عالم من الإبداع

 

    

آخر 15 موضوع
(أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)           »          ثرثرة / بلا قيود           »          ماذا تقول لمن يخطر على بالك الآن..؟           »          بين أحضان العيد           »          شهرُ الغفران والقرب من الرحمن           »          تجربة الفراق __ وهاب شريف __ العراق           »          ياليل ياطولك           »          تدثيرة شتوية           »          من جِد           »          عاشق عنيـد           »          ـــ أبقيـ معيـ ـــ           »          وحِضنُ الحوضِ من خزفِ           »          وأشرب ُ شايا جديدا /للشاعر العراقي : وهاب شريف           »          قولوا لمن قد رافقوا شجوني           »          بعد إدمانيَ شهدكْ



حصريات المنتدى

                                            

العودة   شبكة قامات الثقافية > قامات الفكرية الثقافية > اقرأ

موضوع مغلق
قديم 06-25-2006, 09:22 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : اقرأ
افتراضي الأغاني لأبي فرج الأصفهاني / الجزء الأول

الجزء الأول من الكتاب:



صفحة : 1
الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر المائة الصوت المختارة
إجماع المغنين على اختيار الأصوات الثلاثة
الشاملة لجميع نغم الغناء أخبرنا أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى المنجم قال حدثني أبي قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن أباه أخبره أن الرشيد - رحمة الله عليه - أمر المغنين، وهم يومئذ متوافرون، أن يختاروا له ثلاثة أصوات من جميع الغناء، فأجمعوا على ثلاثة أصوات أنا أذكرها بعد هذا إن شاء الله.
قال إسحاق: فجرى هذا الحديث يوما وأنا عند أمير المؤمنين الواثق بالله، فأمرني باختيار أصوات من الغناء القديم، فاخترت له من غناء أهل كل عصر ما اجتمع علماؤهم على براعته وإحكام صنعته، ونسبته إلى من شدا به، ثم نظرت إلى ما أحدث الناس بعد ممن شاهدناه في عصرنا وقبيل ذلك، فاجتبيت منه ما كان مشبها لما تقدم أو سالكا طريقه، فذكرته ولم أبخسه ما يجب له وإن كان قريب العهد؛ لأن الناس قد يتنازعون الصوت في كل حين وزمان، وإن كان السبق للقدماء إلى كل إحسان.
وأخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني هارون بن الحسن بن سهل وأبو العبيس بن حمدون وابن دقاق وهو محمد بن أحمد بن يحيى المعروف بابن دقاق بهذا الخبر، فزعم: أن الرشيد أمر هؤلاء المغنين أن يختاروا له مائة صوت فاختاروها، ثم أمرهم باختيار عشرة منها فاختاروها، ثم أمرهم أن يختاروا منها ثلاثة ففعلوا. وذكر نحو ما ذكره يحيى بن علي، ووافقه في صوت من الثلاثة الأصوات، وخالفه في صوتين. وذكر يحيى بن علي بإسناده المذكور أن منها لحن معبد في شعر أبي قطيفة وهو من خفيف الثقيل الأول:
القصر فالنخل فالجماء بينـهـمـا أشهى إلى القلب من أبواب جيرون ولحن ابن سريج في شعر عمر بن أبي ربيعة، ولحنه من الثقيل الثاني:
تشكى الكميت الجري لما جهدته وبين لو يسطيع أن يتكـلـمـا ولحن ابن محرز في شعر نصيب، وهو من الثقيل الثاني أيضا:
أهاج هواك المنزل المتقادم? نعم، وبه ممن شجاك معالم وذكر جحظة عمن روى عنه أن من الثلاثة الأصوات لحن ابن محرز في شعر المجنون، وهو من الثقيل الثاني:
إذا ما طواك الدهر يا أم مالك فشأن المنايا القاضيات وشانيا ولحن إبراهيم الموصلي في شعر العرجي، وهو من خفيف الثقيل الثاني:
إلى جيداء قد بعثـوا رسـولا ليحزنها، فلا صحب الرسول ولحن ابن محرز في شعر نصيب، وهو على ما ذكر هزج:
أهاج هواك المنزل المتقادم? نعم، وبه ممن شجاك معالم وحكى عن أصحابه أن هذه الثلاثة الأصوات على هذه الطرائق لا تبقى نغمة في الغناء إلا وهي فيها.
رواية أن المغنين أجمعوا على صوت واحد من هذه الثلاثة وتفنيد أبي الفرج لهذه الرواية أخبرني الحسن بن علي الأدمي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد الوراق قال حدثني أبو توبة صالح بن محمد قال حدثني محمد بن جبر المغني قال حدثني إبراهيم بن المهدي: أن الرشيد أمر المغنين أن يختاروا له أحسن صوت غني فيه، فاختاروا له لحن ابن محرز في شعر نصيب:
أهاج هواك المنزل المتقادم? قال: وفيه دور كثير، أي صنعة كثيرة. والذي ذكره أبو أحمد يحيى بن علي أصح عندي. ويدل على ذلك تباين ما بين الأصوات التي ذكرها والأصوات الأخر في جودة الصنعة وإتقانها وإحكام مباديها ومقاطعها وما فيها من العمل، وأن الأخرى ليست مثلها ولا قريبة منها. وأخرى هي أن جحظة حكى عمن روى عنه أن فيها صوتا لإبراهيم الموصلي، وهو أحد من كان اختار هذه الأصوات للرشيد، وكان معه في اختيارها إسماعيل بن جامع وفليح بن العوراء، وليس أحد منهما دونه إن لم يفقه، فكيف يمكن أن يقال: إنهما ساعدا إبراهيم على اختيار لحن من صنعته في ثلاثة أصوات اختيرت من سائر الأغاني وفضلت عليها ألم يكونا لو فعلا ذلك قد حكما لإبراهيم على أنفسهما بالتقدم والحذق والرياسة وليس هو كذلك عندهما? ولقد أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى المنجم عن حماد بن إسحاق عن أبيه:
صفحة : 2
أنه أتى أباه إبراهيم بن ميمون يوما مسلما، فقال له أبوه: يا بني، ما أعلم أحدا بلغ من بر ولده ما بلغته من برك، وإني لأستقل ذلك لك، فهل من حاجة أصير فيها إلى محبتك? قلت: قد كان - جعلت فداك - كل ما ذكرت فأطال الله لي بقاءك، ولكني أسالك واحدة: يموت هذا الشيخ غدا أو بعد غد ولم أسمعه، فيقول الناس لي ماذا وأنا أحل منك هذا المحل. قال لي: ومن هو? قلت: ابن جامع. قال: صدقت يا بني، أسرجوا لنا. فجئنا ابن جامع، فدخل علينا أبي وأنا معه، فقال: يا أبا القاسم، قد جئتك في حاجة، فإن شئت فاشتمني، وإن شئت فاقذفني، غير أنه لا بد لك من قضائها. هذا عبدك وابن أخيك إسحاق قال لي كذا وكذا، فركبت معه أسالك أن تسعفه فيما سأل. فقال: نعم، على شريطة: تقيمان عندي أطعمكما مشوشة وقلية وأسقيكما من نبيذي التمري وأغنيكما، فإن جاءنا رسول الخليفة مضينا إليه وإلا أقمنا يومنا. فقال أبي: السمع والطاعة، وأمر بالدواب فردت. فجاءنا ابن جامع بالمشوشة والقلية ونبيذه التمري فأكلنا وشربنا، ثم اندفع فغنانا، فنظرت إلى أبي يقل في عيني ويعظم ابن جامع حتى صار أبي في عيني كلا شيء. فلما طربنا غاية الطرب جاء رسول الخليفة فركبا وركبت معهما. فلما كنا في بعض الطريق قال لي أبي: كيف رأيت ابن جامع يا بني? قلت له: أو تعفيني جعلت فداك قال: لست أعفيك فقل. فقلت له: رأيتك ولا شيء أكبر عندي منك قد صغرت عندي في الغناء معه حتى صرت كلا شيء. ثم مضيا إلى الرشيد، وانصرفت إلى منزلي؛ وذلك لأني لم أكن بعد وصلت إلى الرشيد. فلما أصبحت أرسل إلي أبي فقال: يا بني، هذا الشتاء قد هجم عليك وأنت تحتاج فيه إلى مؤنة وإذا مال عظيم بين يديه، فاصرف هذا المال في حوائجك. فقمت فقبلت يده ورأسه وأمرت بحمل المال واتبعته، فصوت بي: يا إسحاق ارجع، فرجعت. فقال لي: أتدري لم وهبت لك هذا المال? قلت: نعم، جعلت فداك قال: لم? قلت: لصدقي فيك وفي ابن جامع. قال: صدقت يا بني، امض راشدا. ولهما في هذا الجنس أخبار كثيرة تأتي في غير هذا الموضع متفرقة في أماكن تحسن فيها ولا يستغني بما ذكرها هنا عنها. فإبراهيم يحل ابن جامع هذا المحل مع ما كان بينهما من المنافسة والمفاخرة ثم يقدم على أن يختار فيما هو معه فيه صوتا لنفسه يكون مقدما على سائر الغناء، ويطابقه هو وفليح عليه هذا خطأ لا يتخيل. وعلى ما به فإنا نذكر الصوتين اللذين رويناهما عن جحظة المخالفين لرواية يحيى بن علي، بعد ذكرنا ما رواه يحيى، ثم نتبعهما باقي الاختيار. فأول ذلك من رواية أبي الحسن علي بن يحيى.
الكلام على أحد هذه الأصوات الثلاثة
صوت فيه لحنان
القصر فالنخل فالجماء بينـهـمـا أشهى إلى القلب من أبواب جيرون
إلى البلاط فما حـازت قـرائنـه دور نزحن عن الفحشاء والهـون
قد يكتم الناس أسرارا فأعلـمـهـا ولا ينالون حتى الموت مكنـونـي عروضه من أول البسيط. القصر الذي عناه هاهنا: قصر سعيد بن العاص بالعرصة. والنخل الذي عناه: نخل كان لسعيد هناك بين قصره وبين الجماء وهي أرض كانت له، فصار جميع ذلك لمعاوية بن أبي سفيان بعد وفاة سعيد، ابتاعه من ابنه عمرو باحتمال دينه عنه؛ ولذلك خبر يذكر بعد. وأبواب جيرون بدمشق. ويروى: حاذت قرائنه من المحاذاة. والقرائن: دور كانت لبني سعيد بن العاص متلاصقة؛ سميت بذلك لاقترانها. ونزحن: بعدن، والنازح: البعيد؛ يقال: نزح نزوحا. والهون: الهوان. قال الراجز:
لم يبتذل مثل كريم مكـنـون أبيض ماض كالسنان المسنون
كان يوقى نفسه من الهـون والمكنون: المستور الخفي، وهو مأخوذ من الكن. الشعر لأبي قطيفة المعيطي، والغناء لمعبد، وله فيه لحنان: أحدهما خفيف ثقيل أول بالوسطى في مجراها من رواية إسحاق وهو اللحن المختار، والآخر ثقيل أول بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة.
خبر أبي قطيفة
نسبه
هو عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط. واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب. هذا الذي عليه النسابون.
صفحة : 3
وذكر الهيثم بن عدي في كتاب المثالب أن أبا عمرو بن أمية كان عبدا لأمية اسمه ذكوان فاستلحقه. وذكر أن دغفلا النسابة دخل على معاوية فقال له: من رأيت من علية قريش? فقال: رأيت عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس. فقال: صفهما لي. فقال: كان عبد المطلب أبيض مديد القامة حسن الوجه، في جبينه نور النبوة وعز الملك، يطيف به عشرة من بنيه كأنهم أسد غاب. قال: فصف أمية. قال: رأيته شيخا قصيرا نحيف الجسم ضريرا يقوده عبده ذكوان. فقال: مه، ذاك ابنه أبو عمرو. فقال: هذا شيء قلتموه بعد وأحدثتموه، وأما الذي عرفت فهو الذي أخبرتك به. ثم نعود إلى سياقة النسب من لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. والنضر عند أكثر النسابين أصل قريش، فمن ولده النضر عد منهم، ومن لم يلده فليس منهم. وقال بعض نسابي قريش: بل فهر بن مالك أصل قريش، فمن لم يلده فليس من قريش. ثم نعود للنسب إلى النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. وولد إلياس يقال لهم خندف، سموا بأمهم خندف وهو لقبها، واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وهي أم مدركة وطابخة وقمعة بني إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن يشجب - وقيل: أشجب - بن نبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم، هذا النسب الذي رواه نسابو العرب وروي عن ابن شهاب الزهري وهو من علماء قريش وفقهائها.
وقام قوم آخرون من النسابين ممن أخذ - فيما يزعم - عن دغفل وغيره: معد بن عدنان بن أدد بن آمين بن شاجيب بن نبت بن ثعلبة بن عنز بن سرائج بن ملحم بن العوام بن المحتمل بن رائمة بن العقيان بن علة ابن شحدود بن الضرب بن عيفر بن إبراهيم بن إسماعيل بن رزين بن أعوج بن المطعم بن الطمح بن القسور بن عتود بن دعدع بن محمود بن الرائد بن بدوان بن أمامة بن دوس بن حصين بن النزال بن الغمير بن محشر بن معذر بن صيفي بن نبت بن قيدار بن إسماعيل ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله صلى الله عليهما وعلى أنبيائه أجمعين وسلم تسليما. ثم أجمعوا أن إبراهيم بن آزر وهو اسمه بالعربية كما ذكره الله تعالى في كتابه، وهو في التوراة بالعبرانية تارح بن ناحور، وقيل: الناحر بن الشارع وهو شاروع بن أرغو وهو الرامح بن فالغ - وهو قاسم الأرض الذي قسمها بين أهلها - بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ وهو الرافد بن سام بن نوح صلى الله عليه وسلم ابن لامك وهو في لغة العرب ملكان ابن المتوشلخ وهو المنوف بن أخنخ وهو إدريس نبي الله عليه السلام بن يارد وهو الرائد بن مهلايل بن قينان وهو قنان بن أنوش وهو الطاهر بن شيث وهو هبة الله. يقال له أيضا شاث بن آدم أبي البشر صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء وعلى نبينا محمد خاصة وسلم تسليما. هذا الذي في أيدي الناس من النسب على اختلافهم فيه.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم تكذيب للنسابين ودفع لهم. وروي أيضا خلاف لأسماء بعض الأباء. وقد شرحت ذلك في كتاب النسب شرحا يستغنى به عن غيره.
ذكر العنابس والأعياص
من بني أمية وأن أبا قطيفة من الأولين
وأبو قطيفة وأهله من العنابس من بني أمية. وكان لأمية من الولد أحد عشر ذكرا، كل واحد منهم يكنى باسم صاحبه، وهم العاص وأبو العاص، والعيص وأبو العيص، وعمرو وأبو عمرو، وحرب وأبو حرب، وسفيان وأبو سفيان، والعويص لا كنى له. فمنهم الأعياص فيما أخبرنا حرمي بن أبي العلاء - واسمه أحمد بن محمد بن إسحاق، والطوسي - واسمه أحمد بن سليمان - قالا: حدثنا الزبير بن بكار عن محمد بن الضحاك الحزامي عن أبيه قال: الأعياص: العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص والعويص. ومنهم العنابس وهم حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان وعمرو وأبو عمرو. وإنما سموا العنابس لأنهم ثبتوا مع أخيهم حرب بن أمية بعكاظ وعقلوا أنفسهم وقاتلوا قتالا شديدا فشبهوا بالأسد، والأسد يقال لها العنابس، واحدها عنبسة. وفي الأعياص يقول عبد الله بن فضالة الأسدي:
من الأعياص أو من آل حرب أغر كغرة الفرس الـجـواد والسبب في قوله هذا الشعر ما أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة، وحدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز، قال: حدثنا المدائني وابن غزالة، قالوا:
صفحة : 4
أتى عبد الله بن فضالة بن شريك الوالبي ثم الأسدي من بني أسد بن خزيمة عبد الله بن الزبير، فقال له: نفدت نفقتي ونقبت راحلتي. قال: فأحضرها، فقال... أقبل بها، أدبر بها، ففعل. فقال: ارقعها بسبت واخصفها بهلب وأنجد بها يبرد خفها وسر البردين تصح. فقال ابن فضالة: إني أتيتك مستحملا ولم آتك مستوصفا، فلعن الله ناقة حملتني إليك قال ابن الزبير: إن وراكبها. فانصرف عنه ابن فضالة وقال:
أقول لغلمتي شدوا ركـابـي أجاوز بطن مكة في سـواد
فما لي حين أقطع ذات عرق إلى ابن الكاهلية من معـاد
سيبعد بيننا نص الـمـطـايا وتعليق الأداوى والـمـزاد
وكل معبد قـد أعـلـمـتـه مناسمهن طلاع الـنـجـاد
أرى الحاجات عند أبي خبيب نكدن ولا أمـية بـالـبـلاد
من الأعياص أو من آل حرب أغر كغرة الفرس الـجـواد أبو خبيب: عبد الله بن الزبير، كان يكنى أبا بكر. وخبيب: ابن له هو أكبر ولده، ولم يكن يكنيه به إلا من ذمه، يجعله كاللقب له. قال: فقال ابن الزبير لما بلغه هذا الشعر: علم أنها شر أمهاتي فعيرني بها وهي خير عماته. قال اليزيدي: إن ها هنا بمعنى نعم، كأنه إقرار بما قال. ومثله قول ابن قيس الرقيات:
ويقلن شيب قـد عـلا ك وقد كبرت فقلت إنه عود إلى نسب أبي قطيفة
وأم أبي معيط آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، ولها يقول نابغة بني جعدة:
وشاركنا قريشا في تقاها وفي أنسابها شرك العنان
بما ولدت نساء بني هلال وما ولدت نساء بني أبان وكانت آمنة هذه تحت أمية بن عب شمس، فولدت له العاص وأبا العاص وأبا العيص والعويص وصفية وتوبة وأروى بني أمية. فلما مات أمية تزوجها بعده ابنه أبو عمرو - وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، يتزوج الرجل امرأة ابيه بعده - فولدت له أبا معيط، فكان بنو أمية من آمنة إخوة أبي معيط وعمومته، أخبرني بذلك كله الطوسي عن الزبير بن بكار.
قال الزبير: وحدثني عمي مصعب قال: زعموا أن ابنها أبا العاص زوجها أخاه أبا عمرو، وكان هذا نكاحا تنكحه الجاهلية. فأنزل الله تعالى تحريمه، قال الله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ، فسمي نكاح المقت.
مقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث
وما قالته قتيلة بنت الحارث من الشعر ترثي أخاها وأسر عقبة بن أبي معيط في يوم بدر، فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبرا. حدثنا بذلك محمد بن جرير الطبري قال حدثنا محمد بن حميد الرازي قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق في خبر ذكره طويل، وحدثني به أحمد بن محمد بن الجعد قال حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري، قالوا جميعا.
قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبرا. فقال له - وقد أمر بذلك فيه -: يا محمد، أأنا خاصة من قريش? قال نعم. قال: فمن للصبية بعدي? قال: النار. فلذلك يسمى بنو أبي معيط صبية النار. واختلف في قاتله، فقيل: إن علي بن أبي طالب تولى قتله. وهذا من رواية بعض الكوفيين، حدثني به أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة قال: أخبرني المنذر بن محمد اللخمي قال حدثنا سليمان بن عباد قال حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت المدني عن أبيه عن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا يوم بدر فضرب عنق عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث. وروى ابن إسحاق أن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري قتله، وأن الذي قتله علي بن أبي طالب النضر بن الحارث بن كلدة.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني الحسن بن عثمان قال حدثني ابن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق عن أصحابه، وحدثنا محمد بن جرير قال حدثنا أحمد بن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن أصحابه، قالوا:
صفحة : 5
قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر عقبة بن أبي معيط صبرا: أمر عاصم بن ثابت فضرب عنقه، ثم أقبل من بدر حتى إذا كان ب الصفراء قتل النضر بن الحارث بن كلدة أحد بني عبد الدار، أمر عليا أن يضرب عنقه، قال عمر بن شبة في حديثه ب الأثيل ، فقالت أخته قتيلة بنت الحارث ترثيه:
يا راكبـا إن الأثـيل مـظـنة من صبح خامسة وأنت موفق
أبلغ به مـيتـا بـأن تـحـية ما إن تزال بها النجائب تخفق
مني إليك وعبرة مسـفـوحة جادت بدرتها وأخرى تخنـق
هل يسمعن النمضر إن ناديتـه إن كان يسمع هالك لا ينطـق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشـه لله أرحام هنـاك تـشـقـق
صبرا يقاد إلى المنية متعـبـا رسف المقيد وهو عان موثق
أمحمد ولأنت نسـل نـجـيبة في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق
أو كنت قابل فدية فـلـيأتـين بأعز ما يغلو لديك وينـفـق
والنضر أقرب من أخذت بزلة وأحقهم إن كان عتق يعـتـق فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته . فيقال: إن شعرها أكرم شعر موتورة وأعفه وأكفه وأحلمه. قال ابن إسحاق: وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط. قال حين أمر به أن يقتل: فمن للصبية يا محمد? قال: النار. فقلته عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أحد بني عمرو بن عوف.
حدثني أحمد بن الجعد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق الأدمي قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثني الأوزاعي قال حدثني يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم التيمي قال حدثني عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو فقلت: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر - رحمة الله عليه - حتى أخذ بمنكبه فدفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ولاية الوليد بن عقبة الكوفة
في خلافة عثمان ثم عزله عنها وكان الوليد بن عقبة أخا عثمان بن عفان لأمه، أمهما أروى بنت عامر بن كريز، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. والبيضاء وعبد الله أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم توءمان. وكان عقبة بن أبي معيط تزوج أروى بعد وفاة عفان، فولدت له الوليد وخالدا وعمارة وأم كلثوم، كل هؤلاء إخوة عثمان لأمه. وولي عثمان الوليد بن عقبة في خلافته الكوفة، فشرب الخمر وصلى بالناس وهو سكران فزاد في الصلاة، وشهد عليه بذلك عند عثمان فجلده الحد. وسيأتي خبره بعد هذا في موضعه.
وأبو قطيفة عمرو بن الوليد يكنى أبا الوليد. وأبو قطيفة لقب لقب به. وأمه بنت الربيع بن ذي الخمار من بني أسد بن خزيمة.
نفي ابن الزبير أبا قطيفة
فيمن نقله عن المدينة في وقعة الحرة
قال أبو قطيفة هذا الشعر حين نفاه ابن الزبير مع بني أمية عن المدينة، مع نظائر له تشوقا إليها. حدثني بالسبب في ذلك أحمد بن محمد بن شبيب بن أبي شيبة البزار، قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني، وأخبرني ببعضه أحمد بن محمد بن الجعد قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدثني أبي قال حدثني وهب بن جرير عن أبيه في كتابه المسمى كتاب الأزارقة ، ونسخت بعضه من كتاب منسوب إلى الهيثم بن عدي. واللفظ للمدائني في الخبر ما اتسق، فإذا انقطع أو اختلف نسبت الخلاف إلى راويه. قال الهيثم بن عدي أخبرنا ابن عياش عن مجالد عن الشعبي وعن ابن أبي الجهم ومحمد بن المنتشر: خروج ابن الزبير على بني أمية ووفد يزيد بن معاوية له
صفحة : 6
أن الحسين بن علي بن أبي طالب لما سار إلى العراق، شمر ابن الزبير للأمر الذي أراده ولبس المعافري وشبر بطنه وقال: إنما بطني شبر، وما عسى أن يسع الشبر وجعل يظهر عيب بني أمية ويدعو إلى خلافهم. فأمهله يزيد سنة، ثم بعث إليه عشرة من أهل الشأم عليهم النعمان بن بشير. وكان أهل الشأم يسمون أولئك العشرة النفر الركب، منهم عبد الله بن عضاه الأشعري، وروح بن زنباع الجذامي، وسعد بن حمزة الهمداني، ومالك بن هبيرة السكوني، وأبو كبشة السكسكي، وزمل بن عمرو العذري، وعبد الله بن مسعود، وقيل: ابن مسعدة الفزاي، وأخوه عبد الرحمن، وشريك بن عبد الله الكناني، وعبد الله بن عامر الهمداني، وجعل عليهم، النعمان بن بشير، فأقبلوا حتى قدموا مكة على عبد الله بن الزبير، وكان النعمان يخلو به في الحجر كثيرا. فقال له عبد الله بن عضاة يوما: يا ابن الزبير، إن هذا الأنصاري والله ما أمر بشيء إلا وقد أمرنا بمثله إلا أنه قد أمر علينا، إني والله ما أدري ما بين المهاجرين والأنصار. فقال ابن الزبير: يا ابن عضاه، مالي ولك إنما أنا بمنزلة حمامة من حمام مكة، أفكنت قاتلا حماما من حمام مكة? قال: نعم، وما حرمة حمام مكة يا غلام، ائتني بقوسي وأسهمي، فأتاه بقوسه وأسهمه، فأخذ سهما فوضعه في كبد القوس ثم سدده نحو حمامة من حمام المسجد وقال: يا حمامة، أيشرب يزيد بن معاوية الخمر? قولي نعم، فوالله: لئن فعلت لأرمينك. يا حمامة، أتخلعين يزيد بن معاوية وتفارقين أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وتقيمين في الحرم حتى يستحل بك? والله لئن فعلت لأرمينك. فقال ابن الزبير: ويحك أويتكلم الطائر? قال: لا ولكنك يا ابن الزبير تتكلم. أقسم بالله لتبايعن طائعا أو مكرها أو لتتعرفن راية الأشعريين في هذه البطحاء، ثم لا أعظم من حقها ما تعظم. فقال ابن الزبير: أوتستحل الحرم قال: إنما يستحله من ألحد فيه. فحبسهم شهرا ثم ردهم إلى يزيد بن معاوية ولم يجبه إلى شيء. وفي رواية أحمد بن الجعد: وقال بعض الشعراء - وهو أبو العباس الأعمى، واسمه السائب بن فروخ يذكر ذلك وشبر ابن الزبير بطنه -:
مازال في سورة الأعراف يدرسها حتى بدا لي مثل الخز في اللـين
لو كان بطنك شبرا قد شبعت وقد أفضلت فضلا كثيرا للمسـاكـين قال الهيثم: ثم إن ابن الزبير مضى إلى صفية بنت أبي عبيد زوجة عبد الله بن عمر، فذكر لها أن خروجه كان غضبا لله تعالى ورسوله - عليه السلام - والمهاجرين والأنصار من أثرة معاوية وابنه وأهله بالفيء، وسألها مسألته أن يبايعه. فلما قدمت له عشاءه ذكرت له أمر ابن الزبير واجتهاده، وأثنت عليه وقالت: ما يدعو إلا إلى طاعة الله جل وعز، وأكثرت القول في ذلك. فقال لها: أما رأيت بغلات معاوية اللواتي كان يحج عليهن الشهب، فإن ابن الزبير ما يريد غيرهن قال المدائني في خبره: وأقام ابن الزبير على خلع يزيد ومالأه على ذلك أكثر الناس. فدخل عليه عبد الله بن مطيع وعبد الله بن حنظلة وأهل المدينة المسجد وأتوا المنبر فخلعوا يزيد. فقال عبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي: خلعت يزيد كما خلعت عمامتي، ونزعها عن رأسه وقال: إني لأقول هذا وقد وصلني وأحسن جائزتي، ولكن عدو الله سكير خمير. وقال آخر: خلعته كما خلعت نعلي. وقال آخر: خلعته كما خلعت ثوبي. وقال آخر: قد خلعته كما خلعت خفي، حتى كثرت العمائم والنعال والخفاف، وأظهروا البراءة منه وأجمعوا على ذلك، وامتنع منه عبد الله بن عمر ومحمد بن علي بن أبي طالب وجرى بين محمد خاصة وبين أصحاب ابن الزبير فيه قول كثير، حتى أرادوا إكراهه على ذلك، فخرج إلى مكة، وكان هذا أول ما هاج الشر بينه وبين ابن الزبير.
وقعة الحرة
صفحة : 7
قال المدائني: واجتمع أهل المدينة لإخراج بني أمية عنها، فأخذوا عليهم العهود ألا يعينوا عليهم الجيش، وأن يردوهم عنهم، فإن لم يقدروا على ردهم لا يرجعوا إلى المدينة معهم. فقال لهم عثمان بن محمد بن أبي سفيان: أنشدكم الله في دمائكم وطاعتكم فإن الجنود تأتيكم وتطؤكم، وأعذر لكم ألا تخرجوا أميركم، إنكم إن ظفرتم وأنا مقيم بين أظهركم فما أيسر شأني وأقدركم على إخراجي وما أقول هذا إلا نظرا لكم أريد به حقن دمائكم. فشتموه وشتموا يزيد، وقالوا: لا نبدأ إلا بك، ثم نخرجهم بعدك. فأتى مروان عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن هؤلاء القوم قد ركبونا بما ترى، فضم عيالنا. فقال: لست من أمركم وأمر هؤلاء في شيء. فقام مروان وهو يقول: قبح الله هذا أمرا وهذا دينا. ثم أتى علي بن الحسين فسأله أن يضم أهله وثقله ففعل، ووجههم وامرأته أم أبان بنت عثمان إلى الطائف ومعها ابناه: عبد الله ومحمد. فعرض حريث رقاصة - وهو مولى لبني بهز من سليم كان بعض عمال المدينة قطع رجله فكان إذا مشى كأنه يرقص، فسمي رقاصة - لثقل مروان وفيه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فضربته بعضا فكادت تدق عنقه، فولى ومضى. ومضوا إلى الطائف وأخرجوا بني أمية. فحس بهم سليمان بن أبي الجهم العدوي وحريث رقاصة، فأراد مروان أن يصلي بمن معه فمنعوه، وقالوا: لا يصلي والله بالناس أبدا، ولكن إن أراد أن يصلي بأهله فليصل، فصلى بهم ومضى. فمر مروان بعبد الرحمن بن أزهر الزهري، فقال له: هلم إلي يا أبا عبد الملك، فلا يصل إليك مكروه ما بقي رجل من بني زهرة. فقال له: وصلتك رحم، قومنا على أمر فأكره أن أعرضك لهم. وقال ابن عمر بعد ذلك - لما أخرجوا وندم على ما كان قاله لمروان -: لو وجدت سبيلا إلى نصر هؤلاء لفعلت، فقد ظلموا وبغي عليهم. فقال ابنه سالم: لو كلمت هؤلاء القوم فقال: يا بني، لا ينزع هؤلاء القوم عما هم عليه، وهم بعين الله، إن أراد أن يغير غير. قال: فمضوا إلى ذي خشب ، وفيهم عثمان بن محمد بن أبي سفيان والوليد بن عتبة بن أبي سفيان، واتبعهم العبيد والصبيان والسفلة يرمونهم. ثم رجع حريث رقاصة وأصحابه إلى المدينة، وأقامت بنو أمية ب ذي خشب عشرة أيام، وسرحوا حبيب بن كرة إلى يزيد بن معاوية يعلمونه، وكتبوا إليه يسالونه الغوث. وبلغ أهل المدينة أنهم وجهوا رجلا إلى يزيد، فخرج محمد بن عمرو بن حزم ورجل من بني سليم من بهز وحريث رقاصة وخمسون راكبا فأزعجوا بني أمية منها، فنخس حريث بمروان فكاد يسقط عن ناقته، فتأخر عنها وزجرها وفقال: اعلي واسلمي. فلما كانوا بالسويداء عرض لهم مولى لمروان، فقال: جعلت فداك لو نزلت فأرحت وتغديت فالغداء حاضر كثير قد أدرك. فقال: لا يدعني رقاصة وأشباهه، وعسى أن يمكن الله منه فتقطع يده. ونظر مروان إلى ماله ب ذي خشب فقال: لا مال إلا ما أحرزته العياب فمضوا فنزلوا حقيلا أو وادي القرى، وفي ذلك يقول الأحوص:
لا ترثين لـحـزمـي رأيت بـه ضرا ولو سقط الحزمي في النار
الناخسين بمروان بـذي خـشـب والمقحمين على عثمان في الدار قال المدائني: فدخل حبيب بن كرة على يزيد - وهو واضع رجله في طست لوجع كان يجده - بكتاب بني أمية وأخبره الخبر. فقال: أما كان بنو أمية ومواليهم ألف رجل? قال: بلى وثلاثة آلاف. قال: أفعجزوا أن يقاتلوا ساعة من نهار? قال: كثرهم الناس ولم تكن لهم بهم طاقة. فندب الناس وأمر عليهم صخر بن أبي الجهم القيني، أحدا إلا قصر وما صاحبهم غيري، إني رأيت في منامي شجرة غرقد تصيح: على يدي مسلم، فأقبلت نحو الصوت فسمعت قائلا يقول: أدرك ثأرك أهل المدينة قتلة عثمان فخرج مسلم وكان من قصة الحرة ما كان على يده، وليس هذا موضعه. فقال أبو قطيفة في ذلك - لما أخرجوا عن المدينة -: صوت من غير المائة فيه لحنان
شعر أبي قطيفة في تشوقه إلى المدينة
بكى أحد لما تـحـمـل أهـلـه فكيف بذي وجد من القوم آلـف
من أجل أبي بكر جلت عن بلادها أمـية، والأيام ذات تـصـارف
صفحة : 8
عروضه من الطويل، وفيه ثقيل أول. والغناء لسائب خائر، خفيف ثقيل أول بالوسطى، ذكر ذلك حماد عن أبيه، وذكر أن فيه لحنا آخر لأهل المدينة لا يعرف صاحبه. قال الهيثم في خبره: وقال أبو العباس الأعمى في ذلك:
قد حل في دار البلاط مـجـوع ودار أبي العاص التميمي حنتف
فلم أر مثل الحي حين تحمـلـوا ولا مثلنا عن مثلهم يتـنـكـف وقال أبو قطيفة أيضا: من غير المائة فيه ثلاث ألحان
بكى أحد لما تحمـل أهـلـه فسلع فدار المال أمست تصدع
وبالشأم إخواني وجل عشيرتي فقد جعلت نفسي إليهم تطلـع عروضه من الطويل. غنى فيه دحمان، ولحنه ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر من رواية إسحاق. وفيه لمعبد ثقيل أول بالوسطى من رواية حبش. وذكر إسحاق أن فيه لحنا في خفيف الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر مجهول الصانع. وقال أبو قطيفة أيضا: صوت من غير المائة المختارة
ليت شعري: هل البلاط كعهدي والمصلى إلى قصور العقيق?
لامني في هـواك يا أم يحـيى من مبين بغـشـه أو صـديق عروضه من الخفيف. غناه معبد ويقال دحمان، ولحنه ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى، وذكر إسحاق أنه لا يعرف صاحبه.
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن يونس بن الوليد قال: كان ابن الزبير قد نفى أبا قطيفة مع من نفاه من بني أمية عن المدينة إلى الشأم، فلما طال مقامه بها قال:
ألا ليت شعري هل تغير بعـدنـا قباء وهل زال العقيق وحاضره?
وهل برحت بطحاء قبر محـمـد أراهط غر من قريش تبـاكـره
لهم منتهى حبي وصفو مـودتـي ومحض الهوى مني وللناس سائره قال وقال أيضا: صوت من غير المائة المختارة
ليت شعري وأين منـي لـيت أعلى العهد يلبـن فـبـرام?
أم كعهدي العقيق أم غـيرتـه بعدي الـحـادثـات والأيام?
وبأهلي بدلت عكا ولـخـمـا وجذاما، وأين منـي جـذام
وتبدلت من مساكـن قـومـي والقصور التي بهـا الآطـام
كل قصر مـشـيد ذي أواس يتغنى على ذراه الـحـمـام
إقر مني السلام إن جئت قومي وقليل لهـم لـدي الـسـلام عروضه من الخفيف، غناه معبد، ولحنه ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر. و يلبن و برام : موضعان. والآطام: جمع أطم، وهي القصور والحصون. وقال الأصمعي: الآطام: الدور المسطحة السقوف. وفي رواية ابن عمار: ذي أواش بالشين معجمة، كأنه أراد به أن هذه القصور موشية أي منقوشة. ورواه إسحاق: أواس بالسين غير معجمة، وقال: واحدها آسي، وهو الأصل. قال ويقال: فلان في آسية، أي في أصله. والآسي والأساس واحد. وذرا كل شيء: أعاليه، وهو جمع، واحدته ذروة. ويروى:
أبلغن السلام إن جئت قومي وروى الزبير بن بكار هذه الأبيات لأبي قطيفة، وزاد فيها:
أقطع الليل كلـه بـاكـتـئاب وزفـير فـمـا أكـاد أنـام
نحو قومي إذ فرقت بيننا الـدا ر وحادت عن قصدها الأحلام
خشية أن تصيبهم عنـت الـده ر وحرب يشيب منها الغـلام
فلقد حان أن يكون لهـذا الـده ر عنا تبـاعـد وانـصـرام عفو ابن الزبير عن أبي قطيفة وعودته إلى المدينة وموته حين وصوله إليها رجع الخبر إلى سياقته من رواية ابن عمار. وأخبرنا بمثله من هذا الموضع الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن الحزامي، وهو إبراهيم بن المنذر، عن مطرف بن عبد الله المدني قالا: إن ابن الزبير لما بلغه شعر أبي قطيفة هذا قال: حن والله أبو قطيفة وعليه السلام ورحمة الله، من لقيه فليخبره أنه آمن فليرجع. فأخبر بذلك فانكفأ إلى المدينة راجعا، فلم يصل إليها حتى مات. قال ابن عمار: فحدثت عن المدائني أن امرأة من أهل المدينة تزوجها رجل من أهل الشأم، فخرج بها إلى بلده على كره منها، فسمعت منشدا ينشد شعر أبي قطيفة هذا، فشهقت شهقة وخرت على وجهها ميتة، هكذا ذكر ابن عمار في خبره.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 09:25 AM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي



صفحة : 9

وأخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد: قرأت على أبي عن أيوب بن عباية قال قال حدثني سعيد بن عائشة مولى آل المطلب بن عبد مناف قال: خرجت امرأة من بني زهرة في خف، فرآها رجل من بني عبد شمس من أهل الشأم فأعجبته، فسأل عنها فنسبت له، فخطبها إلى أهلها فزوجوه إياها بكره منها، فخرج بها إلى الشأم. وخرجت مخرجا ، فسمعت متمثلا يقول: صوت من غير المائة المختارة
ألا ليت شعري هل تغير بـعـدنـا جبوب المصلى أم كعهدي القرائن?
وهل أدؤر حول البلاط عـوامـر من الحي أم هل بالمدينة ساكـن?
إذا برقت نحو الحجـاز سـحـابة دعا الشوق مني برقها المتـيامـن
فلم أتركنها رغـبة عـن بـلادهـا ولكنـه مـا قـدر الـلـه كـائن عروضه من الطويل، يقال: إن لمعبد فيه لحنا، قال: فتنفست بين النساء فوقعت ميتة. قال أيوب: فحدثت بهذا الحديث عبد العزيز بن أبي ثابت الأعرج فقال: أتعرفها? قلت لا. قال: هي والله عمتي حميدة بنت عمر بن عبد الرحمن بن عوف.
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثنا الرياشي قال: أخبرني ابن عائشة، قال: لما أجلى ابن الزبير بني أمية عن الحجاز قال أيمن بن خريم الأسدي:
كأن بني أمـية يوم راحـوا وعري عن منازلهم صرار
شماريخ الجبال إذا تـردت بزينتها وجادتها القـطـار وأخبرني الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثنا بن محمد سعد الكراني، قال: حدثنا العمري عن العتبى قال: كتب أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة إلى أبيه وهو متولي الكوفة لعثمان بن عفان:
من مبلغ عني الأمير بأنـنـي أرق بلا داء سوى الإنـعـاظ
إن لم تغثني خفت إثمك أو أرى في الدار محدودا بزرق لحاظ يعني دار عثمان التي تقام فيها الحدود. فابتاع له جارية بالكوفة وبعث بها إليه. أخبرني عبد الله بن محمد الرازي، قال: حدثنا الخراز عن المدائني، قال: كان أبو قطيفة من شعراء قريش، وكان ممن نفاه ابن الزبير مع بني أمية إلى الشأم، فقال في ذلك:
وما أخرجتنا رغبة عن بلادنـا ولكنه ما قـدر الـلـه كـائن
أحن إلى تلك الوجوه صـبـابة كأني أسير في السلاسل راهن وكان يتحرق على المدينة، فأتى عباد بن زياد ذات يوم عبد الملك فقال له: إن خاله أخبره أن العراقين قد فتحا. فقال عبد الملك لأبي قطيفة لما يعلمه من حبه المدينة: أما تسمع ما يقوله عباد عن خاله? قد طابت لك المدينة الآن. فقال أبو قطيفة:
إني لأحمق من يمشي على قدم إن غرني من حياتي خال عباد
أنشا يقول لنا المصران قد فتحا ودون ذلك يوم شـره بـادي قال: وأذن له ابن الزبير في الرجوع، فرجع فمات في طريقه.
قصر سعيد بن العاص بالعرصة
وشيء من أخباره وأما خبر القصر الذي تقدم ذكره وبيعه من معاوية، فأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال ذكر مصعب بن عمار بن مصعب بن عروة بن الزبير: أن سعيد بن العاص لما حضرته الوفاة وهو في قصره هذا، قال له ابنه عمرو: لو نزلت إلى المدينة فقال:

صفحة : 10

يا بني، إن قومي لن يضنوا علي بأن يحملوني على رقابهم ساعة من نهار، وإذا أنا مت فآذنهم، فإذا واريتني فانطلق إلى معاوية فانعني له، وانظر في ديني، واعلم أنه سيعرض عليك قضاءه فلا تفعل، واعرض عليه قصري هذا، فإني إنما اتخذته نزهة وليس بمال. فلما مات آذن به الناس، فحملوه من قصره حتى دفن بالبقيع، ورواحل عمرو بن سعيد مناخة، فعزاه الناس على قبره وودعوه، فكان هو أول من نعاه لمعاوية، فتوجع له وترحم عليه، ثم قال: هل ترك دينا? قال: نعم. قال: كم هو? قال: ثلثمائة ألف درهم . قال: هي علي. قال: قد ظن ذلك وأمرني ألا أقبله منك، وأن أعرض عليك بعض ماله فتبتاعه فيكون قضاء دينه منه. قال: فاعرض علي . قال: قصره بالعرصة. قال: قد أخذته بدينه. قال: هو لك على أن تحملها إلى المدينة وتجعلها بالوافية. قال: نعم. فحملها له إلى المدينة وفرقها في غرمائه، وكان أكثرها عدات. فأتاه شاب من قريش بصك فيه عشرون ألف درهم بشهادة سعيد على نفسه وشهادة مولى له عليه. فأرسل إلى المولى فأقرأه الصك، فلما قرأه بكى وقال: نعم هذا خطه وهذه شهادتي عليه. فقال له عمرو: من أين يكون لهذا الفتى عليه عشرون ألف درهم وإنما هو صعلوك من صعاليك قريش? قال: أخبرك عنه، مر سعيد بعد عزله، فاعترض له هذا الفتى ومشى معه حتى صار إلى منزله، فوقف له سعيد فقال: ألك حاجة? قال: لا، إلا أني رأيتك تمشي وحدك فأحببت أن أصل جناحك. فقال لي: ائتني بصحيفة، فأتيته بهذه، فكتب له على نفسه هذا الدين وقال: إنك لم تصادف عندنا شيئا فخذ هذا، فإذا جاءنا شيء فأتنا. فقال عمرو: لا جرم والله لا يأخذها إلا بالوافية، أعطيه إياها، فدفع إليه عشرين ألف درهم وافية.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا الصلت بن مسعود، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا هارون المدائني قال: كان الرجل يأتي سعيد بن العاص يسأله فلا يكون عنده، فيقول: ما عندي، ولكن أكتب علي به، فيكتب عليه كتابا، فيقول: تروني أخذت منه ثمن هذا? لا، ولكنه يجيء فيسألني فينزو دم وجهه في وجهي فأكره رده. فأتاه مولى لقريش بابن مولاه وهو غلام فقال: إن أبا هذا قد هلك وقد أردنا تزويجه. فقال: ما عندي، ولكن خذ ما شئت في أمانتي. فلما مات سعيد بن العاص جاء الرجل إلى عمرو بن سعيد فقال: إني أتيت أباك بابن فلان، وأخبره بالقصة. فقال له عمرو: فكم أخذت? قال: عشرة آلاف. فأقبل عمرو على القوم فقال: من رأى أعجز من هذا يقول له سعيد: خذ ما شئت في أمانتي فيأخذ عشرة آلاف لو أخذت مائة ألف لأديتها عنك.
اعتداد أبي قطيفة بنسبه
وهجوه عبد الملك بن مروان أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثنا العمري عن ابن الكلبي، قال: قال أبو قطيفة - وكانت أمه وأم خالد بن الوليد بن عقبة عمة أروى بنت أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب -:
أنا ابن أبي معيط حين أنـمـى لأكرم ضئضىء وأعز جـيل
وأنمي للعقائل مـن قـصـي ومخزوم فما أنا بـالـضـئيل
وأروى من كريز قد نمتـنـي وأروى الخير بنت أبي عقـيل
كلا الحيين مـن هـذا وهـذا لعمر أبيك في الشرف الطويل
فعدد مثـلـهـن أبـا ذبـاب ليعلم ما تقول ذوو العـقـول
فما الزرقاء لي أما فـأخـزى ولا لي في الأزارق من سبيل قال: يعني بأبي الذباب عبد الملك. والزرقاء: إحدى أمهاته من كندة، وكان يعير بها.
أخبرني الحسن بن علي، قال: أخبرني محمد بن زكريا، قال: حدثنا قعنب بن المحرز، قال: حدثنا المدائني، قال: بلغ أبا قطيفة أن عبد الملك بن مروان يتنقصه، فقال:
نبئت أن ابن العملـس عـابـنـي ومن ذا من الناس البريء المسلم?
من أنتم من أنتم خبرونا من أنـتـم فقد جعلت أشياء تبدو وتـكـتـم فبلغ ذلك عبد الملك فقال: ما ظننت أنا نجهل، والله لولا رعايتي لحرمته لألحقته بما يعلم، ولقطعت جلده بالسياط.
شعر أبي قطيفة في امرأته بعد طلاقها
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن العتبي قال:

صفحة : 11

طلق أبو قطيفة امرأته، فتزوجها رجل من أهل العراق، ثم ندم بعد أن رحل بها الرجل وصارت له، فقال:
فيا أسفا لفرقة أم عمـرو ورحلة أهلها نحو العراق
فليس إلى زيارتها سـبـيل ولا حتى القيامة من تلاقي
وعل الله يرجعهـا إلـينـا بموت من حليل أو طلاق
فأرجع شامتا وتقر عينـي ويجمع شملنا بعد افتـراق مقتل سعيد بن عثمان بالمدينة
أخبرني عمي ومحمد بن جعفر قالا حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا محمد بن علي بن أبي حسان عن هشام بن محمد عن خالد بن سعيد عن أبيه، قال: استعمل معاوية سعيد بن عثمان على خراسان، فلما عزله قدم المدينة بمال وسلاح وثلاثين عبدا من السغد، فأمرهم أن يبنوا له دارا. فبينا هو جالس فيها ومعه ابن سيحان وابن زينة وخالد بن عقبة وأبو قطيفة إذ تآمروا بينهم فقتلوه، فقال أبو قطيفة يرثيه - وقيل إنها لخالد بن عقبة -:
يا عين جودي بدمع منك تهتانـا وابكي سعيد بن عثمان بن عفانا
إن ابن زينة لم تصدق مودتـه وفر عنه ابن أرطاة بن سيحانا
ذكر معبد وبعض أخباره
نسب معبد ونشأته ووفاته
هو معبد بن وهب، وقيل ابن قطني مولى ابن قطر، وقيل ابن قطن مولى العاص بن وابصة المخزومي، وقيل بل مولى معاوية بن أبي سفيان.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري، قال: معبد المغني ابن وهب مولى عبد الرحمن بن قطر.
وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه، قال: قال ابن الكلبي: معبد مولى ابن قطر، والقطريون موالي معاوية بن أبي سفيان.
وأخبرني إسماعيل بن يونس، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا أبو غسان، قال: معبد بن وهب مولى ابن قطن وهم موالي آل وابصة من بني مخزوم، وكان أبوه أسود وكان هو خلاسيا مديد القامة أحول.
وذكر ابن خرداذبه أنه غنى في أول دولة بني أمية، وأدرك دولة بني العباس، وقد أصابه الفالج وارتعش وبطل، فكان إذا غنى يضحك منه ويهزأ به. وابن خرداذبه قليل التصحيح لما يرويه ويضمنه كتبه. والصحيح أن معبدا مات في أيام الوليد بن يزيد بدمشق وهو عنده. وقد قيل: إنه أصابه الفالج قبل موته وارتعش وبطل صوته.
فأما إدراكه دولة بني العباس فلم يروه أحد سوى ابن خرداذبه ولا قاله ولا رواه عن أحد، وإنما جاء به مجازفة.
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني أيوب بن عمر أبو سلمة المديني قال حدثنا عبد الله بن عمران بن أبي فروة، قال: حدثني كردم بن معبد المغني مولى ابن قطن، قال: مات أبي وهو في عسكر الوليد بن يزيد وأنا معه، فنظرت حين أخرج نعشه إلى سلامة القس )جارية يزيد بن عبد الملك( وقد أضرب الناس عنه ينظرون إليها وهي آخذة بعمود السرير، وهي تبكي أبي وتقول:
قد لعمري بت لـيلـي كأخي الداء الوجـيع
ونجي الـهـم مـنـي بات أدنى من ضجيعي
كلما أبصـرت ربـع خاليا فاضت دموعـي
قد خلا من سـيد كـا ن لنا غير مـضـيع
لا تلمنا إن خشـعـنـا أو هممنا بخـشـوع قال كردم: وكان يزيد أمر أبي أن يعلمها هذا الصوت، فعلمها إياه فندبته به يومئذ. قال: فلقد رأيت الوليد بن يزيد والغمر أخاه متجردين في قميصين ورداءين يمشيان بين يدي سريره حتى أخرج من دار الوليد، لأنه تولى أمره وأخرجه من داره إلى موضع قبره.
فأما نسبة هذا الصوت، فإن الشعر للأحوص، والغناء لمعبد، ذكره يونس ولم يجنسه. وذكر الهشامي أنه ثاني ثقيل بالوسطى، قال: وفيه لحبابة خفيف ثقيل، ولابن المكي ثقيل أول نشيد. وفيه لسلامة القس عن إسحاق لحن من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالوسطى في مجراها.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه، قال قال أبو عبيدة: ذكر مولى لآل الزبير - وكان منقطعا إلى جعفر ومحمد ابني سليمان بن علي -: أن معبدا عاش حتى كبر وانقطع صوته، فدعاه رجل من ولد عثمان، فلما غنى الشيخ لم يطرب القوم، وكان فيهم فتيان نزول من ولد أسيد بن أبي العيص بن أمية، فضحكوا منه وهزئوا به، فأنشأ يغني:

صفحة : 12


فضحتم قريشا بالفـرار وأنـتـم قمدون سودان عظام المنـاكـب
فأما القتـال لا قـتـال لـديكـم ولكن سيرا في عراض المواكب - وهذا شعر هجوا به قديما - فقاموا إليه ليتناولوه؛ فمنعهم العثماني من ذلك وقال: ضحكتم منه حتى إذا أحفظتموه أردتم أن تتناولوه، لا والله لا يكون ذلك قال إسحاق: فحدثني ابن سلام قال: أخبرني من رآه على هذه الحال فقال له: أصرت إلى ما أرى? فأشار إلى حلقه وقال: إنما كان هذا؛ فلما ذهب ذهب كل شيء.
اعتراف المغنين لمعبد بالتفوق
والسبق في صناعة الغناء قال إسحاق: كان معبد من أحسن الناس غناء، وأجودهم صنعة، وأحسنهم حلقا؛ وهو فحل المغنين وإمام أهل المدينة في الغناء، وأخذ عن سائب خاثر، ونشيط مولى عبد الله بن جعفر، وعن جميلة مولاة بهز بطن من سليم ، وكان زوجها مولى لبني الحارث بن الخزرج؛ فقيل لها مولاة الأنصار لذلك. وفي معبد يقول الشعر:
أجاد طويس والسريجي بعده وما قصبات السبق إلا لمعب قال إسحاق قال ابن الكلبي عن أبيه: كان ابن أبي عتيق خرج إلى مكة فجاء معه ابن سريج إلى المدينة، فأسمعوه غناء معبد وهو غلام، وذلك في أيام مسلم بن عقبة المري، وقالوا: ما تقول فيه? فقال: إن عاش كان مغني بلاده. ولمعبد صنعة لم يسبقه إليها من تقدم، ولا زاد عليه فيها من تأخر. وكانت صناعته التجارة في أكثر أيام رقه، وربما رعى الغنم لمواليه، وهو مع ذلك يختلف إلى نشيط الفارسي وسائب خاثر مولى عبد الله بن جعفر، حتى اشتهر بالحذق وحسن الغناء وطيب الصوت. وصنع الألحان فأجاد واعترف له بالتقدم على أهل عصره.
أخبرني الحسين بن يحيى، قال قال حماد قرأت على أبي: قال الجمحي: بلغني أن معبدا قال: والله لقد صنعت ألحانا لا يقدر شبعان ممتلىء ولا سقاء يحمل قربة على الترنم بها ولقد صنعت ألحانا لا يقدر المتكىء أن يترنم بها حتى يقعد مستوفزا، ولا القاعد حتى يقوم.
قال إسحاق: وبلغني أن معبدا أتى ابن سريج وابن سريج لا يعرفه، فسمع منه ما شاء، ثم عرض نفسه عليه وغناه وقال له: كيف كنت تسمع جعلت فداءك? فقال له: لو شئت كنت قد كفيت بنفسك الطلب من غيرك. قال: وسمعت من لا أحصي من أهل العلم بالغناء يقولون: لم يكن فيمن غنى أحد أعلم بالغناء من معبد. قال: وحدثني أيوب بن عباية قال: دخلت على الحسن بن مسلم أبي العراقيب وعنده جاريته عاتكة، فتحدث فذكر معبدا فقال: أدركته يلبس ثوبين ممشقين، وكان إذا غنى علا منخراه. فقالت عاتكة: يا سيدي أو أدركت معبدا? قال: إي والله وأقدم من معبد. فقالت: استحييت لك من هذا الكبر.
علو كعبه في صناعة الغناء
أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حماد: قرأت على أبي أخبرني محمد بن سلام، قال: حدثني جرير، قال: قال معبد: قدمت مكة فقيل لي: إن ابن صفوان قد سبق بين المغنين جائزة، فأتيت بابه فطلبت الدخول، فقال لي آذنه: قد تقدم إلي ألا آذن لأحد عليه ولا أؤذنه به. قال فقلت: دعوني أدنو من الباب فأغني صوتا. قال: أما هذا فنعم. فدنوت من الباب، فغنيت صوتا ، فقالوا: معبد وفتحوا لي، فأخذت الجائزة يومئذ.
أخبرني الحسين قال نسخت من كتاب حماد: قال أبي: وذكر عورك - وهو الحسن بن عتبة اللهبي - أن الوليد بن يزيد كان يقول: ما أقدر على الحج. فقيل له: وكيف ذاك? قال: يستقبلني أهل المدينة بصوتي معبد:
القصر فالنخل فالجماء بينهما و قتيلة يعني لحنه:
يوم تبدي لنا قتيلة عن جي د تليع تزينه الأطـواق قال إسحاق: قيل لمعبد: كيف تصنع إذا أردت أن تصوغ الغناء? قال: أرتحل قعودي وأوقع بالقضيب على رحلي وأترنم عليه بالشعر حتى يستوي لي الصوت. فقيل له: ما أبين ذلك في غنائك قال إسحاق: وقال مصعب الزبيري قال يحيى بن عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير حدثني أبي قال: قال معبد: كنت غلاما مملوكا لآل قطن مولى بني مخزوم، وكنت أتلقى الغنم بظهر الحرة، وكانوا تجارا أعالج لهم التجارة في ذلك، فآرتي صخرة بالحرة ملقاة بالليل فأستند إليها، فأسمع وأنا نائم صوتا يججري في مسامعي، فأقوم من النوم فأحكيه، فهذا كان مبدأ غنائي.
اعتراف مالك بن أبي السمح لمعبد بالتفوق
عليه في صنعة الغناء

صفحة : 13

أخبرني الحسين بن يحيى قال: نسخت من كتاب حماد: قال أبي قال محمد بن سعيد الدوسي عن أبيه ومحمد بن يزيد عن سعيد الدوسي عن الربيع بن أبي الهيثم قال: كنا جلوسا مع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فقال إنسان لمالك: أنشدك الله، أنت أحسن غناء أم معبد? فقال مالك: والله ما بلغت شراكه قط، والله لو لم يغن معبد إلا قوله:
لعمر أبيها لا تقول حـلـيلـتـي ألا فر عني مالك بن أبي كعـب
وهم يضربون الكبش تبرق بيضـه ترى حوله الأبطال في حلق شهب لكان حسبه. قال: وكان مالك إذا غنى غناء معبد يخفف منه، ثم يقول: أطال الشعر معبد ومططه، وحذفته أنا. وتمام هذا الصوت: صوت من غير المائة المختارة

لعمر أبيها لا تقول حـلـيلـتـي ألا فر عني مالك بن أبي كعـب
وهم يضربون الكبش تبرق بيضـه ترى حوله الأبطال في حلق شهب
إذا أنفدوا الزق الروي وصرعـوا نشاوى فلم أقطع بقولي لهم حسبي
بعثت إلى حانوتها فـسـبـأتـهـا بغير مكاس في السوام ولا غصب عروضه من الطويل. والشعر لمالك بن أبي كعب بن القين الخزرجي أحد بني سلمة. هكذا ذكر إسحاق، وغيره يذكر أنه من مراد. ولهذا الشعر خبر طويل يذكر بعد هذا. والغناء في البيتين الأولين لمعبد ثقيل أول بالوسطى، ومن الناس من ينسبه إلى ابن سريج. ولمالك في الثالث والرابع من الأبيات لحن من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، ومن الناس من ينسب هذا اللحن إلى معبد ويقول: إن مالكا أخذ لحنه فيه فحذف بعض نغمه وانتحله، وإن اللحن لمعبد في الأبيات الأربعة. وقد ذكر أن هذا الشعر لرجل من مراد، وروي له فيه حديث طويل. وقد أخرج خبره في ذلك وخبر مالك بن أبي كعب الخزرجي أبي كعب بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله في موضع آخر أفرد له، إذ كانت له أخبار كثيرة، ولأجله لا تصلح أن تذكر ها هنا.
رجع الخبر إلى معبد - أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان عن يونس الكاتب قال: معبد وابن محرز
أقبلت من عند معبد، فلقيني ابن محرز ببطحان، فقال: من أين أقبلت? قلت: من عند أبي عباد. فقال: ما أخذت عنه? قلت: غنى صوتا فأخذته. قال: وما هو? قلت:
ماذا تأمل واقف جمـلا في ربع دار عابه قدمه - الشعر لخالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد - فقال لي: ادخل معي دار ابن هرمة وألقه علي، فدخلت معه، فما زلت أردده عليه حتى غناه، ثم قال: ارجع معي إلى أبي عباد، فرجعنا فسمعه منه، ثم لم نفترق حتى صنع فيه ابن محرز لحنا آخر.
نسبة هذا الصوت
صوت
ماذا تأمل واقف جمـلا في ربع دار عابه قدمه
أقوى وأقفر غير منتصب لبد الرمادة ناصع حممه غناه معبد، ولحنه ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى. وفيه خفيف ثقيل أول بالوسطى ينسب إلى الغريض وإلى ابن محرز. وذكر عمرو بن بانة أن الثقيل الأول للغريض. وذكر حبش أن فيه لمالك ثاني ثقيل بالوسطى. وفيه رمل بالوسطى ينسب إلى سائب خاثر، وذكر حبش أنه لإسحاق.
قدوم ابن سريج والغريض المدينة
ثم ارتدادهما عنها بعد سماعهما صوت معبد أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حماد: قال أبي قال ابن الكلبي: قدم ابن سريج والغريض المدينة يتعرضان لمعروف أهلها، ويزوران من بها من صديقهما من قريش وغيرهم. فلما شارفاها تقدما ثقلهما ليرتادا منزلا، حتى إذا كانا بالمغسلة - وهي جبانة على طرف المدينة يغسل فيها الثياب - إذا هما بغلام ملتحف بإزار وطرفه على رأسه، بيده حبالة يتصيد بها الطير وهو يتغنى ويقول:
القصر فالنخل فالجماء بينـهـمـا أشهى إلى النفس من أبواب جيرون وإذا الغلام معبد. قال: فلما سمع ابن سريج والغريض معبدا مالا إليه واستعاداه الصوت فأعاده، فسمعا شيئا لم يسمعا بمثله قط. فأقبل أحدهما على صاحبه فقال: هل سمعت كاليوم قط? قال: لا والله فما رأيك? قال ابن سريج: هذا غناء غلام يصيد الطير، فكيف بمن في الجوبة - يعني المدينة - قال: أما أنا فثكلته والدته إن لم أرجع. قال: فكرا راجعين.


صفحة : 14

قدوم معبد مكة وما وقع له مع الغريض
قال: وقال معبد: قدمت مكة، فذهب بي بعض القرشيين إلى الغريض، فدخلنا عليه وهو متصبح، فانتبه من صبحته وقعد، فسلم عليه القرشي، وسأله فقال له: هذا معبد قد أتيتك به، وأنا أحب أن تسمع منه. قال: هات، فغنيته أصواتا. فقال بمدرى معه في رأسه، ثم قال: إنك يا معبد لمليح الغناء. قال: فأحفظني ذلك، فجثوت على ركبتي، ثم غنيته من صنعتي عشرين صوتا لم يسمع بمثلها قط، وهو مطرق واجم قد تغير لونه حسدا وخجلا.
ما وقع لمعبد مع حكم الوادي
قال إسحاق: وأخبرت عن حكم الوادي قال: كنت أنا وجماعة من المغنين نختلف إلى معبد نأخذ عنه ونتعلم منه، فغنانا يوما صوتا من صنعته وأعجب به، وهو:
القصر فالنخل فالجماء بينهما فاستحسناه وعجبنا منه. وكنت في ذلك اليوم أول من أخذه عنه واستحسنه مني فأعجبتني نفسي. فلما انصرفت من عند معبد عملت فيه لحنا آخر وبكرت على معبد مع أصحابي وأنا معجب بلحني. فلما تغنينا أصواتا قلت له: إني قد عملت بعدك في الشعر الذي غنيتناه لحنا، واندفعت فغنيته صوتي، فوجم معبد ساعة يتعجب مني ثم قال: قد كنت أمس أرجى مني لك اليوم، وأنت اليوم عندي أبعد من الفلاح. قال حكم: فأنسيت - يعلم الله - صوتي ذلك منذ تلك الساعة فما ذكرته إلى وقتي هذا.
ما وقع لمعبد مع العبد الأسود
وهو في طريقه إلى بعض أمراء الحجاز قال إسحاق: وقال معبد: بعث إلي بعض أمراء الحجاز - وقد كان جمع له الحرمان - أن اشخص إلى مكة، فشخصت. قال: فتقدمت غلامي في بعض تلك الأيام، واشتد علي الحر والعطش، فانتهيت إلى خباء فيه أسود وإذا حباب ماء قد بردت، فملت إليه فقلت: يا هذا، اسقني من هذا الماء. فقال لا. فقلت: فأذن لي في الكن ساعة. قال لا. فأنخت ناقتي ولجأت إلى ظلها فاستترت به، وقلت: لو أحدثت لهذا الأمير شيئا من الغناء أقدم به عليه، ولعلي إن حركت لساني أن يبل حلقي ريقي فيخفف عني بعض ما أجده من العطش فترنمت بصوتي:
القصر فالنخل فالجماء بينهما فلما سمعني الأسود، ما شعرت به إلا وقد احتملني حتى أدخلني خباءه، ثم قال: إي، بأبي أنت وأمي هل لك في سويق السلت بهذا الماء البارد? فقلت: قد منعتني أقل من ذلك، وشربة ماء تجزئني. قال: فسقاني حتى رويت، وجاء الغلام فأقمت عنده إلى وقت الرواح. فلما أردت الرحلة قال: إي، بأبي أنت وأمي الحر شديد ولا آمن عليك مثل الذي أصابك، فأذن لي في أن أحمل معك قربة من ماء على عنقي وأسعى بها معك، فكلما عطشت سقيتك صحنا وغنيتني صوتا قال: قلت ذاك لك. فوالله ما فارقني يسقيني وأغنيه حتى بلغت المنزل.
نسخت من كتاب جعفر بن قدامة بخطه: حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبير عن جرير قال: معبد وابن سريج والتقاؤهما
عفوا ببطن مر ثم تعارفهما بصوتيهما كان معبد خارجا إلى مكة في بعض أسفاره، فسمع في طريقه غناء في بطن مر فقصد الموضع، فإذا رجل جالس على حرف بركة فارق شعره حسن الوجه، عليه دراعة قد صبغها بزعفران، وإذا هو يتغنى: صوت

حن قلبي من بعد ما قد أنـابـا ودعا الهم شجـوه فـأجـابـا
ذاك من منزل لسلمـى خـلاء لابس من خلائه جـلـبـابـا
عجت فيه وقلت للركب عوجوا طمعـا أن يرد ريع جـوابـا
فاستشار المنسي من لوعة الح ب وأبدى الهموم والأوصابـا فقرع معبد بعصاه وغنى:
منع الحياة من الرجال ونفعها حدق تقلبها النساء مـراض
وكأن أفئدة الرجـال إذا رأوا حدق النساء لنبلها أغـراض فقال له ابن سريج: بالله أنت معبد? قال: نعم، وبالله أنت ابن سريج? قال: نعم، وواله لو عرفتك ما غنيت بين يديك.
نسبة هذين الصوتين وأخبارهما
صوت

حن قلبي من بعد ما قد أنـابـا ودعا الهم شجـوه فـأجـابـا
فاستثار المنسي من لوعة الـح ب وأبدى الهموم والأوصابـا
ذاك من منزل لسلمـى خـلاء مكتس من عفائه جـلـبـابـا
عجت فيه وقلت للركب عوجوا طمعا أن يرد ربـع جـوابـا

صفحة : 15


ثانيا من زمام وجناء عنس قانيا لونها يخال خضابـا
جدها الفالج الأشم من البخ ت وخالاتها انتخبن عرابا الشعر لعمر بن أبي ربعية. والغناء لابن سريج، وله فيه لحنان: رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، وخفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو.
صوت

منع الحياة من الرجال ونفعها حدق تقلبها النساء مـراض
وكأن أفئدة الرجـال إذا رأوا حدق النساء لنبلها أغـراض الشعر للفرزدق، والغناء لمعبد ثقيل أول عن الهشامي: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن سياط قال حدثني يونس الكاتب قال: رحلة معبد إلى الأهواز
وما وقع بينه وبين الجواري المغنيات بالسفينة كان معبد قد علم جارية من جواري الحجاز الغناء - تدعى ظبية: - وعني بتخريجها، فاشتراها رجل من أهل العراق فأخرجها إلى البصرة وباعها هناك، فاشتراها رجل من أهل الأهواز، فأعجب بها وذهبت به كل مذهب وغلبت عليه، ثم ماتت بعد أن أقامت عنده برهة من الزمان وأخذ جواريه أكثر غنائها عنها، فكان لمحبته إياها وأسفه عليها لا يزال يسأل عن أخبار معبد وأين مستقره، ويظهر التعصب له والميل إليه والتقديم لغنائه على سائر أغاني أهل عصره إلى أن عرف ذلك منه. وبلغ معبدا خبره، فخرج من مكة حتى أتى البصرة، فلما وردها صادف الرجل قد خرج عنها في ذلك اليوم إلى الأهواز فاكترى سفينة. وجاء معبد يلتمس سفينة ينحدر فيها إلى الأهواز، فلم يجد غير سفينة الرجل، وليس يعرف أحد منهما صاحبه، فأمر الرجل الملاح أن يجلسه معه في مؤخر السفينة ففعل وانحدروا. فلما صاروا في فم نهر الأبلة تغدوا وشربوا، وأمر جواريه فغنين، ومعبد ساكت وهو في ثياب السفر، وعليه فرو وخفان غليظان وزي جاف من زي أهل الحجاز، إلى أن غنت إحدى الجواري: صوت

بانت سعاد وأمسى حبلها انصرمـا واحتلت الغور فالأجزاع من إضما
إحدى بلي وما هام الفـؤاد بـهـا إلا السفاه وإلا ذكـرة حـلـمـا - قال حماد: والشعر للنابغة الذبياني. والغناء لمعبد، خفيف ثقيل أول بالبنصر، وفيه لغيره ألحان قديمة ومحدثة - فلم تجد أداءه، فصاح بها معبد: يا جارية، إن غناءك هذا ليس بمستقيم. قال: فقال له مولاها وقد غضب: وأنت ما يدريك الغناء ما هو? ألا تمسك وتلزم شأنك فأمسك. ثم غنت أصواتا من غناء غيره وهو ساكت لا يتكلم، حتى غنت: صوت

بابنة الأزدي قلبي كـئيب مستهام عندها ما ينـيب
ولقد لاموا فقلت دعونـي إن من تنهون عنه حبيب
إنما أبلى عظامي وجسمي حبها والحب شيء عجيب
أيها العائب عندي هواهـا أنت تفدي من أراك تعيب - والشعر لعبد الرحمن بن أبي بكر، والغناء لمعبد ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر - قال: فأخلت ببعضه. فقال لها معبد: يا جارية، لقد أخللت بهذا الصوت إخلالا شديدا. فغضب الرجل وقال له: ويلك ما أنت والغناء ألا تكف عن هذا الفضول فأمسك. وغنى الجواري مليا، ثم غنت إحداهن: صوت

خليلي عوجا فابكيا ساعة مـعـي على الربع نقضي حاجة ونـودع
ولا تعجلانـي أن ألـم بـدمـنة لعزة لاحت لي ببيداء بـلـقـع
وقولا لقلب قد سلا: راجع الهوى وللعين: أذري من دموعك أودعي
فلا عيش إلا مثل عيش مضى لنا مصيفا أقمنا فيه من بعد مربـع

صفحة : 16

- الشعر لكثير، والغناء لمعبد خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى، وفيه رمل للغريض - قال: فلم تصنع فيه شيئا. فقال لها معبد: يا هذه، أما تقوين على أداء صوت واحد? فغضب الرجل وقال له: ما أراك تدع هذا الفضول بوجه ولا حيلة وأقسم بالله لئن عاودت لأخرجنك من السفينة، فأمسك معبد، حتى إذا سكتت الجواري سكتة اندفع يغني الصوت الأول حتى فرغ منه، فصاح الجواري: أحسنت والله يا رجل فأعده. فقال: لا والله ولا كرامة. ثم اندفع يغني الثاني، فقلن لسيدهن: ويحك هذا والله أحسن الناس غناء، فسله أن يعيده علينا ولو مرة واحددة لعلنا نأخذه عنه، فإنه إن فاتنا لم نجد مثله أبدا. فقال: قد سمعتن سوء رده عليكن وأنا خائف مثله منه، وقد أسلفنا الإساءة، فاصبرن حتى نداريه. ثم غنى الثالث، فزلزل عليهم الأرض. فوثب الرجل فخرج إليه وقبل رأسه وقال: يا سيدي أخطأنا عليك ولم نعرف موضعك. فقال له: فهبك لم تعرف موضعي، قد كان ينبغي لك أن تتثبت ولا تسرع إلي بسوء العشرة وجفاء القول. فقال له: قد أخطأت وأنا أعتذر إليك مما جرى، وأسألك أن تنزل إلي وتختلط بي. فقال: أما الآن فلا. فلم يزل يرفق به حتى نزل إليه. فقال له الرجل: ممن أخذت هذا الغناء? قال: من بعض أهل الحجاز، فمن أين أخذه جواريك? فقال: أخذنه من جارية كانت لي ابتاعها رجل من أهل البصرة من مكة، وكانت قد أخذت عن أبي عباد معبد وعني بتخريجها، فكانت تحل مني محل الروح من الجسد، ثم استأثر الله عز وجل بها، وبقي هؤلاء الجواري وهن من تعليمها، فأنا إلى الآن أتعصب لمعبد وأفضله على المغنين جميعا وأفضل صنعته على كل صنعة. فقال له معبد: أو إنك لأنت هو أفتعرفني? قال: لا. قال: فصك معبد بيده صلعته ثم قال: فأنا والله معبد، وإليك قدمت من الحجاز، ووافيت البصرة ساعة نزلت السفينة لأقصدك بالأهواز، ووالله لا قصرت في جواريك هؤلاء، ولأجعلن لك في كل واحدة منهن خلفا من الماضية. فأكب الرجل والجواري على يديه ورجليه يقبلونها ويقولون: كتمتنا نفسك طول هذا اليوم حتى جفوناك في المخاطبة، وأسأنا عشرتك، وأنت سيدنا ومن نتمنى على الله أن نلقاه. ثم غير الرجل زيه وحاله وخلع عليه عدة خلع، وأعطاه في وقته ثلثمائة دينار وطيبا وهدايا بمثلها، وانحدر معه إلى الأهواز، فأقام عنده حتى رضي حذق جواريه وما أخذته عنه، ثم ودعه وانصرف إلى الحجاز.
غناء معبد للوليد بن يزيد
أخبرني الحسن بن علي الخفاف وعبد الباقي بن قانع قالا: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثني مهدي بن سابق قال حدثني سليمان بن غزوان مولى هشام قال حدثني عمر القاري بن عيد قال: قال الوليد بن يزيد يوما: لقد اشتقت إلى معبد، فوجه البريد إلى المدينة فأتى بمعبد، وأمر الوليد ببركة قد هيئت له فملئت بالخمر والماء، وأتي بمعبد فأمر به فأجلس والبركة بينهما، وبينهما ستر قد أرخي، فقال له غنني يا معبد: صوت

لهفي على فتية ذل الزمان لهم فما أصابهم إلا بمـا شـاءوا
مازال يعدو عليهم ريب دهرهم حتى تفانوا وريب الدهر عداء
أبكى فراقهم عيني وأرقـهـا إن التفرق للأحبـاب بـكـاء - الغناء لمعبد خفيف ثقيل، وفيه ليحيى المكي رمل، ولسليمان هزج، كلها رواية الهشامي - قال: فغناه إياه، فرفع الوليد الستر ونزع ملاءة مطيبة كانت عليه وقذف نفسه في تلك البركة، فنهل فيها نهلة، ثم أتي بأثواب غيرها وتلقوه بالمجامر والطيب، ثم قال غنني: صوت

يا ربع مالك لا تجيب متيمـا قد عاج نحوك زائرا ومسلما
جادتك كل سحابة هـطـالة حتى ترى عن زهرة متبسما - الغناء لمعبد ثاني ثقيل بالوسطى والخنصر عن ابن المكي. وفيه لعلوية ثاني ثقيل آخر بالبنصر في مجراها عنه - قال: فغناه فدعا له بخمسة عشر ألف دينار فصبها بين يديه، ثم قال: انصرف إلى أهلك واكتم ما رأيت.
وأخبرني بهذا الخبر عمي فجاء ببعض معانيه وزاد فيه ونقص، قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني سليمان بن سعد الحلبي قال:

صفحة : 17

سمعت القاري بن عدي يقول: إشتاق الوليد بن يزيد إلى معبد، فوجه إليه إلى المدينة فأحضر. وبلغ الوليد قدومه، فأمر ببركة بين يدي مجلسه فملئت ماء ورد قد خلط بمسك وزعفران، ثم فرش للوليد في داخل البيت على حافة البركة، وبسط لمعبد مقابله على حافة البركة، ليس معهما ثالث، وجيء بمعبد فرأى سترا مرخى ومجلس رجل واحد. فقال له الحجاب: يا معبد، سلم على أمير المؤمنين واجلس في هذا الموضع؛ فسلم فرد عليه الوليد السلام من خلف الستر، ثم قال له: حياك الله يا معبد أتدري لم وجهت إليك? قال: الله أعلم وأمير المؤمنين. قال: ذكرتك فأحببت أن أسمع منك. قال معبد: أأغني ما حضر أم ما يقترحه أمير المؤمنين? قال: بل غنني:
مازال يعدو عليهم ريب دهرهم حتى تافنوا وريب الدهر عداء فغناه، فما فرغ منه حتى رفع الجواري السجف، ثم خرج الوليد فألقى نفسه في البركة فغاص فيها ثم خرج منها، فاستقبله الجواري بثياب غير الثياب الأولى، ثم شرب وسقى معبدا، ثم قال له: غنني يا معبد:
يا ربع مالك لا تجيب متيمـا قد عاج نحوك زائرا ومسلما
جادتك كل سحـابة هـطـالة حتى ترى عن زهرة متبسما
لو كنت تدري من دعاك أجبته وبكيت من حرق عليه إذا دما قال: فغناه، وأقبل الجواري فرفعن الستر، وخرج الوليد فالقى نفسه في البركة فغاص فيها ثم خرج، فلبس ثيابا غير تلك، ثم شرب وسقى معبدا، ثم قال له: غنني. فقال: بماذا يا أمير المؤمنين? قال غنني:
عجبت لما رأتـنـي أندب الربع المحيلا
واقفا في الدار أبكي لا أرى إلا الطلولا
كيف تبكي لأنـاس لا يملون الذمـيلا?
كلما قلت اطمأنـت دارهم قالوا الرحيلا قال: فلما غناه رمى نفسه في البركة ثم خرج، فردوا عليه ثيابه، ثم شرب وسقى معبدا، ثم أقبل عليه الوليد فقال له: يا معبد، من أراد أن يزداد عند الملوك حظوة فليكتم أسرارهم. فقلت: ذلك ما لا يحتاج أمير المؤمنين إلى إيصائي به. فقال: يا غلام، احمل إلى معبد عشرة آلاف دينار تحصل له في بلده وألفي دينار لنفقة طريقه، فحملت إليه كلها، وحمل على البريد من وقته إلى المدينة.
خبر معبد مع رجل لم يستحسن غناءه
قال إسحاق: وقال معبد: أرسل إلي الوليد بن يزيد فأشخصت إليه. فبينا أنا يوما في بعض حمامات الشأم إذ دخل علي رجل له هيبة ومعه غلمان له، فأطلى واشتغل به صاحب الحمام عن سائر الناس. فقلت: والله لئن لم أطلع هذا على بعض ما عندي لأكونن بمزجر الكلب؛ فاستدبرته حيث يراني ويسمع مني، ثم ترنمت، فالتفت إلي وقال للغلمان: قدموا إليه جميع ما ها هنا، فصار جميع ما كان بين يديه عندي. قال: ثم سألني أن أسير معه إلى منزله فأجبته، فلم يدع من البر والإكرام شيئا إلا فعله، ثم وضع النبيذ، فجعلت لا آتي بحسن إلا خرجت إلى ما هو أحسن منه وهو لا يرتاح ولا يحفل لما يرى مني. فلما طال عليه أمري قال: يا غلام، شيخنا شيخنا، فأتي بشيخ، فلما رآه هش إليه، فأخذ الشيخ العود ثم اندفع يغني:
سلور في القدر ويلي علوه جاء القط أكله ويلي علوه السلور: السمك الجري بلغة أهل الشأم - قال: فجعل صاحب المنزل يصفق ويضرب برجله طربا وسرورا. قال: ثم غناه:
وترميني حبيبة بالدراقن وتحسبني حبيبة لا أراها - الدراقن: اسم الخوخ بلغة أهل الشأم - فكاد أن يخرج من جلده طربا. قال: وانسللت منهم فانصرفت ولم يعلم بي. فما رأيت مثل ذلك اليوم غناء أضيع، ولا شيخا أجهل معبد وابن عائشة
قال إسحاق: وذكر لي شيخ من أهل المدينة عن هارون بن سعد: أن ابن عائشة كان يلقي عليه وعلى ربيحة الشماسية، فدخل معبد فألقى عليهما صوتا، فاندفع ابن عائشة يغنيه وقد أخذه منه؛ فغضب معبد وقال: أحسنت يابن عاهرة الدار، تفاخرني فقال: لا والله - جعلني الله فداءك يا أبا عباد - ولكني أقتبس منك، وما أخذته إلا عنك، ثم قال: أنشدك الله يابن شماس، هل قلت لك: قد جاء أبو عباد فاجمع بيني وبينه أقتبس منه. قال: اللهم نعم.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال:

صفحة : 18

قيل لابن عائشة، وقد غنى صوتا أحسن فيه فقال: أصبحت أحسن الناس غناء، فقيل له: وكيف أصبحت أحسن الناس غناء? قال: وما يمنعني من ذلك وقد أخذت من أبي عباد أحد عشر صوتا، وأبو عباد مغني أهل المدينة والمقدم فيهم أخبرنا وكيع قال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني أبي قال حدثني أيوب بن عباية عن رجل من هذيل قال: قدومه مكة والتقاؤه بالمغنين بها
قال معبد: غنيت فأعجبني غنائي وأعجب الناس وذهب لي به صيت وذكر، فقلت لآتين مكة فلأسمعن من المغنين بها ولأغنينهم ولأتعرفن إليهم، فابتعت حمارا فخرجت عليه إلى مكة. فلما قدمتها بعت حماري وسألت عن المغنين أين يجتمعون? فقيل: بقعيقعان في بيت فلان، فجئت إلى منزله بالغلس فقرعت الباب، فقال: من هذا. فقلت: انظر عافاك الله فدنا وهو يسبح ويستعيد كأنه يخاف، ففتح فقال: من أنت عافاك الله? قلت: رجل من أهل المدينة. قال: فما حاجتك? قلت: أنا رجل أشتهي الغناء، وأزعم أني أعرف منه شيئا، وقد بلغني أن القوم يجتمعون عندك، وقد أحببت أن تنزلني في جانب منزلك وتخلطني بهم، فإنه لا مئونة عليك ولا عليهم مني. فلوى شيئا ثم قال: انزل على بركة الله. قال: فنقلت متاعي فنزلت في جانب حجرته. ثم جاء القوم حين أصبحوا واحدا بعد واحد حتى اجتمعوا، فأنكروني وقالوا: من هذا الرجل? قال: رجل من أهل المدينة خفيف يشتهي الغناء ويطرب عليه، ليس عليكم منه عناء ولا مكروه. فرحبوا بي وكلمتهم، ثم انبسطوا وشربوا وغنوا، فجعلت أعجب بغنائهم وأظهر ذلك لهم ويعجبهم مني، حتى أقمنا أياما، وأخذت من غنائهم وهم لا يدرون أصواتا وأصوتا وأصواتا. ثم قلت لابن سريج: أي فديتك أمسك علي صوتك:
قل لهند وتـربـهـا قبل شحط النوى غدا قال: أو تحسن شيئا? قلت: تنظر، وعسى أن أصنع شيئا، واندفعت فيه فغنيته، فصاح وصاحوا وقالوا: أحسنت قاتلك الله قلت: فأمسك علي صوت كذا فأمسكوه علي، فغنيته، فازدادوا عجبا وصياحا.
فما تركت واحدا منهم إلا غنيته من غنائه أصواتا قد تخيرتها. قال: فصاحوا حتى علت أصواتهم وهرفوا بي وقالوا: لأنت أحسن بأداء غنائنا عنا منا. قال: قلت: فأمسكوا علي ولا تضحكوا بي حتى تسمعوا من غنائي ، فأمسكوا علي؛ فغنيت صوتا من غنائي فصاحوا بي، ثم غنيتهم آخر وآخر فوثبوا إلي وقالوا: نحلف بالله إن لك لصيتا واسما وذكرا، وإن لك فيما هاهنا لسهما عظيما، فمن أنت? قلت: أنا معبد. فقبلوا رأسي وقالوا: لفقت علينا وكنا نتهاون بك ولا نعدك شيئا وأنت أنت. فأقمت عندهم شهرا آخذ منهم ويأخذون مني، ثم انصرفت إلى المدينة.
نسبة هذا الصوت صوت
قل لهند وتـربـهـا قبل شحط النوى غدا
إن تجوي فطالـمـا بت ليلي مسـهـدا
أنت في ود بـينـنـا خير ما عنـدنـا يدا
حين تدلي مضفـرا حالك اللون أسـوادا الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء لابن سريج عن حماد ولم يجنسه. وفيه لمالك خفيف ثقيل أول بالبنصر في مجراها عن إسحاق. وقال الهشامي: فيه لابن محرز خفيف ثقيل بالوسطى.

ومن الثلاثة الأصوات المختارة
صوت فيه أربعة ألحان من رواية علي بن يحيى ثاني الثلاثة الأصوات المختارة

تشكى الكميت الجري لما جهدته وبين لو يسطيع أن يتـكـلـمـا
لذلك أدني دون خيلي مـكـانـه وأوصي به ألا يهان ويكـرمـا
فقلت له: إن ألق للـعـين قـرة فهان علي أن تكل وتـسـأمـا
عدمت إذا وفري وفارقت مهجتي لئن لم أقل قرنا إن الله سلـمـا عروضه من الطويل. قوله: )لئن لم أقل قرنا(، يعني أنه يجد في سيره حتى يقيل بهذا الموضع، وهوقرن المنازل، وكثيرا ما يذكره في شعره.
الشعر لعمر بن أبي ربيعة المخزومي، والغناء في هذا اللحن المختار لابن سريج، ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى. وفيه لإسحاق أيضا ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو بن بانة. وفيه ثقيل أول يقال إنه ليحيى المكي. وفيه خفيف رمل يقال إنه لأحمد بن موسى المنجم. وفيه للمعتضد ثاني ثقيل آخر في نهاية الجودة. وقد كان عمرو بن بانة صنع فيه لحنا فسقط لسقوط صنعته.


صفحة : 19

أخبرني جحظة قال حدثني أبو عبد الله الهشامي قال: صنع عمرو بن بانة لحنا في تشكي الكميت الجري فأخبرني بعض عجائزنا بذلك، قالت فأردنا أن نعرضه على متيم لنعلم ما عندها فيه، فقلنا لبعض من أخذه عن عمرو: إن تشكى الكميت الجري في اللحن الجديد، فقالت متيم: أيش هذا اللحن الجديد والكميت المحدث? قلنا: لحن صنعه عمرو بن بانة. فغنته الجارية، فقالت متيم لها: اقطعي اقطعي، حسبك حسبك هذا والله لحمار حنين المكسور أشبه مه بالكميت.

ذكر خبر عمر بن أبي ربعية ونسبه
نسب عمر بن أبي ربيعة
هو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة، واسم أبي ربيعة: حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. وقد تقدم باقي النسب في نسب أبي قطيفة. ويكنى عمر بن أبي ربيعة أبا الخطاب . وكان أبو ربيعة جده يسمى ذا الرمحين سمي بذلك لطوله، كان يقال: كأنه يمشي على رمحين.
أخبرني بذلك الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي ومحمد بن الضحاك عن أبيه الضحاك عن عثمان بن عبد الرحمن اليربوعي. وقيل: إنه قاتل يوم عكاظ برمحين فسمي ذا الرمحين لذلك.
وأخبرني بذلك أيضا علي بن صالح بن الهيثم قال حدثني أبو هفان عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن مصعب الزبيري والمدائني والمسيبي ومحمد بن سلام، قالوا: وفيه يقول عبد الله بن الزبعرى:
ألا لـلـه قــوم و لدت أخت بني سهم
هشام وأبـو عـبـد مناف مدرة الخصم
وذو الرمحين أشبـاك على القوة والحـزم
فهــــذان يذودان وذا من كثب يرمي
أسود تزدهي الأقـرا ن مناعون للهضـم
وهم يوم عـكـاظ م نعوا الناس من الهزم
وهم من ولدوا أشبوا بسر الحسب الضخم
فإن أحلف وبيت الل ه لا أحلف على إثم
لما من إخـوة بـين قصور الشأم والردم
بأزكى من بني ريط ة أو أوزن في الحلم أبو عبد مناف: الفاكه بن المغيرة. وريطة هذه التي عناها هي أم بني المغيرة، وهي بنت سعيد بن سعد بن سهم، ولدت من المغيرة هشاما وهاشما ربيعة والفاكه.
وأخبرني أحمد بن سليمان بن داود الطوسي والحرمي بن أبي العلاء قالا: حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي ثابت قال أخبرني محمد بن عبد العزيز عن ابن أبي نهشل عن أبيه قال: قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - وجئته أطلب منه مغرما - يا خال، هذه أربعة آلاف درهم وأنشد هذه الأبيات الأربعة وقل: سمعت حسان ينشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: أعوذ بالله أن أفتري على الله ورسوله، ولكن إن شئت أن أقول: سمعت عائشة تنشدها فعلت. فقال: لا، إلا أن تقول: سمعت حسان ينشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فأبى علي وأبيت عليه، فأقمنا لذلك لا نتكلم عدة ليال. فأرسل إلي فقال: قل أبياتا تمدح بها هشاما - يعني ابن المغيرة - وبني أمية. فقلت: سمهم لي، فسماهم وقال: اجعلها في عكاظ واجعلها لأبيك. فقلت:
ألا لـلـه قــوم و لدت أخت بني سهم قال: ثم جئت فقلت: هذه قالها أبي. فقال: لا، ولكن قل: قالها ابن الزبعري. قال: فهي إلى الآن منسوبة في كتب الناس إلى ابن الزبعري.
قال الزبير: وأخبرني محمد بن الحسن المخزومي قال: أخبرني محمد بن طلحة أن عمر بن أبي ربيعة قائل هذه الأبيات:
ألا لـلـه قــوم و لدت أخت بني سهم أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبد العزيز بن عمران قال حدثني محمد بن عبد العزيز عن ابن أبي نهشل عن أبيه بمثل ما رواه الزبير عنه. وزاد فيه عمر بن شبة: قال محمد بن يحيى: و أخت بني سهم التي عناها ريطة بنت سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب، وهي أم بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهم: هشام وهاشم وأبو ربيعة والفاكه، وعدة غيرهم لم يعقبوا، وإياهم يعني أبو ذؤيب بقوله:

صفحة : 20


صخب الشوارب لا يزال كأنه عبد لآل أبي ربيعة مسـبـع ضرب بعزهم المثل. قال : وكان اسم عبد الله بن أبي ربيعة في الجاهلية بحيرا، فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله، وكانت قريش تلقبه العدل ، لأن قريشا كانت تكسو الكعبة في الجاهلية بأجمعها من أموالها سنة، ويكسوها من ماله سنة، فأرادوا بذلك أنه وحده عدل لهم جميعا في ذلك.
وفيه يقول ابن الزبعري:
بحير بن ذي الرمحين قرب مجلسي وراح علي خيره غـير عـاتـم وقد قيل: إن العدل هو الوليد بن المغيرة.
وكان عبد الله بن أبي ربيعة تاجرا موسرا، وكان متجره إلى اليمن، وكان من أكثرهم مالا. وأمه أسماء بنت مخربة، وقيل: مخرمة، وكانت عطارة يأتيها العطر من اليمن. وقد تزوجها هشام بن المغيرة أيضا، فولدت له أبا جهل والحارث ابني هشام، فهي أمهما وأم عبد الله وعياش ابني أبي ربيعة.
أخبرني الحرمي والطوسي قال: حدثنا الزبير قال حدثني عمي عن الواقدي قال: كانت أسماء بنت مخربة تبيع العطر بالمدينة. فقالت الربيع بنت معوذ بن عفراء الأنصارية - وكان أبوها قتل أبا جهل بن هشام يوم بدر واحتز رأسه عبد الله بن مسعود - وقيل: بل عبد الله بن مسعود هو الذي قتله - فذكرت أن أسماء بنت مخربة دخلت عليها وهي تبيع عطرا لها في نسوة، قالت: فسألت عنا، فانتسبنا لها. فقالت: أأنت ابنة قاتل سيده? تعني أبا جهل. قلت: بل أنا بنت قاتل عبده. قالت: حرام علي أن أبيعك من عطري شيئا. قلت: وحرام علي أن أشتري منه شيئا، فما وجدت لعطر نتنا غير عطرك، ثم قمت، ولا والله ما رأيت عطرا أطيب من عطرها، ولكني أردت أن أعيبه لأغيظها.
وكان لعبد الله بن أبي ربيعة عبيد من الحبشة يتصرفون في جميع المهن، وكان عددهم كثيرا، فروي عن سفيان بن عيينة أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى حنين: هل لك في حبش بني المغيرة تستعين بهم? فقال: لا خير في الحبش إن جاعوا سرقوا وإن شبعوا زنوا، وإن فيهم لخلتين حسنتين إطعام الطعام والبأس يوم البأس . واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي ربيعة على الجند ومخلفيها، فلم يزل عاملا عليها حتى قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه. هذا من رواية الزبير عن عمه. قال: وحدثني ابن الماجشون عن عمه أن عثمان بن عفان - رحمه الله - استعمله أيضا عليها.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 09:44 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

أم عمر بن أبي ربيعة وأخوه الحارث
الملقب بالقباع
وأم عمر بن أبي ربيعة أم ولد يقال لها مجد ، سبيت من حضرموت، ويقال من حمير. قال أبو محلم ومحمد بن سلام: هي من حمير، ومن هناك أتاه الغزل، يقال: غزل يمان، ودل حجازي.
وقال عمر بن شبة: أم عمر بن أبي ربيعة أم ولد سوداء من حبش يقال لهم: فرسان. وهذا غلط من أبي زيد، تلك أم أخيه الحارث بن عبد الله الذي يقال له: القباع ، وكانت نصرانية. وكان الحارث بن عبد الله شريفا كريما دينا وسيدا من سادات قريش.
قال الزبير بن بكار: ذكره عبد الملك بن مروان يوما وقد ولاه عبد الله بن الزبير، فقال: أرسل عوفا وقعد لا حر بوادي عوف . فقال له يحيى بن الحكم: ومن الحارث ابن السوداء فقال له عبد الملك: ما ولدت والله أمة خيرا مما ولدت أمه.
وأخبرني علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق بن إبراهيم عن الزبير والمدائني والمسيبي: أن أمه ماتت نصرانية وكانت تسر ذلك منه. فحضر الأشراف جنازتها، وذلك في عهد عمر بن الخطاب - رحمة الله عليه - فسمع الحارث من النساء لغطا، فسأل عن الخبر، فعرف أنها ماتت نصرانية وأنه وجد الصليب في عنقها، وكانت تكتمه ذلك. فخرج إلى الناس فقال: انصرفوا رحمكم الله، فإن لها أهل دين هم أولى بها منا ومنكم فاستحسن ذلك منه وعجب الناس من فعله.
نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء الغناء في ألا لله قوم ... الأبيات صوت
ألا لـلـه قــوم و =لدت أخت بني سهم
هشام وأبو عـبـد =مناف مدرة الخصم
وذو الرمحين أشباك =على القوة والحزم
فهـــذان يذودان وذا من كثب يرمي عروضه من مكفوف الهزج. الغناء لمعبد خفيف رمل من رواية حماد.
رأي يزيد في غناء معبد وابن سريج


صفحة : 21

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال إسماعيل بن مجمع أخبرنا المدائني عن رستم ابن صالح قال: قال يزيد بن عبد الملك يوما لمعبد: يا أبا عباد، أني أريد أن أخبرك عن نفسي وعنك، فإن قلت فيه خلاف ما تعلم فلا تتحاش أن ترده علي، فقد أذنت لك. قال: يا أمير المؤمنين، لقد وضعك ربك بموضع لا يعصيك إلا ضال، ولا يرد عليك إلا مخطىء. قال: إن الذي أجده في غنائك لا أجده في غناء ابن سريج: أجد في غنائك متانة، وفي غنائه انحناثا ولينا. قال معبد: والذي أكرم أمير المؤمنين بخلافته، وارتضاه لعباده، وجعله أمينا على أمة نبيه صلى الله عليه وسلم، ما عدا صفتي وصفة ابن سريج، وكذا يقول ابن سريج وأقول، ولكن أن رأى أمير المؤمنين أن يعلمني هل وضعني ذاك عنده فعل. قال: لا والله، ولكني أؤثر الطرب على كل شيء.
قال: يا سيدي فإذا كان ابن سريج يذهب إلى الخفيف من الغناء وأذهب أنا إلى الكامل التام، فأغرب أنا ويشرق هو، فمتى نلتقي? قال: أفتقدر أن تحكي رقيق بن سريج? قال نعم، فصنع من وقته لحنا من الخفيف في:
ألا لـلـه قــوم و لدت أخت بني سهم الأربعة الأبيات. فغناه، فصاح يزيد: أحسنت والله يا مولاي أعد فداك أبي وأمي، فأعاد، فرد عليه مثل قوله الأول، فأعاد. ثم قال: أعد فداك أبي وأمي، فأعاد، فاستخفه الطرب حتى وثب وقال لجواريه: افعلن كما أفعل، وجعل يدور في الدار ويدرن معه وهو يقول:
يا دار دورينــي =يا قرقر امسكيني
آليت منـذ حـين =حقا لتصرمينـي
ولا تواصلـينـي =بالله فارحمينـي
لم تذكري يميني قال: فلم يزل يدور كما يدور الصبيان ويدرن معه، حتى خر مغشيا عليه ووقعن فوقه ما يعقل ولا يعقلن، فابتدره الخدم فأقاموه وأقاموا من كان على ظهره من جواريه، وحملوه وقد جاءت نفسه أو كادت.
سيرة جوان بن عمر بن أبي ربيعة
رجع الخبر إلى ذكر عمر بن أبي ربيعة وكان لعمر بن أبي ربيعة بن صالح يقال له جوان ، وفيه يقول العرجي:
شهيدي جوان على حبها *** أليس بعدل عليها جوان

فأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني يحيى بن محمد بن عبد الله بن ثوبان قال: جاء جوان بن عمر بن أبي ربيعة إلى زياد بن عبد الله الحارثي وهو إذ ذاك أمير على الحجاز، فشهد عنده بشهادة، فتمثل:
شهيدي جوان على حبها *** أليس بعدل عليها جوان

- وهذا الشعر للعرجي - ثم قال: قد أجزنا شهادتك، وقبله. وقال غير الزبير: إنه جاء إلى العرجي، فقال له: يا هذا ما لي وما لك تشهرني في شعرك متى أشهدتني على صاحبتك هذه ومتى كنت أنا أشهد في مثل هذا قال: وكان امرأ صالحا.
وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني بكار بن عبد الله قال: استعمل بعض ولاة مكة جوان بن عمر على تبالة، فحمل على خثعم في صدقات أموالهم حملا شديدا، فجعلت خثعم سنة جوان تاريخا، فقال ضبارة بن الطفيل:
أتلبسنا ليلى على شعـث بـنـا *** من العام أو يرمى بنا الرجوان صوت

رأتني كأشلاء اللجام وراقـهـا =أخو غـزل ذو لـمة ودهـان
ولو شهدتني في ليال مضين لي = لعامين مرا قبل عـام جـوان
رأتنا كريمي معشر حم بينـنـا =هوى فحفظناه بحسـن صـيان
نذود النفوس الحائمات عن الصبا = وهن بأعنـاق إلـيه ثـوانـي

ذكر حبش أن الغناء في هذه الأبيات للغريض ثاني ثقيل بالبنصر، وذكر الهشامي أنه لقراريط.
أمة الواحد بنت عمر بن أبي ربيعة قالوا: وكان لعمر أيضا بنت يقال لها: أمه الواحد وكانت مسترضعة في هذيل، وفيها يقول عمر بن أبي ربيعة - وقد خرج يطلبها فضل الطريق -:
لم تدر وليغفر لها ربهـا =ما جشمتنا أمة الواحـد
جشمت الهول براذيننـا =نسأل عن بيت أبي خالد
نسأل عن شيخ بني كاهل =أعيا خفاء نشدة الناشـد

مولد عمر يوم قتل عمر بن الخطاب
ووفاته وقد قارب السبعين

صفحة : 22

أخبرني بذلك محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي بكر العامري أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال حدثني يعقوب بن القاسم قال حدثنا أسامة بن زيد بن الحكم بن عوانة عن عوانة بن الحكم - قال: أراه عن الحسن - قال: ولد عمر بن أبي ربيعة ليلة قتل عمر بن الخطاب - رحمة الله عليه - فأي حق رفع، وأي باطل وضع. قال عوانة: ومات وقد قارب السبعين أو جاوزها.
أخبرني الجوهري والمهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال حدثني يعقوب بن القاسم قال حدثني عبد الله بن الحارث عن ابن جريج عن عطاء قال: كان عمر بن أبي ربيعة أكبر مني كأنه ولد في أول الإسلام.
عمر في مجلس ابن عباس بالمسجد الحرام
أخبرني الجوهري والمهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني هارون بن عبد الله الزهري قال: حدثنا ابن أبي ثابت، وحدثني به علي بن صالح بن الهيثم عن أبي هفان عن إسحاق عن المسيبي والزبيري والمدائني ومحمد بن سلام، قالوا: قال أيوب بن سيار، وأخبرني به الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الحسن المخزومي عن عبد العزيز بن عمران عن أيوب بن سيار عن عمر الركاء قال: بينا ابن عباس في المسجد الحرام وعنده نافع بن الأزرق وناس من الخوارج يسألونه، إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين موردين أو ممصرين حتى دخل وجلس، فأقبل عليه ابن عباس فقال أنشدنا فأنشده:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر *** غداة غد أم رائح فمهجر

حتى أتى على آخرها. فأقبل عليه نافع بن الأزرق فقال: الله يابن عباس إنا نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد نسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل عنا، ويأتيك غلام مترف من مترفي قريش فينشدك:
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت *** فيخزى وأما بالعشى فـيخـسـر

فقال: ليس هكذا قال. قال: فكيف قال? فقال: قال:
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشى فيخـصـر فقال: ماأراك إلا وقد حفظت البيت قال: أجل وإن شئت أن أنشدك القصيدة أنشدتك إياها. قال فإني أشاء، فأنشده القصيدة حتى أتى على آخرها. وفي غير رواية عمر بن شبة: أن ابن عباس أنشدها من أولها إلى آخرها، ثم أنشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة، وما سمعها قط إلا تلك المرة صفحا. قال: وهذا غاية الذكاء. فقال له بعضهم: ما رأيت أذكى منك قط. فقال: لكني ما رأيت قط أذكى من علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان ابن عباس يقول: ما سمعت شيئا قط إلا رويته، وإني لأسمع صوت النائحة فأسد أذني كراهة أن أحفظ ما تقول. قال: ولامه بعض أصحابه في حفظ هذه القصيدة: أمن آل نعم... فقال: إنا نستجيدها.
وقال الزبير في خبره عن عمه: فكان ابن عباس بعد ذلك كثيرا ما يقول: هل أحدث هذا المغيري شيئا بعدنا? قال: وحدثني عبد الله بن نافع بن ثابت قال: كان عبد الله بن الزبير إذا سمع قول عمر بن أبي ربيعة:
فيضحى وأما بالعشي فيحضر قال: لا، بل:
فيخزى وأما بالعشي فيخسر قال عمر بن شبة وأبو هفان والزبير في حديثهم: ثم أقبل على ابن أبي ربيعة فقال: أنشد، فأنشده:
تشط غدا دار جيراننا وسكت، فقال ابن عباس:
وللدار بعد غد أبعد فقال له عمر: كذلك قلت - أصلحك الله - أفسمعته? قال: لا، ولكن كذلك ينبغي.
شعره وخلقه وشهادة الشعراء فيه
أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني يعقوب بن إسحاق قال: كانت العرب تقر لقريش بالتقدم في كل شيء عليها إلا في الشعر، فإنها كانت لا تقر لها به، حتى كان عمر بن أبي ربيعة، فأقرت لها الشعراء بالشعر أيضا ولم تنازعها شيئا.
قال الزبير: وسمعت عمي مصعبا يحدث عن جدي أنه قال مثل هذا القول. قال: وحدثني عدة من أهل العلم أن النصيب قال: لعمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربات الحجال.
قال المدائني قال سليمان بن عبد الملك لعمر بن أبي ربيعة: ما يمنعك من مدحنا? قال: إني لا أمدح الرجال، إنما أمدح النساء. قال: وكان ابن جريج يقول: ما دخل على العواتق في حجالهن شيء اضر عليهن من شعر عمر بن أبي ربيعة.


صفحة : 23

قال الزبير وحدثني عمي عن جدي - وذكره أيضا إسحاق فيما رويناه عن أبي هفان عنه عن المدائني - قال قال هشام بن عروة: لا ترووا فتياتكم شعر عمر بن أبي ربيعة لا يتورطن في الزنا تورطا، وأنشد:
لقد أرسلت جـاريتـي =وقلت لها خذي حذرك
وقولي في مـلاطـفة =لزينب: نولي عمرك
أخبرنا علي بن صالح قال حدثني أبو هفان عن إسحاق عن الزبيري قال حدثني أبي عن سمرة الدوماني من حمير قال: إني لأطوف بالبيت فإذا أنا بشيخ في الطواف، فقيل لي: هذا عمر بن أبي ربيعة. فقبضت على يده وقلت له: يابن أبي ربيعة. فقال: ما تشاء? قلت: أكل ما قتله في شعرك فعلته? قال: إليك عني. قلت: أسألك بالله قال: نعم وأستغفر الله.
قال إسحاق وحدثني الهيثم بن عدي عن حماد الراوية: أنه سئل عن شعر عمر بن أبي ربيعة فقال: ذاك الفستق المقشر.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن عمه قال: سمع الفرزدق شيئا من نسيب عمر فقال: هذا الذي كانت الشعراء تطلبه فأخطأته وبكت الديار، ووقع هذا عليه. قال: وكان بالكوفة رجل من الفقهاء تجتمع إليه الناس فيتذاكرون العلم، فذكر يوما شعر عمر بن أبي ربيعة فهجنه. فقالوا له: بمن ترضى? ومر بهم حماد الراوية فقال: قد رضيت بهذا. فقالوا له: ما تقول فيمن يزعم أن عمر بن أبي ربيعة لم يحسن شيئا? فقال: أين هذا? اذهبوا بنا إليه. قالوا: نصنع به ماذا? قال: ننزو على أمه لعلها تأتي بمن هو أمثل من عمر.
قال إسحاق: وقال أبو المقوم الأنصاري: ما عصي الله بشيء كما عصي بشعر عمر بن أبي ربيعة.
قال إسحاق: وحدثني قيس بن داود قال حدثني أبي قال: سمعت عمر بن أبي ربيعة يقول: لقد كنت وأنا شاب أعشق ولا أعشق، فاليوم صرت إلى مداراة الحسان إلى الممات. ولقد لقيتني فتاتان مرة فقالت لي إحداهما: أدن مني يابن أبي ربيعة أسر إليك شيئا. فدنوت منها ودنت الأخرى فجعلت تعضني، فما شعرت بعض هذه من لذة سرار هذه.
قال إسحاق: وذكر عبد الصمد بن المفضل الرقاشي عن محمد بن فلان الزهري - سقط اسمه - عن إسحاق عن عبد الله بن مسلمة بن أسلم قال: لقيت جريرا فقلت له: يا أبا حزرة، إن شعرك رفع إلى المدينة وأنا أحب أن تسمعني منه شيئا. فقال: إنكم يا أهل المدينة يعجبكم النسيب، وإن أنسب الناس المخزومي. يعني ابن أبي ربيعة.
قال إسحاق: وذكر محمد بن إسماعيل الجعفري عن أبيه عن خاله عبد العزيز بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، قال: أشرف عمر بن أبي ربيعة على أبي قبيس، وبنو أخيه معه وهم محرمون، فقال لبعضهم: خذ بيدي فأخذ بيده، وقال: ورب هذه البنية ما قلت لامرأة قط شيئا لم تقله لي، وما كشفت ثوبا عن حرام قط. قال: ولما مرض عمر مرضه الذي مات فيه جزع أخوه الحارث جزعا شديدا. فقال له عمر: أحسبك إنما تجزع لما تظنه بي، والله ما أعلم أني ركبت فاحشة قط فقال: ما كنت أشفق عليك إلا من ذلك، وقد سليت عني.
قال إسحاق: حدثني مصعب الزبيري قال قال مصعب بن عروة بن الزبير: خرجت أنا وأخي عثمان إلى مكة معتمرين أو حاجين، فلما طفنا بالبيت مضينا إلى الحجر نصلي فيه، فإذا شيخ قد فرج بيني وبين أخي فأوسعنا له. فلما قضى صلاته أقبل علينا فقال: من أنتما? فأخبرناه. فرحب بنا وقال: يا ابني أخي، إني موكل بالجمال أتبعه، وإني رأيتكما فراقني حسنكما وجمالكما، فاستمتعا بشبابكما قبل أن تندما عليه، ثم قام، فسألنا عنه فإذا هو عمر بن أبي ربيعة.
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن الضحاك قال: عاش عمر بن أبي ربيعة ثمانين سنة، فتك منها أربعين سنة، ونسك أربعين سنة.
قال الزبير وحدثني إبراهيم عن حمزة ومحمد بن ثابت عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: حججت مع أبي وأنا غلام وعلي جمة. فلما قدمت مكة جئت عمر بن أبي ربيعة، فسلمت عليه وجلست معه، فجعل يمد الخصلة من شعري ثم يرسلها فترجع على ما كانت عليه، ويقول: واشباباه. حتى فعل ذلك مرارا. ثم قال لي: يابن أخي، قد سمعتني أقول في شعري: قالت لي وقلت لها، وكل مملوك لي حر إن كنت كشفت عن فرج حرام قط فقمت وأنا متشكك في يمينه، فسألت عن رقيقه فقيل لي: أما في الحوك فله سبعون عبدا سوى غيرهم.


صفحة : 24

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثتني ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت: مررت بجدك عبد الله بن مصعب وأنا داخلة منزله وهو بفنائه ومعي دفتر، فقال: ما هذا معك? ودعاني. فجئته وقلت: شعر عمر بن أبي ربيعة. فقال: ويحك تدخلين على النساء بشعر عمر بن أبي ربيعة إن لشعره لموقعا من القلوب ومدخلا لطيفا، لو كان شعر يسحر لكان هو، فارجعي به. قالت: ففعلت.
قال إسحاق : وأخبرني الهيثم بن عدي قال: قدمت امرأة مكة وكانت من أجمل النساء. فبينا عمر بن أبي ربيعة يطوف إذ نظر إليها فوقعت في قلبه، فدنا منها فكلمها، فلم تلتفت إليه. فلما كان في الليلة الثانية جعل يطلبها حتى أصابها. فقالت له: إليك عني يا هذا، فإنك في حرم الله وفي أيام عظيمة الحرمة. فألح عليها يكلمها، حتى خافت أن يشهرها. فلما كان في الليلة الأخرى قالت لأخيها: أخرج معي يا أخي فأرني المناسك، فإني لست أعرفها، فأقبلت وهو معها. فلما رآها عمر أراد أن يعرض لها، فنظر إلى أخيها معها فعدل عنها، فتمثلت المرأة بقول النابغة:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له *** وتتقي صولة المستأسد الحامـي

قال إسحاق: فحدثني السندي مولى أمير المؤمنين أن المنصور قال -وقد حدث بهذا الخبر-: وددت أنه لم تبق فتاة من قريش في خدرها إلا سمعت بهذا الحديث.
قال إسحاق: قال لي الأصمعي: عمر حجة في العربية، ولم يؤخذ عليه إلا قوله:
ثم قالوا تحبها قلـت بـهـرا *** عدد الرمل والحصى والتراب

وله في ذلك مخرج، إذ قد أتى به على سبيل الإخبار. قال: ومن الناس من يزعم أنه إنما قال:
قيل لي هل تحبها قلت بهرا نسبة ما مضى في هذه الأخبار من الأشعار التي قالها عمر بن أبي ربيعة وغنى فيها المغنون إذ كانت لم تنسب هناك لطول شرحها شعر عمر الذي غنى فيه المغنون
منها ما يغنى فيه من قوله: صوت

أمن آل نعم أنت غاد فـمـبـكـر =غداة غـد أم رائح فـمـهـجـر
لحاجة نفس لم تقل في جـوابـهـا =فتبلغ عذرا والـمـقـالة تـعـذر
أشارت بمدراها وقالت لأخـتـهـا =أهذا المغيري الذي كـان يذكـر?
فقالت: نعم لا شـك غـير لـونـه =سر الليل يطوي نصه والتهـجـر
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت = فيضحى وأما بالعشي فيخـصـر
أخا سفر جواب أرض تـقـاذفـت =به فلوات فهو أشـعـث أغـبـر
وليلة ذي دوران جشمتني السـرى =وقد يجشم الهول المحب المغـرر
فقلت: أباديهم فـإمـا أفـوتـهـم = وإما ينال السـيف ثـأرا فـيثـأر

هذه الأبيات جمعت على غير توال؛ لأنه إنما ذكر منها ما فيه صنعة. غنى في الأول والثاني من الأبيات ابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن أحمد بن المكي وذكر حبش أن فيهما لمعبد لحنا من الثقيل الأول بالبنصر.
وغنى ابن سريج في الثالث والرابع أيضا خفيف ثقيل بالوسطى، وذكر حبش أن فيهما لحنا من الهزج بالوسطى لحكم. وغنى ابن سريج في الخامس والسادس لحنا من الرمل بالوسطى عن عمرو بن بانه. وذكر يونس أن في السابع والثامن لابن سريج لحنا ولم يذكر طريقته، وذكر حبش أن فيهما لمالك لحنا من الثقيل الثاني بالبنصر.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني محمد بن إسحاق قال أخبرني محمد بن حبيب عن هشام بن الكلبي: أن عمر بن أبي ربيعة أتى عبد الله بن عباس وهو في المسجد الحرام فقال: متعني الله بك إن نفسي قد تاقت إلى قول الشعر ونازعتني إليه، وقد قلت منه شيئا أحببت أن تسمعه وتستره علي. فقال: أنشدني، فأنشده:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر فقال له: أنت شاعر يا ابن أخي، فقل ما شئت. قال: وأنشد عمر هذه القصيدة طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري وهو راكب، فوقف ومازال شانقا ناقته حتى كتبت له.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني الحسين بن إسماعيل قال حدثنا ابن عائشة عن أبيه قال: كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: هذا شعر تهامي إذا أنجد وجد البرد، حتى أنشد قوله:
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت *** فيضحى وأما بالعشي فينحـصـر

صفحة : 25


قليلا على ظهر المطية ظـلـه =سوى ما نفى عنه الرداء المحبر
وأعجبها من عيشها ظل غـرفة =وريان ملتف الحدائق أخضـر
ووال كفاها كل شيء يهمـهـا =فليست لشيء آخر الليل تسهـر

فقال جرير: ما زال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر.
أخبرني محمد بن خلف قال أخبرني أبو عبد الله اليمامي قال حدثني الأصمعي قال: قال لي الرشيد: أنشدني أحسن ما قيل في رجل قد لوحه السفر، فأنشدته قول عمر بن أبي ربيعة:
رأت رجلا إذا ما الشمس عارضت *** فيضحى وأما بالعشي فينحـصـر
أخا سفر جواب أرض تقـاذفـت *** به فلوات فهو أشـعـث أغـبـر ... ا

لأبيات كلها. قال: فقال لي الرشيد: أنا والله ذلك الرجل. قال: وهذا بعقب قدومه من بلاد الروم.
أخبرني الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة في كتابه إلي: قال حدثنا محمد بن سلام قال أخبرني شعيب بن صخر قال: كان بين عائشة بنت طلحة وبين زوجها عمر بن عبيد الله بن معمر كلام، فسهرت ليلة فقالت: إن ابن أبي ربيعة لجاهل بليلتي هذه حيث يقول:
ووال كفاها كل شيء يهمهـا *** فليست لشيء آخر الليل تسهر

أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان قال حدثني إسحاق عن المدائني قال: عرض يزيد بن معاوية جيش أهل الحرة، فمر به رجل من أهل الشأم معه ترس خلق سمج، فنظر إليه يزيد وضحك وقال له: ويحك ترس عمر بن أبي ربيعة كان أحسن من ترسك. يريد قول عمر:
فكان مجني دون من كنت أتقي *** ثلاث شخوص كاعبان ومعصر

أخبرنا جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي قال: سمع أبو الحارث جميز مغنية تغني:
أشارت بمدراها وقالت لأختهـا *** أهذا المغيري الذي كان يذكر?

فقال جميز: امرأته طالق إن كانت أشارت إليه بمدراها إلا لتفقأ بها عينه، هلا أشارت إليه بنقانق مطرف بالخردل، أو سنبوسجة مغموسة في الخل، أو لوزينجة شرقة بالدهن فإن ذلك أنفع له، وأطيب لنفسه، وأدل على مودة صاحبته.
أخبرني الحرمي قال: حدثنا الزبير قال حدثني عبد العزيز بن أبي أويس عن عطاف بن خالد الوابصي عن عبد الرحمن بن حرملة قال: أنشد سعيد بن المسيب قول عمر بن أبي ربيعة:
وغاب قمير كنت أرجو غيوبه *** وروح رعيان ونوم سـمـر

فقال: ما له قاتله الله لقد صغر ما عظم الله يقول الله عز وجل: والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم .
شعر عمر في فاطمة الكندية
بنت محمد بن الأشعث
ومنها ما فيه غناء لم ينسب في موضعه من الأخبار فنسب ها هنا: صوت

تشط غـدا دار جـيرانـنـا =وللدار بـعـد غـد أبـعـد
إذا سلكت غمـر ذي كـنـدة =مع الصبح قصد لها الفرقـد
عراقية، وتهامـي الـهـوى =يغـور بـمـكة أو ينـجـد
وحث الحداة بهـا عـيرهـا =سراعا إذا ما ونت تـطـرد
هنالك إما تـعـزي الـفـؤاد =وإما على إثرهـا تـكـمـد
وليسـت بـبـدع إذا دارهـا =نأت والـعـزاء إذا أجـلـد
صرمت وواصلت حتى علـم = ت أين المصادر والـمـورد
وجربت من ذاك حتى عرف =ت ما أتوقى ومـا أحـمـد
فلما دنونا لجـرس الـنـبـا =ح والضوء، والحي لم يرقدوا
نأينا عن الحـي حـتـى إذا =تودع من نارها الـمـوقـد
بعثنا لهـا بـاغـيا نـاشـدا =وفي الحي بغية من ينـشـد
أتتنا تهـادى عـلـى رقـبة =من الخوف أحشاؤها ترعـد
تقول وتظهـر وجـدا بـنـا =ووجدي وإن أظهرت أوجـد
لمما شقائي تعـلـقـتـكـم =وقد كان لي عندكم مقـعـد
وكفت سوابق مـن عـبـرة = على الخد يجري بها الإثمـد
فإن التي شيعتـنـا الـغـداة =مع الفجر قلبي بها مقصـد
كـأن أقـاحـي مـولــية =تحدر من ماء مـزن نـدي

صفحة : 26

غنى معبد في الأول والثاني والثالث من الأبيات خفيف ثقيل من أصوات قليلات الأشباه عن إسحاق. وغنى فيها أشعب المعروف بالطامع ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي. وللغريض في الأبيات الأربعة الأول ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. ولابن سريج في الرابع عشر وهو:
وكفت سوابق من عبرة ثم الأول والتاسع رمل بالوسطى عن ابن المكي. ولمالك )ويقال إنه لمعبد ( خفيف ثقيل في الرابع عشر والثالث عشر والأول عن الهشامي. وفي السابع والثامن والأول لابن جامع ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي. وفي الأول والحادي عشر لابن سريج رمل بالبنصر في مجراها عن إسحاق، وفيهما ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق ولم ينسبه إلى أحد، وذكر أحمد بن المكي أنه لأبيه. وفي الرابع والخامس رمل لمعبد عن ابن المكي، وقيل: إنه من منحول أبيه إلى معبد. وفي الثالث عشر والسادس ليونس خفيف رمل عن الهشامي. وفي الأول والثاني عشر ثاني ثقيل تشترك فيه الأصابع عن ابن المكي، وقال أيضا: فيه للأبجر لحن آخر من الثقيل الثاني. ولمعبد في الرابع والسادس ثاني ثقيل آخر عنه، وفيهما أيضا رمل لابن سريج عنه وعن حبش. ولإسحاق في الأول والثاني رمل من كتابه. ولعلية بنت المهدي في الثالث عشر والأول ثقيل أول. ولابن مسجح في الثاني عشر والأول رمل، ويقال إنه للرطاب، وذكر حبش أنه لابن سريج. وفي الخمسة الأبيات الأولى متوالية خفيف رمل بالوسطى ينسب إلى معبد وإلى يحيى المكي، وزعم حبش أن فيها رملا بالوسطى لابن محرز. والذي ذكره يونس في كتابه أن في
تشط غدا دار جيراننا خمسة ألحان: اثنان لمعبد، واثنان لمالك، وواحد ليونس. وذكر أحمد بن عبيد أن الذي عرف صحته من الغناء فيه سبعة ألحان: ثقيل أول، وثاني ثقيل، وخفيف ثقيل، ورمل، وخفيفه.
أخبرني بعض أصحابنا عن أبي عبد الله بن المرزبان أن الذي أحصي فيه إلى وقته ستة عشر لحنا. والذي وجدته فيه مما جمعته ها هنا - سوى ما لم يذكر يونس طريقته - تسعة عشر لحنا: منها في الثقيل الأول لحنان، وفي خفيف الثقيل لحنان، وفي الثقيل الثاني ستة، وفي الرمل سبعة، وفي خفيف الرمل لحنان.
وهذا الشعر يقوله عمر بن أبي ربيعة في امرأة من ولد الأشعث بن قيس حجت فهويها وراسلها، فواصلته ودخل إليها وتحدث معها وخطبها، فقالت: أما ها هنا فلا سبيل إلى ذلك، ولكن إن قدمت إلى بلدي خاطبا تزوجتك، فلم يفعل.
أخبرني بهذا الخبر الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن الحسن المخزومي عن محرز بن جعفر مولى أبي هريرة عن أبيه قال: سمعت بديحا يقول: حجت بنت محمد بن الأشعث الكندية، فراسلها عمر بن أبي ربيعة وواعدها أن يتلقاها مساء الغد، وجعل الآية بينه وبينها أن تسمع ناشدا ينشد - إن لم يمكنه أن يرسل رسولا - يعلمها بمصيره إلى المكان الذي وعدها. قال بديح: فلم أشعر به إلا متلثما، فقال لي: يا بديح، ائت بنت محمد بن الأشعث فأخبرها أني قد جئت لموعدها، فأبيت أن أذهب وقلت: مثلي لا يعين على مثل هذا.
فغيب بغلته عني ثم جاءني فقال لي: قد أضللت بغلتي فانشدها لي في زقاق الحاج. فذهبت فنشدتها، فخرجت علي بنت محمد بن الأشعث وقد فهمت الآية، فأتته لموعده، وذلك قوله:
وآية ذلك أن تسمعي *** إذا جئتكم ناشدا ينشد

قال بديح: فلما رأيتها مقبلة عرفت أنه قد خدعني بنشدي البغلة، فقلت له: يا عمر، لقد صدقت التي قالت لك:
فهذا سحرك النسـوا *** ن، قد خبرنني خبرك

قد سحرتني وأنا رجل فكيف برقة قلوب النساء وضعف رأيهن وما آمنك بعدها، ولو دخلت الطواف ظننت أنك دخلته لبلية. قال: وحدثها بحديثي، فما زالا ليلتهما يفصلان حديثهما بالضحك مني.
قال الزبير: فحدثني أبو الهندام مولى الربعيين عن أبي الحارث بن عبد الله الربعي قال: لقي ابن أبي عتيق بديحا فقال له: يا بديح، أخدعك ابن أبي ربيعة أنه قرشي? فقال بديح: نعم وقد أخطأه ذلك عند القسري وصواحبه. فقال ابن أبي عتيق: ويحك يا بديح أن من تغابى لك ليغبى عنك، فقد ضمت عليه قبضتك إن كان لك ذهن، أما رأيت لمن كانت العاقبة? والله ما بالى ابن أبي ربيعة أوقع عليهن أم وقعن عليه.


صفحة : 27

أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن سعد الكراني قال حدثنا العمري عن كعب بن بكر المحاربي: أن فاطمة بنت محمد بن الأشعث حجت، فراسلها عمر بن أبي ربيعة فواعدته أن تزوره، فأعطى الرسول الذي بشره بزيارتها مائة دينار.
أخبرني علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن رجاله المذكورين، قالوا: حجت بنت لمحمد بن الأشعث - هكذا قال إسحاق وهو عندي الصحيح - وكانت معها أمها وقد سمعت بعمر بن أبي ربيعة فأرسلت إليه، فجاءها فاستنشدته، فأنشدها:
تشط غدا دار جيراننا *** وللدار بعد غد أبعد

وذكر القصة بطولها. قال: وقد كانت لما جاءها أرسلت بينها وبينه سترا رقيقا تراه من ورائه ولا يراها، فجعل يحدثها حتى استنشدته، فأنشدها هذه القصيدة، فاستخفها الشعر فرفعت السجف، فرأى وجها حسنا في جسم ناحل، فخطبها وأرسل إلى أمها بخمسمائة دينار، فأبت وحجبته وقالت للرسول: تعود إلينا. فكأن الفتاة غمها ذلك، فقالت لها أمها: قد قتلك الوجد به فتزوجيه. قالت: لا والله لا يتحدث أهل العراق عني أني جئت ابن أي ربيعة أخطبه، ولكن إن أتاني إلى العراق تزوجته. قال: ويقال إنها راسلته وواعدته أن تزوره، فأجمر بيته وأعطى المبشر مائة دينار، فأتته وواعدته إذا صدر الناس أن يشيعها، وجعلت علامة ما بينهما أن يأتيها رسوله ينشدها ناقة له. فلما صدر الناس فعل ذلك عمر. وفيه يقول وقد شيعها: صوت

قال الخليط غدا تصدعـنـا =أو بعده، أفلا تـشـيعـنـا
أما الرحيل فدون بعـد غـد =فمتى تقول الدار تجمعنـا
لتشوقنا هند وقد عـلـمـت =علما بأن البين يفـزعـنـا
عجبا لموقفنا وموقـفـهـا =وبسمع تربيها تراجعـنـا
ومقالها سر ليلة مـعـنـا = نعهد فإن البين فاجعـنـا
قلت العيون كثيرة معـكـم =وأظن أن السير مانعـنـا
لا بل نزوركم بأرضـكـم =فيطاع قائلكم وشافـعـنـا
قالت أشيء أنت فـاعـلـه =هذا لعمرك أم تخادعنـا?
بالله حدث مـا تـؤمـلـه = واصدق فإن الصدق واسعنا
اضرب لنا أجلا نعـد لـه =إخلاف موعده تقاطعـنـا

الغناء لابن سريج ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق، وذكر عمرو أنه للغريض بالوسطى. وفيه لابن سريج خفيف رمل عن الهشامي، وذكر حبش أنه لموسى شهوات.
شعره في زينب بنت موسى الجمحية
ومنها مما لم ينسب أيضا صوت
لقد أرسلت جـاريتـي =وقلت لها: خذي حذرك
وقولي في مـلاطـفة =لزينب: نولي عمـرك
فهزت رأسها عجـبـا = وقالت: من بذا أمـرك
أهذا سحرك النـسـوا =ن، قد خبرنني خبـرك

غنى فيها ابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن عمرو، وقال قوم: إنه للغريض. وفيها لمالك خفيف ثقيل عن ابن المكي. وفي هذا الشعر ألحان كثيرة، والشعر فيها على غير هذه القافية، لأن هذه الأبيات لعمر من قصيدة رائية موصولة الراءات بألف، إلا أن المغنين غيروا هذه الأبيات في هذين اللحنين، فجعلوا مكان الألف كافا، وإنما هي:
لقد أرسلت جاريتـي *** وقلت لها: خذي حذرا

وأول القصيدة: صوت
تصابى القلب وادكـرا =صباه ولم يكن ظهـرا
لزينب إذ تـجـدلـنـا =صفاء لم يكـن كـدرا
أليست بالتـي قـالـت =لمولاة لهـا ظـهـرا
أشيري بالـسـلام لـه =إذا هو نحونا خـطـرا
لقد أرسلت جـاريتـي = وقلت لها: خذي حذرا
وقولي في مـلاطـفة =لزينب: نولي عـمـرا
فهزت رأسها عجـبـا =وقالت: من بذا أمـرا
أهذا سحرك النـسـوا =ن، قد خبرنني الخبـرا



غنى ابن سريج في الثالث والرابع والخامس والأول خفيف ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر من رواية إسحاق. وذكر عمرو بن بانة في نسخته الأولى أنه لابن سريج، وأبو إسحاق ينسبه في نسخته الثانية إلى دحمان. وللغريض في الأول من الأبيات لحن من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالوسطى في مجراها، وأضاف إليه بيتين ليسا من هذه القصيدة وهما:

صفحة : 28


طربت ورد من تهوى *** جمال الحي فابتكروا
فقل للـمـالـكـية لا *** تلومي القلب إن جهرا
وذكر يونس أن لمعبد في هذا الشعر الذي أوله:
تصابى القلب وادكرا لحنين لم يذكر جنسيهما، وذكر الهشامي: أن أحدهما خفيف ثقيل والآخر رمل. وفي الأبيات التي غنى فيها الغريض رمل لدحمان عن الهشامي، قال: ويقال إنه لابنة الزبير. وزينب التي ذكرها عمر بن أبي ربيعة ها هنا، يقال لها: زينب بنت موسى أخت قدامة بن موسى الجمحي.
أخبرني بذلك محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي بكر العامري. وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري قال حدثني عمي عمران بن عبد العزيز قال: شبب عمر بن أبي ربيعة بزينب بنت موسى الجمحية في قصيدته التي يقول فيها: صوت

يا خليلي من ملام دعـانـي =وألما الغـداة بـالأظـعـان
لا تلوما في آل زينـب إن ال =قلب رهن بآل زينب عانـي
ما أرى ما بقيت أن أذكر المو =قف منها بالخيف إلا شجاني

- غنى في هذه الأبيات الغريض خفيف رمل بالبنصر عن عمرو -
لم تدع للنساء عـنـدي حـظـا =غير ما قلت مازحا بلـسـانـي
هي أهل الصفاء والود مـنـي =وإليها الهوى فلا تـعـدلانـي
حين قالت لأختـهـا ولأخـرى =من قطين مولـد: حـدثـانـي
كيف لي اليوم أن أرى عمر المر =سل سرا في القول أن يلقانـي?
قالتا: نبـتـغـي رسـولا إلـيه = ونميت الحديث بالـكـتـمـان
إن قلبي بعد الذي نلت مـنـهـا =كالمعمى عن سائر النـسـوان

قال: وكان سبب ذكره لها أن ابن أبي عتيق ذكرها عنده يوما فأطراها، ووصف من عقلها وأدبها وجمالها ما شغل قلب عمر وأماله إليها، فقال فيها الشعر وشبب بها، فبلغ ذلك ابن أبي عتيق، فلامه فيه وقال له: أتنطق الشعر في ابنة عمي? فقال عمر: صوت
لا تلمني عتيق حسبي الذي بي = إن بي يا عتيق ما قد كفانـي
لا تلمني وأنت زينتهـا لـي = أنت مثل الشيطان للإنسـان
إن بي داخلا من الحب قد أب = لى عظامي مكنونه وبرانـي
لو بعينيك يا عتيق نـظـرنـا = ليلة السفح قرت العـينـان
إذ بدا الكشح والوشاح من الد = ر فضل فيه من المرجـان
قد قلى قلبي النساء سـواهـا =غير ما قلت مازحا بلسانـي وأول هذه القصيدة:
إنني اليوم عاد لـي أحـزانـي =وتذكرت ما مضى من زماني
وتـذكـرت ظـبــية أم رئم =هاج لي الشوق ذكرها فشجاني

غنى أبو العبيس بن حمدون في لا تلمني عتيق... لحنا من الثقيل الأول المطلق. وفيه رمل طنبوري مجهول.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال أخبرني عبد الملك بن عبد العزيز عن يوسف بن الماجشون قال: أنشد عمر بن أبي ربيعة قوله:
يا خليلي من ملام دعانـي *** وألما الغداة بـالأظـعـان
لا تلوما في آل زينب إن ال *** قلب رهن بآل زينب عاني


القصيدة. قال: فبلغ ذلك أبا وداعة السهمي فأنكره وغضب. وبلغ ذلك ابن أبي عتيق وقيل له: إن أبا وداعة قد اعترض لابن أبي ربيعة من دون زينب بنت موسى، وقال: لا أقر لابن أبي ربيعة أن يذكر امرأة من بني هصيص في شعره. فقال ابن أبي عتيق: لا تلوموا أبا وداعة أن ينعظ من سمرقند على أهل عدن قال الزبير: وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري قال حدثني عمي عمران بن عبد العزيز قال: شبب عمر بن أبي ربيعة بزينب بنت موسى في أبياته التي يقول فيها:
لا تلوما في آل زينب إن ال *** قلب رهن بآل زينب عاني

فقال له ابن أبي عتيق: أما قلبك فقد غيب عنا، وأما لسانك فشاهد عليك.
قال عبد الرحمن بن عبد الله قال عمران بن عبد العزيز: عذل ابن أبي عتيق عمر في ذكره زينب في شعره، فقال عمر:
لا تلمني عتيق حسبي الذي بي *** إن بي يا عتيق ما قد كفانـي

صفحة : 29


لا تلمني وأنت زينتها لي *** قال: فبدره ابن أبي عتيق، فقال:
أنت مثل الشيطان للإنسان فقال ابن أبي ربيعة: هكذا ورب البيت قلته. فقال ابن أبي عتيق: إن شيطانك ورب القبر ربما ألم بي، فيجد عندي من عصيانه خلاف ما يجد عندك من طاعته، فيصيب مني وأصيب منه












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 09:55 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز قال حدثني قدامة بن موسى قال: خرجت بأختي زينب إلى العمرة، فلما كنت بسرف لقيني عمر بن أبي ربيعة على فرس فسلم علي. فقلت له: إلى أين أراك متوجها يا أبا الخطاب? فقال: ذكرت لي امرأة من قومي برزة الجمال، فأردت الحديث معها. فقلت: هل علمت أنها أختي? فقال: لا واستحيا وثنى عنق فرسه راجعا إلى مكة.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم قال حدثنا العمري عن لقيط بن بكر المحاربي قال: أنشدني ابن أبي عتيق قول عمر: صوت

من لسقيم يكتم الـنـاس مـا بـه =لزينب نجوى صدره والوسـاوس
أقول لمن يبغي الشفاء متى تجيء =بزينب تدرك بعض ما أنت لامس
فإنك إن لم تشف من سقمي بـهـا =فإني من طـب الأطـبـاء آيس
ولست بناس ليلة الدار مجـلـسـا =لزينب حتى يعلو الرأس رامـس
خلاء بدت قمراؤه وتكـشـفـت = دجنته وغاب مـن هـو حـارس
وما نلت منها محرما غير أنـنـا =كلانا من الثوب المـورد لابـس
نجيين نقضي اللهو في غير مأثـم = وإن رغمت م الكاشحين المعاطس


قال: فقال ابن أبي عتيق: أمنا يسخر ابن أبي ربيعة فأي محرم بقي ثم أتى عمر فقال له: يا عمر، ألم تخبرني أنك ما أتيت حراما قط? قال بلى قال: فأخبرني عن قولك:
كلانا من الثوب المورد لابس ما معناه? قال: والله لأخبرنك خرجت أريد المسجد وخرجت زينب تريده، فالتقينا فاتعدنا لبعض الشعاب، فلما توسطنا الشعب أخذتنا السماء، فكرهت أن يرى بثيابها بلل المطر، فيقال لها: ألا استترت بسقائف المسجد أن كنت فيه، فأمرت غلماني فسترونا بكساء خز كان علي؛ فذلك حين أقول:
كلانا من الثوب المطارف لابس فقال له ابن أبي عتيق: يا عاهر هذا البيت يحتاج إلى حاضنة الغناء في هذه الأبيات التي أولها:
من لسقيم يكتم الناس ما به لرذاذ ثقيل أول، وكان بعض المحدثين ممن شاهدناه يدعي أنه له، ولم يصدق.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز عن يوسف بن الماجشون قال: قال عمر بن أبي ربيعة في زينب بنت موسى: صوت

طال من آل زينب الإعـراض = للتعدي وما بهـا الإبـغـاض
ووليدين كان علقـهـا الـقـل =ب إلى أن علا الرءوس بياض
حبلها عندنا متـين وحـبـلـي =عندها واهن القوى أنـقـاض


الغناء في هذا الأبيات لابن محرز خفيف رمل بالبنصر عن عمرو. وقال الهشامي: فيه لابن جامع خفيف رمل آخر.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال قال عبد الرحمن بن عبد الله وحدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز عن أبيه قال: لما قال عمر بن أبي ربيعة في زينب:

لم تدع للنساء عندي نصيبـا *** غير ما قلت مازحا بلساني

قال له ابن أبي عتيق: رضيت لها بالمودة، وللنساء بالدهفشة. قال: والدهفشة: التجميش والخديعة بالشيء اليسير. وقال غير الزبير في هذا الخبر: الدهقشة، مكان الدهفشة .
ومما قاله عمر في زينب وغني فيه قوله: صوت

أيها الكاشـح الـمـعـير بـالـصـر =م تزحزح فمـا لـهـا الـهـجـران
لا مطـاع فـي آل زينـب فـارجـع =أو تكـلـم حـتـى يمـل الـلـسـان
نجعل الليل موعـدا حـين نـمـسـي = ثم يخفـي حـديثـنـا الـكـتـمـان
كيف صبري عن بعض نفسي وهل يص = بر عن بعـض نـفـسـه الإنـسـان
ولقد أشـهـد الـمـحـدث عـنـد ال = قصـر فـيه تـعـفــف وبـــيان
في زمـان مـن الـمـعـيشة لــدن = قد مضـى عـصـره وهـذا زمـان

الغناء في هذه الأبيات لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو ودنانير. وذكر يونس أن فيه لحنا لابن محرز ولحنا لابن عباد الكاتب، أول لحن ابن عباد الكاتب:

صفحة : 30


لا مطاع في آل زينب.... وأول لحن ابن محرز:
ولقد أشهد المحدث.... ومما غني فيه لابن محرز من أشعار عمر بن أبي ربيعة في زينب بنت موسى قوله: صوت

يا من لقلـب مـتـيم كـلـف *** يهذي بخود مريضة النـظـر
تمشي الهوينى إذا مشت فضـلا *** وهي كمثل العسلوج في الشجر

- للغريض في هذين البيتين خفيف رمل بالوسطى، ولابن سريج رمل بالبنصر عن الهشامي وحبش -

ما زال طرفي يحار إذ بـرزت =حتى رأيت النقصان في بصري
أبصرتها لـيلة ونـسـوتـهـا = يمشين بين المقام والـحـجـر
ما إن طمعنا بها ولا طمـعـت =حتى التقينا ليلا عـلـى قـدر
بيضا حسانا خـرائدا قـطـفـا = يمشين هونا كمشية الـبـقـر
قد فزن بالحسن والجمال مـعـا = وفزن رسلا بالدل والـخـفـر
ينصتن يوما لها إذا نـطـقـت = كيما يشرفنها على الـبـشـر
قالت لثرب لهـا تـحـدثـهـا = لنفسدن الطواف فـي عـمـر
قومي تصدي له لـيعـرفـنـا =ثم اغمزيه يا أخت في خـفـر
قالت لها قد غمـزتـه فـأبـى = ثم اسبطرت تسعى على أثـري
من يسق بعد المنام ريقـتـهـا =يسق بمسك وبـارد خـصـر

غنى في هذا الشعر الغريض خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وغن فيه ابن سريج رملا بالبنصر عن الهشامي وحبش. ومنها: صوت

ألا يا بكر قد طرقـا =خيال هاج لي الأرقا
لزينب إنها هـمـي = فكيف بحبلها خلقـا
خدلجة إذا انصرفت =رأيت وشاحها قلقـا
وساقا تملأ الخلـخـا = ل فيه تراه مختنقـا
إذا ما زينب ذكـرت = سكبت الدمع متسقا
كأن سحابة تهـمـي =بماء حملت غـدقـا

الغناء لحنين رمل عن الهشامي. وفيه لابن عباد خفيف ثقيل، ويقال: إنه ليونس. ومما قاله فيها أيضا وغني فيه: صوت

ألمم بزينب إن الـبـين قـد أفـدا =قل الثواء لئن كان الرحيل غـدا
قد حلفت ليلة الصورين جـاهـدة = وما على المرء إلا الحلف مجتهدا
لأختها ولأخرى من مناصـفـهـا = لقد وجدت به فوق الـذي وجـدا
لو جمع الناس ثم اختير صفوهـم = شخصا من الناس لم أعدل به أحدا

الغناء لابن سريج رمل بالسبابة والبنصر في الأول والثاني عن يحيى المكي، وله فيه أيضا خفيف رمل بالوسطى في الثاني والثالث والرابع عن عمرو. ولمعبد ثقيل أول في الأول والثاني عن الهشامي. وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى الغريض ومالك












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 10:28 AM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق عن مصعب الزبيري قال: اجتمع نسوة فذكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه ومجلسه وحديثه، فتشوقن إليه وتمنينه. فقالت سكينة: أنا لكن به، فبعثت إليه رسولا أن يوافي الصورين ليلة سمتها، فوافاهن على رواحله، فحدثهن حى طلع الفجر وحان انصرافهن. فقال لهن: والله إني لمحتاج إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجده، ولكني لا أخلط بزيارتكن شيئا. ثم انصرف إلى مكة وقال في ذلك:
ألمم بزينب إن البين قد أفدا وذكر الأبيات المتقدمة.
عود إالى شهادة جرير
والغريب وغيرهما في شعرعمر
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن لقيط قال: أنشد جرير قول عمر بن أبي ربيعة: الصوت

سائلا الربع بالبلـي وقـولا =هجت شوقا لي الغداة طويلا
أين حي حلوك إذ أنت محفو = ف بهم آهل أراك جمـيلا?
قال ساروا فأمعنوا واستقلـوا =وبزعمي لو استطعت سبيلا
سئمونا وما سئمنا مـقـامـا = وأحبوا دمـاثة وسـهـولا

صفحة : 31

فقال جرير: إن هذا الذي كنا ندور عليه فأخطأناه وأصابه هذا القرشي. وفي هذه الأبيات رملان: أحدهما لابن سريج بالسبابة في مجرى الوسطى، والآخر لإسحاق مطلق في مجرى البنصر جميعا من روايته. وذكر عمرو: أن فيها رملا ثالثا بالوسطى، لابن جامع. وقال الهشامي: فيها ثلاثة أرمال لابن سريج، وابن جامع، وإبراهيم. ولأبي العبيس بن حمدون فيها ثاني ثقيل. وفيها هزج لإبراهيم الموصلي من جامع أغانيه.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال: وجدت كتابا بخط محمد بن الحسن ذكر فيه أن فليح بن إسماعيل حدثه عن معاذ صاحب الهروي أن النصيب قال: عمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربات الحجال.
أخبرني الطوسي: قال حدثنا الزبير قال حدثتني ظمياء مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت: سمعت جدك يقول - وقد أنشد قول عمر بن أبي ربيعة: صوت
يا ليتني قد أجزت الحبل نحـوكـم = حبل المعرف أو جاوزت ذا عشر
إن الثواء بـأرض لا أراك بـهـا =فاستيقنيه ثـواء حـق ذي كـدر
وما مللت ولكـن زاد حـبـكـم =وما ذكرتك إلا ظلت كالـسـدر
ولا جذلت بشيء كان بـعـدكـم =ولا منحت سواك الحب من بشر

الغناء في هذه الأربعة الأبيات لسلام بن الغساني رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن جامع وقفا النجار لحنان من كتاب إبراهيم ولم يجنسهما. وتمام الأبيات:
أذري الدموع كذى سقم يخامره =وما يخامرني سقم سوى الذكر
كم قد ذكرتك لو أجدى تذكركم =يا أشبه الناس كل الناس بالقمر

- قالت: فقال جدك: إن لشعر عمر بن أبي ربيعة لموقعا في القلب، ومخالطة للنفس ليسا لغيره، ولو كان شعر يسحر لكان شعره سحرا.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمامة بن عمر قال: رأيت عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير يسأل المسور بن عبد الملك عن شعر عمر بن أبي ربيعة، فجعل يذكر له شيئا لا يعرفه، فيسأله أن يكتبه إياه ففعل، فرأيته يكتب ويده ترعد من الفرح.
المفاضلة بين شعره و شعر الحارث
بن خالد
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن عمه يوسف قال: ذكر شعر الحارث بن خالد وشعر عمر بن أبي ربيعة عند ابن أبي عتيق في مجلس رجل من ولد خالد بن العاصي بن هشام، فقال: صاحبنا - يعني الحارث بن خالد - أشعرهما. فقال له ابن أبي عتيق: بعض قولك يا ابن أخي، لشعر عمر بن أبي ربيعة نوطة في القلب، وعلوق بالنفس، ودرك للحاجة ليست لشعر، وما عصي الله جل وعز بشعر أكثر مما عصي بشعر ابن أبي ربيعة، فخذ عني ما أصف لك: أشعر قريش من دق معناه، ولطف مدخله، وسهل مخرجه، ومتن حشوه، وتعطفت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب عن حاجته. فقال المفضل للحارث: أليس صاحبنا الذي يقول:
إني وما نحروا غداة منى =عند الجمار يؤدها العقل
لو بدلت أعلى مساكنـهـا =سفلا واصبح سفلها يعلو
فيكاد يعرفها الخبير بهـا = فيرده الإقواء والمـحـل
لعرفت مغناها بما احتملت =مني الضلوع لأهلها قبل

فقال له ابن أبي عتيق: يابن أخي، استر على نفسك، واكتم على صاحبك، ولا تشاهد المحافل بمثل هذا، أما تطير الحارث عليها حين قلب ربعها فجعل عاليه سافله ما بقي إلا أن يسأل الله تبارك وتعالى لها حجارة من سجيل. ابن أبي ربيعة كان أحسن صحبة للربع من صاحبك، وأجمل مخاطبة حيث يقول:
سائلا الربع بالبلـي وقـولا *** هجت شوقا لي الغداة طويلا

وذكر الأبيات الماضية. قال: فانصرف الرجل خجلا مذعنا.
شيء من أخبار الحارث الملقب بالقباع
أخبرني علي بن صالح قال حدثني أبو هفان عن إسحاق عن رجاله المسمين، وأخبرني به الحرمي عن الزبير عن عمه عن جده، قالوا: كان الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أخو عمر بن أبي ربيعة رجلا صالحا دينا من سروات قريش، وإنما لقب القباع لأن عبد الله بن الزبير كان ولاه البصرة، فرأى مكيالا لهم فقال: إن مكيالكم هذا لقباع - قال: وهو الشيء الذي له قعر - فلقب بالقباع.


صفحة : 32

وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان وأحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عبد الله بن محمد الطائي قال حدثنا خالد بن سعيد قال: استعمل ابن الزبير الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على البصرة، فأتوه بمكيال لهم، فقال لهم: إن مكيالكم هذا لقباع، فغلب عليه. وقال أبو الأسود الدؤلي - وقد عتب عليه - يهجوه ويخاطب ابن الزبير:
أمير المؤمنين جزيت خيرا = أرحنا من قباع بني المغيرة
بلوناه ولـمـنـاه فـأعـيا = علينا ما يمر لنـا مـريرة
على أن الفتى نكح أكـول =وولاج مذاهبـه كـثـيرة

شعر عمر في تشوقه إلى مكة
بعد أن خرج منها إلى اليمن
قالوا: وكان الحارث ينهى أخاه عن قول الشعر فيأبى أن يقبل منه، فأعطاه ألف دينار على ألا يقول شعرا، فأخذ المال وخرج إلى أخواله بلحج وأبين مخافة أن يهجيه مقامه بمكة على قول الشعر، فطرب يوما فقال: صوت

هيهات من أمة الوهاب منزلـنـا =إذا حللنا بسيف البحر مـن عـدن
واحتل أهلك أجيادا ولـيس لـنـا =إلا التذكر أو حظ مـن الـحـزن
لو أنها أبصرت بالجزع عبـرتـه =من أن يغرد قمري على فـنـن
إذا رأت غير ما ظنت بصاحبـهـا = وأيقنت أن لحجا ليس من وطنـي
ما أنس لا أنس يوم الخيف موقفها = وموقفي وكلانا ثـم ذو شـجـن
وقولها للـثـريا وهـي بـاكـية = والدمع منها على الخدين ذو سنن
بالله قولي له في غير مـعـتـبة = ماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها = فما أخذت بترك الحج من ثـمـن


قال: فسارت القصيدة حتى سمعها أخوه الحارث، فقال: هذا والله شعر عمر، قد فتك وغدر. قال: وقال ابن جريج: ما ظننت أن الله عز وجل ينفع أحدا بشعر عمر بن أبي ربيعة حتى سمعت وأنا باليمن منشدا ينشد قوله:
بالله قولي له في غير مـعـتـبة =ماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها =فما أخذت بترك الحج من ثـمـن


فحركني ذلك على الرجوع إلى مكة، فخرجت مع الحاج وحججت.
غنى في أبيات عمر هذه ابن سريج، ولحنه رمل بالبنصر في مجراها عن إسحاق. وفيها للغريض ثقيل أول بالوسطى عن عمرو.
طلب الوليد من يخبره عن الطائف
فدل على عمر












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 03:21 PM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

فدل على عمر
أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان قال حدثني إسحاق عن السعدي قال: قدم الوليد بن عبد الملك مكة، فأراد أن يأتي الطائف فقال: هل لي في رجل علم بأموال الطائف فيخبرني عنها? فقالوا: عمر بن أبي ربيعة. قال: لا حاجة لي به. ثم عاد فسأل فذكروه له فرده. ثم عاد فسأل فذكروه له ثم رده. ثم عاد فسأل فذكروه له ، فقال: هاتوه. فركب معه يحدثه، ثم حرك عمر رداءه ليصلحه على كتفه، فرأى على منكبه أثرا. فقال: ما هذا الأثر? فقال: كنت عند جارية إذ جاءتني جارية برسالة من عند جارية أخرى، فجعلت تسارني، فغارت التي كنت أحدثها فعضت منكبي، فما وجدت ألم عضها من لذة ما كانت تلك تنفث في أذني، حتى بلغت ما ترى، والوليد يضحك. فلما رجع عمر قيل له: ما الذي كنت تضحك أمير المؤمنين به? فقال: مازلنا في حديث الزنا حتى رجعنا.
المفاضلة بينه وبين ابن قيس الرقيات
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن عبد الله البكري وغيره عن عبد الجبار بن سعيد المساحقي عن أبيه قال: دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نوفل بن مساحق، فإنه لمعتمد على يدي، إذ مررنا بسعيد بن المسيب في مجلسه وحوله جلساؤه، فسلمنا عليه فرد علينا، ثم قال لنوفل: يا أبا سعيد، من أشعر: صاحبنا أم صاحبكم? يريد: عبد الله بن قيس، أو عمر بن أبي ربيعة. فقال نوفل: حين يقولان ماذا يا أبا محمد? قال: حين يقول صاحبنا:
خليلي ما بال المطايا كـأنـمـا *** نراها على الأدبار بالقوم تنكص
وقد قطعت أعناقهـن صـبـابة *** فأنفسنا مما يلاقـين شـخـص
وقد أتعب الحادي سراهن وانتحى *** بهن فما يألو عجول مقـلـص

صفحة : 33


يزدن بنا قربا فيزداد شـوقـنـا *** إذا زاد طول العهد والبعد ينقض

ويقول صاحبك ما شئت. فقال له نوفل: صاحبكم أشعر في الغزل، وصاحبنا أكثر أفانين شعر. فقال سعيد: صدقت. فلما انقضى ما بينهما من ذكر الشعر، جعل سعيد يستغفر الله ويعقد بيده حتى وفى مائة. فقال البكري في حديثه عن عبد الجبار: قال مسلم: فلما انصرفنا قلت لنوفل: أتراه استغفر الله من إنشاد الشعر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم? فقال: كلا هو كثير الإنشاد والاستنشاد فيه، ولكن أحسب ذلك للفخر بصاحبه.
المفاضلة بينه وبين جميل
ابن معمر العذري
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال قال أبو عبيدة حدثنا عوانة بن الحكم وأبو يعقوب الثقعفي: أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك قال لأصحابه ذات ليلة: أي بيت قالته العرب أغزل? فقال بعضهم: قول جميل:
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها *** ويحيا إذا فارقتهـا فـيعـود

وقال آخر: قول عمر بن أبي ربيعة:
كأنني حين أمسي لا تكلمنـي *** ذو بغية يبتغي ما ليس موجودا

فقال الوليد: حسبك والله بهذا أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الحميد عن شيخ من أهله عن أبي الحارث مولى هشام بن الوليد بن المغيرة - قال: وهو الذي يقول فيه عمر بن أبي ربيعة:
يا أبا الحارث قلبي طائرفأتمر أمر رشيد مؤتمن قال: شهدت عمر بن أبي ربيعة، وجميل بن عبد الله بن معمر العذري، وقد اجتمعا بالأبطح، فأنشد جميل قصيدته التي يقول فيها:
لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي *** بثينة أو أبدت لنا جانب الـبـخـل
يقولون مهلا يا جـمـيل وإنـنـي *** لأقسم مالي عن بثينة من مـهـل

حتى أتى على آخرها، ثم قال لعمر: يا أبا الخطاب، هل قلت في هذا الروي شيئا? قال نعم.
قال: فأنشدنيه، فأنشده قوله:
جرى ناصح بالود بينـي وبـينـهـا = فقربني يوم الحصاب إلى قـتـلـي
فطارت بحد من فـؤادي وقـارنـت = قرينتها حبل الصفاء إلى حـبـلـي
فلما تواقفنا عـرفـت الـذي بـهـا =كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعـل
فقلن لها هذا عـشـاء وأهـلـهـا =قريب ألما تسأمي مركب البـغـل
فقالت فما شئتن قلن لهـا انـزلـي = فللأرض خير من وقوف على رحل
نجوم دراري تـكـنـفـن صـورة = من البدر وافت غير هوج ولا عجل
فسلمت واستأنسـت خـيفة أن يرى = عدو مقامي أو يرى كاشح فعـلـي
فقالت وأرخت جانب الستـر إنـمـا = معي فتكلم غير ذي رقبة أهـلـي
فقلت لها ما بي لهم مـن تـرقـب =ولكن سري ليس يحملـه مـثـلـي
فلما اقتصرنا دونـهـن حـديثـنـا =وهن طبيبات بحاجة ذي الـشـكـل
عرفن الذي تهوى فقلن ائذني لـنـا =نطف ساعة في برد ليل وفي سهل
فقالت: فلا تلبثن قـلـن تـحـدثـي =أتيناك، وانسبن انسياب مها الرمـل
وقمن وقد أفهمن ذا الـلـب أنـمـا =أتين الذي يأتين من ذاك من أجلـي

فقال جميل: هيهات يا أبا الخطاب لا أقول والله مثل هذا سجيس الليالي، والله ما يخاطب النساء مخاطبتك أحد. وقام مشمرا.
قال أبو عبد الله الزبير قال عمي مصعب: كان عمر يعارض جميلا، فإذا قال هذا قصيدة قال هذا مثلها.
فيقال: إنه في الرائية والعينية أشعر من جميل، وإن جميلا اشعر منه في اللامية، وكلاهما قد قال بيتا نادرا ظريفا، قال جميل:
خليلي فيما عشتما هل رأيتما *** قتيلا بكى من حب قاتله قبلي

وقال عمر:
فقالت وأرخت جانب الستر إنما *** معي فتكلم غير ذي رقبة أهلي

كلمة الفرزدق وقد سمع شعر عمر
أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق عن المدائني قال: سمع الفرزدق عمر بن أبي ربيعة ينشد قوله:
جرى ناصح بالود بيني وبينهـا *** فقربني يوم الحصاب إلى قتلي

ولما بلغ قوله:
فقمن وقد أفهمن ذا اللب أنـمـا *** أتين الذي يأتين من ذاك من أجلي

صفحة : 34

صاح الفرزدق: هذا والله الذي أرادته الشعراء فأخطأته، وبكت على الديار.
نسبة ما في هذه الأشعار من الغناء الغناء في قصيدتي جميل وعمر اللاميتين منها في قصيدة جميل التي أنشدها عمر، واستنشده ما له في وزنها: صوت
خليلي فيما عشتما هـل رأيتـمـا =قتيلا بكى من حب قاتله قـبـلـي
أبيت مع الهلاك ضيفا لأهـلـهـا =وأهلي قريب موسعون ذوو فضل
أفق أيها القلب اللجوج عن الجهـل =ودع عنك جملا لا سبيل إلى جمل
فلو تركت عقلي معي ما طلبتـهـا =ولكن طلابيها لما فات من عقلـي
الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو في الأول والثاني من الأبيات.
وذكر الهشامي الأبيات كلها ووصف أن الثقيل الثاني الذي يغنى به فيها لمعبد. وذكر يحيى المكي: أن لابن محرز في الثالث وما بعده من الأبيات ثاني ثقيل بالخنصر والبنصر. وفي هذه الأبيات التي أولها الثالث هزج بالبنصر يمان عن عمرو. وفي الرابع والخامس لابن طنبورة خفيف رمل عن الهشامي. وفيها لإسحاق ثقيل أول عن الهشامي أيضا. وذكر حماد عن أبيه: أن لنافع الخير مولى عبد الله بن جعفر في هذه الأبيات لحنا، ولم يجنسه. وذكر حبش أن الثقيل الأول لابن طنبورة. ومنها في شعر جميل أيضا: صوت

لقد فرح الواشون إن صرمت حبلي = بثينة أو أبدت لنا جانب الـبـخـل
فلو تركت عقلي معي ما طلبتهـا =ولكن طلابيها لما فات من عقلـي

الغناء لابن مسحج ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي.
ومنها في شعر عمر بن أبي ربيعة المذكور في أول الخبر: صوت

فقالت وأرخت جانب الستر إنمـا =معي فتحدث غير ذي رقبة أهلي
فقلت لها ما بي لهم من تـرقـب =ولكن سري ليس يحمله مثـلـي
جرى ناصح بالود بيني وبينـهـا =فقربني يوم الحصاب إلى قتلـي

غنى في هذه الأبيات ابن سريج، ولحنه رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وعمرو. وذكر يونس: أن فيه لحنا لمالك لم يجنسه، وذكر الهشامي: أن لحن مالك خفيف ثقيل. وذكر حبش: أن لمعبد فيه لحنا من الثقيل الأول بالبنصر، ولابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. وليس حبش ممن يعتمد في هذا على روا يته












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 05:51 PM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

إستحسان الناس شعر عمر وتفضيله
على شعراء عصره
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: أدركت مشيخة من قريش لا ينزون بعمر بن أبي ربيعة شاعرا من أهل دهره في النسيب، ويستحسنون منه ما كانوا يستقبحونه من غيره من مدح نفسه، والتحلي بمودته، والابتيار في شعره والابتيار: أن يفعل الإنسان الشيء فيذكره ويفخر به. والابتهار: أن يقول ما لم يفعل.
نقد ابن أبي عتيق أبيات عمر الرائية
أخبرني محمد بن خلف قال: أخبرني عبد الله بن عمر وغيره عن إبراهيم بن المنذر الحزامي عن عبد العزيز بن عمران قال: قال ابن أبي عتيق لعمر وقد أنشده قوله: صوت

بينما ينعتنني أبـصـرنـنـي =دون قيد الميل يعدو بي الأغر
قالت الكبرى أتعرفن الفتـى =قالت الوسطى نعم هذا عمر
قالت الصغرى وقد تيمتـهـا =قد عرفناه وهل يخفى القمر

- الغناء في هذه الأبيات لابن سريج خفيف رمل بالبنصر - فقال له ابن أبي عتيق: - وقد أنشدها - أنت لم تنسب بها، وإنما نسبت بنفسك، كان ينبغي أن تقول: قلت لها فقالت لي، فوضعت خدي فوطئت عليه.
عود إلى سيرته وخلقه
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال: لم يذهب على أحد من الرواة أن عمر كان عفيفا يصف ولا يقف، ويحوم ولا يرد.
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن منصور عن ابن الأعرابي، وحدثني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق الموصلي عن رجاله، قالوا: كان ابن أبي ربيعة قد حج في سنة من السنين. فلما انصرف من الحج ألفى الوليد بن عبد الملك وقد فرش له في ظهر الكعبة وجلس، فجاءه عمر فسلم عليه وجلس إليه. فقال له: أنشدني شيئا من شعرك. فقال: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ كبير وقد تركت الشعر، ولي غلامان هما عندي بمنزلة الولد، وهما يرويان كل ما قلت وهما لك. قال: ائتني بهما ففعل، فأنشداه قوله:

صفحة : 35


أمن آل نعم أنت غاد فمبكر فطرب الوليد واهتز لذلك، فلم يزالا ينشدانه حتى قام، فأجزل صلته ورد الغلامين إليه.
مميزات شعره
حدثني علي بن صالح بن الهيثم الأنباري الكاتب الملقب كيلجة قال حدثني أبو هفان قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن مصعب بن عبد الله الزبيري، وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار عن عمه مصعب أنه قال: راق عمر بن أبي ربيعة الناس وفاق نظراءه وبرعهم بسهولة الشعر وشدة الأسر، وحسن الوصف، ودقة المعنى وصواب المصدر، والقصد للحاجة، واستنطاق الربع، وإنطاق القلب، وحسن العزاء، ومخاطبة النساء، وعفة المقال، وقلة الانتقال، وإثبات الحجة، وترجيح الشك في موضع اليقين، وطلاوة الاعتذار، وفتح الغزل، ونهج العلل، وعطف المساءة على العذال، وأحسن التفجع، وبخل المنازل، واختصر الخبر، وصدق الصفاء، إن قدح أورى، وإن اعتذر أبرا، وإن تشكى أشجى، وأقدم عن خبرة ولم يعتذر بغرة، وأسر النوم، وغم الطير، وأغد السير، وحير ماء الشباب، وسهل وقول، وقاس الهوى فأربى، وعصى وأخلى، وحالف بسمعه وطرفه، وأبرم نعت الرسل وحذر، وأعلن الحب وأسر، وبطن به وأظهر، وألح وأسف، وأنكح النوم، وجنى الحديث، وضرب ظهره لبطنه، وأذل صعبه، وقنع بالرجاء من الوفاء، وأعلى قاتله، واستبكى عاذله، ونفض النوم، وأغلق رهن مني وأهدر قتلاه، وكان بعد هذا كله فصيحا.
فمن سهولة شعره وشدة أسره قوله صوت

فلما تواقفنا وسلمت أشرقـت =وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما رأينـنـي =وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا
الغناء لابن عباد رمل عن الهشامي، وفيه لابن جامع لحن غير مجنس عن إبراهيم.
:
ومن حسن وصفه قوله



لها من الريم عيناه وسـنـتـه *** ونخوة السابق المختال إذ صهلا

ومن دقة معناه وصواب مصدره قوله صوت

عوجا نحي الطلل المحولا =والربع من أسماء والمنزلا
بسابغ البوبـاة لـم يعـده =تقادم العهد بـأن يؤهـلا

الغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. قال إسحاق بن إبراهيم: يعني أنه لم يؤهل فيعدوه تقادم العهد. وقال الزبير: قال بعض المدنيين: يحييه بأن يؤهل، أي يدعو له بذلك.
ومن قصده للحاجة قوله صوت


أيها المنكح الثريا سهيلا =عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت =وسهيل إذا استقل يماني

ويروى: هي غورية . الغناء للغريض خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو وابن المكي.
ومن استنطاقه الربع قوله صوت

سائلا الربع بالبلـي وقـولا =هجت شوقا لي الغداة طويلا
أين حي حلوك إذ أنت محفو =ف بهم آهل أراك جـمـيلا
قال ساروا فأمعنوا واستقلـوا =وبرغمي لو قد وجدت سبيلا
سئمونا وما سئمنا جوارا =وأحبوا دمـاثة وسـهـولا


فيه رملان: أحدهما لابن سريج بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، والآخر لإسحاق مطلق في مجرى البنصر، وفيه لأبي العبيس بن حمدون ثقيل. وقد شرحت نسبته مع خبره في موضع آخر. قال إسحاق: أنشد جرير هذه الأبيات فقال: إن هذا الذي كنا ندور عليه فأخطأناه.


ومن أنطاقه القلب قوله

قال لي فيها عتيق مقـالا =فجرت مما يقول الدموع
قال لي ودع سليمى ودعها =فأجاب القلب: لا أستطيع

الغناء للهذلي ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي. قال: وفيه ليحيى المكي ثقيل أول نسب إلى معبد وهو من منحوله.
ومن حسن عزائه قوله صوت

أألحق إن دار الرباب تبـاعـدت = أو أنبت حبل أن قلـبـك طـائر
أفق قد أفاق العاشقون وفارقوا ال =هوى واستمرت بالرجال المرائر
زع النفس واستبق الحياء فإنـمـا = تباعد أو تدني الرباب المـقـادر
أمت حبها واجعل قديم وصالهـا = وعشرتها كمثل من لا تعـاشـر
وهبها كشيء لم يكن أو كنـازح =به الدار أو من غيبته المقـابـر
وكالناس علقت الرباب فلا تكـن =أحاديث من يبدو ومن هو حاضر
الغناء في بعض هذه الأبيات وأوله زع النفس لابن سريج ثقيل أول بالبنصر عن عمرو. وفيه لعمر الوادي رمل بالبنصر عن ابن المكي. وفيه ل قدار لحن من كتاب إبراهيم غير مجنس. وهذه الأبيات يرويها بعض أهل الحجاز لكثير، ويرويها الكوفيون للكميت بن معروف الأسدي، وذكر بعضها الزبير بن بكار عن أبي عبيدة لكثير في أخباره.
ومن حسن غزله في مخاطبة النساء - قال مصعب الزبيري: وقد أجمع أهل بلدنا ممن له علم بالشعر أن هذه الأبيات أغزل ما سمعوا - قوله: صوت



تقول غداة التقـينـا الـربـاب = ايا ذا أفلت أفـول الـسـمـاك
وكفت سـوابـق مـن عـبـرة =كما ارفض نظم ضعيف السلاك
فقلت لها من يطع في الصـدي =ق أعداءه يجـتـنـبـه كـذاك
أغرك أني عـصـيت الـمـلا =م فـيك وأن هـوانـا هـواك
وألا أرى لـذة فـي الـحــياة =تقر بها الـعـين حـتـى أراك
فكان من الذنب لـي عـنـدكـم =مكارمتي واتبـاعـي رضـاك
فليت الـذي لام فـي حـبـكـم =وفي أن تزاري بقـرن وقـاك
هموم الـحـياة وأسـقـامـهـا =وإن كان حتف جـهـيز فـداك


الغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لحكم. وقيل: إن فيه لحنا آخر لابن جامع.
ومن عفة مقاله قوله صوت

طال ليلي واعتادني اليوم سقم =وأصابت مقاتل القلب نعـم
حرة الوجه والشمائل والجو =هر تكليمها لمن نال غـنـم
وحديث بمثله تنزل العـص =م رخيم يشوب ذلك حـلـم
هكذا وصف ما بدا لي منها =ليس لي بالذي تغيب عـلـم
إن تجودي أو تبخلي فبحمـد =لست يا نعم فيهما مـن يذم

الغناء لابن سريج رمل عن الهشامي.

ومن قلة انتقاله قوله صوت

أيها القائل غير الـصـواب = أمسك النصح وأقلل عتابـي
واجتنبني واعلمن أن ستعصى = ولخير لك طول اجتنـابـي
إن تقل نصحا فعن ظهر غش = دائم الغمر بعـيد الـذهـاب
ليس بي عي بما قلـت إنـي =عالم أفقه رجع الـجـواب
إنما قرة عـينـي هـواهـا = فدع اللوم وكلني لمـا بـي
لا تلمني في الرباب وأمست = عدلت للنفس برد الشـراب
هي والله الـذي هـو ربـي = صادقا أحلف غير الكـذاب
أكرم الأحياء طرا عـلـينـا =عند قرب منهم واجتـنـاب
خاطبتني ساعة وهي تبكـ =ثم عزت خلتي في الخطاب
وكفى بي مدرها لخـصـوم =لسواها عند حـد تـبـابـي الغناء
لكردم ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق في الأول والخامس ثم الثاني والثالث. وفيه لمعبد خفيف ثقيل بالبنصر عن يحيى المكي.
ومن إثباته الحجة قوله


خليلي بعض اللوم لا ترحلا بـه = رفيقكما حتى تقولا على عـلـم
خليلي من يكلف بآخر كـالـذي = كلفت به يدمل فؤادا على سقـم
خليلي ما كانت تصاب مقاتـلـي = ولا غرتي حتى وقعت على نعم
خليلي حتى لف حبلـي بـخـادع = موقى إذا يرمى صيود إذا يرمي
خليلي لو يرقى خليل من الهـوى = رقيت بما يدني النوار منه العصم
خليلي إن باعدت لانت وإن ألـن = تباعد فلم أنبل بحرب ولا سـلـم
ومن ترجيحه الشك في موضع اليقين قوله صوت

نظرت إليها بالمحصب من منـى =ولي نظر لولا التـحـرج عـارم
فقلت: أشمس أم مصابـيح بـيعة = بدت لك خلف السجف أم أنت حالم
بعيدة مهوى القرط إما لـنـوفـل = أبوها وإما عبد شمـس وهـاشـم
ومد عليها السجف يوم لقـيتـهـا =على عجل تباعـهـا والـخـوادم
فلم أستطعها غير أن قـد بـدا لـنـا = عشية راحت وجهها والمـعـاصـم
معاصم لم تضرب على البهم بالضحى = عصاها ووجه لم تلحه الـسـمـائم
نضـار تـرى فـيه أسـاريع مـائه =صبيح تغاديه الأكـف الـنـواعـم
إذا ما دعت أترابها فاكتـنـفـنـهـا = تمايلن أو مالت بـهـن الـمـآكـم
طلبن الصبا حتى إذا مـا أصـبـنـه = نزعن وهن المسلمات الـظـوالـم
الغناء لمعبد ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وابن المكي. وفيها لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق أيضا. وفيها للغريض خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشامي.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 06:13 PM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي


ومن طلاوة اعتذاره قوله صوت

عاود القلب بعض ما قد شـجـاه =من حبيب أمسى هوانـا هـواه
يا لقومي فكيف أصبـر عـمـن =لا ترى النفس طيب عيش سواه
أرسـلـت إذ رأت بـعـادي ألا =يقبلن بي مـحـرشـا إن أتـاه
دون أن يسمع المـقـالة مـنـا =وليطعني فإن عـنـدي رضـاه
لا تطع بي فدتك نفسـي عـدوا =لحديث علـى هـواه افـتـراه
لا تطع بي مـن لـو رآنـي وإيا = ك أسيري ضرورة مـا عـنـاه
ما ضراري نفسي بهجري من لي =س مـسـيئا ولا بـعـيدا ثـراه
واجتنابي بيت الحبيب وما الخـل =د بأشـهـى إلـي مـن أن أراه


الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. وقال عمرو، فيه خفيف ثقيل بالوسطى للهذلي. وفيه لابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو، وابتداؤه نشيد أوله: ما ضراري نفسي . وقال الهشامي: وفيه لعلية بنت المهدي وسعيد بن جابر لحنان من الثقيل الثاني.

ومن نهجه العلل قوله :

وآية ذلـك أن تـسـمـعـي =إذا جئتكـم نـاشـدا ينـشـد
فرحنا سراعا وراح الـهـوى =دليلا إليهـا بـنـا يقـصـد
فلما دنونا لـجـرس الـنـبـا =ح والصوت، والحي لم يرقدوا
بعثنا لـهـا بـاغـيا نـاشـدا =وفي الحي بغية مـن ينـشـد


وقد نسبت هذه الأبيات إلى من غنى فيها مع:
تشط غدا دار جيراننا ومن فتحه الغزل قوله :

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى *** فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا

ومن عطفه المساءة على العذال قوله صوت

لا تلمني عتيق حسبي الذي بي *** إن بي يا عتيق ما قد كفانـي
لا تلمني وأنت زينتهـا لـي *** أنت مثل الشيطان للإنسـان

الغناء لأبي العبيس بن حمدون ثقيل أول مطلق من مجموع أغانيه. وفيه رمل طنبري محدث، وفيه هزج لأبي عيسى بن المتوكل.
ومن حسن تفجعه قوله صوت

هجرت الحبيب اليوم من غير ما اجترم = وقطعت من ذي ودك الحبل فانصرم
أطعت الوشاة الكاشحين ومـن يطـع= مقالة واش يقرع الـسـن مـن نـدم
أتاني رسول كـنـت أحـسـب أنـه =شفيق علينا ناصـح كـالـذي زعـم
فلما تباثثنـا الـحـديث وصـرحـت= سرائره عن بعض ما كان قد كـتـم
تبـين لـي أن الـمـحـرش كـاذب= فعندي لك العتبى على رغم من رغم
فملآن لمت النفس بعد الذي مـضـى=وبعد الذي آلت وآلـيت مـن قـسـم
ظلمت ولم تعتب وكـان رسـولـهـا=إليك سريعا بالرضـا لـك إذ ظـلـم

الغناء لابن سريج رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وقال يونس: فيه لابن سريج لحنان، وذكر الهشامي أن لحنه الآخر ثقيل أول، وأن لعلوية فيه رملا آخر.
ومن تبخيله المنازل قوله صوت
عرفت مصيف الحي والمتربـعـا=ببطن حليات دوارس بـلـقـعـا
إلى السرح من وادي المغمس بدلت=معالمها وبلا ونكبـاء زعـزعـا
فيبخلن أو يخبرن بالعلم بـعـد مـا = نكأن فؤادا كان قدما مـفـجـعـا

الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى.
ومن اختصاره الخبر قوله صوت


صفحة : 38


أمن آل نعم أنت غاد فمبكـر=غداة غد أم رائح فمهـجـر
بحاجة نفس لم تقل في جوابها =فتبلغ عذرا والمقالة تـعـذر
أشارت بمدراها وقالت لتربها =أهذا المغيري الذي كان يذكر
لئن كان إياه لقد حال بعـدنـا =عن العهد والإنسان قد يتغير

الغناء لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر، وله في بيتين آخرين من هذه القصيدة، وهما:


وليلة ذي دوران جشمتني السرى*** وقد يجشم الهول المحب المعزرا
فقلت أباديهم فـإمـا أفـوتـهـم *** وإما ينال السيف ثأرا فـيثـأرا

رمل آخر بالوسطى عن عمرو. قال الزبير حدثني إسحاق الموصلي قال: قلت لأعرابي ما معنى قول ابن أبي ربيعة:


بحاجة نفس لم تقل في جوابها *** فتبلغ عذرا والمقالة تعـذر فقال: قام كما جلس.
ومن صدقه الصفاء قوله :


كل وصل أمسى لديك لأنثى***غيرها وصلها إليهـا أداء
كل أنثى وإن دنت لوصـال***أو نأت فهي للرباب الفداء

وقوله: صوت

أحب لحبك مـن لـم يكـن=صفيا لنفسي ولا صاحبـا
وأبذل ما لي لمرضاتـكـم=وأعتب من جاءكم عاتـبـا
وأرغب في ود من لم أكن=إلى وده قبلكـم راغـبـا
ولو سلك الناس في جانـب =من الأرض واعتزلت جانبا
ليممت طـيتـهـا إنـنـي =أرى قربها العجب العاجبا

الغناء لابن القفاص رمل عن الهشامي ويحيى المكي، وفيه للربعي لحن من كتاب إبراهيم غير مجنس.
ومما قدح فيه فأورى قوله صوت

طال ليلي وتعناني الـطـرب=واعتراني طول هم ووصب
أرسلت أسماء في مـعـتـبة=عتبتها وهي أحلى من عتب
أن أتى منها رسول موهـنـا=وجد الحي نياما فانـقـلـب
ضرب الباب فلم يشعـر بـه = أحد يفتح بـابـا إذ ضـرب
قال: أيقاظ ولـكـن حـاجة =عرضت تكتم منا فاحتجـب
ولعمدا ردني، فاجـتـهـدت=بيمين حلفة عند الغـضـب
يشهد الرحمن لا يجمـعـنـا=سقف بيت رجبا بعد رجـب
قلت حلا فاقبلي معـذرتـي=ما كذا يجري محب من أحب
إن كفي لك رهن بالـرضـا=فاقبلي يا هند، قالت قد وجب

الغناء لمالك خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لدحمان ثقيل أول بالبنصر عن عمرو. وفيه لمعبد لحن من كتاب يونس لم يجنسه، وذكر الهشامي أنه خفيف ثقيل. وفيه لابن سريج رمل عن الهشامي.
قال من حكينا عنه في صدر أخبار عمر روايته التي رواها علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن رجاله والحرمي عن الزبير عن عمه: كان عمر بن أبي ربيعة يهوى امرأة يقال لها أسماء ، فكان الرسول يختلف بينهما زمانا وهو لا يقدر عليها. ثم وعدته أن تزوره، فتأهب لذلك وانتظرها، فأبطأت عنه حتى غلبته عينه فنام، وكانت عنده جارية له تخدمه، فلم تلبث أن جاءت ومعها جارية لها، فوقفت حجرة وأمرت الجارية أن تضرب الباب، فضربته فلم يستيقظ. فقالت لها: تطلعي فانظري ما الخبر? فقالت لها: هو مضطجع وإلى جنبه امرأة، فحلفت لا تزوره حولا، فقال في ذلك:
طال ليلي وتعناني الطرب قال أبو هفان في حديثه: وبعث إليها امرأة كانت تختلف بينه وبين معارفه، وكانت جزلة من النساء، فصدقتها عن قصته وحلفت لها أنه لم يكن عنده إلا جاريته، فرضيت. وإياها يعني عمر بقوله:


فأتـتـهـا طـبة عـالــمة =تخلط الجد مرارا باللـعـب
تغلظ القول إذا لانـت لـهـا=وتراخي عند سورات الغضب
لم تزل تصرفها عـن رأيهـا = وتـأنـاهـا بـرفـق وأدب

قال إسحاق في خبره: وحدثني ابن كناسة قال أخبرني حماد الراوية قال: استنشدني الوليد بن يزيد، فأنشدته نحوا من ألف قصيدة، فما استعادني إلا قصيدة عمر بن أبي ربيعة:
طال ليلي وتعناني الطرب فلما أنشدته قوله:

صفحة : 39


فأتتهـا طـبة عـالـمة ***تخلط الجد مرارا باللعب

إلى قوله:
إن كفي لك رهن بالرضـا***فاقبلي يا هند قالت قد وجب

فقال الوليد: ويحك يا حماد اطلب لي مثل هذه أرسلها إلى سلمى. يعني امرأته سلمى بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، وكان طلقها ليتزوج أختها ثم تتبعتها نفسه.
قال إسحاق وحدثني جماعة منهم الحرمي والزبيري وغيرهما: أن عمر أنشد ابن أبي عتيق هذه القصيدة، فقال له ابن أبي عتيق: الناس يطلبون خليفة مذ قتل عثمان في صفة قوادتك هذه يدبر أمورهم فما يجدونه.
رجع إلى خبر عمر الطويل قالوا: ومن شعره الذي اعتذر فيه فأبرأ قوله


فالتقينا فرحبت حـين سـلـم=ت وكفت دمعا من العين مارا
ثم قالت عند العـتـاب رأينـا=منك عنا تجـلـدا وازورارا
قلت كلالاه ابن عمك بل خف=نا أمورا كنا بهـا أغـمـارا
فجعلنا الصدود لما خـشـينـا =قالة الناس للهـوى أسـتـارا
ليس كالعهد إذ عهدت ولكـن=أوقد الناس بالنـمـيمة نـارا
فلذاك الإعراض عنك ومـا آ=ثر قلبي عليك أخرى اختيارا
ما أبالي إذا النوى قربـتـكـم = فدنوتم من حل أو من سـارا
فاللـيالـي إذا نـأيت طـوال =وأراها إذا قربت قـصـارا
ومن تشكيه الذي أشجى فيه قوله: صوت

لعمرك ما جاورت غمدان طائعـا=وقصر شعوب أن أكون به صبـا
ولكن حمى أضرعـتـنـي ثـلاثة=مجرمة ثم استمرت بـنـا غـبـا
وحتى لو أن الخلد تعرض إن مشت=إلى الباب رجلي ما نقلت لها إربا
فإنك لـو أبـصـرت يوم سـويقة =مناخي وحبسي العيس دامية جدبـا
ومصرع إخوان كـأن أنـينـهـم= أنين المكاكي صادفت بلدا خصبـا
إذا لاقشعر الرأس منك صـبـابة= ولاستفرغت عيناك من سكبة غربا

غنى في الأول والثاني من هذه الأبيات معبد ولحنه خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وفيهما لمالك ثقيل أول عن الهشامي، ونسبه يونس إلى مالك ولم يجنسه.
ومن إقدامه عن خبرة ولم يعتذر بغرة قوله


صرمت وواصلت حتى عرف***ت أين المصادر والـمـورد
وجربت من ذاك حتى عرف***ت ما أتوقى ومـا أعـمـد

ومن أسره النوم قوله
نام صحبي وبات نومي أسيرا***أرقب النجم موهنا أن يغورا

ومن غمه الطير قوله
فرحنا وقلنا للغلام اقض حاجة*** لنا ثم أدركنا ولا تـتـغـبـر
سراعا نغم الطير إن سنحت لنا ***وإن تلقنا الركبان لا نتخـبـر

تتغبر، من قولهم: غبر فلان أي لبث.

ومن إغذاذه السير قوله

قلت سيرا ولا تقيما ببصرى*** وحفير فما أحب حـفـيرا
وإذا ما مررتما بـمـعـان*** فأقلا به الثـواء وسـيرا
إنما قصرنا إذا حسر السي***ر بعيرا أن نستجد بعـيرا


ومن تحييره ماء الشباب قوله صوت

أبرزوها مثل المهاة تـهـادى***بين خمس كواعـب أتـراب
ثم قالوا تحبها قلـت بـهـرا***عدد القطر والحصى والتراب
وهي مكنونة تحير مـنـهـا***في أديم الخدين ماء الشبـاب


الغناء لمحمد بن عائشة خفيف ثقيل بالبنصر. وفيه لمالك خفيف ثقيل آخر عن الهشامي، وقيل: بل هو هذا.
ومن تقويله وتسهيله قوله

قالت على رقبة يوما لجارتهـا=ما تأمرين فإن القلب قد تبـلا
وهل لي اليوم من أخت مواخية=منكن أشكو إليها بعض ما فعلا
فراجعتها حصان غير فاحـشة= برجع قول ولب لم يكن خطلا
لا تذكري حبه حتى أراجـعـه=إني سأكفيكه إن لم أمت عجلا
فاقني حياءك في ستر وفي كرم = فلست أول أنثى علقت رجـلا

وأما ما قاس فيه الهوى فقوله

وقربن أسباب الهوى لمـتـيم***يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا ومن عصيانه

وإخلائه قوله

صفحة : 40


وأنص المطي يتبعن بـالـرك=ب سراعا نواعم الأظـعـان
فنصيد الغرير من بقر الـوح=ش ونلهو بلـذة الـفـتـيان
في زمان لو كنت فيه ضجيعي=غير شك عرفت لي عصياني
وتقلبت في الفـراش ولا تـد =رين إلا الظنون أين مكانـي
ومن محالفته بسمعه وطرفه قوله

سمعي وطرفي حليفاها على جسـدي*** فكيف أصبر عن سمعي وعن بصري
لو طاوعاني علـى ألا أكـلـمـهـا *** إذا لقضيت من أوطارهـا وطـري

ومن إبرامه نعت الرسل قوله
فبعثت كاتمة الحـدي*** ث رفيقة بجوابـهـا
وحـشـية إنـسـية***خراجة من بابـهـا
فرقت فسلهت المعـا***رض من سبيل نقابها


ومن تحذيره قوله صوت

لقد أرسلت جـاريتـي=وقلت لها خذي حذرك
وقولي في مـلاطـفة= لزينب نولي عمـرك
فإن داويت ذا سـقـم = فأخزى الله من كفرك
فهزت رأسها عجـبـا=وقالت من بذا أمـرك
أهذا سحرك النـسـوا =ن، قد خبرنني خبرك
وقلن إذا قضى وطرا= وأدرك حاجة هجرك

غنى ابن سريج في هذه الأبيات، ولحنه خفيف ثقيل. ولابن المكي فيها هزج بالوسطى. وفيها رمل ذكر ذكاء وجه الرزة عن أحمد بن أبي العلاء عن مخارق أنه لابن جامع، وذكر قمري أنه له وأن ذكاء أبطل في هذه الحكاية. قال الزبير: حدثني عمي قال حدثني أبي قال: قال شيخ من قريش: لا ترووا نساءكم شعر عمر بن أبي ربيعة لا يتورطن في الزنا تورطا، وأنشد:


لقد أرسلت جـاريتـي***وقلت لها خذي حذرك

ومن إعلانه الحب وإسراره قوله
شكوت إليها الحب أعلن بعضه***وأخفيت منه في الفؤاد غليلا

ومما بطن به وأظهر قوله
حبكم يا آل ليلى قـاتـلـي *** ظهر الحب بجسمي وبطن
ليس حب فوق ما أحببتكـم***غير أن أقتل نفسي أو أجن

ومما ألح فيه وأسف قوله
ليت حظي كطرفة العين منها***وكثير منها القليل المهـنـا
أو حديث على خلاء يسلـي***ما يجن الفؤاد منها ومـنـا
كبرت رب نعمة منك يومـا***أن أراها قبل الممات ومنـا

ومن إنكاحه النوم قوله صوت

حتى إذا ما الليل جن ظلامـه***ونظرت غفلة كاشح أن يعقلا
واستنكح النوم الذين نخافـهـم*** وسقى الكرى بوابهم فاستثقلا
خرجت تاطر في الثياب كأنها ***أيم يسيب على كثيب أهـيلا

الغناء لمعبد خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه ألحان لغيره وقد نسبت في غير هذا الموضع مع قوله:
ودع لبابة قبل أن تترحلا ومن جنيه الحديث قوله
وجوار مساعفات على اللـه=و ومسرات باطن الأضغان
صيد للرجال يرشقن بالمطر=ف حسان كخذل الغـزلان
قد دعاني وقد دعاهن لـلـه = و شجون مهمة الأشجـان
فاجتنينا من الحديث ثمـارا =ما جنى مثلها لعمرك جاني
ومن ضربه الحديث ظهره لبطنه قوله
في خلاء من الأنيس وأمـن***فبثثنا غليلنا واشـتـفـينـا
وضربنا الحديث ظهرا لبطن ***وأتينا من أمرنا ما اشتهينـا
فمكثنا بذاك عـشـر لـيال ***في قضاء لديننا واقتضينـا

ومن إذلاله صعب الحديث قوله
فلما أفضنا في الهوى نستبينـه***وعاد لنا صعب الحديث ذلـولا
شكوت إليها الحب أظهر بعض***وأخفيت منه في الفؤاد غلـيلا

ومن قناعته بالرجاء من الوفاء قوله
فعدي نائلا وإن لم تنيلي*** إنه ينفع المحب الرجاء

قال الزبير: هذا أحسن من قول كثير:
ولست براض من خليل بنائل *** قليل ولا أرضى له بقلـيل

ومن إعلائه قاتله قوله
فبعثت جاريتي وقلت لها اذهبي***فاشكي إليها ما علمت وسلمي

صفحة : 41


قولـي يقـول تـحـرجـي فـي عـــاشـــق***كلـف بـكـم حـتـى الـمـمـات مـــتـــيم
ويقـول إنـك قـد عـلـمـت بـــأنـــكـــم***أصـبـحـتـم يا بـــشـــر أوجـــه ذي دم
فكـي رهـينـتـه فـإن لـم تـفــعـــلـــي***فاعلي عـلـى قـتـل ابـن عـمـك واسـلـمـي
فتـضـاحـكـت عـجـبـا وقـالـت حـقـــه *** ألا يعـلـمـنـا بـمـا لــم نـــعـــلـــم
علمي به والله يغفر ذنبه فيما بدا لي، ذو هوى متقسم
طرف ينازعه إلى الأدنى الهوى***ويبـث خـــلة ذي الـــوصـــال الأقـــدم

ومن تنفيضه النوم قوله
فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت***مصابيح شبت بالعشـاء وأنـور
وغاب قمير كنت أرجو غيوبـه***وروح رعيان ونـوم سـمـر
ونفضت عني أقبلت مـشـية ال***حباب وركني خشية القوم أزور


ومن إغلاقه رهن منى وإهداره قتلاه قوله
فكم من قـتـيل مـا يبـاء بـه دم***ومن غلق رهنا إذا لـفـه مـنـى
ومن مالىء عينيه من شيء غـيره***إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى


وكان بعد هذا كله فصيحا شاعرا مقولا.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي، وأخبرنا به علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن رجاله: أن عمر بن أبي ربيعة نظر إلى رجل يكلم امرأة في الطواف، فعاب ذلك عليه وأنكره. فقال له: إنها ابنة عمي. قال: ذاك أشنع لأمرك. فقال: إني خطبتها إلى عمي، فأبى علي إلا بصداق أربعمائة دينار، وأنا غير مطيق ذلك، وشكا إليه من حبها وكلفه بها أمرا عظيما، وتحمل به على عمه. فسار معه إليه فكلمه. فقال له: هو مملق، وليس عندي ما أصلح به أمره. فقال له عمر: وكم الذي تريده منه? قال: أربعمائة دينار. فقال له: هي علي فزوجه، ففعل ذلك.
وقد كان عمر حين أسن حلف ألا يقول بيت شعر ألا أعتق رقبة.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 06:27 PM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

فانصرف عمر إلى منزله يحدث نفسه، فجعلت جارية له تكلمه فلا يرد عليها جوابا. فقالت له: إن لك لأمرا، وأراك تريد أن تقول شعرا، فقال: صوت


تقول وليدتي لـمـا رأتـنـي=طربت وكنت قد أقصرت حينا
أراك اليوم قد أحدثت شـوقـا=وهاج لك الهوى داء دفـينـا
وكنت زعمت أنك ذو عـزاء=إذا ما شئت فارقت القـرينـا
بربك هل أتاك لـهـا رسـول=فشاقك أم لقيت لهـا خـدينـا
فقلت شكا إلـي أخ مـحـب=كبعض زماننا إذ تعلـمـينـا
فقص علي ما يلقى بـهـنـد =فذكر بعض ما كنا نـسـينـا
وذو الشوق القديم وإن تعـزى=مشوق حين يلقى العاشقـينـا
وكم من خلة أعرضت عنهـا=لغير قلى وكنت بها ضنـينـا
أردت بعادها فصددت عنـهـا=ولو جن الفؤاد بها جـنـونـا

ثم دعا تسعة من رقيقه فأعتقهم لكل بيت واحد. الغناء لابن سريج رمل بالبنصر عن عمرو والهشامي. وفيه ثقيل أول يقال: إنه للغريض. وذكر عبد الله بن موسى أن فيه لدحمان خفيف رمل.


عمر بن أبي ربيعة وعروة بن الزبير
أخبرني الحرمي قال حدثنا أحمد بن عبيد أبو عصيدة قال: ذكر ابن الكلبي أن عمر بن أبي ربيعة كان يساير عروة بن الزبير ويحادثه، فقال له: وأين زين المواكب? يعني ابنه محمد بن عروة، وكان يسمى بذلك لجماله.
فقال له عروة: هو أمامك، فركض يطلبه. فقال له عروة: يا أبا الخطاب، أولسنا أكفاء كراما لمحادثتك ومسايرتك? فقال: بلى بأبي أنت وأمي ولكني مغرى بهذا الجمال أتبعه حيث كان. ثم التفت إليه وقال:


إني امرؤ مولع بالحسن أتبعه***لا حظ لي فيه إلا لذة النظر

ثم مضى حتى لحقه فسار معه، وجعل عروة يضحك من كلامه تعجبا منه.
عمر بن أبي ربيعة ومالك بن أسماء
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب ابن عبد الله قال: رأى عمر بن أبي ربيعة رجلا يطوف بالبيت وقد بهر الناس بجماله وتمامه، فسأل عنه فقيل له: هذا مالك بن أسماء بن خارجة. فجاءه فسلم عليه وقال له: يابن أخي مازلت أتشوقك منذ بلغني قولك:


إن لي عند كل نفحة بسـتـا*** ن من الورد أو من الياسمينا

صفحة : 42


نظرة والتفاتة أتـمـنـى *** أن تكوني حللت فيما يلينا

ويروى:
... أتـرجـــى أن تكوني حللت... عمر وأبو الأسود الدؤلي وقد عرض لامرأته
في الطواف
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا العباس بن هشام عن أبيه قال أخبرني مولى لزياد قال: حج أبو الأسود الدؤلي ومعه امرأته وكانت جميلة. فبينا هي تطوف بالبيت إذ عرض لها عمر بن أبي ربيعة، فأتت أبا الأسود فأخبرته، فأتاه أبو الأسود فعاتبه. فقال له عمر: ما فعلت شيئا. فلما عادت إلى المسجد عاد فكلمها، فأخبرت أبا الأسود، فأتاه في المسجد وهو مع قوم جالس فقال له:
وإني ليثنيني عن الجهل والخنا***وعن شتم أقوام خلائق أربع
حياء وإسلام وبقـيا وأنـنـي***كريم ومثلي قد يضر وينفع
فشتان ما بيني وبينك إنـنـي***على كل حال أستقيم وتظلع


فقال له عمر: لست أعود يا عم لكلامها بعد هذا اليوم. ثم عاود فكلمها، فأتت أبا الأسود فأخبرته، فجاء إليه فقال له:
أنت الفتى وابن الفتى وأخو الفتى***وسيدنـا لـولا خـلائق أربـع
نكول عن الجلى وقرب من الخنا***وبخل عن الجدوى وأنك تـبـع


ثم خرجت وخرج معها أبو الأسود مشتملا على سيف. فلما رآهما عمر أعرض عنها، فتمثل أبو الأسود:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له***وتتقي صولة المستأسد الحامـي


رأي الفرزدق في شعر ابن أبي ربيعة
أخبرني ابن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم الفراسي قال حدثنا العمري قال أخبرنا الهيثم بن عدي قال: قدم الفرزدق المدينة وبها رجلان يقال لأحدهما صريم، وللآخر ابن أسماء، وصفا له فقصدهما، وكان عندهما قيان، فسلم عليهما وقال لهما: من أنتما? فقال أحدهما: أنا فرعون، وقال الآخر: أنا هامان. قال: فأين منزلكما في النار حتى أقصدكما? فقالا: نحن جيران الفرزدق الشاعر فضحك ونزل، فسلم عليهما وسلما عليه وتعاشروا مدة. ثم سألهما أن يجمعا بينه وبين عمر بن أبي ربيعة ففعلا، واجتمعا وتحادثا وتناشدا إلى أن أنشد عمر قصيدته التي يقول فيها:
فلما التقينا واطمأنت بنا النوى***وغيب عنا من نخاف ونشفق

حتى انتهى إلى قوله:
فقـمـن لـكـي يخـلـينـنـا فـتــرقـــرقـــت***مدامـع عـينـيهــا وظـــلـــت تـــدفـــق
وقـالـت أمـا تـرحـمـنـنـي لا تـدعـنــنـــي***لدى غـزل جـــم الـــصـــبـــابة يخـــرق
فقلن اسكتي عنا فسلت مطاعة***وخلك منا فاعلمي بك أرفق

فصاح الفرزدق: أنت والله يا أبا الخطاب أغزل الناس لا يحسن والله الشعراء أن يقولوا مثل هذا النسيب ولا أن يرقوا مثل هذه الرقية وودعه وانصرف.
عمرو وعبد الرحمن بن الحارث


ابن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الجبار بن سعيد المساحقي عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه: أنه حج مع أبيه الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، فأتى عمر بن أبي ربيعة وقد أسن وشاخ، فسلم عليه وساءله ثم قال له: أي شيء أحدثت بعدي يا أبا الخطاب? فأنشده:


يقولون: إني لست أصدقك الهوى=وإني لا أرعـاك حـين أغـيب
فما بال طرفي عف عما تساقطت=له أعين من معشـر وقـلـوب
عشية لا يستنكف القـوم أن يروا=سفاه امرىء ممن يقال لـبـيب
ولا قتنة من ناسك أومضـت لـه=بعين الصبا كسلى القيام لعـوب
تروح يرجو أن تحـط ذنـوبـه=فآب وقد زيدت عـلـيه ذنـوب
وما النسك أسلاني ولكن للهـوى=على العين مني والفؤاد رقـيب

عمرو والنسوة اللاتي واعدهن بالعقيق
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل عن القحذمي قال: واعد عمر بن أبي ربيعة نسوة من قريش إلى العقيق ليتحدثن معه، فخرج إليهن ومعه الغريض، فتحدثوا مليا ومطروا، فقال عمر والغريض وجاريتان للنسوة فأظلوا عليهن بمطرفة وبردين له حتى استترن من المطر إلى أن سكن، ثم انصرفن. فقال له الغريض: قل في هذا شعرا حتى أغني فيه، فقال عمر: صوت


صفحة : 43

ألم تسأل المنزل المقـفـرا=بيانا فيكـتـم أو يخـبـرا
ذكرت به بعض ما قد شجاك=وحق لذي الشجو أن يذكرا
مقام المحبين قـد ظـاهـرا=كساء وبردين أن يمـطـرا
وممشى الثلاث به موهـنـا=خرجـن إلـى زائر زورا
إلى مجلس من وراء القبـا=ب سهل الربا طيب أعفـرا
غفلن عن الليل حتـى بـدت=تباشير من واضح أسـفـرا
فقمـن يعـفـين آثـارنـا=بأكسية الخز أن تـقـفـرا
مهاتان شـيعـتـا جـؤذرا=أسـيلا مـقـلـده أحـورا
وقمن وقلن لو أن الـنـهـا=ر مد له الليل فاستـأخـرا
قضينا به بعض أشجـانـنـا=وكان الحديث بـه أجـدرا

ذكر ابن المكي أن الغناء في الخمسة الأبيات الأولى لابن سريج ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر، وذكر الهشامي أن هذا اللحن للغريض، وأن لحن ابن سريج رمل بالوسطى. وقال حبش: فيها لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى.
عمر وابن أبي عتيق
أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو العباس المديني قال أخبرنا ابن عائشة قال: حضر ابن أبي عتيق عمر بن أبي ربيعة وهو ينشد قوله:
ومن كان محزونا بإهراق عبـرة***وهي غربها فليأتنا نبـكـه غـدا
نعنه على الإثكال إن كان ثـاكـلا***وإن كان محروبا وإن كان مقصدا

قال: فلما أصبح ابن أبي عتيق أخذ معه خالدا الخريت وقال له: قم بنا إلى عمر. فمضيا إليه، فقال له ابن أبي عتيق: قد جئناك لموعدك. قال: وأي موعد بيننا? قال: قولك: فليأتنا نبكه غدا. قد جئناك، والله لا نبرح أو تبكي إن كنت صادقا في قولك، أو ننصرف على أنك غير صادق. ثم مضى وتركه. قال ابن عائشة: خالد الخريت هو خالد بن عبد الله القسري.


عود إلى خلق عمر
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش الهمداني قال: لقيت عمر بن أبي ربيعة فقلت له: يا أبا الخطاب، أكل ما قلته في شعرك فعلته? قال: نعم، وأستغفر الله.
قدوم عمر الكوفة ونزوله على ابن هلال
أخبرني علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن عبد الله بن مصعب قال: قدم عمر بن أبي ربيعة الكوفة، فنزل على عبد الله بن هلال الذي كان يقال له صاحب إبليس، وكان له قينتان حاذقتان، وكان عمر يأتيهما فيسمع منهما، فقال في ذلك:
يأهل بابل ما نفست عليكـم***من عيشكم إلا ثلاث خلال
ماء الفرات وطيب ليل بارد*** وغناء مسمعتين لابن هلال

وصف الشعراء للبرق وما قاله عمر

في ذلك
أخبرني علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن رجاله: أن عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد وأبا ربيعة المصطلقي ورجلا من بني مخزوم وابن أخت الحارث بن خالد، خرجوا يشيعون بعض خلفاء بني أمية. فلما انصرفوا نزلوا بسرف فلاح لهم برق؛ فقال الحارث: كلنا شاعر، فهلموا نصف البرق. فقال أبو ربيعة:
أرقت لبرق آخر الليل لامع***جرى سناه ذو الربا فينابع

فقال الحارث:
أرقت له ليل التمام ودونـه***مهامه موماة وأرض بلاقع

فقال المخزومي:
يضيء عضاه الشوك حتى كـأنـه***مصابيح أو فجر من الصبح ساطع

فقال عمر:
أيا رب لا آلو الـمـودة جـاهـدا***لأسماء فاصنع بي الذي أنت صانع

ثم قال: مالي وللبرق والشوك بقية خبر عمر ونسوة العقيق
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي قال: كان عمر بن أبي ربيعة وخالد القسري معه - وهو خالد الخريت - ذات يوم يمشيان، فإذا هما بهند وأسماء اللتين كان يشبب بهما عمر بن أبي ربيعة تتماشيان، فقصداهما وجلسا معهما مليا، فأخذتهم السماء ومطروا. ثم ذكر مثل خبر تقدم، ورويته آنفا عن هاشم بن محمد الخزاعي، وذكر الأبيات الماضية، ولم يذكر فيها خبر الغريض. وحكى أنه قال في ذلك: صوت
أفي رسم دار دمعك المـتـرقـرق=سفاها وما استنطاق ما ليس ينطق
بحيث التقى جمع ومفضى محسر=مغاني قد كادت على العهد تخلـق
ذكرت به ما قد مضى من زماننا=وذكرك رسم الدار مما يشـوق
مقاما لنا عند العشاء ومجلـسـا=به لم يكدره علـينـا مـعـوق
وممشى فتاة بالكساء تـكـنـنـا = به تحت عين برقهـا يتـألـق
يبل أعالي الثوب قطر وتحـتـه=شعاع بدا يعشي العيون ويشرق
فأحسن شيء بدء أول لـيلـنـا=وآخره حـزن إذا نـتـفـرق


ذكر يحيى بن المكي أن الغناء في ستة أبيات متوالية من هذا الشعر لمعبد خفيف ثقيل بالسبابة والوسطى، وذكر الهشامي أنه من منحول يحيى.
عمر وليلى بنت الحارث البكرية












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 06:52 PM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي




وما قاله فيها من الشعر

أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني مصعب قال: لقي عمر بن أبي ربيعة ليلى بنت الحارث بن عمرو البكرية وهي تسير على بغلة لها، وقد كان نسب بها، فقال: جعلني الله فداك عرجي ها هنا أسمعك بعض ما قلته فيك. قالت: أو قد فعلت? قال نعم فوقفت وقالت: هات. فأنشدها.
صوت

ألا يا ليل إن شفاء نفـسـي/نوالك إن بخلت فنولـينـا
وقد حضر الرحيل وحان منا/فراقك فانظري ما تأمرينا

فقالت: آمرك بتقوى الله وإيثار طاعته وترك ما أنت عليه. ثم صاحت ببغلتها ومضت.
وفي هذين البيتين لابن سريج خفيف ثقيل بالوسطى عن يحيى المكي، وذكر الهشامي أنه من منحوله إلى ابن سريج. وفيهما رمل طنبوري لأحمد بن صدقة.
أخبرني بذلك جحظة عنه. وأخبرني بهذا الخبر عبد الله بن محمد الرازي قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن ابن الأعرابي: أن ليلى هذه كانت جالسة في المسجد الحرام، فرأت عمر بن أبي ربيعة، فوجهت إليه مولى لها فجاءها به. فقالت له: يابن أبي ربيعة، حتى متى لا تزال سادرا في حرم الله تشبب بالنساء وتشيد بذكرهن أما تخاف الله قال: دعيني من ذاك واسمعي ما قلت. قالت: وما قلت? فأنشدها الأبيات المذكورة.
فقالت له القول الذي تقدم أنها أجابته به. قال: وقال لها: اسمعي أيضا ما قلت فيك، ثم أنشدها قوله:


أمن الرسم وأطـلال الـدمـن=عاد لي وجدي وعاودت الحزن
إن حبي آل ليلـى قـاتـلـي=ظهر الحب بجسمي وبـطـن
يا أبا الحارث قلـبـي طـائر=فأتمر أمر رشيد مـؤتـمـن
التمس للقلب وصلا عنـدهـا =إن خير الوصل ما ليس يمـن
علق القلب، وقد كان صـحـا،= من بني بكر غزالا قد شـدن
أحور المقـلة كـالـبـدر، إذا=قلد الدر فقلبي مـمـتـحـن
ليس حب فوق ما أحببـتـكـم=غير أن أقتل نفسـي أو أجـن
خلقت للقلـب مـنـي فـتـنة=هكذا يخلق معروض الفـتـن

قال: وفيها يقول:

إن ليلى وقد بلغت المشـيبـا/لم تدع للنساء عندي نصيبـا
هاجر بيتها لأنفي عـنـهـا/قول ذي العيب إن أراد عيوبا

نسبة ما في هذين الشعرين من الغناء الغناء في الأبيات الأولى النونية لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيها لابن عائشة ثقيل أول، يقال: إنه أول ثقيل غناه، كان يغني الخفيف، فعيب بذلك فصنع هذا اللحن. وفيه لعبد الله بن يونس الأبلي رمل عن الهشامي.
والغناء في:
إن ليلى وقد بلغت المشيبا لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لكردم ثقيل أول بالوسطى عن عمرو أيضا. وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لعطرد، ولم يجنسه.
حديثه مع النوار وشعره فيها
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني محمد بن منصور الأزدي قال حدثني أبي عن الهيثم بن عدي قال: بينما عمر بن أبي ربيعة منصرف من المزدلفة يريد منى إذ بصر بامرأة في رحالة ففتن، وسمع عجوزا معها تناديها: يا نوار استتري لا يفضحك ابن أبي ربيعة. فاتبعها عمر وقد شغلت قلبه حتى نزلت بمنى في مضرب قد ضرب لها، فنزل إلى جنب المضرب، ولم يزل يتلطف حتى جلس معها وحادثها، وإذا أحسن الناس وجها وأحلاه منطقا، فزاد ذلك في إعجاب عمر بها. ثم أراد معاودتها فتعذر ذلك عليه، وكان آخر عهده، فقال فيها: صوت


صفحة : 45


علق النوار فـؤاده جـهـلا =وصبا فلم تترك له عـقـلا
وتعرضت لي في المسير فما = أمسى الفؤاد يرى لها مثـلا
ما نعجة من وحش ذي بقـر = تغذو بسقط صريمة طفـلا
بألذ منهـا إذ تـقـول لـنـا = وأردت كشف قناعها: مهلا
دعنا فـإنـك لا مـكـارمة = تجزي ولست بواصل حبـلا
وعليك من تبل الـفـؤاد وإن = أمسى لقلبك ذكره شـغـلا
فأجبتها إن المحب مكـلـف = فدعي العتاب وأحدثي بـذلا

الغناء لابن محرز خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه ثاني ثقيل بالبنصر ينسب إلى ابن عائشة.
حديثه مع أم الحكم وشعره فيها
أخبرني محمد بن خلف قال حدثني أبو عبد الله السدوسي عن عيسى بن إسماعيل العتكي عن هشام بن الكلبي عن أبيه قال: حجت امرأة من بني أمية يقال لها أم الحكم، فقدمت قبل أوان الحج معتمرة. فبينا هي تطوف على بغلة لها إذ مرت على عمر بن أبي ربيعة في نفر من بني مخزوم وهم جلوس يتحدثون وقد فرعهم طولا وجهرهم جمالا وبهرهم شارة وعارضة وبيانا، فمالت إليهم ونزلت عندهم، فتحدثت معهم طويلا ثم انصرفت. ولم يزل عمر يتردد إليها إلى أن انقضت أيام الحج، فرحلت إلى الشأم، وفيها يقول عمر:
تأوب ليلى بنصـب وهـم/وعاودت ذكرى لأم الحكم
فبت أراقب ليل الـتـمـا/م، من نام من عاشق لم أنم
فإما ترينني على ما عـزا/ ضعيف القيام شديد السقـم
كثير القلب فوق الـفـرا /ش ما إن تقل قيامي قـدم
بالمديحة طيب نـشـرهـا/هضيم الحشا عذبة المبتسم


في أول الأبيات الثلاثة غناء. وقبلها وهو أول الصوت: صوت

وفيتان صدق صباح الوجـو/ه لا يجدون لـشـيء ألـم
من آل المغيرة لا يشـهـدو/ن عند المجازر لحسم الوضم


الغناء في هذه الأبيات لمالك خفيف ثقيل الثاني بالبنصر وهو الذي يقال له الماخوري، عن عمرو. وفيه ثاني ثقيل ينسب إلى ابن سريج والعريض ودحمان. وفيه لابن المكي خفيف رمل.
حديثه مع سكينة وشعره فيها
أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق عن أبي عبد الله الزبيري قال: اجتمع نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف، فتذاكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن حديثه، فتشوقن إليه وتمنينه، فقالت سكينة بنت الحسين: أنا لكن به. فأرسلت إليه رسولا وواعدته الصورين، وسمت له الليلة والوقت، وواعدت صواحباتها، فوافاهن عمر على راحلته، فحدثهن حتى أضاء الفجر وحان انصرافهن. فقال لهن: والله إني لمحتاج إلى زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجده، ولكن لا أخلط بزيارتكن شيئا. ثم انصرف إلى مكة وقال: صوت

قالت سكينة والدموع ذوارف=منها على الخدين والجلبـاب
ليت المغيري الذي لم أجـزه = فيما أطال تصيدي وطلابـي
كانت ترد لنا المنـى أيامـنـا = إذ لا نلام على هوى وتصابي
خبرت ما قالت فبت كأنـمـا = ترمي الحشا بنوافذ النشـاب
أسكين ما ماء الفرات وطيبـه = مني على ظمأ وفقد شـراب
بألذ منك وإن نأيت وقـلـمـا = ترعى النساء أمانة الغـياب


الغناء للهذلي رمل بالوسطى عن الهشامي. وفيه للغريض خفيف ثقيل بالوسطى عن حبش. قال وقال فيها: صوت

أحب لحبك مـن لـم يكـن = صفيا لنفسي ولا صاحبـا
وأبذل نفسي لمرضاتـكـم = وأعتب من جاءكم عاتـبـا
وأرغب في ود من لم أكن = إلى وده قبلكـم راغـبـا
ولو سلك الناس في جانـب = من الأرض واعتزلت جانبا
ليممت طيتـهـا، إنـنـي = أرى قربها العجب العاجبا
فما نعجة من ظبـاء الأرا = ك تقرو دميث الربا عاشبا
بأحسن منها غداة الغـمـيم = وقد أبدت الخد والحاجـبـا
غداة تقول عـلـى رقـبة = لخادمها: يا احبسي الراكبا
فقالت لها: فيم هذا الكلام = وأبدت لها عابسا قاطبـا
فقالت كريم أتـى زائرا = يمر بكم هكذا جانـبـا
شريف أتى ربعنا زائرا = فأكره رجعته خائبـا

غنى في الأول والثاني والرابع والخامس من هذه الأبيات ابن القفاص المكي، ولحنه رمل من رواية الهشامي.
بغوم ابن أبي ربيعة
وحدثني وكيع وابن المرزبان وعمي قالوا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا محمد بن معن الغفاري قال حدثني سفيان بن عيينة قال: بينا أنا ومسعر بن كدام مع إسماعيل بن أمية بفناء الكعبة إذا بعجوز قد صلعت علينا عوراء متكئة على عصا يصفق أحد لحييها على الآخر، فوقفت على إسماعيل فسلمت عليه، فرد عليها السلام، وساءلها فأحفى المسألة، ثم انصرفت. فقال إسماعيل: لا إله إلا الله ماذا تفعل الدنيا بأهلها ثم أقبل علينا فقال: أتعرفان هذه? قلنا: لا والله، ومن هي? قال: هذه بغوم ابن أبي ربيعة التي يقول فيها:
حبذا أنت يا بغوم وأسما/ء وعيص يكننا وخلاء


انظرا كيف صارت، وما كان بمكة امرأة أجمل منها. قال: فقال له مسعر: لا ورب هذه البنية، ما أرى أنه كان عند هذه خير قط. وفي هذه الأبيات يقول عمر: صوت

صرمـت حـبـلـك الـبـــغـــوم وصـــدت=عنـــك فـــي غـــير ريبة أســـمـــاء
والـغـــوانـــي إذا رأينـــك كـــهـــلا= كان فـيهــن عـــن هـــواك الـــتـــواء
حبــذا أنـــت يا بـــغـــوم وأســـمـــا=ء وعـــيص يكـــنـــنـــا وخـــــلاء
ولـقـد قـلـت لـيلة الــجـــزل لـــمـــا=أخـضـلـت ريطـتـي عـلـي الـســـمـــاء
ليت شعري وهل يردن ليت =هل لهذا عند الرباب جزاء
كل وصل أمسى لدي لأنثى =غيرهـا وصـــلـــهـــا إلـــيهـــا أداء
كل خـــلـــق وإن دنـــا لـــوصــــال= أو نـأى فـهـو لـلـــربـــاب الـــفـــداء
فعــدي نـــائلا وإن لـــم تـــنـــيلـــي= إنـمـا ينـفـع الـمــحـــب الـــرجـــاء

لمعبد في: ولقد قلت ليلة الجزل... والذي بعده خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن يونس وإسحاق ودنانير، وهو من مشهور غنائه .
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثتني ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب عن ذهيبة مولاة محمد بن مصعب بن الزبير قالت: كنت عند أمة الواحد أو أمة المجيد بنت عمر بن أبي ربيعة في الجنبذ الذي في بيت سكينة بنت خالد بن مصعب أنا وأبوها عمر وجاريتان له تغنيان، يقال لأحداهما البغوم، والأخرى أسماء. وكانت أمة المجيد بنت عمر تحت محمد بن مصعب بن الزبير.
قالت: فقال عمر بن أبي ربيعة وهو معهم في الجنبذ هذه الأبيات. فلما انتهى إلى قوله:
ولقد قلت ليلة الجزل لـمـا/ أخضلت ريطتي علي السماء

خرجت البغوم ثم رجعت إليه فقالت: ما رأيت أكذب منك يا عمر تزعم أنك بالجزل وأنت في جنبذ محمد بن مصعب، وتزعم أن السماء أخضلت ريطتك وليس في السماء قزعة قال: هكذا يستقيم هذا الشأن.
وأخبرني علي بن صالح عم أبي هفان عن إسحاق عن المسيبي ومحمد بن سلام أن عمر أنشد ابن أبي عتيق قوله:


حبذا أنت يا بغوم وأسما/ء وعيص يكننا وخلاء


فقال له: ما أبقيت شيئا يتمنى يا أبا الخطاب إلا مرجلا يسخن لكم فيه الماء للغسل.
عمر و بنت مروان بن الحكم
أخبرني ابن المرزبان قال حدثني إسماعيل بن جعفر عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال: حجت أم محمد بنت مروان بن الحكم، فلما قضت نسكها أتت عمر بن أبي ربيعة وقد أخفت نفسها في نسوة، فحدثها مليا. فلما انصرفت أتبعها عمر رسولا عرف موضعها وسأل عنها حتى أثبتها، فعادت إليه بعد ذلك فأخبرها بمعرفته إياها.
فقالت: نشدتك الله أن تشهرني بشعرك وبعثت إليه بألف دينار، فقبلها وابتاع بها حللا وطيبا فأهداه إليها، فردته. فقال لها: والله لئن لم تقبليه لأنهبنه، فيكون مشهورا، فقبلته ورحلت. فقال فيها: صوت

أيها الراكب المجد ابتـكـارا/قد قضى من تهامة الأوطارا
من يكن قلبه صحيحا سليمـا/ ففؤادي بالخيف أمسى معارا
ليت ذا الدهر كان حتما علينا/كل يومين حجة واعتمـارا


صفحة : 47

الغناء لابن محرز ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق، وفيه أيضا له خفيف ثقيل بالوسطى عن ابن المكي. وفيه لذكاء وجه الرزة المعتمدي ثقيل أول من جيد الغناء وفاخر الصنعة ليس لأحد من طبقته وأهل صنعته مثله. وأنشد ابن أبي عتيق قول عمر هذا، فقال: الله أرحم بعباده أن يجعل عليهم ما سألته ليتم لك فسقك.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 07:02 PM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي



عمر وحميدة جارية ابن تفاحة
أخبرني ابن المرزبان قال أخبرني أحمد بن يحيى القرشي عن أبي الحسن الأزدي عن جماعة من الرواة: أن عمر كان يهوى حميدة جارية ابن تفاحة، وفيها يقول: صوت

حمل القلب مـن حـمـيدة ثـقـلا - إن في ذاك للـفـؤاد لـشـغـلا
إن فعلت الذي سألـت فـقـولـي - حمد خيرا وأتبعي القـول فـعـلا
وصليني فـأشـهـد الـلـه أنـي - لست أصفي سواك ما عشت وصلا


الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى عن يحيى المكي والهشامي. وفيها يقول: صوت

يا قلب هل لك عن حميدة زاجر - أم أنت مدكر الحياء فصـابـر
فالقلب من ذكرى حميدة موجع - والدمع منحدر وعظمي فاتـر
قد كنت أحسب أنني قبل الـذي - فعلت على ما عند حمدة قادر
حتى بدا لي من حميدة خلـتـي - بين وكنت من الفراق أحـاذر


الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق .
عمر و بعض جواري بني أمية
في موسم الحج
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو مسلم المستملي عن ابن أخي زرقان عن أبيه قال: أدركت مولى لعمر بن أبي ربيعة شيخا كبيرا، فقلت له: حدثني عن عمر بحديث غريب، فقال: نعم كنت معه ذات يوم، فاجتاز به نسوة من جواري بني أمية قد حججن، فتعرض لهن وحادثهن وناشدهن مدة أيام حجهن، ثم قالت له إحداهن: يا أبا الخطاب، إنا خارجات في غد فابعث مولاك هذا إلى منزلنا ندفع إليه تذكرة تكون عندك تذكرنا بها. فسر بذلك ووجه بي إليهن في السحر، فوجدتهن يركبن، فقلن لعجوز معهن: يا فلانة، ادفعي إلى مولى أبي الخطاب التذكرة التي أتحفناه بها. فأخرجت إلي صندوقا لطيفا مقفلا مختوما، فقلن: ادفعه إليه وارتحلن.
فجئته به وأنا أظن أنه قد أودع طيبا أو جوهرا. ففتحه عمر فإذا هو مملوء من المضارب وهي الكيرنجات ، وإذا على كل واحد منها اسم رجل من مجان مكة، وفيها اثنان كبيران عظيمان، على أحدهما الحارث بن خالد وهو يومئذ أمير مكة. وعلى الآخر عمر بن أبي ربيعة. فضحك وقال: تماجن علي ونفذ لهن. ثم أصلح مأدبة. ودعا كل واحد ممن له اسم في تلك المضارب. فلما أكلوا واطمأنوا للجلوس قال: هات يا غلام تلك الوديعة، فجئته بالصندوق، ففتحه ودفع إلى الحارث الكيرنج الذي عليه اسمه. فلما أخذه وكشف عنه غطاءه فزع وقال: ما هذا أخزاك الله فقال له: رويدا، اصبر حتى ترى. ثم أخرج واحدا واحدا فدفعه إلى من عليه اسمه حتى فرقها فيهم ثم أخرج الذي باسمه وقال: هذا لي. فقالوا له: ويحك ما هذا? فحدثهم بالخبر فعجبوا منه، وما زالوا يتمازحون بذلك دهرا طويلا ويضحكون منه.
قصته مع بنات أبصرنه من وراء المضرب
قال وحدثني هذا المولى قال: كنت مع عمر وقد أسن وضعف، فخرج يوما يمشي متوكئا على يدي حتى مر بعجوز جالسة، فقال لي: هذه فلانة وكانت إلفا لي، وعدل إليها فسلم عليها وجلس عندها وجعل يحادثها، ثم قال: هذه التي أقول فيها: صوت

أبصرتها ليلة ونسـوتـهـا - يمشين بين المقام والحجـر
بيضا حسانا نواعما قطـفـا - يمشين هونا كمشية البقـر
قالت لترب لها تلاطفـهـا - لنفسدن الطواف في عمـر
قومي تصدي له ليعرفـنـا - ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها قد غمزته فـأبـى - ثم اسبطرت تشتد في أثري
بل يا خليلي عادني ذكـري - بل اعترتني الهموم بالسهر


- الغناء لابن سريج في السادس والأول والثاني خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيها لسنان الكاتب رمل بالوسطى عنه وعن يونس. وفيها للأبجر خفيف رمل بالوسطى عنه. وفي:
قالت لترب لها تلاطفها

صفحة : 48

لعبد الله بن العباس خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي، وفيه للدلال خفيف ثقيل عنه أيضا. ولأبي سعيد مولى فائد في الأول والثاني ثقيل أول عن الهشامي أيضا، ومن الناس من ينسب لحنه إلى سنان الكاتب وينسب لحن سنان إليه - قال: وجلس معها يحادثها، فأطلعت رأسها إلى البيت وقالت: يا بناتي، هذا أبو الخطاب عمر بن أبي ربيعة عندي، فإن كنتن تشتهين أن ترينه فتعالين. فجئن إلى مضرب قد حجزن به دون بابها فجعلن يثقبنه ويضعن أعينهن عليه يبصرن. فاستسقاها عمر، فقالت له: أي الشراب أحب إليك? قال: الماء. فأتي بإناء فيه ماء، فشرب منه، ثم ملأ فمه فمجه عليهن في وجوههن من وراء الحاجز، فصاح الجواري وتهاربن وجعلن يضحكن. فقالت له العجوز: ويلك لا تدع مجونك وسفهك مع هذه السن فقال: لا تلوميني، فما ملكت نفسي لما سمعت من حركاتهن أن فعلت ما رأيت.
حديثه مع المرأة التي رآها في الطواف
وارتحل معها إلى العراق
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن منصور بن أبي العلاء الهمداني قال حدثني علي بن طريف الأسدي قال: سمعت أبي يقول: بينما عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت إذ رأى امرأة من أهل العراق فأعجبه جمالها، فمشى معها حتى عرف موضعها، ثم أتاها فحادثها وناشدها وناشدته وخطبها. فقالت: إن هذا لا يصلح ها هنا، ولكن إن جئتني إلى بلدي وخطبتني إلى أهلي تزوجتك. فلما ارتحلوا جاء إلى صديق له من بني سهم وقال له: إن لي إليك حاجة أريد أن تساعدني عليها، فقال له نعم. فأخذ بيده ولم يذكر له ما هي، ثم أتى منزله فركب نجيبا له وأركبه نجيبا آخر ، وأخذ معه ما يصلحه، وسارا لا يشك السهمي في أنه يريد سفر يوم أو يومين، فما زال يحفد حتى لحق بالرفقة، ثم سار بسيرهم يحادقث المرأة طول طريقه ويسايرها وينزل عندها إذا نزلت حتى ورد العراق. فأقام أياما، ثم راسلها يتنجزها وعدها، فأعلمته أنها كانت متزوجة ابن عم لها وولدت منه أولادها ثم مات وأوصى بهم وبماله إليها ما لم تتزوج، وأنها تخاف فرقة أولادها وزوال النعمة، وبعثت إليه بخمسة آلاف درهم واعتذرت، فردها عليها ورحل إلى مكة، وقال في ذلك قصيدته التي أولها: صوت


نام صحبي ولم أنـم - من خيال بنـا ألـم
طاف بالركب موهنا - بين خاخ إلى إضـم
ثم نبهت صـاحـبـا - طيب الخيم والشـيم
أريحيا مـسـاعـدا - غير نكس ولا بـرم
قلت يا عمرو شفني - لاعج الحب والألـم
ايت هندا فقل لـهـا - ليلة الخيف ذي السلم



الغناء لمالك خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس. وفيه لعبد الله بن العباس الربيعي خفيف رمل من رواية عمرو بن بانة، وذكر حبش أن لحن عبد الله بن العباس رمل آخر عن الهشامي.
عود إلى شهادة جرير في شعر عمر
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا الحسين بن إسماعيل عن ابن عائشة عن أبيه قال: كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: شعر تهامي إذا أنجد وجد البرد، حتى أنشد قوله:
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت - فيضحى وأما بالعشي فيخـصـر ... الأبيات.


فقال: مازال هذا يهذي حتى قال الشعر.
حنين عمر إلى ذكر الغزل
بعد أن كبرت سنه
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي عن عثمان بن إبراهيم الخاطبي، وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن محمد بن أبان قال أخبرني العتبي عن أبي زيد الزبيري عن عثمان بن إبراهيم الخاطبي قال: أتيت عمر بن أبي ربيعة بعد أن نسك بسنين وهو في مجلس قومه من بني مخزوم، فانتظرت حتى تفرق القوم، ثم دنوت منه ومعي صاحب لي ظريف وكان قد قال لي: تعال حتى نهيجه على ذكر الغزل، فننظر هل بقي في نفسه منه شيء. فقال له صاحبي: يا أبا الخطاب، أكرمك الله لقد أحسن العذري وأجاد فيما قال. فنظر عمر إليه ثم قال له: وماذا قال? قال: حيث يقول:
لو جد بالسيف رأسي في مودتها - لمر يهوي سريعا نحوها راسي

صفحة : 49

قال: فارتاح عمر إلى قوله وقال: هاه لقد أجاد وأحسن فقلت: ولله در جنادة العذري فقال عمر حيث يقول ماذا ويحك? فقلت: حيث يقول:
سرت لعينك سلمى بعد مغفاهـا - فبت مستنبها من بعد مسـراهـا
وقلت أهلا وسهلا من هداك لنـا - إن كنت تمثالها أو كنـت إياهـا
من حبها أتمنـى أن يلاقـينـي - من نحو بلدتها ناع فينـعـاهـا
كيما أقول فراق لا لـقـاء لـه - وتضمر النفس يأسا ثم تسلاهـا
ولو تموت لراعتني وقـلـت ألا - يا بؤس للموت ليت الموت أبقاها

قال: فصحك عمر ثم قال: وأبيك لقد أحسن وأجاد وما أبقى ولقد هيجتما علي ساكنا، وذكرتماني ما كان عني غائبا، ولأحدثنكما حديثا حلوا: قصته مع هند بنت الحارث المرية
بينا أنا منذ أعوام جالس، إذ أتاني خالد الخريت، فقال لي: يا أبا الخطاب، مرت بي أربع نسوة قبيل العشاء يردن موضع كذا وكذا لم أر مثلهن في بدو ولا حضر، فيهن هند بنت الحارث المرية، فهل لك أن تأتيهن متنكرا فتسمع من حديثهن وتتمتع بالنظر إليهن ولا يعلمن من أنت? فقلت له: ويحك وكيف لي أن أخفي نفسي? قال: تلبس لبسة أعرابي ثم تجلس على قعود ثم ائتهن فسلم عليهن ، فلا يشعرن إلا بك قد هجمت عليهن. ففعلت ما قال، وجلست على قعود، ثم أتيتهن فسلمت عليهن ثم وقفت بقربهن. فسألنني أن أنشدهن وأحدثهن، فأنشدتهن لكثير وجميل والأحوص ونصيب وغيرهم. فقلن لي: ويحك يا أعرابي ما أملحك وأظرفك لو نزلت فتحدثت معنا يومنا هذا فإذا أمسيت انصرفت في حفظ الله. قال: فأنخت بعيري ثم تحدثت معهن وأنشدتهن، فسررن بي وجذلن بقربي وأعجبهن حديثي. قال: ثم أنهن تغامزن وجعل بعضهن يقول لبعض: كأنا نعرف هذا الأعرابي ما أشبهه بعمر بن أبي ربيعة فقالت إحداهن: فهو والله عمر فمدت هند يدها فانتزعت عمامتي فألقتها عن رأسي ثم قالت لي: هيه يا عمر أتراك خدعتنا منذ اليوم بل نحن والله خدعناك واحتلنا عليك بخالد، فأرسلناه إليك لتأتينا في أسوأ هيئة ونحن كما ترى. قال عمر: ثم أخذنا في الحديث، فقالت هند: ويحك يا عمر اسمع مني، لو رأيتني منذ أيام وأصبحت عند أهلي، فأدخلت رأسي في جيبي، فنظرت إلى حري فإذا هو ملء الكف ومنية المتمني، فناديت يا عمراه يا عمراه قال عمر: فصحت يا لبيكاه يا لبيكاه ثلاثا ومددت في الثالثة صوتي، فضحكت. وحادثتهن ساعة، ثم ودعتهن وانصرفت.
فذلك قولي: صوت

عرفت مصيف الحي والمتـربـعـا - ببطن حلـيات دوارس بـلـقـعـا
إلى السفح من وادي المغمس بدلـت - معالمه وبلا ونكـبـاء زعـزعـا
لهند وأتراب لـهـنـد إذ الـهـوى - جميع وإذ لم نخش أن يتـصـدعـا
وإذ نحن مثل الماء كـان مـزاجـه - كما صفق الساقي الرحيق المشعشعا
وإذا لا نطيع الكاشحـين ولا نـرى - لواش لدينا يطلب الصرم موضعـا


الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي ومن نسخة عمرو الثانية. وفيه لابن جامع وابن عباد لحنان من كتاب إبراهيم. وفيها يقول - وفيه غناء -: صوت

فلما تواقفنا وسلمت أشرقـت - وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما رأينـنـي - وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا
وقربن أسباب الهوى لمـتـيم - يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا


الغناء لابن عباد رمل عن الهشامي. وفيه لابن جامع لحن من كتاب إبراهيم غير مجنس. هذه الأبيات مقرونة بالأولى، والصنعة في جميعها مختلفة، يغني المغنون بعض هذه وبعض تلك ويخلطونها، والصنعة لمن قدمت ذكره . وهي قصيدة طويلة، ذكرت منها ما فيه صنعة.
ومما قاله في هند هذه وغني فيه قوله: صوت

ألم تسأل الأطلال والمنزل الخلق - ببرقة ذي ضال فيخبر إن نطق?
ذكرت به هندا فظلت كـأنـنـي - أخو نشوة لاقى الحوانيت فاغتبق


الغناء لعطرد ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لمعبد ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي. وذكر حبش أن فيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى. ومنها: صوت


صفحة : 50


أسبح القلب مهيضـا - راجع الحب الغريضا
وأجد الشوق وهـنـا - أن رأى برقا وميضا
ثم بات الركـب نـوا - ما ولم أطعم غموضا
ذاك من هند قـديمـا - تركها القلب مهيضا
وتـبـدت ثـم أبـدت - واضح اللون نحيضا
وعذاب الطعم غـرا - كأقاحي الرمل بيضا

الغناء لابن محرز خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر. وفيه لحكم هزج بالوسطى عن عمرو، وقيل: إنه يمان. ومن الناس من ينسب لحن ابن محرز إلى ابن مسجح. ومنها: صوت

أربـت إلـى هـــنـــد وتـــربـــين مـــرة - لهـا إذ تـواقـفـنـا بـفـرع الـمـــقـــطـــع
لـتـعـــريج يوم أو لـــتـــعـــريس لـــيلة - علـينـا بـجـمـع الـشـمـل قـبـل الـتـصـــدع
فقـلـن لـهـا لـولا ارتــقـــاب صـــحـــابة - لنـا خـلـفـنـا عـجـنـا ولـــم نـــتـــورع
وقـالـت فـتـاة كـنـت أحــســـب أنـــهـــا - مغـــفـــلة فـــي مـــئزر لـــم تـــدرع
لهن وما شاورنها ليس ما أرى-بحسن جزاء للحبيب المودع
فقلن لها لا شب قرنك فافتحي - لنـا بـاب مـا يخـفـى مـن الأمـر نـســـمـــع


وهي أبيات. الغناء للغريض ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق، وذكر ابن المكي أنه لابن سريج. ومنها: صوت

لما ألمت بأصحابي وقد هجعـوا - حسبت وسط رحال القوم عطارا
فقلت من ذا المحيى وانتبهت لـه - ومن محدثنا هـذا الـذي زارا?
ألا انزلوا نعمت دار بقـربـكـم - أهلا وسهلا بكم من زائر زارا
فبدل الربع ممن كان يسـكـنـه - عفر الظباء به يمشين أسطـارا



الغناء لابن سريج رمل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه ليونس خفيف ثقيل. وفيه لأبي فارة هزج بالبنصر. وأول هذه القصيدة التي فيها ذكر هند قوله:
يا صاحبي قفا نستخبـر الـدارا - أقوت وهاجت لنا بالنعف تذكارا
وقد أرى مرة سربا بها حسـنـا - مثل الجآذر لم يمسسن أبكـارا
فيهن هند وهند لا شبـيه لـهـا - فيمن أقام من الأحياء أو سـارا
تقول ليت أبا الخطاب وافقـنـا - كي نلهو اليوم أو ننشد أشعـارا
فلم يرعهن إلا العيس طـالـعة - بالقوم يحملن ركبانـا وأكـوارا
وفارس يحمل البازي فقلن لهـا - ها هم أولاء وما أكثرن إكثارا
لما وقفنا وعنـنـا ركـائبـنـا - بدلن بالعرف بعد الرجع إنكارا




ومنها: صوت

ألم تربع على الطـلـل - ومغنى الحي كالخلـل
لهند إن هـنـدا حـب - ها قد كان من شغلـي
فلما أن عرفـت الـدا - ر عجت لرسمها جملي
وقلت لصحبتي عوجـوا - فعاجوا هـزة الإبـل
وقالوا قف ولا تعجـل - وإن كنا على عـجـل
قليل في هـواك الـيو - م ما نلقى من العمـل




الغناء لابن سريج ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق، وفيه له أيضا رمل عن الهشامي وحبش. ومنها: صوت

هاج ذا القلب منزل - بالبلـيين مـحـول
غيرت آيه الصـبـا - وجنوب وشـمـال
إن هندا قد أرسلـت - وأخو الشوق مرسل
أرسلت تستحثـنـي - وتفـدي وتـعـذل
أينـا بـات لـيلـه - بين غصنين يوبـل
تحت عين، يكنـنـا - برد عصب مهلهل


في هذه الأبيات خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر، ذكر إسحاق أنه لمالك، وذكر عمرو أنه لابن محرز.
وذكر يونس أن فيها لحنا لابن محرز ولحنا لمالك. وقال عمرو في نسخته الثانية: إنه لابن زرزر الطائفي خفيف ثقيل بالوسطى، وروت مثل ذالك دنانير عن فليح. وفيها لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيها لعبد الله بن موسى الهادي ثاني ثقيل من مجموعة ورواية الهشامي وفيه لحكم هزج بالخنصر والبنصر عن ابن المكي. وفيه للحجبي رمل عن الهشامي وفيه ثقيل أول نسبه ابن المكي إلى ابن محرز، وذكر الهشامي أنه منحول. وفيه خفيف رمل ذكر الهشامي أنه لحن ابن محرز. ومنها:

صفحة : 51

صوت

يا صاح هل تدري وقد جمدت - عيني بما ألقى من الـوجـد
لمـا رأيت ديارهـا درسـت - وتبدلت أعلامهـا بـعـدي
وذكرت مجلسها ومجلسـنـا - ذات العشاء بمهبط النـجـد
ورسالة منها تـعـاتـبـنـي - فرددت معتبة علـى هـنـد



الغناء ليحيى المكي رمل بالوسطى. وفيه لغيره ألحان أخر. ومنها: صوت

ليت هندا أنجزتنا ما تعد - وشفت أنفسنا مما تجـد
واستبدت مـرة واحـدة - إنما العاجز من لا يستبد
ولقد قالت لجارات لهـا - ذات يوم وتعرت تبترد



- ويروى:
زعموها سألت جاراتـهـا
أكما ينعتني تبصـرنـنـي - عمركن الله أم لا يقتـصـد
فتضاحكن وقد قلـن لـهـا - حسن في كل عين من تود
حسدا حملنه من أجـلـهـا - وقديما كان في الناس الحسد



الغناء لابن سريج رمل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لحن لمالك من كتاب يونس غير مجنس. وفيه لابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن عمرو، وذكره إسحاق في خفيف الثقيل بالخنصر في مجرى البنصر ولم ينسبه إلى أحد. وفيه ثاني ثقيل يقال إنه لحن لمالك، ويقال إنه لمتيم. ومنها: صوت

هاج القريض الذكر - لما غدوا فانشمروا
على بغال شـحـج - قد ضمهن السفـر
فيهن هند ليتـنـي - ما عمرت أعمـر
حتى إذا ما جاءهـا - حتف أتاني القـدر




لابن سريج فيه لحنان: رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق، وخفيف رمل عن الهشامي. ومنها: صوت

يا من لقـلـب دنـف مـغـرم - هام إلى هـنـد ولـم يظـلـم
هام إلى ريم هضيم الـحـشـى - عذب الثنايا طيب الـمـبـسـم
لم أحسب الشمس بـلـيل بـدت - قبلي لـذي لـحـم ولا ذي دم
قالـت ألا إنــك ذو مـــلة - يصرفك الأدنـى عـن الأقـدم
قلت لها بـل أنـت مـعـتـلة - في الوصل يا هند لكي تصرمي



الغناء لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لبديح لحن قديم. وقيل: إن فيه رملا آخر لعمارة مولاة عبد الله بن جعفر. ومنها: صوت

تصابى وما بعض التصابي بطائل - وعاود من هند جوى غـير زائل
عشية قالت صدعت غربة النوى - فما من تلاق قد أرى دون قابـل
وما أنس م الأشياء لا أنس مجلسا - لنا مرة منها بقرن الـمـنـازل
بنخلة بين النخلـتـين يكـنـنـا - من العين عند العين برد المراجل




الغناء للغريض ثقيل أول بالبنصر عن عمرو. وفيه للعماني خفيف ثقيل عن دنانير والهشامي. ومنها: صوت

لج قلبي في التصابي - وازدهى عني شبابي
ودعاني لهوى هـن - د فؤاد غير نـابـي
قلت لما فاضت العي - نان دمعا ذا انسكاب
إن جفتني اليوم هنـد - بعد ود واقـتـراب
فسبيل النـاس طـرا - لفـنـاء وذهــاب


الغناء لأهل مكة رمل بالوسطى.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 07:12 PM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي



قصته مع فاطمة بنت عبد الملك
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو علي الأسدي - وهو بشر ابن موسى بن صالح - قال حدثني أبي موسى بن صالح عن أبي بكر القرشي قال:

صفحة : 52

كان عمر بن أبي ربيعة جالسا بمنى في فناء مضربه وغلمانه حوله، إذ أقبلت امرأة برزة عليها أثر النعمة فسلمت، فرد عليها عمر السلام، فقالت له: أنت عمر بن أبي ربيعة? فقال لها: أنا هو، فما حاجتك? قالت له: حياك الله وقربك هل لك في محادثة أحسن الناس وجها، وأتمهم خلقا، وأكملهم أدبا، وأشرفهم حسبا? قال: ما أحب إلي ذلك قالت: على شرط. قال: قولي. قالت: تمكنني من عينيك حتى أشدهما وأقودك، حتى إذا توسطت الموضع الذي أريد حللت الشد، ثم أفعل ذلك بك عند إخراجك حتى أنتهي بك إلى مضربك. قال: شأنك، ففعلت ذلك به. قال عمر: فلما انتهت بي إلى المضرب الذي أرادت كشفت عن وجهي، فإذا أنا بامرأة على كرسي لم أر مثلها قط جمالا وكمالا، فسلمت وجلست. فقالت: أأنت عمر بن أبي ربيعة? قلت: أنا عمر. قالت: أنت الفاضح للحرائر? قلت: وما ذاك جعلني الله فداءك? قالت: ألست القائل: صوت

قالت وعيش أخي ونعمة والـدي - لأنبهن الحي إن لـم تـخـرج
فخرجت خوف يمينها فتبسمـت - فعلمت أن يمينها لـم تـحـرج
فتناولت رأسي لتعرف مـسـه - بمخضب الأطراف غير مشنـج
فلثمت فاها آخذا بـقـرونـهـا - شرب النزيف ببرد ماء الحشرج


- الغناء لمعبد ثقيل أول بالبنصر عن يونس وعمرو -.
ثم قالت: قم فاخرج عني، ثم قامت من مجلسها. وجاءت المرأة فشدت عيني، ثم أخرجتني حتى انتهت بي إلى مضربي، وانصرفت وتركتني. فحللت عيني وقد دخلني من الكآبة والحزن ما الله به أعلم. وبت ليلتي، فلما أصبحت إذا أنا بها، فقالت: هل لك في العود? فقلت: شأنك، ففعلت بي مثل فعلها بالأمس، حتى انتهت بي إلى الموضع. فلما دخلت إذا بتلك الفتاة على كرسي. فقالت: إيه يا فضاح الحرائر قلت: بماذا جعلني الله فداءك? قالت: بقولك: صوت

وناهدة الثديين قلت لهـا اتـكـي - على الرمل من جبانة لم توسـد
فقالت على اسم الله أمرك طاعة - وإن كنت قد كلفت ما لم أعـود
فلما دنا الإصباح قالت فضحتنـي - فقم غير مطرود



وإن شئت فازدد - الغناء لأهل مكة ثقيل أول عن الهشامي - ثم قالت قم فاخرج عني، فقمت فخرجت ثم رددت. فقالت لي: لولا وشك الرحيل، وخوف الفوت، ومحبتي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك، لأقصيتك، هات الآن كلمني وحدثني وأنشدني.
فكلمت آدب الناس وأعلمهم بكل شيء. ثم نهضت وأبطأت العجوز وخلا لي البيت، فأخذت أنظر، فإذا أنا بتور فيه خلوق، فأدخلت يدي فيه ثم خبأتها في ردني. وجاءت تلك العجوز فشدت عيني ونهضت بي تقودني، حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدي فضربت بها على المضرب، ثم صرت إلى مضربي، فدعوت غلماني فقلت: أيكم يقفني على باب مضرب عليه خلوق كأنه أثر كف فهو حر وله خمسمائة درهم.
فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال: قم. فنهضت معه، فإذا أنا بالكف طرية، وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان. فأخذت في أهبة الرحيل، فلما نفرت نفرت معها، فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة، فسألت عن ذلك، فقيل لها: هذا عمر بن أبي ربيعة، فساءها أمره وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إليه: قولي له نشدتك الله والرحم أن تصحبني، ويحك ما شأنك وما الذي تريد? انصرف ولا تفضحني وتشيط بدمك. فسارت العجوز فأدت إليه ما قالت لها فاطمة. فقال: لست بمنصرف أو توجه إلي بقميصها الذي يلي جلدها، فأخبرتها ففعلت وجهت إليه بقميص من ثيابها، فزاده ذلك شغفا. ولم يزل يتبعهم لا يخالطهم، حتى إذا صاروا على أميال من دمشق انصرف وقال في ذلك:
ضاق الغداة بحاجتي صدري - ويئست بعد تقارب الأمـر
وذكرت فاطمة التي علقتها - عرضا فيا لحوادث الدهـر

وفي هذه القصيدة مما يغنى فيه قوله: صوت

ممكورة ردع العبير بهـا - جم العظام لطيفة الخصر
وكأن فاها عند رقدتـهـا - تجري عليه سلافة الخمر

الغناء لإبراهيم بن المهدي ثاني ثقيل من جامعه. وفيه لمتيم رمل من جامعها أيضا. وتمام الأبيات وليست فيه صنعة:
فسبت فؤادي إذ عرضت لها - يوم الرحيل بساحة القصـر

صفحة : 53


بمزين ودع الـعـبـير بـه - حسن الترائب وضح النحـر
وبـجـيد آدم شـادن خـرق - يرعى الرياض ببلدة قـفـر
لما رأيت مطـيهـا حـزقـا - خفق الفؤاد وكنت ذا صبـر
وتبادرت عينـاي بـعـدهـم - وانهل دمعهما على الصـدر
ولقد عصيت ذوي القرابة فيكم - طرا وأهل الود والصـهـر
حتى لقد قالوا ومـا كـذبـوا - أجننت أم بك داخل السحـر


خوفه من التصريح باسمها أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني إسحاق عن محمد بن أبان قال حدثني الوليد بن هشام القحذمي عن أبي معاذ القرشي قال: لما قدمت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان مكة جعل عمر بن أبي ربيعة يدورحولها ويقول فيها الشعر ولا يذكر باسمها فرقا من عبد الملك بن مروان ومن الحجاج، لأنه كان كتب إليه يتوعده إن ذكرها أو عرض باسمها. فلما قضت حجها وارتحلت أنشأ يقول: صوت

كدت يوم الرحيل أقضي حياتي - ليتني مت قبل يوم الـرحـيل
لا أطيق الكلام من شدة الخـو - ف ودمعي يسيل كل مسـيل
ذرفت عينها وفاضت دموعي - وكلانا يلقى بـلـب أصـيل
لو خلت خلتي أصبـت نـوالا - أو حديثا يشفي من التـنـويل
ولظل الخلخال فوق الحشـايا - مثل أثناء حـية مـقـتـول
فلقد قالت الـحـبـيبة لـولا - كثرة الناس جدت بالتقـبـيل


غنى فيه ابن محرز ولحنه ثقيل أول من أصوات قليلة الأشباه عن إسحاق وفيه لعبادل خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو، ويقال إنه للهذلي. وفيه لعبيد الله بن أبي غسان ثاني ثقيل عن الهشامي.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني أبو علي الحسن بن الصباح عن محمد بن حبيب أنه أخبره: أن عمر بن أبي ربيعة قال في فاطمة بنت عبد الملك بن مروان: صوت

يا خليلي شفنـي الـذكـر - وحمول الحي إذ صـدروا
ضربوا حمر القباب لـهـا - وأديرت حولها الحـجـر
سلكا شعب النقـاب بـهـا - زمرا تحتـثـهـا زمـر
وطرقت الحي مكتـتـمـا - ومعي عضب بـه أثـر
وأخ لم أخـش نـبـوتـه - بنواحي أمرهـم خـبـر
فإذا ريم عـلـى فــرش - في حجال الخز مختـدر
حوله الأحراس تـرقـبـه - نوم من طول ما سهـروا
شبه القتلى وما قـتـلـوا - ذاك إلا أنهـم سـمـروا
فدعت بالويل، ثـم دعـت - حرة من شأنها الخـفـر
ثم قالت للتـي مـعـهـا - ويح نفسي قد أتى عمـر
ماله قد جـاء يطـرقـنـا - ويرى الأعداء قد حضروا
لشقائي كـان عـلـقـنـا - ولحيني ساقـه الـقـدر
قلت عرضي دون عرضكم - ولمن ناواكم الـحـجـر



هذا البيت الأخير مما فيه غناء مع:
وطرقت الحي مكتتما للغريض وفي:
يا خليلي شفني الذكر وفي:
قلت عرضي دون عرضكم وفي:
ثم قالت للتي معها وفي:
ماله قد جاء يطرقنا ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو وفي:
ضربوا حمر القباب لها وما بعده أربعة متوالية رمل بالوسطى للهذلي وفي: وطرقت وبعده: فإذا ريم وبعده: حوله الأحراس والبيتين اللذين بعده لابن سريج خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيها بعينها ثقيل أول يقال إنه للأبجر، وينسب إلى غيره عن الهشامي.
عمر وعائشة بنت طلحة
وما قاله فيها من الشعر
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني عبد الملك بن عبد العزيز عن رجل من قريش قال: بينا عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت، إذ رأى عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، وكانت من أجمل أهل دهرها، وهي تريد الركن تستلمه، فبهت لما رآها ورأته، وعلمت أنها قد وقعت في نفسه، فبعثت إليه بجارية لها وقالت: قولي له اتق الله ولا تقل هجرا، فإن هذا مقام لابد فيه مما رأيت. فقال للجارية: أقرئيها السلام وقولي لها: ابن عمك لا يقول إلا خيرا. وقال فيها: صوت


صفحة : 54


لعـائشة ابـنة الـتــيمـــي عـــنـــدي - حمى فـي الـقـلـب مـا يرعـى حـمـاهـا
يذكـرنـي ابـنة الـتـيمـــي ظـــبـــي - يرود بـروضة ســـهـــل ربـــاهـــا
فقلت له وكاد يراع قلبي- فلم أر قط كاليوم اشتباها
سوى حمش بساقك مستبين - وأن شـواك لـم يشــبـــه شـــواهـــا
وأنـك عـاطـــل عـــار ولـــيســـت - بعـــارية ولا عـــطـــل يداهـــــا
وأنـك غـير أفـرغ وهـــي تـــدلـــي - علـى الـمـتـنـين أسـحـم قـد كـسـاهــا
ولـو قـعـدت ولـم تـكـــلـــف بـــود - سوى مـا قـد كـلـفـت بـه كـفــاهـــا
أظـل إذا أكـلــمـــهـــا كـــأنـــي - أكـلـم حـية غـلــبـــت رقـــاهـــا
تبـيت إلـي بـعـد الـنــوم تـــســـري - وقـد أمـسـيت لا أخـشـى ســـراهـــا


الغناء في البيتين الأولين من هذه الأبيات لأبي فارة ثقيل أول. وفيهما لعبد الله بن العباس الربيعي خفيف ثقيل جميعا عن الهشامي. وذكر إسحاق أن هذا الصوت مما ينسب إلى معبد، وهو يشبه غناءه إلا أنه لم يروه عن ثبت ولم يذكر طريقته. قال: وقال فيها أشعارا كثيرة، فبلغ ذلك فتيان بني تيم، أبلغهم إياه فتى منهم وقال لهم: يا بني تيم بن مرة، هالله ليقذفن بنو مخزوم بناتنا بالعظائم وتغفلون فمشى ولد أبي بكر وولد طلحة بن عبيد الله إلى عمر بن أبي ربيعة فأعلموه بذلك وأخبروه بما بلغهم. فقال لهم: والله لا أذكرها في شعر أبدا. ثم قال بعد ذلك فيها - وكنى عن اسمها - قصيدته التي أولها: صوت

يا أم طلحة إن البـين قـد أفـدا - قل الثواء لئن كان الرحيل غـدا
أمسى العراقي لا يدري إذا برزت - من ذا تطوف بالأركان أو سجدا


- الغناء لمعبد ثقيل أول بالبنصر عن عمرو ويونس - قال ولم يزل عمر ينسب بعائشة أيام الحج ويطوف حولها ويتعرض لها وهي تكره أن يرى وجهها، حتى وافقها وهي ترمي الجمار سافرة، فنظر إليها فقالت: أما والله لقد كنت لهذا منك كارهة يا فاسق فقال: صوت

إني وأول ما كلفـت بـذكـرهـا - عجب وهل في الحب من متعجب
نعت النساء فقلت لست بمبـصـر - شبها لهـا أبـدا ولا بـمـقـرب
فمكثن حينا ثم قلـن تـوجـهـت - للحج، موعدها لقـاء الأخـشـب
أقبلت أنظر ما زعمن وقلـن لـي - والقلب بين مصـدق ومـكـذب
فلقيتها تمشي تهـادى مـوهـنـا - ترمي الجمار عشية في موكـب
غراء يعشي الناظرين بياضـهـا - حوراء في غلواء عيش معجـب
إن التي من أرضها وسـمـائهـا - جلبت لحينك ليتها لـم تـجـلـب


الغناء لمعبد في الأول والثاني والرابع والسابع ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وفيها للغريض خفيف ثقيل عن الهشامي، يبدأ فيه بالثالث.
أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق قال أخبرني مصعب الزبيري: أن عمر بن أبي ربيعة لقي عائشة بنت طلحة بمكة وهي تسير على بغلة لها، فقال لها: قفي حتى أسمعك ما قلت فيك. قالت: أو قد قلت يا فاسق? قال: نعم فوقفت فأنشدها: صوت

يا ربة البغلة الشهباء هل لك في - أن تنشري ميتا لا ترهقي حرجا

ويروى: هل لكم في عاشق دنف
قالت بدائك مت أو عش تعالجـه - فما نرى لك فيما عندنا فرجـا
قد كنت حملتنا غيظا نعالـجـه - فإن تقدنا فقد عنيتنا حـجـجـا
حتى لو اسطيع مما قد فعلت بنا - أكلت لحمك من غيظ وما نضجا

الغناء لابن سريح ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لابن سريج ثلاثة ألحان ذكرها إسحاق ولم يجنس منها إلا واحدا، وذكر الهشامي أن أحدها خفيف رمل بالوسطى، وذكر عمرو أن الثالث هزج بالوسطى . ولإسحاق فيها هزج من مجموع صنعته فقالت: لا ورب هذه البنية ما عنيتنا طرفة عين قط. ثم قالت لبغلتها: عدس، وسارت. وتمام هذه الأبيات:
فقلت لا والذي حج الحجـيج لـه - ما مح حبك من قلبي ولا نهجـا
ولا أرى القلب من شيء يسر به - مذ بان منزلكم منا ولا ثـلـجـا
ضنت بنائلها عنه فقـد تـركـت - في غير ذنب أبا الخطاب مختلجا


قال: فلم تزل عائشة تداريه وترفق به خوفا من أن يتعرض لها حتى قضت حجها وانصرفت إلى المدينة. فقال في ذلك:

صفحة : 55


إن من تهوى مع الفجر ظعن - للهوى والقلب متباع الوطن
بانت الشمس وكانت كلـمـا - ذكرت للقلب عاودت الددن

صوت

يا أبا الحارث قلبي طـائر - فأتمر أمر رشيد مؤتمـن
نظرت عيني إليها نظـرة - تركت قلبي لديها مرتهـن
ليس حب فوق ما أحببتهـا - غير أن أقتل نفسي أو أجن

فيها ثاني ثقيل بالوسطى نسبه عمرو بن بانة إلى ابن سريج، ونسبه ابن المكي إلى الغريض. وفيها رمل لأهل مكة.
ومما يغني فيه من أشعاره في عائشة بنت طلحة قوله في قصيدته التي أولها: صوت

من لقلب أمسى رهينا مـعـنـى - مستكينا قد شـفـه مـا أجـنـا
إثر شخص نفسي فدت ذاك شخصا - نازح الدار بـالـمـدينة عـنـا
ليت حظي كطرفة العين منـهـا - وكثير منها القلـيل الـمـهـنـا


الغناء لإبراهيم خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق.
عمر وكلثم بنت سعد المخزومية
أخبرني الحسن بن علي الخفاف ومحمد بن خلف قالا حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثني محمد بن عبد الرحمن التيمي عن هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد المخزومي قال: كان عمر بن أبي ربيعة يهوى كلثم بنت سعد المخزومية، فأرسل إليها رسولا فضربتها وحلقتها وأحلفتها ألا تعاود، ثم أعادها ثانية ففعلت بها مثل ذلك، فتحاماها رسله. فابتاع أمة سوداء لطيفة رقيقة وأتى بها منزله، فأحسن إليها وكساها وآنسها وعرفها خبره وقال لها: إن أوصلت لي رقعة إلى كلثم فقرأتها فأنت حرة ولك معيشتك ما بقيت. فقالت اكتب لي مكاتبة واكتب حاجتك في آخرها، ففعل ذلك. فأخذتها ومضت بها إلى باب كلثم فاستأذنت، فخرجت إليها أمة لها فسألتها عن أمرها؛ فقالت: مكاتبة لبعض أهل مولاتك جئت أستعينها في مكاتبتي، وحادثتها وناشدتها حتى ملأت قلبها؛ فدخلت إلى كلثم وقالت: إن بالباب مكاتبة لم أر قط أجمل منها ولا أكمل ولا آدب. فقالت: ائذني لها، فدخلت. فقالت: من كاتبك. قالت: عمر بن أبي ربيعة الفاسق فاقرئي مكاتبتي. فمدت يدها لتأخذها. فقالت لها: لي عليك عهد الله أن تقرئيها؛ فإن كان منك إلي شيء مما أحبه وإلا لم يلحقني منك مكروه؛ فعاهدتها وفطنت. وأعطتها الكتاب، فإذا أوله:
من عاشق صب يسر الهوى - قد شفه الوجد إلى كلـثـم
رأتك عيني فدعاني الهـوى - إليك للحين ولـم أعـلـم
قتلتنـا، يا حـبـذا أنـتـم، - في غير ما جرم ولا مأثـم
والله قد أنزل فـي وحـيه - مبينا في آيه المـحـكـم
من يقتل النفس كذا ظالمـا - ولم يقدها نفسـه يظـلـم
وأنت ثأري فتلافـى دمـي - ثم اجعليه نعمة تنعـمـي
وحكمي عدلا يكن بـينـنـا - أو أنت فيما بيننا فاحكمـي
وجالسيني مجلسـا واحـدا - من غير ما عار ولا محرم
وخبريني ما الذي عنـدكـم - بالله في قتل امرىء مسلم



قال: فلما قرأت الشعر قالت لها: إنه خداع ملق، وليس لما شكاه أصل. قالت: يا مولاتي فما عليك من امتحانه? قالت: قد أذنت له، وما زال حتى ظفر ببغيته؛ فقولي له: إذا كان المساء فليجلس في موضع كذا وكذا حتى يأتيه رسولي. فانصرفت الجارية فأخبرته؛ فتأهب لها. فلما جاءه رسولها مضى معه حتى دخل إليها وقد تهيأت أجمل هيئة، وزينت نفسها ومجلسها وجلست له من وراء ستر، فسلم وجلس. فتركته حتى سكن، ثم قالت له: أخبرني عنك يا فاسق ألست القائل:
هلا استحيت فترحمي صبا - صديان لم تدعي له قلبـا
جشم الزيارة في مودتكـم - وأراد ألا ترهقي ذنـبـا
ورجا مصالحة فكان لكـم - سلما وكنت ترينه حربـا
يا أيها المعطي مـودتـه - من لا يراك مساميا خطبا
لا تجعلن أحدا عـلـيك إذا - أحببتـه وهـويتـه ربـا
وصل الحبيب إذا شغفت به - واطو الزيارة دونه غبـا
فلذاك أحسن من مواظـبة - ليست تزيدك عنده قربـا
لا بل يملك عند دعـوتـه - فيقول هاه وطالما لـبـى



صفحة : 56

فقال لها: جعلت فداك إن القلب إذا هوي نطق اللسان بما يهوى. فمكث عندها شهرا لا يدري أهله أين هو. ثم استأذنها في الخروج. فقالت له: بعد أن فضحتني لا والله لا تخرج إلا بعد أن تتزوجني. ففعل وتزوجها؛ فولدت منه ابنين أحدهما جوان؛ وماتت عنده.
عمر ولبابة بنت عبد الله بن العباس
امرأة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الجبار بن سعيد قال حدثني إبراهيم بن يعقوب بن أبي عبد الله عن أبيه عن جده.
أن عمر رأى لبابة بنت عبد الله بن العباس امرأة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان تطوف بالبيت، فرأى أحسن خلق الله، فكاد عقله يذهب، فسأل عنها فأخبر بنسبها؛ فنسب بها وقال فيها: صوت

ودع لبابة قبل أن تـتـرحـلا - واسأل فإن قلاله أن تـسـألا
البث بعمرك ساعة وتـأنـهـا - فلعل ما بخلت بـه أن يبـذلا
قال ائتمر ما شئت غير مخالف - فيما هويت فإننا لن نعـجـلا
لسنا نبالي حين تقضي حـاجة - ما بات أو ظل المطي معقلا
حتى إذا ما الليل جن ظلامـه - ورقبت غفلة كاشح أن يمحلا
خرجت تأطر في الثياب كأنها - أيم يسيب على كثـيب أهـيلا
رحبت حين رأيتها فتبسـمـت - لتحيتي لما رأتني مـقـبـلا
وجلا القناع سحابة مشهـورة - غراء تعشي الطرف أن يتأملا
فلبثت أرقيها بما لـو عـاقـل - يرقى به ما اسطاع ألا ينـزلا


غنى في هذه الأبيات معبد خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق، ابتداؤه نشيد. وفيها لابن سريج ثقيل أول بالوسطى في مجراها عن إسحاق أيضا. وفيها لابن سريج في الأول والرابع من الأبيات رمل عن ابن المكي، ولأبي دلف القاسم بن عيسى في هذين البيتين خفيف ثقيل بالسبابة والبنصر، وابتداؤه نشيد من رواية ابن المكي. وفيه لمحمد بن الحسن بن مصعب هزج.
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: لما حج الغمر بن يزيد بن عبد الملك دخل إليه معبد فغناه:
ودع لبابة قبل أن تترحلا فلم يزل يردده عليه، ثم أخرجه معه لما رحل عن المدينة، فغناه في المنزل به حتى أراد الرحيل، فحمله على بغلة له وذهب غلام له يتبعه؛ فقال: إلى أين? فقال: أمضي معه حتى أجيء بالبغلة. فقال: هيهات ارجع يا بني، ذهبت والله لبابة ببغلة مولاك. وقد روي هذا الخبر لغير الغمر بن يزيد.
عمر والثريا
بنت عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر
وهذه الأبيات التي فيها الغناء المختار هو:
تشكى الكميت الجري لما جهدته يقولها عمر بن أبي ربيعة في الثريا بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر بن عبد شمس بن عبد مناف، وهم الذين يقال لهم العبلات؛ سموا بذلك لجدة لهم يقال لها عبلة بنت عبيد بن خالد بن خازل بن قيس بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهي من بطن من تميم يقال لهم البراجم، غير براجم بني أسد.
نسب الثريا بنت علي ابن عبد الله بن الحارث
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال: كانت عبلة بنت عبيد بن خالد بن خازل بن قيس بن حنظلة، عند رجل من بني جشم بن معاوية، فبعثها بأنحاء سمن تبيعها له بعكاظ، فباعت السمن وراحلتين كان عليهما، وشربت بثمنها الخمر. فلما نفذ ثمنها رهنت ابن أخيه وهربت، فطلقها. وقالت في شربها الخمر:
شربت براحلتي محجن - فيا ويلتي، محجن قاتلي
وبابن أخيه علـى لـذة - ولم أحتفل عذل العاذل


قال: فتزوجها عبد شمس بن عبد مناف؛ فولدت له أمية الأصغر وعبد أمية ونوفلا، وهم العبلات.
وقد ذكر الزبير بن بكار عن عمه: أن الثريا بنت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، وأنها أخت محمد بن عبد الله المعروف بأبي جراب العبلي الذي قتله داود بن علي؛ وهو الذي يقول فيه ابن زياد المكي:
ثلاث حوائج ولهن جئنـا - فقم فيهن يابن أبي جراب
فإنك ماجد في بيت مجـد - بقية معشر تحت التراب


قال: وله يقول ابن زياد المكي أيضا:

صفحة : 57


إذا مت لم توصل بعرف قرابة - ولم يبق في الدنيا رجاء لسائل


قال الزبير: وهذا أشبه من أن تكون بنت عبد الله بن الحارث، وعبد الله إنما أدرك سلطان معاوية وهو شيخ كبير، وورث بقعدده في النسب دار عبد شمس بن عبد مناف، وحج معاوية في خلافته، فجعل ينظر إلى الدار، فخرج إليه عبد الله بن الحارث بمحجن ليضربه به وقال: لا أشبع الله بطنك أما تكفيك الخلافة حتى تطلب هذه الدار فخرج معاوية يضحك.
قال مؤلف هذا الكتاب: وهذا غلط من الزبير عندي، والثريا أن تكون بنت عبد الله بن الحارث أشبه من أن تكون أخت الذي قتله داود بن علي؛ لأنها ربت الغريض المغني وعلمته النوح بالمراثي على من قتله يزيد بن معاوية من أهلها يوم الحرة. وإذا كانت قد ربت الغريض حتى كبر وتعلم النوح على قتلى الحرة وهو رجل - وهي وقعة كانت بعقب موت معاوية - فقد كانت في حياة معاوية امرأة كبيرة، وبين ذلك وبين من قتله داود بن علي من بني أمية نحو ثمانين سنة، وقد شبب بها عمر بن أبي ربيعة في حياة معاوية، وأنشد عبد الله بن عباس شعره فيها، فكيف تكون أخت الذي قتله داود بن علي وقد أدركت عبد الله بن عباس وهي امرأة كبيرة وقد اعترف الزبير أيضا في خبره بأن عبد الله بن الحارث أدرك خلافة معاوية وهو شيخ كبير؛ فقول من قال: إنها بنته، أصوب من قول من قرنها بمن قتله داود بن علي. وهذا القول الذي قلته قول ابن الكلبي وأبي اليقظان، أخبرني به الحسن بن علي عن أحمد بن الحارث عن المدائني عن أبي اليقظان، قال وحدثني به جماعة من أهل العلم بنسب قريش.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني مسلمة بن إبراهيم بن هشام المخزومي عن أيوب بن مسلمة، أنه أخبره أن عمر بن أبي ربيعة كان مسهبا بالثريا بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، وكانت عرضة ذلك جمالا وتماما، وكانت تصيف بالطائف، وكان عمر يغدو عليها كل غداة إذا كانت بالطائف على فرسه، فيسأل الركبان الذين يحملون الفاكهة من الطائف عن الأخبار قبلهم. فلقي يوما بعضهم فسأله عن أخبارهم؛ فقال: ما استطرفنا خبرا؛ إلا أنني سمعت عند رحيلنا صوتا وصياحا عاليا على امرأة من قريش اسمها اسم نجم في السماء وقد سقط عني اسمه. فقال عمر: الثريا? قال نعم. وقد كان بلغ عمر قبل ذلك أنها عليلة، فوجه فرسه على وجهه إلى الطائف يركضه ملء فروجه وسلك طريق كداء - وهي أخشن الطرق وأقربها - حتى انتهى إلى الثريا وقد توقعته وهي تتشوف له وتشرف، فوجدها سليمة عميمة ومعها أختاها رضيا وأم عثمان، فأخبرها الخبر؛ فضحكت وقالت: أنا والله أمرتهم لأختبر ما لي عندك. فقال عمر في ذلك هذا الشعر:
تشكى الكميت الجري لما جهدته - وبين لو يسطيع أن يتـكـلـمـا
فقلت له إن ألق للـعـين قـرة - فهان علي أن تكل وتـسـأمـا
لذلك أدني دون خيلي ربـاطـه - وأوصي به ألا يهان ويكـرمـا
عدمت إذا وفري وفارقت مهجتي - لئن لم أقل قرنا إن الله سلـمـا


قال مسلمة بن إبراهيم: قلت لأيوب بن مسلمة: أكانت الثريا كما يصف عمر بن أبي ربيعة? فقال: وفوق الصفة، كانت والله كما قال عبد الله بن قيس:
حبذا الحج والثريا ومـن بـال - خيف من أجلها وملقى الرحال
يا سليمان إن تـلاق الـثـريا - تلق عيش الخلود قبل الهـلال
درة عقائل الـبـحـر بـكـر - لم تشنها مـثـاقـب الـلأل
تعقد المئزر السخام مـن الـخ - ز على حقو بادن مكـسـال


عمر ورملة بنت عبد الله الخزاعية
قال إسحاق في خبره عمن أسند إليه أخبار عمر بن أبي ربيعة، وذكر مثله الزبير بن بكار فيما حدثنا عنه الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني مؤمن بن عمر بن أفلح مولى فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قال حدثني بلال مولى ابن أبي عتيق:

صفحة : 58

أن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قدم للحج، فأتاه ابن أبي عتيق فسلم عليه وأنا معه. فلما قضى سلامه ومساءلته عن حجه وسفره، قال له: كيف تركت أبا الخطاب عمر بن أبي ربيعة? قال: تركته في بلهنية من العيش. قال: وأنى ذلك? قال: حجت رملة بنت عبد الله بن خلف الخزاعية فقال فيها: صوت

أصبح القلب في الحبال رهينا - مقصدا يوم فارق الظاعنينـا
قلت من أنتم فصدت وقالـت - أمبد سؤالك العـالـمـينـا
نحن من ساكني العراق وكنا - قبله قاطنين مـكة حـينـا
قد صدقناك إذ سألت فمن أن - ت عسى أن يجر شأن شؤونا
ونرى أننا عرفناك بـالـنـع - ت بظن وما قتلنـا يقـينـا
بسواد الثـنـيتـين ونـعـت - قد نراه لناظر مستـبـينـا


- غنى معبد في البيتين الأولين خفيف ثقيل أول بالوسطى في مجراها عن إسحاق. وغنى في الثاني وما بعده ابن سريج خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عنه أيضا. وذكر حبش أن فيه للغريض أيضا لحنا من الثقيل الأول بالبنصر - قال: فبلغ ذلك الثريا، بلغتها إياه أم نوفل، وكانت غضبى عليه، وقد كان انتشر خبره عن الثريا حتى بلغها من جهة أم نوفل وأنشدتها قوله:
أصبح القلب في الحبال رهينا - مقصدا يوم فارق الظاعنينـا

فقالت: إنه لوقاح صنع بلسانه، ولئن سلمت له لأردن من شأوه، ولأثنين من عنانه، ولأعرفنه نفسه. فلما بلغت إلى قوله:
قلت من أنتم فصدت وقالت - أمبد سؤالك العالـمـينـا

فقالت: إنه لسأل ملح، قبحا له ولقد أجابته إن وفت. فلما بلغت إلى قوله:
نحن من ساكني العراق وكنا - قبله قاطنين مـكة حـينـا

قالت: غمزته الجهمة. فلما بلغت إلى قوله:
قد صدقناك إذ سألت فمن أن - ت عسى أن يجر شأن شؤونا

قالت: رمته الورهاء بآخر ما عندها في مقام واحد. وهجرت عمر.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب: أن رملة بنت عبد الله بن خلف حجت، فتعرض لها عمر بن أبي ربيعة فقال فيها:
أصبح القلب في الحبال رهينا - مقصدا يوم فارق الظاعنينـا

وقال في هذه القصيدة:
فرأت حرصي الفتاة فقالـت - خبريه، من أجل من تكتمينا?
نحن من ساكني العراق وكنا - قبله قاطنين مـكة حـينـا
قد صدقناك إذ سالت فمن أن - ت عسى أن يجر شأن شؤونا

قال الزبير: ورملة هذه أم طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وهي أخت طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلف الخزاعي.
قال: فبلغت هذه الأبيات كثيرا، فغضب لذلك وقال: وأنا والله لا أتمارى أن سيجر شأن شؤونا. ثم ذكر نسوة من قريش فساقهن في شعره من الحج حتى بلغ بهن إلى ملل، ثم أشفق فجاز، ولم يزد على ذلك، وهو قوله في قصيدته التي أولها:
ما عناك الغداة من أطلال - دارسات المقام مذ أحوال صوت

قم تأمل فأنت أبصر مـنـي - هل ترى بالغميم من أجمـال
قاضيات لبانة مـن مـنـاخ - وطواف وموقف بالجـبـال
قلن عسفان ثم رحن سراعـا - هابطات عشية مـن غـزال
واردات الكديد مجتـرعـات - جزن وادي الحجون بالأثقال
قصدلفت وهن متـسـقـات - كالعدولي لاحقات التـوالـي
طالعات الغميس من عـبـود - سالكات الخوي مـن أمـلال
فسقى الله منتوى أم عـمـرو - حيث أمت بها صدور الرحال
حبذا هن من لبانة قـلـبـي - وجديد الشباب من سربالـي
رب يوم أتيتهـن جـمـيعـا - عند بيضاء رخصة مكسـال
غير أني امرؤ تعممت حلمـا - يكره الجهل والصبا أمثالـي



غنى ابن سريج في الثلاثة الأبيات الأول خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو ويونس. وذكر الهشامي أن فيها للحجبي رملا بالبنصر.
شعر عمر حين هجرته الثريا
قالوا: فلما هجرت الثريا عمر قال في ذلك:
من رسولي إلى الثريا فإنـي - ضقت ذرعا بهجرها والكتاب



صفحة : 59

فبلغ ابن أبي عتيق قوله، فمضى حتى أصلح بينهما. وهذه الأبيات تذكر مع ما فيها من الغناء ومع خبر إصلاح ابن أبي عتيق بينهما بعد انقضاء خبر رملة التي ذكرها عمر في شعره.
قال مصعب بن عبد الله في خبره: وكانت رملة جهمة الوجه، عظيمة الأنف، حسنة الجسم، وتزوجها عمر بن عبيد الله بن معمر، وتزوج عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وجمع بينهما، فقال يوما لعائشة: فعلت في محاربة الخوارج مع أبي فديك كذا، وصنعت كذا، يذكر لها شجاعته وإقدامه. فقالت له عائشة: أنا أعلم أنك أشجع الناس، وأعرف لك يوما هو أعظم من هذا اليوم الذي ذكرته. قال: وما هو? قالت: يوم اجتليت رملة وأقدمت على وجهها وأنفها.
قال مصعب وحدثني يعقوب بن إسحاق قال: لما بلغ الثريا قول عمر بن أبي ربيعة في رملة :
وجلا بردها وقد حسرتـه - نور بدر يضيء للناظرينا


قالت: أف له ما أكذبه أو ترتفع حسناء بصفته لها بعد رملة وذكر ابن أبي حسان عن الرياشي عن العباس بن بكار عن ابن دأب: أن هذا الشعر قاله عمر في امرأة من بني جمح كان أبوها من أهل مكة، فولدت له جارية لم يولد مثلها بالحجاز حسنا. فقال أبوها: كأني بها وقد كبرت، فشبب بها عمر بن أبي ربيعة وفضحها ونوه باسمها كما فعل بنساء قريش، والله لا أقمت بمكة. فباع ضيعة له بالطائف ومكة ورحل بابنته إلى البصرة، فأقام بها وابتاع هناك ضيعة، ونشأت ابنته من أجمل نساء زمانها. ومات أبوها فلم تر أحدا من بني جمح حضر جنازته، ولا وجدت لها مسعدا ولا عليها داخلا. فقالت لداية لها سوداء: من نحن? ومن أي البلاد نحن? فخبرتها. فقالت: لا جرم والله لا أقمت في هذا البلد الذي أنا فيه غريبة فباعت الضيعة والدار، وخرجت في أيام الحج. وكان عمر يقدم فيعتمر في ذي القعدة ويحل، ويلبس تلك الحلل والوشي، ويركب النجائب المخضوبة بالحناء عليها القطوع والديباج، ويسبل لمته، ويلقى العراقيات فيما بينه وبين ذات عرق محرمات، ويتلقى المدنيات إلى مر، ويتلقى الشأميات إلى الكديد. فخرج يوما للعراقيات فإذا قبة مكشوفة فيها جارية كأنها القمر، تعادلها جارية سوداء كالسبجة.
فقال للسوداء: من أنت? ومن أين أنت يا خالة? فقالت: لقد أطال الله تعبك، إن كنت تسأل هذا العالم من هم ومن أين هم. قال: فأخبريني عسى أن يكون لذلك شأن. قالت: نحن من أهل العراق، فأما الأصل والمنشأ فمكة، وقد رجعنا إلى الأصل ورحلنا إلى بلدنا، فضحك. فلما نظرت إلى سواد ثنيتيه قالت: قد عرفناك. قال: ومن أنا? قالت: عمر بن أبي ربيعة. قال: وبم عرفتني? قالت: بسواد ثنيتيك وبهيئتك التي ليست إلا لقريش، فأنشأ يقول:
قلت من أنتم فصدت وقالت - أمبد سؤالك العالـمـينـا

وذكر الأبيات: فلما يزل عمر بها حتى تزوجها وولدت له.
خبر صلحهما ووساطة ابن أبي عتيق قال: فلما صرمت الثريا عمر قال فيها: صوت

من رسولي إلى الثريا فإنـي - ضقت ذرعا بهجرها والكتاب
سلبتني مجاجة المسك عقلـي - فسلوها ماذا أحل اغتصابـي
وهي مكنونة تحير مـنـهـا - في أديم الخدين ماء الشبـاب
أبرزوها مثل المهاة تـهـادى - بين خمس كواعـب أتـراب
ثم قالوا تحبها قلـت بـهـرا - عدد القطر والحصى والتراب


الغناء لابن عائشة خفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو، وذكر حبش أنه لمالك.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني مؤمن بن عمر بن أفلح مولى فاطمة بنت الوليد قال أخبرني بلال مولى ابن أبي عتيق قال: أنشد ابن أبي عتيق قول عمر:
من رسولي إلى الثريا فإنـي - ضقت ذرعا بهجرها والكتاب


فقال ابن أبي عتيق: إياي أراد وبي نوه لا جرم والله لا أذوق أكلا حتى أشخص فأصلح بينهما، ونهض ونهضت معه، فجاء إلى قوم من بني الديل بن بكر لم تكن تفارقهم نجائب لهم فره يكرونها، فاكترى منهم راحلتين وأغلى لهم. فقلت له: استوضعهم أو دعني أماكسهم، فقد اشتطوا عليك. فقال: ويحك أما علمت أن المكاس ليس من أخلاق الكرام ثم ركب إحداهما وركبت الأخرى، فسار سيرا شديدا، فقلت: أبق على نفسك، فإن ما تريد ليس يفوتك. فقال: ويحك
أبادر حبل الود أن يتقضبا

صفحة : 60

وما حلاوة الدنيا إن تم الصدع بين عمر والثريا فقدمنا ليلا غير محرمين، فدق على عمر بابه، فخرج إليه وسلم عليه ولم ينزل عن راحلته، فقال له: اركب أصلح بينك وبين الثريا، فأنا رسولك الذي سألت عنه. فركب معنا وقدمنا الطائف، وقد كان عمر أرضى أم نوفل فكانت تطلب له الحيل لإصلاحها فلا يمكنها. فقال ابن أبي عتيق للثريا: هذا عمر قد جشمني السفر من المدينة إليك، فجئتك به معترفا لك بذنب لم يجنه، معتذرا إليك من إساءته إليك، فدعيني من التعداد والترداد، فإنه من الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون، فصالحته أحسن صلح وأتمه وأجمله، وكررنا إلى مكة، فلم ينزلها ابن أبي عتيق حتى رحل. وزاد عمر في أبياته:
أزهقت أم نوفل إذ دعـتـهـا - مهجتي، ما لقاتلي من متـاب
حين قالت لها أجيبي فقـالـت - من دعاني? قالت أبو الخطاب
فاستجابت عند الدعاء كما لـب - ى رجال يرجون حسن الثواب


قال الزبير: وما دعتها أم نوفل إلا لابن أبي عتيق، ولو دعتها لعمر ما أجابت. قال: وسألت عمي عن أم نوفل، فقال: هي أم ولد عبد الله بن الحارث أبي الثريا. وسألته عن قوله:
... كـمـا لـــبـــى رجال يرجون حسن الثواب فقال: كررت في التلبية كما يفعل المحرم، فقالت: لبيك لبيك.
وأخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا الزبير بن بكار عن عمه أن بعض المكيين قال: كانت الثريا تصب عليها جرة ماء وهي قائمة فلا يصيب ظاهر فخذيها منه شيء من عظم عجيزتها.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 07:22 PM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي


وأخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى بخبر الثريا هذا مع عمر، فذكر نحوا مما ذكره الزبير، وقال فيه: لما أناخ ابن أبي عتيق بباب الثريا أرسلت إليه: ما حاجتك? قال: أنا رسول عمر بن أبي ربيعة وأنشدها الشعر. فقالت: ابن أبي ربيعة فارغ ونحن في شغل، وقد تعبت فانزل بنا. فقال: ما أنا إذا برسول. ثم كر راجعا إلى ابن أبي ربيعة بمكة فأخبره الخبر فأصلح بينهما.
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن نعيم قال حدثني إبراهيم بن إسحاق العنزي قال حدثني عبد الله بن إبراهيم الجمحي، وأخبرني به الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أيوب بن عباية، وأخبرني به الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير عن مؤمن بن عمر بن أفلح عن عبد العزيز بن عمران، قالوا: قدم عمر بن أبي ربيعة المدينة، فنزل على ابن أبي عتيق - وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر - فلما استلقى قال: أوه.

من رسولي إلى الثريا فإنـي - ضقت ذرعا بهجرها والكتاب

فقال ابن أبي عتيق: كل مملوك لي حر إن بلغها ذاك غيري. فخرج، حتى إذا كان بالمصلى مر بنصيب وهو واقف فقال: يا أبا محجن. قال لبيك قال: أتودع إلى سلمى شيئا? قال: نعم. قال: وما ذاك? قال: تقول لها يابن الصديق: إنك مررت بي فقلت لي: أتودع إليها شيئا، فقلت:
أتصبر عن سلمى وأنت صبـور - وأنت بحسن العزم منك جـدير
وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا - سنى بارق نحو الحجاز أطـير

قال: فمر بسلمى وهي في قرية يقال لها القسرية فأبلغها الرسالة، فزفرت زفرة كادت أن تفرق أضلاعها. فقال ابن أبي عتيق: كل مملوك حر إن لم يكن جوابك أحسن من رسالته، ولو سمعك الآن لنعق وصار غرابا. ثم مضى إلى الثريا فأبلغ الكتاب. فقالت له: أما وجد رسولا أصغر منك انزل فأرح. فقال: لست إذا برسول وسألها أن ترضى عنه، ففعلت. وقال الزبير في خبره: فقال لها: أنا رسول ابن أبي ربيعة إليك، وأنشدها الأبيات، وقال لها: خشيت أن تضيع هذه الرسالة. قالت: أدى الله عنك أمانتك. قال: فما جواب ما تجشمته إليك? قالت: تنشده قوله في رملة:
وجلا بردها وقد حسرتـه - ضوء بدر أضاء للناظرينا


فقال: أعيذك بالله يابنة أخي أن تغلبيني بالمثل السائر. قالت: وما هو? قال: حريص لا يرى عمله . قالت: فما تشاء? قال: تكتبين إليه بالرضا عنه كتابا يصل على يدي، ففعلت. فأخذ الكتاب ورجع من فوره حتى قدم مكة، فأتى عمر. فقال له: من أين أقبلت? قال: من حيث أرسلتني. قال: وأنى ذلك? قال: من عند الثريا، أفرخ روعك هذا كتابها بالرضا عنك إليك.


صفحة : 61

تغني ابن عائشة بشعره في مجلس حسن بن حسن بن علي
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أيوب بن عباية قال: اجتمع ابن عائشة ويونس ومالك عند حسن بن حسن بن علي فقال الحسن لابن عائشة: غنني من رسولي إلى الثريا... ؛ فسكت عنه فلم يجبه. فقال له جليس له: أيقول لك غنني فلا تجيبه فسكت. فقال له الحسن: مالك? ويحك أبك خبال كان والله ابن أبي عتيق أجود منك بما عنده؛ فإنه لما سمع هذا الشعر قال لابن أبي ربيعة: أنا رسولك إليها، فمضى نحو الثريا حتى أدى رسالته، وأنت معنا في المجلس تبخل أن تغنيه لنا فقال له: لم أذهب حيث ظننت، إنما كنت أتخير لك أي الصوتين أغني: أقوله:
من رسولي إلى الثريا فإنـي - ضافني الهم واعترتني الهموم
يعلم الله أننـي مـسـتـهـام - بهواكم وأنـنـي مـرحـوم


أم قوله:
من رسولي إلى الثريا فإنـي - ضقت ذرعا بهجرها والكتاب

فقال له الحسن: أسأنا بك الظن أبا جعفر غن بهما جميعا، فغناهما. فقال له الحسن: لولا أنك تغضب إذا قلنا لك: أحسنت، لقلت لك: أحسنت والله قال: ولم يزل يرددهما بقية يومه.
عمر وابن أبي عتيق وإنشاده شعره في الثريا
أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني يعقوب بن إسحاق الربعي عن أبيه قال: أنشد عمر بن أبي ربيعة ابن أبي عتيق قوله:
لم تر العين للثريا شبيها - بمسيل التلاع يوم التقينا

فلما بلغ إلى قوله:
ثم قالت لأختها قد ظلمنا - إن رددناه خائبا واعتدينا

قال: أحسنت والهدايا وأجادت. ثم أنشده اب-ن أبي عتيق متمثلا قول الشاعر:
أريني جوادا مات هزلا لعلني أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا

فلما بلغ عمر إلى قوله في الشعر:
في خلاء من الأنيس وأمن قال ابن أبي عتيق: أمكنت للشارب الغدر من عال بعدها فلا انجبر .
فلما بلغ إلى قوله:
فمكثنا كذاك عشرا تباعا - في قضاء لديننا واقتضينا

قال: أما والله ما قضيتها ذهبا ولا فضة ولا اقتضيتها إياه، فلا عرفكما الله قبيحا فلما بلغ إلى قوله:
كان ذا في مسيرنا إذ حججنا - علم الله فيه ما قد نـوينـا

قال: إن ظاهر أمرك ليدل على باطنه، فأرود التفسير، ولئن مت لأموتن معك، أف للدنيا بعدك يا أبا الخطاب فقال له عمر: بل عليها بعدك العفاء يا أبا محمد قال: فلقي الحارث بن خالد ابن أبي عتيق فقال: قد بلغني ما دار بينك وبين ابن أبي ربيعة، فكيف لم تتحللا مني? فقال له ابن أبي عتيق: يغفر الله لك يا أبا عمرو، إن ابن أبي ربيعة يبرىء القرح، ويضع الهناء مواضع النقب، وأنت جميل الخفض. فضحك الحارث بن خالد وقال: حبك الشيء يعمي ويصم . فقال: هيهات أنا بالحسن عالم نظار خبر السواد في ثنيتي عمر وأما خبر السواد في ثنيتي عمر فإن الزبير بن بكار ذكره عن عمه مصعب في خبره: أن امرأة غارت عليه فاعترضته بمسواك كان في يدها فضربت به ثنيتيه فاسودتا.
وذكر إسحاق الموصلي عن أبي عبد الله المسيبي وأبي الحسن المدائني: أنه أتى الثريا يوما ومعه صديق له كان يصاحبه ويتوصل بذكره في الشعر، فلما كشفت الثريا الستر وأرادت الخروج إليه، رأت صاحبه فرجعت. فقال لها: إنه ليس ممن أحتشمه ولا أخفي عنه شيئا؛ واستلقى فضحك - وكان النساء إذ ذاك يتختمن في أصابعهن العشر - فخرجت إليه فضربته بظاهر كفها، فأصابت الخواتيم ثنيتيه العلييين فنغضتا وكادتا تسقطان، فقدم البصرة فعولجتا له، فثبتتا واسودتا. فقال الحزين الكناني يعيره بذلك - وكان عدوه وقد بلغه خبره -:
ما بال سنيك أم ما بال كسرهمـا - أهكذا كسرا في غير مـا بـاس
أم نفحة من فتاة كنت تألـفـهـا - أم نالها وسط شرب صدمة الكاس

قال: ولقيه الحزين الكناني يوما فأنشده هذين البيتين؛ فقال له عمر: اذهب اذهب، ويلك فإنك لا تحسن أن تقول: صوت

ليت هندا أنجزتنا ما تعد - وشفت أنفسنا مما تجـد
واستبدت مـرة واحـدة - إنما العاجز من لا يستبد


صفحة : 62

لابن سريج في هذا الشعر رمل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق، وخفيف رمل أيضا في هذه الإصبع وهذا المجرى عن ابن المكي. ولمالك فيه ثقيل أول عن الهشامي. ولمتيم ثاني ثقيل عن ابن المعتز. وذكر أحمد بن أبي العلاء عن مخارق أن خفيف الرمل ليحيى المكي صنعه وحكى فيه لحن هذا الصوت :
اسلمي يا دار من هند خبر الثريا مع الحارث الملقب بالقباع حدثني علي بن صالح قال حدثني أبو هفان عن إسحاق الموصلي عن رجاله المذكورين: أن الثريا واعدت عمر بن أبي ربيعة أن تزوره، فجاءت في الوقت الذي ذكرته، فصادفت أخاه الحارث قد طرقه وأقام عنده، ووجه به في حاجة له ونام مكانه وغطى وجهه بثوبه، فلم يشعر إلا بالثريا قد ألقت نفسها عليه تقبله، فانتبه وجعل يقول: اغربي عني فلست بالفاسق، أخزاكما الله فلما علمت بالقصة انصرفت. ورجع عمر فأخبره الحارث بخبرها؛ فاغتم لما فاته منها، وقال: أما والله لا تمسك النار أبدا وقد ألقت نفسها عليك. فقال له الحارث: عليك وعليها لعنة الله.
وأخبرني بهذه القصة الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن يعقوب بن إسحاق الربعي عن الثقة عنه عن ابن جريج عن عثمان بن حفص الثقفي: أن الحارث بن عبد الله زار أخاه، ثم ذكر نحوا من الذي ذكره إسحاق، وقال فيه: فبلغ عمر خبرها، فجاء إلى أخيه الحارث وقال له: جعلت فداءك ما لك ولأمة الوهاب ابنتك ? أتتك مسلمة عليك فلعنتها وزجرتها وتهددتها، وها هي تيك باكية. فقال: وإنها لهي قال: ومن تراها تكون? قال: فانكسر الحارث عنه وعن لومه.
تزوج الثريا بسهيل في غيبة عمر وما قاله من الشعر في ذلك
أخبرني علي بن صالح قال حدثني أبو هفان عن إسحاق بن إبراهيم عن جعفر بن سعيد عن أبي سعيد مولى فائد هكذا قال إسحاق، وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني جعفر بن سعيد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار. ورواه أيضا حماد بن إسحاق عن أبيه عن جعفر بن سعيد فقال فيه: عن أبي عبيدة العماري، ولم يذكر أبا سعيد مولى فائد، قالوا: تزوج سهيل بن عبد العزيز بن مروان الثريا - وقال الزبير: بل تزوجها أبو الأبيض سهيل بن عبد الرحمن بن عوف - فحملت إليه وهو بمصر. والصواب قول من قال: سهيل بن عبد العزيز؛ لأنه كان هناك منزله، ولم يكن لسهيل بن عبد الرحمن هناك موضع. فقال عمر: صوت

أيها المنكح الثريا سهيلا - عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت - وسهيل إذا استقل يماني

الغناء للغريض خفيف ثقيل بالبنصر. وفيه لعبد الله بن العباس ثاني ثقيل بالبنصر. وأول هذه القصيدة:
أيها الطارق الذي قد عناني - بعد ما نام سامر الركبـان
زار من نازح بغير دلـيل - يتخطى إلي حتى أتانـي

وذكر الرياشي عن ابن زكريا الغلابي عن محمد بن عبد الرحمن التيمي عن أبيه عن هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد المخزومي قال: كان عمر بن أبي ربيعة قد ألح على الثريا بالهوى، فشق ذلك على أهلها، ثم إن مسعدة بن عمرو أخرج عمر إلى اليمن في أمر عرض له، وتزوجت الثريا وهو غائب، فبلغه تزويجها وخروجها إلى مصر، فقال:
أيها المنكح الثريا سهيلا - عمرك الله كيف يلتقيان

وذكر الأبيات. وقال في خبره: ثم حمله الشوق على أن سار إلى المدينة فكتب إليها:
كتبت إليك من بلدي - كتاب موله كـمـد
كئيب واكف العينـي - ن بالحسرات منفرد
يؤرقه لهيب الشـو - ق بين السحر والكبد
فيمسك قلـبـه بـيد - ويمسح عينـه بـيد

وكتبه في قوهية وشنفه وحسنه وبعث به إليها. فلما قرأته بكت بكاء شديدا، ثم تمثلت:
بنفسي من لا يستقل بنـفـسـه - ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع

وكتبت إليه تقول:
أتاني كتاب لم ير الناس مثـلـه - أمد بكافور ومسك وعـنـبـر
وقرطاسه قـوهـية وربـاطـه - بعقد من الياقوت صاف وجوهر
وفي صدره: مني إليك تـحـية - لقد طال تهيامي بكم وتـذكـري
وعنوانه من مسـتـهـام فـؤاده - ألى هائم صب من الحزن مسعر

صفحة : 63

قال مؤلف هذا الكتاب: وهذا الخبر عندي مصنوع، وشعره مضعف يدل على ذلك، ولكني ذكرته كما وقع إلي.
قال أبو سعيد مولى فائد ومن ذكر خبره مع الثريا: فمات عنها سهيل أو طلقها، فخرجت إلى الوليد بن عبد الملك وهو خليفة بدمشق في دين عليها، فبينا هي عند أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان، إذ دخل عليها الوليد فقال: من هذه? فقالت: الثريا جاءتني، تطلب إليك في قضاء دين عليها وحوائج لها. فأقبل عليها الوليد فقال: أتروين من شعر عمر بن أبي ربيعة شيئا? قالت: نعم، أما إنه يرحمه الله كان عفيفا عفيف الشعر، أروي قوله: صوت

ما على الرسم بالبلـيين لـو ب - ين رجع السـلام أو أجـابـا
فإلى قصر ذي العشيرة فالصا - ئف أمسى من الأنيس يبـابـا
وبما قد أرى به حـي صـدق - ظاهري العيش نعمة وشبابـا
إذ فؤادي يهوى الرباب وأني ال - دهر حتى الممات أنسى الربابا
وحسانـا جـواريا خـفـرات - حافظات عند الهوى الأحسابـا
لا يكثرن في الحـديث ولا يت - بعن ينعقن بالبهام الـظـرابـا


فقضى حوائجها وانصرفت بما أرادت منه. فلما خلا الوليد بأم البنين قال لها: لله در الثريا أتدرين ما أرادت بإنشادها ما أنشدتني من شعر عمر? قالت: لا.
قال: إني لما عرضت لها به عرضت لي بأن أمي أعرابية. وأم الوليد وسليمان ولادة بنت العباس بن جزي بن الحارث بن زهير بن جذيمة العبسي.
<H6 نسبةالأبيات التي أنشدتها الثريا</H6 الغناء في الأبيات التي أنشدتها الثريا الوليد بن عبد الملك لمالك بن أبي السمح خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وفيها لابن سريج رمل بالخنصر في مجرى البنصر. وفيها لإبراهيم خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر حبش أيضا أن فيها لابن مسجح خفيف رمل بالوسطى. وذكر عمرو بن بانة أن لابن محرز فيها خفيف ثقيل بالوسطى.
ومما يغنى فيه من أشعار عمر بن أبي ربيعة التي قالها في الثريا من القصيدة التي أولها من رسولي : صوت

وتبدت حتى إذا جن قلبي - حال دوني ولائد بالثياب
يا خليلي فأعلما أن قلبي - مستهام بربة المحراب

الغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. ومنها: صوت

أقتليني قتلا سـريعـا مـريحـا - لا تكوني علـي سـوط عـذاب
شف عنها مـحـقـق جـنـدي - فهي كالشمس من خلال السحاب

الغناء للغريض ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو. ومنها: صوت

قال لي صاحبي ليعلم ما بي - أتحب البتول أخت الرباب
قلت وجدي بها كوجدك بالما - ء إذا منعت برد الشـراب

الغناء لمالك رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق. ومنها: صوت

أذكرتني من بهجة الشمس لما - برزت من دجنة وسـحـاب
أزهقت أم نوفل إذ دعـتـهـا - مهجتي، ما لقاتلي من متـاب
حين قالت لها أجيبي فقـالـت - من دعاني? قالت أبو الخطاب

الغناء للغريض خفيف رمل عن الهشامي وحماد بن إسحاق.
ومنها: صوت

مرحبا ثم مرحبا بالتـي قـا - لت غداة الوداع عند الرحيل
للثريا قولي له أنت هـمـي - ومنى النفس خاليا وخليلـي

الغناء لابن محرز ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن عمرو.
ومنها: صوت

زعموا بأن البين بعد غـد - فالقلب مما أزمعوا يجف
تشكو ونشكو ما أشت بنـا - كل لوشك البين يعتـرف
حلفوا لقد قطعوا ببينهـم - وحلفت ألفا مثل ما حلفوا

الغناء للغريض خفيف ثقيل بالوسطى.
ومنها: صوت

فلوت رأسها ضرارا وقالت - لا وعيشي ولو رأيتك متـا
حين آثرت بالمودة غـيري - وتناسيت وصلنا ومللـتـا
قد وجدناك إذ خبرت ملولا - طرفا لم تكن كما كنت قلتا

صفحة : 64

الغناء لمالك رمل ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وفيه لابن سريج خفيف ثقيل عن الهشامي، وكذا روته دنانير عن فليح، وقد نسب قوم لحن مالك إلى الغريض. ومنها: صوت

يا خليلي سائلا الأطلالا - ومحلا بالروضتين أحالا

- ويروى:
بالبليين إن أحـزن سـؤالا
وسفاه لولا الصبابة حبسي - في رسوم الديار ركبا عجالا
بعد ما أقفرت من آل الثـريا - وأجدت فيها النعاج ظـلالا

الغناء لابن سريج هزج خفيف مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لحكم الوادي ثقيل أول من جامع أغانيه. وذكر ابن دينار أن فيه لابن عائشة لحنا لم يذكر طريقته. وذكر إبراهيم أن فيه لدحمان لحنا ولم يجنسه.
وقال حبش: فيه لإسحاق ثقيل أول بالوسطى.
عمر والثريا وقد نقلها زوجها إلى الشأم أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أبو عبد الله التميمي يعني أبا العيناء عن القحذمي عن أبي صالح السعدي قال: لما تزوج سهيل بن عبد العزيز الثريا ونقلها إلى الشأم، بلغ عمر بن أبي ربيعة الخبر، فأتى المنزل الذي كانت الثريا تنزله، فوجدها قد رحلت منه يومئذ، فخرج في أثرها فلحقها على مرحلتين، وكانت قبل ذلك مهاجرته لأمر أنكرته عليه. فلما أدركهم نزل عن فرسه ودفعه إلى غلامه ومشى متنكرا حتى مر بالخيمة، فعرفته الثريا وأثبتت حركته ومشيته، فقالت لحاضنتها: كلميه، فسلمت عليه وسألته عن حاله وعاتبته على ما بلغ الثريا عنه، فاعتذر وبكى، فبكت الثريا، فقالت: ليس هذا وقت العتاب مع وشك الرحيل. فحادثها إلى وقت طلوع الفجر ثم ودعها وبكيا طويلا، وقام فركب فرسه ووقف ينظر إليهم وهم يرحلون، ثم أتبعهم بصره حتى غابوا، وأنشأ يقول:
يا صاحبي قفا نستخبـر الـطـلـلا - عن حال من حله بالأمس ما فعـلا
فقال لي الربع لما أن وقـفـت بـه - إن الخليط أجد البين فـاحـتـمـلا
وخادعتك النوى حـتـى رأيتـهـم - في الفجر يحتث حادي عيسهم زجلا
لما وقفنا نحييهـم وقـد صـرخـت - هواتف البين واستولت بهـم أصـلا
صدت بعادا وقالت للتـي مـعـهـا - بالله لوميه في بعض الذي فـعـلا
وحدثيه بما حدثـت واسـتـمـعـي - ماذا يقول ولا تـعـيي بـه جـدلا
حتى يرى أن ما قال الـوشـاة لـه - فينا لـديه إلـينـا كـلـه نـقـلا
وعرفيه به كالهزل واحـتـفـظـي - في بعض معتبة أن تغضبي الرجلا
فإن عهدي به والـلـه يحـفـظـه - وإن أتى الذنب ممن يكره الـعـذلا
لو عندنا اغتيب أو نيلت نقـيصـتـه - ما آب مغتابه من عـنـدنـا جـذلا
قلت اسمعي فلقد أبلغت في لطـف - وليس يخفى على ذي اللب من هزلا
هذا أرادت به بـخـلا لأعـذرهـا - وقد أرى أنها لن تعـدم الـعـلـلا
ما سمي القلب إلا مـن تـقـلـبـه - ولا الفؤاد فؤادا غـير أن عـقـلا
أما الحديث الذي قالـت أتـيت بـه - فما عبأت بـه إذ جـاءنـي حـولا
ما إن أطعت بها بالغيب قد علمـت - مقالة الكاشح الواشـي إذا مـحـلا
إني لأرجعه فيها بـسـخـطـتـه - وقد يرى أنه قـد غـرنـي زلـلا

وهي قصيدة طويلة مذكورة في شعره.
وفاة الثريا أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر ومحمد بن خلف بن المرزبان قالوا حدثنا عمر بن شبة قال أخبرنا محمد بن يحيى قال زعم عبيد بن يعلى قال حدثني كثير بن كثير السهمي قال: لما ماتت الثريا أتاني الغريض فقال لي: قل أبيات شعر أنح بها على الثريا فقلت: صوت

ألا يا عين مالك تدمعينـا - أمن رمد بكيت فتكحلينـا
أم أنت حزينة تبكين شجوا - فشجوك مثله أبكى العيونا


- غنى الغريض في هذين البيتين لحنا من خفيف الثقيل الأول بالوسطى عن عمرو ويحيى المكي والهشامي وغيرهم.
وفاة عمر بن أبي ربيعة


صفحة : 65

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الجبار بن سعيد المساحقي قال حدثني إبراهيم بن يعقوب بن أبي عبد الله عن أبيه عن جده عن ثعلبة بن عبد الله بن صعير: أن عمر بن أبي ربيعة نظر في الطواف إلى امرأة شريفة، فرأى أحسن خلق الله صورة، فذهب عقله عليها، وكلمها فلم تجبه، فقال فيها:
الريح تسحب أذيالا وتنشـرهـا - يا ليتني كنت ممن تسحب الريح
كيما تجر بنا ذيلا فتطـرحـنـا - على التي دونها مغبـرة سـوح
أنى بقربكم أم كيف لـي بـكـم - هيهات ذلك ما أمست لنـا روح
فليت ضعف الذي ألقى يكون بها - بل ليت ضعف الذي ألقى تباريح
إحدى بنيات عمي دون منزلهـا - أرض بقيعانها القيصوم والشيح


فبلغها شعره فجزعت منه. فقيل لها: اذكريه لزوجك، فإنه سينكر عليه قوله. فقالت: كلا والله لا أشكوه إلا إلى الله. ثم قالت: اللهم إن كان نوه باسمي ظالما فاجعله طعاما للريح. فضرب الدهر من ضربه، ثم إنه غدا يوما على فرس فهبت ريح فنزل فاستتر بسلمة، فعصفت الريح فخدشه غضن منها فدمي وورم به ومات من ذلك.

أخبار ابن سريج ونسبه
نسب ابن سريج وشيء من أوصافه
هو عبيد بن سريج، ويكنى أبا يحيى، مولى بني نوفل بن عبد مناف. وذكر ابن الكلبي عن أبيه وأبي مسكين أنه مولى لبني الحارث بن عبد المطلب.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان قال: ابن سريج مولى لبني ليث، ومنزله مكة.
وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: سألت الحسن بن عتبة اللهبي عن ابن سريج فقال: هو مولى لبني عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وفي بني عائذ يقول الشاعر:
فإن تصلح فإنك عـائذي - وصلح العائذي إلى فساد


قال إسحاق: وقال سلمة بن نوفل بن عمارة: ابن سريج مولى عبد الرحمن بن أبي حسين بن الحارث بن نوفل، أو ابن عامر بن الحارث بن نوفل بن عبد مناف.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز عن أبي أيوب المديني قال: ذكر إبراهيم بن زياد بن عنبسة بن سعيد بن العاص: أن ابن سريج كان آدم أحمر ظاهر الدم سناطا في عينيه قبل، بلغ خمسا وثمانين سنة، وصلع فكان يلبس جمة مركبة، وكان أكثر ما يرى مقنعا، وكان منقطعا إلى عبد الله بن جعفر.
وقال ابن الكلبي عن أبيه قال: كان ابن سريج مخنثا أحول أعمش يلقب وجه الباب ، وصلع فكان يلبس جمة، وكان لا يغني إلا مقنعا يسبل القناع على وجهه.
وقال ابن الكلبي عن أبي وأبي مسكين: كان ابن سريج أحسن الناس غناء، وكان يغني مرتجلا ويوقع بقضيب، وغنى في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه، ومات في خلافة هشام بن عبد الملك.
قال إسحاق: وكان الحسن بن عتبة اللهبي يروي مثل ذلك فيه. وذكر أن قبره بنخلة قريبا من بستان ابن عامر.
قال إسحاق وحدثني الهيثم بن عدي عن صالح بن حسان قال: كان عبيد بن سريج من أهل مكة وكان أحسن الناس غناء. قال إسحاق قال عمارة بن أبي طرفة الهذلي: سمعت ابن جريج يقول: عبيد بن سريج من أهل مكة مولى آل خالد بن أسيد.
قال إسحاق وحدثني إبراهيم بن زياد عن أيوب بن سلمة المخزومي قال: كان في عين ابن سريج قبل حلو لا يبلغ أن يكون حولا، وغنى في خلافة عثمان رضي الله عنه، ومات بعد قتل الوليد بن يزيد، وكان له صلع في جبهته، وكان يلبس مركبة فيكون فيها أحسن شيء، وكان يلقب وجه الباب ولا يغضب من ذلك، وكان أبوه تركيا.
وقال أبو أيوب المديني: كان ابن سريج، فيما روينا عن جماعة من المكيين، مولى بني جندع بن ليث بن بكر، وكان إذا غنى سدل قناعه على وجهه حتى لا يرى حوله، وكان يوقع بقضيب وقيل: إنه كان يضرب بالعود، وكانت علته التي مات منها الجذام.
أنه أول من ضرب بالعود الفارسي
على الغناء العربي
قال إسحاق وحدثني أبي قال: أخبرني من رأى عود ابن سريج وكان على صنعة عيدان الفرس، وكان ابن سريج أول من ضرب به على الغناء العربي بمكة. وذلك أنه رآه مع العجم الذين قدم بهم ابن الزبير لبناء الكعبة، فأعجب أهل مكة غناؤهم. فقال ابن سريج: أنا أضرب به على غنائي، فضرب به فكان أحذق الناس.
أم ابن سريج


صفحة : 66

قال إسحاق وذكر الزبيري: أن أم ابن سريج مولاة لآل المطلب يقال لها رائقة ، وقيل: بل أمه هند أخت رائقة، فمن ثم قيل: إنه مولى بني المطلب بن حنطب. وكان ابن سريج بعد وفاة عبد الله بن جعفر قد انقطع إلى الحكم بن المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب أحد بني مخزوم، وكان من سادة قريش ووجوهها. وأخذ ابن سريج الغناء عن ابن مسجح.
الأشخاص المعدودون أصولا للغناء العربي
قال إسحاق: وأصل الغناء أربعة نفر: مكيان ومدنيان، فالمكيان: ابن سريج وابن محرز، والمدنيان: معبد ومالك.
أول شهرة ابن سريج بالغناء
قال إسحاق: وقال سلمة بن نوفل بن عمارة: أخبرني بذلك من شئت من مشيختنا: أن يوما شهر فيه ابن سريج بالغناء في ختان ابن مولاه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين. قال لأم الغلام: خفضي عليك بعض الغرم والكلفة، فوالله لألهين نساءك حتى لا يدرين ما جئت به ولا ما عزمت عليه.
شهادة هشام بن المربة في ابن سريج قال إسحاق: وسألت هشام بن المرية، وكان قد عمر، وكان عالما بالغناء فلا يبارى فيه، فقلت له: من أحذق الناس بالغناء? فقال لي: أتحب الإطالة أم الاختصار? فقلت: أحب الاختصار الذي يأتي على سؤالي. قال: ما خلق الله تعالى بعد داود النبي عليه الصلاة والسلام أحسن صوتا من ابن سريج، ولا صاغ الله عز وجل أحدا أحذق منه بالغناء، ويدلك على ذلك أن معبدا كان إذا أعجبه غناؤه قال: أنا اليوم سريجي.
شهادة يونس بن محمد الكاتب فيه قال وأخبرني إبراهيم - يعني أباه - قال: أدركت يونس بن محمد الكاتب فحدثني عن الأربعة: ابن سريج وابن محرز والغريض ومعبد. فقلت له: من أحسن الناس غناء? فقال: أبو يحيى. قلت: عبيد بن سريج? قال نعم. قلت: وكيف ذاك?. قال: إن شئت فسرت لك، وإن شئت أجملت. قلت: أجمل. قال: كأنه خلق من كل قلب، فهو يغني لكل إنسان ما يشتهي.
شهادة إبراهيم الموصلي فيه أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال قال حماد بن إسحاق: أخبرني أبي عن الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك قال: سألت إبراهيم الموصلي ليلة وقد أخذ منه النبيذ: من أحسن الناس غناء? فقال لي: من الرجال أم من النساء? فقلت: من الرجال. فقال: ابن محرز. قلت: ومن النساء? قال: ابن سريج. ثم قال لي: إن كان ابن سريج إلا كأنه خلق من كل قلب فهو يغني له ما يشتهي شهادة إسحاق الموصلي فيه أخبرني جحظة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال: أرسلني محمد بن الحسين بن مصعب إلى إسحاق أسأله عن لحنه ولحن ابن سريج في:
تشكى الكميت الجري لما جهدته أيهما أحسن? فصرت إليه فسألته عن ذلك، فقال لي: يا أبا الحسن، والله لقد أخذت بخطام راحلته فزعزعتها وأنختها وقمت بها فما بلغته. فرجعت إلى محمد بن الحسين فأخبرته؛ فقال: والله إنه ليعلم أن لحنه أحسن من لحن ابن سريج، ولقد تحامل لابن سريج على نفسه، ولكن لا يدع تعصبه للقدماء. وقد أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى هذا الخبر عن أبيه، فذكر نحو ما ذكره جحظة في خبره ولم يقل: أرسلني محمد بن الحسين إلى إسحاق. وقال جحظة في خبره: قال علي بن يحيى: وقد صدق محمد بن الحسين؛ لأنه قلما غني في صوت واحد لحنان فسقط خيرهما، والذي في أيدي الناس الآن من اللحنين لحن إسحاق، وقد ترك لحن ابن سريج، فقل من يسمعه إلا من العجائز المتقدمات ومشايخ المغنين. هذا أو نحوه.
لحن إسحاق في تشكى الكميت
مأخوذ من لحن الأبجر في يقولون. أبكاك البيت
وأخبرني يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني عن إبراهيم بن علي بن هشام قال: يقولون: إن ابتداء غناء إسحاق الذي في:
تشكى الكميت الجري لما جهدته أنما أخذه من صوت الأبجر:
يقولون ما أبكاك والمال غامر نسبة هذا الصوت صوت

يقولون ما أبكاك والمال غامر - عليك وضاحي الجلد منك كنين
فقلت لهم لا تسألوني وانظروا - إلى الطرب النزاع كيف يكون

غناه الأبجر ثقيلا أول بالبنصر، عن عمرو ودنانير. وذكر الهشامي أن فيه لعزة المرزوقية ثاني ثقيل بالوسطى.
مولده ووفاته واشتغاله بالغناء بعد النياحة


صفحة : 67

أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثني إبراهيم بن المهدي قال حدثني إسماعيل بن جامع عن سياط قال: كان ابن سريج أول من غنى الغناء المتقن بالحجاز بعد طويس، وكان مولده في خلافة عمر بن الخطاب، وأدرك يزيد بن عبد الملك وناح عليه، ومات في خلافة هشام. قال: وكان قبل أن يغني نائحا ولم يكن مذكورا، حتى ورد الخبر مكة بما فعله مسرف بن عقبة بالمدينة، فعلا على أبي قبيس وناح بشعر هو اليوم داخل في أغانيه، وهو:
يا عين جودي بالدموع السفـاح - وابكي على قتلى قريش البطاح

فاستحسن الناس ذلك منه، وكان أول من ندب به.
قال ابن جامع: وحدثني جماعة من شيوخ أهل مكة أنهم حدثوا: أن سكينة بنت الحسين بعثت إلى ابن سريج بشعر أمرته أن يصوغ فيه لحنا يناح به، فصاغ فيه، وهو الآن داخل في غنائه. والشعر:
يا أرض ويحك أكرمي أمواتي - فلقد ظفرت بسادتي وحماتي

فقدمه ذلك عند أهل الحرمين على جميع ناحة مكة والمدينة والطائف.
قال وحدثني ابن جامع وابن أبي الكنات جميعا: أن سكينة بعثت إليه بمملوك لها يقال له عبد الملك، وأمرته أن يعلمه النياحة، فلم يزل يعلمه مدة طويلة، ثم توفي عمها أبو القاسم محمد بن الحنفية، وكان ابن سريج عليلا علة صعبة فلم يقدر على النياحة. فقال لها عبدها عبد الملك: أنا أنوح لك نوحا أنسيك به نوح ابن سريج. قالت: أو تحسن ذاك? قال نعم. فأمرته فناح؛ فكان نوحه في الغاية من الجودة، وقال النساء: هذا نوح غريض؛ فلقب عبد الملك الغريض. وأفاق ابن سريج من علته بعد أيام وعرف خبر وفاة ابن الحنفية، فقال لهم: فمن ناح عليه? قالوا: عبد الملك غلام سكينة. قال: فهل جوز الناس نوحه? قالوا: نعم وقدمه بعضهم عليك. فحلف ابن سريج ألا ينوح بعد ذلك اليوم، وترك النوح وعدل إلى الغناء، فلم ينح حتى ماتت حبابة، وكانت قد أخذت عنه وأحسنت إليه فناح عليها، ثم ناح بعدها على يزيد بن عبد الملك، ثم لم ينح بعده حتى هلك.
قال: ولما عدل ابن سريج عن النوح إلى الغناء عدل معه الغريض إليه، فكان لا يغني صوتا إلا عارضه فيه.
ابن سريج وعطاء بن أبي رباح
أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال: حدث إسحاق بن إبراهيم الموصلي أبا إسحاق إبراهيم بن المهدي وأنا حاضر أن يحيى المكي حدثه أن عطاء بن أبي رباح لقي ابن سريج بذي طوى، وعليه ثياب مصبغة وفي يده جرادة مشدودة الرجل بخيط يطيرها ويجذبها به كلما تخلفت؛ فقال له عطاء: يا فتان، ألا تكف عما أنت عليه كفى الله الناس مئونتك. فقال ابن سريج: وما على الناس من تلويني ثيابي ولعبي بجرادتي? فقال له: تفتنهم أغانيك الخبيثة. فقال له ابن سريج: سألتك بحق من تبعته من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبحق رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك، إلا ما سمعت مني بيتا من الشعر، فإن سمعت منكرا أمرتني بالإمساك عما أنا عليه. وأنا أقسم بالله وبحق هذه البنية لئن أمرتني بعد استماعك مني بالإمساك عما أنا عليه لأفعلن ذلك. فأطمع ذلك عطاء في ابن سريج، وقال: قل. فاندفع يغني بشعر جرير:
صوت

إن الذين غدوا بلبك غـادروا - وشلا بعينك لا يزال معينـا
غيضن من عبراتهن وقلن لي - ماذا لقيت من الهوى ولقينـا


- لحن ابن سريج هذا ثقيل أول بالوسطى عن ابن المكي والهشامي، وله أيضا فيه رمل. ولإسحاق فيه رمل آخر بالوسطى. وفيه هزج بالوسطى ينسب إلى ابن سريج والغريض - قال: فلما سمعه عطاء اضطرب اضطرابا شديدا ودخلته أريحية، فحلف ألا يكلم أحدا بقية يومه إلا بهذا الشعر، وصار إلى مكانه من المسجد الحرام؛ فكان كل من يأتيه سائلا عن حلال أو حرام أو خبر من الأخبار، لا يجيبه إلا بأن يضرب إحدى يديه على الأخرى وينشد هذا الشعر حتى صلى المغرب، ولم يعاود ابن سريج بعد هذا ولا تعرض له.
ابن سريج ويزيد ابن عبد الملك
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه، وأخبرني الحسن بن علي قال حدثني الفضل بن محمد اليزيدي قال حدثني إسحاق عن ابن جامع عن سياط عن يونس الكاتب قال: لما قال عمر بن أبي ربيعة:

صفحة : 68


نظرت إليها بالمحصب من منى - ولي نظر لولا التحرج عـارم غنى فيه ابن سريج.

قال: وحج يزيد بن عبد الملك في تلك السنة بالناس، وخرج عمر بن أبي ربيعة ومعه ابن سريج على نجيبين رحالتاهما ملبستان بالديباج، وقد خضبا النجيبين ولبسا حلتين، فجعلا يتلقيان الحاج ويتعرضان للنساء إلى أن أظلم الليل، فعدلا إلى كثيب مشرف والقمر طالع يضيء، فجلسا على الكثيب، وقال عمر لابن سريج: غنني صوتك الجديد؛ فاندفع يغنيه، فلم يستتمه إلا وقد طلع عليه رجل راكب على فرس عتيق، فسلم ثم قال: أيمكنك - أعزك الله - أن ترد هذا الصوت? قال: نعم ونعمة عين، على أن تنزل وتجلس معنا. قال: أنا أعجل من ذلك، فإن أجملت وأنعمت أعدته وليس عليك من وقوفي شيء ولا مئونة، فأعاده. فقال له: بالله أنت ابن سريج? قال نعم. قال: حياك الله وهذا عمر بن أبي ربيعة? قال نعم. قال: حياك الله يا أبا الخطاب فقال له: وأنت فحياك الله قد عرفتنا فعرفنا نفسك. قال: لا يمكنني ذلك. فغضب ابن سريج وقال: والله لو كنت يزيد بن عبد الملك لما زاد. فقال له: أنا يزيد بن عبد الملك. فوثب إليه عمر فأعظمه، ونزل ابن سريج إليه فقبل ركابه؛ فنزع حلته وخاتمه فدفعهما إليه، ومضى يركض حتى لحق ثقله. فجاء بهما ابن سريج إلى عمر فأعطاه إياهما، وقال له: إن هذين بك أشبه منهما بي. فأعطاه عمر ثلثمائة دينار وغدا فيهما إلى المسجد، فعرفهما الناس وجعلوا يتعجبون ويقولون: كأنهما والله حلة يزيد بن عبد الملك وخاتمه، ثم يسألون عمر عنهما فيخبرهم أن يزيد بن عبد الملك كساه ذلك.
وأخبرني بهذا الخبر جعفر بن قدامة أيضا قال وحدثني ابن عبد الله بن أبي سعيد قال حدثني علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال: غناء ابن سريج في طريق الحاج
ووقفه الناس بحسن غنائه












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 11:37 PM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي



حج عمر بن أبي ربيعة في عام من الأعوام على نجيب له مخضوب بالحناء مشهر الرحل بقراب مذهب، ومعه عبيد بن سريج على بغلة له شقراء، ومعه غلامه جناد يقود فرسا له أدهم أغر محجلا، وكان عمر بن أبي ربيعة يسميه الكوكب في عنقه طوق ذهب - وجناد هذا هو الذي يقول فيه: صوت

فقلت لجناد خذ السيف واشـتـمـل \عليه برفق وارقب الشمس تغـرب
وأسرج لي الدهماء واعجل بممطري\ولا تعلمن خلقا من الناس مذهبـي


الغناء لزرزر غلام المارقي خفيف ثقيل وهو أجود صوت صنعه - قال: ومع عمر جماعة من حشمه وغلمانه ومواليه وعليه حلة موشية يمانية، وعلى ابن سريج ثوبان هرويان مرتفعان، فلم يمروا بأحد إلا عجب من حسن هيئتهم، وكان عمر من أعطر الناس وأحسنهم هيئة، فخرجوا من مكة يوم التروية بعد العصر يريدون منى، فمروا بمنزل رجل من بني عبد مناف بمنى قد ضربت عليه فساطيطه وخيمه، ووافى الموضع عمر فأبصر بنتا للرجل قد خرجت من قبتها، وستر جواريها دون القبة لئلا يراها من مر. فأشرق عمر على النجيب فنظر إليها، وكانت من أحسن النساء وأجملهن. فقال لها جواريها: هذا عمر بن أبي ربيعة. فرفعت رأسها فنظرت إليه، ثم سترتها الجواري وولائدها عنه وبطن دونها بسجف القبة حتى دخلت. ومضى عمر إلى منزله وفساطيطه بمنى، وقد نظر من الجارية إلى ما تيمه ومن جمالها إلى ما حيره، فقال فيها:
نظرت إليها بالمحصب مـن مـنـى\ولي نظر لولا الـتـحـرج عـارم
فقلت أشمس أم مـصـابـيح بـيعة \ بدت لك خلف السجف أم أنت حالـم
بعيدة مهوى القرط إمـا لـنـوفـل \ أبوها وإما عبد شـمـس وهـاشـم
ومد عليها السجـف يوم لـقـيتـهـا \ على عجل تبـاعـهـا والـخـوادم
فلم أستطعها غير أن قـد بـدا لـنـا \ على الرغم منها كفها والمعـاصـم
معاصم لم تضرب على البهم بالضحى\ عصاها ووجه لم تلحه الـسـمـائم
نضـير تـرى فـيه أسـاريع مـائه \ صبيح تغاديه الأكـف الـنـواعـم
إذا ما دعت أترابها فاكتـنـفـنـهـا \ تمايلن أو مالت بـهـن الـمـآكـم
طلبن الصبا حتى إذا مـا أصـبـنـه\ نزعن وهن المسلمات الـظـوالـم

صفحة : 69

ثم قال عمر لابن سريج: يا أبا يحيى، إني تفكرت في رجوعنا مع العشية إلى مكة مع كثرة الزحام والغبار وجلبة الحاج فثقل علي، فهل لك أن نروح رواحا طيبا معتزلا، فنرى فيه من راح صادرا إلى المدينة من أهلها، ونرى أهل العراق وأهل الشأم ونتعلل في عشيتنا وليلتنا ونستريح? قال: وأنى ذلك يا أبا الخطاب? قال: على كثيب أبي شحوة المشرف على بطن يأجج بين منى وسرف، فنبصر مرور الحاج بنا ونراهم ولا يرونا. قال ابن سريج: طيب والله يا سيدي. فدعا بعض خدمه فقال: اذهبوا إلى الدار بمكة، فاعلموا لنا سفرة واحملوها مع شراب إلى الكثيب، حتى إذا أبردنا ورمينا الجمرة صرنا إليكم - قال: والكثيب على خمسة أميال من مكة مشرف على طريق المدينة وطريق الشأم وطريق العراق، وهو كثيب شامخ مستدق أعلاه منفرد عن الكثبان - فصارا إليه فأكلا وشربا. فلما انتشيا أخذ ابن سريج الدف فنقره وجعل يغني وهم ينظرون إلى الحاج. فلما أمسيا رفع ابن سريج صوته يغني في الشعر الذي قاله عمر، فسمعه الركبان فجعلوا يصيحون به: يا صاحب الصوت أما تتقي الله قد حبست الناس عن مناسكهم فيسكت قليلا، حتى إذا مضوا رفع صوته وقد أخذ فيه الشراب فيقف آخرون، إلى أن مرت قطعة من الليل، فوقف عليه في الليل رجل على فرس عتيق عربي مرح مستن فهو كأنه ثمل، حتى وقف بأصل الكثيب وثنى رجله على قربوس سرجه، ثم نادى: يا صاحب الصوت، أيسهل عليك أن ترد شيئا مما سمعته. قال: نعم ونعمة عين، فأيها تريد? قال: تعيد علي:
ألا يا غراب البين مالك كلمـا \ نعبت بفقدان علـي تـحـوم
أبالبين من عفراء أنت مخبري \ عدمتك من طير فأنت مشوم


- قال: والغناء لابن سريج - فأعاده، ثم قال له ابن سريج: ازدد إن شئت. فقال: غنني:
أمسلم إنـي يابـن كـل خـلـيفة \ ويا فارس الهيجا ويا قمر الأرض
شكرتك إن الشكر حبل من التقـى \ وما كل من أقرضته نعمة يقضي
ونوهت لي باسمي وما كان خاملا \ ولكن بعض الذكر أنبه من بعض


فغناه، فقال له: الثالث ولا أستزيدك. فقال: قل ما شئت. فقال: تغنيني
يا دار أقوت بالجزع فالكثب \ بين مسيل العذيب فالرحـب
لم تتقنع بفضـل مـئزرهـا \ دعد ولم تسق دعد في العلب

فغناه. فقال له ابن سريج: ابقيت لك حاجة? قال: نعم، تنزل إلي لأخاطبك شفاها بما أريد. فقال له عمر: انزل إليه، فنزل. فقال له: لولا أني أريد وداع الكعبة وقد تقدمني ثقلي وغلماني لأطلت المقام معك ولنزلت عندكم، ولكني أخاف أن يفضحني الصبح، ولو كان ثقلي معي لما رضيت لك بالهوينى، ولكن خذ حلتي هذه وخاتمي ولا تخدع عنهما، فإن شراءهما ألف وخمسمائة دينار. وذكر باقي الخبر مثل ما ذكره حماد بن إسحاق.
نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني صوت

نظرت إليها بالمحصب من منـى \ ولي نظر لولا التـحـرج عـارم
فقلت أشمس أم مصـابـيح بـيعة \ بدت لك خلف السجف أم أنت حالم
بعيدة مهوى القرط إما لـنـوفـل \ أبوها وإما عبد شمـس وهـاشـم

الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لمعبد ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر عنه. وقد نسب في مواضع من هذا الكتاب.
صوت

ألا يا غراب البين مالك كلمـا \ نعبت بفقدان علـي تـحـوم
أبا لبين من عفراء أنت مخبري \ عدمتك من طير فأنت مشـوم

الشعر لقيس بن ذريح، وقيل: إنه لغيره. والغناء لابن سريج رمل بالوسطى عن الهشامي.
صوت

أمسلم إنـي يابـن كـل خـلـيفة \ ويا فارس الهيجا ويا قمر الأرض
شكرتك إن الشكر حبل من التقـى \ وما كل من أوليته نعمة يقضـي
ونوهت لي باسمي وما كان خاملا \ ولكن بعض الذكر أنبه من بعض


الشعر لأبي نخيلة الحماني. والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى، وقد أخرج هذا الصوت مع سائر أخبار أبي نحيلة في موضع آخر.
إجلال المغنين له وعلو كعبه
في صنعة الغناء


صفحة : 70

حدثني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار حدثني محمد بن سلام الجمحي قال حدثني عمر بن أبي خليفة قال: كان أبي نازلا في علو، فكان المغنون يأتونه. قال فقلت: فأيهم كان أحسن غناء? قال: لا أدري، إلا أني كنت أراهم إذا جاء ابن سريج سكتوا.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال حدثني الزبيري - يعني عبد الله بن مصعب - عن عمرو بن الحارث، قال إسحاق: وحدثنيه المدائني ومحمد بن سلام عن المحرز بن جعفر عن عمر بن سعد مولى الحارث بن هشام قال: خرج ابن الزبير ليلة إلى أبي قبيس فسمع غناء، فلما انصرف رآه أصحابه وقد حال لونه، فقالوا: إن بك لشرا. قال: إنه ذاك. قالوا: ما هو? قال: لقد سمعت صوتا إن كان من الجن إنه لعجب، وإن كان من الإنس فما انتهى منتهاه شيء قال: فنظروا فإذا هو ابن سريج يتغنى: صوت

أمن رسم دار بوادي غـدر \ لجارية من جواري مضر
خدلجة الساق مـمـكـروة \ سلوس الوشاح كمثل القمر
تزين النساء إذا مـا بـدت \ ويبهت في وجهها من نظر الشعر


ليزيد بن معاوية. الغناء لابن سريج رمل بالبنصر عن يونس وحبش.
قال إسحاق: وذكر المدائني في خبره أن عمر بن عبد العزيز مر أيضا فسمع صوت ابن سريج وهو يتغنى:
بت الخليط قوى الحبل الذي قطعوا فقال عمر: لله در هذا الصوت لو كان بالقرآن قال المدائني: وبلغني من وجه آخر أنه سمعه يغني:
قرب جيراننا جـمـالـهـم \ ليلا فأضحوا معا قد ارتفعوا
ما كنت أدري بوشك بينهـم \ حتى رأيت الحداة قد طلعوا


فقال هذه المقالة.
نسبة هذين الصوتين صوت

بت الخلطي قوى الحبل الذي قطعوا \ إذ ودعوك فولوا ثم ما رجـعـوا
وآذنوك ببـين مـن وصـالـهـم \ فما سلوت ولا يسليك ما صنعـوا
يابن الطويل وكم آثرت من حسـن \ فينا وأنت بما حملت مضـطـلـع
نحظى ونبقى بخير ما بقيت لـنـا \ فإن هلكت فما في ملجأ طـمـع


الشعر للأحوص. والغناء لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وذكر حبش أن فيه رملا بالوسطى عن الهشامي.
نسبة الصوت الآخر صوت

قرب جيراننا جـمـالـهـم \ ليلا فأضحوا معا قد ارتفعوا
ما كنت أدري بوشك بينهـم \ حتى رأيت الحداة قد طلعوا
على مصكين من جمالـهـم \ وعنتريسين فيهما خـضـع
يا قلب صبرا فإنـه سـفـه \ بالحر أن يستفزه الـجـزع


الغناء لابن سريج ثقيل اول من أصوات قليلة الأشباه عن إسحاق. وفيه رمل في مجرى الوسطى ذكره إسحاق ولم ينسبه إلى أحد، وذكر أيضا فيه خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى ولم ينسبه. وذكر الهشامي أن الرمل للغريض وخفيف الرمل لابن المكي وذكرت دنانير والهشامي فيه لمعبد ثاني ثقيل. وذكر عمرو بن بانة أن الثقيل الأول للغريض. وذكر عبد الله بن موسى أن لحن ابن - سريج خفيف ثقيل.
عدد الأصوات التي غنى فيها
أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثني يوسف بن إبراهيم قال: حضرت أبا إسحاق إبراهيم بن المهدي وعنده إسحاق الموصلي، فقال إسحاق: غنى ابن سريج ثمانية وستين صوتا. فقال له أبو إسحاق: ما تجاوز قط ثلاثة وستين صوتا. فقال بلى. ثم جعلا ينشدان أشعار الصحيح منها حتى بلغا ثلاثة وستين صوتا وهما يتفقان على ذلك، ثم أنشد إسحاق بعد ذلك أشعار خمسة أصوات أيضا.
فقال أبو إسحاق: صدقت، هذا من غنائه، ولكن لحن هذا الصوت نقله من لحنه في الشعر الفلاني، ولحن الثاني من لحنه الفلاني، حتى عد له الخمسة الأصوات. فقال له إسحاق: صدقت. ثم قال له إبراهيم: إن ابن سريج كان رجلا عاقلا أديبا، وكان يغني الناس بما يشتهون، فلا يغنيهم صوتا مدح به أعداؤهم ولا صوتا عليهم فيه عار أو غضاضة، ولكنه يعدل بتلك الألحان إلى أشعار في أوزانها، فالصوتان واحد لا ينبغي أن نعدهما اثنين عند التحصيل منا لغنائه، فصدقه إسحاق. فقال له إبراهيم: فأيها أولى عندك بالتقدمة? فقال:

صفحة : 71


وإذا ما عثرت في مرطـهـا \ نهضت باسمي وقالت يا عمر


فقال له إبراهيم: أحسبك يا أبا محمد - متعت بك - ما أردت إلا مساعدتي. فقال: لا، والله ما إلى هذا قصدت، وإن كنت أهوى كل ما قربني من محبتك.
فقال له: هذا أحب أغانيه إلي، وما أحسبه في مكان أحسن منه عندي، ولا كان ابن سريج يتغناه أحسن مما يتغناه جواري، ولئن كان كذلك فما هو عندي في حسن التجزئة والقسمة وصحتهما مثل لحنه في: صوت من المائة لمختارة من رواية جحظة
حييا أم يعـمـــرا \ قبل شحط من النوى
أجمع الحي رحـلة \ ففؤادي كذى الأسى
قلت لا تعجلوا الروا \ ح فقالوا ألا بـلـى


- الغناء لابن سريج من القدر الأوسط من الثقيل الأول مطلق في مجرى الوسطى. وفيه للهذلي خفيف ثقيل بالبنصر عن ابن المكي. وفيه لمالك ثقيل أول البنصر عن عمرو. وفيه لحنان من الثقيل الثاني: أحدهما لإسحاق والآخر لأبيه، ونسبه قوم إلى ابن محرز، ولم يصح ذلك - قال: فاجتمعا معا على أنه أول أغانيه وأحقها بالتقديم. وأمرني أبو إسحاق بتدوين ما يجري بينهما ويتفقان عليه، فكتبت هذا الشعر. ثم اتفقا على أن الذي يليه:


وإذا ما عثرت في مرطـهـا \ نهضت باسمي وقالت يا عمر

فأثبته أيضا. ثم تناظرا في الثالث فاجتمعا على أنه:
فتركته جزر السباع ينشنه \ ما بين قلة رأسه والمعصم


فقال إسحاق: لو قدمناه على الأغاني التي تقدمته كلها لكان يستحق ذلك. فقال أبو إسحاق: ما سمعته منذ عرفته إلا أبكاني، لأني إذا سمعته أو ترنمت به وجدت غمرا على فؤادي لا يسكن حتى أبكي. فقال إسحاق: إن مذهبه فيه ليوجب ذلك، فدونته ثالثا. ثم اتفقا على الرابع وأنه:
فلم أر كالتجمير منظر ناظـر \ ولا كليالي الحج أفتن ذا هوى

تحدثا بأحاديث لهذا الصوت مشهورة. ثم تناظرا في الخامس، فاتفقا على أنه:
عوجي علينا ربة الهودج \ إنك إلا تفعلي تحرجي فأثبته

. ثم تناظرا في السادس واتفقا على أنه:
ألا هل هاجك الأظعا \ ن إذ جاوزن مطلحا فأثبته

. ثم تناظرا في السابع فاتفقا على أنه:
غيضن من عبراتهن وقلن لي \ ماذا لقيت من الهوى ولقينـا

فأثبته. وتناظرا في الثامن فاتفقا على أنه:
تنكر الإثمد لا تعـرفـه \ غير أن تسمع منه بخبر

فأثبته. وتناظرا في التاسع فاتفقا على أنه:
ومن أجل ذات الخال أعملت ناقتي أكلفها سير الكلال مع الظـلـع )نسبة هذه الأصوات وأجناسها( منها: صوت

وإذا ما عثرت في مرطـهـا \ نهضت باسمي وقالت يا عمر


الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي.
ومنها: صوت

فتركته جزر السباع ينشنه \ ما بين قلة رأسه والمعصم


الشعر لعنترة بن شداد العبسي. والغناء لابن سريج ثقيل أول بالوسطى عن عمرو.
ومنها: صوت

فلم أر كالتجمير منظر ناظـر \ ولا كليالي الحج أفتن ذا هوى


الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو.
ومنها: صوت

عوجي علينا ربة الهودج \ إنك إلا تفعلي تحرجي


الشعر للعرجي. والغناء لابن سريج ثقيل بالوسطى عن عمرو.
ومنها: صوت

ألا هل هاجك الأظعا \ ن إذ جاوزن مطلحا


الشعر لعمر. والغناء لابن سريج ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه للغريض لحنان: ثقيل أول بالوسطى في مجراها عن إسحاق، وخفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيه لمعبد ثقيل أول ثالث بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق.
ومنها: صوت

غيضن من عبراتهن وقلن لي \ ماذا لقيت من الهوى ولقينـا


الشعر لجرير. والغناء لابن سريج رمل بالبنصر. وفيه لإسحاق رمل بالوسطى. وفيه للهذلي ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي.
ومنها: صوت

تنكر الإثمد لا تعـرفـه \ غير أن تسمع منه بخبر


الشعر لعبد الرحمن بن حسان. والغناء لابن سريج رمل بالوسطى.
ومنها: صوت


صفحة : 72


ومن أجل ذات الخال أعملت ناقتي \ أكلفها سير الكلال مع الظـلـع


الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج رمل بالبنصر. وفيه لإسحاق رمل بالوسطى.
تنافر معبد ومالك بن أبي السمح إليه
في صوتين غنياهما
أخبرني رضوان بن أحمد قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثني أبو إسحاق بن المهدي قال حدثني الزبير بن دحمان أن أباه حدثه: أن معبدا تغنى:
آب ليلي بـهـمـوم وفـكـر \ من حبيب هاج حزني والسهر
يوم أبصرت غرابـا واقـعـا \ شر ما طار على شر الشجر

فعارضه مالك فغنى في أبيات من هذا الشعر، وهي:
وجرت لي ظبية يتبـعـهـا \ لين الأظلاف من حور البقر
كلما كفكفت منـي عـبـرة \ فاضت العين بمنهـل درر

قال: فتلاحيا جميعا فيما صنعان من هذين الصوتين، فقال كل واحد منهما لصاحبه: أنا أجود صنعة منك. فتنافرا إلى ابن سريج فمضيا إليه بمكة. فلما قدماها سألا عنه، فأخبرا أنه خرج يتطرف بالحناء في بعض بساتينها. فاقتفيا أثره، حتى وقفا عليه وفي يده الحناء، فقالا له: إنا خرجنا إليك من المدينة لتحكم بيننا في صوتين صنعناهما. فقال لهما: ليغن كل واحد منكما صوته. فابتدأ معبد يغني لحنه. فقال له: أحسنت والله على سوء اخيتارك للشعر يا ويحك ما حملك على أن ضيعت هذه الصنعة الجيدة في حزن وسهر وهموم وفكر أربعة ألوان من الحزن في بيت واحد، وفي البيت الثاني شران في مصراع واحد، وهو قولك:
شر ما طار على شر الشجر ثم قال لمالك: هات ما عندك، فغناه مالك. فقال له: أحسنت والله ما شئت فقال له مالك: هذا وإنما هو ابن شهره، فكيف تراه يا أبا يحيى يكون إذا حال عليه الحول قال دحمان: فحدثني معبد أن ابن سريج غضب عند ذلك غضبا شديدا، ثم رمى بالحناء من يديه وأصابعه وقال له: يا مالك، ألي تقول ابن شهره اسمع مني ابن ساعته، ثم قال: يا أبا عباد أنشدني القصيدة التي تغنيتما فيها. فأنشدته القصيدة حتى انتهيت إلى قوله:
تنكر الإثمد لا تعـرفـه غير أن تسمع منه بخبر فصاح بأعلى صوته: هذا خليلي وهذا صاحبي، ثم تغنى فيه، فانصرفنا مفلولين مفضوحين من غير أن نقيم بمكة ساعة واحدة.
نسبة هذه الأغاني كلها صوت

آب ليلي بـهـمـوم وفـكـر \ من حبيب هاج حزني والسهر
يوم أبصرت غرابـا واقـعـا \ شر ما طار على شر الشجر
ينتف الريش علـى عـبـرية \ مرة المقضم من روح العشر


الشعر لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت يقوله في رملة بنت معاوية بن أبي سفيان، وله معها ومع أبيها وأخيها في تشبيبه بها أخبار كثيرة ستذكر في موضعها إن شاء الله. ومن الناس من ينسب هذا الشعر إلى عمر بن أبي ربيعة، وهو غلط. وقد بين ذلك مع أخبار عبد الرحمن في موضعه.
والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالوسطى عن يحيى المكي، وذكر عمرو بن بانة أنه للغريض، وله لحن آخر في هذه الطريقة.
صوت

وجرت لي ظبية يتبـعـهـا \ لين الأظلاف من حور البقر
خلفها أطلس عسال الضحى \ صادفته يوم طل وحـصـر


الغناء لمالك خفيف ثقيل بالبنصر في مجراها عن إسحاق.
صوت
\
إن عينيها لـعـينـا جـؤذر \ أهدب الأشفار من حور البقر
تنكر الإثـمـد لا تـعـرفـه \ غير أن تسمع منه بخـبـر


الغناء لابن سريج رمل بالسبابة، عن عمرو ويحيى المكي.
مضادة ابن سريج للغريض ومعارضة الغريض له
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد قال أبي قال محمد بن سعيد:

صفحة : 73

لما ضاد ابن سريج الغريض وناوأه، جعل ابن سريج لا يغني صوتا ألا عارضه فيه الغريض فغنى فيه لحنا غيره، وكانت ببعض أطراف مكة دار يأتيانها في كل جمعة ويجتمع لهما ناس كثير، فيوضع لكل واحد منهما كرسي يجلس عليه ثم يتناقضان الغناء ويترادانه. قال: فلما رأى ابن سريج موقع الغريض وغنائه من الناس لقربه من النوح وشبهه به، مال إلى الأرمال والأهزاج فاستخفها الناس. فقال له الغريض: يا أبا يحيى، قصرت الغناء وحذفته وأفسدته. فقال له: نعم يا مخنث، جعلت تنوح على أبيك وأمك، ألى تقول هذا والله لأغنين غناء ما غنى أحد أثقل منه ولا أجود. ثم تغنى:
تشكى الكميت الجري لما جهدته تقدير ابن أبي عتيق لابن سريج
قال حماد: وقرأت على أبي عن هشام بن المرية قال: كان ابن عتيق يسوق في كل عام عن ابن سريج بدنة وينحرها عنه، ويقول: هذا أقل حقه علينا.
اعتراف معبد لابن سريج بالسبق
عليه في صنعة الغناء
قال حماد: قال أبي وقال مخلد بن خداش المهلبي: كنا بالمدينة في مجلس لنا ومعنا معبد، فقدم من مكة إلى المدينة فدخل علينا ليلا، فجلس معبد يسائله عن الأخبار وهو يخبره ولا نسمع ما يقول. فالتفت إلينا معبد فقال: أصبحت أحسن الناس غناء. فقيل له: أو لم تكن كذلك? قال: لا حيث كان ابن سريج حيا، إن هذا أخبرني أن ابن سريج قد مات. ثم كان بعد ذلك إذا غنى صوتا فأعجبه غناؤه قال: أصبحت اليوم سريجيا.
أبو السائب المخزومي وأغاني ابن سريج
قال حماد: حدثني أبي قال حدثني أبو الحسن المدائني قال: قال معبد: أتيت أبا السائب - المخزومي وكان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة - فلما رآني تجوز وقال: ما معك من مبكيات ابن سريج? قلت قوله:
ولهن بالبيت العتـيق لـبـانة \ والبيت يعرفهن لو يتـكـلـم
لو كان حيا قبلهن ظـعـائنـا \ حيا الحطيم وجوههن وزمزم
لبثوا ثلاث منى بمنزل غبطة \ وهم على سفر لعمرك ما هم
متجاورين بغـير دار إقـامة \ لو قد أجد تفرق لم ينـدمـوا

فقال لي: غنه، فغنيته. ثم قام يصلي فأطال، ثم تجوز إلي فقال: ما معك من مطرباته ومشجياته? فقلت: قوله:
لسنا نبالي حين ندرك حـاجة \ ما بات أو ظل المطي معقلا

فقال لي: غنه، فغنيته. ثم صلى وتجوز إلي وقال: ما معك من مرقصاته? فقلت:
فلم أر كالتجمير منظر ناظـر \ ولا كليالي الحج أفتن ذا هوى

فقال: كما أنت حتى أتحرم لهذا بركعتين.
تغنيه بمسمع من عطاء بن أبي رباح
وتفضيله ابن سريج على الغريض
قال حماد: وأخبرني أبي عن إبراهيم بن المنذر الحزامي، وذكر أبو أيوب المديني عن الحزامي قال حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم المخزومي قال: أرسلتني أمي وأنا غلام أسأل عطاء بن أبي رباح عن مسألة، فوجدته في دار يقال لها دار المعلى - وقال أبو أيوب في خبره: دار المقل - وعليه ملحفة معصفرة، وهو جالس على منبر وقد ختن ابنه والطعام يوضع بين يديه وهو يأمر به أن يفرق في الخلق، فلهوت مع الصبيان ألعب بالجوز حتى أكل القوم وتفرقوا وبقي مع عطاء خاصته، فقالوا: يا أبا محمد لو أذنت لنا فأرسلنا إلى الغريض وابن سريج فقال: ما شئتم، فأرسلوا إليهما. فلما أتيا قاموا معهما وثبت عطاء في مجلسه فلم يدخل، فدخلوا بهما بيتا في الدار، فتغنيا وأنا أسمع. فبدأ ابن سريج فنقر بالدف وتغنى بشعر كثير:
بليلى وجارات لليلى كـأنـهـا \ نعاج الملا تحدى بهن الأباعر
أمنقطع يا عز ما كان بـينـنـا \ وشاجرني يا عز فيك الشواجر
إذا قيل هذا بيت عزة قـادنـي \ إليه الهوى واستعجلتني البوادر
أصد وبي مثل الجنون لكي يرى \ رواة الخنا أني لبيتك هـاجـر


فكأن القوم قد نزل عليهم السبات، وأدركهم الغشي فكانوا كالأموات، ثم أصغوا إليه بآذانهم وشخصت إليه أعينهم وطالت أعناقهم. ثم غنى الغريض بصوت أنسيته بلحن آخر. ثم غنى ابن سريج وأوقع بالقضيب، وأخذ الغريض الدف فغنى بشعر الأخطل:
فقلت اصبحونا لا أبا لأبـيكـم \ وما وضعوا الأثقال إلا ليفعلوا

صفحة : 74


وقلت اقتلوها عنكم بمزاجهـا \ فأكرم بها مقتولة حين تقتـل
أناخوا فجروا شاصيات كأنهـا \ رجال من السودان لم يتسربلوا

فوالله ما رأيتهم تحركوا ولا نطقوا إلا مستمعين لما يقول. ثم غنى الغريض بشعر آخر وهو:
هل تعرف الرسم والأطلال والدمنا \ زدن الفؤاد على ما عنده حـزنـا
دار لصفراء إذ كانت تحل بـهـا \ وإذ ترى الوصل فيما بيننا حسنـا
إذ تستبيك بمصقـول عـوارضـه \ ومقلتي جؤذر لم يعد أن شـدنـا


ثم غنيا جميعا بلحن واحد، فلقد خيل لي أن الأرض تميد، وتبينت ذلك في عطاء أيضا. وغنى الغريض في شعر عمر بن أبي ربيعة، وهو قوله:
كفى حزنا تجمع الدار شمـلـنـا \ وأمسي قريبا لا أزورك كلثمـا
دعي القلب لا يزدد خبالا مع الذي \ به منك أو داوى جواه المكتمـا
ومن كان لا يعدو هواه لسـانـه \ فقد حل في قلبي هواك وخيمـا
وليس بتزويق اللسان وصـوغـه \ ولكنه قد خالط اللحـم والـدمـا

وغنى ابن سريج أيضا:
خليلي عوجا نسأل اليوم مـنـزلا \ أبى بالبراق العفر أن يتـحـولا
ففرع النبيت فالشرى خف أهلـه \ وبدل أرواحا جنوبـا وشـمـالا
أرادت فلم تسطع كلاما فأومـأت \ إلينا ولم تأمن رسولا فتـرسـلا
بأن بت عسى أن يستر الليل مجلسا \ لنا أو تنام العين عنا فـتـقـبـلا

وغنى الغريض أيضا:
يا صاحبي قفا نـقـض لـبـانة \ وعلى الظعائن قبل بينكما اعرضا
لا تعجلاني أن أقـول بـحـاجة \ رفقا فقد زودت زادا مجرضـا
ومقالها بالنعف نعف مـحـسـر \ لفتاتها هل تعرفين المعـرضـا
هذا الذي أعطى مواثق عـهـده \ حتى رضيت وقلت لي لن ينقضا


وأغاني أنسيتها، وعطاء يسمع على منبره ومكانه، وربما رأيت رأسه قد مال وشفتيه تتحركان حتى بلغته الشمس، فقام يريد منزله. فما سمع السامعون شيئا أحسن منهما وقد رفعا أصواتهما وتغنيا بهذا. ولما بلغت الشمس عطاء قام وهم على طريقة واحدة في الغناء، فاطلع في كوة البيت. فلما رأوه قالوا: يا أبا محمد، أيهما أحسن غناء? قال: الرقيق الصوت. يعني ابن سريج.
نسبة ما في هذه الأخبار من الأصوات صوت

ولهن بالبيت العتـيق لـبـانة \ والبيت يعرفهن لو يتـكـلـم
لو كان حيا قبلهن ظـعـائنـا \ حيا الحطيم وجوههن وزمزم
وكأنهن وقد حسرن لواغـبـا \ بيض بأكناف الحطيم مركـم
لبثوا ثلاث منى بمنزل غبطة \ وهم على سفر لعمرك ما هم
متجاورين بغـير دار إقـامة \ لو قد أجد رحيلهم لم يندمـوا


عروضه من الكامل. الشعر لابن أذينة. والغناء لابن سريج ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وأخبار ابن أذينة تأتي بعد هذا في موضعها إن شاء الله.
ومنها الصوت الذي أوله في الخبر:
لسنا نبالي حين ندرك حاجة صوت

ودع لبابة قبل أن تـتـرحـلا \ واسأل فإن قليلـه أن تـسـألا
وانظر بعينك لـيلة وتـأنـهـا \ فلعل ما بخلت بـه أن يبـذلا
لسنا نبالي حين نـدرك حـاجة \ ما راح أو ظل المطي معقلا
حتى إذا ما الليل جن ظـلامـه \ ورجوت غفلة حارس أن يعقلا
خرجت تأطر في الثياب كأنهـا \ أيم يسيب على كثـيب أهـيلا

الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج ثقيل أول بالوسطى في مجراها. وفيه لمعبد لحن من خفيف الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى، وهو من مختار أغانيه ونادرها وصدور صنعته وما يقدم على كثير منها.
( الغمر بن يزيد وشعر ابن أبي ربيعة) أخبرني أحمد بن محمد بن إسحاق الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري عن عبد الله بن عمران بن أبي فروة قال: كنت أسير مع الغمر بن يزيد، فاستنشدني فأنشدته لعمر بن أبي ربيعة:

صفحة : 75


ودع لـبـابة أن تـتـرحــلا \ واسأل فإن قليلـه أن تـسـألا
قال ائتمر ما شئت غير مخالف\ فيما هويت فإننا لن نعـجـلا
نجري أيادي كنت تبذلها لـنـا \ حق علينا واجب أن نفـعـلا
حتى إذا ما الليل جن ظـلامـه \ ورجوت غفلة حارس أن يعقلا
خرجت تأطر في الثياب كأنهـا\ أيم يسيب على كثـيب أهـيلا
رحبت لما أقبلت فتـعـلـلـت \ لتحيتي لما رأتنـي مـقـبـلا
فجلا القناع سحابة مشـهـورة \ غراء تعشي الطرف أن يتأملا
فظللت أرقيها بما لو عـاقـل \ يرقى به ما اسطاع ألا ينـزلا
تدنو فأطمع ثم تمنع بـذلـهـا \ نفس أبت للجود أن تتبـخـلا


قال: فأمر غلامه فحملني على بغلته التي كانت تحته. فلما أراد الانصراف طلب الغلام مني البغلة، فقلت: لا أعطيكها، هو أكرم وأشرف من أن يحملني عليها ثم ينتزعها مني. فقال للغلام: دعه يا بني، ذهبت والله لبابة ببغلة مولاك.
إذا أعجزك أن تطرب القرشي
فغنه غناء ابن سريج في شعر ابن أبي ربيعة
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه، وأخبرنيه الحسن بن علي عن هارون بن الزيات عن حماد عن أبيه قال حدثني عثمان بن حفص الثقفي عن إبراهيم بن عبد السلام بن أبي الحارث عن ابن تيزن المغنى قال قال أبو نافع الأسود - وكان آخر من بقي من غلمان ابن سريج -: إذا أعجزك أن تطرب القرشي فغنه غناء ابن سريج في شعر عمر بن أبي ربيعة فإنك ترقصه. قال: وأبو نافع هذا أحذق غلمان ابن سريج ومن أخذ عنه، وكان أحسن رواته موتا.
ومنها: صوت

بليلى وجارات لليلـى كـأنـهـا \ نعاج الملا تحدى بهن الأباعـر
أمنقطع يا عز ما كـان بـينـنـا \ وشاجرني يا عز فيك الشواجـر
إذا قيل هذا بيت عـزة قـادنـي \ إليه الهوى واستعجلتني البـوادر
أصد وبي الجنـون لـكـي يرى \ رواة الخنا أني لبيتـك هـاجـر
ألا ليت حظي منك يا عز أننـي \ إذا بنت باع الصبر لي عنك تاجر



عروضه من الطويل. الشعر لكثير. والغناء لمعبد ثقيل أول بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو. وفيه لابن سريج لحن أوله: أصد وبي مثل الجنون خفيف رمل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق.
ومنها: صوت

أناخوا فجروا شاصيات كأنهـا \ رجال من السودان لم يتسربلوا
فقلت اصبحوني لا أبا لأبيكـم \ وما وضعوا الأثقال إلا ليفعلوا
تمر بها الأيدي سنيجا وبارحـا \ وترفع باللهم حـي وتـنـزل



قال: عروضه من الطويل. الشاصيات: الشائلات قوائمها من امتلائها، يعني الزقاق، يقال: شصا يشصو وشصا ببصره إذا رفعه كالشاخص، وأنشد:
وربرب خمـاص \ يطعن بالصياصي
ينظر من خصاص \ بأعين شواصـي
كفلق الرصـاص \ تسمو إلى القناص


الشعر للأخطل، وذكره يأتي في غير هذا الموضع، من قصيدة يمدح بها خالد بن عبد الله بن أسيد بن أبي العيص بن أمية. والغناء لمالك وله فيه لحنان: أحدهما في الأول والثاني رمل بالبنصر في مجراها عن إسحاق، والآخر في الثالث والأول والثاني خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لابن محرز خفيف ثقيل بالبنصر في مجراها. وفيه رمل آخر لإبراهيم عن عمرو أيضا.
ومنها: صوت

هل تعرف الرسم والأطلال والدمنا وذكر الأبيات الثلاثة وقد تقدمت. عروضه من البسيط. الشعر لذي الإصبع العدواني. والغناء لابن عائشة ثاني ثقيل بالبنصر.
ومنه: صوت

كفى حزنا أن تجمع الدار شملنا صوت من المائة المختارة
في رواية جحظة

دعي القلب لا يزدد خبالا مع الذي \ به منك أو داوي جواه المكتمـا
ومن كان لا يعدو هواه لسـانـه \ فقد حل في قلبي هواك وخيمـا
وليس بتزويق اللسان وصـوغـه \ ولكنه قد خالط اللحـم والـدمـا



صفحة : 76

عروضه من الطويل. الشعر للأحوص، وقيل: إنه لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان. والغناء لمعبد ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وذكر يونس أن لمالك لحنا فيه -
أكلثم فكي عانيا بك مغـرمـا \ وشدي قوى حبل لنا قد تصرما
فإن تسعفيه مرة بـنـوالـكـم \ فقد طالما لم ينج منك مسلمـا
كفى حزنا أن تجمع الدار شملنا \ وأمسي قريبا لا أزورك كلثما


وبعده هذه الأبيات التي مضت.
اتفاق المغنين على تفضيل لحن ابن سريج
وليس بتزويق اللسان... الخ
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد وذكر الثقفي عن دحمان قال: تذاكرنا ونحن في المسجد أنا والربيع بن أبي الهيثم الغناء أيه أحسن، فجعل يقول وأقول فلا نجتمع على شيء. فقلت: اذهب بنا إلى مالك بن أبي السمح. فذهبنا إليه فوجدناه في المسجد، فقال: ما جاء بكما? فأخبرناه. فقال: قد جرى هذا بيني وبين معبد وقال وقلت، فجاءني معبد يوما وأنا في المسجد وقال: قد جئتك بشيء لا ترده. فقلت: وما هو? قال: لحن ابن سريج:
وليس بتزويق اللسان وصوغه \ ولكنه قد خالط اللحم والدمـا


ثم قال لي معبد: أسمعكه? قلت: نعم، وأريته أني لم أسمعه قبل، فقال: اسمعه مني؛ فغنى فيه ونحن في المسجد، فما سمعت شيئا قط أحسن منه، فافترقنا وقد اجتمعنا عليه.
وقرأت في فصل لإبراهيم بن المهدي إلى إسحاق الموصلي. وكتبت رقعتي هذه وأنا في غمرة من الحمى تصدف عن المفترضات. ولولا خوفي من تشنيعك وتجنيك لم يكن في للإجابة فضل، غير أني قد تكلفت الجواب على ما الله به عالم من صعوبة علتي وما أقاسيه من الحرارة الحادثة بي.

وليس بتزويق اللسان وصوغه \ ولكنه قد خالط اللحم والدمـا


تفضيل غناء ابن سريج
على غناء معبد ومالك بن أبي السمح
وقال إسحاق حدثني شيخ من موالي المنصور قال: قدم علينا فتيان من بني أمية يريدون مكة، فسمعوا معبدا ومالكا فأعجبوا بهما، ثم قدموا مكة فسألوا عن ابن سريج فوجدوه مريضا، فأتوا صديقا له فسألوه أن يسمعهم غناءه، فخرج معهم حتى دخلوا عليه. فقالوا: نحن فتيان من قريش، أتيناك مسلمين عليك، وأحببنا أن نسمع منك. فقال: أنا مريض كما ترون. فقالوا: إن الذي نكتفي منك به يسير - وكان ابن سريج أديبا طاهر الخلق عارفا بأقدار الناس - فقال: يا جارية، هاتي جلبابي وعودي، فأتته خادمة بخامة فسدلها على وجهه - وكان يفعل ذلك إذا تغنى لقبح وجهه - ثم أخذ العود فغناهم، فأرخى ثوبه على عينيه وهو يغني، حتى إذا اكتوا ألقى عوده وقال: معذرة. فقالوا: نعم، قد قبل الله عذرك فأحسن الله إليك، ومسح ما بك، وانصرفوا يتعجبون مما سمعوا. فمروا بالمدينة منصرفين، فسمعوا من معبد ومالك، فجعلوا لا يطربون لهما ولا يعجبون بهما كما كانوا يطربون. فقال أهل المدينة: نحلف بالله لقد سمعتم بعدنا ابن سريج قالوا: أجل لقد سمعناه فسمعنا ما لم نسمع مثله قط، ولقد نغص علينا ما بعده.
تغني رقطاء الحبطية برمله
في شعر ابن عمارة السلمي
وذكر العتابي أن زكريا بن يحيى حدثه قال حدثني عبد الله بن محمد بن عثمان العثماني عن بعض أهل الحجاز قال: التقى قنديل الجصاص وأبو الجديد بشعب الصفراء، فقال قنديل لأبي الجديد: من أين وإلى أين? قال: مررت برقطاء الحبطية رائحة تترنم برمل ابن سريج في شعر ابن عمارة السلمي: صوت

سقى مأزمي نجد إلى بـئر خـالـد \ فوادي نصاع فالقرون إلى عـمـد
وجادت بروق الرائحـات بـمـزنة \ تسح شآبيبا بمـرتـجـز الـرعـد
منازل هند إذ تواصـلـنـي بـهـا \ ليالي تسبيني بمسـتـطـرف الـود
ينير ظلام الليل من حسن وجهـهـا \ وتهدي بطيب الريح من جاء من نجد


صفحة : 77

- الغناء لابن سريج رمل بالبنصر عن الهشامي - فزففت خلفها زفيف النعامة، فما انجلت غشاوتي إلا وأنا بالمشاش حسير، فأودعتها قلبي وخلفته لديها، وأقبلت أهوي كالرخمة بغير قلب. فقال لي قنديل: ما دفع أحد من المزدلفة أسعد منك، سمعت شعر ابن عمارة في غناء ابن سريج من رقطاء الحبطية؛ لقد أوتيت جزءا من النبوة. قال: وكانت رقطاء هذه من أضرب الناس؛ فدخل رجل من أهل المدينة منزلها فغنته صوتا. فقال له بعض من حضر: هل رأيت قط أو ترى أفصح من وتر هذه? فطرب المدني وقال: علي العهد إن لم يكن وترها من معي بشكست النحوي، فكيف لا يكون فصيحا وبشكست هذا كان نحويا بالمدينة، وقتل مع الشراة الخارجين مع أبي حمزة صاحب عبد الله بن يحيى الكندي الشاري المعروف بطالب الحق.
غناؤه مخلوق من قلوب الناس جميعا
قال محمد بن الحسن وحدث عن إسحاق عن أبيه أنه كان يقول: غناء كل مغن مخلوق من قلب رجل واحد، وغناء ابن سريج مخلوق من قلوب الناس جميعا. وكان يقول: الغناء على ثلاثة أضرب، فضرب مله مطرب يحرك ويستخف، وضرب ثان له شجا ورقة، وضرب ثالث حكمة وإتقان صنعة.
قال: وكل هذا مجموع في غناء ابن سريج.
تغني ابن سلمة الزهري بغنائه
والتقاء ابن سلمة الزهري والأخضر الجدي ببئر الفصح
قال العتابي وحدثني زكريا بن يحيى عن عبد الله بن محمد العثماني قال: ذكر بعض أصحابنا الحجازيين قال: التقى ابن سلمة الزهري والأخضر الجدي ببئر الفصح، فقال ابن سلمة: هل لك في الاجتماع نستمتع بك? فقال له الأخضر: لقد كنت إلى ذلك مشتاقا، قال: فقعدا يتحدثان، فمر بهما أبو السائب، فقال: يا مطربي الحجاز، ألشيء كان اجتماعكما? فقالا: لغير موعد كان ذلك، أفتؤنسنا? قال: فقعدوا يتحدثون. فلما مضى بعض الليل قال الأخضر لابن سلمة: يا أبا الأزهر، قد ابهار الليل وساعدك القمر، فأوقع بقهقهة ابن سريج وأصب معناك. فاندفع يغني: صوت

تجنت بلا جرم وصدت تغضبـا \ وقالت لتربيها مقالة عـاتـب
سيعلم هذا أنني بـنـت حـرة \ سأمنع نفسي من ظنون كواذب
فقولي له عنا تـنـح فـإنـنـا \ أبيات فحش طاهرات المناسب


- الغناء لابن سريج ولم يذكر طريقته - قال: فجعل أبو السائب يزفن ويقول: أبشر حبيبي؛ فلأنت أفضل من شهداء قزوين. قال: ثم قال ابن سلمة للأخضر: نعم المساعد على هم الليل أنت فأوقع بنوح ابن سريج ولا تعد معناك. فاندفع يغني: صوت

فلما التقينا بالحجون تنـفـسـت \ تنفس محزون الفـؤاد سـقـيم
وقالت وما يرقا من الخوف دمعها \ أقاطنها أم أنـت غـير مـقـيم
فإنا غدا تحدى بنا العيس بالضحى \ وأنت بما نلقـاه غـير عـلـيم
فقطع قلبي قولها ثم أسـبـلـت \ محاجز عيني دمعها بـسـجـوم



قال: فجعل أبو السائب يتأفف ويقول: أعتق ما أملك إن لم تكن فردوسية الطينة، وإنها بعلمها لأفضل من آسية امرأة فرعون.
تغني الذلفاء بلحن ابن سريج
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي قال: بلغني أن أبا دهبل الجمحي قال: كنت أنا وأبو السائب المخزومي عند مغنية بالمدينة يقال لها الذلفاء ، فغنتنا بشعر جميل بن معمر العذري، واللحن لابن سريج: صوت

لهن الوجى لم أكن عونا على النوى \ ولا زال منها ظالـع وكـسـير
كأني سقيت السم يوم تحـمـلـوا \ وجد بهم حـاد وحـان مـسـير


فقال أبو السائب: يا أبا دهبل، نحن والله على خطر من هذا الغناء، فنسأل الله السلامة وأن يكفينا كل محذور، فما آمن أن يهجم بي على أمر يهتكني. قال: وجعل يبكي












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 11:48 PM   المشاركة رقم: 15
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
تأثير غناء ابن سريج في الحاج
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا الزبير بن بكار عن بكار بن رباح عن إسحاق بن مقمة عن أمه قالت: سمعت ابن سريج على أخشب منى غداة النفر وهو يغني:
جدوي الوصل يا قريب وجودي \ لمحب فـراقـه قـد ألـمـا
ليس بين الحياة والـمـوت إلا \ أن يردوا جمالهم فـتـرمـا

صفحة : 78

- ونسبة هذا الصوت تأتي بعد هذه الأخبار - قالت: فما تشاء أن تسمع من خباء ولا مضرب حنينا ولا أنينا إلا سمعته.
مذاكرة ابن المهدي وإسحاق في تفضيله
وذكر يوسف بن إبراهيم أنه حضر إسحاق بن إبراهيم الموصلي ليلة وهو يذاكر إبراهيم بن المهدي، إلى أن قال إسحاق في بعض مخاطبته إياه: هذا صوت قد تمعبد فيه ابن سريج. فقال له إبراهيم: ما ظننت أنك يا أبا محمد مع علمك وتقدمك تقول مثل هذا في ابن سريج، فكيف يجوز أن تقول: تمعبد ابن سريج، وإنما معبد إذا أحسن قال: أصبحت سريجيا قد أغنى الله ابن سريج عن هذا ورفع قدره عن مثله، وأعيذك بالله أن تستشعر مثله في ابن سريج. قال: فما رأيت إسحاق دفع ذلك ولا أباه، ولا زاد على أن قال: هي كلمة يقولها الناس، لم أقلها اعتقادا لها فيه، وإنما تكلمت بها على العادة.
اعتراف معبد له بالتفوق أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا محمد بن سلام قال: قال لي شعيب بن صخر: كان معبد إذا غنى فأجاد قال: أنا اليوم سريجي.
كان المغنون يغنون فإذا جاء سكتوا حدثني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن سلام قال حدثنا شعيب بن صخر قال: كان نعمان المغني عندي نازلا، وكان يغني، وكنت أراه يأتيه قوم. قال أبو عبد الله: فقلت له: فأيهم كان أحذق? قال: لا أدري، إلا أنهم كانوا إذا جاء ابن سريج سكتوا.
الأحوص وابن سريج
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني الهيثم بن عياش قال حدثني عبد الرحمن بن عيينة قال: بينما نحن بمنى ونحن نريد الغدو إلى عرفات، إذ أتانا الأحوص فقال: أبيت بكم الليلة? قلنا: بالرحب والسعة. فلما جنه الليل لم يلبث أن غاب عنا ثم عاد ورأسه يقطر ماء. قلت: ما لك? قال: صوت

تعرض سلماك لمـا حـرم \ ت ضل ضلالك من محرم
تريد بـه الـبـر يا لـيتـه \ كفافا من البر والـمـأثـم


- الغناء لابن سريج ولم يجنسه - قال قلت: زنيت ورب الكعبة قال: قل ما بدا لك. ثم لقي ابن سريج فقال: إني قد قلت بيتين حسنين أحب أن تغنيني بهما. قال: ما هما? فأنشده إياهما؛ فغنى بهما من ساعته، ففتن من حضر ممن سمع صوته.
ارتحال جرير إلى مكة ليسمع غناءه
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: قدم جرير بن الخطفي المدينة ونحن يومئذ شباب نطلب الشعر، فاحتشدنا له ومعنا أشعب. فبينا نحن عنده إذ قام لحاجة وأقمنا لم نبرح. وجاء الأحوص بن محمد الشاعر من قباء على حمار فقال: أين هذا? فقلنا: قام لحاجة، فما حاجتك إليه? قال: أريد والله أن أعلمه أن الفرزدق أشعر منه وأشرف. قلنا: ويحك لا تعرض له وانصرف، فانصرف وخرج. فجاء جرير فلم يكن بأسرع من أن أقبل الأحوص الشاعر فأقبل عليه، فقال: السلام عليك يا جرير. قال جرير: وعليك السلام. فقال الأحوص: يابن الخطفى، الفرزدق أشرف منك وأشعر. قال جرير: من هذا أخزاه الله قلنا: الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. فقال: نعم هذا الخبيث ابن الطيب، أأنت القائل:
يقر بعيني ما يقر بـعـينـهـا \ وأحسن شيء ما به العين قرت قال نعم. قال: فإنه يقر بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أفيقر ذلك بعينك? قال: وكان الأحوص يرمى بالحلاق فانصرف، فبعث إليهم بتمر وفاكهة. وأقبلنا على جرير نسائله، وأشعب عند الباب وجرير في مؤخر البيت، فألح عليه أشعب يسأل. فقال: والله إني لأراك أقبحهم وجها وأراك ألأمهم حسبا؛ فقد أبرمتني منذ اليوم. قال: إني والله أنفعهم وخيرهم لك. فانتبه جرير وقال: ويحك كيف ذاك? قال: إني أملح شعرك وأجيد مقاطعه ومبادئه. فقال: قل، ويحك فاندفع أشعب فنادى بلحن ابن سريج:
يا أخت ناجية السلام عليكـم \ قبل الرحيل وقبل عدل العذل
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم \ يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل

صفحة : 79

فطرب جرير وجعل يزحف نحوه حتى ألصق بركبته ركبته، وقال: لعمري لقد صدقت، إنك لأنفعهم لي وقد حسنته وأجدته وزينته، أحسنت والله، ثم وصله وكساه. فلما رأينا إعجاب جرير بذلك الصوت، قال له بعض أهل المجلس: فكيف لو سمعت واضع هذا الغناء? قال: أو إن له لواضعا غير هذا? فقلنا نعم. قال: فأين هو? قلنا: بمكة قال: فلست بمفارق حجازكم حتى أبلغه. فمضى ومضى معه جماعة ممن يرغب في طلب الشعر في صحابته وكنت فيهم، فأتيناه جميعا، فإذا هو في فتية من قريش كأنهم المها مع ظرف كثير، فأدنوا ورحبوا وسألوا عن الحاجة، فأخبرناهم الخبر، فرحبوا بجرير وأدنوه وسروا بمكانه، وأعظم عبيد بن سريج موضع جرير وقال: سل ما تريد جعلت فداءك قال: أريد أن تغنيني لحنا سمعته بالمدينة أزعجني إليك. قال: وما هو? قال:
يا أخت ناجية السلام عليكـم \ قبل الرحيل وقبل عذل العذل


فغناه ابن سريج وبيده قضيب يوقع به وينكت، فوالله ما سمعت شيئا قط أحسن من ذلك. فقال جرير: لله دركم يا أهل مكة، ما أعطيتم والله لو أن نازعا نزع إليكم ليقيم بين أظهركم فيسمع هذا صباح مساء لكان أعظم الناس حظا ونصيبا، فكيف ومع هذا بيت الله الحرام، ووجوهكم الحسان، ورقة ألسنتكم، وحسن شارتكم، وكثرة فوائدكم أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن جده إبراهيم قال: الوليد بن عبد الملك وابن سريج
كتب الوليد بن عبد الملك إلى عامل مكة أن أشخص إلي ابن سريج، فأشخصه. فلما قدم مكث أياما لا يدعو به ولا يلتفت إليه. قال: ثم إنه ذكره، فقال: ويلكم أين ابن سريج? قالوا: هو حاضر. قال: علي به. فقالوا: أجب أمير المؤمنين. فتهيأ ولبس وأقبل حتى دخل عليه فسلم. فأشار إليه أن اجلس، فجلس بعيدا . فاستدناه فدنا حتى كان منه قريبا، وقال: ويحك يا عبيد لقد بلغني عنك ما حملني على الوفادة بك من كثرة أدبك وجودة اختيارك مع ظرف لسانك وحلاوة مجلسك. فقال: جعلت فداءك يا أمير المؤمنين تسمع بالمعيدي خير من أن تراه . قال الوليد: إني لأرجو ألا تكون أنت ذاك، ثم قال: هات ما عندك. فاندفع ابن سريج فغنى بشعر الأحوص:
أمنزلتي سلمى على القدم اسلـمـا \ فقد هجتما للشوق قلبـا مـتـيمـا
وذكرتما عصر الشباب الذي مضى \ وجدة وصل حبله قـد تـجـذمـا
وإني إذا حلـت بـبـيش مـقـيمة \ وحل بوج جالسـا أو تـتـهـمـا
يمانية شطت فأصبـح نـفـعـهـا \ رجاء وظنا بالمغـيب مـرجـمـا
أحب دنو الدار منـهـا وقـد أبـى \ بها صدع شعب الدار إلا تثـلـمـا
بكاها وما يدري سوى الظن من بكى \ أحيا يبكى أم ترابـا وأعـظـمـا
فدعها وأخلف للـخـلـيفة مـدحة \ تزل عنك بؤس أو تفيدك أنعـمـا
فإن بكـفـيه مـفـاتـيح رحـمة \ وغيث حيا يحيا به الناس مرهـمـا
إمام أتاه الملك عـفـوا ولـم يثـب \ على ملكه مالا حـرامـا ولا دمـا
تخيره رب العـبـاد لـخـلـقـه \ وليا وكان الله بالنـاس أعـلـمـا
فلما قضاه الله لم يدع مـسـلـمـا \ لبـيعـتـه إلا أجـاب وسـلـمـا
ينال الغنى والعـز مـن نـال وده \ ويرهب موتا عاجلا من تـشـأمـا



فقال الوليد: أحسنت والله وأحسن الأحوص علي بالأحوص. ثم قال: يا عبيد هيه فغناه بشعر عدي بن الرقاع العاملي يمدح الوليد: صوت

طار الكرى وألم الهم فاكتـنـعـا \ وحيل بيني وبين النوم فامتنـعـا
كان الشباب قناعا أسـتـكـن بـه \ وأستظل زمانا ثمت انقـشـعـا
فاستبدل الرأس شيبا بعـد داجـية \ فينانة ما ترى في صدغها نزعـا
فإن تكن ميعة من باطل ذهـبـت \ وأعقب الله بعد الصبوة الورعـا
فقد أبيت أراعي الـخـود راقـدة \ على الوسائد مسرورا بها ولـعـا
براقة الثغر تشفي القلب لذتـهـا \ إذا مقبلها في ريقـهـا كـرعـا
كالأقحوان بضاحي الروض صبحه \ غيث أرش بتنضاح وما نـقـعـا

صفحة : 80


صلى الذي الصلوات الطيبات له \ والمؤمنون إذا ما جمعوا الجمعا
على الذي سبق الأقوام ضاحـية \ بالأجر والحمد حتى صاحباه معا
هو الذي جمع الرحمن أمـتـه \ على يديه وكانوا قبلـه شـيعـا
عذنا بذي العرش أن نحيا ونفقده \ وان نكون لراع بعده تـبـعـا
إن الوليد أمير المؤمـنـين لـه \ ملك عليه أعان الله فارتفـعـا
لا يمنع الناس ما أعطى الذين هم \ له عباد ولا يعطون ما منـعـا


فقال له الوليد: صدقت يا عبيد أنى لك هذا? قال: هو من عند الله. قال الوليد: لو غير هذا قلت لأحسنت أدبك. قال ابن سريج: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قال الوليد: يزيد في الخلق ما يشاء. قال ابن سريج: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر. قال الوليد: لعلمك والله أكبر وأعجب إلي من غنائك غنني. فغناه بشعر عدي بن الرقاع العاملي يمدح الوليد:
عرف الديار توهما فاعتـادهـا \ من بعد ما شمل البلى أبلادهـا
ولرب واضحة العوارض طفلة \ كالريم قد ضربت بها أوتادهـا
إني إذا ما لم تصلني خـلـتـي \ وتباعدت مني اغتفرت بعادهـا
صلى الإله على امرىء ودعته \ وأتم نعمتـه عـلـيه وزادهـا
وإذا الربيع تتابـعـت أنـواؤه \ فسقى خناصرة الأحص فجادها
نزل الوليد بها فكان لأهـلـهـا \ غيثا أغاث أنيسهـا وبـلادهـا
أولا ترى أن البـرية كـلـهـا \ ألقت خزائمها إليه فـقـادهـا
ولقد أراد الـلـه إذ ولاكـهـا \ من أمة إصلاحها ورشـادهـا
أعمرت أرض المسلمين فأقبلت \ وكففت عنها من يروم فسادها
وأصبت في أرض العدو مصيبة \ عمت أقاصي غورها ونجادها
ظفرا ونصرا ما تناول مثـلـه \ أحد من الخلفاء كـان أرادهـا
فإذا نشرت له الثنـاء وجـدتـه \ جمع المكارم طرفها وتلادهـا

صفحة : 81

فأشار الوليد إلى بعض الخدم، فغطوه بالخلع ووضعوا بين يديه كيسا من الدنانير وبدرا من الدراهم، ثم قال الوليد بن عبد الملك: يا مولى بني نوفل بن الحارث، لقد أوتيت أمرا جليلا. فقال ابن سريج: يا أمير المؤمنين لقد آتاك الله ملكا عظيما وشرفا عاليا، وعزا بسط يدك فيه فلم يقبضه عنك ولا يفعل إن شاء الله. فأدام الله لك ما ولاك، وحفظك فيما استرعاك، فإنك أهل لما أعطاك، ولا نزعه منك إذ رآك له موضعا. قال: يا نوفلي، وخطيب أيضا قال ابن سريج: عنك نطقت، وبلسانك تكلمت، وبعزك بينت. وقد كان أمر بإحضار الأحوص بن محمد الأنصاري وعدي بن الرقاع العاملي. فلما قدما عليه أمر بإنزالهما حيث ابن سريج، فأنزلا منزلا إلى جنب ابن سريج. فقالا: والله لقرب أمير المؤمنين كان أحب إلينا من قربك يا مولى بني نوفل، وإن في قربك لما يلذنا ويشغلنا عن كثير مما نريد. فقال لهما ابن سريج: أو قلة شكر فقال له عدي: كأنك يابن اللخناء تمن علينا علي وعلي إن جمعنا وإياك سقف بيت أو صحن دار إلا عند أمير المؤمنين. وأما الأحوص فقال: أو لا تحتمل لأبي يحيى الزلة والهفوة وكفارة يمين خير من عدم المحبة، وإعطاء النفس سؤلها خير من لجاج في غير منفعة فتحول عدي، وبقي عنده الأحوص. وبلغ الوليد ما جرى بينهم، فدعا ابن سريج وأدخله بيتا وأرخى دونه سترا، ثم أمره إذا فرغ الأحوص وعدي من كلمتيهما أن يغنى. فلما دخلا وأنشداه مدائح فيه، رفع ابن سريج صوته من حيث لا يرونه وضرب بعوده. فقال عدي: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي أن أتكلم? فقال: قل يا عاملي. قال: أمثل هذا عند أمير المؤمنين، ويبعث إلى ابن سريج يتخطى به رقاب قريش والعرب من تهامة إلى الشأم، ترفعه أرض وتخفضه أخرى فيقال: من هذا. فيقال: عبيد بن سريج مولى بني نوفل بعث أمير المؤمنين إليه، ليسمع غناءه فقال: ويحك يا عدي أو لا تعرف هذا الصوت? قال: لا، والله ما سمعته قط ولا سمعت مثله حسنا، ولولا أنه في مجلس أمير المؤمنين لقلت: طائفة من الجن يتغنون. فقال: اخرج عليهم، فخرج فإذا ابن سريج. فقال عدي: حق لهذا أن يحمل حق لهذا أن يحمل - ثلاثا - ثم أمر لهما بمثل ما أمر به لابن سريج، وارتحل القوم. وكان الذي غناه ابن سريج من شعر عمر بن أبي ربيعة:
بالله يا ظبي بني الـحـارث \ هل من وفى بالعهد كالناكث
لا تخدعني بالمنى بـاطـلا \ وأنت بي تلعب كالعـابـث
حتى متى أنت لنـا هـكـذا \ نفسي فداء لك يا حـارثـي
يا منتهى همي ويا منـيتـي \ ويا هوى نفسي ويا وارثـي


عتاب الناس له في صنعة الغناء
ثم رجوعهم بعد أن يسمعوا صوته
قال: وبلغني أن رجلا من الأشراف من قريش من موالي ابن سريج عاتبه يوما على الغناء وأنكره عليه، وقال له: لو أقبلت على غيره من الآداب لكان أزين بمواليك وبك فقال: جعلت فداك امرأته طالق إن أنت لم تدخل الدار. فقال الشيخ: ويحك ما حملك على هذا? قال: جعلت فداك قد فعلت. فالتفت النوفلي إلى بعض من كان معه متعجبا مما فعل. فقال له القوم: قد طلقت امرأته إن أنت لم تدخل الدار. فدخل ودخل القوم معه. فلما توسطوا الدار قال: امرأته طالق إن أنت لم تسمع غنائي. قال: اغرب عني يا لكع ثم بدر الشيخ ليخرج. فقال له أصحابه: أتطلق امرأته وتحمل وزر ذلك? قال: فوزر الغناء أشد. قالوا: كلا ما سوى الله عز وجل بينهما. فأقام الشيخ مكانه. ثم اندفع ابن سريج يغني في شعر عمر بن أبي ربيعة في زينب:
أليست بالتي قالـت \ لمولاة لها ظهـرا
أشيري بالسلام لـه \ إذا هو نحونا خطرا
وقولي في ملاطـفة \ لزينب نولي عمـرا
أهذا سحرك النسـوا \ ن قد خبرنني الخبرا



فقال للجماعة: هذا والله حسن ما بالحجاز مثله ولا في غيره. وانصرفوا.


صفحة : 82

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الأصمعي قال: قال عبد الله بن عمير الليثي لابن سريج: لو تركت الغناء وعاتبه على ذلك. فقال: جعلت فداك لو سمعته ما تركته. ثم قال: امرأته طالق ثلاثا إن لم تدخل الدار حتى تسمع غنائي. فالتفت عبد الله إلى رفيق له كان معه فقال: ما تنتظر? ادخل بنا وإلا طلقت امرأة الرجل. فدخلا مع ابن سريج، فغنى بشعر الأحوص: صوت

لقد شاقك الحي إذ ودعوا \ فعينك في إثرهم تدمع
وناداك للبين غربـانـه \ فظلت كأنك لا تسمـع



ثم قال: امرأته طالق إن أنت لم تستحسنه لأتركنه. فتبسم عبد الله وخرج.
نسبة ما في هذه الأخبار من الأصوات منها: الصوت الذي أوله في الخبر:
جددي الوصل يا قريب وجودي أوله: صوت

إن طيف الخيال حـين ألـمـا \ هاج لي ذكرة وأحدث هـمـا
جددي الوصل يا قريب وجودي \ لمحب فـراقـه قـد ألـمـا
ليس بين الحياة والـمـوت ألا \ أن يردوا جمالهـم فـتـزمـا
ولقد قلت مخفـيا لـغـريض \ هل ترى ذلك الغزال الأحمـا
هل ترى مثله من الناس شخصا\ أكمل الناس صـورة وأتـمـا



عروضه من الخفيف. الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء لابن سريج ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي. وفيه للغريض أيضا ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق.
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير قال: أنشد جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين قول عمر:
ليس بين الحياة والموت إلا L أن يردوا جمالهم فتزمـا فطرب وارتاح وجعل يقول: لقد عجلوا البين، أفلا يوكون قربة أفلا يودعون صديقا أفلا يشدون رحلا حتى جرت دموعه.
وحدثنا الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير فذكر مثله.
ومنها: صوت

يا أخت ناجية السلام عليكـم \ قبل الرحيل وقبل عذل العذل
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم \ يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل


عروضه من الكامل. الشعر لجرير. والغناء لابن سريج ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن ابن المكي، وذكره إسحاق في هذه الطريقة ولم ينسبه إلى أحد. وفيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن ابن المكي أيضا. ومما يشك فيه أنه لمعبد أو لكردم ابنه في البيت الثاني والأول ثاني ثقيل. ولعريب في هذين البيتين لحن من رواية ابن المعتز غير مجنس.
ومنها: صوت

أمنزلتي سلمى على القدم أسلـمـا \ فقد هجتما للشوق قلبا مـتـيمـا
وذكرتما عصر الشباب الذي مضى \ وجدة وصل حبله قد تـجـذمـا


عروضه من الطويل. والشعر للأحوص. والغناء لكردم ثاني ثقيل بالوسطى، وقيل: إن هذا الثقيل الثاني لمحمد الرف، وإن فيه لحنا من الثقيل الأول لكردم.
ومنها: صوت

عرف الديار توهما فاعتادهـا \ من بعد ما شمل البلى أبلادها
إلا رواكد كلهن قد اصطلـى \ حمراء أكثر أهلها إيقادهـا



عروضه من الكامل. الشعر لعدي بن الرقاع العاملي. والغناء لابن محرز ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لمالك ثقيل أول بالبنصر عن عمرو. وفيه لحن لإبراهيم، وفي هذه الأخبار أنه لابن سريج، وذكر حماد في كتاب ابن محرز أنه مما ينسب إلى ابن مسجح، أو إلى ابن محرز.
ومنها: صوت

بالله يا ظبي بني الـحـارث \ هل من وفى بالعهد كالناكث
لا تخدعني بالمنى بـاطـلا \ وأنت بي تلعب كالعـابـث


عروضه من السريع. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج ولحنه خفيف ثقيل أول بالوسطى، وذكر عمرو بن بانة أنه لسياط. وذكر الهشامي وبذل أن فيه لإبراهيم الموصلي لحنا آخر. وفيه خفيف رمل بالبنصر ذكر حبش أنه لإبراهيم بن المهدي، وغيره ينسبه إلى إسحاق.
ومنها: صوت
- وهو الذي أوله في الخبر:
أليست بالتي قالـت \ لمولاة لها ظهـرا
تصابى القلب فادكرا \ هواه ولم يكن ظهرا
لزينب إذ تجد لـنـا \ صفاء لم يكن كدرا

صفحة : 83


أليست بالتي قـالـت \ لمولاة لها ظـهـرا
أشيري بالسـلام لـه \ إذا هو نحونا نظـرا
وقولي في مـلاطـفة \ لزينب نولي عـمـرا
فهزت رأسها عجـبـا \ وقالت من بذا أمـرا
أهذا سحرك النـسـوا \ ن قد خبرنني الخبـرا
طربت ورد من تهوى \ جمال الحي فابتكـرا
فقل للـبـربـرية لا \ تلومي القلب إن جهرا
بطرت وهكذا الإنسـا \ ن ذو بطر إذا ظفـرا
فأين العهد والـمـيثـا \ ق لا تخبر بنا بشـرا



عروضه من الوافر. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج في الثالث والرابع والخامس والأول خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وللغريض في السابع والثامن والأول لحن من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالوسطى في مجراها عن إسحاق. ولمعبد في هذا الأبيات كلها لحن عن يونس ودنانير ولم يجنساه، وذكر الهشامي أنه خفيف ثقيل. وفي السابع والثامن والتاسع رمل لدحمان، ويقال إنه للزبير ابنه ولمالك لحن أوله: صوت

لقد أرسلت جـاريتـي \ وقلت لها خذي حذرك
وقولي في مـلاطـفة \ لزينب نولي عمـرك
فهزت رأسها عجـبـا \ وقالت من بذا أمـرك
أهذا سحرك النـسـوا \ ن قد خبرنني خبـرك



ولحن مالك هذا خفيف ثقيل بالوسطى من رواية ابن المكي. وهذا يروي الشعر ويجعل قوافيه كلها على الكاف. وفي هذا الأبيات بعينها على هذا القافية خفيف رمل ينسب إلى ابن سريج وإلى الغريض. وذكر حبش أن فيه لمعبد لحنا من الرمل أوله الثالث من الأبيات الأول المذكورة.
رجع الخبر إلى أحاديث ابن سريج
ابن سريج أحسن الناس غناء
أخبرنا يحيى بن علي ووكيع وجحظة قالوا: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: قال لي الفضل بن يحيى: سألت أباك ليلة وقد أخذ منه الشراب عن أحسن الناس غناء، فقال لي؛ من النساء أم من الرجال? قلت: من الرجال. قال: ابن محرز. فقلت: فمن النساء? قال: ابن سريج، قال إسحاق لي: ويقال أحسن الرجال غناء من تشبه بالنساء، وأحسن النساء غناء من تشبه بالرجال. قال يحيى بن علي خاصة: ثم كان ابن سريج كأنه خلق من قلب كل واحد، فهو يغني له بما يشتهي.
ابن سريج ببعض أندية مكة
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد: قرأت على أبي عن الهيثم بن عدي قال: قال ابن سريج: مررت ببعض أندية مكة وفيه جماعة، فحضرت فقلت: كيف أجوزهم مع تعبي وما أنا فيه فسمعتهم يقولون: قد جاء ابن سريج، فقال بعضهم ممن لم يعرفني: ومن ابن سريج? فقال: الذي يغني:
ألا هل هاجك الأظعا \ ن إذ جاوزن مطلحا



قال ابن سريج: فلما سمعت ذلك قويت نفسي واشتدت منتي، ومررت بهم أخطر في مصبغاتي. فلما حاذيتهم قاموا بأجمعهم فسلموا علي، ثم قالوا لأحداثهم: امشوا مع أبي يحيى.
ابن سريج مع فتية من بني مروان
وقد حدثني عمي بهذا الخبر فقال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني محمد بن سلام عن جرير قال: قال لي ابن سريج: دعاني فتية من بني مروان، فدخلت إليهم وأنا في ثياب الحجاز الغلاظ الجافية، وهم في القوهي والوشي يرفلون كأنهم الدنانير الهرقلية، فغنيتهم وأنا محتقر لنفسي عندهم لحنا لي، وهو: صوت

أبا لفرع لم تظعن مع الحي زينب \ بنفسي عن النأي الحبيب المغيب
بوجهك عن مس التراب مضـنة \ فلا تبعدي إذ كل حي سيعطـب



- ولحن ابن سريج هذا رمل بالخنصر في مجرى البنصر - قال: فتضاءلوا في عيني حتى ساويتهم في نفسي لما رأيتهم عليه من الإعظام لي. ثم غنيتهم:
ودع لبابة قبل أن تترحـلا \ واسأل فإن قلاله أن تسألا


فطربوا وعظموني وتواضعوا لي، حتى صرت في نفسي بمنزلتهم لما رأيتهم عليه، وصاروا في عيني بمنزلتي. ثم غنيتهم:
ألا هل هاجك الأظعا \ ن إذ جاوزن مطلحا


فطربوا ومثلوا بين يدي ورموا بحللهم كلها حتى غطوني بها، فمثلت لي نفسي أنها نفس الخليفة وأنهم لي خول، فما رفعت طرفي إليهم بعد ذلك تيها. وقد مضت نسبة ودع لبابة في أخبار عمر بن أبي ربيعة وغيره. وأما:

صفحة : 84


ألا هل هاجك الأظعا \ ن...... فنذكر نسبته: نسبة هذا الصوت صوت

ألا هل هاجك الأظعـا \ ن إذ جاوزن مطلـحـا
نعم ولو شك بـينـهـم \ جرى لك طائر سنحـا
أجزن الماء من ركـك \ وضوء الفجر قد وضحا
فقلن مقـيلـنـا قـرن \ نباكر ماءه صـبـحـا
تبعتهم بطرف الـعـي \ ن حتى قيل لي افتضحا
يودع بعضنا بـعـضـا \ وكل بالهوى جـرحـا
فمن يفـرح بـينـهـم \ فغيري إذ غدوا فرحـا



عروضه من الوافر. الشعر لأبي دهبل الجمحي. والغناء لمالك وله فيه لحنان: ثقيل أول بالبنصر عن إسحاق، وخفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. ولمعبد فيه ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى . ولابن سريج في الخامس وما بعده ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش.
مدح جرير الشاعر لغناء ابن سريج
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: قدم جرير المدينة أو مكة فجلس مع قوم، فجعلوا يعرضون عليه غناء رجل رجل من المغنين، حتى غنوه لابن سريج، فطرب وقال: هذا أحسن ما أسمعتموني من الغناء كله.
قالوا: وكيف قلت ذاك يا أبا حزرة? قال: مخرج كل ما أسمعتموني من الغناء من الرأس، ومخرج هذا من الصدر.
غناء رقطاء الحبطية وصفراء العلقمية
وتحكيم الأفلح المخزومي في ذلك
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني أبي قال حدثني إبراهيم بن محمد الشافعي قال: جاء سندة الخياط المغني إلى الأفلح المخزومي - وكان يوصف بعقل وفضل - فقال له: من أين أقبلت? وإلى أين تمضي? فقال: إليك قصدت من مجلس لبعض القرشيين أقبلت محاكما إليك. قال: فيماذا? قال: كنت عند هذا الرجل وحضرت مجلسه رقطاء الحبطيين، وصفراء العلقميين، فتناولتا بينهما رمل ابن سريج:
ليت شعري كيف أبقى ساعة \ مع ما ألقى إذا الليل حضر
من يذق نوما ويهدأ لـيلـه \ فلقد بدلت بالنوم السـهـر
قلت مهلا إنـهـا جـنـية \ إن نخالطها تفز منها بشـر



فغنتاه جميعا، واختلفتا في تفضيلهما، ففضل كل فريق منا إحداهما، فرضينا جميعا بحكمك، فاحكم بيننا وبينهما. قال: فوجم ساعة - وأهل الحجاز إذا أرادوا أن يحكموا تأملوا ساعة ثم حكموا، فإذا حكم المحكم مضى حكمه كائنا ما كان، ففضل من فضله وأسقط من أسقطه، إذا تراضى الخصمان به - فكره الأفلح أن يرضي قوما ويسخط آخرين، فقال لسندة: صفهما أنت لي كيف كانتا إذ غنتاه واشرح لي مذهبهما فيه كما سمعت، وأنا أحكم بعد ذلك. فقال: سندة أما جارية الحبطيين، فإنها كانت تلوك لحنه كما يلوك الفرس العتيق لجامه، ثم تلقيه في هامة لدنة ثم تخرجه من منخر أغن، والله ما ابتدأته فتوسطته وأنا أعقل، ولا فرغت منه فأفقت إلا وأنا أظن أني رأيته في نومي. وأما صفراء العلقميين، فإنها أحسنهما حلقا، وأصحهما صوتا، وألينهما تثنيا، والله ما سمعها أحد قط فانتفع بنفسه ولا دينه. هذا ما عندي، فاحكم أنت يا أخا بني مخزوم. فقال: قد حكمت بأنهما بمنزلة العينين في الرأس، فبأيهما نظرت أبصرت، ولو كان في الدنيا من عبيد بن سريج خلف لكانتا. قال: فانصرفوا جميعا راضين بحكمه.
ثناء جرير المديني على ابن سريج
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن محمد بن سلام قال: سألت جرير المديني عن ابن سريج، فقال: أتذكره ويحك باسمه، ولا تقول: سيد من غنى وواحد من ترنم ثناء الشعبي عليه
قال حماد وحدثني أبي عن هارون بن مسلم عن محمد بن زهير السعدي الكوفي عن أبي بكر بن عياش عن الحسن بن عمرو الفقيمي قال: دخلت على الشعبي، فبينا أنا عنده في غرفته، إذ سمعت صوت غناء، فقلت: أهذا في جوارك? فأشرف بي على منزله، فإذا بغلام كأنه فلقة قمر وهو يتغنى - قال إسحاق: وهذا الغناء لابن سريج -:
وقمير بدا ابن خمس وعشري \ ن له قالت الفتاتان قـومـا


قال: فقال لي الشعبي: أتعرف هذا? قلت لا. فقال: هذا الذي أوتي الحكم صبيا، هذا ابن سريج.
ثناؤه على نفسه في تغنيه بشعر لعمر


صفحة : 85

وأخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني أبو أيوب المديني قال: حدثني الهشامي الربعي عن إسحاق الموصلي قال: تغنى ابن سريج في شعر لعمر بن أبي ربيعة وهو: صوت

خانك من تهوى فلا تخنه \ وكن وفيا إن سلوت عنه
واسلك سبيل وصله وصنه \ إن كان غدارا فلا تكنـه
عسى تباريح تجيء منـه \ فيرجع الوصل ولم تشنه


قال المكيون: قال ابن سريج: ما تغنين بهذا الشعر قط إلا ظننت أني أحل محل الخليفة.
قال مؤلف هذا الكتاب أبو الفرج الأصفهاني: وجدت في هذا الشعر لحنين - أحدهما ثقيل أول والآخر رمل - مجهولين جميعا، فلا أدري أيهما لحنه.
وصفه للمصيب المحسن من المغنين
ونسخت من كتاب العتابي: أخبرني عون بن محمد قال حدثني عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع عن جده الفضل عن ابن جامع عن سياط عن يونس الكاتب عن مالك بن أبي السمح قال: سألت ابن سريج عن قول الناس: فلان يصيب وفلان يخطىء، وفلان يحسن وفلان يسيء؛ فقال: المصيب المحسن من المغنين هو الذي يشبع الألحان، ويملأ الأنفاس، ويعدل الأوزان، ويفخم الألفاظ، ويعرف الصواب، ويقيم الإعرب، ويستوفي النغم الطوال، ويحسن مقاطيع النغم القصار، ويصيب أجناس الإيقاع، ويختلس مواقع النبرات، ويستوفي ما يشاكلها في الضرب من النقرات. فعرضت ما قال على معبد، فقال: لو جاء في الغناء قرآن ما جاء إلا هكذا.
يزيد بن عبد الملك ومولى حبابة المغنية
أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثني الزبير بن بكار عن ظبية: أن يزيد بن عبد الملك قال لحبابة يوما: أتعرفين أحدا هو أرب مني? قالت: نعم، مولاي الذي باعني. فأمر بإشخاصه فأشخص إليه مقيدا، وأعلم بحاله فأذن في إدخاله، فمثل بين يديه وحبابة ولاسمة تغنيان؛ فغنته سلامة لحن الغريض في:
تشط غدا دار جيراننا فطرب وتحرك في أقياده. ثم غنته حبابة لحن ابن سريج المجرد في هذا الشعر، فوثب وجعل يحجل في قيده ويقول: هذا وأبيكما ما لا تعذلاني فيه، حتى دنا من الشمعة فوضع لحيته عليها فاحترقت، وجعل يصيح: الحريق الحريق يا أولاد الزنا. فضحك يزيد وقال: هذا والله أطرب الناس حقا، ووصله وسرحه إلى بلده.
سماع عطاء وابن جريج لغناء ابن سريج
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا فضل اليزيدي عن إسحاق: أن ابن سريج كان جالسا فمر به عطاء وابن جريج، فحلف عليهما بالطلاق أن يغنيهما، على أنهما إن نهياه عن الغناء بعد أن يسمعا منه تركه. فوقفا له وغناهما:
إخوتي لا تبعدوا أبدا \ وابلى والله قد بعدوا


فغني على ابن جريج، وقام عطاء فرقص. ونسبة هذا الصوت وخبره يذكر في موضع آخر.
غناؤه ووقفة الحاج لاستماعه
عند بستان ابن عامر
أخبرني الحسن قال حدثنا الفضل عن إسحاق: أن ابن سريج كان عند بستان ابن عامر يغني:
لمن نار بأعلى الخـي \ ف دون البئر ما تخبو
أرقت لذكر موقعهـا \ فحن لذكرها القلـب
إذا ما أخمدت ألقـي \ عليها المندل الرطب


فجعل الحاج يركب بعضهم بعضا، حتى جاء إنسان من آخر القطرات فقال: يا هذا قد قطعت على الحاج وحبستهم، والوقت قد ضاق، فاتق الله وقم عنهم فقام وسار الناس.
استحقاق ابن سريج لجائزة سليمان
أخبرني الحسن قال حدثني محمد بن زكريا قال حدثني يزيد بن محمد عن إسحاق الموصلي: أن سليمان بن عبد الملك لما حج سبق بين المغنين بدرة. فجاء ابن سريج وقد أغلق الباب، فلم يأذن له الحاجب، فأمسك حتى سكتوا وغنى:
سرى همي وهم المرء يسري فأمر سليمان بدفع البدرة إليه.
نسبة هذا الصوت صوت

سرى همي وهم المرء يسري\ وغاب النجم إلا قيس فـتـر
أراقب في المجرة كل نجـم \ تعرض للمجرة كيف يجري
لهـم لا أزال لـه مـديمـا \ كأن القلب أسعر حر جمـر
على بكر أخي ولى حـمـيدا \ وأي العيش يصفو بعد بكـر



الشعر لعروة بن أذينة، والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى، وفيه لأبي عباد رمل بالوسطى، وذكر الهشامي أن هذا اللحن لصاحب الحرون.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 11:50 PM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

وفاة ابن سريج في خلافة سليمان


صفحة : 86

ابن عبد الملك أو في آخر خلافة الوليد
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: قال ابن مقمة: دخلت على ابن سريج في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف أصبحت يا أبا يحيى? فقال: أصبحت والله كما قال الشاعر:
كأني من تذكر ما ألاقي إذا ما أظلم الليل البهـيم
سقيم مل منه أقـربـوه وأسلمه المداوي والحميم ثم مات.
قال إسحاق: قال ابن مقمة: لما احتضر ابن سريج نظر إلى ابنته تبكي فبكى، وقال: إن من أكبر همي أنت، وأخشى أن تضيعي بعدي. فقالت: لا تخف؛ فما غنيت شيئا إلا وأنا أغنيه. فقال: هاتي. فاندفعت تغني أصواتا وهو مصغ إليها، فقال: قد أصبت ما في نفسي، وهونت علي أمرك. ثم دعا سعيد بن مسعود الهذلي فزوجه إياها؛ فأخذ عنها أكثر غناء أبيها وانتحله؛ فهو الآن ينسب إليه. قال إسحاق: فقال كثير بن كثير السهمي يرثيه:
ما اللهو بعد عبيد حين يخـبـره من كان يلهو به منه بمطلـب
لله قبر عبيد ما تضـمـن مـن لذاذة العيش والإحسان والطرب
لولا الغريض ففيه من شمائلـه مشابه لم أكن فيها بـذي أرب قال إسحاق: وحدثني هشام بن المرية أن قادما قدم المدينة فسار معبدا بشيء، فقال معبد: أصبحت أحسن الناس غناء. فقلنا: أو لم تكن كذلك? فقال: ألا تدرون ما أخبرني به هذا? قالوا لا. قال: أعلمني أن عبيد بن سريج مات، ولم أكن أحسن الناس غناء وهو حي. وفي ابن سريج يقول عمر بن أبي ربيعة: صوت

قالت وعيناها تجودانـهـا صوحبت والله لك الراعي
يابن سريج لا تذع سرنـا قد كنت عندي غير مذياع غنى فيه ابن سريج من رواية يونس.
قال أبو أيوب المديني: توفي ابن سريج بالعلة التي أصابته من الجذام بمكة، في خلافة سليمان بن عبد الملك أو في آخر خلافة الوليد، بمكة ودفن في موضع بها يقال له دسم.
وقفة على قبر ابن سريج بدسم أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني هارون بن أبي بكر قال حدثني إسحاق بن يعقوب العثماني مولى آل عثمان عن أبيه قال: إنا لبفناء دار عمرو بن عثمان بالأبطح في صبح خامسة من الثمان - يعني أيام الحج - قال: كنت جالسا أيام الحج، فما إن دريت إلا برجل على راحلة على رحل جميل وأداة حسنة، معه صاحب له على راحلة قد جنب إليها فرسا وبغلا، فوقفا علي وسألاني، فانتسبت لهما عثمانيا. فنزلا وقالا: رجلان من أهلك لهما حاجة ونحب أن تقضيها قبل أن نشده بأمر الحج. فقلت ما حاجتكما? قالا: نريد إنسانا يقفنا على قبر عبيد بن سريج. قال: فنهضت معهما حتى بلغت بهما محلة بني أبي قارة من خزاعة بمكة، وهم موالي عبيد بن سريج، فالتمست لهما إنسانا يصحبهما حتى يقفهما على قبره بدسم، فوجدت ابن أبي دباكل فأنهضته معهما. فأخبرني بعد: أنه لما وقفهما على قبره نزل أحدهما عن راحلته فحسر عمامته عن وجهه، فإذا هو عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان، فعقر ناقته واندفع يندب بصوت شجي كليل حسن ويقول:
وقفنا على قبر بدسم فهاجـنـا وذكرنا بالعيش إذ هو مصحب
فجالت بأرجاء الجفون سوافـح من الدمع تستتلي الذي يتعقب
إذا أبطأت عن ساحة الخد ساقها دم بعد دمع إثره يتـصـبـب
فإن تسعدا نندب عبيدا بـعـولة وقل له منا البكا والتـحـوب ثم نزل صاحبه فعقر ناقته، وقال له القرشي: خذ في صوت أبي يحيى؛ فاندفع يتغنى:
أسعدانـي بـعـبـرة أسـراب من دموع كثيرة الـتـسـكـاب
إن أهل الحصاب قد تركـونـي مولها مولعا بأهل الحـصـاب
أهل بيت تتابعـوا لـلـمـنـايا ما على الموت بعدهم من عتاب
فارقوني وقد علـمـت يقـينـا ما لمـن ذاق مـيتة مـن إياب
كم بذاك الحجون من أهل صدق كهـول أعـفة وشـبـــاب
سكنوا الجزع جزع بيت أبي مـو سى إلى النخل من صفي السباب
فلي الويل بعدهـم وعـلـيهـم صرت فردا وملني أصحـابـي

صفحة : 87

قال ابن أبي دباكل: فوالله ما تمم صاحبه منها ثلاثا حتى غشي على صاحبه، وأقبل يصلح السرج على بغلته وهو غير معرج عليه. فسألته من هو? فقال: رجل من جذام. قلت: بمن تعرف? قال: بعبد الله بن المنتشر. قال: ولم يزل القرشي على حاله ساعة ثم أفاق، ثم جعل الجذامي ينضح الماء على وجهه ويقول كالمعاتب له: أنت أبدا مصبوب على نفسك ومن كلفك ما ترى ثم قرب إليه الفرس، فلما علاه استخرج الجذامي من خرج على بغل قدحا وإداوة ماء، فجعل في القدح ترابا من تراب قبر ابن سريج وصب عليه ماء من الإداوة، ثم قال: هاك فاشرب هذه السلوة فشرب، ثم فعل هو مثل ذلك، وركب على البغل وأردفني. فخرجا والله ما يعرضان بذكر شيء مما كنا فيه، ولا أرى في وجوههما شيئا مما كنت أرى قبل ذلك. فلما اشتمل علينا أبطح مكة قالا: انزل يا خزاعي فنزلت. وأومأ الفتى إلى الجذامي بكلام، فمد يده إلي وفيها شيء فأخذته، فإذا هو عشرون ينارا، ومضيا. فانصرفت إلى قبره ببعيرين، فاحتملت عليهما أداة الراحلتين اللتين عقراهما فبعتهما بثلاثين دينارا.

صوت من المائة المختارة

ثالث الثلاثة الأصوات المختارة
وهو الثالث من الثلاثة المختارة.

أهاج هواك المنزل المتقادم نعم وبه ممن شجاك معالـم
مضارب أوتاد وأشعث دائر مقيم وسفع في المحل جواثم عروضه من الطويل. الشعر لنصيب. والغناء في اللحن المختار لابن محرز ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، وله فيه أيضا هزج بالسبابة في مجرى البنصر، وذكر جحظة عن أصحابه أنه هو المختار. وحكى إن أصحابه أنه ليس في الغناء كله نغمة إلا وهي في الثلاثة الأصوات المختارة التي ذكرها.
ومن قصيدة نصيب هذا مما يغنى فيه قوله:
لقد راعني للبين نوح حمـامة على غصن بان جاوبتها حمائم
هواتف أما من بكين فعـهـده قديم وأما شجـوهـن فـدائم الغناء لابن سريج ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن يونس ويحيى المكي وإسحاق، وأظنه مع البيتين الأولين وأن الجميع لحن واحد، ولكنه تفرق لصعوبة اللحن وكثرة ما فيه من العمل. فجعلا صوتين.

ذكر نصيب وأخباره
نسب نصيب ونشأته
هو نصيب بن رباح، مولى عبد العزيز بن مروان، وكان لبعض العرب من بني كنانة السكان بودان، فاشتراه بعد العزيز منهم، وقيل: بل كانوا أعتقوه، فاشترى عبد العزيز ولاءه منهم، وقيل: بل كاتب مواليه، فأدى عنه مكاتبته.
وقال ابن دأب: كان نصيب من قضاعة ثم من بلي. وكانت أمه سوداء فوقع عليها سيدها فحبلت بنصيب، فوثب عليه عمه بعد وفاة أبيه فباعه من عبد العزيز.
وقال أبو اليقظان: كان أبوه من كنانة من بني ضمرة. وكان شاعرا فحلا فصيحا مقدما في النسيب والمديح، ولم يكن له حظ في الهجاء، وكان عفيفا، وكا يقال: أنه لم ينسب قط إلا بامرأته.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: كتب إلي عبد الله بن عبد العزيز بن محجن بن نصيب بن رباح يذكر عن عمته غرضة بنت النصيب: أن النصيب كان ابن نوبيين سبيين كانا لخزاعة، ثم اشترت سلامة أم نصيب امرأة من خزاعة ضمرية حاملا بالنصيب، فأعتقت ما في بطنها.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن كناسة قال: كان نصيب من أهل ودان عبدا لرجل من كنانة هو وأهل بيته. وكان أهل البادية يدعونه النصيب تفخيما له، ويروون شعره. وكان عفيفا كبير النفس مقدما عند الملوك، يجيد مديحهم ومراثيهم.
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن ابن الكلبي قال: كان نصيب من بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. وكانت أمه أمة سوداء، وقع عليها أبوه فحملت ثم مات، فباعه عمه أخو أبيه من عبد العزيز بن مروان.
مبدأ قوله الشعر واتصاله بعبد العزيز

ابن مروان بمصر
قال حماد وأخبرني أبي عن أيوب بن عبابة، وأخبرنا الحرمي عن الزبير عن عمه وعن إسحاق بن إبراهيم جيمعا عن أيوب بن عبابة قال حدثني رجل من خزاعة من أهل كلية - وهي قرية كان فيها النصيب وكثير - قال:

صفحة : 88

بلغني أن النصيب قال: قلت الشعر وأنا شاب فأعجبني قولي، فجعلت آتي مشيخة من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة - وهم موالي النصيب - ومشيخة من خزاعة، فأنشدهم القصيدة من شعري، ثم أنسبها إلى بعض شعرائهم الماضين، فيقولون: أحسن والله هكذا يكون الكلام وهكذا يكون الشعر فلما سمعت ذلك منهم علمت أني محسن، فأزمعوا وأزمعت الخروج إلى عبد العزيز بن مروان، وهو يومئذ بمصر، فقلت لأختي أمامة وكانت عاقلة جلدة: أي أخية، إني قد قلت شعرا، وأنا أريد عبد العزيز بن مروان، وأرجو أن يعتقك الله عز وجل به وأمك، ومن كان مرقوقا من أهل قرابتي. قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون يابن أم، أتجتمع عليك الخصلتان: السواد، وأن تكون ضحكة للناس قال: قلت فاسمعي، فأنشدتها فسمعت، فقالت: بأبي أنت أحسنت والله في هذا والله رجاء عظيم، فاخرج على بركة الله. فخرجت على قعود لي حتى قدمت المدينة، فوجدت بها الفرزدق في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرجت إليه فقلت: أنشده واستنشده وأعرض عليه شعري. فأنشدته، فقال لي: ويلك أهذا شعرك الذي تطلب به الملوك? قلت: نعم. قال: فلست في شيء. إن استطعت أن تكتم هذا على نفسك فافعل. فانفضخت عرقا، فحصبني رجل من قريش كان قريبا من الفرزدق، وقد سمع إنشادي وسمع ما قال لي الفرزدق، فأومأ إلي فقمت إليه. فقال: ويحك أهذا شعرك الذي أنشثدته الفرزدق? قلت: نعم. فقال: قد والله أصبت، والله لئن كان هذا الفرزدق شاعرا لقد حسدك، فإنا لنعرف محاسن الشعر، فامض لوجهك ولا يكسرنك. قال: فسرني قوله، وعلمت أنه قد صدقني فيما قال، فاعتزمت على المضي. قال: فمضيت فقدمت مصر، وبها عبد العزيز بن مروان، فحضرت بابه مع الناس، فنحيت عن مجلس الوجوه، فكنت وراءهم، ورأيت رجلا جاء على بغلة حسن الشارة سهل المدخل، يؤذن له إذا جاء. فلما انصرف إلى منزله انصرفت معه أماشي بغلته. فلما رآني قال: ألك حاجة? قلت: نعم، أنا رجل من أهل الحجاز شاعر، وقد مدحت الأمير وخرجت إليه راجيا معروفه. وقد ازدريت فطردت من الباب ونحيت عن الوجوه. قال: فأنشدني، فأنشدته. فأعجبه شعري، فقال: ويحك أهذا شعرك? فإياك أن تنتحل، فإن الأمير رواية عالم بالشعر وعنده رواة، فلا تفضحني ونفسك. فقلت: والله ما هو إلا شعري. فقال: ويحك فقل ابياتا تذكر فيها حوف مصر وفضلها على غيرها، والقني بها غدا. فغدوت عليه من غد فأنشدته قولي:
سرى الهم تثنيني إليك طـلائعـه بمصر وبالحوف اعترتني روائعه
وبات وسادي ساعد قل لـحـمـه عن العظم حتى كاد تبدو أشاجعه قال: وذكرت فيها الغيث فقلت:
وكم دون ذاك العارض البارق الذي له اشتقت من وجه أسيل مدامعـه
تمشى به أفناء بـكـر ومـذحـج وأفناء عمرو وهو خصب مرابعه
فكل مسيل مـن تـهـامة طـيب دميث الربا تسقي البحار دوافعـه
أعني على برق أريك ومـيضـه تضىء دجنات الظلام لوامـعـه
إذا اكتحلت عينا محـب بـضـوئه تجافت به حتى الصباح مضاجعه
هنيئا لأم البخـتـري الـروي بـه وإن أنهج الحبل الذي أنا قاطعـه
وما زلت حتى قلت إني لخـالـع ولائي من مولى نمتني قوارعـه
ومانح قوم أنت منـهـم مـودتـي ومتخذ مولاك مولى فـتـابـعـه نصيب وأيمن بن خريم الأسدي
فقال: أنت والله شاعر احضر بالباب حتى أذكرك للأمير. قال: فجلست على الباب ودخل، فما ظننت أنه أمكنه أن يذكرني حتى دعي بي. فدخلت فسلمت على عبد العزيز، فصعد في بصره وصوب، ثم قال: أنت شاعر? ويلك.


صفحة : 89

قلت: نعم، أيها الأمير. قال: فأنشدني. فأنشدته، فأعجبه شعري. وجاء الحاجب فقال: أيها الأمير، هذا أيمن بن خريم الأسدي بالباب. قال: ائذن له، فدخل فاطمأن. فقال له الأمير: يا أيمن بن خريم، كم ترى ثمن هذا العبد? فنظر إلي فقال: والله لنعم الغادي في أثر المخاض، هذا أيها الأمير أرى ثمنه مائة دينار. قال: فإن له شعرا وفصاحة. فقال لي أيمن: أتقول الشعر? قلت: نعم. قال: قيمته ثلاثون دينارا. قال: يا أيمن، أرفعه وتخفضه أنت قال: لكونه أحمق أيها الأمير ما لهذا وللشعر أمثل هذا يقول الشعر أو يحسن شعرا فقال: أنشده يا نصيب، فأنشدته. فقال له عبد العزيز: كيف تسمع يا أيمن? قال: شعر أسود، هو أشعر أهل جلدته. قال: هو والله أشعر منك. قال: أمني أيها الأمير? قال: إي والله منك. قال: والله أيها الأمير، إنك لملول طرف. قال: كذبت والله ما أنا كذلك ولو كنت كذلك ما صبرت عليك تنازعني التحية وتؤاكلني الطعام وتتكىء على وسائدي وفرشي وبك ما بك - يعني وضحا كان بأيمن - قال: ائذن لي أن أخرج إلى بشر بالعراق. واحملني على البريد. قال: قد أذنت لك، وأمر به فحمل على البريد إلى بشر. فقال: أيمن بن خريم:
ركبت من المقطم في جمادى إلى بشر بن مروان البـريدا
ولو أعطاك بشر ألف ألـف رأى حقا عـلـيه أن يزيدا
أمير المؤمنين أقم بـبـشـر عمود الحق إن له عمـودا
ودع بشرا يقومهـم ويحـدث لأهل الزيع إسلاما جـديدا
كأن التاج تاج بني هـرقـل جلوه لأعظـم الأيام عـيدا
عل ديباج خدي وجه بـشـر إذا الألوان خالفت الخـدودا قال أيوب يعني بقوله:
إذا الألوان خالفت الخدودا أنه عرض بكلف كان في وجه عبد العزيز -.

وأعقب مدحتي سرجا مليحا وأبيض جوزجانيا عقـودا
وإنا قد وجدنـا أم بـشـر كأم الأسد مذكارا ولـودا قال: فأعطاه بشر مائة ألف درهم.
أول من نوه باسم نصيب لعبد العزيز
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري عن عبد الله بن عمران بن أبي فروة قال: أول من نوه باسم نصيب وقدم به على عبد العزيز بن مروان عبد الله بن أبي فروة، قدم به عليه وهو وصيف حين بلغ وأول ما قال الشعر. قال: أصلح الله الأمير جئتك بوصيف نوبي يقول الشعر - وكان نصيب ابن نوبيين - فأدخله عليه، فأعجبه شعره، وكان معه أيمن بن خريم الأسدي. فقال عبد العزيز: إذا دعوت بالغداء فأدخلوه علي في جبة صوف محتزما بعقال، فإذا قلت قوموه فقوموه وأخرجوه وردوه علي في جبة وشي ورداء وشي. فلما جلس للغداء ومعه أيمن بن خريم أدخل نصيب في جبة صوف محتزما بعقال، فقال: قوموا هذا الغلام. فقالوا: عشرة، عشرون، ثلاثون دينارا. فقال: ردوه، فأخرجوه ثم ردوه في جبة وشي ورداء وشي. فقال: أنشدنا، فأنشدهم. فقال: قوموه، قالوا: ألف دينار. فقال أيمن: والله ما كان قط أقل في عيني منه الآن، وإ، لنعم راعي المخاض. فقال له: فكيف شعره? قال: هو أشعر أهل جلدته. فقال له عبد العزيز: وهو والله أشعر منك. قال: أمني أيها الأمير? قال أيمن: إنك لملول طرف. فقال له: والله ما أنا بملول وأنا أنازعك الطعام منذ كذا وكذا، تضع يدك حيث أضعها وتلتقي يدك مع يدي على مائدة، كل ذلك أحتملك - وكان بأيمن بياض - فقال له أيمن: ائذن لي أخرج إلى بشر. فأذن له فخرج، وقال أبياته التي أولها:
ركبت من المقطم في جمادى وقد مضت الأبيات. قال: فلما جاز بعبد الملك بن مروان، قال: أين تريد? قال أريد أخاك بشرا. قال: أتجوزني? قال: إي والله أجوزك إلى من قدم إلي وطلبني. قال: فلم فارقت صاحبك? قال: رأيتكم يا بني مروان، تتخذون للفتى من فتيانكم مؤدبا، وشيخكم والله محتاج إلى خمسة مؤدبين. فسر ذلك عبد الملك، وكان عازما على أن يخلعه ويعقد لابنه الوليد.
ابتاعه عبد العزيز وأعتقه وقيل: أعتقته امرأة من ضمرة أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال:

صفحة : 90

يقال: إن نصيبا أضل إبلا فخرج في بغائها فلم يصبها، وخاف مواليه أن يرجع إليهم، فأتى عبد العزيز بن مروان فمدحه وذكر له قصته، فأخلف عليه ما ضل لمواليه وابتاعه وأعتقه.
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم الهلالي ثم الدوسي قال: أراد النصيب الخروج إلى عبد العزيز بن مروان، وهو عبد لبني محرز الضمري، فقالت أمه له: إنك سترقد ويأخذك ابن محرز يذهب بك، فذهب ولم يبال بقولها. حتى إذا كان بمكان ماء يعرف بالدو، فبينا هو راقد إذ هجم عليه ابن محرز، فقال حين رآه:
إني لأخشى من قلاص ابن محرز إذا وخدت بالدو وخد الـنـعـائم
يرعن بطـين الـقـوم أية روعة ضحيا إذا استقبلنـه غـير نـائم فأطلقوه، فرجع فأتى أمه فقالت: أخبرتك يا بني أنه ليس عندك أن تعجز القوم. فإن كنت يا بني قد غلبتني أنك ذاهب فخذ بنت الفلانة، فإني رأيتها وطئت أفحوص بيضات قطاة فلم تفلقهن فركبها، فهي التي بلغته ابن مروان.
قال أبو عبد الله بن الزبير: عندنا أن التي أعتقته امرأة من بني ضمرة ثم من بني حنبل.
أول اتصال نصيب بعبد العزيز حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم قال حدثنا كليب بن إسماعيل مولى بني أمية وكان حدثا أي حسن الحديث قال: بلغني أن نصيبا كان حبشيا يرعى إبلا لمواليه، فأضل منها بعيرا، فخرج في طلبه حتى أتى الفسطاط، وبه إذ ذاك عبد العزيز بن مروان، وهو ولي عهد عبد الملك بن مروان، فقال نصيب: ما بعد عبد العزيز واحد أعتمده لحاجتي. فأتى الحاجب فقال: استأذن لي على الأمير، فإني قد هيأت له مديحا. فدخل الخاجب فقال: أصلح الله الأمير بالباب رجل أسود يستأذن عليك بمديح قد هيأه لك. فظن عبد العزيز أنه ممن يهزأ به ويضحكهم، فقال: مره بالحضور ليوم حاجتنا إليه. فغدا نصيب وراح إلى باب عبد العزيز أربعة أشهر، وأتاه آت من عبد الملك فسره، فأمر بالسرير فأبرز للناس، وقال: علي بالأسود، وهو يريد أن يضحك منه الناس. فدخل، فلما كان حيث يسمع كلامه، قال:
لعبد العزيز على قـومـه وغيرهم نعـم غـامـره
فبابك ألـين أبـوابـهـم ودارك مأهولة عامـره
وكلبك آنس بالمعـتـفـين من الأم بالإبنة الـزائره
وكفك حين ترى السائلـي ن أندى من الليلة الماطره
فمنك العطاء ومني الثنـاء بكل مـحـبـرة سـائره فقال: أعطوه أعطوه. فقال: إني مملوك. فدعا الحاجب فقال: اخرج فابلغ في قيمته، فدعا المقومين فقال: قوموا غلاما أسود ليس به عيب. قالوا: مائة دينار. قال: إنه راع للإبل يبصرها ويحسن القيام عليها. قالوا: حينئذ مائتا دينار. قال: إني يبري القسي ويثقفها ويرمي النبل ويريشها. قالوا: أربعمائة دينار. قال: إنه رواية للشعر بصير به. قالوا: ستمائة دينار. قال: إنه شاعر لا يلحق حذقا. قالوا: ألف دينار. قال عبد العزيز: ادفعوها إليه. قال: أصلح الله الأمير ثمن بعيري الذي أضللت. قال: وكم ثمنه? قال: خمسة وعشرون دينارا. قال: ادفعوها إليه. قال: أصلح الله الأمير جائزتي لنفسي عن مديحي إياك. قال: اشتر نفسك ثم عد إلينا. فأتى الكوفة وبها بشر بن مروان، فاستأذن عليه فاستصعب الدخول إليه. وخرج بشر بن مروان متنزها فعارضه، فلما ناكبه أي صار حذاء منكبه ناداه:
يا بشر يابن الجعفرية مـا خلق الإله يديك للبـخـل
جاءت به عجز مقـابـلة ما هن من جرم ولا عكل قال: فأمر له بشر بعشرة آلاف درهم. الجعفرية التي عناها نصيب: أم بشر بن مروان، وهي قطية بنت بشر بن عامر ملاعب الأسنة بن مالك بن جعفر بن كلاب.
أم بشر بن مروان ابن الحكم
أخبرنا اليزيدي عن الخراز عن المدائني عن عبد الله بن مسلم وعامر بن حفص وغيرهما: أن مروان بن الحكم مر ببادية بني جعفر، فرأى قطية بنت بشر تنزع بدلو على إبل لها، وتقول:
ليس بنا فقر إلى التشكـي جربة كحـمـر الأبـك
لا ضرع فيها ولا مذكي ثم تقول:

صفحة : 91


عامان ترقيق وعام تمـمـا لم يترك لحما ولم يترك دما
ولم يدع في رأس عظم ملدما إلا رذايا ورجـالا رزمـا فخطبها مروان فتزوجها، فولدت له بشر بن مروان.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أحمد بن معاوية عن إسحاق بن أيوب عن خليل بن عجلان في خبر النصيب مثل ما ذكره الزبير وإسحاق سواء.
كان إذا أصاب مالا قسمه في مواليه
وكان فيه كأحدهم وظل كذلك حتى مات
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال: دعا النصيب مواليه أن يستلحقوه فأبى، وقال: والله لأن أكون مولى لائقا أحب إلي من أن أكون دعيا لاحقا. وقد علمت أنكم تريدون بذلك مالي، ووالله لا أكسب شيئا أبدا إلا كنت أنا وأنتم فيه سواء كأحدكم، لا أستأثرو عليكم منه بشيء أبدا. قال: وكان كذلك معهم حتى مات، إذا أصاب شيئا قسمه فيهم، فكان فيه كأحدهم.
نصيب والفرزدق بحضرة سليمان
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبيري، وحدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن إسمماعيل الجعفري قال: دخل النصيب على سليمان بن عبد الملك وعنده الفرزدق، فاستنشد الفرزدق وهو يرى أنه سينشده مديحا له، فأنشده قوله يفتخر:
وركب كأن الريح تطلب عندهـم لها ترة من جذبها بالعـصـائب
سروا يركبون الريح وهي تلفهـم على شعب الأكوار من كل جانب
إذا استوضحوا نارا يقولون ليتهـا وقد خصرت أيديهم نار غـالـب قال: وعمامته على رأسه مثل المنسف؛ فغاظ سليمان وكلح في وجهه، وقال لنصيب: قم فأنشد مولاك ويلك فقام نصيب فأنشده قوله:
اقول لركب صادرين لقـيتـهـم قفا ذات أوشال ومولاك قـارب
قفوا خبروني عن سليمان إنـنـي لمعروفه من أهل ودان طالـب
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهـلـه ولو سكتوا أثنت عليك الحقـائب
وقالوا عهدنـاه وكـل عـشـية بأبوابه من طالب العرف راكب
هو البدر والناس الكواكب حولـه ولا تشبه البدر المضيء الكواكب فقال له سليمان: أحسنت والله يا نصيب وأمر له بجائزة ولم يصنع ذلك بالفرزدق. فقال الفرزدق وقد خرج من عنده:
وخير الشعر أكرمه رجالا وشر الشعر ما قال العبيد نصيب وعبد العزيز بجبل المقطم
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري عن عمه موسى بن عبد العزيز قال: حمل عبد العزيز بن مروان النصيب بالمقطم مقطم مصر على بختي قد رحله بغبيط فوقه، وألبسه مقطعات وشي، ثم أمره أن ينشد؛ فاجتمع حوله السودان وفرحوا به، فقال لهم: أسررتكم? قالوا: إي والله. قال: والله لما يسوءكم من أهل جلدتكم أكثر.
نصيب وجرير
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال حدثني أبو العراف قال: مر جرير بنصيب وهو ينشد، فقال له: اذهب فأنت أشعر أهل جلدتك. قال: وجلدتك يا أبا حزرة.
هشام بن عبد الملك ونصيب
أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني أيوب بن عباية قال: بلغني أن النصيب كان إذا قدم على هشام بن عبد الملك أخلى له مجلسه واستنشده مراثي بني أمية، فإذا أنشده بكى وبكى معه. فأنشده يوما قصيدة له مدحه بها، يقول فيها:
إذا استبق الناس العلا سبقتهم يمينك عفوا ثم صلت شمالها فقال له هشام: يا أسود، بلغت غاية المدح فسلني. فقال: يدك بالعطية أجود وأبسط من لساني بمسئلتك. فقال: هذا والله أحسن من الشعر، وحباه وكساه وأحسن جائزته.
نصيب وإعتاقه ذوي قرابته
أخبرني الحسين بن يحيى قال أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه أيوب بن عباية قال:

صفحة : 92

أصاب نصيب من عبد العزيز بن مروان معروفا، فكتمه ورجع إلى المدينة في هيئة بذة، فقالوا: لم يصب بمدحه شيئا. فمكث مدة، ثم ساوم بأمه فابتاعها وأعتقها، ثم ابتاع أم أمه بضعف ما ابتاع به أمه فأعتقها. وجاءه ابن خالة له اسمه سحيم فسأله أن يعتقه، فقال له: ما معي والله شيء، ولكني إذا خرجت أخرجتك معي، لعل الله أن يعتقك. فلما أراد الخروج دفع غلاما له إلى مولى سحيم يرعى إبله وأخرجه معه، فسأل في ثمنه فأعطاهه وأعتقه. فمر به يوما وهو يزفن ويزمر مع السودان، فأنكر ذلك عليه وزجره. فقال له: إن كنت أعتقتني لأكون كما تريد فهذا والله ما لا يكون أبدا، وإن كنت أعتقتني لتصل رحمي وتقضي حقي فهذا والله الذي أفعله هو الذي أريده، أزفن وأزمر وأصنع ما شئت. فانصرف النصيب وهو يقول:
إني اراني لسـحـيم قـائلا إن سحيما لم يثبنـي طـائلا
نسيت إعمالي لك الرواحـلا وضربي الأبواب فيك سائلا
عند الملوك أستثيب الـنـائلا حتى إذا آنست عتقا عاجلا
وليتني منك القفا والكـاهـلا أخلقا شكسا ولونـا حـائلا استعجاله جائزة عند عبد العزيز
ابن مروان، وليلى أم عبد العزيز
قال إسحاق: وأبطأت جائزة النصيب عند عبد العزيز، فقال:
وإن وراء ظهري يابن ليلى أناسا ينظرون متـى أؤوب
أمامة منهم ولـمـأقـييهـا غداة البين في أثري غروب
تركت بلادها ونأيت عنهـا فأشبه ما رأيت بها السلوب
فأتبع بعضنا بعضا فلسـنـا نثيبك لكن الله الـمـثـيب فعجل جائزته وسرحه. قال إسحاق: فحدثني ابن كناسة قال: ليلى أم عبد العزيز كلبية. وبلغني عنه أنه قال: لا أعطي شاعرا شيئا حتى يذكرها في مدحي لشرفها؛ فكان الشعراء يذكرونها باسمها في أشعارهم.
شرف نصيب لشعره
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن ابن عباية قال: وقفت سوداء بالمدينة على نصيب وهو ينشد الناس، فقالت: بأبي أنت يابن عم وأمي ما أنت والله علي بخزي. فضحك وقال: والله لمن يخزيك من بني عمك أكثر ممن يزينك.
خطبة ابن نصيب بنت سيده
وما فعله نصيب في ذلك
قال إسحاق وحدثني ابن عبابة وغيره أن ابنا لنصيب خطب بعد وفاة سيده الذي أعتقه بنتا له من أخيه، فأجابه إلى ذلك، وعرف أباه. فقال له: اجمع وجوه الحي لهذا الحال فجمعهم. فلما حضروا أقبل نصيب على أخي سيده فقال: أزوجت ابني هذا من ابنة أخيك? قال: نعم. فقال لعبيد له سود: خذوا برجل ابني هذا فجروه فاضربوه ضربا مبرحا، ففعلوا وضربوه ضربا مبرحا. وقال لأخي سيده: لولا أني أكره أذاك لألحقتك به. ثم نظر إلى شاب من أشراف الحي، فقال: زوج هذا ابنة أخيك وعلي ما يصلحهما في مالي، ففعل.
نصيب وعبد الملك حين أراد منادمته
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال: دخل نصيب على عبد الملك فتغدى معه، ثم قال: هل لك فيما نتنادم عليه? فقال: تؤمنني ففعل. فقال: لوني حائل، وشعري مفلفل، وخلقتي مشوهة، ولم أبلغ ما بلغت من إكرامك إياي بشرف أب أو أم أو عشيرة، وإنما بلغته بعقلي ولساني. فأنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تحول بيني وبين ما بلغت به هذه المنزلة منك فأعفاه.
سبب تسميته بهذا الاسم
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثني محمد بن صالح بن النطاح قال بلغني عن خلاذ بن مرة عن أبي بكر بن مزيد قال: لقيت النصيب يوما بباب هشام، فقلت له: يا أبا محجن، لم سميت نصيبا، ألقولك في شعرك عاينها النصيب? فقال: لا، ولكني ولدت عند أهل بيت من ودان، فقال سيدي: إيتونا بمولودنا هذا لننظر إليه. فلما رآني قال: إنه لمنصب الخلق؛ فسميت النصيب، ثم اشتراني عبد العزيز بن مروان فأعتقني.
فصاحته وتخلصه إلى جيد الكلام
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن كناسة أبي يحيى الأسدي قال: قال أبو عبد الله بن أبي إسحاق البصري: لئن وليت العراق لأستكتبن نصيبا لفصاحته وتخلصه إلى جيد الكلام.
صدق الحديث مع عبد العزيز فأجازه
أخبرني الأسدي قال حدثني محمد بن صالح عن أبيه عن محمد بن عبد العزيز الزهري. قال: حدثني نصيب قال:

صفحة : 93

دخلت على عبد العزيز بن مروان، فقال: أنشدني قولك:
إذا لم يكـن بـين الـخـلـيلـين ردة سوى ذكر شيء قد مضى درس الذكر فقلت: ليس هذا لي، هذا لأبي صخر الهذلي، ولكني الذي أقول:
وقفت بذي دوران أنشد نـاقـتـي وما إن بها لي من قلوص ولا بكر فقال لي عبد العزيز: لك جائزة على صدق حديثك، وجائزة على شعرك؛ فأعطاني على صدق حديثي ألف دينار، وعلى شعري ألف دينار.
أوصاف نصيب الجسمية
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن عثمان بن حفص عن أبيه قال: رأيت النصيب وكان أسود خفيف العارضين ناتىء الحنجرة.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير قال حدثني إبراهيم بن يزيد السعدي عن جدته جمال بنت عون بن مسلم عن أبيها عن جدها قال: رأيت رجلا أسود مع امرأة بيضاء، فجعلت أعجب من سواده وبياضها، فدنوت منه وقلت: من أنت? قال: أنا الذي أقول:
ألا ليت شعري ما الذي تحدثين بي غدا غربة النأي المفرق والبعـد
لدى أم بكر حين تقترب الـنـوى بنا ثم يخلو الكاشحون بها بعـدي
أتصرمني عند الألى هم لنا العـدا فتشمتهم بي أم تدوم على العهـد قال: فصاحت: بل والله تدوم على العهد. فسألت عنهما فقيل: هذا نصيب، وهذه أم بكر.
نصيب وعبد الله بن جعفر
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال حدثني أبو اليقظان عن جويرية بن أسماء قال: أتى النصيب عبد الله بن جعفر فحمله وأعطاه وكساه. فقال له قائل: يا أبا جعفر، أعطيت هذا العبد الأسود هذه العطايا فقال: والله لئن كان أسود إن ثناءه لأبيض، وإن شعره لعربي، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال. وما ذاك إنما هي رواحل تنضى، وثياب تبلى، ودراهم تفنى، وثناء يبقى، ومدائح تروى أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائني قال قال أبو الأسود: امتدح نصيب عبد الله بن جعفر وذكر مثله.
نصيب ونسوة أردن سماع شعره
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الخراز عن المدائني قال: قيل لنصيب: إن ها هنا نسوة يردن أن ينظرن إليك ويسمعن منك شعرك. قال: وما يصنعن بي يرين جلدة سوداء وشعرا أبيض، ولكن ليسمعن شعري من وراء ستر.
تغنى منقذ الهلالي بشعر نصيب
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن عثمان بن حفص عن رجل ذكره قال: أتاني منقذ الهلالي ليلا، فضرب علي الباب. فقلت: من هذا? فقال: منقذ الهلالي. فخرجت إليه فزعا. فقال: البشرى. فقلت: وأي بشرى أتتني بك في هذا الليل? فقال: خير، أتاني أهل بدجاجة مشوية بين رغيفين فتعشيت بها، ثم أتوني بقنينة من نبيذ قد التقى طرفاها صفاء ورقة، فجعلت أشرب وأترنم بقول نصيب:
بزينب ألمم قبل أن يظعن الركب ففكرت في إنسان يفهم حسنه ويعرف فضله، فلم أجد غيرك، فأتيتك مخبرا بذلك. فقلت: ما جاء بك إلا هذا? فقال: أولا يكفي ثم انصرف.
عفة نصيب في شعره
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: قال مسلمة لنصيب: أنت لا تحسن الهجاء. فقال: بلى والله، أتراني لا أحسن أن أجعل مكان عافاك الله أخزاك الله? قال: فإن فلانا قد مدحته فحرمك فاهجه، قال: لا والله ما ينبغي أن أهجوه، وإنما ينبغي أن أهجو نفسي حين مدحته. فقال مسلمة: هذا والله أشد من الهجاء.
نصيب وعمر بن عبد العزيز












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 11:52 PM   المشاركة رقم: 17
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

نصيب وعمر بن عبد العزيز
في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
أخبرني الحسين قال قال حماد: قرأت على أبي عن ابن عباية عن الضحاك الحزامي قال: دخل نصيب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يومئذ أمير المدينة، وهو جالس بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، فقال: أيها الأمير، ائذن لي أن أنشدك من مراثي عبد العزيز. فقال: لا تفعل فتحزنني، ولكن أنشدني قولك: قفا أخوي فإن شيطانك كان لك فيها ناصحا حين لقنك إياها. فأنشده: صوت

قفا أخوي إن الدار لـيسـت كما كانت بعهدكما كما تكون
ليالي تعلمـان وآل لـيلـى قطين الدار فاحتمل القطين
فعوجا فانظرا أتبين عـمـا سألناهـا بـه أم لا تـبـين

صفحة : 94


فظلا واقفين وظل دمعـي على خدي تجود به الجفون
فلولا إذ رأيت اليأس منهـا بدا أن كدت ترشقك العيون،
برحت فلم يلمك الناس فيهـا ولم تغلق كما غلق الرهين في البيتين الأولين من هذه الأبيات والأخيرين لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه للغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو ويونس.
قصة نصيب مع امرأة عجوز بالجحفة
كان يختلف إليها
أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن أيوب بن عباية قال: كان نصيب ينزل على عجوز بالجحفة إذا قدم من الشأم، وكان لها بنية صفراء وكان يستحليها، فإذا قدم وهب لها دراهم وثيابا غير ذلك. فقدم عليهما قدمة وبات بهما، فلم يشعر إلا بفتى قد جاءها ليلا فركضها برجله، فقامت معه فأبطأت ثم عادت، وعاد إليها بعد ساعة فركضها برجله فقالت معه فأبطأت ثم عادت. فلما أصبح نصيب رأى أثر معتركهما ومغتسلهما. فلما أراد أن يرتحل قالت له العجوز وبنتها: بأبي أنت عادتك. فقال لها:
أراك طموح العين ميالة الهوى لهذا وهذا منك ود ملاطـف
فإن تحملي ردفين لا أك منهما فحبي فرد لست ممن يرادف ولم يعطها شيئا ورحل.
حديث النصيب مع امرأة من ملل
كان الناس ينزلون عندها
قال أيوب: وكانت بملل امرأة ينزل بها الناس، فنزل بها أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة وعمران بن عبد الله بن مطيع ونصيب فلما رحلوا وهب لها القرشيان ولم يكن مع نصيب شيء، فقال لها: اختاري إن شئت أن أضمن لك مثل ما أعطياك إذا قدمت، وإن شئت قلت فيك أبياتا تنفعك. قالت: بل الشعر أحب إلي. فقال:
ألا حي قبل البـين أم حـبـيب وإن لم تكن منا غدا بـقـريب
لئن لم يكن حبيك حبا صدقـتـه فما أحد عندي إذا بـحـبـيب
تهام أصابت قلـبـه مـلـلـية غريب الهوى يا ويح كل غريب فشهرها بذلك، فأصابت بقوله ذلك فيها خيرا.
عمر ينهاه عن التشبيب بالنساء
قال أيوب: ودخل النصيب على عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - بعد ما ولي الخلافة. فقال له: إيه يا أسود أنت الذي تشهر النساء بنسيبك فقال: إني قد تركت ذلك يا أمير المؤمنين، وعاهدت الله عز وجل ألا أقول نسيبا، وشهد له بذلك من حضر وأثنوا عليه خيرا. فقال: أما إذ كان الأمر هكذا فسل حاجتك. فقال: بنيات لي نفضت عليه سوادي فكسدن، أرغب بهن عن السودان ويرغب عنهن البيضان. قال: فتريد ماذا? قال: تفرض لهن، ففعل. قال: ونفقة لطريقي. قال: فأعطاه حلية سيفه وكساه ثوبيه، وكانا يساويان ثلاثين درهما.
اجتماع النصيب والكميت ذي الرمة
وتناشدهم الشعر
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق الموصلي عن ابن كناسة قال: اجتمع النصيب والكميت وذو الرمة، فأنشدهما الكميت قوله:
هل أنت عن طلب الأيفاع منقلب حتى بلغ إلى قوله فيها:
أم هل ظغائن بالعلياء نـافـعة وإن تكامل فيها الأنس والشنب فعقد نصيب واحدة. فقال له الكميت: ماذا تحصي? قال: خطأك، باعدت في القول، ما الأنس من الشنب، ألا قلت كما قال ذو الرمة:
لمياء في شفتيها حوة لعـس وفي اللثات وفي أنيابها شنب ثم أنشدهما قوله:
أبت هذه النفس إلا ادكارا حتى بلغ إلى قوله:
إذا ما الهجارس غنينها تجاوبن بالفلوات الوبارا فقال له النصيب: والوبار لا تسكن الفلوات. ثم أنشد حتى بلغ منها:
كأن الغطامط من غليهـا أراجيز أسلم تهجو غفارا فقال النصيب: ما هجت أسلم غفارا قط، فانكسر الكميت وأمسك.
نصيب وعبد الرحمن بن الضحاك
ابن قيس الفهري
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن الكلبي:

صفحة : 95

أن نصيبا مدح عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، فأمر له بعشر قلائص، وكتب بها إلى رجلين من الأنصار، واعتذر إليه وقال له: والله ما أملك إلا رزقي، وإني لأكره أن أبسط يدي في أموال هؤلاء القوم. فخرج حتى أتى الأنصاريين فأعطاهما الكتاب مختوما. فقرآه وقالا: قد أمر لك بثمان قلائص، ودفعا ذلك إليه. ثم عزل وولي مكانه رجل من بني نصر بن هوازن، فأمر بأن يتتبع ما أعطى ابن الضحاك ويرتجع، فوجد باسم نصيب عشر قلائص، فأمر بمطالبته بها. فقال: والله ما دفع إلي إلا ثماني قلائص فقال: والله ما تخرج من الدار حتى تؤدي عشر قلائص أو أثمانها، فلم يخرج حتى قبض ذلك منه. فلما قدم على هشام سمر عنده ليلة وتذاكروا النصري، فأنشده قوله فيه:
أفي قلائص جرب كن من عمل أردى وتنزع من أحشائي الكبد
ثمانيا كن في أهلي وعنـدهـم عشر فأي كتاب بعدنا وجـدوا
أخانني أخوا الأنصار فانتقصـا منها فعندهما الفقد الذي فقـدوا
وإن عاملك النصري كلفـنـي في غير نائرة دينا له صـعـد
أذنب غيري ولم أذنب يكلفنـي أم كيف أقتل لا عقل ولا قـود قال: فقال هشام: لا جرم والله، لا يعمل لي النصري عملا أبدا، فكتب بعزله عن المدينة.
شعر لنصيب في الجفر من نواحي ضرية
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرنا الزبير بن بكار إجازة عن هارون بن عبد الله الزبيري عن شيخ من الجفر قال: قدم علينا النصيب فجلس في هذا المجلس وأومأ إلى مجلس حذاءه، فاستنشدناه، فأنشدنا قوله:
ألا يا عقاب الوكر وكـر ضـرية سقتك الغوادي من عقاب ومن وكر
تمر الليالـي مـا مـررن ولا أرى مرور الليالي منسياتي ابنة النضـر
وقفت بذي دوران أنشد نـاقـتـي ومالي لديها من قلوص ولا بكـر
وما أنشـد الـرعـيان إلا تـعـلة بواضحة الأنياب طيبة الـنـشـر
أما والذي نادى من الطور عـبـده وعلم أيام المنـاسـك والـنـحـر
لقد زادني للجفر حـبـا وأهـلـه ليال أقامتهن ليلى على الـجـفـر نصيب وعبد الملك بن مروان
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال أخبرني عمر بن إبراهيم السعدي عن يوسف بن يعقوب بن العلاء بن سليمان عن سلمة بن عبد الله بن أبي مسروح قال: قال عبد الملك بن مروان لنصيب أنشدني، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
ومضمر الكشح يطويه الضجيع به طي الحمائل لا جاف ولا فقـر
وذي روادف لا يلغي الإزار بهـا يلوى ولو كان سبعا حين يأتـزر فقال له عبد الملك: يا نصيب، من هذه? قال: بنت عم لي نوبية، لو رأيتها ما شربت من يدها الماء. فقال له: لو غير هذا قلت لضربت الذي فيه عيناك.
رحلة نصيب إلى عبد العزيز ابن مروان كل عام يستميحه العطاء
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا الحارث بن محمد بن أبي أسامة قال حدثنا المدائني قال: كان عبد العزيز بن مروان اشترى نصيبا وأهله وولده فأعتقهم، وكان نصيب يرحل إليه في كل عام مستميحا فيجيزه ويحسن صلته. فقال فيه نصيب:
يقول فيحسن القول ابن ليلى ويفعل فوق أحسن ما يقول
فتـى لا يرزأ الـخـلان إلا مودتهم ويرزؤه الـخـلـيل
فبشر أهل مصر فقد أتاهـم مع النيل الذي في مصر نيل نصيب وشاعر هجاه من أهل الحجاز
أخبرني هاشم بن محمد بن هارون بن عبد الله بن مالك الخزاعي أبو دلف قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: كان نصيب يكنى أبا الحجناء، فهجاه شاعر من أهل الحجاز فقال:
رأيت أبا الحجناء في الناس حائرا ولون أبي الحجناء لون البهـائم
تراه على ما لاحه مـن سـواده وإن كان مظلوما له وجه ظالـم

صفحة : 96

فقيل لنصيب: ألا تجيبه فقال: لا، ولو كانت هاجيا لأحد لأجبته ولكن الله أوصلني بهذا الشعر إلى خير، فجعلت على نفسي ألا أقوله في شر، وما وصفني إلا بالسواد وقد صدق. أفلا أنشدكم ما وصفت به نفسي? قالوا بلى. فأنشدهم قوله:
ليس السواد بناقصـي مـادام لـي هذا اللسـان إلـى فـؤاد ثـابـت
من كان ترفعه منـابـت أصـلـه فبيوت أشعاري جعلن منـابـتـي
كم بين أسـود نـاطـق بـبـيانـه ماضي الجنان وبين أبيض صامت
إني ليحسدنـي الـرفـيع بـنـاؤه من فضل ذاك وليس بي من شامت ويروى مكان من فضل ذاك ، فضل البيان وهو أجود.
أخبرني عمي ومحمد بن خلف قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني سعيد بن يحيى الأموي قال حدثني عمي عن محمد بن سعد قال: قال قائل للنصيب: أيها العبد، مالك وللشعر? فقال: أما قولك عبد فما ولدت إلا وأنا حر، ولكن أهلي ظلموني فباعوني. وأما السواد فأنا الذي أقول:
وإن أك حالكا لـونـي فـإنـي لعقل غير ذي سـقـط وعـاء
وما نزلت بي الـحـاجـات إلا وفي عرضي من الطمع الحياء شعره في جارية طلبت منه أن يشبب بها
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال حدثت عن السدوسي قال: وقف نصيب على أبيات فاستسقى ماء، فخرجت إليه جارية بلبن أو ماء فسقته، وقالت: شبب بي: فقال: وما اسمك? فقالت: هند. ونظر إلى جبل وقال: ما اسم هذا العلم? قالت: قنا. فأنشأ يقول:
أحب قنا من حب هند ولم أكن أبالي أقربا زاده الله أم بعـدا
ألا إن بالقيعان من بطن ذي قنا لنا حاجة مالت إليه بنا عمـدا
أروني قنا انظر إليه فإنـنـي أحب قنا إني رأيت به هنـدا قال: فشاعت هذه الأبيات، وخطبت هذه الجارية من أجلها، وأصابت بقول نصيب فيها خيرا كثيرا.
قصته مع جارية خطبها فأبت ثم تزوجته
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل بن نبيه قال حدثنا محمد بن سلام قال: دخل نصيب على يزيد بن عبد الملك، فقال له: حدثني يا نصيب ببعض ما مر عليك. فقال: نعم، يا أمير المؤمنين علقت جارية حمراء، فمكثت زمانا تمنيني بالأباطيل، فلما ألححت عليها قالت: إليك عني، فوالله لكأنك من طوارق الليل. فقلت لها: وأنت والله لكأنك من طوارق النهار. فقالت: ما أظرفك يا أسود فغاظني قولها، فقلت لها: هل تدرين ما الظرف? إنما الظرف العقل. ثم قالت لي: انصرف حتى أنظر في أمرك. فأرسلت إليها هذه الأبيات:
فإن أك حالكا فالمسك أحـوى وما لسواد جلدي مـن دواء
ولي كرم عن الفحشـاء نـاء كبعد الأرض من جو السماء
ومثلي في رجالكـم قـلـيل ومثلك ليس يعدم في النسـاء
فإن ترضي فردي قول راض وإن تأبي فنحن على السواء قال: فلما قرأت الشعر قالت: المال والشعر يأتيان على غيرهما، فتزوجتني.
استجادة الأصمعي شعرا لنصيب
أخبرنا هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي قال: أنشدنا الأصمعي لنصيب وكان يستجيد هذه الأبيات ويقول إذا أنشدها: قاتل الله نصيبا ما أشعره.

فإن يك من لوني السواد فـإنـنـي لكالمسك لا يروى من المسك ذائقه
وما ضر أثوابي سوادي وتحتـهـا لباس من العلياء بيض بـنـائقـه
إذا المرء لم يبذل من الود مثل مـا بذلت له فاعلم بأنـي مـفـارقـه نصيب وجرير
أخبرني الفضل بن الحباب أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام عن خلف: أن نصيبا أنشد جريرا شيئا من شعره، فقال له: كيف ترى يا أبا حرزة? فقال له: أنت أشعر أهل جلدتك.
نصيب والوليد بن عبد الملك
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران بن محمد عن المسور بن عبد الملك قال:

صفحة : 97

قال نصيب لعبد الرحمن بن أزهر: أنشدت الوليد بن عبد الملك، فقال لي: أنت أشعر أهل جلدتك، والله ما زاد عليها فقال لي عبد الرحمن: يا أبا محجن، أفرضيت منه أن جعلك أشعر السودان فقط? فقال له: وردت والله يابن أخي أنه أعطاني أكثر من هذا، ولكنه لم يفعل ولست بكاذبك.
نصيب ووصفه لشعره وشعر معاصريه
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال أخبرنا أبو عبيدة قال: قال لي محمد بن عبد ربه: دخلت مسجد الكوفة، فرأيت رجلا لم أر قط مثله ولا أشد سوادا منه، ولا أنقى ثيابا منه، ولا أحسن زيا. فسألت عنه، فقيل: هذا نصيب. فدنوت منه فحدثته، ثم قلت له: أخبرني عنك وعن أصحابك. فقال: جميل إمامنا، وعمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربات الحجال، وكثير أبكانا على الدمن وأمدحنا للملوك، وأما أنا فقد قلت ما سمعت. فقلت له: إن الناس يزعمون أنك لا تحسن أن تهجو. فضحك ثم قال: أفتراهم يقولون: إني لا أحسن أن أمدح? فقلت لا. فقال: أفما تراني أحسن أن أجعل مكان عافاك الله أخزاك الله? قال قلت بلى. قال: فإني رأيت الناس رجلين: إما رجل لم أسأله شيئا فلا ينبغي أن أهجوه فأظلمه، وإما رجل سألته فمنعني فنفسي كانت أحق بالهجاء، إذ سولت لي أن أساله وأن أطلب ما لديه.
نصيب وكثير والأحوص
في مجلس امرأة من بني أمية
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني عبد الله بن إسماعيل بن أبي عبيد الله كاتب المهدي قال: وجدت في كتاب أبي بخطه: حدثني أبو يوسف التجيبي قال حدثني إسماعيل بن المختار مولى آل طلحة وكان شيخا كبيرا قال: حدثني النصيب أبو محجن أنه خرج هو وكثير والأحوص غب يوم أمطرت فيه السماء، فقال: هل لكم في أن نركب جميعا فنسير حتى نأتي العقيق فنمتع فيه أبصارنا? فقالوا نعم. فركبوا أفضل ما يقدرون عليه من الدواب، ولبسوا أحسن ما يقدرون عليه من الثياب، وتنكروا ثم ساروا حتى أتوا العقيق، فجعلوا يتصفحون ويرون بعض ما يشتهون، حتى رفع لهم سواد عظيم فأموه حتى أتوه، فإذا وصائف ورجال من الموالي ونساء بارزات، فسألنهم أن ينزلوا، فاستحيوا أن يجيبوهن من أول وهلة، فقالوا: لا نستطيع أو نمضي في حاجة لنا. فحلفنهم أن يرجعوا إليهن، ففعلوا وأتوهن، فسألنهم النزول فنزلوا. ودخلت امرأة من النساء فاستأذنت لهم، فلم تلبث أن جاءت المرأة فقالت: ادخلوا. فدخلنا على امرأة جميلة برزة على فرش لها، فرحبت وحيت، وإذا كراسي موضوعة، فجلسنا جميعا في صف واحد كل إنسان على كرسي. فقالت: إن أحببتم أن ندعو بصبي لنا فنصيحه ونعرك أنذه فعلنا، وإن شئتم بدأنا بالغداء. فقلنا: بل تدعين بالصبي ولن يفوتنا الغداء. فأومأت بيدها إلى بعض الخدم، فلم يكن إلا كلا ولا حتى جاءت جارية جميلة قد سترت بمطرف، فأمسكوه عليها حتى ذهب بهرها، ثم كشف عنها وإذا جارية ذات جمال قريبة من جمال مولاتها، فرحبت بهم وحيتهم، فقالت لها مولاتها: خذي - ويحك - من قول النصيب عافى الله أبا محجن:
ألا هل من البين المفرق من بد وهل مثل أيام بمنقطع السعـد
تمنيت أيامي أولئك، والمـنـى على عهد عاد ما تعيد ولا تبدي فغنته، فجاءت به كأحسن ما سمعته قط بأحلى لفظ وأشجى صوت. ثم قالت لها: خذي أيضا من قول أبي محجن عافى الله أبا محجن:
أرق الـمـحـب وعـــاده ســـهـــده لطـوارق الـهـم الـــتـــي تـــرده
وذكـرت مـن رقـت لــه كـــبـــدي وأبـى فـلـيس تـرق لـي كـــبـــده
لا قومه قومي ولا بلدي فنكون حينا جيزة بلده
ووجدت وجدا لم يكن أحد قبـلـي مـن أجـل صـبـــابة يجـــده
إلا ابـن عـجـلان الـذي تـبـــلـــت هنـد فـفـات بـنـفـسـه كـــمـــده قال: فجاءت به أحسن من الأول، فكدت أطير سرورا. ثم قالت لها: ويحك خذي من قول أبي محجن عافى الله أبا محجن:
فيا لك من ليل تمتعت طـولـه وهل طائف من نائم متمـتـع
نعم إن ذا شجو متى يلق شجوه ولو نائما مستعتـب أو مـودع
له حاجة قد طالما قد أسـرهـا من الناس في صدر بها يتصدع
تحملها طول الزمان لعـلـهـا يكون لها يوما من الدهر منزع

صفحة : 98


وقد قرعت في أم عمرو لي العصا قديما كما كانت لذي الحلم تقـرع قال: فجاءت والله بشيء حيرني وأذهلني طربا لحسن الغناء وسرورا باختيارها الغناء في شعري، وما سمعت فيه من حسن الصنعة وجودتها وإحكامها. ثم قالت لها: خذي أيضا من قول أبي محجن، عافى الله أبا محجن:
يا أيها الركب إني غير تابعكم حتى تلموا وأنتم بي ملمونـا
فما أرى مثلكم ركبا كشكلكم يدعوهم ذو هوى إلا يعوجونا
أم خبروني عن دائي بعلمكـم وأعلم الناس بالداء الأطبونـا قال نصيب: فوالله لقد زهيت بما سمعت زهوا خيل إلي أني من قريش، وأن الخلافة لي. ثم قالت: حسبك يا بنية هات الطعام يا غلام فوثب الأحوص وكثير وقالا: والله لا نطعم لك طعاما ولا نجلس لك في مجلس؛ فقد أسأت عشرتنا واستخففت بنا، وقدمت شعر هذا على أشعارنا، واستمعت الغناء فيه، وإن في أشعارنا لما يفضل شعره، وفيها من الغناء ما هو أحسن من هذا. فقالت: على معرفة كل ما كان مني، فأي شعركما أفضل من شعره? أقولك يا أحوص:
يقر بعيني ما يقر بـعـينـهـا وأحسن شيء ما به العين قرت أو قولك يا كثير في عزة:
وما حسـبـت ضـمـرية جـدوية سوى التيس ذي القرنين أن لها بعلا أم قولك فيها:
إذا ضمرية عطست فنكها فإن عطاسها طرف السفاد قال: فخرجا مغضبين واحتبستني، فتغديت عندها، وأمرت لي بثلثمائة دينار وحلتين وطيب، ثم دفعت إلي مائتي دينار وقالت: ادفعها إلى صاحبيك؛ فإن قبلاها وإلا فهي لك. فأتيتهما منازلهما فأخبرتهما القصة. فأما الأحوص فقبلها، وأما كثير فلم يقبلها، وقال: لعن الله صاحبتك وجائزتها ولعنك معها فأخذتها وانصرفت.
فسألت النصيب: ممن المرأة?. فقال: من بني أمية ولا أذكر اسمها ما حييت لأحد.
رثاء نصيب عبد العزيز وقد مات بسكر
من قرى الصعيد
أخبرني عيسى بن يحيى الوراق عن أحمد بن الحارث الخراز قال حدثنا المدائني قال: وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان إياها، فخرج هاربا منه فنزل بقرية من الصعيد يقال لها سكر . فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك، فقال له عبد العزيز: ما اسمك? فقال: طالب بن مدرك. فقال: أوه، ما أراني راجعا إلى الفسطاط أبدا ومات في تلك القرية. فقال نصيب يرثيه:
أصبت يوم الصعيد من سكـر مصيبة ليس لي بهـا قـبـل
تالله أنسى مصـيبـتـي أبـدا ما أسمعتني حنينهـا الإبـل
ولا التبكي عـلـيه أعـولـه كل المصيبات بعده جـلـل
لم يعلم النعش ما عليه من ال عرف ولا الحاملون ما حملوا
حتى أجنوه في ضريحـهـم حين انتهى من خليلك الأمـل غنى في هذه الأبيات ابن سريج، ولحنه رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، وذكر الهشامي أن له فيه لحنا من الهزج، وذكر ابن بانة أن الرمل لابن الهربذ.
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن مصعب الزبيري عن مشيخة من أهل الحجاز: أن نصيبا دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: أنشدني بعض ما رثيت به أخي؛ فأنشده قوله:
عرفت وجربت الأمور فمـا أرى كماض تلاه الغابر المـتـأخـر
ولكن أهل الفضل من أهل نعمتي يمرون أسلافا أمامي وأغـبـر
فإن أبكه أعذر وإن أغلب الأسـى بصبر فمثلي عندما اشتد يصبـر
وكانت ركابي كلما شئت تنتحـي إليك فتقضي نحبها وهي ضمـر
ترى الورد يسرا والثواء غنـيمة لديك وتثنى بالرضا حين تصـدر
فقد عريت بعد ابن ليلى فإنـمـا ذراها لمن لاقت من الناس منظر
ولو كان حيا لم يزل بدفـوفـهـا مراد لغربان الطريق ومنـقـر
فإن كن قد نلن ابن ليلـى فـإنـه هو المصطفى من أهله المتخير فلما سمع عبد الملك قوله:
فإن أبكه أعذر وإن أغلب الأسى بصبر فمثلي عندما اشتد يصبر

صفحة : 99

قال له: ويلك أنا كنت أحق بهذ الصفة في أخي منك فهلا وصفتني بها وجعل يبكي.
نصيب وعبد الله بن إسحاق البصري
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي يحيى محمد بن كناسة قال: قال لي عبد الله بن إسحاق البصري: لو وليت العراق لاستكتبت نصيبا. قلت: لماذا? قال لفصاحته وحسن تخلصه إلى جيد الكلام، ألم تسمع قوله:
فلا النفس ملتها ولا العين تنتهي إليها سوام الطرف عنها فترجع
رأتها فما ترتد عنـهـا سـآمة ترى بدلا منها به النفس تقنـع نصيب وإبراهيم بن هشام
أخبرني الحرمي عن الزبير عن محمد بن الحسن قال: دخل نصيب على إبراهيم بن هشام فأنشده مديحا له. فقال إبراهيم: ما هذا بشيء أين هذا من قول أبي دهبل لصاحبنا ابن الأزرق حيث يقول:
إن تغد من منقلي نخلان مرتحـلا يرحل من اليمن المعروف والجود قال: فغضب نصيب ونزع عمامته وبرك عليها، وقال: لئن تأتونا برجال مثل ابن الأزرق نأتكم بمثل مديح أبي دهبل أو أحسن؛ إن المديح والله إنما يكون على قدر الرجال. قال: فأطرق ابن هشام، وعجبوا من إقدام نصيب عليه، ومن حلم ابن هشام وهو غير حليم.
نصيب وأم بكر الخزاعية
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري: أن نصيبا كان ربما قدم من الشأم فيطرح في حجر أم بكر الخزاعية أربعمائة دينار، وأن عبد الملك بن مروان ظهر على تعلقه بها ونسيبه فيها، فنهاه عن ذلك حتى كف.
نصيب وشيء من أوصافه الخلقية
أخبرني محمد بن يزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عثمان بن حفص الثقفي عن أبيه قال: رأيت النصيب بالطائف، فجاءنا وجلس في مجلسنا وعليه قميص قوهي ورداء وحبرة، فجعل ينشدنا مديحا لابن هشام، ثم قال: إن الوادي مسبعة، فمن أهل المجلس? قالوا: ثقيف؛ فعرف أنا نبغض ابن هشام ويبغضنا، فقال: إنا لله أبعد ابن ليلى أمتدح ابن جيداء فقال له أهل المجلس: يا أبا محجن، أتطلب القريض أحيانا فيعسر عليك? فقال: إي والله لربما فعلت، فآمر براحلتي فيشد بها رحلي، ثم أسير في الشعاب الخالية، وأقف في الرباع المقوية، فيطربني ذلك ويفتح لي الشعر. والله إني على ذلك ما قلت بيتا قط تستحي الفتاة الحيية من إنشاده في ستر أبيها. قال إسحاق قال عثمان بن حفص فوصفه أبي وقال: كأني أراه صدعا خفيف العارضين ناتىء الحنجرة.
نصيب وابن أبي عتيق
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه عن محمد بن كناسة قال: أنشد نصيب قوله:
وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا لها بارق نحو الحجـاز أطـير فسمعه ابن أبي عتيق، فقال: يابن أم، قل غاق فإنك تطير. يعني أنه غراب أسود.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال أخبرني أحمد بن محمد الأسدي أسد قريش قال: قال ابن أبي عتيق لنصيب: إني خارج، أفترسل إلى سعدى بشيء? قال: نعم، بيتي شعر. قال: قل، فقال:
أتصبر عن سعدى وأنت صبـور وأنت بحسن الصبر منك جـدير
وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا سنى بارق نحو الحجاز أطـير قال: فأنشد ابن أبي عتيق سعدى البيتين، فتنفست تنفسة شديدة. فقال ابن أبي عتيق: أوه أجبته والله بأجود من شعره، ولو سمعك خليلك لنعق وطار إليك.
نصيب والحكم بن المطلب
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم الكاتب قال حدثني أبو هفان عن إسحاق الموصلي عن المسيبي قال: قال أبو النجم: أتيت الحكم بن المطلب فمدحته، وخرج إلى السعاية فخرجنا معه ومعه عدة من الشعراء. فبينا هو مع أصحابه يوما واقف، إذا براكب يوضع في السراب وإذا هو نصيب، فتقدم إليه فمدحه فأمر بإنزاله، فمكث أياما حتى أتاه فقال: إني قد خلفت صبية صغارا وعيالا ضعافا. فقال له: ادخل الحظيرة فخذ منها سبعين فريضة. فقال له: جعلني الله فداك قد أحسنت ومعي ابن لي أخاف أن يثلمها علي. قال: فادخل فخذ له سبعين فريضة أخرى؛ فانصرف بمائة وأربعين فريضة.
أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير عن محمد بن الضحاك عن عثمان عن أبيه قال:

صفحة : 100

قيل لنصيب: هرم شعرك. قال: لا والله ما هرم، ولكن العطاء هرم، ومن يعطيني مثل ما أعطاني الحكم بن المطلب خرجت إليه وهو ساع على بعض صدقات المدينة، فلما رأيته قلت:
أبا مروان لست بخارجـي وليس قديم مجدك بانتحـال
أغر إذا الرواق انجاب عنه بدا مثل الهلال على المثال
تراءاه العيون كما تـراءى عشية فطرها وضح الهلال قال: فأعطاني أربعمائة ضائنة ومائة لقحة، وقال: ارفع فراشي؛ فرفعته فأخذت من تحته مائتي دينار.
نصيب وكثير عند أبي عبيدة
ابن عبد الله بن زمعة
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا الزبير قال حدثني أسعد بن عبد الله المري عن إبراهيم بن سعيد بن بشر بن عبد الله بن عقيل الخارجي عن أبيه قال: والله إني لمع أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة في حواء له، إذ جاءه كثير فحياه، فاحتفى به، ودعا بالغداء فشرعنا فيه وشرع معنا كثير؛ وجاء رجل فسلم فرددنا عليه السلام واستدنيناه، فإذا نصيب في بزة جميلة قد وافى الحج قادما من الشأم، فأكب على أبي عبيدة فعانقه وسأله ثم دعاه إلى الغداء، فأكل مع القوم، فرفع كثير يده وأقلع عن الطعام، وأقبل عليه أبو عبيدة والقوم جميعا يسألونه أن يأكل، فأبى فتركوه. وأقبل كثير على نصيب فقال: والله يا أبا محجن، إن أثر أهل الشأم عليك لجميل، لقد رجعت هذه الكرة ظاهر الكبر قليل الحياء. فقال له نصيب: لكن أثر الحجاز عليك يا أبا صخر غير جميل. لقد رجعت وإنك لزايد النقص، كثير الحماقة. فقال كثير: أنا والله أشعر العرب حيث أقول لمولاتك:
إذا أمسيت بطن مجاح دوني وعمق دون عزة فالبقـيع
فليس بلائمي أحد يصـلـي إذا أخذت مجاريها الدموع فقال له نصيب: أنا والله أشعر منك حيث أقول لابنة عمك:
خليلي إن حلت كـلـية فـالـربـا فذا أمج فالشعب ذا الماء والحمض
فأصبح من حوران رحلي بمـنـزل يبعده من دونـهـا نـازح الأرض
وأيأستما أن يجمع الدهـر بـينـنـا فخوضا لي السم المصرح بالمحض
ففي ذاك من بعض الأمور سـلامة وللموت خير من حياة على غمض قال: فاقتحم إليه كثير، وثبت له النصيب. فلما نالته رجلاه رمحه نصيب بساقه رمحة طاح منها بعيدا عنه، فما زال راقدا حتى أيقظناه عشيا لرمي الجمار.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير عن محمد بن موسى بن طلحة عن عبد الله بن عمر بن عثمان النحوي عن أنيس بن ربيعة الأسلمي أنه قال: غدوت يوما إلى أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة وهو محتل بالرحبة، فألفيت عنده جماعة منا ومن غيرنا، فأتاه آت فقال له: ذاك النصيب منذ ثلاث بالفرش من ملل متلدد كأنه واله في أثر قوم ظاعنين. فنهض أبو عبيدة ونهضنا معه، فإذا نصيب على المنحر من صفر. فلما عايننا وعرف أبا عبيدة هبط؛ فسأله عن أمره، فأخبره أنه تبع قوما سائرين وأنه وجد آثارهم ومحلهم بالفرش فاستولهه ذلك. فضحك به أبو عبيدة والقوم، وقالوا له: إنما يهتر إذا عشق من انتسب عذريا، فأما أنت فما لك ولهذا? فاستحيا وسكن. وسأله أبو عبيدة: هل قلت في مقامك شعرا? قال: نعم وأنشد:
لعمري لئن أمسيت بالفرش مقصـدا ثوياك عبـود وعـدنة أو صـفـر
ففرع صبـا أو تـيمـم مـصـعـدا لربع قديم العهد ينـتـكـف الأثـر
دعا أهله بالشأم بـرق فـأوجـفـوا ولم أر متبوعا أضر من الـمـطـر
لتستبدلن قلبـا عـينـا سـواهـمـا وإلا أتى قصدا حشاشتـك الـقـدر
خليلي فيما عشـتـمـا أو رأيتـمـا هل اشتاق مضرور إلى من به أضر
نعم ربما كان الـشـقـاء مـتـيحـا يغطي على سمع ابن آدم والبصـر قال: فانصرف به أبو عبيدة إلى منزله، وأطعمه وكساه وحمله، وانصرف وهو يقول:
أصاب دواء علتك الطـبـيب وخاض لك السلو ابن الربيب
وأبصر من رقاك منفـثـات وداؤك كان أعرف بالطبيب نصيب ويزيد بن عبد الملك
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال:

صفحة : 101

دخل نصيب على يزيد بن عبد الملك ذات يوم، فأنشده قصيدة امتدحه بها، فطرب لها يزيد واستحسنها، فقال له: أحسنت يا نصيب سلني ما شئت. فقال: يدك يا أمير المؤمنين بالعطاء أبسط من لساني بالمسألة فأمر به فملىء فمه جوهرا، فلم يزل به غنيا حتى مات.
نصيب وإبراهيم بن هشام
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا أبو غزية عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: دخل نصيب على إبراهيم بن هشام وهو وال على المدينة، فأنشده قوله:
يابن الهشامين لا بيت كبيتهمـا إذا تسامت إلى أحسابها مضر فقال له إبراهيم: قم يا أبا محجن إلى تلك الراحلة المرحولة فخذها برحلها. فقام إليها نصيب متباطئا والناس يقولون: ما رأينا عطية أهنأ من هذه ولا أكرم ولا أعجل ولا أجزل. فسمعهم نصيب فأقبل عليهم وقال: والله إنكم قلما صاحبتم الكرام وما راحلة ورحل حتى ترفعوهما فوق قدرهما نصيب وهشام بن عبد الملك
أخبرني الحرمي وعيسى بن الحسين قالا حدثنا الزبير عن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان عن أبيه قال: استبطأ هشام بن عبد الملك حين ولي الخلافة نصيبا ألا يكون جاءه وافدا عليه مدحا له ووجد عليه. وكان نصيب مريضا، فبلغه ذلك حين برأ، فقدم عليه وعليه أثر المرض وعلى راحلته أثر النصب، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
حلفت بمن حجت قريش لبـيتـه وأهدت له بدنا عليهـا الـقـلائد
لئن كنت طالت غيبتي عنك إننـي بمبلغ حولي في رضاك لجاهـد
ولكنني قد طال سقمي وأكثـرت علي العهاد المشفقات الـعـوائد
صريع فراش لا يزلن يقلـن لـي بنصح وإشفاق متى أنت قـاعـد
فلما زجرت العيس أسرت بحاجتي إليك وذلت للسـان الـقـصـائد
وإني فلا تستبطنـي بـمـودتـي ونصحي وإشفاقي إليك لعـامـد
فلا تقصني حتى أكون بصـرعة فييأس ذو قربي ويشمت حـاسـد
أنلني وقربنـي فـإنـي بـالـغ رضاك بعفو مـن نـداك وزائد
أبت نائما أما فـؤادي فـهـمـه قليل وأما مس جلـدي فـبـارد
وقد كان لي منكم إذا ما لقيتـكـم ليان ومعروف وللـخـير قـائد
إليك رحلت العيس حتى كأنـهـا قسي السرى ذبلا برتها الطـرائد
وحتى هواديها دقاق وشـكـوهـا صريف وباقي النقي منها شرائد
وحتى ونت ذات المراح فأذعنـت إليك وكل الراسمات الحـوافـد قال: فرق له هشام وبكى، قال له: ويحك يا نصيب لقد أضررنا بك وبرواحلك. ووصله وأحسن صلته واحتفل به.
نصيب وعبد الواحد النصري أمير المدينة
أخبرنا الحرمي عن الزبير عن عمه عن أيوب بن عبابة قال: قدم نصيب على عبد الواحد النصري وهو أمير المدينة بفرض من أمير المؤمنين يضعه في قومه من بني ضمرة، فأدخلهم عليه ليفرض لهم وفيهم أربعة غلمة لم يحتلموا، فردهم النصري. فكلمه نصيب كلاما غليظا إدلالا بمنزلته عند الخليفة، فأشار إليه إبراهيم بن عبد الله بن مطيع أن اسكت وكف واخرج، فإني كافيك. فلما خرج إبراهيم لقيه نصيب، فقال له: أشرت إلي فكرهت أن أغضبك، فما كرهت لي من مراجعته والصلابة له ومن ورائي المستعتب من أمير المؤمنين? فقال إبراهيم: هو رجل عربي حديد غلق، وخشيت إن جاذبته شيئا ألا يرجع عنه وأن يمضي عليه ويلج فيه، وهو مالك للأمر وله فيه سلطان، فأردت أن تخرج قبل أن يلج ويظهر منه ما لا يرجع عنه فيمضي عليه ويلج فيه، فتنتظر لتصادف منه طيب نفس فتكلمه ونرفدك عنده. فقال نصيب:
يومان يوم لزريق فسل يومه الآخر سمح فضل أنا - جعلت فداءك - فاعل ذلك، فإذا رأيت القول فأشر إلي حتى أكلمه.
قال: ودخل إليه نصيب عشيات، كل ذلك يشير إليه ابن مطيع ألا يكلمه، حتى صادف عشية من العشيات منه طيب نفس، فأشار إليه أن كلمه. فكلمه نصيب فأصاب مختله بكلامه، ثم قال: إني قد قلت شعرا فاسمعه أيها الأمير وأجزه، ثم قال:
أهاج البكا ربع بأسفل ذي الـسـدر عفاه اختلاف العصر بعدك والقطر

صفحة : 102


نعم فثناني الوجد فاشتـقـت لـلـذي ذكرت وليس الشوق إلا مع الذكـر
حلفت برب الموضعـين لـربـهـم وحرمة ما بين المقام إلى الحـجـر
لئن حاجتي يوما قضيت ورشتـنـي بنفحة عرف من يديك أبـا بـشـر
لتعترفـن الـدهـر مـنـي مـودة ونصحا على نصح وشكرا على شكر
سقى الله صوب المزن أرضا عمرتها بري وأسقاها بلاد بـنـي نـصـر
بوجهك فاستعملت ما دمـت خـائفـا لربك تقضي راشدا آخـر الـدهـر
لتنقذ أصحابـي وتـسـتـر عـورة بدت لك من صحبي فإنك ذو ستـر
فما بأمير المؤمـنـين إلـى الـتـي سألت فأعطاني لقومي مـن فـقـر
وقد خرجت منه إلـيك فـلا تـكـن بموضع بيضات الأنوق من الوكـر قال: فقال عثمان بن حيان المري وهو عنده - وكان قد جاءه بالقود من ابن حزم -: قد احتلم الآن القوم أيها الأمير، واستوجبوا الفرض. ورفده ابن مطيع فأحسن، واشتد عليه أن شركه ابن حيان في رفده وتشييعه وقال النصري لابن مطيع وابن حيان: صدقتما قد احتلموا واستوجبوا الفرض، افرض لهم يا فلان - لكاتب من كتابه - ففرض لهم.
عشقه أمة لبني مدلج وشعره فيها
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني جعفر بن علي اليشكري قال حدثني الرياشي عن العتبي قال: دخل نصيب على عبد العزيز بن مروان، فقال له عبد العزيز وقد طال الحديث بينهما: هل عشقت قط? قال: نعم، أمة لبني مدلج. قال: فكنت تصنع ماذا? قال: كانوا يحرسونها مني، فكنت أقنع أن أراها في الطريق وأشير إليها بعيني أو حاجبي، وفيها أقول:
وقفت لها كيما تمـر لـعـلـنـي أخالسها التسليم إن لـم تـسـلـم
ولما رأتني والـوشـاة تـحـدرت مدامعها خوفـا ولـم تـتـكـلـم
مساكين أهل العشق ما كنت أشتري جميع حياة العاشـقـين بـدرهـم فقال عبد العزيز: ويحك فما فعلت? قال: بيعت فأولدها سيدها. قال: فهل في نفسك منها شيء? قال: نعم، عقابيل أحزان.
عبد العزيز يحمل دينا عن نصيب
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني بهلول بن سليمان بن قرضاب البلوي: أن إبلا لنصيب أجدبت وحالت، وكان لرجل من أسلم عليه ثمانية آلاف درهم قال: فأخبرني أبي وعمي أنه وفد على عبد العزيز بن مروان، فقال له: جعلني الله فداءك إني حملت دينا في إبل ابتعتها مجدبات حيال، وقد قلت فيها شعرا.
قال: انشده، فأنشده:
فلما حملت الدين فيها وأصبحـت حيالا مسنات الهوى كدت أنـدم
على حين أن راث الربيع ولم يكن لها بصعيد من تهامة مقـضـم
ثمانية للأسـلـمـي ومـا دنـا لفحش ولا تدنو إلى الفحش أسلم فقال له عبد العزيز: فما دينك? ويحك قال: ثمانية آلاف، فأمر له بثمانية آلاف درهم. فلما رجع أنشد الأسلمي الشعر فترك ماله عليه، قال: الثمانية الآلاف لك.
نصيب والنسوة الثلاث في المسجد الحرام
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني الموصلي عن ابن أبي عبيدة قال: أتى نصيب مكة فأتى المسجد الحرام ليلا. فبينما هو كذلك إذ طلع نسوة فجلسن قريبا منه وجعلن يتحدثن ويتذاكرن الشعر والشعراء، وإذا هن من أفصح النساء وآدابهن. فقالت إحداهن: قاتل الله جميلا حيث يقول:
وبين الصفا والـمـروتـين ذكـرتـكـم بمختلـف مـا بـين سـاع ومـوجـف
وعند طـوافـي قـد ذكـرتـك ذكـرة هي الموت بل كادت على الموت تضعف فقالت الأخرى: بل قاتل الله كثير عزة حيث يقول:
طلعن علينا بين مروة والصـفـا يمرن على البطحاء مور السحائب
فكدن لعمر الله يحـدثـن فـتـنة لمختشع من خشية الـلـه تـائب فقالت الأخرى: قاتل الله ابن الزانية نصيبا حيث يقول:
ألام على ليلى ولو أستطيعـهـا وحرمة ما بين البنية والسـتـر
لملت على ليلى بنفسـي مـيلة ولو كان في يوم التحالق والنحر

صفحة : 103

فقام نصيب إليهن فسلم عليهن، فرددن عليه السلام. فقال لهن: إني رأيتكن تتحادثن شيئا عندي منه علم. فقلن: ومن أنت? فقال: اسمعن أولا. فقلن: هات. فأنشدهن قصيدته التي أولها:
ويوم ذي سلم شاقـتـك نـائحة ورقاء في فنن والريح تضطرب فقلن له: نسألك بالله وبحق هذه البنية، من أنت? فقال: أنا ابن المظلومة المقذوفة بغير جرم نصيب . فقمن إليه فسلمن عليه ورحبن به، واعتذرت إليه القائلة، وقالت: والله ما أردت سوءا، وإنما حملني الاستحسان لقولك على ما سمعت. فضحك وجلس إليهن. فحادثهن إلى أن انصرفن.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 11:53 PM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

.



أخبار ابن محرز ونسبه
نسب ابن محرز
هو مسلم بن محرز. فيما روى ابن المكي، ويكنى أبا الخطاب، مولى بني عبد الدار ابن قصي. وقال ابن الكلبي: اسمه سلم. قال ويقال: اسمه عبد الله. وكان أبوه من سدنة الكعبة، أصله من الفرس، وكان أصفر أحنى طويلا.
وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني أخي هارون عن عبد الملك بن الماجشون قال: اسم ابن محرز سلم، وهو مولى بني مخزوم. وذكر إسحاق أنه كان يسكن المدينة مرة ومكة مرة، فإذا أتى المدينة أقام بها ثلاثة أشهر يتعلم الضرب من عزة الميلاء، ثم يرجع إلى مكة فيقيم بها ثلاثة أشهر. ثم شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشأم فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يسمع مثله. وكان يقال له صناج العرب.
ابن محرز أول من غنى الرمل
أخبرني عمي قال حدثني أبو أيوب المديني عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: قال أبي: أول من غنى الرمل ابن محرز وما غني قبله. فقلت له: ولا بالفارسية? قال: ولا بالفارسية، وأول من غنى رملا بالفارسية سلمك في أيام الرشيد، استحسن لحنا من ألحان ابن محرز، فنقل لحنه إلى الفارسية وغنى فيه.
سبب خمول ذكره
قال أبو أيوب وقال إسحاق: كان ابن محرز قليل الملابسة للناس، فأخمل ذلك ذكره فما يذكر منه إلا غناؤه، وأخذت أكثر غنائه جارية كانت لصديق له من أهل مكة كانت تألفه، فأخذه الناس عنها. ومات بداء كان به. وسقط إلى فارس فأخذ غناء الفرس، وإلى الشأم فأخذ غناء الروم، فتخير من نغمهم ما تغنى به غناءه. وكان يقدم بما يصيبه فيدفعه إلى صديقه ذاك فينفقه كيف شاء، لا يسأله عن شيء منه، حتى إذا كاد أن ينفد جهزه وأصلح من أمره، وقال له: إذا شئت فارحل، فيرحل ثم يعود. فلم يزل كذلك حتى مات.
ابن محرز أول من غنى بزوج من الشعر
واقتدى به المغنون في ذلك
قال : وهو أول من غنى بزوج من الشعر، وعمل ذلك بعده المغنون اقتداء به. وكان يقول: الأفراد لا تتم بها الألحان. وذكر أنه أول ما أخذ الغناء أخذه عن ابن مسجح. قال إسحاق: وكانت العلة التي مات بها الجذام، فلم يعاشر الخلفاء ولا خالط الناس لأجل ذلك.
قال أبو أيوب قال إسحاق: قدم ابن محرز يريد العراق، فلما نزل القادسية لقيه حنين، فقال له: كم منتك نفسك من العراق? قال: ألف دينار. قال: فهذه خمسمائة دينار فخذها وانصرف واحلف ألا تعود.
علو كعبه في صنعة الغناء
وقال إسحاق: وقلت ليونس: من أحسن الناس غناء? قال: ابن محرز. قلت: وكيف قلت ذاك. قال: إن شئت فسرت، وإن شئت أجملت. قلت: أجمل. قال: كأنه خلق من كل قلب، فهو يغني لكل إنسان بما يشتهي. وهذه الحكاية بعينها قد حكيت في ابن سريج، ولا أدري أيهما الحق.
قال إسحاق: وأخبرني الفضل بن يحيى بن خالد أنه سأل بعض من يبصر الغناء: من أحسن الناس غناء? فقال: أمن الرجال أم من النساء? فقلت: من الرجال. فقال: ابن محرز. فقلت: فمن النساء? فقال: ابن سريج. قال: وكان إسحاق يقول: الفحول ابن سريج، ثم ابن محرز، ثم معبد ثم الغريض، ثم مالك.
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد: قرأت على أبي حدثنا بعض أهل المدينة، وأخبرني بهذا الخبر الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أخي هارون عن عبد الملك بن الماجشون قال:

صفحة : 104

كان ابن محرز أحسن الناس غناء، فمر بهند بنت كنانة بن عبد الرحمن بن نضلة بن صفوان بن أمية بن محرث الكناني حليف قريش، فسألته أن يجلس لها ولصواحب لها، ففعل وقال: أغنيكن صوتا أمرني الحارث بن خالد بن العاص بن هشام أن أغنيه عائشة بنت طلحة بن عبيد الله في شعر له قاله فيها وهو يومئذ أمير مكة? قلن نعم. فغناهن: صوت

فوددت إذ شحطوا وشطت دارهم وعدتهم عنا عـواد تـشـغـل
أنا نطاع وأن تنـقـل أرضـنـا أو أن أرضهم إلينـا تـنـقـل
لترد من كثب إلـيك رسـائلـي بجوابها ويعود ذاك المـرسـل عروضه من الكامل. الغناء في هذه الأبيات خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر، ذكر عمرو بن بانة أنه لابن محرز، وذكر إسحاق أنه لابن سريج.
ابن محرز وحنين الحيري
وقال أبو أيوب المديني في خبره: بلغني أن ابن محرز لما شخص يريد العراق لقيه حنين فقال له: غنني صوتا من غنائك. فغناه: صوت

وحسن الزبرجد في نظـمـه على واضح الليث زان العقودا
يفـصـل ياقــوتـــه دره وكالجمر أبصرت فيه الفريدا عروضه من المتقارب. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن محرز ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر - قال: فقال له حنين حينئذ: كم أملت من العراق? قال: ألف دينار. فقال له: هذه خمسمائة دينار فخذها وانصرف. ولما شاع ما فعل لامه أصحابه عليه؛ فقال: والله لو دخل العراق لما كان لي معه فيه خبز آكله، ولا طرحت وسقطت إلى آخر الدهر. وهذا الصوت أعنى:
وحسن الزبرجد في نظمه من صدور أغاني ابن محرز وأوائلها وما لا يتعلق بمذهبه فيه ولا يتشبه به أحد. ومما يغنى فيه من قصيدة نصيب التي أولها:
أهاج هواك المنزل المتقادم صوت

لقد راعني للبين نوح حمـامة على غصن بان جاوبتها حمائم
هواتف أما من بكين فعـهـده قديم وأما شجـوهـن فـدائم الغناء لابن سريج من رواية يونس وعمرو وابن المكي، وهو ثاني ثقيل بالبنصر، وهو من جيد الألحان وحسن الأغاني، وهو مما عارض ابن سريج فيه ابن محرز وانتصف منه.

ذكر الأصوات التي رواها جحظة

عن أصحابه وحكى أنها من الثلاثة المختارة

صوت

إلى جيداء قد بعثوا رسـولا ليحزنها فلا صحب الرسول
كأن العام ليس بعـام حـج تغيرت المواسم والشكـول الشعر للعرجي، والغناء لإبراهيم الموصلي، ولحنه المختار ماخوري بالوسطى. وهو من خفيف الثقيل الثاني على مذهب إسحاق. وفيه لابن سريج ثاني ثقيل بالسبابة. في مجرى البنصر، وذكر عمرو بن بانة أن الماخوري لابن سريج.

أخبار العرجي ونسبه
نسب العرجي من قبل أبويه
هو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس. وقد شرح هذا النسب في نسب أبي قطيفة. وأم عفان وجميع بني أبي العاص آمنة بنت عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب. وأم عثمان أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس. وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وهي أخت عبد الله بن عبد المطلب أبى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأمه وأبيه ولدا في بطن واحد. وأم عمرو بن عثمان أم أبان بنت جندب الدوسية.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء والطوسي قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني علي بن صالح عن يعقوب بن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال حدثني محرز بن جعفر عن أبيه عن جده قال:

صفحة : 105

قدم جندب بن عمرو بن حممة الدوسي المدينة مهاجرا في خلافة عمر بن الخطاب، ثم مضى إلى الشأم وخلف ابنته أم أبان عند عمر، وقال له: يا أمير المؤمنين، إن وجدت لها كفئا فزوجه بها ولو بشراك نعله، وإلا فأمسكها حتى تلحقها بدار قومها بالسراة. فكانت عند عمر، واستشهد أبوها، فكانت تدعوا عمر أباها ويدعوها ابنته. قال: فإن عمر على المنبر يوما يكلم الناس في بعض الأمر إذ خطر على قلبه ذكرها، فقال: من له في الجميلة الحسيبة بنت جندب بن عمرو بن حممة، وليعلم امرؤ من هو فقام عثمان فقال: إنا يا أمير المؤمنين. فقال أنت لعمر الله كم سقت إليها? قال: كذا وكذا. قال: قد زوجتكها، فعجله؛ فإنها معدة. قال: ونزل عن المنبر. فجاء عثمان رضي الله عنه بمهرها، فأخذه عمر في ردنه فدخل به عليها، فقال: يا بنية، مدي حجرك، ففتحت حجرها، فألقى فيه المال، ثم قال: يا بنية، قولي اللهم بارك لي فيه. فقالت: اللهم بارك لي فيه، وما هذا يا أبتاه? قال: مهرك. فنفحت به وقالت: واسوأتاه فقال: احتسبي منه لنفسك ووسعي منه لأهلك، وقال لحفصة: يا بنتاه، أصلحي من شأنها وغيري بدنها واصبغي ثوبها، ففعلت. ثم أرسل بها مع نسوة إلى عثمان. فقال عمر لما فارقته: إنها أمانة في عنقي أخشى أن تضيع بيني وبين عثمان، فلحقهن فضرب على عثمان بابه، ثم قال: خذ أهلك بارك الله لك فيهم. فدخلت على عثمان، فأقام عندها مقاما طويلا لا يخرج إلى حاجة. فدخل عليه سعيد بن العاص فقال له: يا أبا عبد الله، لقد أقمت عند أهل الدوسية مقاما ما كنت تقيمه عند النساء. فقال: أما إنه ما بقيت خصلة كنت أحب أن تكون في امرأة إلا صادفتها فيها ما خلا خصلة واحدة. قال: وما هي? قال: إني رجل قد دخلت في السن، وحاجتي في النساء الولد، وأحسبها حديثة لا ولد فيها اليوم. قال: فتبسمت. فلما خرج سعيد من عنده قال لها عثمان: ما أضحكك. قالت: قد سمعت قولك في الولد، وإني لمن نسوة ما دخلت امرأة منهن على سيد قط فرأت حمراء حتى تلد سيد من هو منه. قال: فما رأت حمراء حتى ولدت عمرو بن عثمان. وأم عمر بن عمرو بن عثمان وأم ولد. وأم العرجي آمنة بنت عمر بن عثمان؛ وقال إسحاق: بنت سعيد بن عثمان، وهي لأم ولد.
سبب تلقبه بالعرجي ونحوه نحو عمر بن أبي ربيعة في شعره
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي: أنه إنما لقب العرجي لأنه كان يسكن عرج الطائف. وقيل: بل سمي بذلك لماء كان له ومال عليه بالعرج. وكان من شعراء قريش، ومن شهر بالغزل منها، ونحا نحو عمر بن أبي ربيعة في ذلك وتشبه به فأجاد. وكان مشغوفا باللهو والصيد حريصا عليهما قليل المحاشاة لأحد فيهما. ولم يكن له نباهة في أهله، وكان أشقر أزرق جميل الوجه. وجيداء التي شبب بها هي أم محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وكان ينسب بها ليفضح ابنها لا لمحبة كانت بينهما؛ فكان ذلك سبب حبس محمد إياه وضربه له، حتى مات في السجن.
وأخبرني محمد بن مزيد إجازة عن حماد بن إسحاق فذكر أن حمادا حدثه عن إسحاق عن أبيه عن بعض شيوخه: أن العرجي كان أزرق كوسجا ناتىء الحنجرة، وكان صاحب غزل وفتوة، وكان يسكن بمال له في الطائف يسمى العرج؛ فقيل له العرجي ونسب إلى ماله. وكان من الفرسان المعدودين مع مسلمة بن عبد الملك بأرض الروم، وكان له معه بلاء ونفقة كثيرة.
قال إسحاق: قد ذكر عتبة بن إبراهيم اللهبي: أن العرجي فيما بلغه باع أموالا عظاما كانت له وأطعم ثمنها في سبيل الله حتى نفد ذلك كله. وكان قد اتخذ غلامين، فإذا كان الليل نصب قدره وقام الغلامان يوقدان، فإذا نام واحد قام الآخر، فلا يزالان كذلك حتى يصحبا، يقول: لعل طارقا يطرق.
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال حدثني مصعب، وأخبرنا الحرمي عن الزبير عن عمه مصعب، وعن محمد بن الضحاك بن عثمان عن أبيه قال، دخل حديث بعضهم في بعض، وأخبرني محمد بن مزيد عن حماد عن أبيه عن مصعب قال: العرجي خليفة عمر بن أبي ربيعة


صفحة : 106

كانت حبشية من مولدات مكة ظريفة صارت إلى المدينة، فلما أتاهم موت عمر بن أبي ربيعة اشتد جزعها وجعلت تبكي وتقول: من لمكة وشعابها وأباطحها ونزهها ووصف نسائها وحسنهن وجمالهن ووصف ما فيها فقيل لها: خفضي عليك؛ فقد نشأ فتى من ولد عثمان رضي الله عنه يأخذ مأخذه ويسلك مسلكه. فقالت: أنشدوني من شعره، فأنشدوها؛ فمسحت عينها وضحكت وقالت: الحمد لله الذي لم يضيع حرمه.
العرجي وكلابة مولاة العبلى
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب، وأخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عورك اللهبي: أن مولاة لثقيف يقال لها كلابة كانت عند عبد الله بن القاسم الأموي العبلي، وكان يبلغها تشبيب العرجي بالنساء وذكره لهن في شعره، وكانت كلابة تكثر أن تقول: لشد ما اجترأ العرجي على نساء قريش حين يذكرهن في شعره ولعمري ما لقي أحدا فيه خير، ولئن لقيته لأسودن وجهه فبلغه ذلك عنها. قال إسحاق في خبره: وكان العبلى نازلا على ماء لبني نصر بن معاوية يقال له الفتق على ثلاثة أميال من مكة على طريق من جاء من نجران أنو تبالة إلى مكة، والعرج أعلاها قليلا مما يلي الطائف. فبلغ العرجي أنه خرج إلى مكة، فأتى قصره فأطاف به، فخرجت إليه كلابة وكان خلفها في أهله، فصاحت به: إليك، ويلك وجعلت ترميه بالحجارة وتمنعه أن يدنو من القصر. فاستسقاها ماء فأبت أن تسقيه، وقالت: لا يوجد والله أثرك عندي أبدا فيلصق بي منك شر. فانصرف وقال: ستعلمين وقال: صوت

حور بعثن رسولا فـي مـلاطـفة ثقفا إذا غفل الـنـسـاءة الـوهـم
إلي أن إيتـنـا هـدأ إذا غـفـلـت أحراسنا وافتضحنا إن هم علـمـوا
فجئت أمشي على هول أجـشـمـه تجشم المرء هولا في الهوى كـرم
إذا تخوفت مـن شـيء أقـول لـه قد جف فامض بشيء قدر القـلـم
أمشي كما حـركـت ريح يمـانـية غصنا من البان رطبا طلـه الـديم
في حلة من طراز السوس مشـربة تعفو بهدابـهـا مـا أثـرت قـدم
خلت سبيلي كما خـلـيت ذا عـذر إذا رأته عتاق الـخـيل ينـتـجـم
وهن في مجلس خـال ولـيس لـه عين عليهـن أخـشـاهـا ولا نـدم
حتى جلست إزاء الباب مكتـتـمـا وطالب الحاج تحت الليل مكـتـتـم
أبدين لي أعينا نجلا كمـا نـظـرت أدم هجان أتاها مصـعـب قـطـم
قالت كلابة من هذا? فقلـت لـهـا أنا الذي أنت من أعـدائه زعـمـوا
أنا امرؤ جد بي حب فأحـرضـنـي حتى بليت وحتى شفنـي الـسـقـم
لا تكلينـي إلـى قـوم لـو أنـهـم من بغضنا أطعموا الحمى إذا طعموا
وأنعمي نعمة تجزي بأحـسـنـهـا فطالما مسني من أهلـك الـنـعـم
ستر المحبين في الدنـيا لـعـلـهـم أن يحدثوا توبة فـيهـا إذا أثـمـوا
هذي يميني رهن بالـوفـاء لـكـم فارضي بها ولأنف الكاشح الرغـم
قالت رضيت ولكن جئت في قـمـر هلا تلبثت حتى تدخـل الـظـلـم
فبت أسقي بـأكـواس أعـل بـهـا من بارد طاب منها الطعم والنـسـم
حتى بدا ساطع للفجر نـحـسـبـه سنى حريق بليل حـين يضـطـرم
كغرة الفرس المنسوب قد حسـرت عنه الجلال تلالا وهـو يلـتـجـم
ودعتهـن ولا شـيء يراجـعـنـي إلا البنان وإلا الأعـين الـسـجـم
إذا أردن كلامي عنده اعتـرضـت من دونه عبرات فانثنـى الـكـلـم
تكاد إذ رمن نهضا للـقـيام مـعـي أعجازهن من الأنصاف تنـقـصـم

صفحة : 107

قال: فسمع ابن القاسم العبلي بالشعر يغنى به، وكان العرجي قد أعطاه جماعة من المغنين وسألهم أن يغنوا فيه، فصنعوا في أبيات منه عدة ألحان، وقال: والله لا أجد لهذه الأمة شيئا أبلغ من إيقاعها تحت التهمة عند ابن القاسم ليقطع مأكلتها من ماله. قال: فلما سمع العبلي بالشعر يغنى به أخرج كلابة واتهمها، ثم أرسل بها بعد زمان على بعير بين غرارتي بعر، فأحلفها بمكة بين الركن والمقام إن العرجي كذب فيما قاله. فحلفت سبعين يمينا، فرضي عنها وردها. فكان بعد ذلك إذا سمع قول العرجي:
فطالما مسني من أهلم النعم قال: كذب والله ما مسه ذلك قط. وقال إسحاق: وقد قيل: إن صاحب هذه القصيدة والقصة أبو حراب العبلي، وإن كلابة كانت أمة لسعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان، وكان العرجي قد خطبها وسميت به، ثم خطبها يزيد بن عبد الملك أو الوليد بن يزيد فزوجته، فقال العرجي هذا الشعر فيها. غنى في قوله:
أمشي كما حركت ريح يمانية علي بن هشام هزجا مطلقا بالبنصر، وفيه للمسدود هزج آخر طنبوري، ذكر ذلك جحظة. وفي:
لا تكليني إلى قوم لو أنهم رمل لابن سريج عن ابن المكي وإسحاق بالسبابة في مجرى الوسطى. وفي قالت كلابة والذي بعده لعبيد الله بن أبي غسان لحن من خفيف الرمل. ولنبيه في أنا امرؤ جد بي وما بعده، هزج بالوسطى. ولدحمان في حور بعثن وما بعده، هزج بالوسطى، وروى عنه الهشامي فيه ثقيلا أول. ولأبي عيسى بن المتوكل في وأنعمي نعمة وبيتين بعده، ثقيل أول.
وأخبرني بخبر العرجي وكلابة هذه الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن عمه مصعب، وأخبرني به وكيع عن أبي أيوب المديني عن مصعب وذكر نحوا مما ذكره إسحاق؛ وزعما أن كلابة كانت قيمة لأبي حراب العبلي وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر بن عبد شمس.
أيوب بن مسلمة وأشعب يتذكران شعره
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني مسلمة بن إبراهيم بن هشام قال: كنت عند أيوب بن مسلمة ومعنا أشعب، فذكر قول العرجي:
أين ما قلت مت قـبـلـك أينـا أين تصديق ما وعـدت إلـينـا
فلقد خفت منك أن تصرمي الحب ل وأن تجمعي مع الصرم بينـا
ما تقولين في فتى هـام إذ هـا م بمن لا ينال جهـلا وحـينـا
فاجعلي بينـنـا وبـينـك عـدلا لا تحيفي ولا يحـيف عـلـينـا
واعلمي أن في القضاء شهـودا أو يمينا فأحضري شـاهـدينـا
خلتي لو قدرت منك علـى مـا قلت لي في الخلاء حين التقينـا
ما تحرجت من دمي علـم الـل ه ولو كنت قد شهدت حـنـينـا قال فقال أيوب لأشعب: ما تظن أنها وعدته? قال: أخبرك يقينا لا ظنا أنها وعدته أن تأتيه في شعب من شعاب العرج يوم الجمعة إذا نزل الرجال إلى الطائف للصلاة، فعرض لها عارض شغل فقطعها عن موعده. قال: فمن كان الشاهدان? قال: كسير وعوير، وكل غير خير: فند أبو زيد مولى عائشة بنت سعد، وزور الفرق مولى الأنصار. قال: فمن العدل الحكم? قال: حصين بن غرير الحميري. قال: فما حكم به? قال: أدت إليه حقه وسقطت المؤنة عنه. قال: يا أشعب، لقد أحكمت صناعتك قال: سل علامة عن علمه.
شعره في عاتكة زوجة طريح الثقفي
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عورك اللهبي قال: قال العرجي في امرأة من بني حبيب بطن من بني نصر بن معاوية يقال لها عاتكة، وكانت زوجة طريح بن إسماعيل الثقفي:
يا دار عاتكة التي بالأزهـر أو فوقه بقفا الكثيب الأحمر
لم ألق أهلك بعد عام لقيتهم يا ليت أن لقاءهم لم يقـدر صوت

بفناء بيتك وابن مشعب حاضـر في سامر عطر وليل مقمـر
مستشعرين ملاحـفـا هـروية بالزعفران صباغها والعصفر
فتلازما عند الفراق صـبـابة أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر

صفحة : 108

الأزهر: على ثلاثة أميال من الطائف. وابن مشعب الذي عناه مغن من أهل مكة كان في زمن ابن سريج. والغناء في هذه الأبيات له رمل بالوسطى. قال إسحاق: كان ابن مشعب من أحسن الناس وجها وغناء، ومات في تلك الأيام، فأدخل الناس غناءه في غناء ابن سريج والغريض. قال: وهذا الصوت ينسبه من لا يعلم إلى ابن محرز، يعني:
بفناء بيتك وابن مشعب حاضر قال: وهو الذي غنى:
أقفر ممن يحله الـسـنـد فالمنحنى فالعقيق فالجمـد
ويحي غدا إن غدا علي بما أحذر من فرقة الحبيب غد والناس ينسبونه إلى ابن سريج.
حكاية يرويها ابن مخارق عن العرجي
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن ثابت بن إبراهيم الأنصاري قال حدثني ابن مخارق قال: واعد العرجي هوى له شعبا من شعاب عرج الطائف إذا نزل رجالها يوم الجمعة إلى مسجد الطائف. فجاءت على أتان لها معها جارية لها، وجاء العرجي على حمار معه غلام له، فواقع المرأة، وواقع الغلام الجارية، ونزا الحمار على الأتان. فقال العرجي: هذا يوم قد غاب عذاله: غنى العرجي
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا النضر بن عمرو عن ابن داحة قال: كان العرجي يستقي على إبله في شملتين، ثم يغتسل ويلبس حلتين بخمسمائة دينار، ثم يقول:
يوما لأصحابي ويوما للمال مدرعة يوما ويوما سربال أخبرني محمد بن مزبد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن بعض رجاله: أن العرجي كان غازيا فأصابت الناس مجاعة، فقال للتجار: أعطوا الناس وعلي ما تعطون، فلم يزل يعطيهم ويطعم الناس حتى أخصبوا، فبلغ ذلك عشرين ألف دينار، فألزمها العرجي نفسه. وبلغ الخبر عمر بن عبد العزيز فقال: بيت المال أحق بهذا، فقضى التجار ذلك المال من بيت المال.
العرجي وأم الأوقص
وهو محمد بن عبد الرحمن المخزومي القاضي
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن عمه، وأخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبيري وغيره: أن العرجي خرج إلى جنبات الطائف متنزها، فمر ببطن النقيع فنظر إلى أم الأوقص، وهو محمد بن عبد الرحمن المخزومي القاضي، وكان يتعرض لها، فإذا رآها رمت بنفسها وتسترت منه، وهي امرأة من بني تميم، فبصر بها في نسوة جالسة وهن يتحدثن، فعرفها وأحب أن يتأملها من قرب، فعدل عنها ولقي أعرابيا من بني نصر على بكر له ومعه وطبا لبن، فدفع إليه دابته وثيابه وأخذ قعوده ولبنه ولبس ثيابه، ثم أقبل على النسوة فصحن به: يا أعرابي، أمعك لبن? قال: نعم، ومال إليهن وجلس يتأمل أم الأوقص، وتواثب من معها إلى الوطبين، وجعل العرجي يلحظها وينظر أحيانا إلى الأرض كأنه يطلب شيئا وهن يشربن من اللبن. فقالت له امرأة منهن: أي شيء تطلب يا أعرابي في الأرض? أضاع منك شيء? قال: نعم قلبي. فلما سمعت التميمية كلامه نظرت إليه وكان أزرق فعرفته، فقالت: العرجي بن عمر ورب الكعبة ووثبت وسترها نساؤها وقلن: انصرف عنا لا حاجة بنا إلى لبنك. فمضى منصرفا، وقال في ذلك:
أقول لصاحبي ومثل ما بي شكاه المرء ذو الوجد الأليم
إلى الأخوين مثلهما إذا مـا تأوبه مؤرقه الـهـمـوم
لحيني والبلاء لقيت ظهـرا بأعلى النقع أخت بني تميم
فلما أن رأت عيناني منهـا أسيل الخد في خلق عمـيم
وعيني جؤذر خرق وثغرا كلون الأقحوان وجـيد ريم
حنا أترابها دوني علـيهـا حنو العائدات على السقـيم قال إسحاق في خبره: فقال رجل من بني جمع يقال له ابن عامر للأوقص وقضى عليه بقضية فتظلم منه: والله لو كنت أنا عبد الله بن عمر العرجي لكنت قد أسرفت علي. فضربه الأوقص سبعين سوطا.
ابو السائب المخزومي وشعر العرجي
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب بن عبد الله عن أبيه قال: أتاني أبو السائب المخزومي ليلة بعد ما رقد السامر فأشرفت عليه. فقال: سهرت وذكرت أخا لي أستمتع به، فلم أجد سواك. فلو مضينا إلى العقيق فتناشدنا وتحدثنا فمضينا، فأنشدته في بعض ذلك بيتين للعرجي:

صفحة : 109


باتا بأنعـم لـيلة حـتـى بـدا صبح تلوح كالأغر الأشـقـر
فتلازما عند الفراق صـبـابة أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر فقال: أعده علي، فأعدته. فقال: أحسن والله امرأته طالق إن نطق بحرف غيره حتى يرجع إلى بيته. قال: فلقينا عبد الله بن حسن بن حسن، فلما صرنا إليه وقف بنا وهو منصرف من ماله يريد المدينة، فسلم ثم قال: كيف أنت يا أبا السائب? فقال:
فتلازما عند الفراق صـبـابة أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر فالتفت إلي فقال: متى أنكرت صاحبك? فقلت: منذ الليلة. فقال: إنا لله وأي كهل أصيبت منه قريش ثم مضينا، فلقينا محمد بن عمران التيمي قاضي المدينة يريد مالا له على بغلة له ومعه غلام على عنقه مخلاة فيها قيد البغلة، فسلم ثم قال: كيف أنت يا أبا السائب? فقال:
فتلازما عند الفراق صـبـابة أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر قلت: آنفا. فلما أراد المضي قلت: أفتدعه هكذا? ولله ما آمن أن يتهور في بعض آبار العقيق قال: صدقت، يا غلام قيد البغلة، فأخذ القيد فوضعه في رجله وهو ينشد البيت ويشير بيده إليه يري أنه يفهم عنه قصته. ثم نزل الشيخ وقال لغلامه: يا غلام، احمله على بغلتي وألحقه بأهله. فلما كان بحيث علمت أنه فاته أخبرته بخبره، فقال: قبحك الله ماجنا فضحت شيخا من قريش وغررتني.
ابن أبي عتيق وشعر العرجي
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عروة بن عبد الله بن عروة بن الزبير عن عروة بن أذينة قال: أنشد ابن جندب الهذلي ابن أبي عتيق قول العرجي:
وما أنس م الأشياء لا أنس قولـهـا لخادمها قومي اسألي لي عن الوتر
فقالت يقول الناس في ست عشـرة فلا تعجلي منه فإنك فـي أجـر
فما ليلة عندي وإن قـيل جـمـعة ولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفطـر
بعادلة الإثنين عندي وبـالـحـرى يكون سواء منهما لـيلة الـقـدر فقال ابن أبي عتيق: أشهدكم أنها حرة من مالي إن أجاز ذلك أهلها، هذه والله أفقه من ابن شهاب.
شعر العرجي في زوجته أم نعمان
بنت بكير بن عمرو بن عثمان بن عفان
أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: تزوج العرجي أم عثمان بنت بكير بن عمرو بن عثمان بن عفان، وأمها سكينة بنت مصعب بن الزبير، فقال فيها:
إن عثمـان والـزبـير أحـلا دارها بالـيفـاع إذ ولـداهـا
إنها بنـت كـل أبـيض قـرم نال في المجد من قصي ذراها
سكن الناس بالظواهر منـهـا وتبوا لنفسـه بـطـحـاهـا قال إسحاق: ولما تزوج الرشيد زوجته العثمانية أعجب بها، فكان كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات.
العرجي وأبو عدي العبلي
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: حدثت أن أبا عدي العبلي خرج يريد واديا نحو الطائف يقال له جلدان، فمر بعبد الله بن عمر العرجي وهو نازل هناك بواد يقال له العرج، فأرسل إليه غلاما له فأعلمه بمكانه، فأتاه الغلام فقال له: هذا أبو عدي، فأمر أن ينزله في مسجد الخيف، فأنزل وأبطأ عليه في الخروج. فقال للغلام: ويحك ما يحبس مولاك? قال: عنده ابن وردان مولى معاوية، وهما يأكلان القسب والجلجلان. ثم بعث إليه بخبز ولبن، وبعث لرواحله بحمض وقدم إلى رواحل ابن وردان القت والشعير. فكتب إليه أبو عدي:
أبا عمر لم تنزل الركب إذ أتـوا منازلهم والركب يحفون بالركب
رفعت لئام الناس فوق كرامهـم وآثرتهم بالجلجلان والقـسـب
فأما بعيرانا فبالحـمـض غـذيا وأوثر عباد بن وردان بالقضب فكتب إليه العرجي:
أتانـا فـلـم نـشـعـر بـه غـير أنـه له لحية طالت على حـمـق الـقـلـب
كراية بـيطـار بـأعـلــى حـــديدة إذا نصبت لم تكسب الحمد بـالـنـصـب
أتانا على سـغـب يعـرض بـالـقـرى وهل فوق قرض من قرى صاحب السغب قال: فارتحل أبو عدي مغضبا وقال: مزحت معه فهجاني، وأنشأ يقول في العرجي:

صفحة : 110


سرت ناقتي حتى إذا ملت السـرى وعارضها عرج الجبانة والخصـب
طواها الكرى بعد السرى بمعـرس جديب وشيخ بئس مستعرض الركب
وهمت بتعريس فحلـت قـيودهـا إلى رجل بالعرج ألأم من كـلـب
تمطى قلـيلا ثـم جـاء بـصـربة وقرص شعير مثل كركرة السقـب
فقلت لـه أردد قـراك مـذمـمـا فلست إليه بالفقير ولا صـحـبـي
جزى الله خيرا خيرنا عنـد بـيتـه وأنحرنا للكوم في اليوم ذي السغب
لقد علمت فهـر بـأنـك شـرهـا وآكل فهر للخبيث من الـكـسـب
وتلبس للجـارات إتـبـا ومـئزرا ومرطا فبئس الشيخ يرفل في الإتب
يدخن بالعـد الـيلـنـجـوج مـرة وبالضرو والسوداء والمائع الرطب
فإن قلت عثمان بن عفـان والـدي فقد كان عثمان بريئا من الـوشـب
وقدما يجيء الحي بالنسـل مـيتـا ويأتي كريم الناس بالوكل الثـلـب
له لحية قد مـزقـت فـكـأنـهـا مقمة حشاش محالـفة الـعـشـب فلما بلغ ذلك العرجي أتى عمه علي بن عبد الله بن علي العبلي فشق قميصه بين يديه وشكاه إليه. فبعث إلى ابن عدي فنهاه عنه وقال: لئن عدت لا كلمتك أبدا فكف عنه.
كان العرجي من أفرس الناس وأرماهم
وأبراهم لسهم
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن سليمان بن عثمان بن يسار: رجل من أهل مكة وكان هيبا أديبا قال: كان للعرجي حائط يقال له العرج في وسط بلاد بني نصر بن معاوية، فكانت إبلهم وغنمهم تدخل فيه فيعقر كل ما دخل منها، فكانت تضر به ويضر بأهلها ويشكونه ويشكوهم. وكان من أفرس الناس وأرماهم وأبراهم لسهم، فكان ربما برى مائة سهم من الرمان، ثم يقول: والله لا أنقلب حتى أقتل بها مائة خلفة من إبل بني نصر، فيفعل ذلك.
حبس العرجي
قال إسحاق: فحدثني ابن غرير قال: لما حبس العرجي وضرب وأقيم على البلس قال:
معي ابن غرير واقفا في عبـاءة لعمري لقد قرت عيون بني نصر فقال فتى من بني نصر يجيبه - وكان حاضرا لضربه وإقامته -:
أجل قد أقر اللـه فـيك عـيونـنـا فبئس الفتى والجار في سالف الدهر وقال إسحاق في خبره: قال رجل للعرجي: جئتك أخطب إليك مودتك. قال: بل خذها زنا، فإنها أحلى وألذ تمثل امرأة بشعره في الحج
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا إسماعيل بن مجمع عن المدائني عن عبد الله بن سلم قال: قال عبد الله بن عمر العمري: خرجت حاجا، فرأيت امرأة جميلة تتكلم بكلام أرفثت فيه، فأدنيت ناقتي منها، ثم قلت لها: يا أمة الله، ألست حاجة أما تخافين الله فسفرت عن وجه يبهر الشمس حسنا، ثم قالت: تأمل يا عم فإنني ممن غنا العرجي بقوله: صوت

أماطت كساء الخز عن حر وجهها وأدنت على الخدين بردا مهلهـلا
من اللاء لم يحججن يبغين حسـبة ولكن ليقتلن البريء المـغـفـلا قال فقلت لها: فإني أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار. قال: وبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال: أما والله لو كان من بعض بغضاء العراق لقال لها: اغربي قبحك الله ولكنه ظرف عباد أهل الحجاز. وقد رويت هذه الحكاية عن أبي حازم الأعرج وهو سلمة بن دينار، وقد روى أبو حازم عن أبي هريرة وسهل بن سعد وغيرهما، وروى عنه مالك وابن أبي أيوب. والحكاية عنه في هذا أصح منها عن عبد الله العمري، حدثنا بهذا وكيع. والغناء في هذه الأبيات لعرار المكي ثاني ثقيل. وفيه خفيف ثقيل لمعبد، وفيها لعبد الله بن العباس الربيعي ثقيل أول، ويقال إن خفيف الثقيل لابن سريج، ويقال للغريض.
غناء عبد الله بن العباس الربيعي بشعره
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني ابو ثوبة قال: قال عبد الله بن العباس: دعاني المتوكل، فلما جلست مجلس المنادمة قال لي: يا عبد الله، تغن، فغنيته في شعر مدحته به، فقال: أين هذا من غنائك في:
أماطت كساء الخز عن حر وجهها ومن صنعتك في:
أقفر ممن يحله سرف

صفحة : 111

فقلت: يا أمير المؤمنين، إن صنعتي حينئذ كانت وأنا شاب عاشق، فإن استطعت رد شبابي وعشقي صنعت مثل تلك الصنعة. فقال هيهات وقد لعمري صدقت، ووصلني. والأبيات التي فيها الغناء المذكور من شعر العرجي يقوله في جيداء أم محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وكان يهجوه ويشبب بأمه وبامرأته، وكان محمد تياها شديد الكبر جبارا، فلم يزل يتطلب عليه العلل حتى حبسه وقيده بعد أن ضربه بالسوط وأقامه على البلس للناس. واختلف الرواة في السبب الذي اعتل به عليه، وقد ذكرت ذلك في رواياتهم: هجاؤه محمد بن هشام المخزومي
وتشبيبه بأمه
أخبرني بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة، وأخبرنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب ومحمد بن الضحاك الحزامي عن الضحاك بن عثمان، وذكره حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية، ونسخته أيضا من رواية محمد بن حبيب قالوا: كان محمد بن هشام خال هشام بن عبد الملك، فلما ولي الخلافة ولاه مكة، وكتب إليه يحج بالناس، فهجاه العرجي بأشعار كثيرة.
منها قوله فيه:
كأن العام ليس بـعـام حـج تغيرت المواسم والشكـول
إلى جيداء قد بعثوا رسـولا ليخبرها فلا صحب الرسول ويروى: ليحزنها وهكذا يغني.
ومنها قوله:
ألا قل لمن أمسى بمكة قاطـنـا ومن جاء من عمق ونقب المشلل
دعوا الحج لا تستهلكوا نفقاتـكـم فما حج هذا العام بالمـتـقـبـل
وكيف يزكي حج من لم يكن لـه إمام لدى تجمـيره غـير دلـدل
يظل يرائي بالـصـيام نـهـاره ويلبس في الظلماء سمطى قرنفل فلم يزل محمد يطلب عليه العلل حتى وجدها فحبسه.
قال الزبير في خبره عن عمه ومحمد الضحاك، وقال إسحاق في خبره عن أيوب بن عباية: كان العرجي يشبب بأم محمد بن هشام، وهي من بني الحارث بن كعب، ويقال لها جيداء: صوت

عوجي علينا ربة الـهـودج إنك إن لا تفعلي تحـرجـي
إني أتيحـت لـي يمـانـية إحدى بني الحارث من مذحج
نلبث حولا كـامـلا كـلـه ما نلتقي إلا على مـنـهـج
في الحج إن حجت وماذا منى وأهله إن هي لم تـحـجـج
أيسر ما نال مـحـب لـدى بين حبـيب قـولـه عـرج
نقض إليكم حاجة أو نـقـل هل لي مما بي من مخـرج قال إسحاق في خبره: فحدثني حمزة بن عتبة اللهبي قال: أنشد عطاء بن أبي رباح قول العرجي:
في الحج إن حجت وماذا مني وأهله إن هي لم تحـجـج فقال: الخير والله كله بمنى وأهله حجت أو لم تحج. قال: ولقي ابن سريج عطاء وهو راكب بمنى على بغلته، فقال له: سألتك بالله إلا وقفت لي حتى أسمعك شيئا. قال: ويحك دعني فإني عجل. قال: امرأته طالق لئن لم تقف مختارا للوقوف لأمسكن بلجام بغلتك ثم لا أفارقها ولو قطعت يدي حتى أغنيك وأرفع صوتي لا أسره. قال: هات وعجل؛ فغناه:
في الحج إن حجت وماذا منى وأهله إن هي لم تحـجـج قال: الخير كله والله بمنى، لاسيما وقد غيبها الله عن مشاعره خل سبيل البغلة.
أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثني حمزة بن عتبة اللهبي عن عبد الوهاب بن مجاهد أو غيره قال: كنت مع عطاء بن أبي رباح فجاءه رجل فأنشده قول العرجي:
إني أتيحـت لـي يمـانـية إحدى بني الحارث من مذحج
نلبث حولا كـامـلا كـلـه لا نلتقي إلا على مـنـهـج
في الحج إن حجت وماذا منى وأهله إن هي لم تـحـجـج فقال عطاء: خير كثير بمنى إذ غيبها الله عن مشاعره.
تشبيبه بزوجة محمد بن هشام
قال: وقال في زوجته جبرة المخزومية يعني زوجة محمد بن هشام : صوت

عوجي علي فسلمي جبـر فيم الصدود وأنتم سـفـر
ما نلتقي إلا ثـلاث مـنـى حتى يفرق بيننا الـنـفـر
الحول بعد الحول يتبـعـه ما الدهر إلا الحول والشهر

صفحة : 112

قال حماد بن إسحاق في خبره: حدثني ابن أبي الحويرث الثقفي عن ابن عم لعمارة ابن حمزة قال حدثنا سليمان الخشاب عن داود المكي قال: كنا في حلقة ابن جريج وهو يحدثنا وعنده جماعة فيهم عبد الله بن المبارك وعدة من العراقيين، إذ مر به ابن تيزن المغني وقد ائتزر بمئزر على صدره، وهي إزرة الشطار عندنا، فدعاه ابن جريج فقال له: أحب أن تسمعني. قال: إني مستعجل، فألح عليه؛ فقال: امرأته طالق إن غناك أكثر من ثلاثة أصوات. فقال له: ويحك ما أعجلك إلى اليمين غنني الصوت الذي غناه ابن سريج في اليوم الثاني من أيام منى على جمرة العقبة فقطع طريق الذاهب والجائي حتى تكسرت المحامل. فغناه:
عوجي علي فسلمي جبر فقال له ابن جريج: أحسنت والله ثلاث مرات ، ويحك أعده. قال: من الثلاثة فإني قد حلفت. قال: أعده، فأعاده. فقال: أحسنت فأعده من الثلاثة، فأعاده وقام ومضى، وقال: لولا مكان هؤلاء الثقلاء عندك لأطلت معك حتى تقضي وطرك. فالتفت ابن جريج إلى أصحابه فقال: لعلكم أنكرتم ما فعلت فقالوا: إن لننكره عندنا بالعراق ونكرهه. قال: فما تقولون في الرجر? يعني الحداء . قالوا: لا بأس به عندنا: قال: فما الفرق بينه وبين الغناء? اضطغان ابن هشام عليه وحبسه
قال إسحاق في خبره: بلغني أن محمد بن هشام كان يقول لأمه جيداء بنت عفيف : أنت غضضت مني بأنك أمي، وأهلكتني وقتلتني. فتقول له: ويحك وكيف ذاك? قال: لو كانت أمي من قريش ما ولي الخلافة غيري. قالوا: فلم يزل محمد بن هشام مضطغنا على العرجي من هذه الأشعار التي يقولها فيه ومتطلبا سبيلا عليه حتى وجده فيه، فأخذه وقيده وضربه وأقامه للناس، ثم حبسه وأقسم: لا يخرج من الحبس مادام لي سلطان. فمكث في حبسه نحوا من تسع سنين حتى مات فيه.
روايات أخرى في سبب الخصومة بينهما وذكر إسحاق في خبره عن أيوب بن عباية ووافقه عمر بن شبة ومحمد بن حبيب: أن السبب في ذلك أن العرجي لاحى مولى كان لأبيه فأمضه العرجي، فأجابه المولى بمثل ما قاله له. فأمهله حتى إذا كان الليل أتاه مع جماعة من مواليه وعبيده فهجم عليه في منزله وأخذه وأوثقه كتافا، ثم أمر عبيده أن ينكحوا امرأته بين يديه ففعلوا، ثم قتله وأحرقه بالنار. فاستعدت امرأته على العرجي محمد بن هشام فحبسه.
وذكر الزبير في خبره عن الضحاك بن عثمان: أن العرجي كان وكل بحرمه مولى له يقوم بأمورهن، فبلغه أنه يخالف إليهن، فلم يزل يرصده حتى وجده يحدث بعضهن، فقتله وأحرقه بالنار. فاستعدت عليه امرأة المولى محمد بن هشام المخزومي وكان واليا على مكة في خلافة هشام، وكان العرجي قد هجاه قبل ذلك هجاء كثيرا لما ولاه هشام الحج فأحفظه. فلما وجد عليه سبيلا ضربه وأقامه على البلس للناس، وسجنه حتى مات في سجنه.
وذكر الزبير أيضا في خبره عن عمه وغيره أن أشعب كان حاضرا للعرجي وهو يشتم مولاه هذا، وأنه طال شتمه إياه. فلما أكثر رد المولى عليه، فاختلط من ذلك، فقال لأشعب: اشهد على ما سمعت. قال أشعب: وعلام أشهد، قد شتمته ألفا وشتمك واحدة. والله لو أن أمك أم الكتاب، وأمه حمالة الحطب ما زاد على هذا تعذيب محمد بن هشام للعرجي وما كان يقوله العرجي من الشعر في ذلك
قال الزبير وحدثني حمزة بن عتبة اللهبي قال: لما أخذ محمد بن هشام المخزومي العرجي أخذه وأخذ معه الحصين بن غرير الحميري، فجلدهما، وصب على رءوسهما الزيت، وأقامهما في الشمس على البلس في الحناطين بمكة؛ فجعل العرجي ينشد:
سينصرني الخليفة بعـد ربـي ويغضب حين يخبر عن مساقي
علي عباءة بلـقـاء لـيسـت مع البلوى تغيب نصف ساقي
وتغضب لي بأجمعها قـصـي قطين البيت والدمث الرقـاق ثم يصيح: يا غرير أجياد، يا غرير أجياد فيقول له الحميري المجلود معه: ألا تدعنا ألا ترى ما نحن فيه من البلاء يعني بقوله: يا غرير، الحصين بن غرير الحميري المجلود معه، وكان صديقا للعرجي وخليطا. وذكر إسحاق تمام هذه الأبيات وأولها:
وكم من كاعب حوراء بكـر ألوف الستر واضحة التراقي
بكت جزعا وقد سمرت كبول وجامعة يشد بها خـنـاقـي

صفحة : 113


على دهماء مشرفة سـمـوق ثناها القمح مزلقة التـراقـي
علي عباءة بلـقـاء لـيسـت مع البلوى تغيب نصف ساقي
كأن على الخدود وهن شعـث سجال الماء يبعث في السواقي
فقلت تجلدا وحلفـت صـبـرا أبالي اليوم ما دفعت مـآقـي
سينصرني الخليفة بعـد ربـي ويغضب حين يخبر عن مساقي
وتغضب لي بأجمعها قـصـي قطين البيت والدمث الرقـاق
بمجتمع السـيول إذ تـنـحـى لئام الناس في الشعب العمـاق قال: فكان إذا أنشد هذا البيت التفت إلى ابن غرير فصاح به: يا غرير أجياد، يا غرير أجياد يعني بني مخزوم، وكانت منازلهم في أجياد، فعيرهم بأنهم ليسوا من أهل الأبطح.
وقال الزبير في خبره ووافقه إسحاق فذكر أن رجلا مر بالعرجي وهو واقف على البلس ومعه ابن غرر وقد جلدا وحلقا وصب الزيت على رءوسهما وألبسا عباءتين واجتمع الناس ينظرون إليهما. قال: وكان الرجل صديقا للعرجي، وكان فأفاء، فوقف عليه فأراد أن يتوجع لما ناله ويدعو له، فلجلج لما كان في لسانه كما يفعل الفأفاء. فقال له ابن غرير: عني، لا خرجت من فيك أبدا فقال له الرجل: فمكانك إذا لا برحت منه أبدا.
قال: ومر به صبيان يلقطون النوى، فوقفوا ينظرون إليه، فالتفت إلى ابن غرير وقال له: ما أعرف في الدنيا سخلين أشأم مني ومنك إن هؤلاء الصبيان لأهلهم عليهم في كل يوم على كل واحد منهم مد نوى، فقد تركوا لقطهم للنوى، وقد وقفوا ينظرون إلي وإليك وينصرفون بغير شيء فيضربون، فيكون شؤمنا قد لحقهم.
قال: وقال العرجي في حبسه: صوت

أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثـغـر
وصبر عند معترك المنـايا وقد شرعت أسنتها بنحري
أجرر في الجوامع كـل يوم فيا لله مظلمتي وصـبـري
كأني لم أكن فيهم وسـيطـا ولم تك نسبتي في آل عمرو <H6 أبو حنيفة وجار له كان يغني بشعره</H6 أخبرني محمد بن زكريا الصحاف قال حدثنا قعنب بن المحرز الباهلي عن الأصمعي قال: كان لأبي حنيفة جار بالكوفة يغني، فكان إذا انصرف وقد سكر يغني في غرفته، ويسمع أبو حنيفة غناءه فيعجبه. وكان كثيرا ما يغني:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثـغـر فلقيه العسس ليلة فأخذوه وحبس، ففقد أبو حنيفة صوته تلك الليلة، فسأل عنه من غد فأخبر، فدعا بسواده وطويلته فلبسهما، وركب إلى عيسى بن موسى فقال له: إن لي جارا أخذه عسسك البارحة فحبس، وما علمت منه إلا خيرا. فقال عيسى: سلموا إلى أبي حنيفة كل من أخذه العسس البارحة، فأطلقوا جميعا. فلما خرج الفتى دعا به أبو حنيفة وقال له سرا: ألست كنت تغني يا فتى كل ليلة:
أضاعوني واي فتى أضاعوا فهل أضعناك? قال: لا والله أيها القاضي، ولكن أحسنت وتكرمت، أحسن الله جزاءك. قال: فعد إلى ما كنت تغنيه، فإني كنت آنس به، ولم أر به باسا. قال: أفعل.
<H6 تمثل عبد الله بن علي بقوله أضاعوني</H6 وقال إسحاق في خبره: لما حبس المنصور عبد الله بن علي، كان يكثر التمثل بقول العرجي:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثـغـر فبلغ ذلك المنصور، فقال: هو أضاع نفسه بسوء فعله، فكانت أنفسنا عندنا آثر من نفسه.
<H6 حكاية كناس بالبصرة كان يتمثل بهذا البيت</H6 قال إسحاق: وقال الأصمعي: مررت بكناس بالبصرة يكنس كنيفا ويغني:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثـغـر فقلت له: أما سداد الكنيف فأنت ملىء به. وأما الثغر فلا علم لي بك كيف أنت فيه - وكنت حديث السن فأردت العبث به - فأعرض عني مليا، ثم أقبل علي فأنشد متمثلا:
وأكرم نفسي إنني إن أهنتهـا وحقك لم تكرم على أحد بعدي












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-25-2006, 11:54 PM   المشاركة رقم: 19
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي


صفحة : 114

قال فقلت له: والله ما يكون من الهوان شيء أكثر مما بذلتها له، فبأي شيء أكرمتها? فقال: بلى والله إن من الهوان لشرا مما أنا فيه. فقلت: وما هو? فقال: الحاجة إليك وإلى أمثالك من الناس. فانصرفت عنه أخزى الناس. قال محمد بن مزيد: فحدثني حماد قال قال لي أبي: اختصر الأصمعي - فيما أرى - الجواب، وستر أقبحه على نفسه، وإلا فكناس كنيف قائم يكنسه ويعبث به هذا العبث، فيرضى بهذا الجواب الذي لا يجيب بمثله الأحنف بن قيس لو كانت المخاطبة له.
اقتصاص الوليد من محمد بن هشام وأخيه وإبراهيم بن هشام
وقال إسحاق في خبره: كان الوليد بن يزيد مضطغنا على محمد بن هشام لأشياء كانت تبلغه عنه في حياة هشام، فلما ولي الخلافة قبض عليه وعلى أخيه إبراهيم بن هشام وأشخصا إليه إلى الشأم، ثم دعا بالسياط. فقال له محمد: أسألك بالقرابة. قال: وأي قرابة بيني وبينك وهل أنت إلا من أشجع قال: فأسألك بصهر عبد الملك. قال: لم تحفظه. فقال له: يا أمير المؤمنين، قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب قرشي بالسياط إلا في حد. قال: ففي حد أضربك وقود، أنت أول من سن ذلك على العرجي، وهو ابن عمي وابن أمير المؤمنين عثمان، فما رعيت حق جده ولا نسبه بهشام، ولا ذكرت حينئذ هذا الخبر، وأنا ولي ثأره، اضرب يا غلام، فضربهما ضربا مبرحا، وأثقلا بالحديد، ووجه بهما إلى يوسف بن عمر بالكوفة، وأمره باستصفائهما وتعذيبهما حتى يتلفا، وكتب إليه: احبسهما مع ابن النصرانية - يعني خالدا القسري - ونفسك نفسك إن عاش أحد منهم. فعذبهم عذابا شديدا، وأخذ منهم مالا عظيما حتى لم يبق فيهم موضع للضرب. فكان محمد بن هشام مطروحا، فإن أرادوا أن يقيموه أخذوا بلحيته فجذبوه بها. ولما اشتدت عليهما الحال، تحامل إبراهيم لينظر في وجه محمد، فوقع عليه فماتا جميعا، ومات خالد القسري معهما في يوم واحد. فقال الوليد بن يزيد لما حملهما إلى يوسف بن عمر:
قد راح نحو العراق مشخلبه قصاره السجن بعده الخشبه
يركبها صاغرا بلا قـتـب ولا خطام وحوله جلـبـه
فقل لدعجاء إن مررت بها لن يعجز الله هارب طلبـه
قد جعل الله بعد غلبـتـكـم لنا عليكم يا دلدل الغلـبـه
لست إلى هاشـم ولا أسـد ولا إلى نوفل ولا الحجبـه
لكنما أشجع أبوك سـل ال كلبي لا ما يزوق الكذبـه الرشيد وإسحاق حين غناه بيت العرجي أضاعوني
قال إسحاق في خبره: غنيت الرشيد يوما في عرض الغناء:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثـغـر فقال لي: ما كان سبب هذا الشعر حتى قاله العرجي? فأخبرته بخبره من أوله إلى أن مات، فرأيته يتغيظ كلما مر منه شيء. فأتبعته بحديث مقتل ابني هشام، فجعل وجهه يسفر وغيظه يسكن. فلما انقضى الحديث، قال لي: يا إسحاق والله لولا ما حدثتني به من فعل الوليد لما تركت أحدا من أماثل بني مخزوم إلا قتلته بالعرجي.
والصوت الآخر من رواية جحظة عن أصحابه: صوت

إذا ما طواك الدهر يا أم مالك فشأن المنايا القاضيات وشانـيا
تمر الليالي والشهور وتنقضي وحبك مـا يزداد إلا تـمـاديا
خليلي إن دارت على أم مالـك صروف الليالي فابغيا لي ناعيا
ولا تتركاني لا لخير معـجـل ولا لبقاء تنـظـران بـقـائيا الشعر للمجنون، ومن الناس من يروي البيت الأول منها لقيس بن الحدادية وهو جاهلي. والغناء لابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى. وذكر حبش وابن المكي أن فيه لإسحاق لحنا آخر من الثقيل الثاني بالخنصر والبنصر.

الجزء الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم

أخبار مجنون بني عامر ونسبه
نسبه وتصحيح اسمه
هو - على ما يقوله من صحح نسبه وحديثه - قيس، وقيل: مهدي، والصحيح أنه قيس بن الملوح بن مزاحم بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. ومن الدليل على أن اسمه قيس قول ليلى صاحبته فيه:
ألا ليت شعري والخطوب كثيرة متى رحل قيس مستقل فراجع

صفحة : 115

وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال: سمعت من لا أحصي يقول: اسم المجنون قيس بن الملوح.
قيل كانت به لوثة ولم يكن مجنونا
وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي، وأخبرني الجوهري عن عمر بن شبة أنهما سمعا الأصمعي يقول - وقد سئل عنه -: لم يكن مجنونا ولكن كانت به لوثة كلوثة أبي حية النميري.
اختلاف الرواة في وجوده
وأخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري عن ابن شبة عن الحزامي قال حدثني أيوب بن عباية قال: سألت بني عامر بطنا بطنا عن مجنون بني عامر فما وجدت أحدا يعرفه.
وأخبرني عمي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن ابن دأب قال: قلت لرجل من بني عامر: أتعرف المجنون وتروي من شعره شيئا? قال: أو قد فرغنا من شعر العقلاء حتى نروي أشعار المجانين إنهم لكثير فقلت: ليس هؤلاء أعني، إنما أعني مجنون بني عامر الشاعر الذي قتله العشق، فقال: هيهات بنو عامر أغلظ أكبادا من ذاك، إنما يكون هذا في هذه اليمانية الضعاف قلوبها، السخيفة عقولها، الصعلة رؤوسها، فأما نزار فلا.
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي قال سمعت الأصمعي يقول: رجلان ما عرفا في الدنيا قط إلا بالاسم: مجنون بني عامر، وابن القرية، وإنما وضعهما الرواة.
وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عبد الله بن أبي سعد عن الحزامي قال: ولم أسمعه من الحزامي فكتبته عن ابن أبي سعد قال أحمد: وحدثنا به ابن أبي سعد عن الحزامي قال حدثنا عبد الجبار بن سعيد بن سليمان بن نوفل بن مساحق عن أبيه عن جده قال: سعيت على بني عامر فرأيت المجنون وأتيت به وأنشدني.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أبو سعيد السكري قال حدثنا إسماعيل بن مجمع عن المدائني قال: المجنون المشهور بالشعر عند الناس صاحب ليلى قيس بن معاذ من بني عامر، ثم من بني عقيل، أحد بني نمير بن عامر بن عقيل، قال: ومنهم رجل آخر يقال له: مهدي بن الملوح من بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
قيل إن فتى من أمية نحله شعره وأخبرني عمي عن الكراني قال حدثنا ابن أبي سعد عن علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال: حدثت أن حديث المجنون وشعره وضعه فتى من بني أمية كان يهوى ابنة عم له، وكان يكره أن يظهر ما بينه وبينها، فوضع حديث المجنون وقال الأشعار التي يرويها الناس للمجنون ونسبها إليه.
أخبرني الحسين بن يحيى وأبو الحسن الأسدي قالا: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: اسم المجنون قيس بن معاذ أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
وأخبرني أبو سعد الحسن بن علي بن زكريا العدوي قال حدثنا حماد بن طالوت بن عباد: أنه سأل الأصمعي عنه، فقال: لم يكن مجنونا، بل كانت به لوثة أحدثها العشق فيه، كان يهوى امرأة من قومه يقال لها ليلى، واسمه قيس بن معاذ.
وذكر عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه أن اسمه قيس بن معاذ.
وذكر شعيب بن السكن عن يونس النحوي أن اسمه قيس بن الملوح، قال أبو عمرو الشيباني: وحدثني رجل من أهل اليمن أنه رآه ولقيه وسأله عن اسمه ونسبه، فذكر أنه قيس بن الملوح.
وذكر هشام بن محمد الكلبي أنه قيس بن الملوح، وحدث أن أباه مات قبل اختلاطه، فعقر على قبره ناقته وقال في ذلك:
عقرت على قبر الملوح ناقـتـي بذي السرح لما أن جفاه الأقارب
وقلت لها كوني عقيرا فـإنـنـي غدا راجل أمشي وبالأمس راكب
فلا يبعدنك اللـه يابـن مـزاحـم فكل بكأس الموت لاشك شارب وذكر إبراهيم بن المنذر الحزامي وأبو عبيدة معمر بن المثنى أن اسمه البحتري بن الجعد.
وذكر مصعب الزبيري والرياشي وأبو العالية أن اسمه الأقرع بن معاذ. وقال خالد بن كلثوم: اسمه مهدي ابن الملوح.
وأخبرني الأخفش عن السكري عن أبي زياد الكلابي، قال: ليلى صاحبة المجنون هي ليلى بنت سعد بن مهدي بن ربيعة بن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال حدثنا أبو قلابة الرقاشي، قال حدثني عبد الصمد بن المعذل، قال: سمعت الأصمعي وقد تذاكرنا مجنون بني عامر يقول: لم يكن مجنونا وإنما كانت به لوثة، وهو القائل:

صفحة : 116


أخذت محاسن كـل مـا ضنت محاسنه بحسنـه
كاد الغزال يكـونـهـا لولا الشوى ونشوز قرنه لقب بالمجنون كثير غيره
وكلهم كان يشبب بليلى
وأخبرني عمر بن عبد الله بن جميل العتكي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا الأصمعي قال: سألت أعرابيا من بني عامر بن صعصعة عن المجنون العامري فقال: عن أيهم تسألني? فقد كان فينا جماعة رموا بالجنون، فعن أيهم تسأل? فقلت: عن الذي كان يشبب بليلى، فقال: كلهم كان يشبب بليلى، قلت: فأنشدني لبعضهم، فأنشدني لمزاحم بن الحارث المجنون:
ألا أيها القلب الذي لج هائمـا بليلى وليدا لم تقطع تمائمـه
أفق قد أفاق العاشقون وقد أنى لك اليوم أن تلقى طبيبا تلائمه
أجدك لا تنسيك ليلى مـلـمة تلم ولا عهد يطول تقـادمـه قلت: فأنشدني لغيره منهم، فأنشدني لمعاذ بن كليب المجنون:
ألا طالما لاعبت ليلى وقـادنـي إلى اللهو قلب للحسان تـبـوع
وطال امتراء الشوق عيني كلما نزفت دموعا تستـجـد دمـوع
فقد طال إمساكي على الكبد التي بها من هوى ليلى الغداة صدوع قلت: فأنشدني لغير هذين ممن ذكرت، فأنشدني لمهدي بن الملوح:
لو أن لك الدنيا وما عدلت به سواها وليلى بائن عنك بينها
لكنت إلى ليلى فقيرا وإنمـا يقود إليها ود نفسك حينهـا قلت له: فأنشدني لمن بقي من هؤلاء، فقال: حسبك فوالله إن في واحد من هؤلاء لمن يوزن بعقلائكم اليوم.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال قال ابن الأعرابي: كان معاذ بن كليب مجنونا، وكان يحب ليلى، وشركه في حبها مزاحم بن الحارث العقيلي، فقال مزاحم يوما للمجنون:
كلانا يا معـاذ يحـب لـيلـى بفي وفيك من ليلى الـتـراب
شركتك في هوى من كان حظي وحظك من مودتها الـعـذاب
لقد خبلت فـؤادك ثـم ثـنـت بقلبي فهو مخبـول مـصـاب قال فيقال: إنه لما سمع هذه الأبيات التبس وخولط في عقله.
وذكر أبو عمرو الشيباني: أنه سمع في الليل هاتفا يهتف بهذه الأبيات، فكانت سبب جنونه.
وذكر إبراهيم بن المنذر الحزامي عن أيوب بن عباية: أن فتى من بني مروان كان يهوى امرأة منهم فيقول فيها الشعر وينسبه إلى المجنون، وأنه عمل له أخبارا وأضاف إليها ذلك الشعر، فحمله الناس وزادوا فيه.
إنكار وجوده
والقول بأن شعره مولد عليه
وأخبرني عمي عن الكراني عن العمري عن العتبي عن عوانة أنه قال: المجنون اسم مستعار لا حقيقة له، وليس له في بني عامر أصل ولا نسب، فسئل من قال هذه الأشعار? فقال: فتى من بني أمية.
وقال الجاحظ: ما ترك الناس شعرا مجهول القائل قيل في ليلى إلا نسبوه إلى المجنون، ولا شعرا هذه سبيله قيل في لبنى إلا نسبوه إلى قيس بن ذريح.
وأخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني الحكم بن صالح قال: قيل لرجل من بني عامر: هل تعرفون فيكم المجنون الذي قتله العشق. فقال: هذا باطل، إنما يقتل العشق هذه اليمانية الضعاف القلوب.
أخبرنا أحمد بن عمر بن موسى قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثني أيوب بن عبابة قال حدثني من سأل بني عامر بطنا بطنا عن المجنون فما وجد فيهم أحدا يعرفه.
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا أحمد بن الحارث عن ابن الأعرابي أنه ذكر عن جماعة من بني عامر أنهم سئلوا عن المجنون فلم يعرفوه، وذكروا أن هذا الشعر كله مولد عليه.
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ عن أبيه عن محمد ابن الحكم عن عوانة قال: ثلاثة لم يكونوا قط ولا عرفوا: ابن أبي العقب صاحب قصيدة الملاحم، وابن القرية، ومجنون بني عامر.
أخبرني أبوالحسن الأسدي قال حدثنا الرياشي قال سمعت الأصمعي يقول: الذي ألقي على المجنون من الشعر وأضيف إليه أكثر مما قاله هو.
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال: أنشدت أيوب بن عباية هذين البيتين:

صفحة : 117


وخبرتمانـي أن تـيمـاء مـنـزل لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت فما للنوى ترمي بليلى المـرامـيا وسألته عن قائلهما، فقال: جميل، فقلت له: إن الناس يروونهما للمجنون، فقال: ومن هو المجنون? فأخبرته، فقال: ما لهذا حقيقة ولا سمعت به.
وأخبرني عمي عن عبد الله بن شبيب بن هارون بن موسى الفروي قال: سألت أبا بكر العدوي عن هذين البيتين فقال: هما لجميل، ولم يعرف المجنون، فقلت: فهل معهما غيرهما? قال: نعم، وأنشدني:
وإني لأخشى أن أموت فـجـاءة وفي النفس حاجات إليك كما هي
وإني لينسيني لقـاؤك كـلـمـا لقيتك يوما أن أبـثـك مـا بـيا
وقالوا بـه داء عـياء أصـابـه وقد علمت نفسي مـكـان دوائيا وأنا أذكر مما وقع إلي من أخباره جملا مستحسنة، متبرئا من العهدة فيها، فإن أكثر أشعاره المذكورة في أخباره ينسبها بعض الرواة إلى غيره وينسبها من حكيت عنه إليه، وإذا قدمت هذه الشريطة برئت من عيب طاعن ومتتبع للعيوب.
بدء تعشقه ليلى
أخبرني بخبره في شغفه بليلى جماعة من الرواة، ونسخت ما لم أسمع من الروايات وجمعت ذلك في سياقه خبره ما اتسق ولم يختلف، فإذا اختلف نسبت كل رواية إلى راويها.
فممن أخبرني بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي، قالا: حدثنا عمر بن شبة عن رجاله وإبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة، ونسخت أخباره من رواية خالد بن كلثوم وأبي عمرو الشيباني وابن دأب وهشام بن محمد الكلبي وإسحاق بن الجصاص وغيرهم من الرواة.
قال أبو عمرو الشيباني وأبو عبيدة: كان المجنون يهوى ليلى بنت مهدي بن سعد بن مهدي بن ربيعة ابن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وتكنى أم مالك، وهما حينئذ صبيان، فعلق كل واحد منهما صاحبه وهما يرعيان مواشي أهلهما، فلم يزالا كذلك حتى كبرا فحجبت عنه، قال: ويدل على ذلك قوله: صوت

تعلقت ليلـى وهـي ذات ذؤابة ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم في هذين البيتين للأخضر الجدي لحن من الثقيل الثاني بالوسطى، ذكره هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات والهشامي.
أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية ونسخت هذا الخبر بعينه من خط هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي سعد قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثني أبو عتاب البصري عن إبراهيم بن محمد الشافعي قال: بينا ابن مليكة يؤذن إذ سمع الأخضر الجدي يغني من دار العاص بن وائل:
وعلقتـهـا غـراء ذات ذوائب ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم قال فأراد أن يقول: حي على الصلاة فقال: حي على البهم، حتى سمعه أهل مكة فغدا يعتذر إليهم.
وقال ابن الكلبي: حدثني معروف المكي والمعلى بن هلال وإسحاق بن الجصاص قالوا: كان سبب عشق المجنون ليلى، أنه أقبل ذات يوم على ناقة له كريمة وعليه حلتان من حلل الملوك، فمر بامرأة من قومه يقال لها: كريمة، وعندها جماعة نسوة يتحدثن فيهن ليلى، فأعجبهن جماله وكماله، فدعونه إلى النزول والحديث، فنزل وجعل يحدثهن وأمر عبدا له كان معه فعقر لهن ناقته، وظل يحدثهن بقية يومه، فبينا هو كذلك، إذ طلع عليهم فتى عليه بردة من برد الأعراب يقال له: منازل يوسق معزى له، فلما رأينه أقبلن عليه وتركن المجنون، فغضب وخرج من عندهن وأنشأ يقول:
أأعقر من جـرا كـريمة نـاقـتـي ووصلي مفروش لوصل مـنـازل
إذا جاء قعقعن الحـلـي ولـم أكـن إذا جئت أرضى صوت تلك الخلاخل
متى ما انتضلنا بالسهام نـضـلـتـه وإن نرم رشقا عندها فهو ناضـلـي

صفحة : 118

قال: فلما أصبح لبس حلته وركب ناقة له أخرى ومضى متعرضا لهن، فألفى ليلى قاعدة بفناء بيتها وقد علق حبه بقلبها وهويته، وعندها جويريات يتحدثن معها، فوقف بهن وسلم، فدعونه إلى النزول وقلن له: هل لك في محادثة من لا يشغله عنك منازل ولا غيره? فقال: إي لعمري، فنزل وفعل مثل ما فعله بالأمس، فأرادت أن تعلم، هل لها عنده مثل ما له عندها، فجعلت تعرض عن حديثه ساعة بعد ساعة وتحدث غيره، وقد كان علق بقلبه مثل حبها إياه وشغفته واستملحها، فبينا هي تحدثه، إذ أقبل فتى من الحي فدعته وسارته سرارا طويلا، ثم قالت له: انصرف، ونظرت إلى وجه المجنون قد تغير وانتقع لونه وشق عليه فعلها، فأنشأت تقول:
كلانا مظهر للناس بغضا وكل عند صاحبه مكـين
تبلغنا العيون بمـا أردنـا وفي القلبين ثم هوى دفين فلما سمع البيتين شهق شهقة شديدة وأغمي عليه، فمكث على ذلك ساعة، ونضحوا الماء على وجهه حتى أفاق وتمكن حب كل واحد منهما في قلب صاحبه حتى بلغ منه كل مبلغ.
خطبته لليلى واختيارها عليه وشعره في ذلك أخبرني الحسن بن علي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم عن هشام بن محمد بن موسى المكي عن محمد بن سعيد المخزومي عن أبي الهيثم العقيلي قال: لما شهر أمر المجنون وليلى وتناشد الناس شعره فيها، خطبها وبذل لها خمسين ناقة حمراء، وخطبها ورد بن محمد العقيلي وبذل لها عشرا من الإبل وراعيها، فقال أهلها: نحن مخيروها بينكما، فمن اختارت تزوجته، ودخلوا إليها فقالوا: والله لئن لم تختاري وردا لنمثلن بك، فقال المجنون:
ألا يا ليل إن ملكت فـينـا خيارك فانظري لمن الخيار
ولا تستبدلـي مـنـي دنـيا ولا برما إذا حب القـتـار
يهرول في الصغير إذا رآه وتعجزه ملمـات كـبـار
فمثل تأيم مـنـه نـكـاح ومثل تمؤل منه افتـقـار فاختارت وردا فتزوجته على كره منها.
حكاية أبيه عن جنونه بليلى وأخبرني أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر قالا: حدثنا عمر بن شبة قال ذكر الهيثم بن عدي عن عثمان بن عمارة بن حريم المري قال: خرجت إلى أرض بني عامر لألقى المجنون، فدللت عليه وعلى محلته، فلقيت أباه شيخا كبيرا وحوله إخوة للمجنون مع أبيهم رجالا؛ فسألتهم عنه فبكوه، وقال الشيخ: أما والله لهو كان آثر عندي من هؤلاء جميعا، وإنه عشق امرأة من قومه والله ما كانت تطمع في مثله، فلما فشا أمره وأمرها كره أبوها أن يزوجه إياها بعد ما ظهر من أمرهما، فزوجها غيره، وكان أول ما كلف بها يجلس إليها في نفر من قومها فيتحدثون كما يتحدث الفتيان، وكان أجملهم وأظرفهم وأرواهم لأشعار العرب، فيفيضون في الحديث فيكون أحسنهم فيه إفاضة، فتعرض عنه وتقبل على غيره، وقد وقع له في قلبها مثل ما وقع لها في قلبه، فظنت به ما هو عليه من حبها، فأقبلت عليه يوما وقد خلت فقالت: صوت

كلانا مظهر للناس بغضـا وكل عند صاحبه مـكـين
وأسرار الملاحظ ليس تخفي إذا نطقت بما تخفي العيون غنت في الأول عريب خفيف رمل، وقيل: إن هذا الغناء لشارية، والبيت الأخير ليس من شعره - قال: فخر مغشيا عليه ثم أفاق فاقدا عقله، فكان لا يلبس ثوبا إلا خرقه ولا يمشي إلا عاريا ويلعب بالتراب ويجمع العظام حوله، فإذا ذكرت له ليلى أنشأ يحدث عنها عاقلا ولا يخطىء حرفا، وترك الصلاة، فإذا قيل له: ما لك لا تصلي لم يرد حرفا، وكنا نحبسه ونقيده، فيعض لسانه وشفته، حتى خشينا عليه فخلينا سبيله فهو يهيم.
قصته مع عمر بن عبد الرحمن بن عوف
قال الهيثم؛ فولى مروان بن الحكم عمر بن عبد الرحمن بن عوف صدقات بني كعب وقشير وجعدة، والحريش وحبيب وعبد الله، فنظر إلى المجنون قبل أن يستحكم جنونه فكلمه وأنشده فأعجب به، فسأله أن يخرج معه، فأجابه إلى ذلك، فلما أراد الرواح جاءه قومه فأخبروه خبره وخبر ليلى، وأن أهلها استعدوا السلطان عليه، فأهدر دمه إن أتاهم، فأضرب عما وعده وأمر له بقلائص، فلما علم بذلك وأتي بالقلائص ردها عليه وانصرف.


صفحة : 119

وذكر أبو نصر أحمد بن حاتم عن جماعة من الرواة: أن المجنون هو الذي سأل عمر بن عبد الرحمن أن يخرج به، قال له: أكون معك في هذا الجمع الذي تجمعه غدا، فأرى في أصحابك، وأتجمل في عشيرتي بك، وأفخر بقربك، فجاءه رهط من رهط ليلى وأخبروه بقصته، وأنه لا يريد التجمل به، وإنما يريد أن يدخل عليهم بيوتهم ويفضحهم في امرأة منهم يهواها، وأنهم قد شكوه إلى السلطان فأهدر دمه إن دخل عليهم، فأعرض عما أجابه إليه من أخذه معه وأمر له بقلائص، فردها وقال في ذلك :
رددت قلائص القرشي لما بدا لي النقض منه للعهود
وراحوا مقصرين وخلفوني إلى حزن أعالجه شـديد قال: ورجع آيسا فعاد إلى حاله الأولى، قال: فلم تزل تلك حاله، إلا أنه غير مستوحش، إنما يكون في جنبات الحي منفردا عاريا لا يلبس ثوبا إلا خرقه، ويهذي ويخطط في الأرض ويلعب بالتراب والحجارة، ولا يجيب أحدا سأله عن شيء، فإذا أحبوا أن يتكلم أو يثوب عقله ذكروا له ليلى، فيقول: بأبي هي وأمي، ثم يرجع إليه عقله فيخاطبونه ويجيبهم، ويأتيه أحداث الحي فيحدثونه عنها وينشدونه الشعر الغزل، فيجيبهم جوابا صحيحا وينشدهم أشعارا قالها، حتى سعى عليهم في السنة الثانية بعد عمر بن عبد الرحمن نوفل بن مساحق، فنزل مجمعا من تلك المجامع فرآه يلعب بالتراب وهو عريان، فقال لغلام له: يا غلام، هات ثوبا، فأتاه به، فقال لبعضهم: خذ هذا الثوب فألقه على ذلك الرجل، فقال له: أتعرفه جعلت فداك? قال: لا، قال: هذا ابن سيد الحي، لا والله ما يلبس الثياب ولا يزيد على ما تراه يفعله الآن، وإذا طرح عليه شيء خرقه، ولو كان يلبس ثوبا لكان في مال أبيه ما يكفيه، وحدثه عن أمره، فدعا به وكلمه، فجعل لا يعقل شيئا يكلمه به، فقال له قومه: إن أردت أن يجيبك جوابا صحيحا فاذكر له ليلى، فذكرها له وسأله عن حبه إياها، فأقبل عليه يحدثه بحديثها ويشكو إليه حبه إياها وينشده شعره فيها، فقال له نوفل: الحب صيرك إلى ما أرى? قال نعم، وسينتهي بي إلى ما هو أشد مما ترى، فعجب منه وقال له: أتحب أن أزوجكها? قال: نعم، وهل إلى ذلك من سبيل? قال: انطلق معي حتى أقدم على أهلها بك وأخطبها عليك وأرغبهم في المهر لها، قال: أتراك فاعلا? قال: نعم، قال: انظر ما تقول قال: لك علي أن أفعل بك ذلك، ودعا له بثياب فألبسه إياها، وراح معه المجنون كأصح أصحابه يحدثه وينشده، فبلغ ذلك رهطها فتلقوه في السلاح، وقالوا له: يابن مساحق لا والله لا يدخل المجنون منازلنا أبدا أو يموت، فقد أهدر لنا السلطان دمه، فأقبل بهم وأدبر، فأبوا، فلما رأى ذلك قال للمجنون: انصرف، فقال له المجنون: والله ما وفيت لي بالعهد، قال له: انصرافك بعد أن آيسني القوم من إجابتك أصلح من سفك الدماء، فقال المجنون: صوت

أيا ويح من أمسى تخلس عقلـه فاصبح مذهوبا به كل مذهـب
خليا من الخـلان إلا مـعـذرا يضاحكني من كان يهوى تجنبي الغناء للحسين بن محرز ثقيل أول بالوسطى من جامع أغانيه:
إذا ذكرت ليلى عقلـت وراجـعـت روائع عقلي من هوى متـشـعـب
وقالوا صحيح ما بـه طـيف جـنة ولا الهم إلا بافـتـراء الـتـكـذب
وشاهد وجدي دمع عيني وحـبـهـا برى اللحم عن أحناء عظمي ومنكبي صوت

تجنبت ليلى أن يلج بك الـهـوى وهيهات كان الحب قبل التجنـب
ألا إنمـا غـادرت يا أم مـالـك صدى أينما تذهب به الريح يذهب الغناء لإسحاق خفيف ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، وفيه لابن جامع هزج من رواية الهشامي وهي قصيدة طويلة.
ومما يغنى فيه منها قوله: صوت

فلم أرى ليلى بعد موقـف سـاعة بخيف منى ترمي جمار المحصب
ويبدي الحصى منها إذا قذفت بـه من البرد أطراف البنان المخضب
فأصبحت من ليلى الغداة كناظـر مع الصبح في أعقاب نجم مغرب
ألا إنمـا غـادرت يا أم مـالـك صدى إينما تذهب به الريح يذهب

صفحة : 120

فيه ثقيل أول مطلق باستهلال، ذكر ابن المكي أنه لأبيه يحيى، وذكر الهشامي أنه للواثق، وذكر حبش أنه لابن محرز، وهو في جامع أغاني سليمان منسوب إليه.
أنشدني الأخفش عن أبي سعيد السكري عن محمد بن حبيب للمجنون
فواللـه ثـم الـلـه إنـي لـدائب أفكر ما ذنبي إليهـا وأعـجـب
ووالله ما أدري علام قتلـتـنـي وأي أموري فيك يا ليل أركـب
أأقطع حبل الوصل فالموت دونه أم أشرب رنقا منكم ليس يشرب
أم أهرب حتى لا أرى لي مجاورا أم أصنع ماذا أم أبوح فأغـلـب
فأيهما يا ليل مـا تـرتـضـينـه فإني لمظلوم وإنى لـمـعـتـب حجه مع أبيه إلى مكة لسلوان ليلى
ودعوته هو استزادة حبها ودوامه
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال: ذكر هشام بن الكلبي ووافقه في روايته أبو نصر أحمد بن حاتم وأخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثني علي ابن الصباح عن هشام ابن الكلبي عن أبيه: أن أبا المجنون وأمه ورجال عشيرته اجتمعوا إلى ليلى فوعظوه وناشدوه الله والرحم، وقالوا له: إن هذا الرجل لهالك، وقبل ذلك ففي أقبح من الهلاك بذهاب عقله، وإنك فاجع به أباه وأهله، فنشدناك الله والرحم أن تفعل ذلك، فوالله ما هي أشرف منه، ولا لك مثل مال أبيه، وقد حكمك في المهر، وإن شئت أن يخلع نفسه إليك من ماله فعل، فأبى وحلف بالله وبطلاق أمها إنه لا يزوجه إياها أبدا، وقال: أفضح نفسي وعشيرتي وآتي ما لم يأته أحد من العرب، واسم ابنتي بميسم فضيحة فانصرفوا عنه، وخالفهم لوقته فزوجها رجلا من قومها وأدخلها إليه، فما أمسى إلا وقد بنى بها، وبلغه الخبر فأيس منها حينئذ وزال عقله جملة، فقال الحي لأبيه: أحجج به إلى مكة وادع الله عز وجل له، ومره أن يتعلق بأستار الكعبة، فيسأل الله يعافيه مما به ويبغضها إليه، فلعل الله أن يخلصه من هذا البلاء، فحج به أبوه، فلما صاروا بمنى سمع صائحا في الليل يصيح: يا ليلى، فصرخ صرخة ظنوا أن نفسه قد تلفت وسقط مغشيا عليه، فلم يزل كذلك حتى أصبح ثم أفاق حائل اللوان ذاهلا، فأنشأ يقول: صوت

عرضت على قلبي العزاء فقال لـي من الآن فاياس لا أعزك من صبـر
إذا بان من تهـوى وأصـبـح نـائيا فلا شيء أجدى من حلولك في القبر
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منـى فهيج أطراب الـفـؤاد ومـا يدري
دعا باسم ليلى غيرهـا فـكـأنـمـا أطار بليلى طائرا كان في صـدري
دعا باسم ليلى ظلل الـلـه سـعـيه وليلى بأرض عنه نـازحة قـفـر الغناء لعريب خفيف ثقيل - ثم قال له أبوه: تعلق بأستار الكعبة واسأل الله أن يعافيك من حب ليلى، فتعلق بأستار الكعبة. وقال: اللهم زدني لليلى حبا وبها كلفا ولا تنسني ذكرها أبدا، فهام حينئذ واختلط فلم يضبط. قالوا: فكان يهيم في البرية مع الوحش ولا يأكل إلا ما ينبت في البرية من بقل ولا يشرب إلا مع الظباء إذا وردت مناهلها، وطال شعر جسده ورأسه وألفته الظباء والوحوش فكانت لا تنفر منه، وجعل يهيم حتى يبلغ حدود الشأم، فإذا ثاب إليه عقله سأل من يمر به من أحياء العرب عن نجد، فيقال له: وأين أنت من نجد قد شارفت الشأم أنت في موضع كذا، فيقول: فأروني وجهة الطريق، فيرحمونه ويعرضون عليه أن يحملوه وأن يكسوه فيأبى، فيدلونه على طريق نجد فيتوجه نحوه.
أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي وأخبرنا حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال ذكر الهيثم بن عدي عن أبي مسكين قال:

صفحة : 121

خرج منا فتى حتى إذا كان ببئر ميمون إذا جماعة فوق بعض تلك الجبال، وإذا معهم فتى أبيض طوال جعد كأحسن من رأيت من الرجال على هزال منه وصفرة، وإذا هم متعلقون به، فسألته عنه، فقيل لي: هذا قيس المجنون خرج به أبوه يستجير له بالبيت، وهو على أن يأتي به قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدعو له هناك لعله يكشف ما به، فإنه يصنع بنفسه صنيعا يرحمه منه عدوه، يقول: أخرجوني لعلني أتنسم صبا نجد، فيخرجونه فيتوجهون به نحو نجد، ونحن مع ذلك نخاف أن يلقي نفسه من الجبل، فإن شئت الأجر دنوت منه فأخبرته أنك أقبلت من نجد، فدنوت منه وأقبلوا عليه فقالوا له: يا أبا المهدي، هذا الفتى أقبل من نجد، فتنفس تنفسة ظننت أن كبده قد انصدعت، ثم جعل يسألني عن واد واد وموضع موضع، وأنا أخبره وهو يبكي أحر بكاء وأوجعه للقلب، ثم أنشأ يقول:
ألا ليت شعري عن عوارضتي قنا لطول الليالي هل تغيرتا بـعـدي
وهل جارتانا بالبتيل إلى الحـمـى على عهدنا أم لم تدوما على العهد
وعن علويات الـرياح إذا جـرت بريح الخزامى هل تهب على نجد
وعن أقحوان الرمل ما هو فاعـل إذا هو أسرى ليلة بثرى جـعـد
وهل أنفضن الدهر أفنان لمـتـى على لاحق المتنين مندلق الوخـد
وهل أسمعن الدهر أصوات هجمة تحدر من نشز خصيب إلى وهـد سؤاله زوج ليلى عن عشرته معها
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي والعتبي قالا: مر المجنون بزوج ليلى وهو جالس يضطلي في يوم شات، وقد أتى ابن عم له في حي المجنون لحاجة، فوقف عليه ثم أنشأ يقول: صوت

بربك هل ضممت إليك ليلى قبيل الصبح أو قبلت فاهـا
وهل رفت عليك قرون ليلى رفيف الأقحوانة في نداها فقال: اللهم إذ حلفتني فنعم، قال: فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من الجمر، فما فارقهما حتى سقط مغشيا عليه، وسقط الجمر مع لحم راحتيه، وعض على شفته فقطعها، فقام زوج ليلى مغموما بفعله متعجبا منه فمضى.
غنى في البيتين المذكورين في هذا الخبر الحسين بن محرز، ولحنه رمل بالوسطى عن الهشامي.
مروره بجبلي نعمان وشعره في ذلك
أخبرني أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال قال محمد بن الحكم عن عوانة: إنه حدثه ووافقه ابن نصر وابن حبيب قالوا: إن أهل المجنون خرجوا به معهم إلى وادي القرى قبل توحشه ليمتاروا خوفا عليه من أن يضيع أو يهلك، فمروا في طريقهم بجبلي نعمان، فقال له بعض فتيان الحي: هذان جبلا نعمان، وقد كانت ليلى تنزل بهما، قال: فأي الرياح يأتي من ناحيتهما? قالوا: الصبا، قال: فوالله لا أريم هذا الموضع حتى تهب الصبا، فأقام ومضوا فامتاروا لأنفسهم، ثم أتوا عليه فأقاموا معه ثلاثة أيام حتى هبت الصبا، ثم انطلق معهم فأنشأ يقول: صوت

أيا جبلي نعمان بـالـلـه خـلـيا سبيل الصبا يخلص إلي نسيمهـا
أجد بردها أو تشف مني حـرارة على كبد لم يبق إلا صميمـهـا
فإن الصبا ريح إذا ما تنسـمـت على نفس محزون تجلت همومها ارتحال أهل ليلى وما قاله في ذلك
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن الحسين بن الحرون قال حدثني الكسروي عن جماعة من الرواة قال: لما منع أبو ليلى المجنون وعشيرته من تزويجه بها، كان لا يزال يغشى بيوتهم ويهجم عليهم، فشكوه إلى السلطان فأهدر دمه لهم، فأخبروه بذلك فلم يرعه وقال: الموت أروح لي فليتهم قتلوني، فلما علموا بذلك وعرفوا أنه لا يزال يطلب غرة منهم حتى إذا تفرقوا دخل دورهم، فارتحلوا عنها وأبعدوا، وجاء المجنون عشية فأشرف على دورهم فإذا هي منهم بلاقع، فقصد منزل ليلى الذي كان بيتها فيه، فألصق صدره به وجعل يمرغ خديه على ترابه ويبكي ، ثم أنشأ يقول، - وذكر هذه الأبيات ابن حبيب وأبو نصر له بغير خبر -:
أيا حرجات الحي حيث تحملوا بذي سلم لا جادكـن ربـيع
وخيماتك اللاتي بمنعرج اللوى بلين بلى لم تبـلـن ربـوع

صفحة : 122


ندمت على ما كان مني نـدامة كما يندم المغبـون حـين يبـيع
فقدتك من نفس شعاع فإنـنـي نهيتك عن هذا وأنت جـمـيع
فقربت لي غير القريب وأشرفت إليك ثنايا ما لـهـن طـلـوع حديثه مع نسوة فيهن ليلى
وذكر خالد بن جميل وخالد بن كلثوم في أخبارهما التي صنعاها أن ليلى وعدته قبل أن يختلط أن تستزيره ليلة إذا وجدت فرصة لذلك، فمكث مدة يراسلها في الوفاء وهي تعده وتسوفه، فأتى أهلها ذات يوم والحي خلوف، فجلس إلى نسوة من أهلها حجرة منها بحيث تسمع كلامه، فحادثهن طويلا ثم قال: ألا أنشدكن أبياتا أحدثها في هذه الأيام? قلن: بلى، فأنشدهن: صوت

يا للرجال لهـم بـات يعـرونـي مستطرف وقديم كـاد يبـلـينـي
من عاذري من غريم غير ذي عسر يأبى فيمطلنـي دينـي ويلـوينـي
لا يبعد النقد من حقي فـينـكـره ولا يحدثني أن سوف يقضـينـي
وما كشكرى شكر لو يوافـقـنـي ولا مناي سـواه لـو يوافـينـي
أطعته وعصيت النـاس كـلـهـم في أمره وهواه وهو يعصـينـي قال: فقلن له: ما أنصفك هذا الغريم الذي ذكرته وجعلن يتضاحكم وهو يبكي، فاستحيت ليلى منهن ورقت له حتى بكت، وقامت فدخلت بيتها وانصرف هو.
- في الثلاثة الأبيات الأولى من هذه الأبيات هزج طنبوري للمسدود - قالا في خبرهما هذا: وكان للمجنون ابنا عم يأتيانه فيحدثانه ويسليانه ويؤانسانه، فوقف عليهما يوما وهما جالسان، فقالا له: يا أبا المهدي ألا تجلس? قال: لا، بل أمضي إلى منزل ليلى فاترسمه وأرى آثارها فيه، فأشفي بعض ما في صدري بها، فقالا له: فنحن معك، فقال: إذا فعلتما أكرمتما وأحسنتما، فقاما معه حتى أتى دار ليلى، فوقف بها طويلا يتتبع آثارها ويبكي ويقف في موضع موضع منها ويبكي ثم قال: صوت

يا صاحبي ألما بـي بـمـنـزلة قد مر حين عليهـا إيمـا حـين
إني أرى رجعات الحب تقتلـنـي وكان في بدئها ما كان يكفـينـي
لا خير في الحب ليست فيه قارعة كأن صاحبها في نزع مـوتـون
إن قال عذاله مهلا فـلان لـهـم قال الهوى غير هذا القول يعنيني
ألقى من اليأس تارات فتقتلـنـي وللرجاء بشاشات فـتـحـيينـي الغناء لإبراهيم خفيف ثقيل من جامع غنائه وقال هشام بن الكلبي عن أبي مسكين: إن جماعة من بني عامر حدثوه قالوا: كان رجل من بني عامر ابن عقيل يقال له: قيس بن معاذ، وكان يدعى المجنون، وكان صاحب غزل ومجالسة للنساء، فخرج على ناقة له يسير، فمر بامرأة من بني عقيل يقال لها: كريمة، وكانت جميلة عاقلة، معها نسوة فعرفنه ودعونه إلى النزول والحديث، وعليه حلتان له فاخرتان وطيلسان وقلنسوة، فنزل فظل يحدثهن وينشدهن وهن أعجب شيء به فيما يرى، فلما أعجبه ذلك منهن عقر لهن ناقته، وقمن إليها فجعلن يشوين ويأكلن إلى أن أمسى، فأقبل غلام شاب حسن الوجه من حيهن فجلس إليهن، فأقبلن عليه بوجوههن يقلن له: كيف ظللت يا منازل اليوم? فلما رأى ذلك من فعلهن غضب، فقام وتركهن وهو يقول:
أأعقر من جـرا كـريمة نـاقـتـي ووصلي مفروش لوصل مـنـازل
إذا جاء قعقن الحـلـي ولـم أكـن إذا جئت أرضى صوت تلك الخلاخل قال: فقال له الفتى: هلم نتصارع أو نتناضل، فقال له: إن شئت ذلك فقم إلى حيث لا تراهن ولا يرينك، ثم ما شئت فافعل، وقال:
إذا ما انتضلنا في الخلاء نضلتـه وإن يرم رشقا عندها فهو ناضلي

صفحة : 123

وقال ابن الكلبي في هذا الخبر: فلما أصبح لبس حلته وركب ناقته ومضى متعرضا لهن، فالفى ليلى جالسة بفناء بيتها، وكانت معهن يومئذ جالسة، وقد علق بقلبها وهويته، وعندها جويريات يحدثنها، فوقف بهن وسلم، فدعونه إلى النزول وقلن له: هل لك في محادثة من لا يشغله عنك منازل ولا غيره? قال: إي لعمري، فنزل وفعل فعلته بالأمس، فأرادت أن تعلم هل لها عنده مثل ما له عندها، فجعلت تعرض عن حديثه ساعة بعد ساعة وتحدث غيره، وقد كان علق حبها بقلبه وشغفه واستملحها، فبينا هي تحدثه إذ أقبل فتى من الحي فدعته فسارته سرارا طويلا ثم قالت له انصرف، فانصرف، ونظرت إلى وجه المجنون قد تغير وامتقع وشق عليه ما فعلت، فأنشأت تقول:
كلانا مظهر للناس بغضا وكل عند صاحبه مكـين
تبلغنا العيون مقالـتـينـا وفي القلبين ثم هوى دفين قد نسبت هذا الشعر متقدما فلما سمع هذين البيتين شهق شهقة عظيمة وأغمي عليه فمكث كذلك ساعة، ونضحوا الماء على وجهه حتى أفاق، وتمكن حب كل واحد منهما في قلب صاحبه وبلغ منه كل مبلغ.
حدثني عمي عن عبد الله بن أبي سعد عن إبراهيم بن محمد بن إسماعيل القرشي قال حدثنا أبو العالية عن أبي ثمامة الجعدي قال: لا يعرف فينا مجنون إلا قيس بن الملوح.
حديث اتصاله بليلى في صباه
قال: وحدثني بعض العشيرة قال: قلت لقيس بن الملوح قبل أن يخالط: ما أعجب شيء أصابك في وجدك بليلى? قال: طرقنا ذات ليلة أضياف ولم يكن عندنا لهم أدم، فبعثني أبي منزل أبي ليلى وقال لي: اطلب لنا وقال لي: اطلب لنا منه أدما، فأتيته فوقفت على خبائه فصحت به، فقال: ما تشاء? فقلت: طرقنا ضيفان ولا أدم عندنا لهم فأرسلني أبي نطلب منك أدما، فقال: يا ليلى، أخرجي إليك ذلك النحي، فاملئن له إناءه من السمن، فأخرجته ومعي قعب، فجعلت تصب السمن فيه ونتحدث، فألهانا الحديث وهي تصب السمن وقد امتلأ القعب ولا نعلم جميعا، وهو يسيل استنقعت أرجلنا في السمن، قال: فأتيتهم ليلة ثانية أطلب نارا، وأنا متلفع ببرد لي، فأخرجت لي نارا في عطبة فأعطتنيها ووقفنا نتحدث، فلما احترقت العطبة خرقت من بردي خرقة وجعلت النار فيها، فكلما احترقت خرقت أخرى وأذكيت بها النار حتى لم يبق علي من البرد إلا ما وارى عورتي، وما أعقل ما أصنع، وأنشدني:
أمستقبلي نفح الصبا ثم شـائقـي ببرد ثنـايا أم حـسـان شـائق
كأن على أنيابها الخمر شجـهـا بماء الندى من آخر الليل عاتق
وما شمته إلا بعيني تـفـرسـا كما شيم في أعلى السحابة بارق ومن الناس من يروي هذه الأبيات لنصيب، ولكن هكذا روي في هذا الخبر.
حدث الأصمعي أنه لم يكن مجنونا
أخبرنا محمد بن خلف وكيع عن عبد الملك بن محمد الرقاشي عن عبد الصمد بن المعذل قال: سمعت الأصمعي يقول - و قد تذاكرنا مجنون بني عامر - قال: هو قيس ابن معاذ العقيلي، ثم قال: لم يكن مجنونا إنما كانت به لوثة، وهو القائل:
أخذت محاسن كـل مـا ضنت محاسنه بحسنـه
كاد الغزال يكـونـهـا لولا الشوى ونشوز قرنه قال: وهو القائل: صوت

ولم أر ليلى بعد مـوقـف سـاعة بخيف منى ترمي جمار المحصب
ويبدي الحصى منها إذا قذفت بـه من البرد أطراف البنان المخصب
فأصبحت من ليلى الغداة كناظـر مع الصبح في أعقاب نجم مغرب
ألا إنمـا غـادرت يا أم مـالـك صدى إينما تذهب به الريح يذهب في هذه الأبيات لحن من الثقيل الأول، ابتداؤه نشيد من صنعة الواثق وهو المشهور. وذكره ابن المكي لأبيه يحيى. وهو في جامع غناء سليم بن سلام له. وذكره حبش في موضعين من كتابه فنسبه في طريقه الثقيل الأول في أحدهما إلى ابن محرز، والآخر إلى يحيى المكي. وزعم الهشامي أن فيه لسليم بن سلام لحنا آخر من الثقيل الأول.


صفحة : 124

أخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن عبد الجبار الصوفي قال حدثني إبراهيم بن سعد الزهري قال: أتاني رجل من عذرة لحاجة، فجرى ذكر العشق والعشاق، فقلت له: أنتم أرق قلوبا أم بنو عامر? إنا لأرق الناس قلوبا، ولكن غلبتنا بنو عامر بمجنونها.
شيء من أوصافه
أخبرني أحمد بن عمر بن موسى بن زكويه القطان إجازة قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال أخبرني عبد الجبار بن سليمان بن نوفل بن مساحق عن أبيه عن جده قال: أنا رأيت مجنون بني عامر، وكان جميل الوجه أبيض اللون قد علاه شحوب، واستنشدته فأنشدني قصيدته التي يقول فيها:
تذكرت ليلى والسنين الخوالـيا وأيام لا أعدي على اللهو عاديا أخبرني محمد بن الحسن الكندي خطيب مسجد القادسية قال حدثنا الرياشي قال: سمعت أبا عثمان المازني يقول: سمعت معاذا وبشر بن المفضل جميعا ينشدان هذين البيتين وينسبانهما لمجنون بني عامر:
طمعت بليلى أن تريع وإنمـا تقطع أعناق الرجال المطامع
ودانيت ليلى في خلاء ولم يكن شهود على ليلى عدول مقانع وحدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب عن ابن سلام قال: قضى عبيد الله الحسن بن الحصين بن أبي الحر العنبري على رجل من قومه قضية أوجبها الحكم عليه، وظن العنبري أنه تحامل عليه وانصرف مغضبا، ثم لقيه في طريق، فأخذ بلجام بغلته وكان شديدا أيدا، ثم قال له: إيه يا عبيد الله
طمعت بليلى أن تريع وإنمـا تقطع أعناق الرجل المطامع فقال عبيد الله:
وبايعت ليلى في خلاء ولم يكن شهود عدول عند ليلى مقانـع خل عن البغلة. قال الصولي في خبره هذا: والبيتان للبعيث هكذا، قال: فلا أدري أمن قوله هو أم حكاية عن أبي خليفة.
زيارة ليلى له وحديثه معها
أخبرنا محمد بن القاسم الأنباري عن عبد الله بن خلف الدلال قال حدثنا زكريا بن موسى عن شعيب بن السكن عن يونس النحوي قال: لما اختلط عقل قيس بن الملوح وترك الطعام والشراب، مضت أمه إلى ليلى فقالت لها: إن قيسا قد ذهب حبك بعقله، وترك الطعام والشراب، فلو جئته وقتا لرجوت أن يثوب إليه بعض عقله، فقالت ليلى: أما نهارا فلا لأنني لا آمن قومي على نفسي ولكن ليلا، فأتته ليلا فقالت له: يا قيس، إن أمك تزعم أنك جننت من أجلي وتركت المطعم والمشرب، فاتق الله وأبق على نفسك، فبكى وأنشأ يقول:
قالت جننت على أيش فقلت لها الحب أعظم مما بالمـجـانـين
الحب ليس يفيق الدهر صاحبـه وإنما يصرع المجنون في الحين قال: فبكت معه، وتحدثا حتى كاد الصبح أن يسفر، ثم ودته وانصرفت، فكان آخر عهده بها.
سبب جنونه بيت شعر قاله
أخبرنا ابن المرزبان قال قال القحذمي: لما قال المجنون:
قضاها لغيري وابتلاني بحبها فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا سلب عقله. الغناء لحكم ثقيل أول، وقيل إنه لابن الهربذ. وفيه لمتيم خفيف ثقيل أول من جامع أغانيها. وحدثني جحظة بهذا الخبر عن ميمون بن هارون أنه بلغه أنه لما قال هذا البيت برص.
سبب تسميته المجنون
واختلاف الرواة في ذلك
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن طاهر القرشي عن ابن عائشة قال: إنما سمي المجنون بقوله:
ما بال قلبك يا مجنون قد خـلـعـا في حب من لا ترى في نيله طمعا
الحب والود نيطا بالـفـؤاد لـهـا فأصبحا في فؤادي ثابتـين مـعـا حدثنا وكيع عن ابن يونس قال قال الأصمعي: لم يكن المجنون، إنما جننه العشق، وأنشد له:
يسمونني المجنون حين يرونني نعم بي من ليلى الغداة جنـون
ليالي يزهى بي شباب وشـرة وإذ بي من خفض المعيشة لين أخبرني محمد بن المرزبان عن إسحاق بن محمد بن أبان قال حدثني علي بن سهل عن المدائني: أنه ذكر عنده مجنون بني عامر فقال: لم يكن مجنونا، وإنما قيل له المجنون بقوله:
وإني لمجنون بلـيلـى مـوكـل ولست عزوفا عن هواها ولا جلدا
إذا ذكرت ليلى بكـيت صـبـابة لتذكارها حتى يبل البكا الـخـدا

صفحة : 125

أخبرني عمر بن جميل العتكي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عون بن عبد الله العامري أنه قال: ما كان والله المجنون الذي تعزونه إلينا مجنونا، إنما كانت به لوثة وسهو أحدثهما به حب ليلى، وأنشد له:
وبي من هوى ليلى الذي لو أبـثـه جماعة أعدائي بكت لي عيونـهـا
أرى النفس عن ليلى أبت أن تطيعني فقد جن من وجدي بليلى جنونـهـا أخبرني ابن المرزبان قال قال العتبي: إنما سمي المجنون بقوله:
يقول أناس عل مجنـون عـامـر يروم سلوا قلت أنى لـمـا بـيا
وقد لامني في حب ليلى أقاربـي أخي وابن عمي وابن خالي وخاليا
يقولون ليلى أهـل بـيت عـداوة بنفسي ليلى من عـدو ومـالـيا
ولو كان في ليلى شذا من خصومة للويت أعناق المطي الـمـلاويا أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي عن عيسى بن إسماعيل قال قال ابن سلام: لو حلفت أن مجنون بني عامر لم يكن مجنونا لصدقت، ولكن توله لما زوجت ليلى وأيقن اليأس منها، ألم تسمع إلى قوله:
أيا ويح من أمسى تخلس عقلـه فأصبح مذهوبا به كل مذهـب
خليعا من الخلان إلا مجـامـلا يساعدني من كان يهوى تجنبي
إذا ذكرت ليلى عقلت وراجعت عوزاب قلبي من هوى متشعب أخبرني به الحسن بن علي عن دينار بن عامر التغلبي عن مسعود بن سعد عن ابن سلام ونحوه.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أنشدني صالح بن سعيد قال أنشدني يعقوب بن السكيت للمجنون.

يسمونني المجنون حين يرونني نعم بي من ليلى الغداة جنون قال: وأنشدنا له أيضا: صوت

وشغلت عن فهم الحديث سوى ما كان فيك فإنه شـغـلـي
وأديم لحظ محـدثـي لـيرى أن قد فهمت وعندكم عقلـي الحديث عن تكنيته ليلى بأم مالك
أخبرني ابن المرزبان عن محمد بن الحسن دينار الأحول عن علي بن المغيرة الأثرم عن أبي عبيدة: أن صاحبة مجنون بني عامر التي كلف بها ليلى بنت مهدي بن سعد بن مهدي بن ربيعة بن الحريش، وكنيتها أم مالك، وقد ذكر هذه الكنية المجنون في شعره فقال:
تكاد بلاد الله يا أم مـالـك بما رحبت يوما علي تضيق وقال أيضا:
فإن الذي أملت من أم مـالـك أشاب قذالي واستهـام فـؤاديا
خليلي إن دارت على أم مالـك صروف الليالي فابغيا لي ناعيا وقال أبو عمرو الشيباني: علق المجنون ليلى بنت مهدي بن سعد من بني الحريش، وكنيتها أم مالك، فشهر بها وعرف خبره فحجبت عنه، فشق عليه فخطبها إلى أبيها فرده وأبى أن يزوجه إياها، فاشتد به الأمر حتى جن وقيل له: مجنون بني عامر فكان على حاله يجلس في نادي قومه فلا يفهم ما يحدث به ولا يعقله إلا إذا ذكرت ليلى. وأنشد له أبو عمرو: صوت
الرائية
ألا ما لليلى لا ترى عند مضجعـي بليل ولا يجـري بـذلـك طـائر
بلى إن عجم الطير تجري إذا جرت بليلى ولكن ليس للطـير زاجـر
أزالت عن العهد الذي كان بينـنـا بذي الأثل أم قد غيرتها المـقـادر
فوالله ما في القرب لي منك راحة ولا البعد يسليني ولا أنا صـابـر
ووالـلـه مـا أدري بـأية حـيلة وأي مرام أو خطـار أخـاطـر
وتالله إن الدهر في ذات بـينـنـا علي لها في كل حـال لـجـائر
فلو كنت إذ أزمعت هجري تركتني جميع القوى والعقل منـي وافـر
ولكن أيامي بـحـقـل عـنـيزة وبالرضم أيام جناها الـتـجـاور
وقد أصبح الود الذي كان بـينـنـا أماني نفس والـمـؤمـل حـائر
لعمري لقد رنقـت يا أم مـالـك حياتي وساقتني إليك الـمـقـادر قال أبو عمرو: وأخبرني بعض الشأميين قال: دخلت أرض بني عامر، فسألت عن المجنون الذي قتله الحب، فخبروني عنه أنه كان عاشقا لجارية منهم يقال لها ليلى، ربا معها ثم حجبت عنه، فاشتد عليه وذهب عقله، فأتاه إخوان من إخوانه يلومونه على ما يصنع بنفسه، فقال: صوت


صفحة : 126


يا صاحبي ألما بي بمـنـزلة قد مر حين عليها أيما حـين
في كل منزلة ديوان معـرفة لم يبق باقية ذكـر الـدواوين
إني أرى رجعات الحب تقتلني وكان في بدئها ما كان يكفيني الغناء لابن جامع خفيف ثقيل.
جنونه بليلى وهيامه على وجهه
من أجلها












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 06-26-2006, 12:02 AM   المشاركة رقم: 20
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

أخبرني هاشم الخزاعي عن العباس بن الفرج الرياشي قال: ذكر العتبي عن أبيه قال: كان المجنون في بدء أمره يرى ليلى ويألفها ويأنس بها ثم غيبت عن ناظره، فكان أهله يعزونه عنها ويقولون: نزوجك أنفس جارية في عشيرتك، فيأبى إلا ليلى ويهذي بها ويذكرها فكان ربما استراح إلى أمانيهم وركن إلى قولهم ، وكان ربما هاج عليه الحزن والهم فلا يملك مما هو فيه أن يهيم على وجهه، وذلك قبل أن يتوحش مع البهائم في القفار، فكان قومه يلومونه ويعذلونه، فأكثروا عليه في الملامة والعذل يوما فقال: صوت

يا للرجال لهـم بـت يعـرونـي مستطرف وقديم كان يعـنـينـي
على غريم مليء غـير ذي عـدم يأبى فيمطلني دينـي ويلـوينـي
لا يذكر البعض من ديني فينكـره ولا يحدثني أن سوف يقضـينـي
وما كشكري شكر لو يوافـقـنـي ولا منى كمـنـاه إذ يمـنـينـي
أطعته وعصيت النـاس كـلـهـم في أمره ثم يأبى فهو يعصـينـي
خيري لمن يبتغي خيري ويأمـلـه من دون شري وشري غير مأمون
وما أشارك في رأيي أخا ضعـف ولا أقول أخي مـن لا يواتـينـي في هذه الأبيات هزج طنبوري للمسدود من جامعه.
وقال أبو عمرو الشيباني: حدثني رباح العامري قال: كان المجنون أول ما علق ليلى كثير الذكر لها والإتيان بالليل إليها، والعرب ترى ذلك غير منكر أن يتحدث الفتيان إلى الفتيات، فلما علم أهلها بعشقه لها منعوه من إتيانها وتقدموا إليه، فذهب لذلك عقله ويئس منه قومه واعتنوا بأمره، واجتمعوا إليه ولاموه وعذلوه على ما يصنع بنفسه، وقالوا: والله ما هي لك بهذه الحال، فلو تناسيتها رجونا أن تسلو قليلا، فقال لما سمع مقالتهم وقد غلب عليه البكاء: صوت

فواكبدا من حب من لا يحبنـي ومن زفرات ما لهـن فـنـاء
أريتك إن لم أعطك الحب عن يد ولم يك عنـدي إذ أبـيت إبـاء
أتاركتي للموت أنـت فـمـيت وما للنفوس الخائفـات بـقـاء ثم أقبل على القوم فقال: إن الذي بي ليس بهين، فاقلوا من ملامكم فلست بسامع فيها ولا مطيع لقول قائل.
قصة حبه ليلى برواية رباح العامري أخبرني عمي ومحمد بن حبيب وابن المرزبان عن عبد الله بن أبي سعد عن عبد العزيز صالح عن أبيه عن ابن دأب عن رباح بن حبيب العامري: أنه سأله عن حال المجنون وليلى، فقال: كانت ليلى من بني الحريش وهي بنت مهدي بن سعيد بن مهدي بن ربيعة بن الحريش، وكانت من أجمل النساء وأظرفهن وأحسنهن جسما وعقلا وأفضلهن أدبا وأملحهن شكلا، وكان المجنون كلفا بمحادثة النساء صبا بهن، فبلغه خبرها ونعتت له، فصبا إليها وعزم على زيارتها، فتأهب لذلك ولبس أفضل ثيابه ورجل جمته ومس طيبا كان عنده، وارتحل ناقة له كريمة برحل حسن وتقلد سيفه وأتاها، فسلم فردت عليه السلام وتحفت في المسئلة، وجلس إليها فحادثته وحادثها فأكثرا، وكل واحد منهما مقبل على صاحبه معجب به، فلم يزالا كذلك حتى أمسيا، فانصرف إلى أهله فبات بأطول ليلة شوقا إليها، حتى إذا أصبح عاد إليها فلم يزل عندها حتى أمسى، ثم انصرف إلى أهله فبات بأطول من ليلته الأولى واجتهد أن يغمض فلم يقدر على ذلك، فأنشأ يقول:
نهاري نهار الناس حتى إذا بـدا لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ويجمعني والهم بالليل جامـع
لقد ثبتت في القلب منك محـبة كما ثبتت في الراحتين الأصابع

صفحة : 127

- عروضه من الطويل، والغناء لإبراهيم الموصلي رمل بالوسطى عن عمرو - قال: وأدام زيارتها وترك من يأتيه فيتحدث إليه غيرها، وكان يأتيها في كل يوم فلا يزال عندها نهاره أجمع حتى إذا أمسى انصرف، فخرج ذات يوم يريد زيارتها فلما قرب من منزلها لقيته جارية عسراء فتطير منها، وأنشأ يقول:
وكيف يرجى وصل ليلى وقد جـرى بجد القوى والوصل أعسر حاسـر
صديع العصا صعب المرام إذا انتحى لوصل امرىء جدت عليه الأواصر ثم سار إليها في غد فحدثها بقصته وطيرته ممن لقيه، وأنه يخاف تغير عهدها وانتكاثه وبكى، فقالت: لا ترع، حاش لله من تغير عهدي، لا يكون والله ذلك أبدا إن شاء الله، فلم يزل عندها يحادثها بقية يومه، ووقع له في قلبها مثل ما وقع لها في قلبه، فجاءها يوما كما كان يجيء، وأقبل يحدثها فأعرضت عنه، وأقبلت على غيره بحديثها، تريد بذلك محنته وأن تعلم ما في قلبه، فلما رأى ذلك جزع جزعا شديدا حتى بان في وجهه وعرف فيه، فلما خافت عليه أقبلت عليه كالمسرة إليه فقالت:
كلانا مظهر للناس بغضنا وكل عند صاحبه مكين فسري عنه وعلم ما في قلبها، فقالت له: إنما أردت أن أمتحنك والذي لك عندي أكثر من الذي لي عندك، وأعطي الله عهدا إن جالست بعد يومي هذا رجلا سواك حتى أذوق الموت إلا أن أكره على ذلك، قال: فانصرفت عنه وهو من أشد الناس سرورا وأقرهم عينا، وقال:
أظن هواها تاركي بـمـضـلة من الأرض لا مال لدي ولا أهل
ولا أحد أفضي إلـيه وصـيتـي ولا صاحب إلا المطية والرحل
محا حبها حب الألى كن قبلـهـا وحلت مكانا لم يكن حل من قبل شعره بعد أن تزوجت وأيس منها أخبرني جعفر بن قدامة عن أبي العيناء عن العتبي قال: لما حجبت ليلى عن المجنون خطبها جماعة فلم يرضهم أهلها، وخطبها رجل من ثقيف موسر فزوجوه وأخفوا ذلك عن المجنون ثم نمي إليه طرف منه لم يتحققه، فقال:
دعوت إلهي دعوة ما جهلتـهـا وربي بما تخفي الصدور بصير
لئن كنت تهدي برد أنيابها العـلا لأفقر مني إنـنـي لـفـقـير
فقد شاعت الأخبار أن قد تزوجت فهل يأتيني بالطـلاق بـشـير وقال أيضا:
ألا تلك ليلى العامرية أصبـحـت تقطع إلا من ثقيف حـبـالـهـا
هم حبسوها محبس البدن وابتغـى بها المال أقوام ألا قل مـالـهـا
إذا التفتت والعيس صعر من البرى بنخلة جلت عبرة العين حالـهـا قال: وجعل يمر بيتها فلا يسأل عنها ولا يلتفت إليه، ويقول إذا جاوزه: صوت

ألا أيها البيت الـذي لا أزوره وإن حله شخص إلي حبـيب
هجرتك إشفاقا وزرتك خائفـا وفيك علي الدهر منك رقيب
سأستعتب الأيام فيك لعلـهـا بيوم سرور في الزمان تؤوب الغناء لعريب ثاني ثقيل بالوسطى. قال: وبلغه أن أهلها يريدون نقلها إلى الثقفي فقال: صوت

كأن القلب ليلة قيل يغدى بليلى العامرية أو يراح
قطاة عزها شرك فباتت تجاذبه وقد علق الجناح - عروضه من الوافر. الغناء لابن المكي خفيف ثقيل أول بالوسطى في مجراها عن إسحاق، وفيه خفيف ثقيل آخر لسليمان مطلق في مجرى البنصر، وفيه لإبراهيم رمل بالوسطى في مجراها عن الهشامي - قال: فلما نقلت ليلى إلى الثقفي قال: <H6 قصيدته العينية</H6
طربت وشاقتك الحمول الـدوافـع غداة دعا بالبـين أسـفـع نـازع
شحا فاه نعبا بـالـفـراق كـأنـه حريب سليب نازح الـدار جـازع
فقلت ألا قد بين الأمر فانـصـرف فقد راعنا بالبـين قـبـلـك رائع
سقيت سموما من غراب فأنـنـي تبينت ما خبرت مـذ أنـت واقـع
ألم تر أنـي لا مـحـب ألـومـه ولا ببديل بعـدهـم أنـا قـانـع
ألم تر دار الحي في رونق الضحى بحيث انحنت للهضبتين الأجـارع

صفحة : 128


وقد يتناءى الإلف من بـعـد ألـفة ويصدع ما بين الخليطـين صـادع
وكم من هوى أو جيرة قد ألفتـهـم زمانا فلم يمنعهم الـبـين مـانـع
كأني غداة الـبـين مـيت جـوبة أخو ظمأ سدت عليه المـشـارع
تخلس من أوشـال مـاء صـبـابة فلا الشرب مبذول ولا هو نـاقـع
وبيض تطلى بالعـبـير كـأنـهـا نعاج الملا جيبت عليها البـراقـع
تحملن من وادي الأراك فأومضـت لهن بأطراف العيون الـمـدامـع
فما رمن ربع الدار حتى تشابهـت هجائنها والجون منها الخـواضـع
وحتى حلمن الحور من كل جانـب وخاضت سدول الرقم منها الأكارع
فلما استوت تحت الخدور وقد جرى عبير ومسك بالـعـرانـين رادع
أشرن بأن حثوا الجمال فـقـد بـدا من الصيف يوم لافح الحر ماتـع
فلما لحقنا بالحمـول تـبـاشـرت بنا مقصرات غاب عنها المطامـع
يعرضن بالدل الـمـلـيح وإن يرد جناهن مشغوف فهـن مـوانـع
فقلت لأصحابي ودمعي مـسـبـل وقد صدع الشمل المشتت صـادع
أليلى بأبواب الخدور تـعـرضـت لعيني أم قرن من الشمس طالـع مروره على حمامة تهدل
وما قال في ذلك من الشعر
أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا الهيثم بن فراس قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي: أن أبا المجنون حج به ليدعو الله عز وجل في الموقف أن يعافيه، فسار ومعه ابن عمه زياد بن كعب بن مزاحم، فمر بحمامة تدعو على أيكة فوقف يبكي، فقال له زياد: أي شيء هذا? ما يبكيك أيضا? سر بنا نلحق الرفقة، فقال:
أأن هتفـت يومـا بـواد حـمـامة بكيت ولم يعذرك بالجهـل عـاذر
دعت ساق حر بعد ما علت الضحى فهاج لك الأحزان أن نـاح طـائر
تغني الضحى والصبح في مرجحنة كثاف الأعالي تحتها المـاء حـائر
كأن لم يكن بالغيل أو بـطـن أيكة أو الجزع من تول الأشاءة حاضـر
يقول زياد إذ رأى الحي هـجـروا أرى الحي قد ساروا فهل أنت سائر
وإني وإن غال التقـادم حـاجـتـي ملم على أوطان ليلـى فـنـاظـر هيامه إلى نواحي الشأم
وما يقوله من الشعر عند عوده ورؤبة التوباد
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر عن الزبير عن محمد بن عبد الله البكري عن موسى بن جعفر بن أبي كثير وأخبرني عمي عن عبد الله بن شبيب عن هارون بن موسى الفروي عن موسى بن جعفر بن أبي كثير وأخبرني ابن المرزبان عن ابن الهيثم عن العمري عن العتبي قالوا جميعا: كان المجنون وليلى وهما صبيان يرعيان غنما لأهلها عند جبل في بلادهما يقال له التوباد، فلما ذهب عقله وتوحش، كان يجيء إلى ذلك الجبل فيقيم به، فإذا تذكر أيام كان يطيف هو وليلى به جزع جزعا شديدا واستوحش فهام على وجهه حتى يأتي نواحي الشأم، فإذا ثاب إليه عقله رأى بلدا لا يعرفه فيقول للناس الذين يلقاهم: بأبي أنتم، أين التوباد من أرض بني عامر? فيقال له: وأين أنت من أرض بني عامر أنت بالشأم عليك بنجم كذا فأمه، فيمضي على وجهه نحو ذلك النجم حتى يقع بأرض اليمن، فيرى بلادا ينكرها وقوما لا يعرفهم فيسألهم عن التوباد وأرض بني عامر، فيقولون: وأين أنت من أرض بني عامر عليك بنجم كذا وكذا، فلا يزال كذلك حتى يقع على التوباد، فإذا رآه قال في ذلك: أبياته التي يصف فيها انصباب الدمع
وأجهشت للتوباد حـين رأيتـه وكبر للرحمـن حـين رآنـي
وأذريت دمع العين لما عرفتـه ونادى بأعلى صوته فدعـانـي
فقلت له قد كان حولـك جـيرة وعهدي بذاك الصرم منذ زمان
فقال مضوا واستودعوني بلادهم ومن ذا الذي يبقى على الحدثان
وإني لأبكي اليوم من حذري غدا فراقك والحيان مجتـمـعـان
سجالا وتهتـانـا ووبـلا وديمة وسحا وتسجاما إلى هـمـلان سبب ذهاب عقله


صفحة : 129

أخبرني عمي عن عبد الله بن شبيب عن هارون بن موسى الفروي عن موسى بن جعفر بن أبي كثير قال: لما قال المجنون:
خليلي لا واللـه لا أمـلـك الـذي قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا
قضاها لغيري وابتلاني بحـبـهـا فهلا بشيء غير ليلى ابـتـلانـيا سلب عقله.
وحدثني جحظة عن ميمون بن هارون عن إسحاق الموصلي أنه لما قالهما برص.
شعره حين توهم هاتفا باسم ليلى
قال موسى بن جعفر في خبره المذكور: وكان المجنون يسير مع أصحابه فسمع صائحا يصيح: يا ليلى في ليلة ظلماء أو توهم ذلك، فقال لبعض من معه: أما تسمع هذا الصوت? فقال: ما سمعت شيئا، قال: بلى، والله هاتف يهتف بليلى، ثم أنشأ يقول:
أقول لأدنى صـاحـبـي كـلـيمة أسرت من الأقصى أجب ذا المناديا
إذا سرت في الأرض الفضاء رأيتني أصانع رحلـي أن يمـيل حـيالـيا
يمينا إذا كانت يمـينـا وإن تـكـن شمالا ينازعني الهوى عن شمالـيا شعر له في منى وغيرها
يرويه غرير بن طلحة
وقال ابن شبيب وحدثني هارون بن موسى قال: قلت لغريز بن طلحة المخزومي: من أشعر الناس ممن قال شعرا في منى ومكة وعرفات? فقال: أصحابنا القرشيون، ولقد أحسن المجنون حيث يقول:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى فهيج أحزان الفـؤاد ومـا يدري
دعا باسم ليلى غرها فـكـأنـمـا أطار بليلى طائرا كان في صدري فقلت له: هل تروي للمجنون غير هذا? قال: نعم، وأنشدني له:
أما والذي أرسى ثبيرا مـكـانـه عليه السحاب فوقه يتـنـصـب
وما سلك الموماة من كل جسـرة طليح كجفن السيف تهوي فتركب
لقد عشت من ليلى زمانا أحبـهـا أخا الموت إذ بعض المحبين يكذب أخبرني محمد بن مزيد عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كانت كنية ليلى أم عمرو، وأنشد للمجنون: صوت

أبى القلب إلا حـبـه عـامـرية لها كنية عمرو وليس لها عمـرو
تكاد يدي تندى إذا ما لمـسـتـهـا وينبت في أطرافها الورق الخضر الغناء لعريب ثقيل أول، وقال حبش: فيه لإسحاق خفيف ثقيل.
خطبة ليلى برجل من ثقيف
وما قاله المجنون في ذلك من الشعر
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي عن دماذ عن أبي عبيدة قال: خطب ليلى صاحبة المجنون جماعة من قومها فكرهتهم، فخطبها رجل من ثقيف موسر فرضيته، وكان جميلا فتزوجها وخرج بها، فقال المجنون في ذلك:
ألا إن ليلى كالمنيحة أصـبـحـت تقطع إلا من ثقيف حـبـالـهـا
فقد حبسوها محبس البدن وابتغـى بها الريح أقوام تساحت مـالـهـا
خليلي هل من حيلة تعلـمـانـهـا يدني لنا تكليم ليلى احـتـيالـهـا
فإن أنتما لم تعلماها فـلـسـتـمـا بأول بـاغ حـاجة لا ينـالـهــا
كأن مع الركب الذين اغتدوا بـهـا غمامة صيف زعزعتها شمالـهـا
نظرت بمفضى سيل جوشن إذ غدوا تخب بأطراف المـخـارم آلـهـا
بشافية الأحزان هـيج شـوقـهـا مجـامـعة الآلاف ثـم زيالـهـا
إذا التفتت من خلفها وهي تعتـلـي بها العيس جلى عبرة العين حالهـا أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب عن أبي نصر أحمد بن حاتم قال: وأنشدناه المبرد للمجنون فقال: صوت

وأحـبـس عـنـك الـنـفـس والـنـفـــس صـــبة بذكـراك والـمـــمـــشـــى ألـــيك قـــريب
مخـافة أن تـسـعــى الـــوشـــاة بـــظـــنة وأحــرســـكـــم أن يســـتـــريب مـــريب
فقد جعلت نفسي وأنت اجترمتهوكنت أعز الناس عنك تطيب
فلو شئت لم أغضب عليك ولم يزل لك الـدهـر مـنـي مـــا حـــييت نـــصـــيب
أمـا والـذي يبـلـو الــســـرائر كـــلـــهـــا ويعـلـم مــا تـــبـــدي بـــه وتـــغـــيب
لقـد كـنـت مـمـن تـصـطـفـي الـنـفـس خـــلة لهـا دون خـلان الــصـــفـــاء حـــجـــوب ذكر يحيى المكي أنه لابن سريج ثقيل أول، وقال الهشامي: إنه منحول يحيى إليه.
خبر أبي الحسن الببغاء
والمرأة التي أحبت صديقا له من قريش


صفحة : 130

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الحسن بن محمد بن طالب الديناري قال حدثني إسحاق الموصلي، وأخبرني به محمد بن مزيد والحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني سعيد بن سليمان عن أبي الحسن الببغاء قال: بينا أنا وصديق لي من قريش نمشي بالبلاط ليلا، إذا بظل نسوة في القمر، فسمعت إحداهن تقول: أهو هو? فقالت لها أخرى معها: أي والله إنه لهو هو? فدنت مني ثم قالت: يا كهل، قل لهذا الذي معك:
ليست لياليك في خاخ بعائدة كما عهدت ولا أيام ذي سلم فقلت: أجب فقد سمعت، فقال: قد والله قطع بي وأرتج علي فأجب عني، فقلت:
فقلت لها يا عز كل مـصـيبة إذا وطنت يوما لها النفس ذلت ثم مضينا حتى إذا كنا بمفرق طريقين مضى الفتى إلى منزله ومضيت إلى منزلي، فإذا أنا بجويرية تجذب ردائي فالتفت، فقالت لي: المرأة التي كلمتها تدعوك، فمضيت معها حتى دخلت دارا واسعة ثم صرت إلى بيت فيه حصير، وقد ثنت لي وسادة فجلست عليها، ثم جاءت جارية بوسادة مثنية فطرحتها، ثم جاءت المرأة فجلست عليها، فقالت لي: أنت المجيب? قلت: نعم، قالت: ما كان أفظ لجوابك وأغلظه فقلت لها: ما حضرني غيره، فسكتت، ثم قالت: لا والله ما خلق الله خلقا أحب إلي من إنسان كان معك فقلت لها: أنا الضامن لك عنه ما تحبين، فقالت: هيهات أن يقع بذلك وفاء، فقلت: أنا الضامن وعلي أن آتيك به في الليلة القابلة فانصرفت، فإذا الفتى ببابي، فقلت: ما جاء بك? قال: ظننت أنها سترسل إليك وسألت عنك فلم أعرف لك خبرا، فظننت أنك عندها، فجلست أنتظرك، فقلت له: وقد كان الذي ظننت، وقد وعدتها أن آتيك فأمضي بك إليها في الليلة المقبلة، فلما أصبحنا تهيأنا وانتظرنا المساء، فلما جاء الليل رحلنا إليها، فإذا الجارية منتظرة لنا، فمضت أمامنا حين رأتنا حتى دخلت تلك الدار ودخلنا معها، فإذا رائحة طيبة ومجلس قد أعد ونضد، فجلسنا على وسائد قد ثنيت لنا، وجلست مليا ثم أقبلت عليه فعاتبته مليا ثم قالت: صوت

وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني وأشمت بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتنـي لهم غرضا أرمى وأنت سليم
فلو كان قول يكلم الجلد قد بدا بجلدي من قول الوشاة كلوم هذه الأبيات لأميمة امرأة ابن الدمينة، وفيها غناء لإبراهيم الموصلي ذكره إسحاق ولم يجنسه. وقال الهشامي: هو خفيف رمل. وفيه لعريب خفيف ثقيل أول ينسب إلى حكم الوادي وإلى يعقوب. قال: ثم سكتت وسكت الفتى هنيهة ثم قال:
غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخن وفي بعض هذا للمحب عـزاء
جزيتك ضعف الود ثم صرمتني فحبك من قلـبـي إلـيك أداء فالتفتت إلي فقالت: ألا تسمع ما يقول قد خبرتك، فغمزته أن كف فكف، ثم أقبلت عليه وقالت: صوت

تجاهلت وصلي حين جدت عمايتي فهلا صرمت الحبل إذ أنا أبصـر
ولي من قوى الحبل الذي قد قطعته نصيب وإذ رأيي جميع مـوفـر
ولكنما آذنت بـالـصـرم بـغـتة ولست على مثل الذي جئت أقـدر - الغناء لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى عن عمرو - فقال:
لقد جعلت نفسي وأنت اجترمتهوكنت أعز الناس عنك تطيب قال: فبكت، ثم قالت: أو قد طابت نفسك لا، والله ما فيك بعدها خير، ثم التفتت إلي وقالت: قد علمت أنك لا تفي بضمانك ولا يفي به عنك. وهذا البيت الأخير للمجنون، وإنما ذكر هذا الخبر هنا وليس من أخبار المجنون لذكره فيه.
رجع الخبر إلى سياق أخبار المجنون
رأى المجنون أبيات أهل ليلى فقال شعرا
أخبرني عمي قال حدثنا الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي أن رهط المجنون اجتازوا في نجعة لهم بحي ليلى، وقد جمعتهم نجعة فرأى أبيات أهل ليلى ولم يقدم على الإلمام بهم وعدل أهله إلى جهة أخرى، فقال المجنون:
لعمرك إن البيت بالقبـل الـذي مررت ولم ألمم عليه لشـائق
وبالجزع من أعلى الجنيبة منزل شجا حزن صدري به متضايق
كأني إذا لم ألق ليلى معـلـق بسبين أهفوا بين سهل وحالـق

صفحة : 131


على أنني لو شئت هاجت صبابتي علي رسوم عي فيها التنـاطـق
لعمرك إن الحـب يا أم مـالـك بقلبي براني الله منه لـلاصـق
يضم علي الليل أطراف حبـكـم كما ضم أطراف القميص البنائق صوت

وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا سوى أن يقولوا إنني لك عاشق
نعم صدق الواشون إنت حبـيبة إلي وإن لم تصف منك الخلائق الغناء لمتيم ثقيل أول من جامعها. وفيه لدعامة رمل عن حبش.
حديث ليلى جارة لها من عقيل
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني أحمد بن الطيب قال قال ابن الكلبي: دخلت ليلى على جارة لها من عقيل وفي يدها مسواك تستاك به، فتنفست ثم قالت: سقى الله من أهدى لي هذا المسواك؛ فقالت لها جارتها: من هو? قالت: قيس بن الملوح، وبكت ثم نزعت ثيابها تغتسل؛ فقالت: ويحه لقد علق منى ما أهلكه من غير أن أستحق ذلك، فنشدتك الله، أصدق في صفتي أم كذب? فقالت: لا والله، بل صدق؛ قال: وبلغ المجنون قولها فبكى ثم أنشأ يقول:
نبئت ليلى وقد كنا نـبـخـلـهـا قالت سقى المزن غيثا منزلا خربا
وحبذا راكب كـنـا نـهـش بـه يهدي لنا من أراك الموسم القضبا
قالت لجارتها يوما تـسـائلـهـا لما استحمت وألقت عندها السلبـا
يا عمرك الله ألا قـلـت صـادقة أصدقت صفة المجنون أم كـذبـا ويروى: نشدتك الله ويروى: أصادقا وصف المجنون أم كذبا .
خروج ليلى مع زوجها وشعره فيه
وقال أبو نصر في أخباره: لما زوجت ليلى بالرجل الثقفي سمع المجنون رجلا من قومها يقول لآخر: أنت ممن يشيع ليلى? قال: ومتى تخرج? قال: غدا، ضحوة أو الليلة، فبكى المجنون ثم قال: صوت

كأن القلب ليلة قيل يغدى بليليى العامرية أو يراح
قطاة عزها شرك فباتت تجاذبه وقد علق الجناح الغناء ليحيى المكي خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو، وفيه رمل ينسب إلى إبراهيم وإلى أحمد بن يحيى المكي؛ وقال حبش: فيه خفيف ثقيل بالوسطى لسليم.
وعظه رجل من بني عامر فأنشده شعرا
وقال الهيثم بن عدي في خبره. حدثني عبد الله بن عياش الهمداني قال حدثني رجل من بني عامر قال: مطرنا مطرا شديدا في ربيع ارتبعناه، ودام المطر ثلاثا ثم أصبحنا في اليوم الرابع على صحو وخرج الناس يمشون على الوادي، فرأيت رجلا جالسا حجرة وحده فقصدته، فإذا هو المجنون جالس وحده يبكي فوعظته وكلمته طويلا وهو ساكت لم يرفع رأسه إلي، ثم أنشدني بصوت حزين لا أنساه أبدا وحرقته.
صوت

جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى وفاضت له من مقلـتـي غـروب
ومـا ذاك إلا حـين أيقـنـت أنـه يكـون بـواد فـــيه قـــريب
يكون أجاجا دونكم فـإذا انـتـهـى إليكم تلقـى طـيبـكـم فـيطـيب
أظل غريب الدار في أرض عامـر ألا كل مهجـور هـنـاك غـريب
وإن الكثيب الفرد من أيمن الحمـى إلـي وإن لـم آتـه لـحـبــيب
فلا خير في الدنيا إذا أنت لـم تـزر حبيبا ولم يطـرب إلـيك حـبـيب وأول هذه القصيدة - وفيه أيضا غناء -: صوت

ألا أيها البيت الذي لا أزوره وهجرانه منى إلـيه ذنـوب
هجرتك مشتاقا وزرتك خائفا وفيك علي الدهر منك رقيب
سأستعطف الأيام فيك لعلهـا بيوم سرور في هواك تثيب هذه الأبيات في شعر محمد بن أمية مروية، ورويت ها هنا للمجنون في هذه القصيدة . وفيها لعريب ثقيل أول. ولعبد الله بن العباس ثاني ثقيل. ولأحمد بن المكي خفيف ثقيل.

وأفردت إفراد الطريد وبـاعـدت إلى النفس حاجات وهن قـريب
لئن حال يأس دون ليلى لـربـمـا أتى اليأس دون الأمر فهو عصيب
ومنيتني حتـى إذا مـا رأيتـنـي على شرف للـنـاظـرين يريب
صددت وأشمت العدو بصرمـنـا أثابك يا ليلى الـجـزاء مـثـيب

صفحة : 132

لقاؤه في توحشه ليلى وشعره في ذلك
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثنا مهدي بن سابق قال حدثنا بعض مشايخ بني عامر أن المجنون مر في توحشه فصادف حي ليلى راحلا ولقيها فجأة فعرفها وعرفته فصعق وخر مغشيا على وجهه، وأقبل فتيان من حي ليلى فأخذوه ومسحوا التراب عن وجهه، وأسندوه إلى صدورهم وسألوا ليلى أن تقف له وقفة، فرقت لما رأته به، وقالت: أما هذا فلا يجوز أن أفتضح به، ولكن يا فلانة - لأمة لها - اذهبي إلى قيس فقولي له: ليلى تقرأ عليك السلام، وتقول لك: أعزز علي بما أنت فيه، ولو وجدت سبيلا إلى شفاء دائك لوقيتك بنفسي منه، فمضت الوليدة إليه وأخبرته بقولها، فأفاق وجلس وقال: أبلغيها السلام وقولي لها هيهات إن دائي ودوائي أنت، وإن حياتي ووفاتي لفي يديك، ولقد وكلت بي شقاء لازما وبلاء طويلا. ثم بكى وأنشأ يقول:
أقـول لأصـحـابـي هـي الـشـمـــس ضـــوءهـــا قريب ولـكـن فـي تــنـــاولـــهـــا بـــعـــد
لقـد عـارضـتـنـا الـريح مـنـهــا بـــنـــفـــحة علـى كـبـدي مــن طـــيب أرواحـــهـــا بـــرد
فمـا زلـت مـغـشـيا عـلـــي وقـــد مـــضـــت أنـــاة ومـــا عـــنـــدي جـــــــواب ولا رد
أقـــلـــب بـــالأيدي وأهـــلـــي بـــعـــولة يفـدونـنـي لـو يســتـــطـــيعـــون أن يفـــدوا
ولـم يبـق إلا الـجـلـــد والـــعـــظـــم عـــاريا ولا عـــظـــم لـــي إن دام بـــي ولا جـــلـــد
أدنـياي مـالـي فـي انـقـطـاعـي وغـــربـــتـــي إلـــيك ثـــواب مـــنـــك دين ولا نـــقـــــد
عديني بنفسي أنت وعدا فربماجلا كربة المكروب عن قلبه الوعد
وقد يبتلى قوم ولا كبليتي ولا مـثـل جـدي فـي الـشـقـــاء بـــكـــم جـــد
غزتـنـي جـنـود الـحـب مـــن كـــل جـــانـــب إذا حـان مـن جـنـد قــفـــول أتـــى جـــنـــد وقال أبو نصر أحمد بن حاتم: كان أبو عمرو المدني يقول قال نوفل بن مساحق: أخبرت عن المجنون أن سبب توحشه أنه كان يوما بضرية جالسا وحده إذ ناداه مناد من الجبل:
كلانا يا أخـي يحـب لـيلـى بفي وفيك ومن ليلى التـراب
لقد خبلت فـؤادك ثـم ثـنـت بقلبي فهو مهموم مـصـاب
شركتك في هوى من ليس تبدي لنا الأيام منه سوى اجتـنـاب خبر نوفل بن مساحق مع المجنون
قال: فتنفس الصعداء وغشي عليه، وكان هذا سبب توحشه فلم ير له أثر حتى وجده نوفل بن مساحق. قال نوفل: قدمت البادية فسألت عنه، فقيل لي: توحش وما لنا به عهد ولا ندري إلى أين صار، فخرجت يوما أتصيد الأروى، ومعي جماعة من أصحابي، حتى إذا كنت بناحية الحمى إذا نحن بأراكة عظيمة قد بدا منها قطيع من الظباء، فيها شخص إنسان يرى من خلل تلك الأراكة، فعجب أصحابي من ذلك، فعرفته وأتيته وعرفت أنه المجنون الذي أخبرت عنه، فنزلت عن دابتي وتخففت من ثيابي وخرجت أمشي رويدا حتى أتيت الأراكة فارتقيت حتى صرت على أعلاها وأشرفت عليه وعلى الظباء؛ فإذا به وقد تدلى الشعر على وجهه، فلم أكد أعرفه إلا بتأمل شديد، وهو يرتعي في ثمر تلك الأراكة، فرفع رأسه فتمثلت ببيت من شعره:
أتبكي على ليلى ونفسك باعدت مزارك من ليلى وشعباكما معا قال: فنفرت الظباء، واندفع في باقي القصيدة ينشدها، فما أنسى حسن نغمته وحسن صوته وهو يقول:
فما حسن أن تأتي الأمـر طـائعـا وتجزع أن داعي الصبابة أسمـعـا
بكت عيني اليسرى فلما زجرتـهـا عن الجهل بعد الحلم اسبلتا مـعـا
وأذكر أيام الحمـى ثـم أنـثـنـي على كبدي من خشية أن تصـدعـا
فليست عشيات الحمـى بـرواجـع عليك ولكن خل عينيك تـدمـعـا
معي كل غر قد عصى عـاذلاتـه بوصل الغواني من لدن أن ترعرعا
إذا راح يمشي في الرداءين أسرعت إليه العيون الناظرات التطـلـعـا قال: ثم سقط مغشيا عليه، فتمثلت بقوله:
يا دار ليلى بسقط الحي قد درست إلا الثمام وإلا مـوقـد الـنـار
ما تفتأ الدهر من ليلى تموت كذا في موقف وقفته أو علـى دار
أبلى عظامك بعد اللحم ذكركهـا كما ينحت قدح الشوحط الباري

صفحة : 133

فرفع رأسه إلي وقال: من أنت حياك الله? فقلت: أنا نوفل بن مساحق، فحياني فقلت له: ما أحدثت بعدي في يأسك منها? فأنشدني يقول:
ألا حجبت ليلى وآلى أمـيرهـا علي يمينا جاهـدا لا أزورهـا
وأوعدني فيها رجـال أبـوهـم أبي وابوها خشنت لي صدورها
غلى غير جرم غير أني أحبهـا وأن فؤادي رهنها وأسـيرهـا قال: ثم سنحت له ظباء فقام يعدو في أثرها حتى لحقها فمضى معها.
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال: لما قال مجنون بني عامر:
قضاها لغيري وابتلاني بحبها فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا نودي في الليل: أنت المتسخط لقضاء الله والمعترض في أحكامه واختلس عقله فتوحش منذ تلك الليلة وذهب مع الوحش على وجهه. وهذه القصيدة التي قال فيها هذا البيت من أشهر أشعاره، والصوت المذكور بذكره أخبار المجنون ها هنا منها. وفيها أيضا عدة أبيات يغنى فيها، فمن ذلك: صوت
قصديته اليائية

أعد الليالـي لـيلة بـعـد لـيلة وقد عشت دهرا لا أعد الليالـيا
أراني إذا صليت يممت نحوهـا بوجهي وإن كان المصلى ورائيا
وما بي إشراك ولكن حـبـهـا كعود الشجا أعيا الطبيب المداويا
أحب من الأسماء ما وافق اسمها وأشبهه أو كان منـه مـدانـيا في هذه الأبيات هزج خفيف لمعان معزفي: صوت

وخبر تمانـي أن تـيمـاء مـنـزل لليلى إذا ما الصيف القى المراسـيا
فهذي شهور الصيف عني قد انقضت فما للنوى ترمي بليلى الـمـرامـيا في هذين البيتين لحن من الرمل صنعته عجوز عمير الباذغيسي على لحن إسحاق:
أماوي إن المال غاد ورائح وله حديث قد ذكر في أخبار إسحاق. وهذا اللحن إلى الآن يغنى، لأنه أشهر في أيدي الناس، وإنما هو لحن إسحاق أخذ فجعل على هذه الأبيات وكيد بذلك: صوت

فلـو كـان واش بـــالـــيمـــامة بـــيتـــه وداري بـأعـلـى حـضـرمـوت اهـتـدى لـــيا
وماذا لهم لا أحسن الله حالهم من الحظ تصريم ليلى حباليا
فأنت التي إن شئت أشقيت عيشتي وإن شـئت بـعـد الـلـه أنـعـمــت بـــالـــيا
وأنـت الـتـي مـا مـــن صـــديق ولا عـــدا يرى نـضـو مـا ابــقـــيت إلا رثـــى لـــيا
أمـضـروبة لـيلــى عـــلـــى أن أزورهـــا ومـتـخـذ ذنـبــا لـــهـــا أن تـــرانـــيا
إذا سـرت فـي الأرض الـفـضـاء رأيتـــنـــي أصـانـع رحـلـــي أن يمـــيل حـــيالـــيا
يمـينـا إذا كـانـت يمـــينـــا وإن تـــكـــن شمـالا ينـازعـنـي الـهـوى عـن شـمــالـــيا
أحـب مـن الـسـمـاء مـا وافـق اسـمـــهـــا وأشـبـهـه أو كــان مـــنـــه مـــدانـــيا
هي الـسـحـر إلا أن لـلـســـحـــر رقـــية وإنـي لا ألـفـي لـهــا الـــدهـــر راقـــيا وأنشد أبو نصر للمجنون وفيه غناء: صوت

تكاد يدي تندى إذا ما لمـسـتـهـا وينبت في أطرافها الورق الخضر
أبى القلب إلا حبـهـا عـامـرية لها كنية عمرو وليس لها عمـرو الغناء لعريب ثقيل أول، وذكر الهشامي أن فيه لإسحاق خفيف ثقيل.
رثاؤه لأبيه
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي قال: أنشدني جماعة من بني عقيل للمجنون يرثي أباه، ومات قبل اختلاطه وتوحشه، فعقر على قبره ورثاه بهذه الأبيات:
عقرت على قبر الملوح ناقتـي بذي السرح لما أن جفته أقاربه
وقلت لها كوني عقيرا فإنـنـي غداة غد ماش بالأمس راكـبـه
فلا يبعدنك الله يابـن مـزاحـم وكل امرىء للموت لابد شاربه
فقد كنت طلاع النجاد ومعطى ال جياد وسيفا لا تفل مـضـاربـه وعظه رجل من بني جعدة فقال شعرا


صفحة : 134

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن شبيب عن الحزامي عن محمد بن معن قال: بلغني أن رجلا من بني جعدة بن كعب كان أخا وخلا للمجنون، مر به يوما وهو جالس يخط في الأرض ويعبث بالحصى، فسلم عليه وجلس عنده فأقبل يخاطبه ويعظه ويسليه، وهو ينظر إليه ويلعب بيده كما كان وهو مفكر قد غمره ما هو فيه، فلما طال خطابه إياه قال: يا أخي، أما لكلامي جواب? فقال له: والله يا أخي ما علمت أنك تكلمني فاعذرني، فإني كما ترى مذهوب العقل مشترك اللب وبكى، ثم أنشأ يقول: صوت

وشغلت عن فهم الحديث سوى ما كان منك فإنه شـغـلـي
وأديم لحظ محـدثـي لـيرى أن قد فهمت وعندكم عقلـي شعره في حمام يتجاوب
الغناء لعلويه. وقال الهيثم: مر المجنون بواد في أيام الربيع وحمامه يتجاوب فأنشأ يقول: صوت

ألا يا حمام الإيك مـا لـك بـاكـيا أفارقت إلفـا أم جـفـاك حـبـيب
دعاك الهوى والشوق لما ترنـمـت هتوف الضحى بين الغصون طروب
تجاوب ورقا قد أذن لـصـوتـهـا فكل لكـل مـسـعـد ومـجـيب الغناء لرذاذ ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى.
خروج زوج ليلى وأبيها إلى مكة
واختلاف المجنون إليها
قال خالد بن حمل: حدثني رجال من بني عامر أن زوج ليلى وأباها خرجا في أمر طرق الحي إلى مكة، فأرسلت ليلى بأمة لها إلى المجنون فدعته فأقام عندها ليلة فأخرجته في السحر، وقالت له: سر إلي في كل ليلة ما دام القوم سفرا، فكان يختلف إليها حتى قدموا. وقال فيها في آخر ليلة لقيها وودعته:
تمتع بليلى إنـمـا أنـت هـامة من الهام يدنو كل يوم حمامهـا
تمتع إلى أن يرجع الركب إنهـم متى يرجعوا يحرم عليك كلامها مرض ولم تعده ليلى فقال شعرا
وقال الهيثم: مرض المجنون قبل أن يختلط فعاده قومه ونساؤهم ولم تعده ليلى فيمن عاده، فقال: صوت

ألا ما لليلى لا ترى عند مضجعـي بليل ولا يجري بهـا لـي طـائر
بلى إن عجم الطير تجري إذا جرت بليلى ولكن ليس للطـير زاجـر
أحالت عن العهد الذي كان بينـنـا بذي الرمث أم قد غيبتها المقابـر الغناء لسليم ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي.

فوالله ما في القرب لي منك راحة ولا البعد يسليني ولا أنا صـابـر
ووالـلـه مـا أدري بـأية حـيلة وأي مرام أو خطـار أخـاطـر
ووالله إن الدهر في ذات بـينـنـا علي لها في كل أمـر لـجـائر
فلو كنت إذ أزمعت هجري تركتني جميع القوى والعقل منـي وافـر
ولكن أيامي بـحـفـل عـنـيزة وذي الرمث أيام جناها التجـاور
فقد أصبح الود الذي كان بـينـنـا أماني نفس إن تخـبـر خـابـر
لعمري لقد أرهقت يا أم مـالـك حياتي وساقتني إليك الـمـقـادر خبر الظبي الذي ذكره
أخبرني عمي قال حدثني محمد بن عبد الله الأصبهاني المعروف بالحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال: حدثني بعض بني عقيل قال: قيل للمجنون أي شيء رأيته أحب إليك? قال: ليلى، قيل: دع ليلى فقد عرفنا ما لها عندك ولكن سواها، قال: والله ما أعجبني شيء قط فذكرت ليلى إلا سقط من عيني وأذهب ذكرها بشاشته عندي، غير أني رأيت ظبيا مرة فتأملته وذكرت ليلى فجعل يزداد في عيني حسنا، ثم إنه عارضه ذئب وهرب منه فتبعته حتى خفيا عني فوجدت الذئب قد صرعه وأكل بعضه، فرميته بسهم فما أخطأت مقتله، وبقرت بطنه فأخرجت ما أكل منه، ثم جمعته إلى بقية شلوه، ودفنته وأحرقت الذئب، وقلت في ذلك:
أبى الله أن تبقى لحـي بـشـاشة فصبرا على ما شاء الله لي صبرا
رأيت غزالا يرعتي وسط روضة فقلت أرى ليلى تراءت لنا ظهرا
فيا ظبي كل رغدا هنيئا ولا تخف فإنك لي جار ولا ترهب الدهـرا
وعندي لكم حصن حصين وصارم حسام إذا أعملته أحسن الهـبـرا

صفحة : 135


فما راعني إلا وذئب قد انتـحـى فأعلق في أحشائه الناب والظفـرا
ففوقت سهمي في كتوم غمزتـهـا فخالط سهمي مهجة الذئب والنحرا
فأذهب غيظي قتله وشفـى جـوى بقلبي إن الحر قد يدرك الـوتـرا شعره وقد بلغه أن زوج ليلى سبه
قال أبو نصر: بلغ المجنون قبل توحشه أن زوج ليلى ذكره وعضهه وسبه وقال: أو بلغ من قدر قيس ابن الملوح أن يدعي محبة ليلى وينوه باسمها فقال ليغيظه بذلك:
فإن كان فيكم بعل ليلى فإنـنـي وذي العرش قد قبلت فاها ثمانيا
وأشهد عند اللـه أنـي رأيتـهـا وعشرون منها أصبعا من ورائيا
أليس من البلوى التي لا شوى لها بأن زوجت كلبا وما بذلت لـيا خبر رفقة أبوا صحبته إلى رهط ليلى
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال: خرج المجنون في عدة من قومه يريدون سفرا لهم، فمروا في طريق يتشعب وجهتين: إحداهما ينزلها رهط ليلى وفيها زيادة مرحلة فسألهم أن يعدلوا معه إلى تلك الوجهة فأبوا، فمضى وحده وقال: صوت

أأترك ليلى ليس بيني وبينـهـا سوى ليلة إني إذا لـصـبـور
هبوني امرأ منكم أضل بعـيره له ذمة إن الـذمـام كـبــير
وللصاحب المتروك أعظم حرمة على صاحب من أن يضل بعير
عفا الله عن ليلى الغداة فإنـهـا إذا وليت حكما علي تـجـور الغناء لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن عمرو وفيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش، وفيه لابن المارقي خفيف ثقيل عن الهشامي، وفيه لعلويه رمل بالبنصر.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

تصميم و وتركيب انكسار ديزاين

جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 01:36 PM.




Powered by vBulletin Version 3.7.3
جميع الحقوق محفوظة لشبكة قامات الثقافية 2008
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009