عالم من الإبداع

 

    

آخر 15 موضوع
ـــ أبقيـ معيـ ـــ           »          وحِضنُ الحوضِ من خزفِ           »          وأشرب ُ شايا جديدا /للشاعر العراقي : وهاب شريف           »          قولوا لمن قد رافقوا شجوني           »          بعد إدمانيَ شهدكْ           »          عشقك جنون           »          أمي           »          ..مــؤلـمـ...           »          اعتذار بنكهة شعر           »          تأيّنوا بمحدٍ           »          ارتعاشـــــــــــة ..... شعر:مهند الياس           »          (( الشَّامُ شَاميْ ))           »          وإن أوتَرَتْ بالهمس ينفلق الإبا           »          ثوري يــــــ أمي وزلزلي           »          ثرثرة / بلا قيود



حصريات المنتدى

                                            

العودة   شبكة قامات الثقافية > قامات الفكرية الثقافية > اقرأ

رد
قديم 06-07-2006, 08:29 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : اقرأ
افتراضي مختارات من نصوص مسرحيّة

.


مختارات من نصوصٍ مسرحيّة




.












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 08:33 AM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

مملكة الضمير الوهميّة
( في سلّة شبيهة بمخّ الإنسان )
السيّد مرتضى الحسيني

الشخصيات:
رجل تائه/ ( يبحث عن نفسه)

ممثل المجموعة / ( اختير من قبل المجموعة ليمثلهم)

المجموعة / ( اشخاص في داخل السلة)

شيخ المجموعة / ( اكبر افراد السلة عمرا)

المكان / حدث في دنيا الضمير المجهول



نشاهد في البدء رجلين وسلة فيها عدة أشخاص، ولكن في أماكن متباعدة متفرقة بعض الشيء...

المسرح يقسم الى قسمين ، قسم فيه سلة كبيرة ترى من قبل أصحابها ، ولا يراها الرجل الذي يتكلم مع نفسه ويبحث عن شيء مبهم...

السلة تعبرعن شكل (مخ انسان) تجمعت فيه اشكال إنسانية غريبة

الجانب الثاني ، فيه رجل يبحث عن شيء ، ويحمل فانوسا في وضح النهار

وفي أثناء بحثه يرتطم الرجل بشيء لايراه وكأنه زجاجة عديمة اللون، تبدا محاورة بين شخص يرى الرجل ، فيما الرجل لايراه

(الاشكال في داخل السلة أو القفص ، تتحرك حركة بطيئة محمٌَلة بالقصدية والمعنى ، وبعدها يسكنون ، يساعد أحدهم الآخرمن دون أنْ يحسٌ الآخر بأيٌ جهد في الكلام أو جلب أي شئ في داخل السلة)

، مثلا أحدهم يفتح فمه، والآخر يجلب له قطعة من الطعام ويضعها في فمه ،

وحركة اخرى، بالعكس الرجل الذي يأكل يسقي الآخر ماءً وحركات أُخرى مقصودة ..

موسيقى وإضاءة خافتة

- التائه : (بعد أن يصطدم ..) يا إلهي من أنت؟ ماهذا الشكل الغريب؟!

- ممثل المملكة : أنا من مملكة السلة

- التائه : مملكة السلة

- ممثل المملكة : نعم ألا تعرف بأن هناك مملكة اسمها مملكة السلة ؟

- الرجل التائه : (محاولا التذكر وبعد برهة من السكينة) : لا.. في الحقيقة لأول مرة اسمع بهذا الاسم

- ممثل المملكة : هم م م م... إذن ! اذا أنت لم تسمع من قبل بهذا المملكة ؟! ولكن ألا تُبصر وترى أيضا؟

- التائه / ( بتلعثم) لا لا لا.. أنا أرى كلًًٌَ شيء بوضوح

- ممثل الممكلة : ها ها ها ... (وهو يصك أسنانه مشددا على كلماته) لالا... أنتم هكذا ياابناء هذه المملكة.. لا ترون.. قد تسمعون، ربما تسمعون فقط.. تسمعون ..

- التائه : نحن؟!

- ممثل المملكة: نعم أنتم

- التائه : لماذا تكلمني بهذا الأسلوب؟

- ممثل المملكة : لأني لا أجدك تبصر شيئا

- التائه : كيف وأنا أراك

- ممثل الممكلة : نعم انت تراني لأني عكست فيك الرؤية، ولكنك لاترى مملكتي

- التائه : أيٌ مملكة تتحدث عنها ؟

- ممثل المملكة : انظر أيها المدعي بأنك تبصر،أنا أعيش في مملكة تسمٌى مملكة السلة (يشير إلى السلة التي تبدو على شكل مخ انسان، ولكن الشخص الآخر " التائه" لا يراها)

- التائه : أولاً أنا لا أرى شيئا مما تشير إليه ، وثانيا : من سمٌاكم بهذا الاسم؟

- ممثل المملكة : نحن أبناء المملكة سمينا أنفسنا هكذا..

- التائه : إذن لماذا اسم (السلة)؟

- ممثل المملكة : لأن السلة تستوعب كل شيء ونحن كل شيء عندنا

- التائه : ماذا عندكم إذن ؟ أخبرني

- ممثل المملكة : أولا ً يجب أن ترى السلة ثم أخبرك

- التائه : كيف أرى ممكلتكم هذه

- ممثل المملكة : اقترب مني وسترى كل شيء

- التائه : يقترب منه ويريد أن يلمسه ، وإذا بصعقة كهربائية قوية تهزُ كلٌَ بدنهِ ويصرخ ..اخ ...اخ ...اخ

- ماهذا يا إلهي لقد صعقت !!!

- ها.. ها.. ها.. ها.. (اصوات ضحك وقهقهة غريبة من المجموعة ،وكائنات حية، كلهم في مكان مبهم)

- التائه : ماهذا أنا لا أرى سواكَ في حيز الفراغ والهواء ، فكيف صعقت بهذه الكهرباء؟

- ممثل المملكة : أنتم تسمونها كهرباء؟

- التائه : نعم نحن نسميها هكذا

- ممثل المملكة : نحن نسميها حيز المملكة

- التائه : ياربي أي مملكةٍ ؟أنا لا أرى شيئا..

- ممثل المملكة : أتريد أن تجرب مرة أُخرى

- التائه : لا. لا. أرجوك الأولى الله ستر، يا عالم ماذا يحدث لي في الثانية؟

- ممثل المملكة : إذن اسمع .. هذه المملكة هي قطعة من الأرض ، الأرض بكامل ماتحتويه ، ونحن اقتصيناها لنا فقط

-التائه : إذن !هل من الممكن أن تخبرني من أنتم

- ممثل المملكة : نحن ، نحن أصحاب الخير، لانملك الخداع، ولانفسد في الأرض، بل نعمرها

- التائه: وبعد؟

- ممثل المملكة : نحن نساعد بعضنا بعضا

- التائه : أي بعضٍ وأي بعض آخر؟

... أنا لا أرى إلا أنت وبعض الاصوات والهذيان..

- ممثل المملكة : نعم أنا أُمثلهم في الخروج لهذا اليوم

- التائه : آها، إذن عندكم نظام؟

- ممثل المملكة : نعم نحن عندنا كل شيء

- التائه : والباقون كيف أراهم

- ممثل المملكة : إقترب.. إقترب... لا تخف

- (يقترب الرجل بحذر....)

- يُخرج له ممثل الممكلة قاروة وهمية من جسده الوهمي ويقول: اشرب لترى وتبصر

- يشرب الرجل بحذر ، وإذا به وبعد فترة قصيرة يرى أشياء عجيبة

- اها ... ياإلهي ماهذا يكاد يغشى عليٌَََ مَنْ هولاء... ولماذا هم هكذا؟؟

(الصورة توحي له بأن هناك اُناس غير عاديين من الجمالِ والكمالِ والذروة في الخلقِ والخليقة)

- التائه : أي صورةٍ أرى ، ما هذا الجمال ، ولماذا يسكنون هنا؟؟

- المجموعة: كلهم في داخل السلة يقولون بوتيرة واحدة وصوت موسيقي) اهلاً يا أخانا من الذي جاء بك من دنيا الهروب ..

- التائه : آها... ارى.. أنتم الهاربون من تلك الدنيا

- ممثل المملكة : لا... ماهذا ؟ لماذ دائما تتكلم بالعكس وتقلب الاُمور

- التائه : كيف قل لي؟

- ممثل المملكة : لأننا لم نهرب من الدنيا بل إن الدنيا تعطي القبيح مكاناً قبيحاً والجميل مكاناً جميلاً

- التائه : آها ، ممكن سؤال؟

- ممثل المملكة : نعم تفضل وسَلْ ماشئت

- التائه : هل عندكم أسماء تنادون بها بعضكم بعضا ؟

- ممثل المملكة : نحن كلنا باسم واحد

- التائه : كيف اسم واحد

- ممثل المملكة : نعم اسمنا واحد هو (دنيا، حق، عدل، سماء، ارض، ماء، هواء، زرع ، عطف،..)

- التائه : هذه مغالطة لأنك تقول اسمنا واحد وبعدها تردد كل هذه الأسماء

- ممثل المملكة : اسمع يا أخي !!!

(إن كلٌَ هذه الاسماء تنتمي إلى اسم واحد ومعنى واحد)

- التائه : كيف قل لي؟

- ممثل المملكة : إن كل الأسماء التي سمعتها هي بمعنى واحد بالنسبة لنا ،لأننا نضعها في مفهوم واحد

- التائه : وما هو هذا المفهوم علمني..

- ممثل المملكة : مفهوم فيه أزمة عندكم

- التائه : ازمة.. ماذا تعني!!

- ممثل المملكة : أعني (الإنسانية) هل فهمت ..

وكل هذه الاسماء هي دلالة لرسالة مغزاها) يا إنسان ... كُنْ إنسانا

صمت) وتفكرمن الرجل ... (ثم نظرة بتعجب واستغراب) ثم يقول:

- اها . اها .. لقد استجد عندي موضوع آخر

- ممثل المملكة : قل ماهو الموضوع

- التائه : انا أرى أحدكم يشير الى شيء، ماذا يريد؟ ولماذا لايتكلم؟

- ممثل المملكة : نحن أحرار والحر تكفيه الإشارة ..

- التائه: )يحدث نفسه) الحمد لله إن هذا المثل يقال عندنا ويُتلَفٌَظ به فقط ولايعمل به ولكني سأصمت حتى لا أزيد من فضائح مملكتي)يكلم ممثل المملكة).. احم.. احم.. كيف؟ هذا شيء غريب؟!

- ممثل المملكة : نعم في مملكتنا ، عندما يريد أحدنا شيئا يحس به فقط ،وبعدها يجلب له من المجموعة لأن المجموعة عبارة عن مكوٌَنات أو أجزاء جسد واحد واحساس واحد يتفاعل ويتعاضد

- التائه: اها.. اها.. إذن أنتم ملائكة..

- ممثل المملكة : لا ليس بهذا المفوم

- التائه : )مع نفسه) أنا أحس في داخلي صوت ورعد.. قلق برق ..أصوات ، لا أعرفها ..وأمور أخرى أحس بها ولكن لا أعرفها هي الأخرى

)برهة يسلط الضوء على حامل الفانوس وهو يواصل البحث والتفتيش عن شئ ما(

- أحد أفراد المملكة يتكلم : )إن الخمرة بعد الكأس الأولى تهتم بأمرك تدفيء ساقيك الباردتين (

- التائه : اها وعندكم خمرة ٌ أيضا

- ممثل المملكة : لا ليست خمرة كما هي التي عندكم ، لأن خمرتنا بالعكس تهتم بالإنسان ولاتذهب عقله...

- التائه :إذن أنتم تعيشون وتتصرفون عكس مانتصرف

- ممثل المملكة : وليس هكذا ايضا، ولكنكم وبكل صراحة فقدتم أوصاف الجمال فقلبتم الحقيقة في الرؤية

- التائة: وماذا عندكم بعد؟

- ممثل المملكة : عندنا نحن نجمع كل ماهو بخيل ، أو قل : إن كل شيء عندكم كريم عندنا بخيل

- التائه : وهذه مغالطة ثانية لأنني أعرف أن البخل شيئ سيئ ..

- ممثل المملكة : نعم سيئ عندكم، أما عندنا فالبخل له معنى آخر ، فهو في كل ماهو قبيح ، لاتقلق سأعطيك مثالا..

مثلا عندنا بخل في الظلم ، وبخل في الخوف، وبخل في القتل ، وبخل في الاستبداد، وبخل في أكل حقوق الآخرين ،وبخل في جمع الأموال، وبخل في استهلاك الطبيعة

- التائه / يسأل نفسه) ، ياإلهي ما أحلى مملكتهم وما أغربها! إنها تجمع بين الجمال والغرابة

- ممثل المملكة : أخي... ما بك؟

- التائه : اها. اها .. ياأخي راودني شعور بأن أنظم إلى مملكتكم الجميلة...

- ممثل المملكة : كيف عرفتها جميلة وانت لم تسكن فيها بعد؟

- التائه : لأنني أبحث عن هذا المكان منذ زمان

- ممثل المملكة : ولماذاا؟

- التائه : لاني أبحث عن نفسي...

- المجموعة تصرخ.. تباشير خير... تباشير خير... تباشير فجر: لقد جاءنا واحد من مملكتهم يبحث عن نفسه، فهل توافقون في ضمه الينا ؟

- التصويت ، كلهم ..لا... لا... لا

- التائه: يا الهي لماذا لا؟ ، أنا أُريد أن أنظم إليكم ...

- ممثل المملكة : يا أخي لاتتعجل ... فلائنا... (يهز رأسه في إشارة ل... نعم(

- التائه : اها ، عرفت أنكم قلبتم ماعندنا من ظلمٍ وزيفٍ وما نتعامل به من قسوةٍ وجشعٍ حتى وصلتم إلى ماوصلتم إليه في هذه المملكة...

- ممثل المملكة : إذن عزيزي تفضل بالدخول، لأنك بدأت تفهمنا

- التائه : (يراوده) شعور بالخوف، خطوة تجره الى الأمام وأخرى إلى الخلف ، وبعدها يصيحون به: ادخل .. ادخل

(يدخل الرجل مسرعا من شدة الخوف والهلع)

- المجموعة : تؤكد له : أنه سوف يكون في المملكة الجديدة بكل أمان وخير...

- التائه: ( يدخل) ماهذا ، إني أعرفك يا إحساس .. وأيضا أعرفك يا عطف... وأنت أيضا يا حب أعرفكِ... (باشارة منه إلى كل واحد في المجموعة) ولكنني كما يبدو قد نسيتكم في برهة من عمري أو أضعت طريقي إليكم

- المجموعة : نعم نحن أيضا نعرفك لكن انت وابناء مملكتك تهربتم منا كثيرا،

والآن ولله الحمد بدأتم ترجعون إلينا ولو فرادى

- التائه : اها ، يجب أن أتذكر.. (يضرب جبينه بيده ضربات قوية ويقول مرددا)، تذكر تذكر أيها الغافل ، (وبعد برهة) يصيح : وجدتها وجدتها... لقد عرفت

- الكل يقولون: ماذا عرفت ( ولكن بابتسامة عريضة وعيون مفتوحة مبحلقة )

- التائه: عرفت بأنني رجعت إلى ضميري الحي ، الذي سرقه مني بعض من الذين شوٌَهوا مملكتنا وامرضوها

- شيخ المجموعة( يقول وباشارة إلى المملكة الأخرى): أيها الأخوة .. فتشوا عن ضمائركم حتى لو كان الضمير قد ذهب الى مملكة الوهم حيث الأشياء مختفية لا ترى إلا بحكمة دفينة في الأنفس

- كلهم يصيحون قائلين: أيها الكاتب سجل عندك في الهواء الطلق ، لقد كسبنا واحدا لمملكتنا التي يسميها المضللون المملكة الوهمية

(الكاتب يسجل بأصابعه في الهواء... وبعدها يقول): لقد سجلت ..

(صمت من قبل المجموعة : بعدها يقومون باداء اشارة موحدة لرجل آخر كي يخرج الى خارج السلة ليبدأ مهمة جديدة لصحوة ضمير جديد)

- يخرج الرجل من السلة ويقول: (في حركة تفتيشية في الهواء) سأبحث عن شخص آخر ،بدأ رحلة البحث والتفتيش عن الصحوة والضمير الحي... بلى ... عن ضميره

(ثبات الممثلين عن الحركة ، انقطع الصوت وران الصمت على الجميع)

لا أحد يعلم أن النهاية حلت ولكنٌ أحد التائهين يشرع بالتصفيق من بين الجمهور، ثم يتبعه آخر من فيصفق ويتابع على الركح وفي القاعة تعالى التصفيق يصفقون الباقون.

تسدل الستارة ...

النهاية...

تأليف/ السيد مرتضى الحسيني

مالمو - السويد












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 08:42 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الـ ( فيما بعد ) / مونودراما
عبد الحسين ماهود

هي : (تطل بنظرها على شرفة القوام. تتطلع إلى أن تزدان الشرفة بإطلالته)

صوت القوام : (معلنا عن قرب حضوره البهي) كي اطل الصبح على أهبة من نظر..انثري شعرك وارتدي حلة من جنون

هي : (تمتثل لحالة من الجنون) ها إن الجنون يرتديني وينثر شعري ويمد يدي معبرا صوب شرفتك. لك أن تستقبل هطول الفجر إذن

(تبزغ الشمس مبددة ظلمة السماء)

صوت القوام : لك الشرفة إذن ولي أن اطل

هي : ها إني أطوق الشرفة بنظراتي

(يضاء من الشرفة حيز يكفي لقوام بهيئة وردة)

القوام : (يظهر على هيئة الوردة) عمت صباحا

هي : يا لروعة صباح أنت فيه

القوام : وأنت أيضا

هي : أنا وأنت

القوام : هل لك أن تقولي..

هي : ماذا أقول؟..

القوام : قولي.. احبك

هي : احبك.. بكل الألق الذي تجهش به العين

القوام : يفيض هذا الألق ، يملأ كل الطرقات

هي : يعربد في الطرقات

القوام : له ما شاء أن يعربد

هي : ولي أن أشم أريجك (تمد يدها صوب الشرفة.تقطف القوام – الوردة – تضعه وسط الصدر وترقص بفرح وكبرياء على أنغام موسيقى رومانسية ساحرة. تستمر في الرقص إلى أن ترعد السماء رعدا يطغي على صخب الموسيقى. ثمة رعب ينتابها فتسقط الوردة منها وتزداد أوصالها ارتجافا. تقاوم بصعوبة) لا لن تتشبث الأقدام في أماكن تنأى عن الحب. سأركل بأقدامي مثل تلك الأماكن (تبحث عن الوردة المفقودة. تقاوم حتى تنهار. تغط في غيبوبة. تصحو) احبك.. اطلقها في وجهك المتلفع بالنرجس والمكابد للغياب (تتطلع بشحوب إلى الشرفة المهجورة) ها قد أشعل الماء بجنوني ومضى.. كأن الذي بيننا ما عاد إلا موعدا للرحيل (تصرخ) ولكني احبك ، بكل حرائق جنوني التي لن تخمد قط. (تطيل النظر إلى الشرفة) أشرفتك تلك؟.. لكنها بلا معالم من قوام كما يدي ، التي ما عادت تصلح معبرا صوب الشرفة.

من أين لي بوجهك أيها البهي؟.. كأن الذي بيننا ما عاد غير موعد يسقي الوهم بمطر محزون ، يزهر الذكرى على ارض من الم (تتمدد على الأرض محزونة)

(يهبط على الشرفة قوام بهيئة وردة حمراء مموهة ومتدرعة بخوذة يعلوها عشب ذابل)

هي : من اقلق رقادي؟.. أعدت مرة أخرى؟.. لكن وجهك يتلفع بالدخان وكأنك ترتدي حلة من شجر يابس كالشحوب. عدت وكأنك لا ترغب في أن تقطف معي ثمار الأبدية. حلتك من خواء وساعدك يشمر عن رمح أغمدته في خاصرة الحب كي تستحيل خاصرة للحرب. هل احبك؟.. لا. لقد أسقطت الحب بالضربة القاضية، غيرت بالحرب وجه العالم. الحرب تتربص بك ، تحيل حضورك شائعة وزوالك أوان.

(تستغرق في تفكير عميق) سأرتدي أحذية من شائعات ، تعينني على أن ادفع بأوان الزوال قليلا إلى خانة أل (فيما بعد).. (تستبدل أحذيتها وتعود إلى تأمل القوام)

وقوفا على ضفة من الصمت بحلة من الشجر اليابس هذا. لم لا توميء لي بالسلام؟.. الأن السلام فقاعة ، وليس للاماني غير خريف؟.. أهذا بهاؤك الذي استحال رقما في حشد يبحث عن سيل من حمم؟.. اليس للحمم غير أن تعبث بالحشد؟.. (ينتابها الرعب فتتراجع) لا. بيني وبينك أرض من الخوف تطوقها فوهات الحرب لا الحب. بيني وبينك لا حب أتوسل به إليك في أن ترد لي عقلي حتى أموت ، على أن لا أراك في قبري. حتى أموت كي لا أراني وحيدة.احتفظ بخوذتك إذن حتى أطلّق شائعاتي ، تلك التي تأتي بابن آوى على انه الذئب (تستغني عن حذائها بينما يختفي القوام من الشرفة) ليغير الحرب وجه العام حتى تتحول المدينة منفى على شكل قفص. قفص بقاع يتيح للهاوية أن تكتب فصولها، وللقهر أن يستبد بالروح حتى تتنكر لمسراتها ، ولليل أن يطبق على زمن خرب يمنح الوحشة جوازا للبقاء. ولكن.. (ترتعش خوفا) في ظلمة الليل.. ماالذي تفعله امرأة وحيدة؟.. ياالهي.. ما غير الشــــائعة قد يرد حقيقته إلي؟.. (تلفها الحيرة. تدور. تعثر على قفاز ابيض) سأرتدي قفازا من وقائع لا تراهن على صفاء ذهن بلا مخيلة (تخطو نحو الشرفة باحثة عن قوام) بيني وبينك أرض من كبرياء ، تطوقها فوهات حب مزروع بالصمت الساتر لعنفوانه. ها إني أوميء بالسلام عليك وانتظر أن لا أموت وحيدة. عد إلي حتى بوجنة من عظم بارز ، حتى بملامح مصفرة ورأس أشيب. سأقول لك إن القلب يدق والروح تنعم بخضرتها.

(يهبط على الشرفة قوام بهيئة كتاب)

هي : (تمسك بالكتاب. تفتحه وتقرأ) قد تجندل الوردة حلة من خواء يرتديها القهر ، حين يتنكب سلاح الفقر ليصيب بالجوع الأحشاء؟.. قد تفقد الوردة رحيقها أو قد يغني ذبولها عن جوع.. عندها سننصب للوردة تذكارا للبسالة (تصرخ منهارة. يقع الكتاب من بين يديها. تغالب انهيارها وتهتف) اصنعوا التذكار إذن على هيئته. انصبوه قبالة روحي.. كي استمد من هيئته الرجاء. سيظلل الرجاء جبهتي بناصع البياض

تأليف/ عبدالحسين ماهود












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 08:46 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

حديث البوح
فهد ردّه الحارثي


المنظر :

المسرح مفتوح إضاءة خافته على الخشبة يتضح منها بعض القطع البالية معلقة في إرتفاعات مختلفة ويمكن أن تكون القطع من الخيش أو القماس طاولة صغيرة تتوسط المسرح مغطاة من الاسفل بقطع قماش بيضاء من الامام وداكنه من الجوانب والخلف.



· بداية العرض :

حالما يحين وقت بداية العرض.. يظلم المسرح والصالة تماماً.. تنطلق إضاءة خافتة من مصدر ضوئي قد يكون شمعة أو كشاف يدوي معلق تحت الطاولة.. حيث يتواجد الممثل الذي يقوم بدور صوت واحد مع وجود خلفية لاأصوات غرائبية يخرج معها الممثل بعض أعضائه من خلال قطعة القماش الأمامية ثم يمزقها وخلال تلك الفترة يكون هنالك دش إضاءة علوى خافت على الطاولة حالما تتضح ملامح ممثل {صوت واحد} تختفى الإضاءة من الدش العلوى مع سكون في حركة {صوت واحد} الذي يبقي تحت الطاولة مع مصدره الضوئي.



يدخل صوت (2) المسرح يشعل أكثر من عود ثقاب يقترب من بعض القطع البالية يحاول تجسيدها باستخدام عود الثقاب كاضاءة بحيث يتجسد منها تجسيدات مختلفة واشكال جمالية للخيش بمصاحبة مؤثر مناسب.



صوت (2) يشعل صوته ".. هيه.. هيه " يرفع صوته تدريجياً "

صوت (2)

أنا هنا.. هل .. هل يسمعني أحد.. هل هنالك أحد غيري في هذا المكان.. ماهذا الظلام الدامس !!



يشعل عود ثقاب وأخر – وثالث – ورابع و يبدأ في البحث في الفراغ

صوت (2)

ماهذا المكان الموحش.. هل تسكن الوحشة في صدري أم أن الظلمة

تسكنني داخل هذه الوحشة.

يعيد إشعال عود ثقابه مرة أخرى محاولاً إكتشاف فضاء هذا المكان مع تفجر وحركة عير مستقرة لصوت (1) داخل المنطقة تحت الطاولة.



صوت (2)

أعرف أن الظلمة تستكين حتى تتمكن منك.. ثم تحول فضاءك نحو الخوف يولد الوحشة والوحشة تقتات منك مالي ولهذا الملل الكلامي.

صوت (2)

مرة أخرى أنا أصرخ " هيه هيه" هل يوجد أحد هنا إذا كان هنالك أحد

فليسمعني صوته..

ينطلق صوت (1) بهمهمات ترتفع تدريجياً مع بحث جاد لصوت (2) عن المصدر لهذا الصوت

صوت (2)

أكاد اسمع صوتك يزيل عني بقايا وحشة لازالت معلقة بصدري. صدقني

أكاد أحس بك لاأراك المكان مظلم تماماً.. أرفع صوتك أكثر.. لعلي

أشعل عود ثقاب جديد يرشدني لمكانك.

صوت (1) " ينطلق غاضباً "

احذر لاتشعل شيئاً سبنفجر المكان.

صوت (2) " يطفىء بخوف عود ثقابة "

ماهذا المكان ؟ ومن أنت وماهذا الذي سينفجر.. أين أنت أريد أن أراك.

صوت (1)

أنا هنا قابع تحت الطاولة..

صوت (2)

أين هى الطاولة التي تدعيها ثم ماهو الشىء الذي سينفجر هنا.. هل توجد مواد مشتعلة هنا..

صوت (1)

عندما تشعل عودك سانفجر أنا

صوت (2)

كلامك غير منطقى.. دعني اشعل عود ثقابي لعلي أراك.

صوت (1)

قلت لك لاتشعل شيئاً المكان سينفجر.

صوت (2)

أنت تسخر مني.. لاشك عندي في ذلك مرة تقول المكان سينفجر

ومرة تقول أنت ستنفجر.. من أنت.. !!

صوت (1)

أنا المكان..

صوت (2)

هل هذا هو اسمك.

صوت (1)

قد يكون كذلك..

صوت (2)

وقد لايكون كذلك ماهذا الغموض الذي يسكنك ؟

صوت (1)

قد تكون الأمور واضحة وأنت لاتراها لقد تعودت أن أعيش في الظلمة أو في ضوء شحيح وهذا يجعلني أرى الأشياء أكثر وضوحاً منك.

صوت (2)

أعتقد أنك تخادعني.. دعنى أعترف لك بشىء لقد اشعلت عشرات الأعواد ولم ينفجر شىء أيها السيد المكان لاحظ ماسافعل..

"" يشعل عود ثقاب ""



صوت (1)

قلت لك لاتشعل عودك اللعين هذا..؟

صوت (2)

لماذا تخاف النور.

صوت (1)

اخشى أن تستنفذ طافتك فتذبل قد تشعل نفسك بعودك فتحترق.

صوت (2)

هل سانفجر أنا أيضا.. كن صريحاً.. هل تخاف مني أم علىّ..؟

صوت (1)

أخاف أن تكرر ماحدث.

صوت (2)

وماذا حدث.

صوت (1)

تلك قصة طويلة.

صوت (2)

اسـمع ساشعل شمعه ستكون خاصة بي لن تراها وتفضل أحكى لي

قصتك الطويلة.

صوت (1)

احذرك مرة أخرى لاتستنفذ طاقتك فقد تحتاجها إني أراك الان ولكن دون إستخدام هذه المثيرات البصرية.

صوت (2)

وأنا لا أستطيع أن أراك فالمكان معتم وحالك وأسود.

صوت (1)

حدق جيداً في هذا الفضاء الواسع الجميل سترى أشياء كثيرة.. اشعل حدقات عينيك سترى كل ماتريد دون إستخدام هذه المثيرات.

صوت (2)

لاغنى لنا عن هذه المثيرات .

يشعل شمعة.. يقترب من الطاولة

صوت (1)

أرجوك اطفىء هذا الشىء الذي بيدك.

صوت (2)

هى تضىء المكان.. هل تسمح بأن أرى وجهك.

صوت (1)

دعـنى أريـحك لك فـوق الـطاولة ولي تحت الطاولة وكل شخص حر في مكانه.

صوت (2)

ليكن لك ذلك.. يسحب بواسطة التنفس ضوء الدش العلوي

تتضح الصورة

المـسرح بـه عـددمـن الـممثلين موزعين ويحملون حقائب في إيديهم وهم في حالة جمود.
صوت (1)

ماهذه الحرارة ؟.. ماذا فعلت في الأعلى.. !!

صوت (2)

قسمنا المكان بيننا.. وليس لك حق التدخل في مكاني.

صوت (1)

كان المكان كله لي.

صوت (2)

وأنت وهبتني النصف /.. شكراً لك../ معذرة هل يوجد مايثبت

أمتلاكك لهذا المكان.

صوت (1)

" بغضب " ألم تجدني فيه قبلك.. !!

صوت (2)

وهل يعتبر وجودك قبلي حجة دامغة على أن المكان لك أعتقد أن الناس شركاء في ثلاث.

صوت (1)

لا أعتقد أن الطاولة من ضمنهم.

صوت (2)

حسناً ليظل كل منا في مكانه.

" يشعل صوت (2) عدد من الشموع على الطاولة بينما يخرج صوت (3) من تحت الطاولة ويطفئ بعض الشموع بينما يعاود صوت (2) إشعاله مرة أخري"



صوت (1)

" بتوسل " أرجوك المكان سيضيء بالكامل إذا استمريت في عملك هذا

صوت (2)

وما المشكلة في ذلك.. لاشيء ينفجر هنا.

صوت (1)

أنا لم أتعود على هذا الصخب اللوني .

صوت (2)

جرب وستتعود ذلك.

صوت (1)

أنا أعرف ذلك الشعور جيداً لقد جربته قبلا وأعرف حقيقة طعمه.

" صوت (2) يجلس على الطاولة وصوت (1) تحت الطاولة وفيما بعد في كل الحوار تكون الحركة حول وفوق وتحت الطاولة كمركز للحركة "

صوت (2)

تتحدث عن خبرة منذ متى وأنت هنا.. ماهي قصتك مع هذا المكان.

صوت (1)

قصتي طويلة هل لديك وقت لسماعها.

صوت (2)

وماذا لدينا هنا سوى الثرثرة والحركة.

صوت (1)

ذات وقت خرجت من مكاني الأول.. شعرت بغربة تسكن في محيطي أصبحت غريباً عن كل ماحولي تفاصيل المكان والزمان غابت عن عالمي.. الوجوه العابرة الأسماء التي لاتعنى شيئاً.. الخوف من الفراغ الذي يحيط بك من المجهول القادم هل شعرت قبلاً بمثل هذا الشىء.

صوت (2)

تكاد تتحدث عنى.. ما أقرب ماتقول مني.. اكمل.. اكاد أشعربك في داخلي.

صوت (1)

..المهم.. خرجت أبحث عن ذاتي المفقودة.. وصلت لهذا المكان كنت أشعل أعواد الثقاب والشموع وكل وسائط الإضاءة.. ولكني استنفذت طاقتي ولم يعد لي القدرة على المسير توقفت هنا لعل من يأتي يشعل في داخلي ما يحرضني على إكمال عملية البحث.

صوت (2)

الأمور تتضح لهذا كنت تحذرني من الإشتعال ومن استنفاد الطاقة..

ولكن هاهي طاقتي تملأ المكان.

يحركان الطاولة نحو بقعة ضوئية أخري

صوت (1)

ها أنت تتوصل لما أريده.. في هذا المكان يحضر الكثيرون وهم في حالة

من البحث وعندما يفقدون مصادرهم يتجمدون أو يرحلون.

صوت (2)

أنت أنا.. هكذا تصورت الأمر.. كنت وأنت تتحدث كأنك تقول عني.. الفرق أني كنت أبحث عن نفسي في كل مكان وكنت أكسب مصادر الضوء في كل مكان أبحث عن نفسي به.

صوت (1)

.. أحذر.. لا تجازف باسـتـنزاف هذه المصادر فنحن بحاجة لها سأتمكن من خلالك وخلال مصادرك أن أشعل نفسي مجدداً لمواصلة بحثي عن ذاتي

صوت (2)

مالذي يجعلك متأكداً من أني سأزودك بمصادري.

صوت (1)

أولاً أنا تركتك تشاركني طاولتي.. ثم إني حذرتك من باسـتـنزاف مصادر الضوء لديك.. وثالثاً أنت تبرعت أن تشاركني في مصادرك.

صوت (2)

يبدو أننا نتجه نحو الشراكة.

صوت (1)

وهؤلاء..

صوت (2)

توقعنا إننا وحيدين هاهنا..

صوت (1)

قـلت لك.. هـذا المـكان للـجميـع.. للرحلة غربة لاينقذك منها جملك حقيبة.

صوت (2)

دومـاً نـفكـر بذاتية نعتقد أن المكان لنا وحدنا ولا نرغب في أن يخترق قضاءنا أحد.

صوت (1)

لاتلبس نفسك.. تجرد من ذاتك واخرج.. حيث أنت لاتزال تمارس نفسك.. وابحث عنك فقد تجدك.

صوت (2)

ماذا تريد بهذا الكلام.. هل تدفعني إلى فعل محدد.

صوت (1)

دعنا ننغمس وسط تيارات هؤلاء.. دعنا نضيع وسطهم ربما نجد إنفسنا قريبين منهم أو بعيدين عنهم.



يتحرك الإثنان وسط المجموعة.. لتدب الحركة فيهم تدريجياً تتجمع المجموعة في إتجاه وصوت (1) وصوت (2) في إتجاه أخر في كل مرة يتحرك الإثنان تتحرك المجموعة نحوهم.. عندما يتوقف الإثنان تتوقف حركة المجموعة



المجموعة

هل غادرت الرحلة ؟!

صوت (1)

إي رحلة.. ؟

صوت (2)

تلك التي نبحث عنها..

المجموعة

هل غادرنا أنفسنا..

صوت (1)

هم مثلى..!!

صوت (2)

هم مثلك !!

صوت (1)

نحن في المكان الصحيح..

صوت (2)

لديهم من الضوء الكامن ما يكفى لإشعال ذواتنا.

صوت (3)



يخرج من المجموعة..



وسط ضجيج مستمر عشت.. صوتي كان ينازعني.. كان القلق يحيط بي من كل جانب.. وكنت اهرب من كل من ما حولي.. حتى كان ذات يوم فقدت فيه نفسي فخرجت ابحث عنها وها نذا هنا..



صوت (4)

لنـحاول أن نساعد بعضنا البعض.. في رحلة البحث هذه ولكن علينا أن نـتذكر أن لا نـسرف فـي إستخدام تلك الطاقات الضوئية فهي سبيلنا نحو البحث.

صوت (5)

لاعـليك الضـوء متـوفر ونـحن مـجموعة.. والبحث بحاجة إلى الوضوح.

صوت (1)

أنا صاحب تجربة.. أعرف تماماً.. ما صنعته رحلة البحث عن ذاتي في مصادري.

المجموعة



تتحرك جماعياً في أماكن متفرقة وهم يحملون الحقائب.. الحركة تتوقف مع الحوار ثم تنطلق بعده وتعود للجمود.. وهكذا.



المجموعة

من نحن..؟
المجموعة

نحن هنا..!!

المجموعة

نـحـمل تفاصيلنا داخل حقائبنا.. أحلامنا.. الأمنا..

نحمل كل الأشياء..

المجموعة

في أصواتنا الضائعة.. نحمل كل الأحلام..

المجموعة

هل غادرت الرحلة..؟!

المجموعة

هل غادرنا أنفسنا..؟

ممثل (3)

نبحث في مساحات الضوء عن ما يتيح لنا فتح حقائبنا دون أن

يكتشف الأخر ون مابها.

ممثل (4)

هي حقائبنا.. لا نتمنى أن يطلع الاخرون على تفاصيلها.. لماذا نخاف ذلك.؟

ممثل (2)

التقي الوجوه والناس والمسافات والمطارات واللقاء والوداعات والأخلاقيات والذكريات ومع ذلك لازال شعوري بالوحدة يطاردني أينما ذهبت.. أحمل كل الأشياء في حقيبة وادور بها في كل مكان أبحث عني.

ممثل (3)

عندما سافرت كنت أحمل حقيبتي وبقايا دمعه جفت.. أتذكر أن والذي خرج ذات يوم حاملاً نصف ابتسامة ولم يترك لنا في المنزل إلا النصف الأخر من ابتسامة.. عشنا بها زمناً إلى أن أدركت إني يجب أن أخرج للبحث عن نصف الابتسامة التي رحل بها والدي.

صوت (5)



أوقات الفراغ تسمم الوقت تتركه خاملاً.. عاطباً..

ضحلا تنمو الطحالب على جسدي وأنا مستكين تماماً..

لاحراك..تصعد الطحالب نحو عقلي.. استكين أكثر

.. لحظات طويلة مملة نزقة تمر بي في ظل هذا الترقب

المميت.. أثور على تلك اللحظات المرة.. أحاول انتزاع

الرغبة المجنونة في أن أتحرك ببط.. ثم بسرعة.. أسرع

تتساقط الطحالب ولا أبقى إلا أنا وحيداً.. خائفاً صامتاً

قليلاً خاملاً.. فحلاً.

صوت (6)

أما أنا فقليلاً من الهدوء كان يفيدني.. لكني كنت منزعجاً وسط

هذه التراكمات اليومية.. الصخب.. يحيط بي يحولني إلى مجرد

آلة تعمل وتعمل وتعمل.. دون ملل.. والمدينة الصاخبة

المزدحمة المزعجة تحيط بي بكل طقوسها.. أغوص دوماً داخل

المدن الأشياء.. الأمكنة.. الأسماء فلا أخرج منها.

صوت (1)

حديث البوح لاينتهى.. أرى أنها خطوة جيده لنعرف بعضنا

دعونا نفرغ محتوياتنا..

صوت (2)

الذكريات تتداعى.. تتكاثر تتجمع تتوالد كا لأرانب.. صوتها

لـه جـلبة.. وضجيج لاحدود له.. لماذا نحن مغرمون بها

إلى هذا الحد.

صوت (3)

أتصور أننا يجب أن نخلع أصواتنا الجادة ونعلقها على أقرب

مشجب لنا.. دعونا نرتدي أصواتاً أكثر لزوجة.

صوت (1)

كنت اسكن مع نفسي في منزل واحد.. كنا نبدو على توافق تام

في الفترة الأخيرة كان النقاش يتزايد بيننا.. كان صورتها يعلو

ويعلو حتى يمزق ضاء المنزل.. قررت الرحيل عنها.. قلت لها

.. سارحل اليوم رفضت.. صرخت..قررت إنها سترحل

معي وليكن ما يكون..!!

قررت أن أبقى في المنزل قلت لها لست محتاجاً لفضائح..

صرخت هل أصبحت أنا فضيحة.. صوت إختلافنا أصبح يعلو

ويعلو..في الصباح كانت قد غادر تني فخرجت بحثاً عنها.

صوت التنبية لنداء الرحلة يعلو ويخفت.. تنهض المجموعة في حركة وجلبه شديدة يصلحـون من أحوالهم.. وملابسهم وحقائبهم..

يقفون صفا واحداً

صوت (2)

يبدو أن الرحلة ستتأخر.. لم يعلنوا عنها حتى الآن.

صوت (5)

ربما.

صوت (2)

ماهو أسمك ؟

صوت (5)

ياسر

صوت (2)

كم عمرك..؟

صوت (5)

خمسة وعشرون خريفاً..

صوت (2)

لماذا لاتقول ربيعاً ؟

صوت (5)

الأسماء غيرمهمة.

صوت (2)

لم تسألني عن اسمي !

صوت (5)

ولماذا أسالك ؟

صوت (2)

حتى تتعرف علىّ !

صوت (5)

غير مهم ! !

صوت (2)

أين تعمل.. ؟

صوت (5)

لايهمك ذلك الأمر

صوت (2)

أنا متزوج ! !

صوت (5)

مبروك..

صوت (2)

لي أكثر من تسعة أعوام

صوت (5)

مبروك مرة أخرى

صوت (2)

حورانا يبدو غريباً..

صوت (5)

هو كذلك

صوت (2)

لماذا.. ؟

صوت (5)

لا قواسم مشتركة بيننا..

صوت (2)

ماذا تعني بذلك..؟

صوت (5)

لا مغنطة حوارية معك..

صوت (2)

تبدو مثقفاً.. هل تعمل كاتباً.. أم أديباً.. هل أنت شاعر..؟

صوت (5)

تبدو متطفلاً.. !

صوت (2)

المكان يجمعناً.. الزمان يوحد بيننا.. نحن نحتاج إلى طاقات بعض لنواصل رحلة البحث.

صوت (5)

إذن وفر طاقاتك للمهم ولاتهدرها في الأسئلة والتطفل !!

"" صوت الجرس مرة أخري.. وثانية وثالثة والمجموعة تتحرك في إتجاهات مختلفة صفاً واحداً في كل مرة..""

صوت (1)

الرحلة تتأجل من موعد إلى أخر..

صوت (2)

دعونا نتسلى.. لنفتح حقائبنا ونرتب محتوياتها..

صوت (5)

لن يفتح أحد حقيبتي.. اشيائي مرتبة ولاتحتاج لمن يرتبها.

صوت (3)

لماذا أنت هنا إذن.. ؟

صوت (6)

هل تخشى من شىء معين.. ؟

صوت (5)

لو تخلص الناس من الفضول لنجحت الأشياء من حولنا..لن

أرتب شىء.. هل فهمتم.

صوت (4)

لـن تـتجـه للصـراع.. فـنـفـقـد مـصادرنا..

كل إنسان منا حر في أشيائه.

"" تتوزع المجموعة.. على المسرح.. يجلس كل شخص في مكان.. بينما يفتح ممثل رقم (3) في مكانه. حقيبته.. ويخرج ألبوم صورمنها "

صوت (3)

هذه صورة أبي.. إنها تحمل نصف ابتسامته الأخرى تركها لنا

وهذه صورة صديقى.. كان صاحب صوت جميل.. كان يغني

لنا نفس الأغنية كل يوم.. الصورة تحمل نفس صوت الأغنية

البليدة.. الباردة.. نفس التفاصيل الحكايا.. المواعيد..

هذه صورتي.. وأنا أبكى.. أيتها الدمعة التي غادرت منذ زمن

طويل سقطت مني في لحظة ضعف.. لم أتعود البكاء.. !! أيتها

الدمعة هل لازلت تتذكرين تلك العين التي خرجت منها.



" المجـموعة تتـجمع حوله تـدريجـياً مع بداية عرضه للصور حتى تتكامل.. ثـم تـخطـف منـه الـبوم الصــور.. وهــو يركض خلفهم يجمع صورة من أيديهم."

صوت (3)

هى إهتماماتي الخاصة.. أرفض أن تلعبوا بعواطفي.

صوت (5)

قـلـت لـك.. لـو تخلص الناس من الفضول لنجحت

الأشياء من حولنا.

صوت (2)

" يفتح حقيبته فيسقط منها بعض الملابس فيجمعه بسرعة "

صوت (1)

هل تخشى على خصوصايتك أيضاً.

صوت (2)

ومن منا لايخشى عليها إنها كنوزنا.

صوت (3)

دعنا نشاهد محتوياتك.. لاتقلق لن نركض حولك.

صوت (2)

لن تقتربوا من أشيائي.

صوت (4)

أصبحت الأمور مغرية أكثر.

صوت (5)

الحقائب بيوت.. والبيوت.. أسرار.. أحذر فحولك كمية من الفضول تكفى لتدمير بيت له أسرار.

صوت (6)

أنت محبط ومحبط تماماً دعنا نروي فضولنا فعطشنا يتزايد كلما شاهدنا هذه الحقائب البيوت.. النفوس الاقبية.. الخزائن..

صوت (2)

اخشى أن أتورط فحجم الاغراءات الكلامية أكبر من أن أقاومها ولكنى لازلت أخشى أن أطارد ملابسي وهى لاتحتمل ذلك – فيها من الفضائح مابها.

صوت (1)

كلمة مشجعة.. تجعلنا نطارد كل أشيائك بعمق أنت تاجر جيد.. تجيد تصريف بضاعتك.

صوت (2)

كـلامـك مخـيف.. لـن أعــرض بـضـائعي كمـا تدعى أو فضائحي كما ادعى.

صوت (4)

لاعليك منه.. وعد مني لن اطارد تفاصيلك.

صوت (2)

يفتح الحقبية.. يخرج ربطه عنق يتفحصها تماماً.. يتحدث معها

صوت (2)

هذه ربطه عنق أهديت لي منذ سنوات.. لاأعلم بالتحديد كم عام.. ربما أربعة.. خمسة.. حاولت أن البسها أكثر من مرة ولكني لم أعرف.. استعنت بصديق فكدت أشنق نفسي بها لم أحاول أن البسها بعد ذلك.. ربطه عنق أمر مخيف.. إنها تخنق

ممثل (4)

يتمعن معه في الرابطه بينما تتجه المجموعة نحو الحقيبة تنبش محتوياتها.. وكل منهم.. يأخد قطعة يهرب بها.. يحاول أن يقيسها أو يضمها لحقيبته.. بينما ممثل (2) يطاردهم للحصول على ملابسه.."

صوت (5)

الحقائب أسرار.. أصبحت مخترقاً الأن.. مالذي يستر عوراتك

سوى ملابسك فضائحك.. الملابس تستر عوراتنا والصمت

يستر أصواتنا.

صوت (4)

أنت تفضح نفسك حروفك تتسرب منك دون وعى صوتك

يفضح صمتك.

" المجموعة تتجه نحو ممثل (5) بحركة بطئية تحاصره "

صوت (1)

جاء دورك.. دعنا نبحث عن محتوياتك.

صوت (2)

اسرارك.. إهتمامك.. اشيائك ستصبح ملكاً لنا لن تبقى وحيداً كصندوق مقفل.



"" ممثل (5) يحاول التخلص من المجموعة وهو يحاول المحافظة تماماً على حقيبته.. تستولي المجموعة على الحقيبة.. تقيد ممثل (5) بينما تسعى لفتح حقيبته.. وحالما تنجح في ذلك تجد الحقيبة خالية تماماً.

ممثل (1)

أين اخفيت محتوياتك.

ممثل (2)

لاشك أن صدره حقيبته.. دعونا نفتش في داخله عن دواخله.

ممثل (5)

لن يقترب أحد مني.. قلت لكم البيوت أسرار.. الحقائب أسرار.. الصدور أسرار.. لن يقترب مني أحد

"" المـجموعة تـتحلق حـوله بـبـطء تحاول أن تـنـزع أشيائه منه ولكنه يفلت منهم بصعوبة """.

ممثل (5)

لن تجدوا سوى الخوف.. والقلق.. والجوع.. هل جربتم ذلك هل سكنك القلق.. هل رفض الخوف أن يغادرك هل أصبح الجوع صفة لك.. الكل يطمع فيك لن تصبح أكثر من قطعة جبن محشورة بين رغـيـفـيـن.. والأسنان تبرق من حولك

""المجموعة تبتعد نحو مساحات الفراغ في المسرح ""

المجموعة

هل غادرت الرحلة
المجموعة

هل غادرنا أنفسنا

ممثل (1)

مـرة أخـرى أنا ممتلئ الآن بالأشياء والأسماء بالأمكنة بالصباحات.. بالمساءات.. قليلاً مـن الـهدوء كـان يفيدني لكن صوت جلبتكم أصبح مزعجاً.



ممثل (2)

منذ أن شاهدتكم.. وأنا أنزف حاولت أن أتوقف قليلاً عن

الحديث مع نفسي لكني كنت أنزف حروفاً كثيرة لها لزوجة الدم

ولون الدم ولكنها لاتتختر أبداً.

ممثل (3)

أريد ببساطة أن أبكى.. الدموع الحارة تحتبس داخل عيوني.. ترفض أن تخرج.. لكنى بصدق أخبركم دون خجل أني كنت أبكى في داخلى بكاءْ يملأ كل مساحات الفراغ من حولي.

ممثل (4)

لوحاولت الاستعانه بالخل والليمون والبصل لكنت قد اخرجت دموعك ولكن هل كان ذلك سيمنع البكاء الداخلى لديك.

ممثل (5)

كـنـت اجمـع اشيـائي الـصغيرة.. كنت أهرب من كل ما يحيط بي لم يعد هنالك مايهم كل الأشياء سواء.. إذا غادرتك عيون المتطفلين..

ممثل (6)

أما أنا فقد حسمت موضوعي.. وساغادركم نحو فضائي السابق لن استمر معكم فقد أصبحتم مثلاً للملل الذي هربت منه.



ينسحب.فيطفأ نور كشاف علوى فتتجمع المجموعة حول الضوء المختفي

ممثل (3)

كانت الفكرة تراودني.. وها أنت تدفعني للمغادرة



"" ينسحب من وسط المجموعة فيطفأ نور كشاف علوى أخر فتتجه المجموعة نحوه وتبقى حول منطقة الضوء المختفي ""



ممثل (4)

لن يتهمني أحد بأني أمعه إذا تبعتم.. إذا انفرطت السبحة.. لايبقى للخرز سوى أن يتدحرج بعيداً عنك يتكرر الوضع مع ممثل (4)



"" لا يبـقى فـي المسرح إلاضـوء ثـلاث كشافات.. فقط يركض الممثلون الثلاثة نحو هذه البقع.جماعياً.ثم ينفرد كل منهم بكشافه الخاص ""

ممثل (5)

لم يعد باقياً لدي مايحفزني.. نظراتكم تمتلىء بالفضول الفضول يدفعني للخوف الخوف يدفعني للقلق.. القلق يدفعنى للبحث عما أريد بعيداً عنكم.

يطفئ نور كشافه بينما يبقي ممثل (1) وممثل (2)

ممثل (1)

هانحن نعود لخطوه البداية إثنان فقط لايساورني القلق بإنك ستنسحب وتتركني وحيداً كما كنت.

ممثل (2)

ولم لاتغادر معي.. نحن لانبحث عن المكان.. نحن نبحث عن فضاء للبوح وهذا المكان لم يعد صالحاً للبوح فالكل غادره.

ممثل (1)

هذا المكان يسكنني.. يتلبس دواخلي.. لن أرحل وأترك المكان وحيداً.. لقد تألقت معه.. وأصبح جزء مني.

ممثل (2)

ياصاحبي إنا غريبان هاهنا.. وكل غريب للغريب نسيب.

ممثل (1)

ازدادت فجيعتي بك.. لست غريباً هنا.. لن أخنق شمعتي من أجل البحث عن مكان جديد.

ممثل (2)

قد تخنقك هى غادر معى.. سنجد مكاناً جديداً للبوح.

ممثل (1)

سترحل إذن..

ممثل (2)

ولماذا ابقى..

ممثل (1)

سنشكل ثنائي للبوح.. سيأتي الأخرون..

ممثل (2)

وقد لا يأتي أحد.. ‍



ممثل (1)

اكره الوداع.. أرحل دون أن تشعرني بذلك ساغمض أشيائي

حتى تغادر فاعود لوقتي ومساحاتي.



"" يسحب ممثل (2) أثناء خروجه الإضاءة بينما يشعل ممثل (1) الإضاءة الخاصة به التي تخفت تدريجياً حتى تذبل تماماً مع صوت مؤثر مناسب يبدأ منذ أن ينهى ممثل (1) حواره.












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 08:49 AM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

توزيع الحقائب
مرتضى الحسيني

*الشخصيات:

زهراء : طالبة مدرسة

الاب : موظف في وزراة الاعلام

الشيخ : رجل عجوز مبارك في الحي

احمد : صديق لزهراء ، ساذج بعض الشيء

الرجل الثمل : رجل انهكته الاخبار والوعود

محمد : معلم في مدرسة

عمر : صديق للمعلم قديم

وهناك مجموعة من الرجال في الحارة : جلاس طرق

امريكي : يتجول بسلاحه

الحدث : مدينة من بلادي.. في العراق



المشهد الاول

عمر : مرحبا محمد.. ما بك؟

محمد : ياأخي شعور غريب

عمر : ماهو؟

محمد : لا أعرف ماذا حدث في سنوات العمر

عمر : وضٌح أكثر مابك لقد أقلقتني

محمد : أنا قلق ولا أفهم ماذا حدث لأهل الرحمن والشيطان

عمر : أها.. وأنا أقول كذلك وأتساءل : ماذا حدث لمحبي الوطن ولكاريهيه أيضا؟

محمد : حقا .. هل أنهم محقون أم أن نصفهم هو المحق؟

عمر: ممكن أن يكون الأمر أو الجواب ثلثين بثلث حسب التسميات الجديدة

محمد : اسمع يا عمر.. إنٌ هذا الوضع يثير الحيرة سواء للشيخ أم للطفل.. للشباب أم النساء وحتى هذه (يشير بإصبعه الى شابة فتية)

عمر : مَنْ؟ زهراء؟

محمد : بلي .. زهراء انظر ياعمر إلى زهراء

عمر: زهراء صاحبة الظفائر الجميلة.. (إنٌها طفلة ، أفكارها بحجم أحلامها)

زهراء: ( تتمتم بلغة أشبه بالتغني بقصيدة شعر) : لقد لففت شعري ودهنته بمسك الفرات وبعطر دجلة الجميلة .. فلشواطئمها مراسي عند شواطيء ظفائري

محمد : أتعرف يا عمر؟ انا عندما أنظر إلى زهراء وظفائرها ما ذا يحصل لي؟

عمر : ماذا يا محمد؟

محمد : دموعي تتساقط وتمتزج بانحناءات شعرها الجميل الذي يذكرني بانحناءات جبالنا الشامخة

عمر : انظر يا محمد الى صفاء عيونها ..أنٌها ينابيع ماء عذب

زهراء : (مازالت تتمتم في زاويتها ولكن بوتيرة حزينة هذه المرة) أنا !!!!...أنتظر يوما أهدأ من أمس ... لقد سرق التلفاز فرحتي بنجاحي عندما ظهر الزعماء يتحدثون عن الوزارة (صمت وتطلع وتلفت قبل ان تنطق العبارة التالية باستنكار) و... تقسيم الحقائب

محمد : يا زهراء ... وبعد؟

زهراء : يقول التلفاز لقد اختلفوا على الحقائب ! سأذهب إلى أبي وأسأله

(يدخل الأب في هذه الأثناء)

الأب : أهلا زهرائي الجميلة ... كيف الحال؟ هاتِ . أسالي أبيك تجدي جوابكِ؟

زهراء : أهلا بابا.. كنت أتساءل لماذا يختلف الزعماء... أنا أحب الجميع متفقين... لماذا يختلفون على الحقائب؟ سأشتري لهم حقائب... عندما تأخذني معك إلى سوق الكتب والحقائب... وأوزعها عليهم حتى يهدؤوا ويهدأ بلدنا

الأب : يتمتم مع نفسه : من زاوية بعينها لم تخطيء زهراء في فهمها لاختلاف ساستنا

زهراء : بابا.. مابك؟

الاب : لاشيء يازهراء يا ابنتي .. أنت صغيرة ذكية.. وتعرفين أن حقائبك المدرسية فيها من المفيد الكثير الكثير من العلم والمعرفة ..

أما حقائبهم ففيها الرحمة وفي بعضها الآخر ظلم... ولهذا يتحاورون ويصطرعون حتى يختلط الحابل بالنابل فيتسلسل مَنْ يسرق أحلامك وأحلام آخرين غيرك؟

زهراء : بابا... إذن أيومنا هذا حزين إلى هذا الحد؟ سأخرج إلى الشارع... قد أجد ما أتسلى به والعب

الاب : بابا : كوني حذرة يا زهراء

المشهد الثاني

زهراء : شارعنا عتيق... ولكنه دوما يمنحني أحلامي.... منطقتي وحارتي هي.. هي.. وذكرياتي.. هي.. هي.. جميلة متألقة كتألق القمر الجميل.. وزاهية كزهو حضارتنا بين حضارات الامم

)فجأة... تسمع زهراء صوتا يملأ الأجواء حولها كأنه صرخة قوية صرخة لم يسمعها أحد غير فؤادها(

يازهراء : لماذا هذا الشحوب في أشجار حيٌكم؟ هل الأشجار مغبرة بغبرة الطبيعة الحمراء أم أن العيون صارت مغطاة بستار دمع أحمر؟؟

زهراء: (تردد السؤال خلف الصوت بآلية) : لماذا هذا الشحوب في أشجار حينا؟

محمد : (ينادي من خلف النافذة) : زهراء... زهراء

عمر : (ينادي مع محمد) : زهراء

)زهراء : لاتسمع شيئا فهي مطرقة ساهمة في عالم الصوت الذي يضج به المكان ولا يسمعه الا قلبها الكسير حزنا وألماً(

)يظهر احمد في طريق زهراء) : مرحبا زهراء .. كيف حالك؟

زهراء : تدير رأسها بتثاقل : أهلا... ولكن من انت؟

أحمد: أنا أحمد

زهراء : وأي أحمد أنت؟

أحمد : انا ابن جاركم القديم في الشارع الخلفي من بيتكم العتيق

زهراء: تنفرج أسارير زهراء وينطلق لسانها :الله بيتنا _ بيتنا القديم _ هل تذكر؟ شجرة الرمان ، والبرتقال ، والزيتونة الخضراء ، هل تذكر؟؟؟ شاي العصر في الحديقة ، وأصواتنا ونحن نلعب ونصدح ونغني مع زقزقة العصافير ، وأصوات الطيور . الله أين هي.. أين كل ذاك الآن؟ لم يعد أبي يأخذنا إلى هناك منذ أيام الحرب والمعارك واصوات المدافع والطائرات؟

أحمد : كل هذا كان في بيتكم القديم....

زهراء ( تقاطعه وهي تواصل التذكر ببشر ومسرة للتذكر) : نعم إن هذا كله... كان يحكي ، وكانت الحياة هناك تتكلم طفولتي هناك أحلى وأجمل..

أحمد : كل هذا كان في داركم القديم

زهراء ( تقاطعه مرة أخرى ولكن بنبرة جديدة وبصوت خافت وبمشاعر حنين وبإشارات عفوية من يدها... راحت تتمتم.. لقد كان بيتنا بيتا جميل.. فيه نخيل.. فيه اعناب ورمان وفيه البلابل والعصافير.. وجدار حديقتنا أزرق كزرقة نيل.. وجدتي.. عندها ( مهفاة) تظل تحركها طوال لحظات قصصها وحكاياتها التي تنسجها معزوفة في أسماعنا، كانت جدتي تقول : لا أحد يعرف الحيلة والمكر وأمراضهما، كنا نصلي للصلاة ولرب العالمين ، كنا نحب الجيران ونعيش كلنا أخوة ، وكنا ننام بأممممماااااااااان، ، اه ، اه ، بامان

يا احمد! اتعرف ماهو الامان الآن؟

أحمد : ما أحلاك يازهراء عندما تتكلمي عن أيامنا وماضينا ، هو ليس بالماضي البعيد يازهراء ولكن ثقل الزمن أنضجنا قبل الآوان

زهراء : انه ليس ماضٍ لأني أذكره ويذكرني وهو موجود وكل موجود حاضر

أحمد: لا أعرف كيف.. ماذا تعنين؟

زهراء: اسمع يا أحمد..علمني أبي أن أحدا ذا أراد أن يعيش بحب ويعيش لهدف سامٍ فيجب عليه ان يجعل من ماضيه الجميل كله حاضرا له ومستقبلا.. علينا أن نجعل من ماضينا أساسا قويا لأن المستقبل يجب أن يكون جميلا.. إنه بيدنا كما قاله لنا معلمنا..

أحمد: عفوا زهراء ماذا يعني المستقبل لك؟

)يظهر لهما امريكي يتكلم لغتهما(

يجيب الأمريكي على سؤال أحمد

يعني فيوجر (future)

زهراء: ما هذا؟ لماذا يتدخل هذا المحتل؟

أحمد: اسكتي إنه الأقوى الآن

زهراء : لا يجب أن يتكلم ، لا يجب ان يتدخل، حتى يرحل ،حتى يذهب ، ويخرج.. ما أعرفه يجب أن يرحل ويترك لنا المستقبل

أحمد : كيف وهو يرسمه؟

زهراء: لا تقل هذا يا أحمد وإلا غضبت منك... لابد له في النهاية أن يرحل

أحمد :لا يا زهراء انا ابن بلدك لا تجعلي الأجنبي يفرق بيننا

زهراء: عندك حق يا أحمد كيف لا يتدخل وهو وكما عرفت بالأمس يوزع الحقائب

أحمد : نعم رأيتهم في مدرسة الرشيد الابتدائية يوزعون الحقائب

زهراء: فرحة تقول: صحيح يا أحمد وزعوها كلها

أحمد: نعم كلها رأيتهم بأم عيني

زهراء : يعني انتهت القضية سيعود الأمان

أحمد : مندهشا من زهراء أي قضية؟

زهراء : قضية الحقائب

احمد: أنا أتكلم عن المدسة

زهراء: أنا ظننت أنهم وزعوا الحقائب الوزارية

بائع جرائد وصحف يتجول: جريدة الزمان ، جريدة طريق الشعب ، المؤتمر ...)

اقرؤا لقد وزعوا الحقائب

رجل عجوز يهز برأسه ويقول : ربحت ام روبة (مثل قديم(

أحمد وزهراء : فالنتبع الرجل العجوز.. يا عم يا شيخ

) كان الرجل العجوز قليل البصر والسمع ، سمع ندائهما بعد تكراره كثيرا)

التفت اليهما العجوز وقال :ماذا تريدان؟

أحمد وزهراء : نحن نريد منك ان تجيبنا عن شيء لا نعرف له حلا أو جوابا .. هل هذا ممكن؟

قال العجوز: ضاحكا أنا أيضا لم أعد أعرف لاسئلة الحياة جوابا

فقال كلاهما : لا تعرفه؟؟!!

زهراء : عمٌَاذا تتكلم أيها الشيخ

الشيخ : عن المستقبل (فيجور الأمريكي)

قالوا : يا شيخ كيف نضمن ذاك المستقبل

الشيخ : عندما نتخلص من الأجنبي ومن مشكلة الحقائب والحصص، يظهر المستقبل

زهراء وأحمد والشيخ (يرفعون أيديهم بالدعاء): اللهم خلصنا من المحتل ومن توزيع الحقائب

طفلة تبكي : أريد حقيبة فيها أرنب

الشيخ : ضاحكا يكلم الطفلة

أنت أحسن منهم وتريدين ارنبا؟ أسكتي يا صغيرتي.. ان طلبك مقدور عليه فلبعضهم عنده (أسد) وفوق ذلك يريد (أرنب)

فضحكوا جميعا :

الشيخ : يستشهد ببعض أبيات الشاعر مظفر النواب ((فالبعض يبيع اليابس والأخضر ، ويدافع عن كل قضايا الكون ويهرب من وجه قضيته ((

)وإذا بقهقه غريبة من رجال يجلسون في الخرابة القديمة وبينهم شخص ثمل(

الشخص الثمل يقول ، المشرب ليس بعيدا... ما جدوى ذلك

أنت كما الاسفنجة تمتص الحاناة ولا تسكر

الرجال : كيف هذا ثمل ،ألا يدري السكر ممنوع بأمر من أصحاب الحقائب

الثمل : أنا لست ثمل من الكحول ، أنا ايها الرجال ثمل من الأخبا والوعود وتوزيع الحقائب

الشيخ : أحمد .. زهراء قولوا معي :

اللهم ارحمنا جميعا وأنت القادر على كل مقتدر

فصرخوا صرخة دوت في أرجاء الحي العتيق حتى هزٌ رنينها أوتار الأضلع

وفجأة سُمع صوت قوي يتبع بعضه بعضا

وإذا بالدبابات والجرارات والمدافع والطائرات كلها تتبع بعضها بعضا

زهراء واحمد والرجل الثمل سوية : ما هذا؟ !!

الشيخ : لقد استجاب الله دعائنا وهكذا يا أولادي إذا تصافت القلوب والنوايا يستجاب الدعاء

الشيخ :الغيوم تنقشع ...

زهراء : نزل المطر

احمد :اخضرٌ الزرع

الرجل الثمل : زقزت العصافير

الرجال الجالسون : ابتلت الشوارع ، بماء المطر

زهراء : لقد سطع القمر

أحمد : تقهقر الشر

الشيخ : انتصر الخير، هكذا هي النوايا ، يا أعزائي

ولكن يجب أن تكون دون خصام على الحقائب؟؟؟



النهـــــــــاية//

تأليف/ مرتضى الحسيني

السويد... مالمو












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 08:52 AM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

أحبال الكتّان
محمد اسماعيل القناوي


اللوحة الأولى
قبل أن تطفأ أنوار الصالة تذاع أغنية "شادي" لفيروز بعدها تظلم الصالة وترفع الستار على المسرح مظلم، ومع فتح الستار نسمع أصوات غلق أبواب الصالة بعد انتهاء ضجيج الجمهور يضاء المسرح على صالة في احد المنازل، كل جدرانها زرقاء، وبين كل جدار والأخر فراغ يملأه ستار من الشبك، وعلى حافة المسرح سور خشبي يشبه سور السجن ويمتد هذا السور ليحيط صالة النظار و هي بالون الأزرق أيضا. يوجد على المسرح مقعد هزاز يجلس عليه الأب، وفى منتصف اليمين مقعد متحرك للجدة، في أعلى اليمين موقد فحمى قديم "كانون" وألام تجلس أمامه, في أعلى اليسار مكتب يجلس عليه الابن, وفى أوسط اليسار تجلس البنت و أمامها "طبلية"
المنزل وهو ليس ريفي ولا حضري ولا حديث ولكنه خليط من هذا كله ملابس الأسرة والأثاث بلون الجدران... يوضع راديو كاسيت في ألمواجهه
بعد إضاءة المسرح ورؤية كل أركانه يظلم كل المسرح عدا بؤرة ضوء على الاب وهو يحل الكلمات المتقاطع...
الاب مغرد. أفقياً... طائر مغرد... معكوسة
الابنة: أبى.. اريد صحناً من العسل.
الأم: ربعة احرف..
الأم: هل اشتريت البصل ؟
الأب: اربعه رأسياً.. كائن حى..
الأم اليوم موعد سداد الإيصال.
الأب أربعه أفقيا.. هدف انسانى غير ترف
الأبن : حضر اليوم جاويش وطلبنى.. قال اننى بلغت العشرين امس.
الجده: إنهم يحتفلون بذكرى ميلاده وأنتم قد نسيتموه.
الأب الكلمة معكوسة.. واربع حروف ايضاً..
الأم الخبز الذى لدينا جف ، وأصبح غير صالح للأكل.. لقد أقام عليه العفن وليمته
الابنة إعطينى اشترى.
الجدة: أو أجلب لنا بعض الحنطة
الأم : (تهز رأسها فى سأم معلنة الاستنكار) آه.. ما دمت أنا أمام التنور
الأب واحد راسي ما أتمنه
الابن هل سأذهب لهم.. أم انهم يذكروننى فقط
الأب معكوسة أيضا وأربع حروف.. آه. لكلمات أربعة حروف وكلها متشابكة.. واحد افقآ طائر مغرد.. آه. مغرد.. آه.. شادي، يميل ليكتب و يضأ على الكاسيت حيث تغنى فيروز أنا وشادي غنينا سوى0
(إظلام تام)
(يعاد الضوء على الراديو وفيروز تغنى"ع الثلج")
الابن أطفئ المذياع... أريد أن أذاكر
الأب (متجها للأم) ذكريه.. كم مرة قلت له انه شريط مسجل
ألام (تتجه للابن) كم مرة قلت لك ولم تسمعها للنهاية ؟
البنت أنا لا أرى أية مشكلة، الأغنية بها قصة جذابة فقط أنا لا أحب أن اسمع نهايتها
الابن سحقا لهذه الكلمات... (للأب) هل تستطيع أن تقول لي من هو شادي؟.. وماذا يهمنا من أمره ؟
الأب ليس أنا هذا شادي.. إنه فقط صفة اعرفها من خلال معجم اللغة وهو لغز من هذه الشبكة من الكلمات المتقاطعة المتوترة
الابن ولا أنا هذا الشادي... ثم أنني لا أستطيع أن أشدو... ثم إن هذا الشادي قد مات. (للأم) قولي له إن الشادي قد مات... هي تقول ضاع شادي... ثم انه لا يشبه أحدا نعرفه... (للبنت) هل يشبه أحدا تعرفيه؟ (للجدة) هل يعرف احد نعرفه ؟ (للأب) إننا لا نعرف عن سمعه. يء، حتى لا نعرف شبها له أو معروف لدينا احد يعرفه... لماذا إذن مُصر على أن نسمعه.. هه.. ثم أن هذا الثلج اللعين مثل هذه الشبكات اللعينة، مثل هذه الحبال الكتانية.
البنت ربما يشبه هذه القضبان الكتانية. ربما... لكن من هؤلاء الناس الذين يتقاتلون؟
ألام: كل تل بلا عمار به قتالا
الأب: كل تل به محاولة للعمار به قتل
الجدة كل التلال بها قتالا
الأب نعم كل التلال بها قتل عدا التلال المغلقة بالجبال الموحشة
الابن مثل هذا البيت
ألام (باكية)مثل هذا البيت
الابن لا تبكى...لن نسمع هذه الأغنية ثانية
الأب أنا لا شان لي بهذه الاغنيه
ألجده صه.. (صمت, لما يشتغل مذياعكم منذ عام ؟ أود أن اسمع اى أغنية مسلية أو حتى مأساوية. (تتجه ناحية جهاز التسجيل، تخاطب الأب).. اعطني هذا الجهاز، وأنا ابحث عما أريده.
الأب (يعطى ألجده الجهاز ويتجه نحو الموقد).
الجدة إن الجهاز خرب.. ليس به أى مصدر للطاقة.. لما لم تشترى له موصل الكهرباء أو حتى بطارية؟.. إننى أعطيتك ثمنها أكثر من مرة.
(الأب ينظر تجاهها ويحاول التذكر ثم يشيح بوجهه ناحية الموقد)
الابن ولما يشترى؟.. إن هذا المذياع مزعج، وأنا لا أعرف المذاكرة بجواره.
(الأم تنفخ فى نار الموقد يخرج دخان ، يسعل الأب وتدمع الأم)
ألجده (للابن) خذه إذن.. وخذ أشترى له توصيلة الكهرباء أو بطاريات.
(الابن يأخذ الجهاز ويضعه مكانه ثم يتجه ويحضر كوب ماء للأب، الأم تزيد النفخ..يسعل الولد، ثم البنت، ثم ألجده...)
(بخفة الأضائه حتى الإظلام التام)
اللوحة الثانية
الابن أين شاهدت اليوم و أنا عائد من الدرس الرجل الطيب
الأب الرجل الطيب دائماً أمر علية، دائماٌ الرجل الطيب يشيح بوجهه عنى
البت الرجل الطيب اعتدت أن يباركني فى ذهابي و مجيئي
الجدة ما شكل الرجل الطيب ؟انتم تقولون عليه وما شاهدته عمري.
ألام الرجل الطيب قمحي الوجه.
الأب لا... بلالوجه، لبنت : الرجل الطيب.. نورني الوجه ، فيه صفاء السماء بعد ما يغسلها المطر ، فيه نقاء النهر ، وطهر قلب الطفل
الابن : الرجل الطي.. الرجل الطيب.. هل للرجل الطيب لون ؟ كنت رأيته يوم اسمر ويوم ابيض، واليوم رأيته يحمل كل الوان الدنيا.
الجده : الرجل الطيب.. الرجل الطيب..أرهقنى كلامكم عن الرجل الطيب.. كنت أزور على كرسيى هذا بعض جيرانى.. وبحثت فى طريقى عنه لم أره.
الاب : الرجل الطيب يا امى ياتى لزيارتنا لكنك حين يجيئ تغفى
الام : بل تجلس معه ومعى وتسمع من حواوراته واقاصيص النور... ورأته امس وهى تجلس معى فى الشر فة يمر امام المنزل.. ام تراك لاترين ماتراة ؟
الابن كانت جدتى بالامس تذكر ان الرجل الطيب قد جاء اليها قبل ان تجلس علىهذا المقعد.. هل كان رجلا طيب اخر يا جده؟
الجده : (تعطى ظهرها اليهم، وتتناول غزل لجاكت قديم "تريكو" ، تنفض من عليه التراب فيملأ الغرفة. فتسعل)
الاب : امى انى اذكر هذا الرجل واعلمه من مهدى ، وانت تهدهدى فراشى وتحكى عنه حكيات قبل النوم.
الام : لازالت امك تقتل اى ميلاد للرجل الطيب لدينا.
الابن : لازلت ياجدة تنفى طيبة هذا الرجل ، وانا اعلم انك كنت تشاهديه ، واعلم انك وحدك تعلمى لون الرجل الطيب ؟
البنت : (للاب) لم تلبث امك تجمع خيوط الغزل من الرجل الطيب... ولكن لا اعلم من اين ملأ غبار.. قل لها يا ابي ارمى هذا الغزل واطلبى غزل اخر من الرجل الطيب.. انى اعلم انه سيعطيها غزلا اخر طيب.
الجدة : (للام) قولى لابنائك قد ذهب الطيب الى حيث ميلاده الاول.. علميهم ان السيول اغرقت الجال والهبت طيبتهم نيران القنابل والبراكيين فماتوا كما مات.. الرحم الطيب.. وهاكم ابيكم ، هل هو طيب ؟!
الابن : يا جده...كيف يكون رجل طيب ؟.. كيف اكون انا رجل طيب ؟...ياجده انى احبك...واود ان اعرف كيف انت تحبينى ،لو كنت عرفتى الحب.. استحلفك بالحب.. قولى لى كيف اقابل الرجل الطيب او كيف ينفذ لى او انفذ له.. وان لم تقولى فالعنة على كل كلامك الذى يشبه قضبان الكتان.
الاب : امى... انى عرفت من الرجل الطيب حل الغاز الكلمات.. وكنت ايضا طيب.. لكن حين جلسنا هنا واكتست هذه الابواب بسيج الكتان القاسى.. ضاع منى مفتاح الحل، حل الالغاز، الغاز الشبكة، شبكة الكلمات.. لكنى اشغل نفسى بالحل كى اعرف يوما ان حل شيئا بعد ان فارقنى الرجل الطيب.
الام : (للجدة) انت تودين ان ينسى اولادى رجلهم الطيب..كى يظلوا مثل ابنك... سجناء الشبكات الملغوزة... شبكات الكلمات المقطوعة المنثورة..لكن ابنى سيعلم كيف ينفذ للرجل الطيب (للاب) حذرها ان تقتل احلام الأبناء..الرجل الطيب اتى ويأتى وسياتى دوماٍ (للبنت) الم يعطيك ويبصرك جمال الكون ويباركك فى ذهابك ومجيئك...؟ (للابن) الم يحرك سكنات افكارك واشعارك؟ (للاب) الم يعلمك يوماٍ الحب فأحببت... قل للجدة إذن ان اليوم ينشدون بنشيد الطيب وجمال الكون... ذكرها كيف عرفت الرجل الطيب معها ومعى فى هذا المكان... قبل كتان الموت هذا
(الاب يدنو من مقعد امه ليذكرها ، فتنفض الغزل ويخرج تراباٍ آخر فيسعلا ، ويأخذ الابن كوب الماء ويقترب لأبيه يعطيه أياه، الابنه تأتى تربض على ظهر ابيها ، الام تقترب ناحية الجدة لترى ما فى يدها ،تأخذه منها تنفضه كثيراٍ ، يخرج تراباٍ وفيراٍ ، الكل يسعل...
(إظلام)
اللوحة الثالثة
(يضاء المسرح وكل فرد من افراد الاسرة فى مكانه الاول.. البنت تذهب الى الجده ويدور حوار بينهم غير مسموع ثم تتركها وتذهب ناحية الاب...)
البنت : انه يملؤنى بأشهى عسل.
الاب : اشهى عسل ؟
البنت : يملأ كل اقداحى بأشهى عسل يا ابت.
الاب : هو علمنى حل الكلمات المتقاطعة.
الجده : وتعلمتها والتعت بها.. ولكن لم تستطيع حل شبكة كاملة.
الاب : نعم.. التعت بها.. لكنه لم يعلمنى كيف اتم الشبكة.
الجدة : لم لا تسأله ان يعلمك اتمام الحل ؟
الاب : سألت.. قال لى تعلم انت ، وبدأ وجرب وتعلم من خطأك.. وما اسأله الان عن حل لرمز الكلمات الا وشاح بوجهه عنى.
البنت : الرجل الطيب يا ابت اهدانى مرآة.. فبصرت شعرى جميلا، ورايت وحهى جميلا، وشاهدت الكون الموجود حولى جميلا.
الجدة : مرآتك لا تدوم
الاب : امى.. دعى ابنتى وشأنها.. فالرجل الطيباعطاها هى وعليها ان تحافظ على مرآتها.
الام : امك دوما تحبط فرحة ابنائى بعطاى الرجل الطيب.
الاب : امى تتكلم عما حدث لى. (يذهب الاب الى البنت ويحدثها).. وانا مثلك.. اعطانى مثل ما اعطاك لكن مآتى كادت تطمس.
البنت : (للأم) الرجل الطيب يبصرنى ويعطينى.
الام : عيشى يا ابنتى بعطيتك فرحة.. على ان تحافظى عليها ولا تعبأى بكلام ابيك وجدتك.
الابن : الرجل الطيب اعطانى قلما يكتب كل اشعار الدنيا وقال اكتب.. بحثت عن ورق ابيض فتعبت ولم اجد فما تابعت.
الاب : (بلهفة) فماذا فعلت ؟
الابن : ذهبت اليه.
الام : ماذاغ قال لك ؟
الابن : قال ابحث.. ولا تنسب فشلك للتعب.
البنت : وبحثت ؟
الابن : فارتعت.
الجده : البحث معناه ان تبحث عن غير الموجود.
الابن : بل موجود يا جدة وعلى ان ابحث.
البنت : انت يا جده دوما تسليمينا لليأس والقنوط
الام : (للاب) اجعل امك تكف عن احباط ابنائى
الجده : (للاب) ماكرهت ابنائك عمرى.. (" للام " يفضل ان يعبر عن هذا المنلوج بشكل حركى ما) لكنى اخاف عليهم ان يحيوا مثلى على الحلم فيأتى وحش الدنيا يلتهم الحلم وتشل الحركة ويمر الزمن ، فيجدوا انفسهم فوق كرسى حديدى لايشعر بالشوق الى الحركة.. كنت فى زمانى اعيش كارض والشمس، تشرق فحيى جلخات الكون، كنت احى بالنور لا اشعر بسعير او زمهرير.. ثم جاءت فئة لا اعلم عنهم شيئا... جائو من شتى بقاع الدنيا.. اكلو الحقل.. فبات زوجى حبيس حصير، وارض اجهضت نبتها.
الاب : امى، هذا حدث منذ زمنا بعيد.. اما اليوم لا يحدث..
الجده : (تقاطعه) بل يحدث دوما مادمت هذه الدنيا وتحمل فى احشائها من يعشقون النار.
الابن : جدتى.. قد عشت حياتك فدعينا نحيا ونجرب
الجده : انى اخاف عليكم.. فاحميكم داخل رحم هذا البيت
الاب : احبال الكتان
الابن شبكة تلتف على ساقى.. كانى احلم بالوحش يلتهم اعضائى
البنت عد للبحث
الاب واحبال الكتان ؟
الابن اين السير ؟.. الحبل يكبلنى
البنت هلا مزقت الحبل ؟
الابن لا.. ذهبت اليه
الاب ثانيه ذهبت اليه ؟
الابن ثانية ذهبة اليه.
الاب هل اعطاك سكينا او مقص ؟
الابن قال لى انت قص
البنت قال ايضا لى قصى
الاب ماذا تقصى ؟!
البنت اغلال النحل.. كى يعطى عسل النحل
الام النحل يلدغ وجناتك فتحمر
البنت (ضاحكة فى خجل) عل معنى هذا.....
الاب (للام) لازالت خمرة وجناتك ولازال النحل فى خلياتك.. هل هذا ايضا من الرجل الطيب ؟
الام عسل الرجل الطيب للفتيات.
الاب ولك ؟
الام الامهات نهاد درارة.. يعطيهم مثل ما يعطينى صبر.
الجده هل صبر الرجل الطيب مثل الصبر الذائب فى حياتى ؟
الابن لامعنى لهذا اغلسؤل ياجده الا ان تعكرى لنل صفو حياتنا
الاب امى تسأل امك لا تلفظ
لبنت (للابن) كنت رويت بالامس قصت احبالك واشعارك قصت احبالك واشعارك مع الرجل الطيب.. هل انهيت القصة؟
الاب لم انهها بعد
الابن ربما اوشكت ان انهى... لانى عرفت كيف البدء
البنت يا جدة.. هل رأيت الرجل الطيب ام ما زالت تنسى؟
الجدة لم اخرج هذا العام من مكانى لأراه
(تخفت الإضاءة، ويعود الأب لحل الكلمات المتقاطعة فى بؤرة ضوء)
الاب اربعة افقيا...
الابن ثمن الكتاب قد زاد
الام غدا سنشترى موقدا بالوقود الذاتى... لقد زاد ثمن الفحم
الاب متى ذهبت آخر مرة للدرس؟
الابن بعد آخر اجر قد دفعته
الاب ال..شين كائن حى...
الام الفحم نفذ
الاب شجرة
البنت الفحم نفذ
الاب جيم...
الابن الفحم نفذ
الاب راء...
الجدة (تتجه الجدة نحو الموقد) ارنى
الاب هاء...
(الام ،الابنه،الابن)... الفحم نفذ
الاب سنشترى غدا
(الجدة تنفخ فى رماد الموقد)
البنت ابى..اين العسل؟
الابن اريد ثمن الكتاب... هل ستذهب معى للجاويش؟
الام متى موعد تقاضى الراتب؟... صاحب دين الايصال على الباب
(الجدة تملئ الغرفة دخان، الجميع يسعل بشدة...)
(إظلام)
اللوحة الرابعة
(يضاء المسرح والابن يزيل اقرب ستارة منه)
الاب هل تنجح ؟
الابن لا اعلم
الاب هل تفشل؟
الابن لا اعلم
الاب هل قال لك الرجل الطيب افعل هذا؟
الابن هذا.. لا.. لكن قال افعل
البنت هل تكتب شعرا؟
الاب هل يشعر هداما؟
الجدة اوقفه عن هذا الفعل.. انى قد عشت فى ظلامى هذا وتعودت عليه... وتعودت على هذا الجو... اوقفه عن هذا الفعل.. الضوء القادم يصدم عينى... وهواء الخارج يدخل يوخذونى
الاب كف عن فعلك هذا... جدتك تتألم
الام ادفعه كى يتقدم
الجدة (تتأوه) يا هذا الابن الجاحد لدفء الجدة ,, انى اتألم ألم الموت
الابن لن اقتلك يا جدة.. انى اتبارى ولفائف كتان النوم
البنت اتمنى ان يحضر الرجل الطيب ليراك وانت تبحث عن اوراق الشعر
الابن هدفى ان اشعر لا ان اكتب شعرا... انى ابحث عن ثمن كتاب.. اهدم جدران الالياف كى اشعر...حتى يتسنى لى الشعر
الام اوصيك الا تنسى اباك...اصحبه معك.... إجعله ايضا يشعر
الاب قف..امى تتألم
الجدة اوقفه يا جد اللاشئ
الابن سأنجبه حفيدا طيب..خارج هذه الاحبال.. انى سأنجبه من النور وطيب هواء الكون.. هنا فى هذا القبولا يصلح ان انجب احفاد
الجده اوقفه يا ابن الايام المرة.
البنت لا يا ابى.. اجعله يهدم سياج هذا السجن.. انى مشتاقة لأرى الغرفة بعدالهدم.
الام بعد الهدم..يتسع الباب لإدخال الموقد ذاتىالوقود... حتى لا يسعلنا دخان الفحم.. سيدخل هواء جديداً...ويخرج الغبار الذى تخرجيه من اشيائك القديمة
الابن (للاب) هل ستشاهدنى فحسب..؟ الا تاخذ شرف الفتح.. هلم يا ابى مزق احبال الكتان.. التى تلتف حول الساق فتعيقك.. هلم يا ابت ابحث فى هذا الكونعنسر اللغز
الاب لغز الكلمات ؟
الام لتكمل حل الشبكة
الجده هل تقتلنى معهم ؟... انى امك انت.. لاتقتلنى معهم
الابن هيا يا ابت شاركنى شرف الفتح
الاب لا بل هذا قتل... اتقتل امى؟ اوصية الرجل الطيب؟ الرجل الطيب لا يوصى بقتل
الجده اعيانى الضوء.. انى هلامية يقتلنى هواء الخارج
الاب اتدخل الموت على امى ؟
الابن بل ينصب الموت على السجن
الاب هل تنجح ؟
الابن لا اعلم
الاب هل تفشل ؟
الاب لا اعلم
الاب لماذا تقتل امى اذن ؟
الابن انا لا اقتل.. انا اتحرر
الاب لكن الضوء وهواء الخارج يقتلها
الابن ما ذنبى ان احيا متعفن؟
البنت يا هذا الرجل الطيب.. اضفى بنورك وطيب هوانك على احلامى فجرا.. احمله طفلا انجبه.. ولدا طيب يحيا فى الكون.. ويصير رجلا طيب مثلك
الجده انى اختنق.. انه يتقيا على ضوء بارد.. وصل الى حلقومى
الام اخرج هذا الدخان.. عل راتى تستنشق ايام
الابن انهيت نصف جدار.. احبال الكتان الصلبة ترهق ظهرى.. هلا ساعدنى منكم احدا ؟
البنت الرجل الطيب قادم يحكم افكار الكون
الابن هلا ساعدنى منكم احدا ؟
الجده الموت يتسلل الى ذاتى
الابن هلا ساعدنى منكم احدا ؟
الاب استحلفك ان توقف فعلك
الام استنشق من فتحك هواء.. وعاود فتحا اخر
(الابن يفرد ظهره يستنشق هواء ثم يعود لازالة الستار ,الاب يستنشق ايضا)
الاب ان الفتح اخل هواء طيب.. لكن لا ادرى مسبب موتك منه يامى ؟
الابن لاتأبه وتعالى لننجز فتحا اكبر
البنت الرجل الطيب مد يداه.. مسح على صدرى فأجلاه.. نفث فى قلبى فأحيه.. النحل يغنى ويسقينى من شهده فما احلاه.
الام انى اتوسل يا هذا الرجل الطيب.. الصبر منك ما حلاه
الاب انى لن امنعك
الجده تتركه يقتلنى
الاب لن افتح معه
الجده امنعه يا جاحد.. الموت ياتى ليأخذ امك ، وانت لاتفعل شئ ؟!
الاب كى تحيى با امى.. نموت نحن فى سجن من احبال الكتان.. حاولى ان تحيى معنا
الجدة لاتنس انى احب
الاب وانا ابقيت عليك برغم سجنك لى ولابنائى.. كنت سجانة يا امى.. سجن من الخوف.. من شبح مجهول لا نعلنه الاتاريخا.. لن امنع ابنائى ان يحيوا احرار فى هذا الوجود.. حيث يلاقوا الرجل الطيب..
البنت ونحيا فى وجود طيب نفرشه خضره..تحت سماء زرقاء بصفاء الالفة..سنحيا ياجده احرارا فى هذا الوجود من اجل حياة احلى.
الجدة (وهى تلفظ انفاسها الاخيرة) الموت.. الخوف.. اموت من الخوف.. خوفى من الغام الحرب وقنابل سطو الانسان على الانسان.. وقتل الحريات.. والانحيازات عمياء الى لون اوعرق اوجنس.. وئد الانسان للانسان بدعو المذهب والاديان.. الخوف من سطوة مجهول لكن موجود.. عليكم ان تحيوا لكن اوعو لحياتكم...
(تموت الجده)
الاب (وهو ملفى بين قدمى امه) واماه.. واماه.. (يبكى بشده)
الابن اخر حبل انزعه من هذا المانع.. انا قادم.. انا قادم (وهو يخرج)
الام انى انتظرك
(تخفت الاضائه تدريجيا حتى الاظلام التام)
اللوحة الخامسة
(بؤرة ضوء على الاب وحيدا على المسرح وهو ينظر إلى المقعد المتحرك وقد خلا من الجدة)
الاب ما كنت جاحدا... ماتركتك للموت بإرادتى... وما كان لى ان اختار لكى موتا او خلودا... ولكنى حاولت ان ابقى عليك رغم تعاسة ايامى معكى... (ينهض من مكانة ويحاورالمقعد بعد ان يزجه) نعم كنت تعسا معك... لاتقولى لى ايام طفولتى... انى لا ادركها الان... انتى وحدك التى عشتها واستمتعتى بها... انما انا حين ادركنى الوعى... ما وعيت غير قهرك لى على شم الدخان وغبار الايام... لا تتهمينى بالتكاسل عن إنقاذك من الموت... انى جاهدت كل الاحلام الحلوة... ورضيت بالفشل فى سبيل الا اكسر قيودك الكتانية... وكنت يا امى تقفى فى سبيلى كى ألحق بالرجل الطيب... هذا الرجل الطيب الذى عرفتينى اياه...وعلمتينى ان اخذ منه... لكن لا ادرى لم كنت دوما تطرديه من ايامى... وايام ابنائى وايامك... تلك الايام الاخيرة التى دامت ما يربو عن قرن من الزمان... كنت تطرديه بالسعال ودخان التنور وبكائك فى وجه الصباح... كنت وفاء منى احافظ على بقائك... ورغم صممك عن هذه الاغنية كنت اسمعك تتليها (نسمع اغنية شادى مع فلاش باك نرى الجدة والابن وهو صغير تهدهده ثم يكبر الطفل تدريجيا فى حركة تعبيرية تجسد لنا إقبال الام وابتهاجها ثم تنزل بانوراما بها مشاهد من الحروب العالمية وحادث هيروشيما ونجازكى وحرب فيتنام وحادث تشير نوبل وعند كلمة ضاع شادى تجلس الجدة على الكرسى المتحرك ويتغير الديكور الى ماكان عليه فى المشهد الاول من ستائر كتانية والاب يحل الكلمات المتقاطعة والجدة تعطيه ظهرها..)
(إظلام)
الخاتمة
(يضاء المسرح على الغرفة وقد ازيلة كل الستائر الكتانية وقد اصبح بها باب للدخول وباب للخروج ، وشرفة فى المواجهه ، و موقد غاز مكان الموقد الفحمى.. الام تجلس بجور الشرفة ، والاب يجلس على مقعد يحل الكلمات المتقاطعة)
الابن ابى..هلم معى..قد جاء النور..انظر انه يملأ كل اركان البيت.. ابى.. تصور ان للبيت باب للخروج وباب للغرفة
(تدخل البنت من باب الغرفة)
البنتب امى.. قد وجدت " مطبخ" داخل الشقة.. يجب ان ننقل هذا الموقد للدخل..ونعد هذه الغرفة لإستقبال الرجل الطيب
(تبدأ البنت والام فى ادخال الموقد للداخل)
الابن ابى..استجلفك ان تأتى معى لنقابل الجازيش.. ابى.. دع هذه الشبكة مادمت لاتجيد حلها.. ابى ان لم تأتى معى.. سأذهب وحدى (صمت) ودون ان اودعك
(تدخل البنت و ورائهاامها)
البنت ابى..حاول ان تأتى معنا نقابل الرجل الطيب..ابى ان النور دخل الينا فأضاء لنا الطريق وفتح لنا الابواب.. عرفن كيف نحيا
الابن انى قادم اليك يارجلى الطيب.. انى ات يا هذا الضوء
البنت يا اتون الكون.. يا رحلة ضوء السنين .. يا عمر اليام والالوان والاحلام.. ياهذ القدم يمحل عمرا اخر للنور.. ان ضوئك يسحبنا من الثغر الوضاء لوجود بكر.. لايحمل بداخله الا الخضرة وهواء ندى طيب
(يخرج الابن وخلفه البنت.. تخت الاضائة ثم تعود على الام وهى تجلس بجور الشرفة والاب على مقعده يحل الكلمات المتقاطعة)
الام صادفنى الرجل الطيب
الاب (ينظر لها ثم يعاود حل الكلمات)
الام اعطانى قيمة دين الايصال
الاب (يتنهد ويخرج من احد جيبه بعض المال ، ويقوم فيخرج من الباب المؤدى للخارج)
الام (تنظر اليه وتخاطبه)الرجل الطيب ذهب للجاويش
الاب (يعود ويجلس مكانه)
الام ابنك تأهل للتجنيد.. تجنيد طيب وجديد.. يحمل معه معول وبعض بذور الخضرة
الاب (يقطب جبينه ، ثم ينظر فى الجريدة)
الام هل اصلحت جهاز التسجيل؟
تلاب (يهز رئسه مشيرا بالنفى)
الام لعلك صادفة الرجل الطيب اليوم؟
الاب (يهز رئسه مشيرا بالإيجاب)
الام هل ساعدك فى حل رمز الكلمات؟
الاب (يهز رئسه مشيرا بالنفى)
الام هل احضرت البصل؟
الاب (يهز رئسه مشيرا بالإيجاب)
الام كم بقى علينا من دين ؟
الاب (يرفع كتفيه معلنن عدم معرفته)
الام ماذا سنفعل عند الايصال القادم ؟
الاب سأنتحر
(تخفت الاضائة ، ثم تعود على الابن وهويحمل ادوات الزراعة ويرتدى الزى العسكرى، ثم تدخل البنت ويهى تحمل ادوات مشابهه ، يسلما على امهما ويقبلاها ، يقف الابن اما الاب والاب ممسكن بالجيدة والقلم ، يهم الاب لقبل الابن لكن يخرج الولد مندفع ، البنت تكرر نفس الفعل، يجلس الاب ويحل الكلمات المتقاطعة...)
الاب ماتمناه من اربعة حروف معكوسة ؟
(تخفت الاضاءة ويقف المشهد ليعبر عن مرور الزمن ثم بعد ان يعود الضوء تدخل البنت وهى حامل ، تقبل اها ثم تتجه الى الغرفة الداخلية)
الاب اخرها ياء..؟
الام الن تدفن هذا المقعد؟ (تشير الى المقعد المتحرك) او تبيعه (روبابكيا) كما نفعل فى الاشياء المهملة
الاب حلمى
(يأتى من الخارج صوت بائع الروبابكيا)
الاب مطلب انسانى غير ترف
صوت البائع من يبيع القديم...
الاب اولها حاء
ض.البائع تخلص من مهملاتك...
الاب اخرها تاء مربوطة
ص.البائع ترتاح من تعثراتك
الام (تأخذ الكرسى وتخرج ، يأتى صوتها من الخارج)..خذ ايها البائع...
الاب تاء.. تاء.. تاء..؟
الام (تدخل ومعها بعض المال تقترب من الاب وتعطيه النقود)
الاب والام حـــــريـة...
الاب (يكتبها ثم يطوى الجريده وينادى على بائع الروبابكيا ويخرج مباب الشقة ويأتى صوته من الخارج) خذ يا هذا.. هذه الجريدة مع صفقة الكرسى
(ســـــــــــــــتار)












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 08:59 AM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

شقيق الورد / مسرحية من فصل واحد
حسين السكاف




المكان

غرفة واحدة تشغل حيز المسرح، في وسطها سرير لشخصين، معلقة فوقه صورة لعروسين في ملابس الزفاف. باب الغرفة على يمين المسرح، وبين الباب والسرير خزانة صغيرة بأدراج ثم شماعة ملابس، إلى الجانب الأيسر من السرير منضدة قراءة عليها بعض الكتب والأوراق، وبجانبيها كرسيان. إلى أقصى يسار المسرح، توجد خزانة ملابس بثلاثة أبواب تشغل ضلع الغرفة المقابل إلى الباب. ثم منضدة دائرية صغيرة لا يتجاوز ارتفاعها متراً واحداً، تكون قريبة من حافة المسرح المواجهة للجمهور.



المشهد الاستهلالي



ستار

(" لا تظهر خلال المشهد أية قطعة من ديكور الغرفة." المشهد يستغل النصف الأمامي من خشبة المسرح، حيث تظهر أكوام من التراب ترمز إلى قبور، وعلى كل كومة مثبتة لوحة صغيرة مكتوب عليها رقم. تكون الأرقام على الشكل التالي 1979، 1980، 1981، 1982، 1983، 1984 ... حتى الرقم الأخير 2003. يبدأ المشهد بموسيقى هادئة لآلة الجلو، ثم يدخل طفل جميل مبالغ في جماله ونظافته وشفافية ملابسه، وكانه طائر كوني هبط من السماء. الطفل لا يتكلم بل يأتي صوته من خلف الكواليس إشارةً إلى صوت السماء أو صوت الحقيقة، والطفل يؤدي حركاتٍ إيمائيةً وكأن روحه هي التي تتكلم. يحمل بين يديه باقة ورد كبيرة، يخطو بين أكوام التراب وكأنه يلعب. يقوم الطفل في أثناء تحركه بوضع زهرة على كومة التراب التي يختارها بشكل عشوائي، يقف قليلاً وكأنه يصلي ثم يضع الوردة، ويذهب ليختار كومة أخرى)

الطفل - أيها الطيبون، أبناء الحياة

ها قد ولى زمنٌ وفات

أيها الحالمون، بقرص خبز

وكرامة أرض وثبات

مَنْ؟

أأنتم؟

أم حلوُ الغاية صار رفاة؟

أيتها الأرواح الممزوجة بطيب الأرض

في الدنيا، وفي الممات

ها قد ولى زمن وفات

أيها الطيبون، أبناء الحياة

ها قد مضى زمن الطغاة

منذ زمن بعيد، بعيد جداً، والإنسان منشغل في ابتكار طرق وأساليب لمعرفة مصيره. استخدم من أجل تلك الفكرة كل شيء، النجوم، الألوان، الحيوانات، الفصول، وغيرها الكثير الكثير، ولم يبق شيء عرفه إلا واستخدمه من أجل تلك الفكرة التي كانت وما زالت تعيق مسير حياته. قلة قلية من البشر كانوا يفكرون في الواقع، كانوا يستخدمون رموز الواقع المعاش لتحسين مصيرهم وليس لمعرفته، فهناك فرق كبير بينهما، فالذي يسعى جاهداً لمعرفة مصيره تراه هائماً في عالم الضياع، غارقاً بهلوسة الغيبيات، بينما تجد من يسعى لتحسين مصيره، أو من يحاول تصحيح صورة المصير ليكون أجمل من ما هو متوقع، يتصف بالعقل الراجح والكياسة، الذين يفكرون بتحسين مصيرهم كانوا يدربون أنفسهم على أشياء كثيرة، أحدهم قال، إذا كانت هناك حرب فعليك أن تفكر جيداً على ألا تكون من ضحاياها، وإذا كنتَ في أمان عليك أن تفكر جيداً كيف تحافظ عليه، وقال الآخر، إنَّ على الإنسان أن يتعلم التقاط الإشارات المنبعثة من الإنسان المقابل، فلكل طبيعة بشرية إشارتها الخاصة، للطيب إشارة، وللخبيث إشارة، للقاتل إشارة وللمسالم إشارة، للخجول إشارة وللوقح إشارة، على الإنسان أن يدرب نفسه على التقاط تلك الإشارات كي يتوجه إلى طريقه السالك المؤدي إلى تحسين مصيره، بمقدور الإنسان فعل ذلك، أليس هو من يلتقط إشارات الحب بأقصر زمن ودون أية كلمة؟، إذاً فعلية أن يدرب نفسه على الإشارات الأخر.



أيتها الأرواح الممزوجة بطيب الأرض

في الدنيا وفي الممات

ها قد ولى زمن وفات

أيها الطيبون، أبناء الحياة

ها قد مضى زمن الطغاة



ستار

المشهد الأول



(موسيقى لعزف عود منفرد، يعزف لحن معين، سيتكرر بين مشاهد المسرحية، أحياناً بمرافقة الغناء، وأحياناً أخرى موسيقى فقط. تدخل امرأة في الأربعين من عمرها يظهر عليها الحزن والقنوط، وآثار تراب يظهر على عباءتها، تقترب من شماعة الملابس فتشرع في تعليق عباءتها، تسمع صوتاً نسائياً من داخل البيت)

العمة - (يأتي صوتها من خلف الكواليس) وفية، بشريني هل سمعتِ شيئاً ؟.

ترفع وفية يدها اليمنى بصمت لتوحي إلى الصوت بالسكوت، فهي في حالة يأس ووجوم، تستدير بوجهها إلى الجمهور فيظهر كيسٌ بلاستيكي كبير بعض الشيء في يدها اليسرى، ترفع الكيس ببطء وهي تقترب من حافة المسرح ثم تحتضنه كالطفل وتطوح بذراعيها والكيس بينهما وكأنها تهدهد طفلاً رضيعاً، يبدأ صوتها بآهات مختنقة تظهر حرقةً وجزعاً

وفية - آه .. آه .. آه .. حبيبي .. يا حبيبي .. آه .. آه . (تستمر في أناتها لتظهر شقاءً ولوعةً استمرت معها طويلاً، لتجد نفسها اليوم وقد تخلصت من ذلك الشقاء بشكل نهائي. ينخفض صوتها رويداً رويداً ثم تصمت مغمضة العينين راميةً رأسها على كتفها الأيمن وكأنها في إغفاءة. تنطفئ الأضواء بشكل تدريجي ثوانيَ معدودات)



المشهد الثاني



(جميع زوايا المسرح مظلمة، سوى بقعة ضوء كبيرة مسلطة على وفية حيث السرير، تظهر المرأة وهي جالسة على حافة السرير تنظر إلى الكيس البلاستيكي الذي يتوسط السرير، تبدأ الغناء بصوت منخفض يعلو تدريجياً)

وفية - خايفة ... تنساني حبيبي

يا حبيبي خايفة

يمحيني البعد من بالك

وتمحيني المسافة

يمحيني البعد من بالك

وتمحيني المسافة

العمة - (يأتي صوتها قاطعاً غناء وفية التي تصمت حين سماعها صوت عمتها) وفية لماذا تغنين الآن، الوقت مبكر للنوم؟

وفية - (وهي تنظر إلى الكيس البلاستيكي) حبيبي لماذا لا تفي بوعدك هذه المرة، لم أعتد منك نكث العهود، حتى وعدك الأخير لي عندما اختطفك اللصوص من بين أحضاني في تلك الليلة الممطرة، نظرت إليَّ وأنت بين أيديهم وقلت لي، لا تخافي سأعود، وها أنتَ تفي بوعدك وتعود لي، لا يهم كيف عدت ومَنْ أتى بك، فمن الطبيعي أن تحتاج إلى من يصطحبك إلى بيتك بعد هذا الغياب الطويل، هل تعرف كم طال غيابك، بالتأكيد تعرف، عشرون عاماً، تصور عشرين عاماً بالتمام والكمال، عليك أن تفي بوعدك الآن، ألم تقل لي بأن صوتي يحيي العظام وهي رميم؟ ألم تقل بأنك تشعر حين تسمع غنائي كأنك تولد من جديد، قلت لي حينها بأن هذه الأغنية تجعلني كعفريت مصباح علاء الدين، فحين تغنيها أخرج بين يديكِ طفلاً نقياً حتى لو كنت تحت الأرض.

العمة - وفية، لم تقولي شيئاً، هل سمعتي أي شيء عن عزيز؟

(تنهض وفية بفزع متوسط الحدة وكأنها استيقظت من حلم جميل، بينما يبقى نظرها شاخصاَ إلى الكيس)

وفية - هذا صوت عمتي، أمك، (تستدير لتواجه باب الغرفة)، ترى ماذا يحصل لهذه المرأة التي شاطرتني همومي طيلة هذه السنين لو أخبرتها بأن ابنها قد عاد، هل تصدق؟ هل تحظى بعناقه بعد ما صار العناق أمنيةً مستحيلة الحصول؟ عمتي التي أطفأت الدموع نور عينيها منذ عشرة أعوام، هل ترضى بعودته دون أن تشم رائحة ابنها وهي تعانقه؟

العمة - وفية أخبريني ماذا حصل معك؟ هل تعرفين بأني بدأت أشم رائحة عزيز منتشرة في فناء الدار، رائحته تصلني بشكل خفيف، يبدو أنه في الطريق إلينا. (تبدأ العمة بترنيمة غنائية، تشبه ترنيمة الأطفال)

ردْت الولد من بعد العيـونْ

بعـد العـَمام الما يحنـون

ردتهُم بالعمَى ودومَنْ يونون

(تستدير وفية صوب الكيس بينما العمة مستمرة في ترنيمتها، تمسح بيدها اليسرى أعلى الكيس وكأنها تداعب شعر طفلها، وحين تنتهي العمة من الكلام)

وفية - يبدو أنك تريد أن أكمل لك الأغنية حتى تريني وجهك الجميل، (تبدأ وفية بالغناء)

خايفة يتشرد الغيم.. وأتشرد وحيدة

خايفة تجي الفرحة.. تلكَاني بعيدة

لون السما يحزن.. وشمعاتنا يطفن

وتذبل فرحة العيد.. وتضيع القصيدة

تضيع القصيدة

خايفة

العمة - ألم أقل لكِ بأني أشم رائحة عزيز؟ وهذا غناؤك في الوقت غير المعتاد هو أهم علامة لعودته.

وفية - آه حبيبي، أرجوك لا تكن عنيداً، اظهر لي كما وعدتني، (تقف وفية بشكل مفاجئ وكأنها تذكرت شيئاً مهماً)، لا، لا تظهر الآن إنتظر لحظة، (تذهب صوب خزانة الملابس وتختفي خلف بابها الذي فتحته للتو، بينما تستمر بكلامها)، يبدو أن الصحراء التي جبتها اليوم بحثاً عنك قد عفر ترابها وجهي، أنت محق بالطبع فكيف تريني وجهك الجميل وأنا معفرة بالتراب؟، هل تعرف حبيبي أن الرقم الذي عثرت من خلاله عليك هو رقم العام الذي تزوجنا فيه، نعم، أقسم لك أن الرقم كان 1983، الملاعين الكلاب تركوا اسمك بالسجل فقط، وحولوك إلى رقم ثبتوه على التراب الذي كنت تختبئ تحته، تصور يعرفون أين تختبئ وحين كنا نسأل عنك كانوا يقولون إن اسمك لم يمر عليهم إطلاقاً. (تخرج بعد أن أغلقت باب الخزانة وهي مرتدية قميص نوم أبيض يغطيه روب من اللون نفسه، تخرج وهي تحاول أن ترتب حاجبيها بيديها وبعض الحركات التي تظهر اهتمام في ترتيب المظهر، ثم تعود إلى وضعها السابق وهي تداعب الكيس.)

الآن أنا جاهزة على ما أعتقد، لكن حبيبي أرجوك ألا تعيب عليَّ إذا كان هناك بعض العيب. هل تتذكر هذا القميص إنه قميص العرس، لم ألبسه منذ تلك الليلة التي خطفك فيها الأنذال، أتذكر تلك الليلة جيداً، كنت حينها جالساً خلف مكتبك ذاك، تكتب قصيدة عن صورة طفل في عامه الأول (تطفأ الإضاءة في الجانب الذي تتواجد فيه وفية بينما تضاء بقعة من الضوء يظهر عزيز جالساً خلف المكتب مشغولاً في الكتابة، بينما تستمر وفية في الحديث وهي تقترب من مكان عزيز دون أن تسلط عليها الأضواء) أتذكر اسم القصيدة كان عنوانها " شقيق الورد " وحينها سألتك عن معنى ذلك الاسم (تنير بقعة ضوء أخرى على الكرسي المحاذي للطاولة التي يجلس خلفها عزيز فتظهر وفية قائلة) حبيبي ماذا تقصد بشقيق الورد؟

عزيز - شقيق الورد هو الطفل، تلك الصورة التي طالما اعتمرتها مخيلتي، فالطفل منذ اليوم الأول لولادته حتى يتم عامه الأول لا يختلف كثيراً عن الوردة، لونه، رقته، رائحته، صفاؤه، حبه للحياة، وغير ذلك. وشقيق الورد هو اسم ابني الذي أنتظره، سوف أسميه شقيق الورد.

وفية - الله، هذا الاسم لم يخطر في بال أحد من قبل، هل تعرف حبيبي أن هذا الاسم وحده يمثل قصيدة كاملة المعنى والصورة؟

عزيز - (وهو ينظر صوب زوجته) لا تبالغي كثيراً، لقد وجدتِ تلك الصورة بعد أن فسرت لك الاسم، وهذا التفسير هو ما يشغلني كي أصوغه على شكل قصيدة. تعرفين بأنني لست بشاعر ولم أكتب لغاية اللحظة سوى عنوان القصيدة (تطفأ بقعة ضوء المسلطة على وفية بينما يبقى الضوء منيراً على عزيز وهو مستمر بالحديث) ولكن الصورة في ذهني كاملة منذ زمن بعيد، صحيح حبيبتي أريد أن أسألك، رغم أن زواجنا لم يمض عليه شهران بعد، هل تظنين بأننا سنرزق بشقيق الورد قريباً. (تطفأ بقعة الضوء المسلطة على عزيز، لتضاء بقعة ضوئية على السرير حيث تظهر وفية في جلستها السابقة، فتقول وهي تنظر صوب طاولة الكتابة)

وفية - (بشيء من الفزع والغضب) عندها طرق الكلاب الباب طرقتين هزت الدار، ولم ينتظروا، رفسوا الباب الخارجي ودخلوا مسعورين إلى هنا ليقتادوك دون أن يقولوا شيئاً عن السبب، لم يقولوا سوى الأوامر بالسكوت والتهديد.

العمة - ابنتي، ماذا دهاك اليوم؟ مع من تتحدثين، هل أتى عزيز؟ أشم رائحته تزداد في أروقة البيت، أرجوك أن تقومي بغسل باحة الدار، وأن ترتبي غرفتك جيداً، وأن تغيري شراشف السرير، أنا على يقين بأن ولدي في طريقه إلينا، رائحته تزداد في البيت كلما مر الوقت، ولا تنسي يجب أن نستعد لاستقبال الضيوف، فأصدقاء عزيز، أقصد الذين بقوا من أصدقائه بالتأكيد سوف يأتون لزيارته.

وفية - (تتكلم دون أن توجه كلامها لعمتها) أصدقاؤه الذين كان يحبهم أكلهم الغول، غول الحروب، كانوا في كل إجازة يأتون ويسألون عنه وفي كل مرة ينقص عددهم، حتى حيدر تلميذه النجيب، أصبح جسده الغض طعاماً شهياً للكلاب السائبة والذئاب حين قتل وهو منهزم من الحرب التي لم يكن مؤمناً بها، قتل وهو في طريقه إلى أهله بعد أن فر من أرض الكويت، ليصبح طعاماً دسماً ملقى على الأسفلت بين البصرة والناصرية. (توجه كلامها صوب الكيس) حبيبي هل تتذكر حيدر، تلميذك الذي حدثتني عنه طويلاً؟ (تطفاً الإضاءة في الجانب الذي تتواجد به وفية بينما تضاء بقعة من الضوء تظهر عزيزاً واقفاً أمام مرآة الخزانة يسرح شعره، بينما تستمر وفية في الحديث وهي تقترب من مكان عزيز دون أن تسلط عليها الأضواء) تلميذك الذي كنت معجباً به وبرسوماته الجميلة؟، أتذكره جيداً، أتذكر كيف كنت تحدثني عنه؟ حينها قلت:

عزيز - هل تعرفين بأن أحد طلابي فنان تشكيلي موهوب، أعتقد أن شأنه سيكون كبيراً في المستقبل، أستطيع أن أقرأ مستقبله من خلال خطوطه الجريئة، وخياله الواسع، اليوم مثلاً، رسم عيناً بشريةً بدقة هائلة وكأنه درس مادة التشريح على أعظم الفنانيين التشكيليين في العالم، (يضحك ساخراً) التشريح مادة يدرسها طلبة الفن التشكيلي، وليس تشريح الأطباء طبعاً. (تطفأ الإضاءة المسلطة على عزيز، وتعاد الإضاءة التي كانت مسلطة على وفية)

وفية - (توجه حديثها إلى الكيس) كان المسكين يزورنا باستمرار، في البداية كان يقف عند الباب، يسألنا ويطمئن علينا، وعندما كنا نلح عليه كي يدخل البيت، كان يرفض، فأصبح يصطحب والدته معه في كل مرة كي يلبي رغبتنا. المسكين لم يقبلوه في الأكاديمية كي يدرس الرسم، لقد رفضوه لأنه لا ينتمي إليهم، فعلى الرغم من نجاحه بشهادة الإعدادية بمعدل جيد، إلا أنه لم يختار سوى دراسة الرسم، رفضوه وساقوه إلى العسكرية، كي يصبح طعاماً للكلاب.

العمة - (تعيد كلامها السابق) وفية .. أرجوك أن تقومي بغسل باحة الدار، وأن ترتبي غرفتك جيداً، وأن تغيري شراشف السرير، أنا على يقين بأن ولدي في طريقه إلينا، رائحته تزداد في البيت كلما مر الوقت، ولا تنسي يجب أن نستعد لاستقبال الضيوف، فأصدقاء عزيز، أقصد الذين بقوا من أصدقائه بالتأكيد سوف يأتون لزيارته. آه يا عزيز، أشم رائحتك ولا أراك، آه .. آه

مـن كثـر همـي غـديت اتـراب

م أشوه (يا عزيز) من العذاب

وفية - عمتي .. آه هي محقة، علي أن أرتب غرفتي كي تليق بعودة حبيبي الذي انتظرته طويلاً (تحمل الكيس البلاستيكي وتضعه برفق مبالغ فيه على الطاولة الصغيرة التي تتوسط أرضية المسرح، تقف وتنظر إلى الكيس، ثم تبتسم وتبدأ بالغناء بصوت خافت، يعلو حينها صوت أوتار العود وهو يعزف لحن ما تغنيه وفية، عندها تباشر في ترتيب سريرها بعد أن تخرج من الخزانة شراشف العرس البيض والأغطية، ومع كل قطعة تقوم بتغييرها تقربها من الكيس وكانها تريها إلى شخص معين)

خايفة ... تنساني حبيبي

يا حبيبي خايفة

يمحيني البعد من بالك

وتمحيني المسافة

يمحيني البعد من بالك

وتمحيني المسافة

العمة - (ياتي صوتها قاطع غناء وفية) عطر ولدي يقترب من روحي، وتلك المجنونة تغني، عطر ولدي وغناء زوجته يشعرني بالدفء والرغبة في البكاء.

(يتوقف الغناء بعد أن تنتهي وفية من الترتيب، ويبقى صوت العود يعزف موسيقاه التي تُسمع وكأنها بعيدة بعض الشيء، تقترب وفية من الكيس، وتجثو على ركبتيها خلف الطاولة وهي تنظر إليه بحنان ورقة مبالغ فيها).

وفية - منذ زمن بعيد، منذ الأيام الأولى لاختفائك بين أيدي اللصوص باتت الذكرى عطري الليلي، وخيالك قميص نومي، وتلك الحدقة السوداء قلادتي، أصابعك شموع الدفء وذكرى صوتك موسيقاي. منذ زمن بعيد وخيالك ينام إلى جانبي على هذا السرير الذي جمعنا أياماً معدودات. ولكن، اليوم وبعد أن عدتَ، وبعد أن لبستُ قميص عرسي وعاد السرير إلى عهده، لن أتنازل عن احتضانك ونحن في سريرنا لتشعرني بالدفء، أعتقد بأنك تشاطرني الرغبة؟، ألم تشتق لي طيلة تلك السنين البغيضة التي مرت بثقل مقرف .. ها؟، تعالَ إذاً (تحتضن الكيس وتستدير صوب السرير) سوف أعيدك إلى العرش الذي بنيناه معاً، عرش الحب والحياة، وتلك الأمنيات التي كانت تحرك طيور الجنان في أحشائنا وهي تتحقق الواحدة تلو الأخرى. (تضع الكيس على السرير وتباشر في فك رباطه، تطفأ الأنوار على زوايا المسرح كافة ويبقى النور مسلطاً على السرير ووفية والكيس) تعالى يا حبيبي سوف تنام إلى جانبي هذه الليلة (تبدأ بإخراج العظام التي يحتويها الكيس الواحدة تلو الأخرى) هذا ساعدك القوي الذي كنت تطوقني به، سوف تلفه الليلة على عنقي، وهذا ساعدك الأخر الذي اعتاد على تطويق خصري، سيكون مكانه هنا في هذا المكان (تضاء بقعة ضوء على الطاولة الصغيرة التي تتوسط مساحة الغرفة، فيظهر الطفل، الطفل نفسه الذي كان قد ظهر في المشهد الاستهلالي، وبهيئته نفسها وملابسه، وبالطريقة نفسها حيث يأتي صوته من خلف الكواليس، بينما يقوم بحركات توحي بأن الكلام له)

الطفل - هذه الأم المزعومة عاشقة حد الجنون، لا تعرف اليأس، بل اليأس أصبح فيها مجنوناً.

وفية - الأضلاع .. آه الأضلاع .. سوف أرتبها كما يجب، لا تخف يا حبيبي سوف أضعها كما كانت من قبل.

الطفل - لو أني ولدت حقاً، طفلاً صغيراً لهذه المرأة وتلك العظام، على أية صورة يا ترى سيكون الفطام؟ .. على لعنة السلطة لذرية العصيان، أم الصبر والشعارات والحروب والهذيان؟ ... أم على روح خاوية أجمل ما فيها حطام؟

وفية - لا تهتم كثيراً حبيبي، سأرتب كل جزء حسب مكانه، ما عليك سوى أن تستعد لعناقي، أن تستعد لتقبيلي وأن تضمني كما كنت في السابق، آه هذا الجزء (وهي تحمل عظم الحوض بين يديها) أعرفه جيداً، إنه عظم الـ (تُظهِر علامات الخجل وهي تبتسم) سوف أضعه أسفل الأضلاع، هنا، نعم هنا، ألم أقل لك لا تقلق؟ فأنا أعرف تماماً مكان كل جزء في جسدك الجميل.

الطفل - مجانين، يتزوجون وينجبون دون أن يتأكدوا فيما إذا كانوا مؤهلين لذلك أم لا، تدفعهم رغبتهم الجنسية إلى الزواج ولا يريدون أن يصرحوا بها، بعضهم يتزوج بذريعة الحب، والآخر يريد امرأة تخدمه وتقضي له حاجياته اليومية، وهناك من تقول إنه قدر محتوم، فمصير الفتاة هو بيت زوجها، ويتمادى بعضهم في الكذب فيقول إن لوالديه الحق عليه في أن يجد لهما من يعتني بهما، وهكذا، كلهم يكذبون، كلهم يتزوجون بدافع الرغبة الجنسية، أقصد حين يكبر الحيوان في داخلهم ويصبح أكثر هيجاناً، يذهبون إلى قانون الحياة، يحتالون عليه بأكاذيبهم.

وفية - هذا الساق سيكون أسفل عظم الحوض، هنا، و ... وهذا الساق الآخر هنا، بجانبه، أو بجانبي، فأنا سأنام في هذه الجهة من السرير.

الطفل - يتزوجون وينجبون الأطفال، من دون أن يعرفوا، هل هم مؤهلون لتربيتهم أم لا، بالله عليكم قولوا لي (يتوجه الطفل بنظره صوب الجمهور) أليس هناك في سجون العالم آباء وأمهات من المجرمين والقتلة؟، ألم يوجد الكثير من المعاقين والمتخلفين عقلياً واجتماعياً في كل المجتمعات؟، هل يصلح كل هؤلاء لتربية أطفال من أجل أن يكوّنوا جيلاً صالحاً يفكر بإنشاء مجتمع سليم معافى خال من الجريمة والتخلف؟ لماذا يتوجب على المعلم أن يتجاوز سيلاً من الاختبارات بدءاً من الدراسة الإبتدائية حتى الامتحان النهائي الذي يؤهله ليكون معلماً لأطفال صغار في سن السادسة، في حين يتزوج من يشاء وينجب من يشاء، من دون شهادة حسن سيرة وسلوك، أو حتى تعليم متوسط، أليست هذه مهزلة؟

وفية - سأضع أصابع يدك اليمنى على وسادتي كي أغفوَ وهي تحت وجنتيَّ، هنا، الإبهام ثم السبابة، والكل حسب الترتيب هذه هنا، وهذه هنا، أما هذه.

الطفل - هم لا يعرفون بأن الطفل قبل أن يصبح جنيناً في بطن أمه، يكون روحاً هائمةً في المكان، مكان العشاق والأحبة وحتى الذين يتزوجون لإرضاء الوالدين، أماكن كثير تتجول فيها تلك الروح، الشارع والبيت والأزقه، يسمع الأحاديث ويعرف الأحداث، يضحك لضحك الناس ويبكي لبكائهم. أتذكر منذ أكثر من ربع قرن حين أتتني الرغبة في أن أكون جنيناً في أحشاء هذه المرأة، كنت أستمع للسيد عزيز الذي كان من المفروض أن يكون أبي، وهو يقول (تضاء بقعة ضوئية على المكتب بعد أن تطفأ بقعة الضوء المسلطة على وفية والطفل في أن واحد)

عزيز - طفلنا القادم سيكون متميز جداً، سأربيه وأجتهد بتعليمه، سأبذل قصارى جهدي لأجعل منه رجلاً يختلف عن بقية الرجال، سوف أسمعه الموسيقى، الموسيقى التي لم يسمعها طفل غيره من قبل، سأعلمه الألوان وطريقة الرسم، سأتلو عليه أجمل قصائد الدنيا، سأبني له على هذا الجدار مكتبة تضم أروع الكتب وأهمها، هل تعرفين يا حبيبتي ماذا يعني لي شقيق الورد (إنارة على الكرسي المجاور للطاولة التي يجلس خلفها عزيز، تظهر وفية في حالة إصغاء، يأخذ عزيز كفي وفية بكلتا يديه) يعني لي كل شيء، هو الملك الوحيد الذي سأتخلى له عن عرشي في هذه الدنيا، سأسخر نفسي خادماً له، سأمنحه كل شيء جميل من ما ستمنحني الحياة.

وفية - وأنا، أين سأكون من هذا؟

عزيز - أنتِ الملكة الأم، ألا يكفي هذا، أنتِ الجنة التي سيدخلها شقيق الورد ليكون ملكاً على ورود الكون، أنت القلب النابض الذي سيمنحه الحياه. (تطفأ بقعتا الضوء المسلطتان على وفية وعزيز، وتضاء البقعة الضوئية على الطفل)

الطفل - تلك الكلمات التي قالها أبي المزعوم، جعلتني أشفق عليه، وجعلتني أحترمهُ أيضاً، فهو إنسانٌ نبيل، محب للخير وللحياة. حينها قررت أن أدخل رحم زوجته، وكنت على يقين بأن كل ما قاله الرجل هو محض أحلام، ولكن احترامي الكبير له، والذي صنعته كلماته الحالمة تلك، جعلتني اتخذ القرار، في الوقت الذي كنت أرى الحقيقة غير ذلك، ففي ذلك الوقت الذي كان فيه أبي المفترض يحلم بملكوته، كانت أعداد اليتامى تزداد بشكل مهول، كان قد مضت ثلاثة سنوات على اشتغال طاحونة الحرب، الحرب .. هل تتذكرونها؟ وكان سيل جثث الآباء والأخوة والأزواج يأتي من جهة الشرق، وكنت أعرف بأن من سيكون أبي، شخصٌ عادي، بسيط، لايمتلك شيئاً سوى الثقافة والأخلاق العالية وحب الناس، وهذا النوع من البشر يولد شهيداً، على الأقل هنا، أو لأكون متفائلاً قليلاً وأقول، في ذلك الوقت.

العمة - ها يا ابنتي هل أتممتي ترتيب غرفتك، هل فعلتِ ما قلته لك؟ أشم رائحة ولدي، ولكني تعبت قليلاً، سوف أنام وحين يأتي عزيز سأصحو، بالتأكيد سأصحو، لأن رائحته ستزداد وتوقظني.

الطفل - هذا صوت جدتي، ضحية أخرى من ضحايا الأحلام، تزوجت وأنجبت، تزوجت من رجل شريف، يحب الحياة ويمتلك ثقافة لا بأس بها، كان ضابطاً عسكرياً شريفاً يحب وطنه، ويفكر بالفقراء واليتامى، ولكنه قُتلْ، نعم قتل لأنه ولد شهيداً، قتلوه بالخطأ حين اندلعت أحداث التغيير. حين قتل جدي كان أبي المفترض في عامه الأول (يطفأ الضوء على الطفل، ويضاء على الحيز الذي يشغله السرير، تظهر وفية وهي تهم بالوقوف بعد أن كانت جاثيةً على ركبتيها وبين يديها جمجمة بنية اللون بلون التراب)

وفية - (تبدأ بالغناء، تجول في بعض أماكن المسرح وهي تنظر بحب إلى الجمجمة)

خايفة ... تنساني حبيبي

يا حبيبي خايفة

يمحيني البعد من بالك

وتمحيني المسافة

(تضع الجمجمة على الوسادة فيكتمل شكل الهيكل العظمي، تقف وتنظر إليه كما ينظر المرء إلى عمل فني شديد الجمال، وهي مستمرة في الغناء، ثم تأخذ مكانها لتستلقي إلى جانب الهيكل العظمي، وهي مستمرة بالغناء بمصاحبة موسيقى آلة العود)

خايفة يتشرد الغيم .. وأتشرد وحيدة

خايفة تجي الفرحة .. تلكَاني بعيدة

لون السما يحزن .. وشمعاتنا يطفن

وتذبل فرحة العيد .. وتضيع القصيدة

وتضيع القصيدة

(تطفأ أضواء المسرح فيسود ظلام كثيف، ويبقى صوت العود يعزف اللحن لثوانٍ، فتنار الإضاءة على الطفل)

الطفل - هذا الرجل الذي كان من المفروض أن يكون أبي لم يعلمه أحد فن التقاط الإشارة، ولم يفكر فيه من قبل، لذا نجد أن مصيره صار مأساوياً، (يحاول أن يتكلم بهمس) على الرغم من أني أعرف جيداً ألا أحد يستطيع الصمود أمام الحروب والعقول العفنة التي لا تحترم النفس البشرية الطاهرة، (يعود ويتكلم كما في السابق) مسكين أبي، أقصد الذي كان سيكون أبي، لم يُسمِعه أحدٌ أو يعلمه من قبل الحكمة القديمة التي تقول " اعرف نفسك بنفسك " وعلى الرغم من أني متأكد من أنه سمعها من قبل، إلا أنني متأكد بالقدر نفسه، بأنه كان يقول كما الآخرون " أنا أعرف نفسي جيداً " والحقيقة تقول إن أغلب الضحايا كانوا لا يعرفون أنفسهم، من منهم حاول أن يدخل إلى أعماقه ويضع قدراته في ميزان؟ من منهم حاول قياس الزمن الخارجي مع زمنه الداخلي؟ إن كل الناس قادرون على اكتشاف الحقيقة، شريطة أن يستخدموا عقولهم وحواسهم، عليهم أن يركزوا تفكيرهم في حيز الحقيقة التي يريدون معرفتها، وألا يذهبوا إلى حيز آخر يشتت أفكارهم، مثل السعي وراء معرفة المصير، لا وراء تحسين صورة المصير. (يحاول أن يتكلم بهمس مرة أخرى) ولكن رصاصات العقول العفنة تبحث عن ذلك النوع النيِّر من العقول بشكل خاص، لتستقر داخله، (يعود ويتكلم بصوت عال)، ولكن مالعمل؟ (تطفأ الإنارة)



المشهد الثالث



(تضاء بقعة ضوء كبيرة بعض الشيء على السرير، يظهر عزيز ووفية وهما مستلقيان، ثم يحاولان النهوض بطريقة أشبه بالحلم، يظهر هذا من خلال نظرات الاندهاش التي تبديها وفية، والابتسامات الخجلى الحانية التي توحي بالشعور بالذنب على ملامح عزيز، أنغام العود مستمرة، حيث تتعالى مع بداية المشهد، ثم تبدأ وفية بالغناء قبل أن ينهض الاثنان من على السرير)

وفية - خايفة ... تنساني حبيبي (تبدأ وفية بمراقصة عزيز، بطريقة أشبه بالطيران مع حركات دوران بين الاثنين، يجوبان أرضية المسرح وبقعة الضوء تلاحقهما. وفية مستمرة بالغناء، وعزيز يظهر متعة الاستماع إلى صوتها الذي افتقده سنوات طوال)

يا حبيبي خايفة

يمحيني البعد من بالك

وتمحيني المسافة

وفية - (ينخفض صوت العود تدريجياً) ها أنت تفي بوعدك، أعرفك جيداً، حبيبي الذي لا يخلف الوعد، قلتَ لي إنك ستظهر لي حين أغنيك هذه الأغنية حتى لو كنت كومة عظام (تستمر بالغناء وهي تراقص زوجها)

خايفة يتشرد الغيم .. وأتشرد وحيدة

خايفة تجي الفرحة .. تلكَاني بعيدة

لون السما يحزن .. وشمعاتنا يطفن

وتذبل فرحة العيد .. وتضيع القصيدة

وتضيع القصيدة

خايفة

عزيز - (تتوقف وفية عن الغناء، ويستمر صوت العوت بالعزف، ثم ينخفض تدريجياً حتى يتوقف) الله كم اشتقت إلى سماع صوتك الجميل هذا، كان صوتك يرن في أذنيَّ طيلة السنوات الماضية، كان زادي وقوتي، كان صبري على تلك الأيام التي لم أرَ فيها الشمس، الله يا وفية لو تعلمين هول ما رأيت، وفظاعة ما حل بي!

وفية - (تضع أصابعها على فم عزيز بحنان) أرجوك، قل لي قبل كل شيء، لماذا أخذك الكلاب، وبأي تهمة؟

عزيز - هذا السؤال لازمني ولم يفارق شفتي ثلاث سنوات، كنت في كل لحظة أسألهم، لماذا أنا هنا؟، ماهي تهمتي، لماذا لا تحاكمونني؟، ثلاث سنين وأنتم تضربونني كالكلب، أليس من حقي أن أعرف الذنب الذي اقترفته؟، كانوا يردون على أسئلتي تلك بجواب واحد، لا تتغاب أنت تعرف لماذا أنت هنا. وفي كل ليلة وأنا أئنُ من ألم الجروح والكدمات، حرقة الجوع والعطش التي قررتُ التعايش معها، وفي هذياني وغيبوبتي، أحاول أن استرجع شريط حياتي، يوماً بيوم، ساعةً بساعة، ولكني في كل مرة أجد نفسي عاجزاً عن أن أتذكر أني اقترفتُ فعلةً واحدةً تعكر مزاج أي مخلوق، لم أنتمِ إلى أي حزب أو منظمة أو تجمع طلابي، لم أناقش أي إنسان في موضوع خارج نطاق الرسم والألوان والفن التشكيلي، حتى اللوحات التي كنت أرسمها كانت لوحات تعبر عن الطبيعة، الأرض والبساتين والشوارع والأنهار والوجوه البشرية والحيوانات. حتى أني اكتشفت في إحدى الليالي وأنا أتذوق طعم الدم بين أسناني، أنني اخترت الرسم منذ طفولتي لأنني كنت طفلاً منطوياً، أميل إلى العزلة، أتحدث مع نفسي، ثم تحدثني الأشكال التي كنت أرسمها، كنت أتخذ منها أصدقاء وصديقات، أحببتهم جميعاً، وفي كل مرة أعيد رسمهم بشكل أجمل وبحب أكبر، وهذا، وحسب ما اكتشفته من خلال التفكير المستمر فيما مضى من حياتي والوضوح الذي بات يتسع يوماً بعد يوم، أقصد ليلة دموية بعد ليلة دموية أخرى داخل الزنزانة، هو ما جعلني ماهراً ومتمكناً من فن الرسم، وهو الذي منحني أسلوباً خاصاً ونظرةً خاصةً.

وفية - وبعد ذلك هل عرفت السبب؟، فليس من المعقول أن تبقى عشرين سنة دون معرفة السبب الذي قادك إلى حضيرة الكلاب؟

عزيز - أتذكر جيداً في صباح يومٍ بغيضٍ، أتى أحد السجانيين بشاربه الكث وكرشه المتدلي فوق رمز ذكورته الزائفة، وفي يده مجموعة أوراق. وقف عند الباب ونادى باسمي، أجبته بنعم وأنا طريح الفراش بسبب حفلة أمس.

وفية - حفلة، كيف هذا، حفلة في داخل السجن؟

عزيز - الحفلة يا وردتي التي عاقبتني الحياة على فعلة اقتطافها لتمنعني التمتع بالنظر إليها سنوات طوال، هي حلقة التعذيب اليومي الذي كنا نخضع لها باستمرار، وكان في الليل نصيبي منها دائماً، لذا كنا نسميها الحفلة، وأحياناً نسميها حمام ما قبل النوم، لا عليك، عندما ناداني ذلك السجان البغيض كنت طريح الفراش، أو طريح البطانية التي كنت اتخذها فراشاً، عندها صاح بي صيحةً زلزلت جدران الزنزانة. " قف أيها الكلب قبل أن ترد عليَّ، قف على قدميك يا ابن الحرام وأقترب هنا، اليوم سوف تعرف مصيرك المحتوم، مصير كل الخونة أولاد الزنى. عندها انتفض جسدي ووقفت على أقدامي، ولا أدري كيف تلاشت كل تلك الآلام وتوقفت الأنات وغاب عن جسدي الوهن، قلت له وأنا أقف وقفة الجندي الهمام، " حاضر سيدي "، دسست قدمي في نعلين إسفنجيين وذهبت معه، حينها أمسك برقبتي كالخروف، وأوشك أن يكسرها لولا أن إشارة خفية أوحت لي أن أرفع رأسي إلى الأعلى قليلاً كي تنحسر المسافة التي تسيطر عليها أصابعه. سار بي قاطعاً عدة ممرات ضيقة تتراصف على جانبيها أبواب حديدية، حاولت النظر إلى الأبواب علني أرى بشراً خلفها، ولكني لم أفلح، فلقد شلّت رقبتي من قبضته المحكمة، عندها فهمت سبب تلك القبضة اللعينة، وبعد أن اجتزنا الممر الأخير استدار بي إلى جهة اليسار لأواجه سلماً حديدياً ارتقيناه معاً، وبعد عدة أمتار وصلنا إلى غرفة موصدة، وقف السجان ووقفت بجانبه، عندها أفلت رقبتي من قبضته، أحسست بالدماء تتدفق بسرعة إلى رأسي فأصابني الدوار وكدت أقع، ولكن الراحة البسيطة التي اعترتني شجعتني على التماسك، عندها أخرج كومة المفاتيح من جيبه لينتقي واحداً منها، فتح الباب ومسكني من قميصي ليشدني في لمح البصر فأصبح أمامه، وضع كفه في ظهري ودفعني بشدة جنونية ألقتني على الأرض بعد بضع خطوات راكضة. (تطفأ الإنارة على عزيز وزوجته، بينما يستمر عزيز في الكلام حتى بداية المشهد التالي)، حاولت النظر، لم أستطع أن أرى أي شيء، كان الظلام حالكاً، ورائحة المكان نتنة إلى حد الرغبة بالتقيؤ، وحين وقفت اصطدم رأسي بشيء تبينت فيما بعد أنه كرسي، حاولت الجلوس عليه بعد أن تأكدت من مقعده، وحين جلست أنير فوق رأسي مصباح خافت.



المشهد الرابع



(تنار إضاءة خفيفة فوق عزيز، يظهر في قميص متسخ ببقع دماء جافة وهو جالس على كرسي في الجهة اليمنى القريبة بعض الشيء من وسط المسرح، يأتي بعد ذلك صوت من خلف الكواليس، هو صوت ضابط التحقيق)

الضابط - أنت عزيز؟

عزيز - نعم سيدي

الضابط - رسام، يعني ترسم لوحات؟

عزيز - نعم سيدي

الضابط - أنت مدرس في ثانوية النضال؟

عزيز - نعم سيدي

الضابط - تعرف لماذا أنت هنا؟

عزيز - أقسم بالله العظيم وبشرفي لا أعرف، وقد سألت كثيراً عن السبب، ولكن لا جواب

الضابط - دع الشرف جانباً، فلو كنت تمتلك الشرف لما كنت هنا، وتذكّر! لا تتكلم كثيراً، وعليك الإجابة على قدر السؤال.

عزيز - أمرك سيدي!

الضابط - أنت متهم بالتفكير بقلب نظام الحكم وتحريض الطلبة على المشاركة بما كنت تفكر فيه، فما هو ردك؟

عزيز - (في ذهول) قلب نظام الحكم؟ ... أنا؟ ... أحرض التلاميذ؟ ...، سيدي، الله يمد بعمرك، أرجوك أن تتأكد من الاسم الذي توجه إليه هذه التهمة، فبالتأكيد هناك خطأ.

الضابط - سألتك عن اسمك وعنوانك وعملك وأجبت بالإيجاب، فلا تتغابَ أكثر. من أنت حتى تفكر بتغيير الحكم، أنت مجرد كلب أجرب، حشرة، لاشيء، أستطيع أن أزهق روحك بحذائي هذا. (بصوت عال) أجب، كيف راودتك الفكرة؟

عزيز - أية فكرة سيدي؟، إن ما تقوله غريب ولم يخطر لي ببال، كيف أفكر بتغيير النظام وكل الشعب يهتف لقائده ويتمنى له العمر المديد، من أين تأتيني الفكرة وأنا أرى كل يوم الحرس والجيش والشرطة يحملون صوره على صدورهم؟، أرجوك سيدي، ارحمني، فأنا أوشك على الموت رعباً منذ أن سمعت الاتهام، فكيف أفكر فيه؟

الضابط - تأكد بأنك ستموت، ولكن قبل أن يتم هذا عليك الاعتراف بكل شيء. أنت متهم بالتفكير في قلب كرسي الحكم، وهذه تهمة تعرف جيداً عقوبتها، ولا أظنك ستفلت منها.

عزيز - طيب سيدي سوف أعترف لكم بك شيء، أقصد كما ترغبون، ولكن كيف اكتشفتم بانني أفكر بهذا الأمر؟ على الرغم من أني متأكد بأن تلك الفكرة لم ولن تخطر في بالي، فهل دخل أحد في عقلي واكتشفها؟

الضابط - يا حيوان، هل تعتقد بأننا أغبياء أو نائمون حتى نجعلكم تفكرون كما تشاؤون؟. بماذا تفسر تصرفك حين نصبت مشنقة في وسط قاعة الرسم وأمام الطلاب وعلّقت فيها الكرسي، ثم طلبت من الطلبة أن يرسموه، أجب!.

وفية - (يأتي صوتها من وسط الظلام، بينما تظهر على عزيز علامات الذهول وكأنه لم يسمع صوت وفية) فعلها ابن الزانية، كنت أعرف أنه من دبر لك هذه المكيدة، فعلها ابن الزنى.

عزيز - سيدي كان هذا درساً في الرسم، أتذكر حينها قال لي أحد التلاميذ بأنه سأم من رسم الطبيعة الصامتة، فالأشكال المعتادة كانت مملة على حد قوله، وقال أيضاً، لماذا أرسم هذا الكرسي كما أراه أو كما يراه الآخرون؟. عندها خطرت لي فكرة أن نرسم كرسي مقذوف في الفراغ، فرحت إلى فكرة تعليقه بحبل كي يظهر بشكل مختلف عن المعتاد وكي أرضي الطالب الذي كنت أتوقع له مستقبلاً فنياً مهماً.

الضابط - إذن فأنت تعترف بأنك من قام بشنق الكرسي، وهذا اعتراف صريح بجريمة التحريض، انتهى التحقيق. (تطفأ الإنارة المسلطة على عزيز وفي الوقت نفسه تضاء على المكان الذي تتواجد فيه وفية)

وفية - (واضعة رأسها بين كفيها) فعلها ابن الزانية، فعلها إبن " حَدوة "، كنت طوال الوقت أشك فيه، كانت كلماته وتلميحاته واضحة، وكنت أتذكر دائما ما قلته لي في ذلك اليوم، أتذكر؟ كنا جالسين في فناء الدار تحت شجرة التوت، حينها قلت لي بأن حاتم ابن حدوة مدرس مادة الجغرافية دخل عليكم فجأة ورأى الكرسي معلقاً بالحبل، حينها طلب منك بضع دقائق ليكلمك خارج القاعة، أتذكر؟ (تضاء بقعة ضوء فوق عزيز وهو في وضع جلوس على الكرسي الآخر بجانب الطاولة، ويبدأ بالكلام بعد أن يأخذ كفي وفية بين يديه)

عزيز - أتذكر جيداً، حينها قال لي وهو مصفر الوجه، خائف، " ماذا تفعل أيها المجنون، أتشنق الكرسي أمام الطلبة، ألم تعرف بأن الكرسي يمثل كرسي الحاكم؟ " حينها ضحكت منه بسخرية عالية,قلت له بأنه مجرد درس بالرسم، فلا تذهب بعيداً بتفكيرك القذر. (تنار الإضاءة على الطفل فيظهر جالساً فوق المنضدة الدائرية الصغيرة، بينما تبقى الإنارة مضاءة على عزيز ووفية، ويظهران غارقين في حديثهما ولكن دون صوت يسمع)

الطفل - لو كان عزيز الطيب هذا قد سبق له وآمن بأن هناك أناساً أشراراً، ولا يعرفون سوى الشر، لربما .. وأقول ربما، قد استطاع أن يحمي نفسه من ذلك الشرير، ذلك الذي لم يعتنِ به أو يربيه أحد، على الرغم من أنه قد عرف آلاف الرجال الذين كانوا يدخلون بيت أمه، كان يعرف بأنه هو وعائلته ينتمون إلى أرذل شريحة اجتماعية، لذا، فلقد لبسه الحقد على كل شريف. لو أن أحداً علّمَ عزيزاً من قبل كيف يلتقط إشارة الخبث والحقد من بين عيون الناس الذين مروا بحياته، لربما ... أقول ربما، استطاع أن يحسن من مصيره. (تطفأ الإنارة على الطفل)

وفية - ولكني حذرتك منه مراراً، وكم مرة أخبرتك بأن نظراته لي كانت ترعبني، أتذكر؟ كان كلما يزورنا في الكلية، يسأل عني أولاً قبل أن يسأل عنك، لقد حذرتك منه مراراً، كان يلمّح لي بأن حبي لك لا جدوى منه، كان يقول بصريح العبارة، بأنه سيقطع كل يد تمتد لتنال من وردته الجميلة، ألم تدرك بأن وردته تلك كانت أنا وليست واحدةً غيري؟

عزيز - ولكنكِ لم تقولي لي ذلك من قبل، منذ متى وأنت تعرفين ذلك؟

وفية - كنت أقولها لك باستمرار، ولكن طيبتك المفرطة كانت تصم أذنيك وعقلك عن التفكير بكل شيء سيء، وبعد أن أخذك الكلاب، تأكدت من قذارة ابن حدوة منذ ذلك اليوم الذي طرق الكلاب بابنا بوحشية أرعبت حتى الجدران (إضاءة على الطاولة الصغيرة المستديرة وسط المسرح، حيث يظهر الطفل جالساً فوقها)

الطفل - في ذلك اليوم كنت في أحشاء تلك المرأة، داخل رحمها، بعد أن دخلته من قبل، قبل أن يطرق الباب بأسبوعين، عندها أرعبتني الأصوات والجلبة ونباح الكلاب، فحولني الرعب إلى قطرات دم خرجتُ من خلالها إلى عالم الترقب والانتظار مرة أخرى، عسى أن أجد فرصةً أخرى وأدخل رحم تلك المرأة ثانية، أو أي رحم أجد فيه قناعة تغريني وتشدني إليه. ولكن كم أتمنى أن يسأل المرء نفسه قبل التفكير بالإنجاب والانصياع لغريزة الأمومة أوالأبوة، هل أنا حقاً قادر على تأمين مناخ صحيح لطفلي القادم؟ هل هذا العالم جدير باحتضان طفلي الموعود؟، هل .. لا، هذا يكفي (تطفأ الأنوار المسلطة على الطفل)

وفية - (وهي تكمل كلامها السابق) وبعد أن أخذوك، وبعد أن صرخت وبكيت ولطمت، أحسست بحرارة سائل ينساب بين فخذي وعلى ساقيَّ، وحين تبينت الأمر، وجدت ساقيَّ سابحتين بالدم، لقد أجهضني الكلاب، هل تعرف هذا؟ كنت أحمل شقيق الورد داخل أحشائي وأنا لا أدري.

عزيز - شقيق الورد، أما زلتِ تذكرين؟ آه يا حبيبتي، كان حلماً جميلاً.

وفية - حينها أخذتني عمتي وغسلت دمائي، وسقتني سائلاً ساخناً وهي تذرف الدموع من دون أن تنطق بحرف واحد. في اليوم نفسه وبعد ساعات قليلة أتى ابن حدوة وهو يسأل عمّا جرى، وقال إنه سمع من الناس أن شرطة بملابس مدنية قد دخلوا الدار وأخذوا عزيزاً معهم، حين ذاك طلب منا أن لا نقلق، فهو يعرف كل رجال الشرطة وضباطهم، ثم عاد إلينا في اليوم التالي وأخبرنا بأنه كلف أحد أصدقائه الضباط للبحث في موضوعك، وأصبح يتردد علينا كل يوم، وهو ينظر إليَّ نظراته الحقيرة المعتادة، وفي أحد الأيام زارني في مكان عملي.

عزيز - في مدرسة البنات؟

وفية - لا يا حبيبي في المستشفى، فبعد فترة من زمن غيابك صدر لي أمر وزاري بنقلي إلى وزارة الصحة، وتم تعييني قاطعة تذاكر في المستشفى، تصور تحولت من مدرّسة موسيقى خريجة أكاديمية حاملة لشهادة البكلوريوس، إلى وظيفة يستطيع أي شخص لم يكمل الابتدائية القيام بها. زارني حاتم في المستشفى وطلب أن يحدثني في أمر هام وعلى انفراد، ذهبت معه إلى ركن من أركان المستشفى وحينها أخبرني بانه عرف مكان وجودك، ويريد مني ألا أخبر أحداً عن ذلك حتى عمتي، واتفقنا على أن يلتقيني في اليوم التالي في أحد المطاعم. في بداية الأمر رفضت وقلت له، هل عزيز مسجون في مطعم، ضحك وكشر عن أنيابه وقال لا، ففي المطعم سوف نلتقي الضابط الذي سيأخذنا إلى مكانك.

عزيز - الحقير الذليل، بالتأكيد كان يكذب عليك؟

وفية - (تضحك) ها .. يبدو أن السجن قد علمك الكثير؟. قابلته في اليوم التالي ودخلنا المطعم ننتظر الشخص الذي قال عنه، كان المطعم فخماً جداً، حينها طلب لنا العصير، ثم الأكل والشاي بعد ذلك، وراح يحدثني عن جمالي وموهبتي الموسيقية، وكم أنه معجب بي وبأخلاقي، وقال لي حينها، لو لم تكوني متزوجة من أعز أصدقائي لتقدمت لخطبتك الآن. تصور، يقول عليك أعز أصدقائه؟. حينها أرعبتني كلماته وذاك المكر المخيف الذي كان يسكن في حدقتيه، وكنت كل دقيقة أنظر إلى ساعتي، وأسأل عن الشخص الذي يجب أن نلتقيه، وحين تأخر الوقت وقررت العودة إلى البيت، انتابته نوبة من الارتباك وطلب مني الجلوس بضع دقائق لأنه يريد أن يقول لي شيئاً مهماً.

عزيز - آه ياحبيبتي، أرجوك توقفي عن الكلام، أرى الحزن والمرارة مرسومين على وجهك وفي عينيك، أرجوك توقفي عن الكلام وأن تنسي الماضي، عليك أن تفكري بالمستقبل.

وفية - كيف تقول هذا وأنت الضحية، ضحية الأنذال والدسائس ومعدومي الضمير، لقد سرقوا الزمن من بين سنوات عمرك، غيبوك سنوات طويلة لتعود لا حول لك ولا قوة.

عزيز - لم أكن وحدي كان هناك الآلاف، صحيح أنا الضحية بشكلها المباشر، ولكنكِ أنتِ أيضاً، وأمي، وشقيق الورد، وغيرنا، كلنا ضحايا.

وفية - دعني أكمل إذاً، فأنا وأنت وعمتي وشقيق الورد ضحايا ابن الزانية، ضحايا الذئب الغارق بدم الأبرياء ذاك الذي استدرجني إلى المطعم، هل تعرف ماذا قال لي حينها؟، هل تعرف ماذا قال بعد أن وجدني مصرّة على الذهاب وتركه وحيداً مع شهوته الحيوانية؟، قال بأنه عرف مكانك وتأكد من ألا أمل من خروجك من بين أيدي الكلاب، وعليَّ أن أعيش حياتي وأنساك، وهو على استعداد تام لطلاقي منك غيابياً، ثم يتزوجني بعدها، وختم قوله بعبارته التي طالما كررها أمامي وأمامك، ولكن تلك المرة بشكل مختلف قليلاً، قال، لقد قطعت اليد التي امتدت لتقطف زهرتي.

عزيز - لقد قتلني ابن الزانية، لقد سرق مني فرحتي وأحلامي لأنه لم يفلح في الفوز بك عروساً له، يا إلالهي! أحقاً أنك من خلق تلك المخلوقات المفترسة وأنزلها على شكلها الآدمي إلى الأرض؟ مخلوقات لا تمتلك الضمير والرأفة، ترى لماذا؟، لماذا أقتل وأحرم من وجه أمي وحبيبتي بسبب وشاية عارية من الحقيقة؟

وفية - هل قتلوك فعلاً؟ عزيز أرجوك قل لي، هل قتلوك فعلاً، ولكنك أمامي، تحدثني، وهاأنذا ممسكة بيديك، بأصابعك التي أحس بدمائها تجري بين أصابعي؟

عزيز - نعم يا حبيبتي لقد قتلوني بعد أن أمضيت ثلاث سنوات بعد التحقيق الوحيد الذي أجراه معي ذلك الضابط الذي لم أرَ وجهه، حينها مرضت وسيطرت الحمى على بدني، دخلت حينها في غيبوبة لم أفق منها إلا وأنا تحت يدي الطبيب، طبيب السجن، حينها قال لي بأنني أشكو من التهاب الزائدة الدودية، وعليه يجب أن أخضع إلى عملية جراحية، وأخبرني بأنه سوف يبعث لي ورقة من أجل أن أوقعها كموافقة مني لإجراء العملية.

وفية - وهل كان السبب فعلاً التهاب الزائدة؟

عزيز - عندما عدت إلى الزنزانة، أخبرت من كان معي رداً على سؤالهم، وكان من ضمن الموجودين طبيب كان اسمه كريم، دكتور كريم الذي كان يضع على جبيني كمادات الماء البارد لتخفيف حرارتي، عندها طلب مني أن يجري لي فحصاً بسيطاً للزائدة، وحين أجرى الفحص أخبرني بأنني لا أشكو من إلتهاب الزائدة، ولكنه قال لي في الوقت نفسه كلمةً مخيفة، قال، يبدو أن أجلك قد دنى، فلقد كشف عليك طبيب السجن ليتأكد من سلامة أعضائك الداخلية، يبدو أن هناك طلبية مستعجلة يجب تأمينها. وطلب مني عدم توقيع الورقة لأنني بذلك سوف أعطيهم الحق في انتزاع كليتي أو عينيّ أو أي شيء آخر من أحشائي.

وفية - يعني حكموا عليك بالإعدام، ولكن بطريقة أخرى، طريقة المتاجرة بالأعضاء البشرية؟

عزيز - وبالفعل رفضت توقيع الورقة التي أتى بها العريف عبد، ولكنه رغم ذلك ركلني عدة ركلات واقتادني إلى غرفة الطبيب، وهناك وجدتهم وقد هيأوا غرفة العمليات، لقد كانت ملابسهم وهيأتهم توحي بذلك، قلت لهم بأني أرفض إجراء العملية، فقال لي الطبيب بأنه لن يجري العملية ما دمت غير موافق، ولكن علي أن أطيعه في أن يزرقني أبرة مضادة للالتهابات. مددت ذراعي له وزرق محتوى الأبرة فيها، عندها أغمضت عيني ولم أعد قادراً على الحركة، ولكني كنت أسمع حديثهم، أخذوني إلى غرفة العمليات وألقوني على السرير، وبدأوا يتناقشون. (تطفأ الأنوار المسلطة على وفية وعزيز)،



المشهد الخامس





(إضاءة على الطاولة الصغيرة المستديرة ويظهر الطفل جالساً عليها وبين يديه جمجمة يداعبها كما يداعب الكبير شعر طفله، وفي هذه الأثناء تصدر أصوات من خلف الكواليس توحي إلى الحوار الذي كانت يدور في غرفة العمليات، مع أصوات أدوات التشريح المعدنية)

الأول - هل نبدأ بالقلب

الثاني - كلا، علينا أن ندع القلب ينبض حتى نضمن حيوية الأجزاء الأخرى

الأول - فلنبدأ بالكلية إذاً،

الثاني - هذه مهمتي دعني أفتح من هنا، آه، دمه غزير،

الأول - طبعاً فلقد أوصينا لهم بطعام جيد حتى نضمن سلامة الأعضاء

الثاني - لا تتكلم كثيراً اقترب بالحاوية كي أضع فيها الكلية الأولى، سوف أقصها الآن، هل أنت جاهز

الأول - نعم دكتور، أقصد نعم سيدي، ها هي الحاوية

الثاني - خذ، هذه الأولى وانتظر الثانية

الأول - يبدو أن الكبد سليماً معافا، ما رأيك دكتور، أقصد رفيق، عفواً أقصد سيدي

الثاني - الكلية الثانية

الأول - الكبد

الثاني - الحالب الأيمن

الأول - الحالب الأيسر

الثاني - ها قد وصل طبيب جراحة العيون ومساعده

الأول - أهلاً بكما، لم التأخير، باشرا العمل

الثاني - هل أباشر بالقلب دكتور

الأول - نعم رفيق، لم يبق سواه، أرجو أن تعجل ولا تنسَ الدقة،

الثاني - أعرف جيداً بأنك جائع فعلينا أن نذهب لتناول الطعام بعد نصف ساعة

الأول - اسمع يا عزيز أرجوك أن تسامحنا فنحن نفعل ذلك لمصلحتك، أعضاؤك سوف تنفع أشخاصاً كثيرين هم بحاجة إليها، وأنك ستموت لا محالة، لذا قررنا الاستفادة منك بأكبر قدر ممكن

الثاني - لماذا تعتذر منه، هل تعتقد بأنه يسمعك

الأول - هذا واجبي وشرف مهنتي، علي أن أقول له ذلك، هل نسيت؟

الطفل - (يأتي صوته من خلف الكواليس) إن الإنسان مقياس لكل شيء .. الخير والشر .. السعادة والتعاسة. ومن يعرف الخير يعمل به، ومن يعرف العدل يعمل به، لذا علينا أن نتعلم كيف نعرف الخير والعدل، و نتعلم معرفة المحبة واحترام الروح البشرية كي نعمل بها. مسكين أبي، أقصد من كان سيكون أبي، لقد سلبوه أحشاءه، وعينيه، لقد باعوه وهو على قيد الحياة. فألئك الأطباء الأشرار يعرفون الخير ولا يعملون به، ومثل هؤلاء يشكل الخطر الأكبر على الحياة البشرية وقوانينها الإنسانية (تطفأ الأضواء المسلطة على الطفل)



المشهد السادس



(إضاءة على طاولة الكتابة حيث عزيز ووفية وهما في جلستهم السابقة)

وفية - أكيد أنك كنت تحلم، فهذه ليست الحقيقة، كيف أخذوا منك كل هذا وأنت جالس أمامي وتحدثني؟ (تظهر على عزيز إشارات أسف وخجل، ويبقى واجماً لا يحرك ساكناً وهو مطأطأ الرأس) أليس هذا صحيحاً؟، لقد كنت تحلم، أو ربما هو كابوس رأيته في منامك، رحت تقصه علي الآن، هل تعرف يا حبيبي (تحاول وفية أن ترفع رأس عزيز كي ينظر إليها، مستخدمة أصابعها تحت ذقنه برفق وحنان مفرط) طوال فترة غيابك، وفي كل ليلة تقريباً، أغني لك الأغنية التي طالما أحببتها وغفوت على كلماتها، تصور حتى عمتي، والدتك، كانت تطلب مني أن أغنيها عندما تريد النوم، وكأن روحك هي التي كانت تغني.

عزيز - آه أمي كيف هي الآن، ماذا فعلت المسكينة في غيابي، أين هي الآن؟ أريد أن أراها!.

وفية - إنها في غرفتها، نائمة، كانت تنادي علي طوال الوقت وتقول بأنها تشم رائحتك في أرجاء البيت، المسكينة ظلت تبكيك حتى أطفأت حرارة الدموع بصرها، إنها لا ترى منذ عشر سنوات، في السنوات الأولى كانت تطوف معي مراكز الشرطة والدوائر الرسمية والشوارع والأزقة للبحث عنك، وفي كل مرة نرجع فيها خائبتين، تجلس في غرفتها وتبكي وتنذر النذور لعودتك، حتى أصبحت النذور بعدد نجوم السماء، مسكينة عمتي لم تفتها مناسبة أو ذكرى إلا وهي تنطق باسمك وتدعو لعودتك وتنذر النذور، حتى أن صيامها أصبح في أكثر أيام السنة، وأصبحت توفي النذور قبل تحقيق الأمنية، كانت تقول بأنها أصبحت مؤمنة بأن عدم إيفاء النذور حتى يتحقق الطلب، هو تهديد إلى الذي يُطلبُ منه النذر.

عزيز - ولكن أمي لم تكن تفعل هذا من قبل، لم أعرفها تؤمن بالنذور طيلة فترة حياتي معها، مَنْ أدخل برأسها تلك الأفكار، وكيف أصبحت أسيرة لها كل هذا الزمن الطويل؟

وفية - اليأس والمرارة والإحباط، سيل الجثث الذي لم ينقطع طيلة فترة الحرب، أخبار الموت، والأزقة التي أصبحت حافلةً بمشهد المآتم، مكبرات الصوت فوق الجوامع والمساجد والحسينيات وهي تعلن باستمرار خبر الموت، الشارع الذي ما عاد يعرف من الألوان سوى لونين اثنين فقط، هما الأسود والكاكي، كل ذلك وغيره الكثير، ألا تعتقد بأنه كان كافياً لتحويل أكبر العقول إلى مجرد ظلال عقل؟ هل تعرف بأننا، اقصد أنا وعمتي، لم ننم في بيتنا يوم الخميس، أقصد ليلة الجمعة منذ سنوات طوال؟

عزيز - أين كنتما تذهبان، ولماذا ليلة الجمعة بالذات؟

وفية - كنا في كل مرة نختار ضريح أحد الأولياء الصالحين، نذهب إلى هناك حاملتين معنا متاعنا وشمعة الكافور وطاسة الحنة بعد أن يئسنا من زيارة مراكز الشرطة والمديريات والمؤسسات الحكومية. نجلس عند باب المرقد ونشعل الشمعة ونحني المدخل ونحن نذرف الدموع ونتذرع إلى الله تعالى أن نسمع عنك خبراً أو نستلم منك رسالة أو أي شيء آخر، حتى أننا في السنوات القليلة الماضية كنا نريد وصولك إلينا حتى لو كنت ميتاً كي ندفنك ويصبح لك قبر نزوره، ونتخلص من العذاب الذي جعل كل الألوان سوداً في حياتنا.

عزيز - أمي .. آه أمي .. أيها الحبيبة المسكينة، أريد أن أراها، ولكن لا أدري ماذا حل بي. إن أقدامي لا تتحرك، أنا لا أشعر بقدمي، أريد أن أذهب إليها، هل هي في غرفتها؟

وفية - نعم حبيبي، لا عليك، أنها أكيد نائمة الآن، سوف أذهب للاطمئنان عليها وأعود إليك (تترك وفية زوجها وتدخل في الظلام باتجاه اليمين من المسرح وهي تدندن بأحد مقاطع الأغنية، ويبقى عزيز جالساً على كرسيه وهو محدق بنظرة جامدة إلى الأمام. بعد عدة ثوان من دخول وفية في الظلام تخرج منها صرخة وهي خلف الكواليس)

وفية - (تصرخ بجزع، صرخة الإعلان عن موت عمتها) عـمة (يطأطئ عزيز رأسه ويبقى على وضعه دون أدنى حركة) عـمـة، لا! أرجوك ليس الآن! لقد عاد عزيز، لماذا تفارقيننا الآن، ألم تعاهديني بأنك لن تخضعي للموت حتى تشمي عنق عزيز وتقبلي وجنتيه؟ لماذا .. لماذا الآن؟ (تعود وفية لتدخل دائرة الضوء المسلطة على عزيز داخل المسرح، فتجده منكّس الرأس واضعاً كفيه على حافة الطاولة، تحاول وفية مسح دموعها، ثم تأخذ كفي عزيز بين كفيها)

وفية - ها حبيبي، إنها نائمة، ألم أقل لك ذلك؟ عمتي نائمة بشكل جميل، صدقني لم أرها غارقةً في النوم من قبل كما هي اليوم، يبدو أنها قد شمت رائحتك بالفعل، لذلك نامت وهي مطمئنة عليك، لماذا أنت منكّس الرأس هكذا، هل سمعت شيئاً أزعجك؟ أرجوك أن تجيبني، عزيز، هل تسمعني؟ عزيز أرجوك (تطفأ الإنارة المسلطة على عزيز وتبقى إنارة محددة جداً مسلطة على وفية وهي مستمرة في توسلاتها بزوجها وهي ممسكة بكفيه، على الرغم من أن كفيها داخلان في الظلام المحيط بها) أرجوك حبيبي أجبني، لماذا أنت زعلان؟، تريدني أن أغني لك، أجبني! (تبدأ وفية بالغناء)

خايفة ... تنساني حبيبي

يا حبيبي خايفة

يمحيني البعد من بالك

وتمحيني المسافة

ها حبيبي، هل تريد أن أستمر بالغناء؟ (تنار الإضاءة في أرجاء المسرح كافة، فتظهر وفية وحدها، وكفاها مطبقتان، تندهش للمفاجأة، وكأنها قد استيقظت من حلم) عزيز .. أين أنت .. يا عزيز؟ (تفتح كفيها فتتساقط عظام كفي عزيز على الطاولة محدثة صوتاً) ما هذا، أين عزيز، هل كنت أحلم؟، لا لم أكن أحلم لقد كان حقيقة، نعم حقيقة، عزيز حقيقة، بل هو الحقيقة بعينها، ومقتله هو الخرافة (تلملم العظام التي سقطت من كفيها وتتجه صوب المنضدة الدائرية الصغيرة وسط المسرح فتضع العظام عليها، ثم تتجه إلى السرير حيث بقية العظام، فتبدأ بلملمة العظام ونقلها إلى الطاولة الصغيرة لتشكل في النهاية وضعية توحي إلى تمثال أو نصب صغير تكون الجمجمة فيه مستقرة على كومة العظام الأخرى، تماماً كصورة الغلاف، تفعل وفية كل هذا وهي مستمرة في كلامها الذي يوحي بحالة الهستيريا التي انتابتها نتيجة يقظتها من الحلم الذي كان يتلبسها طيلة السنوات الماضية، فلقد عاد لها رشدها الآن وتيقنت بأن زوجها قد قتل، وتيقنت أيضاً بأنها لن تقوم بالأعمال التي كانت تقوم بها سابقاً لفترة طويلة) مقتل عزيز خرافة، كذبة، لاتنطلي عليَّ، فكيف يقتل الإنسان الطيب، ولماذا يقتل؟ لماذا يقتل الطيبون ويبقى المجرمون القتلة يتمتعون بالحياة، هل خلقت الحياة من أجل القتلة؟ هل خلق الطيبون من أجل أن يكونوا ضحايا؟ لماذا أصبح قانون الحياة البشرية كقانون الغاب، البقاء للأقوى؟، لا أعترض على هذا، ولكن لماذا لا تكون القوة هي قوة العقل والأخلاق والحب والنزاهة، لماذا يرضى الإنسان في أن تكون قوته في كتلة حديدية صغيرة باردة، لا تحتوي إلا على رصاصات رخيصة، هل يرضى ذلك الإنسان الذي خلق بأحسن تقويم بهذا، هل هو تافه إلى هذه الدرجة؟، لمْ يرضَ عزيز إلاّ أن يكون بشراً، كان بشراً تماماً كما خلقه وأراده الله، ما كان يعرف من هذا الحياة سوى الألوان والبساطة والحب، ما كان يصدق أن هناك وعلى هذه الأرض حيوانات مفترسة بشكل آدمي، كان يرفض الاقتناع بأن هناك الخبثاء والمجرمين والسراق والقتلة، كان يقول إن المجرم والسارق لم يختر لنفسه ذلك السلوك أو الطريق، فالظروف التي عاشها هي من أجبرته على سلوكه ذاك، ترى هل ما كان يؤمن به عزيز يعد من الجرائم كي يسجن ويقتل؟ لماذا يقتل القلب المترع بالحب؟، (تنتهي وفية من ترتيب العظام لتأخذ شكلها المطلوب على الطاولة المستديرة الصغيرة، تجلس وفية في وضعية جلوس توحي إلى ذلك الانكسار الروحي الكبير الذي ألم بها، وتبدأ أضواء المسرح بالخفوت شيئاً فشيئاً حتى تنطفئ باستثناء بقعة ضوء مسلطة على وفية والعظام التي على الطاولة) لماذا يقتل الحب، لماذا هناك مجرمون بيننا؟ (يأخذ صوت وفية بالانخفاض رويداً رويداً، إيحاءً منها على الإنهيار) عزيز أيها الحبيب المسكين، هل تسمعني، عزيز أيها القلب الطيب المحب للحياة، سوف أغنيك ما حييت، سوف أتخذ من عظامك عقداً حول رقبتي وأقراطاً وأساور وخواتم، سوف، سوف، سوف (تضع وفية ذقنها على حافة الطاولة ليأخذ شكل وجهها وضعاً مشابهاً تماماً لوضع الجمجمة) سوف أغنيك ما حييت، سوف، سـ ..و..ف أ .. غـ .. نـ .. يـ (تسقط يدا وفية على الأرض، ويهبط جسدها قليلاً إلى الأسفل، إشارة إلى موتها، عند ذلك تنطلق الأغنية التي كانت تغنيها سابقاً، ولكن هذه المرة يأتي الصوت من خلف الكواليس ومن غير موسيقى، وبصوت وفية نفسها، يظهر الطفل ويقف بجانب وفية، ويقوم بمسح شعر وفيه بكفه، وكانه يدعوها إلى نوم عميق)

غناء - خايفة ... تنساني حبيبي

يا حبيبي خايفة

يمحيني البعد من بالك

وتمحيني المسافة

خايفة يتشرد الغيم .. وأتشرد وحيدة

خايفة تجي الفرحة .. تلگاني بعيدة

لون السما يحزن .. وشمعاتنا يطفن

وتذبل فرحة العيد .. وتضيع القصيدة

* * *

آه يا حبيبي إنت بيا مطر

ربيت الضفاير وأنتظرك عمر

لا تحزن حبيبي لا تتعب ولا تمل

لظلك أصيرن ظل ... وأنحل بعد أنحل

وترجع ليالي الهوى .. وتخلص ليالي الهجر

وترجع إليَّ ... وأرجع مزهرية

وترجع لي مطر

وترجع لي مطر

وترجع لي مطر



تسدل الستارة//



* إشارة: الأغنية من كلمات الشاعر رياض النعماني، قام بتلحينها الفنان والملحن العراقي الكبير كوكب حمزة، وحقوق الشاعر والملحن محفوظة لدى المؤلف.

تأليف/ حسين السكاف












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 09:04 AM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الظلال / مسرحية من فصل واحد
عبد القادر الدرسي


*الشخوص /
- الرصيف.
- الأمواج.
- الريح.
- البحر.



الفصــــــل الأول
المشهـــد الأول
المنظور العام :

المكان خالي لا يوجد عليه أي شيء الخلفية عليها ستائر زرقاء ترمز للبحر وفي جوانب المسرح من ناحية اليمين واليسار تعمل الإضاءة بأشكالها الصفراء والزرقاء والحمراء بحيث تشكل بانوراما متحركة علي خشبه المسرح ويعلو صوت هدير الأمواج ترمز للبحر بالتأكيد وتختلط بأصوات صفير الريح ونستدل علي أن المكان بالطبيعة.الملابس غير مقيدة المهم أنها ترمز للشخوص.
من الجانب الأيمن يدخل الرمز (رصيف) بملابس عادية مرقعه في عدة نواحي من جسده تصاحبه موسيقي كلاسيكية تطابق الحالة النفسية المسيطرة علي المكان ومن ثم يدخل من الجانب الأيسر (الأمواج) بملابس فضفاضة زرقاء اللون.
يتجول الاثنان وهما كما سوف نري لا يشعران بوجود الآخر أمامهم وكأنه غير موجود ويظل الآخر يدور حول نفسه دورات درامية حتى يصطدما ببعض و تحدث مفاجأة للآخر وكأنه اكتشف وجود الآخر وهنا ويحدث عراك وتشابك يدل علي مدي العنف الطبيعي بين الاثنان ويتم تقريب المسافة حتى يلتصق الاثنان ببعض وتقف الموسيقي المصاحبة فجأة.
من هنا نشاهد خيال جسد أنثى في الخلفية للركح المسرحي ثابته.
الأمواج / جميلة.
الرصيف / جدا ً
الأمواج / شعرها يتاطير بخفة.
الرصيف / قفي أيتها الريح حتى نتأمل هذا الجمال ؟
الأمواج / بل اهدأ أنت وتحسس اسفلك بماذا تشعر ؟
الرصيف / خفة / خوف / رطوبة أنثى / (ينحني ويتحسس الأرض أسفله)
الأمواج / هل تستطيع ياصديقى أن تدفعها نحوي لكي أتحسسها.
الرصيف / تتحسسها / مجنون أنت (رنة غضب واضحة واستنكار)
الأمواج / اليس من حقي ؟
الرصيف / حقك ؟ في ماذا ؟ (لهجة تساؤل)
الأمواج / في أن أضم جسد (لهجة حسد)
الرصيف / جسد / كيف. (حيرة)
الأمواج / أريد أن اشعر بحنان أنثي ودفئها.
الرصيف / أي حنان ودفء هذا ؟ (تساؤل)
الأمواج / هي ادفعها دعني أضمها إلى صدري.
الرصيف / لا / لن افعل / هي ملكي الآن. (يصرخ بقوة)
الأمواج / ملكك / متي امتلكتها.
الرصيف / منذ وطئت بجسدها النحيل ظهري.
الأمواج / وهل لك ظهر.
الرصيف / وهل تمتلكه أنت …؟
الأمواج / نعم وبلا شك.
الرصيف / كيف ؟
الأمواج / هذا سر لا يقال لحسود. (لهجة خبث)
الرصيف / أنا حسود يا شجع / يا مجرم. (لهجة غاضبة)
الأمواج / أنا شجع ومجرم ما هذه التهم السخيفة.
الرصيف / نعم / أنت قاتل / طماع تتلقف الأشياء بلا تمييز.
الأمواج / أنا لاامييز الأشياء ؟ كيف أيها الذكي.
الرصيف / يكفى انك تلتهم اجزاءاُ في كل يوم.
الأمواج / أجزاء اً ؟ أنت مخبول حقا ً.
الرصيف / أمي الأرض وأختي السماء تقفان شاهدتان علي جرائمك
الأمواج / لاتحملني ذنوبا ً لا أستطيع الدفاع عنها.
الرصيف / علي ماذا تدافع إذا ً / عن جوفك الأزرق الملتهب بالموت.
الأمواج / قف عندك !! / لاتدع عقلك الخرف يسرد اتهامات لا واقع لها.
الرصيف / لا واقع لها / إذا ً ماذا عن البقايا المعذبة تحت سطحك.
الأمواج / عن أي بقايا معذبة تتحدث / أنت سكران بالتأكيد.
الرصيف / سكران بألم البشرية / بغياب الحقيقة / بفقدان الأمل
بجرائم التاريخ ضد أبنائه / بالآلهة المكممة علي الكراسي /
بالقيود التي كبلها القيد / بالكلاب التي تنهش ظهري وتلعقه صباح مساء
بلعابها المقزز.
الأمواج / كل هذه الأشياء بسببي أنا / أنت بالفعل مجنون.
الرصيف / فعلا ً/ مجنون من يضم اهاءات تتوق للحرية /
تتوق للهرولة بين هذه الأرصفة وهي عاجزة /
تريد مغازلة الطبيعة لتتحد معها بأمل باكي. (صمت)
الأمواج / ولكن أين أنا من كل هذه أنها الطبيعة وأنا أحد جنودها ولست عبدا ً لها.
الرصيف / بل عبد ُوحقير وقذر / لاتعرف الأمن والامان / زلة قدم ُواحدة وتضم
أمما ُتحت بياضك المستعير موتا ً.
الأمواج / لقد بالغت في شدة تصورك للحقيقة / أنا مسير ولست مخير.
الرصيف / مسير في ماذا هل تعلم كيف ؟
الأمواج / كيف أيها العدو الصديق. (يضحك).
الرصيف / نفسك القذرة المؤمنة بسلب حاجات الآخرين / وانتزاع الأرواح وسرقة الماديات.
الأمواج / سلب / انتزاع / سرقة / ماديات / إنها لغة لا افهمها.
الرصيف / وكيف تفهم لغة قوم لم تعاشرهم / ولم تقترب منهم سوي بالموت كيف ؟
الأمواج / ومن هم هولاء ؟
الرصيف / اسأل علب الأطفال وعرائسهم / اسأل الدموع التي تنحدر علي خدودهم الرقيقة اسأل الأرواح التي سلبتها من ماديتهم بلا سبب. ؟
الأمواج / وهل كنت ابا أو مصلحا ً اجتماعيا ً لكي اقرر واضع قوانين الحياة / أنت بذلك ظالم وتهذي ابتعد بعيدا ً أيها المعتوه.
الرصيف / أبا ً / نعم / لكن الابتسامة ضاعت وسط عويل الفقر / أسئلة تبحث عن إجابات
تقذف علي شواطئك بلا حياة.
الأمواج / أذهلتني كثيرا ً بفصاحتك أيها الفيلسوف رصيف / تري ماذا أعددت أيضا ًمن كلمات حاقدة.
الرصيف / سبع كلمات / سبع أحرف / سبع جرائم / سبع لعنات / سبع دمعات / والكثير.
الأمواج / لاتحملني من جديد عقابا ً أمام التاريخ / ماذا فعلت لكي ترمي علي حملا ً لا أستطيع حمله.
الرصيف / أحملك / سبع كلمات / وأبنائها / وأحفادها / أحملك/ دمائها النقية / جرائم الإنسانية.الأمواج / يا ألهى /من نصبك علي قاضيا ً / ثم متي فعلت كل هذه الجرائم / متى …؟ (بخوف)
الرصيف / لست وحدك من فعلت / بل الذين أمامك هم من صنعوا الأحداث.
الأمواج / اين هم / ومن هم / وكيف. (يلتفت بفزع)
الرصيف / اسأل شركائك / عباد السلطة / خدم العروش / أبناء مزبلة التاريخ.
الأمواج / أنا لاذنب لي في كل تلك الجرائم / اسأل الريح …. (يكرر الجملة)
تتغير الأضواء بسرعة ألوانها دليل علي حركة الزمن.. يصحابها موسيقي وصفير رقيق
ثم يتبدل الأمواج علي هيئة شخصية الريح ويرتدي ثوب اصفر لونه ازرق خفيف.
الريح / سمعت أحدا ً يذكرني / ماذا هناك / أنا في عجلة من أمري.
الرصيف / ذكرك زميلك المجرم / وأية عجلة أنت فيها / هل لخير أم لشر…؟
الريح / زميلي المجرم / ليس لدي أصدقاء مجرمون / بل لدي أطيبهم
الرصيف / تزرع الرعب في قلوب الناس / تغرق سفنهم / تقلع أشجار أطفالهم /
وتسلب ابتسامتهم / وتحدثني وتقول لا يوجد لدي أصدقاء مجرمون.
الريح / كلكم ناكرون للجميل / لاتعرفون الأشياء سوي من زوايا ضيقة
الرصيف / وأين هي الزوايا الواسعة / وأنت تنثر الموت من اشدأقك.
تكفي رائعة الموت التي قدمتها في تساو نامي العظيمة.
الريح / رائعة الموت / تساونا مي/ كانت مجرد نزهة لأطفالي فيها لا اذكر أنني نثرت
الموت علي أرضها الجميلة ربما أحد أطفالي الأشقياء سوف أتحقق من الأمر.
الرصيف / انك تتعبنا بأحمالك المتسخة بالأتربة والدمار / انك لاتري سوي ظلك
وأنت تدير ظهرك للشمس.
الريح / هل استدعيتني لكي اسمع كلاما عن فلسفتك وغيرها / اعلم أن وقتي ثمين.
الرصيف / لم أستدعيك / لست حاكما ً يجر ورائه خيوط الظلام / أو تكتلات الدم
/ أو قوم ظالين في قلب الصحراء / أو تلك الدكتاتوريات الميتة المميتة.
الريح / كلامك غريب / هل احدس أنني في ركن معارض لأشكال الديمقراطيات
كما يتحدث أولئك المبشرون والديمقراطيون أصحاب صمامات الدم.

الرصيف / إنها طبقة المعذبون في الأرض / أنا ابن هذه الحياة / ارهف سمعي لعذابات
وشكاوي الإنسان في كل مكان.
الريح / في كل مكان …؟
الرصيف / نعم / في أي بقعة / جسور ممدودة بلا أمل / لغتنا اهاءات / وحديثنا
الدموع / حلوقنا منزوعة باسم الإصلاح / فقط تركوا لنا الدم نلعقه في
صمت لنبكي عليه.
الريح / تري هل أنا في الأرض … ؟
الرصيف / نعم / في الأرض / وانتبه لعلك تسير علي مذابح الحرية / أو جماجم الأبرياء
الريح / (يقفز) اللعنة هل أنا في الجحيم / هل هبطت في مكان أصابته اللعنة ؟
الرصيف / اللعنة تخطيء الأشرار وتصيب أعناق المناظلون.. أنها آثمان العيش تحت
الشمس بلا قيود أو أيدلوجيات مقيتة.
الريح / لا يوجد مكان تدوم فيه الشرور / بل كل صباح يأتي بجديد.
الرصيف / سبع كلمات / سبع أحرف / سبع جرائم / سبع دمعات
الريح / أراك عدت للهذيان من جديد.
الرصيف / بل هذيان الحقيقة اقوي من الأجراس الخرساء.
(تظلم الإضاءة قليلا ً.. قليلا ً ونظراتهم جامدة حتى يتم الإظلام)
موسيقي إظلام

المشهد الثانــي
تعود المناظر الخلفية علي ما كانت عليه سابقا ً من تجهيزات ونري الممثل السابق الرصيف جالساً معتمدا ً علي يديه خلف ظهره وينظر للأعلى في غضب. نسمع أصوات أمواج البحر الهادرة يتردد صداها.. بينما يدخل شخص يرقص بمرح ويلهو نتعرف عليه من طريقة ملابسه انه البحر يقف بسخرية بجانب الأول يحدق فيه.
البحر / سلاما أيها الغاضب المتفرد بنفسك / هل لي بسؤال / إذ لم اكن ثقيلا ً عليك.
الرصيف / لاعليك / اسأل / كل شيء رخيص ما بالك بالأسئلة.
البحر / لماذا أنت حزين وغاضب في نفس الوقت / وعلي وجهك علامات الهم / نعوذ بالله من الهم وتوابعه / هل لديك مشكلة / أنا في الخدمة.
الرصيف / هل لديك أبناء تعتمد عليهم …؟ (يتجاهل الأسئلة).
البحر / نعم / علي الرغم من غرابة سؤالك بغرابة إجابتي لك نعم / ابني الأكبر بحور وهو متزوج ويعيش بعيدا ً عني / والمتوسط الزبد وهو مشاكس قليلا ًولكن أعلموني مؤخرا أن لديه علاقة غرامية / أما الموجه الصغرى فلم تتخرج بعد من الجامعة هذه عائلتي.
الرصيف / هل تعرف الريح وأخته العاصفة.
البحر / وهل أنكر معرفتي بمن يغذيني دائما بكل الأصناف الجميلة. (بمرح يجيب)
الرصيف / إذا أنت لاتنكر معرفتك به / لا تنكر الشر فيه.
البحر / الشر موجود ولكن خيرا ً / ماذا هناك أخافتني بكلماتك.(ترتجف كلماته)
الرصيف / الشر فيك وبداخلك. (بغضب)
البحر / ها ها ها ها / أنا شرير يا أخي كيف / وأنا الزاخر / الحنون.
(يستبدل البحر بطريقة سريعة بالأمواج وتبقي هكذا الطريقة حتى يتم الحوار)
الأمواج / كاذبون فيما يدعون عليك / أنني أرد حججهم بحجج.
البحر / ماهي اكاذبيهم / أنني استمع …؟
الرصيف / أنت مجرم / مجرم لاتعرف الرحمة.(صوت غاضب عالي)
البحر / أنا..؟!!(بدهشة)
الرصيف / نعم أنت / والزبانية الذين معك.
البحر / أنا والزبانية / هههههههه أنت مجنون.(بسخرية)
الرصيف / بل دكتاتوري متعفن / متسلط / مخرف / جبان.
البحر / لعلك مخطئ.
الرصيف / بل علي صواب.(بقوة)
الأمواج / أي صواب / أنت مختل عقليا ً
الرصيف / مختل عقليا هكذا يدعي المسالمون أمثالنا / قطعتم آمال البشر ودفنتم أحلامهم في جوفكم.
البحـر / نحن فعلنا ذلك…؟ (بصوت اكثر دهشة(
الرصيف / نعم / إنني استمع ألان إلى توديع الأمهات لأولادهم / وبكاء الأخوات /
إنني أرى مأساة بشر علي ظهر سفن تودع أحبابها.
البحـر / جميل ماتقول. (ببرود مثير(
الرصيف / بل الأجمل ما تنصبه من شراك قاتلة.
الأمواج / شراك قاتلة / أنت تبالغ كثيرا ً.
الرصيف / اسأل الريح.
)تتبدل الشخصيات بالتوالي عبر الممثلين حسب أحداث والمونولوج الداخلي في سرد الحدث)
الريح / أنا بماذا اسأل ….؟ (بخوف(
الرصيف / عن ضحايا سياستكم الفاشية التي لوثتم بها أياديكم.
الريح / ماذا يقول هذا التعيس !!!
البحـر/ لقد تجاوزت حدودك كثيرا ً (يصرخ بقوة كبيرة(
الرصيف / ماذا تريد أن تفعل / هل سوف تغمرني بمياهك الهادرة.
البحـر / أنا لست قاتلا ً لكي افعلها.
الرصيف / كلكم تدعون ذلك / ثم تهدرون الدماء بلا طائل.
الأمواج / يبدو انك تحمل ضدنا حقدا ً اسود.
الرصيف / ماذا قلت اسود / وأين البياض في هذا العالم.(بلهجة ساخرة(
الأمواج / البياض هو الخير يا عزيزي / أنت مصاب بعمي الألوان.
الرصيف / عمي الألوان يا صديقي / لا يصيب آلا الحاقدون والمفسدون.
الريح / كفي / كفي نقاشا ً لافائدة منه / أنكم تثرثرون كثيرا ً.
الرصيف / نحن نثرثر إذا ً / اين هو الصواب لديك.
الأمواج / الصواب لدي في جسد تلك الجميلة / هل رايتها وهي تمسد براحتيها علي شعرها.
الرصيف / آه / ثم آه / كم هو غزير ومثير.(بإثارة(
الأمواج / ناعم.) لهجة حالم(
الرصيف / يالله أنني اشعر باللذة.
البحــر / أي لذة خبرني.) بلهفة(
الرصيف / لذة أنثى دافئة.
الأمواج / دافئ / دعني أدفئها بنفسي.
البحـر/ بل دعوني احملها إلى عالم الأحلام (صوت حالم(
الرصيف / لاهذا ولاذاك دعوها وشأنها.
الريـح / شاهدوني وأنا أداعب شعرها.
البحـر/ لا بل داعب كتفيها (لهجة خبث (
الرصيف / مابكم آلا يكفيكم ما لديكم.
البحـر / لكنها فاتنة.
الريـح / بل هي معجزة في الجمال.
الرصيف / بل هو فقري وسوء حظي..؟ (صوت باكي)
الريــح / ماذا قلت / سوء حظك / وأنت تداس يوميا بألالاف الأقدام متنوعة الأشكال والألوان.
البحـر / دعه يتأمل سوء حظه في ذاته / ليس له منال في أيدلوجيته الماكرة من نصيب.
الرصيف / أية أيدلوجيات تتحدث / مضي زمنها يا عزيزي هناك اليوم آراء اكثر تفتحا ً.
الريح / مثل ماذا …؟
الرصيف / هناك / في تلك الغيمة الماطرة / التي تتلون تحت السماء / هناك انظر.
البحـر / اين تلك الغيمة / أين / إنني لا أرها في أي مكان.(ينظر للأعلى في مشهد بانوراما(
الرصيف / هي قادمة / لكن لاتزال بعيدة / بعيدة جدا ً.(بصوت عميق(
الريـح / بعيدة جدا /ُيبدو انه قد عاد إلى حالة الهذيان التي يعيش فيها منذ زمن.
الرصيف / نعم / (ينشد (:
إنها موجة تأتي وتذهب
عوجاء في مشيتها
خرساء في كلمتها
بكماء صماء
الكل ينتظرها
والكل يرفضها
بسمتها تعلو الوجوه
وأخره تشوه الوجود
تشهد عليها تلك الأسمال
الملقاة في قارعة الطريق
تلك الجرذان المجتمعة حول
الصندوق
تآكل ولا تذود
تغتال البسمة
النسمة
الرحمة
الناس
تقتل بالفأس
من كان يمدها
بالأمس بالإحساس
أنها الطريق
حيث الشجون
يملء أنفاسها
العتيقة
الكل يعرفها
الكل ينتظرها
الكل يرفضها
يرفضها
يرفضها
(موسيقي كلاسيكية خفيفة تتدرج الإضاءة بهدوء ويهتف الممثلين بكلمات) الكل ينتظرها , الكل يرفضها



تسدل الستارة.
إظــــــلام//

تأليف/ عبد القادر الدرسي
لـيـبـيـا












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 09:08 AM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

باب الفرج
عبد الفتّاح روّاس قلعه جي



- الشخصيات:

الجلاد

التابع

البائع

الزوجة

زوج 1

زوج2

زوج3

الأخت

الرضيع

ساعي المحكمة

المحامي

القاضي/ الأمير

الشرطي

صوت





المسرحية//

في العتمة، قبل رفع الستار، تسمع دقات مبهمة مضطربة متباعدة لساعة كبيرة.

ترفع الستارة على ساحة عامة تقوم وسطها ساعة المدينة الكبيرة‏

ثمة لافتة تشير إلى اسم الساحة ((ساحة باب الفرج))‏

عربة لبائع متجول، والبائع عند قاعدة الساعة مربوط إليها في وضعية الصلب.‏

جلاد وتابعه يجلدان البائع في آلية وبرود وهو يتلقى الضرب في صمت من غير أن يظهر توجعاً.‏

الجلاد يضع قناع السيكلوب وله ذنب، ومثله تابعه القزم.‏

عن بعد، مجموعة من الناس يتفرجون في وضعية التثبيت، بحيث يبدون كأصنام بلا أية حركة وفي أوضاع مختلفة كأنهم رسوم في لوحة علاها الغبار ومحا ألوانها الزمن.‏

الأخت هي الإنسان الوحيد في المجموعة الذي كان يرقب ما يحدث ويتألم.)‏

الجلاد : مئة وخمس.‏

التابع : مئة وست.‏

الجلاد : مئة وسبع.‏

التابع : مئة وثمان.‏

(يستمران في الجلد مع العد)‏

الجلاد : هل عرفته؟‏

البائع : كلا.‏

الجلاد : جاءك أمس، قال كلمات ومضى.‏

البائع : لا أذكر.‏

التابع : اشترى من هذه البضاعة.‏

البائع : يشتري مني الكثيرون.. لا أذكر.‏

التابع : لعل هذا يذكرك (يجلده) مئة وثلاثون.‏

الجلاد : مئة وإحدى وثلاثون.‏

التابع : مئة واثنتان وثلاثون.‏

الجلاد : مئة وأربع وثلاثون.‏

البائع : (في برود) لا.. أخطأت.. مئة وثلاث وثلاثون.‏

(يستمران في الجلد مدة، يتوقفان، يخفي كل منهما السوط تحت معطفه، يحررانه من الحبل المربوط به فيتهاوى على الأرض متكوماً يضعان الحبل على الساعة بحيث يتدلى متأرجحاً ومنتهياً بعقدة للشنق)‏

الجلاد : سنعود غداً.‏

التابع : في مثل هذا الوقت بالضبط.. سنعود غداً.‏

الجلاد : ونعود بعد غد.‏

التابع : أجل بعد غد.‏

الجلاد : في الموعد نفسه.‏

التابع : أسمِعت؟ في الموعد نفسه.‏

الجلاد : وكل يوم.‏

التابع : كل يوم.‏

(الجلاد يضحك بصوت عال، يتلوه التابع فيقهقه، يتداخل صوتاهما بشكل ناشز ومقرف، موجات من الضحك تبدو كطلقات مدفع ينتهي الموقف بضحك هستيري فصمت تام.)‏

الجلاد : حتى تطلع الشمس من المغرب.‏

التابع : (في صوت أكثر انخفاضاً) حتى تطلع الشمس من المغرب.‏

( الجلاد يخلع قناع السيكلوب ويطويه، يدس ذنبه في السروال يلبس قفازين أبيضين، يبدو الآن شاباً أنيقاً، يفعل التابع مثله وبحركات أوتوماتيكية يخرجان، المجموعة تبدأ في الحركة ببطء.)‏

زوج 1 : (يحمل محفظة) ها قد وصلنا باب الفرج (يضحك بشكل هستيري ثم يصمت فجأة) يا للهول.‏

زوج 2 يضع نظارات سوداء) كانت رحلة مرهقة رأسي يدور، ثمة وحش كان

يضربني بذراع من حديد.‏

زوجة (تحمل رضيعاً) وحش هائل بعين واحدة كاد يلتهم طفلي (تضمه إلى صدرها).‏

زوج 3 : (تبدو عليه مظاهر الغِنى) أضلاعي مهشمة، كائن غريب يشبه قرداً كثيف الشعر كان يضربني بمحراث قديم.‏

الأخت : هل كنتم تحلمون حلماً مشتركاً؟‏

الزوجة : لا شك أننا كنا نحلم، نحلم بالسفر.‏

زوج 1 : هل تريدون أن أفسر لكم أحلامكم؟ لدي كتاب لتفسير الأحلام (يحاول فتح المحفظة).‏

زوج 3 : افتح يا يوسف.. إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف. (يضحك)‏

الزوجة : (تضع طفلها فوق رأسها) وأنا أراني أحمل فوق رأسي لحماً فتأكل الطير منه.‏

زوج 2 : وأنا.. أنا حلمت بأني أصبحت إنساناً آلياً، جسمي محشو بالأشرطة والمحولات والمسننات، وثمة بطارية فارغة، وأنا لا أستطيع أن أبكي ولا أضحك، كنت أرى الصدأ يغطي كل أجزائي الحديدية، وأعلم أن الصدأ يعني الحزن في لغة الحديد ومع ذلك فأنا لا أستطيع أن أضحك أو أبكي.‏

زوج 1 : (يفشل في فتح المحفظة) آسف.. المحفظة مغلقة، والمفتاح ضائع.‏

زوج 3 : يجب أن تجد المفتاح، عندي أحلام كثيرة أريد أن أفسرها.‏

الزوجة : ابحث في جيوبك.‏

زوج 2 : لماذا لا تكسر القفل؟‏

الأخت : كفى يا سادة.. كفى، هذه مهزلة.. يجب أن تستيقظوا، أنتم ما تزالون نائمين.. تحلمون.‏

زوج 2 : كيف نكون نائمين ونحن نسير ونتكلم؟‏

زوج 3 : صحيح أننا لا نفكر، لكننا نضحك ونبكي ونكسب.. انظري. (يهز كيس نقوده) أنا أكسب كثيراً.. أنا غني.‏

الأزواج : أيتها الأخت الصغيرة نحن نضحك بصوت عال.. اسمعي.. (يضحكون) ونبكي بصوت منخفض (يبكون) إذن نحن لسنا نائمين.‏

الزوجة : أنا أحمل طفلي إذن أنا يقظى.‏

الأخت : هذا وهم.. إنها خدعة كبيرة.. أنتم لم تغادروا أماكنكم منذ زمن طويل.. أفيقوا وتحركوا.. السكون موت.‏

الرضيع : أيها السادة.‏

زوج 1 : (للزوج 2) هل أنت الذي تكلم؟‏

زوج 2 : كلا.‏

زوج 1 : (للزوج 3) إذن أنت الذي تكلمت.‏

زوج 3 : كلا.. كلا.. هذا ليس صوتي.‏

الرضيع : أيها السادة.‏

الأزواج : (للزوجة) إذن هو أنت.‏

الزوجة : كلا.. كلا.. هذا ليس صوت امرأة.‏

زوج 1 : من يتكلم إذن؟‏

الرضيع : أنا الذي أحدثكم.. أنا الطفل الذي في المهد.‏

زوج 2 : هذه آية.‏

زوج 3 : آية من الله.‏

زوج 1 : لا شك أنه المسيح.‏

زوج 2 : هل هو المسيح حقاً؟‏

زوج 1 : طبعاً.. طبعاً.. هل أفضي إليك بسر.. إنه ابني.‏

زوج 3 : هل هو ابنك حقاً؟‏

زوج 1 : هو ابني، وشهادة الميلاد هنا في المحفظة، وأنا أحتفظ فيها أيضاً بعقد الزواج.‏

زوج 3 : عظيم.. ولكنه لا يشبهك.. أرني الأوراق.‏

زوج 1 : (يحاول فتحها فيفشل) يجب أن تصدقني.. إنها مقفلة.‏

زوج 3 : أنا أصدقك.. أصدقك تماماً.. ولكنه لا يشبهك.. إنه يشبهني أنا.. ضع في الاعتبار أنه ابني، وليس أكثر إثباتاً من التشابه بيني وبينه.‏

زوج 2 : لا أريد أن أكذبكما، ولكنكما مخطئان.. اسألا أمه، لقد حملت به مني في ليلة مظلمة، وكنا في مجاري المياه.. أنا وهي.. ولم يكن أحد سوانا.‏

زوج 3 : (للأم) لماذا لا تقولين شيئاً؟‏

الزوجة : (في خجل) أنا.. أنا عذراء.‏

زوج 1 : رائع.. ألم أقل لكم إنه المسيح.. يسوع ولد من غير أب.‏

زوج 2 : من غير أب! وأنا ماذا كنت أفعل طيلة الليل؟‏

زوج 3 : هي حرة في أن تكون عذراء أو لا تكون.. هذه المرأة اشتريتها بدراهمي، وما تنتجه هذه الآلة (مشيراً إلى الزوجة) هُو لي.. إذن الطفل هو طفلي، فأنا أملك وسائل الإنتاج.‏

زوج 2 : هذه المرأة تزوجتها وهي صغيرة، سبية حصلت عليها في إحدى غاراتي.. والحق أنني أنتظر هذا الطفل منذ زمن بعيد.‏

زوج 1 : هذه المرأة كانت صديقتي في الجامعة، ودرسنا معاً وتعاهدنا على الزواج، وعندما كان الأستاذ يحاضر كنا نرسم طفلنا القادم على الورق، وقد ألصقنا صورته على جميع كتبنا الجامعية: المدنية، البحرية، الأحوال الشخصية، القانون الدولي.. لماذا تريدون أن تسلبوني طفلي وقد كنت أنتظره منذ زمن طويل؟‏

زوج 3 : وأنا ألَمْ أكن أنتظره أيضاً؟ كنت الوحيد في السوق الذي يسعى بجد لتحسين الإنتاج.‏

زوج 2 : أما أنا فقد حفيت قدماي من الانتظار.‏

الأخت : يجب أن تخجلوا من أنفسكم.. لا تعرفون غير الانتظار.. والكذب.. كل منكم يدَّعي أنه طفله.. وأمه تدَّعي أنها عذراء.. والطفل يخيل إليكم أنه يتكلم في المهد. لقد مات يسوع، ولم يتكلم أحد في المهد بعده.. لا بد أن شيطاناً قد اختبأ فيه هو الذي يتكلم.‏

الرضيع : أيها السادة!‏

زوج 1 : صمتاً.. اسمعوا.. عاد يتكلم!‏

الرضيع : من أعماق الظلمة، من حقول تأكلها النيران، جئت إليكم ومعي خنجر.‏

زوج 1 : ألم أقل لكم.. إنه المسيح.‏

الزوجة : عندما وضعته.. أو في الحقيقة أنا لم أضعه، لقد شقَّ بطني وخرج.. قفز إلى الأرض ومعه خنجر لامع ثم.. ثم التهم مشيمته.. وتمدد في السرير.‏

زوج 2 : لا يفعل ذلك إلا المسيح.‏

الأخت : بل يهوذا.‏

زوج 3 : يهوذا لم يتكلم في المهد.. إنه المسيح.‏



الأخت : تيقظوا أيها الأخوة.. إن كنتم تصرون على تسميته بالمسيح.. فهو المسيح الدجال.‏

زوج 1 : اسكتي يا امرأة.‏

زوج 2 : هيا يا رفاق، ودعونا نبشر بالقيامة الجديدة.‏

زوج 3 : دعونا نبشر بولادة المخلِّص.‏

(البائع ينهض بتثاقل، ينفض الغبار عن ثيابه، يدفع عربته أمامه)‏

البائع : هبط الليل، الظلمة تزحف، تعشش في شوارع المدينة العتيقة، تغلف قلوب الأطفال. من يشتري ليموناً، حامضاً طعمه، محرقاً كالنار.. من يشتري برتقالاً دموياً بلون شفاه العذارى. لست تاجراً كما تظنون.. أنا فلاح بسيط جاء من أرض جففها عطش صحراوي وشققها برد الليل. السماء لا تمطر، والأرض غاضت مياهها، وأشجاري أصبحت أصناماً من الحطب، وثمة مجرم خطير يعيث فساداً ويحرق كل ليلة شجرة (يدور بالعربة دورة كاملة حول الساعة، يتحسس ركبتيه متألماً) في الليل حين يهدأ الكون وينام الناس يستيقظ الجوع في أمعاء الأطفال، يفح كأفعى، ينهشها كنقار الخشب، يقول ولدي الأصغر:‏

- بابا أنا جائع.‏

يعيد ولدي هذه العبارة في فترات متباعدة كدقات ساعة حتى يطلع الفجر.‏

- نم يا ولدي.. سيأتي اليوم الذي يشبع فيه جميع الأطفال.‏

أما الطفلة الصغيرة فتطير إلى صدري، تقبلني من عنقي دامعة العينين تقول:‏

- بابا.. العيد بعد غد، ماذا ستشتري لي على العيد؟ ثوباً أحمر، أم كرة بيضاء؟‏

- حبيبتي، العيد مريض، لن يحضر هذا العام.‏

- لكن جارنا الساكن في القصر هناك جمع أولاده في المساء وقال: هذه هدايا العيد يجب أن تستقبلوه بعد غد وأنتم تلبسون أجمل الثياب.‏

- حبيبتي، جيراننا عيدهم سيصل في سيارة كبيرة فاخرة، أما عيدنا فقد أصيب بحادث في الطريق.. إنه جريح.. ادعي الله أن يشفيه.‏

أما زوجتي الصغيرة المريضة الممددة في ركن رطب مظلم من القبو فإنها لا تتكلم تنظر إليَّ في صمت مؤلم، وتستقبلني بشفتين مرتجفتين.‏

لماذا يلاحقونني، أنا الفلاح البسيط المسكين. لقد غيرت مهنتي، ومع ذلك هم يلاحقونني، صرت أبيع البرتقال والليمون ومع ذلك هم يقولون: إنها بضاعة ممنوعة.‏

(يدخل ساعي المحكمة مندفعاً)‏

ساعي المحكمة : بضاعتك ممنوعة.. أنذرناك عدة مرات، أنت لا تفهم.. وقّع هنا.‏

البائع : على ماذا أوقع؟‏

ساعي المحكمة : يجب أن تحضر المحاكمة فوراً.‏

البائع : أنا لم أفعل شيئاً.. ماذا تريدني أن أشتغل، أولادي جائعون، وامرأتي مريضة.‏

ساعي المحكمة : تستطيع أن تقول ذلك في المحكمة.. وقع هنا.‏

(البائع يوقع، الساعي يخرج، ينظر البائع في الإخطار).‏

البائع : هيه أيها الساعي.. في أية محكمة.. وأين؟ (يدور بعربته حول الساعة دورة كاملة) يا للزمن الميت (يدور دورة أخرى ويتطلع في الساعة) يا للزمن الميت (يدور دورة ثالثة) يا للزمن الميت!‏

(يدخل الزوج الأول في هيئة محام حاملاً محفظته)‏

المحامي : لماذا تدور هكذا يا عم، هل تبحث عن شيء؟‏

البائع : أبحث عن باب المحكمة..‏

المحامي : هل أستطيع مساعدتك؟‏

البائع : أأنت محام؟‏

المحامي : نعم.. ألم تسمع باسمي، شهرتي واسعة.. أنا المحامي الوحيد في البلد، وكل من في المدينة يأتيني يسند إليّ دعواه.‏

البائع : إذن أنت تدافع عن المدعي والمدعى عليه في آن واحد.‏



المحامي : كلا.. ثمة قضية واحدة تتكرر، ومُدَّع مجهول، ومتهمون أمثالك كثيرون، قل لي هل وقَّعت على محضر الدعوى؟‏

البائع : هذا هو.‏

المحامي : (ينظر في الورقة) إذن جاء دورك.. حسن، هل تحب أن أساعدك؟‏

البائع : في الحقيقة أنا لم أفعل شيئاً.. فهل يحتاج الأمر إلى محام..؟‏

المحامي : طبعاً.. طبعاً.. إياك أن تتهاون بالأمر وإلا فإن عاقبتك ستكون سيئة.‏

البائع : وماذا علي أن أدفع مقابل ذلك؟‏

المحامي : مبلغاً بسيطاً.. التسعيرة موحدة.. لكن..‏

البائع : لكن ماذا؟‏

المحامي : القاضي أعرفه وسنحتاج إلى رشوته، إنه لا يقبض مباشرة.. يجب أن تبقى يداه نظيفتين، لكننا سندفع لوسيطه.‏

البائع : أمن الضروري أن ندفع له.. قضيتي عادلة.‏

المحامي : يا سيدي أنت مدان مسبقاً، عندما ندفع له سنجعله يخفف الحكم إلى أقل ما يمكن.‏

البائع : انظر.. لم يذكروا لي ما المحكمة؟ ولا أين تقع؟‏

المحامي : لا تبحث عنها.. المحكمة هي التي تبحث عنك.. سينتصب أمامك القاضي فجأة، وينظر إليك بوجهه الصارم.. على كل لا تخف، عندما تنعقد المحكمة سأكون موجوداً، فأنا من أعضائها.‏

البائع : لم أفهم.. أنت محام ومن أعضاء المحكمة! كيف يكون ذلك؟‏

المحامي : اطمئن.. هذا من حسن حظك، وفي صالحك.. على كل ستفهم فيما بعد.. وداعاً وإلى اللقاء.‏

البائع : إلى اللقاء.‏

(يدور البائع حول الساعة دافعاً العربة أمامه، ويدور المحامي في الاتجاه المعاكس).‏

البائع : ماذا تفعل؟‏

المحامي : أدرس القضية.‏

(يقومان بعدة دورات، وعندما يلتقيان يكون القاضي قد أطل من كوة في أعلى الساعة، والقاضي هو الجلاد نفسه).‏

صوت : محكمة (ثلاث دقات قوية).‏

المحامي : سيدي القاضي، إن موكلي (يسعل) لا شك أنكم تعلمون ذلك جيداً (يبحث في جيوبه) فهو لا يحتاج إلى برهان.. لذلك.. ومهما يكن (يبحث في صدره وجيوبه، يخلع حذاءه ويبحث فيه، يخلع جوربيه) لا أدري أين سقط مني المفتاح (يلبس حذاءه وجوربيه) يجب أن تصدقوني، فموكلي هذا.. نعم.. نعم.. إنه أفضل موكل.. لا شك أنه بريء فقد دفع كل ما يترتب عليه (يحاول فتح المحفظة) امنحوني فرصة كي أفتح هذه المحفظة، إضبارة القضية، وجميع إثباتات البراءة فيها (يحاول فتح المحفظة عبثاً) لا أدري أين ضاع المفتاح مني (يحاول كسر القفل) سيدي القاضي (ينهش المحفظة بأسنانه، يمضغ القفل) لا تؤاخذني، لا أستطيع المرافعة قبل أن أفتحها (يجاهد عبثاً) موكلي هذا.. وأنتم.. والعالم كله.. في هذه المحفظة وهي مقفلة. (يرمي المحفظة على الأرض ويضرب القفل بعقب حذائه).‏

صوت : ترفع الجلسة لإصدار الحكم (ثلاث دقات، القاضي يغلق الكوة ويتوارى داخل الساعة).‏

البائع : لم يستمع القاضي بعد إلى القضية.. كيف يحدث ذلك؟‏

المحامي : لو أتمكن من فتح المحفظة لأمكنني تبرئتك.‏

البائع : دعك من هذه المحفظة، ألا تستطيع أن ترتجل مرافعة؟ ألا تحفظ شيئاً من القانون؟‏

المحامي : القانون في المحفظة، والمحفظة مغلقة، ما الذي يمكنني أن أفعله؟‏

البائع : وهل سأفقد حريتي إذا لم تنفتح محفظتك؟‏

المحامي : دعنا نبحث عن المفتاح، ربما سقط مني هنا.‏

(يدوران حول الساعة في اتجاهين متعاكسين وهما يبحثان في الأرض) هل رأيت شيئاً؟‏

البائع : كلا.‏

المحامي : أظن أننا لن نعثر عليه (ينفض يديه) بحثت عنه أمس، وقبل أمس.. في الحقيقة منذ سنوات، وأنا أبحث عنه كل يوم مع متهمين مثلك ولم أعثر عليه.‏

البائع : كيف ستعثر عليه والأرض موحلة جداً.‏

المحامي : موحلة على الرغم من أن الأمطار لم تسقط هذا العام.‏

البائع : الأرض مستنقعية، المياه الآسنة تنبع من الشقوق بين بلاط الشارع (يدوران دورة أخرى وعندما يلتقيان يطل القاضي من الكوة)‏

صوت : محكمة (ثلاث دقات، يتسمران).‏

القاضي : (يصدر أصواتاً أشبه بالعواء) عا.. عو.. عا.. عو.. واع.. عا.. عي.. عو.. واع.. واع.. عو.. عي.. عو.. عو (يغلق القاضي الكوة ويختفي).‏

البائع : هل انتهى كل شيء؟‏

المحامي : انتهى كل شيء.. الأحكام هنا قاطعة وغير قابلة للطعن.‏

البائع : (يدفع عربته) هذه مهزلة.‏

المحامي : لقد فعلت كل ما بوسعي، كان الحكم عادلاً.‏

(المحامي يمسح الغبار عن محفظته ويخرج، البائع يدفع عربته أمامه).‏

البائع : البلدة بلدتي وأنا غريب فيها، إنهم يلاحقونني، لكن لن أهرب، كلما طلبوني للمحاكمة سأذهب (يتحسس ركبتيه) أخشى أن لا يمكنني داء المفاصل يوماً ما من حضور المحاكمات فيحكمون عليّ غيابياً، إنهم يريدون أن يتخلصوا مني بأية وسيلة، لكنني سأقلقهم بوجودي وأعيش، هم يريدون لي الموت ولكنني سأتحداهم وأعيش، سأدفع هذه العربة في صدورهم وأنتزع لقمة أطفالي.‏

(يدخل الزوج الثاني وهو يجر الأخت من شعرها)‏

زوج 2 : امشي قدامي، لن ترفضي لي أمراً.‏

الأخت : حرام عليك.. أنا أختك.‏

زوج 2 : لسانك صار طويلاً أكثر من اللازم، تتكلمين، تنتقدين، هذا صحيح وهذا خطأ، هذا أحبه وهذا لا أحبه.. ما شاء الله، صرت تخالفيننا باستمرار.‏

الأخت : أنا حرة.. أحب من أريد وأكره من أريد.‏

زوج 2 : (يضربها) أنت فاسدة، ستقبلين من نقبله، وترفضين من نرفضه.‏

الأخت : محال.. أنا أرفض من لا أقتنع به.. أنتم تبيعونني.. تبيعونني.. هل تسمع؟‏

البائع : (يقترب) لماذا تسوقُها هكذا كالغنمة يا أخ؟‏

زوج 2 : هذه أختي، متمردة، وأنا عازم على ترويضها.‏

البائع : ما أظن أن هذه الفتاة الجميلة في حاجة إلى ترويض، إنها عذبة كماء النبع (يشم رائحة شعرها) شعرها له رائحة الأرض بعد المطر.. لا.. لا يمكن أن تكون هذه الفتاة مخطئة.‏

الأخت : كيف أرضى وهو يرغمني على أن أكون جارية في قصره (لأخيها) إذا كنتَ قد رضيت بالخضوع له فأنا لا أرضى.‏

زوج 2 : مجنونة.. أريد أن تكوني زوجة له.. إنها صفقة يا سيدي.‏

زوج 3 : (يدخل) الأمير قادم، أسرعا، سيمر من هنا، (يفرك يديه)، لأول مرة نعقد صفقة رابحة (يجرها زوج 2، تقاوم، يعطيه زوج 3: حبلاً) خذ هذا العِقد دية مني، أحضرته من مخزني مساهمة مني في تجهيز أختنا بمناسبة زفافها هيا أسرع.‏

الأخت : دعني.. يا لكم من أخوة أعداء.. مجرمين.‏

(يلصق زوج 3 لها فمها بلاصق).‏

زوج 3 : العمى.. تريد أن تفسد علينا كل شيء (صمت، والأخت تقاوم) أوه ما أروع السلام.‏

زوج 2 : رتب لها شعرها.. أخشى أن لا تعجب سيدي الأمير.‏

البائع : في الحقيقة أنتما مجرمان.‏

(يبتعد بعربته مشمئزاً، يدخل زوج 1: حاملاً محفظته).‏

زوج 1 : أرجو أن لا أكون قد وصلت متأخراً.‏

زوج 2 : هل أحضرت كل شيء؟‏

زوج 1 : معي كل الأوراق لعقد القران.‏

زوج 2 : (ينظر بعيداً) ها هو الأمير قادم.‏

زوج 3 : خذوا أماكنكم.. ابتسموا.. احنوا ظهوركم.‏

)يدخل الأمير، وهو القاضي، طويل جداً، بساقين طولهما غير عادي، ويمكن أن يتم ذلك بأن يسير على ساقين من خشب بحيث يبدو في ضعف ارتفاع الإنسان)‏

زوج 2 : سيدي الأمير، الماثل في الغياب والحضور، واهب الأمن والسلام بسيفك القاهر الصمصام، يسرني يا سيدي باسم القبيلة، وبالنيابة عن أخويّ هذين اللذين يقفان أمامك بكل احترام، وأخوتي الآخرين الذين لم يحضروا هذا المقام.. أن أقدم لك أختنا جاريةً في مطبخك.‏

زوج 3 : زوجناك أختنا يا سيدي.. اسألها إنها موافقة بل ممتنة.. سكوتها يعني قبولها نرجو لكما حياة سعيدة.‏

زوج 2 : أمسك رسنها جيداً يا سيدي، حاذر أن تهرب أو تضيع منك فهي بريئة وعذراء لم تخرج من البيت قط ولم تر الشارع في حياتها.‏

(يقدم لـه طرف الحبل الذي ربطت به، الأمير يمسك الحبل، يرمي للأخوة ثلاثة أكياس من المال، يجرها، الأخت تقاوم، الأخوان الثاني والثالث يدفعانها).‏

زوج 1 : انتظر يا سيدي.. انتظر.. أريد أن أعقد القران (يستمر الأمير في جر الفتاة، يحاول حامل المحفظة فتح المحفظة بلا جدوى، يعضها بأسنانه، يمضغ القفل، تتحول حركاته إلى حركات هستيرية، يخرج الأمير والأخت).‏

زوج 1 : انتظر يا سيدي.. انتظر حتى أفتح المحفظة، لا يمكن أن تأخذها هكذا.. حرام.. هذا زنا يا سيدي.. نحن لم نعقد القران بعد، أنت تزني بها يا سيدي.‏

زوج 2 : ):يجره ويعيده إلى مكانه) دعنا من عقد القران.. إنه مجرد شكليات يا أخي هل تريد أن تفضحنا أمام الأمير.. عيب.. يا رجل.. عيب.. ماذا سيقول عنا..؟ متأخرون.. أوباش..‏

زوج 3 : نعم.. نعم.. عقد القران غير مهم.. المهم أنه دفع المبلغ المطلوب بأمانة كأي سيد نبيل.. إنه ابن السوق ولا شك.‏

البائع : (يقترب منهم ناظراً باحتقار) كم دفع لكم؟ (يمدون أيديهم بالمال، يتسمرون في استخزاء، يتحسس الأكياس) بعتموها بثمن بخس، دراهم معدودة.. يا لكم من مجرمين.. كانت تبحث عن حريتها فكممتم فمها وقيدتموها بالأغلال، وسقتموها إلى سجن القصر، كانت تريد أن تحقق وجودها.. فسحقتم شخصيتها كانت تعتز بكم فتخليتم عنها.. ماذا تفعلون بهذه النقود؟ (يدفع العربة في وجههم فيتراجعون) ماذا تفعلون بهذه النقود؟ (يحصرهم في زاوية المسرح) لن تجدوا من يصرف لكم نقود العار هذه.( يدفعهم بالعربة فيلقيهم خارج المسرح) لن تجدوا من يصرف لكم نقود العار هذه. . (يدور حول الساعة دورة كاملة، تدخل الزوجة).‏

الزوجة : هل مر ولدي من هنا؟‏

البائع : من ولدك يا سيدتي؟‏

الزوجة : طفل رضيع تكلم في المهد.. تصور.. تكلم في المهد.. أليس ذلك رائعاً؟‏

البائع : إذن هو شيطان أو نبي.. وبما أن النبوة انقطعت، فهو شيطان من غير شك.‏

الزوجة : ماذا تقول...؟ إنه قديس... تصور أنني كنت أحمله على يدي، وأضمه إلى صدري وفجأة قفز إلى الأرض وبدأ يكبر ويكبر ويكبر.. حتى غدا أطول مني، ثم عدا نحو الغابة وهو يقول: سأعود مع هبوط الليل لأغزو العالم، ويمتد سلطاني من الماء إلى الماء.‏

البائع : سيدتي.. أنا بائع متجول فقير.. لا أعرف شيئاً عن الملوك أو القديسين.. اعذريني..‏

الزوجة : ولكني لم أسمعك مرة تنادي على بضاعتك.‏

البائع : من يحتج إلى بضاعتي يأت إلي.. لا أكتمك سراً.. يقولون إن بضاعتي ممنوعة.‏

الزوجة : وماذا تبيع؟‏

البائع : حمضيات.. برتقال وليمون.‏

الزوجة : (تتناول برتقالة) ما هذه؟‏

البائع : برتقالة.‏

الزوجة : كلا.. كلا.. هذه قنبلة.‏

البائع : (يتناول سكيناً ويحاول تقشيرها) هذه برتقالة يا سيدتي.. انظري سأقشرها.‏

الزوجة : (تبتعد) احذر.. إياك أن تنتزع مسمارها.. ستنفجر.‏

البائع : (يعيدها إلى العربة) هل بضاعتي مخيفة إلى هذا الحد؟‏

الزوجة : مخيفة..! أنت تحمل النار في عربتك.. لو رآك ولدي لما تركك حياً.‏

البائع : اطمئني يا سيدتي.. إنهم يلاحقونني ويحاكمونني.‏

الزوجة : هل حاكموك فعلاً؟‏

البائع : نعم.‏

الزوجة : وهل القاضي طويل، شعره أسود، جميل، عيناه دعجاوان، ينطق بصعوبة؟‏

البائع : لم أر طوله، لكنه كما وصفت.‏

الزوجة : إنه ولدي.. آه ما أقسى الفراق.. منذ سنوات لم أره.‏

البائع : إذن ولدك يعمل قاضياً.‏

الزوجة : ليس دائماً (تقترب منه وتسر في أذنه) مهنته الأساسية طبيب روحاني، يحمل سوطاً، يخرج به الشيطان من جسم الإنسان.‏

البائع : (يصرخ) يعني جلاد!‏

الزوجة : لماذا تصرخ..؟ إنه مُخلِّص، عمله نبيل، يطرد الأرواح الشريرة من الأجساد.‏

البائع : (ساخراً) نبيل جداً.. ومخلِّص.. كان يجب أن تقولي هذا من قبل.‏

الزوجة : لم أقل كل شيء بعد.‏

البائع : وماذا بعد..؟‏

الزوجة : أنا مكسوفة لأني أسرد لك حياتي الخاصة.‏

البائع : لا.. لا.. تَحَدَّثي يا سيدتي.. يبدو أن حياتك الخاصة مهمة جداً بالنسبة لي.‏

الزوجة : في الحقيقة.. أنا لي ثلاثة أزواج.‏

البائع : ماذا.. ثلاثة أزواج في آن واحد.‏

الزوجة : نعم.. نعم.. أوه.. يجب أن لا أقول ذلك.. هذا عيب.‏

البائع : تابعي يا سيدتي.. لا عيب في ذلك.. ثلاثة أزواج قليلون.. باستطاعتك أن تتزوجي أكثر.. أنت امرأة متينة.. حدثيني عن أزواجك.‏

الزوجة : الأول مثقف، طويل، جميل، يضع نظارات على عينيه، أسميه حامل المحفظة، فهو يحملها دائماً، ومع ذلك لم أجده يفتحها على الإطلاق.. لا أعرف بالضبط ماذا يحمل فيها، يقول: فيها أوراق وبيانات ومشاريع وخطب ووثائق سياسية ومعاهدات وملفات دعاوى.. فيها الدنيا كلها.‏

البائع : نعم.. نعم.. أكاد أعرفه.‏

الزوجة : هذا الرجل رزقت منه غلاماً هو القاضي الذي عرفته.. لا شك أنه قاضٍ عظيم وأحكامه عادلة.. أليس كذلك؟‏

البائع : جداً.. القصة تشوقني.. هاتي الثاني.‏

الزوجة : الثاني.. آه يحيرني هذا الزوج.. إنه رجل غامض تارة أراه رجلاً أنيقاً يضع الغليون في فمه، وأخرى شحاذاً ثيابه ممزقة وثالثة يلبس لباس المماليك يأتيني وقد تقلد سيفه يضرب به أواني المطبخ في الليل فيسقطها ويحطمها قائلاً إنه يلحق الهزيمة بأعدائه.. ويجيئني رابعة وهو يلف وجهه بخمار فلا ترى غير عينيه.. وهكذا خامسة وسادسة.. إنه يا سيدي كالحرباء، يغير لونه باستمرار.‏

البائع : يا سلام.. وماذا يفعل.. أين يذهب؟‏

الزوجة : لا أعرف.. يقول لي باستمرار: عندي مهمة سرية.‏

البائع : وماذا رزقت من هذا الزوج؟‏

الزوجة : رزقت منه غلاماً مشوّهاً، كثيف الشعر، نصفه آدمي ونصفه وحش له عين واحدة، في يده سوط لا أدري ماذا يفعل به.‏

البائع : بل تدرين يا سيدتي، هل نسيت؟ ألا يعمل جلاداً؟‏

الزوجة : أظن ذلك.. (تتلفت) لكني لم أجد من المناسب أن أقول ذلك.. نسوة الحي يعيرنني، من المناسب أن أقول إنه طبيب روحاني.‏

البائع : هذا أعرفه جيداً.. والثالث.. حدثيني عن الثالث.‏

الزوجة : الثالث (انفجار في العربة، يتلوه انفجاران آخران، الزوجة تقفز مبتعدة في خوف) ما هذا؟‏

البائع : لا شيء.. لا شيء.. لا تخافي يا سيدتي (انفجار ثالث)‏

الزوجة : ثمة شيء في العربة.. ديناميت.‏

البائع : لا.. هذه برتقالات بفعل حرارة الشمس تمددت فيها العصارة حتى انفجرت، هل تحبين أن تذوقي عصارتها.‏

الزوجة : (في خوف) لا.. لا.. أنا خائفة.‏

البائع : تخافين وأنت وَلَدت مثل هؤلاء البنين..! إن تعامه التي ولدت التنانين والأفاعي لم تكن مثلك.. بلعزبول نفسه ليس لـه مثل أولادك.. تعالي يا سيدتي.. اقتربي وحدثيني عن زوجك الثالث.‏

الزوجة : (تقترب) زوجي الثالث تاجر، أمواله كثيرة، ملأ ساعدي بالذهب، في الحقيقة لا أعرف من أين يحصل على هذه الأموال كلها، لكني سمعت أنه يعقد صفقات غير مشروعة، وله صداقات مع أناس مهمين جداً.‏

البائع : واضح.. واضح.‏

الزوجة : جميع الناس يحترمونه.. كلمته لا تصير اثنتين عند الحكومة، حتى شرطة المرور عندما يمر بسيارته يوقفون السير حتى يعبر الطريق.. هل أقول لك شيئاً غريباً.. عندما يقترب من إشارة المرور الضوئية تنقلب فوراً من حمراء إلى خضراء.. لم يقف طيلة حياته عند شارة حمراء.. لا أعرف تفسيراً لذلك.‏

البائع : (ساخراً) ربما كان ينشر حوله ساحة كهرطيسية.. زوجك يا سيدتي طبق طائر لا يقف في وجهه شيء.‏

الزوجة : والله أنا أخاف عليه..‏

البائع : ولماذا تخافين عليه؟‏

الزوجة : أخشى أن يكون مخالفاً للقانون.. وكلما سألته: هل أنت متأكد من أنك لا تخالف القانون؟ كان يقول ساخراً من سذاجتي: يا امرأة.. كيف أخالفه وأنا القانون.‏

البائع : وماذا رزقت من هذا الزوج.‏

الزوجة : رزقت منه ولداً أسمر ضخماً اشتغل شرطياً سرياً، عيونه مكحلة واسعة، كل عين مثل الفنجان.‏

البائع : (جانباً) فليكفنا الله شر هذا الولد.‏

الزوجة : ماذا قلت يا سيدي؟‏

البائع : لا شيء.. لا شيء.. إذن لك ثلاثة أولاد.‏

الزوجة : كلا.. لي ولد واحد فقط.‏

البائع : ثلاثة بطون، وثلاثة أزواج، ثلاث شخصيات وولد واحد.. عجيب.‏

الزوجة : ولم هو عجيب..؟ في الحقيقة هو ولد واحد بثلاثة أوجه وستة أذرع، ثلاثة توائم سيامية في جسد واحد، ألا تصدق؟‏

البائع : بلى.. بلى أنا أصدق.. كل شيء يمكن أن يحدث في هذه الأيام.‏

(الزوجة تخرج.. البائع يدفع عربته ويدور حول الساعة).‏

البائع : الليل يبتلع العالم شيئاً فشيئاً، والرطوبة تنخر جسدي، والبرد يزحف في العظام.. أخشى أن لا أستطيع العودة إلى البيت، فأنا لم أبِع شيئاً ومفاصلي تجف. منذ زمن وأنا أحس بأن حركة الحياة تموت في مفاصلي، أخشى أن أتحول إلى قطعة من الحطب.. كجارنا الحطبي الذي كان يعمل إسكافياً عند منعطف الشارع.. كان كومة من إنسان.. تحطب جسمه كله، ولم تبق لـه إلا يداه يصلح بهما أحذية أهل الحارة.‏

هل أعود الليلة إلى أطفالي، إنهم ما زالوا ينتظرون عودتي، الأم أوصتني أن أحضر لها خبزاً ودواء.. الطفلة قالت لي: بابا رأيت في المنام أني آكل تفاحة.. تفاحة كاملة يا بابا.. ولدي الصغير الآن ينتظرني أمام الباب يغالب النعاس المتجمع في عينيه، يحلم بأنه يمد أصابعه الصغيرة في جيوبي بحثاً عن شيء مفقود.. وسيظل مفقوداً إلى أمد طويل.‏

كل مساء يسيطر عليَّ شعور غامض بأني لن أعود إلى البيت، سألت زوجتي مرة فقالت كل مساء يسيطر علينا شعور غريب غامض بأنك قد لا تعود، وأننا سنصبح وحيدين (يتطلع في الساعة) لم يصلحوا الساعة بعد.. ذاب الزمن من عقارب الساعة وأرقامها وتحول إلى إحساس كثيف بالخطر، كل شيء قد توقف.. إلا الموت فإنه يزحف في ثياب العتمة، أتوقع السقوط إثر كل خطوة (يدور بعربته دورة كاملة حول الساعة) كلما أكملت دورة أحسست بأني أولد من جديد، وأنهم تفضلوا عليّ بالحياة ومنحوني وقتاً إضافياً (صوت حركة) أحسب أنه جاء للتنفيذ (يهرب بعربته في حركة دائرية حول الساعة، يدخل شرطي باحثاً عنه.. تستمر الملاحقة لحظات، يغير الشرطي اتجاهه فجأة، فيواجه البائع تماماً).‏

الشرطي : أخيراً عثرت عليك.‏

البائع : أنت أيضاً (يحاول الهرب).‏

الشرطي : لا تهرب.‏

البائع : أنا لم أفعل شيئاً.‏

الشرطي : (يقهقه) لم تفعل شيئاً! لم يعد في المدينة باعة متجولون.. ثم.. ثم أنت تبيع بضاعة ممنوعة..‏

البائع : أنا..‏

الشرطي : نعم أنت.‏

البائع : اسمع أيها الشرطي.. أنت إنسان.. انس هذه الثياب لحظة (مشيراً إلى ثياب الشرطي) واعلم أن لدي أطفالاً ينتظرونني.‏

الشرطي : القانون.. هو القانون.‏

البائع : الإنسان هو الذي وضع القانون.. لِمَ تجعلونه إلهاً؟.. السادة الذين هم فوق وضعوا القانون بما يخدم مصالحهم.. وهم بعيدون عما يجري هنا.. تحت.‏

الشرطي : اسمع.. لدي أوامر بمنع الباعة المتجولين من ممارسة تجارتهم.‏

البائع : ولماذا؟‏

الشرطي : إنهم خطرون، أثناء تجوالهم يتجمع الناس حولهم، ولا تنس أنهم ثرثارون، يبيعون أشياء ممنوعة.‏

البائع : هكذا!‏

الشرطي : أجل.‏

البائع : ولماذا يقبل الناس على شرائها.‏

الشرطي : لعلها لذيذة ومفيدة.‏

البائع : إذن لماذا هي ممنوعة؟ ولماذا لا تبيعونها أنتم؟‏

الشرطي : اسمع.. لا تجرني إلى المناقشة.. عندما يقال لي افعل ذلك.. أفعل.. لا أسأل ماذا يعني ذلك؟‏

البائع : أنت إذن مجرد أداة.. إنسان آلي.‏

الشرطي : تحتقرونني جميعاً.‏

البائع : لا أحتقرك فحسب.. أنا أكرهك..‏

الشرطي : حتى رؤسائي لا يعاملونني كإنسان.‏

البائع : لأنك حذاء يلبسه السادة.‏

الشرطي : لا أسمح لك بإهانتي.‏

البائع : أنا لا أهين أحداً.. أنا أقول الحقيقة.. يجب أن تدرك هذا.‏

الشرطي : بل أدرك ما سأفعله.. سأنتزع عينيك، (يهجم عليه.. البائع يبتعد).‏

البائع : لن تمسك بي.. صحيح أني مصاب بداء المفاصل إلا أنك أعجز من أن تلحق بي فأنا أتحرك من تلقاء ذاتي.. أما أنت فتتحرك بإرادة الآخرين.. تدافع عما لا تؤمن به.‏

الشرطي : تكذب.‏

البائع : ليست لك قضية تحيا من أجلها.‏

الشرطي : تكذب.. تكذب.‏

البائع : تأكل.. تشرب.. تضرب.. كما الحيوان تعيش بغرائزك.. لا تفكر.‏

الشرطي : اصمت.. اصمت وإلا.‏

البائع : وإلا ماذا؟ أنت لا تتحرك أبعد من الطاقة الصغيرة التي شحنت بها، ولا تسير إلا على الدرب الذي وضعت فيه.. أنت تنين صغير تعيش مرحلة عماء على سطح ماء آسن.‏

الشرطي : كلا.. كلا.. أنا أفكر..‏

البائع : عندما تفكر ستقلق، وعندما تقلق ستبحث، وعندما تبحث ستجد الحقيقة.. لكنك يا صاحبي لا تفكر.. (يصرخ) أنت ظلمة.. والظلمة لا تفكر.‏

الشرطي : اخرس.. لا ترفع صوتك أمام هيئة رسمية.‏

البائع : هكذا إذن.. (صمت، الشرطي يبحث في العربة) طال السكوت.. إلى متى نصمت؟ ما الذي سيحدث إذا تكلمنا أكثر مما يحدث في الصمت؟ الخوف يلجمنا.. والخوف وهم.. وهم أكثر منه حقيقة.. المشكلة أن خوفنا أكبر من قلقهم، وعندما يصبح قلقهم أكبر من خوفنا سينفجر كل شيء.. كل شيء. (صمت)‏

الشرطي : أين أخفيته؟‏

البائع : عم تبحث.‏

الشرطي : آه.. لقد وجدته (ينتزع الميزان من العربة، كفتاه جمجمتان، يطلق ضحكة وحشية) الميزان مصادر.‏

البائع : لا.. لا تفعل.. أريد أن أبيع بضاعتي.‏

الشرطي : لن تبيع شيئاً.. بعد قليل تأتيك سيارة الجمارك فتصادر العربة كلها، ثم ترميك للكلاب تنهش لحمك، سننظف هذه الساحة تماماً وندعو السياح ليروا كم هي نظيفة مدينتنا.. خذ.. (يدفع العربة باتجاهه في قوة ويخرج، صمت، البائع يدور بالعربة، تدق الساعة دقات قوية، يسبق الصوت في كل مرة التماع ضوئي في ميناء الساعة، يصاب البائع بحالة رعب، يدفع عربته دائراً حول الساعة ملتجئاً إلى أركانها، الصوت يهدأ، صمت مشوب بالحذر والتوجس يتقدم البائع بعربته إلى الأمام).‏

البائع : (في خوف) سيعودون.. أسمع وقع خطواتهم، لن أستطيع العودة إلى داري هذه الليلة، ينام طفلي على الرصيف، ويتحول الانتظار في عيني طفلتي شوكاً، آه يا حبيبتي.. يا زوجتي.. يا أمي.. ماذا أستطيع أن أقدم لك وأنت على فراش المرض.. ماذا أستطيع.. إنهم قادمون.. وجراح الليلة الفائتة في ظهري توقظها خطوات الجراح القادمة.‏

سيجلدونني هذه الليلة أيضاً، لكنني لن أصرخ.. أدمنت الألم يا حبيبتي.. أستطيع أن أتحمل مطراً من السياط والنار ولكني لا أستطيع أن أتحمل نظرة حزينة تسيل من عيني طفل ينتظر والده على الرصيف وهو يرتجف من البرد في الليل الموحش المظلم..‏

أواه يا حبيبتي..‏

عندما يطلع الصباح الجديد، وينعقد السوق، سأبيع بضاعتي وآتيك بالرغيف والدواء.. وبالحياة.. سأحمل إلى الأطفال شمساً جديدة دافئة.‏

حبيبتي.. انتظري.. لا تذعني للموت، قاومي ليلة أخرى.. أنا قادم مع الصباح.. مع الصباح يعود الغرباء.. (صمت، يدور حول الساعة، يدخل الأزواج الثلاثة والزوجة من جميع جهات المسرح في حركة تشبه الحصار).‏

الزوجة : هذا هو.. لقد وجدته.. تعالوا يا أزواجي الأعزاء.‏

زوج 1 : هل تبيع برتقالاً وليموناً؟‏

البائع : (متراجعاً في رعب) نعم.. نعم.. أنتم تعرفون ذلك.. كلهم يعرفون ذلك.‏

زوج 2 : منذ متى وأنت تبيع البرتقال؟‏

البائع : منذ أن كنت صغيراً.. هذه مهنة ورثتها عن جدي.. كنت أزرعه من قبل.‏

زوج 1 : لم أنت خائف؟ نحن أصدقاء.‏

البائع : كلا.. كلا.‏

زوج 2 : هل ترفض صداقتنا؟‏

البائع : دعوني وحدي.‏

زوج 1 : هل تنتظر أحداً؟‏

البائع : كلا.. ولكن ثمة من ينتظرني هناك.‏

زوج 2 : ومن هذا الذي ينتظرك هناك.‏

البائع : أسرتي..‏

زوج2 : آ.. ظننت...‏

زوج1 : أنت تبدو مضطرباً.. هل أنت خائف أم حزين؟‏

البائع : لقد خفت بما فيه الكفاية.. أنا حزين.. حزين فعلاً.‏

زوج1 : (للثاني) تعال نخفف عنه الحزن.‏

زوج2 : هل نرقص له؟‏

زوج1 : كلا.‏

زوج2 : نغني.‏

زوج1 : كلا.‏

زوج2 : نلقي عليه خطبة.‏

زوج1 : كلا.. كلا..الخطب والبيانات ما عادت تفرح أحداً.‏

زوج2 : هل نعوي؟‏

زوج1 : لن يشفيه العواء.. ألا تراه.. إنه حزين جداً.‏

زوج2 : ماذا نفعل إذن؟‏

زوج1 : فكر معي.. لابد أن ننقذه من آلامه.‏

زوج2 : ما رأيك.. نصنع له أرجوحة؟‏

زوج1 : آه، قلتها والله.‏

(يختطفان الحبل المعلق على الساعة، والمجهز بعقدة الشنق في وسطه، يشدانه من طرفيه، يقربانه من وجهه.. البائع يتراجع خائفاً).‏

زوج2 : هيا.. ألا تريد أن تلهو قليلاً؟‏

زوج1 : نريد أن نسري عنك يا رجل.‏

زوج2 : ضع رقبتك في العقدة. وتأرجح.. ستشعر بالمتعة.‏

(يتراجع البائع إلى الوراء فيصطدم بالزوج الثالث الذي دخل حديثاً يلتفت فيفاجأ به..)‏

زوج3 : هل أنت خائف؟‏

البائع : خائف.. آه.. ربما.. قليلاً.‏

زوج3 : ماذا تفعلان؟‏

زوج1 : صنعنا له أرجوحة. وهو يرفض امتطاءها.‏

زوج3 : الحبل متين.. إنه من مخزني.. لا تخش شيئاً، إنه لن ينقطع.‏

زوج2 : لن يستغرق الأمر أكثر من دقائق وتنتهي أحزانك.‏

البائع : لا.. لا أريد.. ابتعدوا عني.. أكاد أختنق.‏

الزوجة : (تدخل) ابتعدوا عنه.. أليس في قلبكم رحمة؟ (يبتعدون، تقترب منه) هل تتزوجني؟.. هيه.. أبعد الحبل عنه.. ستكون أجمل أزواجي.‏

البائع : ولكني متزوج وعندي أولاد.‏

الزوجة : لا يهم.. إذا تزوجتني فلست بحاجة إلى اعتلاء هذه الأرجوحة.. فكر بالأمر.‏

البائع : ابتعدي عني.. أنت امرأة شريرة، لا تلدين غير المشوهين.. أنا لا أتزوج ثعلبة.‏

الزوجة : كيف تجرؤ.. أبنائي يتكلمون في المهد كما المسيح.‏

البائع : أبناؤك كلهم لصوص ومجرمون وعهرة.. أبناؤك جلادون دجالون مستغلون.. أبناء زنا.. لقد ذقت منهم ما يجعلني أعرفهم جيداً.‏

الزوجة : أيرضيكم هذا.. أيرضيكم أن أُهان أمام أعينكم يا أزواجي.. أليس فيكم صاحب نخوة؟‏

(يقتربون منه في حركة دائرية، يضعون الحبل حول رقبته)‏

زوج1 : هيا تأرجح.. لماذا لا تتأرجح؟‏

زوج3 : أنظروا كم هو جميل.‏

زوج2 : هيا اعترف.. إذا لم تعترف ستطير أظفارك.‏

البائع : أرثي لكم.. أنتم تقتلون أنفسكم بقتلي ولا تدرون.. يا لكم من حمقى، عندما أجلد تجلدون جميعاً.. ألا تذكرون..؟ في ساحة الحيّ كنا نجتمع حول النار المشتعلة التي لم تكن تنطفئ أبداً.. وكنا نقضم أرغفة سوداء ونحلم بدمى وشواء.. آه.. لكنكم لا تذكرون ولا تفهمون.‏

(يُطرق الأزواج رؤوسهم في خجل)‏

زوج1 : نحن حزينون جداً وآسفون.. سأسجل ذلك في إضبارة الدعوى حالما أجد مفتاح المحفظة.‏

زوج3 : أما أنا فسأبرق إلى كافة عملائي كي يأخذوا عبارات من كلمتك الرائعة ويضعوها في إعلانات الدعاية لبضائعي.‏

زوج2 : (يلف الحبل بسرعة حول الساعة بحيث يصبح البائع مقيداً به إلى الساعة) نحن مضطرون لأن نفعل ذلك.‏

زوج1 : أجل نحن حزينون من أجلك.‏

زوج3 : حزينون جداً لكننا مضطرون.‏

زوج2 : في الحقيقة، حان وقت تقديم الضحية.‏

زوج1 : أنت تعلم أنه لا يرحم.‏

زوج3 : أجل لا يرحم.. خاصة عندما يكون جائعاً.‏

زوج1 : وهو دائماً جائع.‏

زوج2 : إذا لم نقدم له ضحية كل مساء فإنه يفترسنا، ويفترس سكان المدينة جميعاً.‏

زوج3 : يجب أن تفخر بأننا اخترنا قرباناً مقدساً.‏

زوج1 : من جهتي سأرثيك بقصيدة عصماء أضمها إلى ديواني الذي أحفظه هنا (مشيراً إلى المحفظة).. وسأسجل اسمك في سجل التاريخ.. فأنا أعيد كتابة التاريخ من جديد.. ومن خلال منظور أيديولوجي متطور جداً.‏

زوج2 : للأسباب السابقة.. وحفاظاً على الجنس البشري من الانقراض، قررنا أن تكون القربان هذا ضروري من أجل السلام.‏

زوج1 : وقوانين المدينة تفرض تقديم الأضحية في موعدها.. هذا مكتوب في مجلة القانون، والمجلة هنا في المحفظة.. إذا كنت لا تصدق فإنني مستعد أن أطلعك على ذلك.. فقط لو أجد المفتاح.‏

زوج3 : أعتقد أننا وفقنا في إقناعك.. البطولة شيء عظيم.. يجب أن تشكرنا لأننا سمحنا لك بهذه التضحية العظيمة.‏

الأزواج : هيه.. ماذا قلت..؟‏

البائع : تفوه.. يا لكم من سفلة.‏

زوج2 : حيوان.‏

زوج1 : ناكر للجميل.‏

زوج3 : أحمق، ستضيع صفقة رابحة.‏

الزوجة : (تقترب منه) ابتعدوا عنه.. يا لكم من قساة (تخاطبه) قل لي ماذا تريد قبل أن تذهب إلى الموت بسلام.‏

البائع : لا شيء.. اغربي عني أيتها المرأة.‏

الزوجة : (تقترب منه) ألا تريد أن تمارس الحبّ.‏

البائع : قلت لك: اغربي.‏

الزوجة : مازلت أستطيع أن أنقذك.‏

البائع : لا أريد.. لا أريد.‏



الزوجة : ترفض عرضاً كهذا.. لابد أنك قديس أو مجنون.‏

(يجتمع الثلاثة حول العربة، يتناولون منها أكياساً من الورق ويملؤونها من محتويات العربة).‏

البائع : ماذا تفعلون؟‏

زوج2 : البضاعة مصادرة.‏

البائع : ليس معكم أمر بالمصادرة.. أنتم تسرقون بضاعتي.‏

زوج2 : ما انتفاع ميت ببضاعة ممنوعة.‏

البائع : هذه ليست بضاعة ممنوعة، .. هذه..‏

زوج1 : برتقال.. وليمون.. نعرف ذلك.. أيها السيد نحن لا نسرق بضاعتك.. أنا رجل قانون، والسرقة جريمة يعاقب عليها القانون.. نحن نشتري بالدين، وسندفع لك الثمن فيما بعد.‏

البائع : لصوص.. لصوص.. ابتعدوا عن العربة.‏

الزوجة : إذا كنت تريد أن تنقذ عربتك قبلني أمامهم، سيتركون العربة وينصرفون.‏

البائع : لي زوجة أحبها وأولاد أنتظر لقاءهم.. هل تفهمين؟‏

الزوجة : حسن أنت تجني على نفسك.. هيا يا أزواجي الأحباء.. لا تتركوا شيئاً في العربة‏

(تبتعد عنه، تقف أمام العربة، تشترك في نهب البضاعة)‏

زوج3 : )يطلق صرخة) انظروا.‏

زوج1 : ما هذا؟‏

زوج3 : رأس طفل (يضعه في الكيس).‏

زوج2 : آه.. أصبحت اللعبة مسلية.. كنت أعلم أنه يخفي في العربة شيئاً.‏

البائع : دعوا طفلي أيها القتلة.‏

الزوجة : ابحثوا عن الأطراف.‏

زوج1 : هذه يد (يضعها في الكيس).‏

زوج2 : وهذه يد أخرى.. انظر كم هي صغيرة، بيضاء، ناعمة. (يضعها في الكيس).‏

البائع : (يحاول أن يخلص نفسه من الوثاق) مجرمون.. مجرمون.. لماذا تمزقون طفلي الصغير؟‏

زوج3 : ها.. لقد عثرت على قدم.. هذه قدم يمنى.. أية قدم رائعة هذه.‏

زوج1 : أمس شربنا الشمبانيا بكؤوس مصنوعة على شكل أقدام صغيرة.‏

زوج2 : الظهور تذكرني بالسياط.. والأقدام تذكرني بالعصا.‏

زوج1 : هذه هي القدم الأخرى.. يا لها من قدم رائعة فعلاً.‏

البائع : أيها القتلة.. أعيدوا الطفل.. أعيدوه إلى صدر أمه.‏

الزوجة : دعونا ننصرف قبل أن يأتي ذو العين الوحيدة.‏

زوج2 : لا تنسوا الرأس.. سنشرب به الليلة خمراً.‏

(يبتعدون عن العربة ويخرجون)‏

البائع : طفلي.. طفلي.. أعيدوا طفلي أيها اللصوص (يجاهد في تخليص نفسه) سرقتم ولدي، مزقتم جسده، ماذا أقول لزوجتي عندما أعود وتسألني عن طفلها هل أقول لها أعمامه يأكلون لحمه؟‏

يجب أن تخجلوا مما تفعلون.. أعيدوا إليّ ولدي، أعيدوا إلي ولدي (صمت) لا فائدة، بيني وبينكم بيادر ليل، ترمدت المشاعر وتحطب الدم، فمتى يورق في أعماقكم القهر؟ كيف تستطيع معدتكم أن تهضم لحم الأطفال، كيف تستطيعون أن تناموا وعلى شفاهكم دبق من دمهم المقدس.‏

(صمت) لا فائدة.. سيأتي بعد قليل لم يخلف موعده فقط، سأقاوم ليلة أخرى، ليلة أخرى من العذاب.. وفي كل ليلة أفقد طفلاً.. لكن لن ينتهي كل شيء.. مازلت أعيش.. ولن أستسلم.‏

هيه.. اسمعوا، أحذركم.. أنتم تحملون ناراً.. هذا الذي سرقتموه سينفجر وتتحولون إلى كومة من اللحم والدم (صمت، ينتحب) أنتم لا تفهمون (صمت تام، وقع خطوات) أسمع وقع خطواته.. أقدامه تدق الأرض.. ذو العين الواحدة يقترب.. لقد عاد من جديد.. لا.. لست خائفاً.. لكن.. أما لهذا العذاب من نهاية؟‏

(يدخل الجلاد وتابعه بلباس السيكلوب، يشرعان بجلد البائع، يدخل الأزواج والمرأة ويقفون في الركن القصي من المكان، تتجمد حركتهم على وضعيات تعبيرية مختلفة، مع الجلد والعد تتالى الانفجارات من داخل العربة، البائع يتلقى الضرب في صمت تام، ومن غير ألم).‏

الجلاد : مئة وخمسون.‏

التابع : مئة واحدى وخمسون.‏

الجلاد : مئة واثنتان وخمسون.‏

التابع : مئة وثلاث وخمسون.‏

الجلاد : مئة وأربع وخمسون.‏

(الانفجارات تشتد في العربة)‏

التابع : مئة وخمس وخمسون‏

الجلاد : مئة وست وخمسون‏

(مع تتالي العد والجلد تخفت أنوار المسرح، وتسمع دقات مبهمة مضطربة متباعدة لساعة كبيرة مختلطة بوقع السياط. تبدأ الستارة بالهبوط في بطء ثم تتوقف عندما تندفع الأخت داخلة، شعثاء الشعر، ممزقة الثياب، حافية، على قدميها وكفيها وجسمها طين الأرض).‏

الأخت : لا.. لا يمكن أن أعيش معه.. لقد هربت.. قفزت من فوق الأسوار.. أنا لا أباع، لا أباع.. هل فهمتم. لا شيء يمنع عني حريتي.. لا شيء.‏

استيقظوا أيها الناس، استيقظوا.. ألا تسمعون وقع السياط.. ألا تحسون الدم يتفجر من ظهوركم.. ألا تشعرون بالألم؟‏

(تهزهم بقوة) يا جذوعاً من حطب تحركوا..‏

يا أهل الكهف، يامن تعيشون في الرطوبة والظلمة، أزيحوا صخرة الزمن عن مدخل الكهف ولتدخل الشمس.. فلتدخل الشمس التي تغمر الكائنات إلى كهفكم..‏

(تهزهم بقوة.. تقترب من البائع وتلامس ظهره في حنو) إلى متى تستمر هذه المأساة؟‏

(تواجه الجمهور) أنتم أيها المعذبون.. استيقظوا.. واحملوا آلامكم ناراً (تصرخ) استيقظوا.. ( يتحول صراخها مع خبوّ الأنوار إلى نداء عميق مؤثر استيقظوا.. قبل أن تغرب عن أرواحكم الشمس.‏

(تتهالك على الأرض وتتكوم على نفسها.. يسقط ضوء خفيف عليها فتبدو كصخرة من بازلت).‏

- ستارة شفافة تهبط في بطء-‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 09:14 AM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

المذكور أسفله
بلعيد أكرديس


المشهد الأول :" خارج المسرح "

متفرج غريب يرتدي ملابس عادية، حاملا في يده كيسا فيه طماطم، يزعج باب الدخول.



المشهد الثاني:" داخل القاعة "

(المتفرج يتخذ له مكانا بين الناس، ينتقل من كرسي لآخر، يزعج المتفرجين لكن بدون عنف.الخشبة عارية بدون ستار، في الخلف حائط مغطى بجرائد قديمة، إكسسوارات فقيرة لا ثمن لها، مشنقة، صناديق، دمى، سطل، ملابس رثة مرمية في كل مكان وحبال متدلية من السقف.

يخرج قائد الاوركسترا من الكواليس متسللا ، يبدأ في مسح كراكيز معلقة على أعمدة، يقف أمامها، يخرج من تحت لباسه أسطوانة من الحجم الكبير، يشغلها على مذيعة الاسطوانات، ينبعث صوت يشبه أزيز الصراصير و يقوم بحركات غريبة ، ينط، يجري، يجدب، الكراكيز ترقص أمامه. المتفرج يضرب الخشبة بحبة طماطم. قائد الاوركسترا يتوقف ثم يساير لعبته. المتفرج يعود للضرب. قائد الاوركسترا يحمل الحبة ويتجه نحو الجمهور، يعود إلى طقوسه، المتفرج يضرب مرة ثالثة، ينزعج قائد الاوركسترا، يصيح بدون معنى، ينزع حذاءه، يجلس في مؤخرة الخشبة على كرسي صغير يبدأ في أكل حبات الطماطم.)

(إضاءة تنقص تدريجيا على خشبة المسرح)



المشهد الثالث " بداية كركوزية"

المتفرج والكراكيز

)المتفرج يقترب من مقدمة الخشبة لحظة.صمت).

المتفرج : يا هؤلاء لقد تعطلت فرجتكم.

الكركوزة: مات البطل.

المتفرج : يا للعسل، يا لها من فرجة ملل !.

الكركوزة: المخرج أصابه خلل.

المتفرج : (يبصق)"تفو. تفو" مسرحكم كله علل.

الكركوزة: وماذا تنتظر أنت اصعد و أملأ هذا الفراغ.

المتفرج : أنا لا أحب أن أمثل، التمثيل لعبة يعشقها الفقراء المهربون والضعفاء والعاطلون

الكركوزة: وجودك كله لعبة، حياتك كلها أحلام دون أمل، كلها رحلة فشل.

المتفرج : وهل هناك فرق بين ما نعيش وما تعيشون؟

الكركوزة : (بتصنع وتعالي) نعم إنه الفن والحياة.الفن معروف أوله و أخره له رؤيا تظهر من خلال محاولة جادة لتحديدها أما في الحياة نمثل أشياء لا بداية لها ولا نهاية.

المتفرج : إنكم أيضا تحلمون، وليس للعبتكم هاته بداية ولا نهاية. أعرفكم معشر المهرجين الثرثارين، تجوبون الشوارع بدون أهداف وتعيشون على بقايا الكلمات التافهة. لقد بدأتم منذ زمان ولم تصلوا ولن تصلوا أبدا،صنعوا منكم أبواقا بدون رنة لتعطوا للناس فرجة حسب هواجسهم الأمنية.

الكركوزة: نحن لسنا بوقا لأحد ،(صمت)وأنت الذي تتبجح أمام الحضور ما هو الوصول بالنسبة إليك؟

المتفرج : (مترددا) الوصول؟هو أن لا تتواطئوا معهم ضد ذاكرتنا،هو أن تخلقوا… كلمات سامة …تنزع القلوب وتطيح برؤوس الطغاة مهدمي هذا العالم الجميل.

الكركوزة: اقتراح يناقش، لكنك شيئا ما ثرثار .إذن أين دورك أنت وغيرك من كل هذا؟ (صمت).

المتفرج : عن أي دور تتكلم؟ الم أقم بدوري بعد؟

(لا أحد يجيب، يقترب من مقدمة الخشبة يطل برأسه) أين أنتم يا جبناء؟ تكلموا، ماذا تعنون بدوري؟.

(صمت، يصعد على الخشبة بحذر شديد يحمل معطفا قديما، يسقط منه غبار، يرميه، يضع رجله على دمية بدون رأس يرن مزمارها، يحملها)

المساكين لقد سرق أحدهم دمية أخته معتقدا أنه سيجسد لنا الحقيقة. هل الحقيقة توجد في جسد دمية بدون رأس.

(يدخل عنقه في المشنقة ويضغط على مزمار الدمية عدة مرات و يخرج رأسه بسرعة، يرمي الدمية)

(يحمل سطلا يضعه فوق رأسه)

آه سبق لي أن رأيته إنه سطل جارتي، رمته منذ زمان في المزبلة وهاهو الآن أصبح يمثل، غريب أمر هذا الزمان سطل تزدهر أحواله ويصبح ممثلا وما المانع ما دامت السيبة هي قائدة الأمور. (إلى الكواليس) يا جبناء تقبعون في ظلام دامس وتعتقدون أنكم تجسدون لنا الحقيقة.(يهم بالانصراف).

(للجمهور) سيداتي، سادتي لا أحد كلهم فروا، إذن من يملك خربة فليقصدها.



المشهد الرابع : "الرأس للرأس"

حارس المسرح والمتفرج

(حارس المسرح يظهر في الخلف رجل مسن لحيته طويلة يتكأ على عكاز يكح كمصاب بداء السل).

ح.المسرح : من سمح لك باقتحام هدا المكان؟

المتفرج : الضحك على ذقون الناس ، صنعتم لهم فرجة تناسب أهواءكم وتركتموهم تائهين ..

ح.المسرح : هاهي أمامك. قل حقيقتك أنت، تكلم عن أفراحك وعن أحزانك.

المتفرج : حقيقتي؟حقيقتي وسط هذا الديكور الهزيل؟ معذرة أيها الحضور (للجمهور) أعتقد أن فضوليتي أقحمتني في بحر لا عودة منه،

ح.المسرح: والخبز ''ما لقيناه''، سنين وأنا أحرس الكراسي الصدئة بدون أجرة. و ليكن في علمك لقد قرر المجلس البلدي هدم هدا المكان وستكون هذه أخر ليلة من عمر هذه الخربة

المتفرج : أعطوني إضاءة و ملابس في مستوى حكايتي.

ح.المسرح: المنحة قالو: جاية في الطريق..

المتفرج : (مستهزئا) شفتي المنحة؟

ح.المسرح: شفتها، شفتي كعلا لتها؟

المتفرج : شفتها ، شفتي المنحة ....؟

(يتكرر بوثيرة تصاعدية و تنتهي بإنهاك الجسدين حتى يصبحا صوتان محتدان).

الكركوزة : من خلال هذا الرأس للرأس. ما ذا تقول الغرفة؟

صوت الغرفة: نحن المدافعون عن المسرح نقول إن لم تكن ذئبا أكلتك الثعالب.

الكركوزة : وما رأي النقابة؟

صوت النقابة: هذا شعار مشبوه أما الشعار الذي يحمي المسرح (غناء) إن لم تكن ذئبا بالت عليك الثعالب.

المتفرج : (يقفز على ظهر الحارس) إذن كيف تطلبون مني أن أرقص و ألعب وأنا مكبل يا سادة أوهامهم؟

ح.المسرح يخرج رشاش ماء، يرش كل جنبات الخشبة)هذا ميدان مواجهة فعاشقه مفقود و داخله لا يعود. أردنا توفير قسط من الفرجة، الدوران في الشارع أتعبنا كبغال الطاحونة.

المتفرج : أنا ليس لدي وقت، نسيت أن أقول لكم يا سادة عائلتي أرسلتني لاقتناء كيلو طماطم، وجدت الباب سوق بهائم، فضوليتي.....لم أتمالك اللحظة ورميتكم بكل ما تيسر في يدي، أرجوكم العشاء في انتظار الطماطم.

ح.المسرح: نحن أيضا نرجوك أنقذ ما تبقى من هذه الأمسية، مسرحنا اغتصبه مارد من نار أرداه شبحا يحتضر، كبرنا قبل الوقت والرأس غزاه الشيب وعقارب الساعة الجاثمة عند مدخل المدينة تعد النبضات الأخيرة لقلوبنا. تساءلنا وأعدنا السؤال، واخترنا أن نتابع رقصنا و عرسنا، نلهو بجدية ونحلم إلى أقصى الغثيان.أبحر معنا على قلاع الركح، فغدا سنصبح نحن وهذه البناية في خبر كان ..

المتفرج : سألعب مع طيف الحكاية لأن جسد الحكاية لن يتحمل هذا المسخ.

(يختفي الحارس، المتفرج يتبعه لكنه يصطدم بحائط خفي، يسقط أرضا، تنقص الإضاءة تدريجيا، ضرب على الطبول بإيقاع أفريقي)



المشهد الخامس: "ولادة غير طبيعية"

الأم و المتفرج جنينا-

(شخصان يحملان عمودا طويلا معلق به رحم امرأة و بداخله المتفرج كالجنين شبه عاري تغطيه بعض أوراق الشجر. تظهر الأم على مرتفع خلف الأشخاص، صراخ المخاض)

المتفرج (جنين): في تاريخ ما، في مكان ما، في رحم أجهله، قال داروين أن أبى أصله قرد و حسب ''تهتار'' والدتي : إننا طردنا من الجنة بتهمة عدم التبليغ وخيانة الأمانة، هكذا وجدت قبل أن أرى النور.

الأم : لقد انتهت تسعة أشهر وحكمت الطبيعة بخروجك.

الجنين : آه يا أماه دعيني في هذا البساط الهادئ.

ألام : أحشائي تتمزق، الأرض تتشقق والقمر غائب.

الجنين : بل دعي الدم يسيل.

الأم : اخرج وافعل شيئا.

الجنين : الفعل خبا وسيخبو والعجلة لا محالة ستقف.

الأم : ضع فعلك داخل الزمن وغرد.

الجنين : صلبوه يا أماه.الأصفاد في رجليه والمسامير في دماغه.

الأم : أبدع فوانيس المحبة، أرضنا عجفاء، أحرثها أغزوها.

الجنين : كلام الشعراء وأحلام الأنبياء.

الأم : كن كالأنبياء يا جنيني وعش لحظة إشراق

الجنين : أنا نطفة يا أماه سقطت سهوا.لا أستطيع أن أحاكم أشياء زئبقية تنفلت من منطق الوجود. تكبلني، أريد أن يقف الإنجاب وتحذف الأعياد من يوميات هذا الزمن.

الأم : ترددك يحرجني والتردد فناء.

الجنين : رأيي أن نترك المكان للحشرات والدواب والطيور على الأقل تستطيع أن تنقذ ما تبقى من هذا الكون، إذن دعيني أكل ذاتي وأفنيها.

الأم : أيها السادة سيبزغ جنيني هذا بحثا عن الضوء فاستحضروا رفقته عشق المدن الفاضلة، رتبوا وأبدعوا .

الجنين : أفضل أن أموت آه كم أحببت أن يكون لي من العمر صفرا، لم ازدد ولن أسمى، ولن تذبحوا أكباشا وفراريج ولن ترقصوا على وجودي بينكم ولن تسهروا على تربيتي، لن تلطخوا رؤوسكم بالقطران "واللاتوخ" والاصطياف عند مقابر الأولياء .لن تشغلوا بالكم قط بأحوالي، مات قبل أن يعيش، مات قبل أن يتألم، ما أحلى الموت قبل الألم والفناء قبل الوجود راحة كبيرة يا هؤلاء.

الأم : اخرج و دعني، إني انزف.

(صوت المخاض يملأ المكان وإضاءة مضطربة.يسقط الجنين على الأرض. صراخ قوي لمجموعة من الأطفال. تسقط الأم مغشيا عليها، الشخصان يضعانها داخل الرحم، يختفيان)



المشهد السادس:" الحبو الأول"

المقنع و المتفرج طفلا

(إضاءة مركزة على المتفرج طفلا، يحبو .المقنع بثياب بيضاء و نظارة و نصف قناع. في جيبه قنينة وبيده صفارة. يصفر، يقف الطفل، يرمي له ثياب ، يأمره بارتدائها، الطفل يمشي يحمل الدمية ،يداعبها)

الطفل : ماما ا…

المقنع : ما شي أمك هذيك

الطفل : (يحمل سطلا) ماما ا…

المقنع : ما شي أمك هذيك

الطفل : (يتجه نحو الجمهور) ماما…

المقنع : ما شي أمك هذي (يجلسه على مقعد يناوله قنينة)

الطفل : ما هذا؟

المقنع : عرق سوس والخروب، اشرب

(يضع القنينة في فم الطفل يرغمه على الشرب)

الطفل : (يسعل) لكن طعمه مر ولونه أسود

المقنع : استوردنه من ارض لم يغتصبها أحد. دق و استبنن دم رجل شاءت الطبيعة أن يكون أسود..

الطفل : ومن ذا الذي ذبح هذا الأسود؟

المقنع : عمه و خالكم ..

الطفل : وأين هذا العم .. وهذا..الخال؟

المقنع : هناك اختياران: كل أو تأكل، إذن ليندثر الخلاف ارتأينا أولا تصفية قضية الألوان، بدأنا بالأحمر ثم الأسود ونحن بصدد التخطيط لمزج كل الألوان في لون واحد سنكون بهذا خلصنا البشر من هذا التشتت لأن الخلاص في قوة واحدة دون طفيليات .

الطفل : أنا لم افهم شيئا.

المقنع : ابحث عن العجوز التي زفت حمارتها لشيخ أعزب وعن الخائن الذي باع أمته من أجل جرعة خمر وقطعة خبز.

الطفل : من يكون هذا الخائن ومن هي هذه العجوز؟

المقنع : أمك المومس،كل مراهقين المدينة تتلمذوا بين فخديها وأبوك الصعلوك مع احتراماتي.

الطفل : أمي شهيدة وضحية مؤامرة.

المقنع : (بتهكم) بريئة أمك، (يصرخ) بل حلقة مفرغة...

الطفل : أمي مدرسة (يصرخ)....

المقنع : مدرسة، تخرج من بين فخديها الفقراء واليتامى والمساكين وأبناء السبيل والسائلين والمخلوطة قلوبهم.

الطفل : سأبحث عن أمي وانهيها عن كراء حمارتها.

المقنع : يجب أن تعرف مسبقا أنها سترفض.

الطفل : بل ستقبل لأنها أقوى مما تعج به قنينتك.

المقنع : مهلا يا صغيري طأطأ رأسك ، لن تفلتوا من قبضتي مادام قومك لم يتعلموا الوقوف في الصف بنظام، مادام قومك يؤدون الضريبة على البول والنجاسة كذلك. مادام قومك يحبذون الصلاة مع المرتشين ومادام قومك يؤدون الأتاوى على دفن أمواتهم.

الطفل : سأعد لأبي بحرا من الحليب وأكياسا من الخبز كي لا يبيع أرض جدتي من جديد.

المقنع : إنك تجهل أشياء كثيرة، تصفح جدران مدينتك، اقرأ في وجه كل من تخرج من مدرسة أمك. وابحث في أعماق التاريخ عن جذور عشيرتك، ستعرف حقيقة نسبك وأصلك.

(يقبض الطفل من عنقه ويدور به وسط الخشبة ويرميه أرضا ويخرج المقنع صارخا)



المشهد السابع: " اصطياد الأحذية"

(المتفرج واقفا على حافة الخشبة، بيده صنارة مرمية في اتجاه الجمهور)

المتفرج : أبى كان صيادا ذات يوم اتجه إلى البحر وكسر خبزة بعدما نزعها من أطفاله الجياع، معتقدا أنه سيعود لهم في المساء بحوت ضخم، فيه شحم ولحم، وانتظر المسكين قرنا كاملا. مات أبناؤه ومات الدود الذي كان يقتات من أجساد أبناءه، وفي النهاية اصطاد حذاء كبيرا مكللا بالمسامير، فارتمى المسكين في البحر وتكسرت أضلعه قبل أن يلمس الماء. لو كنت مكانه لما ارتميت، لنزلت بهدوء وغصت في أعماق المياه لأمزق شباكهم وأدق مسامير أحذيتهم. و أعيد الخبز المسروق.

(يغير ملابسه بهدوء يحمل حقيبة سفر) .

سأبحث عن أمي وانهيها عن كراء حمارتها و اعد لأبى بحرا من الخمر وأكياسا من الخبز لكي لا يبيع جدتي من جديد. أعرف مسبقا أنهم سيرفضون. كنت دائما أتمنى أن لا أكون ابن هذا الكون المفزع الذي خلق مستنقعات ضيقة وقانونا مزيفا.

(يتوقف، يخرج مجموعة من اللافتات القديمة وكل واحدة مكتوب عليها شعار كتلك التي تحمل في المظاهرات، ينشر بعضها على الديكور).

ما أجمل الشعارات وما أسهلها نطقا. كلام في كلام، لعبة مزيفة، أقوال لا تحرك ولا تغير.. حلم بعيد لأن الناس لا يملكون القدرة على الإشارة ولو بالأصبع على كل من نهب وينهب في واضحة النهار،تستطيعون ذبح الأكباش والدجاج والضعيف منكم، ولا تستطيعوا أن تخنقوا، معذرة لقد تاه بي الكلام وأخاف على نفسي كما تخافون على أنفسكم، لكن أين هي سيوفكم؟ آه تذكرت دفنتموها في قصصكم المملة وأحداثكم الروتينية . من الآن قررت أن لن أخاف ولن أفزع ، سأتحداهم ، سأسكت أصواتهم وهديرهم الضعيف الذي يملئون به أزقة الشوارع والمقاهي المتسخة. "غبرت لخميرة علين ما حماقيتو، سمعتو لبرارك غدين يحيدوهم بديتو تزغردو" . اختفت الخميرة جننتم، سمعتم أن دور الصفيح ستمحى أثارها بدأتم بالزغاريد.

صوت امرأة: وفلان وبعد على هد الكلام

المتفرج : إنها والدتي تعتقد أن كلامي سيؤدي بي إلى مالا تحمد عقباه.



المشهد الثامن:" المحظورات"

ألكتبي و الأم

(يدخل بائع الكتب حاملا كيسا مملوءا بالكتب، يلتفت يمينا وشمالا في حذر. تتبعه امرأة ملثمة و ترتدي إزارا)

ألكتبي: شكون؟

المرأة : افتح الله يخليك

ألكتبي: الفجر هذا بدلي ساعة بأخرى…الوقت خيب

المرأة : خائفة...افتح

ألكتبي: خائفة؟ حتى أنا خايف

المرأة : لا يعرفوني الشمايت غادية نقري ولدي كيف أقرانه.

ألكتبي: خفظي صوتك … لا يشوفني ويعرفوني كنبيع لمن والى،إنما الثمن ديال الليل، كيف الصيدلية ديال الليل و الشدان ديال الليل وكلشي للي كيدوز في الليل

المرآة : غير طلقنا المهم ولدي حالفة حتى يتسجل. (تخرج لائحة) أعطيني الكتاب لفلان لفلاني وكتاب لفلاني…

ألكتبي: ردي بالك لا تقولي ليهم أنا للي بعث لك. هذا راه تاريخ آخر ما كيعرفوه غير الناس للي (يده على عنقه،إشارة للقتل) بعدي مني و انساي هذا العنوان، إنهم يبصرون ما في البطون وما تخفيه الصدور وما يقع من وراء الجدران ويعرفون المكسي والعريان والجائع والشبعان و''الفضوحي والسكوتي والجعواقي والزنزون والدركومي والسياسي لحقيقي والسياسي البياع '' واللي معهم وللي معانا

المراة : وأنت شكون هما؟

الكتبي : البركاكة ياسيدتي، الحسادة ياأختي، للي ماعندهم شغل يا لالا مولاتي، لعنهم الله إلى يوم الدين ، إلا تبعوك وشيرو لك غير بهذ الصبع والله لا باقي شميتي لوكسجين.

المرأة : وتا شكون هذ لوكسجين؟، مالو وزير هذا لو كسجين؟مالو هو لي كيشعل الضوء . محفظينو اوه؟ ورث خلاه ليهم بوهم؟ اتا اجمع لحساب ، ومالكم عا مالكم عا مخلوعين من خيالكم وتخمو ، تكول الله يستر ما كدوقوش القوت، ماخافوش حتى شلاغمية لحرار حياتهم عا حباسات عينيهم مبانضين ،ياكلو ف الظلمة ويكتبو ف الظلمة..

الكتبي : بالحق هد الشيء ما عمرك تعرفيه لا أنت ولا كرناتك ، باركة عليك أنت غير مسمنات وبغيريرات مع الجارات النمنامات والسمانات ،هذ لكتوب وممنوع يذخلو و راهم غير كنترباند.

(يغلق كيسه ويختفي حذرا)



المشهد التاسع :" أول حرف"

المتفرج : واشترت لي والدتي محفظة، لوحة،طباشير وقلما، وكتبت أول حرف. حرف كبير سطر مأساتي و شقائي. لم اعد كالناس ولا أفكر كالناس الذين يسكنهم الوسواس الخناس. و لا أخفي عليكم أستاذي كان من نوع خاص. أصبحت أفكر في أشياء غريبة، قريبة و بعيدة. لكل واحد منا مال، دار، أولاد، استقرار و حرية. ولما لا.؟.بالنسبة للمال، يجب على أولئك المؤمنون بشعار جوع كلبك يتبعك أن يفكوا عنه الحصار ،أما الاستقرار فارض الله واسعة، أستقر حيثما يحلو لك. أما الحرية، إنها قريبة من أنوفنا، إنها هنا وهناك..

(يتبع شبحا مستعملا شبكة لاصطياد الفراشات) إنها هنا.



المشهد العاشر: "مدرستي الحلوة"

المتفرج تلميذا و الأستاذ

(الأستاذ ينظم الصف ذهابا وإيابا بحركات عسكرية مبالغة.المتفرج تلميذا، يحمل محفظة صغيرة.)

الأستاذ : يد على الكتف، راحة يد على الكتف راحة (يردد نفس العبارة عدة مرات).

التلميذ : أستاذ إلى بقينا على هاذ الحال محال واش نفضو هاذ الكتب للي فنات أمي عليهم حياتها .

الأستاذ : فلاقة، حملوه، صلبوه

(يضرب التلميذ حتى يسقطا) طابو لمك الرجلين دير لهم مليحة ودق منهم أنت وأمك إلى جاكم الجوع.(يزحف التلميذ على ركبتيه)

الأستاذ : أدخلوا..اطردوا الذباب يا أولاد الذباب، اجلسوا.. قفوا..اجلسوا قفوا.

التلميذ : أستاذ. الآخرون اشتروا بقع في المريخ ونحن اجلسوا، قفوا، هذا حلال أم حرام؟

الأستاذ : فلاقة .. صلبوه (يضرب التلميذ حتى يسقطا من الإعياء) أش كاين؟ قل لأمك تركبك أو تدبر لك على ورقة انخراط في جمعية الرفق بالزواحف. البرنامج ديال اليوم عندكم فيه :"بات بوبي ببابي"

(يرددها على شكل أغاني بدون إيقاع)

التلميذ : أستاذ هل حقا الأرض تدور؟

الأستاذ : يا غبي من أين لك بهذا؟

التلميذ : من الشارع يا أستاذ .

الأستاذ : يا عفريت يا نفريت، أنت مجنون،متى كلمت كاليلي الملعون.؟

التلميذ : أنا لا أعرف هذا الكاليلي* ،ربما في المنام .

الأستاذ : أنالا أريد منك توضيحا أخرج من قسمي، ابتعد عني، ستوسخ الفصل بنهيقك أنت تحمل وباء خطيرا أنا لا أعرف إلا ألف باء تاء فقط،(يهم بالانصراف)و إدا جاؤوا وكان الكنترول:'' قرد، بقرة، برتقال'' ومريضنا ما عنده باس.(يرقص ويغني) قرد، بقرة، برتقال

(يخرج من القسم مهرولا)

المشهد الحادي عشر: "الطرد "

المتفرج : وطردت هكذا يطردون متى شاءوا ومن شاءوا، لا يعون قراراتهم وكم هم المطرودون مثلي يتسكعون في الشوارع. صبايا يرقصون على أرصفة بالية، يحاولون بعناقهم الهروب من عالم الرذيلة، أصواتهم الشجية تذوب بين قضبان السجون، يجهلون أركان الجريمة فلماذا هم مطرودون؟. عيونهم تنبثق منها الصراحة فلماذا هم خائنون؟ ظهور مقوسة داخل معامل الياجور، عراة لا يتكلمون و جياع صامتون.إنهم رسل عصرنا الملطخ بالذنوب، إنهم جذور هدا الكون المزعزع. اسألوهم عن خالق الكون و احفظوا عن ظهر قلب منطق الأطفال.

(ينادي بأعلى صوته) : يا براعم الورود فلنهرب من مشانق الحماقة وأحاديث الخواء والتخدير.لقد حاولوا كسر عقولنا بصخر الغدير، ولا يعلمون أن رحيقه يسري في عروقنا وأننا رضعنا من منابع الغدير.



المشهد الثاني عشر : " عشاق بشارع عمومي "

المتفرج و العساس.

(تحت ضوء مصباح زيتي. المتفرج حاملا علبة ماسح أحذية.)

المتفرج : امسح رجليك، امسح دماغك، امسح رئتيك. تتعثر وتنزلق. كل من فلت من منقار الزرزور أخذه الجفاف. بني أدم في وضح النهار أصبح يخاف.ا غسل يا ولدي ويا سيدي. تقول إن الدنيا سوداء وحزينة، لا تبقى متكأ تراقب مرور السحاب، أعد الكرة مرة أخرى لكن بأمعاء نظيفة.

(يدخل العساس ويتفحص المكان)

العساس : لقد بعثنا في طلبك ولم تلبي الدعوة؟

المتفرج : كنت دائخا بين الأرجل تتقاذفني في كل إ تجاه.

العساس : أظن أن هده المرة ستدخل الشباك ولن تخرج منها قط.

المتفرج : أضحكتني، أنا داخلها مند أن غادرت رحما مفروشا بريش النعام

العساس :أتعرف لماذا أعطوني هدا الوسام وهده النياشين؟

المتفرج : لتحمي الضعيف من مخالب القوي والخروف من جور الذئب .

العساس : لا يا خروف نعجتي، بعثوني برقية لكل أوباش الدروب لأنظفها بمكنستي.

(يشير بالعصا) وأعيد لها بريقها اللامع بهده الدهون (يخرج الأصفاد). وبعدها أوقع عليها بهذا الطابع، (يضرب العلبة بحذائه).

المتفرج : أرجوك غض الطرف عني،إني اليوم فقط بدأت أمارس هده المهنة ولم أستوعب بعد خفاياها.

العساس : سأتركك تسترزق لكن بشرط، ضع يدك في يدي .

المتفرج : أنا رهن إشارتك، سنمحو الظلم، سنقضي على قاطعي الطرق و مستغلي النفوذ، سنمحو آثار الفساد،أنا لدي حلم وحان الوقت ليتحقق، الدجاجة إذا انطلقت مع كتاكيتها من شمال البلاد إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه لن يمسسها أحد.

العساس : هيه قف، عند هذا الحد، نحن لدينا تعليمات عكس ما تعتقد، دورنا هو جس النبض، إحصاء الرؤوس الحامية و خصوصا (إشارة إلى النساء) هيئ لي لائحة، عمرهن، جمالهن، ولا تنسى أن العمر قصير، والزمن لا يرحم، والرياح تجري بما لا تشتهي السفن.أ تعتقد أني سأدفن نفسي في وسط هذا الكفن و هذه الحرفة التي تجلب العين و''الحضية''، سأغتنم الفرصة في ظرف وجيز وربي يعون ''العونات''. طيب أعطني بطاقتك.

المتفرج : لا أملكها.

العساس : كيف لا تملكها، ألست ساكنا هذا الدرب؟

المتفرج : أسكنه، ترعرعت بين أزقته، وأقتات من مزابله.

العساس : اللهم نجينا يا رب و ابعد عنا شر البلاء..

المتفرج : و كما تعلم يا فقيه أخر الزمان اليتيم، و القاطن في الخلاء، و أللا منتمي لأي شجرة يحرم من البطاقة و الشغل و الخيرية والحرية و الأحلام

(يهرب مرددا)الأحلام ..يانيام .

العساس : (يجري)أوقف يا ولد الحرام.

المتفرج : ها للي قلنا ، ولد حرام أم ولد الحلال ,إلى شدتني اقطعهم.

العساس : و رآك معروف.

المتفرج : معروف أو مجهول ما فيكم ثقة.

(يجريان بسرعة كل في اتجاه.يخرج المتفرج من اليمين يتبعه العساس. يعود المتفرج من اليسار، تعبا، يبدأ في جمع بقايا علبته).



المشهد الثالث عشر: "استنطاق كركوزي "

(المتفرج و صوت إحدى الكراكيز المعلقة.)

الكركوزة : قف لحظة، فتش جيوبك (يفتش) ماذا وجدت؟ (حركة استفهام). حسنا خطوتين أمام (يمشي خطوتين). أربعة شمالا (يمشي أربعة) ثلاثة يمينا (يمشي ثلاثة) حسنا خمسة للأمام (لا يتحرك) قلت خمسة. (لا يتحرك). أربعة، إثنثان، واحدة (لا يتحرك). واحدة وراء (يعود أربعة إلى الخلف) . أه فهمت.. بركك،أو حنزز شوية في الجمهور،... لم يخرج أحد ا؟ اذا طلعت لهم في الرأس أخرج لحال سبيلك. (يهم بالانصراف) انتظر لا تقلق، هل جربت ألان المسرح؟

المتفرج : أش من مسرح؟

الصوت : هاو، نعودو لحكاية من الأول.

المتفرج : حتى نكمل بعده ونكول لك

الصوت : قل الحق تفقسو لك اللوزتين؟

المتفرج : غير شي بحة خفيفة

الصوت : باقي ما شفتي والو... وصلتي أش بغيتي؟(صمت) دخن لك سيجارة.

المتفرج : ماعنديش .

الكركوزة : أ طلبها.

المتفرج : بلاش، خلليني ساكت.

الكركوزة : كتسمع الإذاعة؟

المتفرج : مرة مرة ، علاش؟

الكركوزة : أش كيظهر لك في للي كيقولوا السيجارة اكتشفتها العبقرية العربية و طورتها التكنولوجيات الأمريكية؟

المتفرج : خلليهم يعلقوا كيف ما احلى ليهم حتى ينشف ريقهم (صمت).

علاش المحتاجين يثكاثروا عندنا كيف الببوش؟

الكركوزة : سؤال قديم، أزمة عالمية.

المتفرج : لكن يا مسكين على ماحكاو دوك للي كيجو من لهيه، الفقراء عندهم كياكلوا مجانا،أما العاطل عندهم قالو.. قالو ..كيتخلص بلا ما يخدم....

الكركوزة : هذا الموضوع ماشي من اختصاص أهل المسرح.

المتفرج : كل عائق يسئ لبني أدم لازم عل المسرح يحشر انفه فيه، إلا ما أعطى رأيه يمشي فين يخ…

الكركوزة : إمكن إلى بديتي كتعى.

المتفرج :عياني التخمام ف مصير هذ البشر (صمت). دموعي كنحبسهم بصعوبة.

الكركوزة : maalem laisses tomber. Ça va a

المتفرج : (يضع رأسه في المشنقة)

الكركوزة : أوقف الأ حمق، أش باغي تعمل حتى تكمل بعد.؟

المتفرج : ومال الحسين ولد الشلحة* قالوا دارها ببرودة دم في المحمدية قبل ما يكمل.؟

*'' حوري حسين ''

الكركوزة : شكون هدا حسين ولد الشلحة؟

المتفرج يفك عقدة المشنقة على عنقه). مسرحي مات بالفقصة هو لي قال :''هذا شكل من أشكال السحق الإنساني إما أن تكون خروفا أو لا يكون''. وشي وحدين بحالو ماتوا منسيين ف غفلة من الزمان باش حنا نبقاو 'مكاردين' عل الضحكه. (صمت) شفتك سكتي؟ ، نعرضهم عليك أو بلاش ،نكمل لك ولا باركة عليك غير..؟

الكركوزة : تسراح شوية، ترخى رآك عيان. اسمع لهذ الموسيقى (موسيقى هادئة) تخيل أن أدم وحواء ما كلاوش من التفاحة، أش كان غدي يوقع؟

المتفرج : خللي عليك الراجل ترانكيل

الكركوزة : وغير نضورو الهضرة وخلاص

المتفرج :واش مسموح لنا ناقشوا أي حاجة بحرية أو نسكتو ونديرو من الناقص؟

الكركوزة :ألواد إلى جف ك يصبح قي خطر، والى فاض أكثر من خطر.

المتفرج : شكون بعد يقدر يحاكم أو حتى ينعت فدوك أول من جربوا القنبلة الذرية على بني أدم، وخربوا الدنيا، واخترعوا أبرع الآلات في الهمجية ورقعوا الكرة الأرضية،عاد يسمحوا لك أنت النملة وأنت أسي الصرصار تبدي رأيك في أدم، كي يحساب ليهم باهم غير هما ، أما حنا هذا بونا أدم غير ولد جارتنا أو أصلنا قرد..

الكركوزة: هدوك الزوج مقدر ليهم يطردوا وسدينا .

المتفرج : (يهم بالانصراف) أنا للي محيرني، علاش أنا هنا و علاش طلعت لهد الخشبة، واش بغيت وفاين غادي، واش هد شي للي حكيت كان ضروري نحكيه ، واش أفضل من حجياتكم ؟

الكركوزة : لازم علينا نتكيفو مع الوقت ،وكيظهر لي الشيطان هداك أخرج على أبونا أدم وغدي يخرج عليك حتى انت.

المتفرج : تكيف مع الوقت تكيف ،نفح انت، الشيطان ماما غولة ..عائشة قنديشة "Extra terrestre "رقعة ديال مخي ضيقة وما تقدر تتحمل.

الكركوزة: الملاحظ أنك ثرثار. قل لي علاش وحدك من دون الناس كتضرب فينا بطماطم.؟

المتفرج : فك إلى باغي تفك يا مفسر الغيب .علاش أنت وأنا و هدو بالضبط هنا.؟

الكركوزة : قاسك الجن و ا ذبح لك شي خروف، أو شي فروج بلدي ورش دمهم على دماغك.

المتفرج : قدمنا القرابين من كل نوع للي تدفن حي تدفن، وللي غبر ما بقى ظهر.

الكركوزة: فين ما حاولت نغير معك إيقاع المناقشة كتميل الموضوع، اضحك شوية (المتفرج يبتسم) إضحك بزاف.. راك كتضحك غير وحدك ..أطلب من هدو للي قدامك يضحكوا.

المتفرج : إضحكوا،غير ضحكو للي ليها ليها ..غدي نحكي ليكم نكتة وخ هي شي شوية قديمة ولكن فبن ما كنتفكرها كنهجرو. هدو ثلاثة الأنواع من البشر، زوج من عندهم وواحد من عندنا، شاركوا في رهان أو سباق. المنظمون أعطوا لكل واحد قردة وغلقوا عليهم في قفص، من بعد مدة. فتحوا عليهم . الأول للي من عندهم لقاوه والد مع القردة قريد يزن زوج كيلو وربع ، الثاني للي من عندهم نجب مع القردة قريد فيه ثلاثة كيلوات أما مرشحنا يا سادتي يا كرام نجب قريد يزن خمسة غرامات. الرؤساء دياله فاقو من النعاس والغيبوبة. لقاو أنفسهم في الرتبة الأخيرة، غضبوا وكشكشوا.

(يضع قطعة ثوب على رأسه وعقالا ويشخص أحد الرؤساء). حشمتي بينا، طيحتي من قيمتنا وهدمتي حضارتنا وتقاليدنا. أحنا قوم التحديات والمعجزات والفحولة والعام زين، لهدا قررنا شنقك لأنك لم تقم بواجبك أحسن قيام. وصاحبنا يغوت ويصيح كالمسعور، أعباد الله راني مظلوم. المنافسين ديالي غلقوا عليهم مع قردات وأنا غلقوا علي مع قرد..قرد ذكر، يا عباد الله، يا منظمة الأمم المستبدة والمتملقة.

الكركوزة : ضحكتني و شحال هدي ما ضحكت.

ظلام

المتفرج يرمي قطعة الثوب والعقال ويبدأ في ضحك هستيري) إننا نحاول فك لغز الصفر الذي اكتشفنا، ولما أعيانا البحث وضعناه كوسام فوق رؤوسنا ، سجدنا و ركعنا حتى ثقبت جباهنا، ندس فشلنا و نعتقد أننا أفضل أمة أخرجت للناس، سيفنى الكنز ويستنفد، أصبحتم أضحوكة للعالمين، يا من اكتشفوا الصفر وسقطوا داخل مداره.



المشهد الرابع عشر: " تحرير المدينة "

(المتفرج يقف أمام باب موصد لمدينة عتيقة،مرتديا لباسا حربيا، يحمل سلاحا قديما)

المتفرج : ماذا أرى مدينة أم سراب؟ يا أهلي افتحوا الأبواب، يا أهل الكرم والوفاء

(تهبط من أعلى السور لافتة مكتوبة عليها: "ممنوع الدخول على ذوي البشرة السوداء والحمراء، الزرقاء والخضراء. الخ...)

الصوت : ممنوع .. ممنوع.. ممنوع.

المتفرج : أنا منكم وإليكم ملة ودينا، في الجهوية والوطنية والقومية.

الصوت : أنت بدون أصل ومقطوع من شجرة وموشوم بوباء التحريض وردان الهضرة، هذه ليست خيرية.

(المتفرج يبدأ في القفز على الحواجز كرياضيي ألعاب القوى)

المتفرج : رغم إنذاراتهم سأجتاز وإذا رموني بالرصاص سأموت و سيجتاز الآخرون وإذا رموهم بالرصاص، سيموتون. إلا أن تفنى وتشيخ أسلحتهم آنئذ ستهدم حواجزها و يعبرها أحفاد أحفادنا.

(يصعد فوق مرتفع معلنا الانتصار) هاهي ذي المدينة السراب ينقشع الغمام عنها وتظهر واضحة.



المشهد الخامس عشر:" في ضيافة العمدة "

المتفرج والعمدة ومجموعة من الناس

(مجموعة من سكان المدينة يحتفلون بالمتفرج. ضرب على الطبول)

العمدة : مرحبا بك يا أمير الفاتخين أه عفوا الفاتحين والبصل أه عفوا البطل الذي لا يقهر (للعازفين) غيروا هذه الموسيقى الحزينة فلتعزفوا الموسيقى الحية يا ''طعارجية''.

(موسيقى شعبية رديئة) تحية للرجل الشهم،

(يعلق له عظما في عنقه على شكل وسام) هذا يا محررنا وسام من أعلى الأوسمة و أرقاها، مع تشكرات كل أعيان المدينة، المجلس البلدي،الإقليمي،Ext..Ext .

(يتألم، يده على بطنه) المرحاض، المرحاض؟.

المتفرج : لم تبنى بعد .

العمدة : (يجري في كل اتجاه، أحد المساعدين يناوله سطلا، يجلس فوقه) الله على راحة.

(يزداد الإيقاع الموسيقي الرديء، يدخل البائع حاملا عصا معلقة بها عدة قنينات ملونة، يرقص)

البائع : من يا تجار أورشليم يشتري دما قانيا؟ يا تجار أورشليم التجربة بالمجان دم خالص، هلموا يا تجار أورشليم؟ ثلاثة فرنكات للكأس، ألا ترون؟ ثمن رخيص فيه شفاء يزيح السعال والبرودة. إذا شرب منه المشلول يصبح كالغول، لا تدعو الفرصة تمر، جربوا دمنا الرخيص

(المسؤول يتناول كأسا، يتذوق بشراهة. ضحك يصم الأذان، حركتهما تتحول تدريجيا حتى تشبه حركات القردة، العمدة يطرد البائع ويحاول عضه، البائع يهرب)

(المتفرج يغلق أذنيه، يتوقف عن الضحك)

المتفرج : استهزأ الزبائن والقردة و قارئات الفنجان.و''ضماسات الروندة''. لأن الكل يعرف أننا جياع ولا نستطيع أن نحرث الأرض بأيدينا ولا نعرف كيف نقسم قطعة خبز بيننا بالقسط.. لا باس فلنحصر دموعنا لألا تجف. و أقلب أين أبيت في هذه البلاد الغريبة العجيبة.



المشهد السادس عشر" في ضيافة الذين أعطتهم الأيام"

(الغني يرتدي ملابس فاخرة ،يدخن غليونا كبيرا، و أمامه طاولة بها قنينات ويسكي، يحمل هاتفا(

الغني الهاتف (الو .كانت أمسية رائعة..نعم كلهم حضروا..أه لو شاهدت بأم عينيك كيف تطير أرجل الحمام، وتتكسر أضلعها. اقترحت على أصدقائي أعضاء جمعية محترفي رمي الحمام بالرصاص.. اقتراحنا كان صائبا.وصبت عند قبوله أكياسا من الويسكي. فبدل أن نبذر رصاصنا على الحمام، نصوب أفواه بنادقنا على شحاذي ومشردي المدينة. تكون بذلك ضربنا سربا من اللقالق بكرة ''غولف'' واحدة. أولا تنظيف المدينة من العوائق، ثانيا إتاحة فرصة للحمام كي يبيض و يتكاثر، استراحة بيولوجية، بيئية، حضارية و عالمية..

(يدخل المتفرج بلباس مهترء، يقترب منه يسقط الغني فوق الأريكة)

المتفرج : السجائر التي رأيت في منامي.

الغني : خذها وأحتفظ بالعلب كلها أن شئت.

المتفرج : كم ثمن هذه المدخنة؟ (ينزع منه الغليون)

الغني : يساوي ! لا يساوي شيئا…ولماذا هذا السؤال؟

المتفرج : السؤال متنفس لي ، إذا لم أسأل أموت . وكما يروج في دروب القصدير سيجار واحد من هذا النوع يمكن أن تشتري بثمنه 300 خبزة من الدقيق الخالص. سيجار واحد يذوب في دقائق يساوي خمسة أشهر من فيتامين كب وكسر.

الغني : قف لحظة،ملامحك ليست غريبة عني،ربما التقينا في رحلة صيد أو نزهة تزحلقية.

المتفرج : (يمزح ويغير ملامح وجهه) بوع، (يفزعه) أنظر.ألم تتذكر هده الجروح الغائرة في جبهتي؟ تركتموني أنزف كما ينزف رحم أمي، لولا عزيمتي لأكلني النمل.. كم حلمنا وغنينا في الخنادق.عندما تأتي الحرية سنفعل كذا وكذا.

الغني : آه تذكرت..كنا مرغمين للجري وراء العدو.. مشينا طويلا .. طويلا .. حتى ضيعنا الطريق ثم عدنا حقا ولم نجدك.

المتفرج : (ينظر في كل اتجاه) إني أتساءل من أين لك كل هذا.و في رمشة عين، أواه الحرب انتهت البارحة؟ يا سلام الدنيا تعطي لمن تريد ''واللي ساخطة عليه ،وخ ينتف طوابكو ، كيفاش كيديرو ليها'' ، الله أعلم؟ هل عثرت على كنز؟

الغني : آه.... هذا أرث عن جدي .

المتفرج : يا زمن الجوارح والغربان أكلة الكائنات البريئة، ماذا أصابك يا أمتي؟إلى أين تمشي يا بني ادم؟ يا سادة هدا هو مصدر العطب و أنتم تتساءلون لماذا محرك هذا البلد معطل.؟ لأن الأشياء تمشي على رأسها.

الغني : (ينادي في اتجاه المطبخ) أتوني حالا بطبسيل من القطعة وقنينة ويسكي.

المتفرج : أنا ذاهب.. سأظل أرابض في الخنادق..غطائي النجوم.

الغني : أنتظر عيب حرام، أن تذهب هكذا، نحن رغم كل شيء أصدقاء، نحن لم نسرق أحدا ولم نستول على المناصب، كما يكتب المسرحيون، ويردد البعض، أؤمن بفكرة واحدة الصديق عند الشدة، (يرفع اكفه للسماء متضرعا) ''والغدار الله يأخذ فيه الحق ''

المتفرج : أنا ذاهب، فالعدو مازال يتربص بنا.

الغني : انتظر (يخرج تصميما هندسيا لتجزئة أرضية) ما رأيك في هده البقعة،إنها شوكة، الشمس من كل الجهات، سأتدخل من أجلك عند أصدقائي الكبار كي يغضوا الطرف عنك.

(ينسحب المتفرج في هدوء،الغني يكتشف أن المتفرج خرج)

أغلقوا الأبواب، والنوافذ و ثقوب المراحيض، لا تدعوا مرة أخرى مثل هده الأوباش تدخل إلى منزلي، وإزعاجي. أنا لدي مشاغل أخرى أيها المتسخون، أيها الحسادون، يا كلاب ''الكرنة'' أنسيتم أن الله فضل بعضكم على في الرزق .



المشهد السابع عشر " في ضيافة المزبلة العمومية"

المتفرج : (يبنى كوخا) فبنيت كوخي من علب السردين الفارغة وكرتون المزبلة، أرجل الدمى وقرون الأكباش والأحذية البالية.الباب هنا، نعم الباب هنا، السقف..هدا العلو كاف، السرير هنا أما المرحاض؟ آه المرحاض..(يحمل سطلا). هدا هو مرحاضي لكن أين أضعه (يشير تحت السرير). وفي الليل، كيس من لبلاستيك وهب من النافذة..إلى الخلاء..على ذكر النافذة..النافذة ستكون هنا. (يطل). صباح الخير، أهلا وسهلا كلكم سكان هده المعلمة، كلكم شوكة، اسمعني على جودة الاختيار..عار الجار على جاره، سنتبادل النعناع و الشاي، الشمع والخبز و الدموع..أنا رهن إشارتكم لكني أكره الشجار والصداع و المقالب.أفهتم؟ ولا تنسوا أن الحائط هش ويسمح بتسرب الخفايا والتأوهات و ..و..و. إذن لا ترفعوا أصواتكم

(صوت لآلة هدامة نوع "تراكس" تزحف على أكوام المزبلة.صوت محركها يرتفع حتى يصم الأذان. المتفرج يطل من نافذة الكوخ).

صوت : أنت صاحب هدا الكوخ؟

المتفرج: نعم ، بنيته البارحة في غياب "التراكس" الكل كان مشغول بالحملة وقتل الحمام واغتنمت الفرصة لأن مناخنا الديمقراطي يسمح باغتنام الفرص.

الصوت : عندك أجل ثلاثة ساعات.

المتفرج: ثلاثة ساعات؟

الصوت : أهدم الكوخ .

المتفرج: أهدم الكوخ؟

الصوت : و إلا هدمته آلاتنا.

المتفرج: فلتهدم "التراكس" والزلازل أدمغتكم وسياستكم .إني أربض في الخنادق أني معطوب و مكسور الجناحين، دعوني أستريح.(يجلس أرضا).

الصوت : اسمع،اسمع .نحن نعرفك جيدا ربما أكثر مما تعرف نفسك، البناء عشوائي و كوخك أفسد جمال منظر المزبلة وأزعج راحة قطيع حلا ليفنا الوديعة.وأنت تعرف قوة الجمعيات التي تهتم بحقوق الحيوان. فهم لا يبخلون علينا بالمساعدة ففيها حمايتنا وحماية خنازيرنا وبيني وبينك'' شحال من مرة دزنا ف وجه هد الدواب مسكينة و كتقسم معانا باش ما سخاهم الله. ونتبعوك أنت من الصبح وانت تدور بكيلو ماطيشة ، ادوي ذوقتي شي حد ، قسمتي مع شي احد؟ والله ودرنا روسنا فيكم إلى جا في جوفنا ''

(أصوات محركات لآلات الهدم.يتصاعد صراخ الأطفال والنساء، يسقط الكوخ، يتشتت لعدة قطع)



المشهد الثامن عشر: "في ضيافة ألعشيرة"

المتفرج : لهذا سيداتي سادتي قررت أن أتوقف، أشل حركاتي وأدفن تمردي وأقطع شراييني. ستساءلون لماذا بدأت متشائما وانتهيت متشائما،بنو دمي لا يؤمنون بصرخات المفقودين.أيها الإنسان تعتقد أنك أذكى كائن في هدا الكون.لا باس تطاوس، لكن قل ما هو دورك ولماذا أنت هنا؟

(يحمل أمتعته، يهم بالانصراف) .لقد لعبت بما فيه الكفاية، اسمحوا لي بمغادرة هدا البساط، ونسيان هده اللحظة ذا خل زمنكم الميت. حدودكم كرتونية، هشة لاتحد (يتذكر) العشاء في انتظار الطماطم

(يحاول مغادرة الركح. المسؤول، المقنع، الأستاذ، العساس، حارس المسرح، قائد الاوركسترا والغني على أوجههم نصف أقنعة، يحيطون بالمتفرج من كل الجهات)

العمدة :ارجع أمعلم، دخول المسرح ليس كخروجه (تجره المجموعة إلى المشنقة، دق طبول عسكرية) أوقفوا عني صداع الرأس إني أعيد على عدوي وأنتم تندبون.

(تتغير الموسيقى وتصبح أهازيج شعبية رديئة،يضعون عنق المتفرج في المشنقة، ترقص المجموعة وتقف في الخلف في مكان شبه مظلم).

المتفرج : لقد قرروا شنقي قبل طلوع الفجر وأتمنى أن نجتمع غدا ونعيد قسمة الأرض من جديد ومن وجد فيكم أمي فليخبر أمه .

(المجموعة تتابع الرقص في الخلف وتصب كؤوس من الويسكي )

كركوزة : الناس أصابهم ملل.

المتفرج : يا للعسل الناس أصابهم خلل.

(أقترح أن ينتهي العرض بلقطات منتقاة من كل الأدوار السابقة، على أن تتداخل في ما يشبه اللغط. ثم ينقطع مولدا صوتا يشبه القهقهة).



تأليف/ بلعيد أكرديس سنة.

'' 1993''

رقم الإيداع القانوني 12/ 1995.












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 09:18 AM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

زيارة لبرج إيفل / مسرحية من فصل واحد
بلعيد أكرديس

الشخصيات:

- الأعرابي: رجل دو ملامح عربية إفريقية في الخمسين

- بائعة السيارات: فتا ة في العشرين من عمرها وسيمة

- مربية الطيور: نفس مواصفات بائعة السيارات

- المهاجر: شاب ذو ملامح عربية في الثلاثين

- الشقراء : صديقة المهاجر

- الشرطي: في الأربعين يرتدي ملابس الشرطة في البلدان الأوروبية

- الصحافي : رجل مسن يرتدي ملابس مهنة المتاعب تفتقد للأناقة

- جموع من الناس ذوو ملامح أوروبية



الديكور:

ساحة إيفل"effeil"(معلمة موجودة بباريس).في الخلف ناطحات سحاب

متجر لبيع السيارات

محطة هاتفية

محل لتربية الطيور

تتغير الديكورات حسب تغير الأحداث.



المشهد الأول: أمام برج إفيل

الأعرابي : (الأعرابي يجر ناقته بحذر شديد) كفى يا ناقتي.انتظريني هنا، أخاف عليك من دخان نفاياتهم و منعرجاتهم التائهة، ستصابين بالدوران والتقيؤ و سيدمي الزفت المعبد لطرقاتهم رجليك الحافيتين وأنت التي ألفت الرقص على الرمال الدافئة ..، لقد اجتزنا الحدود بصعوبة أما هنا في الداخل لن تفلتي من عيونهم، سيحاصروننا أينما حللنا و ارتحلنا ولن يقبلوا تواجد ناقة تتجول بينهم، حاملة وجها غير مقبول. إنهم يقيمون المظاهرات لأتفه الأسباب، مكانك الخلاء يا كنزي وأنت التي لا تعرفي إلا الصحراء والهواء النقي والواحات ومن الخدمة إلى الدار ومن الدار إلى الخدمة.

(يودع ناقته بعد ربطها لجدع شجرة)

(وحده) إلى أين أتجه ؟ فين نعطي رأسي يا إفيل ؟



المشهد الثاني: نفس المكان

الأعرابي و المهاجر برفقته فتاة شقراء

الأعرابي : (الأعرابي يتفحص الواجهات، يظهر المهاجر برفقته فتاة شقراء)

سيدي من فضلك لقد أعياني المشي وقرب المغيب وناقتي تنتظرني هناك خارج المدينة. أهلي يقطنون بأحد الأحياء المخصصة للغرباء ولست أدري شرقا هم أم غربا.أفهمتني؟

المهاجر : لا تتعب نفسك أنا أيضا لست أوروبيا. أو بالا حرى أمي وأبي عربيان لكني ولدت هنا . وأصبحت لدي أوراق الإقامة. فضلت أنا و صديقتي أن نتجنس..

الشقراء : (تهمس في أذن المهاجر)

المهاجر : صورة من فضلك ،أعجبتها ملامحك (تقف الشقراء قرب الأعرابي تبتسم ،المهاجر يلتقط الصورة ضاحكا). دعنا من كل هذا. إذا أردت التعرف عن مكان وجود قبيلتك، تفحص هذا الكتالوغ.

الأعرابي:شكرا لك يا أخي الذي كان عربيا وأصبح غربيا (يتفحص مجلة). آه انظر إنها تحتوي على مجموعة من صور السيارات الجميلة. كم ثمن هذه الحمراء؟

المهاجر : مليار من السنتيمات.

الأعرابي: مليار؟ "فاش جاتها"؟

المهاجر : أبوابها من ذهب و مقودها مصنوعة من الماس

الأعرابي: بيني وبينك من أين جاؤوا بهذا الذهب؟

المهاجر : هذا ليس شغلي.(يهم بالانصراف).

. Ce ne sont pas mes oignons, compris fils du bled.

الأعرابي:اسمح لي يا ابن دمي أريد أن أقول البعض يلهو هنا فوق الذهب وآخرون يشنقون بالمئات بدون محاكمة

المهاجر :أتريد عائلتك أم السيارة؟ أو تضييع وقتي وتقحمني في أسواق لا تهمني؟

الأعرابي:معذرة فغرابة الأشياء خلطت فهمي البدوي.

المهاجر :تفحص الجزء الخلفي للمجلة، لا محالة ستجد إحداهن خاصة بطبقتك..

الأعرابي: الطبقات.. الطبقات. متى سننتهي من هذه الإشكالية.ها نحن تجاوزنا ألألفية الثانية فاستفحل المصطلح، غولا أصبح، أصحاب الريالات الصحاح تتضخم ثرواتهم بشكل جهنمي والمخفقون تتضخم ديوناتهم بشكل جنوني (يقلب أوراق المجلة بسرعة ) آه وجدت سيارة ثمنها نصف ثمن ناقتي وأستطيع دفع الثمن.

المهاجر: رقم الهاتف هناك في الأسفل



المشهد الثالث: أمام محطة الهاتف

( يتجه الأعرابي نحو محطة هاتفية، يركب رقما)

الأعرابي:الو ..مصلحة بيع السيارات

(تظهر فتاة أنيقة في الجانب الأيمن أمام كمبيوتر وأمامها واجهة زجاجية )

الفتاة : هنا مصلحة بيع السيارات. تكلم سيدي نحن في الخدمة

الأعرابي:شكرا لك. أعجبتني السيارة رقم ثلاثة، الصفحة ستين

الفتاة : فهمتك سيدي، هل ستؤدي نقدا أم بالتقسيط؟

الأعرابي: آه يا قرة عيني، ماذا تعني بكلامك هذا؟

الفتاة : يعني. «crédità«. أي أن الثمن الإجمالي سيوزع على عدة شهور مع مراعاة مداخليك وإمكانية تأديتك.

الأعرابي:هذا رائع.إنها تسهيلات. أنتم كرماء وديمقراطيون .

الفتاة :لا تنسى إضافة نسبة مئوية حسب مدة التسديد

الأعرابي:ماذا تعني بالنسبة المئوية؟

الفتاة : يعني إضافة دراهم على الثمن الأصلي، يفوقه شيئا ما أو يتضاعف.

الأعرابي:عري عن أوراقك إنه الميسر، القمار، الربا إذن؟

الفتاة : إنها صفقات تجارية، بزنس...

الأعرابي:فلتغرقي أنت وكل البزناسة الرباويين في البحر

الفتاة : من فضلك ألزم حدودك.

الأعرابي:اعذريني ( يغلق السماعة ويلتفت للمهاجر) .. وإذا لم أؤدي؟

المهاجر : الحجز ثم يبيعون أملاكك

الأعرابي: (يرفع يده على السماعة) عينكم على الناقة، عازمين على حرماني من عكازي الوحيد.

الفتاة:ناقتك لها الحق في الرفض واللجوء لجمعيات الرفق بالحيوانات. أما أنت أيها الرجل فمصيرك السجن إذا لم تؤدي..

الأعرابي:أنتم من سترمون في الهاوية و في قعر بئر لا حد له، تبيحون الربا، تحللونها، ونحن من يوضع في القفص

الفتاة :سيدي من فضلك يدخلون السجن من يريدون ويسرحوا من يشاءون. مهمتي تنحصر في البيع تقسيطا أو نقدا ولكل دينه.

الأعرابي:أنا أكره من يخرج عن الطريق وقلبي مرهف، لا باس، سأؤدي الثمن كليا وأريد سيارتي حالا.

الفتاة : سيارتك رهن إشارتك، شكرا وهنيئا لك.(تضع السماعة و تختفي)

المهاجر:على سلامتك.

الأعرابي:الله يسلمك وينجيك فعين النصراني وعرة ولا تفلت.



(يدخل شخصان، بعد التمكن من هوية الأعرابي يعطيانه مجسم صغير لسيارة، يمد لهم النقود، ينسحبان.)

الأعرابي :غريب أمر هدا البلد يمكن لأي كان أن يشتري ناطحة سحاب بمكالمة هاتفية. وعند أهل قبيلتي الضمائر تشترى وتباع بمكالمة بسيطة، نعم الخدمات، إدارة بكامل عتادها وعدتها في خدمة الناس، لكن من لا يؤدي يرمى في السجن. الآن املك سيارة.. استعدي يا أرض الكاثوليك والبروتستانت والملحدين فالفارس المغوار آت لغزوتك. أينك يا غيتوات المهاجرين، يا برايرك القصدير؟. سامحني يا برج افيل هكذا نحن إذا لم نستطيع تغيير المنكر بأيدينا فإننا نغيره بقلوبنا. المهم نعمل الباروك.(للمهاجر) أما سمعت بحجارة من سجيل؟

المهاجر : بك حمى يا ابن البلد. أتظن نفسك في العصور الوسطى؟ سآخذ لك موعدا مع الطبيب.(يهم بالانصراف )

الأعرابي:عد يا غبي، رافقني، كن صاحبي فمن أجل أمثالك أنا هنا

المهاجر:كيف ما كان الأمر أنا هنا بخير. أرجوك، ابتعد عني، ضيعت كثيرا من وقتي دون فائدة.

(يجر صديقته ) هيا بنا فأمثال هدا يعطلون عجلة الزمان(تضحك الشقراء ،يختفيان)

الأعرابي: وعلا ش الزربة؟ سأدع الغزوة إلى حين ، أولا يجب أن أستنطق المنطقة لأكتشف قبور أجدادي الجنود المجهولين، المدفونين في كل شبر من جبل طارق إلى شواطئ نورماندي؟يروجون دائما أنهم الأقوى لكني سأفضح عن جوانبهم الضعيفة.



المشهد الرابع: محل لتربية الطيور

الأعرابي – مربية الطيور

(يسمع تغريد العصافير.تظهر فتاة تجر عربة مزينة بعدة أقفاص.بداخلها طيور ومكتوب على واجهتها الأمامية جمعية الرفق بالطيور.. يقترب منها مبهورا)

مربية الطيور: سيدي هل من خدمة؟

الأعرابي :أحبها لا أن تكون في قفص. في الخلاء في الغابة أحب أن أراها. برحلة الصيف والشتاء تذكرني، مغردة، حرة وبدون قيود أعشقها، بدون جواز سفر أو بطاقة هوية أهواها. عقيدتها التغريد و التحليق عاليا، عاليا. آه كم أحببت أن اعتنق ملتها.

مربية الطيور:إحساسك مرهف، شاعرية صادقة لم أكن اعرف من قبل أن قلوبكم طيبة إلى هدا الحد

الأعرابي : اعرف من لطخ سمعتنا، انتم تعرفون أيضا، لكنكم تخافون من الجهر بالحقيقة. تتآمرون بتصنعكم الحياد.

مربية الطيور: أرجوك سيدي، اختر طائرا فخطواتي معدودة..

الأعرابي : ومراقبة..سامحيني فهمومي كثيرة. آه لو عرفت أن صوتي سيثقب آذانهم لصرخت وصرخت في كل أرجاء الدنيا... اجمعوا شملكم يا ناس...حلقوا كالطيور نحو الربيع والحياة نحو الأكسجين(يتوقف ويضحك) ولمن تحكي زابورك يا داود.



بائعة الطيور : وجودك هنا سيجلب إلى الشر

الأعرابي: (ينظر إلى الطيور) أريد شراء هذا الطائر

بائعة الطيور: هي ليست للبيع...هي لكل من أراد أن يتعهد ويلتزم بتربيتها

الأعرابي: أنا رجلكم سأعتني بها...أحب كل شيء فيها...لونها...صوتها فخاضها..صدرها

بائعة الطيور: ليست للأكل...هي ليست بيبي أو دجاج والبط أو الوز

الأعرابي: الدجاج الغبي والبط البطيء والبيبي أعوج "النونة". للأكل وهلم جرا..تصوري أحيانا أتساءل هل الإنسان أكل لحم أم لا؟.وحين تتأمل نجد فبه الكارنفور والهيربفور والانسيكتفور herbivore,insectivore.»… « Carnivore,إنه يأكل كل شيء.وما ذنب الطيور.هل لون البيبي الأسود وهيئته الخشنة جعلته من المحللات والمستبنات؟

بائعة الطيور : سيدي مناقشتك حلوة... أعطيني من فضلك بطاقتك و عنوانك... ضرورية

الأعرابي: أنت تمزحين... اللحظة اشتريت سيارة بمكالمة هاتفية بسيطة.

بائعة الطيور: أنت مثفق على أن كل مخلوق كيف ما كان نوعه له مكانة.. حتى الحمير كل ما تجرأ ورفع يديه و ضربها أو نهرها و كان هناك شهود يرمى في السجن و يؤدي ذعيرة حسب الحالات... إذا كنت تريد الطائر أعطيني عنوانك و بطاقتك من فضلك.

الأعرابي: يمد لها البطاقة...( الفتاة تملأ أوراقا).

بائعة الطيور : الآن امض هنا هذا الالتزام...و ضع اسمك جانب الإمضاء.

الأعرابي: كل هذا من اجل هذا الفرخ؟ غريبة أمروكم.ا

بائعة الطيور : سيدي.. سيرفض طلبك على ما أعتقد. أولا ستغادر البلد ومعك الطائر يعني سيصبح في لائحة المغربيين. و لا بد لك في هذه الحالة من ترخيص بيطري محلف و يمضي هذا الالتزام في سفارتك.

الأعرابي: و ما دخل السفارة هنا ؟

بائعة الطيور : لكي تضمن حقوق الطائر لان له تعويضات عند مغادرة وطنه

الأعرابي: (يضحك حتى يسقط) يا أنستي كل هذا من أجل اقتناء طائر، استنطاق كأنني في مخفر الشرطة.. العنوان، البطاقة، الالتزام و في الختام موافقة السفارة.. سيارة تطلبت مني مكالمة هاتفية و الحصول على طائر يتطلب تعهدا من و جمعية حقوق الطير موقع من طرف منظمة الأمم المتحدة .

بائعة الطيور : أقلت شيئا يضحك؟

الأعرابي: تذكرت ألامنا و عذاباتنا.. طائر دمه غال و الإنسان في أوطاني يسقط في كل لحظة كالذباب إذا رش "بفليطوكس" .

آه يا ناقتي أبعديني احمليني من هذا المكان، اهربي بي إلى الثلث الخالي. سأغير اتجاه غزوتي.

(يغادر المكان بحثا عن ناقته)



المشهد الخامس: أمام برج إفيل

(مجموعة من الصحافيين ورجال الأمن يحيطون بالناقة بعدما وضعوا قفلا في أرجلها يشبه تلك التي توضع على عجلات السيارات التي تقف في الأماكن الممنوعة.يقترب الأعرابي من ناقته)

الأعرابي : ماذا وقع ؟ ابتعدوا عنها

الشرطي: هل هذه المسكينة لك؟

الأعرابي : إنها آخر ما تبقى لي

الشرطي : لقد أخللت بالنظام العام ناقة في وسط أرقى العواصم وأمام أنظار الناس مقيدة بأغلال غير قانونية ومنزوعة الحرية.

الأعرابي: إنها حرة أيها السيد... أنها حرة.ألا ترى إنها تبتسم، تضحك على تصرفاتكم الكاريكاتورية..

صحافي : من فضلك كيف دخلت حتى هنا؟

الأعرابي: مشيت في خطى طارق ابن زياد حتى وصلت إلى هنا ... أطلقوا سراح هده الدابة البريئة..

الشرطي : ستنزع منك أيها الرجل وتوضع في مكانها الصحيح أما أنت (يضع الأصفاد بيدي الأعرابي)

) الصحافيون يتسابقون لأخذ صور،الكل يجري(

الأعرابي : (وسط بقعة من الضوء، يصرخ بكامل قواه)عندنا فتيات و رجال من طلوع الشمس وهم يزحفون كالسلاحف في الحقول و المعامل من أجل خبزة أو علبة سردين رخيصة، من أجل بيضة و حبة طماطم نثنة. كل شيء رخيص عندنا، ولا احد منكم عاقب أو حتى ندد بجلاديهم. أما الآخرون الذين انتزعت منهم أراضيهم ويذبحون أمام أنظاركم في واضحة النهار.ماذا فعلت من اجل إنقاذهم؟.. تنددون وتتصنعون الألم والحسرة وتتناسون وهكذا...

(يجرونه خارج القاعة.. يسمع صراخه ممزوج بصوت الجماهير)



تأليف / بلعيد اكرديس

خريبكة ، المغرب: 28/12/1989












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 09:24 AM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

و للموت وطن / مسرحية من فصل واحد
حامد الزبيدي



لشخوص: المتوفي، حفار القبور، أربعة رجال، أربعة أشباح نسوية.

المنظر: في العمق قبر كبير مشيدٌ بعظام بشرية وواجهته الأمامية مرصوفة بالجماجم، والى جانبه قبرين صغيرين.. يدخل أربعة رجال وهم يحملون الجنازة وثلاثة أشباح يمشون ورائهم بطقس جنائزي ثم يقفون أمام القبر الكبير.



الأول: جبنا المقبرة ولم نعثر على الحفار.. أين نجده ألان؟

الثاني : قد نجده في هذه الواجهة.. هيا لنذهب إليه.

الثالث: لنضع الجنازة هنا ، ونبحث عنه.

الرابع: لا ترموها على الأرض.. فلا خير فينا إن تركناها هنا في العراء.

الأول: هلموا بنا نذهب من هنا (يخرجون من الجهة الأخرى ومن خلفهم يظهر المتوفي والأشباح الثلاثة ورائه)

المتوفي: ( بين القبور) أماه.. يا أماه.. أنا هنا يا أماه.. هل تسمعين.. أو تعرفين ذلك الصوت الذي كنت به تسرين عند الإياب.. ها إني عدت إليك.. قد وصلت المنتهى، ونفذت من أبواب الحزن الموصدة بالقهر والاستبداد الى أحضان الفرح المسكون بالصمت المطبق.. أجوس عالم الموتى ،بين قبور آيلة للسقوط وشواهد محا الدهر صورها.. كأنها الحياة التي عشتها هناك.. وأنا أجوب في شعابها.. أبحث عن التي داست عليها أحذية النوم والصخب.. حتى غاصت في أغوار عوالمها الحلمية.. كما لو كانت وهما مضيئا أو جذوة حلم اندلعت في ذلك العالم الذي رشقها بكل ما أوتي من قسوة وألم.. قد عانت كثيرا..ولكني لم أدعه يسرَّ بقسوته عليها ،إذ إني كنت مسرورا بأحزاني التي لا تنضب..سأحيا معها وبها على الرغم من نهاية عمري ،مع تلك الجماجم المدفونة والعظام الراقدة في عوالمها المنسية (إلى الأشباح) بين هذه الأشباح التي لا تفصلني عنها سوى هذه الحواجز الوهمية المتهرئة (الى الشبح1) قد نفذت إلى تلك الأسوار وأدركت ما فيها.. أني رأيت وجوها كالحة بالصمت وملابس موحلة بالطين وشممت روائح الذل والانكسار.. ليس كما يراها غيري (الى الشبح3) إني رأيتها كحقيقة ماثلة أمامي (إلى النظارة) أو لم أر شيئا قط أمامي.. كنجمة متلألئة أراها في الليل وهي ليس لها وجود.. (الى الأشباح) أنا أعرفكم جميعا دونما استثناء.. أنتم من وطن الموت ،من أرض أوطئتها أقدام الغزاة ،تلك الأرض التي توشمت بأحذية الجنود وتجملت في برك الدماء، ولا أخفيكم سرا.. إنني هربت من أولئك الأبالسة والهواة وتجار الموت مكرها.

الشبح 1: مولاتي يبدو عليه كجندي مجهول أو كائنٍ ظليل.

الشبح 2: ( يرتقي القبر الكبير) لا أظن ذلك.. انه كذلك المطر النازل من السماء، الذي لم يطهر الأرواح الشريرة ولم يغسل وجوه الشياطين في قصور العقيق المشيدة في أرض الخراب هزمته تلك الأرواح الميتة التي تكسوها عظاما متحركة بأجساد عمياء، إنها تعيش بطرق مختلفة عمّا ألفناه .

الشبح3: ولِمَ تحيا بطرق مختلفة؟ كأي ألعوبة أو أكذوبة بأيدي الغزاة الذين رسموا قدر الجوع والقحط في الوجوه.

الشبح2: لأنها أشباه كائنات خرافية.

الشبح1: مولاتي انظري إلى هؤلاء

الشبح3: ماذا يعملون هؤلاء؟

الشبح2 : إنهم يزرعون الأرض بالموت.

الشبح3: حتى هنا.. حتى هنا يا مولاتي.

الشبح2: إنهم في كل مكان يزرعون الموت.. في كل مكان (تختفي الأشباح،يدخل الحفار)

الحفار: من هنا.... إني سمعت أصوات غريبة هنا.. مَن هنا؟

المتوفي: أنا هنا.

الحفار: أنت هنا.. ومن أنت؟

المتوفي : كائن بلا معنى...

الحفار: (يضحك) كائن بلا معنى..ومن منا له معنى!حتى يكون لك معنى... حدثني يا رجل بالذي أفهمه.

المتوفي : أنا رجل ميت .

الحفار: (يضحك) يا مرحى بالأموات.. ولكن كيف تكون ذلك وأنت ماثل أمامي؟

المتوفي: تلك هي مشيئة الأخيلة.. من أنت وماذا تفعل هنا؟

الحفار : أنا حفار القبور وهذا عالمي.. هل جئت بجنازة أم تروم سرقة الموتى؟

المتوفي: لا هذا ولا ذاك وكما أسلفت إليك.. انا رجل ميت.

الحفار: يا للجنون.. قد ظهرت لي روح شريرة أو شيطان مريدا كما حكت لي جدتي في يوم ما. (يقترب منه بتوجس )من أين أتيت؟ هل من عبقر أم من مكان أخر؟

المتوفي: انا جئتك من وطن كله أموات.

الحفار: يا للمأساة وأنا هنا أعيش متسكعا بين القبور بلا عمل.. لِمَ لا يأتي بموتاه إلى هنا؟

المتوفي : أن مهمته القتل لا الدفن .

الحفار: بالتأكيد إن لكل منا اختصاصه هو يقتل وأنا ادفن وأنت تضع الجِّنَّة في النفوس.

المتوفي : إن كنت كذلك فاحفر لي قبرا.. وأرح الآخرين من سوئي.

الحفار: أنا لا أدفن الشياطين.. ابحث عن دفان أخر.

المتوفي: يا حفار أنا إنسان ميت.. وبحاجة إلى مثوى يأو يني.

الحفار: يا لها من ليلة مجنونة يلتقي في مثابتها حفار بشيطان .

المتوفي : أنا لست بشيطان.. أنا كائن ميت.

الحفار: لا بأس.. لا بأس.. أنت رجل ميت وسأحفر لك قبرا عميقا يليق بك ولكن دعنا نتسامر قليلا، فالليل طويل وأنا أخشى أن تتراجع عما قلته ويذهب عملي سدى.

المتوفي: إن الموتى لا يكذبون.. هيا احفر لي قبرا.

الحفار: مهلا يا رجل مهلا،إن قبرك لا يأخذ مني وقتا اكثر من سويعةٍ إلا (يضحك) يا لها من ليلة منحوسة.. لو اعلم، من الذي حذفك علي بمثل هذا الوقت المتأخر من الليل؟

المتوفي: إن العالم البغيض الذي لا يرحم ،هو الذي رماني عليك .

الحفار : وهل سيرمي على شكولك أناس آخرين؟

المتوفي : لا أظن ذلك .

الحفار : يا للغرابة ،عالم يذبح قرابينه ويترك ذبائحه ملقاة في الطرقات والساحات بلا دفن دونما اكتراث.

المتوفي: انه لا يحترم موتاه.

الحفار: يا لقسوته وبشاعته.. لو كانت لديه ذرة من الرحمة، لأرسل ذبائحه لي ودفنتها هنا.

المتوفي: إن ما ينهجهه في ذهنه ،هو إشباع الرغبة العمياء ،الرابضة في كيانه .

لا الرحمة .

الحفار: عالم متوحش ،عالم ظالم..ليس من العدل أن يترك موتاه في العراء بلا دفن..أو إنك تكذب عليَّ، أيها الأفّاك.. لم تتحدث عنه بسوء ولم تبغضه؟

المتوفي: لأنه كان في كل مساء يأخذني بعربته السوداء الى وادي الجحيم.. وهناك كانت تدوسني عجلة – اكسيون- تحرق دمائي وتكسر عظامي ، وعند الفجر... الملم بقايا الروح وأقف حائرا معذبا أمام الجلاد الذي يحتويني.

الحفار: أولديك جلاد أيضا ، أيها الشيطان المارق؟

المتوفي: ومن منا لا يحمل جلادا في أعماقه ، وسوطا لاذعا يفجر فيه قيح معاناته(صوت من بعيد).

الصوت: يا حفار القبور..أين أنت يا حفار؟

المتوفي: هناك صوت ينادي عليَّ.. ربما وفدتني جنازة (يخرج مسرعا، تظهر الأشباح)

الشبح1 : يا مليكتي المعظمة ،قد جاء مستجيرا بك من الضياع وفقدان الأمان..إنه فقد اليقين بكل شيء كما يبدو.. اكشفي إليه عن الحجاب عسى أن يبرئ من العذاب أو أريه وجهك الأسيل ، ومُدّي إليه يديك الأرجوانية .

الشبح2:دون ما أعرف هويته.

الشبح1)يقترب منه) يا أنت.. حدثنا عن نفسك ، عسى أن تأخذ بيننا مكانا عليا .

المتوفي: يا سيدتي ، أنا الذي أوردت من ذهنه الآلهة وتطهرت بمائه الأساطير... أنا نشيد الإنشاد.. خلقتني محاورات الأولين ، وهزمتني خطابات السفسطائيين.. ولكن ثقي يا أنت.. إن هزائمي لم تصل الثلاثين.

الشبح2 : إن لم تك الثلاثين.. فأنت لم تهزم أبدا، يا سيد الخالدين... سل ما بدا لك.

المتوفي : جئتك منكسرا ولم يحفر لي قبرا.. أتوسل إليك أن تمنحيني حق اللجوء، من أولئك الأنجاس ذوو المجلس المقيت الذين عاثوا في البلاد فسادا.

الشبح 2: (الى الشبح1)أهم من ذرية ليليث؟

الشبح1: ليس كلهم من ذريتها مولاتي.

الشبح2: من أين اتوا إذن؟

الشبح1: إنهم من بقايا شعوب منتخَبة في -أصل الأنواع-.

الشبح3: أو أموات يا مولاتي .

شبح2: أموات!، ولِمَ لم يأتوا بهم الى هنا؟

الشبح3: لإن الموت في ضمائرهم لا في أرواحهم (وميض،صوت دوي انفجار من بعيد،يفزع المتوفي).

الشبح2: لا تخشى النور ولا ترتجف من تلك الأصوات.. وأنت هنا في أحضان الظلام .دع عنك الخوف وارتوي من عفاف الليل، هيا اخلد الى النوم. نَم بأمان. (تختفي الأشباح ، يدخل الحفار)

الحفار: بشراك يا صاح ،يا وجه السعد..فقد حفرت قبرا كبيرا.

المتوفي: تلك هي نهاية أخيلتي ،التي طفت بها في المرثون الأخير ، وكأني لم أر أنكى مما رأيت في كل العصور.

الحفار : قد مضت النجوم وأسفرت السماء عن خدها الجميل..لم لا تبقى معي هنا؟

المتوفي: آن أوان الرحيل..أبمقدوري أن أأخذ أحلام ألامس؟

الحفار: لا يكمن لك أن تأخذها .ليس لها مكان هناك .

المتوفي: )يهم بالذهاب يدخل شبح4) من أمي؟

الشبح 4 :متى أتيت الى هنا يا ولدي؟ (تبكي)

المتوفي: كفي عن نعيق الحزن يأمي.. وكفكفي دموع التماسيح وارتوي من الليل كيفما تشائين ،فأنت امرأة حرة.. اخلعي عن قلبك ثوب الحداد الملفوف على جسدك وأظهري مفاتن الرغبة ،للهواة والأنجاس والغرباء الآتين من كهف الظلمة.. ولا تبالي بما أقاسي كما كنت أقاسي..سيان عندي الحياة والممات والنور والظلام والطهر والعهر وكل شيء، حين رأيت الجند والحراس والأطفال الأبرياء أمام بابك الموصود وهم غرقى بماء الليل الذي ينضحه سريرك العاجي.. وأنت راكعة ،عارية تتضرعين للديكة أن تخرس أصواتها من اجل أن لا توقض الفجر ويأتي بالشمس .

(يختفي المتوفي والشبح4 يدخل الرجال الأربعة وهم يحملون الجنازة)

الأول: أين نضع الجنازة يا حفار؟

الحفار : هنا أمام هذا القبر الكبير (يضعون الجنازة على الأرض) ابتعدوا عني قليلاً (يفتح غطاء الجنازة لإخراج الجثة) من هذا؟ انه هو.. هو بعينه.. حي ميت وميت حي.

الثاني: عن أي حي أو ميت تتحدث؟ هيا أقم شعائر الدفن.

(صوت انفجار وسطهم يسقط الرجال الخمسة على الأرض كالأموات، يفتح غطاء الجنازة، يظهر المتوفي جالساً وسطها، ينهض)

المتوفي : وهكذا أصبح الجميع أموات.

إظـــــــــــــــــلام

تأليف / أ. حامد الزبيدي












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 09:28 AM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

هلوسة
زهراء الشويخ


(الستارة لا تزال مسدلة والأضواء مشتعلة, تنبعث موسيقى مضطربة من المسرح, صوت جيتار, ولكن لا توجد نغمة محددة للعزف, فجأة يتوقف الصوت, ويسمع صوت تحطم قطعة خشبية..)



(بعد انتهاء الحطام يرفع الستار على منظر معتم, توجه بقعة من الضوء إلى الزاوية اليسرى من المسرح, هناك تجلس سندس واضعة رأسها بين ركبتيها, وبجانبها حطام الجيتار, ينسدل شعرها المجعد ليغطي جميع ملامحها, يبدأ الضوء بالظهور تدريجيا, ليظهر ملامح الغرفة, بجانب سندس يمتد سرير خشبي مغطى بملاءة بيضاء, وفوقه بعض الدمى القطنية , تتوسط الغرفة طاولة مستديرة, وفوقها بعض الأوراق والكتب المبعثرة..)

(في إحدى الزوايا تنتصب خزانة من أدراج, وفوقها بعض الأواني الأثرية وبعض الشمعدانات..)



(تقضم أظافرها وهي تتمتم) : لابد بأن أكون على صواب, لقد نعتتني بالمريضة , إنها تستحق ما حدث لها, لقد اضطرتني إلى ضربها تلك الحمقاء.. (تهز رأسها)

نعم إنها تستحق ذلك (وتستمر في قضم أظافرها..) (لحظة صمت), إنني أكرهها (تزداد نبرة صوتها), نعم أكرهها (وترتفع إلى حد الصراخ..) إنني أكرهكم جميعا , أكرهكم , أكرهكم (تستمر لحظات الصمت), (فجأة تبدأ بالبكاء والنحيب , ثم تصمت فجأة), (تنهض من مكانها , تتلفت في جوانب المسرح وكأنما تبحث عن شيء...) (تهمس) : أبي... أهذا أنت ؟؟ , إنني أشعر بوجودك (تبدأ بالنظر إلى شيء وكأنما هو موجود..) اقترب مني لألمسك.... إنني أشعر بدفء أنفاسك

(تصمت..) لابد أن هؤلاء الحمقى منعوك من زيارتي, إنهم لا يريدونني أن أراك, يقولون بأنك قد مت.. (تبدأ بلمس هذا الخيال...) قل لهم بأنك لا تزال موجودا , قل لهم بأنك حي يا أبي , بدد شكوكهم يا والدي (تبتسم), (وكأنما سمعت ردا مقنعا أراحها..) لقد اشتقت إليك كثيرا.. لقد علمت بأنك لن تتركني طويلا.. أليس كذلك يا حبيبي.. عدني بأنك لن تتركني.. (تبتسم..) (فجأة تتغير ملامحها..) أبي !!

(ترتفع نبرتها) أبي !! (تبدأ بالصراخ) , تبا ً لك َ أنت أيضا , إنك كاذب مثلهم, إنك خيال مثلهم, فلتحل عليكم اللعنة جميعا ً (تحطم الأواني اللتي تعلو الخزانة) ,

(تتجه إلى الأوراق التي على الطاولة وهي تتمتم..)



ما الفائدة من هذه الأوراق البالية علي تمزيقها (تمسك تلك الأوراق وتقطعها بصورة هستيرية) جامعة ودراسة, ما الفائدة منها ؟ سأموت قريبا لذا لا فائدة (تبدأ بالضحك بصورة هستيرية, ويمتزج ضحكها بالبكاء.. وتتوقف عن تمزيق الكتب والأوراق..)

(تنظر إلى السماء ويرتفع صوتها) : يا إلهي إنني أتحطم (تتدثر بغطائها وتحتضن دماها, تكلم إحداها وهي تضمها) : أمي لقد كنت قاسية علي , لم تكوني هكذا قبل رحيل أبي, إنك تمنعينني من أشياء كثيرة.. لقد أصبحت قاسية جدا (تصدر تنهيدة مرتفعة), آه لو تعلمين كم أحبك يا أمي.. (تنظر إلى الدمية وتخاطبها) هل تحبينني أنت أيضا ؟؟ (تصمت وكأنما تنتظر جوابا..) (بنبرة منفعلة) : أمي أنا أكلمك.. لماذا لا تجيبينني؟؟ هل تحبينني مثلما أحبك؟ (صمت..) (تصرخ) : اللعنة !!

(تمزق الدمية بحالة من الغضب) كلكم لا تجيبون, كلكم صامتون لماذا؟ (تمزق باقي الدمى..) لا فائدة من وجودكم فأنتم جميعا صامتون.. لقد قطعوا ألسنتكم لكي يغيظونني. لكي أشعر بالوحدة.. لذا علي تمزيقكم (تتجه إلى مرآة وضعت بجانب السرير, تنظر فيها) , وأنت أيتها الحمقاء؟ ألا تجيبين أيضا؟؟ (وكأنما كانت الإجابة بالنفي) , إذا سيكون مصيرك مثلهم (وترمي المرآة أرضا فتتكسر) , (تبدأ بالصراخ): لماذا كلكم لا تجيبون؟ فليحل عليكم غضب الله جميعا, فلتحرقكم النار مثلما تحرقون قلبي (صمت...) يا قلبي المحطم على صخرات الحياة.. (تتساقط الدموع على وجنتيها...) (تمسك ورقة وقلما وتكتب وهي تقرأ ما خطته تلك السطور..) لقد رحلت عني دون سابق إنذار, رحلت في لحظة كنت فيها في أمس الحاجة إليك , في أمس الحاجة إلى صدر يضمني , إلى يد تحتضنني , رحلت بعيدا إلى حيث لا أدري , لقد كنتما قاسيين كلاكما ... (تأخذ نفسا عميقا...) عندما حملو نعشك إلى المقبرة, بكتك أمي يا أبي , ولبست ثياب السواد, ولقد اعتقدتُ حينها بأنها ستبكيك ما بقي من عمرها, وستظل حاملة حزنها إلى أن يحين أجلها هي الأخرى, لقد جال في خاطري أنها ستكون لنا الأم والأب... ولكنها فضلت أن تقضي طول يومها لاهية في الأسواق , تشتري كل ما يحلو لها, وتخرج وقت ما تشاء , وتعود وقت ما تشاء... فأوكلت إلي هؤلاء الصغار, الذين قد ضاق ذرعي بهم ولم أقوى على تحملهم وحدي.. لو كنت الآن معنا يا والدي لما تركتنا هكذا... لا أستطيع الدراسة في ظل هذه الكآبة.. إنني أختنق هنا... إنني أرى نفسي حاملة تلك الورود, وأقف على قبرك في الظلمة الحالكة , فتضمني إليك وتضعني إلى جانبك.... (تترك القلم فجأة), (يسمع صوت شجار أولاد وصراخ......) (تصرخ بأعلى صوتها) اصمتوا أيها الحمقى لقد سئمتكم وسئمت هذه الحياة المقرفة معكم... لقد أنهكتموني

(تزداد سرعة نبضها..) (تتنفس بصورة متسارعة حتى يسمع صوت أنفاسها.. تكلم نفسها.. تغطي وجهها بيديها), إنني أنهار.. (تجول بعينيها في المسرح),

(تتجه نحو الخزانة, تفتح أدراجها الواحد تلو الآخر.. ) أين هي هذه الأقراص ؟؟ عندما أحتاجها لا أجدها (تفرغ محتويات الأدراج وترميها أرضا..) تبا ً (وتواصل بحثها), (ترتسم على وجهها ملامح النصر..) هاهي وأخيرا وجدتها (تمسك علبة العقاقير, تفرغ جميع ما بداخلها في يدها), (تتمتم) نعم, لن يكفي قرص واحد لتهدأتي, سأحتاجها كلها كي أهدأ (تشربها جميعا دفعة واحدة) , (تبتسم) الآن أصبح أفضل (تلعب بشعرها وتبدأ بالغناء), أنا طفل صغير.. ضميني إليك كطير أسير.. واحمليني فوق كفيك كعطر الأثير.. وانثريني مثل زخات المطر.. عانقيني مثل ذكرى في الصور.. وخذيني فوق أشجار الكروم.. فألقي فوقها كل الهموم.. دثريني بجناحيك فقد حان الوداع... يا فؤادي هيا فقد حان الوداع.. حان الوداع... (صمت...) (تهذي..) انتظرني أنا قادمة.. لا ترحل سوف آتي معك (تمد يدها نحوه...) ساعدني على النهوض إنني لا أقوى على الحراك

(تحاول أن تنهض ولكنها تسقط على أرض المسرح...)

موسيقى..

ستار //

تأليف/ زهراء أحمد عبدالعزيز الشويخ.

مملكة البحرين












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 09:32 AM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

حان وقت الكبسولة
عبد المحسن ماهود

*الشخصيات:

- الجنرال كما يتخيل نفسه

- المراسل كما يتخيله الجنرال



المكان: غرفة صغيرة وأنيقة في دار للنقاهة



الجنرال: (يواجه سرير نومه) سأستبدل منضدة رمل بسرير النوم هذا (يمسك بعصاه) وعصا تطاع بعصا الشيخوخة هذه . سأشير بها إلى زاوية ما على منضدة الرمل لينهار الرمل .. اعني الجبل. (يشعر بالدوار. يستلقي على السرير) عقد من الزمان انقضى ، وانقضى الآخر ، فاقتفى الوهن في سادس الأزمنة اثر الجنرال . وإزاء عقم إشارته لن ينهار الجبل . خسر الجنرال لعبة الجبال .. تلك التي تتحول عندها القمم إلى قيعان .. قيعان .. قيعان ، حتى لا أضيع نفسي تحت القمم (ينادي) أيها المراسل !..

المراسل : (يدخل) هل حان وقت الكبسولة؟..

الجنرال : سأنزع فتيلها.

المراسل : ولكنك واهن يا سيدي وزادك الكبسولة.

الجنرال : ألك رأي فيما يقوله الجنرال؟..

المراسل : أنا مع رأي المدير يا سيدي.

الجنرال : إن صوتي هو الأعلى.

المراسل : أنا لااراهن على صوتك يا سيدي .. فما أنت سوى جنرال سابق.

الجنرال : أما اللاحق .. فأنت .. اليس كذلك؟..

المراسل : ماانا سوى ممرض.

الجنرال : لا تشغلك التسميات . ان وقوفك أمامي ..

المراسل : (يكمل) لا يعني غير أن أساعدك على ابتلاع الكبسولة.

الجنرال : ولكنني سأنزع فتيلها.

المراسل : (يعطيه الكبسولة من قنينة الأدوية) خذها وانزع فتيلها.

الجنرال : (يضع الكبسولة جانبا ويمسك بعصا الشيخوخة متفحصا إياها ثم يرميها إلى المراسل) خذها واستبدلها بعصا تطاع.

المراسل : (يمسك بالعصا ويعيدها إلى مكانها) هذه عصا الشيخوخة وهي رمز لهذا المكان.

الجنرال : سأشير بيدي إذن.

المراسل : (يقاطعه) ضاع سحر إشارتك فلم تعد قادرة على فعل أي شيء

الجنرال : لكن صوتي لن يناله الوهن (يصرخ بقوة) أيها المراسل .. استبدل منضدة رمل بسرير النوم هذا

المراسل : لا استطيع .. فالرمل هنا ممنوع، لأجل النظافة

الجنرال : الأجل النظافة تقف أمامي مكتوف الأيدي؟..

المراسل : أنا أتلقى الأوامر من مديري

الجنرال : أيكون مديرك هو الجنرال اللاحق؟..

المراسل : قد يكون.

الجنرال : ابعثه لي إذن.

المراسل : وهل اهتدي أنا إلى جنرال لاحق؟.

الجنرال : أما اهتديت الي؟.

المراسل : لكنك من دون سواتر. بابك مشرعة .وغرفتك مصنوعة للنقاهة.

الجنرال : (في حيرة) كيف لي أن أقودك أيها المراسل؟..

المراسل : عد بالزمن إلى ما كان عليه.

الجنرال : ليس قبل أن اشطب على الزمن الحالي.

المراسل : اشطب عليه.

الجنرال : بل ادرجه أنت في القائمة السوداء.

المراسل : لا قوائم سود لدينا.

الجنرال : خذ عصارة زيت واصبغ أية قائمة بالأسود.

المراسل : أنا لا افهم في هذه اللعبة.

الجنرال : أنت تعصي أوامري.

المراسل : لاحق لك هنا في إصدار الأوامر.

الجنرال : ماذا تقول؟..

المراسل : ما يقوله مديري

الجنرال : سأنزع فتيلها إذن .. تلك الكبسولة.

المراسل : بل عليك أن تبتلعها حتى تستريح ، وحتى لا تكبل الأغلال معصميك.

الجنرال : سأتحداها تلك الأغلال.

المراسل : سأواجهك بها.

الجنرال : (بقوة) هيا.

المراسل : انتظر (يخرج محتدما).

الجنرال : (بمفردة) أغلال أم جنرال؟.. في الأغلال لا تؤخذ على محمل الجد أوامر الجنرال . ما اهمية الجنرال إذن إن لم ينزع فتيلها؟.. (يصرخ) الي بمنضدة الرمل. الي بعصا تطاع .. سأواجه الاغلال.. (يطرق الباب) ادخل.

المراسل : (يدخل متنكرا بزي عسكري ورتبة أعلى من رتبة الجنرال) أيها الجنرال.

الجنرال : (يؤدي التحية العسكرية ويقف في حالة الاستعداد) نعم سيدي.

المراسل : حان وقت الكبسولة.

الجنرال : سأنزع فتيلها.

المراسل : بل ادفعها في جوفك بجرعة ماء.

الجنرال : أمرك سيدي (يبتلع الكبسولة بجرعة ماء.يشعر بالدوار) عن إذنك سيدي (يستلقي على الفراش)

المراسل : (ينزع الزى العسكري ويعلقه على الشماعة)

الجنرال : (يلقي نظرة على الشماعة) ماذا أرى .. اسمال؟..

المراسل : يدعو لك مديري بليلة سعيدة.

الجنرال : سأستيقظ في الغد على عالم نظيف من الكبسولات.

المراسل : ومليء بالبهجة.



النهــــاية//

تأليف/ عبدالحسين ماهود












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 09:38 AM   المشاركة رقم: 15
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

سلاحف على مركب من ورق
بلعيد أكرديس

الديكور : ظهر مركب عائم محاط بالأمواج

الزمان : أمسية رعدية من تاريخ أسرة ادم



- الشخوص :

سرحان: في الثلاثين من عمره،نحيف لباس متهرئ يحمل رزمة من الثوب على ظهره.

القبطان: يتجاوز الخمسين يرتدي ملابس تجمع بين لباس القراصنة وقبطان بحري. معطف طويل مرصع بالنياشين المتعددة قبعة وحذاء طويل.

البحارة : ملابس رثة، شبه عرايا، الأوساخ تغزو أجسادهم، منهكين يضعون أغطية من البلاستيك على رؤوسهم ومشدودة بحبل للخاصرة

البحار(أ): يبدو أضخم من الآخرين.

البحار(ب): نحيف طويل القامة.

البحار(ج): قصير القامة.



1 – أمسية رعدية:

(يسمع هزيم رعد قوي ،هدير الأمواج المتلاطمة، هزيز رياح قوية، صوت استغاثة من بعيد، البحارة يصارعون قوة الرياح التي تحرك الشراع بقوة)

البحارة : (ينشدون) لا تخطئوا مرة ثانية يا أسرة أدم

فالمركب راحل،

أصواتكم تضمحل،

تحملتم، قاسيتم، عانيتم،

تاريخ مهزوز مبتل.

سيداتي سادتي هذه سفينة الإعتاق،

اخترنا من كل كائن زوجين،

و أنتم قررنا عزلكم بالغربال،

شروط القبول:

وسيم جميل ظريف، وديع كحمل رضيع،

وسجل عدلي نقي

(يزداد صوت الأمواج، وميض البرق يضرب في كل الأركان. البحارة يحاولون إحكام القبض على الحبال المتناثرة، طلب الاستغاثة يتصاعد)

سرحان: (صوت خارج المركب)يا أهل المركب ..أنا هنا

البحار(أ) : (ينظر في اتجاه الجمهور) أسمعتم صوتا؟

البحار(ب): لا أحد يتحرك، أحلامهم هشة، رشة ماء وكل شيء اختفى

البحار(ج) : إذناي لا تخطئان، إني أسمع صوت شخص يستغيث ..

سرحان : أنا هنا يا مركب التعب والغضب والأخطاء..

البحار(ب): أحيانا أنا أسمع ما تسمعون وأحيانا لا أسمع ما تسمعون، وأحيانا أسمع ما لا تسمعون، و أحيانا أنا لا أسمع وأنتم لا تسمعون وكفى بالمؤمنين قتالا.

البحار(أ) :دعك منه، لو رخصنا لهم بالصعود لغرقنا كلنا،

سرحان : أنا هنا يا من يمتطون ركحا لزجا، أنا هنا

البحار(ج): انظروا يمينا (يتجه البحارة إلى اليمين)بل يسارا (يخرج شيئا مبللا)

لا خوف عليكم إنها كرة قدم بالية تتقاذفها الأمواج

البحار(أ) : إني أرى هيكل عظمي يحتضر، مازال حيا، انقدوه'' إلى باقي فيه ما يدار".ارموا الحبال.

(يرمون الحبال ، سرحان يصعد على ظهر المركب،مبللا ،منهك القوى)



2 – الديوانة :

(يوقفه حارس المركب)

البحار(أ): بطاقتك من فضلك

سرحان : (يخرج بعض الأوراق مبللة، يسلمها للبحار)

البحار(أ):غير صالحة عد من حيث أتيت

سرحان : اللحظة كاد الحوت أن يبلعني، ابتلاع الأعمى في الظلام

البحار(ب): معلومات غير كافية ولا تحمل إمضاء الرئيس الدائرة التي تقطنها

البحار(أ): (يتفحص الأوراق ويحاول قراءتها)

سرحان : ثقوا بي انه دائما غائب، بقيت أنتظره حتى اختفى المكتب والأوراق، تجاوز الماء ركبتاي، حتى وصل إلى عنقي، لولى رجلاي الرقيقتان لا ابتلعني الماء وهيأني طبقا دسما للأسماك..

البحار(أ): أولا أنت لست سمين ولا تصلح للأكل.

البحار (ج): لغو، حشو، إطناب في اللغة وعلم الكلام

البحار(ب): الم تسمع الإنذار من قبل؟

سرحان : كثيرة هي الإنذارات التي تمزق طبلة أذاننا حتى لم نعد نفرق بين جديتها و هزلها.

الحار(أ) : إذن أنت تشك في مخططاتنا.

سرحان : نيتي سليمة أيها البحار الشهم ...أعني هناك ما يسمى عندنا بالأوراق الإدارية، شهادة السكنى وشواهد الازدياد واثني عشرة شاهدا ،ملف حسن السيرة، تصحيح أخطاء أسماء أبنائي التي ارتكبها أصحاب الحالة المدنية الأولون، جلسة في الابتدائية ثم الاستئناف والاستنطاق والترصد والتربص، وزوجتي الحبلى والبطون الجائعة التي في ذمتي، قضيت مدة من الزمن من أجل الحصول على اعتراف أو وثيقة تثبت فعلا انتمائي لأي كان، بطاقة تحتاج عند البعض لمكالمة هاتفية عابرة.

البحار(أ): وبائكم خطير الانتشار، فاتك الأوان يا خرقة بالية، كل من تعطل حصل

سرحان : من المسئول عن العبور؟

البحار(ج): أنا أنوب عن هّذا (يشير إلى الثالث).. وهذا ينوب عن....

سرحان يخنق البحار(أ)) دعوني أمر وإلا رميتك في القاع وتنتهي أسطورتك كحارس على ظهر هذا المركب

البحار(أ): هذا ما أمروني به، كل من لا يحمل بطاقة صالحة، ليس بها خدوش، ولا تحمل طابع الرضا فهو ملزم بالعودة إلى الماء..

البحار(ج): من فضلك أنزل، أنا الذي اكتشفت أنك كنت تغرق إذن أنزل..

سرحان : هكذا بكل بساطة، نحن بعيدون عن البر بعدة أميال، انتظروا حتى نصل لليابسة وسأنزل وسأرد لكم الجميل ..

البحار(ج) : اليابسة؟ يابسة؟ لم نسمع قط عن أي شيء من هدا القبيل

البحار(ب): أنت تحكي عن زمن الخرافات والحكايات الخيالية

سرحان : هناك يابسة وتعيش عليها بعض العقليات أعقم من فهمكم

البحار(أ) : تريد أن تدخل صحة، أيسرك أن نطرد من عملنا؟ ونحن الذين دفعنا من أجله كرامتنا و تدخل زوجاتنا

البحار(ج):لا باس لنتفاهم، فنحن جياع وقلقون (يهمس في أذن سرحان) وضائعون، أنظر إلى جلدة بطوننا، سنسقط، نحن ثعبانين..

سرحان يخرج حبة جزر، يخطفها البحار(أ)، يلتهمها دون مضغ حتى يسقط مغشيا)



جلسة ثعلبية

(رنين ناقوس تتبعه موسيقى قوية، البحارة يرفعون رؤوسهم إلى السماء)

البحارة : إرم، إفتح منقارك، غني يا غراب، يا أبيض اللون، يا لون الصوف والثلج، إرم السردينة و احمينا من غضب الموج، إرم الجبنة..

سرحان : يا جماعة لا غراب فوق الشجرة، لا جبن، لا عسل، ولا سمن

البحار(أ): ارفع راسك إلى السماء يا أعمى، أرأيت تلك النقطة البيضاء، آه عفوا السوداء

سرحان : الجبنة لونها أبيض، والأسود هو لون الغراب

البحار (ج) : أم إلى حال سبيلك يا أحمق، قلنا وقررنا ولا رجعة في قرارنا، الغراب هو الأبيض و الجبنة هي السوداء . وكل يلون أنفه كما يحلو له، هل فهمت؟

سرحان : لا أرى إلا عيونكم الساقطة على خدودكم، السماء زرقاء صافية والفضاء خال، أنا في حاجة لمن يرشدني

البحار (ب): تريد المساعدة ؟

البحار(أ): إذن فلنترك الجبن والغراب ولون السماء، كم في جيبك؟

(يحومون حول سرحان)

سرحان : (يخرج من حقيبته باقة من الورود)

البحار (ج): ما هذا ؟ (يشم ويسأل البحار ''ب''الذي يبدي علامة استفهام)

سرحان : ورود تزيل عنكم الروائح النتنة الجاثمة عند منافذ أحلامكم

البحار (ب)يرمي الورد) لا تصلح لشيء

سرحان : تهدى للأحبة لجلب المودة وتزين بها البيوت وتعطى للعشيقات

البحار (أ): لسنا بحاجة لروائحك الطيبة ليس لدينا عشيقات يقبلنها

البحار(ج) : أسترنا يا رب، بدريهمات معدودة يمكن لأي شخص مهما كانت مكانته أن يقضي أسعد الأوقات بين اللحم المدهون بأبخس الكريمات.

سرحان : (يخرج قطعة خبز) ما رأيكم ؟

البحار (أ) : نحن في خدمتك يا إمبراطور، يا سلطان بابلون، يا عفريت سيدنا سليمان، إرمي...

(سرحان يرمي القطعة البحارة يتشاجرون بعد برهة يفوز البحار (أ) بالقطعة)

البحار(أ): والآن يا بدر الزمان أنا في خدمتك(يتناول القطعة ومبتعدا عن الآخران)

سرحان : أبحث عن الدفء عن الهواء النقي، وحياة كريمة

البحار(ا): قصتك عويصة وهديتك إذا أمكن أن نسميها هدية، وهي بالطبع لن تكفيني لأني ضيعت من أجل انتزاعها أظافري. والله لو لم تكن مبللا لما سمعت كلمة من جعبتي. أنظر إلى تلك المقصورة المضيئة، قاطنها هو صاحب هذا المركب الذي نقيم أنا وأنت تجمعا فوق ألواحه بدون رخصة

سرحان : شخصان يتحدثان هكذا في ود ومحبة تسمونها تجمعا.

البحار (ج) : يمنع منعا كليا أي تجمع يفوق شخصين، وكل من خالفه فسيبيت في بطن الحوت

(البحار(ب) يقترب من البحار(أ) ليأخذ قطعة من الخبز، يراوغه).

البحار(أ): هذه من أرفق العقوبات ، يستطيعون وبكل سهولة اتهامك بأنك تعد لقلب نظام هذا المركب ، وتسعى لتغيير إيقاع الأشياء كما فعل بعض الدخلاء من قبلك.

سرحان : هل سبقني أحد هنا؟

البحار(ج): كفى لقد خرجنا عن الموضوع، فلنبسط الأمور، اشتري ثورا

سرحان : أني لا أملك ولو مليما واحدا.

البحار(ب): اشتري خروفا.

سرحان : جيوبي أفرغ من بطن حمار افترسته الكلاب في زمن الجفاف.

البحار(ج): اهدأ و هدن، هذه المعلومات عرفت تضخما أكبر من إثمان الحليب والزيت والسكر..

البحار (أ): دور معنا فحلوقنا جفت..

(سرحان يوزع عليهم خبزا وبعض الجزر،يأكلون كل واحد في ركن، يحاول إخفاء ما لديه)

البحار(أ): اشتري ديكا قرويا

البحار(ب): أو اصطناعيا

البحار(ج): أو بدون انتماء

سرحان : أتمموا إني أصغي .

البحار(ا): علق في عنقه ورقة تحمل اسمك و عنوانك وارميه داخل المقصورة ليلا

البحار(ب): واحذر كي لا يراك أحد

البحار(أ): فالرشوة المكشوفة منعت بقرارات حكومية

البحار (ب): يعني أستر ما ستر الله، تم انتظر حتى يصل دورك..

سرحان : كل هذا المارطون من الكلام الفارغ من أجل ماذا؟

البحار(أ): كي تحصل على رخصة للقائه، لأن الذين يعرفون من أين تأكل الكتف أهدوا وحلي ومجوهرات...و نساء....

سرحان : يعني أن إعطاء رشوة مستورة شيء مألوف لديكم..

البحار(ب): لا، لا نحن بريئين مما يخرج من فمك، يمكن أن تسمي هذا طاعة أو شكرا أو ولاء، طلب حماية أو الحصول على حصانة.

(البحار(ج)يعود لمراقبة السماء يشير لأصحابه بالانضمام له)

سرحان : هل سقط الغراب من فم الجبنة آه عفوا الجبنة من فم الغراب؟

البحار(ب): لاشيء مضروبة في لاشيء كم تساوي؟

البحار(ج): طبعا تساوي شيئا

البحار(ا) : هذا مكتوب والمكتوب في يوم ما سيمر، إنما الله وحده يعلم متى..

البحار(ب): فطاعة أولياء الأمر واجب ومن تخلى عن الواجب مصيره بطن الحوت.



في حضرة معالي القبطان

(سرحان يقترب من المقصورة وينادي)

سرحان : والقبطان ، واسي القبطان

القبطان يخرج من الباب من النافذة ويفرك عينيه من الإفراط في النوم)

من أين حصلتم على هذه الخرقة البالية، المبللة، الساردة؟

البحار(ج): كان يغرق، تم بدأ يستغيث تم صعد وأستعطف.....

القبطان : نعم ورق قلبكم، وفتشتم جيوبه كالعادة وشرحتم له عن الرضا والسخط (يصرخ في وجه البحارة) كم أخذتم منه مقابل جوعكم يا صراصير؟

البحار (أ) : جيوبه فارغة يا قبطاني، حبة جزر و دغمة خبز، وقلنا له انتظر حتى يستقبلك القبطان. فقلنا مع أنفسنا ربما يصلح لشيء ما .

القبطان : (يتفحصه ويلمسه بعكازه) لأي شيء سيصلح، نصنع منه نقانيق؟ نسبة العظام لديه تفوق ثمانين في المائة، لمسه يدمى الأيادي. حسنا كم بقي في جيبك؟

سرحان : (يخرج حبة طماطم) هذا كل ما تبقى لدي...

قبطان : فتشوه (للبحارة)

سرحان : (يخرج سيجارة، يناول القبطان)

القبطان : أشعل...

(سرحان يشعل السيجارة ويضعها في فمه، القبطان ينزعها منه بقوة ويبلعها بشراهة).

القبطان : ما اسمك؟

سرحان : سرحان

القبطان : إلى أين تسير يا صعلوك، من أين أتيت والى أين تتجه؟

سرحان : (حالما) ازددت في فترة صباحية مغلفة بدفء الصبا، وقبل أن يستيقظ الورد، كان هديل الحمام يشكل سمفونية بديعة، فجأة فقدت الأرض خضرتها، وعذوبتها واختفت أشعة الشمس، صوت بدا يكبر داخل صدري

(وميض البرق مصحوب بموسيقى صاخبة، البحارة يجرون في كل مكان مفزوعين).

صوت : ابحث عن الخرائط الممزقة، عن أسماء الجبال المتلاشية، عن ذاكرتك المشلولة، عن صفحة بيضاء ومداد أحمر، أوقف قهقهة هذا القرن المسخ (سرحان يضع رأسه بين كفيه، تهدا الموسيقى، ويختفي الضوء)

القبطان. : إنك تهدي، هنا عليك الامتثال للأوامر التي تفتى عليك من طرف أولياء الأمر، يا أعضاء المجلس الموقر(يكون البحارة دائرة) هذا صعلوك غريب التجأ إلينا، ما رأيكم نقبله أم نرميه إلى الماء (لحظة استشارة)

الحار (أ) : ولماذا لا نقبله وهو بشر مثلنا في اعتقادي الشخصي ..

البحار (ج) : انظروا أنفه كأنوفنا إلا أن هناك فرق بسيط، خدودنا حمراء وخدوده صفراء

البحار(ج): دعونا من الشكليات انظروا أولا إلى لباسه وهيأته ثم احكموا، ثم قرروا..

البحار (ب) : إذن سيغسل لي مراحيضي

البحار (أ) : بل سيحرسني بالليل والنهار

البحار (ج): بل سيعد لي طعامي

البحار (ب): بل نجعل منه وقودا ندفئ عليه أجسادنا إذا عاد الصقيع

القبطان : أيها السادة، حضرة الأعضاء المحترمين، نقطة نظام، نحن دائما كقطيع خرفان تائهة، أمورنا يلفها الغموض وتجمعاتنا كلها ضجيج، نخبط ونعجن بدون رقيب ولا حسيب، لأن البعض يفضل التجديف وفي آن واحد، لكن أنا وهدا رأيي و يجب أن يطبق باحترام حسب ما تسمح به كتبنا المقدسة والقوانين التي صوتم عليها. علينا أن نقسم أشغالنا وحاجياتنا على الشكل التالي: طبقة تتكلف بالمجداف، طبقة ثانية تصطاد السمك ومن الضروري أن يكون ما يكفي لكل واحد منا، لكن حسب شجرته العائلية ومنصبه الإداري وانتمائه ودرجة ولائه والخدمات الني يقدمها من أجل الصالح العام. أما المجموعة الثالثة وهي المسؤولة العليا، ستخطط، ستبحث ستشجع الناس، تأمر بهذا وتنهي عن هذا،، في هذه المرة سأتنازل و لن أضع العصا في العجلة....

البحار(أ) : وهدا يتمثل كما لاحظنا في معاملاتك المتواضعة إزاء هدا الغريب منذ البداية

البحار(ب): والدليل أنك أعطيت موافقتك الحكيمة على قبوله بيننا،

القبطان : يجب أن يمشي المركب ورفعت الجلسة



السواكن

(يسمع رنين ناقوس قوي ، البحارة يهرعون في كل اتجاه، يهرولون، يرقصون على إيقاع موسيقي نوع *السواكن'' مكونة من ناي و بنذير، يضعون الأغطية البلاستكية الملونة على رؤوسهم، مشدودة بحبال لخصرهم من الخلف كأذيال حيوانات. يلصقون رؤوسهم على بعضهم بعض) .

سرحان : يا قبطان إني أتساءل من الذي أمر بوضع هده السطول فوق رؤوسكم ؟ وأصبحتم ألوانا متنافرة، وعند سماع رنين الناقوس هرولتم وازددتم اختلاطا حتى أصبحتم مسخا.

القبطان يطل من تحت الغطاء اكبر حجما من البقية)

لسانك طويل ألزم حدودك، لا تتدخل فيما لا يعنيك، إنها قدر ونصيب..

سرحان : عقول صلبة متحجرة، تخرجون إلى هذه الجرداء عرايا و حين تتذوقون ثمارها تمتصون دم كل من يهب ويذب، أي رؤية تستطيع أن تفسر لنا كنه ما نعمل على ظهر هذا المركب؟ يكون الإنسان مطرودا وحينما يحصل على حقه تزداد أطماعه ويطرد الآخرين؟

القبطان : يا صعلوك النحس أنا لم أخلق لأفسر ألغازك.. بعد قليل كنت تستنجد وها أنت اللحظة تحاول دخول البرلمان، أنت الدودة المريضة، سخنت ولمسك الدفء..ضع سطلا واختر اللون الذي يناسبك، فبعد قليلا سينزل الظلام وستظهر عاصفة هوجاء ربما تأخذنا إلى قاع المحيط

(يزداد الإيقاع، يرقص البحارة مرتعدين، يقدمون قربانا متكونا من عدة فواكه)

البحارة : لم نر شيئا لم نسمع شيئا هذا لا يهمنا، نريد سلاما اذبحوا من تشاءوا واقتلوا من تشاءوا، هذا لا يهمنا نريد أمنا، نريد سلاما، وحماية من تحتها، نحن معكم أو معهم، مع البعض، مع الكل، نتآمر خوفا من ضربة الصهد

(سرحان يقترب من الفاكهة، يهم لأخذها)

القبطان : ضع القربان مكانه، إنها له، إننا نتبرك بقدومه

سرحان : أتريد أن ترقص وتبحر وسط هذا اليم بهياكل عظمية جائعة، ألا يوجد واحد من بينكم لم تجتذبه هاته الفواكه الطيبة؟

القبطان : إن فتح أبواب المركب على مصراعيه واحتضانه لنا سيضمن لنا صيدا غزيرا

سرحان : أنا أرفض البتة أن يأخذ أي قربان..

البحار (أ) : أتعرفه ؟

القبطان : (يضربه البحار بسوط) ضع سطلك و زم فمك...

سرحان : انه يأخذ كل شيء وبدون مقابل، بدأ بالزفت الذي يستعمله لبناء أساطيله حتى وصل إلى أفكاركم التي يفرغها من محتواها ويرسلها لكم، نصيبكم أكياسا من الدقيق النثن وحين تفرغ تصنعون منها سراويل لستر عوراتكم .

القبطان : وبماذا تريد أن نستر عوراتنا؟ بثيابك البالية وأفكارك الفاشلة؟

سرحان : بأوراق الشجر كما فعل أبونا ادم ....

القبطان : لم نعد قادرين على الصداع . نريد سترة

سرحان : تحلمون بصعود الجبال و أنتم بدون نعال ،

القبطان : (يصعد فوق علو ،شاهرا سوطا)هذا مركبي ولا يحق لأحد أن يتدخل في شؤوني (يحلم) انتظر وصوله، يثنو علي يحييني، يشكرني، أحب أن يضع يديه على كتفي ويربت بي، يداعبني...

سرحان : تنتظر الذي لا يأتي أبدا (يتجه نحو الفواكه)

القبطان : ابتعد عنها، ضع سطلا و إلا رميتك إلى الماء

سرحان : (يخرج خريطة من حقيبته) انظروا

(البحارة يتجهون نحوه ويصطدمون فيما بينهم)

البحار (ب) : لا نرى شيئا

سرحان : انزعوا الأغطية

(ينزعون الأغطية، يستنشقون الهواء بقوة. سرحان يعلق خريطة كبيرة على الجدار، بيضاء خالية من أي كتابة أو رسم)

القبطان : إنها مزيفة، مزقوها، تنقصها كثير من الأشياء، أين الحدود ؟

سرحان : بل هي الأصل، فمن ذا الذي صنع الحدود وفرق البشر؟ من صنع المبادئ والقيود، من حلل آكل الإنسان للإنسان، وكتب التاريخ حسب أهوائه ؟ إنهم أقوياء الغابة، حتى أصبحنا نعتقد أن كل شخص يبعد عنك بشبرين هو من جنس أخر. لم يكن للحدود من معنى من ذي قبل، حتى جاء هذا الحيوان الناطق وغزا هذه الأرض.

القبطان: اطوي ورقتك المشئومة يا سرحان.

سرحان : كل ما تحلمون به موجود هنا، من هنا سنبدأ الرحلة، كمدخل سنفتح شهيتنا بتفاحة حمراء، ننتظر هضمها، سيسري الدم في عروقنا، يدق باب المخيخ، ينتفض شعر الرأس، تهتز الأوصال..

القبطان: انزعوها منه إنها وصفة مسمومة، خرافة

سرحان : إنها أعظم وصفة جربت ونجحت بنسبة عالية، أولا ندمر كل شيء، نعيد قراءةها من جديد، منذ أن ضيعتم مفتاح الحكمة والتعقل وأنتم تستغيثون، عيونهم جاحظة، تظنون ''بزقه'' الدجاج ريالا، مصابون بوباء خطير،تتقنون منذ الأزل فن التباكي والعويل..

القبطان: اتركها كما هي على الأقل لا تزد أي حرف،(للبحارة)انزعوها منه..

(تحاول المجموعة الاقتراب منه)

سرحان : (يخرج سلاحا) إياكم أن تلمسوها سيصيبكم مس

(يبتعدون، يعيدون الأغطية على رؤوسهم، يجلسون أرضا ككلاب أليفة).

القبطان : ارمي سلاحك، لم يتعودوا على رؤية سيلان الدم، إنه جلب للشر، ستوقظ زعطوط للضرب بالحجر، مزقها كفانا فتنة، إنهم أقوياء، سيحاصروننا

سرحان : لقد تفننوا في صنع الجوع، وجعلوا مركبك دلولا، هاهم يصدرون و باسم العالم الجديد والقانون الدولي وتحت إشراف حكمائهم البارعين وتحت ستار الأخوة والصداقة موديلات من فن الخراب.. يتقنون صنع الأعداء الوهميين يضعونهم في مواجهتك ليدخلوا دارك من الباب الخلفي.

القبطان : إننا نحترم أنفسنا ويجب أن نحترم المعاهدات التي قبلنا دون ضغط وهناك شهود على ما أقول.

سرحان : كفاك كذبا على نفسك، الكل يعرف أنك مرغم والمعاهدات ستقبلها أبيت أم شئت، وحتى دون استشارتك..

القبطان : لقد صوتنا وبنزاهة على كل البنود.

سرحان : أضحكتني، النزاهة؟ متى التقيت بالنزاهة ؟(يشعل سيجارة ويبدأ في ابتلاعها)

القبطان : (يقترب من سرحان يجلس قربه مترددا، يتناول منه السيجارة خلسة) أنت تحرجني أمام بحارتي، أرجوك نحن أصدقاء وتشاركنا الدخان، لا تمزق حجاب السترة الذي يظللني (يشير إلى الجمهور).

سرحان : هؤلاء يعرفون كل التفاصيل بدقة، و ما تركوا منازلهم لحضور هذا الإعصار الذي يحمل المركب إلى حيث لا يدري أحد، إلا تأكيدا على أنك تغرق ..تغرق و أنهم سيحتفظون بذكرى إقبارك هاته الأمسية..

القبطان : (غضبا) اسمع يا أنت، إني استطعت بجهدي ووسائلي الخاصة، طبعا بمؤازرة بعض الأوفياء، أن أعود بحارتي على إيقاع فريد سنرحل به حقبا من الزمن دون خوف.

سرحان : تتبجح وتطبل وتزمر بدون معنى. إيقاعك لا يشبه إيقاعات مراكب هدا البحر. تعتقد أنك تبحر مع الريح وأنت تعاكسها، لأنك تتراجع وبسرعة لا تصدق، ستتكسر ألواحك في رمشة عين ولن تستطيع بناء ما حقق بسهولة.

القبطان : كفى زم فمك أنا لا أستطيع أن أتحمل نصائح سردينة بدون قشور

سرحان : لن أسكت لأني إكسسوار من هذا الديكور المصطنع. ستتهشم ضلوعي برفقة جماجمكم الفارغة إذا لم نتدارك الموقف قبل فوات الأوان.

القبطان : (يبكي) كفى أرجوك، إني ضائع، إني لا أتقاضى أجر قيمتي، أتظن أن هذا الراتب الشهري كاف لسد الخصاصة في متطلباتي؟ أهوائي وطموحاتي وملهياتي كثيرة، شجرتي العائلية له جذور في التاريخ إنها مقدسة، فلا يمكن لي أن أتنازل هكذا وبسرعة عن علاقاتي مع أولئك الذين يضمنون لي حماية وبقاء.

سرحان : سيحمونك وحدك دون بحارتك، لكنك ستؤدي الثمن باهظا، ستصبح قبطانا كبيرا، صدرك منتفخ وكتفاك مثقلتين بالنياشين المزركشة ومصنوعة من جالوق رخيص، التي بالطبع ستؤدي ثمنها من صندوق بحارتك، ستعلق صورك في الأزقة والشوارع، وستظهر على أغلفة صحفهم ومجلاتهم الخليعة.

القبطان : هذا اعتراف بالجميل والصداقة المتينة التي..

سرحان : لكنك بدون مركب يا عزيزي، بدون شراع، بدون بحارة حقيقيين…

القبطان : اسكت يا أنت..

سرحان : لن أسكت لأن فيه نهايتنا..

(يتجه نحو البحارة يوزع عليهم خناجر)

حطموا هذه الأغطية.

(البحارة يبدؤون في إزاحة الأغطية، يسلط ضوء ساطع على القاعة ثم يعود في اتجاههم، يحكون أعينهم)

انه يحرق الأجفان لكنكم ستتعودون على النظر إلى قلب الضوء الساطع .

بحار(أ) : المركب مهدد يا سرحان

سرحان : لأننا كلنا مذنبون، أحرقوا الأغطية وقطعوا الحبال وأوقدوا النار.

بحار (أ) : لن نستطيع، أيادينا ترتجف..

بحار (ب) : قوة الضوء تعمينا، الدم يفور داخل صدورنا ..

بحار (ج) : عروق قلوبنا ستنفجر..

القبطان : ارموا الأسلحة للبحر، لن تبصروا جيدا هكذا خلقتم وهكذا ستبقون .

بحار (ب) : دعنا يا سرحان اللهم العمش أو العمى، (يعيد الغطاء على رأسه)

بحار (ج) : (ينزع الغطاء)لن أعيده لقد بدا الضباب في الانسحاب من أمامي

القبطان : لن تفلتوا من العقاب، إنه خروج عن ملتكم

(بعضهم يريد إعادة الغطاء وأخر إزالته، تختلط الحبال بالأغطية في ارتجال، الحبال تلتوي عليهم يصبحون في وضع لا يستطيعون معه التحرك.هدير الموج يرتفع، وميض البرق وزمهرير الرعد يزداد، الشراع تكاد تتمزق بقوة البرد.البحارة يصرخون)

بحار (أ): المركب يغرق، انقدونا، سنخنق، سنموت

سرحان : اقطعوا الحبال، كسروا الأغطية

القبطان : (يصرخ ويجري في كل مكان) ماذا فعلت بهم حتى جمدت فصائلهم ؟ مركبي يغرق، افعل شيئا أيها الدجال الماكر، لكن لا تحطم الأغطية، فك الحبال دون قطعها

سرحان : ستضيع الحبال الهشة والأغطية ذات الألوان المزيفة. لكن بعدها الخلاص، ستمشون بدونها و تحت ضوء الشمس الساطع

القبطان : (يصرخ) المركب يغرق أنقذوني تحرك ..تحركوا ....

(رنين النواقيس يرتفع بقوة تم يبدأ في الخفوت، تدار الإضاءة في اتجاه الجمهور)

البحارة : (ينشدون) لا تخطئوا مرة أخرى يا أبناء ادم، فالمركب راحل، قاسيتم و عانيتم من واقع مهزوز مبلل . لا تتركوا أصواتكم تضمحل كي لا تغرقوا مرة أخرى في الوحل.

(يتقدمون إلى الجمهور ، بعد التحية)

سيداتي سادتي هذه إحدى السفن كما حلمنا بها أن تكون. قام بالإبحار على متنها السيد بلعيد أكرديس صانع المركب والطاقم البحري متكون من ..

(يتقدم كل مشارك في العمل لتحية الجمهور)



تأليف/ بلعيد اكرديس

المغرب












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 09:45 AM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

شيزوفرينيا
حسام سفّان

المشهد الأول



المكان متواضع.. عن يسار المسرح باب الزقاق، وعن يمين المسرح بابان وفي مؤخرة المسرح باب غرفة النوم وإلى جانبه الأيمن تلفاز صورته مشوشة يحدق به رجل الغرفة لكنه شارد الذهن ، وإلى جانبه الأيسر ساعة جدارية، في الوسط طاولة تتوزع الكراسي حولها وفي مقدمة يمين المسرح أريكة يستلقي عليها صاحب الدار (اكس)... انفصامات الرجل اكس تتوزع في المكان"..

- انفصام 1: أسود.

- أنفصام2 : أحمر

- انفصام 3: أزرق

- انفصام 4: أسود

تتداخل الاصوات وهم يرددون أحمر أزرق أخضر أسود.

- اكس: أبيض.

-المجموعة: أبيض.

-اكس : أبيض.

-اكس : لا أعلم ما الذي جاء بي إلى هذه القلعة البيضاء

كل شيء أبيض.. أبيض.. " بغضب" أبيض.

كنت هناك. فما الذي جاء بي إلى هنا.. لربما ما زلت هـناك...

"يرن جرس ، فيمد صاحب الدار يده رافعا كأس الماء كسـماعة هاتـف ".

- اكس: ألو... نعم... ألو... رد يا بن الحلال... ردي يا بنت الحلال

"مايزال الرنين مستمرا فينتبه إلى أن الرنين ليس صادرا عن الهاتف ".

- اكس: لا يؤاخذكم الله إن نسيتم او أخطأتم. وأنا نسيت باني لا أملك هاتفا. لكل جواد كبوة.. ولكل عالم هفوة.. أين المشكلة.. تصوروا ثلاثون عاما وانا أدفع فاتورة الهاتف.. ولم أدرك قط بأني لا أملك هاتفا. حتى لو أدركت ما الذي كان سيحدث.. أخبرهم. ومن يبالي ؟ سيقولون لك تكذب. حتى إن صدقوني سيقولون : ادفع بالتي هي أحسن. وسأدفع. ثم لم يتسن لي الوقت لأفكر هل أملك هاتفا أم لا... وحتى لو تسنى لي الوقت هل كنت سأفكر ؟ تلك هي المشكلة. " يرن الجرس من جديد ".

- اكس : من ؟. " لا أحد يجيب ". رد يا بن الحلال.. يا بنت الحلال ردي. "يبدو الخوف عليه".

المشكلة هنا.. " مشيرا إلى صدره " لا ليس هنا تماما.. بل هنا "

في الحقيقة " يهمس " لا أعلم أين المشكلة ، ثمة خطأ في هذا العالم، لكن

" فترة صمت " لكل جواد كبوة.

" يرن جرس الباب من جديد " لا بد انهم هم.. نعم هم كنت أتوقع مجيئهم في كل لحظة ومن كل مكان من هنا وهنا وهناك.. الشبابيك. كم مرة قلت اغلقوها.. الشبابيك هي السبب. والمثل يقول.. الشباك الذي يأتي منه الريح " مرتبكاً " أحسن من عشرة على الشجرة. أعلم أنهم يحاصرون هذه القلعة اللعينة.. لا أعرف بالضبط ما الذي يريدونه. " يقضم أظفاره " بل اعلم. إنهم يريدون اغتيالي. سيقتحمون الحصون.. يتسللون من النوافذ يشهرون بنادقهم " يصوب مظلته باتجاه الجمهور كبندقية" يصوبونها نحوي ، ثم طخ. ينتهي كل شيء.

" صــوت رنيـن "

أنا لســت هــنا.

- انفصام1: هل تظن نفسك شاطرا.

-انفصام2: إنهم يعلمون أكثر منك أين أنت ، وماذا تفعل ، وبماذا تفكر. إنهم يعلمون ما الذي يجري خلف هذا الباب وهذا وذاك " مشيرا إلى بابي المطبخ والمرحاض ، والباب الخارجي ".

- اكس: إنهم شياطين يخرجون لك من كل مكان... ما كان عليك أن تضحك.

- انفصام1: لكنها كانت ضحكة مجرد ضحكة سقطت من فمي. ضحكة ساقطة. سقطت من فمي كما تسقط تمرة عجوز.. كل شيء قابـل للسقوط.. التمر.. أوراق الأشجار.. المطر يسقط أحياناً " يرفع مظلته " الجنود يسقطون في ساحة المعركة.. الكلمات تسقط سهواً.. الشهب ، النيازك، اللاعبون ، التلاميذ.. والضحكات تسقط " يهتف " تسقط تسقط تسقط.

- انفصام4: ما كان عليك أن تضحك.

- انفصام1: لو أنك ضحكت في عبك لكانت المصيبة أهون.

- انفصام2: لكن أن تضحك وعلانية أمام جميع رواد المقهى فهذا كثير.

- انفصام3: كثير يا أخي. كم مرة قلت لك اعقل اعقل يا رجل وتوكل ، لكنك لا تأبه بما أقول.

- انفصام4: لا تاخذ بالنصيحة من الناس فهمنا ، لكن حتى من نفسك. عيب يارجل.. وحرام أيضاً.

-انفصام2: ألم ترَ الرجل ذا القبعة السوداء..

-انفصام3: الحمراء..

-انفصام4: الخضراء..

- اكس: ألم تستطع ان تؤجل الضحك على تلك النكتة الملعونة حتى تأخذ تصريحا رسميا ؟ أم أنك اعتدت على المخالفات منذ ان جاءتك مخالفة المرور... قالوا لك وقتها: إنك تجاوزت الضوء الأحمر.. أقسمت حينها بأنك لا تملك سيارة ، لكنهم أقنعوك بمخالفتك "يتحسس خدّيه".. كان كلامهم منطقيا ً.. منطقيا أكثر من اللازم فاقتنعت. كنت أشتهي أن أكون مرة واحدة على صواب..

-انفصام2: كنت أشتهي أن ألتقي أنا وهي في مكان ما فجأة.. أمنحها أصابعي ، لتعدّها.. كنت أشتهي أن تخطئ في العدّ... لتعـدّها ثانـية.

-انفصام3: كنت أشتهي.. وأشتهي.. وأشتهي.

"يدخل الرجل ذو القبعة السوداء ، وهو يصفق ".

-ذو القبعة: رائع. رائع.

يبدو أن الحبوب بدأت تأخذ مفعولها.

-اكس: ما الذي تريده مني.

-ذو القبعة: أريد أن نتكلم.

" يحاول الرجل ذو القبعة أن يمسك بالرجل اكس، فيبتعد مرتعشا، وغاضبا "

- اكس : لا تلمسني.

-ذو القبعة: لا أريد أن ألمسك ، بل أريد أن نتكلم.

" يحدق بقطع الشطرنج ، ثم يحرك إحداها ".

- ذو القبعة: أريد منك أولا أن تغلق هذه المظلة اللعينة ، فالطقس في الخارج رائع.

-اكس : وماذا يعني.. لا يهمني ما إذا كان الطقس رائعا أم لا.. وإذا كان الجو رائعا هذا لا يعني ان أغلق مظلتي. " يقترب منه " لا تلمسني..

- ذو القبعة: قلت لك أغلق هذه المظلة اللعينة ، وبعد أن تغلق هذه المظلة اللعينة افتح النافذة ثم بعد أن تغلق هذه المظلة اللعينة وتفتح النافذة عليك أن تجلس ثم بعد أن تغلق هذه المظلة اللعينة وتفتح النافذة اللعينة وتجلس عليك أن تصمت. ثم بعد أن تغلق هذه المظلة اللعينة وتفتح هذه النافذة اللعينة وتجلس وتصمت عليك أن تسمعني.

- اكـس : لا أريد ان اسمعك ، فحينما كنت هناك.. لم يسمعـني أحـد..

كنت وحيـدا أنا وأنا وأنا.. كل النوافذ كانت مغلقة. يلتفت إلى النافذة.

قلت اغلـقوا هذه النوافذ اللعينة.

- ذو القبعة: إنها مغلقة.

- اكس : أوصدوها إذاً.

- ذو القبعة: ولمَ ؟

- اكس: إنها خطة المعركة. " يحرك قطعة شـطرنج ".

بصدرها الطموح تتقدم دائما إلى الأمام.. كثير من البيادق يموت. القلاع قد تسقط أيضا. بصدرها العاري تقف بوجه الفيلة الثقيلة والأفراس الرشيقة.

وألاعيب الوزراء المحنكين.

- ذو القبعة: كش مات.

-اكس : " مخاطبا نفسه " كيف لم أنتبه إلى الرجل الذي كان يكتب تقريره ؟. لقد دون ضحكتك.. طولها..عرضها.. شدة تواترها.. زوايا الميل والانحراف...

- ذو القبعة: عليك ان تسترخي.

-اكس : كلهم يقـولون ذلك..

- ذو القبعة: من هذه ؟ " مشيرا إلى صورة معـلقة على الجدار".

- اكس : زوجتي يا سيدي.. لكن ضحكتي كانت بريئة ، لا تظن أنني ضحكت فرحا.. إنني حزين ، بل في غاية الحزن.تأمل العينين.إنهما ممتلئتان بدموع دفـينة. إن قلبي ينفطر ألما. اقترب ضع رأسك على صدري هل تسمع قهـقهة؟ لا قهقهة. إذا انا حزين "يقترب ذو القبعة منه، فيبتعد اكس غاضباً".

- اكس: لا تلمسني.

ذو القبعة: استرخ. عدّ النجـوم..

-اكس : لا أحب النجوم يا سيدي أيمكـنني ان أعدّ الخراف.

-ذو القبعة: عدّ ما شئت.

-المجموعة:واحد.. اثنان.. ثلاثة.. أربعة..

-اكس : " يصرخ" إظلام...

" أثناء الاظلام نسمع أصواتا متداخلة "

- اكس: لا تلمسني..

انفصام1: قلت اغلقوا هذه النوافذ اللعينة.

انفصام2: كنت محاصراً أنا وأنا وأنا ولم يسمعني أحد..

انفصام3: بصدرها العاري تقف بوجه الفيلة الثقيلة والافراس الرشيقة.

انفصام4: لا أحب النجوم يا سـيدي..

- انفصام1: ضحكتي كانت بريـئة.

- انفصام2: حتى أنت يا يوليوس..

- انفصام3: النخيل يحترق..

- انفصام4: أبيض. أبيض.. أبيض.

- اكس : كل شيء كان أبيضَ.. الستائر..الصحون..لباس الممرضات..

المناديل. حبات الفاليوم... ملابســنا الداخلية.. حتى الخراف كانت بيضاء.

"موسـيــــقا جـنائــزيـة".



المشهد الثاني



- اكس : " يرتعش غاضبا" صمت كصمت القبور.. كصمت المحطات بعد الرحيل.. كشفاه شاعر اغتصبوا منهما الكلمات..كان المكان.كان خاليا.. خاليا تماما الا مني ومن الرماد. كل شيء كان أبيض.. أبيض.. أتعرف ما الذي تذكرته في تلك اللحظة

ذو القبعة السوداء : حبات الفاليــوم

-اكس : أمي... كان أبي يعلقني على شجرة نخل ويجلدني بسوطه... وكانت أمي تحتضنني تتلقى السياط بجسدها الأبيض.. كثيرا ما كنت أعود من المدرسة لأراها مصلوبة على شجرة نخل والدموع تجري نهريـن من عينيها.. "عـيناها غابتا نخيل..." ... أتعرف ماذا أشتهي الآن ؟.

-ذو القبعة: أن تســــرق دراجـة.

اكس : أشتهي أن أضمها أكثر مما مضى. أضمها أنا وأنا وأنـا ونبكي.

- ذو القبعة: أنا كذلك محاصر بالرغبة ، لكنني أخشى البكاء.. ماعرفت أبي يوما. أبي كان بحارا.. أمضى عمره محاصرا بالمـوج والخوف.. إذا ما مر بامرأة خالها جزيرته المفقودة مرّ بجبالها وسهولها.. بشطآنها ، بغاباتها وصحاريها ، ثم ما يلبث أن يعاوده شعور البحارة فيعزم على الرحيل مخلفا الرماد وراءه.. " يلتفت إلى اكس" الشمس ساطعة بالخارج وانت ترتدي كنزة صوفية ها هنا وترتعش ؟!

- اكس: كم مرة قلت لا علاقة لي بالطقس ما معنى أن تكون الشمس هناك..

- ذو القبعة: اخلع هذه الكنزة.

-اكس : كل شيء الا الكنزة..

ذو القبعة : " بغضب " اخلعها.

لا لن أخلعها وحذار أن تقترب مني " يشهر المظـلة كبنـدقية".

"يدوران في محور وهمي وهما غاضبان على إيقاع طبل يبعث لحنا حماسيا كالتي تنبعث من الهنود الحمر.. بينما تدخل انفصامات رجل اكس وتتوزع على خشبة المسرح".

- اكس : ثمة عواء ذئب في داخلي.

- ذو القبعة: رقصات.. رقصات تحاصرني. أسمع صـوتـاً ما أشبه بصوت بوق.

-اكس : قبعات. قبعات كثيرة... ودم.. دم دم دم.

-انفصام1: دم أحمر.

-انفصام2: أخضر.

-انصام3 : أسود.

انفصام 4 : أزرق...

ذو القبعة : اخلع هذه الكنزة.

-اكس : لن أخلعها.. الكنزة كنزتي والسماء سمائي..

-انفصام1: والنوافذ.. "بغضب " أغلقوها.

-انفصام2 : كم مرة قلت أغلقوا هذه النوافذ اللعـينة.

-ذو القبعة : دعها ليدخل منها الهواء.

-اكس : المغول.. إنهم قادمون.

-انفصام3 : أراهم يمتطون الغيوم..

-انفصام4 : يتسللون من النوافذ..

-انفصام1 : وأرى نهرين من دم... دم دم دم.

" يتحول إيقاع خطواتهم إلى حركة أشبه بالرقص ".

-اكس : ارقص. ارقص.. فثمة شيء ما بداخلك يحتاج إلى الرقص.

-ذو القبعة : رائع. رائع " يصفق ". إنه يمتعني.

-اكس : أما أنا فالرقص يذكرني بالبكاء.. في زمن ما لم أعد اتذكره.. وفي مكان ما غابة.. او صحراء. في السهل او الجبل.. كان رجل ما لم أعد أتذكر اسمه ، او ملامحه. قدم رجل يحمل جرة مملوءة بالدم دم أحـمر.. قدم إلى المعبد ليقدم جرته عربوناً للإله وقف الرجل بباب المعبد ، لكن الإله كان مشغولا عنه.. وقف على قدميه طويلا مسترخيا على يمينه تارة وأخرى على يساره.. والجرة فوق رأسه فالآلهة لا تقبل عـربونا مسته الأرض... غفا لحظة لحظة واحدة فسقطت الجرة من يده.. وسالت الدماء دخل ملوثا بالدم إلى إلهه لا يحمل الا التعب.. وجسدا ملوثا بالخطيئة..

- ذو القبعة : "يضحك".

- اكس : ما يضحكك يبكيني...

- ذو القبعة : ثمة فرق بيننا..

- اكس : لماذا تراقصني إذا ؟

-ذو القبعة : الكنزة..

- اكس: لن أخلعها. أتعرف كم عدد الخراف التي ذبحت حتى كانت هذه الكنزة.

-ذو القبعة : إنني أكره الخراف.. أيمكن أن أعد النجوم..."يتوقف إيقاع الطبل، فيتجمدان لحظة".

- اكس : "يستظل بمظلته ، ويتكلم بأسى" كانت ليلة خريفية. المطر كان يضرب زجاج النوافذ.. وكنا نائمين.. بل نتناوم.. كانت تظن أني نائم فمشت على أصابع قدميها خارجة من الغرفة.. لم تكن المرة الاولـى التي تتظاهر فيها بالنوم فما إن أنام أو يخيل إليها نومي حتى تغادر الفراش صوب الصالة.. مرات عديدة أفكر بلحاقها لكن أعضائي لا تطاوعني.. إنني أسمع وقع أقدامهم هاهم قادمون لاغتيالي...

-ذو القبعة : لا أحد هناك... إنه الفاليوم بدأ يأخذ مفعوله...

-اكس : " متابعا " كنت أقول في سري قم يارجل.. قم ولا تكن حمارا.. لكني لم أكن لأنهض.. مر يوم وآخر.. تسعة أيام وأنا حمار أصبح الوضع لا يطاق.. نعم فما الذي يجبرها على البقاء مع رجل عقيم.. لقد خيرتها منذ البدء بين البقاء والانصراف فآثرت البقاء.. إذا لم يعد الذنب ذنبي. حملت سكيني التي كنت أخفيها تحت وسادتي. السكاكين " يضحك " منذ اللحظة الاولى التي سكنت بها هذه الدار عرفت أهميتها.. لقد كانت السكين أول غرض اشتريته.. بلا سكين لا يمكنك أن تفعل شيئاً.. بلا سكين ستكون عاجزاً حتى عن تقشير تفاحة...

- ذو القبعة : "يدخن غليونه غير آبه به " هل تناولت الدواء.

- اكس : لا احتاج دواء.. بل سكينا.

- ذو القبعة : أنا طبيبك يا رجل.. وأنا الذي يقرر ما الذي تحتاج إليه وما الذي لا تحتاجه.

- اكس : لكنني لا أريد دواء... ولا طبيباً.

- ذو القبعة : اللعنة. وماذا أفعل أنا إن كنت لا تريد طبيباً.. إنك تحتاجني " بغضب" تحتاجني.اعترف. هيا اعترف وإلا...

-اكس : " بهدوء" أنا لا أحتاج طبيباً.

- ذو القبعة : "يصاب بحالةهستيرية" بل تحتاج. "يخرج هاتفاً محمولاً ويتصل فنسمع صوتاً هو نفسه صوت الرنين في المشهد الأول" ألو.. ألو.. رد يا ابن الحلال رد.. ردي يا بنت الحلال ردي.."تخـفت الإضاءة ويتابع اكـس".

اكس : أخفيت سكيني خلف ظهري وخرجت إلى الصالة.. تقدمت على رؤوس أصابعي كي لا يشعر أحد بي.. اقتربت منها. لم تشعر بوجودي. كانت السكين خلف ظهري. اقتربت أكثر فأكثر، ولما أصبحت قبالتها تماما أنهت نسج هذه الكنزة وألبستني إياها. كان ذلك في عيد زواجنا الثالث... ومنذ ذلك اليوم وأنا أرتديها.. لست أدري لماذا ربما لأنها آخر عمل قامت به في حياتها قبل أن يفترسها المرض.. وربما لأنها تذكرني بخطيئتي.. وربما لأنني أحبها..أحب رائحتها التي تفوح منها.

- ذو القبعة : "يضحك"... والآن لم يعد أمامك إلا أن تطيع أوامري.. خذ هذه الحبة.

- اكس : وما الذي يمكنك أن تفعله.

- ذو القبعة : كل شيء..

- اكس : لن آخذها.

- ذو القبعة : " بغضب " مجنون.. أنت مجنون.

- اكس : يرفع سكينه " فتحاصره انفصاماته ".

- انفصام1: خذها.

- انصام2: الهـرب ثـلثا المرجـلة.

- انفصام3: ألف كـلمة جبان ولا كـلمة الله يرحمه.

- انفصام4: لا تأخـذها. أن تموت كريـماً خير من أن تحيا ذليلاً.

- انفصام1: الشـباك الذي يأتي منه الريح...

"تتداخل الأصوات خذها. لا. تتكرر عبارات الانفصانات وتتداخل فيما بينها. ثمة قـرع طبـل.. نـباح كـلاب.. أصوات مدافـع وطائـرات".

- اكس : الكـنزة. الكـنزة آلاف من الخيوط المتشابكة. متشابكة طولا وعرضا لتشكل نسيجا جميلاً.. الكنزة.. لا.. لن أخلعها... لن نخلعها... إنكم لا تعرفون عدد الخراف التي ذبحت حتى كانت هذه الكـنزة.

- إظــــــــــــــــــــــــلام –

- انفصام 1: والرجـل ؟

- انفصام2: أي رجـل ؟

- انفصام3: رجـل المعبد الذي سفح الجـرة.

- انفصام4: تركـوه وحيـداً يصـارع الوحـوش في الحـلبة.












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 09:51 AM   المشاركة رقم: 17
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

مواكب الموت
مشعل الموسى

شخـصـيات المسرحية :

- رجـــل1 (1).

- الوزيـــر (و).

- الطبـيـب (ط).

- خــازن بيت المال.

- رجـــل2 (2).

- منادي القصر.



(أصوت حـوافـر الخـيل وهي تسيـر على مهل ، صوت أناس وهي تهلل للموكب)

(يتعالى صوت صبي من بين أصوات الناس)

الصبي: (مذعور) أبي... ، أبي.. ، أين أنت يا أبي؟

صوت الخازن : ها!! ما هذا؟ صبي؟! أبعـدوه ذلك الصبي ، إنه يعـترض مــوكـبي... ، (بهلع) يا إلهــي ، لا...

(ومن ثم نسمع صهـيل الخيـل ،، تتعــالى أصـوات الناس).

صوت أحد الرجال : (بهـلع) لقـد سـقط خـازن بيت المال من على صهـوة جـواده.

صوت أحد الرجال: لقـد أصيـب خــازن بيـت المــال.

صوت أحد الرجال: لقـد أصيـب الخــازن.

(صــوت الجماهـيـر وهــي فــي هـــلع).



* (المشهــد الأول).

(فــي دار الــــوزارة).

(الوزيــر في قـلــــق)

(يدخـل الطبيـــب).

و : أخـبــرني ، كيـف هـي حالــته الآن؟ أهــو بخــير؟

ط : (يفــكـــــر ، حيـران) هـــا !! لا.

و : مـــاذا؟

ط : أقـــصـد... نعـــم.

و : نعـــــم أم لا؟!

ط : نعــــم ،، ولا.

و : أيـهــا الطبـيــب ، أفـصـح وتحـدث معــي ، كـيـف هــي حـالته؟

ط : لقـد... لقد رأيـت مـن أمـره... ، ما يدعــو للعـجــــب.

و : أي عجـب هـذا الـذي تتحـدث عـنه؟ تكــلم أيــها الطبيـب ، تكـــلم.

ط : الرجـل الـذي بالداخـل... ،، هــو الخـازن... ،، وهـو ليـس الخــازن.

و : مـاذا تعـني بقـولك هــذا؟! (بغـضـب) أهـذه أحـجــية؟

ط : هـي عـلة ، لــم نعـهـدها قـبــلا ً.

و : كيــف يكـون ذلك؟

ط : وكأنـه... ولـد من جــديد.

و : (بأريحـية) قاتـلك اللة أيـها الطبيـب الهـرم ، فلا بد وأنك تقـصـد ، بأن الخـازن قـد كتــبت لـه حـياة جـديـدة ،، نعـم ، أفهــم هذا ، لقـد كانت سـقطة موجـعة حقـًـا ، فــرجل غـيـره ، لكــان الآن تحــت التــراب.

ط : لا ،، ليـس هــذا ما أعــنيه؟

و : (بحـدة) إذن ، أفصح فـي قولك وتحـدث معـي بـوضوح وجلاء ، وإلا اتخذت معك أجـراء لـن تحـمـد عـقــباه ، هـــيا ، تحــدث.

ط : (بخنوع) كل المعـذرة يا ســيدي ، فلا أقصـد أثارتك ، لكن الخازن... ، وكأنه لا يذكـر شـيئ.

و : مـــاذا؟! مــاذا تـقـصــد؟

ط : الخـازن بصحـة جيـدة ، وسيتعــافى من جــرحه الذي أصاب رأسـه ،، لكن... ، لا شيئ في داخل رأسه ،، لا يعرف من أكون ، رغم أني أقرب المقربين إليه ، بل لا يعـرف أســمه ولا يذكــره ، حـتى أنه لا يذكــر شيــئـًـا على الإطلاق.

و : (بفـرح غيـر ظاهـر) أو تقـصـد بأن خـازن بيـت المال ، قـد... ، قـد صـار مجـنون؟

ط : لا يا سـيدي ، لم يجـن ، لكـنه لا يتـذكر شيئــًا مما مـضى ، لا يتـذكر شيـئـًا بتـاتــًـا.

(إظــــــــــلام).



*(المشهـد الثانـي).

(الوزيــر جالـس منشغـل ، يدخـل عـلـيه الطبيــب في عجـالة وهـو مرتـبك).

ط : الســلام على ســيدي الوزيــر.

و : وعليـك السـلام ، ما وراءك ، لمـاذا طلبـت لقــائي وبهــذه العــجالة؟

ط : أمـر خطــير قـد طـرأ عليـنا واسـتجـد.

و : (دون اهــتمام) أمـــر خطيـر !! وما عـساه أن يكـون يا طبيب النحس؟

ط : لقــد طلـب جلالة المـلك ، أن يتـم إحــضار الخـازن إلـى دار الحــكم.

و : ولمــــاذا؟

ط : كـي يكـون الخـازن وأمـر عــلاجه ، تحـت أشـراف المـلك نفــسه.

و : لا ضـير ،، فأنـت تعــلم بأن الخــازن مقــرّب من جلالـته.

ط : بل ، وحـتى إن المـلك قـد أقـصاني عـن الإشـراف على عـلاج الخازن وشــفاءه.

و : (يضحـك) أهــذا مــا قـد أزعجــك؟ سأتحـدث مع جـلالته بشـأنـك.

ط : لا سـيدي ،، فالـذي يريعــني ، لو أن الخــازن فعلا ً سيتماثــل للشــفاء.

و : (بانتـباه) ما هـذا الذي تقـوله وتتـفوه به؟! فالرجل عــزيز على الملك.

ط : سحــقــًـا لــه ،، ليــته مات وتعــفـن.

و : (بحدة) أي قـول هـذا الذي يبدر منك أيـها الطبيـب !!... (باستدراج) وكأني أراك تخـفي عني أمرًا ما!!

ط : سيدي الوزيـر ،، إن علاج ذلك الخازن اللعيـن وشفائه مما هو فــيه ، لا بـد وأن يكـون بشكـل تـدريـــجي.

و : بمعـــنى؟!

ط : أي ، لا بـد من أن يتـم استرجـاع ذاكـرته شيـئـًا فشيـئــًا (يتراقـص) شيـئـًـا فشيـئــًـا ، شيـئــًـا فشيـئــًـا.

و : شيــئــًـا فشيــئــًـا؟! ثــــم؟

ط : قلت لك ،، شيـئــًا فشيـئــًا ، بمعـنى ، أسـمه ، كنيته ، عـمره ، عـمله ، ومن ثم ،، ماذا كان يعـمل في عـمله وما عَـمـِـل ، وكيـف كانت الأموال تذهـب هنا (يشــيـر لجــيـبه) وهـــنا (يشيـر لجـيـب الوزيــر) وهنــاك ، وهكــذا.

و : (بهــلع) مـــــاذا؟

ط : عـقـل الخازن الآن تحـت يد الملك، وذلك العقل أشبه بالكتاب الذي طمر بالطـين، فالملك سيعمل على تجـفيف صفحات ذلك الكتاب ، ومن ثم سيزيل الطين الجاف من على صفحاته، فيقرأ المـلك كل شـاردة وواردة حدثت مع ذلك الخازن أثناء عمله،، وآنا وأنت وبعض رجالات الدول، من فرسان ذلك الكتاب،، حــتمــًا حـيـنها سيـتم افـتـضاح أمرنا.

و : عليـك اللعـنة أن كـنت صادقـًــا فيــما تدعــي.

ط : سـواء أكنت صادقــًا في إدعائي هذا أم لا،، فلا أعـتـقـد بأن سيدي الوزيـر مسـتعـد كي يغامـر بصـدق كـلامي أو عـــدمه مع الأيــام القادمة،، وأرجـو أن تخطـئـني الأيـام.

و : هـذه... ، هـذه مصــيــبة.

ط : وأي مصـيــبة ،، فلا تـلمـني بأن أتمـنى المـوت لذلـك الخـازن التعــس.

و : ... ، وتقـول بـأن مولانــا المـلك ،، قــد أقصاك عـن أمر عــلاجه؟

ط : نعــم ، وسمعـت بأن مولاي الملك سيامـرك كي تعـجـّـل في تكليف مناد ٍ، فأنـت مصـدر ثـقة مــولانا المــلك ، حتى الآن على أقل تـقـدير.

و : حتى الآن...؟ تكليـف منـــاد ٍ؟!... ، ولـمَ؟

ط : لينــادي ، بمـن له القـدرة على شــفاء الخـازن ، بل... ، بل وله مكافـأة سخــية.

ط : مـا الذي يـدور في رأس المــلك؟ أتــراه فعـلا ً يشـــك بأمــري؟

ط : المـريب في الأمر، بأن المـلك مهتم جدًا بأمر الخازن، ولا يسـمح لأي أحد من كبار رجالات الدولة في زيارته والدخول عليه، لقد ضرب المـلك طوقـًـا حول الخازن من حـرسه الخاص، ومنع الجـميع من زيارته وعـيادته، حتى أقـرباءه وأهـله وذويـه.

و : إذن ،، لا مجـال للوصــول إلــيه.

ط : (بحـسـرة وإصرار) قـد نويت لذلك سعـيـًا للنيل مـنه،، كي أجرّعه السـم، وأسقه ِ إيــّـاه.

و : أصمـت، لا تتـفوه بهـذا هنـا، ودعـني أفـكر مليـًا،، فالمهـم الآن هو، أمر ذلك المنادي،، (يفـكـر) مكافــئة مجـزية!! ،، حسـنــًـا، لتــكن المكافــئة لمن يشـفي الخازن.

(إظــــــــــــــلام).



* (المشـهـد الثالـث).

(في المديـنة النـاس متجمهـرون أمام بـاب مغـلق ، وكتبت على اليافـطة - بيت المال- ونقـش على الحائـط بيت من القصيـد للشاعـر أبو العـتاهـية:

هي الـدّار دارُ الأذى والقـذى ... ودارُ الغــرور ِ ودارُ الغـيـر).

(منادٍ ، يدخل من المسـرح ويتـوجه إلى صـالة الجمهــور).

المنادي : أيها الناس ، أيها الناس ،، من يجد في نفسه القدرة على شفاء خازن بيت المال من علـته ، فليحضر لدار الحكـم ، ومن يشفـيه فله مكافـئة مجزية ، ومن يخـفق ، تضـرب عـنـقه.

1 : أسـمعت ما قاله ذلك المنادي المعـتوه؟ فالقصر فـيه أطـباء مهره، أتراهم فعلا ً قد عجزوا في شـفاءه؟

2 : المضحـك في الأمـر ، بأن المنـادي لم يعلن لنا علة الخازن ، ومن هنا سيكون أي طبيـب يطـمع في تلك المكافـئة المجـزية ، سيجازف بحـياته ،، وبذلـك لن يذهــب إليه أي طبيب.

1 : أفعـلا ً لا تـدري ما أصاب الخـازن من مكــروه؟

2 : ومن يدري ، لا أحد يعلم.

(يتوجه للرجال من حوله ، كل على حدا)

1 : أحقا لا تدري أنت ؟ ... وأنت ؟ ... وأنت كذلك؟ (يضحك) أي رجال أنتم احتضنـتهم هذه المدينة اللعينة.

2 : أوتعـــرف أنــت؟

1 : أصيب الخازن في رأسه،، وهو لا يذكـر شيئا بسـبب سقطـته من على صهـوة جـواده.

2 : هــاااا !! فالأمـر يكون كذلــك إذن.

1 : نعــم ، هـو كذلــك.

2 : ولـكن يا هـذا ،، إلى مـتى ونحن نتجـمهـر هـنا !! فمنذ أيّام عـدة ، ونحـن قابعـين أمام هـذا البـاب،، إلا يرغـبـون في تعييـن رجـل آخـر حتى يشـفى ذلـك الخـازن؟

1 : لا أظـن كـــذلك.

2 : لا تظـن كذلـك؟! قاتلك اللة إن كنت صادقـًـا ، فأنا وغيري الكثيريـن مما يعـتمدون في دخـلهم على ما يمـنحه لـنا بيـت المال هذا ، والذي بالكاد يوفـر لنا ما نحتاجه من خـبز وحنطة.

1 : وحتى أن تـم تكـليف رجـل آخـر غـيـر الخازن ، فبيـت المال ،، لا شــيئ بداخــله.

2 : هـــا!! لا شيئ بداخله؟! (ينتبه) و... ، ومـا أدراك أنــت؟

1 : أسـمع أيـها الرجـل ، لقد اعتاد خازن بيت المال أن يستـلم الأموال من القصر ، وكان الخازن يأخذ تـلك النقـود الكثيرة ، لمكان لا يعـرفه أحد ، كي يحـصــيها ويتـأكد من صـحة عـددها وقيــمتها.

2 : ثــــم؟

(يتحلق الرجال من حول رجل1 شيئا فشيئا).

1 : في تلك الأثناء ، أصيب الخازن ، فالمال المعهود إليه حينها ، لا يعرف مكانها إلا هـو،، لذلـك تجد بأن الدولة مهتمة بل وحريصة على علاجه الخازن وشفاءه ، وهذا طبعًا كـي يـدلهم على المـال المخــبأ.

2 : هذا يعـني... ،، هـذا يعـني ، بأن لا مجال الآن لصرف تـلك المعـونة الموسـمية لــنا.

1 : صدقــت.

2 : ومــا العـمــل؟

1 : يقال ، بأن خــازن بيت المال ، قد اعـتاد على دفن المال في مكان ما في المديـنة قبل صرفها على مستحـقـيها ،، كي توارى بعـيدًا عن أعيـن الطامعـين ومنال اللصوص ، فأنت تعلم كثيرًا ما نهب بيت المال سابقـًــا...

(موسيقى ترقب ، تتعالى شيئا فشيئا ، مع إضاءة حمراء)

فالمال أيها الرجال ، مدفــون الآن في مكــان مــا في المديـنة.

(إظـــــــــــــلام).



* المشهد الرابع.

(أصـوات النـاس تتعــالى ، من الهمـس إلـى الصــراخ).

- يشــاع بأن أمـوال بيت المال ، مدفــونة...

- يقال بـأن أمــوال طائـلة موجـودة تحــت التــراب...

- أعـــلمت؟ هناك كنـز كبيـر ، مدفون تحـت المديـــنة.

(نسمع صوت المعاول والمجاريف تحفر بالأرض)

(يفتح المشهد على رجال كثر ، وكأن أصابهم جنون الطمع والبحث في الأرض ، منهم من يحفر يده الأرض ، وآخر بمعول وهكذا)

(شيئا فشيئا ينتبه الرجال لبعضهم البعض ، يتبادلون نظرات الترقب ثم التحفز ثم الاستعداد للإقتتال فيما بينهم)

(إظـــــــــــــــلام)



* (المشهـد الخامس).

(فــي دار الـــــوزارة).

و : أي جـنون هذا الذي أصاب أهالي المدينة؟ وأي خطب قد جرى عليهم؟ حفـر قـد مـلأت الطـرقات ، فبالكــاد يمـر موكـبي ، ما الـذي يجـري هـنا؟

ط : ســيدي ،، يشـاع بأن كـنز مدفــون فـي المديــنة.

و : قد سمعنا بمثل هذا ، أي شائعة تلك قد أخذت بعـقول الناس ولبّهم ،، إن استياء ملكنا المبجل... كبير وشديد ، وهـو يعـنـفنا جراء هذا ، فبماذا يكون ردي؟ أعجـزت من أن أمسـك بزمـام الأمــن هــنا؟!

ط : أبقاك اللة على أمن البلاد ورؤوس العباد ،، أتعلم يا سيدي ، لقد أصبح ســعر المجراف ما يعــادل قـيـمة عشـرة سـيوف (أو أسـياف).

و : أتـى خادمي إلي باكرًا ليوقظني ، كي أنظر إلى حديـقة قصـري ، لقــد... ، لـقــد مــلأتــه الحـــفر.

ط : وكذلـك بيــتي وقصــر الخــازن أيضـًا.

و : سحـقــًا للحكـم وللسـلطة أيضـًا ،، أيعـقل هذا؟! طفل صغير أحـمق ، استطاع أن يقـلب علينا موازيـن الســلطة؟ فقـط... فقـط لأنه مر من أمام... موكـب وخيـل الخـازن؟! (يتأمـل) لقــد علــّـمنا ذلـك الطفـل الغـريب ،، كــم إن الحكـم واه ٍ وضعـيف.

ط : أطـال اللة في عمـر الوزيـر ، فعـندي لك خـبر ، لربـما يشـفي غـليـلك.

و : ومــا هـــو؟

ط : قبل أن أدخل على جنابـكم ، رأيت الحرس ممسكيـن بأحد عامة الناس ، وهم يقتادونه إلى حضرتــكم.

و : مــن عـامة النــاس ، وإلى هــنا؟ لا يسـمح مـزاجـي لـذلك الآن؟

ط : يقـال بأن الرجـل هـذا ،، هـو مـن روّج لـتـلـك الشــائــعة ، شائـعة الكـنز المدفون.

و : أمتأكــد أنــت؟ وأيــن هــو؟

ط : فــي الخــارج يا ســيدي.

و : لتدخــلوه الآن كي أنــظر لذلــك الأرعـن.

ط : (يصـرخ لناحــية) ليدخـل ذلـك المحــتال.

(يتـم دفـع رجــل1 إلى حضرة الوزيـر ، الرجل ممزقـة ثيـابه وأثـر الضـرب بـاد عـليه).

و : أنـت من روّج شائــعـة الكـنز المدفــون إذن.

ط : (بعجالة يرد ، وهو ممسكـًـا بقوة برجل1) هـو يا سيدي، هـو، ومن يكون غيره، فهو لا يستـطيع أن يصرّح بهذا ويعـترف به ويقر، فهو يعـلم جيـدًا مغـبة فعـلته الحمقاء تـلك.

و : إذن اغمسـوا جسـده بالعـسل الحلو، ومن ثم ضعوه في صندوق محكم، وضعـوه معه عـدد كبيـر من النمـل المتوحش الجائع، وبعـد يوميـن لن يجهد الحراس في حفـر حفرة، فالمدينة الآن مستعـدة بلهف لابتلاع الأجساد النتـنة، بسـبب كثرة الحفر الذي سببه لسانك أيها الأخرق،، خــذوه.

ط : سيــكون العــسل على حســابي (يــجـر رجـل 1) ، هــيا.

1 : سيـدي الوزيـر ، سيـدي الوزيـر ،، لا بأس في مـوتي ، لكن أرجــوا منــك ســماعي.

ط : هــيا أخـرج أيـها المحــتال.

1 : سيـدي الوزير ، اسمعـني ، لقد كنت متعـمدًا في فعـلتي هذا ، وهذا لحبي الشـديـد لكـم وخـدمتـكم يا ســيدي.

ط : قـلت لـك أخـــرج ، هـيا ،، فالنمـل منتــظر عـــشاءه.

1 : سيـدي الوزيـر، لقـد أشغلت الناس بأمر الكنز، كي لا يتنبهوا لأمركم، فعلت هذا كي أصـل لك رغـم الضـرب المبرح الذي نلته من جنودك،، فأنا الوحيد الذي يستـطيع شــفاء الخــازن.

و : تمهل أيـها الطـبيب ، ودع الرجـل يتحــدث.

1 : نعــم ، نعم ، دع الرجــل يتحــدث.

ط : سيدي الوزير، هـذه ليسـت سـوى إلتـفافة منـه ودهاء لينجـو بفعلته، كي يدرأ عن نفـسه الأذى ويقيـها شـر العـقاب، فهـذا الرجـل ماكـر.

و : (باهـتـــمام لرجــل1) مــاذا كـنت تقـول؟

1 : أستـطــيع شــفاء خـازن بيت المال.

ط : (بشــك) وما أدراك أنـت ممـا يشــكو مـنه الخـازن؟

1 : الأخـبار لا تخــفى على أهــالي المديــنة، ولا عـن مسـامعهـم، فمدينتـنا صغيرة.

و : تحـدث لي الآن، ما شأنـك ، ومــا وراءك؟

1 : أطال اللة في عمـر الوزيـر، وأمده بنعمة منه وكرمه، سيدي، إن الخازن الآن لا يزال كالطفل، وأستـطيع تربـية هـذا الطفـل بالطـريقة التـي تسـر سـيدي الوزيـر.

و : أفــصــــح.

1 : عقـل الخـازن أشـبه بالصفحات البيضاء (يؤكد) حتى الآن، وأستطيع كتابة ما يمليه علي سـيدي الوزير على تلك الصفحات الخاوية،، سيـدي الوزيـر، إجعـل مني دواتك وحبرك، وأنا بدوري أكتب لك ما تشـاء، سأجعـل من الخازن رجل يصاغ بالطريـقة التي تريـدها وتأمـلها،، فهـو خازنــكم،، خازن أمركـم، ومسـتودع أسراركم يا سيدي الوزيــر.

و : وإن أخـــفـقـت...

1 : لـك عنــقي، فــأنا عـلى عـلم بهـذا جيــدًا، ولكــن... إن نجحــت؟

و : سـيـنالك الخيـر، الخيـر الـذي يجـعـل منـك ومـن أبنـائـك من بعـدك في سعـادة ويُسْــر وخــيــر.

1 : بارك اللة لنا في سيدي الوزير، ولا حرمنا من عطفك وكرمك، لكن...، لي شرط صغـيـر، وهـو....

ط : (مقاطــعــًـا) لا شــروط أيـها المحــتال الماكــر.

و : مـا هـو شرطـــك؟

1 : تأتـون بالخــازن إلى حيـث أكـون،، في بـيــتي.

ط : بيـتـك !! لا ، فهـذا مسـتحــيـل.

1 : يجـب أن يكون في بيـتي ، أطلب من الملك أن يهبني الخازن، ولا بأس لو رافـقته الحراسة المشـددة معـه، قـل للملك المبـجل، بأن رأسي ضمان لـه، وشـفاءه ضـمان لي.

و : (يفكـر)... لــك ذلـك،، ولكن بأي صفة أقدمك للملك، هل تعرف شيء بالطبابة؟.

1 : (بفــرح وحــماس) لا سيدي، لا حاجة لنا بالطبابة مع حالة الخازن، بل سأكــون...، سأكون أنــا العـــرّاف.

(إظــــــــــــــلام).



* (المشهـد السادس).

(مشهد كوميدي صامت)

(تفتـح الإضاءة كبقـعة ضوء على الخازن وهو معـصوب الـرأس، الخازن جاثـيـًـا على ركبتيه).

(تبدأ أصوات قرع الطبول والدفوف ، الإيقاع أشبه بالزار)

(يدخل رجل1 والذي أرتدى ثياب أشبه بثياب العرافين والدجلة)

(رجل1 يدور حـول الخازن وهو ممسـكــًـا بمبخـرة وهو يرقـص).

(إظــــــــــــــــلام).



* (المشهـد السـابع).

(الوزيـر والطبـيب ينتـظـران بقلق أمام باب موصد وأثنيـن من الحرس يقفان على البـاب).

(وهنـاك دمية لرجـل عجـوز جالس في ناحية، وهو مبعوث الملك، الرجل الدمية يتكئ على عصـًـا، ثياب الدمية فاخرة).

و : (يهـمـس) أنــظر، أنــظر مـاذا أرسـل إلـينا المــلك؟ (للدمية)

ط : نعــم يا سـيــدي الوزيـر، أعــلم هــذا.

و : قد عـلم الملك بموعـد شـفاء الخازن اليوم، وقد أرسل لنا مبعـوثـه، ولكني... لكني لم أذكر بأني قد رأيته قـبل هذه المرة،، من عساه أن يكـون يا تراه؟!

ط : أنا مثـلك تمــامــًا يا سـيدي، فلـم أره قبلا ً،، أتعلم يا سيدي، أنه مبعوث الملك.

و : أعـلم هـذا يا غبي،، إذهـب واستطـلع لي أسمه ومن يكون هو تحـديدًا، هيا تحـــرك.

(في تـلك الأثـناء ، يفتح الباب، ويخرج رجل1 ومعه الخازن، والذي بـدى متجهـم الوجـه، وكأنــه لا يفـقــه شـيء ممـا حـوله).

(يهــرع للخــازن كــل ٍ مــن الوزيــر والطبيـب).

و : حــمـدًا للة على سلامتـك يا صديــقي خـازن بيــت المـال.

الخازن : وعــليــكم الســلام.

ط : ســيدي الخـازن؟! ما شـاء اللة أراك بصــحـة جـيدة.

الخازن : نعـــم ،، بصحـة جـيـدة.

و : كيـف حـالك الآن أيــها الخـازن؟

ط : نعــم ، كيـف هي حالـتــــك الآن؟

(الوزيــر يأخـذ رجــل1 ويشـده بقـوة لـناحـــية).

و : مـا الـذي فعـلــته؟ لا أرى بأنـه، وقــد تحـسـنـت حالــته !!

1 : بل العـكـس تمـامًا يا سـيدي، أنتـظر قـليلا ً وسـترى، فالعـلاج لـم ينـتهـي بـعــد.

و : لم ينتـهي بعـد؟! سحـقــًا لك،، لقـد أرسـل الملك مبعـوثــًا له، كي يطلع بدور ما قد جـرى واسـتجـد على أمـر الخـازن.

1 : (بثـقـة) وليـكـن،، اطمأن، سـتـرى بعـد قـليـل ما يدهـشــك يا ســيدي.

و : أسمعــني جيـدًا ، إيـــّـاك اللعـب معــي، أفهــمت؟

1 : لا تنـسى يا سيدي بأني وهـبت لك رأسي مقابل شــفاء خـازنكم،، دع الأمر لي، ولا ترتــاب، أنتــظر وســترى.

ط : (يتقدم نحو رجل1 والوزير وكأنه يخشى رقيب، يخاطب رجل1) لا أرى من أمرك أيـها المحـتال سوى المكـر والخـبث والغـباء،، ومع هـذا فـقـد عملت حسابي لأي طارئ.

1 : أي حــساب هـذا الـذي تعـنـيه؟

ط : (يخـرج من جـيـبه زجاجه صغـيرة) لقد أحضرت معي العسل، كي تتذوقها جموع النمـل الجائعـة، ستتـذوق هـذا العـسـل ومع لحـم جسـدك النجـس.

1 : لا تتسـرع أيهـا الطبيـب بالحـكم، فالدبابيـر ستـسـبـق النـمل لهـذا العـسـل.

ط : (يخاطـب الوزيـر وهـو حيـران) هـا!! مـاذا يقـصـد هـذا المشــعـوذ؟!

1 : ما أهـيـن قول ما لا يُـفهـم، وما أعسـر الذي يُـفهـم،، لا تتعجـّـل أيها الطبيب في طلب الجـواب، فالجــواب سـيأتـيـكم.

(إظــلام جـزئي، بقعة ضوء على رجل1 والخازن، الخازن يجلس على كرسي، ورجل1 يقـف خـلف الخـازن وهو ممسـكـًا برأس الخازن، موسـيقى صاخبة تتعالى، الخــازن يتــألم شــيئــًا فشــيئــًا، ثم صمـت مفاجـئ).

(بقعة ضـوء في ناحـية، - خيال ظل - نجـد طفلا ً صغيرًا يلعب وهو يمتطي ظهر حصان خـشـبي ، ويتأرجح عـليه).

(ينـتبه الخـازن لذلـك الطفـل، الخـازن يقـف شيـئـًا فـشـيـئـًا، يتـوجـه للطفـل).

(إظـلام ،، تـفـتح الإضـاءة عـلى الخـزن).

الخازن : كان لي موكب مهـيب وجميل،، كنت كالملك على صهـوة جواده،، يا إلهي،، ما أجـمل الناس وهي تصطف على جانبي الطريق وهي تحيي وتلوّح لي،، هنا وهنا،، أني أتبخـتر (يؤدي حركـات وكأنه على صهوة جـواده، وهو يحي الناس) وكأني سيد هذه الأرض،، ها!! أتراني وقـد أصبت بالغرور؟!! ولم لا ، لا بأس بالغرور بجانب المال والجاه،، إسعـد يا جوادي، فهنيئـًـا لك وجودي على ظهـر هذا،، واعلم أيها الحيوان، بأن رقاب الناس تحسدك على هذا الفـضل، فـبود الجمـيع أن يكون مكانك،، (يخاطب الجند من خـلفه) أيها الحرس والفرسـان ، لنعجـّـل فـي المسـيـر قـلـيلا ً.

(إظـلام عـلى الخـازن ،، تـفـتـح الإضـاءة على رجــل1 فـقـط وهو يبحث عن ولده).

1 : (ينـادي) بني ،، ولـدي ،،

(بارتباك وهو يبحـث في المكان بهلع وكأنه يخاطب من حـوله من أنـاس)

عـفـوًا أيها الرجـل،، هل أرأيت صبيـًـا صغيرًا يرتدي ثياب خضراء؟ لا، أشكـرك،، (يتوجـه لسيـدة) أيتها السـيدة، هل رأيت صبـيـًا صغـيـرًا يرتدي ثيابـًـا خضــراء؟، لا،، (يتحـدث لنفـسـه) أيـن يكـون قـد ذهــب يا تـرى؟

(إظــلام على رجــل1، وتـفـتـح الإضـاءة على الخـازن).

الخازن : (يتحــرك وكأنه على جـواده ، ثم ينـتبه) ها!! ما هذا الشيء الأخضر الصغير الذي يتحـرك باتجاه موكـبي؟! ما عسـاه يكون؟! ها!! طـفل!! (يصرخ) لا لا ، ابعـدوا هذا الطفل من أمام موكـبي، ستـدهـسه حوافـر الخيل، ابعـدوا هذا الطفل من أمـام موكـبي.

1 : (ينـتـبه، وكأنه انتبه لوجود أبنه أمام موكب الخازن) ماذا؟! ابتعدوا عن طريقي، دعوني أبعـد طفـلي عن طـريق الموكب،، ابتعـدوا علـيـكم اللـعـنة.

(الخـزان يسـحـب لجــام جــواده بقــوة).

(صــوت طــفـل يصـــرخ) : أبـــي.

الخازن : لا (ثـم يــسـقــط).

الخازن : (ينـهـض شــيئـًا فشــيئـًا وهو يضع يده على رأسه من جرّاء السقطة) مــاذا؟! أكـان ذلـك الشيئ الأخضر... هو أبنــك؟!

1 : (بحــزن وهو جاثي على ركبـتيه) الجميع كان ينظر مهابة موكبك، لم يهرع لطفلي أحد، وكأنه كان مجرّد فأر دهـسـته حوافـر الخيل،، لم يرغب أحد في أن ينتـبه إليه،، فجنودك وحراسك وخدمك والناس جميعـًـا كان منشغلين بأمرك، وبقيت أنا أصرخ وأصرخ لطـلب النجـدة،، كان طفـلي يموت وهو بيـن ذراعي، كان يشـهـق ويشـهـق، كان الـدم ينـبعـث من فمه كالميـزاب، لفـظ أبني أنـفاسه وهـو تحت ناظري وبيـن ذراعَـيْ،، (يقــف) أتعـلـم...، أتعـلــم أيها الخــازن أين تكـون السخــرية؟

(الخــازن لا يـــرد).

1 : رغم أني كنت محـتضنـًا ولدي والألم يعتصر قلبي ، أرى عيون موكبك وهي ترسل لي نظرات الاحتقار واللوم والاتهام، كان ولا بد وإنهم سيلقون القبض علي،، حملت طفـلي وهـرعت به إلي حيث لا هدي، حملته وأنا أركض باكـيـًا، حزيـن،، لكن...، لكن الخوف قـد تملـكـني،، (يضحـك) والغـريب بالأمـر، بأني كنت أجري بين الطرقات حاملا ً طفلي القـتيـل، وأرى الناس وهي تجري باتجاهي،، كنت أحسـبهم سيهـبّوا لنجدتي، لكن ما أن يصـلوا إلـيّ، حـتى يتجـاوزننـي، هذا كـي ينـظـروا إلـيـك ويستـطـلعـوا حالتــك.

الخازن : إن كنـت ساخطــًا علي هـكـذا، فلمـاذا إذن عملت على شفائي؟

1 : (بانـفعــــال) لتــنال عـقــابك وأنت تدري.

الخازن : عـــقابي!! يبدو لي بأن جزاء شفـائـك لي وصنيعك معي، قد أغرك وتحامـقت وجعـلـك تتجـرأ عــلى أســيادك وتتجـاسـر أيها الدنــيء.

1 : أتـراك لـو إنـك لـم تصـب حــيـنها، مـاذا كنـت ستـفعـل بـي، رغـم قتلك لطفـلي؟

الخازن : هـــا!! كــنت...، كــنت...

1 : قل ولا تخف، فأنت الآن الخازن الكبير،، لكنت أنا الآن قابع في غياهب السجن، أولسـت محـقـًا في هـذا؟ ألسـت محـقـًا في إنك سـتهبـني لجلادكم وتعهدني إليه؟ ألـســـت محـقـًـا في أن أكـون من المنسـييـن في معاقـل الظـلـم؟.

الخازن : (باسـتـعـلاء) أسـمـع أيها الرجل،، نحن نتعاطف معـك الآن، ولك عـزائـنا بمـوت طفــلـك.

1 : (بانفعال) بــل بـقـتــل طفــلي.

الخازن : (باسـتـعـلاء) قـتـل بالخـطأ، فلا دخـل لنا في ما أصابه، (بحـدة) فليس لك منا سـوى ديــّـة المقـتـول، بجانـب امتـنانـا لنجـاحـك فـي شــفائـنا.

1 : (بغـضـب) لن تغـنـني ديتـكم هـذه وأموالـكم تلك التي جنيتموها من بيـت المال بغـيـر حــــق.

الخازن : (بغـضـب) يا لك من مغـرور أحــمق.

1 : يجـب أن تمـوتوا جميـعًا يا مواكــب المــوت.

الخازن : مواكــب المــوت؟!

1 : مواكـب الشـؤم ، كـنـتـم تسـيـرون بــه إلـى حـتـفــكم.

الخازن : (يـضحـك) لا لا ، بـل كــنا نسـيـر به من عـلــى جـماجــمــكم.

1 : خـسـئت أنـت ومالك من سلـطان، فـلا تخـلوا جـيادكم ولا هـي بمعزل عن الكـبوات، وقد كانت كبوتكم هـذه عبر طفلي المـقـتول،، وستـرى بأن القدر جعل مني القاضي والجلاد عـليـكم،، وسينـالكم مـني ما لم تســمعـه الأذان، ولم تتخـيله العقول الساخـطة.

(رجل1يهـرع إلى الدمية وهـو يبكي)

رجل1 : سيدي مبعوث الملك ،، أرأيـت ذلـك يا سيدي؟ ها هم قتـلة الناس،، ها هم يا سيدي من قـتـلوا ابني.

رجل1 : إن كنت قاضيـًـا ، فاقضي بالعدل، وإن كنت جلادًا فأقـم عليهم الحد.

رجل1 : سيدي،، لقــد قـتــلوا أبـني،، لقد افـتضح أمرهم، وبانت سرقتـهم لبيت المال، وإن خـزيهـم لعـظيم،، لقـد كشـفـتهـم يا للعدالة يا سيدي، ألا يكـفي، وستقـدمهم بـدورك للـمــلـك،، والعامة أيضا، لا بد من أن أهل المدينة أن يعرفوا عدلكم.

(رجـل1 ينـكـب على قـدم الدمية ليقبلها)

(تسقط الدمية)

(موسـيـقى حزيـنة).

(ثم يهرع رجل1 لحمل الدمية من على الأرض)

رجل1 : سليمة يا سيدي، سليمة ان شاء اللة، امسك يدي لأساعدك على النهوض، هيا هيا يا سيدي.

(رجل1 ينتبه لعدم استجابة الدمية لمطلبه)

رجل1 : سيدي ، ما لك لا ترد؟! سيدي المبعوث...

(رجل1 يحمل الدمية ويجلسها على الكرسي)

رجل1 : (يهذي) سيدي، قد فضح اللة أمرهم، وأيدنا بنصر منه،، فهؤلاء هم أركان الفساد، وأعمدة القهر والظلم على العباد...

(الجميع يتطلع لرجل1 يتحفز)

رجل1 : فهم... فهم يا سيدي من السرقة وتجبـّر وقتل...، لتأمر بالقبض عليهم يا سيدي، لتأمر الحرس بذلك، أسرع يا سيدي قبل أن يهربوا...

(صمت وترقب من قبل رجل1)

رجل1 : لماذا لا تأمر؟ لماذا لا تتكلم (بانهيار)؟ أتريد أن آمر الحرس بدل منك بذلك؟ ها؟ أتريد ذلك يا سيدي؟

(يبدأ الوزير والحرس والطبيب بالسير الواثق نحو رجل1، والذي بدا خائفـًا من نظراتهم الانتقامية).

(ترتفع الدمية لأعلى تدريجيـًا حتى تستقر في الأعلى أمام أعين الجمهور).

رجل1 : أنا لا أستحق الموت بسبب هؤلاء، الموت قادم نحوي، أرى رايات القهر ترفرف عاليا ، أنها تدعوني، ها هم مواكب الموت،، ها هم قادمون،، فأنا...، فأنا خائف، خائف جدًا.

(في تلك الأثناء ، تهبط سيوف من الأعلى لتستقر فوق رأس رجل1)

(تنزل أصوات حوافر الخيل وهي تسير، وكأنها تسير عبر موكب ، الناس تهلل وتمجد).

(يتم تطويق رجل1 من قبل الطبيب والوزير والحرس والخازن).

(إظـــــــــــــــــــلام)

(تـنـتـــهـي المسرحــــية).

* * *












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 10:01 AM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

صخرة العبور / مونودراما
محمّد حامدي

(يبتدئ العرض بموسيقى تصويرية تصاحب صوت الأمواج والرياح .. يفتح الستار على منظر بحري تتوسطه سفينة شراعية وبها شخص في حركات متصلة .. منهمك في ترتيب شيء ما)

غـــربي : (ينادي) أينك يا شرقي ؟ نكس الشراع قليلا .. الريح أصبحت عاتية .. (صارخا) شرقي .. نكس الشراع وكف عن اللغط .. السفينة لم تعد قادرة على مواجهة هذه الريح العاتية .. البر لازال بعيدا .. سنضيع يا شرقي إذا لم ينكس الشراع .. السفينة تتألم تحت ضربات الرياح وتدافع الأمواج .. لقد ابتعدنا عن البر الجنوبي كثيرا .. والبر الشمالي لازال بعيدا يا شرقي .. ستأكلنا الأمواج واحدا واحدا في عرض هذا البحر الغاضب .. (يصعد ويسحب منظارا ويراقب) الرؤية منعدمة تماما .. الظلام شديد .. نعم يا شرقي .. قدرنا هروب من ظلام إلى ظلام .. قدرنا الانفلات من حيتان إلى حيتان .. لا تهن يا شرقي .. لقد ابتعدنا عن الحيتان البرية .. وسننجو من الحيتان البحرية إذا نحن أحسنا قيادة السفينة .. الأمر بيدنا الآن يا شرقي .. موتنا وحياتنا بيدنا الآن .. كلما أحكمنا قبضة الشراع ضمنا النجاة.. لن تدوم العاصفة طويلا .. إنه مجرد امتحان .. لا تهن يا شرقي .. إنها ضريبة المغامرة .. يهون الجوع .. يهون كل شيء في سبيل الوصول إلى بر الأمان .. (ينزل وينظر إلى أرضية السفينة) الماء يتسرب من جوف السفينة .. هيا لنسد جميع الشقوق والمنافذ .. لا تهول الأمر أكثر .. إنها شقوق صغيرة .. نستطيع التغلب عليها بسرعة.. إنها لا تشبه الشقوق التي تركناها من ورائنا .. (يشرع في سد الشقوق) .. هيا يا شرقي هذا ليس وقت ندب وبكاء .. أنت الذي اخترت وقررت .. لا تكن ضعيفا .. كن في مستوى المغامرة .. أنت الذي اخترت أن تكون مغامرا .. (يرتفع صوت الأمواج والرياح) اثبت يا شرقي .. تسامى فوق صوت الأمواج .. لا تستسلم بهذه السهولة .. قاوم .. صارع .. (يفقد توازنه ويتشبث بالصاري) لا تستسلم للسقوط الأول .. يجب أن تسقط مرات ومرات قبل أن تموت .. كن كالشجرة التي تموت واقفة .. مت واقفا باسمك وباسمنا جميعا .. (يصعد ويسحب المنظار ويراقب) .. أبشر يا شرقي .. الأمواج تدفعنا نحو الجزيرة .. قاوم أكثر لم يعد يفصلنا عنها إلا بضعة أميال .. (ينزل ويمسك بالمجداف) سنجدف قليلا نحو اليمين .. هيا .. (بصراخ) لا يا شرقي .. قلت لك نحو اليمين .. السفينة لا تستطيع السير نحو اليسار .. انتظر يا شرقي .. لا تجدف بهذه الطريقة .. ستضيع السفينة بين اليمين واليسار .. (يرتفع صوت الأمواج والرياح يتكسر الصاري) ماذا يحدث هناك يا شرقي؟ (بصراخ) السفينة تتخبط بين اليمين واليسار .. السفينة لا تتحرك ولو شبرا واحدا .. الأمواج تلامسني أكثر .. شرقي سد الشقوق .. لقد ضاع مني المجداف .. السفينة تغرق .. الأمواج تغمرنا شبرا شبرا .. ضاع كل شيء يا شرقي .. رد علي يا شرقي .. أينك يا شرقي ؟ .. لا تتركني لوحدي في عرض هذا البحر .. أرجوك انهض وتابع .. سنبحر إلى الجزيرة ولو على ألواح هذه السفينة .. شرقي .. شرقي .. (يتوجه نحو مكان شرقي ويفاجأ بعدم وجوده) أين أنت يا شرقي ؟ (يطل برأسه خارج السفينة يندهش) لا تستسلم يا شرقي .. تمسك بذيل السفينة .. (يأتي بحبل ويلقي به صوب شرقي) امسك الحبل .. مد يدك وتشبث بالحبل .. سأنقذك يا شرقي .. لا تيأس .. (يلقي بالحبل مرة أخرى) ها هو الحبل .. التقطه أرجوك .. المغامرة مازالت طويلة .. التقط الحبل .. ضاعف جهدك أكثر .. أرجوك (يتيقن من غرق شرقي) أرجوك شرقي .. (ببكاء) لم نتفق على هذا يا شرقي .. لا لا تمت بهذه السهولة .. لقد خضنا هذه المغامرة حتى لا نموت على البر بسهولة .. فلماذا غيرت رأيك ؟ .. أهذه حقا هي سخرية القدر ؟ .. نهرب من الموت لنموت ؟ ما الفرق إذا بين أن نموت على البر وبين أن نموت في عرض البحر ؟ (يصمت قليلا).. أتفق معك .. فرق بسيط ولكنه مهم .. على الأقل نموت في البحر دفعة واحدة .. كما أننا لا نحتاج إلى قبر .. (يصعد ويسحب المنظار ويراقب) آه لو صبرت قليلا يا شرقي .. لقد وصلت السفينة إلى الجزيرة .. حقا إنه شعور غريب ينتابني الآن .. لماذا لم تنتظر يا شرقي ؟ لماذا توقفت عند الشعور بالموت .. لماذا لم تستمر حتى تشعر بما بعد الموت ؟.. كم أود يا شرقي أن تعود الآن وتحدثني عن شعورك وأنت تصارع الموت بين ضربات الأمواج الموجعة ... كنت أحس بذلك ولكن أنستني النجاة كل شيء .. تقييم المغامرة يا شرقي بالنتائج .. مع نهاية المغامرة يظهر سر وسحر المغامرة .. (هدوء نسبي لأصوات الأمواج مع أصوات طيور برية) أخيرا وصلت السفينة إلى الجزيرة .. ولكن أين الشط الآخر .. المغامرة لازالت في شوطها الأول .. كيف الوصول والسفينة قد فقدت كل مقوماتها .. والموت لازال يلاحقها إنه يريدني هذه المرة يا شرقي ..

(إظــــــــلام)

(إنارة .. منظر لجزيرة .. غربي يمسك قنديلا ويتفحص المكان.. ينادي)

غـــربي : هل من أحد ؟ هل من مساعد ؟ لقد فقدت كل شيء .. أريد ماء .. أريد خبزاً .. (يستسلم) لا أحد .. لم أعد أحلم بشيء .. انتهى كل شيء .. الأوهام تتناسل في جثة هذه السفينة .. والأفكار تتهاوى كما تتهاوى الصواري.. وهذا البحر يحاصرني .. ضاعت بوصلة العشق في وطن العشق .. أبحث عن بساط السندباد لأعبر الأسماء التي تتسكع في جوفها أوهام السفر .. (يطل على البحر) أراك يا شرقي وأنت تنظر إلى غربتي القاتلة .. أراك وأنت تحاول الهروب من غربتك .. باعتنا أوهامنا للتيه يا شرقي .. كم عشت يا شرقي قبل أن تموت ؟ أربعون سنة ؟؟ (بسخرية) أربعون سنة يعني أربعين وهْماً .. نعم .. تاريخنا يحسب بعدد الأوهام لا بعدد السنين .. (يتفقد المكان مرة أخرى) هنا في هذه الجزيرة فرخت الأحلام ذات وهم .. اسمع يا شرقي .. سيبكيك كل الناس .. سيبكيك كل الذين سيمرون من هنا يوما ما .. لم تكن أحلامك وهما .. بل أوهامك كانت حلما .. وحدك عشت في المنطقة العازلة بين الحلم والوهم .. (يصمت .. يحمل المنظار ويراقب .. يضحك) إني أختلس النظر إلى البر الشمالي الذي تتكسر عليه أمواج أوهام الجنوب .. أختلسُ النظر يا شرقي في غفلة من حراس الحدود وخفر السواحل .. أختلس النظر يا زمان العشق بالهوس .. أختلس النظر يا شرقي وأنادي يا زمان الوهم بالأندلس .. (صوت الرعد من جديد) ها هو الرعد من جديد يا شرقي .. الرعد غاضب .. الرعد يحرس البر الشمالي .. الجزيرة تتكلم لغة أخرى.. تتكلم لغة البحر المزمجر.. إنها لا تقوى حتى على حمل جثثنا .. (صوت رعد ورياح) انتظر يا شرقي .. أنا قادم إليك .. الجزيرة ترفضني .. سأحتمي بالبحر .. لن أموت بهذه السهولة .. جربت كل الاتجاهات .. سرت يمينا ويساراً .. جربت الشمال والجنوب .. لا فرق يا شرقي .. سفينتك تحولت إلى شبح .. هو ذا قدرك .. سيظل لحن جرحك يسافر نحو أعماق البحر .. سيظل لحن جرحك يتدفى بقشة حلم .. (صوت أمواج عاتية .. مخاطبا إياها) أيتها الأمواج .. يا مكمن الوهم بامتياز .. صوتكِ المبحوح يذكرني بذلك العشق المؤسس على ساق الجنوب العرجاء .. يذكرني بالعشق المتوغل فينا حتى نخاع الأفق الرمادي المفتون برقصة التاريخ الأحدب .. التاريخ المكتوب بلغة الوهم .. الوهم الذي ساقني إلى غربة هذا المكان .. (يقوم بقياس مسافة معينة بخطواته ثم يقسم المكان إلى منطقتين) هذه منطقتك يا شرقي .. وهذه منطقتي .. لقد كنت عادلا في القسمة يا شرقي أليس كذلك ؟ .. هكذا اتفقنا منذ البداية ؟ أنا لازلت عند وعدي حتى ولو أنك غائب الآن .. (يعود إلى المنطقة الأولى) هنا كنت تريد بناء صرحك .. نعم كنت أشعر بذلك عندما كنت تحدثني وأنت تمتطي أحلامك نحو المجهول .. (يبكي) المجهول.. الوهم .. (يصرخ) لم أكن منصفا .. لقد خدعتك يا شرقي .. لم تترك لي الأوهام فرصة لأعارض أوهامك .. لقد سايرت شعورك .. (يبكي ويتحسر) أنا السبب .. أنا السبب .. (صوت الرعد من جديد) لا تغضب يا شرقي .. هذه المنطقة ستبقى ملكا لك .. سأبني لك فيها مكان الصرح قبراً .. سأحمل كسورك في جوفي وأنبتها بعيدا عن تجهم السراديب والأسوار .. سأغني أوهامك من حد الابتسامة إلى حدها المجروح .. (صوت الأمواج) زمجري أيتها الأمواج .. حطمي فينا هذيان الانتظار .. كسري فينا صخرة الوهم .. أنا المعادل لشرقي .. أنا المعادل للرحيل .. للنشيد .. للوهم الجديد .. أنا قادم إليك يا صخرة العبور الأخير .. وكلي رحيل وحلم .. رحيل مخير بين الاحتراق والاحتراق .. (يشتد صوت الأمواج والرياح) في فوهة التيه الحمق ضاعت بوصلة العشق .. هذا جسدي في مهب الغنج.. يمتطي صهوة الموج والعرق الخاثر .. شرقي لم يكن إلا فرسا أو بساطاً للسندباد.. لم يكن إلا نفسا للبقاء.. ها نهن نعبر الأسماء أيتها الأمواج ونحترق.. نقتفي أثار موت يفني موتنا.. هكذا تتسكع فينا أوهام السفر.. ومجاديف صمتنا انكسرت.. انكسرت .. انكسرت.. لن أسقط حتى تبتلعني صخرة العبور .. لن أسقط أيتها الأمواج حتى تبتلعني صخرة العبور ....

النهاية//












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 10:06 AM   المشاركة رقم: 19
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

اللعبة القذرة
حامد الزبيدي

*الشخوص- الاب ، الابن .

المنظر: غابة بدائية في عمقها كوخ من القصب ،يحرسانه كلبان وحشيان، دمى ، قردة فوق الاشجار قسم منها بلا رؤوس ، واشباح خلف الكوخ، تنظر الى الامام بعيون شاخصة، وفي الوسط عصا مغروزة في الارض وعن بعد صخرة كبيرة يعتليها قرد مقطوع الرأس، يجلس بجوارها رجل طاعن في السن ، موجها قدميه الى الامام بلا اكتراث وفتى يافع منشغلا بلعبة العصا والحجر.

الابن : (يرفع الحجر ويضعه برفق فوق العصا ثم يسقط) متى يستقر الحجر؟

الاب: كفاك لعباً. ان العصا لا يستقر فوقها الحجر.. ابحث عن شيء اخر.. فكر، فكر، الان البرهة تمضي بلا معنى.

الابن: دعني احاول.. عسى ان يستقر الحجر وانتج البرهة.

الاب: ان البرهة لا تنتجها انت انما هي التي تنتج نفسها من خلالك . هذا ما قاله لي ابي.. فهل تفعل ما فعلت انا؟

الابن: اجل يا أبتي.

الاب: ستخسر كثيراً ، وتجلس هنا منكسرا، وتقول لا داعي ان نكون او لا نكون لاننا لا نصلح ان نكون.

الابن: انا لم أيأس ولابد ان اكون.

الاب:هذا ما قلته بالأمس لأبي… (ينهض من مكانه) يوم ما كان جالساً في هذا الكوخ( يشير الى الكوخ) ويشيد قصوراً من الاجر في ذهنه وانا كنت اجلس بجانبه، استمع الى هسهسة الريح في القصب.

الابن: (يكمل) وحين كنت تنام ،ينساب اليك ثعبان ابتر يتوسد جنبك(يضحك) لقد حفظتها منذ زمن بعيد… والبرهة تبتلع الكوخ.

الاب: وانا اقاوم ،اقاوم ولم ابع جلدي للدباغ وابحث عن بغل يحمل عني اثقال اخطائي.

الابن: (يركض مشدوداً الى جانب الكوخ) أبتاه .. هل تسمع..؟ اني اسمع اصواتاً غريبة تشبه العواء، تنبعث من خلف الكوخ او من عمق الغابة.

الاب: انا كذلك، كنت اسمع ذلك في ما مضى اما الان ماعدت اسمع شيئاً.

الابن: الم تكن تلك الاصوات نذيراً بالشؤم؟ انني؟ شعر بهاجس الرحيل يرافقني.

الاب: لا تخشى الرحيل.. انه يتربص لنا في كل حين.. عد للبرهة واشغل نفسك باللعب او فكر بالتغير.. فأنا ما عدت احتاج لشيء سوى التأمل بالنفس في مراة الروح.

الابن: (كالمجذوب) اني رأيتها بالامس.. مخيفة مثل الغول.

الاب: (داخل الكوخ الذي اصبح يشبه القبر) وهل كانت تدور في قبرها المهجور؟

الابن: اجل يا ابتي.

الاب: وتنطلق من امكنة مظلمة.. تبحث عن منفذ مضئ.؟

الابن: وتواجهها غرف مليئة بعقارب اوليغارشية.(يصرخ)

الاب: (ينفجر بصوته الاجش) تفر واجفة ، تطير بلا اجنحة… حين تلوكها البرهة الاخيرة.

الابن: اجل انها كذلك كما رايتها.

الاب: وانت تصرخ بنفسك.

الابن: (يثور) لم لا انفي نفسي بنفسي؟ واكون رمزاً للبدء.

الاب: تلك هي احلام فارغة.

الابن: انها احلامي ولا املك شيء سواها.

الاب: (يخرج من الكوخ) هراء، هراء تلك الاحلام… (ينشد) حين نموت، تخرج الروح من الجسد ..تسبح طليقة في الفضاء.

الابن: (ينشد) او تاخذ طريق الانتظار.

الاب: (يصحو) لا .. انها تتلاشا يا ولدي في فضاء العدم او.

الابن: (يقاطعه) تعبت ، تعبت ولا اريد المواصلة.. فقد ارهقتني العصا واتعبني الحجر.

الاب: متناقض انت كما كنت انا.. لتنكسر مراة الروح فيناء وتتبعثر في اعماق الجسد.

الابن: اشعر بثباتها..

الاب:سترحل يوما اما منسية او تدق باجراس الخلود فوق القمة.

الابن: انا اكره ان اكون شيئاً منسياً.

الاب: اياك وان تتخذ طريق الكهنة المفلسين الذين يتلون اناشيدهم (يختفيان خلف قردين مقطوعين الراس).

الاثنان: (كانهما قردين، ينشدان بترنيمة طقوس بدائية) لا يحافظ المرء على حياته الا بالمخاطرة بالحرية.

الاب: (ينسحب من خلف القرد) لا تسلك ذلك كولئك الذين جعلوا دروبنا المضيئة ردوبا سود.

الابن: الم يكونوا امتداد للبرهة؟

الاب: لا …انهم (يصمت).

الابن: ماذا.

الاب: وثنيون… و… و…

الابن: ونحن؟ هل مات الوثن فينا ام نبحث عن وثن اخر ؟ اونسمو بلا وثن.

الاب: من اين نسمو والغربة تسكن فينا؟

الابن: واولئك …اين رحلوا؟

الاب: على الرغم من افلاسهم بموت اخر الاوثان …لم يرحلوا ولم ييأسو .. بل غيروا اللعبة وشيدوا اوثان اخرى.. وانشدوا لها بملء حناجرهم.. عسى ان يظفروا بما فقدوا في ذلك المذبح العفن الذي يغص بالنذور المسلوخة والشموع وروائح البخور المقززة التي تنفذ من بين قضبان نوافذه.. والقبرة الملتاعة التي تشبه امي هائمة تبحث عن حبة قمح لأفراخها الجياع… شدت نطاق اليأس على صدرها بعدما فقدت كل ما تملكه وهاجرت وكنها… تبحث عن امكنة خالية من الوثن.. (يلتفت الى ابنه بحزن) تلك هي القبرة اسمى مني ، لانها لا تشعر بالموت الا بالموت.

الابن: (بانهيار) يا رمز الاستبداد متى نتحرر؟

الاب: كف عن الصراخ والانهيار فمهما عملت لن تنال الحرية.

الابن: لا … نحن احرار.. احرار.

الاب: هدء من روعك وأنظر الى نفسك ، ستجدها مكبلة بانواع الاصفاد والقيود.

الابن: يالها من حياة غريبة..كانها لعبتنا القذرة.

الاب: (يدير ظهره الى النظارة ..صوت تبول على الصخرة) يا ليتني أأكلها وارميها برازاً كما رمتني.

الابن: كل محاولات التغيرّ ولم تتغير.

الاب: لانها مكنسة وستكنسنا بلا استثناء.(يهم بالذهاب).

الابن: الى اين تمضي يا ابي؟

الاب: انهى المافون دوري وحان الحين لارحل … ولكن قبل الرحيل اود ان اطلعك على سر اللعبة التي ورثناها عن الاباء.. ان استطعت غيرها .قبل فوات الاوان .(يخرج)

الابن: (يدور، يتامل ،يقترب من الحجر يتركه،ثم يمد يده على العصا، يسحبها بقوة يخرجها من الارض، يرفعها الى الاعلى ، يرميها ثم تسقط على الحجر… يتزلزل المكان، يتهدم الكوخ وتسقط جميع الدمى من فوق الشجر.. وهو ينظر اليها بغرابة.

انتهت

اظلام












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2006, 10:11 AM   المشاركة رقم: 20
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.73 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الصدى
د. مجيد حميد الجبوري


الشخصيــات

حسب الظهور

الأم: أمرأة عجوز تبلغ الثمانين من العمر..

أم محمد: خادمة...امرأة في الخمسين من العمر ، تدل ملامحها على أنها أكبر من ذلك بكثير.

عبد الرحيم: رجل تعدى الأربعين بقليل، ملامحه حادة، يرتدي بدلة أنيقة، يعرج في مشيته قليلاً؛ تبدو عليه أثار تعب ناجم عن سفر طويل..رغم الرفاهية التي تبدو على مظهره ..إلا أن شكله غير مريح بالمرة.



ــ 1ــ

((غرفة جلوس قديمة؛ فيها أريكة ،وبضع كراس ،ومنضدة صغيرة..يتدلى من السقف مصباح

ضعيف النور...باب على اليمين ،يمثل باب الدخول إلى جانبه نافذة..باب على اليسار يؤدي إلى غرفة النوم الوحيدة...الوقت بعد الغروب بقليل ...عند رفع الستار تكون الأم جالسة على الأرض وبيدها مسبحة طويلة ؛وهي تهمهم بكلمات غير مفهومة....طرق قوي على الباب))

أم محمد،:- ((من خارج المسرح)) نعم أنـا قادمة ((يتكرر الطرق بقوة)) حاضر..أنا قادمة

((تدخل من الباب الأيسر،بيدها وسادة تضعها على أحد الكراسي، تسير على مهل... يتكرر الطرق مرة أخرى)) ((بضجر)) أوه..من يطرق بابنا في هذا الليل..أو من يسأل عن عجوزين وحديتين في مكان موحش مثل هذا ؟ ((يتكرر الطرق)) قلتنعم.. نعم ((تفتح الباب الأيمن ،يظهر عبد الرحيم واقفاً على الباب،ملثماً))

عبد الرحيم :- ((بحيوية)) مسـاء الخير ..يا أم محمد...

أم محمـــــد :- ((بتوجس)) مساء الخير ..نعم..مـاذا تريـد ؟؟!

عبد الرحيم :- يبدو أنك لم تعرفينني ...معك حق..فأنت لم تريني منذ مدة طويلة

أم محمــــد :- عفواً سيدي ...ولكني ــــ حقــاً ــــ لا أعرفـك !!

عبد الرحيم :- لا بد أنك نسيتني...أنـا عبد الرحيم...

أم محمـــــد :- ((باستغراب)) قلت مـن ؟؟!

عبد الرحيم :- سيدك عبد الرحيم!!

أم محمـــــد :- ((بدهشة)) مـاذا...سيدي عبد الرحيم....لا...لا..لن أصدق..لن أصدق....لن أصدق هذا أبداً.

عبد الرحيم :- ((يرفع لثامه)) وألان هل تسمحين لي بالدخول..إن لم يكن لديك مانع؟!

أم محمـــــد :- ((مرتبكة )) لا..لا..أقصد نعم.. أهلاً بـك يا سيدي... البيت بيتك...ولكن هذا غير معقول ((لازالت واقفة في مكانها))

عبد الرحيم :- ماهو ((غيرا لمعقول )) أيتها العجوز الخرقـاء ؟؟!

أم محمـــــد :- أنت...أنت ــــ سيدي ــــ عبد الرحيم تأتي إلى هذا المكان أخيراً ؟ لا أستطيع تصديق ذلك !!

عبد الرحيم :- صدقتي ذلك... أم لم تصديقيه....هـذا شئ لا يهمني..اعتبريني شبح عبد الرحيم !!

أم محمــــد :- شبح عبد الرحيم؟؟ !!...هذا ما يمكن أن أصدقه...

عبد الرحيم :- حسناً... مـادام الأمر كذلك ؛ فهل تسمحين لشبح عبد الرحيمبرؤية والدتـه ؟

أم محمـــــد :- (( يزداد ارتباكها )) لا...اقصد أجل..أيها الشبــــ...أقصد تفضل أيها السيد... ألهي.. إن هذا البيت لم يعد يطاق.... مصيبة فوق مصيبة...رعب على رعب.. متى ينتهي ذلك ياآلهي ؟؟!!

عبد الرحيم :- ياللمرأة الخرقاء ...ألم تكفي عن ولولتك حتى الآن ((تحين منه ألتفاتة،فيرى أمه))

((بهمس)) هيا..كفى عويـلاً..لا تحدثي أية ضجة..أريدها مفاجئة!!

أم محمـــــد :- لكن يا سيدي ..أنها...

عبد الرحيم :- ((مقاطعاً بصوت هامس ))لا تنبسي بكلمة...أنـا أعرف كل شئ، هيا، هيا أذهبي..

اتركينا معـاً..ولا تزعجينا بولولاتك التي لا تنتهي...

أم محمـــــد :- ولكني يا سيدي أخشى..انك لا...

عبد الرحيم :- ((مقاطعاً)) قلت: أتركينـا وأذهبي إلى أي مكان تريدين.

((يدفعها جانباً ويدخل ... يشمل المكان بنظرة تلتهم الأشياء الموجودة... يدورحول

الأم التي لا تعيره أي أنتباه...بينما تنسحب الخادمة ؛ خارجة على مضض))

عبد الرحيم :- ((مع نفسه))أيــهٍ يا مهد الطفولة.... أيــهٍ يا ذكرى بعيدة...ها أنــذا أعود ثانيةً..

أشياؤك الصغرى مـا زالت كمـا هي لم تتغير... لم يصبها شئ ؛ سوى تقادم السنين

((يلتفت نحو الأم)) وهي...كمـا هي...نفس الصورة التي فارقتها منذ ثلاثين سنة..

ـــ2ــــ

وجـه متجلد قاسٍ؛ يتحدى المآسي والكوارث والدموع..((بحيوية تامة يتوجه نحو

الأم)) مســاء الخيــر يا أمي ((لا يسمع سوى تساقط حبات سبحة الأم)). مسـاءالخير

أيتـها الأم العزيزة ...

الأم:- ((تنظر إلى الأمام ولا تعيره أهتما ما))

عبد الرحيم :- ((مع نفسه )) إنها تتجاهلني ـــ بلاشك ـــ .. لابد إنها تريد أن تعاقبني (( إليها ))

لقد كنت أنوقع ذلك ....كنت أتوقع هذه المقابلة الجافة منك ....

الأم :- ((لا جواب ))

عبد الرحيم :- لابد انك أنتظرت ــــ طويلاًــــ هذه اللحظة ... لحظةً أرجع فيها إلى هنا ، بمحض

أرادتي... فتبادرين لمعاقبتي .... أنا مستعد لذلك... فأنـا أعلم أن حضوري إلى هنــا

خطأ من أساسه... ولكني لست نادمـا على أي شئ....

الأم:- (( تعبث بحبات المسبحة ....ولا جواب ))

عبد الرحيم :- أتتوقعين إنني جئت لأعتذر؟.... أو جئت لأعترف بخطأ أرتكبته؟؟...كـــلا...أنت

تعرفينا أكثر مما نعرف أنفسنا... نحن أسرة خلقت كي ينهش بعضها البعض الآخر

دون خوف أو ورع ....بل دون مـا أي خجل أو ندم....وكثيراً ما سمعت من يناديني

يا سليل أسرة الأظافر والأنيـاب ،وكل من ناداني بذلك؛لم يجد نفسه ألاعلى فراش

الموت

الأم :- ((تهز رأسها بمرارة ))

عبد الرحيم :- لم أك حينها مقتنعاً بذلك...لكني ـــأخيراًــــ أقتنعت به...فـلا غرابة ـــ أذن ـــ في أن

تقابلينني بجفاء..... إلا إنني لم أك أتوقـع أنـك تملكين مثل هـذه القــدرة على تجاهـل

الآخرين....

الأم:- (( تنظر نحوه بوجه متجهم ))

عبد الرحيم :- أنت تفكرين بالثأر لأيام العز التي كنت تعيشينها ... هذا من حقك؛ ولكن دعينا الآن

من ذلك الماضي ، ولنتحدث فيمـا نحن فيه...إذ يبدو أنك على ما يرام .... وصحتـك

لازالت ـــ بحمد الله ـــ جيده ؛ وربما أفضل ـــحتى ـــ من صحتي...

الأم :- ((تتأفف بضجر وتستذكر مشهداً يجمعها بأبنها عندما كان شاباً))

ألا يكفيك ...ما يعطيك إياه أباك من مال... لم تسرق نعاج الفلاح المسكين ؟؟؟

عبد الرحيم :- لأنه مسكين...وهذا سبب كاف لسرقته... ثم مـا دخلك أنت ؟!

الأم:- ما دخلي أنـا؟؟... من أعطاك السلطة في أن تعبث كيف تشاء ؟؟

عبد الرحيم :- أنـا أعطيت السلطة إلى نفسي ولست بحاجة لتلقي الأوامر من أحد...

الأم:- ولكني آمرك ؛ بإرجاع نعاج الرجل إلى مكانها...

عبد الرحيم :- بأية صفةٍ تأمرينني ؟

الأم:- بصفتي والدتك ..

عبد الرحيم :- والدتي؟!.... هـه.... من قال لك أن تصبحي والدة لي ؟؟!

الأم:- لا تجدف يا ولد...

عبد الرحيم :- ولا تمارسي دور المربية ــــ معي ـــــ ياأمرأة

الأم:- يـالك من ولد عـاق....

[[ عودة إلى المشهد الرئيسي]]

عبد الرحيم :- (( بغضب)) أعرف مـاذا تريدين أن تقولي...أعرف...قوليها: لقد جاء

اللص.... جاء المجرم...جاء السفاح أخيراً

الأم :- ((تدير وجهها إلى ناحية أخرى ))

عبد الرحيم :- ((مع نفسه )) إنها تتجاهلني بالفعل... إنها تحاول أن تشعرني بضآلتي... إنها

تريد كسر كبريائي... ومع هـذا فهي محقة... علي أن أؤدي ـــ الآن ــــ حســاب

ـــ 3 ـــ

ثلاثين سنة من الحقد والغضب....عنيـدة هذه المرأة.... لكن لنر من منا أشد عناداً

من الآخر .... ((إليها)) أمـاه...ألم يكفيـك مـا تحصلين عليه من مـال ؟؟

الأم:- (( تهز كتفيها هازئة ))

عبد الرحيم :-(( بشئ من المزاح )) ربما كنت تريدين مـالاً أكثر كي تضمني لنفسـك زوجـــاً !

الأم:- (( تلتفت نحوه بحدة...ثم تهمس مع نفسها مستغفرةً ))

عبد الرحيم :- ((متمادياًً في مزاحه )) تريدين أن تتزوجي من جديـد ؟((يضحك بصوت مرتفع؛

ثم يتوقف حينما لا يرى أحداً يشاركه في الضحك ، مع نفسه)) أي قسوة وأي عناد

(( تتثآب الأم)) إنها تتثآب....يـاللعنة... إنها تتحداني هذه المرة بصورة علنية...لكني

سوف أثبت لهـا مهارتي في إزالة طلاء القسوة الذي تزين وجهها به (( معاتبـــاً ))

آمـاه ....لقد مضى مـا مضى... جفت الدمـاء وانتهى القتـل...صحيح أننا كنا عائلة

تحب القتــال لأتفه الأسباب ؛ لكن يجب الآن أن ننسى كل شئ..أنا نسيت كل شئ

ولم يعد يذكرني بتلك الأيام سوى طعنات الخناجر المحفورة بالجسد((صمت))

أتذكرين..كم ذرفت من الدموع من أجل تلك العائلة التعيسة (( الأم تهز رأسها ملتفتة

إليه بوجه متجهم )) حسناً انك تودين لو يلقى بي خارجاُُ ... هذا بالنسبة لي ليس شيئاً

غريباً..لقد تعودت على أن أبدو شريراً...وأن أعامل بقرف منذ نعومة أظافري...

هذا أمر تعودت عليه.... فهذا الوجه الذي لا أستطيع التطلع إليه في المرآة.. كان

مدعاة هزأ وسخرية لأخوتي؛ ولكني انتقمت لنفسي..

الأم :- (( تلتفت إليه بحـدة ))

عبد الرحيم :- انه السر الذي لا يعلمه أحد حتى الآن؛ لقد اسـتطعت أن أقضي عليهم ؛ يـوم كانـوا

عائدين فرحين ببيعهم حاصلهم السنوي... سبقتهم بحجة المرض؛ وتربصت لهم في

الطريق ثماني ساعات متواصلات في حقل الـذرة ـــ بـلا ــ حراك ، ثماني ساعات من

الترقب والحذر...ثماني ساعات لم أجعل أحـداً يشاهدني أو يشعر بي،وحين جاء موكبهم

كنت أنا والشيطان على موعد معهم...شعرت بيدي تضغطان على الزناد ــ دون إرادتي

أرديتهم قتلى واحداً تـلو الآخر ؛ لا زالت صورة تساقطهم الواحد تـلو الآخر مطبوعة

فيذاكرتي ...

الأم :- ((تشيح بوجهها مستغفرة مرة أخرى ))

عبد الرحيم :ـ (( يصرخ )) ليتني قتلت ساعتها ... ليتني مـت.... حتى لا أرى ــ الآن ــ أمامي وجهاً

صارمـاً صلداً كالصخـر...

الأم:- (( تتـثـآب ))

عبد الرحيم :- ألهي.... لمـاذا تحملني كل هذا العذاب ... ((يهدأ قليلاً )) آمـاه أعترف...إنني جبان..

نـذل ،قاتل حقـير... لكنني ساعتها لم أحـس ألا بنشوة الفرح؛ رقصت كثيراً على الأشلاء... لقد استطعت أخيراً أن أزيح جميع المنافسين عن طريقي ؛ وأن أستولي على كل شئ

ولكن هـا أنـذا أعـود إليك خـالي الوفـاض .

الأم:- ((تسعل طويــلاً))

عبد الرحيم :- آمـاه ... لا تطرديني دون كلمة... اسأليني ــ في الأقل ــ لمــاذا عـدت...لقد عـدت لأجلك.. عـدت كي أخلصك من وحدتك ... من عزلتك القـاتلة هذه .

الأم :-((تنظر إليه نظرة عتـاب))

عبد الرحيم :- تسألين لماذا هربت أذن؟ ... حسناً ... سأعترف لك بالحقيقة ... لقد هربت رغبة بالحياة رغبة في أن أعيش أياماً لا يزعجني فيها احد...املك الدنيـا فيها بأموالي وأسحق كل من تسـول له نفسه السخرية مني....ولن ألتفت إلى الوراء ثانية... هكذا فكرت ساعتها...أمـاأبناءهم؛ فلقد تركتهم هنا ؛ولم أمسسهم بسوء.. لم يكن يهمني مصيرهم؛ ولكن حين التقيت



ـــ 4 ـــ

بهم ــ قبل أيام ــ في المدينة،لذت بالفرار،وفكرت بمستقبلهم..بما أعدوه لأنفسهم هـل

سيقترفون أثماً مثلما أقترفه آباؤهم..أم أنهم نسوا كل شئ ..وقرروا فتح صفحة جديدة في. في حياة تلك العائلة التعيسة ..ربما هم الآن يخططون لإنزال العقاب بالقاتل وأخذ

الثأر لآبائهم... فهم يحملون النطفة ذاتها؛ التي لا أعرف من أية طينة جبلت.. وعلى أي صورةخلقت.. أعلى صورة ا لكلاب أم الحمير..أم البقر أم الجاموس. صدقيني لا أعرف آمـاه...لقد كانوا ثمانية...ثمـانية أشداء ؛يطفح البشر من وجوههم.. لم يتعـرف علي احــد منهم...لكنني هربت وابتلعتني الطرقات ...غير أن نظراتهم لا زالت تلاحقني.. أنا لســت خائفـاً منهم،فمن تعود القتل لا يخاف؛لكني هربت،ولم يعـد لي مأوىً سواك..فماذاتقولين

((صمت)) أرجوك قولي شيئاً..لا تقتليني بهـذا الصمت ((صمت)) ((يتهاوى على المقعد))

الأم :- (( تهمهم بكلمات غير مفهومة))

عبد الرحيم :-مـاذا تقولين ؟!((صمت)) يـالك من أم قاسية..أبنك الوحيد الذي بقي على قيد الحياة، يأتي إليك بعد ثلاثين عـاماً حامـلاً جراحاته.. وعذاباته.. وأوجاع قلبه... وتقتلينه بهذا الصمت، يالك من ..((يتوقف فجأة)) أعذريني ؛ إذا قلت لك ..انك أقسى امرأة عرفتها في حياتي...

الأم:- ((ترفع رأسها بكبرياء))

عبد الرحيم :- مـا زلت كمـا كنت .. أنف عالٍ ...كبريـاء بلا حدود.. لقد تأكد لي الآن...أن وحشـيتنا التي ـــ بقيت صفة ملازمة لنـا ـــ قد ورثنـاهـا عنك أكثر ممـا ورثنـاهـا عـن أبينـا أو جدنا...انك قاسية أكثر منهم..((بألم)) آهٍ ...لو تدركين ـــ فقط ـــ أسباب عودتي

الأم :- (( تلتفت أليه مطلقة زفرة تنم عن الضجر ))

عبد الرحيم :- أمـاه...أسمعيني ولو كلمة واحدة..قولي لي : أخرج من هنـا.. سوف أذهب سريعاً ولن أريك وجهي ثانيةً...((صمت)) لا تقليني هكذا.. سئمت كل شئ..انتهت الحياة بالنسبة لي فهذا الألم في القلب يزداد يوماً بعـد يوم.. ياآلهي :أهكـذا أنتهي ؛عذابات الضمير وأوجاع القلب القاتلة..وجفاء الأم ؛ كلها تأتي دفعة واحـدةً ،وليس في استطاعتي أن أدفع واحــداً

منـها ..أيـة حيـاة هـذه ؟!

(( صمـــت طويــــــــل))

الأم:- كابوس....كابوس...يأتي كل حيـن ...يأتي كل يوم وكل ليلة...

عبد الرحيم :- ((بفرح شديد)) ألهي..تكلمت أخيراً..لم يخـب ظني أبـداً...عظيم أنت يا عبد الرحيم..لقد جعلت الحجر ينطق أخيرا..لقد نجحت في رفع قناع القسوة الذي كانت تختفي خلفه..

الأم:- كابوس...هـذه الحيـاة مجرد كوابيس...كوابيس تعيش معـنا..في يقظتــنا..في منامـنا.. كوابيـس لعيـنة...

عبد الرحيم :- ما الذي ترمين إليه..من الذي تقصدين بذلك يا أمي ؟؟

الأم:- ليلة أخرى ، ليلة كئيبة كسابقتها..آه..يا للجو الخانق..((تنادي)) أم محمد..أم محمد...

عبد الرحيم :- لقد ذهبت أم محمد إلى الجحيم...

الأم:- أم محمـد... تتركني دائماً وحـدي..ولابـد أن أعتمـد على نفسي ((تحاول الوقوف))

عبد الرحيم :- ((يحاول مساعدتها لكنه يتردد)) ماذا تريديـن..قولي لي وأنـا أنفذه..لا أريدك أن تتعبي نفسك يـا أم..

الأم:- ((تفتح النافذة وتجلس بقربها)) أفضل شئٍ للإنسان هو الاعتمــاد على النفس ...

فالآخرون لا فائـدة ترجى منهم أبـداً..

[تسرح الأم بذكرياتها القديمة مع عبد الرحيم]

عبد الرحيم :- ((خائفاً)) إذا سأل عني أحـد.. فقولي : سافر إلى المدينة...

الأم:- ((غاضبةً)) مع ابنة الجيران أيها العاق،مع ابنة الشيخ صالح تفعلها،مع البنت الصغيرة البريئة... ألم تخجل من نفسك... ماذا نقول للرجال إذا اجتمعوا الليلة في ديوان أبيك.. ماذا نقول لهم ؟؟

ـــ 5 ــــ

عبد الرحيم :- قولوا ما تشاءون..أنا لم أجبرها على..لقد جاءت معي بإرادتها..

الأم :-ومنأين تأتي الإرادة لطفلة لم تبلغ العاشرة بعد ؟!

عبد الرحيم :- لا تثرثري كثيراً...فليس عندي وقت كافٍ لأضيعه معك..

الأم:- عيد الرحيم

عبد الرحيم :- أنـا ذاهب....

[عودة إلى المشهد الرئيسي]

الأم:- لمـاذا هجرني الجميع؟!...لماذا أداروا لي ظهورهم ؟؟!

عبد الرحيم :- لا داعي لهذا التجريح...أنـا بجانبك..

الأم:- أوه... رأسي تدور.. الهي : لمـاذا تذكرني بهم الآن...لمـاذا تذكرني بعائلةٍ كانت سعيدة ذات يومٍ...ثم أفـلت سعادتها فجأة...((تبكي))

عبد الرحيم :-امـاه...سأعيد إليك السعادة ؛ مهما كان ثمنها...

الأم:-أنـا لا أستطيع...لا أستطيع النسيان...اللعنة على هذه الذاكرة...الهي..أليس هناك وسيلة يستطيع بها الإنسان الخلاص من ذاكرته؟؟!

عبد الرحيم :- يستطيع...يستطيع يا أماه..لو أنه نسي المـاضي...

الأم:- كيف السبيل إلى ذلك...كيـف؟!..الهي...لمـاذا تنزل لعناتك ــ علينا ــ تترى..لمـاذا؟؟

(( تفتح حدقات عينيها إلى أقصاها)) توفيت يا عبد العظيم...توفيت يا زوجي العزيز

...وتوالت الكوارث من بعدك ...إخوانك تقاتلوا فيـما بينهم؛ لينهب كل منهم ما شاء من

أموال وممتلكات..ثم جاء أبناؤك ليقتفوا أثار أعمامهم ...ولم يبق سوى عبد الرحيم الـذي هرب ولم يترك وراءه أي أثر..

عبد الرحيم :- أنـا هنـا ياأمـاه...

الأم :- ((بموجة غضب مفاجئة)) لا أدري لمـاذا أسميتك عبد الرحيم ؛ والرحمة لا مكان لها في قلبك ؟؟

عبد الرحيم :- لقد جئت يا أماه لأثبت لك عكس ذلك..

الأم:- تذهبون...هكذا أنتم جميعاً...تفعلون فعلتكم الدنيئة وتذهبـون...تذهبـون دون أن تلتفتـوا إلي...أنـا العجوز التي تجرعت ويلاتكم...أنـا التي ربتكم جميعاً ؛ تلفظوني كمـا تلفظ النواة....تتركوني ــ هكـذا ــ شجرة قطعت أغصانها وحرقت وسط غابة جرداء كانت بساتين زاهرةً يومـاً مـا .

عبد الرحيم :- لسوف تتفتح الزهور ثانية بعودتي...أمـاه ، لقد عـدت لأصلح ما أفسدته من قبـل...

الأم:- ((بقسوة وجفاء)) حتى لو عدت يا عبد الرحيم ؛ لن يكون لك مكان في الأرض التي تركتها تجف وتموت..

عبد الرحيم :- أمـاه .. لاتكوني قاسية علي.....

الأم:- تترك الأرض التي كنت تستظل بأشجارها..تترك الأرض التي منحتك الحياة والأمان، تترك الأرض التي كانت تغفر لك ـ دائماً ـ وتخبئك كلما ارتكبت فعـلاً مشيناً..تتركــها تجف وتموت... إنها لن تغفر لك نهائياً يا عبد الرحيم...لن تسامحك أبداً يا عبد الرحيم..

عبدا لرحيم :- إذن.. فأنت تطردينني ؟!

الأم:- تسافر دون كلمة...تسافر دون أن أعرف عنك شيئاً...يالـك من ولـد عاق ...

عبد الرحيم:-(( يصرخ)) أنـا لم أسافر عبثـاً...لقد سافرت مضطراً..إذ لو أنني بقيت هنا ..لكشف السر...وعرف الجاني...لقد هربت وأنـا أحتفظ بالسر ..ولا أحد يعرف السر سواي.

الأم :- مـاذا أقول عنك يا عبد الرحيم ..لقد أسلمتك بيد الله...ليبتليك بمثل مـا ابتليت به.... عله يعذبك بأبناءٍ يجحدون حقك ويفارقونك مثلما فارقتني...لتعرف معنى أن يترك الابن أمـه أو أبـاه....

عبد الرحيم :- لمـاذا تحطمينني هكذا...لقد فعلتها مرةً وتزوجت ؛ وفي لحظةٍ من لحظات الطيش

ـــ 6 ــــ

خنقتها.. كان جمالها يغري الرجال؛ كل الرجال؛ وكان ذلك سبباً كافياً لقتلها..خنقت

المرأة التي آوتني واحتضنتني .... وفتحت لي بيتها وقلبها...وفر الابن ..لا يلوي على

شئ...بحثت عنه طويلاً؛ ولم أعثر على أي أثرٍ يدلني عليه...دعواتك مستجابة أيتها

الأم.. دعواتك مستجابة قبل أن تدعي بها...أرجـوك كفـاك تعذيباً لي..أرفقي بحالي...

ولا تكوني قاسيةً أكثر ممـا أتصور..

الأم:- أنـا الملومة طبعاً..كنتم تلومونني دائماً...لأني أحببتكم جميعاً دون تفريق .

عبد الرحيم :- اثبتي ذلك الآن....اثبتي ذلك..أن كنت أمـاً حقيقية .

الأم:- قولوا عني مـا تشاءون..فأن الحب لا يعني الخضوع لرغباتكم الجشعة الدنيئة..

عبد الرحيم :-أنـا لا أريد الآن شيئاً.. أنـا لا أطالبك الآن بشئ...

الأم:- في كل مرة تأتون وتذكرونني بحنان الأم. وتمتصون مني مـا ترغبون؛ ولكني بعد الآن لن أخضع لأساليبكم الملتوية...ولن أطأطئ رأسي لأحـد...

عبد الرحيم:- أنا لا أريد أن تطأطئ رأسك لأحـد..أنـا أطالبك بشئٍ من الحنان...شئ من حنانك يرفع عن كاهلي هـذا الكابوس الذي يجثم عليه...

الأم :- هـذه هي الحياة..هم..وكوارث..وويلات..وكوابيس خانقة..

عبد الرحيم :- ((يحاول تغير الموضوع)) أمـاه ــ على ذكـر الكوابيس ـــ لابـد أنك ــ حتى الآن ــ

تعشقين تفسير الأحلام ..لقد حلمت قبل أن أراهم بليلة..إنني في صحراء موحشة....

وفجأة ظهر لي ثعبان ضخم ــ أسود على ما أتذكر ــ له ثمانية رؤوس ؛ قبض علي ؛

وإذا بيد معروقة تمسك ذلك الثعبان ؛ وتطيح به بعيداً..لم أر صاحب تلك اليد لفرط

ذهولي ؛ لكنه سقاني مـاءً...وحين أفقت لم أجد أحـداً بقربي..

الأم :- كابوس...كابوس أخر...

عبد الرحيم :- أنـا فسرت الحلم ـــ هكذا ـــ في البداية...لكني تذكرت اليـد...ألا تعني تلك أيـد يا أمي: أن هناك قلباً حنونـاً يعطف علي ؟؟

الأم :- لا...لا...فالكوابيس لا تصدق..

عبد الرحيم :-((يصرخ بصوتٍ عالٍ )) هـذه رصاصات قاتلة توجهينها إلي عن عمـد...انك تريدين قتلي فعلاً..((تدخل الخادمة على صوت الصراخ))

أم محمــد :- سيدي أنك تضيع وقتك سدىً...إنها لا...

عبد الرحيم :- ((مقاطعاً)) لا؟؟؛ لا تقولي شيئاً..أخرسي ؛ وألا قطعت لك لسانك ((يتهاوى عبدالرحيم

على المقعد..وبعد فترة صمت ))

الأم :- ((تهمهم بكلمات غير مفهومة وهي تداعب مسبحتها))

عبد الرحيم :- مـاذا تقولين ؟!

الأم:- ((لا تجيـب ))

عبد الرحيم :- قولي شيئاً..

الأم:- مـاذا أقول لك يا عبد الرحيم ؟!.. لقد أسلمتك بيد الله..

عبد الرحيم :- لا تقتليني هكـذا ... أليس في قلبـك شئ من الرحمة...أليس في هـذا الحجر الصلد شئ

من الإنسانية،الهي...يا رب القسوة والرحمة...يا حاكما يقضي كيف شاء ..هل هذه التي

أماميهي أحدى مخلوقاتك...ألم نبيك ((أن الجنة تحت أقـدام الأمهات)) ..كيف تدخل ة

أمرأة مثل هـذه جنتك ؟؟!

الأم:-أهكـذا الجزاء إذن... أهكـذا الجزاء يا عبد الرحيم؟؟...لقد أعطيتكم كل شئ..ولم أبخل عليكم بأي شئ... أهكـذا يكون جزائي... رمـة متروكة في العراء...تنعق الغربان حولها ؛ وتعوي الضباع ...أهكـذا الجزاء؟؟!.

عبد الرحيم :- ((يصرخ)) أم محمـد..

أم محمـــــد :- نعم يا سيدي...

ــــ7ــــ



عبد الرحيم :- أنت هنـا ؟! أم محمـــــد :- نعم يا سيدي

عبد الرحيم :- تعالي اقتربي مني ((أم محمد لا تبرح مكانها)) لا تخافي

أم محمـــــد :- أنـا لست خائفة يا سيدي...لم يبق لدي شئ أخاف عليه...لكني أود أن أقول لك ... أن أمـك...

عبد الرحيم :-لا تقولي عنها شيئاً..((بعد فترة صمت)) أسمعي: أريد أن أسألك سؤالاً..

أم محمـــــد :- تفضل يا سيدي....

عبد الرحيم :- متى تصبح ألأم قاسية ؟

أم محمـــــد :- الأم ؛ يا سيدي كالأرض...لا يمكن أن تكون قاسية على أبنائها ؛لكنها إذا أهملت.. جفت ويبست خضرتها....وإذا انقطعت عنها الميـاه...تشققت قشرتها وغدت أرضاً قاسية جرداء...أمـا الأعمـاق ؛ فأنها تبقى ندية رطبة...هكـذا هي الأم..وأمـك يا سيدي...

عبد الرحيم :- ((مقاطعاً )) كفى ..فهمت..فهمت كل شئ..لقد أنتهى العطاء لدى أمي... إن الثلاثين

عاماً المـاضية كفيلة أن تحفر في الأعمـاق..وتمتص الندى..أم محمد..لقد جفت الأرض

كلها ؛ فلا تحديثني عن القشرة...

أم محمـــد :- لمـاذا لا تدعني أتكلم حتى النهاية..لمـاذا تقاطعني دائمأً ؟!

الأم :- مـا فائـدة الكـلام..مـا فائـدة العتاب......لـم تكن أذانكم تسمع ألا أصـوات الصرخات والاستغاثات ...أعينكم لم يكن يروقها إلا منظر الدم المنفجر من الطعنات...أيها القتلة لكم الله ..لكم الله...

عبد الرحيم :-أهكـذا تخاطبينني يا أم... أبعـد ثلاثين عاماً أسمع الكـلام ذاته...أبعـد ثلاثين عامـاً من التسكع في الطرقات وحمل الجراح ؛ تسميعنني مثل هذا الكلام...أماه ثلاثون عاماً وأنـا بحاجةٍ لحديث يدفأ القلب الذي تآكلت عروقه، ثلاثون عاماً من العبث بالأموال التي حصلت عليها ـــ كانت صفقة رابحة حقـاً ـــ بالـدم اشتريت المـال...وبالمـال خسرت حيـاتي....

أم محمــــد :- لا عليك يا بني...لا عليك .

عبد الرحيم :- أم محمـد ..عشت أيامـاً وأنـا أتقلب في الفنادق والحـانات .. عشت منعزلاً في غرفةٍ بائسةٍ .. نهشني الأم فتقوس ظهري ومشيت على أربع..ومع هـذا ؛ منعني كبريائي من أن أمـد يدي سائلاً..وبدون أن أدري جئت إلى هنـا ...شعـور غريب اجتـاحني فاندفعت هاربا من سنيني...وبخطوات أثقلتها العذابـات جئت لأمـد يدي إليها ..إليها وحـدها... قطعت الوادي القاحل ــ الذي قطعت به أخوتي ــ قطعته لأجـد حجراً صلباً غـدا يجثم على صدري ويمزقني شر تمزيق...أنـا لا أطمح بالصفح أبـداً، لأنني أدرك مـا فعلت.. وأقصى مـا أطمح إليه ؛ أن أقضي أيتامي البـاقية في حضن مهدي الأول.. لم لا يصدقني أحـد ؟!

الأم :- كلمـات...كلمـات..تعدون أمـكم بكلمـاتٍ ؛ وتكذبون، تتركونها وحيـدة وتذهبون،كاذبون أنتم أيها الأبناء...ملعونون إلى يوم يبعثون .

عبد الرحيم :- أنـا لن أتركك بعد الآن..أرجوك أن تنسي كل شئٍ وتذكري ــ فقط ــ ذلك الطفل الذي أحببته حبـاً حسـده الآخرون عليه ..ذلك الوجه المجـدر الذي سهرت الليالي الطـوال تناغيـه وتغنين له ((يترنم))

[[ أهكـــذا كـل ولـــدأم لــم يلــــد مثلي أحــــد ]]

أتذكرينها ..تلك الأغنية الحبيبة على نفسي، التي لأم أكن أنام ألا بعد سماعها منـك ...

كنت تغنيها لي حتى بعدما كبرت...أتذكرين قصص العفاريت والجنيات ..الجميع كانوا

ينامون،ويتركونك تتحدثين ألا أنـا.لم يستمعوا لقصصك أو يحفظونها..كما أنا ، أنسيتني، أنسيت ذلك الطفل الذي كنت تقولين عنه في كل مكان :- انه أحب أبنائي إلي.. أمـاه أعز

ـــ 8 ـــ

أبنائك هو الآن بين يديك ،يلتمس منك نظرة حنان واحدةٍ ولا شئ غيرها..فماذا تقولين؟؟!

أم محمــد :- كنت آمنـة مطمئنة في بيتي..ما الذي جعلك تبيعني لهؤلاء..سامحك الله يا أبي..الذنب ليس ذنبك...أنه الفقر اللعين...أتيت بي أشتغل كي توفي ديونك..وإذا بي أتحول إلى عبـدةٍ لهم...الهي لمـاذا جعلتني أعيش حتى هـذه اللحظة..لمـاذا جعلتني أرى كل هذه المصائب ؟؟!

عبد الرخيم :- كلميها يا أم محمـد...كلميها ولو قليلاً...أنت أم وهي أم..علها تجد في كلامك ما يغفر لي ذنـوبي..

الأم:- ما الجديد إلي جنيته...كـلام ؟!...عتـاب ؟؟!..كـلام وعتاب كل ليلة ...ما الفائدة؟...أنني أثرثر فقط...لا أحد يسمعني...ولا أحـد يرد علي...

أم محمـــــد:- ((تبكي)) حقـاً..ما فائدة الكلام..لن يرجع الكلام الخوالي ؛ التي ولت الى غير رجعة... لا فائدة ترجى يا بني .

عبد الرحيم :- أأخرج من هنا ــ هكـذا ــ دون أن أحصل على أي شئ ..لا ..هـذا أمر مستحيل((يقترب من الأم))

أم محمــــد :- ما الذي تريـده ــ بعـد ــ من هـذه المـرأة التي أعطـت كل شئ ، وضحـت بكل شئ.. أنصحك يابني أن تترك هـذه العجوز حالاً..لأنها لم تعد تحتمل مصيبة أخرى..

عبد الرحيم :- ((إلى أم محمد)) لا تخرفي أيتها العبـد العجـوز...أنـا لا أريـد منها شيئاً..أنـا أريـد أن أطمئنها ــ فقط ـــ بأني لم أعـد ذلك الوغـد القـاتل الذي عرفته من قبل .أريـد أن أكفر عن سيئاتي لأعيش أيامي الأخيرة مطمئناً ((إلى الأم))أماه منذ فترةٍ طويلةٍ وأنا بحاجة إلى لمسة عطوف...هـذا هو هـدفي في الحياة الآن...فامنحيني حياتي أتوسل إليك !!!

[[ يقترب من الأم ، فتعترض أم محمد طريقه ]]

أم محمــــــد :- لا...أرجوك...أرجـوك أن تبتعـد عتها يابني ...

عبد الرحيم :- ((بمزيج من السخرية والدهشة)) أبتعـد عنها؟؟!...ماذا تعنين...هـل تعتقديـن بأنني سوف أقتلها ؟!

أم محمـــــد :- أجل...إن اقترابك منها يعني موتها ...فأرجوك يابني أن تبتعد!!

الأم :- أم محمد..أم محمد..

أم محمــــــد :- (( تلمس كتف الأم)) نعم سيدتي..

الأم:- لقد أنتظرت طويلاً..أنتظرت أن يأتي يوم أحتضن فيه أحد أبنائي... انتظرت حتى مللـت الانتظار...لذا قررت ــ اليوم ــ أن أنتزع هـذه الرغبة من نفسي نهائياً.. فمـــا رأيــك ؟

أم محمــــــد :- ((إلى عبد الرحيم)) أرأيت أنها لا ترحب بـك ..لا تريدك..فهيا ..هيـا يا سيدي غادر المنزل حالاً ...أرجوك ..

عبد الرحيم :- ما الذي دهاك أيتها العجوز الخرقاء؟تأمرين وتنهين كيف تشائين .. منذ متى أصبحت سيدة للمنزل ؟؟..منذ متى تحول الخدم، ليصبوا سادة على أسيادهم((صارخاً))منذ متى

الأم :- ((بابتسامة)) اليـوم ...اليـوم حان الوقـت لأرفع الغشاوة عن عيني...اليـوم بـدأت أبصـر الأمور على حقيقتها ،لـذا فأنا غير آســفةٍ على نفسي..بل أنـا آسـفة جداً عليهم ؛ وأقـول لنفسي : متى يأتي اليوم الذي يدرك فيه هؤلاء الأبناء حقيقتهم ؟!

عبد الرحيم :- ((مخاطباً الأم)) أنت مع رأيها إذن..يا آله السماوات أي مأزق وضعتني فيه..أهكذا تهزا الأقدار بي...ألا يكفيها سخريتها بي عندما كنت بعيـداً... هل جاءت لتلاحقني في هذا المكان القصي..هل جاءت لتكشر لي عن أنيابها ثانية..لقد هربت منها طويلاً... وظننت أني سأكون متحرراًً من قيودها اليوم حتماً ؛ غير أنها لازالت مصرة على ملاحقتي دون هوادة...بغيضة هي الحياة.. إنها وحش كاسر لا يترك طريدته إلا بعد أن يفترسها كلية .....أيتها السماوات..أيتها النجوم...أيتها الدروب القاحلة الموحشة...

ـــ 9 ـــ

أيتها الأراضي التي تطمئن في بطونها الأفاعي والضباع والذئاب... أليس من حقي

أن أجد في عقر داري الأولى....في مهد طفولتي الأول..ملاذاً أحتمي به((يمسك قلبه

متوجعاً))متى تفك حصارك عني أنت الأخر ((يهيج غاضباً كالثور محطماً كل شئ

يراه أمامه)) أية سموم أتجرع؟؟ وأي خناجر أتلقى طعناتها مكشوف الصدر...اية سهام

تنبتفي جسدي ثابتة لا تحيد...أماه لا تضطريني إلى هزك وإيقاظك من كوابيسك التي

لا تنتهي !!

الأم :- أنتهت...أنتهت الكوابيس التي تزوروني كل يومٍ وليلة..الآن..ــ الآن فقط ــ استيقظت من غفوتي الأزلية...

عبد الرحيم :- ((يسقط أرضاً ويتقدم زاحفاً نحو الأم)) أماه..أرجوك..أتوسل إليك..كفي عن تحطيمي هكــذا...

أم محمـــــد :-الهي...أي عذاب تحملني إياه...أسمع أيها الرجل ؛ لصالحك ولصالح هذه المرأة ..أبتعد من هنا...

عبد الرحيم :- ((وقد أدركه التعب)) تنحي جانباً...تنحي أرجوك..أنـا لا أريد إيذائها ..أنـا أريد الركوع أمامها وتقبيل يدها فقط...

أم محمـــــد :- وأنـا أمنعك..

عبد الرحيم :- ماذا ؟ تمنعيني ؟! (( إلى الأم)) أهـذا ما تريدين ؟! حتى الخدم..بدؤوا ينتقمون مني... لقد انتقمت لنفسك بيديك...فلماذا تدعين الآخرين ينتقمون مني أيضاً..لماذا؟ ((إلى أم محمد)9أسمعي أيتها العجوز الخرقاء ..تنحي جانباً ؛ ولا تدعيني أتصرف معك تصرفاً تندمين عليه ...

أم محمـــــد :- أتنوي قتلي ؟؟!

عبد الرحيم :- ما أسهل ذلك علي ..

أم محمــــــد:- أنا من حملتك صغيراً..وخدمتك كبيراً تريد قتلي ؟! لابأس..أنا مستعدة لذلك..ولكن لن أدعـك تقترب منها ألا على جثتي..

الأم:- أية ليلةٍ ثقيلةٍ هذه..

عبد الرحيم :- ((يندفع ثائراً،يدفع الخادمة بقسوة ويسقطها أرضاً ،يصرخ بوجه الأم)) كفى، من تظنين نفسك ؟ أأنت سيدة الكون؟؟ أأنت من أعطى للأرض أبعادها..أأنت من أعطى للسماء

ألوانها...أي قلبٍ حاقدٍ تحملين؟؟ أي سوادٍ تتلفعين به..كفي عن اللعب بي ..لم يبق منك

ألا الأنفاس ..هل تريدين أن أقضي عليها ؟؟!((يتقدم نحوها وقد أتقدت عيناه شررا ثم

يتراجع في اللحظة الأخيرة)) لا..لا..لو كان غيرك لفعلتها..ولكن أنت..لن أفعلها معك

لا خوفاً و لا رحمة..لا عطفاً ولا شفقة..ولكن لأنك أمي (( يرتمي عليها موسعاً يديها

تقبيلاً..تصرخ الأم فزعة ))

الأم:- أم محمد...أم محمد..أسرعي... لص في البيت..أه..أه ..((يغمى عليها))

عبد الرحيم :- (( يصرخ)) أنـا لست لصاً .أنـا أبنك عبد الرحيم ياأمـاه.

أم محمـــــد :- ((بحزم)) كفى...يجب أن نضع حـداً لهـذه المهزلة..أبتعد يا رجل..أبتعد أرجوك ..لقد أغمي عليها...

عبد الرحيم :- مـاء ...ماء..اجلبي مـاءً بسرعةٍ أيتها الخرقاء

[[ الخادمة لا تتحرك ؛ بل تحتضن الأم وتبقى جالسة بجانبها ))

أم محمـــــد :- لا فائدة..لا فائدة ترجى من إيقاظها..دعها ـــ هكـذا ـــ أفضل..

عبد الرحيم :- (( إلى أم مجمد)) سأنتقم منك يوماً أيتها العجوز الثرثارة ((إلى الأم)) أماه..أماه..ما الذي جرى لك يا أمـاه ((الأم ساكنة بلا حراك)) تكلمي يا أماه ...كلميني..أنطقي.... قولي شيئاً..أي ِشئ..

ـــ 10 ــــ

أم محمــــد :- هـذا ما كنت أخشاه منذ البداية..أنك لا تريد أن تفهم ما يجري حولك..

عبد الرحيم :- ((صارخاً)) أنـا لم أفعل شيئاً

أم محمــــد :- هكـذا أنت ــ دوماً ــ منذ عرفتك تلقي بذنوبك على الآخرين

عبد الرحيم :- ((إلى الجمهور )) قسماً بكل المقدسات لم أفعل لها شيئاً..أنـا أردت ــ فقط ــ أن تراني راكعاً أمامها مقبـلاً يديها...

أم محمــــد :- وأنى لها ذلك وقد أطفأت مصائبكم نـور عينيها !!

عبد الرحيم :- مـاذا تقصدين أيتها الحمقاء ؟؟!

أم محمـــــد :- إن أمـك لم تعد ترى شيئا يـا عبد الرحيم ((مؤثر موسيقي مناسب))

عبد الرحيم :- لاترى شيئاً..لم أتصور ..النور خافت كما ترين..لكنها سمعتني..أنا متأكد إنها سمــعت كل كلمةٍ قلتها..لقد كلمتها كثيراً..ولا بد إنها فهمت ما أريد !!!

أم محمـــــد:- ما الفائدة يا سيدي..

عبد الرحيم :- أتعنين أنها...((لا يستطيع أن يكمل))

أم محمـــــد :- أنها لا..

عبد الرحيم :- ((مقاطعاً )) لا..لا تنطقي بربك..لا تقولي شيئاً

أم محمـــــد :- لا تسمع شيئاً يا سيدي

عبد الرحيم :- كـذب..كـذب ...لقد كلمتني كثيراً.. لقد أجابتني على كل سؤالٍ سألته...

أم محمــــــد:- إنها تثرثر..تهذي.تهذي يا عبد الرحيم..إنها تكلم نفسها دائماً...كل ليلةٍ تجلس أمام هذه النافـذة وتجتر الذكريات ...إنها لاترى ، ولا تسمع ياعبدالرحيم ..لا ترى، ولا تسمع... أفهمـت الآن...

عبد الرحيم :- ((بذهول تام؛ يدور في المسرح بلا هدف)) هي لا ترى ولا تسمع ..لا ترى ولا تسمع (( يضحك ضحكة هستيرية..ثم يبكي بصوتٍ عالٍ ))هي لاترى ولا تسمع..إذن فقد قطعت المسافات الشاسعة..حامـلاً كل أوجاعي القاتلة...لكي أكلم نفسي!!وماذا قلت.... أنا لم أعد أفقه ما أقول..أنا لم أعد أفهم حتى كلماتي...يالها من أضحوكة حتى نفسي لم تعـد تفهم نفسي...((يضخك)) أمي لاترى ولا تسمع..ونفسي لم تعد تفهم نفسي..

[[ يضحك..يبكي..تارة بحزن..وتارة بغضب..يقفز في المسرح كالأطفال..يستمر

مردداً الجملة الأخيرة...تسدل الستارة ببطء))



الختــــــــام//












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي   رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

تصميم و وتركيب انكسار ديزاين

جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 12:50 PM.




Powered by vBulletin Version 3.7.3
جميع الحقوق محفوظة لشبكة قامات الثقافية 2008
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009