حكم أسنهما، فأنشدا جميعا جماعة القوم، ثم قال ابن ميادة: والله لقد أعجبني بيتان قلتهما يا حكم؛ قال: أو ما أعجبك من شعري إلا بيتان فقال:

صفحة : 201

والله لقد أعجباني، يردد ذلك مرارا لا يزيده عليه؛ فقال له حكم: فأي بيتين هما? قال: حين تساهم بين ثوبيها وتقول:
فوالـلـه مـا أدري أزيدت مـلاحة وحسنا على النسوان أم ليس لي عقل
تساهم ثوباها فـفـي الـدرع غـادة وفي المرط لفاوان ردفهما عـبـل فقال له حكم: أو ما أعجبك غير هذين البيتين? فقال له ابن ميادة: قد أعجباني، فقال: أو ما في شعري ما أعجبك غيرهما? فقال: لقد أعجباني؛ فقال له حكم: فإني سوف أعيب عليك قولك:
ولا برح الممدور ريان مخصبا وجيد أعالي شعبه وأسافـلـه فاستسقيت لأعلاه وأسفله وتركت وسطه وهو خير موضع فيه؛ فقال: وأي شيء تريد تركته لا يزال ريان مخصبا. وتهاترا فغضب حكم فارتحل ناقته وهدر ثم قال:
فإنه يوم قريض ورجز فقال رجل من بني مرة لابن ميادة: اهدركما هدر يا رماح، فقال: إنما يغط البكر. ثم قال الرماح:
فإنه يوم قـريض ورجـز من كان منكم ناكزا فقد نكز
وبين الطرف النجيب فبرز قال الزبير: يريد بقوله ناكزا: غائضا قد نزف. قال الزبير: وسمعت رجلا من أهل البادية ينزع على إبل له كثيرة من قليب ويرتجز:
قد نكزت أن لم تكن خسيفا أو يكن البحر لها حليفـا أم جحدر وهجاء الحكم وعملس لها
قال الزبير قال الجمحي قال عمير بن ضمرة: فهذا أول ما هاج التهاجي بينهما. قال الزبي قال الجمحي: وحدثني عبد الرحمن بن ضبعان المحاربي قال: كان ابن ميادة وحكم الخضري وعملس بن عقيل بن علفة متجاورين متحالين، وكانوا جميعا يتحدثون إلى أم جحدر بنت حسان المرية، وكانت أمها مولاة، ففضلت ابن ميادة على الحكم وعملس فغضبا. وكان ابن ميادة قال في أم جحدر:
ألا ليت شعري هل إلى أم جـحـدر سبيل فأما الصبر عنها فلا صبـرا
ويا ليت شعري هل يحلن أهـلـهـا وأهلك روضات ببطن اللوى خضرا وقال فيها أيضا :
إذا ركدت شمس النهار ووضعت طنافسها ولينها الأعين الخـزرا الأبيات؛ فقال عملس بن عقيل وحكم الخضري يهجوانها - وهي تنسب إلى حكم -:
لا عوفيت في قبرها أم جـحـدر ولا لقيت إلا الكلاليب والجمـرا
كما حادثت عبدا لئيما وخـلـتـه من الزاد إلا حشو ريطاته صفرا
فيا ليت شعري هل رأت أم جحدر أكشك أو ذاقت مغابنك القـشـرا
وهل أبصرت أرساغ أبرد أو رأت قفا أم رماح إذا ما استقت دفـرا
وبالغمر قد صرت لقاحا وحادثـت عبيدا فسل عن ذاك نيان فالغمرا وقال عملس بن عقيل بن علفة ويقال: بل قالها علفة بن عقيل:
فلا تضعا عنها الطنافـس إنـمـا يقصر بالمرماة من لم يكن صقرا وزاد يحيى بن علي مع هذا البيت عن حماد عن أبيه عن جرير بن رباط وأبي داود قال: يعرض بقوله: )من لم يكن صقرا( بابن ميادة أي إنه هجين ليس من أبوين متشابهين كما الصقر. وبعده بيت آخر من رواية يحيى ولم يروه الزبير معه:
منعمة لم تلق بؤسـا وشـفـوة بنجد ولم يكشف هجين لها سترا قالوا جميعا: فقال ابن ميادة يهجو علفة:
أعلف إن الصقر لـيس بـمـدلـج ولكنه بالـلـيل مـتـخـذ وكـرا
ومفترش بين الجناحين سـلـحـه إذا الليل ألقى فوق خرطومه كسرا
فإن يك صقرا بـعـد لـيلة أمـه وليلة جحاف فأف لـه صـقـرا
تشد بكفـيهـا عـلـى جـذل أيره إذا هي خافت من مطيها نـفـرا

صفحة : 202

يريد أن أم علفة من بني أنمار، وكان أبوه عقيل بن علفة ضربها، فأرسلت إلى رجل من بني أنمار يقال له جحاف، فأتاها ليلا فاحتملها على جمل فذهب بها. وقال يحيى بن علي خاصة في خبره عن حماد عن أبيه عن أبي داود: إن جحاف بن إياد كان رجلا من بني قتال بن يربوع بن غيظ بن مرة، وكان يتحدث إلى امرأة عقيل بن علفة - وهي أم ابنه علفة بن عقيل - ويتهم بها، وهي امرأة من بني أنمار بن بغيض بن ريث بن غطفان يقال لها سلافة، وكانت من أحسن الناس وجها، وكان عقيل من أغير الناس، فربطها بين أربعة أوتاد ودهنها بإهالة، وجعلها في قرية نمل، فمر بها جحاف بن إياد ليلا فسمع أنينها، فأتاها فاحتملها حتى طرحها بفدك، فاستعدت واليها على عقيل. وقال عقيل من جوف الليل فأوقد عشوة ونظرها فلم يجدها ووجد أثر جحاف فعرفه وتبعه حتى صبح القرية، وخنس جحاف عنها؛ فأتى الوالي فقال: إن هذه رأتني وقد كبرت سني وذهب بصري فاجترأت علي، وكان عقيل رجلا مهيبا فلم يعاقبه الوالي بما صنعه لموضعه من صهر بني مروان. قال: فعير ابن ميادة علفة بن عقيل بأمر جحاف هذا في قوله:
فإن يك صقرا بعد ليلة أمـه وليلة جحاف فأف له صقرا قال: ولج الهجاء بينهما. وقال فيه ابن ميادة وفي حكم الخضري وقد عاون علفة:
لقد ركب الخضري مني وتربـه على مركب من نابيات المراكب وقال لعلفة:
يابن عقيل لا تكن كـذوبـا أأن شربت الحزر والحليبا
من شول زيد وشممت الطيبا جهلا تجنيت لي الذنـوبـا قال: ثم لم يلبثه ابن ميادة أن غلبه، وهاج التهاجي بينه وبين حكم الخضري، وانقطع عنه علفة مفضوحا. قال: وماتت أم جحدر التي كان ينسب بها ابن ميادة على تفيئة ما كان بينه وبين علفة من المهاجاة، ونعيت له فلم يصدق حتى أتاه رجل من بني رحل يقال له عمار فنعاها له؛ فقال:
ما كنت أحسب أن القوم قد صدقوا حتى نعاها لي الرحلي عـمـار وقال يرثيها:
خلت شعب الممدور لست بواجـد به غير بال من عضاه وحرمـل
تمنيت أن تلقي بـه أم جـحـدر وماذا تمني من صدى تحت جندل
فللموت خير مـن حـياة ذمـيمة وللبخل خير من عناء مـطـول أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الله بن إبراهيم عن ساعدة ابن مرمىء، وذكره إسحاق أيضا عن أصحابه: أن ابن ميادة وحكما الخضري تواعدا المدينة ليتواقفا بها، وجاء نفر من قريش - أمهاتهم من مرة - إلى ابن ميادة فمنعوه من مواقفة حكم، وقالوا: أتتعرض له ولست بكفئه فيشتم أمهاتنا وأخوالنا وخالاتنا وهو رجل خبيث اللسان - قال: وكان حكم يسجع سجعا كثيرا - فقال: والله لئن واقفته لأسجعن به قبل المقارضة سجعا أفضحه به فلم يلقه. وذكر الزبير له سجعا طويلا غثا لا فائدة فيه، لأنه ليس برجز منظوم ولا كلام فصيح ولا مسجع سجعا مؤتلفا كائتلاف القوافي، إلا أن من أسلمه قوله: والله لئن ساجعتني سجاعا، لتجدني شجاعا، للجار مناعا، ولأجدنك هياعا، للحسب مضياعا، ولئن باطشتك بطاشا، لأدهشنك إدهاشا، ولأدقن منك مشاشا، حتى يجيء بولك رشاشا. وهذا من غث السجع ورذله، وإنما ذكرته ليستدل به على ما هو دونه مما ألغيت ذكره. قال: ورجز به فقال:
يا معدن اللؤم وأنت جبلـه وآخر اللؤم وأنـت أولـه
جاريت سباقا بعيدا مهـلـه كان إذا جارى أباك يفشله
فكيف ترجوه وكيف تأملـه وأنت شر رجل وأنـذلـه
ألأمه في مأزق وأجهـلـه أدخله بيت المخازي مدخله
فاللؤم سربال له يسربـلـه ثوبا إذا أنهـجـه يبـدلـه فأجابه حكم:
يابن التي جيرانها كانت تضـر وتتبع الشول وكانت تمتصـر
كيف إذا مارست حرا تنتصر ولهما أراجيز كثيرة طويلة جدا أسقطتها لكثرتها وقلة فائدتها.
الحكم ولقاء ابن ميادة وتهاجيهما
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن عبد الله بن إبراهيم قال: أخبرني بعض من لقيت من الخضر: أن حكما الخضري خرج يريد لقاء ابن ميادة بالرقم من غير موعد فلم يلفه، إما لأنه تغيب عنه وإما لأنه لم يصادفه، فقال حكم:

صفحة : 203


فر ابن ميادة الرقطاء من حكم بالصغر مثل الأعقد الـدهـم
أصبحت في أقر تعلو أطاوله تفر مني وقد أصبحت بالرقم وقال إسحاق في روايته عن أصحابه: قال ابن ميادة يهجو حكما وينسب بأم جحدر:
يمنونني منك اللقاء وإنـنـي لأعلم لا ألقاك من دون قابل وقد مضى أكثر هذه الأبيات متقدما، فذكرت ها هنا منها ما لم يمض وهو قوله:
فيا ليت رث الوصل من أم جحدر لنا بجديد مـن أولاك الـبـدائل
ولم يبق مما كان بيني وبـينـهـا من الود إلا مخفيات الـرسـائل
وإني إذا استنبهت من حلو رقـدة رميت بحبيها كرمي المناضـل صوت

فما أنس م الأشياء لا أنس قولها وأدمعها يذرين حشو المكاحل
تمتع بذا اليوم القصير فـإنـه رهين بأيام الدهور الأطـاول الغناء في هذين البيتين لعلي بن يحيى المنجم، ولحنه من الثقيل الثاني.

وكنت امرأ أرمي الزوائل مـرة فأصبحت قد ودعت رمي الزوائل
وعطلت قوس اللهو من سرعانها وعادت سهامي بين رث وناصل السرعان: وتر يعمل من عقب المتن، وهو أطول العقب.

إذا حل بيتي بين بدر ومازن ومرة نلت الشمس كاهلي يعني بدر بن عمرو بمن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان، ومرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، ومرة بن فزارة، ومازن بن فزارة. وهي طويلة.
قال أبو الفرج الأصبهاني: أخذ إسحاق الموصلي معنى بيت ابن ميادة في قوله: نلت الشمس واشتد كاهلي فقال:
عطست بأنف شامخ وتناولت يداي الثريا قاعدا غير قائم ولعمري لئن كان استعار معناه لقد اضطلع به وزاد فأحسن وأجاد.
وفي هذه القصيدة يقول:
فضلنا قريشا غير رهط محمـد وغير بني مروان أهل الفضائل ضربه إبراهيم بن هشام لدعواه أنه فضل قريشا
قال يحيى بن علي وأخبرني علي بن سليمان بن أيوب عن مصعب، وأخبرني به الحسن بن علي عن أحمد بن زهير عن مصعب قال: قال إبراهيم بن هشام بن إسماعيل لابن ميادة: أنت فضلت قريشا وجرده فضربه أسواطا.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: لما قال ابن ميادة:
فضلنا قريشا غير رهط محمـد وغير بني مروان أهل الفضائل قال له الوليد بن يزيد: قدمت آل محمد قبلنا، فقال: ما كنت يا أمير المؤمنين أظنه يمكن غير ذلك. فلما أفضت الخلافة إلى بني هاشم وفد ابن ميادة إلى المنصور ومدحه؛ فقال له أبو جعفر لما دخل إليه: كيف قال لك الوليد? فأخبره بما قال، فجعل المنصور يتعجب.
ابن ميادة والحكم بعريجاء
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الله بن إبراهيم الجمحي قال: حدثني العباس بن سمرة بن عباد بن شماخ بن سمرة عن ريحان بن سويد الخضري، وكان رواية حكم بن معمر الخضري، قال: تواعد حكم وابن ميادة عريجاء - وهي ماءة - يتواقفان عليها، فخرج كل واحد منهما في نفر من قومه، وأقبل صخر بن الجعد الخضري يؤم حكما، وهو يومئذ عدو لحكم لما فرط بينهما من الهجاء في أركوب من بني مازن بن مالك بن طريف بن خلف بن محارب؛ فلما لقيه قال له: يا حكم، أهؤلاء الذين عرضت للموت وهم وجوه قومك فوالله ما دماؤهم على بني مرة إلا كدماء جداية، فعرف حكم أن قول صخر هو الحق فرد قومه، وقال لصخر: قد وعدني ابن ميادة أن يواقفني غدا بعريجاء لأن أناشده، فقال له صخر: أنا كثير الإبل - وكان حكم مقلا - فإذا وردت إبلي فارتجز، فإن القوم لا يشجعون عليك وأنت وحدك، فإن لقيت الرجل نحر وأطعم فانحر وأطعم وإن أتيت على مالي كله. قال ريحان راويته: فورد يومئذ عريجاء وأنا معه فظل على عريجاء ولم يلق رماحا ولم يواف لموعده، وظل ينشد يومئذ حتى أمسى، ثم صرف وجوه إبل صخر وردها. وبلغ الخبر ابن ميادة وموافاة حكم لموعده، فأصبح على الماء وهو يرتجز ويقول:
أنا ابن ميادة عقار الجـزر كل صفي ذات ناب منفظر توافيهما بحمى ضرية وصلحهما

صفحة : 204

وظل على الماء فنحر وأطعم. فلما بلغ حكما ما صنع ابن ميادة من نحره وإطعامه شق عليه مشقة شديدة. ثم إنهما بعد توافيا بحمى ضرية. قال ريحان بن سويد: وكان ذلك العام عام جدب وسنة إلا بقية كلأبضرية. قال: فسبقنا ابن ميادة يومئذ فنزلنا على مولاة لعكاشة بن مصعب بن الزبير ذات مال ومنزلة من السلطان. قال: وكان حكم كريما على الولاة هناك يتقى لسانه. قال ريحان: فبينا نحن عند المولاة وقد حططنا براذع دوابنا إذا راكبان قد أقبلا، وإذا نحن برماح وأخيه ثوبان - ولم يكن لثوبان ضريب في الشجاعة والجمال - فأقبلا يتسايران، فلما رآهما حكم عرفهما، فقال: يا ريحان، هذان ابنا أبرد، فما رأيك? أتكفيني ثوبان أم لا? قال: فأقبلا نحونا ورماح يتضاحك حتى قبض على يد حكم وقال: مرحبا برجل سكت عنه ولم يسكت عني، وأصبحت الغداة أطلب سلمه يسوقني الذئب والسنة، وأرجو أن أرعى الحمى بجاهه وبركته، ثم جلس إلى جنب حكم وجاء ثوبان فقعد إلى جنبي، فقال له حكم: أما ورب المرسلين يا رماح لولا أبيات جعلت تعتصم بهن وترجع إليهن - يعني أبيات ابن ظالم - لاستوسقت كما استوسق من كان قبلك. قال ريحان: وأخذا في حديث أسمع بعضه ويخفى علي بعضه، فظللنا عند المرأة وذبح لنا وهما في ذلك يتحادثان، مقبل كل واحد منهما على صاحبه لا ينظران شدنا، حتى كان العشاء فشددنا للرواح نؤم أهلنا، فقال رماح لحكم: يا أبا منيع - وكانت كنية حكم -: قد قضيت حاجتك وحاجة من طلبت له من هذا العامل، وإن لنا إليه حاجة في أن يرعينا؛ فقال له حكم: قد والله قضيت حاجتي منه وإني لأكره الرجوع إليه، وما من حاجتك بد، ثم رجع معه إلى العامل، فقال له بعد الحديث معه: إن هذا الرجل من قد عرفت ما بيني وبينه، وقد سأل الصلح وأناب إليه، فأحببت أن يكون ذلك على يدك وبمحضرك. قال: فدعا به عامل ضرية وقال: هل لك حاجة غير ذلك? قال: لا والله، ونسي حاجة رماح، فأذكرته إياها، فرجع فطلبها واعتذر بالنسيان. فقال العامل لابن ميادة: ما حاجتك? فقال: ترعيني عريجاء لا يعرض لي فيها أحد، فأرعاه إياها. فأقبل رماح على حكم فقال: جزاك الله خيرا يا أبا منيع، فوالله لقد كان ورائي من قومي من يتمنى أن يرعى عريجاء بنصف ماله. قال فلما عزما على الانصراف ودع كل واحد منهما صاحبه وانصرفا راضيين وانصرف ابن ميادة إلى قومه فوجد بعضهم قد ركب إلى ابن هشام فاستغضبه على حكم في قوله:
وما ولدت مـرية ذات لـيلة من الدهر إلا زاد لؤما جنينها فأطرده وأقسم: لئن ظفر به ليسرجنه وليحملن عليه أحدهم. فقال رماح - وساءه ما صنعوا -: عمدتم إلى رجل قد صلح ما بيني وبينه وأرعيت بوجهه فاستعديتم عليه وجئتم بإطراده وبلغ الحكم الخبر فطار إلى الشأم فلم يبرحها حتى مات.
قال العباس بن سمرة: مات بالشأم غرقا، وكان لا يحسن العوم فمات في بعض أنهارها. قال: وهو وجهه الذي مدح فيه أسود بن بلال المحاربي ثم السوائي في قصيدته التي يقول فيها:
واستيقنت أن لا براح من السرى حتى تناخ بأسـود بـن بـلال
قرم إذا نزل الوفـود بـبـابـه سمت العيون إلى أشم طـوال مناقضات حكم وابن ميادة ولحكم الخضري وابن ميادة مناقضات كثيرة وأراجيز طوال طويت ذكر أكثرها وألغيته، وذكرت منها لمعا من جيد ما قالاه لئلا يخلو هذا الكتاب من ذكر بعض ما دار بينهما ولا يستوعب سائره فيطول. فما قاله حكم في ابن ميادة قوله:
خليلي عوجا حييا الدار بالجـفـر وقولا لها سقيا لعصرك من عصر
وماذا تحي من رسوم تـلاعـبـت بها حرجف تذري بأذيالها الكـدر ومن جيد قوله فيها يفتخر:
إذا يبست عيدان قـوم وجـدتـنـا وعيداننا تغشى على الورق الخضر
إذا الناس جاءوا بالقروم أتـيتـهـم بقرم يساوي راسه غـرة الـبـدر
لنا الغور والأنجاد والخيل والقـنـا عليكم وأيام المكـارم والـفـخـر ومن جيد هجائه قوله:
فيا مر قد أخزاك في كل مـوطـن من اللؤم خلات يزدن على العشـر
فمنهن أن العبد حـامـي ذمـاركـم وبئس المحامي العبد عن حوزة الثغر

صفحة : 205


ومنهن أن لم تمسحوا وجـه سـابـق جواد ولم تأتوا حصانا على طـهـر
ومنهن أن المـيت يدفـن مـنـكـم فيفسو على دفانه وهو في القـبـر
ومنهن أن الجار يسكن وسـطـكـم بريئا فيلقى بـالـخـيانة والـغـدر
ومنهن أن عدتـم بـأرقـط كـودن وبئس المحامي أنت يا ضرطة الجفر
ومنهن أن الشـيخ يوجـد مـنـكـم يدب إلى الجارات محدودب الظهـر
تبيت ضباب الضغن تخشى احتراشها وإن هي أمست دونها ساحل البحـر فأجابه ابن ميادة بقصيدة طويلة، منها قوله مجيبا له عن هذه الخصال التي سبهم بها:
لقد سبقت بالمخـزيات مـحـارب وفازت بخلات على قومها عشـر
فمنهن أن لم تـعـقـروا ذات ذروة لحق إذا ما احتيج يوما إلى العقـر
ومنهن أن لم تمسـحـوا عـربـية من الخيل يوما تحت جل على مهر
ومنهن أن لم تضربوا بسـيوفـكـم جماجم إلا فيشل القرح الـحـمـر
ومنهن أن كانت شيوخ مـحـارب كما قد علمتم لا تريش ولا تبـري
ومنهن أخزى سوءة لو ذكـرتـهـا لكنتم عبيدا تخدمـون بـنـي وبـر
ومنهن أن الضأن كانت نـسـاءكـم إذا اخضر أطراف الثمام من القطر
ومنهن أن كانت عجوز مـحـارب تريغ الصبا تحت الصفيح من القبر
ومنهن أن لو كان في البحر بعضكم لخبث ضاحي جلده حومة البـحـر ومما قاله ابن ميادة في حكم قوله من قصيدة أولها:
ألا حييا الأطلال طالت سنينهـا بحيث التقت زبد الجناب وعينها ويقول فيها:
فلما أتاني ما تـقـول مـحـارب تغنت شياطيني وجن جنـونـهـا
ألم تر أن الله غشـى مـحـاربـا إذا اجتمع الأقوام لونا يشـينـهـا
ترى بوجوه الخضر خضر محارب طوابع لؤم ليس ينفت طـينـهـا
لقد ساهمتناكم سـلـيم وعـامـر فضمناهم إنا كـذلـك نـدينـهـا
فصارت لنا أهل الضئين محـارب وصارت لهم جسر وذاك ثمينهـا
إذا أخذت خضرية قائم الـرحـى تحرك قنباها فطار طحـينـهـا
وما حملت خـضـرية ذات لـيلة من الدهر إلا ازداد لؤما جنينهـا فقال حكم يجيبه عن هذه بقصيدته:
لأنت ابن أشبانـية أدلـجـت بـه إلى اللؤم مقلات لئيم جنـينـهـا
فجاءت بـرواث كـأن جـبـينـه إذا صغا في خرقتيها جبـينـهـا
فما حمـلـت مـرية قـط لـيلة من الدهر إلا ازداد لؤما جنينـهـا
وما حملت إلا لألأم مـن مـشـى ولا ذكرت إلا بأمـر يشـينـهـا
تزوج عثوان الضئين وتبـتـغـي بها الدر لا درت بخير لبـونـهـا
أظنت بنو عثوان أن لست شاتـمـا بشتمي وبعض القوم حمقى ظنونها
مدانيس أبـرام كـأن لـحـاهـم لحى مستهبات طوال قـرونـهـا قال الزبير: فحدثني موهوب بن رشيد قال: فسمع هذه القصيدة أحد بني قتال بن مرة فقال: ما له أخزاه الله يهجو صبيتنا وهم أجفى قوم غضبا لصبيتهم وقد هجاهم بما هجاهم به.
قال: وبلغ إبراهيم بن هشام قوله في نساء بني مرة إذ يقول:
وما حملت إلا لألأم من مشى فغضب ثم نذر دمه فهرب من الحجاز إلى الشأم فمات بها.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن ضبعان الخضري قال: لقي ابن ميادة صخر بن الجعد الخضري فقال له: يا صخر، أعنت علي ابن عمك الحكم بن معمر فقال له صخر: لا والله يا أبا الشرحبيل ما أعنته عليك، ولكن خيل إليك ما كان يخيل إلي، ولقد هاجيته فكنت أظن أن شجر الوادي يعينه علي.
ومن جيد قول ابن ميادة في حكم قصيدته التي أولها: صوت

لقد سبقتك اليوم عيناك سـبـقة وأبكاك من عهد الشباب ملاعبه
فوالله ما أدري أيغلبني الهـوى إذا جد جد البين أم أنا غالـبـه

صفحة : 206


فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبـه - في هذه الأبيات غناء ينسب - يقول فيها في هجاء حكم:
لقد طال حبس الوفد وفد محارب عن المجد لم يأذن لهم بعد حاجبه
وقال لهم كروا فلـسـت بـآذن لكم أبدا أو يحصي الترب حاسبه وهي قصيدة طويلة: الوليد بن يزيد يفضله على الشعراء
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني جلال بن عبد العزيز المري ثم الصادري عن أبيه: - قال جلال: وقد رأيت ابن ميادة في بيت أبي، قال: قال لي ابن ميادة: وصلت أنا والشعراء إلى الوليد بن يزيد وهو خليفة. وكان مولى من موالي خرشة يقال له شقران يعيب ابن ميادة ويحسده على مكانه من الوليد، فلما اجتمعت الشعراء قال الوليد بن يزيد لشقران: يا شقران، ما علمك في ابن ميادة? قال علمي فيه يا أمير المؤمنين أنه:
لئيم يباري فيه أبرد نهبـلا لئيم أتاه اللؤم من كل جانب فقال الوليد: يابن ميادة، ما علمك في شقران? قال: علمي يا أمير المؤمنين أنه عبد لعجوز من خرشة كاتبته على أربعين درهما ووعدها - أو قال: وعدته - أن تجيزه بعشرين درهما فقبضته إياها، فأغنه عني يا أمير المؤمنين، فليس له أصل فاحتفره ولا فرع فأهتصره، فقال له الوليد: اجتنبه يا شقران فقد أبلغ إليك في الشتيمة، فقصر شقران صاغرا، ثم أنشدته، فأقيمت الشعراء جميعا غيري، وأمر لي بمائة لقحة وفحلها وراعيها وجارية بكر وفرس عتيق فاختلت ذلك اليوم وقلت:
أعطيتني مائة صفرا مدامعهـا كالنخل زين أعلى نبته الشرب ويروى:
كأنها النخل روى نبتها الشرب
يسوقها يافع جعد مفارقه مثل الغراب غذاه الصر والحلب
وذا سبيب صهيبـيا لـه عـرف وهامة ذات فرق نابها صخـب ولم يذكر الزبير في خبره غير هذه الأبيات الثلاثة، وهي من قصيدة للرماح طويلة يمدح فيها الوليد بن يزيد، وقد أجاد فيها وأحسن؛ وذكرت من مختارها ها هنا طرفا، وأولها:
هل تعرف الدار بالعلياء غيرها سافي الرياح ومستن له طنب
دار لبيضاء مسود مسائحـهـا كأنها ظبية ترعى وتنتصـب المسائح: ما بين الأذن إلى الحاجب من الشعر: تقف إذا ارتاعت منتصبة تتوجس.

تحنو لأكحل ألقته بمضيعة فقلبها شفقا من حوله يجب يقول فيها:
يا أطيب الناس ريقا بعد هجعتـهـا وأملح الناس عينا حين تـنـتـقـب
ليست تجود بنـيل حـين أسـألـهـا ولست عند خلاء اللهو أغتـصـب
في مرفقيها إذا ما عونقـت جـمـم على الضجيع وفي أنيابها شـنـب
ولـيلة ذات أهـوال كـواكـبـهـا مثل القناديل فيها الزيت والعطـب
قد جبتها جوب ذي المقراض ممطرة إذا استوى مغفلات البيد والـحـدب
بعنتريس كأن الدبـر يلـسـعـهـا إذا ترنم حاد خـلـفـهـا طـرب
إلى الوليد أبي العباس ما عجـلـت ودونه المعط من لبنان والـكـثـب وبعد هذا البيت قوله:
أعطيتني مائة صفرا مدامعها... الخ
لما أتيتك من نجد وساكنه نفحت لي نفحة طارت بها العـرب
إني امرؤ أعتفي الحاجات أطلبـهـا كما اعتفى سنق يلقى له العـشـب السنق: الذي قد شبع حتى بشم، يقول: أطلب الحاجة بغير حرص ولا كلب، كما يعتفي هذا البعير البشم من غير شره ولا شدة طلب.

ولا ألح على الـخـلان أسـألـهـم كما يلح بعظم الغـارب الـقـتـب
ولا أخـادع نـدمـانـي لأخـدعـه عن ماله حين يسترخي به اللـبـب
وأنت وابناك لم يوجد لـكـم مـثـل ثلاثة كلهم بالتـاج مـعـتـصـب
الطيبون إذا طـابـت نـفـوسـهـم شوس الحواجب والأبصار إن غضبوا
قسني إلى شعراء النـاس كـلـهـم وادع الرواة إذا ما غب ما اجتلـبـوا
إنـي وإن قـال أقـوام مـديحـهـم فأحسنوه وما حابـوا ومـا كـذبـوا

صفحة : 207


أجري أمامهم جري امرىء فلج عنانه حين يجري ليس يضطرب سبب الهجاء بينه وبين شقران
أخبرني يحيى بن علي قال أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال أخبرني أبو الحسن - أظنه المدائني - قال أخبرني أبو صالح الفزاري قال: أقبل شقران مولى بني سلامان بن سعد هذيم أخي عذرة بن سعدا بن هذيم، قال: وهذيم عبد حبشي كان حضن سعدا فغلب عليه، وهو ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة من اليمامة ومعه تمر قد امتاره - فلقيه ابن ميادة فقال له: ما هذا معك? قال: تمر امترته لأهلي يقال له: زب رباح، فقال له ابن ميادة يمازحه:
كأنك لم تقفل لأهلك تمـرة إذا أنت لم تقفل بزب رباح فقال له شقران:
فإن كان هذا زبه فانطلق به إلى نسوة سود الوجوه قباح فغضب ابن ميادة وأمضه وأنحى عليه بالسوط فضربه ضربات وانصرف مغضبا؛ فكان ذلك سبب الهجاء بينهما.
قال حماد عن أبيه وحدثني أبو علي الكلبي قال: اجتمع ابن ميادة وشقران مولى بني سلامان عند الوليد بن يزيد، فقال ابن ميادة: يا أمير المؤمنين، أتجمع بيني وبين هذا العبد وليس بمثلي في حسبي ولا نسبي ولا لساني ولا منصبي فقال شقران:
لعمري لئن كنت ابن شيخي عشيرتي هرقل وكسرى وما أراني مقصرا
وما أتمنـى أن أكـون ابـن نـزوة نزاها ابن أرض لم تجد متمـهـرا
على حائل تلوي الصرار بكـفـهـا فجاءت بخوار إذا عض جرجـرا أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار وأخبرنا يحيى بن علي عن أيوب المديني، عن زبير قال حدثني جلال بن عبد العزيز وقال يحيى بن خلاد عن أبي أيوب ابن عبد العزيز قال: استأذن ابن ميادة على الوليد بن يزيد وعنده شقران مولى قضاعة فأدخله في صندوق وأذن لابن ميادة؛ فلما دخل أجلسه على الصندوق واستنشده هجاء شقران فجعل ينشده، ثم أمر بفتح الصندوق فخرج عليه شقران وجعل يهدر كما يهدر الفحل ويقول:
سأكعم عن قضاعة كلب قيس على حجر فينصت للكعـام
أسير أمـام قـيس كـل يوم وما قيس بسائرة أمـامـي وقال أيضا وهو يسمع:
إني إذا الشعراء لاقى بعضهم بعضا ببلقعة يريد نضالـهـا
وقفوا المرتجز الهدير إذا دنت منه البكارة قطعت أبوالهـا
فتركتهم زمرا ترمز باللحـى منها عنافق قد حلقت سبالها فقال له ابن ميادة: يا أمير المؤمنين اكفف عني هذا الذي ليس له أصل فأحفره، ولا فرع فأهصره؛ فقال الوليد: أشهد أنك قد جرجرت كما قا شقران:
فجاءت بخوار إذا عض جرجرا تفاخره مع عقال بالشعر
قال يحيى في خبره: واجتمع ابن ميادة وعقال بن هاشم بباب الوليد بن يزيد، وكان عقال شديد الرأي في اليمن، فغمز عقال ابن ميادة واعتلاه؛ فقال ابن ميادة:
فجرنا ينابيع الكـلام وبـحـره فأصبح فيه ذو الرواية يسـبـح
وما الشعر إلا شعر قيس وخندف وقول سواهم كلفة وتـمـلـح فقال عقال يجيبه:
ألا أبلغ الرماح نقـض مـقـالة بها خطل الرماح أو كان يمـزح
لئن كان في قيس وخندف ألسـن طوال وشعر سائر لـيس يقـدح
لقد خرق الحي اليمانون قبلـهـم بحور الكلام تستقى وهي تطفـح
وهم علموا من بعدهم فتعلـمـوا وهم أعربوا هذا الكلام وأوضحوا
فللسابقين الفضل لا يجـحـدونـه وليس لمخلوق عليهم تـبـجـح شعره في حنينه إلى وطنه
وحوار الوليد إياه
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا جلال بن عبد العزيز عن أبيه قال حدثني ابن ميادة قال: قلت وأنا عند الوليد بن يزيد بأباين - وهو موضع كان الوليد ينزله في الربيع -:
لعمـرك إنـي نـازل بـأبـاين لصوءر مشتاق وإن كنت مكرما
أبيت كأني أرمد العين سـاهـر إذا بات أصحابي من الليل نوما قال: فقال لي الوليد: يابن ميادة كأنك غرضت من قربنا، فقلت: ما مثلك يا أمير المؤمنين يغرض من قربه، ولكن:

صفحة : 208


ألا ليت شعري هـل أبـيتـن لـيلة بحرة ليلى حيث ربتـنـي أهـلـي
وهل أسمعن الدهر أصوات هجـمة تطالع من هجل خصيب إلى هجـل
بلاد بها نيطت عـلـي تـمـائمـي وقطعن عني حين أدركني عقـلـي
فإن كنت عن تلك المواطن حابسـي فأيسر علي الرزق واجمع إذا شملي فقال: كم الهجمة? قلت: مائة ناقة؛ فقال: قد صدرت بها كلها عشراء. قال ابن ميادة: فذكرت ولدانا لي بنجد إذا استطعموا الله عز وجل أطعمهم وأنا، وإذا استسقوه سقاهم الله وأنا، وإذا استكسوه كساهم الله وأنا، فقال: يابن ميادة، وكم ولدانك? فقلت: سبعة عشر، منهم عشرة نفر وسبع نسوة، فذكرت ذلك منهم فأخذ بقلبي؛ فقال: يابن ميادة، قد أطعمهم الله وأمير المؤمنين، وسقاهم الله وأمير المؤمنين، وكساهم الله وأميرا لمؤمنين؛ أما النساء فأربع حلل مختلفات الألوان، وأما الرجال فثلاث حلل مختلفات الألوان، وأما السقي فلا أرى مائه لقحة إلا سترويهم، فإن لم تروهم زدتهم عينين من الحجاز؛ قلت: يا أمير المؤمنين، لسنا بأصحاب عيون يأكلنا بها البعوض، وتأخذنا بها الحميات؛ قال: فقد أخلفها الله عليك؛ كل عام لك فيه مثل ما أعطيتك العام: مائة لقحة وفحلها وجارية بكر وفرس عتيق.
عارض ابن القتال وانتحل بيتا من شعره
وأخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني شداد بن عقبة عن عبد السلام ابن القتال قال: عارضني ابن ميادة فقال: أنشدني يابن التقال، فأنشدته:
ألا ليت شعري هل أبيتـن لـيلة بصحراء ما بين التنوفة والرمل
وهل أزجرن العيس شاكية الوجى كما عسل السرحان بالبلد المحل
وهل أسمعن الدهر صوت حمامة تغني حمامات على فنن جـثـل
وهل أشربن الدهر مزن سحـابة على ثمد الأفعاة حاضره أهلـي
بلاد بها نيطت علي تـمـائمـي وقطعن عني حين أدركني عقلي قال: فأتاني الرواة بهذا البيت وقد اصطرفه ابن ميادة وحده.
جازه الوليد إبلا فأرادوا إبدالها فقال شعرا
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم قال حدثني رجل من كلب وأخبرني يحيى بن علي بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي علي الكلبي قال: أمر الوليد بن يزيد لابن ميادة بمائة من الإبل من صدقات بني كلب، فلما أتى الحول أرادوا أن يبتاعوها له من الطرائد، وهي الغرائب، وأن يمسكوا التلاد؛ فقال ابن ميادة:
ألم يبلغك أن الحي كلـبـا أرادوا في عطيتك ارتدادا
وقالوا إنها صهب وورق وقد أعطيتها دهما جعادا فعلموا أن الشعر سبيلغ الوليد فيغضبه؛ فقالوا له: انطلق فخذها صفرا جعادا.
شعره في رثاء الوليد
وقال يحيى بن علي في روايته: لما قتل الوليد بن يزيد قال ابن ميادة يرثيه:
ألا يا لهفتي علـى ولـيد غداة أصابه القدر المتاح
ألا ابكي الوليد فتى قريش وأسمحها إذا عد السمـاح
وأجبرها لذي عظم مهيض إذا ضنت بدرتها اللقـاح
لقد فعلت بنو مروان فعلا وأمرا ما يسوغ به القراح قال يحيى: وغنى فيه عمر الوادي ولم يذكر طريقة غنائه.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-26-2006, 12:11 AM   المشاركة رقم: 27
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.26 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

ابن ميادة وعثمان بن عمرو
ابن عثمان بن عفان
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن زهير بن مضرس الفزاري عن أبيه قال: أخصب جناب الحجاز الشأمي فمالت لذلك الخصب بنو فزارة وبنو مرة، فتحالوا جميعا به. قال: فبينا ذات يوم أنا وابن ميادة جالسان على قارعة الطريق عشاء إذا راكبان يوجفان راحلتين حتى وقفا علينا، فإذا أحدهما بحر الريح وهو عثمان بن عمرو بن عثمان بن عفان معه مولى له، فنسبنا وانتسب لنا، وقد كان ابن ميادة يعللني بشعره، فلما انقضى كلامنا مع القرشي ومولاه استعدت ابن ميادة ما كنا فيه، فأنشدني فخرا له يقول فيه:
وعلى المليحة من جذيمة فتـية يتمارضون تمـارض الأسـد
وترى الملوك الغتر تحت قبابهم يمشون في الحلقات والـقـد

صفحة : 209

قال: فقال له القرشي: كذبت؛ قال ابن ميادة: أفي هذا وحده أنا والله في غيره أكذب؛ فقال له القرشي: إن كنت تريد في مديحك قريشا فقد كفرت بربك ودفعت قوله، ثم قرأ عليه: لإيلاف قريش حتى أتى على آخرها، ونهض هو ومولاه وركبا راحلتيهما؛ فلما فاتا أبصارنا قال ابن ميادة:
سمين قريش مانع منك نفسه وغث قريش حيث كان سمين ابن ميادة وسنان بن جابر
أخبرنا يحيى بن علي عن حماد عن أبيه عن أبي الحارث المري قال: كان ابن ميادة قد هاجى سنان بن جابر أحد بني حميس بن عامر بن جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم؛ فقال ابن ميادة له فيما قال من هجائه:
لقد طالما عللت حجـرا وأهـلـه بأعراض قيس يا سنان بن جابـر
أأهجوا قريشا ثم تكـره ريبـتـي ويسرقني عرضي حميس بن عامر قال: وقال فيهم أيضا
قصار الخطى فرق الخصى زمر اللحى كأنهم ظرابى اهترشن عـلـى لـحـم
ذكرت حمام الـقـيظ لـمـا رأيتـهـم يمشون حولي في ثـيابـهـم الـدسـم
وتبدي الحـمـيسـيات فـي كـل زينة فروجا كآثار الصغار مـن الـبـهـم قال: ثم إن ابن ميادة خرج يبغي إبلا له حتى ورد جبارا - وهو ماء لحميس بن عامر - فأتى بيتا فوجد فيه عجوزا قد أسنت، فنشدها إبله فذكرتها له وقالت: ممن أنت? قال: رجل من سليم بن منصور؛ فأذنت له وقالت: ادخل حتى نقريك وقد عرفته وهو لا يدري؛ فلما قرته قال ابن ميادة: وجدت ريح الطيب قد نفح علي من البيت، فإذا بنت لها قد هتكت الستر، ثم استقبلتني وعليها إزار أحمر وهي مؤتزرة به، فأطلقته وقالت: انظر يابن ميادة الزانية أهذا كما نعت فلم أر امرأة أضخم قبلا منها؛ فقالت: أهذا كما قلت:
وتبدي الحميسيات في كل زينة فروجا كآثار الصغار من البهم قال: قلت: لا والله يا سيدتي، ما هكذا قلت ولكن قلت:
وتبدي الحميسيات في كل زينة فروجا كآثار المقيسرة الدهم وانصرف يتشبب بها، فذلك حين يقول:
نظرنا فهاجتنا على الشوق والهوى لزينب نار أوقـدت بـجـبـار
كأن سناها لاح لي من خصـاصة على غير قصد والمطي سواري
حميسية بالرملتـين مـحـلـهـا تمد بحلـف بـينـنـا وجـوار قال أبو داود: وكانت بنو حميس حلفاء لبني سهم بن مرة، ثم للحصين بن الحمام. وتمد وتمت واحد.
رجع إلى الشعر

تجاور من سهم بن مـرة نـسـوة بمجتمع النقبـين غـير عـواري
نواعم أبكـارا كـأن عـيونـهـا عيون ظبـاء أو عـيون صـوار
كأنا نراها وهـي مـنـا قـريبة على متن عصماء الـيدين نـوار
تتبع من حجـر ذرا مـتـمـنـع لها معقل في رأس كل طـمـار
يدور بها ذو أسهـم لا ينـالـهـا وذو كلبات كالقـسـي ضـواري
كأن على المتنـين مـنـهـا ودية سقتها السواقـي مـن ودي دوار
يظل سحيق المسك يقطر حولهـا إذا الماشطات احتفنه بـمـداري
وما روضة خضراء يضربها الندى بها قنة مـن حـنـوة وعـرار
بأطيب من ريح القرنفل ساطـعـا بما التف من درع لها وخـمـار
وما ظبية ساقت لها الريح نغـمة على غفلة فاستسمعت لـخـوار
بأحسن منها يوم قامت فأتلـعـت على شرك مـن روعة ونـفـار
فليتك يا حسـنـاء يابـنة مـالـك يبيع لنا منـك الـمـودة شـاري ابن ميادة وزينب بنت مالك
وأخبرني بهذا الخبر الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني أبو حرملة منظور بن أبي عدي الفزاري ثم المنظوري عن أبيه قال حدثني رماح بن أبرد قال:

صفحة : 210

خرجت قافلا من السلع إلى نجد حتى إذا كنت ببعض أهضام الحرة هكذا في نسختي، وأظنه هضاب الحرة رفع لي بيت كالطراف العظيم، وإذا بفنائه غنم لم تسرح، فقلت: بيت من بيوت بني مرة وبي من العيمة إلى اللبن ما ليس بأحد، فقلت: آتيهم فأسلم عليهم وأشرب من لبنهم، فلما كنت غير بعيد سلمت فردت علي امرأة برزة بفناء البيت، وحيت ورحبت واستنزلتني فنزلت، فدعت بلبن ولبأ ورسل من رسل تلك الغنم، ثم قالت: هيا فلانة البسي شفا واخرجي، فخرجت علي جارية كأنها ثمعة ما رأيت في الخلق لها نظيرا قبل ولا بعد، فإذا شفها ذاك ليس يواري منها شيئا وقد نبا عن ركبها ما وقع عليه من الثوب فكأنه قعب مكفأ، ثم قالت: يابن ميادة الخبيثة، أأنت القائل:
وتبدي الحميسيات في كـل زينة فروجا كآثار الصغار من البهم? فقلت: لا والله - جعلني الله فداك يا سيدتي - ما قلت هذا قط، وإنما قلت:
وتبدي الحميسيات في كل زينة فروجا كآثار المقيسرة الدهم قال: وكان يقال للجارية الحميسية: زينب بنت مالك، وفيها قال ابن ميادة قصيدته:
ألما فزورا اليوم خير مزار أعطاه الوليد جارية فقال فيها شعرا
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني موهوب ابن رشيد الكلابي قال: أعطى الوليد بن يزيد ابن ميادة جارية طبرية أعجمية لا تفصح، حسناء جميلة كاملة لولا العجمة، فعشقها وقال فيها:
جزاك الله خيرا من أمير فقد أعطيت مبرادا سخونا
بأهلي ما الذك عند نفسي لو أنك بالكلام تعربـينـا
كأنك ظبية مضغت أراكا بوادي الجزع حين تبغمينا ملاحاته مع رجل من بني جعفر
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني إسحاق بن شعيب بن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: وردت على بني فزارة ساعيا، فأتاني ابن ميادة مسلما علي، وجاءتني بنو فزارة ومعها رجل من بني جعفر بن كلاب كان لهم جارا وكان مخططا موسوما بجمال، فلما رأيته أعجبني، فأقبلت على بني فزارة وقلت لهم: أي أخوالي هذا? فوالله إنه ليسرني أن أرى فيكم مثله؛ فقالوا: هذا - أمتع الله بك - رجل من بني جعفر بن كلاب وهو لنا جار. قال: فأصغى إلي ابن ميادة، وكان قريبا مني، وقال: لا يغرنك - بأبي أنت - ما ترى من جسمه فإنه أجوف لا عقل له؛ فسمعه الجعفري فقال: أفي تقع يابن ميادة وأنت لا تقري ضيفك? فقال له ابن ميادة: إن لم أقره قراه ابن عمي وأنت لا تقري ولا ابن عمك. قال ابن عمران: فضحكت مما شهد به ابن ميادة على نفسه.
كان بخيلا لا يكرم أضيافه
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل الجعفري عن المعلى بن نوح الفزاري قال حدثني خال لي كان شريفا من سادات بني فزارة قال: ضفت ابن ميادة فأكرمني وتحفى بي وفرغ لي بيتا فكنت فيه ليس معي أحد، ثم جاءني بقدح ضخم من لبن إبله فشربته ثم ولى، فلم ينشب أن جاءني بآخر فتناولت منه شيئا يسيرا، فما لبثت حتى عاد بآخر فقلت: حسبك يا رماح فلا حاجة لي بشيء؛ فقال: اشرب بأبي أنت، فوالله لربما بات الضيف عندنا مدحورا.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب عن جدي عبد الله بن مصعب قال: أتينا ابن ميادة نتلقى منه الشعر؛ فقال لنا: هل لكم في فضل شنة? فظنناها تمرا، فقلنا له: هات، لنبسطه بذلك، فإذا شنة فيها فضلة من خمر قد شرب بعضها وبقي بعض، فلما رأيناها قمنا وتركناه.
يرفض وليمة ضرب الناس فيها بالسياط أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن الكثيري قال حدثني نعمة الغفاري قال: قدم ابن ميادة المدينة فدعي في وليمة فجاء فوجد على باب الدار التي فيها الوليمة حرسا يضربون الزلالين بالسياط يمنعونهم من الدخول، فرجع وهو يقول:
لما رأيت الأصبحية قـنـعـت مفارق شمط حيث تلوى العمائم
تركت دفاع الباب عمـا وراءه وقلت صحيح من نجا وهو سالم وسأله الوليد من تركت عند نسائك
أخبرني يحيى بن علي عن أبيه عن إسحاق قال:

صفحة : 211

قال الوليد بن يزيد لابن ميادة في بعض وفاداته عليه: من تركت عند نسائك? قال: رقيبين لا يخالفاني طرفة عين: الجوع والعري. وهذا القول والجواب يروى أن عمر بن عبد العزيز وعقيل بن علفة تراجعاهما، وقد ذكرا في أخبار عقيل.
مدحه لأبي جعفر المنصور
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب وأخبرني محمد بن مزيد قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبير وأخبرنا يحيى بن علي قال: حدثنا أبو أيوب المديني عن مصعب: أن ابن ميادة مدح أبا جعفر المنصور بقصيدته التي يقول فيها:
طلعت علينا العيس بالرماح ثم خرج من عند أهله يريده، فمر على إبله فحلبت له ناقة من إبله، وراح عليه راعيه بلبنها فشربه ثم مسح على بطنه ثم قال: سبحان الله إن هذا لهو الشره يكفيني لبن بكرة وأنا شيخ كبير، ثم أخرج وأغترب في طلب المال ثم رجع فلم يخرج. هذه القصيدة من جيد شعر ابن ميادة، أولها:
وكواعب قد قلـن يوم تـواعـد قول المجد وهن كـالـمـزاح
يا ليتنا في غـير أمـر فـادح طلعت علينا العيس بالـرمـاح
بينا كذاك رأينني متـعـصـبـا بالخز فـوق جـلالة سـرداح
فيهن صفراء المعاصم طـفـلة بيضاء مثل غريضة التـفـاح
فنظرن من خلل الحجال بأعـين مرضى مخالطها السقام صحاح
وارتشن حين أردن أن يرميننـي تبـلا بـلا ريش ولا بـقـداح يقول فيها في مدح المنصور وبني هاشم:
فلئن بقيت لألحقن بأبحـر ينمين لا قطع ولا أنزاح
ولآتين بني علـي إنـهـم من يأتهم يتلق بالإفـلاح
قوم إذا جلب الثناء إليهـم بيع الثناء هناك بالأرباح
ولأجلسن إلى الخليفة إنـه رحب الفناء بواسع نجباح وهي قصيدة طويلة.
قوله فيما أصاب الحاج من المطر
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا إسحاق بن أيوب قال: اعتمرت في رجب سنة خمس ومائة، فصادفني ابن ميادة بمكة وقدمها معتمرا، فأصابنا مطر شديد تهدمت منه البيوت وتوالت فيه الصواعق، فجلس إلي ابن ميادة الغد من ذلك اليوم، فجعل يأتيني قوم من قومي وغيرهم فأستخبرهم عن ذلك الغيث فيقولون: صعق فلان وانهدم منزل فلان؛ فقال ابن ميادة: هذا العيث لا الغيث؛ فقلت: فما الغيث عندك? فقال:
سحائب لا من صيب ذي صواعـق ولا محرقات مـاؤهـن حـمـيم
إذا ما هبطن الأرض قد مات عودها يكين بها حـتـى يعـيش هـشـيم كان ينشد من شعره فيستحسنه الناس
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني موسى بن زهير عن أبيه قال: جلست أنا وعيسى بن عميلة وابن ميادة ذات يوم، فأنشدنا ابن ميادة شعره مليا، ثم أنشدنا قوله:
ألا ليت شعري هل أبـيتـن لـيلة بحرة ليلى حيث ربتنـي أهـلـي
بلاد بها نيطت علـي تـمـائمـي وقطعن عني حين أدركني عقلـي
وهل أسمعن الدهر أصوات هجمة تطالع من هجل خصيب إلى هجل
صهيبية صفراء تلقي ربـاعـهـا بمنعرج الصمان والجرع السهـل تلقى رباعها: تطرح أولادها. وواحد الرباع ربع.

وهل أجمعن الدهر كفـي جـمـعة بمهضومة الكشحين ذات شوى عبل
محللة لـي لا حـرامـا أتـيتـهـا من الطيبات حين تركض في الحجل
تميل إذا مال الضجيع بعـطـفـهـا كما مال دعص من ذرا عقد الرمل فقال له عيسى بن عميلة: فأين قولك يا أبا الشرحبيل:
لقد حرمت أمي علي عدمتها كرائم قومي ثم قلة مـالـيا فقلت له: فاعطف إذا إلى أمة بني سهيل فهي أعند وأنكد، وقد كنت أظن أن ميادة قد ضربت جأشك على اليأس من الحرائر، وأنا أداعبه وأضاحكه؛ فضحك وقال:
ألم تر قوما ينكحون بمالهـم ولو خطبت أنسابهم لم تزوج أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب وغيره:

صفحة : 212

أن حسينة اليسارية كانت جميلة - وآل يسار من موالي عثمان رضوان الله عليه يسكنون تيماء، ولهم هناك عدد وجلد، وقد انتسبوا في كلب إلى يسار بن أبي هند فقبلهم بنو كلب - قال: وكانت عند رجل من قومها يقال له: عيسى بن إبراهيم بن يسار، وكان ابن ميادة يزورها؛ وفيها يقول:
ستأتينا حسينة حـيث شـئنـا وإن رغمت أنوف بني يسار قال: فدخل عليها زوجها يوما فوجد ابن ميادة عندها، فهم به هو وأهلها؛ فقاتلهم وعاونته عليهم حسينة حتى أفلت تتابن ميادة؛ فقال في ذلك:
لقد ظلت تعاوننـي عـلـيهـم صموت الحجل كاظمة السوار
وقد غادرت عيسى وهو كلـب يقطع سلحه خلف الـجـدار أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني إبراهيم بن سعد بن شاهين قال حدثني عبد الله بن خالد بن دفيف التغلبي عن عثمان بن عبد الرحمن بن نميرة العدوي عن أبي العلاء بن وثاب قال: ابن ميادة وعبد الواحد بن سليمان
قدم ابن ميادة المدينة زائرا لعبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك وهو أميرها وكان يسمر عنده في الليل، فقال عبد الواحد لأصحابه: إني أهم أن أتزوج، فابغوني أيما؛ فقال له ابن ميادة: أنا أدلك، أصلحك الله أيها الأمير؛ قال: على من يا أبا الشرحبيل? قال: قدمت عليك أيها الأمير فدخلت مسجدكم فإذا أشبه شيء به وبمن فيه الجنة وأهلها، فوالله لبينا أنا أمشي فيه إذ قادتني رائحة عطر رجل حتى وقفت بي عليه، فلما وقع بصري عليه استلهاني حسنه فما أقلعت عنه حتى تكلم، فخلته لما تكلم يتلو زبورا ويدرس إنجيلا أو يقرأ قرآنا حتى سكت فلولا معرفتي بالأمير لشككت أنه هو، ثم خرج من مصلاه إلى داره، فسألت: من هو? فأخبرت أنه للحيين وبين الخليفتين، وأن قد نالته ولادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لها نور ساطع من غرته وذؤابته، فنعم المنكح ونعم حشو الرحل وابن العشيرة، فإن اجتمعت أنت وهو على ولد ساد العباد وجاب ذكره البلاد. فلما قضى ابن ميادة كلامه قال عبد الواحد ومن حضره: ذاك محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وأمه فاطمة بنت الحسين، فقال ابن ميادة:
لهم نبوة لم يعطها الله غيرهم وكل قضاء الله فهو مقسـم قال يحيى بن علي: ومما مدح به عبد الواحد لما قدم عليه قوله:
من كان أخطأه الربـيع فـإنـمـا نصر الحجاز بغيث عبد الـواحـد
إن المدينة أصبحت مـعـمـورة بمتوج حلو الشـمـائل مـاجـد
ولقد بلغت بغير أمـر تـكـلـف أعلى الحظوظ برغم أنف الحاسد
وملكت ما بين العـراق ويثـرب ملكا أجار لمسـلـم ومـعـاهـد
ماليهما ودميهما مـن بـعـد مـا غشى الضعيف شعاع سيف المارد التقاؤه جماعة يرتجزون بشعره
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني سعيد بن زيد السلمي قال: إنا لنزول أنا وأصحاب لي قبل الفطر بثلاث ليال على ماء لنا، فإذا راكب يسير على جمل ملتف بثوب والسماء تغسله حتى أناخ إلى أجم عرفته، فلما رأيناه لثقا قمنا إليه فوضعنا رحله وقيدنا جمله، فلما أقلعت السماء عنا وهو معنا قاعد قام غلمة منا يرتجزون والرجل لم ينتسب لنا ولا عرفناه، فارتجز أحدهم فقال:
أنا ابن ميادة لباس الـحـلـل أمر من مر وأحلى من عسل حتى قال له الرجل: يابن أخي، أتدري، من قال هذا الشعر? قال: نعم، ابن ميادة قال: فأنا هو ابن ميادة الرماح بن أبرد، وبات يعللنا من شعره، ويقطع عنا الليل بنشيده، وسرينا راحلين فصبحنا مكة فقضينا نسكنا، ولقيه رجلان من قومه من بني مرة فعرفهما وعرفاه، وأفطرنا بمكة، فلما انصرفنا من المسجد يوم الفطر إذا نحن بفارسين مسودين وراجلين مع المريين يقولون: أين ابن ميادة? فقلنا: ها هو وقد برزنا من خيمة كنا فيها، فقلنا لابن ميادة: ابرز؛ فلما نظر إلى المريين قال:
إحدى عشياتك يا شميرج - قال: وهذا رجز لبعض بني سليم يقوله لفرسه:
أقول والركبة فوق المنسج إحدى عشياتك يا شميرج

صفحة : 213

ويروى: مشمرج - فقالوا لابن ميادة: أجب الأمير عبد الصمد بن علي، وخذ معك من أصحابك من أحببت؛ فخرج وخرج معه منا أربعة نفر أنا أحدهم حتى وقفنا على باب دار الندوة، فدخل أحد المسودين، ثم خرج فقال: ادخل يا أبا شجرة، فدخلت على عبد الصمد بن علي فوجدته جالسا متوشحا بملحفة موردة؛ فقال لي: من أنت? قلت: رجل من بني سليم؛ فقال: مالك تصاحب المري وقد قتلوا معاوية بن عمرو وقالت الخنساء:
ألا ما لعينـي ألا مـا لـهـا لقد أخضل الدمع سربالهـا
فآليت آسى علـى هـالـك وأسـأل نـائحة مـالـهـا
أبعد ابن عمرو من ال الشري د حلت به الأرض أثقالهـا
فإن تـك مـرة أودت بــه فقد كان يكثر تقـتـالـهـا أترويها? قلت: نعم أصلح الله الأمير، وما زال من المعركة حتى قتل به خفاف بن عمرو المعروف بابن ندبة كبش القوم مالك بن حمار الفزاري ثم الشمخي، أما سمع الأمير قول خفاف بن ندبة في ذلك:
فإن تك خيلي قد أصيب صميمها فعمدا على عين تيممت مالكـا
تيممت كبش القوم حين رأيتـه وجانبت شبان الرجال الصعالكا
أقول له والرمح يأطر متـنـه تأمل خفافا إننـي أنـا ذلـكـا وقد توسط معاوية بن عمرو خيلهم فأكثر فيهم القتل، وقتل كبش القوم الذي أصيب بأيديهم؛ فقال: لله درك إذا ولدت النساء فليلدن مثلك وأمر لي بالف درهم، فدفعت إلي وخلع علي. وأدخل ابن ميادة فسلم عليه بالإمرة؛ فقال له: لا سلم الله عليك يا ماص كذا من أمه: فقال ابن ميادة: ما أكثر الماصين فضحك عبد الصمد، ودعا بدفتر فيه قصيدة ابن ميادة التي يقول فيها:
لنا الملك إلا أن شيئا تـعـده قريش ولو شئنا لداخت رقابها ثم قال لابن ميادة: أعتق ما أملك إن غادرت منها شيئا إن لم أبلغ غيظك، فقال ابن ميادة: أعتق ما أملك إن أنكرت منها بيتا قلته أو أقررت ببيت لم أقله؛ فقرأها عبد الصمد ثم قال له: أأنت قلت هذا? قال نعم؛ قال: أفكنت أمنت يابن ميادة أن ينقض عليك باز من قريش فيضرب رأسك فقال: ما أكثر البازين أفكان ذلك البازي آمنا أن يلقاه باز من قيس وهو يسير فيرميه فتشول رجلاه فضحك عبد الصمد ثم دعا بكسوة فكساهم.
تمثل بعض ولد الحسن بشعره
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الصمد بن شبيب قال قال أبو حذافة السهمي: سب رجل من قريش في أيام بني أمية بعض ولد الحسن بن علي، فأغلظ له وهو ساكت، والناس يعجبون من صبره عليه، فلما أطال أقبل الحسني عليه متمثلا بقول ابن ميادة:
أظنت سفاها من سفاهة رأيهـا أن أهجوها لما هجتني محارب
فلا وأبيها إنني بـعـشـيرتـي ونفسي عن ذاك المقام لراغب فقام القرشي خجلا وما رد عليه جوابا.
مدحه لجعفر بن سليمان أميرالمدينة
أخبرني أبو خليفة إجازة عن محمد بن سلام قال: مدح ابن ميادة جعفر بن سليمان وهو على المدينة، فأخبرني مسمع بن عبد الملك أنه قام له بحاجته عند جعفر وأوصلها إليه. قال فقال له : جزاك الله خيرا ممن أنت رحمك الله? قلت: أحد بني مسمع؛ قال: ممن? قلت: من قيس بن ثعلبة؛ قال: ممن? عافاك الله قلت: من بكر بن وائل؛ قال: والله لو كنت سمعت ببكر بن وائل قط أو عرفتهم لمدحتك، ولكني ما سمعت ببكر قط ولا عرفتهم، ثم مدح جعفرا فقال:
لعمرك ما سيوف بني علـي بنابية الظـبـاة ولا كـلال
هم القوم الألى ورثوا أباهـم تراث محمد غير انتـحـال
وهم تركوا المقال لهم رفيعا وما تركوا عليهم من مقـال
حذوتم قومكم ما قد حـذوتـم كما يحذى المثال على المثال
فردوا في جراحكم أسـاكـم فقد أبلغتم مـر الـنـكـال يشير عليه بالعفو عن بني أمية ويذكره بأرحامهم.
أخبرنا بهذا الخبر يحيى بن علي عن سليمان المديني عن محمد بن سلام، قال يحيى قال أبو الحارث المري فيما ذكره إسحاق من أخباره: قال جعفر بن سليمان لابن ميادة: أتحب أن أعطيك مثل ما أعطاك ابن عمك رياح بن عثمان? فقال: لا، أيها الأمير، ولكن أعطني كما أعطاني ابن عمك الوليد بن يزيد.


صفحة : 214

قال يحيى وأخبرنا حماد عن أبيه عن أبي الحارث قال قال جعفر بن سليمان لابن ميادة: أأنت الذي تقول:
بني أسد أن تغضوا ثم تغضـبـوا وتغضب قريش تحم قيسا غضابها قال: لا والله ما هكذا قلت؛ قال: فكيف قلت? قال: قلت:
بني أسد إن تغضبوا ثم تغضبوا وتعدل قريش تحم قيسا غضابها هجا بني أسد وبني تميم
قال: صدقت هكذا قلت. وهذه القصيدة يهجو بها ابن ميادة بني أسد وبني تميم، وفيها يقول بعد هذا البيت الذي ذكره له جعفر بن سيمان:
وأحقر محقـور تـمـيم أخـوكـم وإن غضبت يربوعها وربـابـهـا
ألا ما أبالي أن تخنـدف خـنـدف ولست أبالي أن يطـن ذبـابـهـا
ولو أن قيسا قيس عيلان أقسـمـت على الشمس لم يطلع عليكم حجابها
ولو حاربتنا الجن لم نرفع الـقـنـا عن الجن حتى لا تهر كـلابـهـا
لنا المـلـك إلا أن شـيئا تـعـده قريش ولو شئنا لذلت رقـابـهـا
وإن غضبت من ذا قريش فقل لهـا معاذ الإله أن أكـون أهـابـهـا
وإن لقـوال الـجـواب وإنـنـي لمفتجر أشياء يعـيي جـوابـهـا
إذا غضبت قيس عليك تقـاصـرت يداك وفات الرجل منك ركابـهـا ابن ميادة وسماعة بن أشول
قال إسحاق في خبره فحدثني جبر بن رباط بن عامر بن نصر قال: فقال سماعة بن أشول النعامي يعارض ابن ميادة:
لعل ابن أشبانية عـارضـت بـه رعاء الشوي من مريح وعازب
يسامي فروعا من خزيمة أحرزت عليه ثنايا المجد من كل جـانـب فقال ابن ميادة: من هذا? لقد أغلق علي أغلق الله عليه قالوا: سماعة بن أشول؛ فقال: سماعة يسمع بي، وأشول يشول بي، والله لا أهاجيه أبدا، وسكت عنه.
هجاه عبد الرحمن بن جهيم الأسدي
وقال عبد الرحمن بن جهيم الأسدي أحد بني الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد يرد على ابن ميادة، وهي قصيدة طويلة ذكرت منها أبياتا:
لقد كذب العبد ابـن مـيادة الـذي ربا وهي وسط الشول تدمى كعابها
شرنبثة الأطراف لم يقن كـفـهـا خضاب ولم تشرق بعطر ثيابـهـا
أرماح إن تغضب صناديد خنـدف يهج لك حربا قصبها واعتيابـهـا ويروى اغتيابها من الغيبة. واعتيابها من العيب.

ولو أغضبت قيس قريشا لجـدعـت مسامع قيس وهي خضع رقابـهـا
لقد جر رماح ابن واهصة الخصـى على قومه حربا عظيما عـذابـهـا
وقد علم المملوح بـالـشـؤم رأسـه قتيبة أن لم تحم قيسا غـضـابـهـا
ولم تحمهـا أيام قـتـل ابـن حـازم وأيام قتلى كان خزيا مـصـابـهـا
ولا يوم لاقينا نـمـيرا فـقـتـلـت نمير وفرت كعبـهـا وكـلابـهـا
وإن تدع قيسا لا تجبـك وحـولـهـا خيول تميم سـعـدهـا وربـابـهـا
ولو أن قيسا قيس عيلان أصـحـرت لأنواء غنم غرقتـهـا شـعـابـهـا
ولو أن قرن الشمس كان لمـعـشـر لكان لنا إشراقها واحـتـجـابـهـا
ولكنـهـا لـلـه يمـلـك أمـرهـا بقدرته إصعادها وانـصـبـابـهـا
لعمري لئن شابت حلـيلة نـهـبـل لبئس شباب المرء كان شـبـابـهـا
ولم تدر حمراء العجـان أنـهـبـل أبوه أم الـمـري تـب تـبـابـهـا
فإن يك رمـاح بـن مـيادة الـتـي يصن إذا باتت بـأرض تـرابـهـا
جرى جري موهون القوى قصرت به لئمة أعراق إلـيه انـتـسـابـهـا
فلن تسبق المضمار في كل موطـن من الخيل عند الجد إلا عـرابـهـا
ووالـلـه لـولا أن قـيســـا أذلة لئام فلا يرضى لحـر سـبـابـهـا
لالحقتها بالـزنـج ثـم رمـيتـهـا بشنعاء يعيي القـائلـين جـوابـهـا ابن ميادة وأبان بن سعيد
أخبرني يحيى بن علي عن حماد عن أبيه قال: وجدت في كتاب أبي عمرو الشيباني فعرضته على أبي داود فعرفه أو عامته، قال:

صفحة : 215

إنا لجلوس على الهجم في ظل القصر عشية، إذ أقبل إلينا ثلاثة نفر يقودون ناقة حتى جلسوا إلى أبان بن سعيد بن عيينة بن حصن وهو في جماعة من بني عيينة، قال: فرأيت أجلة ثلاثة ما رأيتهم قط، فقلنا: من القوم? فقال أحدهم: أنا ابن ميادة وهذان من عشيرتي؛ فقال أبان لأحد بنيه: اذهب بهذه الناقة فأطلق عنها عند بيت أمك؛ فقال له ابن ميادة: هذه يا أبا جعفر السعلاة، أفلا أنشدك ما قلت فيها? قال: بلى فهات؛ فقال:
قعدت على السعلاة تنفض مسحهـا وتجذب مثل الأيم في برة الصفـر
تيمم خير الناس مـاء وحـاضـرا وتحمل حاجات تضمنهـا صـدري
فإني على رغم الأعـادي لـقـائل وجدت خيار الناس حي بني بـدر
لهم حاضر بالهجم لم أر مثـلـهـم من الناس حيا أهل بدو ولا حضـر
وخير معد مجلسا مجـلـس لـهـم يفيء عليه الظل من جانب القصر
أخص بـهـا روقـي عـيينة إنـه كذاك ضحاح الماء يأوي إلى الغمر
فأنتم أحق الناس أن تتـخـيروا ال مياه وأن ترعوا ذرى البلد القفـر قال: فكان أول قائم من القوم ركضة بن علي بن عيينة، وهو ابن عم أبان وعبدة بنت أبان، وكانت إبله في العطن وهي أكرم نعم بني عيينة وأكثره، فقال: ما سمعت كاليوم مديح قوم قط ، حكمك ماض في هذه الإبل؛ ثم قام آخر فقال مثل ذلك، وقام آخر وآخر؛ فقال ابن ميادة: يا بني عيينة، إني لم آتكم لتتبارى في شياطينكم في أموالكم، إنما كان علي دين فأردت أن تعطوني أبكرا أبيعها في ديني. فأقام عند أبان بن سعيد خمسة عشر يوما، ثم راح بتسع عشرة ناقة، فيها ناقة لابن أبان عشراء أو رباعية. قال يحيى في خبره: وقال يعقوب بن جعفر بن أبان بن سعيد بن عيينة: إني على الهجم يوما إذا أقبل رجل فجعل يصرف راحلته في الحياض فيرده الرجل بعد الرجل، فدعوته فقلت: اشرع في هذا الحوض؛ فلما شرع فسقى قال: من هذا الفتى? فقيل: هذا جعفر بن أبان بن سعيد بن عيينة؛ فقال:
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن لآباء سوء يلقهـم حـيث سـيرا
فما العود إلا نابت فـي أرومـه أبي شجر العـيدان أن يتـغـيرا قال إسحاق: سألت أبا داود عن قوله:
كذاك ضحاح الماء يجري إلى الغمر فقال: أراد أن الأمر كله والسؤدد يصير إليه، كما يصير الماء إلى الغمرة حيث كانت.
ابن ميادة وأيوب بن سلمة
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني قال أخبرني مصعب بن الزبير قال: ضاف ابن ميادة أيوب بن سلمة فلم يقره، وابن ميادة من أخوال أيوب بن سلمة، فقال فيه:
ظللنا وقوفا عند باب ابـن أخـتـنـا وظل عن المعروف والمجد في شغل
صفا صلد عنـد الـنـدى ونـعـامة إذا الحرب أبدت عن نواجذها العصل ابن ميادة ورياح ابن عثمان
قال أبو أيوب وأخبرني مصعب قال: قدم ابن ميادة على رياح بن عثمان، وقد ولي المدينة وهو جاد في طلب محمد بن عبد الله بن حسن وإبراهيم أخيه، فقال له: اتخذ حرسا وجندا من غطفان واترك هؤلاء العبيد الذين تعطيهم دراهمك، وحذار من قريش؛ فاستخف بقوله ولم يقبل رأيه؛ فلما قتل رياح قال ابن ميادة:
أمرتك يا رياح بأمر حـزم فقلت هشيمة من أهل نجد
وقلت له تحفظ من قـريش ورقع كل حاشـية وبـرد
فوجدا ما وجدت على رياح وما أغنيت شيئا غير وجدي تشبيبه بالنساء
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل قال حدثني أكثم بن صيفي المري ثم الصاردي عن أبيه قال: كان ابن ميادة رأى امرأة من بني جشم بن معاوية ثم من بني حرام يقال لها: أم الوليد، وكانوا ساروا عليه، فأعجب بها وقال فيها:
ألا حبذا أم الوليد ومربع لنا ولها نشتو به ونصيف ويروي:
... ومـــربــــــع لنا ولها بالمشتوى ومصـيف
حرامية أما مـلاث إزارهـا فوعث وأما خصرها فلطيف
كأن القرون السود مقـذهـا إذا زال عنها برقع ونصيف

صفحة : 216


بها زرجونات بقفر تنسمت لها الريح حتى بينهن رفيف قال: فلما سمع زوجها هذه الأبيات أتاها فحلف بطلاقها: لئن وجد ابن ميادة عندها ليدقن فخذها، ثم أعرض عنها واغترها، حتى وجده يوما عند بيتها فدق فخذها، واحتمل فرحل ورحل بها معه؛ فقال ابن ميادة:
أتانا عام سار بنو كـلاب حراميون ليس لهم حرام
كأن بيوتهم شجر صغـار بقيعان تقيل بها النـعـام
حراميون لا يقرون ضيفا ولا يدرون ما خلق الكرام قال: ثم سارت عليهم بعد ذلك بنو جعفر بن كلاب، فأعجب بامرأة منهم يقال لها أم البختري، وكان يتحدث إليها مدة مقامهم، ثم ارتحلوا فقال فيها:
أرقت لبرق لا يفـتـر لامـعـه بشهب الربى والليل قد نام هاجعه
أرقت له من بعد ما نام صحبتـي وأعجبني إيماضه وتـتـابـعـه
يضيىء صبيرا من سحاب كأنـه هجان أرنت للحنـين نـوازعـه
هنيئا لأم البختـري الـروي بـه وإن أنهج الحبل الذي النأي قاطعه
لقد جعل المستبضع الغش بينـنـا ليصرح حبلينا تجوز بضـائعـه
فما سرحة تجري الجداول تحتهـا بمطرد القيعان عذب ينـابـعـه
بأحسن منها يوم قالت بذي الغضـا أترعى جديد الحبل أم أنت قاطعه وخطب إلى بني سلمى بن مالك
فلم يزوجوه فقال شعرا
أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن ابي طاهر قال حدثني أحمد بن إبراهيم قال: وذكر أبو الأشعث أن ابن ميادة خطب امرأة من بين سلمى بن مالك بن جعفر ثم من بني البهثة - وهم بطن يقال لهم البهثاء - فأبوا أن يزوجوه وقالوا: أنت هجين ونحن أشرف منك؛ فقال:
فلو طاوعتني آل سلمى بن مالـك لأعطيت مهرا من مسرة غالـيا
وسرب كسرب العين من آل جعفر يغادين بالكحل العيون السـواجـيا
إذا ما هبطن النيل أو كـن دونـه بسرو الحمى ألقين ثم المـراسـيا مات في صدر خلافة المنصور
قال أحمد بن إبراهيم: مات ابن ميادة في صدر من خلافة المنصور، وقد كان مدحه ثم لم يفد إليه ولا مدحه، لما بلغه من قلة رغبته في مدائح الشعراء وقلة ثوابه لهم.

أخبار حنين الحيري
نسبه
حنين بن بلوع الحيري مختلف في نسبه، فقيل: إنه من العباديين من تميم، وقيل: إنه من بني الحارث بن كعب، وقيل من قوم بقوا من جديس وطسم فنزلوا في بني الحارث بن كعب فعدوا فيهم، ويكنى أبا كعب، وكان شاعرا مغنيا فحلا من فحول المغنين، وله صنعة فاضلة متقدمة، وكان يسكن الحيرة ويكري الجمال إلى الشأم وغيرها، وكان نصرانيا. وهو القائل يصف الحيرة ومنزله بها: صوت

أنا حنين ومنزلي الـنـجـف وما نديمي إلا الفتى القصف
أقرع بالكأس ثغـر بـاطـية مترعة، تـارة وأغـتـرف
من قهوة باكر التجار بـهـا بيت يهود قرارها الخـزف
والعيش غض ومنزلي خصب لم تغذني شقوة ولا عـنـف الغناء والشعر لحنين، ولحنه خفيف رمل بالبنصر. وفيه لابن المكي خفيف ثقيل قديم. ولعريب فيه خفيف ثقيل آخر عن الهشامي.
غنى هشام بن عبد الملك في الحج
أخبرنا وكيع قال قال حماد حدثني أبي عن أبي الخطاب قال وحدثني ابن كناسة عن سليمان بن داود: مولى ليحيى، وأخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن قعنب بن المحرز الباهلي عن المدائني قالوا جميعا: حج هشام بن عبد الملك وعديله الأبرش الكلبي، فوقف له حنين بظهر الكوفة ومعه عوده وزامر له، وعليه قلنسية طويلة، فلما مر هشام عرض له، فقال: من هذا? فقيل: حنين، فأمر به فحمل في محمل على جمل وعديله زامره، وسير به أمامه وهو يتغنى: صوت

أمن سلمى بظهر الكو فة الآيات والطـلـل
يلوح كما تلوح علـى جفون الصيقل والخلل - الصنعة في هذا الصوت لحنين ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو. وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى حنين أيضا وإلى غيره - قال: فأمر له هشام بمائتي دينار، وللزامر بمائة. وذكر إسحاق في خبره عن أبي الخطاب أنه غنى هشاما:

صفحة : 217

صوت

صاح هل أبصرت بالخب تين من أسـمـاء نـارا
موهنا شبـت لـعـينـي ك ولم توقـد نـهـارا
كتلالي البرق في المـز ن إذا البرق استـطـارا
أذكرتني الوصل من سع دى وأيامـا قـصـارا - الشعر للأحوص، والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. ونسبه ابن المكي إلى الغريض. وقال يونس: فيه لحنان لمالك ولم يجنسهما. وقال الهشامي: فيه لمالك خفيف رمل - قال: فلم يزل هشام يستعيده حتى نزل من النجف، فأمر له بمائتي دينار.

كان يغلي بغنائه الثمن وقال إسحاق: قيل لحنين: أنت تغني منذ خمسين سنة ما تركت لكريم مالا ولا دارا ولا عقارا إلا أتيت عليه فقال: بأبي أنتم، إنما هي أنفاسي أقسمها بين الناس، أفتلومونني أن أغلي بها الثمن.
غنى في ظل بيت أبي موسى الأشعري أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه ومصعب بن الزبير عن بعض المكيين، وأخبرني به الحرمي بن أبي العلاء وحبيب بن نصر قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال حدثني شيخ من المكيين يقال له شريس قال: إن لبالأبطح أيام الموسم نشتري ونبيع إذ أقبل شيخ أبيض الرأس واللحية على بغلة شهباء ما ندري أهو أشد بياضا أم بغلته أم ثيابه؛ فقال: أين بيت أبي موسى? فأشرنا له إلى الحائط؛ فمضى حتى انتهى إلى الظل من بيت أبي موسى، ثم استقبلنا ببغلته ووجهه ثم اندفع يغني: صوت

أسعـدينـي بـدمـعة أسـراب من دموع كثيرة الـتـسـكـاب
إن أهل الحصاب قد تركـونـي مغرما مولعا بأهل الحـصـاب
فارقوني وقد علـمـت يقـينـا ما لمـن ذاق مـيتة مـن إياب
سكنوا الجزع جزع بيت أبي مـو سى إلى النخل من صفي السباب
كم بذاك الحجون من حي صـدق وكـهـول أعـفة وشـبــاب
أهل بيت تتايعـوا لـلـمـنـايا ما على الموت بعدهم من عتاب
فلي الويل بعدهـم وعـلـيهـم صرت فردا وملني أصحـابـي - الشعر لكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي. والغناء لمعبد ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى. وفيه لابن أبي دباكل الخزاعي ثاني ثقيل بالوسطى عن ابن خرداذبة - قال: ثم صرف الرجل بغلته وذهب، فتبعناه حتى أدركناه، فسألناه من هو، فقال: أنا حنين بن بلوع وأنا رجل جمال أكري الأبل ثم مضى.
خاف أن يفوقه ابن محرز بالعراق
فرده عنه
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد على أبي عن المدائني، قال: كان حنين غلاما يحمل الفاكهة بالحيرة، وكان لطيفا في عمل التحيات، فكان إذا حمل الرياحين إلى بيوت الفتيان ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان والمتطربين إلى الحيرة ورأوا رشاقته وحسن قده وحلاوته وخفة روحه استحلوه، وأقام عندهم وخف لهم، فكان يسمع الغناء ويشتهيه ويصغي إليه ويستمعه ويطيل الإصغاء إليه، فلا يكاد ينتفع به في شيء إذا سمعه، حتى شدا منه أصواتا فأسمعها الناس - وكان مطبوعا حسن الصوت - واشتهوا غناءه والاستماع منه وعشرته، وشهر بالغناء ومهر فيه، وبلغ منه مبلغا كبيرا، ثم رحل إلى عمر بن داود الوادي وإلى حكم الوادي، وأخذ منهما، وغنى لنفسه في أشعار الناس، فأجاد الصنعة وأحكمها، ولم يكن بالعراق غيره فاستولى عليه في عصره. وقدم ابن محرز حينئذ إلى الكوفة فبلغ خبره حنينا، وقد كان يعرفه، فخشي أن يعرفه الناس فيستحلوه ويستولي على البلد فيسقط هو، قال له: كم منتك نفسك من العراق? قال: ألف دينار، قال: فهذه خمسمائة دينار عاجلة فخذها وانصرف واحلف لي أنك لا تعود إلى العراق؛ فأخذها وانصرف.
أخبرني عمي وعيسى بن الحسين قالا حدثنا أبو أيوب المدائني عن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل قال: كان ابن محرز قدم الكوفة وبها بشر بن مروان، وقد بلغه أنه يشرب الشراب ويسمع الغناء، فصادفه وقد خرج إلى البصرة؛ وبلغ خبره حنين بن بلوع فتلطف له حتى دعاه؛ فغناه ابن محرز لحنه - قال أحمد بن إبراهيم وهو من الثقيل الثاني من جيد الأغاني -: صوت

وحر الزبرجد في نـظـمـه على واضح الليت زان العقودا

صفحة : 218


يفـصـل ياقـوتـــه دره وكالجمر أبصرت فيه الفريدا قال: فسمع شيئا هاله وحيره، فقال له حنين: كم منتك نفسك من العراق? قال: ألف دينار، فقال: هذه خمسمائة دينار حاصلة عاجلة ونفقتك في عودتك وبدأتك ودع العراق لي وامض مصاحبا حيث شئت - قال: وكان ابن محرز صغير الهمة لا يحب عشرة الملوك ولا يؤثر على الخلوة شيئا - فأخذها وانصرف.
خرج إلى حمص وغنى بها
فلم يستطعم أهلها غناؤه
وقال حماد في خبره قال أبي حدثني بعض أهل العلم بالغناء عن حنين قال: خرجت إلى حمص ألتمس الكسب بها وأرتاد من أستفيد منه شيئا، فسألت عن الفتيان بها وأين يجتمعون، فقيل لي: عليك بالحمامات فإنهم يجتمعون بها إذا أصبحوا فجئت إلى أحدها فدخلته، فإذا فيه جماعة منهم، فأنست وانبسطت، وأخبرتهم أني غريب، ثم خرجوا وخرجت معهم، فذهبوا بي إلى منزل أحدهم، فلما قعدنا أتينا بالطعام فأكلنا وأتينا بالشراب فشربنا، فقلت لهم: هل لكم في مغن يغنيكم? قالوا: ومن لنا بذلك? قلت: أنا لكم به، هاتوا عودا فأتيت به، فابتدأت في هنيات أبي عباد معبد، فكأنما غنيت للحيطان لا فكهوا لغنائي ولا سروا به، فقلت: ثقل عليهم غناء معبد لكثرة عمله وشدته وصعوبة مذهبه، فأخذت في غناء الغريض فإذا هو عندهم كلا شيء، وغنيت خفائف ابن سريج، وأهزاج حكم، والأغاني التي لي، واجتهد في أن يفهموا، فلم يتحرك من القوم أحد، وجعلوا يقولون: ليت أبا منبه قد جاءنا، فقلت في نفسي: أرى أني سأفتضح اليوم بأبي منبه فضيحة لم يتفضح أحد قط مثلها. فبينا نحن كذلك إذ جاء أبو منبه، وإذا هو شيخ عليه خفان أحمران كأنه جمال، فوثبوا جميعا إليه وسلموا عليه وقالوا: يا أبا منبه أبطأت علينا، وقدموا له الطعام وسقوه أقداحا، وخنست أنا حتى صرت كلا شيء خوفا منه، فأخذ العود ثم اندفع يغني:
طرب البحر فاعبري يا سفينه لا تشقي على رجال المدينة فأقبل القوم يصفقون ويطربون ويشربون، ثم أخذ في نحو هذا من الغناء؛ فقلت في نفسي: أنتم ها هنا لئن أصبحت سالما لا أمسيت في هذه البلدة. فلما أصبحت شددت رحلي على ناقتي واحتقبت ركوة من شراب ورحلت متوجها إلى الحيرة، وقلت:
ليت شعري متى تخب بي النا قة بين السدير والـصـنـين
محقبا ركوة وخـبـز رقـاق وبقولا وقطـعة مـن نـون
لست أبغي زادا سواها من الشا م وحسبي علالة تكـفـينـي
فإذا أبت سالما قلت سـحـقـا وبعادا لمعشر فـارقـونـي غنى خالد القسري بعد ما حرم الغناء
أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه، وأخبرنا به وكيع في عقب أخبار رواها عن حماد بن إسحاق عن أبيه فقال: وقال لي إسحاق، فلا أدري أأدرج الإسناد وهو سماعه أم ذكره مرسلا، قال إسحاق وذكر ابن كناسة: أن خالد بن عبد الله القسري حرم الغناء بالعراق في أيامه، ثم أذن للناس يوما في الدخول عليه عامة ، فدخل إليه حنين ومعه عود تحت ثيابه، فقال: أصلح الله الأمير، كانت لي صناعة أعود بها على عيالي فحرمها الأمير فأضر ذلك بي وبهم، فقال: وما صناعتك? فكشف عن عوده وقال: هذا؛ فقال له خالد: عن، فحرك أوتاره وغنى: صوت

أيها الشأمت المعير بـالـده ر أأنت المبرأ المـوفـور
أم لديك العهد الوثيق من الأي ام بل أنت جاهل مغـرور
من رأيت المنون خلدن أم من ذا عليه من أن يضام خفـير قال: فبكى خالد وقال: قد أذنت لك وحدك خاصة فلا تجالسن سفيها ولا معربدا. فكان إذا دعي قال: أفيكم سفيه أو معربد? فإذا قيل له: لا، دخل.
شعر هذا الصوت المذكور لعدي بن زيد، والغناء لحنين رمل بالوسطى عن عمرو. وقوله: المبرأ، يعني المبرأ من المصائب. والموفور: الذي لم يذهب من ماله ولا من حاله شيء، يقال: وفر الرجل يوفر. ولديك بمعنى عندك ها هنا.
غنى بشر بن مروان بحضور الشعبي


صفحة : 219

أخبرني أبو صالح محمد بن عبد الواحد الصحاف الكوفي قال حدثنا قعنب بن المحرز الباهلي قال أخبرنا الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش وعن مجالد عن الشعبي جميعا، وأخبرني محمد بن مزيد وحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش عن الشعبي قال: لما ولي بشر بن مروان الكوفة كنت على مظالمه، فأتيته عشية وحاجبه أعين صاحب حمام أعين جالس، فقلت له: استأذن لي على الأمير فقال لي: يا أبا عمرو، هو على حال ما أظنك تصل إليه معها؛ فقلت: أعلمه - وخلاك ذم - فقد حدث أمر لابد لي من إنهائه إليه - وكان لا يجلس بالعشي - فقال: لا، ولكن اكتب حاجتك في رقعة حتى أوصلها إليه؛ فكتبت رقعة، فما لبث أن خرج التوقيع على ظهرها: ليس الشعبي ممن يحتشم منه فأذن له، فأذن لي فقال: ادخل، فدخلت فإذا بشر بن مروان عليه غلالة رقيقة صفراء وملاءة تقوم قياما من شدة الصقال، وعلى رأسه إكليل من ريحان، وعلى يمينه عكرمة بن ربعى، وعلى يساره خالد بن عتاب بن ورقاء، وإذا بين يديه حنين بن بلوع معه عوده، فسلمت فرد علي السلام ورحب وقرب، ثم قال: يا أبا عمرو، لو كان غيرك لم آذن له على هذه الحال، فقلت: أصلح الله الأمير، عندي لك الستر لكل ما أرى منك والدخول معك فيما لا يجمل، والشكر على ماتوليني؛ فقال: كذلك الظن بك، ثم التفت إلى حنين وعوده في حجره وعليه قباء خشك شوي - وقال إسحاق: خشكون - ومستقة حمراء وخفان مكعبان، فسلم علي؛ فقلت له: كيف أنت ابا كعب، فقال: بخير أبا عمرو؛ فقلت: احزق الزير وأعرخ البم ففعل؛ وضرب فأجاد؛ فقال بشر لأصحابه: تلومونني على أن آذن له في كل حال ثم أقبل علي فقال: أبا عمرو، من أين وقع لك حزق الزير? فقلت: ظننت أن الأمر هناك، فقال: فإن الأمر كما ظننت هناك كله. ثم قال: فمن أين تعرف حنينا? فقلت: هذا بطة أعراسنا فكيف لا أعرفه فضحك، وغنى حنين فأجاد فطرب وأمر له بجائزة، ثم ودعته وقمت بعد أن ذكرت له ما جئت فيه، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب، فقمت مع الخادم حتى قبضت ذلك منه وانصرفت. وقد وجدت هذا الخبر بخط أبي سعيد السكري يأثره عن محمد بن عثمان المخزومي عن أبيه عن جده: أنه كان عند بشر بن مروان يوم دخل عليه الشعبي هذا المدخل وأن حنين بن بلوع غناه:
هم كتموني سيرهم حين أزمعوا وقالوا اتعدنا للرواح وبكـروا وهذا القول خطأ قبيح، لأن هذا الشعر للعباس بن الأحنف، والغناء لعلويه رمل بالوسطى، وغني للمأمون فيه فقال: سخروا من أبي الفضل أعزه الله.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-26-2006, 12:12 AM   المشاركة رقم: 28
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.26 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

شيء من أوصاف الحيرة
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد بن إسحاق: قرأت على أبي، وقال أبو عبيد الله الكاتب حدثني سليمان بن بشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان قال: وكان بعض ولاة الكوفة يذم الحيرة في أيام بني أمية، فقال له رجل من أهلها - وكان عاقلا ظريفا -: أتعيب بلدة يضرب بها المثل في الجاهلية والإسلام قال: وبماذا تمدح? قال: بصحة هوائها، وطيب مائها، ونزهة ظاهرها، تصلح للخف والظلف، سهل وجبل، وبادية وبستان، وبر وبحر، محل الملوك ومزارهم، ومسكنهم ومثواهم، وقد قدمتها - أصلحك الله - مخفا فرجعت مثقلا ووردتها مقلا فأصارتك مكثرا، قال: فكيف نعرف ما وصفتها به من الفضل? قال: بأن تصير إلي، ثم ادع ما شئت من لذات العيش، فوالله لا أجوز بك الحيرة فيه؛ قال: فاصنع لنا صنيعا واخرج من قولك؛ قال: أفعل، فصنع لهم طعاما وأطعمهم من خبزها وسمكها وماصيد من وحشها: من ظباء ونعام وأرانب وحبارى، وسقاهم من ماءها في قلالها، وخمرها في آنيتها، وأجلسهم على رقمها - وكان يتخذ بها من الفرش أشياء ظريفة - ولم يستخدم لهم حرا ولا عبدا إلا من مولديها ومولداتها من خدم ووصائف ووصفاء كأنهم اللؤلؤ لغتهم لغة أهلها، ثم غناهم حنين وأصحابه في شعر عدي بن زيد شاعرهم وأعشى همدان لم يتجاوزهما، وحياهم برياحينها، ونقلهم على خمرها، وقد شربوا بفواكهها؛ ثم قال له: هل رأيتني استعنت على شيء مما رأيت وأكلت وشربت وافترشت وشممت وسمعت بغير ما في الحيرة? قال: لا والله، لقد أحسنت صفة بلدك ونصرته فأحسنت نصرته والخروج مما تضمنته، فبارك الله لكم في بلدكم.
المغنون المشهورون بالحيرة غير حنين ونوع غنائهم

صفحة : 220

قال إسحاق: ولم يكن بالحيرة مذكور في الغناء سوى حنين إلا نفرا من السدريين يقال لهم: عباديس، وزيد بن الطليس، وزيد بن كعب، ومالك بن حممة، وكانوا يغنون غناء الحيرة بين الهزج والنصب وهو إلى النصب أقرب ولم يدون منه شيء لسقوطه وأنه ليس من أغاني الفحول. وما سمعنا نحن لأحد من هؤلاء خبرا إلا لمالك بن حممة، أخبرني به عمي عن عبد الله بن أبي سعد.
عمره ونسبه
وقال وكيع في خبره عن إسحاق حدثني أبو بشر الفزاري قال حدثني بشر بن الحسين بن سليمان بن سمرة بن جندب قال: عاش حنين بن بلوع مائة سنة وسبع سنين، وكان يقال أنه من جديس؛ قال وقيل أيضا: إنه من لخم، وكان هو يزعم أنه عبادي وأخواله من بني الحارث بن كعب غنى حفيده لإبراهيم بن المهدي
وقص عليه خبر جده مع ابن سريج
أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال: كنت مع الرشيد في السنة التي نزل فيها على عون العبادي، فأتاني عون بابن ابن حنين بن بلوع، وهو شيخ، فغناني عدة أصوات لجده، فما استحسنتها، لأن الشيخ كان مشوه الخلق، طن الغناء، قليل الحلاوة، إلا أنه كان لا يفارق عمود الصوت أبدا حتى يفرغ منه، فغناني صوت ابن سريج:
فتركته جزر السباع ينشنه ما بين قلة رأسه والمعصم فما أذكر أني سمعته من أحد قط أحسن مما سمعته منه، فقلت له: لقد أحسنت في هذا الصوت، وما هو من أغاني جدك، وإني لأعجب من ذلك فقال لي الشيخ: والصليب والقربان ما صنع هذا الصوت إلا في منزلنا وفي سرداب لجدي، ولقد كاد أن ياتي على نفس عمتي؛ فسألته عن الخبر في ذلك فقال: ضافه ابن سريج متنكرا فأكرمه ثم بالغ في إكرامه لما عرفه حدثني أبي أن عبيد بن سريج قدم الحيرة ومعه ثلثمائة دينار. فأتى بها منزلنا في ولاية بشر بن مروان الكوفة، وقال: أنا رجل من أهل الحجاز من أهل مكة، بلغني طيب الحيرة وجودة خمرها وحسن غنائك في هذا الشعر:
حنتني حانيات الدهر حـتـى كأني خاتـل يدنـو لـصـيد
قريب الخطو يحسب من رآني ولست مقـيدا أنـي بـقـيد فخرجت بهذه الدنانير لأنفقها معك وعندك ونتعاشر حتى تنفد وأنصرف إلى منزلي. فسأله جدي عن اسمه ونسبه فغيرهما وانتمى إلى بني مخزوم، فأخذ جدي المال منه وقال: موفر مالك عليك ولك عندنا كل ما يحتاج إليه مثلك ما نشطت للمقام عندنا، فإذا دعتك نفسك إلى بلدك جهزناك إليه ورددنا عليك مالك وأخلفنا ما أنفقته عليك إلى أن جئتنا، وأسكنه دارا كان ينفرد فيها، فمكث عندنا شهرين لا يعلم جدي ولا أحد من أهلنا أنه يغني، حتى انصرف جدي من دار بشر بن مروان في يوم صائف مع قيام الظهيرة، فصار إلى باب الدار التي كان أنزل ابن سريج فيها فوجده مغلقا فارتاب بذلك، ودق الباب فلم يفتح له ولم يجبه أحد، فصار إلى منازل الحرم فلم يجد فيها ابنته ولا جواريه، ورأى ما بين الدار التي فيها الحرم ودار ابن سريج مفتوحا، فانتضى سيفه ودخل الدار ليقتل ابنته؛ فلما دخلها رأى ابنته وجواريه وقوفا على باب السرداب، وهن يومئن إليه بالسكوت وتخفيف الوطء، فلم يلتفت إلى إشارتهن لما تداخله، إلى أن سمع ترنم ابن سريج بهذا الصوت، فألقى السيف من يده وصاح به - وقد عرفه من غير أن يكون رآه، ولكن بالنعت والحذق -: أبا يحيى، جعلت فداءك، أتيتنا بثلثمائة دينار لتنفقها عندنا في حيرتنا فوحق المسيح لا خرجت منها إلا ومعك ثلثمائة دينار وثلثمائة دينار وثلثمائة دينار سوى ما جئت به معك، ثم دخل إليه فعانقه ورحب به ولقيه بخلاف ما كان يلقاه به، وسأله عن هذا الصوت، فأخبره أنه صاغه في ذلك الوقت. فصار معه إلى بشر بن مروان فوصله بعشرة آلاف درهم أول مرة، ثم وصله بعد ذلك بمثلها؛ فلما أراد الخروج رد عليه جدي ماله وجهزه ووصله بمقدار نفقته التي أنفقها من مكة إلى الحيرة، ورجع ابن سريج إلى أهله وقد أخذ جميع من كان في دارنا منه هذا الصوت.
استقدمه ابن سريج والغريض ومعبد إلى الحجاز فقدم وغنى فازدحم الناس فسقط عليه السطح فمات أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني حسان بن محمد الحارثي قال حدثنا عبد الله قال حدثنا عبيد بن حنين الحيري قال:

صفحة : 221

كان المغنون في عصر جدي أربعة نفر ثلاثة بالحجاز وهو وحده بالعراق، والذين بالحجاز: ابن سريج والغريض ومعبد، فكان يبلغهم أن جدي حنينا قد غنى في هذا الشعر:
هلا بكيت على الشباب الذاهـب وكففت عن ذم المشـيب الآئب
هذا ورب مسوفين سقـيتـهـم من خمر بابل لذة لـلـشـارب
بكروا علي بسحرة فصبحتـهـم من ذات كوب مثل قعب الحالب
بزجاجة ملء الـيدين كـأنـهـا قنديل فصح في كنيسة راهـب قال: فاجتمعوا فتذاكروا أمر جدي وقالوا: ما في الدنيا أهل صناعة شر منا، لنا أخ بالعراق ونحن بالحجاز، لا نزوره ولا نستزيره. فكتبوا إليه ووجهوا إليه نفقة وكتبوا يقولون: نحن ثلاثة وأنت وحدك فأنت أولى بزيارتنا، فشخص إليهم، فلما كان على مرحلة من المدينة بلغهم خبره فخرجوا يتلقونه، فلم ير يوم كان أكثر حشرا ولا جمعا من يومئذ، ودخلوا، فلما صاروا في بعض الطريق قال لهم معبد: صيروا إلي؛ فقال له ابن سريج: إن كان لك من الشرف والمروءة مثل ما لمولاتي سكينة بنت الحسين عطفنا إليك؛ فقال: مالي من ذلك شيء، وعدلوا إلى منزل سكينة. فلما دخلوا إليها أذنت للناس إذنا فغصت الدار بهم وصعدوا فوق السطح، وأمرت لهم بالأطعمة فأكلوا منها، ثم إنهم سألوا جدي حنينا أن يغنيهم صوته الذي أوله:
هلا بكيت على الشباب الذاهب فغناهم إياه بعد أن قال لهم: ابدءوا أنتم؛ فقالوا: ما كنا لنتقدمك ولا نغني قبلك حتى نسمع هذا الصوت؛ فغناهم إياه، وكان من أحسن الناس صوتا، فازدحم الناس على السطح وكثروا ليسمعوه، فسقط الرواق على من تحته فسلموا جميعا وأخرجوا أصحاء، ومات حنين تحت الهدم؛ فقالت سكينة: لقد كدر علينا حنين سرورنا، انتظرناه مدة طويلة وكأنا والله كنا نسوقه إلى منيته.
نسبة ما في الخبر الأول من الغناء
الغناء في الأصوات المتقدمة صوت

وتركته جزر السباع ينشنه ما بين قلة رأسه والمعصم
إن تغدفي دوني القناع فإنني طب بأخذ الفارس المستلئم الشعر لعنترة بن شداد العبسي، والغناء فيه لحنين ثاني ثقيل.
ومنها: صوت

حنتني حانيات الدهر حـتـى كأني خاتـل يدنـو لـصـيد
قريب الخطو يحسب من رآني ولست مقـيدا أنـي بـقـيد الغناء لحنين الحيري ثقيل أول: وفيه لإبراهيم الموصلي ماخوري جميعا عن ابن المكي، ووافقه عمرو بن بانة في لحن إبراهيم الموصلي. ونسبة الشعر الذي غناه حنين في منزل سكينة يقال: إنه لعدي بن زيد، وقيل: إن بعضه له وقد أضافه المغنون إليه. ولحنه خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.

صوت من المائة المختارة

راع الفؤاد تفرق الأحـبـاب يوم الرحيل فهاج لي أطرابي
فظللت مكتئبا أكفكف عبـرة سحا تفيض كواشل الأسراب
لما تنادوا للرحـيل وقـربـوا بزل الجمال لطـية وذهـاب
كاد الأسى يقضي عليك صبابة والوجه منك لبين إلفك كابي عروضه من الكامل. والشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء للغريض، ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وقال حبش: وفيه لأبي كامل ثاني ثقيل بالوسطى . وذكر حبش: أن للغريض أيضا فيه خفيف ثقيل بالوسطى. ولمالك ثقيل أول بالوسطى. وهذه الأبيات قالها عمر بن أبي ربيعة في بنت لعبد الملك بن مروان كانت حجت في خلافته.
ابن أبي ربيعة مع بنت عبد الملك
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال أخبرني أبو هفان عن إسحاق بن إبراهيم عن الزبيري والمدائني ومحمد بن سلام والمسيبي:

صفحة : 222

أن بنتا لعبد الملك بن مروان حجت، فكتب الحجاج إلى عمر بن أبي ربيعة يتوعده إن ذكرها في شعره بكل مكروه؛ وكانت تحب أن يقول فيها شيئا وتتعرض لذلك، فلم يفعل خوفا من الحجاج. فلما قضت حجها خرجت فمر بها رجل فقالت له: من أين أنت? قال: من أهل مكة؛ قالت: عليك وعلى أهل بلدك لعنة الله قال: ولم ذاك? قالت: حججت فدخلت مكة ومعي من الجواري ما لم تر الأعين مثلهن، فلم يستطع الفاسق ابن أبي ربيعة أن يزودنا من شعره أبياتا نلهو بها في الطريق في سفرنا قال: فإني لا أراه إلا قد فعل؛ قالت: فأتنا بشيء إن كان قاله ولك بكل بيت عشرة دنانير؛ فمضى إليه فأخبره؛ فقال: لقد فعلت، ولكن أحب أن تكتم علي؛ قال: أفعل؛ فأنشده:
راع الفؤاد تفرق الأحـبـاب يوم الرحيل فهاج لي أطرابي وهي طويلة. وأنشده:
هاج قلبي تذكر الأحبـاب واعترتني نوائب الأطراب وهي طويلة أيضا، يقول فيها:
اقتليني قتلا سريعـا مـريحـا لا تكوني علي سـوط عـذاب
شف عنها محـقـق جـنـدي فهي كالشمس من خلال سحاب - ذكر حبش: أن في هذه الثلاثة الأبيات للهذلي ثاني ثقيل بالبنصر - قال: فعاد إليها الرجل فأنشدها هاتين القصيدتين فدفعت إليه ما وعدته به.

ذكر الغريض وأخباره
اسمه وكنيته وسبب لقبه
الغريض لقب لقب به، لأنه كان طري الوجه نضرا غض الشباب حسن المنظر، فلقب بذلك. والغريض: الطري من كل شيء. وقال ابن الكلبي: شبه بالإغريض وهو الجمار فسمي به، وثقل ذلك على الألسنة فحذفت الألف منه، فقيل له: الغريض: واسمه: عبد الملك، وكنيته: أبو يزيد.
وأخبرنا إسماعيل بن يونس الشيعي عن عمر بن شبة عن أبي غسان عن جماعة من المكيين: أنه كان يكنى أبا مروان. وهو مولى العبلات، وكان مولدا من مولدي البربر. وولاؤه وولاء يحيى قيل وسمية للثريا صاحبة عمر بن أبي ربيعة وأخواتها: الرضيا وقريبة وأم عثمان بنات علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، وقد مضت أخبارهن في صدر الكتاب.
أخذه الغناء عن ابن سريج
فلما رأى ابن سريج مخايل التفوق فيه حده وطرده
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني محمد بن نصر الضبعي قال حدثني عبد الكريم بن أبي معاوية العلابي عن هشام بن الكلبي عن أبيه وعن أبي مسكين، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان محمد بن يحيى، وأخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن أبي الأزهر حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبيري والمدائني ومحمد بن سلام، وقد جمعت رواياتهم في قصة الغريض، قالوا: كان الغريض يضرب بالعود وينقر بالدف ويوقع بالقضيب، وكان جميلا وضيئا، وكان يصنع نفسه ويبرقها. وكان قبل أن يغني خياطا. وأخذ الغناء في أول أمره عن ابن سريج، لأنه كان يخدمه. فلما رأى ابن سريج طبعه وظرفه وحلاوة منطقه خشي أن يأخذ غناءه فيغلبه عليه عند الناس ويفوقه بحسن وجهه وجسده؛ فاعتل عليه، وشكاه إلى مولياته، وهن كن دفعنه إليه ليعلمه الغناء، وجعل يتجنى عليه ثم طرده؛ فشكا ذلك إلى مولياته وعرفهن غرض ابن سريج في تنحيته إياه عن نفسه، وأنه حسده على تقدمه؛ تعلم النوح وكان ينوح في المآتم
فقلن له: هل لك في أن تسمع نوحنا على قتلانا فتأخذه وتغني عليه? قال: نعم فافعلن، فأسمعنه المراثي فاحتذاها وخرج غناء عليها كالمراثي، وكان ينوح مع ذلك فيدخل المآتم وتضرب دونه الحجب ثم ينوح فيفتن كل من سمعه. ولما كثر غناؤه اشتهاه الناس وعدلوا إليه لما كان فيه من الشجا. فكان ابن سريج لا يغني صوتا إلا عارضه الغريض فيه لحنا آخر. فلما رأى ابن سريج موقع الغريض اشتد عليه وحسده، فغنى الأرمال والأهزاج فاشتهاها الناس؛ فقال له الغريض: يا أبا يحيى، قصرت الغناء وحذفته؛ قال: نعم يا مخنث حين جعلت تنوح على أمك وأبيك.


صفحة : 223

قال إسحاق وحدثني أبو عبيدة قال: لما غضب ابن سريج على الغريض فأقصاه وهجره لحق بحوراء وبغوم - جاريتين نائحتين كانتا في شعب ابن عامر بمكة، ولم يكن قبلهما ولا بعدهما مثلهما - فرأتاه يوما يعصر عينيه ويبكي؛ فقالتا له: ما لك تبكي? فذكر لهما ما صنع به ابن سريج؛ فقالتا له: لا أرقأ الله دمعك ألزز رأسك بين ما أخذته عنه وبين ما تأخذه منا، فإن ضعت بعدها فأبعدك الله.
عداده في الأربعة المشهورين بالغناء
قال إسحاق وحدثني أبو عبد الله الزبيري قال: رأيت جريرا في مجلس من مجالس قريش فسمعته يقول: كان المغنون بمكة أربعة، فسيد مبرز وتابع مسدد؛ فسألناه عن ذاك، فقال: كان السيد أبو يحيى بن سريج والتابع أبو يزيد الغريض. وكان هناك رجل عالم بالصناعة فقال: كان الغريض أحذق أهل زمانه بمكة بالغناء بعد ابن سريج، كان الناس لا يفرقون بينه وبين ابن سريج وما زال أصحابنا لا يفرقون بينهما لمقاربتهما في الغناء. قال الزبيري وقال بعض أهلي: لو حكمت بين أبي يحيى وابي يزيد لما فرقت بينهما، وإنما تفضيلي أبا يحيى بالسبق، فأما غير ذلك فلا، لأن أبا يزيد عنه أخذ ومن بحره اغترف وفي ميدانه جرى، فكان كأنه هو؛ ولذلك قالت سكينة لما غنى الغريض وابن سريج:
عوجي علينا ربة الهودج والله ما أفرق بينكما، وما مثلكما عندي إلا كمثل اللؤلؤ والياقوت في أعناق الجواري الحسان لا يدرى أي ذلك أحسن.
<H6 قيل كان أشجى غناء من ابن سريج</H6 قال إسحاق: وسمعت جماعة من البصراء عند أبي يتذاكرونهما، فأجمعوا على أن الغريض أشجى غناء، وأن ابن سريج أحكم صنعة.
غنى الناس بجمع فحسبوه من الجن
قال إسحاق وحدثني أبو عبد الله الزبيري قال حدثني بعض أهلي قال: حججنا فلما كنا بجمع سمعنا صوتا لم نسمع أحسن منه ولا أشجى، فأصغى الناس كلهم إليه تعجبا من حسنه، فسألت: من هذا الرجل? فقيل لي: الغريض، فتتابع جماعة من أهل مكة فقالوا: ما نعرف اليوم أحسن غناء من الغريض، ويدلك على ذلك أنه يعترض بصوته الحاج وهم في حجهم فيصغون إليه. فسألوا الغريض عن ذلك، فقال: نعم، فسألوه أن يغنيهم فأجابهم، وخرج فوقف حيث لا يرى ويسمع صوته فترنم ورجع صوته وغنى في شعر عمر بن أبي ربيعة:
أيها الرائح المجد ابتـكـارا قد قضى من تهامة الأوطارا فما سمع السامعون شيئا كان أحسن من ذلك الصوت، وتكلم الناس فقالوا: طائفة من الجن حجاج.
نسبة هذا الصوت
صوت

أيها الرائح المجد ابتـكـارا قد قضى من تهامة الأوطارا
من يكن قلبه الغـداة خـلـيا ففؤادي بالخيف أمسى معارا
ليت ذا الحج كان حتما علينـا كل شهرين حجة واعتمـارا عروضه من الخفيف. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن محرز، ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الثاني بالخنصر في مجرى الوسطى. وفيه لحن للغريض من رواية حماد عن أبيه.
غنى هو ومعبد وابن سريج
على أبي قبيس فعفا الوالي عنهم بعد الأمر بنفيهم
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وإسماعيل بن يونس قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم قال: بلغني أن معبدا وابن سريج والغريض اجتمعوا بمكة ذات ليلة فقالوا: هلم نبك أهل مكة، ووجدت هذا الخبر بغير إسناد مرويا عن يونس الكاتب: أن أميرا من أمراء مكة أمر بإخراج المغنين من الحرم، فلما كان في الليلة التي عزم بهم على النفي في غدها اجتمعوا على أبي قبيس - وكان معبد قد زارهم - فبدأ معبد فغنى - كذا روي عن يونس ولم يذكره الباقون: صوت

أتربي من أعلى معد هديتما أجدا البكا إن التفرق باكر
فما مكثنا دام الجميل عليكما بثهلان إلا أن تزم الأباعر - عروضه من الطويل. هكذا ذكره ولم ينسبه ولا جنسه - قال: فتأوه أهل مكة وأنوا وتمخطوا. واندفع الغريض يغني:
أيها الرائح المجد ابتـكـارا قد قضى من تهامة الأوطارا فارتفع البكاء والنحيب. واندفع ابن سريج يغني:
جددي الوصل يا قريب وجودي لمحب فـراقـه قـد ألـمـا
ليس بين الحياة والـمـوت إلا أن يردوا جمالهم فـتـزمـا

صفحة : 224

فارتفع الصراخ من الدور بالويل والحرب. قال يونس في خبره: واجتمع الناس إلى الأمير فاستعفوه من نفيهم فأعفاهم. وذكر الباقون أن الغريض ابتدأ بلحنه:
أيها الراكب المجد ابتكارا وتلاه ابن سريج في جددي الوصل. قال: وارتفع الصراخ فلم يسمع من معبد شيء ولم يقدر على أن يغني.
غنت شطباء المغنية علي بن جعفر فطرب
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني عبد الرحمن بن محمد السعدي قال: حضرت شطباء المغنية جارية علي بن جعفر ذات يوم تغني:
ليس بين الرحيل والبين إلا أن يردوا جمالهم فتزمـا فطرب علي بن جعفر وصاح: سبحان الله العظيم ألا يوكون قربة ألا يشدون محملا ألا يعلقون سفرة ألا يسلمون على جار هذه والله العجلة.
لما ماتت الثريا ناح عليها الغريض
أخبرني أحمد بن عبد العزيز وإسماعيل بن يونس قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى قال زعم عبيد بن يعلى قال: قال لي كثير بن كثير السهمي: لما ماتت الثريا أتاني الغريض فقال لي: قل لي شعرا أبك به عليها؛ فقلت: صوت

ألا يا عين ما لك تدمعينـا أمن رمد بكيت فتكحلينـا
أم أنت مريضة تبكين شجوا فشجوك مثله أبكى العيونا فناح به عليها. قال: وأخبرني من رآه بين عمودي سريرها ينوح به. الغناء للغريض في هذين البيتين خفيف ثقيل بالوسطى عن ابن المكي. وفيه ثقيل أول مجهول.
تحاكم هو وابن سريج إلى سكينة
بنت الحسين فساوت بينهما
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن سلام وأخبرنا وكيع قال: حدثنا محمد بن إسماعيل عن محمد بن سلام عن جرير، ورواه حماد عن أبيه عن ابن سلام عن جرير أيضا: أن سكينة بنت الحسين حجت فدخل إليها ابن سريج والغريض وقد استعار ابن سريج حلة لامرأة من قريش فلبسها؛ فقال لها ابن سريج: يا سيدتي، إني كنت صنعت صوتا وحسنته وتنوقت فيه، وخبأته لك في حريرة في درج مملوء مسكا فنازعنيه هذا الفاسق - يعني الغريض - فأردنا أن نتحاكم إليك فيه. فأينا قدمته فيه تقدم؛ قالت: هاته، فغناها:
عوجي علينا ربة الهودج إنك إلا تفعلي تحرجي فقالت: هاته أنت يا غريض؛ فغناها إياها؛ فقالت لابن سريج: أعده، فأعاده، وقالت: يا غريض، أعده، فأعاده؛ فقالت: ما أشبهكما إلا بالجديين: الحار والبارد لا يدرى أيهما أطيب. وقال إسحاق في خبره: ما أشبهكما إلا باللؤلؤ والياقوت في أعناق الجواري الحسان لا يدرى أيهما أحسن.
نسبة هذا الصوت
صوت

عوجي علينا ربة الـهـودج إنك إلا تفعلي تـحـرجـي
إني أتيحـت لـي يمـانـية إحدى بني الحارث من مذحج
نلبث حولا كـامـلا كـلـه لا نلتقي إلا على مـنـهـج
في الحج إن حجت وماذا مني وأهله إن هي لم تـحـجـج
أيسر ما نال مـحـب لـدى بين حبـيب قـولـه عـرج عروضه من السريع. والشعر للعرجي. والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيه للغريض ثقيل أول بالوسطى عن حبس. ولإسحاق في الأول والثالث ثقيل أول بالبنصر عن عمرو. وللأبجر فيه ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن ابن المكي. ولعلوية خفيف ثقيل عن الهشامي. ولحكم خفيف رمل عنه أيضا.
غنى عطاء بشعر العرجي فرده عليه
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا عبد الله بن عمرو بن بشر قال حدثني إبراهيم بن المنذر قال حدثني حمزة بن عتبة اللهبي عن عبد الوهاب بن مجاهد أو غيره قال: كنت مع عطاء بن ابي رباح فجاءه رجل فأنشده قول العرجي:
إني أتيحت لي يمانية وذكر الأبيات وختمها بقوله:
في الحج إن حجت وماذا منى وأهله إن هي لم تحـجـج قال فقال عطاء: بمنى والله وأهله خير كثير إذ غيبها الله وإياه عن مشاعره.
قصة الأوقص المخزومي مع سكران يغني
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال: ولي قضاء مكة الأوقص المخزومي فما رأى الناس مثله في عفافه ونبله، فإنه لنائم ليلة في جناح له إذ مر به سكران يتغنى:
عوجي علينا ربة الهودج

صفحة : 225

فأشرف عليه فقال: يا هذا شربت حراما وأيقظت نياما وغنيت خطأ خذه عني فأصلحه له وانصرف.
عطاء بن رباح والأبجر المغني
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق عن حمزة بن عتبة اللهبي قال: مر الأبجر بعطاء وهو سكران فعذله وقال: شهرت نفسك بالغناء واطرحتها وأنت ذو مروءة، فقال: امرأته طالق ثلاثا إن برحت أو أغنيك صوتا، فإن قلت لي: هو قبيح تركته؛ فقال له عطاء: هات ويحك فقد أضررت بي، فغناه:
في الحج إن حجت وماذا مني وأهله إن هي لم تحـجـج فقال له عطاء: الخير والله كله هناك حجت أو لم تحج، فاذهب الآن راشدا فقد برت يمينك.
ابن أبي عتيق والغريض
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني المغيرة بن محمد قال حدثني هارون بن موسى الفروي قال حدثني بعض المدنيين قال: خرج ابن أبي عتيق على نجيب له من المدينة قد أوقره من طرف المدينة المشارب وغير ذلك، فلقي فتى من بني مخزوم مقبلا من بعض ضياعه، فقال: يابن أخي، أتصحبني? قال: نعم؛ قال المخزومي: فمضينا حتى إذا قربنا من مكة جنبنا عنها حتى جزناها فصرنا إلى قصر، فاستأذن ابن أبي عتيق فأذن له، فدخلنا فإذا رجل جالس كأنه عجوز بربرية مختضبة، لا أشك في ذلك، وإذا هو الغريض وقد كبر، فقال له ابن أبي عتيق: تشوقنا إليك، وأهدى له ما كان معه، ثم قال له: نحب أن نسمع؛ قال: أدع فلانة - جارية له - فجاءت فغنت، فقال: ما صنعت شيئا، ثم حل خضابه وغنى:
عوجى علينا ربة الهودج فما سمعت أحسن منه قط، فأقمنا عنده أياما كثيرة وخبازه وطعامه كثير.
ثم قال له ابن أبي عتيق: إني أريد الشخوص، فلم يبق بمكة تحفة عدني ولا يمان ولا عود إلا أوقر به راحلته. فلما ارتحلنا وبرزنا صاح به الغريض: هيا هيا، فرجعنا إليه؛ فقال: ألم ترووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يحشر من بقيعنا هذا سبعون ألفا على صورة القمر ليلة البدر فقال له ابن أبي عتيق: بلى، فقال: هذه سن لي انتزعت فأحب أن تدفنها بالبقيع، فخرجنا والله أخسر اثنين لم نعتمر ولم ندخل مكة، حاملين سن الغريض حتى دفناها بالبقيع.
غنى بعض أهل المدينة فطربوا لغنائه
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن بعض أهل المدينة قال: خرج الغريض مع قوم فغناهم هذا الصوت:
جرى ناصح بالود بيني وبينهـا فقربني يوم الحصاب إلى قتلي فاشتد سرور القوم، وكان معهم غلام أعجبه، فطلب إليهم أن يكلموا الغلام في الخلوة معه ساعة ففعلوا، فانطلق مع الغلام حتى توارى بصخرة، فلما قضى حاجته أقبل الغلام إلى القوم، وأقبل الغريض يتناول حجرا حجرا يقرع به الصخرة، ففعل ذلك مرارا، فقالوا له: ما هذا يا غريض? قال: كأني بها قد جاءت يوم القيامة رافعة ذيلها تشهد علينا بما كان منا إلى جانبها، فأردت أن أجرح شهادتها علي ذلك اليوم.
نسبة هذا الصوت
صوت

جرى ناصح بالود بيني وبينـهـا فقربني يوم الحصاب إلى قتلـي
فقالت وأرخت جانب الستر إنمـا معي فتحدث غير ذي رقبة أهلي
فقلت لها ما بي لهم منه ترقـب ولكن سري ليس يحمله مثـلـي عروضه من الطويل. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج رمل بإطلاق الوتر مجرى البنصر عن إسحاق في الثلاثة الأبيات. وذكر يونس أن فيه لحنا لمالك، وفيه للغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى عن حبش والهشامي وعلي بن يحيى وحماد بن إسحاق. ولمعبد فيه ثقيل أول بالبنصر عن حبش. ولابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى عنه.
كان عمر وجميل يتعارضان في الشعر
حدثني علي بن صالح بن الهيثم قال حدثني أبو هفان عن إسحاق بن إبراهيم عن المسيبي والمدائني وابن سلام:

صفحة : 226

أن عمر بن أبي ربيعة كان يعارض جميلا، إذا قال هذا قصيدة قال هذا مثلها، فيقال: إن عمر في الرائية والعينية أشعر من جميل، وإن جميلا أشعر منه في اللامية. وقال الزبير فيما أخبرني به الحرمي بن أبي العلاء عنه: من الناس من يفضل قصيدة جميل اللامية على قصيدة عمر، وأنا لا أقول هذا، لأن قصيدة جميل مختلفة غير مؤتلفة، فيها طوالع النجد وخوالد المهد، وقصيدة عمر بن أبي ربيعة ملساء المتون، مستوية الأبيات، آخذ بعضها بأذناب بعض، ولو أن جميلا خاطب في قصيدته مخاطبة عمر لأرتج عليه وعثر كلامه به.
أخبرني الحريم قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال حدثني شيخ من أهلي عن أبي الحارث بن نابتة مولى هشام بن الوليد المخزومي وهو الذي يقول له عمر بن أبي ربيعة:
يا أبا الحارث قلبي طـائر فاستمع قول رشيد مؤتمن قال: شهدت عمر بن أبي ربيعة وجميلا بالأبطح، فأنشد جميل قصيدته التي يقول فيها:
لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي بثينة أو أبدت لنا جانب الـبـخـل ثم قال: يا أبا الخطاب، هل قلت في هذا الوزن شيئا? قال: نعم؛ فأنشده قوله:
جرى ناصح بالود بيني وبينها فقال جميل: هيهات يا أبا الخطاب، والله لا أقول مثل هذا سجيس الليالي، والله ما خاطب النساء مخاطبتك أحد وقام مشمرا.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: رأيت علماءنا جميعا لا يشكون في أن أحسن ما يروى في تعظيم السر قول عمر:
ولكن سري ليس يحمله مثلي قال الزبير: وحدثني محمد بن إسماعيل قال حدثني ابن أبي الزناد قال: إنما اجتمع عمر بن أبي ربيعة وجميل بالجناب.
سمع الفرزدق شعر ابن أبي ربيعة فمدحه
أخبرني محمد بن أحمد الطلاس قال أخبرنا أحمد بن الحارث الخزاز عن المدائني: أن الفرزدق سمع عمر بن أبي ربيعة ينشد هذه القصيدة، فلما بلغ إلى قوله:
فقمن وقد أفهمن ذا اللـب أنـمـا فعلن الذي يفعلن من ذاك من أجلي صاح الفرزدق وقال: هذا والله الشعر الذي أرادته الشعراء فأخطأته وبكت الديار.
نسبة ما في قصيدة عمر وسائر هذه الأخبار من الأغاني سوى قصيدة جميل فإن لها أخبارا تذكر مع أخباره فمن ذلك قصيدة عمر التي أولها:
جرى ناصح بالود بيني وبينها صوت

قفي البغلة الشهباء بالله سلـمـي عزيزة ذات الدل والخلق الجزل
فلما تواقفنا عرفت الـذي بـهـا كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل
فقلن لها هذا عشـاء وأهـلـنـا قريب ألما تسأمي مركب البغـل عروضه من الطويل. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لمعبد في الأول والثاني ثقيل أول بالوسطى عن عمرو بن بانة وعلي بن يحيى، وقيل إنه لمالك. ولابن محرز في الثاني والثالث خفيف ثقيل أول بالبنصر عن الهشامي. ولابن سريج في الأول ثقيل والثاني خفيف آخر بالوسطى وهو الذي فيه استهلال. ولمالك في الثاني والثالث ثاني ثقيل بالبنصر. ولإبراهيم فيهما خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن ابن المكي.
صوت

يا أبا الحارث قلبي طـائر فاستمع قول رشيد مؤتمن
ليس حب فوق ما أحببتكـم غير أن أقتل نفسي أو أجن
حسن الوجه نقـي لـونـه طيب النشر لذيذ المحتضن عروضه من الرمل. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو، وقيل: إنه لابن عائشة: وذكر ابن المكي أنه للغريض في الثاني والثالث، وفيهما رمل يقال إنه لأهل مكة، ويقال: إنه لعبد الله بن يونس صاحب أيلة. وفيه ثقيل أول ذكر حبش أنه لابن سريج، وذكر غيره أنه لمحمد ابن السندي المكي، وأنه غناه بحضرة إسحاق فأخذه عنه.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمربن شبة قال حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى قال: كان ابن عائشة يغني الهزج والخفيف؛ فقيل له: إنك لا تستطيع أن تغني غناء شجيا ثقيلا؛ فغنى:
يا أبا الحارث قلبي طائر رجع الحديث إلى أخبار الغريض
قيل إنه كان يتلقى غناءه عن الجن أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أيوب بن عباية عن مولى لآل الغريض قال:

صفحة : 227

حدثني بعض مولياتي وقد ذكرن الغريض فترحمن عليه وقلن: جاءنا يوما يحدثنا بحديث أنكرناه عليه ثم عرفنا بعد ذلك حقيقته، وكان من أحسن الناس وجها صغيرا وكبيرا، وكنا نلقى من الناس عنتا بسببه، وكان ابن سريج في جوارنا فدفعناه إليه فلقن الغناء، وكان من احسن الناس صوتا ففتن أهل مكة بحسن وجهه مع حسن صوته، فلما رأى ذلك ابن سريج نحاه عنه، وكانت بعض مولياته تعلمه النياحة فبرز فيها، فجاءني يوما فقال: نهتني الجن أن أنوح وأسمعتني صوتا عجيبا فقد ابتنيت عليه لحنا فاسمعيه مني، واندفع فغنى بصوت عجيب في شعر المرار الأسدي.

حلفت لها بالله ما بين ذي الغضـا وهضب القنان من عيان ولا بكر
أحب إلينا منـك دلا ومـا نـرى به عند ليلى من ثواب ولا أجـر فكذبناه وقلنا: شيء فكر فيه وأخرجه على هذا اللحن، فكان في كل يوم يأتينا فيقول: سمعت البارحة صوتا من الجن بترجيع وتقطيع قد بنيت عليه صوت كذا وكذا بشعر فلان، فلم يزل على ذلك ونحن ننكر عليه؛ فإنا لكذلك ليلة وقد اجتمع جماعة من نساء مكة في جمع لنا سهرنا فيه ليلتنا والغريض يغنينا بشعر عمر بن أبي ربيعة:
أمن آل زينب جد البكور نعم فلأي هواها تصير إذ سمعنا في بعض الليل عزيفا عجيبا وأصواتا مختلفة ذعرتنا وأفزعتنا، فقال لنا الغريض: إن في هذه الأصوات صوتا إذا نمت سمعته، وأصبح فأبني عليه غنائي، فأصغينا إليه فإذا نغمته نغمة الغريض بعينها فصدقناه تلك الليلة.
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء
صوت

حلفت لها................ البيتان عروضه من الطويل. غناه الغريض ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى عن حبش. قال: ولعلويه فيه ثقيل أول آخر بالبنصر ومنها: صوت

أمن آل زينب جد البكـور نعم فلأي هواها تصـير
أبالغور أم أنجدت دارهـا وكانت حديثا بعهدي تغور
نظرت بخيف منى نظـرة إليها فكاد فـؤادي يطـير
هي الشمس تسري بها بغلة وما خلت شمسا بليل تسير
ألم تر أنك مسـتـشـرف وأن عدوك حولي حضور عروضه من المتقارب. الشعر للنميري، وقيل: إنه ليزيد بن معاوية. والغناء لسياط خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. ولابن سريج فيه خفيف ثقيل بالوسطى، أوله:
هي الشمس تسري بها بغلة وفيه للغريض ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي وحماد، وذكر غيرهما أنه لابن جامع. وذكر حبش أن فيها لابن محرز ثقيلا أول بالبنصر.
أرسله ابن أبي ربيعة إلى سكينة
فغناها ونسوة معها بشعره
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال قال أبو عبد الله مصعب الزبيري: اجتمع نسوة فذكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن مجلسه وحديثه وتشوقن إليه وتمنينه؛ فقالت سكينة: أنا لكن به، فبعثت إليه رسولا ووعدته الصورين لليلة سمتها، فوافاها على رواحله ومعه الغريض، فحدثهن حتى وافى الفجر وحان انصرافهن، فقال لهن: إني والله لمشتاق إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجده، ولكن لا أخلط بزيارتكن شيئا، ثم انصرف إلى مكة وقال:
ألمم بزينب إن البين قـد أفـدا قل الثواء لئن كان الرحيل غدا قال: وانصرف عمر بالغريض معه، فلما كان بمكة قال عمر: يا غريض، إني أريد أن أخبرك بشيء يتعجل لك نفعه ويبقى لك ذكره، فهل لك فيه? قال: افعل من ذلك ما شئت وما أنت أهله، قال: إني قد قلت في هذه الليلة التي كنا فيها شعرا فامض به إلى النسوة فأنشدهن ذلك وأخبرهن أني وجهت بك فيه قاصدا؛ قال: نعم، فحمل الغريض الشعر ورجع إلى المدينة فقصد سكينة وقال لها: جعلت فداك يا سيدتي ومولاتي، إن أبا الخطاب - أبقاه الله - وجهني إليك قاصدا، فقالت: أو ليس في خير وسرور تركته? قال: نعم؛ قالت: وفيم وجهك أبو الخطاب حفظه الله? قال: جعلت فداك، إن ابن أبي ربيعة حملني شعرا وأمرني أن أنشدك إياه؛ قالت: فهاته، قال فأنشدها:
ألمم بزينب إن البين قـد أفـدا قل الثواء لئن كان الرحيل غدا

صفحة : 228

الشعر كله، قالت: فيا ويحه فما كان عليه ألا يرحل في غده فوجهت إلى النسوة فجمعتهن وأنشدتهن الشعر، وقالت للغريض: هل عملت فيه شيئا? قال: قد غنيته ابن أبي ربيعة؛ قالت: فهاته، فغناه الغريض؛ فقالت سكينة: أحسنت والله وأحسن ابن أبي ربيعة، لولا أنك سبقت فغنيته عمر قبلنا لأحسنا جائزتك، يا بنانة، أعطيه بكل بيت ألف درهم، فأخرجت إليه بنانة أربعة آلاف درهم فدفعتها إليه وقالت سكينة: لو زادنا عمر لزدناك.
نسبة هذا الغناء
صوت

ألمم بزينب إن البـين قـد أفـدا قل الثواء لئن كان الرحيل غـدا
قد حلفت ليلة الصورين جاهـدة وما على الحر إلا الصبر مجتهدا
لأختها ولأخرى من مناصفـهـا لقد وجدت به فوق الذي وجـدا
لعمرها ما أراني إن نوى نزحت وهكذا الحب إلا ميتـا كـمـدا عروضه من البسيط. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج، وله فيه لحنان: أحدهما رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، والآخر خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لحن للغريض خفيف ثقيل بالبنصر عن الهشامي وحماد، وذكر عمرو: أنه لمالك، أوله الرابع ثم الأول، ومن الناس من ينسب هذا إلى معبد، وأوله:
يا أم طلحة إن البين قد أفدا وذلك خطأ، اللحن الذي عمله معبد غير هذا هو: صوت

يا أم طلحة إن البـين قـد أفـدا قل الثواء لئن كان الرحيل غـدا
أمسى العراقي لا يدري إذا برزت من ذا تطوف بالأركان أو سجدا عروضه من البسيط. الشعر للأحوص، ويقال: إنه لعمر أيضا. والغناء لمعبد، ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر عن عمرو والهشامي.
غنى عائشة بنت طلحة فأجزلت صلته
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن سلام قال: حجت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله فجاءتها الثريا وأخواتها ونساء أهل مكة القرشيات وغيرهن، وكان الغريض فيمن جاء، فدخل النسوة عليها فأمرت لهن بكسوة وألطاف كانت قد أعدتها لمن يجيئها، فجعلت تخرج كل واحدة ومعها جاريتها ومعها ما أمرت لها به عائشة والغريض بالباب حتى خرج مولياته مع جواريهن الخلع والألطاف؛ فقال الغريض: فأين نصيبي من عائشة? فقلن له: أغفلناك وذهبت عن قلوبنا؛ فقال: ما أنا ببارح من بابها أو آخذ بحظي منها فإنها كريمة بنت كرام، واندفع يغني بشعر جميل:
تذكرت ليلى فالفؤاد عمـيد وشطت نواها فالمزار بعيد فقالت: ويلكم هذا مولى الصلات بالباب يذكر بنفسه هاتوه، فدخل، فلما رأته ضحكت وقالت: لم أعلم بمكانك، ثم دعت له بأشياء أمرت له بها، ثم قالت له: إن أنت غنيتني صوتا في نفسي فلك كذا وكذا شيء سمته له ذهب عن ابن سلام قال: فغناها في شعر كثير:
ومازلت من ليلى لدن طر شارب إلى اليوم أخفي حبهـا وأداجـن
وأحمل في ليلى لقوم ضـغـينة وتحمل في ليلى علي الضغـائن فقالت له: ما عدوت ما في نفسي، ووصلته فأجزلت. قال إسحاق: فقلت لأبي عبد الله: وهل علمت حديث هذين البيتين? ولم سالت الغريض ذلك? قال: نعم.
الشعبي عند مصعب وزوجه عائشة حدثني أبي قال قال الشعبي: دخلت المسجد فإذا أنا بمصعب بن الزبير على سرير جالس والناس عنده، فسلمت ثم ذهبت لأنصرف، فقال لي: ادن، فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه، ثم قال: إذا قمت فاتبعني، فجلس قليلا ثم نهض فتوجه نحو دار موسى بن طلحة فتبعته، فلما طعن في الدارالتفت إلي فقال: ادخل، فدخلت معه ومضى نحو حجرته وتبعته، فالتفت إلي فقال: ادخل، فدخلت معه، فإذا حجلة، وإنها لأول حجلة رأيتها لأمير، فقمت ودخل الحجلة فسمعت حركة، فكرهت الجلوس ولم يأمرني بالانصراف، فإذا جارية قد خرجت فقالت: يا شعبي، إن الأمير يأمرك أن تجلس، فجلست على وسادة ورفع سجف الحجلة، فإذا أنا بمصعب بن الزبير، ورفع السجف الآخر فإذا أنا بعائشة بنت طلحة، قال: فلم أر زوجا قط كان أجمل منهما: مصعب وعائشة، فقال مصعب: يا شعبي، هل تعرف هذه? فقلت: نعم أصلح الله الأمير، قال: ومن هي? قلت: سيدة نساء المسلمين عائشة بنت طلحة؛ قال: لا، ولكن هذه ليلى التي يقول فيها الشاعر:
وما زلت من ليلى لدن طر شاربي

صفحة : 229

وذكر البيتين. ثم قال: إذا شئت فقم، فقمت. فلما كان العشي رحت وإذا هو جالس على سريره في المسجد فسلمت، فلما رآني قال لي: ادن، فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه، فأصغى إلي فقال: هل رأيت مثل ذلك لإنسان قط? قلت: لا والله؛ قال: أفتدري لم أدخلناك? قلت: لا، قال: لتحدث بما رأيت. ثم التفت إلى عبد الله بن أبي فروة فقال: أعطه عشرة آلاف درهم وثلاثين ثوبا، فما انصرف يومئذ أحد بمثل ما انصرفت به، بعشرة آلاف درهم وبمثل كارة القصار ثيابا وبنظرة من عائشة بنت طلحة.
<H6 عائشة بنت طلحة وأزواجها</H6 قال: وكانت عائشة عند عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وكان أبا عذرتها ثم هلك، فتزوجها مصعب فقتل عنها، ثم تزوجها عمر بن عبيد الله بن معمر فبنى بالحيرة، ومهدت له يوم عرسه فرش لم ير مثلها: سبع أذرع في عرض أربع، فانصرف تلك الليلة عن سبع مرات؛ فلقيته مولاة لها حين أصبح فقالت: يا أبا حفص، كملت في كل شيء حتى في هذا. فلما مات ناحت عليه وهي قائمة، ولم تنح على أحد منهم قائمة - وكانت العرب إذا ناحت المرأة قائمة على زوجها علم أنها لا تريد أن تتزوج بعده - فقيل لها: يا عائشة، ما صنعت هذا بأحد من أزواجك قالت: إنه كان فيه خلال ثلاث لم تكن في أحد منهم: كان سيد بني تيم، وكان أقرب القوم بي قرابة، وأردت ألا أتزوج بعده.
وأخبرني بخبر مصعب والشعبي وعائشة أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال أخبرنا محمد بن الحكم عن عوانة قال: خرج مصعب بن الزبير من دار الإمارة يريد دار موسى بن طلحة، فمر بالمسجد فأخذ بيد الشعبي. ثم ذكر باقي الحديث مثله، ولم يذكر شيئا من حديث المغنين. قال ابن عمار: وأخبرني به داود بن جميل بن محمد بن جميل الكاتب عن ابن الأعرابي: قال ابن عمار وأخبرني به أحمد بن الحارث الخزاز عن المدائني أن الشعبي قال: دخلت المسجد وفيه مصعب بن الزبير فاستدناني فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه، فأصغى إلي وقال: إذا قمت فاتبعني. ثم ذكر باقي الحديث أيضا مثل الذي تقدمه.
نسبة هذا الصوت
صوت

وما زلت من ليلى لدن طر شاربي إلى اليوم أخفي حبهـا وأداجـن
وأحمل في ليلى ضغائن معـشـر وتحمل في ليلى علي الضغـائن عروضه من الطويل. والشعر لكثير بن عبد الرحمن. والغناء لمعبد ثقيل أول بالبنصر عن حبش. وفيه لحن للغريض.
كان اذا غنى بشعر لكثير قال أنا سريجي
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: كان الغريض إذا غنى بيتين لكثير قال: أنا السريجي حقا، ولم يكن يقول ذلك في شيء من غنائه وكان من جيد غنائه.
قدم يزيد مكة فغناه الغريض
وقدم يزيد بن عبد الملك مكة فبعث إلى الغريض سرا فأتاه فغناه بهذا اللحن وهو فيهما:
وإني لأرعى قومها من جـلالـهـا وإن أظهروا غشا نصحت لهم جهدي
ولو حاربوا قومي لكنت لقـومـهـا صديقا ولم أحمل على قومها حقدي فأشير إلى الغريض أن اسكت؛ وفطن يزيد فقال: دعوا أبا يزيد حتى يغنيني بما يريد، فأعاد عليه الصوت مرارا، ثم قال: زدني مما عندك فغناه بشعر عمرو بن شأس الأسدي:
فواندمي على الشبـاب ووانـدم ندمت وبان اليوم مني بغير ذم
أردت عرارا بالهوان ومن يرد عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم قال: فطرب يزيد وأمر له بجائزة سنية. قال إسحاق: فحدثت أبا عبد الله هذا الحديث. وقد أخذنا في أحاديث الخلفاء ومن كان منهم يسمع الغناء أيضا، فقال أبو عبد الله: كان قدوم يزيد مكة وبعثته إلى الغريض سرا قبل أن يستخلف، فقلت له: فلم أشير إلى الغريض أن يسكت حين غناه بشعر كثير:
وإني لأرعى قومها من جلالها وما السبب في ذلك? فقال أبو عبد الله: أنا أحدثكه: غضب عاتكة على زوجها عبد الملك
بن مروان احتيال عمر بن بلال على الصلح بينهما


صفحة : 230

حدثني أبي قال: كان عبد الملك بن مروان من أشد الناس حبا لعاتكة امرأته، وهي ابنة يزيد بن معاوية وأمها أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وهي أم يزيد بن عبد الملك، فغضبت مرة على عبد الملك، وكان بينهما باب فحجبته وأغلقت ذلك الباب، فشق غضبها على عبد الملك وشكا إلى رجل من خاصته يقال له: عمر بن بلال الأسدي، فقال له: ما لي عندك إن رضيت? قال: حكمك. فأتى عمر بابها وجعل يتباكى، وأرسل إليها بالسلام، فخرجت إليه حاضنتها ومواليها وجواريها فقلن: ما لك? قال: فزعت إلى عاتكة ورجوتها، فقد علمت مكاني من أمير المؤمنين معاوية ومن أبيها بعده، قلن: ومالك? قال: ابناي لم يكن لي غيرهما فقتل أحدهما صاحبه، فقال أمير المؤمنين: أنا قاتل الآخر به، فقلت: أنا الولي وقد عفوت؛ قال: لا أعود الناس هذه العادة، فرجوت أن ينجي الله ابني هذا على يدها؛ فدخلن عليها فذكرن ذلك لها؛ فقالت: وكيف أصنع مع غضبي عليه وما أظهرت له? قلن إذا والله يقتل، فلم يزلن حتى دعت بثيابها فأجمرتها ثم خرجت نحو الباب، فأقبل حديج الخصي قال أمير المؤمنين: هذه عاتكة قد أقبلت؛ قال: ويلك ما تقول? قال: قد والله طلعت فأقبلت وسلمت فلم يرد عليها، فقالت: أما والله لولا عمر ما جئت، إن أحد ابنيه تعدى على الآخر فقتله فأردت قتل الآخر وهو الولي وقد عفا؛ قال: إني أكره أن أعود الناس هذه العادة؛ قالت: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، فقد عرفت مكانه من أمير المؤمنين معاوية ومن أمير المؤمنين يزيد، وهو ببابي؛ فلم تزل به حتى أخذت برجله فقبلتها؛ فقال: هو لك، ولم يبرحا حتى اصطلحا؛ ثم راح عمر بن بلال إلى عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، كيف رأيت? قال: رأينا أثرك، فهات حاجتك؛ قال: مزرعة بعدتها وما فيها، وألف دينار وفرائض لولدي وأهل بيتي وعيالي؛ قال: ذلك لك. ثم اندفع عبد الملك يتمثل بشعر كثير:
وإني لأرعى قومها من جلالها البيتين؛ فعلمت عاتكة ما أراد. فلما غني يزيد بهذا الشعر كرهته مواليه إذ كان عبد الملك تمثل به في أمه، ولم يكرهه يزيد وقال: لو قيل هذا الشعر فيها ثم غني به لما كان عيبا، فكيف وإنما هو مثل تمثل به أمير المؤمنين في أجمل العالمين رأس ابن الأشعث و عبد الملك
قال أبو عبد الله: وأما خبره فلما غنى بشعر عمرو بن شأس فإن ابن الأشعث لما قتل بعث الحجاج إلى عبد الملك برأسه مع عرار بن عمرو بن شأس، فلما ورد به وأوصل كتاب الحجاج جعل عبد الملك يقرؤه، فكلما شك في شيء سأل عرارا عنه فأخبره، فعجب عبد الملك من بيانه وفصاحته من سواده، فقال متمثلا:
وإن عرارا إن لم يكن غير واضح فإني أحب الجون ذا المنكب العمم فضحك عرار من قوله ضحكا غاظ عبد الملك؛ فقال له: مم ضحكت ويلك قال: أتعرف عرارا يا أمير المؤمنين الذي قيل فيه هذا الشعر? قال: لا؛ قال: فأنا والله هو؛ فضحك عبد الملك وقال: حظ وافق كلمة، ثم أحسن جائزته وسرحه.
قال أبو عبد الله: وإنما أراد الغريض أن يغني يزيد بمتمثلات عبد الملك في الأمور العظام، فلما تبين كراهة مواليه غناءه فيما تمثل به في عاتكة أراد أن يعقبه ما تمثل به في فتح عظيم كان لعبد الملك، فغناه بشعر عمرو بن شأس في عرار.
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء
صوت

وإني لأرعى قومها من جـلالـهـا وإن أظهروا غشا نصحت لهم جهدي
ولو حاربوا قومي لكنت لقـومـهـا صديقا ولم أحمل على قومها حقدي عروضه من الطويل. الشعر لكثير. والغناء للغريض ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر حبش أن فيه لقفا النجار ثاني ثقيل بالوسطى، وفيه لعلويه ثقيل أول.
خرج إليه معبد بمكة وسمع غناءه
وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني إبراهيم عن يونس الكاتب قال حدثني معبد قال: خرجت إلى مكة في طلب لقاء الغريض وقد بلغني حسن غنائه في لحنه:
وما أنس الأشياء لا أنس شادنا بمكة مكحولا أسيلا مدامعه

صفحة : 231

وقد كان بلغني أنه أول لحن صنعه وأن الجن نهته أن يغنيه لأنه فتن طائفة منهم، فانتقلوا عن مكة من أجل حسنه، فلما قدمت مكة سألت عنه فدللت على منزله، فأتيته فقرعت الباب فما كلمني أحد، فسألت بعض الجيران فقلت: هل في الدار أحد? قالوا لي: نعم، فيها الغريض، فقلت: إني قد أكثرت دق الباب، فما أجابني أحد قالوا: إن الغريض هناك، فرجعت فدققت الباب فلم يجبني أحد، فقلت: إن نفعني غنائي يوما نفعني اليوم، فاندفعت فغنيت لحني في شعر جميل:
علقت الهوى منها وليدا فلم يزل إلـى الـيوم ينـمــي ويزيد فوالله ماسمعت حركة الباب، فقلت: بطل سحري وضاع سفري وجئت أطلب ما هو عسير علي، واحتقرت نفسي وقلت: لم يتوهمني لضعف غنائي عنده، فما شعرت إلا بصائح يصيح: يا معبد المغني، افهم وتلق عني شعر جميل الذي تغني فيه يا شقي البخت، وغنى: للغريض ولم تذكر طريقته
صوت

وما أنس من الأشياء لا أنس قولها وقد قربت نضوي أمصر تـريد
ولا قولها لولا العيون التي تـرى أتيتك فاعذرني فـدتـك جـدود
خليلي ما أخفي من الوجد باطـن ودمعي بما قلت الغداة شـهـيد
يقولون جاهد يا جميل بـغـزوة وأي جـهـاد غـيرهـن أريد
لكل حديث عنـدهـن بـشـاشة وكل قتيل بـينـهـن شـهـيد عروضه من الطويل. قال: فلقد سمعت شيئا لم أسمع أحسن منه، وقصر إلي نفسي وعلمت فضيلته علي بما أحس من نفسه، وقلت: إنه لحري بالاستتار من الناس تنزيها لنفسه وتعظيما لقدره، وإن مثله لا يستحق الابتذال، ولا أن تتداوله الرجال، فأردت الانصراف إلى المدينة راجعا، فلما كنت غير بعيد إذا بصائح يصيح بي: يا معبد، انتظر أكلمك، فرجعت، فقال لي: إن الغريض يدعوك؛ فأسرعت فرحا فدنوت من الباب؛ فقال لي: أتحب الدخول? فقلت: وهل إلى ذلك من سبيل? فقرع الباب ففتح، فقال لي: ادخل ولا تطل الجلوس؛ فدخلت فإذا شمس طالعة في بيت، فسلمت فرد السلام، ثم قال: اجلس فجلست، فإذا أنبل الناس وأحسنهم وجها وخلقا وخلقا، فقال: يا معبد، كيف طرأت إلى مكة? فقلت: جعلت فداءك وكيف عرفتني? فقال: بصوتك؛ فقلت: وكيف وأنت لم تسمعه قط قال: لما غنيت عرفتك به وقلت: إن كان معبد في الدنيا فهذا؛ فقلت: جعلت فداءك، فكيف أجبتني بقولك:
وما أنس م الأشياء لا أنس قولها وقد قربت نضوي أمصر تريد فقال: قد علمت أنك تريد أن أسمعك صوتي:
وما أنس م الأشياء لا أنس شادنا بمكة مكحولا أسيلا مدامعـه ولم يكن إلى ذلك سبيل لأنه صوت قد نهيت أن أغنيه فغنيتك هذا الصوت جوابا لما سألت وغنيت، فقلت: والله ما عدوت وما أردت، فهل لك حاجة? فقال لي: يا أبا عباد، لولا ملالة الحديث وثقل إطالة الجلوس لاستكثرت منك، فاعذر؛ فخرجت من عنده، وإنه لأجل الناس عندي، ورجعت إلى المدينة فتحدثت بحديثه وعجبت من فطنته وقيافته، فما رأيت إنسانا إلا وهو أجل منه في عيني.
خبر جميل وبثينة
وتوسيطه رجلا من بني حنظلة في لقائها


صفحة : 232

وذكرت جميلا وبثينة فقلت: ليتني عرفت إنسانا يحدثني بقصة جميل وخبر الشعر فأكون قد أخذت بفضيلة الأمر كله في الغناء والشعر. فسألت عن ذلك فإذا الحديث مشهور، وقيل لي: إن أردت أن تخبر بمشاهدته فأت بني حنظلة، فإن فيهم شيخا منهم يقال له فلان يخبرك الخبر؛ فأتيت الشيخ فسألته فقال: نعم، بينا أنا في إبلي في الربيع إذا أنا برجل منطو على رحله كأنه جان فسلم علي ثم قال: ممن أنت يا عبد الله? فقلت: أحد بني حنظلة؛ قال: فانتسب، فانتسبت حتى بلغت إلى فخذي الذي أنا منه؛ ثم سألني عن بني عذرة أين نزلوا؛ فقلت له: هل ترى ذلك السفح? فإنهم نزلوا من ورائه؛ قال: يا أخا بني حنظلة، هل لك في خير تصطنعه إلي? فوالله لو أعطيتني ما أصبحت تسوق من هذه الإبل ما كنت بأشكر مني لك عليه؛ فقلت نعم، ومن أنت أولا? قال: لا تسألني من أنا ولا أخبرك غير أني رجل بيني وبني هؤلاء القوم ما يكون بين بني العم، فإن رأيت أن تأتيهم فإنك تجد القوم في مجلسهم فتنشدهم بكرة أدماء تجر خفيها غفلا من السمة، فإن ذكروا لك شيئا فذاك، وإلا استأذنتهم في البيوت وقلت: إن المرأة والصبي قد يريان ما لا يرى الرجال، فتنشدهم ولا تدع أحدا تصيبه عينك ولا بيتا من بيوتهم إلا نشدتها فيه؛ فأتيت القوم فإذا هم على جزور يقتسمونها، فسلمت وانتسبت لهم ونشدتهم ضالتي، فلم يذكروا لي شيئا؛ فاستأذنتهم في البيوت وقلت: إن الصبي والمرأة يريان ما لا ترى الرجال، فأذنوا؛ فأتيت أقصاها بيتا ثم استقريتها بيتا بيتا أنشدهم فلا يذكرون شيئا، حتى إذا انتصف النهار وآذاني حر الشمس وعطشت وفرغت من البيوت وذهبت لأنصرف حانت مني التفاتة فإذا بثلاثة أبيات، فقلت: ما عند هؤلاء إلا ما عند غيرهم، ثم قلت لنفسي: سوءة وثق بي رجل وزعم أن حاجته تعدل مالي ثم آتيه فأقول: عجزت عن ثلاثة أبيات فانصرفت عامدا إلى أعظمها بيتا، فإذا هو قد أرخي مؤخرة ومقدمه، فسلمت فرد علي السلام، وذكرت ضالتي، فقالت جارية منهم: يا عبد الله، قد أصبت ضالتك وما أظنك إلا قد اشتد عليك الحر واشتهيت الشراب، قلت: أجل، قالت: ادخل، فدخلت فأتتني بصحفة فيها تمر من تمر هجر، وقدح فيه لبن، والصحفة مصرية مفضضة والقدح مفضض لم أر إناء قط أحسن منه، فقالت: دونك فتجمعت وشربت من اللبن حتى رويت، ثم قلت: يا أمة الله، والله ما أتيت اليوم أكرم منك ولا أحق بالفضل، فهل ذكرت من ضالتي شيئا? فقالت: هل ترى هذه الشجرة فوق الشرف? قلت: نعم؛ قالت: فإن الشمس غربت أمس وهي تطيف حولها ثم حال الليل بيني وبينها؛ فقمت وجزيتها الخير وقلت: والله لقد تغذيت ورويت فخرجت حتى أتيت الشجرة فأطفت بها فوالله ما رأيت من أثر، فأتيت صاحبي فإذا هو متشح في الإبل بكسائه ورافع عقيرته يغني، قلت: السلام عليك؛ قال: وعليك السلام ما وراءك? قلت؛ ما ورائي من شيء؛ قال: لا عليك فأخبرني بما فعلت، فاقتصصت عليه القصة حتى انتهيت إلى ذكر المرأة وأخبرته بالذي صنعت؛ فقال: قد أصبت طلبتك؛ فعجبت من قوله وأنا لم أجد شيئا، ثم سألني عن صفة الإناءين: الصحفة والقدح فوصفتهما له، فتنفس الصعداء وقال: قد أصبت طلبتك ويحك ثم ذكرت له الشجرة وأنها رأتها تطيف بها؛ فقال: حسبك فمكث حتى إذا أوت إبلي إلى مباركها دعوته إلى العشاء فلم يدن منه، وجلس مني بمزجر الكلب، فلما ظن أني قد نمت رمقته فقام إلى عيبة له فاستخرج منها بردين فأتزر بأحدهما وتردى بالآخر، ثم انطلق عامدا نحو الشرجة. واستبطنت الوادي فجعلت أخفي نفسي حتى إذا خفت أن يراني انبطحت، فلم أزل كذلك حتى سبقته إلى شجرات قريب من تلك الشجرة بحيث أسمع كلامهما فاستترت بهن، وإذا صاحبته عند الشجرة، فأقبل حتى كان منها غير بعيد، فقالت: اجلس، فوالله لكأنه لصق بالأرض، فسلم عليها عن حالها أكرم سؤال سمعت به قط وأبعده من كل ريبة، وسألته مثل مسئلته، ثم أمرت جارية معها فقربت إليه طعاما، فلما أكل وفرغ، قالت أنشدني ما قلت، فأنشدها:
علقت الهوى منها وليدا فلم يزل إلى اليوم ينمي حبـهـا ويزيد












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-26-2006, 12:13 AM   المشاركة رقم: 29
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.26 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي


صفحة : 233

فلم يزالا يتحدثان، ما يقولان فحشا ولا هجرا، حتى التفتت التفاتة فنظرت إلى الصبح، فودع كل واحد منهما صاحبه أحسن وداع ما سمعت به قط ثم انصرفا، فقمت فمضيت إلى إبلي فاضطجعت وكل واحد منهما يمشي خطوة ثم يلتفت إلى صاحبه، فجاء بعد ما أصبحنا فرفع برديه ثم قال: يا أخا بني تميم، حتى متى تنام فقمت وتوضأت وصليت وحلبت إبلي وأعانني عليها وهو أظهر الناس سرورا، ثم دعوته إلى الغداء فتغدى، ثم قام إلى عيبته فافتتحها فإذا فيها سلاح وبردان مما كسته الملوك، فأعطاني أحدهما وقال: أما والله لو كان معي شيء ما ذخرته عنك، وحدثني حديثه وانتسب لي، فإذا هو جميل بن معمر والمرأة بثينة، وقال لي: إني قد قلت أبياتا في منصرفي من عندها، فهل لك إن رأيتها أن تنشدها? قلت: نعم فأنشدني:
وما أنس م الأشياء لا أنس قولها وقد قربت نضوي أمصر تريد الأبيات، ثم ودعني وانصرف، فمكثت حتى أخذت الإبل مراتعها، ثم عمدت إلى دهن كان معي فدهنت به رأسي، ثم ارتديت بالبرد وأتيت المرأة فقلت: السلام عليكم، إني جئت أمس طالبا واليوم زائرا، أفتأذنون? قالت: نعم، فسمعت جويرية تقول لها: يا بثينة، عليه والله برد جميل؛ فجعلت أثني على ضيفي وأذكر فضله، وقلت: إنه ذكرك فأحسن الذكر، فهل أنت بارزة لي حتى أنظر إليك? قالت: نعم، فلبست ثيابها ثم برزت ودعت لي بطرف ثم قالت: يا أخا بني تميم، والله ما ثوباك هذان بمشتبهين، ودعت بعيبتها فأخرجت لي ملحفة مروية مشبعة من العصفر، ثم قالت: أقسمت عليك لتقومن إلى كسر البيت ولتخلعن مدرعتك ثم لتأتزرن بهذه الملحفة فهي أشبه ببردك؛ ففعلت ذلك وأخذت مدرعتي بيدي فجعلتها إلى جانبي، وأنشدتها الأبيات فدمعت عيناها، وتحدثتا طويلا من النهار، ثم انصرفت إلى إبلي بملحفة بثينة وبرد جميل ونظرة من بثينة. قال معبد: فجزيت الشيخ خيرا وانصرفت من عنده وأنا والله أحسن الناس حالا بنظرة من الغريض واستماع لغنائه، وعلم بحديث جميل وبثينة فميا غنيت أنا به وفيما غنى به الغريض على حق ذلك وصدقه، فما رأيت ولا سمعت بزوجين قط أحسن من جميل وبثينة، ومن الغريض ومني.
?نسبة هذه الأصوات التي ذكرت في هذا الخبر وهي كلها من قصيدة واحدة.
ومنها: ?صوت

علقت الهوى منها وليدا فـلـم يزل إلى اليوم ينمـي حـبـهـا ويزيد
وأفنيت عمري في انتظاري نوالهـا وأفنت بذاك الدهـر وهـو جـديد
فلا أنا مـردود جـئت طـالـبـا ولا حـبـهـا فـيمـا يبـيد يبـيد
وما أنس م الأشياء لا أنس قولـهـا وقد قربت نضوي أمصـر تـريد
ولا قولها لولا العيون التـي تـرى لزرتك فاعذرني فـدتـك جـدود
إذا قلت ما بي يا بثـينة قـاتـلـي من الحب قـالـت ثـابـت ويزيد
وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به تولت وقالت ذاك مـنـك بـعـيد عروضه من الطويل. الشعر لجميل بن معمر. والغناء لمعبد في الأول والثاني والثالث والسادس والسابع. ولحنه ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وعمرو بن بانة. وذكر عمرو والهشامي أن فيه ثقيلا أول آخر للهذلي، وأن فيه خفيف ثقيل ينسب إلى معبد وإلى الغريض وإلى إبراهيم، أوله: وما أنس م الأشياء . وفي الأربعة الأبيات الأول ثاني ثقيل بالبنصر لابن أبي قباحة. ولإسحاق في الثالث والسادس ثاني ثقيل آخر بالوسطى عن الهشامي. وأول هذه القصيدة فيه غناء أيضا، وهو موصول بأبيات أخر: ?صوت

ألا ليت ريعان الشبـاب جـديد ودهرا تولى يا يا بثـين يعـود
فنغنى كما كنا نكـون وأنـتـم قريب وما قد تبـذلـين زهـيد
ألا ليت شعري هل أبيتن لـيلة بوادي القرى إني إذا لسـعـيد
وهل ألقين سعدى من الدهر ليلة وما رث من حبل الصفاء جديد
فقد تلتقي الأهواء بعد تـفـاوت وقد تطلب الحاجات وهي بعيد في البيتين الأولين خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر، ذكر حبش أنه لإسحاق؛ وليس يشبه أن يكون له. وفي الثالث وما بعده لابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر عن حبش أيضا.
?قال ابن أبي ربيعة في شعر له القريض


صفحة : 234

فغيره الغريض باسمه لما غناه
أخبرني إسماعيل بن يونس إجازة قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان قال حدثني الوليد بن هشام عن محمد بن معن عن خالد بن سلمة المخزومي قال: خرجت مع أعمامي وأنا على نجيب ومعنا شيخ، فلما أسحرنا قال لي أعمامي: انزل عن نجيبك واحمل عليه هذا الشيخ واركب جمله، ففعلت؛ فإذا الشيخ قد أخرج عودا له من غلاف، ثم ضرب به وغنى:
هاج الغريض الذكر لما غدوا فانشمروا فقلت لبعض أصحابنا: من هذا? قال: الغريض.
?نسبة هذا الصوت
?صوت

هاج الغريض الذكر لما غدوا فانشمروا
على بغال شـحـج قد ضمهن السفـر
فيهن هند ليتـنـي ما عمرت أعمـر
حتى إذا ما جاءهـا حتف أتاني القـدر عروضه من الرجز. الذي قال عمر:
هاج القريض الذكر بالقاف، فجعله الغريض لما غنى فيه: الغريض يعني نفسه. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج. ذكر يونس أن له فيه لحنين. وذكر إسحاق أن أحدهما رمل مطلق في مجرى البنصر ولم يذكر الآخر، وذكر الهشامي أن الآخر خفيف رمل. وفيه للغريض ثقيل أول بالبنصر، وقيل: إنه لحن ابن سريج، وإن خفيف الرمل للغريض. وأول هذا الصوت في كتاب يونس:
هاج فؤادي محضر بذي عكاظ مقفـر
حتى إذا ما واونوا ال مروة حين ائتمروا
قيل انزلوا فعرسـوا من ليلكم وانشمروا
وقولها لأخـتـهـا أمطمـئن عـمـر ?الوليد وابن أبي ربيعة والغريض
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال وذكر السعدي: أن الوليد بن عبد الملك قدم مكة، فأراد أن يأتي الطائف، فقال: هل من رجل عالم يخبرني عنها? فقالوا: عمر بن أبي ربيعة؛ قال: لا حاجة لي به، ثم عاد فسأل، فذكروه فأباه، ثم عاد فذكروه فقال: هاتوه، وركب معه فجعل يحدثه، ثم حول عمر رداءه ليصلحه على نفسه، فرأى الوليد على ظهره أثرا، فقال: ما هذا الأثر? قال: كنت عند جارية لي إذ جاءتني جارية برسالة من عند جارية أخرى وجعلت تسارني بها، فغارت التي كنت عندها فعضت منكبي، فما وجدت ألم عضتها من لذة ما كانت تلك تنفث في أذني حتى بلغت ما ترى، والوليد يضحك. فلما رجع عمر قيل له: ما الذي كنت تضحك به أمير المؤمنين? قال: مازلنا في حديث الزنا حتى رجع. وكان قد حمل الغريض معه، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن عندي أجمل الناس وجها وأحسنهم حديثا، فهل لك أن تسمعه? قال: هاته فدعا به فقال: أسمع أمير المؤمنين أحسن شيء قلته، فاندفع يغني بشعر عمر - ومن الناس من يرويه لجميل -: ?صوت

إني لأحفظ سركـم ويسـرنـي لو تعلمين بصالح أن تذكـري
ويكون يوم لا أرى لك مرسـلا أو نلتقي فيه علي كـأشـهـر
يا ليتني ألقى المـنـية بـغـتة إن كان يوم لقائكـم لـم يقـدر
ما كنت والوعد الذي تعدينـنـي إلا كبرق سحابة لم تـمـطـر
تقضى الديون وليس ينجز عاجلا هذا الغريم لنا وليس بمعـسـر - عروضه من الكامل. وذكر حبش أن الغناء للغريض، ولحنه ثقيل أول بالبنصر - قال: فاشتد سرور الوليد بذلك وقال له: يا عمر، هذه رقيتك، ووصله وكساه وقضى حوائجه.
?وصف نصيب لنفسه وللشعراء الثلاثة
جميل وكثير وابن أبي ربيعة
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا الحارث بن محمد عن المدائني عن عوانة قال حدثني رجل من أهل الكوفة قال: قدم نصيب الكوفة، فأرسلني أبي إليه، وكان له صديقا، فقال: أقرئه مني السلام وقل له: إن رأيت أن تهدي لنا شيئا مما قلت فأتيته في يوم جمعة وهو يصلي، فلما فرغ أقرأته السلام وقلت له: فقال قد علم أبوك أني لا أنشد في يوم الجمعة ولكن تلقاني في غيره فأبلغ ما تحب، فلما خرجت وانتهيت إلى الباب رددت إليه؛ فقال: أتروي شيئا من الشعر? قلت نعم؛ قال: فأنشدني، فأنشدته قول جميل:
إني لأحفظ غيبكم ويسرنـي لو تعلمين بصالح أن تذكري

صفحة : 235

الأبيات المتقدمة، فقال نصيب: أمسك أمسك لله دره ما قاله أحد إلا دون ما قال، ولقد نحت للناس مثالا يحتذون عليه. ثم قال: أما أصدقنا في شعره فجميل، وأما أوصفنا لربات الحجال فكثير، وأما أكذبنا فعمر بن أبي ربيعة، وأما أنا فأقول ما أعرف.
?سمع أصوات رهبان فصنع لحنا عليها
وقال هارون بن محمد الزيات حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه: أن الغريض سمع أصوات رهبان بالليل في دير لهم فاستحسنها، فقال له بعض من معه: يا أبا يزيد، صغ على مثل هذا الصوت لحنا؛ فصاغ مثله في لحنه:
يا أم بكر حبك الـبـادي لا تصرميني إنني غادي فما سمع بأحسن منه.
?نسبة هذا الصوت
?صوت

يا أم بكر حبك الـبـادي لا تصرميني إنني غادي
جد الرحيل وحثني صحبي وأريد إمتاعا من الـزاد عروضه من مزاحف الكامل. الشعر لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري. والغناء للغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى. وفيه لابن المكي ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش. وفيه لإبراهيم بن أبي الهيثم هزج.
?إبراهيم بن أبي الهيثم والرجل الناسك
وأخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن أيوب بن عباية عن عمرو بن عقبة - وكان يعرف بابن الماشطة - قال: خرجت أنا وأصحاب لي فيهم إبراهيم بن أبي الهيثم إلى العقيق، ومعنا رجل ناسك كنا نحتشم منه، وكان محموما نائما، وأحببنا أن نسمع من معنا من المغنين ونحن نهابه ونحتشمه، فقلت له: إن فينا رجلا ينشد الشعر فيحسن، ونحن نحب أن نسمعه، ولكنا نهابك؛ قال: فما علي منكم أنا محموم نائم، فاصنعوا ما بدا لكم، فاندفع إبراهيم بن أبي الهيثم فغنى:
يا أم بكر حبك الـبـادي لا تصرميني إنني غادي
جد الرحيل وحثني صحبي وأريد إمتاعا من الـزاد فأجاده وأحسنه. قال: فوثب الناسك فجعل يرقص ويصيح: أريد إمتاعا من الزاد، والله أريد إمتاعا من الزاد، ثم كشف عن أيره وقال: أنا أنيك أم الحمى قال: يقول لي ابن الماشطة: اعتقت ما أملك إن كان ناك أم الحمى أحد قبله.
أخبرني به الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أيوب فذكر الخبر ولم يذكر فيه كشف الناسك عن سوءته وما قاله بعد ذلك.
?هروبه إلى اليمن خوفا من ابن علقمة
وكانت وفاة الغريض في أيام سليمان بن عبد الملك أو عمر بن عبد العزيز لم يتجاوزها. والأشبه أنه مات في خلافة سليمان، لأن الوليد كان ولى نافع بن علقمة مكة فهرب منه الغريض وأقام باليمن واستوطنها مدة ثم مات بها. وأخبرني بخبره الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المسيبي قال أخبرني بعض المخزوميين أيضا بخبره.
وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان: أن نافع بن علقمة لما ولي مكة خافه الغريض - وكان كثيرا ما يطلبه فلم يجئه - فهرب منه واستخفى في بعض منازل إخوانه. قال: فحدثني رجل من اهل مكة كان يخدمه: أنه دفع إليه يوما ربعة له وقال له: صر بها إلى فلان العطار يملؤها لي طيبا، قال: فصرت بها إليه، فلقيني نافع بن علقمة فقال: هذه ربعة الغريض والله فلم أقدر أن أكتمه، فقلت: نعم؛ قال: ما قصته? فأخبرته الخبر؛ فضحك وقال: سر معي إلى المنزل ففعلت، فملأها طيبا وأعطاني دنانير، وقال: أعطه وقل له يظهر فلا بأس عليه؛ فسرت إليه مسرورا فأخبرته بذلك فجزع وقال: الآن ينبغي أن أهرب، إنما هذه حيلة احتالها علي لأقع في يده، ثم خرج من وقته إلى اليمن فكان آخر العهد به.
قال إسحاق فحدثني هذا المخزومي: أن الغريض له صار إلى اليمن وأقام به اجتزنا به بعض أسفارنا؛ قال: فلما رآني بكى؛ فقلت له: ما يبكيك? قال: بأبي أنت وأمي وكيف يطيب لي أن أعيش بين قوم يرونني أحمل عودي فيقولون لي: يا هناه، أتبيع آخرة الرحل فقلت له: فارجع إلى مكة ففيها أهلك، فقال: يابن أخي، إنما كنت أستلذ مكة وأعيش بها مع أبيك ونحوه، وقد أوطنت هذا المكان ولست تاركه ما عشت؛ قلنا له: فغننا بشيء من غنائك فتأبى، ثم أقسمنا عليه فأجاب، وعمدنا إلى شاة فذبحناها وخرطنا من مصرانها أوتارا، فشدها على عوده واندفع فغنى في شعر زهير:
جرى دمعي فهيج لي شجونا فقبلي يستجن به جنـونـا

صفحة : 236

فما سمعنا شيئا أحسن منه؛ فقلنا له: ارجع إلى مكة، فكل من بها يشتاقك. ولم نزل نرغبه في ذلك حتى أجاب إليه. ومضينا لحاجتنا ثم عدنا فوجدناه عليلا، فقلنا: ما قصتك? قال: جاءني منذ ليال قوم، وقد كنت أغني في الليل، فقالوا: غننا؛ فأنكرتهم وخفتهم، فجعلت أغنيهم، فقال لي بعضهم غنني:
لقد حثوا الجمال ليه ربوا منا فلم يئلوا ففعلت، فقام إلي هن منهم أزب فقال لي: أحسنت والله ودق رأسي، حتى سقطت لا أدري أين أنا، فأفقت بعد ثالثة وأنا عليل كما ترى، ولا أراني إلا سأموت. قال: فأقمنا عنده بقية يومنا ومات من غد فدفناه وانصرفنا.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن أبي غسان قال: زعم المكيون أن الغريض خرج إلى بلاد عك فغنى ليلا:
هم ركب لقوا ركبا كما قد تجمع السبل فصاح به صائح: أكفف يا أبا مروان، فقد سفهت حلماءنا، وأصبيت سفهاءنا، قال: فأصبح ميتا.
?رواية أخرى في وفاته أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن الخطاب قال حدثنا رجل من آل أبي قبيل - يقال له محرز - عن أبي قبيل قال: رأيت الغريض، وقال إسحاق في خبره المذكور: حدثني محمد بن سلام عن أبي قبيل - وهو مولى لآل الغريض - قال: شهدت مجمعا لآل الغريض إما عرسا أو ختانا، فقيل له: تغن؛ فقال: هو ابن زانية إن فعل؛ فقال له بعض مواليه: فأنت والله كذلك قال: أو كذلك أنا? قال: نعم، قال: أنت أعلم بي والله ثم أخذ الدف فرمى به وتمشى مشية لم أر أحسن منها، ثم تغنى:
تشرب لون الرازقـي بـياضـه أو الزعفران خالط المسك رادعه فجعل يغنيه مقبلا ومدبرا حتى التوت عنقه وخر صريعا، وما رفعناه إلا ميتا، وظننا أن فالجا عاجله. قال إسحاق وحدثني ابن الكلبي عن أبي مسكين قال: إنما نهته الجن أن يتغنى بهذا الصوت، فلما أغضبه مواليه تغناه فقتلته الجن في ذلك.
?نسبة هذه الأصوات
?صوت
منها
جرى دمعي فهيج لي شجونا فقلبي يستجن به جنـونـا
أأبكي للفراق وكـل حـي سيبكي حين يفتقد القرينـا
فإن تصبح طليحة فارقتنـي ببين فالرزية أن تـبـينـا
فقد بانت بكرهي يوم بانـت مفارقة وكنت بها ضنينـا الشعر لزهير، والغناء للغريض عن حبش. وقيل: إنه لدحمان. وفيه لأبي الورد خفيف رمل بالوسطى عن حبش والهشامي .
انقضت أخبار الغريض.
ومنها: ?صوت من المائة المختارة
في رواية جحظة

لقد حثوا الجمال لـيه ربوا منا فلـم يئلـوا
على آثـارهـن مـق لص السربال معتمل
وفيهم قلبك المـتـبـو ل بالحسناء مختـبـل
مخففة بحمل حـمـا ئل الديباج والحـلـل
أسائل عاصما في السر أين تراهـم نـزلـوا
فقال هم قـريب مـن ك لو نفعوك إذ رحلوا الشعر للحكم بن عبدل الأسدي. والغناء في اللحن المختار للغريض، ولحنه خفيف ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى في الأول والثاني من الأبيات. وذكر الهشامي أن فيهما لحنا لمعبد من الثقيل الأول. وفي الثالث وما بعده من الأبيات لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيها لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى عن حبش. وذكر أحمد بن عبيد أن الذي صح فيه أربعة ألحان: منها لحنان في خفيف الثقيل للغريض ومالك، ولحنان في الرمل لابن سريج ومخارق. وذكر ابن الكلبي أن فيها لعريب رملا ثالثا، وذكر حبش أن فيها لابن سريج خفيف رمل بالبنصر، ولابن مسجح رملا بالبنصر، ولابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر. هذه الألحان كلها في لقد حثوا والذي بعده.

?أخبار الحكم بن عبدل ونسبه
?نسبه ونشأته
هو الحكم بن عبدل بن جبلة بن عمرو بن ثعلبة بن عقال بن بلال بن سعد بن حبال بن نصر بن غاضرة بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة، شاعر مجيد مقدم في طبقته، هجاء خبيث اللسان، من شعراء الدولة الأموية؛ وكان أعرج أحدب. ومنزله ومنشؤه الكوفة.
?كان يكتب بحاجته على عصاه فلا ترد


صفحة : 237

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل قال حدثنا محمد بن إدريس القيسي بواسط قال حدثنا العتبي قال: كان الحكم بن عبدل الأسدي أعرج لا تفارقه العصا، فترك الوقوف بأبواب الملوك، وكن يكتب على عصاه حاجته ويبعث بها مع رسله، فلا يحبس له رسول ولا تؤخر له حاجة؛ فقال في ذلك يحيى بن نوفل:
عصا حكم في الـدار أول داخـل ونحن على الأبواب نقصى ونحجب
وكانت عصا موسى لفرعـون آية وهذي لعمر الله أدهى وأعـجـب
تطاع فلا تعصى ويحذر سخطهـا ويرغب في المرضاة منها وترهب قال: فشاعت هذه الأبيات في الكوفة وضحك الناس منها؛ فكان ابن عبدل بعد ذلك يقول ليحيى: يابن الزانية ما أردت من عصاي حتى صيرتها ضحكة? واجتنب أن يكتب عليها كما كان يفعل، وكاتب الناس بحوائجه في الرقاع.
?حبس هو وأبو علية صاحبه
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني، وأخبرني ابن عمار قال حدثني يعقوب بن نعيم قال حدثنا أبو جعفر القرشي قال: كان للحكم بن عبدل صديق أعمى يقال له أبو علية، وكان ابن عبدل قد أقعد، فخرجا ليلة من منزلهما إلى منزل بعض إخوانهما، والحكم يحمل وأبو علية يقاد، فلقيهما صاحب العسس بالكوفة فأخذهما فحبسهما، فلما استقرا في الحبس نظر الحكم إلى عصا أبي علية موضوعة إلى جانب عصاه، فضحك وأنشأ يقول:
حبسي وحبس أبي عـلـي ة من أعاجيب الـزمـان
أعمـى يقـاد ومـقـعـد لا الرجل منه ولا الـيدان
هذا بـلا بـصـر هـنـا ك وبي يخب الحامـلان
يا من رأى ضب الـفـلا ة قرين حوت في مكـان
طرفي وطلارف أبي علي ة دهرنا مـتـوافـقـان
من يفـتـخـر بـجـواده فجـيادنـا عـكـازتـان
طرفان لا علـفـاهـمـا يشرى ولا يتـصـاولان
هبـنـي وإياه الـحـري ق أكان يسطع بالدخـان قال: وكان اسم أبي علية يحيى، فقال فيه الحكم أيضا:
أقول ليحيى ليلة الحبـس سـادرا ونومي به نوم الأسير الـمـقـيد
أعني على رعي النجوم ولحظهـا أعنك على تحبير شعر مقـصـد
ففي حالتينا عـبـرة وتـفـكـر وأعجب شيء حبس أعمى ومقعد
كلانا إذا العكـاز فـارق كـفـه ينيخ صريعا أو على الوجه يسجد
فعكازة تهدي إلى السبل أكمـهـا وأخرى مقام الرجل قامت مع اليد ?قوله وقد ولي الشرطة والإمارة أعرجان
ولقي سائلا أعرج
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل قال حدثني أحمد بن بكير الأسدي قال حدثني محمد بن أنس السلامي الأسدي عن محمد بن سهل راوية الكميت قال: ولي الشرطة بالكوفة رجل أعرج، ثم ولي الإمارة آخر أعرج، وخرج ابن عبدل وكان أعرج، فلقي سائلا أعرج وقد تعرض للأمير يسأله، فقال ابن عبدل للسائل:
ألق العصا ودع التخامع والتمس عملا فهذي دولة العـرجـان
لأميرنا وأمير شرطتنـا مـعـا يا قومنا لكلـيهـمـا رجـلان
فإذا يكون أمـيرنـا ووزيرنـا وأنا فإن الرابع الـشـيطـان فبلغت أبياته ذلك الأمير فبعث إليه بمائتي درهم وسأله أن يكف عنه. وحدثنيه الأخفش عن عبيد الله اليزيدي عن سليمان بن أبي شيخ عن محمد بن الحكم عن عوانة عن عمر بن عبد العزيز قال: ولي عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الكوفة وضم إليه رجل من الأشعريين يقال له سهل، وكانا جميعا أعرجين. ثم ذكر باقي الحديث مثل حديث يعقوب بن نعيم.
?ابن عبدل وعبد الملك بن بشر
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل عن قعنب بن المحرز الباهلي عن الهيثم الأحمري قال: كانت لابن عبدل الأسدي حاجة إلى عبد الملك بن بشر بن مروان، فجعل يدخل عليه ولا يتهيأت له الكلام، حتى جاءه رجل فقال: إني رأيت لك رؤيا، فقال: هاتها، فقصها عليه؛ فقال ابن عبدل: وأنا قد رأيت أيضا؛ قال: هات ما رأيت؛ فقال:

صفحة : 238


أغفيت قبل الصبح نوم مسهد في ساعة ما كنت قبل أنامها
مخبوتني فيما أرى بـولـيدة مغنوجة حسن علي قيامهـا
وببدرة حملت إلي وبـغـلة شهباء ناجية يصل لجامهـا
ليت المنابر يابن بشر أصبحت ترقى وأنت خطيبها وإمامها فقال له ابن بشر: إذا رأيت هذا في اليقظة أتعرفه? قال: نعم وإنما رأيته قبيل الصبح؛ قال: يا غلام، ادع فلانا، فجاء بوكيله، فقال: هات فلانة فجاءت، فقال: أين هذه مما رأيت? قال: هي هي؛ وإلا فعليه وعليه؛ ثم دعا له ببدرة، فقال: مثل ذلك، وببغلة فركبها وخرج؛ فلقيه قهرمان عبد الملك، قال: أتبيعها? قال: نعم، قال: بكم? قال: بستمائة، قال: هي لك؛ فأعطاه ستمائة، فقال له: أما والله لو أبيت إلا ألفا لأعطيتك؛ قال: إياي تندم لو أبيت إلا ستة لبعتك.
?هجاؤه ابن حسان وقد تزوج قيسية
أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم عن ابن عياش عن لقيط قال: تزوج محمد بن حسان التيمي امرأة من ولد قيس بن عاصم وهي ابنة مقاتل بن طلبة بن قيس، زوجها إياه رجل منهم يقال له زياد، فقال ابن عبدل:
أبـاع زياد سـود الـلـه وجـهـه عقيلة قـوم سـادة بـالـدراهـم
وما كان حسان بن سعد ولا ابـنـه أبو المسك من أكفاء قيس بن عاصم
ولكنه رد الزمان عـلـى اسـتـه وضيع أمر المحصنات الـكـرائم
خذي دية منـه تـكـن لـك عـدة وجيئي إلى باب الأمير فخاصمـي
فلو كنت في روح لما قلت خاصمي ولكنما ألقيت في سـجـن عـارم قال: فلما بلغ أهلها شعره أنفوا من ذلك، فاجتمعوا على محمد بن حسان حتى فارقها. قال: وكان محمد بن حسان عاملا على بعض كور السواد، فسأله ابن عبدل حاجة فرده عنها، فقال فيه هذا الشعر وغيره وهجاه هجاء كثيرا.
أخبرني بهذا الخبر محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أحمد بن بكير الأسدي عن محمد بن بشر السلامي عن محمد بن سهل راوية الكميت، فذكر نحوا مما ذكره عمي وزاد فيه قال: وكانت المرأة التي تزوجها معاذة بنت مقاتل بن طلبة، فلما سمعت ما قال ابن عبدل فيها نشزت على زوجها وهربت إلى أهلها، فتوسطوا ما بينهما وافتديت منه بمال وفارقها.
?مسامرته امرأة تنشد شعره
أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن العمري عن عطاء عن يحيى بن نصر أبي زكريا قال: سمع ابن عبدل الأسدي امرأة وهي تتمشى بالبلاط تتمثل بقوله:
وأعسر أحيانا فتشـتـد عـسـرتـي وأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي فقال لها ابن عبدل - وكان قريبا منها -: يا أخيا، أتعرفين قائل هذا الشعر? قالت: نعم، ابن عبدل الأسدي، قال: أفتثبتينه معرفة? قالت: لا؛ قال: فأنا هو، وأنا الذي أقول:
وأنعظ أحيانا فينـقـد جـلـده وأعذله جهدي فلا ينفع العذل
وأزداد نعظا حين أبصر جارتي فأوثقه كيما يثوب له عـقـل
وربتما لم أدر ما حيلتـي لـه إذا هو آذاني وغر به الجهـل
فآويته في بطن جاري وجارتي مكابرة قدما وإن رغم البعـل فقالت له المرأة: بئس والله الجار للمغيبة أنت، فقال: إي والله، وللتي معها زوجها وأبوها وابنها وأخوها.
?خبر وفوده على ابن هبيرة
أخبرني محمد بن زكريا الصحاف قال حدثنا قعنب بن المحرز الباهلي قال حدثنا الهيثم بن عدي وأخبرني به حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني علي بن الحسن قال حدثني أبو خالد الخزاعي الأسلمي عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: قدم الحكم بن عبدل الشاعر الكوفي واسطا على ابن هبيرة وكان بخيلا، فأقبل حتى وقف بين يديه ثم قال:
أتيتك في أمر من أمر عشيرتي وأعيا الأمور المفظعات جسيمها
فإن قلت لي في حاجتي أنا فاعل فقد ثلجت نفسي وولت همومها

صفحة : 239

قال: أنا فاعل إن اقتصدت، فما حاجتك? قال: غرم لزمني في حمالة؛ قال: وكم هي? قال: أربعة آلاف، قال: نحن مناصفوكها، قال: أصلح الله الأمير، أتخاف علي التخمة إن أتممتها? قال: أكره أن أعود الناس هذه العادة؛ قال: فأعطني جميعها سرا وامنعني جميعها ظاهرا حتى تعود الناس المنع وإلا فالضرر عليك واقع إن عودتهم نصف ما يطلبون؛ فضحك ابن هبيرة وقال: ما عندنا غير ما بذلناه لك؛ فجثا بين يديه وقال: امرأته طالق لا أخذت أقل من أربعة آلاف أو أنصرف وأنا غضبان؛ قال: أعطوه إياها قبحه الله فإنه - ما علمت - حلاف مهين؛ فأخذها وانصرف.
?رثاؤه قوما من بني غاضرة
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا العنزي قال حدثني محمد بن معاوية الأسدي قال حدثني مشايخنا من بني أسد محمد بن أنس وغيره قالوا: لما وقع الطاعون بالكوفة أفنى بني غاضرة ومات فيه بنو زر بن حبيش الناضري صاحب علي بن أبي طالب، وكانوا ظرفاء، وبنو عم لهم، فقال الحكم بن عبدل الغاضري يرثيهم:
أبعد بني زر وبعـد ابـن جـنـدل وعمرو أرجي لذة العيش في خفض
مضوا وبقينا نأمل العيش بـعـدهـم ألا إن من يبقى علىإثر من يمضي
فقد كان حولي من جـياد وسـالـم كهول مساعير وكل فـتـى بـض
يرى الشح عارا والسمـاحة رفـعة أغر كعود البانة الناعـم الـغـض ?هجاؤه ابن حسان لحاجة لم يقضها له
قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب أبي محلم قال: سأل الحكم بن عبدل أخو بني نصر بن قعين محمد بن حسان بن سعد حاجة لرجل سأله مسألته إياها؛ فرده ولم يقضها؛ فقال فيه ابن عبدل:
رأيت محمدا شرها ظلومـا وكنت أراه ذا ورع وقصـد
يقول أمانتي ربي خـداعـا أمات الله حسان بن سـعـد
فلولا كسبه لوجدت فـسـلا لئيم الكسب شأنك شأن عبـد
ركبت إليه في رجل أتانـي كريم يبتغي المعروف عندي
فقلت له وبعض القول نصح ومنه ما أسر لـه وأبـدي
توق دراهم البكـري إنـي أخاف عليك عاقبة التعـدي
أقرب كل آصـرة لـيدنـوا فما يزداد مني غير بـعـد
فأقسم غير مستثـن يمـينـا أبا بخر لتتـخـمـن ردي أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني أحمد بن بكير الأسدي قال حدثني محمد بن أنس السلامي قال حدثني محمد بن سهل الأسدي راوية الكميت: أن الحكم بن عبدل الأسدي أتى محمد بن حسان بن سعد التميمي وكان على خراج الكوفة، فكلمه في رجل من العرب أن يضع عنه ثلاثين درهما من خراجه؛ فقال: أماتني الله إن كنت أقدر أن أضع من خراج أمير المؤمنين شيئا؛ فانصرف ابن عبدل وهو يقول:
دع الثلاثين لا تعرض لصاحبها لا بارك الله في تلك الثلاثينـا
لما علا صوته في الدار مبتكرا كأشتفان يرى قوما يدوسونـا
أحسن فإنك قد أعطيت مملـكة إمارة صرت فيها اليوم مفتونا
لا يعطك الله خيرا مثلها أبـدا أقسمت بالله إلا قلت آمـينـا قال: فلم يضع له شيئا مما على الرجل؛ فقال فيه:
رأيت محمدا شرها ظلـومـا وكنت أراه ذا ورع وقـصـد
يقول أماتني ربـي خـداعـا أمات الله حسان بـن سـعـد
فما صادفت في قحطان مثلـي ولا صادفت مثلك في مـعـد
أقـل بـراعة وأشـد بـخـلا وألأم عند مـسـئلة وحـمـد
نحوت محمـدا ودخـان فـيه كريح الجعر فوق عطين جلد
فأقسم غير مستـثـن يمـينـا أبا بخر لـتـتـخـمـن ردي
فلو كنت المهذب مـن تـمـيم لخفت ملامتي ورجوت حمدي
نكهت علي نـكـهة أخـدري شتيم أعـصـل الأنـياب ورد
فما يدنو إلـى فـمـه ذبـاب ولو طليت مشافره بـقـنـد
فإن أهديت لي من فيك حتفـا فإني كالذي أهديت مـهـدي

صفحة : 240

قال محمد بن سهل: وما زال ابن عبدل يزيد في قصيدته هذه الدالية حتى مات وهي طويلة جدا. قال: واشتهرت حتى إن كان المكاري ليسوق بغله أو حماره فيقول: عد
أمات الله حسان بن سعد فإذا سمع ذلك أبوه قال: بل أمات الله ابني محمدا، فهو عرضني لهذا البلاء في ثلاثين درهما.
?ابن عبدل وأبو المهاجر
أخبرني أحمد بن محمد زكريا الصحاف قال حدثنا قعنب بن محرز قال أخبرنا الهيثم بن عدي قال: دعا أبو المهاجرالحكم بن عبدل ليشرب عنده وله جارية تغني فغنت؛ فقال ابن عبدل:
يا أبا المهاجر قد أردت كرامتي فأهنتني وضررتني لو تعـلـم
عند التي لو مس جلدي جلدهـا يوما بقيت مخـلـدا لا أهـرم
أو كنت في أحمى جهنم بقـعة فرأيتها بردت علي جـهـنـم قال: فجعل أبو المهاجر يضحك ويقول له: ويحك والله لو كان إليها سبيل لوهبتها لك، ولكن لها مني ولد.
?ابن عبدل وعمر بن يزيد الأسدي
أخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخزاز عن المدائني قال: كان عمر بن يزيد الأسدي مبخلا، ووجده أبوه مع أمة له فكان يعير بذلك، وجاءه الحكم بن عبدل الأسدي ومعه جماعة من قومه يسألونه حاجة، فدخلوا إليه وهو يأكل تمرا فلم يدعهم إليه، وذكروا له حاجتهم فلم يقضها؛ فقال فيه ابن عبدل:
جئنا وبين يديه التمر في طبـق فما دعانا أبو حفص ولا كـادا
علا على جسمه ثوبان من دنس لؤم وجبن ولـولا أيره سـادا ?ابن عبدل يقتضي ديون امرأة من الكوفة
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أخبرنا محمد بن الحسن الأحول عن أبي نصر عن الأصمعي قال: كانت امرأة موسرة بالكوفة وكانت لها على الناس ديون بالسواد، فاستعانت بابن عبدل في دينها، وقالت: إني امرأة ليس لي زوج، وجعلت تعرض بأنها تزوجه نفسها؛ فقام ابن عبدل في دينها حتى اقتضاه؛ فلما طالبها بالوفاء كتبت إليه:
سيخطئك الذي حاولت منـي فقطع حبل وصلك من حبالي
كما أخطأك معروف ابن بشر وكنت تعد ذلـك رأس مـال قال: وكان ابن عبدل أتى ابن بشر بالكوفة فسأله؛ فقال له: أخمسمائة أحب إليك الآن عاجلة أم ألف في قابل? قال: ألف في قابل. فلما أتاه قال له: ألف أحب إليك أم ألفان في قابل? قال: ألفان؛ فلم يزل ذلك دأبه حتى مات ابن بشر وما أعطاه شيئا.
?ابن عبدل وعبد الملك بن بشر
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن لقيط قال: دخل ابن عبدل على عبد الملك بن بشر، فقال له: ما أحدثت بعدي? قال: خطبت امرأة من قومي مزقت علي جواب رسالتي ببيتي شعر؛ قال: وما هما? قال: قالت:
سيخطئك الذي حاولت منـي فقطع حبل وصلك من حبالي
كما أخطأك معروف ابن بشر وكنت تعد ذلـك رأس مـال فضحك عبد الملك، ثم قال: لجاد ما أذكرت بنفسك وأمر له بألفي درهم.
?ابن عبدل وبشر بن مروان
أخبرني أبو الحسن الأسدي وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا الحسن بن عليل قال حدثنا محمد بن معاوية الأسدي قال حدثني منجاب بن الحارث قال حدثني عبد الملك بن عفان قال: كان الحكم بن عبدل الأسدي ثم الغاضري صديقا لبشر بن مروان، فرأى منه جفاء لشغل عرض له، فغبر عنه شهرا، ثم التقيا فقال: يابن عبدل، مالك تركتنا وقد كنت لنا زوارا? فقال ابن عبدل:
كنت أثني عليك خيرا فلـمـا أضمر القلب من نوالك ياسـا
كنت ذا منصب قنـيت حـيائي لم أقل غير أن هجرتك باسـا
لم أطق ما أردت بي يابن مروا ن ستلقـى إذا أردت أنـاسـا
يقبلون الخسيس منك ويثـنـو ن ثناء مدخمسا دخـمـاسـا فقال له: لا نسومك الخسيس ولا نريد منك ثناء مدخمسا، ووصله وحمله وكساه.
?ابن عبدل وقد طلبه بن هبيرة للغزو
أخبرني الأسدي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال وحدثني محمد بن معاوية قال حدثني منجاب بن الحارث عن عبد الملك بن عفان قال:

صفحة : 241

أراد عمر بن هبيرة أن يغزي الحكم بن عبدل الغاضري، فاعتل بالزمانة فحمل وألقي بين يديه فجرده فإذا هو أعرج مفلوج، فوضع عنه الغزو وضمه إليه وشخص به معه إلى أواسط؛ فقال الحكم بن عبدل:
لعمري لقد جردتني فوجدتني كثير العيوب سيىء المتجرد
فأعفيتني لما رأيت زمانتـي ووفقت مني للقضاء المسدد فلما صار عمر إلى واسط شكا إليه الحكم بن عبدل الضبعة، فوهب له جارية من جواريه، فواثبها ليلة صارت إليه فنكحها تسعا أو عشرا طلقا، فلما أصبحت قالت له: جعلت فداك من أي الناس أنت? قال: امرؤ من أهل الشام؛ فقالت: بهذا العمل نصرتم.
?أعفاء الحجاج من الغزو
أخبرني بهذا الخبر محمد بن عمران الصيرفي، قال حدثنا الحسن بن عليل قال حدثنا أحمد بن بكير الأسدي عن محمد بن أنس السلامي عن محمد بن سهل راوية الكميت فقال فيه: ضرب الحجاج البعث على المحتلمين ومن أنبت من الصبيان، فكانت المرأة تجيء إلى ابنها وقد جرد فتضمه إليها وتقول له: بأبي جزعا عليه، فسمي ذلك الجيش جيش بأبي، وأحضر ابن عبدل فجرد فوجد أعرج فأعفي؛ فقال في ذلك:
لعمري لقد جردتني فوجدتني البيتين، وزاد معهما ثالثا وهو:
ولست بذي شيخين يلتزمانـه ولكن يتيم ساقط الرجل واليد ?تزوج همدانية ولما كرهها قال
فيها شعرا












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-26-2006, 12:14 AM   المشاركة رقم: 30
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.26 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا العنزي قال حدثنا محمد بن معاوية عن منجاب عن عبد الملك بن عفان قال: تزوج ابن عبدل امرأة من همدان فقالوا له: على كم تزوجت? فقال:
تزوجت همدانية ذات بهجة على نمط عـادية ووسـائد
لعمري لقد غاليت بالمهر إنه كذاك يغالى بالنساء المواجد قال: فلما دخل بها كرهها فقال:
أعاذلتي من لـوم دعـانـي أقلا اللوم إن لم تعـذرانـي
فإني قد دللت على عـجـوز مبرقعة مخصبة الـبـنـان
تغضن جلدها واخـضـر إلا إذا ما ضرجت بالزعفـران
فلما أن دخلت وحادثـتـنـي أظلتـنـي بـيوم أرونـان
تحدثني عن الأزمان حـتـى سمعت نداء حـر بـالأذان
فقالت قد نكحت اثنين شتـى فلما صاحباني طلـقـانـي
وأربعة نكحتهـم فـمـاتـوا فليت عريف حي قد نعانـي
وقالت ما تلادك قلت مالـي حمار ظالـع ومـزادتـان
وبـوري وأربــعة زيوف وثوبا مفلس متـخـرقـان
وقطعة جلة لا تمـر فـيهـا ودنا عومة مـتـقـابـلان
فقالت قد رضيت فسم ألـفـا ليسمع ما تقول الشـاهـدان
وما لك عندنا ألـف عـتـيد ولا تسع تعـد ولا ثـمـان
ولا سبع ولا سـت ولـكـن لكم عندي الطويل من الهوان ?كان منقطعا إلى بشر بن مروان
فلما مات رثاه
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن أبيه ابن الكلبي قال: كان الحكم بن عبدل الأسدي منقطعا إلى بشر بن مروان، وكان يأنس به ويحبه ويستطيبه، وأخرجه معه إلى البصرة لما وليها، فلما مات بشر جزع عليه الحكم وقال يرثيه:
أصبحت جم بلابل الصـدر متعجبا لتصرف الـدهـر
مازلت أطلب في البلاد فتى ليكون لي ذخرا من الذخر
ويكون يسعدني وأسـعـده في كل نائبة مـن الأمـر
حتى إذا ظفـرت يداي بـه جاء القضاء بحينه يجـري
إني لفي هم يبـاكـرنـي منه وهم طـارق يسـري
فلأصبرن ومـا رأيت دوى للهم غير عزيمة الصبـر
والله ما استعظمت فرقتـه حتى أحاط بفضله خبـري ?خروجه مع عمال بني أمية إلى الشأم
وكان يسمر عند عبد الملك فأنشده ليلة شعرا
أخبرني ابن دريد قال حدثني عمي عن أبيه عن ابن الكلبي قال: لما ظفرابن الزبير بالعراق وأخرج عنها عمال بني أمية خرج ابن عبدل معهم إلى الشأم، وكان ممن يدخل إلى عبد الملك ويسمر عنده، فقال لعبد الملك ليلة:

صفحة : 242


يا ليت شعري وليت ربما نفعـت هل ابصرن بني العوام قد شملوا
بالذل والأسر والتشـريد إنـهـم على البرية حتف حيثما نزلـوا
أم هل أراك بأكناف العراق وقد ذلت لعزك أقوام وقد نـكـلـوا فقال عبد الملك - ويروى أنه قائل هذا الشعر -:
إن يمكن الله من قيس ومن جدس ومن جذام ويقتل صاحب الحرم
نضرب جماجم أقوام على حنـق ضربا ينكل عنا سـائر الأمـم ?يزيد بن عمر بن هبيرة وبنت ابن عبدل
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني هارون بن علي بن يحيى المنجم عن أبيه قال حدثني محمد بن عمر الجرجاني عن رجل من بني أسد قال: خرج يزيد بن عمر بن هبيرة يسير بالكوفة فانتهى إلى مسجد بني غاضرة، وأقيمت الصلاة، فنزل يصلي، واجتمع الناس لمكانه في الطريق وأشرف النساء من السطوح، فلما قضى صلاته قال: لمن هذا المسجد? قالوا لبني غاضرة، فتمثل قول الشاعر:
ما إن تركن من الغواضر معصرا إلا فصمن بساقهـا خـلـخـالا فقالت له امرأة من المشرفات:
ولقد عطفن على فزارة عطفة كر المنيح وجلن ثم مـجـالا فقال يزيد: من هذه? فقالوا: بنت الحكم بن عبدل؛ فقال: هل تلد الحية إلا حية وقام خجلا.
?ابن عبدل وصاحب العسس
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن الهيثم قال حدثنا العمري عن عطاء بن مصعب عن عاصم بن الحدثان قال: كان ابن عبدل الأسدي أعرج أحدب، وكان من أطيب الناس وأملحهم، فلقيه صاحب العسس ليلة وهو سكران محمول في محفة؛ فقال له: من أنت? فقال له: يا بغيض، أنت أعرف بي من أن تسألني من أنا، فاذهب إلى شغلك، فإنك تعلم أن اللصوص لا يخرجون بالليل للسرقة محمولين في محفة؛ فضحك الرجل وانصرف عنه.
?ابن عبدل يعرض بابن هبيرة في شعره
أخبرني: هاشم بن محمد قال حدثنا العباس بن ميمون طائع قال حدثني أبو عدنان عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: رأيت ابن عبدل الأسدي وقد دخل على ابن هبيرة، فقال له: أنشدني شيئا فقال: أنشدك مقولة أيها الأمير? قال: هات؛ فأنشده هذه الأبيات - وهي قديمة وقد تمثل بها ابن الأشعث حين خرج، ويروى أنها لأعشى همدان -
نجم ولا نعطى وتعطى جيوشهم وقد ملئوا من مالنا ذا الأكـارع
وقد كلفـونـا عـدة وروائعـا فقد وأبي رعناكـم بـالـروائع
ونحن جلبنا الخيل من ألف فرسخ إليكم بمجمر من الموت ناقـع قال: فغضب ابن هبيرة من تعريضه به، وقال به: والله لولا أني قد أمنتك واستنشدتك لضربت عنقك.
?وولدت له جارية سوداء ولدا
فقال فيه شعرا
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان أبو عبد الله قال حدثنا القاسم بن عبد الرحمن قال: كانت للحكم بن عبدل جارية سوداء، وقد كان يميل إليها فولدت له ابنا أسود، فكان من أعرم الصبيان، فقال فيه:
يا رب خال لك مسود القـفـا لا يشتكي من رجله مس الحفا
كأن عـينـيه إذا تـشـوفـا عينا غراب فوق نيق أشرفـا ?هجا عمر بن يزيد الأسدي لبخله
أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان أبو عبد الله قال حدثنا عبيد الله بن محمد قال حدثنا المدائني قال: كان عمر بن يزيد الأسدي بخيلا على الطعام، فدخل عليه الحكم بن عبدل الشاعر وهو يأكل بطيخا، فسلم فلم يرد عليه السلام ولم يدعه إلى الطعام؛ فقال ابن عبدل يهجوه.

في عمر يزيد خلتـا دنـس بخل وجبن ولولا أيره سـادا
جئناه يأكل بطيخا على طبق فما دعانا أبو حفص ولا كادا قال وكان عمر على شرطة الحجاج وكان بخيلا جدا، فأصابه قولنج فحقنه الطبيب بدهن كثير، فانحل ما في بطنه في الطست، فقال للغلام: ما تصنع به? قال: أصبه؛ قال: لا ولكن ميز منه الدهن واستصبح به.
?ابن عبدل ومحمد ابن عمير
كاتب عبد الملك بن بشر
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا أبو هفان قال:

صفحة : 243

كان لعبد الملك بن بشر بن مروان كاتب يقال له محمد بن عمير وكان كلما مدحه ابن عبدل بشيء وأمر له بجائزة دافعه بها وعارضه فيها، فدخل يوما إلى عبد الملك وكاتبه هذا يساره، فوقف وأنشأ يقول:
ألقيت نفسك في عروض مشقة وحصاد أنفك بالمناجل أهـون
فبحق أمك وهي غير حقـيقة باللين واللطف الذي لا يخزن
لا تدن فاك إلى الأمير ونحـه حتى يداوي نتنه لـك أهـون
إن كان للظربان حجر منـتـن فلحجر أنفك يا محمد أنـتـن ?خطب امرأة فابت
فقال فيها شعرا يعيرها
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني أحمد بن بكير الأسدي عن محمد بن أنس السلامي عن محمد بن سهل راوية الكميت قال: خطب ابن عبدل امرأة من همدان يقال لها: أم رياح فلم تتزوجه، فقال: أما والله لأفضحنك ولأعيرنك فقال:
فلا خير في الفتيان بعد ابن عبدل ولا في الزواني بعـد أم رياح
فأيري بحمد الله ماض مجـرب وأم رياح عرضة لنـكـاحـي ?ولد له ولد سماه بشرا تيمنا ببشر
ابن مروان
قال: فتحاماها الناس فما تزوجت حتى أسنت. وبهذا الإسناد عن محمد بن سهل قال: ولد للحكم بن عبدل ابن فسماه بشرا، ودخل على بشر بن مروان فأنشده:
سميت بشرا ببشر الندى فلا تفضحني بتصداقها
إذا ما قريش البـطـا ح عند تجمع آفاقهـا
تسامت قرومهم للنـدى تباري الرياح بأوراقها
فمالك أنفع أموالـهـا وخلقك أكرم أخلاقها فأمر له بألفي درهم، وقال: استعن بهذه على أمرك.
?عبد الملك بن بشر يقضي دينه وبإسناده عن محمد بن سهل قال: اقترض ابن عبدل مالا من التجار وحلف لهم بالطلاق ثلاثا أن يقضيهم المال عند طلوع الهلال، فلما بقي من الشهر يومان قال:
قد بات همي قرنا أكـابـده كأنما مضجعي على حجـر
من رهبة أن يرى هلال غد فإن رأوه فحق لي حـذري
من فقد بيضاء غادة كملـت كأنها صورة من الـصـور
أصبحت من أهلي الغداة ومن مالي على مثل ليلة الصـدر فبلغ خبره عبد الملك بن بشر فأعطاهم مالهم عليه وأضعفه له؛ فقال فيه:
لما أتاه الـذي أصـبـت بـه وأنشدوه إياه فـي شـعـري
جاد بضعفي ما حل من غرمي عفوا فزالت حرارة الصـدر
لأشكرن الذي مـنـنـت بـه ما دمت حيا وطال لي عمري ?فضله الحجاج في الجائزة على الشعراء
وقال محمد بن سهل بهذا الإسناد: اجتمع الشعراء إلى الحجاج وفيهم ابن عبدل، فقالوا للحجاج: إنما شعر ابن عبدل كله هجاء وشعر سخيف؛ فقال له: قد سمعت قولهم فاستمع مني؛ قال هات فأنشده قوله:
وإني لأستغني فما أبطـر الـغـنـى وأعرض ميسوري لمن يبتغي قرضي
وأعسر أحيانا فتشـتـد عـسـرتـي فأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي حتى انتهى إلى قوله:
ولست بذي وجهين فيمـن عـرفـتـه ولا البخل فاعلم من سمائي ولا أرضي فقال له الحجاج: أحسنت وفضله في الجائزة عليهم بألفي درهم.

?أحد الأصوات المائة المختارة
?صوت من المائة المختارة
أجد بعمـرة غـنـيانـهـا فتهجر أم شأننا شـأنـهـا
فإن تمس شطت بها دارهـا وباح لك اليوم هجرانـهـا
فما روضة من رياض القطا كأن المصابيح حوذانـهـا
بأحسن منـهـا ولا مـزنة دلوح تكشف إدجـانـهـا
وعمرة من سروات النسـا ء تنفح بالمسك أردانـهـا أجد: أستمر. وغنيانها: استغناؤها. أم شأننا شانها: يقول أم هي على ما نحب. وشطت: بعدت، قال ابن الأعرابي: يقال: شطت وشطنت وشسعت وتشسعت وبعدت ونأت وتزحزحت وشطرت؛ قال الشاعر:
لا تتركني فيهم شطيرا ومنه سمي الشاطر. وباح: ظهر؛ ومنه باحة الدار وأنشد:
أتكتم حب سلمى أم تبوح والروضة: موضع فيه نبت وماء مستدير، وكذلك الحديقة. وقوله:
كأن المصابيح حوذانها

صفحة : 244

أراد كأن حوذانها المصابيح فقلب، والعرب تفعل ذلك؛ قال الأعشى:
... كأن الجمر مثل ترابها أراد كأن ترابها مثل الجمر. والمزنة: السحابة. والدلوح: الثقيلة، يقال: مر يدلح بحمله إذا مر به مثقلا. والدجن: إلباس الغيم السحاب برش وندى، يقال: أدجنت السماء؛ وقوله: تكشف إدجانها، إذا انكشف السواد عنها، وذلك أحسن لها، وأراد مزنة بيضاء. والأردان: ما يلي الذراعين جميعا والإبطين من الكمين.
الشعر لقيس بن الخطيم، والغناء لطويس خفيف ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى.

الجزء الثالث

ذكر قيس بن الخطيم وأخباره ونسبه
نسبه
هو قيس بن الخطيم بن عدي بن عمرو بن سود بن ظفر، ويكنى قيس أبا يزيد.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا محمد بن موسى بن حماد، قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: أنشد ابن أبي عتيق قول قيس بن الخطيم:
بين شكول النساء خلقتهـا حذوا فلا جبلة ولا قضف فقال: لولا أن أبا يزيد قال: حذوا ما درى الناس كيف يخشون هذا الموضع أخذه بثأر أبيه وجده
واستعانته في ذلك بخداش بن زهير
وكان أبوه الخطيم قتل وهو صغير، قتله رجل من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج، فلما بلغ قتل قاتل أبيه ونشبت لذلك حروب بين قومه وبين الخزرج وكان سببها.
فأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أخبرني أحمد بن يحيى ثعلب عن أبي الأعرابي عن المفضل قال: كان سبب قتل الخطيم أن رجلا من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج يقال له مالك اغتاله فقتله، وقيس يومئذ صغير، وكان عدي أبو الخطيم أيضا قتل قبله، قتله رجل من عبد القيس، فلما بلغ قيس بن الخطيم وعرف أخبار قومه وموضع ثأره لم يزل يلتمس غرة من قاتل أبيه وجده في المواسم حتى ظفر بقاتل أبيه بيثرب فقتله، وظفر بقاتل جده بذي المجاز، فلما أصابه وجده في ركب عظيم من قومه، ولم يكن معه إلا رهط من الأوس، فخرج حتى أتى حذيفة بن بدار الفزاري، فاستنجده فلم ينجده، فأتى خداش بن زهير فنهض معه ببني عامر حتى أتوا قاتل عدي، فإذا هو واقف على راحلته في السوق، فطعنه قيس بحرية فقتله، ثم استمر. فأراده رهط الرجل، فحالت بنو عامر دونه؛ فقال في ذلك قيس بن الخطيم:
ثأرت عديا والخطيم فلـم أضـع ولاية أشياخ جعـلـت إزاءهـا
ضربت بذي الزجين ربقة مالـك فأبت بنفس قد أصبت شفـاءهـا
وسامحني فيها ابن عمرو بن عامر خداش فأدى نـعـمة وأفـاءهـا
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثـائر لها نفذ لولا الشعـاع أضـاءهـا
ملكت بها كفي فأنهرت فتقـهـا يرى قائم من دونها مـاوراءهـا هذه رواية ابن الأعرابي عن المفضل. وأما ابن الكلبي فإنه ذكر أن رجلا من قريش أخبره عن أبي عبيدة أن محمد بن عمار بن ياسر، وكان عالما بحديث الأنصار، قال:

صفحة : 245

كان من حديث قيس بن الخطيم أن جده عدي بن عمرو قتله رجل من بني عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة يقال له مالك، وقتل أباه الخطيم بن عدي رجل من عبد القيس ممن يسكن هجر؛ وكان قيس يوم قتل أبوه صبيا صغيرا، وقتل الخطيم قبل أن يثأر بأبيه عدي؛ فخشيت أم قيس على ابنها أن يخرج فيطلب بثأر أبيه وجدك، فكان قيس لايشك أن ذلك على ذلك. ونشأ أيدا شديد الساعدين، فنازع يوما فتى من فتيان بني ظفر، فقال له: ومن قاتل أبي وجدي? قال: سل أمك تخبرك? فأخذ السيف ووضع قائمة على الأرض وذبابة بين ثدييه وقال لأمه: أخبريني من قتل أبي وجدي? قالت: ماتا كما يموت الناس وهذان قبراهما بالفناء؛ فقال: والله لتخبرينني من قتلهما أو لأتحاملن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري؛ فقالت: أما جدك فقتله رجل من بني عمرو بن عامر بن ربيعة يقال له مالك، وأما أبوك فقتله رجل من عبد القيس ممن يسكن هجر؛ فقال: والله لأنتهي حتى أقتل قاتل أبي وجدي؛ فقالت: يا بني إن مالكا قاتل جدك من قوم خداش بن زهير، ولأبيك عن خداش نعمة هو لها شاكر، فأته فاستشره في أمرك واستعنه يعنك؛ فخرج قيس من ساعته حتى أتى ناصحه وهو يسقي نخله، فضرب الجرير بالسيف فقطعه، فسقطت الدلو في البئر، وأخذ برأس الجمل فحمل على غرارتين من تمر، وقال: من يكفيني أمر هذه العجوز? )يعني أمه( فإن مت أنفق عليها من هذا الحائط حتى تموت ثم هو له، وإن عشت فمالي عائد إلي وله منه ما شاء أن يأكل من تمره؛ فقال رجل من قومه: أنا له، فأعطاه الحائط ثم خرج يسأل عن خداش بن زهير حتى دل عليه بمر الظهران، فصار إلى خبائه فيم يده، فنزل تحت شجرة يكون تحتها أضيافه، ثم نادى امرأة خداش: هل من طعام? فأطلعت إليه فأعجبها جماله، وكان من أحسن الناس وجها؛ فقالت: والله ما عندنا من نزل نرضاه لك إلا تمرا؛ فقال: لا أبالي، فأخرجي ما كان عندك؛ فأرسلت إليه بقباع فيه تمر، فأخذ منه تمرة فأكل شقها ورد شقها الباقي في القباع، ثم أمر بالقباع فأدخل على امرأة خداش بن زهير، ثم ذهب لبعض حاجاته. ورجع خداش فأخبرته امرأته خبر قيس، فقال: هذا رجل متحرم. وأقبل قيس راجعا وهو مع امرأته يأكل رطبا؛ فلما رأى خداش رجله وهو على بعيره قال لامرأته: هذا ضيفك? قالت: نعم؛ قال: كأن قدمه قدم الخطيم صديقي اليثربي؛ فلما منه قرع طنب البيت بسنان رمحه واستأذن، فأذن له خداش فدخل إليه، فنسبه فانتسب وأخبره بالذي جاء له، وسأله أن يعينه وأن يشير عليه في أمره؛ فرحب به خداش وذكر نعمة أبيه عنده، وقال: إن هذا الأمر مازلت أتوقعه منك منذ حين. فأما قاتل جدك فهو ابن عم لي وأنا أعينك عليه، فإذا اجتمعا في نادينا جلست إلى جنبه وتحدثت معه، فإذا ضربت فخذه فثب إليه فاقتله. فقال قيس: فأقبلت معه نحوه حتى قمت على رأسه لما جالسه خداش، فحين ضرب فخذه فثب إليه فاقتله. فقال قيس: فأقبلت معه نحوه حتى قمت على رأسه لما جالسه خداش، فحين ضرب فخذه ضربت رأسه بسيف يقال له: ذو الخرصين، فثار إلي القوم ليقتلوني، فحال خداش بينهم وبيني وقال: دعوه فإنه والله ما قتل إلا قاتل جده. ثم دعا خداش بجمل من إبله فركبه، وانطلق مع قيس إلى العبدي الذي قتل أباه، حتى إذا كانا قريبا من هجر أشار عليه خداش أن ينطلق حتى يسأل عن قاتل أبيه، فإذا دل عليه قال له: إن لصا من لصوص قومك عارضني فأخذ متاعا لي، فسألت من سيد قومه فدللت عليك، فانطلق معي حتى تأخذ متاعي منه؛ فإن اتبعك وحده فستنال ما تريد منه، وإن أخرج معه غيره فاضحك، فإن سألك مم ضحكت فقل: إن الشريف عندنا لايصنع كما صنعت إذا دعي إلى اللص من قومه، إنما يخرج وحده بسوطه دون سيفه، فإذا رآه اللص أعطى كل شيء أخذ هيبة له، فإن أمر أصحابه بالرجوع فسبيل ذلك، وإن أبى إلا أن يمضوا معه فأتني به، فإني أرجو أن تقتله وتقتل أصحابه. ونزل خداش تحت ظل شجرة، وخرج قيس حتى أتى العبدي فقال له ما أمره خداش فاحفظه، فأمر أصحابه فرجعوا ومضى مع قيس، فلما طلع على خداش، قال له: اختر يا قيس إما أن أعينك وإما أن أكفيك؛ قال: لا أريد واحدة منهما، ولكن إن قتلني فلا يفلتنك؛ ثم ثار إليه فطعنه قيس بالحربة في خاصرته فأنفذها من الجانب الآخر فمات مكانه، فلما فرغ منه قال له خداش: إنا إن قررنا الآن طلبنا قومه، ولكن ادخل بنا مكانا قريبا من مقتله، فإن

صفحة : 246

قومه لا يظنون أنك قتلته وأقمت قريبا منه، ولكنهم إذا افتقدوه اقتفوا أثره، فإذا وجدوه قتيلا، فخرجوا يطلبونهما في كل وجه ثم رجعوا، فكان من أمرهم ما قال خداش. وأقاما مكانهما أياما ثم خرجا، فلم يتكلما حتى لآتيا منزل خداش، ففارقه عنده قيس بن الخطيم ورجع الى أهله. ففي ذلك يقول قيس:ه لا يظنون أنك قتلته وأقمت قريبا منه، ولكنهم إذا افتقدوه اقتفوا أثره، فإذا وجدوه قتيلا، فخرجوا يطلبونهما في كل وجه ثم رجعوا، فكان من أمرهم ما قال خداش. وأقاما مكانهما أياما ثم خرجا، فلم يتكلما حتى لآتيا منزل خداش، ففارقه عنده قيس بن الخطيم ورجع الى أهله. ففي ذلك يقول قيس:
تذكر ليلى حسنهـا وصـفـاءهـا وبانت فما إن يستطيع لـقـاءهـا
ومثلك قد أصبيت ليسـت بـكـنة ولاجارة أفضت إلي خـبـاءهـا
إذا ما اصطبحت أربعا خط مئزري وأتبعت دلوي في السماح رشاءها
ثأرت عديا والخطيم فـلـم أضـع وصية أشياخ جعـلـت إزاءهـا وهي قصيدة طويلة.
استنشد رسول الله شعره وأعجب بشجاعته
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن اسرائيل قال حدثنا زكريا بن يحيى المنقري قال حدثنا زياد بن بيان العقيلي قال حدثنا أبو خولة الأنصاري عن أنس بن مالك قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس ليس فيه إلا خزرجي ثم استنشدهم قصيدة قيس بن الخطيم، يعني قوله:
أتعرف رسما كاطراد المذاهب لعمرة وحشا غير موقف راكب فأنشده بعضهم إياها، فلما بلغ إلى قوله:
أجالدهم يوم الحديقة حـاسـرا كأن يدي بالسيف مخراق لاعب فالتفت إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل كان كما ذكر ؛ فشهد له ثابت بن قيس بن شماس وقال له: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد خرج إلينا يوم سابع عرسه عليه غلالة وملحفة مورسة فجالدنا كما ذكر. هكذا في هذه الرواية.
وقد أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال: لم تكن بينهم في هذه الأيام حروب إلا في يوم بعاث فإنه كان عظيما، وإنما كانوا يخرجون فيترامون بالحجارة ويتضاربون بالخشب.
قال الزبير وأنشدت محمد بن فضالة قول قيس بن الخطيم:
أجالدهم يوم الحديقة حـاسـرا كأن يدي بالسيف مخراق لاعب فضحك وقال: ما اقتتلوا يومئذ إلا بالرطائب والسعف قال أبو الفرج: وهذه القصيدة التي استنشدهم إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم من جيد شعر قيس بن الخطيم، ومما أنشده نابغة بني دبيان فاستحسنه وفضله وقدمه من أجله.
أنشد النابغة من شعره فاستجاده أخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار قال قال أبو غزية قال حسان بن ثابت: قدم النابغة المدينة فدخل السوق فنزل عن راحلته، ثم جثا على ركبتيه، ثم اعتمد على عصاه، ثم أنشأ يقول:
عرفت منازلا بعريتنـات فأعلى الجزع للحي المبن فقلت: هلك الشيخ ورأيته قد تبع قافية منكرة. قال ويقال: إنه قالها في موضعه، فما زال ينشد حتى أتى على آخرها، ثم قال: ألا رجل ينشد? فتقدم قيس بن الخطيم فجلس بين يديه وأنشده: أتعرف رسما كاطراد المذاهب حتى فرغ منه؛ فقال: أنت أشعر الناس يابن أخي. قال حسان: فدخلني منه، وإني في ذلك لأجد القوة في نفسي عليهما، ثم تقدمت فجلست بين يديه؛ فقال: أنشد فو الله إنك لشاعر قبل أن تتكلم، قال: وكان يعرفني قبل ذلك، فأنشدته؛ فقال أنت أشعر الناس. قال الحسن بن موسى: وقالت الأوس: لم يزد قيس بن الخطيم النابغة على: أتعرف رسما كاطراد المذاهب -نصف البيت-حتى قال أنت أشعر الناس صفاته الجثمانية
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير قال قال سليمان بن داود المجمعي: كان قيس بن الخطيم مقرون الحاجبين أدعج العينين أحمر الشفتين براق الثنايا كأن بينهما برقا، ما رأته حليلة رجل قط إلا ذهب عقلها.
أمر حسان الخنساء بهجوه فأبت


صفحة : 247

أخبرني الحسن قال حدثنا محمد قال حدثنا الزبير قال حدثني حسن بن موسى عن سليمان بن داود المجمعي قال: قال حسان بن ثابت للخنساء: أهجي قيس بن الخطيم؛ فقالت: لا أهجو أحدا أبدا حتى أراه. قال: فجاءته يوما فوجدته في مشرقة ملتفا في كساء له، فنخسته برجلها وقالت: قم، فقام؛ فقالت: أدبر، فأدبر؛ ثم قالت: أقبل، فأقبل. قال: والله لكأنها تعترض عبدا تشتريه، ثم عاد إلى حاله نائما؛ فقالت: والله لا أهجو هذا أبدا.
عرض عليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم الإسلام فاستنظره حتى يقدم المدينة:
قال الزبير وحدثني عمي مصعب قال: كانت عند قيس بن الخطيم حواء بنت يزيد بن سنان بن كريز بن زعوراء فأسلمت، وكانت تكتم قيس بن الخطيم إسلامها، فلما قدم قيس مكة عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، فاستنظره قيس حتى يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، فاستنظره قيس حتى يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجتنب زوجته حواء بنت يزيد، وأوصاه بها خيرا، وقال له: إنها قد أسلمت؛ ففعل قيس وحفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ رسول صلى الله عليه وسلم؛ فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: وفي الأديعج قال أبو الفرج وأحسب هذا غلطا من مصعب، وأن صاحب هذه القصة قيس بن شماس، وأما قيس بن الخطيم فقتل قبل الهجرة.
قتله الخزرج بعد هدأة الحرب بينهم وبين الأوس: أخبرني علي بن سليمان الأخفش النحوي عن أبي سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل: أن حرب الأوس والخزرج لما هدأت، تذكرت الخزرج قيس بن الخطيم ونكايته فيهم، فتوامروا وتواعدو قتله؛ فخرج عشية من منزله في ملاءتين يريد مالا له بالشوط حتى مر بأطم بني حارثة، فرمي من الأطم بثلاثة أسهم، فوقع أحدها في صدره، فصاح صيحة سمعها رهطه، فجاؤوا فحملوه الى منزله، فلم يروا له كفئا إلا أبا صعصعة يزيد بن عوف بن مدرك النجاري، فاندس إليه رجل حتى اغتاله في منزله، فضرب عنقه واشتمل على رأسه، فأتى به قسا وهو بآخر رمق، فألقاه بين يديه وقال: يا قيس قد أدركت بثأرك؛ فقال: عضعضت بأير أبيك إن كان غير أبي صعصعة فقال: هو أبو صعصعة، وأراه الرأس فلم يلبث قيس بعد ذلك أن مات.
مهاجاته حسان بن ثابت
وهذا الشعر أعني: )أجد بعمرة غنيانها( فيما قيل يقوله قيس بن عمرة بنت رواحة، وقيل: بل قاله في عمرة: امرأة كانت لحسان بن ثابت، وهي عمرة بنت صامد بن خالد. وكان حسان ذكر ليلى بنت الخطيم في شعره، فكافأه قيس بذلك، وكان هذا في حربهم التي يقال لها يوم الربيع.
فأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال أخبرنا الزبير قال حدثني مصعب قال: مر حسان بن ثابت بليلى بنت الخطيم-وقيس بن الخطيم أخوها بمكة حين خرجوا يطلبون الحلف في قريش- فقال لها حسان: اظعني فالحقي بالحي فقد ظعنوا، وليت شعري ما خلفك وما شأنك: أقل ناصرك أم راث رافدك? فلم تكلمه وشتمه نساؤها؛ فذكرها في شعره في يوم الربيع الذي يقول فيه:
لقد هاج نفسك أشجانهـا وعاودها اليوم أديانـهـا
تذكرت ليلى وأني بـهـا إذا قطعت منك أقرانهـا
وحجل في الدار غربانهـا وخف من الدار سكانهـا
وغيرها معصرات الرياح وسح الجنوب وتهتانـهـا
مهاة من العين تمشي بها وتتبعها ثم غـزلانـهـا
وقفت عليها فساءلتـهـا وقد ظعن الحي: ما شأنها
فعيت وجاوبني دونـهـا بما راع قلبي أعوانـهـا وهي طويلة. فأجابه قيس بن الخطيم بهذه القصيدة التي أولها: )أجد بعمرة غنيانها(، وفخر فيها بيوم الربيع وكان لهم فقال:
ونحن الفوارس يوم الربي ع قد علموا كيف فرسانها
حسان الوجوه حداد السـيو ف يبتدر المجد شبانـهـا وهي أيضا طويلة.
غنت عزة الميلاء النعمان بن بشير بشعره


صفحة : 248

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرنا الأصمعي قال حدثني عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان عن أبي السائب المخزومي، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال ذكر لي عن جعفر بن محرز السدوسي، قالوا: دخل النعمان بن بشير الأنصاري المدينة أيام يزيد بن معاوية وابن الزبير، فقال: والله لقد أخفقت أذناي من الغناء فأسمعوني؛ فقيل له: لو وجهت إلى عزة فإنها من قد عرفت قال: إي ولارب البيت، إنها لمن يزيد النفس طيبا والعقل شحذا ابعثوا إليها عن رسالتي، فإن أبت صرنا إليها؛ فقال له بعض القوم: إن النقلة تشتد عليها لثقل بدنها وما بالمدينة دابة تحملها؛ فقال النعمان: وأين النجائب عليها الهوادج فوجه إليها بنجيب فذكرت علة، فلما عاد الرسول الى النعمان قال لجليسه أنت كنت أخبر بها، قوموا بنا؛ فقام هو مع خواص أصحابه حتى طرقوها، فأذنت وأكرمت واعتذرت، فقبل النعمان عذرها وقال: غنيني فغنته:
أجد بعمرة غنيانهـا فتهجر أم شأننا شأنها فأشير إليها أنها أمة فسكتت؛ فقال: غنيني فو الله ما ذكرت إلا كرما وطيبا لا تغنيني سائر اليوم غير؛ فلم تزل تغنيه هذا اللحن فقط حتى انصرف.
وتذاكروا هذا الحديث عند الهيثم بن عدي، فقال: ألا أزيدكم فيه طريفة قلنا بلى يا أبا الرحمن؛ قال قال لقيط: كنت عند سعيد الزبيري قال سمعت عامرا الشعبي يقول: اشتاق النعمان بن بشير إلى الغناء فصار إلى منزل عزة، فلما انصرف إذا امرأة بالباب منتظرة له، فلما خرج شكت إليه كثرة غشيان زوجها إياها، فقال لها النعمان بن بشير: لأقضين بينكما بقضية لاترد علي، قد أحل الله له من النساء مثنى وثلاث ورباع، فله امرأتان بالنهار وامرأتان بالليل. فهذا يدل على أن المعنية بهذا الشعر عمرة بنت رواحة وأما ما ذكر أنه عني عمرة امرأة حسان بن ثابت، فأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار عن عمه: أن قيس بن الخطيم لما ذكر حسان أخته ليلى في شعره ذكر امرأته عمرة، وهي التي يقول فيها حسان: أزمعت عمرة صرما فابتكر حسان بن ثابت وزوجة عمرة بنت الصامت وما قاله فيها من الشعر بعد طلاقها: أخبرني الحسن قال حدثنا أحمد قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب قال: تزوج حسان عمرة بنت الصامت بن خالد بن عطية الأوسية ثم إحدى بني عمرو بن عوف
فكان كل واحد منهما معجبا بصاحبه، وإن الأوس أجاروا مخلد بن الصامت الساعدي فقال في ذلك أبو قيس بن الأسلت:
أجرت مخلدا ودفعت عنه وعند الله صالح ما أتيت فتكلم حسان في أمره بكلام أغضب عمرة، فعيرته بأخواله وفخرت عليه بالأوس؛ فغضب لهم فطلقها، فأصابها من ذلك ندم وشدة؛ وندم هو بعد فقال: صوت
أزمعت عمرة صرما فابتكر إنما يدهن للقلب الحصـر
لا يكن حبك حبا ظـاهـرا ليس هذا منك يا عمر بسر
سألت حسان من أخـوالـه إنما يسأل بالشيء الغمـر
قلت أخوالي بنوكـعـب إذا أسلم الأبطال عورات الدبر يريد يدهن القلب، فأدخل اللم زائدة للضرورة. عمر: ترخيم عمرة. والسر: الخالص الحسن. غنت في هذه الأبيات عزة الميلاء ثاني ثقيل بالبنصر من رواية حبش.
وتمام القصيدة:
رب خال لي لـو أبـصـرتـه سبط المشية في اليوم الخصـر
عند هذا البـاب إذ سـاكـنـه كل وجه حسن النـقـبة حـر
يوقد النـار إذا مـا أطـفـئت يعمل القدر بأثبـاج الـجـزر
من يغر الـدهـر أو يأمـنـه من قبيل بعد عمرو وحـجـر
ملكا من جبل الـثـلـج إلـى جانبي أيلة من عـبـد وحـر
ثم كانا خير من نـال الـنـدى سبقا الناس بـإقـسـاط وبـر
فارسي خيل إذا ما أمسـكـت ربة الخدر بأطراف السـتـر
أتـيا فـارس فـي دارهــم فتناهوا بعد إعـصـار بـقـر
ثم نادوا يالغـسـان اصـبـروا إنه يوم مصـالـيت صـبـر
اجعلوا معقلـهـا أيمـانـكـم بالصفيح المصطفى غير الفطر
بضـراب تـأذن الـجـن لـه وطعان مثل أفـواه الـفـقـر

صفحة : 249


ولقد يعلـم مـن حـاربـنـا أننا ننفع قـدمـا ونـضـر
صبر للموت إن حـل بـنـا صادقوا البأس غطاريف فخر
وأقام العز فينـا والـغـنـى فلنا فيه على الناس الكـبـر
منهم أصلي فمن يفخـر بـه يعرف الناس بفخر المفتخـر
نحن أهل العز والمجد مـعـا غير أنكاس ولا ميل عسـر
فاسألوا عنا وعن أفعـالـنـا كل قوم عندهم علم الخـبـر قال الزبير فحدثني عمي قال: ثم إن حسان بن ثابت مر يوما بنسوة فيهن عمرة بعد ما طلقها، فأعرضت عنه وقالت لامرأة منهن: إذا حاذاك هذا الرجل فاسأليه من هو وانسبيه وانسبي أخواله وهي متعرضة له، فلما حاذاهن سألته من هو ونسبته فانتسب لها، فقالت: فمن أخوالك? فأخبرها، فبصقت عن شمالها وأعرضت عنه؛ فحدد النظر إليها وعجب من فعلها وجعل ينظر إليها، فبصر بامرأته وهي تضحك فعرفها الأمر وعلم أن الأمر من قبلها أتى، فقال في ذلك:
قالت له يوما تـخـاطـبـه ريا الروادف غادة الصلـب
أما المروءة والـوسـامة أو حشم الرجال فقد بدا، حسبي
فوددت أنك لو تـخـبـرنـا من والداك ومنصب الشعـب
فضحكت ثم رفعت متصـلا صوتي كرفع المنطق الشغب
جدي أبـو لـيلـى ووالــده عمرو وأخوالي بنو كـعـب
وأنا مـن الـقـوم الـذين إذا أزم الشتاء بحلقة الـجـدب
أعطى ذوو الأموال معسرهم والضاربين بموطن الرعـب قال مصعب: وأبو ليلى الذي عناه حسان: حرام بن عمرو بن زيد مناة
ومما فيه صنعة من المائة المختارة
من شعر قيس بن الخطيم:
صوت

حوراء ممكورة منـعـمة كأنما شف وجهها نـزف
تنام عن كبر شأنهـا فـإذا قامت رويدا تكاد تنقصف
أوحش من بعد خلة سرف فالمنحنى فالعقيق فالجرف
الشعر لقيس بن الخطيم سوى البيت الثالث.
والغناء لقفا النجار
ولحنه المختار ثاني ثقيل، هكذا ذكر يحيى بن علي في الاختيار الواثقي. وهو في كتاب إسحاق لقفا النجار ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر ولعله غير هذا اللحن المختار.
الحرب بين مالك بن العجلان وبني عمر بن عوف وسبب ذلك: سبب قول قيس لهذا الشعر


صفحة : 250

وهذا الشعر يقوله قيس بن الخطيم في حرب كانت بينهم وبين بني جحجبى وبني خطمة، ولم يشهدها قيس ولا كانت في عصره، وإنما أجاب عن ذكرها شاعرا منهم يقال له: درهم بن يزيد. قال أبو المنهال عتيبة بن المنهال: بعث رجل من غطفان من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان إلى يثرب بفرس وحلة مع رجل من غطفان وقال: ادفعهما إلى أعز أهل يثرب-قال وقيل: إن الباعث بهما عبد يا ليل بن عمرو الثقفي. قال وقيل: بل الباعث بهما علقمة بن علاثة - فجاء الرسول بهما حتى ورد سوق بني قنيقاع فقال ما أمر به، فوثب إليه رجل من غطفان كان جارا لمالك بن العجلان الخزرجي يقال له كعب الثعلبي، فقال: مالك بن العجلان أعز أهل يثرب؛ وقام رجل آخر فقال: بل أحيحة بن الجلاح أعز أهل يثرب، وكثر الكلام؛ فقيل لرسول الغطفاني قول الثعلبي الذي كان جارا لمالك بن العجلان ودفعهما إلى مالك؛ فقال كعب الثعلبي: ألم أقل لكم: إن حليفي أعزكم وأفضلكم ? فغضب رجل من بني عمرو بن عوف يقال له سمير فرصد الثعلبي حتى قتله، فأخبر مالك بذلك، فأرسل إلى بني عوف بن عمرو بن مالك بن الأوس: إنكم قتلته بنو جحجبى: إنما قتلته بنو زيد؛ ثم أرسلوا إلى مالك: إنه قد كان في السوق التي قتل فيها صاحبكم ناس كثير، ولا يدري أيهم قتله؛ وأمر مالك أهل تلك السوق أن يتفرقوا، فلم يبق فيها غير سمير وكعب، فأرسل مالك إلى بني عمرو بن عوف بالذي بلغه من ذلك وقال: إنما قتله سمير، فأرسلوا به إلي أقتله؛ فأرسلوا إليه: إنه ليس لك أن تقتل سميرا بغير بينة؛ وكثرت الرسل بينهم في ذلك: يسألهم مالك أن يعطوه سميرا ويأبون أن يعطوه إياه. ثم إن بني عمرو بن عوف كرهوا أن ينسبوا بينهم وبين مالك حربا، فأرسلوا إليه يعرضون عليه الدية فقبلها؛ فأرسلوا إليه: إن صاحبكم حليف وليس لكم فيه إلا نصف الدية، فغضب مالك وأبى أن يأخذ فيه إلا الدية كاملة أو يقتل سميرا؛ فأبت بنو عمرو بن عوف أن يعطوه إلا دية الحليف وهي نصف الدية، ثم يأخذ فيه إلا الدية كاملة أو يقتل سميرا؛ فأبت بنو عمرو بن عوف أن يعطوه إلا دية الحليف وهي نصف الدية، ثم دهوه أن يحكم بينهم وبينه عمرو بن امرئ القيس أحد بني الحارث بن الخزرج وهو جد عبد الله بن رواحة ففعل؛ فانطلقوا حتى جاءوه في بني الحارث بن الخزرج، فقضى على مالك بن العجلان أنه ليس له في حليفة إلا دية الحليف، وأبى مالك أن يرضى بذلك وآذن بني عمرو بن عوف بالحرب، واستنصر قبائل الخزرج، فأبت بنو الحارث بن الخزرج أن تنصره غضبا حين رد قضاء عمرو بن امرئ القيس؛ فقال مالك بن العجلان يذكر خذلان بني الحارث بن الخزرج له وحدب يني عمرو بن عوف على سمير، ويحرض بني النجار على نصرته:
إن سميرا أرى عـشـيرتـه قد حدبوا دونه وقد أنـفـوا
إن يكن الظن صادقا ببني الن جار لا يطعموا الذي علفـوا
لا يسلمونا لمـعـشـر أبـدا مادام منا ببطنـهـا شـرف
لكن موالي قـد بـدا لـهـم رأي سوى ما لدي أو ضعفوا يقال: علفوا الضيم إذ أقروا به، أي ظني أنهم لا يقبلون الضيم صوت

بين بني جحجبى وبـين بـنـي زيد فأنى لجـاري الـتـلـف
يمشون في البيض والدروع كما تمشي جمال مصاعب قطـف
كما تمشي الأسود في رهج ال موت إليه وكلـهـم لـهـف غنى في هذه الأبيات معبد خفيف ثقيل عن إسحاق، وذكر الهشامي أن فيه لحنا من الثقيل الأول للغريض وقال درهم بن يزيد بن ضبيعة أخو سمير في ذلك:
يقوم لا تقتلوا سـمـيرا فـإ ن القتل فيه البوار والأسـف
إن تقتلوه ترن نـسـوتـكـم على كريم ويفزع السـلـف
إني لعمر الذي يحج له الـن اس ومن دون بيتـه سـرف
يمين بر باللـه مـجـتـهـد يحلف إن كان ينفع الحلـف
لا نرفع العبد فوق سـنـتـه مادام منا ببطنـهـا شـرف
إنك لاق غدا غـواة بـنـي عمي فانظر ما أنت مزدهف
فأبدأ سيماك يعرفوك كـمـا يبدون سيماهم فتـعـتـرف

صفحة : 251

معنى قوله فأبد سيماك : أن مالك بن العجلان كان إذا شهد الحرب يغير لباسه ويتنكر لئلا يعرف فيقصد وقال درهم بن يزيد في ذلك:
يا مال لا تبغين ظلامتـنـا يامال إنا معـاشـر أنـف
يا مال والحق إن قنعت بـه فيه وفينا لأمرنا نـصـف
إن بجيرا عبد فخذ ثـمـنـا فالحق يوفى به ويعتـرف
ثم اعلمن إن أردت ضيم بني زيد فإني ومن له الحلـف
لأصبحن داركم بذي لجـب جون له من أمامه عـزف
البيض حصن لهم إذا فزعوا وسابغات كأنها النـطـف
والبيض قد ثلمت مضاربها بها نفوس الكماة تختطـف
كأنها في الأكف إذ لمعـت وميض برق يبدر وينكسف وقال قيس بن الخطيم الظفري أحد بني النبيت في ذلك، ولم يدركه وإنما قاله بعد هذه الحرب بزمان، ونم هذه القصيدة الصوت المذكور:
رد الخليط الجمال فانصرفوا ماذا عليهم لو أنهم وقـفـوا
لو وقفوا ساعة نسـائلـهـم ريث يضحي جماله السلف
فيهم لعوب العشاء آنـسة ال دل عروب يسوءها الخلـف
بين شكول النساء خلقتـهـا قصد فلا جبلة ولاقـضـف
تنام عن كبر شأنـهـا فـإذا قامت رويدا تكاد تنـغـرف
تغترف الطرف وهي لاهية كأنما شف وجههـا نـزف
حوراء جيداء يستضاء بـهـا كأنها خوط بـانة قـصـف
قضى لها الله حين صورهاال خالق أن لا يكنهـا سـدف
خوذ يغث الحديث ماصمتـت وهو بفيها ذو لـذة طـرف
تخزنه وهو مشتهى حـسـن وهو إذا ما تكلمـت أنـف وهي طويلة يقول فيها:
أبلغ بني جحجبى وإخوتهـم زيدا بأنـا وراءهـم أنـف
إنا وإن قل نصرنـا لـهـم أكبادنا من ورائهم تـجـف
لما بدت نحونا جبـاهـهـم حنت إلينا الأرحام والصحف
نفلي بحد الصفيح هامـهـم وفلينا هامهم بهـا جـنـف
يتبع آثارها إذا اختـلـجـت سخن عبيط عروقه تكـف
إن بني عمنا طغوا وبـغـوا ولج منهم في قومهم سرف فرد عليه حسان بن ثابت ولم يدرك ذلك
ما بال عينيك دمعـهـا يكـف من ذكر خود شطت بها قذف
بانت بها غـربة تـؤم بـهـا أرضا سوانا والشكل مختلـف
ما كنت أدري بوشك بـينـهـم حتى رأيت الحدوج تنـقـذف
دع ذا وعد القريض في نفـر يرجون مدحي ومدحي الشرف
إن تدع قومي للمجد تلـفـهـم أهل فعال يبدو إذا وصـفـوا
إن سميرا عبد طغى سـفـهـا ساعده أعبد لـهـم نـطـف اليهود والأوس والخزرج قال: ثم أرسل مالك بن العجلان إلى بني عمرو بن عوف يؤذنهم بالحرب، ويعدهم يوما يلتقون فيه، وأمر قومه فتهيؤا للحرب، وتحاشد الحيان وجمع بعضهم لبعض. وكانت يهود قد حالفت قبائل الأوس والخزرج، إلا بني قريظة وبني النضير فإنهم لم يحالفوا أحدا منهم، حتى كان هذا الجمع، فأرسلت إليهم الأوس والخزرج، كل يدعوهم إلى نفسه، فأجابوا الأوس وحالفوهم، والتي حالفت قريظة والنضير من الأوس أوس الله وهي خطمة وواقف وأمية ووائل، فهذه قبائل أوس الله. ثم زحف مالك بمن معه من الخزرج، وزحفت الأوس بمن معها من حلفائها من قريظة و النضير، فالتقوا بفضاء كان بين بئر سالم وقباء، وكان أول يوم التقوا فيه، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انصرفوا وهم منتصفون جميعا، ثم التقوا مرة أخرى عند أطم بني قنيقاع، فاقتتلوا حتى حجز الليل بينهم، وكان الظفر يومئذ للأوس على الخزرج، فقال أبو قيس بن الأسلت في ذلك:
لقد رأيت بني عمرو فما وهنـوا عند اللقاء وما هموا بتـكـذيب
ألا فدى لهم أمـي ومـا ولـدت غداة بمشون إرقال المصاعـيب
بكل سلهـبة كـالأيم مـاضـية وكل أبيض ماضي الحد مخشوب

صفحة : 252

أصل المخشوب: الحديث الطبع، ثم صار كل مصقول مخشوبا؛ فشبهها الحية في انسلالها قال: فلبث الأوس والخزرج متحاربين عشرين سنة في أمر سمير يتعاودون القتال في تلك السنين، وكانت لهم فيها أيام ومواطن لم تحفظ، فلما رأت الأوس طول الشر وأن مالكا لاينوع، قال لهم سويد بن صامت الأوسي- وكان يقال له الكامل في الجاهلية، وكان الرجل عند العرب إذا كان شاعرا شجاعا كاتبا سابحا راميا سموه الكامل، وكان سويد أحد الكملة: يا قوم، أرضوا هذا الرجل من حليفه، ولا تقيموا على حرب إخوتكم فيقتل بعضكم بعضا ويطمع فيكم غيركم، وإن حملتم على أنفسكم بعض الحمل. فأرسلت الأوس إلى مالك بن العجلان يدعونه إلى أن بحكم بينه وبينهم ثابت بن المنذر بن حرام أبو حسان بن ثابت، فأجابهم إلى ذلك، فخرجوا حتى أتوا ثابت بن المنذر، وهو في البئر التي يقال لها سميحة، فقالوا: إنا قد حكمناك بيننا؛ فقال: لا حاجة لي في ذلك؛ قالوا: ولم? قال: أخاف أن تردوا حكمي كما رددت حكم عمرو بن امرئ القيس؛ قالوا: فإنا لانرد حكمك فاحكم بيننا؛ قال: لا أحكم بينكم حتى تعطوني موثقا وعهدا لترضون بحكمي وما قضيت به ولتسلمن له؛ فأعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، فحكم بأن يودى حليف مالك دية الصريح ثم تكون السنة فيهم بعده على ما كانت عليه؛ الصريح على ديته والحليف على ديته، وأن تعد القتلى الذين أصاب بعضهم من بعض في حربهم ثم يكون بعض ببعض ثم يعطوا الدية جار مالك معونة لإخوتهم، و على بني عمرو بن عوف نصفها؛ فرأت بنو عمرو بن عوف أنهم لم يخرجوا إلا الذي كان عليهم، ورأى مالك أنه قد أدرك ما كان يطلب، وودي جاره دية الصريح. ويقال: بل الحاكم المنذر أبو ثابت.

ذكر طويس وأخباره
اسمه وكنيته
طويس لقب غلب عليه، واسمه عيسى بن عبد الله، وكنيته أبو عبد المنعم وغيرها المخنثون فجعلوها أبا عبد النعيم، وهو مولى بني مخزوم. وقد حدثني جحظة عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن الواقدي عن ابن أبي الزناد: قال سعد بن أبي وقاص: كني طويس أبا عبد المنعم.
أول من غنى بالعربية في المدينة
وألقى الخنث بها:
أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المسيبي ومحمد بن سلام الجمحي، وعن الواقدي ابن أبي الزناد؛ وعن المدائني عن زيد بن أسلم عن أبيه، وعن ابن الكلبي عن أبيه وعن أبي مسكين.
قالوا: أول من غنى بالعربي بالمدينة طويس، وهو أول من ألقى الخنث بها، وكان طويلا أحول يكنى أبا المنعم، مولى بني مخزوم، وكان لا يضرب بالعود. إنما كان ينقر بالدف، وكان ظريفا عالما بأمر المدينة وأنساب أهلها، وكان يتقى للسانه.
شؤمه
قالوا: وسئل عن مولده فذكر أنه ولد يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفطم يوم مات أبو بكر، وخثن يوم قتل عمر، وزوج يوم قتل عثمان، وولد له ولد يوم قتل علي رضوان الله عليهم أجمعين. قال وقيل: إنه ولد له ولد يوم مات الحسن بن علي عليه السلام. قال: وكانت أمي تمشي بين نساء الأنصار بالنميمة. قالوا: وأول غناء غناه وهزج به: صوت

كيف يأتي من بـعـيد وهو يخفيه القـريب
نازح بالشـأم عـنـا وهو مكسال هـيوب
قد يراني الحب حتـى كدت من وجدي أذوب الغناء لطويس هزج بالبنصر.
بعض ما روي عن شؤمه قال إسحاق: أخبرني الهيثم بن عدي قال قال صالح بن حسان الأنصاري أنبأني أبي قال: اجتمع يوماجماعة بالمدينة يتذاكرون أمر المدينة إلى أن ذكروا طويسا، فقالوا: كان وكان؛ فقال رجل منا: أما لو شاهدتموه لرأيتم ما تسرون به علما وظرفا وحسن غناء وجودة نقر الدف، ويضحك كل ثكلى حرى؛ فقال بعض القوم: والله إنه على ذلك كان مشؤوما؛ وذكر خبر ميلاده كما قال الواقدي، إلا أنه قال: ولد يوم مات نبينا صلى الله عليه وسلم، وفطم يوم مات صديقنا، وختن يوم قتل فاروقنا، وزوج يوم قتل نورنا، وولد له يوم قتل أخو نبينا؛ وكان مع ذلك مخنثا يكيدنا ويطلب عثراتنا؛ وكان مفرطا في طوله مضطربا في خلقه أحول. فقال رجل من جلة أهل المجلس: لئن كان كما قلت لقد كان ممتعا فهما يحسن رعاية من حفظ له حق المجالسة، ورعاية حرمة الخدمة، وكان لا يحمل قول من لا يرعى له بعض ما يرعاه له.
كان يحب قريشا ويحبونه:

صفحة : 253

ولقد كان معظما لمواليه بني مخزوم
ومن والاهم من سائر قريش، ومسالما لمن عاداهم دون التحكيك به؛ وما يلام من قال بعلم وتكلم على فهم، والظالم الملوم، والبادئ أظلم. فقال رجل آخر: لئن كان ما قلت لقد رأيت قريشا يكتنفونه ويحدقون به ويحبون مجالسته وينصتون إلى حديثه ويتمنون غناءه، وما وضعه شيء إلا خنثه ولولا ذلك ما بقي رجل من قريش والأنصار وغيرهم إلا أدناه.
أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال حدثني إسماعيل بن جامع عن سياط قال: كان أول من تغنى بالمدينة غناء يدخل في الإيقاع طويس، وكان مولده يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفطامه في اليوم الذي نوفي فيه أبو بكر، وختانه في اليوم الذي قتل فيه عمر، وبناؤه بأهله في اليوم الذي قتل فيه عثمان، وولد له يوم قتل علي رضوان الله عليهم أجمعين، وولد وهو ذاهب العين اليمنى.
كان يلقب بالذائب وسبب ذلك
وكان يلقب بالذائب، وإنما لقب بذلك لأنه غنى:
قد يراني الحب حتـى كدت من وجدي أذوب أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه قال أخبرني ابن الكلبي عن أبي مسكين قال:
مروان بن الحكم والنغاشي المخنث: كان بالمدينة مخنث يقال له النغاشي، فقيل لمروان بن الحكم: إنه لا يقرأ من كتاب الله شيئا، فبعث إليه يومئذ، وهو على المدينة، فاستقرأه أم الكتاب؛ فقال: والله ما معي بناتها، أو ما أقرأ البنات فكيف أقرأ أمهن فقال: أتهزأ لا أم لك فأمر به فقتل في موضع يقال له بطحان، وقال: من جاءني بمخنث فله عشرة دنانير.
طلبه مروان في المخنثين
ففر منه حتى مات:
فأتي طويس وهو في بني الحارث بن الخزرج من المدينة، وهو يغني بشعر حسان بن ثابت:
لقد هاج نفسك أشجانهـا وعاودها اليوم أديانـهـا
تذكرت هندا وماذكرهـا وقد قطعت منك أقرانها
وقفت عليها فساءلتـهـا وقد ظعن الحي ما شأنها
فصدت وجاوب من دونها بما أوجع القلب أعوانها فأخبر بمقالة مروان فيهم؛ فقال: أما فضلني الأمير عليهم بفضل حتى جعل في وفيهم أمرا واحدا ثم خرج حتى نزل السويداء- على ليلتين من المدينة في طريق الشأم-فلم يزل بها عمره، وعمر حتى مات في ولاية بن الوليد بن عبد الملك.
هيت المخنث وبادية بنت غيلان
قال إسحاق وأخبرني ابن الكلبي قال أخبرني خالد بن سعيد عن أبيه وعوانة قالا: قال هيت المخنث لعبد الله بن أبي أمية: إن فتح الله عليكم الطائف فسل النبي صلى الله عليه وسلم بادية بنت غيلان بن سلمة بن معتب، فإنها هيفاء شموع نجلاء، إن تكلمت تغنت، وإن قامت تثنت، تقبل بأربع وتدبر بثمان، مع ثغر كأنه الأقحوان، وبين رجليها كالإناء المكفوء، كما قال قيس بن الخطيم:
تغترق الطرف وهي لاهية كأنما شف وجهها نـزف
بين شكول النساء خلقتهـا قصد فلا جبلة ولاقضـف فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد غلغلت النظر ياعدو الله ، ثم جلاه عن المدينة إلى الحمى. قال هشام: وأول ما اتخذت النعوش من أجلها. قال: فلما فتحت الطائف تزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له بريهة. فلم يزل هيت بذلك المكان حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه كلم فيه فأبى أن يرده؛ فلما ولي عمر رضي الله عنه كلم فيه فأبى أن يرده وقال: إن رأيته لأضربن عنقه؛ فلما ولي عثمان رضي الله عنه كلم فيه فأبى أن يرده؛ فقيل له: قد كبر وضعف واحتاج؛ فأذن له أن يدخل كل جمعة فيسأل ويرجع إلى مكانه. وكان هيت مولى لعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، وكان طويس له؛ فمن ثم قيل الخنث.
وجلس يوما فغنى في مجلس فيه ولد لعبد الله بن أبي أمية:
تغترق الطرف وهي لاهية إلى أخر البيتين؛ فأشير إلى طويس أن اسكت؛ فقال: والله ما قيل هذان البيتان في ابنة غيلان بن سلمة وإنما هذا مثل ضربة هيت في أم بريهة؛ ثم التفت إلى ابن عبد الله فقال: يابن الطاهر، أوجدت علي في نفسك? أقسم بالله قسما حقا لاأغني بهذا الشعر أبدا.
ضافه عبد الله بن جعفر فأكرمه وغناه


صفحة : 254

قال إسحاق وحدثنا أبو الحسن الباهلي الراوية عن بعض أهل المدينة، وحدثنا الهيثم بن عدي والمدائني، قالوا: كان عبد الله بن جعفر معه إخوان له في عشية من عشايا الربيع، فراحت عليهم المساء بمطر جود فأسأل كل شيء؛ فقال عبد الله: هل لكم في العقيق?-وهو منتزه أهل المدينة في أيام الربيع والمطر-فركبوا دوابهم ثم انتهوا إليه فوقفوا على شاطئه وهو يرمي بالزبد مثل مد الفرات، فإنهم لينظرون إذ هاجت السماء، فقال عبد الله لأصحابه ليس معنا جنة نستجن بها وهذه سماء خليقة أن تبل ثيابنا، فهل لكم في منزل طويس فإنه قريب منا فنستكن فيه ويحدثنا ويضحكنا? وطويس في النظارة يسمع كلام عبد الله بن جعفر؛ فقال له عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: جعلت فداءك وما تريد من طويس عليه غضب الله: مخنث شائن لمن عرفه؛ فقال له عبد الله: لا تقل ذلك، فإنه مليح خفيف لنا فيه أنس؛ فلما استوفى طويس كلامهم تعجل إلى منزله فقال لامرأته: ويحك قد جاءنا عبد الله بن جعفر سيد الناس، فما عندك? قالت: نذبح هذه العناق، وكانت عندها عنيقة قد ربتها باللبن، واختبز خبزا رقاقا؛ فبادر فذبحها وعجنت هي. ثم خرج فتلقاه مقبلا إليه؛ فقال له طويس: بأبي أنت وأمي؛ هذا المط، فهل لك في المنزل فتستكن فيه إلى أن تكف السماء? قال: إياك أريد؛ قال: فامض ياسيدي على بركة الله، وجاء يمشي بين يديه حتى نزلوا، فتحدثوا حتى أدرك الطعام، فقال: بأبي أنت وأمي، تكرمني إذ دخلت منزلي بأن تتعشى عندي؛ قال: هات ما عندك؛ فجاءه بعناق سمينة ورقاق، فأكل وأكل القوم حتى تملئوا، فأعجبه طيب طعامه، فلما غسلوا أيديهم قال: بأبي أنت وأمي، أتمشى معك وأغنيك? قال: افعل ياطويس؛ فأخذ ملحفة فأتزر بها وأرخى بها ذنبين، ثم أخذ المربع فتمشى وأنشأ يغني:
يا خليلي نابني سهـدي لم تنم عيني ولم تـكـد
كيف تلحوني على رجل آنس تلـتـذه كـبـدي
مثل ضوء البدر طلعته ليس بالزميلة النـكـد فطرب القوم وقالوا أحسنت والله ياطويس. ثم قال: يا سيدي، أتدري لمن هذا الشعر? قال: لا والله، ما أدري لمن هو، إلا أن سمعت شعرا حسنا؛ قال: هو لفارعة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت وهي تتعشق عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي وتقول فيه هذا الشعر؛ فنكس القوم رؤوسهم، وضرب عبد الرحمن برأسه على صدره، فلو شقت الأرض له لدخل فيها.
خبره مع سعيد بن عبد الرحمن قال وحدثني ابن الكلبي والمدائني عن جعفر بن محرز قال: خرج عمر بن عبد العزيز، وهو على المدينة، إلى السويداء وخرج الناس معه، وقد أخذت المنازل، فلحق بهم يزيد بن بكر بن دأب الليثي وسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري، فلقيهما طويس فقال لهما: بأبي أنتما وأمي عرجا إلى منزلي؛ فقال يزيد لسعيد: مل بنا مع أبي عبد النعيم؛ فقال سعيد: أين تذهب مع هذا المخنث فقال يزيد: إنما هو منزل ساعة فمالا، واحتمل طويس الكلام على سعيد، فأتيا منزله فإذا هو قد نصحه ونصعه، فأتاهما بفاكهة من فاكهة الماء؛ ثم قال سعيد: لو أسمعتنا يا أبا عبد النعيم فتناول خريطة فاستخرج منها دفا ثم نقره وقال:
يا خليلي نابني سهـدي لم تنم عيني ولم تـكـد
فشاربي ماأسـيغ ومـا أشتكي ما بي إلى أحد
كيف تلحوني على رجل آنس تلـتـذه كـبـدي
مثل ضوء البدر صورته ليس بالزميلة النـكـد
من نبي آل المغـيرة لا خامل نكس ولاجـحـد
نظرت يوما فلا نظرت بعده عيني إلـى أحـد ثم ضرب بالدف الأرض، فقال سعيد: ما رأيت كاليوم قط شعرا أجود ولاغناء أحسن كمه؛ فقال له طويس: يا بن الحسام، أتدري من يقوله? قال: لا؛ قال: قالته عمتك خولة بنت تشبب بعمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي؛ فخرج سعيد وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط مثل ما استقبلني به هذا المخنث والله لايفلتني فقال يزيد: دع هذا وأمته ولا ترفع به رأسا. قال أبو الفرج الأصبهاني: هذه الأبيات، فيما ذكر الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار، لابن زهير المخنث مدح ابن سريج غناءه
قال إسحاق وحدثني الهيثم بن عدي عن ابن عياش، وابن الكلبي عن أبي مسكين، قالا:

صفحة : 255

قدم ابن سريج المدينة فغناهم، فاستظرف الناس غناءه وآثروه على كل غنى؛ وطلع عليهم طويس فسمعهم وهم يقولون ذلك، فاستخرج دفا من حضنه ثم نقر به وغناهم بشعر عمارة بن الوليد المخزومي في خولة بنت ثابت، عارضها بقصيدتها فيه:
يا خليلي فيكـم وجـدي وصدع حبكم كـبـدي
فقلبي مسعـر حـزنـا بذات الخال في الخـد
فما لاقى أخو عـشـق عشير العشر من جهدي فأقبل عليهم ابن سريج فقال: والله هذا أحسن الناس غناء أخبرني وكيع محمد بن خلف قال حدثنا إسماعيل بن مجمع قال حدثني المدائني قال: قدم ابن سريج المدينة فجلس يوما في جماعة وهم يقولون: أنت والله أحسن الناس غناء، إذ مر بهم طويس فسمعهم وما يقولون: فاستل دفه من حضنه ونقره وتغنى:
إن المجنـبة الـتـي مرت بنا قبل الصباح
في حـلة مـوشـية مكية غرثى الوشـاح
زين لمشهد قطرهـم وتزينهم يوم الأضاحي -الشعر لابن زهير المخنث. والغناء لطويس هزج، أخبرنا بذلك الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار-فقال ابن سريج: هذا والله أحسن الناس غناء لا أنا.
تبع جارية فزجرته ثم تغنى بشعر
قال إسحاق حدثني المدائني قال: حدثت أن طويسا تبع جارية فراوغته فلم ينقطع عنها، فخبت في المشي فلم ينقطع عنها؛ فلما جازت بمجلس وقفت ثم قالت: يا هؤلاء، لي صديق ولي زوج ومولى ينكحني، فسلوا هذا ما يريد مني فقال أضيق ما قد وسعوه. ثم جعل يتغنى:
أفق يا قلب عن جمـل وجمل قطعت حبـلـي
أفق عنها فقـد عـنـي ت حولا في هوى جمل
وكيف يفيق مـحـزون بجمل هائم الـعـقـل
براه الحب في جـمـل فحسبي الحب من ثقـل
وحسبي فيك ما ألـقـى من التفنـيد والـعـذل
وقدما لامـنـي فـيهـا فلم أحفل بهم أهـلـي حديث طويس والرجل المسحور
قال إسحاق وقال المدائني قال مسلمة بن محارب حدثني رجل من أصحابنا قال: خرجنا في سفرة ومعنا رجل، فانتهينا إلى واد فدعونا بالغداء، فمد الرجل يده إلى الطعام فلم يقدر عليه، وهو قبل ذلك يأكل معنا في كل منزل، فخرجنا نسأل عن حاله فلقينا رجلا طويلا أحول الخلق في زي الأعراب، فقال لنا: مالكم? فأنكرنا سؤاله لنا، فأخبرنا خبر الرجل؛ فقال: ما اسم صاحبكم? فقلنا: أسيد؛ فقال: هذا واد قد أخذت سباعه فارحلوا، فلو قد جاوزتم الوادي استمر صاحبكم وأكل. قلنا في أنفسنا: هذا من الجن، ودخلتنا فزعة؛ ففهم ذلك وقال: ليفرخ روعكم فأنا طويس. قال له بعض من معنا من بني غفار أو من بني عبس: مرحبا بك يا أبا عبد النعيم، ما هذا الزي فقال: دعاني بعض أودائي من الأعراب فخرجت إليهم وأحببت أن أتخطى الأحياء فلا ينكروني. فسألت الرجل أن يغنينا؛ فاندفع ونقر بدف كان معه مربع، فلقد تخيل لي أن الوادي ينطق معه حسنا، وتعجبنا من علمه وما أخبرنا به من أمر صاحبنا.
وكان الذي غنى به شعر عروة بن الورد في سلمى امرأته الغفارية حيث رهنها على الشراب:
سقوني الخمر ثم تكنـفـونـي عداة اللـه مـن كـذب وزور
وقالوا لست بعد فداء سلـمـى بمفن مـا لـديك ولا فـقـير
فلا والله لو مـلـكـت أمـري ومن لي بالتدبر فـي الأمـور
إذا لعصيتهم في حب سلـمـى على ما كان من حسك الصدور
فيا للناس كيف غلبـت أمـري على شيء ويكرهه ضمـيري قصة عروة وامرأته سلمى الغفارية
قال إسحاق وحدثني الواقدي قال حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال:

صفحة : 256

لما غزا النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير وأجلاهم عن المدينة خرجوا يريدون خيبر يضربون بدفوف ويزمرون بالمزامير وعلى النساء المعصفرات وحلي الذهب مظهرين لذلك تجلدا، ومرت في الظعن يومئذ سلمى امرأة عروة بن الورد العبسي ، وكان عروة حليفا في بني عمرو بن عوف، وكانت سلمى من بني غفار، فسباها عروة من قومها وكانت ذات جمال فولدت له أولادا وكان شديد الحب لها وكان ولده يعيرون بأمهم ويسمون بني الأخيذة- أي السبية - فقالت: ألا ترى ولدك يعيرون? قال: فماذا ترين? قالت: أرى أن تردني إلى قومي حتى يكونوا هم الذين يزوجونك فأنعم لها، فأرسلت إلى قومها أن ألقوه بالخمر ثم اتركوه حتى يسكر ويثمل فإنه لا يسأل حينئذ شيئا إلا أعطاه؛ فلقوه وقد نزل في بني النضير فسقوه الخمر، فلما سكر سألوه سلمى فردها عليهم ثم أنكحوه بعد. إلا أعطاه؛ فلقوه وقد نزل في بني النضير فسقوه الخمر، فلما انتشى منعوه ولاشيء معه إلا هي فرهنها، ولم يزل يشرب حتى غلقت؛ فلمنا قال لها: انطلقي قالت: لا سبيل إلى ذلك، قد أغلقتني. فبهذا صارت عند بني النضير. فقال في ذلك:
سقوني الخمر ثم تكنفوني عداة الله من كذب وزور هذه الأبيات مشهورة بأن لطويس فيها غناء ، وما وجدته في شيء من الكتب مجنسا فتذكر طريقته.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-26-2006, 12:15 AM   المشاركة رقم: 31
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.26 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

كان يغري بين الأوس والخزرج
ويتغنى بالشعر الذي قيل في حروبهم:
قال إسحاق وحدثني المدائني قال: كان طويس ولعا بالشعر الذي قالته الأوس والخزرج في حروبهم، وكان يريد بذلك الإغراء فقل مجلس اجتمع فيه هذان الحيان فغنى فيه طويس إلا وقع فيه شيء؛ فنهي عن ذلك، فقال: والله لا تركت الغناء بشعر الأنصار حتى يوسدوني التراب؛ وذلك لكثرة تولع القوم به، فكان يبدي السرائر ويخرج وكان يستحسن غناؤه ولا يصبر عن حديثه ويستشهد على معرفته، فغنى يوما بشعر قيس بن الخطيم في حرب الأوس والخزرج وهو:
رد الخليط الجمال فانصرفوا ماذا عليهم لو أنهم وقفـوا
لو وقفوا ساعة نسائلـهـم ريث يضحي جماله السلف
فليت أهلي وأهل أثلة في ال دار قريب من حيث نختلف فلما بلغ إلى آخر بيت غنى فيه طويس من هذه القصيدة وهو:
أبلغ بني جحجبى وقومهم خطمة أنا وراءهم أنف تكلموا وانصرفوا وجرت بينهم دماء، وانصرف طويس من عندهم سليما لم يكلم ولم يقل شيء سبب الحرب بين الأوس والخزرج قال إسحاق فحدثني الواقدي وأبو البختري، قالا: قال قيس بن الخطيم هذه القصيدة لشغب أثاره القوم بعد دهر طويل. ونذكر سبب أول ما جرى بين الأوس والخزرج من الحرب: قال إسحاق قال أبو عبد الله اليزيدي وأبو البختري، قالا: قال قيس بن الخطيم هذه القصيدة لشغب أثاره القوم بعد دهر طويل ونذكر سبب أول ما جرى بين الأوس والخزرج من الحرب:

صفحة : 257

قال إسحاق قال أبو عبد الله اليزيدي وأبو البختري ، وحدثني مشايخ لنا قالوا: كانت الأوس والخزرج أهل عز ومنعة وهما أخوان لأب وأم وهما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، وأمهما قيلة بنت جفنة بن عتبة بن عمرو؛ وقضاعة تذكر أنها قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. وكانت أول حرب جرت بينهم في مولى كان لمالك بن العجلان قتله سمير بن يزيد بن مالك، وسمير رجل من الأوس ثم أحد بني عمرو بن عوف، وكان مالك سيد الحيين في زمانه، وهو الذي ساق تبعا إلى المدينة وقتل الفطيون صاحب زهرة وأذل اليهود للحيين جميعا، فكان له بذلك الذكر والشرف عليهم، وكانت دية المولى فيهم-وهو الحليف- خمسا من الإبل، ودية الصريح عشرا، فبعث مالك إلى عمرو بن عوف: ابعثوا إلي سميرا حتى أقتله بمولاي فإنا نكره أن تنشب بيننا وبينكم حرب، فأرسلوا إليه: إنا نعطيك الرضا من مولاك فخذ منا عقلة، فإنك قد عرفت أن الصريح لا يقتل بالمولى؛ قال: لا آخذ في مولاي دون دية الصريح، فأبوا إلا دية المولى. فلما رأى ذلك مالك بن العجلان جمع قومه من الخزرج، وكان فيهم مطاعا، وأمرهم بالتهيؤ للحرب. فلما بلغ الأوس استعدوا لهم وتهيئوا للحرب واختاروا الموت على الذل؛ ثم خرج بعض القوم إلى بعض فالتقوا بالصفينة بين بئر سالم وبين قباء )قرية لنبي عمرو بن عوف( فاقتتلوا قتالا شديدا حتى نال بعض القوم من بعض. ثم إن رجلا من الأوس استعدوا لهم وتهيئوا للحرب واختاروا الموت على الذل؛ ثم خرج بعض القوم إلى بعض فالتقوا بالصفينة بين بئر سالم وبين قباء )قرية لبني عمرو بن عوف( فاقتتلوا قتالا شديدا حتى نال بعض القوم من بعض. ثم إن رجلا من الأوس نادى: يا مالك، ننشدك الله والرحم - وكانت أم مالك إحدى نساء بني عمرو بن عوف-فاجعل بيننا وبينك عدلا من قومك فما حكم علينا سلمنا لك؛ فارعوى مالك عند ذلك، وقال نعم؛ فاختاروا عمرو بن امرئ القيس أحد بني الحارث بن الخزرج فرضي القوم به، واستوثق منهم، ثم قال: فإني أقضي بينكم: إن كان سمير قتل صريحا من القوم فهو به قود، وإن قبلوا العقل فلهم دية الصريح، وإن كان مولى فلهم دية المولى بلا نقص، ولايعطى فوق نصف الدية، وما أصبتم منا في هذه الحرب ففيه الدية مسلمة إلينا، وما أصبنا منكم فيها علينا فيه دية مسلمة إليكم. فلما قضى بذلك عمرو بن امرئ القيس غضب مالك بن العجلان ورأى أن يرد عليه رأيه، وقال: لا أقبل هذا القضاء؛ وأمر قومه بالقتال، فجمع القوم بعضهم لبعض ثم التقوا بالفضاء عند آطام بني قنيقاع، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم تداعوا إلى الصلح فحكموا ثابت بن حرام بن المنذر أبا حسان بن ثابت النجاري، فقضى بينهم أن يدوا مولى مالك بن العجلان بدية الصريح ثم تكون السنة فيهم بعده على مالك وعليهم كما كانت أول مرة: المولى على ديته؛ والصريح على ديته؛ فرضي مالك وسلم الآخرون. وكان ثابت إذ حكموه أراد إطفاء النائرة فيما بين القوم ولم شعثهم، فأخرج خمسا من الإبل من قبيلته حين أبت عليه الأوس أن تؤدي إلى مالك أكثر من خمس وأبي مالك أن يأخذ دون عشر. فلما أخرج ثابت الخمس أرضى مالكا بذلك ورضيت الأوس، واصطلحوا بعهد وميثاق ألا يقتل رجل في داره ولا معقله- والمعاقل: النخل-فإذا خرج رجل من داره أو معقله فلا دية له ولا عقل. ثم انظروا في القتلى فأي الفريقين فضل على صاحبه ودى له صاحبه. فأفضلت الأوس على الخزرج بثلاثة نفر فودتهم الأوس واصطلحوا. ففي ذلك يقول حسان بن ثابت لما كان أبوه أصلح بينهم ورضاهم بقضائه في ذلك:
وأبي في سميحة القائل الـفـا صل حين التفت عليه الخصوم وفي ذلك يقول قيس بن الخطيم قصيدته وهي طويلة:
رد الخليط الجمال فانصرفوا ماذا عليهم لو أنهم وقفـوا رأي عمر بن عبد العزيز في شعره
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كان عمر بن عبد العزيز ينشد قول قيس بن الخطيم:
بين شكول النساء خلقتهـا قصد فلا جبلة ولاقضـف
تنام على كبر شأنهـا فـإذا قامت رويدا تكاد تنقصف
تغترق الطرف وهي لاهية كأنما شف وجهها نـزف

صفحة : 258

ثم يقول: قائل هذا الشعر أنسب الناس.

ومما في المائة المختارة من أغاني طويس
صوت
يا لقومي قد أرقتني الهموم ففؤادي مما يجن سـقـيم
أندب الحب في فؤادي ففيه لو تراءى للناظرين كلوم يجن: يخفى، والجنة من ذلك، والجن أيضا مأخوذ منه. وأندب: أبقى فيه ندبا وهو أثر الجرح؛ قال ذو الرمة:
تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولاندب الشعر لابن قيس الرقيات فيما قيل. والغناء لطويس، ولحنه المختار خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى، قال إسحاق: وهو أجود لحن غناه طويس، ووجدته في كتاب الهشامي خفيف رمل بالوسطى منسوبا إلى ابن طنبورة. قال وقال ابن المكي: إنه لحكم، وقال عمرو بن بانة: إنه لابن عائشة أوله هذان البيتان، وبعدهما:
ما لذا الهم لايريم فـؤادي مثل ما يلزم الغريم الغريم
إن من فرق الجماعة منـا بعد خفض ونعمة لذمـيم انقضت أخبار طويس
صوت من المائة المختارة

من صنعة قفا النجار

حجب الألى كنا نسر بقربـهـم ياليت أن حجابهـم لـم يقـدر
حجبوا ولم نقض اللبانة منهـم ولنا إليهم صبوة لم تقـصـر
ويحيط مئزرها بردف كامـل رابى المجسة كالكثيب الأعفر
وإذا مشت خلت الطريق لمشيها وحلا كمشي المرجحن الموقر لم يقع إلينا قائل الشعر. والغناء لقفا النجار، ولحنه المختار من النقيل الثاني بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. ويقال: إن فيه لحنا لابن سريج. وذكر يحيى بن علي ابن يحيى في الاختبار الواثقي أن لحن قفا النجار المختار من الثقيل الأول
صوت من المائة المختارة

أفق يادرامي فقد بـلـيتـا وإنك سوف توشك أن تموتا
أراك تزيد عشقـا كـل يوم إذا ما قلت إنك قد بـريتـا الشعر والغناء جميعا لسعيد الدرامي، ولحنه المختار من خفيف الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى.

ذكر الدرامي وخبره ونسبه
نسبه وكان من الشعراء وأرباب النوادر
أخبرني الحسن بن علي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: الدارمي من ولد سويد بن زيد الذي كان جده قتل أسعد بن عمرو بن هند، ثم هربوا إلى مكة فحالفوا بني نوفل بن عبد مناف.
وكان الدرامي في أيام عمر بن عبد العزيز
وكانت له أشعار ونوادر، وكان من ظرفاء أهل مكة، وله أصوات يسيرة. وهو الذي يقول:

لمـا رأيتـك أولـيتـنـي ال قبيح وأبعدت عني الجمـيلا
تركت وصالك في جـانـب وصادفت في الناس خلا بديلا شبب بذات خمار اسود
فنفقت الخمر السود ولم تبق فتاة إلا لبسته:
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن الأصمعي، وأخبرني عمي قال حدثنا فضل اليزيدي عن إسحاق بن إبراهيم عن الأصمعي، وأخبرني عمي قال حدثنا أبو الفضل الرياشي عن الأصمعي، قال وحدثني به النوشجاني عن شيخ له من البصريين عن الأصمعي عن ابن أبي الزناد، ولم يقل عن ابن أبي الزناد غيره : أن تاجرا من أهل الكوفة قدم المدينة بخمر فباعها كلها وبقيت السود منها فلم تنفق، وكان صديقا للدرامي، فشكا ذاك إليه، وقد كان نسك وترك الغناء وقول الشعر؛ فقال له: لاتهتم بذلك فإني سأنفقها لك حتى تبيعها أجمع؛ ثم قال: صوت

قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا صنعت براهب متعبـد
قد كان شمر للصلاة ثـيابـه حتى وقفت له بباب المسجد وغنى فيه، وغنى فيه أيضا سنان الكاتب، وشاع في الناس وقالوا: قد فتك الدارمي ورجع عن نسكه؛ فلم تبق في المدينة ظريفة إلا ابتاعت خمارا أسود حتى نفذ ما كان مع العراقي منها؛ فلما علم بذلك الدارمي رجع إلى نسكه ولزم المسجد.
فأما نسبة هذا الصوت فإن الشعر فيه للدارمي والغناء أيضا، وهو خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لسنان الكاتب رمل بالوسطى عن حبش. وذكر حبش أن فيه لابن سريج هزجا بالبنصر.


صفحة : 259

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثني أبو هفان قال: حضرت يوما مجلس بعض قواد الأتراك وكانت له ستارة فنصبت، فقال لها: غني صوت الخمار الأسود المليح، فلم ندر ما أراد حتى غنت: قل للمليحة في الخمار الأسود ثم أمسك ساعة ثم قال لها غني: إني خريت وجئت أنتقله فضحكت ثم قالت: هذا يشبهك فلم ندر أيضا ما أراد حتى غنت: إن الخليط أجد منتقله بخله وظرفه
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد قال حدثني محمد بن أخي سلم الخزاعي قال حدثني الحرمازي قال زعم لي ابن مودود قال: كان الدارمي المكي شاعرا ظريفا وكانت متفتيات أهل مكة لا يطيب لهن متنزه إلا بالدارمي، فاجتمع جماعة منهن في منتزه لهن، وفيهن صديقة له، وكل واحدة منهن قد واعدت هواها، فخرجن حتى أتين الجحفة وهو معهن؛ فقال بعضهن لبعض: كيف لنا أن نخلو مع هؤلاء الرجال من الدارمي? فإنا إن فعلنا قطعنا في الأرض قالت لهن صاحبته: أنا أكفيكنه؛ قلن: أنا نريد إلا يلومنا؛ قالت: علي أن ينصرف حامدا، وكان أبخل الناس، فأتته فقالت: يادارمي، إنا قد تفلنا فاجلب لنا طيبا؛ قال نعم هو ذا، آتي سوق الجحفة آتيكن منها بطيب؛ فأتى المكارين فاكترى حمارا فصار عليه إلى مكة وهو يقول:
أنا بـالـلـه ذي الـعـز وبالركن وبالـصـخـرة
من اللائي يردن الـطـي ب في اليسر وفي العسرة
وما أقـوى عـلـى هـذا ولو كنت على البصـره فمكث النسوة ماشئن. ثم قدم من مكة فلقيته صاحبته ليلة في الطواف، فأخرجته إلى ناحية المسجد وجعلت تعاتبه على ذهابه ويعاتبها، إلى أن قالت له: يادارمي، بحق هذه البنية أتحبني? فقال نعم، فبريها أتحبني? قالت نعم؛ قال: فيا لك الخير فأنت تحبيني وأنا أحبك، فما مدخل الدراهم بيننا.
الدارمي وعبد الصمد بن علي
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال: كان الدارمي عند عبد الصمد بن علي يحدثه، فأغفى عبد الصمد فعطس الدارمي عطسة هائلة، ففزع عبد الصمد فزعا شديدا وغضب غضبا شديدا، ثم استوى جالسا وقال: يا عاض كذا من أمه أتفزعني قال: لا والله ولكن هكذا عطاسي قال: والله لأنقعنك في دمك أو تأتيني ببينة على ذلك؛ قال: فخرج ومعه حرسي لا يدري أين يذهب به، فلقيه ابن الريان المكي فسأله؛ فقال: أنا أشهد لك؛ فمضى حتى دخل على عبد الصمد؛ فقال له: بم تشهد لهذا? قال: أشهد أني رأيته مرة عطس عطسة فسقط ضرسه؛ فضحك عبد الصمد وخلى سبيله.
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد قال حدثنا الزبير قال: قال محمد بن إبراهيم الإمام للدارمي: لو صلحت عليك ثيابي لكسوتك؛ قال: فديتك إن لم تصلح علي ثيابك صلحت علي دنانيرك.
الدارمي مع نسوة من الأعراب
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير، ونسخت من كتاب هارون بن محمد: حدثنا الزبير قال حدثني يونس بن عبد الله الخياط قال: خرج الدارمي مع السعاة، فصادف جماعة منهم قد نزلوا على الماء فسألهم فأعطوه دراهم، فأتى بها في ثوبه، وأحاط به أعرابيات فجعلن يسألنه وألححن عليه وهو يردهن؛ فعرفته صبية منهن فقالت: يا أخواتي، أتدرين من تسألن منذ اليوم? هذا الدارمي السأل. ثم أنشدت:
إذا كنت لابد مستطعـمـا فدع عنك من كان يستطعم فولى الدارمي هاربا منهن وهن يتضاحكن به الدارمي والأوقص القاضي
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال أخبرني أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا مصعب الزبيري قال: أتى الدارمي الأوقص القاضي بمكة في شيء فأبطأ عليه فيه، وحاكمه إليه خصم له في حق، فحبسه به حتى أداه إليه. فينا الأوقص يوما في المسجد الحرام يصلي ويدعو ويقول: يارب أعتق رقبتي من النار، إذ قال له الدارمي والناس يسمعون: أولك رقبة تعتق? لا والله ما جعل الله، وله الحمد، لك من عتق ولارقبة? فقال له الأوقص: ويلك? من أنت? قال: أنا الدارمي، حسبتني وقتلتني؛ قال: لا تقل ذلك وأتني فإني أعوضك فأتاه ففعل ذلك به.
نادرة له مع عبد الصمد بن علي
أخبرني الحرمي أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال:

صفحة : 260

مدح الدارمي عبد الصمد بن علي بقصيدة واستأذنه في الإنشاد فأذن له؛ فلما فرغ أدخل إليه رجل من الشراة؛ فقال لغلامه: أعط هذا مائة دينار واضرب عنق هذا؛ فوثب الدارمي فقال: بأبي أنت وأمي? برك وعقوبتك جميعا نقد? فإن رأيت أن تبدأ بقتل هذا، فإذا فرغ منه أمرته فأعطاني? فإني لن أريم من حضرتك حتى يفعل ذلك؛ قال: لوم ويلك? قال: أخشى أن يغلط فيما بيننا، والغلط في هذا لايستقال؛ فضحك وأجابه إلى ما سأل.
نادرة له في مرضه
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي قال: أصابت الدارمي قرحة في صدره، فدخل إليه بعض أصدقائه يعوده. فرآه قد نفث من فيه نفثا أخضر، فقال له: أبشر، قد اخضرت القرحة وعوفيت؛ فقال: هيهات? والله لو نفثت كل زمردة في الدنيا ما أفلت منها.

صوت من المائة المختارة

يا ربع سلمى لقد هيجت لي طربا زدت الفؤاد على علاته وصبـا
ربع تبدل ممن كـان يسـكـنـه عفر الظباء وظلمانا به عصبـا الشعر لهلال بن الأشعر المازني، أخبرني بذلك وكيع عن حماد بن إسحاق عن أبيه. وهكذا هو في رواية عمرو بن أبي عمرو الشيباني. ومن لايعلم ينسبه إلى عمر ابن أبي ربيعة وإلى الحارث بن خالد ونصيب، وليس كذلك. والغناء في اللحن المختار لعزور الكوفي، ومن الناس من يقول عزون بالنون وتشديد الزاي، وهو رجل من أهل الكوفة غير مشهور ولاكثير الصنعة، ولا أعلم أني سمعت له بخبر ولاصنعة غير هذا الصوت. ولحن هذا المختار ثقيل أول بالبنصر في مجراها عن إسحاق، وهكذا في الاختيار الواثقي. وذكر عمرو بن بانة أن فيه لابن عائشة لحنا من الثقيل الأول بالبنصر. وفي أخبار الغريض عن حماد أن له فيه ثقيلا أول. وقال الهشامي: فيه لعبد الله بن العباس لحن من الثقيل الثاني. وذكر حبش أن فيه لحسين بن محرز خفيف رمل بالبنصر.

أخبار هلال ونسبه
نسبه وهو شاعر أموي شجاع أكول
هو، فيما ذكر خالد بن كلثوم، هلال بن الأسعر بن خالد بن الأرقم بن قسيم بن ناشرة بن رزام بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم. شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، وأظنه قد أدرك الدولة العابشية، وكان رجلا شديدا عظيم الخلق أكولا معدودا من الأكلة. قال أبو عمرو: وكان هلال فارسا شجاعا شديد البأس والبطش أكثر الناس أكلا وأعظمهم في حرب غناء . هذا لفظ أبو عمرو. وقال أبو عمرو: وعمر بن هلال بن أسعر عمرا طويلا ومات بعد بلايا عظام مرت على رأسه. قال: زكان رجل من قومه من بني رزام بن مالك يقال له المغيرة بن قنبر يعوله ويفضل عليه ويحتمل ثقله وثقل عياله فهلك، فقال هلال يرثيه: كان المغيرة بن قنبر يعوله فلما مات رثاه:
ألا ليت المغيرة كـان حـيا وأفنى قبله الناس الفـنـاء
لبيك على المغيرة كل خيل إذا أفنى عرائكها اللـقـاء
ويبك على المغيرة كل كـل فقير كان ينعشه العـطـاء
ويبك على المغيرة كل جيش تمور لدى معاركه الدمـاء
فتى الفتيان فارس كل حرب إذا شالت وقد رفع اللـواء
لقد وارى جديد الأرض منه خصالا عقد عصمتها الوفاء
فصبرا للنوائب إن ألـمـت إذا ماضاق بالحدث الفضاء
هزبر تنجلي الغمرات عنه نقي العرض همته العلاء
إذا شهد الكريهة خاض منها بحورا لاتكدرهـا الـدلاء
جسور لايروع عـنـد روع ولايثني عزيمتـه أتـقـاء
حليم في مشاهـده إذا مـا حبا الحلماء أطلقها المراء
حميد في عشيرتـه فـقـيد يطيب عليه في الملأ الثناء
فإن تكن المنية أقصـدتـه وحم عليه بالتلف القضـاء
فقد أودى به كـرم وخـير وعود بالفضائل وابـتـداء
وجود لايضـم إلـيه جـودا مراهنه إذا جد الـجـراء كان عادي الخلق صبورا على الجوع:

صفحة : 261

وقال خالد بن كلثوم: كان هلال بن الأسعر، فيما ذكروا، مع الإبل فيأكل ماوجد عند أهله ثم يرجع إليها ولايتزود طعاما ولاشرابا حتى يرجع يوم ورودها، لايذوق فيما بين ذلك طعاما ولاشرابا، وكان عادي الخلق لاتوصف صفته.
حكايات عن قوته
قال خالد بن كلثوم فحدثنا عنه من أدركه: أنه كان يوما في إبل له، وذلم عند الظهيرة قي يوم شديد وقع الشمس محتدم الهاجرة وقد عمد إلى عصاه فطرح عليها كساءه ثم أدخل رأسه تحت كسائه من الشمس، فبينا هو كذلك إذ مر به رجلان أحدهما من بني نهشل والآخر من بني فقيم، كانا أشد تميميين في ذلك الزمان بطشا، يقال لأحدهما الهياج، وقد أقبلا من البحرين ومعهما أنواط من تمر هجر، وكان هلال بناحية الصعاب؛ فلما انتهيا إلى الإبل، ولايعرفان هلالا بوحهه ولايعرفان أن الإبل له، ناديا: ياراعي، أعندك شراب تسقينا? وهما يظنانه عبدا لبعضهم؛ فناداهما هلال ورأسه تحت كسائه: عليكما الناقة التي صفتها كذا في موضع كذا فأنيخاها فإن عليها وطبين من لبن، فاشربا منهما مابدا لكما. قال فقال له أحدهما: ويحك? انهض ياغلام فأت بذلك اللبن? فقال لهما: إن تك لكما حاجة فستأتيانها فتجدان الوطبين فتشربان؛ قال فقال أحدهما: إنك يابن اللخناء لغليظ الكلام، قم فاسقنا، ثم دنا من هلال وهو على تلك الحال. وقال لهما، حيث قال له أحدهما: ))إنك يابن اللخناء لغليظ الكلام، قم فاسقنا، ثم دنا من هلال وهو على تلك الحال. وقال لهما، حيث قال له أحدهما: )إنك يا ابن اللخناء لغليظ الكلام(، أراكما والله ستلقيان هوانا وصغارا؛ وسمعا ذلك منه، فدنا أحدهما فأهوى له ضربا بالسوط على عجزه وهو مضطجع، فتناول هلال يده فاجتذبه إليه ورماه تحت فخذه ثم ضغطه ضغطة ، فنادى صاحبه: ويحك أغثني قد قتلني فدنا صاحبه منه، فتناوله هلال أيضا فاجتذبه فرمى به تحت فخذه الأخرى، ثم أخذ برقابهما فجعل يضك برؤوسهما بعضا ببعض لايستطيعان أن يمتنعا منه؛ فقال أحدهما: كن هلالا ولا نبالي ماصنعت؛ فقال لهما: أنا والله هلال، ولا والله لاتفلتان مني حتى تعطياني عهدا وميثاقا لاتخيسان به: به: لتأتيان المربد إذا قدمتما البصرة، ثم لتناديان بأعلى أصواتكما بما كان مني ومنكما؛ فعاهداه وأعطياه نوطا من التمر الذي معهما، وقدما البصرة فأتيا المربد فناديا بما كان منه ومنهما.
وحدث خالد عن كنيف بن عبد الله المازني قال: كنت يوما مع هلال ونحن نبغي لإبلا لنا، فدفعنا إلى قوم من بكر بن وائل وقد لغبنا وعطشنا، وإذا نحن بفتية شباب عند ركية لهم وقد وردت إبلهم، فلما رأوا هلالا استهولوا خلقه وقامته، فقام رجلان منهم إليه فقال له أحدهما: ياعبد الله، هل لك في الصراع? فقال له هلال: أنا إلى غير ذلك أحوج؛ قال: وماهو? قال: إلى لبن و ماء فإنني لغب ظمآن؛ قال: ماأنت بذائق من ذلك شيئا حتى تعطينا عهدا لتجنيبننا إلى الصراع أذا أرحت ورويت؛ فقال لهما هلال: إنني لكم ضيف، والضيف لايصارع آهله و رب منزله، وأنتم مكتفون من ذلك بما أقول لكم: اعمدوا إلى أشد فحل في إبلكم وأهيبه صولة وإلى أشد رجل منكم ذراعا، فإن لم أقبض على هامة البعير وعلى يد صاحبكم فلا يمتنع الرجل ولا البعير حتى أدخل يد الرجل في فم البعير، فإن لم أفعل ذلك فقد صرعتموني، وإن فعلته علمتم أن صراع أحدكم أيسر من ذلك. قال: فعجبوا من مقالته تلك، وأومئوا إلى فحل في إبلهم هائج صائل قطم؛ فأتاه هلال ومعه نفر من أولئك القوم وشيخ لهم، فأخذ بهامة الفحل مما فوق مشفره فضغطها ضغطة جرجر الفحل منها واستخذى ورغا، وقال: ليعطني من أحببتم يده أولجها في فم هذا الفحل. قال فقال الشيخ: ياقوم تنكبوا هذا الشيطان، فوالله ماسمعت فلانا - يعني الفحل - جرجر منذ بزل قبل اليوم، فلا تعرضوا لهذا الشيطان. وجعلوا يتبعونه وينظرون إلى خطوه ويعجبون من طول أعضائه حتى جازهم.
صارع في المدينة عبدا بأمر أميرها: قال وحدثنا من سمع هلالا يقول

صفحة : 262

قدمت المدينة وعليها رجل من آل مروان، فلم أزل أضع عن إبلي وعليها أحمال للتجار حتى أخذ بيدي وقيل لي: أجب الأمير. قال: قلت لهم: ويلكم إبلي وأحمالي فقيل: لابأس على إبلك وأحمالك. قال: فانطلق بي حتى أدخلت على الأمير، فسلمت عليه ثم قلت: جعلت فداك ?? إبلي وأمانتي. قال فقال: نحن ضامنون لإبلك وأمانتك حتى نؤديها إليك. قال فقلت عند ذلك: فمل حاجة الأمير إلي جعلني الله فداه? قال فقال لي- وإلى جنبه رجل أصفر، لا والله مارأيت رجلا قط أشد خلقا منه ولاأغلظ عنقا، ماأدري أطوله أكثر أم عرضه -: إن هذا العبد الذي ترى لاوالله ماترك بالمدينة عربيا يصارع إلا صرعه، وبلغني عنك قوة، فأردت أن يجري الله صرع هذا العبد على يديك فتدرك ماعنده من أوتار العرب. قال فقلت: جعلني الله فداء الأمير، إني لغب نصب جائع، فإن رأى الأمير أن يدعني اليوم حتى أضع عن إبلي وأؤدي أمانتي وأريح يومي هذا وأجيئه غدا فليفعل. قال فقال لأعوانه: انطلقوا معه فأعينوه على الوضع عن إبله وأداء أمانته وانطلقوا به إلى المطبخ فأشبعوه؛ ففعلوا جميع ماأمرهم به. قال: فظللت بقية يومي وبت ليلتي تل: بأحسن حال شبعا وراحة وصلاح أمر، فلما كان من الغد غدوت عليه وعلي جبة لي صوف وبت وليس علي إزار إلا أني قد شددت بعمامتي وسطي، فلما كان من الغد غدوت عليه وعلي جبة لي صوف وبت وليس علي إزار إلا أني قد شددت بعمامتي وسطي، فسلمت عليه فرد علي السلام، وقال للأصفر: قم إليه، فقد أرى أنه أتاك الله بما يخزيك؛ فقال العبد: اتزر باأعرابي؛ فأخذت بتي فاتزرت به على جبتي؛ فقال: هيهات -هذا لايثبت، إذا قبضت عليه جاء في يدي؛ قال فقلت: والله مالي من إزار؛ قال: فدعا الأمير بملحفة مارأيت قبلها ولاعلا جلدي مثلها، فشددت بها على حقوي وخلعت الجبة؛ قال: وجعل العبد يدور حولي ويريد ختلي وأنا منه وجل ولاأدري كيف أصنع به، ثم دنا مني دنوة فنقد جبهتي نقدة حتى ظننت أنه قد شجني وأوجعني، فغاظني ذلك، فجعلت أنظر في خلقه بم أقبض منه، فما وجدت في خلقه شيئا أصغر من رأسه، فوضعت إبهامي في صدغيه وأصابعي الأخر في أصل أذنيه، ثم غمزته غمزة صاح منها: قتلتني: قتلتني: فقال الأمير: اغمس رأس العبد في التراب؛ قال فقلتله: ذلك لك علي؛ قال: فغمست والله رأسه في التراب ووقع شبيها بالمغشي عليه، فضحك الأمير حتى استلقى وأمر لي بجائزة وكسوة وانصرفت.
قتل رجلا من بني جلان استجار بمعاذ فقبض عليه للثأر منه، ثم فر إلى اليمين وشعره في ذلك: قال أبو الفرج: ولهلال أحاديث كثيرة من أعاجيب شدته. وقد ذكره حاجب بن ذبيان فقال لقوم من بني رباب من بني حنيفة في سيء كان بينهم فيه أربع ضربات بالسيف، فقال حاجب:
وقائلة وباكية بـشـجـو لبئس سيف بني ربـاب
ولو لاقى هلال بني رزام لعجله إلى يوم الحسـاب

صفحة : 263

وكان هلال بن الأسعر هضربه رجل من بني عنزة ثم من بني جلان يقال له عبيد بن جري في شيء كان بينهما، فشجه وخمشه خماشة ، فأتى هلال بن جلان فقال: إن صاحبكم قد فعل بي ماترون فخذوا لي بحقي، فأوعدوه وزجروه؛ فخرج من عندهم وهو يقول: عسى أن يكون لهذا جزاء حتى أتى بلاد قومه؛ فمضى لذلك هلالا وما كان بينه وبينه فتخوفه؛ فسأل عن أعز أهل الماء، فقيل له: معاذ بن جعدة بن ثابت بن زرارة بن ربيعة بن سيار بن رزام بن مازن؛ فأتاه فوجده غائبا عن الماء، فعقد عبيد بن جري طرف ثيابه إلى جانب طنب بيت معاذ- وكانت العرب إذا فعلت ذلك وجب على المعقود بطنب بيته للمستجير به أن يجبره وأن يطلب له بظلامته - وكان يوم فعل ذلك غائبا عن الماء، فقيل: رجل استجار بآل معاذ بن جعدة. ثم خرج عبيد بن جري ليستقي، فوافق قدوم هلال بإبله يوم وروده، وكان إنما يقدمها في الأيام، فلما نظر هلال إلى ابن جري ذكر ما كان بينه وبينه، ولم يعلم باستجارته بمعاذ بن جعدة، فطلب شيئا يضربه به فلم يجده، فانتزع المحور من السانية فعلاه به ضربة على رأسه فصرع وقيذا، وقيل: قتل هلال بن الأسعر جار معذ بن جعدة ? فلما سمع ذلك هلال تخوف بني جعدة فصرع وقيذا، وقيل: قتل هلال بن الأسعر جار معاذ بن حعدة فلما سمع ذلك هلال تخوف بني جعدة الرزاميين، وهم بنو عمهظن فأتى راحلته ليركبها. قال هلال: فأتتني خولة بنت يزيد بن ثابت أخي بني جعدة بن ثابت، وهي جدة أبي السفاح زهيد بن عبد الله بن مالك أم أبيه، فتعلقت بثوب هلال، ثم قالت: أي عدو الله قتلت جارنا والله لاتفارقني حتى يأتيك رجالنا قال هلال: والمحور في يدي لم أضعه؛ قال: فهممت أن أعلو به رأس خولة، ثم قلت في نفسي: عجوز لها سن وقرابة قال: فضربتها برجلي ضربة رميت بها من بعيد، ثم أتيت ناقتي فأركبها ثم أضربها هاربا. وجاء معاذ بن جعدة وإخوته - وهم يومئذ تسعة إخوة -وعبد الله بن مالك زوج لبنت معاذ و يقال لها جبيلة، وهو مع ذلك ابن عمتهم خولة بنت يزيد بن ثابت، فهو معهم كأنه معضهم؛ فجاؤوا من آخر النهار فسمعوا الواعية على الجلاني وهو دنف لم يمت، فسألوا عن تلك الواعية فأخبروا بما كان من استجارة الجلاني بمعاذ بن جعدة وضرب هلال له من بعد ذلك؛ فركب الأخوة التسعة وعبد الله بن مالك عاشرهم، وكانوا أمثال الجبال في شدة خلقهم مع نجدتهم، وركبوا معهم بعشرة غلمة لهم أشد منهم خلقا لايقع لأحد منهم سهم في غير موضع يريده من رميته، حتى تبعوا هلالا؛ وقد نسل هلال من الهرب يومه ذلك كله وليلته، فلما أصبح أمنهم وظن أن قد أبعد في الأرض ونجا منهم؛ وتبعوه، فلما أصبحوا من تلك الليلة قصوا أثرهظن وكان لايخفى أثره على أحد لعظم قدمه، فلحقوه من بعد الغد، فلما أدركوه وهو عشرون ومعهم النبل والقسي والسيوف والترسة، ناداهم: يابني جعدة، إني أنشدكم الله ? أن أكون قتلت رجلا غريبا طلبته بترة تقتلوني وأنا ابن عمكم وظن أن الجلاني قد مات، ولك يكن مات إلى أن تبعوه وأخذوه؛ فقال معاذ: والله لو أيقنا أنه قد مات ماناظرنا بك القتل من ساعتنا ولكنا تركناه ولم يمت، ولسنا نحب قتلك إلا أن تمتنع منا، ولانقدم عليك حتى نعلم مايصنع جارنا؛ فقاتلهم وامتنع منهم، فجعل معاذ يقول لأصحابه وغلمانه: لاترموه بالنبل ولاتضربوه بالسيوف، ولكن ارموه بالحجارة واضربوه بالعصي حتى تأخذوه؛ ففعلوا ذلك، فما قدروا على أخذه حتى كسروا من إحدى يديه ثلاث أصابع ومن الأخرى إصبعين، ودقوا ضلعين من أضلاعه وأكثروا الشجاج في رأسه، ثم أخذوه وما كادوا يقدرون على أخذه، فوضعوا في رجله أدهم، ثم جاءوا به وهومعروض على بعير حتى انتهوا به إلى الوقبى فدفعوه إلى الجلاني ولم يمت بعد، فقالوا: انطلقوا به معكم إلى بلادكم ولاتحدثوا في أمره شيئا حتى تنظروا مايصنع بصاحبكم، فإن مات فاقتلوه وإن حيي فأعلمونا حتى نحمل لكم أرش الجناية. فقال الجلانيون: وفت ذمتكم يابني جعدة، وجزاكم الله أفضل مايجزي به خيار الجيران، إنا نتخوف أن ينزعه منا قومكم إن خليتم عنا وعنهم وهو في أيدينا؛ فقال اهم معاذ: فإني أحمله معكم وأشيعكم حتى تردوا بلادكم، ففعلوا ذلك، فحمل معروضا على بعير وركبت أخته جماء بنت الأسعر معه، وجعل يقول: قتلتني بنو جعدة وتأتيه أخته بمغرة فيشربها فيقال: يمشي بالدم، لأن بين جعدة فرثوا كبده

صفحة : 264

في جوفه. فلما بلغوا أدنى لبلاد بكر بن وائل قال الجلانيون لمعاذ وأصحابه: أدام الله عزكم، وقد وفيتم فانصرفوا. وجعل هلال يريهم أنه يمشي في الليلة عشرين مرة. فلما ثقل الجلاني وتخوف هلال أن يموت من ليلته أو يصبح ميتا، تبرز هلال كما كان يصنع وفي رجله الأدهم كأنه يقضي حاجة، ووضع كساءه على عصاه في ليلة ظلماء، ثم اعتمد على الأدهم فحطمه، ثم طار تحت ليلته على رجليه، وكان أدل الناس فتنكب الطريق التي تعرف ويطلب فيها وجعل يسلك المسالك التي لا يطمع فيها. حتى انتهى إلى رجل من بني أثاثه بن مازن يقال له السعر بن يزيد ين طلق بن جبيلة بن أثاثة بن مازن، فحمله السعر على ناقه له يقال لها ملوة، فركبها ثم تجنب بها الطريق فأخذ نحوبلاد قيس بن عيلان، تخوفا من بني مازن أن يتبعوه أيضا فيأخذوه، فسار ثلاث ليال وأيامها حتى نزل اليوم الرابع، فنحر الناقة فأكل لحمها كله إلا فضلة فضلت منها فاحتملها، ثم أتى بلاد اليمن فوقع بها، فلبث زمانا وذلك عند مقام الحجاج بالعراق، فبلغ إفلاته من بالبصرة من بكر بن وائل، فانطلقوا إلى الحجاج فاستعدوه وأخبروه بقتله صاحبهم؛ فيعث الحجاج إلى عبد الله بن شعبة بن العلقم، وهو يومئذ عريف بني مازن حاضرتهم وباديتهم، فقال له: لتأتيني بهلال أو لأفعلن بك ولأفعلن؛ فقال له عبد الله بن شعبة: إن أصحاب هلال وبني عمه قد صنعوا كذا وكذا: فاقتص عليه ماصنعوا في طلبه وأخذه ودفعه إلى الجلانيين وتشييعهم إياه حتى وردزا بلاد بكر بن وائل؛ فقال له الحجاج: ويلك ماتقول? قال فقال بعض البكريين: صدق، أصلح الله الأمير؛ قال فقال الحجاج: فلا يرغم الله أنوفكم، اشهدوا أني قد آمنت كل قريب لهلال وحميم وعريف ومنعت من أخذ أحد به ومن طلبه حتى يظفر به البكريون أو يموت قبل ذلك. فلما وقع هلال إلى بلاد اليمن بعث إلى بني رزام بن مازن بشعر يعاتبهم فيه ويعظم عليهم حقه ويذكر قرابته، وذلك أن سائر بني مازن قاموا ليحملوا ذلك الدم، فقال معاذ: لا أرضى والله أن يحمل لجاري دم واحد حتى يحمل له دم ولجواري دم آخر، وإن أراج هلال الأمان وسطنا حمل له دم ثالث؛ فقال هلال في ذلك:ي جوفه. فلما بلغوا أدنى لبلاد بكر بن وائل قال الجلانيون لمعاذ وأصحابه: أدام الله عزكم، وقد وفيتم فانصرفوا. وجعل هلال يريهم أنه يمشي في الليلة عشرين مرة. فلما ثقل الجلاني وتخوف هلال أن يموت من ليلته أو يصبح ميتا، تبرز هلال كما كان يصنع وفي رجله الأدهم كأنه يقضي حاجة، ووضع كساءه على عصاه في ليلة ظلماء، ثم اعتمد على الأدهم فحطمه، ثم طار تحت ليلته على رجليه، وكان أدل الناس فتنكب الطريق التي تعرف ويطلب فيها وجعل يسلك المسالك التي لا يطمع فيها. حتى انتهى إلى رجل من بني أثاثه بن مازن يقال له السعر بن يزيد ين طلق بن جبيلة بن أثاثة بن مازن، فحمله السعر على ناقه له يقال لها ملوة، فركبها ثم تجنب بها الطريق فأخذ نحوبلاد قيس بن عيلان، تخوفا من بني مازن أن يتبعوه أيضا فيأخذوه، فسار ثلاث ليال وأيامها حتى نزل اليوم الرابع، فنحر الناقة فأكل لحمها كله إلا فضلة فضلت منها فاحتملها، ثم أتى بلاد اليمن فوقع بها، فلبث زمانا وذلك عند مقام الحجاج بالعراق، فبلغ إفلاته من بالبصرة من بكر بن وائل، فانطلقوا إلى الحجاج فاستعدوه وأخبروه بقتله صاحبهم؛ فيعث الحجاج إلى عبد الله بن شعبة بن العلقم، وهو يومئذ عريف بني مازن حاضرتهم وباديتهم، فقال له: لتأتيني بهلال أو لأفعلن بك ولأفعلن؛ فقال له عبد الله بن شعبة: إن أصحاب هلال وبني عمه قد صنعوا كذا وكذا: فاقتص عليه ماصنعوا في طلبه وأخذه ودفعه إلى الجلانيين وتشييعهم إياه حتى وردزا بلاد بكر بن وائل؛ فقال له الحجاج: ويلك ماتقول? قال فقال بعض البكريين: صدق، أصلح الله الأمير؛ قال فقال الحجاج: فلا يرغم الله أنوفكم، اشهدوا أني قد آمنت كل قريب لهلال وحميم وعريف ومنعت من أخذ أحد به ومن طلبه حتى يظفر به البكريون أو يموت قبل ذلك. فلما وقع هلال إلى بلاد اليمن بعث إلى بني رزام بن مازن بشعر يعاتبهم فيه ويعظم عليهم حقه ويذكر قرابته، وذلك أن سائر بني مازن قاموا ليحملوا ذلك الدم، فقال معاذ: لا أرضى والله أن يحمل لجاري دم واحد حتى يحمل له دم ولجواري دم آخر، وإن أراج هلال الأمان وسطنا حمل له دم ثالث؛ فقال هلال في ذلك:

صفحة : 265


بني مازن لاتطردوني فـإنـنـي أخوكم وإن جزت جرائرهـا يدي
ولاتثلجوا أكباد بـكـر بـن وائل يترك أخيكم كالخليع الـمـطـرد
ولاتجعلوا حفظي بظهر وتحفظـا بعيدا ببغضـاء يروح ويغـتـدي
فإن القريب حيث كان قـريبـكـم وكيف بقطع الكف من سائر اليد
وإن البعيد إن دنا فهـو جـاركـم وإن شط عنكم فهو أبعـد أبـعـد
وإني وإن أوجدتموني لـحـافـظ لكم حفظ راض عنكم غير موجد
سيحمي حماكم بي وإن كنت غائبا أغـر إذا مـاريع لـم يتـبـلـد
وتعلم بكر أنكـم حـيث كـنـتـم وكنت من الأرض الغريبة محتدي
وأني ثقيل حيث كنت على العـدا وأني وإن اوحدت لست بـأوحـد
وأنهم لما أرادوا هـضـيمـتـي منوا بجمبع القلب عضب مهنـد
حسام متى يعزم على الأمر بأتـه ولم يتوقف للعواقـب فـي غـد
وهم بدءوا بالبغي حتى إذا جـزوا بأفعالهم قالوا لـجـازيهـم قـد
فلم يك منهم في البديهة منصـف ولم يك فيهم في العواقب مهتـدي
ولم يفعلوا فعل الحليم فيجمـلـوا ولم يفعلوا فعل العزيز الـمـؤيد
فإن يسر لي إيعاد بكر فـربـمـا منعت الكرى بالغيظ من متوعـد
ورب حمى قوم أبحـت ومـورد وردت بفتيان الصبـاح ومـورد
وسجف دجوجي من الليل حالـك رفعت بعجلي الرجل موارة الـيد
سفينة خواض بحور هـمـومـه فيلي التياث العزم عند الـتـردد
جسور على الأمر المهيب إذا ونى أخو الفتك ركاب قرى المتـهـدد وقال وهو بأرض اليمن:
أقول وقد جاوزت نعمي وناقـتـي تحن إلى جنبي فليج مع الفـجـر
سقى الله ياناق البلاد التـي بـهـا هواك، وإن عنا نأت، سبل القطـر
فما عن قلى منا لها خفت الـنـوى بنا على مراعيها وكـثـبـانـهـا
ولكن صرف الدهر فرق بـينـنـا وبين الأداني، والفتى غرض الدهر
فسقيا لصحراء الأهالة مـربـعـا وللوقبى من منزل دمث مـثـري
وسقيا ورعيا حيث حلت لـمـازن وأيامها الغر المحجـلة الـزهـر قال خالد بن كلثوم: ولما دفع هلال إلى أولياء الجلاني ليقتلوه بصاحبهم جاء رجل يقال له: حفيد كان هلال قد وتره فقال: والله لأونبنه ولأصغرن إليه نفسي وهو في القيود مصبور للقتل، فأتاه فلم يدع له شيئا مما يكره إلا عدة عليه. قال: وإلى جنب هلال حجر يملأ الكف، فأخذه هلال به للرجل فأصاب جبينه فاجتلف جلفة من وجهه ورأسه، ثم رمى بها وقال: خذ القصاص مني الآن، وأنشأ يقول:
أنا ضربت كربا وزيدا وثابتا مشيتـهـم رويدا
كما أفدت حينه عبـيدا وقد ضربت بعده حفيدا قال: وهؤلاء كلهم من بني رزام بن مازن، وكلهم كان هلال قد نكأ فيهم أدى عنه ديسم الدية لبني جلان فمدحه
قال خالد بن كلثوم: ولما طال مقام هلال باليمن نهضت بنو مازن بأجمعهم إلى بني رزام بن مازن رهط هلال ورهط معاذ بن كعدة جار الجلاني المقتول، فقالوا: إنكم قد أسأتم بابن عمكم وجزتم الحد في الطلب بدم جاركم، فنحن نحمل لكم ماأردتم، فحمل ديسم بن المنهال بن خزيمة بن شهاب بن أثاثة بن ضباب بن حجية بن كابية بن حرقوص بن مازن الذي طلب معاذ بن جعدة أن يحمل لجاره، لفضل عزه وموضعه في عشيرته، وكان الذي طلب ثلثمائة بعير؛ فقال هلال في ذلك:
ان ابن كابية المرزأ ديسـمـا وارى الزناد بعيد ضوء النار
من كان يحمل ماتحمل ديسـم من حائل فنـق وأم حـوار
عيت بنو عمرو بحمل هنـائد فيها العشار ملابىء الأبكـار
حتى تلافاها كـريم سـابـق بالخير حل منـازل الأخـيار
حتى إذا وردت جميعا أرزمت جلان بعد تشمـس ونـفـار
ترعى بصحراء الإهالة روبة والعنظوان منابت الجرجـار

صفحة : 266

أعان قمير بن سعد علي بكر بن وائل وقال في ذلك شعرا: وقال خالد بن كلثوم: كان قمير بن سعد مصدقا على بكر بن وائل، فوجد منهم رجلا قد سرق صدقته، فأخذه قمير ليحبسه، فوثب قومه وأرادوا أن يحولوا بين قمير وبينه وهلال حاضر، فلما رأى ذلك هلال وثب على البكريين فجعل يأخذ الرجلين منهم فيكنفهما ويناطح بين رؤوسهما، فانتهى إلى قمير أعوانه فقهروا البكريين؛ فقال هلال في ذلك:
دعاني قمـير دعـوة فـأجـبـتـه فأي امرىء في الحرب حين دعاني
معي مخذم قد أخلص القـين حـده يخفض عند الروع روع جنـانـي
ومازلت مذ شدت يميني حجـزتـي أحارب أو في ظل حرب ترانـي أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا حكيم بن سعد عن زفر بن هبيرة قال: حبسه بلال بن أبي بردة وأفنكه فيسم
تقاوم هلال بن أسعر المازني، وهو أحد بني رزام بن مازن، ونهيس الجلاني من عنزة وهما يسقيان إبلهما، فخذف هلال نهيسا بمحور في يده فأصابه فمات، فاستعدى ولده بلال بن أبي بردة على هلال فحبسه فأسلمه قومه بنو رزام وعمل في أمره ديسم بن المنهال أحد بين كابية بن حرقوص فافتكه بثلاث ديات، فقال هلال يمدحه:
تدارك ديسم حسبا ومـجـدا رزاما بعدما انشقت عصاها
همو حملوا المئين فألحقوها بأهليها فكان لهم سنـاهـا
وماكانت لتحمـلـهـا رزام بأستاه معقصة لحـاسـهـا
بكابية بن حرقـوص وجـد كريم لافتى إلا فـتـاهـا الحديث عن هلال في نهمه وكثرة أكله
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثني نصر بن علي الجهضمي قال حدثنا الأصمعي، وأخبرني أبو عبيد محمد بن أحمد بن المؤمل الصيرفي قال حدثنا فضل بن الحسن قال حدثنا نصر بن علي عن الأصمعي قال حدثنا المعتمر بن سليمان قال: قلت لهلال بن أسعر: مأكلة أكلتها بلغتني عنك? قال: جعت مرة ومعي بعيري فنحرته وأكلته إلا ماحملت منه على ظهري، قال أبو عبيد في حديثه عن فضل: ثم أردت امرأتي فم أقدر على جماعها؛ فقالت لي: ويحك كيف تصل إلي وبيني وبينك بعير قال المعتمر: فقلت له: كم تكفيك هذه الأكلة? قال: أربعة أيام. وحدجثني به أبن عمار قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أحمد بن معاوية عن الأصمعي عن معتمر بن سليمان عن أبيه قال: قلت لهلال بن الأسعر - هكذا قال ابن أبي سعد: معتمر عن أبيه وقال في خبره: فقلت له؛ كم تكفيك هذه الأكلة? فقال: خمسا أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا نصر بن علي قال حدثني الأصمعي قال حدثني شيخ من بني مازن قال: أتانا هلال بن أسعر المازني فأكل جميع مابيتنا، فبعثنا إلى الجيران نقترض الخبز فلما رأى الخبز قد اختلف عليه قال: كأنكم أرسلتم إلى الجيران، أعندكم سويق? قلنا: نعم، فجئته بجراب طويل فيه سويق وببرنية نبيذ، فصب السويق كله وصب عليه النبيذ حتى أتى على السويق والنبيذ كله.
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني: أن هلال بن أسعر مر على رجل نمن بني مازن بالبصرة وقد حمل من بستانه رطبا في زواريق، فجلس على زورق صغير منها وقد كثب الرطب فيه وغطي بالبواري؛ قال له: يابن عم آكل من رطبك هذا? قال: نعم؛ قال: مايكفيني? قال: مايكفيك؛ فجلس على صدر الزورق وجعل يأكل إلى أن اكتفى، ثم قام فانصرف، فكشف الزورق فإذا هو مملوء نوى قد أكل رطبه وألقى النوى فيه.
قال المدائني وحدثني من سأله عن أعجب شيء أكله، فقال: مائتي رغيف مع مكوك ملح.
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني الحسن ين علي بن منصور الأهوازي، وكان كهلا سريا معدلا، قال حدثني شبان النيلي عن صدقة بن عبيد المازني قال: أولم علي أبي لما تزوجت فعملنا عشر جفان ثريدا من جزور. فكان أول من جاءنا هلال بن أسعر المازني، فقدمنا إليه جفنة فأكلها ثم أخرى ثم أخرى حتى أتى على العشر، ثم استسقى فأتي بقربة من نبيذ فوضع طرفها في شدقه ففرغها في جوفه، ثم قام فخرج؛ فاستأنفنا عمل الطعام.


صفحة : 267

حدث أبو عمرو بن العلاء أنه لم ير أطول منه
أخبرني الجوهري قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا نصر بن علي عن الأصمعي قال: حدثني أبو عمرو بن العلاء قال: رأيت هلال بن أسعر ميتا ولم أره حيا، فما رأيت أحدا على سرير أطول منه.

غنى مخارق الرشيد فأعتقه
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد قال حدثني بعض حاشية السلطان قال: غنى إبراهيم الموصلي الرشيد يوما:
ياريع سلمى لقد هيجت لي طربا زدت الفؤاد على علاته وصبـا -قال: والصنعة فيه لرجل من أهل الكوفة يقال له عزون -فأعجب به الرشيد وطرب له واستعاده مرارا؛ فقال له الموصلي: يا أمير المؤمنين فكيف لو سمعته من عبدك مخارق، فإن أخذه عني وهو يفضل فيه الخلق جميعا ويفضلني، فأمر بإحضار مخارق، فأحضر فقال له غنني:
ياريع سلمى لقد هيجت لي طربا زدت الفؤاد على علاته وصبـا فغناه إياه؛ فبكى وقال: سل حاجتك قال مخارق: فقلت: تعتقني ياأمير المؤمنينمن الرق وتشرفني بولائك، أعتقك الله من النار، قال: أنت حر لوجه الله، أعد الصوت؛ قال: فأعدته، فبكى وقال: سل حاجتك، فقلت: يأمر لي أمير المؤمنين بمنزل وفرشه ومايصلحه وخادم فيه؛ قال: ذلك لك، أعده؛ فأعدته فيكى وقال: سل حاجتك؛ قلت: حاجتي ياأمير المؤمنين أن يطيل الله بقاءك ويديم عزك زيجعلني من كل سوء فداءك؛ قال: فكان إبراهيم الموصلي سبب عتقه بهذا الصوت أخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف وكيع قال حدثني هارون بن مخارق، وحدثني به الصولي أيضا عن وكيع عن هارون بن مخارق قال: كان أبي إذا غنى هذا الصوت:
ياريع سلمى لقد هيجت لي طربا زدت الفؤاد على علاته وصبـا يقول: أنا مولى هذا الصوت؛ فقلت له يوما: ياأبت، وكيف ذلك? فقال: غنيته مولاي الرشيد فبكى وقال: أحسنت، أعد فأعدت؛ فبكى وقال: أحسنت أنت حر لوجه الله وأمر لي بخمسة آلاف دينار، فأنا مولى هذا الصوت بعد مولاي، وذكر قريبا مما ذكره المبرد من باقي الخبر.
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا ابن أبي الدنيا قال حدثني إسحاق النجعي عن حسين بن الضحاك عن مخارق: أن الرشيد أقبل يوما على المغنين وهو مضطجع، فقال: من منكم يغني:
ياريع سلمى لقد هيجت لي طربا زدت الفؤاد على علاته وصبـا قال: فقمت فقلت: أنا، فقال: هاته؛ فغنيته فطرب وشرب، ثم قال: علي بهرثمة، فقلت في نفسي: ماتراه يريد منه فجاءوا بهرثمة فأدخل إليه وهو يجر سيفه، فقال: ياهرثمة، مخارق الشاري الذي قتلناه بناحية الموصل ما كانت كنيته? فقال: أبو المهنا؛ فقال: انصرف فانصرف؛ ثم أقبل علي فقال: قد كنيتك أبا المهنا لإحسانك، وأمر لي بمائة ألف درهم، فانصرفت بها وبالكنية.

صوت من المائة المختارة

من رواية جحظة عن أصحابه

وخل كنت عين الرشد منه إذا نظرت ومستمعا سميعا
أطاف بغيه فعدلت عـنـه وقلت له أرى أمرا فظيعا الشعر لعروة بن الورد، والغناء في اللحن المختار لسياط ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو بن بانة. وفيه لإبراهيم ماخوري بالوسطى عن عمرو أيضا.

أخبار عروة بن الورد ونسبه
نسبه، شاعر جاهلي فارس جواد مشهور
عروة بن الورد بن زيد، وقيل: ابن عمرو بن زيد بن عبد الله بن ناشب بن هريم بن لديم بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد ين قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، شاعر من شعراء الجاهلية وفارس من فرسانها وصعلوك من صعاليكها المعدودين المقدمين الأجواد.
كان يلقب بعروة الصعاليك وسبب ذلك
وكان يلقب عروة الصعاليك لجمعه إياهم وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم ولم يكن لهم معاش ولا مغزى، وقيل: بل لقب عروة الصعاليك لقوله:
لحي الله صعلوكا إذا جن ليلـه مصافي المشاش آلفا كل مجزر
يعد الغنى من دهره كـل لـيلة أصاب قراها من صديق ميسر
ولله صعلوك صفيحة وجـهـه كضوء شهاب القابس المتنـور شرف نسبه وتمنى الخلفاء أن يصاهروه
أو ينتسبوا إليه:
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال بلغني أن معاوية قال:

صفحة : 268

لو كان لعروة بن الورد ولد لأحببت أن أتزوج إليهم.
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي، وحدثنا إبراهيم بن أيوب عن عبد الله بن مسلم قلا جميعا: قال عبد الملك بن مروان: ما يسرني أن أحدا من العرب ولدني ممن لم يلدني إلا عروة بن الورد لقوله:
إني امرؤ عافي إنـائي شـركة وأنت امرؤ عافي إنائك واحـد
أتهزأ مني أن سمنت وأن تـرى بجسمي مس الحق والحق جاهد
أفرق جسمي في جسوم كثـيرة وأحسوا قراح الماء والماء بارد قال الحطيئة لعمر بن الخطاب
كنا نأتم في الحرب بشعره:
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر بن شبة قال: بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للحطيئة: كيف كنتم في حربكم? قال: كيف كنتم في حربكم? قال: كنا ألف حازم، قال: وكيف? قال: كان فينا قيس بن زهير وكان حازما وكنا لا نعصيه، وكنا نقدم إقدام عنترة، ونأتم بشعر عروة بن الورد، وننقاد لأمر الربيع بن زياد.
قال عبد الملك إنه أجود من حاتم
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال ويقال: إن عبد الملك قال: من زعم أن حاتما أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد.
منع عبد الله بن جعفر معلم ولده من أن يرويهم قصيدة له يحث فيها على الاغتراب: أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنا معن بن عيسى قال: سمعت أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال لمعلم ولده: لا تروهم قصيدة عروة بن الورد التي يقول فيها:
دعيني للغنى أسعى فإنـي رأيت الناس شرهم الفقير ويقول: إن هذا يدعوهم إلى الاغتراب عن أوطانهم خبر عروة مع سلمى
سببته وفداء أهلها بها:
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبد العزيز بن عمران الزهري عن عامر بن جابر قال: أغار عروة بن الورد على مزينة فأصاب منهم امرأة من كنانة ناكحا، فاستاقها ورجع وهو يقول:
تبغ عديا حيث حـلـت ديارهـا وأبناء عوف في القرون الأوائل
فإلا أنل أوسا فإني حسـبـهـا بمنبطح الأدغال من ذي السلائل ثم أقبل سائرا حتى نزل ببني النضير، فلما رأوها أعجبتهم فسقوه الخمر، ثم استوهبوها منه قوهبها لهم، وكان لا يمس النساء، فلما أصبح وصحا ندم فقال:
سقوني الخمر ثم تكنفوني الأبيات: قال: وجلاها النبي صلى الله عليه وسلم مع من جلا من بني النصير

صفحة : 269

وذكر أبو عمرو الشيباني من خبر عروة بن الورد وسلمى هذه أنه أصاب امرأة من بني كنانة بكرا يقال لها أنها أرغب الناس فيه، وهب تقول له: لو حججت بي فأمر على أهلي وأراهم فحج بها، فأتى مكة ثم أتى المدينة، وكان يخالط من أهل يثرب بني النضير فيقرضونه إن احتاج ويبايعهم إذا غنم، وكان قومها يخالطون بني النضير، فأتوهم وهو عندهم؛ فقالت لهم سلمى: إنه خارج بي قبل أن يخرج الشهر الحرام، فتعالوا إليه وأخبروه أنكم تستحيون أن نكون امرأة منكم معروفة النسب صحيحته سبية ، وافتدوني منه فإنه لا يرى أني أفارقه ولا أختار عليه أحدا، فأتوه فسقوه الشراب، فلما ثمل قالوا له: فادنا بصاحبتنا فإنها وسيطة النسب فينا معروفة، وإن علينا سبة أن تكون سبية، فإذا صارت إلينا وأردت معاودتها فاخطبها إلينا فإننا ننكحك؛ فقال لهم: ذاك لكم، ولكن لي الشرط فيها أن تخيروها، فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها وإن اختارتكم انطلقتم بها؛ قالوا: ذاك لك؛ قال: دعوني أله بها الليلة وأفادها غدا، فلما كان الغد جاءوه فامتنع من فدائها؛ فقالوا له: قد فاديتنا بها منذ البارحة، وشهد عليه بذلك جماعة ممن حضر، فلم يقدر على الامتناع وفاداها، فلما فادوه بها خيروها فاختارت أهلها، ثم أقبلت عليه فقالت: ياعروة أما إني أقول فيك وإن فارقتك الحق: والله ماأعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خير منك وأغض طرفا وأقل فحشا وأجود يدا وأحمى لحقيقة؛ وما مر علي يوم منذ كنت عندك إلا والموت فيه أحب إلي من الحياة بين قومك، لأني لم أكن أشاء أن أسمع امرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا وكذا إلا سمعته؛ ووالله لا أنظر في وجه غطفانية أبدا، فارجع راشدا إلى ولدك وأحسن إليهم. فقال عروة في ذلك:
سقوني الخمر ثم كنفوني وأولها:
أرقت وصحبتي بمضيق عميق لبرق من تهامة مستـطـير
سقى سلمى وأين ديار سلمـى إذا كانت مجاورة الـسـرير
إذا حلت بأرض بني عـلـي وأهلي بـين إمـرة وكـير
ذكرت منازلا مـن أم وهـب محل الحي أسفل من نـقـير
وأحدث معهد مـن أم وهـب معرسنا بدار نبي بني النضير
وقالوا ما تشاء فقلت ألـهـو إلى الأصباح آثـر ذي أثـير
بآنسة الحديث رضاب فـيهـا بعيد النوم كالعنب العـصـير وأخبرني علي بن سليمان الأخفش عن ثعلب عن ابن الأعرابي بهذه الحكاية كما ذكر أبو عمرو، وقال فيها: إن قومها أغلوا بها الفداء، وكان معه طلق وجبار أخوه وابن عمه، فقالا له: والله لئن قبلت ما أعطوك لا تفتقر أبدا، وأنت على النساء قادر متى شئت، وكان قد سكر فأجاب إلى فدائها، فلما صحا ندم فشهدوا عليه بالفداء فلم يقدر على الامتناع. وجاءت سلمى تثني عليه فقالت: والله إنك ما علمت لضحوك مقبلا كسوب مدبرا خفيف على متن الفرس ثقيل على العدو طويل العماد كثير الرماد راضي الأهل والجانب، فاستوص ببنيك خيرا، ثم فارقته. فتزوجها رجل من بني عمها، فقال لها يوما من الأيام: يا سلمى، أثني علي كما أثنيت على عروة -وقد كان قولها فيه شهر-فقالت له: لا تكلفني ذلك فإني إن قلت الحق غضبت ولا واللات والعزى لا أكذب؛ فقال: عزمت عليك لتأتيني في مجلس قومي فلتثنين علي بما تعلمين، وخرج فجلس في ندي القوم، وأقبلت فرماها القوم والله إن شملتك لإلتحاف، وإن شربك لاستفاف، وإنك لتنام ليلة تخاف، وتشبع ليلة تضاف، وما ترضي الأهل ولا الجانب، ثم انصرفت. فلامه قومه وقالوا: ما كان أغناك عن هذا القول منها.
كان يجمع الصعاليك ويكرمهم ويغير بهم
أخبرني الأخفش عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال حدثني أبو فقعس قال:

صفحة : 270

كان عروة بن الورد إذا أصابت الناس سني شديدة تركوا في دارهم المريض والكبير والضعيف، وكان عروة بن الورد يجمع أشباه هؤلاء من دون الناس من عشيرته في الشدة ثم يحفر لهم الأسراب ويكنف عليهم الكنف ويكسبهم، ومن قوي منهم-إما مريض يبرأ من مرضه، أو ضعيف تثوب قوته-خرج به معه فأغار، وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيبا، حتى إذا أخصب الناس وألبنوا وذهبت السنة ألحق كل إنسان بأهله وقسم له نصيبه من غنيمة إن كانوا غنموها، فربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى، فلذلك سمي عروة الصعاليك، فقال في ذلك بعض السنين وقد ضاقت حاله:
لعل ارتيادي في البلاد وبغيتي وشدي حيازيم المطية بالرحل
سيدفعني يوما إلى رب هجمة يدافع عنها بالعقوق وبالبخل أغار مع جماعة من قومه على رجل
فأخذ إبله وامرأته ثم اختلف معهم فهجاهم:
فزعموا أن الله عز وجل قيض له وهو مع قوم من هلاك عشيرته في شتاء شديد ناقتين دهماوين، فنحر لهم إحداهما وحمل متاعهم وضعفاءهم على الأخرى، وجعل ينتقل بهم من مكان إلى مكان، وكان بين النقرة والربذة فنزل بهم مابينهما بموضع يقال له: ماوان. ثم إن الله عز وج قيض له رجلا صاحب مائة من الإبل قد فر بها من حقوق قومه- وذلك أول ما ألبن الناس-فقتله وأخذ إبله وامرأته، وكانت من أحسن النساء، فأتى بالإبل أصحاب الكنيف فحلبها لهم وحملهم عليها، حتى إذا دنوا من عشيرتهم أقبل يقسمها بينهم وأخذ مثل نصيب أحدهم، فقالوا: لا واللات والعزى لا نرضى حتى نجعل المرأة نصيبا فمن شاء أخذها، فجعل يهم بأن يحمل عليهم فيقتلهم وينتزع الإبل منهم، ثم يذكر أنهم صنيعته وأنه إن فعل ذلك أفسد ما كان يصنع، فأفكر طويلا ثم أجابهم إلى أن يرد عليهم الإبل إلا راحلة يحمل عليها المرأة حتى يلحق بأهله، فأبوا ذلك عليه، حتى انتدب رجل منهم فجعل له راحلة من نصيبه؛ فقال عروة في ذلك قصيدته التي أولها:
ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم كما الناس لما أمرعوا وتمولوا
وإني لمدفـوع إلـي ولاؤهـم بماوان إذ نمشي وإذ نتملمـل
وإني وإياهم كذي الأم أرهنت له ماء عينيها تفدي وتحمـل
فباتت بحد المرفقين كليهـمـا توحوح مما نالها وتـولـول
تخير من أمرين ليسا بغبـطة هو الثكل إلا أنها قد تجـمـل سبي ليلى بنت شعواء ثم اختارت أهلها فقال شعرا: وقال ابن الأعرابي في هذه الرواية أيضا: كان عروة قد سبى امرأة من بني هلال بن عامر بن صعصعة يقال لها: ليلى بنت شعواء، فمكثت عنده زمانا وهي معجبة له تريه أنها تحبه، ثم استزارته أهلها فحملها حتى أتاهم بها، فلما أراد الرجوع أبت أن ترجع معه، وتوعده قومها بالقتل فانصرف عنهم، وأقبل عليها فقال لها: يا ليلى، خبري صواحبك عني كيف أنا؛ فقالت: ما أرى لك عقلا أتراني قد اخترت عليك وتقول: خبري عني فقال في ذلك:
تحن إلى ليلى بجـو بـلادهـا وأنت عليها بالملا كنت أقـدر
وكيف ترجيها وقد حيل دونهـا وقد جاوزت حيا بتيماء منكرا
لعلك يوما أن تسـري نـدامة علي بما جشمتني يوم غضورا وهي طويلة. قال: ثم إن بني عامر أخذوا امرأة من بني عبس ثم من بني سكين يقال لها أسماء، فما لبثت عندهم إلا يوما حتى استنقذها قومها؛ فبلغ عروة أن عامر بن الطفيل فخر بذلك وذكر أخذه إياها، فقال عروة يعيرهم بأخذه ليلى بنت شعواء الهلالية:
إن تأخذوا أسماء موقـف سـاعة فمأخذ ليلى وهي عذراء أعجب
لبسنا زمانا حسنها وشـبـابـهـا وردت إلى شعواء والرأس أشيب
كمأخذنا حسناء كرها ودمعـهـا غداة اللوي معصوية يتصـبـب خرج ليغير فمنعته امرأته فعصاها وقال في ذلك شعرا: إغاثته لعبس في مجاعتهم وقال ابن الأعرابي:

صفحة : 271

أجدب ناس من بين عبس في سنة أصابتهم فأهلكت أموالهم وأصابهم جوع شديد وبؤس، فأتوا عروة بن الورد فجلسوا أمام بيته، فلما بصروا به صرخوا وقالوا: يا أبا الصعاليك، أغثنا؛ فرق لهم وخرج ليغزو بهم ويصيب معاشا، فنهته امرأته عن ذلك لما تخوفت عليه من الهلاك، فعصاها وخرج غازيا، فمر بمالك بن حمار الفزاري ثم الشمخي؛ فسأله: أين يريد? فأخبره، فأمر له بجزور فنحرها فأكلوا منها؛ وأشار عليه مالك أن يرجع، فعصاه ومضى حتى انتهى إلى بلاد بين القين، فأغار عليهم فأصاب هجمة عاد بها على نفسه وأصحابه؛ وقال في ذلك:
أرى أم حسان الغداة تلومـنـي تخوفني الأعداء والنفس أخوف
تقول سليمى لو أقمت لسـرنـا ولم تدر أنى للمقـام أطـوف
لعل الذي خوفتنا من أمامـنـا يصادفه في أهله المتخـلـف وهي طويلة: وقال في ذلك أيضا:
أليس ورائي أن أدب على العصا فيشمت أعدائي ويسأمني أهلي
رهينة قعر البيت كل عـشـية يطيف بي الولدان أهدح كالرأل
أقيموا بين لبني صدور ركابكـم فكل منايا النفس خير من الهزل
فإنكم لن تبلغوا كل هـمـتـي ولاأربى حتى تروا منبت الأثل
لعل ارتيادي في البلاد وحيلتـي وشدي حيازيم المطية بالرحـل
سيدفعني يوما إلى رب هجـمة يدافع عنها بالعقوق وبالبـخـل قصته مع هزلي أغار على فرسه


صفحة : 272

نسخت من كتاب أحمد بن القاسم بن يوسف قال حدثني حر بن قطن أن ثمامة بن الوليد دخل على المنصور؛ فقال: يا ثمامة، أتحفظ حديث ابن عمك عروة الصعاليك بن الورد العبسي? فقال: أي حديثه يا أمير المؤمنين? فقد كان كثير الحديث حسنه؛ قال: حديثه مع الهذلي الذي أخذ فرسه؛ قال: ما يحضرني ذلك فأرويه يا أمير المؤمنين؛ فقال المنصور: خرج عروة حتى دنا من منازل هذيل فكان منها على نحو ميلين وقد جاع فإذا هو بأرنب فرماها ثم أورى نارا فشواها وأكلها ودفن النار على مقدار ثلاث أذرع وقد ذهب الليل وغارت النجوم، ثم أتى سرحة فصعدها وتخوف الطلب، فلما تغيب فيها إذ الخيل قد جاءت وتخوفوا البيات. قال: فجاءت جماعة منهم ومعهم رجل على فرس فجاء حتى ركز رمحه في موضع النار وقال: لقد رأيت النار هاهنا؛ فنزل رجل فحفر قدر ذراع فلم يجد شيئا، فأكب القوم على الرجل يعذلونه ويعيبون أمره ويقولون: عنيتنا في مثل هذه الليلة القرة وزعمت لنا شيئا كذبت فيه؛ فقال: ما كذبت، ولقد رأيت النار في موضع رمحي؛ فقالوا: ما رأيت شيئا ولكن تحذلقك وتدهيك هو الذي حملك على هذا، وما نعجب إلا لأنفسنا حين أطعنا أمرك واتبعناك؛ ولم يزالوا بالرجل حتى رجع عن قوله لهم. واتبعهم عروة، حتى إذا وردوا منازلهم جاء عروة فتمكن في كسر بيت؛ وجاء الرجل إلى امرأته وقد خالفه إليها عبد أسود، وعرة ينظر، فأتاها العبد بعلبة فيها لبن فقال: اشربي؛ فقالت لا، أو تبدأ، فبدأ الأسود فشرب؛ فقالت للرجل حين جاء: لعن الله صلفك عنيت قومك منذ الليلة؛ قال: لقد رأيت نارا، ثم دعا بالعلبة ليشرب، فقال حين ذهب ليكرع: ريح رجل ورب الكعبة فقالت امرأته: وهذه أخرى، أي ريح رجل تجده في إنائك غير ريحك ثم صاحت، فجاء قومها فأخبرتهم خبره، فقالت: يتهمني ويظن بي الظنون فأقبلوا عليه باللوم حتى رجع عن قوله؛ فقال عروة: هذه ثانية. قال ثم أوى الرجل إلى فراشه، فوثب عروة إلى الفرس وهو يريد أن يذهب به، فضرب الفرس بيده وتحرك، فرجع عروة إلى موضعه، ووثب الرجل فقال: ما كنت لتكذبيني فمالك? فأقبلت عليه امرأته لوما وعدلا. قال: فصنع عروة ذلك ثلاثا وصنعه الرجل، ثم أوى الرجل إلى فراشه وضجر من كثرة ما يقوم، فقال: لا أقوم إليك الليلة؛ وأتاه عروة فحال في متنه وخرج ركضا، وركب الرجل فرسا عنده أنثى. قال عروة: فجعلت أسمعه خلفي يقول: الحقي فإنك من نسله. فلما انقطع عن البيوت، قال له عروة قال له عروة بن الورد: أيها الرجل قف، فإنك لو عرفتني لم تقدم علي، أنا عروة بن الورد، وقد رأيت الليلة منك عجبا، فأخبرني به وأرد إليك فرسك؛ قال: وما هو? قال: جئت مع قومك حتى ركزت رمحك في موضع نار قد كنت أوقدتها فثنوك عن ذلك فانثنيت وقد صدقت، ثم اتبعتك حتى أتيت منزلك وبينك وبين النار ميلان فأبصرتها منهما، ثم شممت رائحة رجل في إنائك، وقد رأيت الرجل حين آثرته زوجتك بالإناء، وهو عبدك الأسود وأظن أن بينهما مالا تحب، فقلت: ريح رجل؛ فلم تزل تثنيك عن ذلك حتى انثنيت، ثم خرجت إلى فرسك فأردته فاضطرب وتحرك فخرجت إليه، ثم خرجت وخرجت، ثم أضربت عنه، فرأيتك في هذه الخصال أكمل الناس ولكنك تنثني وترجع؛ فضحك وقال: ذلك لأخوال السوء، والذي رأيت من صرامتي فمن قبل أعمامي وهم هذيل، وما رأيت من كعاعتي فمن قبل أخوالي وهم بطن من خزاعة والمرأة التي رأيت عندي امرأة منهم وأنا نازل فيهم، فذلك التي رأيت عندي امرأة منهم وأنا نازل فيهم، فذلك الذي يثنيني عن أشياء كثيرة، وأنا لاحق بقومي وخارج عن أخوالي هؤلاء ومخل سبيل المرأة، ولولا ما رأيت من كعاعتي لم يقو على مناوأة قومي أحد من العرب. فقال عروة: خذ فرسك راشدا؛ قال: ما كنت لآخذه منك وعندي من نسله جماعة مثله، فخذه مباركا لك فيه. قال ثمامة: إن له عندنا أحاديث كثيرة ما سمعنا له بحديث هو أظرف من هذا.
قصة غزوان لماوان وحديثه مع غلام تبين بعد أنه ابنه: قال المنصور: أفلا أحدثك له بحديث هو أظرف من هذا? قال: بلى يا أمير المؤمنين، فإن الحديث إذا جاء منك كان له فضل على غيره؛ قال: خرج عروة وأصحابه حتى أتى ماوان فنزل أصحابه وكنف عليهم كنيفا من الشجر، وهم أصحاب الكنيف الذي سمعته قال فيهم:
ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم كما الناس لما أمرعوا وتمولوا

صفحة : 273

وفي هذه الغزاة يقول عروة:
أقول لقوم في الكنيف تروحوا عشية قلنا حول ماوان رزح وفي هذه القصيدة يقول:
ليبلغ عذرا أو يصيب غنـيمة وملغ نفس عذرها مثل منجح ثم مضى يبتغي لهم شيئا وقد جهدوا، فإذا هو بأبيات شعر وبامرأة قد خلا من سنها وشيخ كبير كالحقاء الملقى، فكمن في كسر بيت منها، وقد أجدب الناس وهلكت الماشية، فإذا هو في البيت بسحور ثلاثة مشوية - فقال ثمامة: ومالسحور? قال: الحلقوم بما فيه- والبيت خال فأكلها، وقد مكث قبل ذلك يومين لا يأكل شيئا فأشبعته وقوي، فقال: لا أبالي من لقيت بعد هذا. ونظرت المرأة فظنت أن الكلب أكلها فقالت للكلب: أفعلتها ياخبيث وطردته. فإنه لكذلك إذا هو عند المساء بإبل قد ملأت الأفق وإذا هي تلتفت فرقا، فعلم أن راعيها جلد شديد الضرب لها، فلما أتت المناخ بركت، ومكث الراعي قليلا ثم أتى ناقة منها فمرى أخلاقها، ثم وضع العلبة على ركبتيه وحلب حتى ملأها، ثم أتى الشيخ فسقاه، ثم أتى ناقة أخرى ففعل بها ذلك وسقى العجوز، ثم أتى أخرى ففعل بها كذلك فشرب هو، ثم التفع بثوب واضطجع ناحية، فقال الشيخ للمرأة وأعجبه ذلك: كيف ترين ابني? فقالت: ليس بابنك قال: فابن من ويلك? قالت: ابن عروة بن الورد، قال: ومن أين? قالت: أتذكر يوم مر بنا يريد سوق ذي المجاز فقلت: هذا عروة بن الورد، ووصفته لي بجلد فإني استطرفته. قال: فسكت، حتى إذا نوم وثب عروة وصاح بالإبل فاقتطع منها نحوا من النصف ومضى ورجا ألا يتبعه الغلام- وهو غلام حين بدا شاربه-فاتبعه. قال: فاتخذا وعالجه، قال: فضرب به الأرض فيقع قائما، فتخوفه على نفسه، ثم واثبه فضرب به وبادره، فقال: إني عروة بن الورد، وهو يريد أن يعجزه عن نفسه. قال: فارتدع، ثم قال مالك ويلك لست ينهاك عن شيء، قال: الذي بقي من عمر الشيخ قليل، وأنا مقيم معه مابقي، فإن له حقا وذماما، فإذا هلك فما أسرعني إليك، وخذ من هذا الإبل بعيرا؛ قلت: لا يكفيني، إن معي أصحابي قد خلفتهم؛ قال: فثانيا، قلت لا؛ قال: فثالثا، والله لازدتك على ذلك. فأخذها ومضى إلى أصحابه، ثم إن الغلام لحق به بعد هلاك الشيخ. قال: والله يا أمير المؤمنين لقد زينته عندنا وعظمته في قلوبنا؛ قال: فهل أعقب عنكم? قال لا، ولقد كنا نتشاءم بأبيه، لأنه هو الذي وقع الحرب بين عبس وفزاره بمراهنته حذيفة، ولقد بلغني أنه كان له ابن أسن من عروة فكان يؤثره على عروة فيما يعطيه ويقربه، فقيل له: أتؤثر الأكبر مع غناه عنك على الأصغر مع ضعفه قال: أترون هذا الأصغر لئن بقي مع ما رأى من شدة نفسه ليصبرن الأكير عيالا عليه.

صوت من المائة المختارة

أزرى بنا أننا شالت نعامتنـا فخالني دونه بل خلته دوني
فإن تصبك من الأيام جائحة لم أبك منك على دنيا ولادين الشعر لذي الإصبع العدواني، والغناء لفيل مولى العبلات هزج خفيف بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. معنى قوله أزرى بنا: قصر بنا، يقال: زريت عليه إذا عبت عليه فعله، وأزريت به إذا قصرت به في شيء. وشالت نعامتهم إذا انتقلوا بكليتهم، يقال: شالت نعامتهم، وزف رألهم، إذا انتقلوا عن لاموضع فلم يبق فيه منهم أحد ولم يبق لهم فيه شيء. وخالني: ظنني، يقال: خلت كذا وكذا فأنا أخاله إذ ظننته. والجائحة: النازلة التي تحتاج ولاتبقى على ما نزلت به.

ذكر ذي الإصبع العدواني ونسبه وخبره
نسبه وهو شاعر فارس جاهلي
هو حرثان بن الحارث بن محرث بن ثعلبة بن سيار بن ربيعة بن هبيرة بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، أحد بني عدوان وهم بظن من جديلة. شارع فارس من قدماء الشعراء في الجاهلية وله غارات كثيرة على العرب ووقائع مشهورة فنيت عدوان فرثاها
أخبرنا محمد بن خلف وكيع وابن عمار والأسدي، قالوا حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أبو عثمان المازني عن الأصمعي قال: نزلت عدوان على ماء فأحصوا فيهم سبعين ألف غلام أغرل سوى من كان مختونا لكثرة عددهم، ثم وقع بأسهم بينهم فتفانوا فقال ذو الإصبع: صوت

عذير الحي من عدوا ن كانوا حية الأرض

صفحة : 274


بغى بعضهم بعـضـا فلم يبقوا على بعـض
فقد صـاروا أحـاديث برفع القول والخفض
ومنهم كانت الـسـادا ت والموفون بالقرض
ومنهم من يجيز الـنـا س بالسنة والفـرض
ومنهم حكم يقـضـي فلا ينقض ما يقضي وأما قول ذي الأصبع
ومنهم حكم يقضي فإنه يعني عامر بن الظرب العدواني، كان حكما للعرب تحتكم إليه.
من قرعت له العصا: حدثنا محمد بن العباس اليزيدي عن محمد بن حبيب قال: قيس تدعى هذه الحكومة وتقول: إن عامر بن الظرب العدواني هو الحكم وهو الذي كانت العصا تقرع له، وكان قد كبر فقال له الثاني من ولده: إنك ربما أخطأت في الحكم فيحمل عنك؛ قال: فاجعلوا لي أمارة أعرفها فإذا زغت فسمعتها رجعت إلى الحكم والصواب، فكان يجلس قدام بيته ويقعد ابنه في البيت ومعه العصا، فإذا زاغ أو هفا قرع له الجفنة فرجع إلى الصواب. وفي ذلك يقول المتلمس:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وماعلم الإنسان إلا لـيعـلـمـا قال ابن حبيب: وربيعه تدعيه لعبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام. واليمن تدعيه لربيعة بن مخاشن، وهو ذو الأعواد، وهو أول من جلس على منبر أو سرير وتكلم،؛ وفيه يقول الأسود بن يعفر:
ولقد علمت لوأن علمي نافعي أن السبيل سبيل ذي الأعواد أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي أبو دلف قال أهبرنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال: زعم أبو عمر بن العلاء أنه ارتحلت عدوان من منزل، فعد فيهم أربعون ألف غلام أقلف. قال الرياشي وأخبرني رجل عن هشام بن الكلبي قال: وقع على إياد البق فأصاب كل رجل منهم بقتان.
استعراض عبد الملك أحياء العرب
وسؤاله عن ذي الإصبع:
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن نعيم قال حدثنا أحمد بن عبيد أبو عصيدة قال أخبرني محمد بن زياد الزيادي، وأخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني عمر بن شبة ولم يسنده إلى أحد وروايته أتم: أن عبد الملك بن مروان لما قدم الكوفة بعد قتله مصعب بن الزبير جلس لعرض أحياء العرب-وقال عمر بن شبة: إن مصعب بن الزبير كان صاحب هذه القصة- فقام إليه معبد بن خالد الجدلي، وكان قصيرا دميما، فتقدمه إليه رجل منا حسن الهيئة؛ قال معبد: فنظر عبد الملك إلى الرجل وقال: ممن أنت? فسكت ولم يقل شيئا وكان منا، فقلت من خلف: نحن يا أمير المؤمنين من جديلة؛ فأقبل على الرجل وتركني? فسكت ولم يقل شيئا وكان منا، فقلت من خلفه: نحن يا أمير المؤمنين منجديلة؛ فأقبل على الرجل وتركني، فقال: من أيكم ذو الإصبع? قال الرجل: لا أدري؛ فقلت: نهشته حية في إصبعه فيبست؛ فأقبل على الرجل وتركني، فقال: وبم كان يسمى قبل ذلك? قال الرجل: لا أدري؛ قلت: كان يسمى حرثان؛ فأقبل على الرجل وتركني، فقال: من أي عدوان كان? فقلت من خلفه: من بني ناج الذين يقول فيهم الشاعر:
وأما بنو ناج فلا تذكرنـهـم ولاتتبعن عينيك ما كان هالكا
إذا قلت معروفا لأصلح بينهم يقول وهيب لا أسالم ذلكـا وروى عمر بن شبة: لاأسلم
فأضحى كظهر الفحل جب سنامه يدب إلى الأعداء أحدب باركـا فأقبل على الرجل وتركني وقال أنشدني قوله:
عذير الحي من عدوان قال الرجل: لست أرويها؛ قلت يا أمير المؤمنين إن شئت أنشدتك؛ قال: ادن مني، فإني أراك بقومك عالما؛ فأنشدته:
وليس المرء في شيء من الإبرام والنقـص
إذا أبـرم أمـرا خـا له يقضي وما يقضي
يقول اليوم أمـضـيه ولا يملك ما يمضـي
عذير الحي من عـدوا ن كانوا حية الأرض
بغى بعضهم بعـضـا فلم يبقوا على بعـض
فقد صـاروا أحـاديث برفع القول والخفض
ومنهم كانت الـسـادا ت والموفون بالقرض
ومنهم حكم يقـضـي فلا ينقض ما يقضي
ومنهم من يجيز الـنـا س بالسنة والفـرض
وهم من ولدوا أشبـوا بسر الحسب المحض

صفحة : 275


ومـمـن ولـدوا عــام ر ذو الطول وذو العرض
وهـم بـووا ثـقـيفـا دا ر لاذل ولاخـفـــض فأقبل على الرجل وتركني وقال: كم عطاؤك? فقال: ألفان، فأقبل علي فقال: كم عطاؤك? فقلت: خمسمائة؛ فأقبل على كاتبه وقال: اجعل الألفين لهذا والخمسمائة لهذا؛ فانصرفت بها.
وقوله: ومنهم من يجيز الناس فإن إجازة الحج كانت لخزاعة فأخذتها منهم عدوان فصارت إلى رجل منهم يقال له أبو سيارة أحد بني وابش بن يزيد بن عدوان وله يقول الراجز:
خلوا السبيل عن أبي سيارة وعن مواليه بن فـزاره
حتى يجيز سالما حمـاره مستقبل الكعبة يدعو جاره قال: وكان أبو سيارة يجيز الناس في الحج بأن يتقدمهم على حمار، ثم يخطبهم فيقول: اللهم أصلح بين نسائنا، وعاد بين رعائنا، واجعل المال في سمحائنا، أوفوا بعهدكم، وأكرموا جاركم، واقروا ضيفكم، ثم يقول: أشرق ثبير كما نغير، وكانت هذه إجازته، ثم ينفر ويتبعه الناس. ذكر ذلك أبو عمرو الشيباني والكلبي وغيرهما.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-26-2006, 12:16 AM   المشاركة رقم: 32
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.26 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

قصته مع بناته الأربع وقد أردن الزواج
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو بكر العليمي قال حدثنا محمد بن داود الهشامي قال: كان لذي الإصبع أربع بنات وكن يخطبن إليه فيعرض ذلك عليهن فيستحين ولا يزوجهن، وكانت أمهن تقول: لو زوجتهن فلا يفعل. قال: فخرج ليلة إلى متحدث لهن فاستمع عليهن وهن لا يعلمن فقلن: تعالين نتمنى ولنصدق، فقالت الكبرى:
ألا ليت زوجي من أناس ذوي غنى حديث الشباب طيب الريح والعطر
طبيب بأدواء الـنـسـاء كـأنـه خليفة جان لاينـام عـلـى وتـر فقلن لها: أنت تحبين رجلا ليس من قومك. فقالت الثانية:
ألا هل أراها ليلة وضـجـيعـهـا أشم كنصل السيف غير مـبـلـد
لصوق بأكباد النـسـاء وأصـلـه إذا ما انتمى من سر أهلي ومحتدي فقلن لها: أنت تحبين رجلا من قومك. فقالت الثالثة:
ألا ليته يملا الجفـان لـضـيفـه له جفنة يشقى بها النيب والجـزر
له حكمات الدهر من غير كبـرة تشين ولا الفاني ولا الضرع الغمر فقلن لها: أنت تحبين رجلا شريفا. وقلن للصغرى: تمني؛ فقالت: ماأريد شيئا؛ قلن: والله لاتبرجين حتى نعلم ما في نفسك؛ قالت: زوج من عود خير من قعود. فلما سمع ذلك أبوهن زوجهن أربعتهن. فمكثن برهة ثم اجتمعن إليه، فقال للكبرى: يا بنية، ما مالكم? قالت: الإبل؛ قال: فكيف تجدونها? قالت: خير مال، نأكل لحومها مزعا، ونشرب ألبانها جرعا، وتحملنا وضيفنا معا؛ قال: فكيف تجدين زوجك? قالت: خير زوج يكرم الحليلة، ويعطي الوسيلة؛ قال: فكيف تجدين زوجك? قالت: خير زوج يكرم الحليلة، ويعطي الوسيلة؛ قال: مال عميم وزوج كريم. ثم قال للثانية: يا بنية ما مالكم? قالت: البقر؛ قال: فكيف تجدونها؛ قالت: خير مال، تألف الفناء، وتودك السقاء، وتملأ الإناء، ونساء في نساء؛ قال: فكيف تجدين زوجك? قالت: خير زوج يكرم أهله وينسى فضله؛ قال: حظيت ورضيت. ثم قال للثالثة: ما مالكم? قالت: المغزى؛ قال: فكيف تجدونها? قالت: لابأس بها نولدها فطما، ونسلخها أدما؛ قال: فكيف تجدين زوجك? قالت: لابأس به ليس بالبخيل الحكر ولا بالسمح البذر، قال: جدوى مغنية. ثم قال للرابعة: يا بنية، مالكم? قالت: الضأن؛ قال: وكيف تجدونها? قالت: شر مال، جوف لا يشبعن، وهيم لاينقعن، وصم لايسمعن، وأمر مغويتهن يتبعن؛ قال: فكيف تجدين زوجك? قالت: شر زوج، يكرم نفسه ويهين عرسه؛ قال: أشبه أمرأ بعض بزه .
وذكر الحسن بن عليل العنزي في خبر عدوان الذي رواه عن أبي عمرو بن العلاء أنه لا يصح من أبيات ذي الإصبع الضادية إلا الأبيات التي أنشدها وأن سائرها منحول.
خرف واهترأ وقال في ذلك شعرا
أخبرني عمي قال حدثني محمد بن عبد الله الحزنبل قال حدثني عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال: عمر ذو الإصبع العدواني عمرا طويلا حتى خرف وأهتر وكان يفرق ماله، فعذله أصهاره ولاموه وأخذوا على يده؛ فقال في ذلك:
أهلكنا الليل والنهار مـعـا والدهر يعدو مصمما جذعا

صفحة : 276


فليس فيما أصابني عـجـب إن كنت شيبا أنكرت أو صلعا
وكنت إذ رونق الشبـاب بـه ماء شبابي تخالـه شـرعـا
والحي فيه الفتاة ترمـقـنـي حتى مضى شأو ذاك فانقشعا
صوت

إنكما صاحبـي لـم تـدعـا لومي ومهما أضق فلن تسعا
لم تعقلا جفوة علـي ولـم أشتم صديقا ولم أنل طبعـا
إلا بأن تكذبـا عـلـي ومـا أملك أن تكذبا وأن تـلـعـا لابن سريح في هذه الأبيات لحنان: أحدهما ثاني ثقيل بالسبابة والبنصر عن يحيى المكي، والآخر ثقيل أول عن الهشامي.

وإنني سوف أبتـدي بـنـدى ياصاحبي الغداة فآستـمـعـا
ثم سلا جارتي وكـنـتـهـا هل كنت فيمن أراب أو خدعا
أو دعتاني فلم أجب، ولـقـد تأمن من حليلتي الفـجـعـا
آبى فلا أقرب الـخـبـاء إذا ماربه بعد هـدأة هـجـعـا
ولا أروم الفـتـاة زورتـهـا إن نام عنها الحليل أو شسعـا
وذاك في حقبة خلت ومضت والدهر ياي على الفتى لمعـا
إن تزعما أنني كبرت فـلـم أفل ثقيلا نكـسـا ولاورعـا
إما ترى شكتي رمـيح أبـي سعد فقد أحمل السلاح معـا أبو سعد: ابنه، ورميح: عصا كانت لابنه يلعب بها مع الصبيان يطاعنهم بها كالرمح، فصار يتوكأ هو عليها ويقوده ابنه هذا بها:
السيف والرمح والكنـانة قـد أكملت فيها معابلا صنـعـا
والمهر صافي الأديم أصنعـه يطير عنه عفـاؤه قـزعـا
أقصر مـن قـيده وأردعـه حتى إذا السرب ريع أو فزعا
كان أمام الجـياد يقـدمـهـا يهز لدنا وجؤجـؤا تـلـعـا
فغامس الموت أو حمى ظعنا أو رد نهبا لأي ذاك سـعـى وصيته لابنه عند موته
قال أبو عمرو: ولما احتضر ذو الإصبع دعا ابنه سيدا فقال له: يا بني، إن أباك قد فني وهو حي وعاش حتى سشم العيش، وإني موصيك بما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته، فاحفظ عني: ألن جانبك لقومك يحبوك، وتواضع لهم يرفعوك، وابسط لهم وجهك يطيعوك، ولا تستأثر عليهم بشيء يسودوك؛ وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم يكرمك كبارهم ويكبر على مودتك صغارهم، واسمح بمالك، واحم حريمك، وأعزز جارك، وأعن من استعان بك، وأكرم ضيفك، وأسرع النهضة في الصريخ، فإن لك أجلا لا يعدوك، وصن وجهك عن مسألة أحد شيئا، فبذلك يتم سوددك؛ ثم أنشأ يقول:
أأسـيد إن مـالا مـلـك ت فسر به سيرا جمـيلا
آخ الكرام إن استـطـع ت إلى إخائهم جملا ذلولا
وأشرب بكـأسـهـم وإن شربوا به السم الثـمـيلا
أهن الـلـئام ولاتـكـن لإخائهم جـمـلا ذلـولا
إن الـكـرام إذا تـــوا خيهم وجدت لهم فضولا
ودع الذي يعد العـشـي رة أن يسيل ولن يسـيلا
ابـنـي إن الـمــال لا يبكي إذا فقد الـبـخـيلا صوت

أأسيد إن أزمعـت مـن بلد إلى بـلـد رحـيلا
فاحفظ وإن شحط المـزا ر أخـيك أو الـزمـيلا
واركب بنفسك إن همـم ت بها الحزونة والسهولا
وصل الكرام وكن لمـن ترجو مودتـه وصـولا الغناء للهذلي خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو.

ودع التوانـي فـي الأمـو ر وكن لها سلسـا ذلـولا
وابسط يمينـك بـالـنـدى وامدد بها بـاعـا طـويلا
وابسط يديك بمـا مـلـك ت وشيد الحسـب الأثـيلا
واعـزم إذا حـاولــت أم را يفرج الهـم الـدخـيلا
وابذل لضـيفـك ذات رح لك مكرما حـتـى يزولا
واحلل علـى الأيفـاع لـل عافين واجتنب المـسـيلا
وإذا القـوم تـخـاطـرت يوما وارعدت الخـصـيلا
فاهصر كهصر الليث خض ب من فريسته الـتـلـيلا
وانزل إلى الـهـيجـا إذا أبطالها كرهوا الـنـزولا

صفحة : 277


وإذا دعيت إلى المه م فكن لفادحه حمولا استنشد معاوية قيسيا وزراد في عطائه: أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال: جرى بين عبد الله بن الزبير وعتبة بن أبي سفيان لحاء بين يدي معاوية، فجعل ابن الزبير يعدل بكلامه عن عتبة ويعرض بمعاوية، حتى أطال وأكثر من ذلك ، فالتفت إليه معاوية متمثلا وقال:
ورام بعوران الكـلام كـأنـهـا نوافر صبح نفرتها الـمـراتـع
وقد يدحض المرء الموراب بالخنا وقد تدرك المرء الكريم المصانع ثم قال لابن الزبير: من يقول هذا? فقال: ذو الإصبع؛ فقال: أترويه? قال لا؛ فقال: من هاهنا يروي هذه الأبيات? فقام رجل من قيس فقال: أنا أرويها يا أمير المؤمنين؛ فقال: أنشدني؛ فأنشده حتى أتى على قوله:
وسـاع بـرجـلـيه لآخـر قـاعـد ومعـط كـريم ذو يسـار ومـانـع
وبان لأحـسـاب الـكـرام وهـادم وخافض مولاه سـفـاهـا ورافـع
ومغض على بعض الخطوب وقد بدت له عورة من ذي القرابة ضـاجـع
وطالب حوب باللـسـان وقـلـبـه سوى الحق لاتخفى عليه الـشـرائع فقال له معاوية: كم عطاءك? قال: سبعمائة؛ قال: اجعلوها ألفا، وقطع الكلام بين عبد الله وعتبة.
شعره في ابن عمه وقد عاداه
قال أبو عمرو: وكان لذي الإصبع ابن عم يعاديه فكان يتدسس إلى مكارهه ويمشي به إلى أعدائه ويولب عليه ويسعى بينه وبين عمه ويبغيه عندهم شرا؛ فقال فيه- وقد أنشدنا الأحفش هذا الأبيات ايضا عن ثعلب والأحول السكري:
ياصاحبي قفـا قـلـيلا وتخبرا عني لمـيسـا
عمن أصابت قـلـبـه في مرها غدا نكيسـا
ولـي ابـن عـم لايزا ل إلي منكره دسيسـا
دبت له فـأحـس بـع د البرء من سقم وسيسا
إمـا عـلانـــية وإم ا مخمرا أكلا وهيسـا
إني رأيت بنـي أبـي ك يحمجون إلي شوسا
حنقا علي ولـن تـرى لي فيهم أثرا بـئيسـا
أنحوا على حر الوجـو ه بحد مئشار ضروسا
لو كنت ماء لم تـكـن عذب المذاق ولامسوسا
ملحا بعيد القعـر قـد فلت حجارته الفؤوسـا
مناع ما مـلـكـت يدا ك وسائل لهم نحوسـا وأنشدنا الأخفش عن هؤلاء الرواة بعقب هذه الأبيات- وليس من شعر ذي الإصبع ولكنه معناه-:
لو كنت ماء كنت غير عـذب أو كنت سيفا كنت غير عضب
أو كنت طرفا كنت غير نـدب أو كنت لحما كنت لحم كلـب
لو كنت مخا كنت مـخـاريرا أو كنت بردا كنت زمهـريرا
أو كنت ريحا كانت الدبـورا سبب تفرق عدوان وتقاتلهم
قال أبو عمرو، وكان السبب في تفرق عدوان وقتال بعضهم بعضا حتى تفانوا: أن بني ناج بن يشكر بن عدوان أغاروا على بني عوف بن سعد بن ظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان، ونذرت بهم بنو عوف فاققتلوا، فقتل بنو ناج ثمانية نفر، فيهم عمير بن مالك سيد بني عوف، وقتلت بنو عوف رجلا منعم يقال له سنان بن جابر، وتفرقوا على حرب. وكان الذي أصابوه من بني واثلة بن عمرو بن عباد وكان سيدا، فاصطلح سائر الناس على الديات أن يتعاطوها ورضوا بذلك، وأبى مرير بن جابر أن يقبل بسنان بن جابر دية ، واعتزل هو وبنو أبيه ومن أطاعهم ومن والاهم، وتبعه علىذلك كرب بن خالد أحد بني عبس بن ناج، فمشى إليهما ذو الإصبع وسألهما قبول الدية وقال: قد قتل منا ثمانية نفر فقبلنا الدية وقتل منكم رجل فاقبلوا ديته؛ فأبيا ذلك وأقاما الحرب، فكان ذلك مبدأ حرب بعضهم بعضا حتى تفانوا وتقطعوا. فقال ذو الإصبع في ذلك:
ويابؤس للأيام والدهر هالـكـا وصرف الليالي يختلفن كذلكـا
أبعد بني ناج وسعـيك فـيهـم فلاتتبعن عينيك ما كان هالكـا
إذا قلت معروفا لأصلح بينـهـم يقول مرير لاأحـاول ذلـكـا
فأضحوا كظهر العود جب سنامه تحوم عليه الطير أحدب باركـا

صفحة : 278


فإن تك عدوان بن عمرو تفرقت فقد غنيت دهرا ملوكا هنالكـا قصيدته النونية وقال أبو عمرو: وفي مرير بن جابر يقول ذو الأصبع - وهذه القصيدة هي التي منها الغناء المذكور -وأولها:
يامن لقلب شديد الـهـم مـحـزون أمـسـى تـذكـر ريا أم هـارون
أمسى تذكرها من بعد ما شحـطـت والدهر ذو غلظ حـينـا وذو لـين
فإن يكن حبها أمسى لنـا شـجـنـا وأصبح الولي منـهـا لايوايتـينـي
فقد غنينا وشمل الدار يجـمـعـنـا أطـيع ريا وريا لاتـعـاصـينـي
نرمي الوشاة فلا نخطي مقاتلـهـم بخالص من صفاء الود مـكـنـون
ولي ابن عم علي ما كان من خلـق مختلفـان فـأقـلـيه ويقـلـينـي
أزرى بنا أننا شالت تـعـامـتـنـا فخالني دونه بل خـلـتـه دونـي
لاه ابن عمك لاأفضلت من حـسـب شيئا ولاأنت دياني فـتـحـزونـي
ولاتقوت عـيالـي يوم مـسـغـبة ولابنفسك في العزاء تـكـفـينـي
فإن ترد عرض الدنيا بمنقـصـتـي فإن ذلك ممـا لـيس يشـجـينـي
ولاترى في غير الصبر منـقـصة وماسواه فـإن الـلـه يكـفـينـي
لولا أواصرقربى لست تحفـظـهـا ورهبة الله في مولـى يعـادينـي
إذا بريتك بـريا لا أنـجـبـار لـه إني رأيتك لاتـنـفـك تـبـرينـي
إن الذي تقبض الدنيا ويبـسـطـهـا إن كان أغناك عني سوف يغنينـي
الله يعلمكـم والـلـه يعـلـمـنـي والله يجزيكم عـنـي ويجـزينـي
ماذا علي وإن كنتـم ذوي رحـمـي ألا أحبكـم إن لـم تـحـبـونـي
لو تشربون دمي لم يرو شـاربـكـم ولادماؤكـم جـمـعـا تـروينـي
ولي ابن عم لو أن الناس في كبـدي لظل محتجزا بالنـبـل يرمـينـي
ياعمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتـي ظاضربك حتى تقول الهامة اسقوني
كل امرىء صائر يوما لشـيمـتـه ظغن تخلق أخـلاقـا إلـى حـين
إني لعمرك مابابـي بـذي غـلـق عن الصديق ولاخيري بمـمـنـون
ولا لساني على الأدنى بمنـطـلـق بالمنكرات ولافتكـي بـمـأمـون
لايخرج القسر مني غير مغـضـبة ولاألين لمـن لايبـتـغـي لـينـي
وأنتم معـشـر زيد عـلـى مـائة فأجمعوا أمركم شتى فـكـيدونـي
فإن علمتم سبيل الرشد فانطـلـقـوا ظغن غبيتم طريق الرشد فأتـونـي
يارب ثوب حواشـيه كـأوسـطـه لاعيب في الثوب من حسن ومن لين
يوما شددت على فرغـاء فـاهـقة يوما من الدهر تارات تـمـارينـي
ماذا علي إذا تدعـونـنـي فـزعـا ألا أجـيبـكـم إذ لاتـجـيبـونـي
وكنت أعطيكم مالي وأمـنـحـكـم ودي على مثبت في الصدر مكنون
يارب حي شديد الشغب ذي لـجـب ذعرت من راهنمنهم ومـرهـون
رددت باطلهم في رأس قـائلـهـم حتى يظلوا خصـومـا ذا أفـانـين
ياعمرو لو كنت لي ألفيتينـي يسـرا سمحا كريما أجازي من يجازينـي قصيدته في رثاء قومه
قال ابو عمرو: وقالذو الإصبع يرثي قومه:
ولـــيس الـــمـــــرء قـــــــي شـــــــيء من الإبـــــرام والـــــــنـــــــقـــــــض
لإذا يفــــــعـــــــل شـــــــيئا خـــــــا له يقـــضـــي ومـــــا يقـــــــضـــــــي
جديد الـــعـــيش مــــــلـــــــبـــــــوس وقــــد يوشـــــــك أن ينـــــــضـــــــي
وقد مضى بعض هذه القصيدة متقدما في صدر هذه الأخبار، وتمامها:
وأمر اليوم أصلحه ولاتـــعـــرض لـــمـــا يمــــــضـــــــي
فبـــينـــا الـــمـــكـــرء فـــي عـــــــيش له مـــــن عـــــــيشة خـــــــفـــــــض
أتـــــــاه طـــــــبـــــــق يومــــــــا علـــــى مـــــــزلـــــــقة دحـــــــض
وهـــم كـــانـــوا فـــلا تـــــــكـــــــذب ذوي الـــقـــوة والــــــنـــــــهـــــــض
وهـــــم إن ولـــــــدوا أشـــــــبـــــــوا بســـر الـــحـــســـب الـــمـــحـــــــض
لهـــم كـــانــــــت أعـــــــالـــــــي الأر ض فـــالـــســـران فـــالـــــعـــــــرض

صفحة : 279


إلى ما حـازه الـحـزن فما أسهل للـحـمـض
إلى الكفرين من نـخـل ة فالداءة فـالـمـرض
لهـم كـان الــمـــا ء ولا المزجى ولاالبرص
فكان النـاس إذا هـمـوا بيسر خاشع مـغـضـي
تنـادوا ثـم ســاروا ب رئيس لهـم مـرضـي
فمن ساجلـهـم حـربـا ففي الخيبة والـخـفـش
وهم نالوا على الـشـنـآ ن والشحناء والبـغـض
معالي لم ينلـهـا الـنـا س في بسط ولاقـبـض شعر أمامة في رثاء قومها قال أبو عمرو: قالت أمامة بنت ذي الإصبع وكانت شاعرة ترثي قومها:
كم من فتى كانت له مـيعة أبلج مثل القمر الـزاهـر
قد مرت الخيل بحـافـاتـه كمر غيث لجب مـاطـر
قد لقيت فهم وعـدوانـهـا قتلا وهلكا آخر الـغـابـر
كانوا ملوكا سادة في الذرى دهرا لها الفخر على الفاخر
حتى تساقوا كأسهم بينـهـم بغيا فيا للشارب الخـاسـر
بادوا فمن يحلل بأوطانـهـم يحلل برسم مـقـفـر دائر شعره في الكبر
قال أبو عمرو: ولأمامة ابنته هذه يقول ذو الإصبع ورأته قد نهض فسقط وتوكأ على العصا فبكت فقال:
جزعت أمامة أن مشيت على العصا وتذكرت إذ نـحـن م الـفـتـيان
فلـقـبـل مـارام الإلـه بـكـيده إرما وهذا الـحـي مـن عـدوان
بعد الحكومة والفضيلة والـنـهـي طاف الزمـان عـلـيهـم بـأوان
وتفرقوا وتقطـعـت أشـلاؤهـم وتبددوا فـرقـا بـكـل مـكـان
جدب البلاد فأعقمت أرحـامـهـم والدهر غيرهم مـع الـحـدثـان
حتى أبادهـم عـلـى أخـراهـم صرعى بكل نـقـيرة ومـكـان
لاتعجبن أمـام مـن حـدث عـرا فالدهر غـيرنـا مـع الأزمـان
ذكر قيل مولى العبلات
ولاؤه وغناؤه
قال هارون بن محمد بن عبد الملك: أخبرني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان يحيى قيل عبدا للثريا ورضيا وأخواتهما بنات علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر بن عبد شمس مخهنو قال وحدثني حماد قال حدثني أبي قال حدثني ابن جناح قال حدثنا مقاحف بن ناصح مولى عبد الله بن عباس قال قال حدثني هشام بن المرية- وهي أمة، وهومولى بني مخزوك - قال: كان يحيى قيل عبدا لامرأة من العبلات، وله من الغناء: صوت

وأخرجها من بطن مكة بعد ما أصات المنادي للصلاة وأعتما
فمرت ببطن الليث تهوي كأنما تبادر بالإصباح نهبا مقسمـا والشعر لأبي دهبل الجمحي. وأول هذه القصيدة: ألا علق القلب المتيم كلثما
أبو دهبل الجمحي
وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني بحيى بن المقداد الزمعي قال حدثني عمي موسى بن يعقوب الزمعي قال أنشدني أبو دهبل الجمحي لنفسه:
ألا علق القلب المتيم كـلـثـمـا لجوجا ولم يلزم من الحب ملزمـا
خرجت بها من بطن مكة بعدمـا أصات المنادي للصلاة وأعتـمـا
فما نام من راع ولاارتد سـامـر من الحي حتى جاوزت بي يلملما
ومرت ببطن الليث تهوي كأنـهـا تبادر بالإدلاج نهبا مـقـسـمـا
أجازت على البزواء والليل كاسر جناحين بالبزواء وردا وأدهـمـا
فما ذر قرن الشمس حتى تبينـت بعليب نخلا مشرفا ومـخـيمـا
ومرت على أشطان دومة بالضحى فما خرزت للماء عينا ولافـمـا
وما شربت حتى ثنيت زمامـهـا وخفت عليها أن تحز وتكـلـمـا
فقلت لها قد تعـت غـير ذمـيمة وأصبح وادي البزك غيثا مديمـا قال فقلت له : ياعم ما كنت إلا على الريح فقال: يابن أخي إن عمك كان إذا هم فعل، وهي العجاجة، أما سمعت قول أخي ببني مرة:
إذا أقبلت قلت مشـحـونة أقلت لها الريح قلعا جفولا

صفحة : 280


وإن أدبرت قلـت مـذعـورة من الرمد تتبع هيقـا ذمـولا
وإن أغرضت خال فيها البصي رمـالايكـلـفـه أن يفـيلا
يدا سرحا ماثرا ضـبـعـهـا تسوم وتقدم رجـلا زجـولا
فمرت على كـشـب غـدوة ومرت فـويق أريك أصـيلا
تخبـط بـالـلـيل حـزانـه كخبط القوي العزيز الذلـيلا أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني ابن أصبغ السملي قال: جاء إنسان يغني إلى عياش المنقري بالعقيق فجعل يغنيه قول أبي دهبل: )ألا علق القلب المتيم كلثما( وجعل يعيده فلما أكثر قال له عياش: كم تنذر بالعجوز عافاك الله اسم أمي كلثم، قال: وتسمع العجوز، فقالت: لا والله ما كان بيني وبينه شيء. قال: ومن غنائه:
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا فخالني دونه بل خلته دوني
فإن تصبك من الأيام جائحة لانبك منك على دنيا ولادين وأول هذه الأبيات فيما أنشدناه علي بن سليمان الأخفش عن ثعلب
صوت من المائة المختارة

لي ابن عم على ما كان من خلق مختلفان فاقـلـيه ويقـلـينـي
لاه ابن عمك لاأفضلت في حسب عني ولاأنت دياني فتخـزونـي غنى هذين البيتين الهذلي ثاني ثقيل بالوسطى
وقد عجبت ومافي الدهر من عجب يد تشج وأخرى منك تـأسـونـي
صوت من المائة المختارة

ارفع ضعيفك لايحر بك ضعفه يوما فتدركه العواقب قد نمـا
يجزيك أو يثنى عليك وإن مـن أثنى عليك بما فعلت فقد جزى عروضه من الكامل . الشعر لغريض اليهودي وهو السموءل بن عادياء، وقيل إنه لابنه صعية بن غريض، وقيل إنه لزيد بن عمرو بن نفيل، وقيل إنه لورقة بن نوفل، وقيل إنه لزهير بن جناب، وقيل إنه لعامر بن المجنون الجرمي الذي يقال له: مدرج الريح، والصحيح أنه لغريض أو لابنه.

خبر غريض اليهودي
نسبه وأصل قومه
وغريض هذا من اليهود من ولد الكاهن بن هارون بن عمران صلى الله عليه وسلم، وكان موسى عليه الصلاة والسلام وجه جيشا إلى العماليق وكانوا قد طغوا ولغت غاراتهم إلى الشام وأمرهم إن ظفروا بهم أن يقتلوهم أجمعين، فظفروا بهم فقتلوهم أجمعين سوى ابن لملكهم كان غلاما جميلا فرحموه واستبقوه، وقدموا الشأم بعد وفاة موسى عليه السلام فأخبروا بني اسرائيل بما فعلوه؛ فقالوا: أنتم عصاة لاتدخلون الشأم علينا أبدا، فأخرجوهم عنها. فقال بعضهم لبعض: مالنا بلد غير البلد الذي ظفرنا به وقتلنا أهله؛ فرجعوا إلى يثرب فأقاموا بها وذلك قبل ورود الأوس والخزرج لإياها عند وقوع سيل العرم باليمن، فمن هؤلاء اليهود قريظة والنضير وبنو قنيقاع وغيرهم ولم أجد لهم نسبا فأذمكره لأنهم ليسوا من العرب فتدون العرب أنسابهم إنما حلفاؤهم، وقد شرحت أخبارهم ومايغنى به من أشعارهم في موضع آخر من هذا الكتاب.
والغناء في اللحن المختار لابن صاحب الوضوء واسمه محمد وكنيته أبو عبد الله، وكان أبوه على الميضأة بالمدينة فعرف بذلك، وهو يسير الصناعة ليس ممن خدم الخلفاء ولاشهر عندهم شهرة غيره. وهذا الغناء ماخوري بالبنصر وفيه ليونس ثاني ثقيل بالبنصر نسب له شعر هو لورقة بن نوفل
أخبرني محمد بن العباس اليزيد قال حدثنا الرياشي وعبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن الأصمعيعن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال:
ارفع ضعيفك لايحر بك ضعفه لغـريض الــيهـــودي تمثلت عائشة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعر نزل بمعناه الوحي: وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أحمد بن عيسى قال حدثنا مؤمل بن عبد الرحمن الثقفي قال حدثنا سهل بن المغيرة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أتمثل بهذين البيتين:
ارفع ضعيفك لايحر بك ضعفه يوما فتدركه العواقب قد نمـا
يجزيك أو يثني عليك وإن مـن أثنى عليك بما فعلت فقد جزى

صفحة : 281

فقال صلى الله عليه وسلم ردي على قول اليهودي قاتله الله? لقد أتاني جبريل برسالة من ربي: أيما رجل صنع إلى أخيه صنيعة فلم يجد له جزاء إلا الثناء عليه والدعاء له فقد كافأه قال أبو زيد: وقد حدثني أبو عثمان محمد بن يحيى أن هذا الشعر لورقة بن نوفل، وقد ذكر الزبير بن بكارأيضا أن هذا الشرعر لورقة بن نوفل وذكر هذين البيتين في قصيدة أولها:
رحلت قتيلة عيرها قبل الصـحـى وأخال أن شحطت بجارتك النـوى
أو كلما رحـلـت قـتـيلة غـدوة وغدت مفارقة لأرضهـم بـكـى
ولقد ركبن على السفين ملـجـجـا أذر الصديق وأنتحي دار الـعـدا
ولقد دخلت البيت يخشـى أهـلـه بعد الهدوء وبعدما سقـط الـنـدى
فوجـدت فـيه حـرة قـد زينـت بالحلي تحسبه بها جمر الغـضـا
فنعمت بالا إذ أتـيت فـراشـهـا وسقطت منها حين جئت على هوى
فلتلك لذات الشبـاب قـضـيتـهـا عني فسائل بعضهم ماذا قـضـى
فرج الرباب فليس يؤدي فـرجـه لاحاجة قضـى ولامـاء بـغـى
فارفع ضعيفك لايحر بك ضعـفـه يوما فتدركه العواقب قـد نـمـا
يجزيك أو يثني عـلـيك وإن مـن أثنى عليك بما فعلت فقـد جـزى
?ذكر ورقة بن نوفل ونسبه
نسبه وهو جاهلي اعتزل عبادة الأوثان
هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي بن قصي، وأمه هند بنت أبي كثير بن عبد بن قصي. وهو أحد من اعتزل عبادة الأوثان في الجاهلية وطلب الدين وقرأ الكتب وامتنع من أكل ذبائح الأوثان.
نسبة مافي هذا الشعر من الغناء
غير ارفع ضعيفك صوت

ولقد طرقت البيت يخشى أهله بعد الهدوء وبعدما سقط الندى
فوجدت فيه حرة قـد زينـت بالحلي تحسبه بها جمر الغضا الشعر لورقة بن نوفل. والغناء لابن محرز من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق.
أخبرنا الطوسي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عبد الله بن معاذ عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وزرقة بن نوفل كما بلغنا فقال: قد رأيته في المنام كان عليه ثيابا بيضا فقد أظن أن بو كان من أهل النار لم أر عليه البياض قال الزبير وحدثنا عبد الله بن معاذ عن معمر عن الزهري عن عائشة: أن خديجة بنت خةيل انطلقت بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبارني فيكتب بالعبرانية من الانجيل ما شاء أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك؛ قال ورقة: يابن أخي ماذا ترى? فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر مارأى فقال ورقة: ههذ الناموس الذي أنزله الله تبارك وتعالى على موسى؛ ياليتني فيها جذع، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بمثل كاجئت به إلا عودي، وإن يدركنب يومك لأنصرنك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي.
رأى بلالا يعذب لإسلامه فقال شعرا قال الزبير حدثني عثمان بن الضحاك بن عثمان بن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال قال عروة: كان بلاب لجارية من بين جمح بن عمرو، وكان يعذبونه برمضاء مكة، يلصقون ظهره بالرمضاء ليشرك بالله؛ فيقول: احد أحد، فيمر عليه ورقة بن نوفل وهو على ذلك يقول: أحد أحد، فيقول ورقة بن نوفل: أحد أحد والله يابلاب? والله لئن قتلتموه لاتخذته حنانا كأنه يقول: لأتمسحن به. وقال ورقة بن نوفل في ذلك:
لقد نصحت لأقوام وقلت لـهـم أنا النذير فلا يغـرركـم أحـد
لاتعبدن إلها غـير خـالـقـكـم فإن دعوكم فقولوا بينـنـا حـدد
سبحان ذي العرش سبحانا نعوذ به وقبل قد سبح الجودي والجـمـد
مسخر كل ماتحت السمـاء لـه لاينبغي أن يناوي ملـكـه أحـد
لاشيءمما ترى تبقى بشاشـتـه يبقى الأله ويودي المال والولـد

صفحة : 282


لم تغن عن هرمز يوما خزائنـه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولاسليمان إذ دان الشعـوب لـه والجن والإنس تجري بينها البرد مدح النبي صلى الله عليه وسلم له
والنهي عن سبه:
قال الزبير حدثني عمي قال حدثنا الضحاك بن عثمان بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأخي ورقة بن نوفل أو لابن أخيه: شعرت أني رأيت لورقة جنة ، أو جنتين . بشك هشام.
قال عروة: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب ورقة.
وقال الزبير وحدثني عمي قال حدثني الضحاك عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه: أن خديجة كانت تأتي ورقة بما يخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيه، فيقول ورقة: لئن كان مايقول حقا إنه ليأتيه الناموس الأكبر ناموس عيسى ابن مريم الذي لايجيزه أهل الكتاب إلا بثمن، ولئن نطق وأنا حي لأبلين فيه الله بلاء حسنا.

خبر زيد بن عمرو ونسبه
نسبه من قبل أبويه
هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب. وأمه جيداء بن جابر بن أبي حبيب بن فهم. وكانت جيداء عند نفيل بن عبد العزي فولدت له الخطاب أبا عمر بن الخطاب و عبدنهم، ثم مات عنها نفيل فتزوجها ابنه عمرو فولدت له زيدا، وكان هذا نكاحا ينكحه أهل الجاهلية.
اعتزل عبادة الأوثان وكان يعيب قريشا: وكان أحد من اعتزل عبادة الأوثان
وامتنع من أكل ذبائحهم، وكان يقول: يامعشر قريش، أيرسل الله قطر السماء وينبت بقل الأرض ويخلق السائمة فترعى فيه وتذبحوها لغيره ? والله ماأعلم على ظهر الأرض أحدا على دين إبراهيم غيري.
أخرجه عن مكة خطاب بن نفيل وقريش لمخالفته دينهم: أخبرنا الطوسي قالحدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب بن عبد الله ومحمد بن الضحاك عن أبيه، قالا: كان الخطاب بن نفيل قد أخرج زيد بن عمرو من مكة وجماعة من قريش ومنعوه أن يدخلها حين فارق أهل الأوثان، وكان أشدهم عليه الخطاب بن نفيل. وكان زيد بن عمرو إذا خلص إلى البيت استقبله ثم قال: لبيك حقا حقا؛ تعبدا ورقا؛ البر أرجو لا الخال، وهل مهجر كمن قال ثم يقول :
عدت بما عاذ به إبراهـيم مستقبل الكعبة وهو قائم
يقول أنفي لك عان راغم مهما تجشمني فإني جاشم ثم يسجد. قال محمد بن الضحاك عن أبيه: و هو الذي يقول:
لاهم إني حرم لاحـلـه وإن داري أوسط المحلة عند الصفا ليست بها مضلة شعره في ترك عبادة الأوثان
قال الزبير وحدثني مصعب بن عبد الله عن الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال قال هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: قال زيد بن عمرو بن نفيل:
عزلت الجن والجنان عـنـي كذلك يفعل الجلد الصـبـور
فلا العزى أدين ولاأبنيتـهـا ولاصنمي بني غـنـم أزور
ولاهـبـلا أدين وكـان ربـا لنا في الدهر إذ حلمي صغير
أربـا واحـدا أم ألـف رب أدين إذا تقسـمـت الأمـور
ألم تعلم بـأن الـلـه أفـنـى رجالا كان شأنهم الفـجـور
وأبقى آخـرين بـبـر قـوم فيربو منهم الطفل الصغـير
وبينا المرء يعثر ثـاب يومـا كما يتروح الغصن النضـير فقال ورقة بن نوفل بزيدج بن عمرو بن نفيل:
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما تجنبت تنورا من النار حامـيا
بدينك ربا ليس رب كمـثـلـه وتركك جنان الجبال كما هـيا
أقول إذا مازرت أرضا مخوفة حنانيك لاتظهر على الأعـاديا
حنانيك إن الجن كانت رجاءهم وأنت إلهي ربـنـا ورجـائيا
أدين لرب يستـجـيب ولاأرى أدين لمن لايسمع الدهر داعـيا
أقول إذا صليت في كل بـيعة تباركت قد أكثرت باسمك داعيا يقول: خلقت خلقا كثيرا يدعون ياسمك

صفحة : 283

قال الزبير وحدثني مصعب بن عبد الله قال حدثني الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة قال سمعت من أرضي يحدث: امتناعه عن ذبائح قريش
وقصته مع النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك:
أن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله وأنزل من السماء ماء وأنبت لها من الأرض نباتا ثم تذبحونها على غير اسم الله إنكارا لذلك وإعظاما له.
قال الزبي: وحدثني مصعب بن عبد الله عن الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله أنه سمع عبد الله بن عمر يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، وكان قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل، وقال: إني لاآكل إلا ماذكر اسم الله عليه.
اجتمع بالشأم مع يهودي ونصراني فسألهما عن الدين واعتنق دين ابراهيم: قال الزبير وحدثني مصعب بن عبد الله الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد على موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله قال - قال موسى: لاأراه إلا حدثه عن عبد الله بن عمر-: إن زيد بن عمرو خرج إلى الشأم يسألأ عن الدين ويتبعه، فلقي عالما فسأله اليهود عن دينهم فقال: لعلي أدين بدينكم فأخبرني بدينكم؛ فقال اليهودي: إنك لاتكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله؛ فقال زيد بن عمرو: لاأفر إلا من غضب الله وماأحمل من غضب الله شيئا أبدا وأنا أستطيع، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا? قال: ماأعلمه إلا أن يكون حنيفا؛ قال: وماالحنيف? قال: دين إبراهيم؛ فخرج من عنده وتركه. فأتى عالما من علماء النصارى فقال له نحوا مما قال لليهودي، فقال له النصراني: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله؛ فقال: إني لاأمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا أبدا وأنا أستطيع، فهل تدلين على دين ليس فيه هذا? فقال له نحوا مما قال اليهودي: لاأعلمه إلا أن يكون حنيفا؛ فخرج من عندهما وقد رضي بما أخبراه واتفقا عليه من دين إبراهيم، فلما برز رفع يديه وقال؛ اللهم إني على دين إبراهيم بلغته البعثة فخرج من الشام فقتله أهل ميفعة: قال الزبير وحدثني مصعب بن عبد الله عن الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال قال هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد بن عمرو قال: سألأت أنا وعمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد فقال: يأتي يوم القيامة أمة واحدة وأنشد محمد بن الضحاك عن الحزامي عن أبيه لزيد بن عمرو:
أسلمت وجهي لمن أسلـمـت له المزن تحمل عذبـا زلالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمـت له الأرض تحمل صخرا ثقالا
دحاها فلما استـوت شـدهـا سواء وأرسى عليها الجبـالا
زهير بن جناب وشعره في الكبر
وأما زهير بن جناب الكلبي فإنه أحد المعمرين، يقال: إنه عمر مائة وخمسين سنة وهو-فيما ذكر-أحد الذين شربوا الخمر في الجاهلية حتى قتلتهم؛ وكان قد بلغ من السن الغاية التي ذكرناها، فقال ذات يوم: إن الحي ظاعن، فقال: من هذا الذي يخالفني منذ اليوم قيل: ابن أخيك عبد اللع بن عليم؛ فقال: أو هاهنا أحد ينهاه عن ذلك قالوا: لا، فغضب وقال: لاأراني قد خولفت، ثم دعا بالخمر فشربها صرفا بغير مزاج وعلى غير طعام حتى قتلته. وهو الذي يقول في ذم لكبر وطول الحياة:
الموت خير للـفـتـى فليهلكن وبـه بـقـية
من أن يرى الشيخ البجا ل إذ تهادى بالعشـية
ابني إن أهلـك فـقـد أورثتكم مجدا بـنـية
وتركتكم أبـنـاء سـا دات زنـادكـم ورية
بل كل مانال الفـتـى قد نلته إلا الـتـحـية
مدرج الريح وسبب التسمية
وأما مدرج الريح فاسمه عامر بن المجنون الجرمي، وإنما سمي مدرج الريح بشعر قاله في امرأة كان يزعم أنه يهواها من الجن وأنها تسكن الهواء وتتراءى له، وكان محمقا؛ وشعره هذا: صوت

لابنة الجني في الجو طـل دارس الأيات عاف كالخلل

صفحة : 284


درسته الريح من بين صبا وجنوب درجت حينا وطل الغناء فيه لحنين ثقل أول بالوسطى عن الهشامي وابن المكي، وذكر حبش أنه لمعبد، وذكر عمرو بانة أن لحن حنين من خفيف الثقل الأول بالبنصر. وأخبار عامر بن المجنون تذكر في موضع آخر إن شاء الله تعالى.

سعية بن غريض وشعره وهو يحتضر
وأما سعية بن غريض فقد كان ذكر خبر جده السموءل بن غريض بن عاديا في موضع غير هذا. وكان سعية بن غريض شاعرا، وهو الذي يقول لما حضرته الوفاء يرثي نفسه: صوت
ياليت شعري حين يذكر صالحي ماذا تؤنبنـي بـه أنـواحـي
أيقلن لاتبعـد، فـري كـريهة فرجتها ببـشـارة وسـمـاح
وإذا دعيت لصعبة سهلـتـهـا أدعى بأفلح تـارية ونـجـاح -غناه ابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمر -وأسلم سعية وعمر عمرا طويلا، ويقال: إنه مات في آخر خلافة معاوية سعية بن غريض ومعاوية بن أبي سفيان
فأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية عن الهيثم بن عدي قال: حج معاوية حجتين في خلافته، وكانت له ثلاثون بغلة يحج عليه نساؤه وجواريه. قال: فحج في إحداهما فرأى شيخا يصلي في المسجد الحرام عليه ثوبان أبيضان، فقال: من هذا? قالوا: سعية بن غريض حج معاوية حجتين في خلافته، وكانت له ثلاثون بغلة يحج عليها نساؤه وجواريه. قال: فحج في إحداهما فرأى شيخا يصلي في المسجد الحرام عليه ثوبان أبيضان، فقال: من هذا? قالوا: سعية بن غري، وكان من اليهود، فأرسل إليه يدعوه، فأتاه رسوله فقال: أجب أمير المؤمنين؛ قال: أوليس قد مات أمير المؤمنين قيل: فأجب معاوية؛ فأتاه رسوله فقال: أجب أمير المؤمنين؛ قال: أو ليس قد مات أمي رالمؤمنين قيل: فأجب معاوية؛ فأتاه فيم يسلم عليه الخلافة؛ فقال له معاوية: مافعلت أرضك التي بتيماء? قال: يكسى منها العري ويرد فضلها على الجار؛ قال: أفتبيعها? قال: نعم؛ قال: بكم? قال: بستين ألف دينار، ولولا خلة أصابت الحي لم أبعها؛ قال: لقد أغليت قال: أما لو كانت لبعض أصحابك لأخذتها بستمائة ألف دينار ثم دينار ثم لم تبل قال: أجل، وإذا بخلت بأرضك فأنشدني شعر أبيك يرثي به نفسه؛ فقال: قال أبي:
ياليت شعري حين أندب هالكا ماذا تؤنبنـي بـه أنـواحـي
أيقلن لاتبعد، فـرب كـريهة فرجتها بشجـاعة وسـمـاح
ولقد أخذت الحق غير مخاصم ولقد رددت الحق غير ملاحي
وإذا دعيت لصعبة سهلتـهـا أدعى بأفلح مـرة ونـجـاح فقال: أنا كنت بهذا الشهر أولى من أبيك؛ قال: كذبت ولؤمت؛ قال: أما كذبت فنعم، وأما لؤمت فلم، قال: لأنك كنت ميت الحق في الجاهلية وميته في الأسلام، أما في الجاهلية فقاتلت النبي صلى الله عليه وسلم والوحي حتى جعل الله عز وجل كيدك المردود، وأما في الإسلام فمنعت ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلافة، وماأنت وهي وأنت طليق ابن طليق فقال معاوية: قد خرف الشيخ فأقيموه، فأخذ بيده فأقيم.
وسعية هذا هو الذي يقول: صوت

يادار سعدى بأقصى تلعة النـعـم حييت دارا على الإقواء والقـدم
ومابجزعك إلا الوحش سـاكـنة وهامد من رماد القدر والحمـم
عجنا فما كلمتنا الدار إذ سـئلـت ومابها عن جواب خلت من صمم الشعر لسعية بن غريض، والغناء لابن محرز ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر.

أخبار ابن صاحب الوضوء ونسبه
نسبه وولاؤه وسبب تسمية أيه
اسمه محمد بن عبد الله، ويكنى أبا عبد الله، مولى بني أمية، وهو من أهل المدينة؛ وكان أبوه على ميضأة المدينة فسمي صاحب الوضوء.
وهو قليل الصنعة لم يذكر له إسحاق إلا صوتين كلاهما خفيف الثقيل الثاني المعروف باالماخوري ولاذكر له غير إسحاق سواهما إلا ماهو مرسوم في الكتاب الباطل المنسوب إلى إسحاق فإن له فيه شيئا لاأصل له، وفي كتاب حبش الصيني . وهو رجل لايحصل مايقوله ويرويه.
مدح يونس الكاتب غناءه


صفحة : 285

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بت إسحاق عن أبيه عن جده عن سياط عن يونس الكاتب قال: غني ابن صاحب الوضوء في شعر النابغة:
خطاطيف حجن في حبال متينة تمد بـهـا إيد إلـيك نـوازع وفي شعر بعض اليهود:
إرفع ضعيفك لايحر بك ضعفه يوما فتدركه العواقب قد نمـا فأجاد فيهما ماشاء وأحسن غاية الإحسان؛ فقيل له: ألا تزيد وتصنع شيئا آخر ? فقال: لا والله حتى أرى غيري قد صنع مثل ماصنعت وأزيد، وإلا فحسبي هذا.
نقل له صوت فغناه في المحراب
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري وإسماعيل بن يونس الشيعي، قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي-قال ابن عمار في خبره: وكان يسمى المبارك - قال حدثنا أبو مسلمة المصبحي قال: قدم علينا أسود من أهل الكوفة فغنى:
ارفع ضعيفك لايحر بك ضعفه يوما فتدركه العواقب قد نمـا قال: فممرت بعبد الله بن عامر الأسلمي، وكان يؤمنا وهو قائم يصلي الظهر، فقلت له : قدم علينا أسود من الكوفة يغني كذا وكذا فأجاده ؛ فأشار إلي بيده أن اجلس؛ فلما قضى صلاته قال: أخذته عنه? قلت: نعم، قال: فأمره علي، ففعلت؛ قال: فلما كان بالليل صلى بنا فأداه في المجراب
صوت من المائة المختارة

التي رواها علي بن يحيى

ياليلتـي تـزداد نـكـرا من حب من أحببت بكرا
حوراء إن نظرت إلـي ك سقتك بالعينين خمرا الشعر لبشار، والغناء في اللحن والغناء ليزيد حوراء رمل بالبنصر عن عمرو ويحيى المكي وإسحاق. وفيه لسياط خفيف رمل بالوسطى عن عمرو وإبراهيم الموصلي.

أخبار بشار بن برد ونسبه
نسبه وكنيته وطبقته في الشعراء
هو، فيما ذكره الحسن بن علي عن محمد بن القاسم بن مهروية عن غيلان الشعوبي، بشار بن برد بن يرجوخ بن أزدكرد بن شروستان بن بهمن بن دارا بن فيروز بن كرديه بن ماهفيدان بن دادان بن بهمن بن بن أزدكرد بن حسيس بن مهران بن خسروان بن أخشين بن شهر داد بن نبوذ بن ماخرشيدا نماذ بن شهريار بن بنداد سيحان بن مكر بن أدريوس بن يستاسب بن لهراسف . قال: وكان يرجوخ من طخارستان من سبى المهلب بن أبي صفرة. ويكنى بشار أبا معاذ. ومحله في الشعر وتقدمه طبقات المحدثين فيه بإجماع الرواة ورياسته عليهم من غير اختلاف في ذلك يغني عن وصفه وإطالة ذكر محله. وهو من مخضرمي شعراء الدولتين العباسية والأموية، قد شهر فيهما ومدح وهجا وأخذ سني الجوائز مع الشعراء.
أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى المنجم قال قال حميد بن سعيد.
كان بشار من شعب أدريوس بن يستاسب الملك بن لهراسف الملك. قال: وهو بشار بن برد بن بهمن بن أزدكرد بن شروستان بن بهمن بن دارا بن فيروز. قال: وكان يكنى أبا معاذ.
ولاؤه لبني عقيل: وأخبرني يحيى بن علي ومحمد بن عمران الصيرفي وغيرهما عن الحسن بن عليل العنزي عن خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه قال: كان بشار بن برد بن يرجوخ وأبوه برد من قن خيرة القشيرية امرأة المهلب بن أبي صفرة، وكان مقيما لها في ضيعتها بالبصرة المعروفة بخيرتان مع عبيد لها وإماء، فوهبت برادا بعد أن زوجته لامرأة من بني عقيل كانت متصلة بها، فولدت له امرأته وهو في ملكها بشارا فأعتقته العقيلية وأخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان برد أبو بشار مولى أم الظباء العقيلية السدوسية، فادعى بشار أنه مولى بني عقيل لنزوله فيهم.
وأخبرني امد بن العباس العسكري قال حدثنا العنزي قال حدثني رجل من ولد بشار يقال له حمدان كان قصارا بالبصرة، قال: ولاؤنا لبني عقيل؛ فقلت لأيهم? فقال: لبني ربيعة بن عقيل وأخبرني وكيع قال حدثني سليمان المدني قال قال أحمد بن معاوية الباهلي: كان بشار وأمه لرجل من الأزد، فتزوج امراة من بني عقيل، فساق إليها بشارا وأمه في صداقها، وكان بشار ولد مكفوفا فأعتقته العقيلية.
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا قعنب بن المحرز الباهلي قال حدثني محمد بن الحجاج قال:

صفحة : 286

باعت أم بشار بشارا على أم الظباء السدوسية بدينارين فأعتقته. وأم الظباء امراة أوس بن ثعلبة أحد بن تيم اللات بن ثعلبة، وهو صاحب قصر أوس بالبصرة؛ وكان أوس أحد فرسان بكر بن وائل بن بخراسان كان أبوه طسانا
وقد هجاه بذلك حماد عجرد: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا العنزي قال حدثنا محمد بن زيد العجلي قال أخبرني بدر بن مزاحم: أن بردا أبا بشار كان طيانا يضرب اللبن، وأراني أبي بيتين لنا فقال لي: لبن هذين البيتين من ضرب برد أبي بشار. فسمع هذه الحكاية حماد عجرد فهجاه فقال:
يابن برد إخسأ إليك فمثـل ال كلب في الناس أنت لا الإنسان
بل لعمري لأنت شر من الكل ب وأولى منه بكـل هـوان
ولريح الخنزير أهون من ري حك يابن الطيان ذي التـبـان أنشد للمهدي شعرا في أنه عجمي
بحضور أبي دلامة:
أخبرني يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني عن أبي الصلت البصري عن أبي عدنان قال حدثني يحيى بن الجون العبدي رواية بشار قال: قال: لما دخلت على المهدي قال لي: فيمن تعتذ يابشار? فقلت: اما اللسان والزي فعربيان، وأما الأصل فعجمي، كما قلت في شعري ياأمير المؤمنين:
ونبئت قـومـا بـهـم جـنة يقولون من ذا وكنت العـلـم
ألا أيها السـائلـي جـاهـدا ليعرفني أنا أنـف الـكـرم
نمت في الكرام بني عـامـر فروعي وأصلي قريش العجم
فإني لأغني مقـام الـفـتـى وأصبي الفتاة فما تعتـصـم قال: وكان أبو دلامة حاضرا فقال: كلا لوجهك أقبح من ذلك ووجهي مع وجهك؛ فقلت: كلا والله مارأيت رجلا أصدق على نفسه وأكذب على جليسه منك، والله إني لطويل القامة عظيم الهامة تام الألواح أسحج الخدين، ولرب مسترخي المذورين للعين فيه مراد قد جلس من الفتاة حجرة وجلست منها حيث أريد، فأنت مثلي يامرضعان قال : فسكت عني، ثم قال لي المهدي: فمن أي العجم أصلك? فقلت: من أكثرها في الفرسان، وأشدها على الأقران، أهل طخازستان؛ فقال بعض القوم: أولئك الصغد؛ فقلت: لا، الصغد تجار؛ فقال بعض القوم: اولئك الصغد؛ فقلت: لا الصغد تجار؛ فلم يردد ذلك المهدي كان كثير التلون في ولائه
للعرب مرة وللعجم أخرى:
وكان بشار كثير التلون في ولائه، شديد الشغب والتعصب للعجم، مرة يقول يفتخر بولائه في قيس:
أمنت مضرة الفحشـاء أنـى أرى قيسا تضر ولاتـضـار
كأن الناس حين تغيب عنـهـم نبات الأرض أخطأه القطـار
وقد كانت بتذمر خـيل قـيس فكان لتدمـر فـيهـا دمـار
بحي من بني عـيلان شـوس يسير الموت حيث يقال ساروا
ومانلـقـاهـم إلا صـدرنـا بري منـهـم وهـم حـرار ورمة يتبرأ من ولاء العرب فيقول
أصبحت مولى ذي الجلال وبعضهم مولى العريب فخذ بفضلك فافخر
مولاك أكرم من تمـيم كـلـهـا أهل الفعال ومن قريش المشعـر
فارجع إلى مولاك غير مـدافـع سبحان مولاك الأجـل الأكـبـر وقال يفتخر بولاء بني عقيل:
إنني من بني عقيل بن كـعـب موضع السيف من طلى الأعناق كان يلقب بالمرعث وسبب ذلك
ويكنى أبا بشار أبا معاذ، ويلقب بالمرعث.
أخبرني عمي ويحيى بن علي قالا حدثنا أبو أيوب المديني قال حدثني محم بن سلام قال: بشار المرعث هو بشار بن برد، وإما سمي المرعث بقوله:
قال ريم مـرعــث ساحر الطرف والنظر
لست والـلـه نـائلـي قلت أو يغلب القـدر
أنت إن رمت وصلنـا فانج، هل تدرك القمر قال أبو أيوب: وقال لنا ابن سلام مرة أخرى: إنما سمي بشار المرعث، لأنهه كان لقميصه جيبان: جيب عن يمينه وجيب عن شماله، فإذا أراد لبسه ضمه عليه من غير أن يدخل رأسه فيه، وإذا أراد نزعه حل أزاره وخرج منه، فشبهت تلك الجيوب بالرعاث لاسترسالها وتدليلها، وسمي من أجلها المرعث.
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا علي بن مهدي قال حدثني أبو حانم قال قال لي أبو عبيدة:

صفحة : 287

لقب بشار بالمرعث لأنه كان في أذنه وهو صغير رعاث. والرعاث: القرطة، واحدتها رعثة وجمعها رعاث، ورعثات . ورعثات الديك: اللحم المتدلي تحت حنكه؛ قال الشاعر:
سقيت أب المصرع إذ أتأني وذو الرعثات منتصب يصيح
شرابا يهرب الئبـان مـنـه ويلثغ حين يشربه الفصـيح قال: والرعث: الاسترسال والتساقط. فكان اسم القرطة اشتق منه.
كان أشد الناس تبرما بالناس
أخبرني محمد بن عمران قال حدثني العنزي قال حدثنا محمد بن بدر العجلي قال: سمعت الأصمعي يذكر أن بشارا كان من أشد الناس تبرما بالناس، وكان يقول: الحمد لله الذي دهب ببصري؛ فقيل له: ولم يا أبا معاذ? قال: لئلا ارى من أبغض. وكان يلبس قميصا له لبنتان، فإذا أراد أن ينزعه نزعه من أسفله، فبذلك سمي المرعث صفاته
أخبرني هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعي قال حدثنا قعنب بن محز عن الأصمعي قال: كان بشار ضخما، عظيم الخلق والوجه، مجدورا، طويلا، جاحظ المقلتين قد تغشاهما لحم أحمر، فكان أقبح الناس عمى وأفظعه منظرا وكان إذا أراد أن ينشد صفق بيديه وتنحنح وبصق عن يمينه وشماله ثم ينشد فيأتي بالعجب ولد أعمى وهجى بذلك وشعره في العمى أخبرنا يحيى بن علي عن أبي أيوب المديني عن محمد بن سلام قال: ولد بشار أعمى، وهو الأكمه. وقال في تصداق ذلك أبو هشام الباهلي يهجوه:
وعبدي فقا عينيك في الرحم أيره فجشت ولم تعلم لعينيك فـاقـيا
أأمك يابشار كانـت عـفـيفة? علي إذا مشي إلى البيت حافـيا قال: ولم يزل بشار منذ قال فيه هذين البيتين منكرسا: أخبرنا هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي قل: ولد بشار أعمى فما نظر إلى الدنيا قط، وكان يشبه الأشياء بعضها ببعض في شعره فيأتي بما لايقدر البصراء أن يأتوا بمثله؛ فقيل له يوما وقد أنشد قوله:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسافنا ليل تهاوى كواكبـه ماقال أحد أحسن من هذا التشبيه، فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا قط ولاشيئا فيها? فقال: إن عدم النظر يقوي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل بما ينظر إليه من الأشياء فيتوفر حسه وتذكو قريحته؛ ثم أنشدهم قوله:
عميت جنينا والذكاء من العمـى فجئت عجيب الظن للعلم موثلا
وغاض ضياء العين للعلم رافـدا لقلب إذا ماضيع الناس حصـلا
وشعر كنور الروض لاءمت بينه بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا أخبرنا هاشم قال حدثنا العنزي عن قعنب بن وحرز عن أبي عبد الله الشرادني قال: كان أبو بشار أعمى طويلا ضخما آدم مجدورا.
وأخبرني يحيى بن علي عن أبي أيوب المديني قال قال الحمراني قالت لي عمتي: زرت قرابة لي في بني عقيل فإذا أنا بشيخ أعمى ضخم ينشد:
من المفتون بشـار بـن بـرد إلى شيبان كهلـهـم ومـرد
بأن فتاتكم سـلـبـت فـؤادي فنصف عندها والنصف عندي فسألت عنه فقيل لي: هذا بشار كان يقول أزري بشعر الأذان
أخبرني محمد بن يحيى الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثنا أبو زيد قال سمعت أبا محمد التوزي يقول: قال بشار: أزري بشعري الأذان. يقول: إنه إسلامي قال الشعر وهو ابن عشر سنين
وأخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شية قال قال أبو عبيدة: قال بشار الشعر ولم يبلغ عشر سنين، ثم بلغ الحلم وهو مخشي معرة لسانه هجا جريرا فأعرض عنه استصغارا له: قال: وكان بشار يقول: هجوت جريرا فأعرض عني واستصغرني، ولو أجابني لكنت أشعر الناس.
كان الأصمعي يقول هو خاتمة الشعراء
وأخبرنا يحيى بن علي بن يحيى وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال: كان الأصمعي يقول: بشار خاتمة الشعراء، والله لولا أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم.
قال أبو زيد: كتن راجزا مفصدا جودة نقده للشعر
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال حدثني أبو عبيدة: قال سمعت بشارا يقول وقد أنشد في شعر الأعشى:
وأنكرتني وما كان الذي نكـرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا

صفحة : 288

فأنكره، وقال: هذا بيت مصنوع مايشبه كلام الأعشى؛ فعجبت لذلك. فلما كان بعد هذا بعشر سنين كنت جالسا عند يونس، فقال: حدثني أبو عمرو بن العلاء أنه صنع هذا البيت وأدخله في شعر الأعشى:
وأنكرتني وما كان الذي نكـرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا فجعلت حينئذ أزداد عجبا من فطنة بشار وصحة قريحته وجودة نقده للشعر أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثني أبو حاتم عن أبي عبيدة. قال: له اثنا عشر ألف قصيدة: قال بشار: لي اثنا عشر ألف بيت عين؛ فقيل له: هذا مالم يكن يدعيه أحد قط سواك؛ فقال: لي اثنتا عشرة ألف قصيدة، لعنها الله ولعن قائلها إن لم يكن في كل واحدة منها بيت عين وأخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا علي بن مهدي عن أبي حاتم قال: رأي أبي عبيدة فيه وفي ابن أبي حفصة
قلت لأبي عبيدة: أمروان عندك أشعر أم بشار? فقال: حكم بشار لنفسه بالاستظهار أنه قال ثلاثة عشر ألأف بيت جيد، ولايكون عدد الجيد من شعر شعراء الجاهلية والإسلام هذا العدد، وماأحسبهم برزوا في مثلها، ومروان أمدح للملوك.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا الأصمعي قال: قال بشار الشعر وله عشر سنين، فما بلغ الحلم إلا وهو مخشي معرة اللسان بالبصرة. قال: وكان يقول: هجوت جريرا فاستصغرني وأعرض عني، ولو أجابني لكنت أشعر أهل زماني أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثنا أبو العوناذل زكريا بن هارون قال: قال بشار: لي اثنا عشر ألف بيت جيد؛ فقيل به: كيف? قال: لي اثنتا عشرة ألف قصيدة، أما في كل قصيدة منها بيت جيد كلام الجاحظ عنه
وقال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين وقد ذكره: كان بشار شاعرا خطيبا صاحب منثور ومزدوج وسجع ورسائل، وهو من المطبوعين أصحاب الإبداع والاختراع المتفنينين في الشعر القائلين في أكثر أجناسه وضروبه؛ قال الشعر في حياة جرير وتعرض له، وحكي عنه أنه قال: هجوت جريرا فأعرض عني، ولو هاجاني لكنت أشعر الناس.
كان يدين بالرجعة ويكفر جميع الأمة: قال الجاحظ: زكان بشار يدين بالرجعة، ويكفر جميع الأمة، ويصوزب رأي إبليس في تقديم الناء على الطين، وذكر ذلك في شعره فقال:
الأرض مظلمة والنار مشرقة والنار معبودة مذ كانت النار هجاء واصل بن عطاء فخطب الناس بالحادة وكان يتجنب في خطبه الراء قال: وبلغه عن أبي حذيفة واصل بن عطاء إنكار لقوله وهتف به، فقال يهجوه:
مالي أشايع غزالا له عنـق كنقنق الدو إن ولى وإن مثلا
عنق الزرافة مابالي وبالكـم تكفرون رجالا كفروا رجلا قال: فلما تتابع على واصل منه مايشهد على إلحاده خطب به واصل، وكان ألثغ على الراء فكان يجتنبها في كلامه، فقال: أما لهذا الأعمى الملحد، أما لهذا المشنف المكني بأبي معاذ من يقتله? أما والله لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية لدسست إليه من يبعج بطنه في جوف منزله أو في حفله، ثم كان لايتولى ذلك إلا عقيلي أو سدوسي فقلا أبا معاذ ولم يقل بشارا، وقال المشنف ولم يقل المرعث، وقال: من سجايا الغالية وبم يقل الرافضة، وقال: في منزله ولم يقل في داره، وقال: يبعج بطنه ولم يقل يبقر، للثغة التي كانت به في الراء.
قال: وكان واصل قد بلغ من اقتداره على الكلام وتمكنه من العبارة أن حذف الراء من جميع كلامه وخطبه وجعل مكانها مايقوم مقامها.
هو أحد أصحاب الكلام الستة: أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبي عن عافية بن شبيب قال حدثني أبو سهيل قال حدثني سعيد ين سلام قال:

صفحة : 289

كان بالبصرة ستة من أصحاب الكلام: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وبشار الأعمى، وصالح بت عبد القدوس، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، ورجل من الأزد -قال أبو أحمد: يعني جرير بن حازم -فكانوا يجتمعون في منزل الأزدي ويختصمون عنده. فأما عمرو وواصل فصارا إلى الاعتزال. وأما عبد الكريم وصالح فصححا التوبة. وأمابشار فبقي متحيرا مخلطا. وأما الأزدي فمال إلى قول السمينة، وهو مذهب من مذاهب الهند، وبقي ظاهره على ما كان عليه. قال: فكان عبد الكريم بفسد الأحداث؛ فقال له عمرو بن عبيد: قد بلغني إنك تخلو بالحدث من أحداثنا فتفسده وتستزله وتدخله في دينك، فإن خرجت من مصرنا وإلا قمت فيك مقاما آتي فيه على نفسك؛ فلحق بالكوفة، فدل عليه محمد بن سليمان فقتله وصلبه بها. وله يقول بشار:
قل لعبد الكريم يابـن أبـي الـو جاء بعت الإسلام بالكفر موقـا
لاتصلي ولاتصـوم فـإن صـم ت فبعض النهار صوما رقيقـا
لاتبالي إذا أصبت مـن الـخـم ر عتيقا ألا تنكـون عـتـيقـا
ليت شعري غذاة حليت في الجي د حنيفا حـلـيت أم زنـديقـا
أنت ممن يدور في لعـنة الـل ه صديق لمن ينيك الصـديقـا رأي الأصمعي فيه وفي ابن أبي حفصة
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني الرياشي قال: سئل الأصمعي عن بشار ومروان أيهما أشعر? فقال: بشار؛ فسئل عن السبب في ذلك، فقال: لأن مروان سلك طريقا كثر من يسلكه فلم يلحق من تقدمه، وشركه فيه من كان في عصره، ويشار سلك طريقا لم يسلك وأحسن فيه وتفرد به، وهو أكثر تصرفا وفنون شعر وأغزر وأوسع بديعا، ومروان لم يتجاوز مذاهب الأوائل أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني العنزي عن أبي حاتم قال سمعت الأصمعي وقد عاد إلى البصرة من بغداد فسأله رجل عن مروان بن أبي حفصة، فقال: وجد أهل بغداد قد ختموا به الشعراء وبشار أحق بأن يختموهم به من مروان؛ فقيل له: ولم? فقال: وكيف لايكون كذلك وملكان مروان في حياة بشار يقول شعراحتى يصلحه له بشار ويقومه وهذا سلم الخاسر من طبقة مروان يزاحمه بين أيدي الخلفاء بالشعر ةيساويه في الجوائز، وسلم معتوف بأنه تبع لبشار.
مقارنته بامرىء القيس والقطامي
أخبرني جحظة قال سمعت علي بن يحيى المنجم يقول: سمعت من لاأحصي من الواة يقولون: أحسن الناس ابتداء في الجاهلية امرؤ القيس حيث يقول:
ألا أنعم صباحا أيها الطلل البالي وحيث يقول:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وفي الإسلام القطامي حيث يقول:
إنا محيوك فاسلم أيها الطلل ومن المحدثين بشار حيث يقول: صوت

أبى طلل بالجزع أن يتكلما وماذا عليه لو أجاب متيما
وبالفرع آثار بقين وباللوى ملاعب لايعرفن إلا توهما وفي هذين البيتين لابن المكي ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى من كتابه. وفيهما لابن جؤذر رمل.
مقارنة بينه وبين مروان بن أبي حفصة
أخبرني عمي عن الكرني عن أبي حاتم قال: كان الأصمعي يعجب بشعر بشار لكثرة فنونه وسعة تصرفه، ويقول: كان مطبوعا لايكلف طبعه شيئا متعذرا لاكمن يقول البيت ويحككه أياما. زكان يشبه بشارا بالأعشى والنابغة الذبياني، ويشبه مروان بزهير والحطيئة، ويقول: هو متكلف قال الكراني: قال أبو حاتم: وقلت لأبي زيد: أيما أشعر بشار أم مروان? فقال: بشار أشعر، ومروان أكفر. قال أبو حاتم: وسألت أبا زيد مرة أخرى عنهما فقال: مروان أجد وبشار أهزل؛ فحدثت الأصمعي بذلك؛ فقال: بشار يصلح للجد والهزل، ومروان لايصلح إلا لأحدهما.
كان شعره سيارا يتناشده الناس
نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال حدثنا نجم بن النطاح قال: عهدي بالبصرة وليس فيها غزل ولاغزلة إلا يروي من شعر بشار، ولانائحة ولامغنية إلا لتكسب به، ولا ذو شرف إلا وهو يهابه ويخاف معرة لسانه.
لم يأت في شعره بلفظ مستنكر: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني أحمد بن المبارك قال حدثني أبي قال:

صفحة : 290

قلت لبشار: ليس لأحد من شعراء العرب شعر إلا وقد قال فيه شيئا استنكرته العرب من ألفاظهم وشك فيه، وإنه ليس في شعرك مايشك؛ قال: ومن أين يأتيني الخطأ ولدت هاهنا ونشأت في حجورثمانين شيخا من فصحاء بني عقيل مافيهم احد يعرف كلمة من الخطأ، وإن دخلت إلى نسائهم فنساؤهم أفصح منهم، وأيفعت فأبديت إلى أن أدركت، فمن أين يأتيني الخطأ أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز ويحيى بن علي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال: كان الأصمعي يقول: إن بشارا خاتمة الشعراء، والله لولا ظأن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم.
هو أول الشعراء في جملة من اغراض الشعر
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني أبو الفضل المروزي قال حدثني بن المحرز الباهلي قال قال الأصمعي: لقي أبو عمرو بن العلاء بعض الرواة فقال له: يا أبا عمرو، من أبدع الناسبيتا? قال: الذي يقول:
لم يطل ليلي ولكن لـم أنـم ونفى عني الكرى طيف ألم
روحي عني قليلا واعلمـي أنني ياعبد من لـحـم ودم قال: فمن أمح الناس? قال: الذي يقول:
لمست بكفي كفه أبتغي الغنـى ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ماأفاد ذوو الغـنـى أفدت وأعداني فأتلفت ماعنـدي قال: فمن أهجى الناس? قال: الذي يقول:
رأيت السهيلين استوى الجود فيهما على بعد ذا من ذاك في حكم حاكم
سهيلبن عثمـان يجـود بـمـابـه كما جاد بالوجعا سهيل بن سـالـم قال: وهذه الأبيات كلها لبشار نسبة مافي هذا الخبر من الأشعار التي يغني فيها صوت

لم يطل ليلي ولكن بـم أنـم ونفى عني الكرى طيف ألم
وإذا قلت لها جـودي لـنـا خرجت بالصمت عن لاونعم
نفسي ياعبد عني واعلـمـي أنني ياعبد من لـحـم ودم
إن في بردى جسما نـاحـلا لو تركأت علـيه لأنـهـدم
حتم الحب لها في عنـقـي موضع الخاتم من أهل الذمم غناه إبراهيم هزجا بالسبابة في مجرى الوسطى عن ابن المكي والهشامي. وفيه لقعنب الأسود خفيف ثقيل. فأما الأبيات التي ذكر أبو عمرو أنه فيها أمدح الناس وأولها:
لمست بكفي كفه أبتغي الغنى فإنه ذكر لبشار. وذكر الزبير بن بكار أنها لابن الخياط في المهدي، وذكر له فيها معه خبرا طويلا قد ذكرته في أخبار ابن الخياط في هذا الكتاب.
هجا صديقه ديسما لأنه يروي هجاءه
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا علي بن مهدي الكسروي قال حدثنا أبو حاتم قال: كان شار كثير الولوع بديسم العنزي وكان صديقا له وهو مع ذلك يكثر هجاءه، وكان ديسم لايزال يحفظ شيئا من شعر حماد وأبي هشام الباهلي في بشار؛ فبلغه ذلك فقال فيه:
أديسم يابن الذئب من نحـل زارع أتروي هجائي سادرا غير مقصر قال أبو حاتم: فأنشدت أبا زيد هذا البيت وسألأته مايقول فيه، فقال: لمن هذا الشعر? فقلت: لبشار يقوله في ديسم العنزي؛ فقال: قاتله الله ماأعلمه بكلام العرب ثم قال: الديسم: ولد الذئب من الكلبة، ويقال للكلاب: أولاد زارع. والعسبار: ولد الضبع من الذئب. والسمع: ولد الذئب من الضبع. وتزعم العرب أ، السمع لايموت حتف أنفه، وأنه أسرع من الريح وإنما هلاكه بعرض من أعراض الدنيا.
مزاحه مع حمدان الخراط
أخبرنا حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال: كان بالبصرة رجل يقال له: حمدان الخراط، فاتخذ جاما لإنسان كان بشار عنده، فسألأه بشار أن يتخذ له لجاما فيه صور طير تطير، فاتخذه له وجاءه به، فقال له: مافي هذا اللجام? فقال: صور طير تطير؛ فقاتل له: قد كان ينبغي أن تتخذ فوق هذه الطير طائرا من الجوارح كأن يريد صيدها، فإنه كان أحسن؛ قال: لم أعلم؛ قال: بلى قد علمت، ولكن علمت أني أعمى لاأبصر شيئا وتهدده بالهجاء، فقال له حمدان: لاتفعل فإنك تندم؛ قال: أو تهددني أيضا قال: نعم؛ قال: فأي شيء تستطيع أن تصنع بي إن هجوتك قال: أصورك على باب داري بصورتك هذه وأجعل من خلفك قردا ينكحك حتى يراك الصادر والوارد؛ قال بشار: اللهم أخزه، أنا أمازحه وهو يأبى إلا الجد مفاخرة جرير بن علي


صفحة : 291

ابن يحيى والحسن بن علي ومحمد بن عمران الصيرفي قالوا: حدثنا العنزي قال حدثني جعفر بن محمد العدوي عن محمد بن سلام قال حدثني مخلد أبو سفيان قال: كان جرير بن المنذر السدوسي يفاخر بشارا؛ فقال فيه بشار:
أمثل بني مـصـر وائل فقدتك من فاخر ماأجن
افي النوم هذا أبا منـذر فخيرا رأيت وخيرا يكن
رأيتك والفخر في مثلها كعاجنة غير ماتطحـن وقال يحيى في خبره: فحدثني محمد بن القاسم قال حدثني عاصم بن وهب أبو شبل الشاعر البرجمي قال حدثني محمد بن الحجاج الساداني قال: كنا عند بشار وعنده رجل ينازعه في اليمانية والمضرية إذ أذن المؤذن، فقال له بشار: رويدا، تفهم هذا الكلام؛ فلما قال: أشهد أن محمدا رسول الله، قال له بشار: أهذا الذي نودي باسمه مع اسم الله عز وجل من مضر هو أم من صدأ وعك وحمير? فسكت الرجل نقده للشرع: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال أنشد بشار قول الشاعر:
وقد جعل الأعداء ينتقصوننا ونطمع فينا ألسن وعيون
ألا إنما ليلى عصا خيرزانة إذا غـمـزوهـا بــالأكـــف تـــلـــين فقال: والله لو زعم أنها عصا مخ أو عصا زبد، لقد كان جهعلها جافية خشنة بعد أن جعلها عصا ألا قال كما قلت:
ودعجاء المحاجر من معد كأن حديثها ثمر الجنـان
إذا قامت لمشيتها تثـنـت كأن عظامها من خيرزان اعتداده بنفسه
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرني محمد بن صالح بن الحجاج قال: قلت لبشار: إني أنشدت فلانا قولك:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربـه فقال لي: ما كنت أظنه إلا لرجل كبير؛ فقال لي بشار: ويلك أفلا قلت له: هو الله لأكبر الجن والإنس وعدته امرأة واعتذرت فعاتبها بشعر
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني أبو الشبل عن محمد بن الحجاج قال: كان بشار يهوى امرأة من أهل البصرة فراسلها يسألها زيارته، فوعدته بذلك ثم أخلفته، وجعل ينتظرها ليلته حتى أصبح، فلما لم تأته أرسل إليها يعاتبها فاعتذرت بمرض أصابها؛ فكتب إليها بهذه الأبيات:
ياليلـتـي تـزداد نـكـرا من حب من أحببت بكـرا
حوراء إن نظـرت إلـي ك سقتك بالعينين خـمـرا
وكأن رجـع حـديثـهـا قطع الرياض كسين زهرا
وكأن تحـت لـسـانـهـا هاروت ينفث فيه سحـرا
وتخال ماجمعـت عـلـي ه ثيابها ذهبـا وعـطـرا
وكأنـهـا بـرد الـشـرا ب صفا ووافق منك فطرا
جنــية إنـــســـية أو بين ذاك من أجل أمرا
وكفـاك أنـي لـم أحـط بشكاة من أحببت خـبـرا
إلا مـــقـــالة زائر نثرت لي الأحزان نـثـرا
متخشعا تحـت الـهـوى عشرا وتحت الموت عشرا كان إسحاق الموصلي لايعتد به ويفضل عليه مروان: حدثني جحظة قال حدثني علي بن يحيى قال: كان إسحاق الموصلي لايعتد ببشار












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-26-2006, 12:17 AM   المشاركة رقم: 33
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.26 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي


ويقول: هو كثير التخليط في شعره، وأشعاره مختلفة، لايشبه بعضها بعضا؛ أليس هو القائل:
إنما عظم سليمـى حـبـتـي قصب السكر لاعظم الجمـل
وإذا أدنيت منـهـا بـصـلا غلب المسك على ريح البصل لو قال كل شيء جيد ثم أضيف إلى هذا لزيفه. قال: وكان يقدم عليه مروان ويقول: هذا هو أشد استواء شعر منه، وكلامه ومذهبه اشبه بكلام العرب ومذاهبها، وكان لايعد أبا نواس البتة ولايرى فيه خبرا أنشد إبراهيم بن عبد الله هجوه للمنصور
ولما قتل غيرها وجعلها في هجو أبي مسلم:
حدثنا محمد بن علي بن يحيى قال حدثنا محمد بن زكريا قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن التيمي قال: دخل بشار إلى إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فأنشده قصيدة يهجو فيها المنصور ويشير عليه برأي يستعمله في أمره، فلما قتل إبراهيم خاف بشار، فقلب الكنية، وأظهر أنه كان قالها في أبي مسلم وحذف منها أبياتا وأولها:

صفحة : 292


أبا جعفر ما كول عيش بدائم ولاسالم عما قليل بسـالـم قلب هذا البيت فقال: أبا مسلم
على الملك الجبار يقتحم الردى ويصرعه في المأزق المتلاحم
كأنك لم تسمع بقتـل مـتـوج عظيم ولم تسمع بفتك الأعاجم
تقسم كسرى رهطه بسيوفهـم وأمسى أبو العباس أحلام نائم يعني الوليد بن يزيد:
وقد كان لايخشى انقـلاب مـكـيدة عليه ولاجري النـحـوس الأشـائم
مقيما على اللذات حتـى بـدت لـه وجوه المنايا حاسرات الـعـمـائم
وقـد تـرد الأيام غـرا وربـمــا وردن كلوحـا بـاديات اشـكـائم
ومروان قد دارت على رأسه الرحى وكان لما أجرمت نزر الـجـرائم
فأصبحت تجري سادرا في طريقهم ولاتتقي أشبـاه تـلـك الـنـقـائم
تجردت للإسلام تغـفـو سـبـيلـه وتعري مطاه ببيوث الـضـراغـم
فمازلت حتى استنصر الدينـأهـلـه عليك فعاذزا بالسيوف الـصـوارم
فرم وزرا ينـجـيك يابـن سـلامة فلست بناج من مـضـيم وضـائم جعل موضع يابن سلامة يابن وشيكة وهي أم أبي مسلم:
لحا الله قوما رأسوك عـلـيهـم ومازلت مرؤوسا خبيث المطاعم
أقول لبـسـام عـلـيه جـلالة غدا أريحيا عاشقا للـمـكـارم
من الفاطميين الدعاة إلى الهـدى جهارا ومن يهديك مثل ابن فاطم هذا البيت الذي خافه و حذفه بشار من الأبيات:
سراج لعين المستضـيء وتـارة يكون ظلاما للعدو الـمـزاحـم
إذا بلغ الرأي المشورة فاستـعـن برأي نصيح أو نصـيحة حـازم
ولاتجعل الشورى عليه غضـاضة فإن الخوافي قـوة لـلـقـوادم
وماخير كف أمسك الغل أختـهـا وماخير سـيف لـم يؤيد بـقـائم
وخل الهوينا للضعيف ولاتـكـن نؤوما فإن الحزم لـيس بـنـائم
وحارب إذا لم تعـط إلا ظـلامة شبا الحرب خير من قبول المظالم قال محمد بن يحيى: فحدثني الفضل بن الحباب قال سمعت أبا عثمان المازني يقول سمعت أبا عبيدة يقول: ميمية بشار هذه أحب إلي من ميميتي جرير والفرزدق.
قال محمد: وحدثني ابن الرياشي قال حدثني أبي قال: حديث بشار في المشورة
قال الأصمعي قلت لبشار: يا أبا معاذ، إن الناس يعجبون من أبيتك في المشورة؛ فقال لي: يا أبا سعيد، إن المشاور بين صواب يفوز بثمرته أو خطأ يشارك في مكروهه؛ فقلت له: أنت والله في قولك هذا أشعر منك في شعرك.
بشار والمعلي بن طريف
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا الفضل بن محمد اليزيدي عن إسحاق وحدثني به محمد بن مزيد بن أبي الأزهر عن حماد عن أبيه قال: كان بشار جالسا في دار المهدي والناس ينتظرون الإذن، فقال بعض موالي المهدي لمن حضر: ماعندكم في قول الله عز وجل: وأوحى ربك إلى النحل أن أتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر فقال له بشار: النحل التي يعرفها الناس؛ قال هيهات يا أبا معاذ، النحل: بنو هاشم، وقوله: يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس يعني العلم؛ فقال له بشار: أراني الله طعامك وشرابك وشفاءك فيما يخرج من بطون بني هاشم، فقد أوسعتنا غثاثة ؛ فغضب وشتم بشارا؛ وبلغ المهدي الخبر فدعا بهما فسألهما عن القصة، فحدثه بشار بها؛ فضحك حتى أمسك بطنه، ثم قال للرجل: أجل فجعل طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم، فإنك بارد غث. وقال محمد بن مزيد في خبره: إن الذي خاطب بشارا بهذه الحكاية وأجابه عنها من موالي المهدي المعلى بن طريف.
بشار ويزيد بن منصور الحميري
أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد بنإسحاق عن أبيه قال:

صفحة : 293

دخل يزيد بن منصور الحميري على المهدي وبشار بين يديه ينشده قصيدة امتدحه بها؛ فلما فرغ منها أقبل عليه يزيد بن منصور الحميري، وكانت فيه غفلة، فقال له: ياشيخ، ماصناعتك? فقال: فقال: أثقب اللؤلؤ؛ فضحك المهدي ثم قال لبشار: أعزب ويلك؛ أتتنادر على خالي فقال له: وماأصنع به يرى شيخا أعمى ينشد الخليفة شعرا ويسأله عن صناعته ترك جواب رجل عاب شعره للؤمه
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه قال: وقف على بشار بعض المجان وهو ينشد شعرا؛ قال له: استر شعرك كما تستر عورتك؛ فصفق بشار بيديه وغضب وقال له: قال: أنا أعزك الله رجل من باهلة، وأخوالي من سلول، وأصهاري عكل، واسمي كلب، ومولدي بأضاخ، ومنزلي بنهر بلال، فضحك بشار ثم قال: اذهب ويلك فأنت عتيق لؤمك، قد علم الله أنك استترت مني بحصون من حديد وصف قاص قصرا كبيرا في الجنة فعاب
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني الفضل بن سعيد قال حدثني أبي قال: مر بشار بقاص بالبصرة فسمعه يقول في قصصه: من صام رجبا وشعبان ورمضان بنى الله له قصرا في الجنة صحنه ألف فرسخ في مثلها وعله ألف فرسخ وكل باب من أبواب بيوته ومقاصره عشرة فراسخ في مثلها، قال: فالتفت بشار إلى قائده. فقال: بئست والله الدار هذه في كانون الثاني.
سمع صخبا في الجيران فقال
كأن القيامة قامت:
قال الفصل بن سعيد وحدثني رجل من أهل البصرة ممن كان يتزوج بالنهاريات قال: تزوجت امرأة منهن فاجتمعت معها في علو بيت وبشار تحتنا، أو كنا في أسفل البيت وبشار في علوه مع امرأة، فنهق حمار في الطريق فأجابه حمار في الجيران وحمار في الدار فارتجت الناحية بنهيقها، وضرب الحمار الذي في الددار الأرض برجله وجعل يدقها بها دقا شديدا فسمعت بشارا يقول للمرأة: نفخ -يعلم الله-في الصور وقامت القيامة أماتسمعين كيف يدق أهل القبور حتى يخرجوا منها قال: ولم يلبث أن فزعت شاة كانت في السطح فقطعت حبلها وعدت فألقت طبقا وغضارة إلى الدار فانكسرا، وتطاير حمام ودجاج كن في الدار لصوت الغضارة وبكى صبي في الدار؛ فقال بشار: صح والله الخبر ونشر أهل القبور من قبورهم أزفت-يشهد الله-الآزفة وزلزلت الأرض زلزالها؛ فعجبت من كلامه وغاظني؛ فسألت من المتكلم? فقيل لي: بشار، فقلت: قد علمت أنه لايتكلم بمثل هذا غيربشار.
نكتة له مع رجل رمحته بغلة فشكرالله
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن محمد جدار قال حدثني قدامة بن نوح قال: مربشار برجل قد رمحته بغلة وهو يقولك الحمد لله شكرا، فقال له بشار: استزده يزدك. قال: ومر به قوم يحملون جنازة وهم يشرعون المشي بها، فقال: مالهم مسرعين أتراهم سرقوه فهم يخافون أن يلحقوا فيؤخذ منهم.
مات ابن له فرثاه
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن عافية بن شبيب، وأخبرني به وكيع عن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الملك عن الحسن بن جمهور، قالا: توفي ابن لبشار فجزع عليه؛ فقيل له: أجر قدمته، وفرط افترطته، وذخر أحرزته، فقال: ولد دفنته، وثكل تعجلته، وغيب وعدته فانتظرته؛ والله لئن لم أجزع للنقص لاأفرح للزيادة. وقال يرثيه:
أجارتنا لاتجـزعـي وأنـيبـي أتاني من الموت المطل نصيبي
بني على رغمي وسخطي رزئته وبدل أحجـار وجـال قـلـيب
وكان كريحان الغصون تخـالـه ذوي بعد إشارق يسر وطـيب
أصيب بني حين أورق غصنـه وألقى علي الهم كـل قـريب
عجبت إسراع المنـية نـحـوه وماكان لومليتـه بـعـجـيب نوادره
أخبرني يحيى بن علي قالذكر عافية بن شبيب عن أبي عثمان الليثي، وحدثني به الحسن بن علي عن ابن مهروية عن أبي مسلم، قلا: رفع غلام بشار إليه في حساب نفقته جلاء مرآة عشرة دراهم، فصاح به بشار وقال: والله مافي الدنيا أعجب من جلاء مرآة أعمى بعشرة دراهم، والله لو صدئت عين الشمس حتى يبقى العالم في ظلمة مابلغت أجره من يجلوها عشرة دراهم.


صفحة : 294

أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال حدثني المغيرة بن محمد المهلبي قال حدثنا أبو معاذ النميري قال: قلت لبشار: لم مدحت يزيد ين حاتم ثم هجوته? قال: سألني أن أنيكه فلم أفعل؛ فضحكت ثم قلت: فهو كان ينبغي له أن يغضب، فما موضغ الهجاء فقال: أظنك تحب أن تكون شريكه؛ فقلت: أعوذ بالله من ذلك ويلك سئل عن شعره الغث فأجاب
حدثني الحسن بن علي قالحدثنا ابن مهروية قال حدثنا أحمد بن خلاد، وأخبرنا يحيى بن علي ومحمد بن عمران الصيرفي، قلا حدثنا العنزي قال حدثنا أحمد بن خلاد قال حدثني أبي قالت قلت لبشار: إنك لتجيء بالشي الهجين المتفاوت، قال: وماذاك? قال قلت: بينما تقول شعرا تثير به النقع وتخلع به القلوب، مثل قولك:
إذا ماغضبنا غـضـبة مـضـرية هتكنا حجاب الشمي أو تمطر الدما
إذا ماأعرنـا سـيدا مـن قـبـيلة ذرى منبر صلى علينا وسـلـمـا تقول:
ربـابة ربة الـبـيت تصب الخل في الزيت
لها عشر دجـاجـات وديك حسن الصـوت فقال: لكل وجه وموضع، فالقول الأول جد، وهذا قلته في ربابة جارتي، وأنا لاآكل البيض من السوق، وربابة هذه لها عشر دجاجات وديك فهي تجمع لي البيض وتحفظه عندها، فهذا عندها من قولي أحسن من:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل عندك.

غنني للغريض يابن قنان فقيل له: من ابن قنان هذا، لسنا نعرفه من مغني البصرة? قال: وماعليكم منه ألكم قبلة دين فتطالبوه به، أو ثأر تريدون أن تدركوه، أو كفلت لكم به فإذا غاب طالبتموني بإحضاره? قالوا: ليس بيننا وبينه شيء من هذا، وإنما أردنا أن نعرفه، فقال: هو رجل يغني لي ولايخرج من بيتي؛ فقالوا له: إلى متى? قال: مذ يوم ود إلى يوم يموت. قال: وأنشدنا أيضا في هذه القصيدة:
........ ووافـــــــا ني هلال السماء في البردان فقلنا: يا أبا معاذ. أين البردان هذا? لسنا نعرفه بالبصرة، فقال: هو بيت في بيتي سميته البردان، أفعليكم من تسميتي داري وبيوتها شيء فتسألوني عنه حدثني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني أبو غسان دماذ-واسمه رفيع بن سلمة - قال حدثني يحيى بن الجون العبدي راوية بشار قال: كنا عند بشار يوما فأنشدنا قوله:
وجارية خلقت وحـدهـا كأن النساء لديهـا خـدم
دوار العذارى إذا زرنهـا أطفن بحوراء مثل الصنم
ظمئت إليها فلنم تسقـنـي بري ولم تشفني من سقـم
وقالت هويت فمت راشدا كما مات عروة غما بغـم
فلما رأيت الهوى قاتـلـي ولست بجارولابابـن عـم
دسست إليها أبا مـجـلـز وأي فتى إن أصاب اعتزم
فمازال حتى أنابـت لـه فراح وحل لنا مـاحـرم فقال له رجل: ومن أبو مجلز هذا يا أبا معاذ? قال: وماحاجتك إليه لك عليه دين أو تطالبه بطائله هو رجل يتردد بيني وبين نعارفي في رسائل. قال: وكان كثيرا مايحشو شعره بمثل هذا.
شعره في قينة
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كانت بالبصرة قينة لبعض ولد سليمان بن علي وكانت محسنة بارعة الظرف، وكان بشار صديقا لسيدها وداحا له، فحضر مجلسه يوما والجارية تغني؛ فسر بحضوره وشرب حتى سكر ونام، ونهض بشار؛ فقالت: يا أبا معاذ، أحب أن أتذكر يومنا هذا في قصيدة ولاتذكر فيها اسمي ولا اسم سيدي وتكتب بها إليه؛ فانصرف وكتب إليه:
وذات دل كأن البدر صـورتـهـا باتت تغني عميد القلب سكـرانـا:
إن العيون التي في طرفهـا حـور قتلننا ثـم لـم يحـيين قـتـلانـا
فقلت أحسنت يا سؤلي ويا أمـلـي فأسمعيني جزاك الله إحـسـانـا:
يا حبذا جبل الـريان مـن جـبـل وحبذا ساكن الـريان مـن كـانـا
قالت فهلا، فدتك النفس، أحسن من هذا لمن كان صب العين أحـيانـا
فقلت أحسنت أنت الشمس طالـعة أضرمت في القلب والأحشاء نيرانا
فأسمعيني صوتا مطربـا هـزجـا يزيد صبا محبا فـيك أشـجـانـا

صفحة : 295


ياليتني كنت تفـاحـا مـفـلـجة أو كنت من قضب الريحان ريحانا
حتى إذا وجدت ريحي فأعجبـهـا ونحن في خلوه مثلث إنـسـتـا
فحركت عودها ثم انثنت طـربـا تشدو به ثم لاتخفيه كـتـمـانـا:
أصبحت أطوع خلق الله كـلـهـم لأكثر الخلق لي في الحب عصيانا
فقلت أطربتنا يازين مجـلـسـنـا فهات إنك بـالإحـسـان أولانـا
لو كانت أعلم أن الحب يقتلـنـي أعددت لي قبل أن ألقاك أكفـانـا
فغنت الشرب صوتا مؤنقا رمـلا يذكي السرور ويبكي العين ألوانا:
لا يقتل الله من دامـت مـودتـه والله يقتل أهل الغـدر أحـيانـا ووجه بالأبيات إليها، فبعث إليه سيدها بألفي دينار وسر بها سرورا شديدا أغضبه أعرابي عند مجزأة فهجاه
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثني الحسن بن عليل قال حدثني علي بن منصور أبو الحسن الباهلي قال حدثني أبو عبد الله المقرىء الجحدري الذي كان يقرأ في المسجد الجامع بالبصرة، قال: دخل أعرابي على مجزأة بن ثور السدوسي وبشار عنده وعليه بزة الشعراء، فقال الأعرابي: من الرجل? فقالوا: رجل شاعر؛ فقال: أمولى هو أم عربي? قالوا: بل مولى؛ فقال الأعرابي: وما للموالي وللشعر? فغضب بشار وسكت هنيهة، ثم قال: أتأذن لي أبا ثور? قال: قل ما شئت يا أبامعاذ؛ فأنشأ بشار يقول:
خليلي لاأنام على اقـتـسـار ولاآبى على مولـى وجـار
سأخبر فاخر الأعراب عنـي وعنه حين تأذن بالـفـخـار
أحيس كسيت بعد العري خـزا ونادمت الكرام على العقـار
تفاخـر ياابـن راعـية وراع بني الأحرار حسبك منخسـار
وكنت إذا طمئت إلـى قـراح شركت الكلب في ولغ الإطار
تريغ بخطبة كسر المـوانـي وينسيك المكارم صـيد فـار
وتغدو للقـنـافـذ تـدريهـا ولم تعـقـل بـدراج الـديار
وتتشح الشمال لـلابـسـيهـا وترعى الضأن بالبلد القفـار
مقامك بيننا دنـس عـلـينـا فليتك غائب فـي حـر نـار
وفخرك بين خنزير وكـلـب على مثلي من الحدث الكبـار فقال مجزأة للأعرابي: قبحك الله? فأنت كسبت هذا الشر لنفسك ولأمثالك?.
خشي لسانه حاجب محمد بن سليمان
فأذن له بالدخول:
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثني العنزي عن الرياشي قال: حضر بشار باب محمد بن سليمان، فقال له الحاجب: اصبر؛ فقال: إن الصبر لايكون إلا علي بلية؛ فقال له الحاجب: إني أظن أن وراء قولك هذا شرا ولن أتعرض له، فقم فادخل
بشار وهلال الرأي
أخبرني وكيع قال حدثنا أبو أيوب المديني عن محمد بن سلام قال: قال هلال الرأي -وهوهلال بن عطية-لبشار وكان صديقا يمازحه: إن الله لم يذهب بصر أحد إلا عوضه بشيء، فماعوضك? قالل: الطويل العريض؛ قال: وماهذا? قال: ألا أراك ولاأمثالك من الثقلاء. ثم قال له: ياهلال أتطيعني في نصيحة أخصك بها? قال نعم؛ قال: إنك كنت تسرق الحمير زمانا ثم تبت وصرت رافضيا، فعد إلى سرقة الحمير، فهي والله خير لك من الرفض قال محمد بن سلام: وكان هلال يستثقل، وفيه يقول لبشار:
وكيف يخف لي بصري وسمعي وحولي عسكران من الثـقـال
قعودا حول دسكرتي وعـنـدي كأن لهم على فـضـول مـال
إذا ماشئت صبحـنـي هـلال وأي الناس أثقل مـن هـلال وأخبرني أبو دلف الخزاعي بهذا الخبر عن يسى بن اسماعيل عن ابن عائشة، فذكر أن الذي خاطب بشارا بهذه المخاطبة ابن سيابة، فلما أجابه بشار بالجواب المذكور، قال له: من أنت? قال: ابن سيابة؛ فقال له: ياابن سيابة، لو نكح الأسد ماالفترس؛ قال: وكان يتهم بالأبنة ذم أناسا كانوا مع ابن أخيه: قال أيوب وحدثني محمد بن سلام وغيره قالوا: مر ابن أخي بشار به ومعه قوم؛ فقال لرجل معه: من هذا? فقال: ابن أخيك؛ قال: أشهد أن أصحابه أنذال؛ قال: وكيف علمت? قال: ليست لهم نعال

صفحة : 296

كان دقيق الحسك أخبرنا محمد بن علي قال حدثني عافية بن شبيب عن أبي دهمان الغلابي، قال: مررت ببشار يوما وهو جالس على بابه وحده وليس معه خلق وبيده مخصرة يلعب بها وقدامه طبق فيه تفاح وأترج، فلما رأيته وليس عنده أحد تاقت نفسي إلى أن أسرق ما بين يديه، فجئت قليلا قليلا وهو كاف يده حتى مددت يدي لأتناول منه، فرفع القضيب وضرب به يدي ضربة حتى كاد يكسرها، فقلت له قطع الله يدك يا ابن الفاعلة، أنت الآن أعمى? فقال: يا أحمق، فأين الحدس.
حديثه مع نسوة أخذن شعره لينحن به
أخبرني يحيى بن علي قال حدثني العنزي قال حدثني خالد بن يزيد بن وهب بن جرير عن أبيه قال: كان لبشار في داره مجلسان: مجلي يجلس فيه بالغداة يسميه البردان ومجلس يجلس فيه بالعشي اسمه الرقيق فأصبح ذات يوم فاحتجم وقال لغلامه: أمسك على بابي واطبخ لي من طيب طعامي وصف نبيذي. قال: فإنه لكذلك إذ قرع لباب قرعا عنيفا؛ فقال: ويحك ياغلام؛ انظر من يدق الباب دق الشرط؛ قال: فنظر الغلام، فقال له: نسوة خمس بالباب يسألن أن تقول لهن سعرا ينحن به؛ فقال: أدخلهن، فلما دخلن نظرن إلى النبيذ مصفى في قنانيه في جانب بيته؛ قال: فقالت واحدة منهن: هو خمر، وقالت الأخرى: هو زبيب وعسل؛ وقالت الثالثة: نقيع زبيب؛ فقال: لست بقائل لكن حرفا أو تطعمن من طعامي وتشربن من شرابي؛ قال: فتماسكن ساعة، ثم قالت واحدة منهن: ماعليكن? هو أعمى فكلن من طعامه واشربن من شرابه وخذن شرعه؛ فبلغ ذلك الحسن البصري فعابه وهتف بشار؛ فبلغه ذلك -وكان بشار يسمى الحسن البصري القس-فقال:
لما طلعن مـن الـرقـي ق علي بالبردان خمسـا
وكـأنـهــن أهـــلة تحت الثياب زففن شمسا
باكرن عطـر لـطـيمة وغمسن في الجادي غمسا صوت

لما طلعن حـفـفـنـهـا وأصخن مايهمسن همسـا
فسألتني من فـي الـبـيو ت فقلت مايؤوين إنـسـا
ليت العـيون الـطـارف ت طمسن عنا اليوم طمسا
فأصبن من طرف الحـدي ث لذاذة وخرجن ملـسـا
لولا تعـرضـهـن لـي ياقس كنت كأنت قـسـا غنى في هذه الأبيات يحيى المكي، ولحنه رمل بالبنصر عن عمرو نهاه مالك بن دينار عن التشبب بالنساء
فقال شعرا:
أخبرنا يحيى قال حدثني العنزي قال حدثنا علي بن محمد قال حدثني جعفر بن محمد النوفلي-وكان يروي شعر بشار بن برد -قال: جئت بشارا ذات يوم فحدثني، قال: ماشعرت منذ أيام إلا بقارع يقرع بابي مع الصبح، فقلت: ياجارية انظري من هذا، فرجعت إلي وقالت: هذا مالك بن دينار؛ فقلت: ماهو من أشكالي ولاأضرابي، ثم قلت: ائذني له، فدخل فقال: يا أبا معاذ، أتشتم أعراض الناس وتشبب بنسائهم? فلم يكن عندي إلا أن دفعت عن نفسي وقلت: لاأعود، فخرج عني، وقلت في أثره:
غدا مالك بـمـلامـاتـه علي ومابات من بـالـية
تناول خودا هضيم الحشـي من الحور محظوظة عالية
فقلت دع اللوم في حبـهـا فقبلك أعـييت عـذالـية
وإني لأكتمـهـم سـرهـا غداة تقول لها الجـالـية
عبيدة مالـك مـسـلـوبة وكنت معطـرة حـالـيه
فقلت على رقبة: إنـنـي رهنت المرعث خلخالـيه
بمجلس يوم سـأوفـي بـه ولو أجلب الناس أحوالـيه شعره في محبوبته فاطمة
أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا العنزي قال حدثني السميدع بن محمد الأزدي قال حدثني عبد الرحمن بن لاجهم عن هشام الكلبي قال: كان أول بدء بشار أنه عشق جارية يقال لها فاطمة ، وكان قد كف وذهب بصره، فسمعها تغني فهويها وأنشأ يقول:
درة بـحـرية مـكـنــونة مازها الناجر من بين الـدرر
عجبت فطمة من نعتي لـهـا هل يجيد النعت مكفوف البصر
أمـتـا بـدد هـذا لـعـبـي ووشاحي حله مكفوف البصر
فدعـينـي مـعـه ياأمــت علنا في خلوة نقضي الوطـر
أقبلت مغضبة تـضـربـهـا واعتراها كجنون مسـتـعـر

صفحة : 297


بأبي والـلـه مـاأحـسـنـه دمع عين يغسل الكحل قطر
أيها النوام هـبـوا ويحـكـم واسألوني اليوم ما طعم السهر عبث به رجل من آل سوار فلم يجبه
أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني خالد بن يويد بن وهب بن جرير قال حدثني أبي عن الحكم بن مخلد بن حازم قال: مررت أنا ورجل من عكل من أبناء سوار بن عبد الله بقصر أوس، فإذا نحن ببشار في ظل القصر وحده، فقال له العكلي: لابد لي من أن أعبث ببشار؛ فقلت: ويحك، مه لاتعرض بنفسك وعرضك؛ فقال: إني لاأجده في وقت أخلي منه في هذا الوقت؛ قال فوقفت ناحية ودنا منه فقال: يابشار؛ فقال: من هذا الذي لايكنيني ويدعوني باسمي? قال: سأخبرك من أنا، فأخبرني أنت عن أمل: أولدتك أعمى أم عميت بعدما ولدتك? قال: وماتريد إلى ذلك? قال: وددت أنه فسح لك في بصرك ساعة لتنظر إلى وجهك في المرآة، فعسى أن تمسك عتن هجاء الناس وتعرف قدرك؛ فقال: ويحكم ? من هذا? أما أحد يخبرني من هذا? فقال له: على رسلك، أنا رجل من عكل وخالي يبيع الفحم بالعبلاء فما تقدر أن تقول لي? قال: لاشيء اذهب، بأبي أنت، في حفظ الله.
مدح خالد البرمكي
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني هارون علي بن يحيى المنجم قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني العباس بن خالد البرمكي قال: كان الزوار يسمون في قديم الدهر إلى أيام خالد بن برمك السؤال؛ فقال خالد: هذا والله اسم استثقله لطلاب الخير، وأرقع قدر الكريم عن أن يسمي به أمثال هؤلاء المؤملين، لأن فيهم الأشراف والأحرار وأبناء النعيم ومن لعله خير ممن يقصد وأفضل أدبا، ولكنا نسميهم الزوار؛ فقال بشار يمدحه بذلك:
حذا خالد في فعله حذو برمك فمجد له مستطرف وأصـيل
وكان ذوو الآمال يدعون قبله بلفظ على الإعدام فيه دلـيل
يسمون بالسؤال في كل موطن وإن كان فيهم نابة وجـلـيل
فسماهم الزوار سترا عليهـم فأستاره في المجتدين سـدول قال: وقال بشار هذا الشعر في مجلس خالد في الساعة التي تكلم خالد بهذا الكلام في أمر الزوار، فأعطاه لكل بيت ألف درهم.
بشار وصديقه تسنيم بن الحواري
أخبرني عمي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني أبو شبل عاصم بن وهب قال: نهق حمار ذات يوم بقرب بشار، فخطر بباله فقال:
ماقام أير حمار فامتلا شبـقـا إلا تحرك عرق في است تسنيم قال: ولم يرد تسنيما بالهجاء؛ ولكنه لما بلغ إلى قولهك إلا تحرق عرق قال: في است من? ومر به تسنيم بن الحواري وكان صديقه، فسلم عليه وضحك، فقال: في است تسنيم علم الله؛ فقال له: أيش ويحك?? فأنشده البيت؛ فقال له: عليك لعنة الله? فما عندك فرق بين صديقك وعدزك، أي شيء حملك على هذا? ألا قلت: في است حماد الذي هجاك وفضحك وأعياك، ووليست قافيتك على الميم فأعذرك? قال: صدقت والله في هذا كله، ولكن مازلت أقول: في است من? في است من? ولايخطر ببالبي أحد حتى مررت وسلمت فرزقته؛ فقال له تسنيم: إذا كان هذا جواب السلام عليك فلا سلم الله عليك ولاعلي حين سلمت عليك؛ وجعل بشار يضحك ويصفق بيديه وتسنيم يشتمه.
أخبرنا عيسى بن الحسين قال حدثنا علي بن محمد النوفلي عن عمه قال: قالت امرأة لشار: ماأدري لم يهابك الناس مع قبح الله وجهك? فقال لها بشار: ليس من حسنه يهاب الأسد الملاحاة بينه وبين عقبة بن رؤية في حضرة عقبة بن سلم: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنتا عمر بن شبة قالحدثنا محمد بن الحجاج قال: دخل بشار على عقبة بن سلم، فأنشده بعض مدائحه فيه زعنده عقبة بن رؤبة ينشده رجزا يمدحه به، فسمعه بشار وجعل يستحسن ماقال إلى أن فرغ؛ ثم أقبل على بشار فقال: هذا طراز لاتحسنه أنت يا أبا معاذ؛ فقال له بشار: ألي يقال هذا? أنا والله أرجز منك ومن أبيك وجدك؛ ارحمهم رحمك الله ? فقال عقبة: أتستخف بي يا أبا معاذ وأنا شاعر ابن شاعر? فقال له بشار: فأنت إذا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا؛ ثم خرج من عنده عقبة مغضبا. فلما كان من غد غدا على عقبة بن سلم وعنده عقبة بن رؤية، فأنشده أرجوزته التي مدحه فيها:

صفحة : 298


ياطل الحي بذات الـصـمـد بالله خبر كيف كنت بعـدي
أوحشت من دعد وترب دعـد سقيا لأسمـاء ابـنة الأشـد
قامت تراءى إذ رأتني وحدي كالشمس تحت الزبرج المنقذ
صدت بخد وجلت عـن خـد ثم انثنت كالنفس الـمـرتـد
فنحن من جهد الهوى في جهد وزاهر من سبـط وجـعـد
أهدى له الدهر ولم ستـهـد أفواف نور الحبر المـجـد
يلقى الضحى ريحانه بسجـد بدلت من ذاك بمى لايجـدي
وافق حظا من سعى بـجـد ماضر أهل النو ضعف الجد
الحر يلحى والعصا للعـبـد وليس للملحف مثـل الـرد
والنصف يكفيك من التعـدي وصاحب كالدمل الـمـمـد
حملته في رقعة من جلـدي أرقب منه مثـل يوم الـورد
حتى مضر غير فقيد الفـقـد ومادرى مارغبتي من زهدي
اسلم وحـييت أبـا الـمـلـد مفتاح باب الحدث المنـسـد
مشترك النيل وري الـزنـد أغر لباس ثياب الـحـمـد
ماكان مني لـك غـير الـود ثم ثناه مـثـل ريح الـورد
نسجته في محكمـات الـنـد فالبس طرازي غير مستـرد
للـه أيامـك فـي مـعــد وفي بني قحطان غير عـد
يوما بذي طخفة عند الـحـد ومثله أودعت أرض الهنـد
بالمرهفات والحديد الـسـرد والمقربات المبعدات الجـرد
إذا الحيا أكدى بها لاتـكـدي تلحم أمرا وأمورا تـسـدي
وابن حكـيم إن أتـاك يردي أصم لايسمع صوت الرعـد
حييته بـتـحـفة الـمـعـد فانهد مثل الجبل المـنـهـد
كل امرىء رهن بمـا يؤدي ورب ذي تاج كريم الـجـد
كآل كـسـرى وكـآل بـرد أنكب جاف عن سبيل القصد
فصلته عن ماله والـولـد فطرب عقبة بن سلم وأجزل صلته، وقام عقبة بن رؤبة فخرج عن المجلس بخزي، وهرب من تحت ليلته فلم يعد إليه.
وذكر لي أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي هذا الخبر عن الجاحظ، وزاد فيه الجاحظ قال: فانظر إلى سوء أدب عقبة بن رؤية وقد أجمل بشار محضره وعشرته، فقابله بهذه المقابلة القبيحة، وكان أبوه أعلم خلق الله به، لأنه قال له وقد فاخره بشعره: أنت يابني ذهبان الشعر إذا مت مات شعرك معك، فلم يوجد من يرويه بعدك؛ فكان كما قال له، مايعرف به بين واحد ولاخبر غير هذا الخبر القبيح الإخبار عنه الدال على سخفه وسقوطه وسوء أدبه.
كان يهوى امرأة من البصرة
وقال فيها الشعر لما رحلت:
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا أبو غسان دماذ قال حدثنا أبو عبيدة قال: كان بشار يهوى امرأة من أهل البصرة ثقال لهاعبيدة، فخرجت عن البصرة إلى عمان مع زوجها، فقال بشار فيها: صوت

هوى صاحبي ريح الشمـال وأشفى لقلبي أن تهب جنوب
وماذاك إلا أنها حين تنتـهـي تناهى وفبها من عبيدة طيب
عذيري من العذال إذ يعذلونني سفاها وما في العاذلين لبيب صوت

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى فقلت وهل للعاشقين قـلـوب
إذا نطق القوم الجلوس فإننـي مكب كأني في الجميع غريب بشار زأبو الشمقمق: أخبرني هاشم قال حدثني دماذ حدثني رجل من الأنصار قال: جاء أبو الشمقمق إلى بشار يشكو إليه الضيقة ويحلف له أنه ماعنده شيء؛ فقال له بشار: والله ماعندي شيء يغنيك ولكن قم معي إلى عقبة بن سلم، فقام معه فذكر له أبا الشمقمق وقال: هو شاعر وله شكر وثناء، فأمر له بخمسمائة درهم؛ فقال له بشار:
ياواحد العرب الـذي أمسى وليس له نظير
لوكان مثلـك آخـر ماكان في الدنيا فقير فأمر للبشار بألفي درهم، فقال له أبو الشمقمق: نفعتنا ونفعناك يا أبا معاذ، فجعل بشار يضحك.
بشار وأبو جعفر المنصور
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال دحثنا زكريا بن يحيى أبو السكين الطائي قال حدثني زحر بن حصن قال:

صفحة : 299

حج المنصور فاستقبلناه بالرضم الذي بين زبالة والشقوق، فلما رحل من الشقوق رحل أبو السكين فلم يركب القبة وركب نجيبا فسار بيننا، فجعلت الشمس تضحك بين عينيه، فقال: إني قائل بيتا فمن أجازه وهبت له جبتي هذه؛ فقلنا: يقول أمير المؤمنين، فقال:
وهاجرة نصبت لها جبينـي يقطع ظهرها ظهر العظاية فبدر بشار الأعمىفقال:
وقفت بها القلوص ففاض دمعي على خدي وأقصر واعظـاية فنزع الجبة وهو راكب فدفعها إليه. فقلت لبشار بعد ذلك: مافعلت بالجبة? فقال بشار: بعتها والله بأربعمائة دينار كان له شعر غث يعير به
أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني علي بن محمد النوفلي قالحدثني عبد الرحمن بن العباس بن الفضل بن عبد الرحمن بن عياش بن أبي ربيعة عن أبيه قال: كان بشار منقطعا إلي وإلى إخوتي فكان يغشانا كثيرا، ثم خرج إبارهيم بن عبد الله فخرج معه عدة منا، فلما قتل إبرايهم توارينا، وحبس المنصور منا عدة من إخوتي، فلما ولي المهدي أمن الناس جميعا وأطلق المحبوسين، فقدمت بغداد أناوإخوتي نلتمس أمانا من المهدي، وكان الشعراء يجلسون بالليل في مسجد الرصافة ينشدون ويتحدثون، فلم أطلع بشارا على نفسي إلا بعد أن أظهر لنا المهدي الأمان، وكتب أخي إلى خليفته بالليل، فصحت به: يا أبا معاذ من الذي يقول:
أحب الخاتم الأحم ر من حب مواليه فأعرض عني وأخذ في بعض إنشاده شعره، ثم صحتك يا أبا معاذ من الذي يقول:
إن سلمى خلقت من قصـب قصب السكر لاعظيم الجمل
وإذا أدنيت منـهـا بـصـلا غلب المسك على ريح البص فغضب وصاح: من الذي يقرعنا بأشياء كنا نعبث بها في الحداثة فهو يعيرنما بها? فتركته ساعة ثم صحت به: يا أبا معاذ من الذي يقول:
أخشاب حقا أن دارك تزعج وأن الذي بيني وبينك ينهج فقال: ويحك ? عن مثل هذا فسل، ثم أنشدها حتى أتى على آخرها، وهي من جيد شعره، وفيه غناء: صوت

فواكيدا قد أنضج الشوق نصفهـا ونصف على نار الصبابة ينضج
وواحزنا منهن يخففـن هـودجـا وفي الهودج المحفوف بدر متوج
فإن جئتها بين النساء فقـل لـهـا عليك سلام مـات مـن يتـزوج
بكيت ومافي الدمع منك خـلـيفة ولكن أحزاني علـيك تـوهـج الغناءلسليم بن سلام رمل بالوسطى. ووجدت هذا الخبر بخط ابن مهروية فذكر أنه قالهذه القصيدة في امرأة كانت تغشى مجلسه وكان إليها مائلا يقال لهاخشابة، فارسية، فزوجت وأخرجت عن البصرة أنشده أبو النضير شعره فاستحسنه
أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثني أبو حاتم: قال أبو النضير الشاعر: أنشدت بشارا قصيدة لي، فقاللي: أيجيئك شعرك هذا كلما شئت أم هذا شيء يجيئك في الفينة بعد الفينة إذا تعملت له? فقلت: بل هذا شعر يجيئني كلما أردته؛ فقال لي: قل فإنك شارع؛ فقلت له: لعلك حابيتني أبا معاذ وتحملت لي؛ فقال: أنت أبقاك الله أهون علي من ذلك.
حاول تقبيل جارية لصديق له
وقال شعرا يعتذر فيه عن ذلك: أخبرني عمي قال حدثنا الكراني عن العمري عن عباس بن عباس الزنادي عن رجل من باهلة قال: كنت عند بشار الأعمى فأتاه رجل فسلم عليه، فسأله عن خبر جارية عنده وقال: كيف ابنتي? قال: في عافية تدعوك اليوم؛ فقال بشار: ياباهلي انهض بنا، فجئنا إلى منزل نظيف وفرش سري، فأكلنا، ثم جيء بالنبيذ فشربنا مع الجارية، فلما أراد الانصراف قامت فأخذت بيد بشار، فلما صارا في الصحن أومأ إليها ليقبلها، فأرسلت يدها من يده، فجعل يجول في العرصة؛ وخرج المولى فقال: مالك يا أبا معاذ? فقال: أذنبت ذنبا ولاأبرح أو أقول شعرا، فقال:
أتوب إلـيك مـن الـسـيئات واستغفر الله من فعـلـتـي
تناولـت مـالـم أرد نـيلـه على جهل أمري وفي سكرتي
ووالـلـه مـاجـــئتـــه لعمد ولاكان من هـمـتـي
وإلا فـمـت إذا ضـائعــا وعذبني الله فـي مـيتـتـي
فما نال خيرا عـلـى قـبـلة فلا بارك الله في قبـلـتـي كتب شعرا على باب عقبة يستنجزه وعده


صفحة : 300

اخبرنا هاشم بن محمد الزاعي قال حدثنا الرياشي عن الصمعي قال: لما أنشد بشار أرجوزته:
ياطلل الحي بذات الصمد أبا الملد عقبة بن سلم أمر له بخمسين ألف درهم، فأخرها عنه وكيله ثلاثة أيام، فأمر غلامه بشار أن يكتب علي باب عقبة بن نافع عن يمين الباب:
مازال مامنيتني مـن هـمـي والوعد غم فأزح من غمـي
إن لم ترد حمدي فراقب ذمي فلما خرج عقبة رأى ذلك، فقال: هذه من فعلات بشار، ثم دعا بالقهرمان، فقال: هل حملت إلى بشار ماأمرت له به.? فقال: أيها الأمير نحن مضيقون وغدا أحملها إليه؛ فقال: زد فيها عشرة آلاف درهم واحملها إليه الساعة؛ فحملها من وقته.
نهي المهدي له عن التشبيب بالنساء
وسبب ذلك:
أخبرني هاشم قال حدثنا أبو غسان دماذ قال: سألت أبا عبيدة عن السبب الذي من أجله نهى المهدي بشارا عن ذكر النساء قال: كان أول ذلك استهتارا نساء البصرة وسبانها بشعره، حتى قال سةار بن عبد الله الأكبر ومالك بن دينار؛ ماشيء أدعى لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار هذا الأعمى؛ ومازالا يعظانه؛ وكان واصل بن عطاء يقول: إن من أخدع حبائل الشيطان وأغواها لكلمات هذا الأعمى الملحد. فلما كثر ذلك وانتهى خبره من وجوه كثيرة إلى المهدي، وأنشد المهدي مالمدحه به، نهاه عن ذكر النساء وقول التشبيب، وكان المهدي من أشد الناس غيرة؛ قال: فقلت له: ماأحسب شعر هذاأبلغ في هذه المعاني من شعر كثير وجميل وعروة بن جزام وقيس ين ذريح وتلك الطبقة؛ فقال: ليس كل من يسمع تلك الأشعار يعرف المراد منها، وبشار يقارب النساء حتى لايخفى عليهن مايقول ومايري، وأي حرة حصان تسمع قول بشار فلا يؤثر في قلبها، فكيف بالمرأة الغزلة والفتاة التي لاهم لها إلا الرجال ثم أنشد قوله:
قد لامـنـي فـي خـلـيلـتـــي عـــمـــر والـنـوم فـي غـير كـنـهـن صـــجـــر
قال أفـق قـلـت لا فـــقـــال بـــلـــى قد شـاع فـي الـنـاس مـنـكـمـا الـخـبــر
قلت وإذ شاع مااعتذارك مما ليس لي فيه عندهم عذر
ماذا عليهم ومالهم خرسوا لوأنـهـم فـي عـيوبــهـــم نـــظـــروا
أعــشـــق وحـــدي ويؤخـــذون بـــه كالـتـرك تـغـزو فـتـؤخـذ الـــحـــزر
ياعـجـبـا لـلـخـــلاف ياعـــجـــبـــا بفـي الـذي لام فـي الـهـوى الـحــجـــر
حسـبـي وحـسـب الـي كـلــفـــت بـــه منـي ومـنـه الـحـديث والـــنـــظـــر
أو قــبـــلة فـــي خـــلال ذاك ومـــا بأس إذا لـــم تـــحـــل لـــــس الأزر
أو عـضة فــي ذراعـــهـــا ولـــهـــا فوق ذراعـي مـن عــضـــهـــا أثـــر
أو لـمـسة دون مـــرطـــهـــا بـــيدي والـبـاب قـد حـال دونـه الـــســـتـــر
والـسـاق بـراقة مـخـلــخـــلـــهـــا أو مـص ريق وقـد عــلا الـــبـــهـــر
واسـتـرخـت الـكـف لــلـــعـــراك وق لت إيه عـنـي والـدمـع مـــنـــحـــدر
انـهـض فـمـا أنـت كـالـذي زعـــمـــوا أنـــت وربـــي مـــغـــازل أشـــر
قد غـابـت الـيوم عـنـك حـاضـنـــتـــي والـلـه لـي مـنـك فـيك ينـــتـــصـــر
يارب خـذ لـي فـقـد تــرى ضـــرعـــي من فـاسـق جـاء مـــابـــه ســـكـــر
أهـوى إلـى مـعـضـدي فــرضـــضـــه ذو قـوة مـــايطـــاق مـــقـــتـــدر
ألـثـق بـي لـحـية لــه خـــشـــنـــت ذات ســـواد كـــأنـــهـــا الإبــــر
حتـى عـلانـــي وأســـرتـــي غـــيب ويلـي عـلـيهـم لـوأنـهــم حـــضـــروا
أقـسـم بـالـلـه لانـــجـــوت بـــهـــا فاذهـب فـأنـت الـمـسـاور الـظـــفـــر
كيف بـــأمـــي إذا رأت شـــفـــتـــي أم كـيف إن شـاع مـنـك ذا الــخـــبـــر
قد كـنـت أخـشـى الـذي ابـتـلـــيت بـــه منـك فـــمـــاذا أقـــول ياعـــبـــر
قلـت لـهـا عـنــد ذاك ياســـكـــنـــي لابـأس إنــي مـــجـــرب خـــبـــر
قولـي لـهـا بـقة لـــهـــا ظـــفـــر إن كـان فـي الـبـق مـالـــه ظـــفـــر ثم قال له: بمثل هذا الشرع تميل القلوب ويلين الصعب قال دماذ قال لي أبو عبيدة: قال رجل يوما لبشار في المسجد الجامع يعابثه: يا أبا معاذ، أيعجبك الغلام الجادل? فقال غير محتشم ولامكترث: لا، ولكن تعجبني أمه.
ورد على خالد البرمكي بفارس وامتدحه
أخبرني عمي قال حدثنا العنزي قال حدثنا محمد بن سهل عن محمد بن الحجاج قال:












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-26-2006, 12:21 AM   المشاركة رقم: 34
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.26 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

تمّ الجزء الأول .. بحمد الله












عرض البوم صور جليلة ماجد  
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

تصميم و وتركيب انكسار ديزاين

جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 01:59 AM.




Powered by vBulletin Version 3.7.3
جميع الحقوق محفوظة لشبكة قامات الثقافية 2008
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009