عالم من الإبداع

 

    

آخر 15 موضوع
سأحدثكم عني.!           »          قصائد ومضة           »          لبيكَ لبْيكَ يارحمن           »          اليوم الوطني ذكرى للرقي           »          ثرثرة / بلا قيود           »          (أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)           »          ماذا تقول لمن يخطر على بالك الآن..؟           »          بين أحضان العيد           »          شهرُ الغفران والقرب من الرحمن           »          تجربة الفراق __ وهاب شريف __ العراق           »          ياليل ياطولك           »          تدثيرة شتوية           »          من جِد           »          عاشق عنيـد           »          ـــ أبقيـ معيـ ـــ



حصريات المنتدى

                                            

العودة   شبكة قامات الثقافية > قامات الفكرية الثقافية > جدل النص

رد
قديم 08-16-2006, 12:50 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
شاعر وكاتب سعودي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حسن الصلهبي

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 3
المشاركات: 2,947 [+]
بمعدل : 0.96 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حسن الصلهبي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : جدل النص
افتراضي سعدي يوسف .. نصوص شعرية وقراءات نقدية

الطواف بالمقاهي الثلاثة

سعدي يوسف
شاعر وكاتب من العراق




( 1 )

يا أنت , العابر كل دوائر هذي العتمة , دائرة دائرة ,

لتطوق عنقي كالأنشوطة , من مسد وحرير حينا

من فخار وتهاويل جداريات حينا ,من أهداب خيطت أحيانا ,

يا أرضا كانت ماء ,ياماء كان الأرض.هنا ترتفع الصلوات

نشيدا باسمك , أو تنفرع الفلوات...أحييك, وأحييك ,

وأسألك الغفران اليوم ,وأسألك النسيان غدا.ستمر

الدبابات على ساقيك مجلج لة في كتمان من سرفات طين ,

وسيمتد رقيم (تشويه شموس ثابتة ) من رمل الفاو وأوراق

الحناء إلى الصخر المقدود ربايا وطرائد من آشور.أنا أسألك

المغفرة ,الهدأة ,شكلت جبيني بالوسم ,وعلقت ذراعي

اليسرى بالكلاب ,وقلت : أحملك الآن دمي.

ما كنت صغيرا لتكون كبيرا. أنت الإسم الأول والموئل .

أنت عدوي مذ كنت ,صديقي مذ كنت...ستأتي أسراب

الطيران الحربي مجلجلة تحت سماء من صهد

***

سيكون هواؤك محتقنا بالبارود ومختنقا ,لكنك تبحث عني,

أنا, اسمك ,كي تقتلني. الدبابات تبدد جلدك ,والطيران

الحربي يمزق أهدابك ,لكنك ملدوغا تتبع ني كي تسلخ أجفاني;

وتمزق أضلاعي كي تأكل قلبي. لست الآن الطير المرموق

عصائب...لست النسر القادم من حمير , لست

الهدهد , لست حمامة نوح , لست الرخ...فمن أين أتاك

اللون الميت هذا? من أين أتتك القصباء لتبريها صعدة

رمح ? أنت هنا اللحظة. تغفل عما ترسمه سرفات

الدبابات ,وتغفل عما يمحوه الطيران الحربي , ولا تغفل

عني...فلت هدأ ,أرجوك ! اهدأ , واتركني أتمرغ في غصص

الأحلام ,اتركني أتمرق قصص الأعوام...أنا ابنك , صنوك ,

حامل أختامك في جيب الصدر , وعنوانك حين تغيب طويلا.

لا!لا تبتلع الدبابات كما تبتلع الملح , ولا تمسح بالسعف

الطيران الحربي... وأنصت لي في ضجة هذا الوادي الهامد :

هل تسمع شيئا ? هل تهجس ما يفعل ه النمل هنا تحت جذور

النخل ? هل الماء يسيل من الصخرة ? يقطر...يقطر...

يقطر...,قلت لك : اسمعني! ذاك دمي يتقطر

في الهدأة. نبضي هو ما يفعله النمل حثيثا تحت جذور

النخل...

اسمعني!

(2 )

مقهى على »باب الزبير«...

تقابل المقهى من الجهة اليمين , الشرفة الخشب التي جاءت

من الهند البعيدة. واليسار يضم مكتبة ودكانا لبيع الخردوات.

وأنت حين تكون في المقهى ستشرب شايك المألوف , ثم تقوم

مبتهجا , لتدخل غرفة البليارد :

طاولة

وعشب أخضر

وكرات ألوان...

ستلقي نظرة عجلى, وتمضي نحو زاوية

تراقب...

أنت لا تستعجل الأشياء

والناس الذين رأيتهم في غرفة البليارد لا يستعجلون;

وسوف يدخل آخرون الغرفة...

الساعات تمضي

والهواء الرطب يدخل في القميص ويستقر حرارة منقوعة في الصدر.

أنت تراقب :

المتفرجون تكاثروا في غرفة البليارد

لكن الذين ت قاسموا كل العصي تبادلوا الأدوار

ظلوا , وحد هم, في لعبة البليارد , يقتاتونها

كرة هنا حمراء

أخرى بعدها سوداء

واحدة تلاحقها العصي , وحيدة بيضاء...

كان اللاعبون يداو لون عصي هم و كراتهم

لاهين عما تفعل الأشياء

لاهين عن متفرجين رأوا في لعبة البليارد لعبتهم;

وإن شئت الحقيقة قال أربعة من الشبان همسا :

غرفة البليارد ليست ثكنة...

...............

...............

...............

ما أغرب المقهى على »باب الز بير« !

( 3 )

قعب من سامراء. البئر , المطوي كقنبلة في النسيان , يفوح قليلا.

هذي جفناتي و نذوري. سنبيت الليلة في الصحن. وفي منتصف الليل

نراوغ ذاك القيم كي نهبط في البئر. الليل نحاس. سترن خطانا بين النجم وقلب الأرض.سنهتف :تحيا الحرية !ثم ندلي حبلا ونلوذ به حتى

نلمس قاع البئر..., النسوة جئن هنا من كل ضواحي بغداد ,

النسوة بالأسود والوشم الفيروز وأغنية الموتى , والنسوة يدعونك يا غائب ,

يا ساكن رضوى, يا مطع منا عسلا وفراتا. سنبيت الليلة في الصحن ,

فلا تطرد نا من ملكوتك , لا تتركنا لذئاب البر. يتامى نحن ,

ضعاف , وذوو أطفال , فارحمنا يا ساكن رضوى, أغمض عينيك

الجوهرتين , ودعنا نهبط في البئر. ستعرف من رائحة الحبل الجوت

منازل حيرتنا. لسنا سفهاء , وأعيننا سملت منذ قرون

في حرب ظالمة , عبر قرى ظالمة . لن نحلم حتى بندى كفيك .

فنحن خرجنا من أجداث كي ندخل أجداثا. لا أكفان لنا , لا صلوات.

لا آس ولا سدر ولا كافور. مباركة طلعتك , اسمعنا يا سبط

هنا ... في قاع البئر ستسمعنا. هل تعلم , يا سبط , بأن قنابل

52b , وقذائف مدفعنا الهاوتزر , ذرتنا في الريح غبارا من لحم وعظام ?

هل تعلم , يا سبط , بأنا كنا جوعى وعراة حين قتلنا ? هل تعلم

يا سبط , بأنا حين ظمئنا أ ور د نا بنزينا ثمر مينا برصاص يشعلنا?

تحيا الحرية !في »الفاو« شربنا الغازات السامة حتى ذابت أعيننا

كالشحمة في القيظ , وفي كردستان أكلنا لحم الأكراد على السيخ.

إذا , نحن وحوش الكون , بقايا اللهب المتدافع من جوف التنين , ضباع

الغابات المنسية في كتب بائدة... هل تسمع نا يا سبط ? وهل تأذن للذئب

بأن يغدو حملا في لحظة إيمان ? هل تأخذ منا أنف سنا? إنا , يا سبط ,

التو ابون , وإنا يا سبط , الكذابون. فهل تأخذ يا ساكن رضوى , اليوم ,

بأيدينا? هل تمنحنا نفحة روض ورضى ?

كم كان عراق الوهم جميلا !

تحيا الحرية !

حبل الجوت تدلى.

والأنشوطة محكمة.

والبئر يساوي نصف المتر...

سلاما !

( 4 )

مقهى على »شط العرب«...

قد كنت ذو بت المرارة في فمي مت مط قا بالشاي...

كان النهر أبيض

ثم أشرعة , ولمح من نوارس لا تطيق البحر

( رامبو قال ...)

كان النهر أبيض

والنخيل هو الذي نلقاه في اللوحات حسب ,

أتحسب الدنيا مضيعة ?

أريد الآن أن أ حصي الدقائق :

تحت كالبتوسة جلست فتاة فجأة . في البعد يمرق زورق , والقطة

السوداء تخمش جذع صفصاف تهد ل شعره في الماء . كان البار

عبر الشارع الكورنيش أعلن نوره. بحارة (جاءوا من النرويج ?)

يفتتحون ليلتهم. تهل الهند بالسمبوسك. السفن الثلاث لشرق إفريقية

ارتعشت قليلا. كانت الأمواج تعلو. أين نذهب في المساء الماثل ? الشاي

الذي أهملته ما زال منتظرا. وعبر الضفة الأخرى أرى سيارة. شفتي

تدغدغني.تكون الشمس لصقي. ألمس الكرسي. نور في الهواء يشيع.

بعد غد سيحملني القطار إلى محطات وراء النهر . موسكو ربما...

...............

مقهى على »شط العرب«...

كانت تماثيل الجنود (وأقرأ : الضباط) تصطف. الوجوه قبيحة. وإشارة

الأيدي إلى إيران أقبح. وحد ه, بدر , تسوره مزابل يومه العادي...

لن تأتي الحمائم كي تحط , ولو لتذرق , فوق لمته الخفيفة ,

سوف تأتي الطائرات. وسوف تنقض الصواريخ البعيدة بغتة في هدأة الجندي.

تلك الساعة الدقاقة السوداء (جاء بها إلينا أرمني) سوف تعلو في الهواء

(كأنها من صنع سلفادور دالي)... لم تعد في بصرة البصري

أروقة , ولم تعد القناطر (وهي من جذع النخيل) صراط نا نحو السماء .

الليل منقض...سنسكن في مقابرنا. أليس البوم أجمل ?

غننا يا قاطع الأوتار , غن...

الليل مشتعل بنيران القيامة , والضفاف مليئة بمسابح الألغام , والأسماك

صارت تأكل اللحم المدود مثلنا.

غن , »المقاهي أغلقت أبوابها«...

غن !

( 5 )

الليل ببغداد يجيء سريعا . الليل ببغداد ي قيم طويلا . منذ قرون

والليل ببغداد يجيء سريعا ويقيم طويلا . سيقول الحدادون سئمنا

العيش , صناعتنا السيف , وصنعتنا الض عف . يقول النجارون

سئمنا العيش , صناعتنا التابوت . يقول الحذ اؤون سئمنا العيش,

صناعتنا جزمات الجيش. يقول الشعراء سئمنا العيش , صناعتنا

أصباغ الوجه. يقول أطباء المستشفى نحن سئمنا العيش , صناعتنا

أن نصلم آذانا أو نجدع ( مثل زمان الحجاج) أنوفا. ويقول الحلاج :

ترى , هل صار الحلا ج الناس جميعا ?

قمر يتطاول. والنجم تضاءل. أين منائر وادي الذهب ? الخيل مطهمة ,

والناس سواسية , والحجر الأسود في البحرين. كأن سماء من قصدير

تطبق. يا أخبار الصحف الأولى, يا أشجار السبي , ويا أرصفة النفي...

الليل ببغداد يجيء سريعا. أسرع من صاروخ قيامتنا, أسرع حتى من صاعقة الرؤيا. أحيانا نتذكر أنا بشر , أن لنا , كالحيوان , عيونا ...

أن لنا أطرافا تتحرك أيضا. نحن بلا أسماء...لماذا ت رخين ضفائرك الأبنوس

على زندي? ولماذا يتمشى زندك هذا العاج على شفتي ? لماذا ترتعشين?

أللذ ة ترتعشين ? أنا أغمضت العينين وأعطيتك أجنحتي. سنسافر ,

قولي: سنسافر...قولي إن الناس يعيشون على القارات القمرية كالناس.

وقولي إن لديهم أروقة وحدائق... سوف تهدهدني كلماتك حتى الموت.

الموجة تتلو الموجة

كان بدجلة بيت الساحرة . الضفة العالية اصطفقت بالماء الأحمر. سوف

نشيد عاصمة , ونمد جسورا.

لكن اللوحة تهتز...

اللوحة وهي على الحائط تهتز ,

ونسقط منها. أنت. أنا . نسقط منها. ها نحن غريبان هنا , ها نحن فقيران

هنا , يرعد نا البرد , وينهشنا الجوع , ويهتكنا الجرب الضاري

مثل كلاب البدو ,

سلاما يا أرض الثمر الأول

يا أرض الطين المعجون بآلهة...

يا نبع الريحان

سلاما...

( 6)

مقهى ل »سيدوري« على البحر :

السفائن ألقت المرساة فجرا , وهي تنتظر المساء ليلتقي

البحارة الحكماء تحت سقيفة المقهى. و سيدوري تهيء منذ

أزمان , موائد ها, وتمشط شعرها , وتحاور المرآة...

في الأفق البعيد سلالم ترقى وأبخرة.

ستنبت , بغتة , صفصافة.

قصب السقيفة كان مضفورا ومؤتلقا.

زلابية سقيفة ذلك المقهى...

وخمر في الجرار

وفي الجفنات ترغو , حرة , جعة الشعير

وفجأة , نادى الم نادي:

أين سيدوري?

وعاد الصوت يطفو كالنوارس :

أين سيدوري?

وسيدوري تهيء منذ أزمان , موائدها , وتمشط شعرها,

وتحاو ر المرآة...

سيدوري , ستجلس , في المساء , الكون

سوف تكون ربته

وساقية تجالس أهله , البحارة الحكماء

سوف تقول سيدوري نبوءتها

وتعلن صوتها

أعلى من الصفصافة الأولى

وأعلى من سلالم ذلك الأفق البعيد...

وسوف يجلس حولها البحارة الحكماء

في أسمالهم

وعلى جدائلهم بروق البحر , والملح...

................

................

................

السفائن سوف تقلع مرة اخرى...












عرض البوم صور حسن الصلهبي   رد مع اقتباس
قديم 08-16-2006, 01:04 AM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
شاعر وكاتب سعودي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حسن الصلهبي

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 3
المشاركات: 2,947 [+]
بمعدل : 0.96 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حسن الصلهبي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حسن الصلهبي المنتدى : جدل النص
افتراضي

2

المقبرة البولونية

سعدي يوسف (شاعر عراقي مقيم في بريطانيا)


الى محمد شكري

1

نحن، في لندن.

المقابر فيها مثل أبهي البيوت،

والبيت مثل القبر

فلنتفق على أننا لم نبن فهنا، مثل ما كنا بنيناه


في دمشق؛

المقابر.

الغرباء استسلموا للعراء، يا زينب الحوراء

لا تشمتي بنا:

الناس هبوا

والسكارى في ليلة الأحد

العاشق يستقبل العشيق،

هنا حاناتهم...
فأين قبور الأهل؟

أين الذين ظلوا ينامون طويلا تحت التراب المخضل ؟

تحت النجم ؟

اين السفينة ؟

الشدر والمغسل، الطواف

وتلك الأعين الدامعات من مفرز الرمل ؟

النهايات لم تكن، هي لم تبدأ

وهذا المساء ندخل في البار

كأسناننا، سواسية

نسلب ركب الغضا

ونسبي العذارى...

نحن، في لندن، التي تشتهي أجداثنا، حين نحسب

الدار دارا

2

لم تكن في البعيد

كانت تماما تحت شباك غرفتي

شجرا غائما، سأسأل عن أسمائه مرة...

ولكن، لماذا؟

أكتفي منه بالصنوبر والسرو

وصفصافة مهدلة تبكي...

وطيور الليل، والزائرون

والعشب والصعلوك...

في سلة القمامة كانت علب البيرة،

الشطائر مقضومة الى النصف...

كان الجند مصفوفين في موتهم بلا شجر،

والضابط المهندس
والطيار

والمدفعي

ينعمون عميقا

تحت أشجارهم ومرمرهم....

... ... ... ... ... ... ... ...

... ... ... ... ... ... ... ...

... ... ... ... ... ... ... ...

أيان، تحنو، تحن، وارشو البعيدة...



3

سوف تأتيك نخلة

ستراها

حينما تدلهم دنياك في الليل الأخير

الجذع يدنو

حتى يلاصق شباك الغريفة،

السعفة الطولي ستمتد

بغتة...

ستراها

تتخطى الزجاج

واللوح

والقرميد

كي تصبح الوسادة

في جناح الأمير

الأمير الذي يطير بعيدا

رافلا في سحابة من حرير...












عرض البوم صور حسن الصلهبي   رد مع اقتباس
قديم 08-16-2006, 01:06 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
شاعر وكاتب سعودي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حسن الصلهبي

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 3
المشاركات: 2,947 [+]
بمعدل : 0.96 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حسن الصلهبي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حسن الصلهبي المنتدى : جدل النص
افتراضي

3
حقُّ الرفقة


سعدي يوسف




العجَبُ

لأبي محسد, أحمد, المتنبي, ولـ<< معجز>>ه, أعتذر, وبـه ألــوذ, مـدرعـا حـق

رفقـة مــدعاة, متذرعا بحب أكــتــمـه لم يـبـر جســدي, بل لقد زاده بـرءا وبراءة.

أقول هذا , وأنا أقرأ قصيدة أبي مـحســد ذات المطلع البهي, شـأن مـطالعـه:

أيدري الربع أي دم أراقا

وأي قلوب هذا الركـب شاقا?

حتى إذا بلغت البيت :

تركـنا من وراء العيس نجدا

ونـكـبـنا السماوة والعراقا

وجـد ت ـني في حيرة من أمــري, ذلك لأني أروي البيت روايتي الفريدة :

تركنا في مهب الريح نجدا

ويـمـمـنا السماوة والعـراقا

وأحيانا أرويه كالآتي :

تركنا من وراء العيس نجدا

ويـمـمنا السماوة والعراقـا

***

لكأنني لم أرد لأبي الطيب أن يحيد عن السماوة والعراق , مـصـعدا إلى حلب وسيف الدولة,

أو كأنني ضننت به, فوددت لو تلـبـث شيئا, قبل أن يكون على قلـق كأن الريــح ...

للإستــعادة منطقـها,

وللتجاريب منطقها أيضا.

وها أنذا أتغنى بالسماوة والعراق, في حضرة أبي الطيـب, بطريقة خاصـة. لقد ق ـتل المتنبي

في ما بعد, ببادية السماوة التي نكــب ها يوما, مـصـعدا إلى حلب, أمـا أنا فقد نجوت

من القتل ببادية السماوة, في مصادفــة مـحـض لم تـتـح للمتنبي.

***

كان العام 1963.

ومنذ أوائل ذلك العام, أي منذ مؤامرة الخــونة, ظللت أتنقل بين السجون العراقية, جنـوبا

حتى ملتقى شط العرب بالخليج, ووســطا حتى بعقوبة, مرورا ببغداد في انتقالات عبثيــة

بقطارات حمولة, وسيارات سجون ذوات قضبان, وحافلات مســتأجرة ; كأن الكون ليس

غير سجون وسجناء وشـــرطة وضحايا (أنا بين الضحايا على أي حال).

في مرحلة من المتاهة الكافكوية, بلغ بي المقام نــقرة الســلمان, وهي قلعة في أقاصي

بادية السماوة عند التخوم العراقية - السعودية, بناها أبو حنـيك (الجنرال غلوب باشا في ما بعد)

لأغراض أولـها أن يصد مـغـيري الوهــابية (كان الواحد من جـمالهم يحمل مغـيرين اثنين)

الذين ظلوا يحاولون أن يجعلوا العتبات المقدسة قبورا دوارس (وهي خير القبور في رأيهـم), لكـن

بين الأغراض الأخرى أن تكون القلعة منأى السجناء الخطرين...

إذا, صرت, بقدرة قادر طبعا, سـجينا خطــرا.

الوصول إلى نقرة السلمان ليس يســيرا, بل أنه لفرط صعوبته, صار حلما أو كالحلم...

أنت, حــكـم عليك, وجاها, بعد ضرب ومهانة ومقاربة إعدام عشـــوائــي...

وهكذا صرت تفكر بأن الأمور بلغت حدا معيـنا, نقطة تــوقـف في الأقل, وبأنك سوف

تتكيـف لظروف جديدة, قد تطول أو تقصر, لكنها مرحلة محددة على أي حــــال.

كم أنت واهم !

إن بينك وبين نقرة السلمان لـبرزخا , وهي تتراءى لك الآن جنــة في الـبـعد, جنة للأمان

والتقاط الأنفاس, والنوم إلــى آخر الدهر...

أمـا البرزخ فهو شــرطة التســفيرات التي تتولــى نقل المحكوم عليهم, من أمثالك, إلى

مآويهم المتناثرة على طول العراق وعرضــه, وما العراق بالبلد الصغير...

إذا, ستكون في موقف الســراي اللصيق بسجن بغداد المركزي, أســطورة السجون ومجازرها.

هناك تنتظر دورك في التسفير.

زوايا الموقف احتلــها العــتاة من السجناء العاديين, وعليك أن تجد لك مربـعا تفرش عليه بطانيتك

التي اعتدت حملها من مثوى إلى آخــر (كانت لي حـشـيـة وثيرة سـمـاها المحكومون << فندق

بغداد>>, إكبارا لها , وســخريــة,و اضطررت إلى التخلي عنها لفرط ثقلـها) , وأن تتدبــر

مأكل ك, ومشــربك, والشــاي ;

وأن تجامل العــتاة اتــقاء شــر هم, إذ كانوا يـستخدمون لإيذاء السجناء السياسييــن.

الحياة, بإطلاق, على غير ما يــرام.

و نقرة السلمان تتراءى في الـبـعد, حلمــا !

***

ليس من يوم موعود...

الأشــياء تبدأ فجأة, وتنتهي فجأة, مثل يوم الحشــــر. مثل الولادة المباغتة والموت العنيف.

النور الذي في آخر النفق (كما يقول التعبير المزدرع في صحافتنا), يــهــل في هيئة شــرطي

يجلب الأرزاق (طعام الحكومة), وهو أســاســا ما جادت به مخيــلة المتعهـد من قوت .

هذا الشــرطي ذو المعاش الرث, قد يغدو المنقذ :

حين يسـلـمك رزقك (رغيف خبز وكـراث مثلا), تعطيه بالسـر دينارين وعنوانا لقريب أو

صديق, كي يذهب حين يحلو له, ويخبر القريب أو الصديق بأمرك ومستقرك.

المحظوظون منا ســيأتيهم الأهل والصديق بالثوب النظيف, وبالمأكل اللطيف صــواني عامرة ندعى

إليها فنلتهم الأخضــر واليابس, ونمصمص أصــابعــنا متلذذين...

لكن الفضل العميم لشــرطي الأرزاق سيكون يوم يقال لك:

الآن تســفــــرون إلى النقرة (النقرة اسم تحبيب لنقرة السلمان !)

إذ يتعيـن عليك أن تخبر أحدا بأنك ستكون هناك, وأنك سـالك اليوم درب من صد ما رد (بالتعبير الشعبي غير المزدرع), بمعنى أن رحلتك قد تكون رحلة اللاعودة, مثل مجنــد القيصر الروســي.

ملحوظة :

جاء في الرواية الروسية الكلاسيكية أن الفتى المجند الذي ما نبت عارضاه بعد, تباح له القرية سبعة أيام

بلياليها, عـرفا متـبـعا, فيفعل الفتى ما يشــاء, يعب الفودكا لينطرح في أي درب أو أي بيت ,

ويعاشــر من فتيات القرية مـن استحلى, عابثا أو مـعابثا...يكسر الأبواب, ويدخل من الشبابيك.

ذلك لأنه سـالك بعد سبعة أيام درب من صد ما رد. إنه سيظل في جيش القيصر جنديا حتى لو طالت

لحيتــه الشائبة لتبلغ قدميه !

***

أنا لم أ بلغ أحدا أمري.

كنت واثقا أنني لن أكون وحدي في الرحلة الطويلة من بغداد إلى مركز السماوة (بالقطار), ومن مركز

السماوة (بالحافلة العتيقة) عبر المفازة الخطرة اللامتناهية حتى التخوم العراقية - السعودية حيث النـقرة.

تقول الأغنية الشعبية :

نخل الســماوة يقول...

وبعد عشــر ســنين من 1963:

توهـمت نخل الســماوة نخل الســماوات...

وأبو الطيب المتنبي, وفاتك الأسدي, وبادية الســماوة !

في رحلة القطار ذي المقاعد الخشب, وطول المسافة الشنيعة (القطار بطيء) من بغداد إلى محطة السماوة

كنا مكبلين, اثنين اثنين ; يدك الشمال مو ثقة بـ(الكلبجة) إلى يد رفيقك اليمين, والشرطي ذو البندقية

هو الجليس الثالث على المقعد الخشب.

أترضى لنا هذا العذاب يا أبا إســماعيل?

الحــق أنها لم تكن رحلتي الأولى بالتكبيل المزدوج, إذ بعد أن أصدرت المحكمة العسكرية بمعسكر الوشاش

في بغداد حكمها علي , نقلت أولا إلى البصرة بالطريقة إياها, وعبر الطريق إياه.

أتذكــر الآن أننا بلغنا محطة السماوة في الضحى.

والموقف في مركز شــرطة السماوة كان مكتظــا...

كان معظم المعتقلين في المركز من أبناء البلدة , باستثنائنا نحن القادمين من قطار بغداد, المنتظرين متابعة

الرحلة الخرافية عبر تلك البيداء التي <<لم يعرف بها ســاكن رســما >>...

انتبهت, أنا القادم من متاهة الهول, إلى جــو المرح الشائع ; واستمعت إلى أغنية خفيضة في ركــن,

وتذكرت أن أهل البلدة مشهورون بالغناء, والكرم, والبســمة الدائمة. ها نحن أولاء وراء القضبــان

جميعا... لكن أهل الســماوة يمرحون !

نحن, الذين ألقانا القطار هنا, لم ن ـطل المكث. حـشــرنا في الحافلة المتداعية, ظهرا, في الطريق الرهيب

إلى نقرة الســلمان.

أعتقد أن الحافلة كانت تحمل ركــابا عاديين أيضا, شــرطة وموظفين في تلك الناحية الملعونة حقــا.

لا أتذكــر الآن, إن كنا, نحن السياسيين, مكبـــلين أم لا داخل الحافلة, والأرجح أننا لم نكن...

إذ أن الحافلة هي, فعلا, قارب النجاة الوحيد, والقفز من القارب يعني الهلاك الأكيد, ظمأ أو افتراســا

بأنياب الذئاب في هذه المفازة (والحكايات عن مصير التائهين هنا ليست نادرة).

كم ساعة كانت المسافة بين السماوة والنقرة ?

لست أعرف. لكن الطريق لم يكن ذا معالـم , أو هكذا بدا لنا, نحن الحضر. توقفت الحافلة مرتين, مـرة

لإصلاح خلل ما, وأخرى لتزويد << الرادييتر>> ماء.

فجأة لمحنا شجرا.

وقال قائل : النقرة !

لقد << بزغت>> نقرة السلمان, مباغــتة, من القفر المحيط. إنها لــفي خـبـت من الأرض, تـتـلع

رأســـها, فعل الأفعى, لتتبدى بكامل شــرها وزينتهــا. نقرة السلمان التي أعلنت عن نفسـهـا

وسط هذه المفازة, بشــجر متناثر, بدا فائق الخضرة, سوف تـطـبـق علينا بأســوارها العالـيــة

ذوات الأبراج العشــرين, كما تطبق الأفعى الملتفـــة.

توقـفت الحافلة في الظل. هبط <<العاديــون>> مســرعين إلى الهواء الطلق الســاخن, أمـا نحـن,

فعلينا أن نمر بمرحلة التسـليـم والتســلـم في مكتب خارج الأســوار, قبل أن تـفتح البـــوابة

الكبرى لتلتهــمنا.

هل بمستطاعي الآن, وبعد مــضـي أربعة عقود , أن أســتعيد بدقــة ما , إحســاسي حيـــن

بلغت قلعة التخوم هذه?

أتراني فكــرت بما ينتظرني فيها, وبما سألقى هناك, ومن ألقى?

هل فكــرت بالزمن المطــلق ?

أو بمعنى أن أكون, أنا, في هذا الموقع من خــرافة العقاب?

أظن الأمر في غاية الصعوبة الآن...

لكني متأكد من إحساس واحد : أنا لم أكن خائفــا !

ربما كان هذا بســبب من طيش ظل يلازمني...

لست في ما أكتب الآن راوية أيام وأحداث مرت علــي في نقرة الســلمان, ولا مؤرخ تفاصيل ; لم أســع إلا إلى مقاربة معيــنة بين ســيرتين فصلت بينهما قرون وقرون, أمــا مقصدي فهو تبيان

أن حالنا لم تتبدل كثيرا, وأن بادية الســماوة ظلـت, كعهدها, منذ زمان أبي الطيب, مـقتـلة كامنة

للشاعر كما لســواه.

لقد أشــاع الانقلابيون , أوائل السبعينيات, أنهــم ســيهد ون << نقرة السلمان >> هــدا , فكتبت

نصــا عنوانه قصيدة وفاء إلى نقرة السلمان أتنبــأ فيه بأن القلعة سوف تبنى من جديد بأيدينا حتى لــو

هــدت هــدا. والواقع أن القلعة لم تــهـد, بل غدت بعد قمع الانتفاضة, مرتكـــز المدافن

الســريــة للشــهداء...

***

ما أبعدني هذه اللحظة, يا أبا الطيـب, عن السماوة والعراق !

أنا في القرية الإنجليزية نـكـبـت, مقلدا إيـاك, الســماوة والعراقا...

لن أقترح عليك أمرا يتــصل بنـصـك, فأنت الدليل. ولأنســيــن روايتي بيتـك تلك الرواية

الفــريدة !

إني لأتغـنــى ببيتك :

تركـنا من وراء العيس نجدا

ونـكـبـنا السماوة والعراقا

***

لماذا نتذكــر ?

لماذا أتذكــر, مثلا, أنني كنت الأقرب إلى بوابة القلعة, حين ف تحت ليدخل معتقلو السجن العسكري رقم واحد, الذين نجوا, في ما يشبه المعجزة, من موت مخطــط له, داخل العربات الحديد لقطار الموت ?

في الصباح الذي أعقب وصول المعتقلين, نــقـلت إلى ســجن بعقوبــة.

لكن لهذا السجن الجديد قصــة أخرى طويلـــة.

وأنا امرؤٌ تزيدني الذكرى رهَقا...












عرض البوم صور حسن الصلهبي   رد مع اقتباس
قديم 08-16-2006, 01:11 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
شاعر وكاتب سعودي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حسن الصلهبي

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 3
المشاركات: 2,947 [+]
بمعدل : 0.96 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حسن الصلهبي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حسن الصلهبي المنتدى : جدل النص
افتراضي

حدود الهواية وآفاق الابداع عند سعدي يوسف



خالد زغريت (كاتب من سوريا)




لهفي عليك وأنت مشتعل
في الليل خلف الساتر الرمل
هل كان ينبض دونك الأمل
أم كان يخفق فتنأى الخيل

هكذا تفسح قصيدة سعدي يوسف لحضورها البهائي.. بتصاف غنائي بكر دون مواراة لفضائحيتها المتخلفة لسحرية ناصعة يشكلها سعدي يوسف بغنائية عالية الوهج وبتخيلية شعرية وضاءة عبر فنية ثرية الفضاءات بليغة بتحويل مفردات الواقع الى عالم مدهش.. وسعدي يوسف بارع بتسخير اليومي والتفصيلي واحالته الى غرائبية مبهرة - قلما يدخل القارىء قصيدة سعدي يوسف ولا يتوارى في ظلال حروفها ألوانا مائية.. ولا يقل القلب او يخف سؤالا شائكا فيستبق الذاكرة المحفورة في أرض القصيدة قافية، ولا تترجمه أصقاع الجرح بنفسجا شاكا أو تفاحة مرا.. اندمالا للروح في مسافات تفضح اتساع خوائها المحموم بالاسئلة، ترى كيف يفيء سعدي يوسف احتضاره بأغنية تجرح الروح التفاتاتها، والقلب لم ينهض بعد من خريفه الكابوسي، كيف وما زال يرمي الوردة على الزجاج ويدعي انه تخفى بما ليس يشبهه، فرأى نوافذ المقاهي تتداعى بين يديه اندلسا ثاكلة، ترى اكلما احمر القلب فيه وجعا، صرخ هذا وردي وليس شرارة

احتراقي وراح يهمي القصيدة بأصابع تحترق:

(إن شئت مزق صدرنا
لن ترى الا السني
والمنى.. والمواطنا).(1)

ربما لأنه بقي حيا، ونحن نائمون، ربما لانه رأى منازل القلب بين الظلال أقسى بحرا، اشد وردا، ذلك لان سعدي يوسف ليس نبيا، ان شقي -اعاد قلب الوحش: حمامة بيضاء- وليس مسيحا ينشىء من حبة العرق "فراتا" او "نياد" ليطلق القلب نورسا، يستعيد امومته ما بين النهرين قليلا، من القلب، ويمكننا تحديد ملامح سعدي يوسف، يمكننا التظلل بأفياء النخيل في تجاعيد وجهه، يمكننا لملمة رمل الصحراء العربية من كفيه، يمكننا تضييق المنافي بخاتمة القصيدة تردد تراجيديا الحلم المتعددة لمعات الجرح، او ترتل دراما التيه، فان كان سعدي يوسف متشظيا، كحركية لهذه الدراما او نشيد لتلك التراجيديا فهو غير متلاش او مستهلك بفجائعية الواقع، لا استعلاء منجزا، باستيهامه، بل لتحصنه برؤية شعرية استسرارية تجترع الامل بمناهضتها اتضاع الموت، فاضعف الايمان ظل أخضر:

وعلى الرغم من ادراك سعدي يوسف ان الشعر يعني ممارسة الشهادة ابدا.. وان لتنشئة اية وردة في الصحراء يلزم ربيعا من الموت كان سعدي يوسف مفعما بموته اليومي ومواردة هذا النبع الشعري الذي يسر له: اكتب قصيدة ومت قرب وردتك

(لي وردة في الروح
كم غنيتها حتى غدوت مغني الطرقات
لكن الاغاني سوف تبقى في يديك).(3)

فعلى الرغم من انتظام سعدي يوسف في مسلكية ايديولوجية ذات مرتكزات فلسفية نافرة العقلانية فانه بقي مصابا لقلبه غير قاطع حبال الوصل مع فيض الذات، والتقاء سعدي يوسف بذاته يعني مواجهة انسلاخ الوردة عن عطرها.. يعني مناهضة كابوسية الخواء واندمال شفة الحلم.. وانفساخ الروح وانتكاسها الى قحل التجريد، ابدا يكابد موت العشاق والتغني باحتراق جزء من دمه كي يبقى على موعد مع ابتسار سر التجوف المتسرطن في ايقاع حركية العالم المقتحم انتحاره. فسعدي يوسف متصالح مع ذاته بإغراق منبثق من ضمائرها اللامرئية، الذاهل بإلماعها وبهاء حزنها اليسوعي الذي يصير الشاعر نايا يتنهد ذاته وجعا عراقيا مقدسا يتأرثه روحه ليبقيا متساكنين بلعنة ميتافيزيقية شرقية:

(لكن سعدي لن يمو
في الرمل.. في شيزار.. من أجل الشهادة
متمسكا بالصخر
يحصي اللانهاية في النهاية). (4)
(للبحر انت تعود مرتبكا
والعمر تنشره وتطويه
ولوكنت تعرف كل ما فيه
لمشيت فوق مياهه ملكا). (5)

وليست هذه المسا كنة التأملية ومعانقة اوجاع الذات في الشاهد الثاني قهقرى - كما نستدل من الشاهد الذي يسبقه -فسعدي يوسف ادري باعثي عي حد السكين وارتشاف الياسمين، مما تساقط من دمه غير أنها ملاقاة الروح، فهو شاعر مهما تكن مسلكيته الايديولوجية فحنين سعدي يوسف فضفاض علي بكاءات الروح مهما اتسعت، اذ طالما ارهقته المنافي والاغتراب علي وجهيه:

(سلاما أيها الحي الذي لم نغترب فيه
ولم نطعم مآكله، ولم نترك مقاهيه
سلاما أيها الإعمى المغني قصة التيه ). (6)

ومهما ترامت اطراف المنافي يبقى بوسعه ان تحدد تضاريسها في ملامح سعدي يوسف وتشاركه في صياغة دراما الانسان لتشارن روحه حساسية دمعتها الى جعة غربة واغترابا:
(يا ولدي قل لهم انني اعرف الدرب
اخبر همو بالذي اتذكر
بيتي على النهر لاشك
بيتي به نخله
هل تذكرته
هل تذكرتني
فلتلعني بني ).(7)
حدود الهوية وآفاق الابداع

لا تخلو القراءة في جدلية الهوية والابداع في شعر سعدي يوسف من المأزق المحرجة فالبرغم من ميل الشاعر الى الاستواء الشعري بوحي ايديولوجي وبالرغم من علو الرطانة السياسية والشعاراتية لكك الايديولوجية فان سعدي يوسف ظل امينا لماهية وجوهرية الانشغال الشعري والمرتكزات الفلسفية لتوجهه الفكري. غير انه يبقى المنظور الذي يعاين به مفهوم الشعرية واداءاتها الفنية والاجتماعية، ومسؤوليته كشاعر تجاه فنه وتجربته تحد من الانصياع للقولبة او ترجيع هذه المؤسسات الفكرية لرؤيته بشكل لا يحيل فنه الى ذريعة لتسويغ تلك الفلسفة، فهو بإخلاصه الجلد لكتابته يصر على إلا تخسر الهوية ذاتيتها بالانفلاق، لان الهوية الشعرية قبل كل شيء هي الانفتاح والاختراق والقلق الدائم في البحث والتجديد لا الانهمام المرتجل تراضيا مع المنطلقات النظرية لايديولوجيته، لان الشاعر يدرك ان مثل هذا الانهمام المجاني يفضي الى غياب الرؤيا الشعرية الكلية:

(هل كان على عينيك ان تنتظر كل الذي يأتي
وهل كان على عينيك ألا تغمضا
لا.. لاتقل شيئا
ودع للغيم ان يهبط في كفك
دع للغيم ان يأوي
كما يإ أبى ي النعاس )(8)

فليست مآلات الخطاب الشعري الى الحقيقة هي الاحتباس بسنن تلك الايديولوجية، اذ انه من (العبث الاعتقاد بأن الحقيقة تكمن -بلا مجال للمنازعة -في اللعبة التلقائية للتواصل، ان مهمة قول الحقيقة عمل لا نهائي يمثل امبترامها في تعقيداتها، ضرورة لا يمكن لأي سلطة ان تقتصد فيها الا اذا تم فرض الصمت عن طريق الاخضاع )(9):

(انها الارض تدفعني-من عروقي لابلغ
اعلى السياج
وهي الشمس
تختار طاولة ثم تجلسني كي تقدم لي كأسها طافحا بالهياج
)

كيف امسك نفسي اذن

انها الارض والشمس والريح
ترفعني هكذا نحو أعلى السياج ).(10)

فالإخضاع ليس الا استلاها للشعرية وسادسة مأتمية لانكماشها، لان الهوية هي الشخصية الشعرية، ومتى تيتمت لغير الاذلجة أحيلت علي المعاش وتنحت عن حيويتها وعونيتها، وباتت خصوصية التجربة عموميتها، فلا يمكن للشعرية ان تؤسر في اهاو عقائدي او جغرافي او حتى ذاتي محض - لان الهوية انفتاح ومعيار للقيمة الابداعية وتصوراتها وامكانيتها وادواتها التي تؤسسها، فلا إبداع خارج الهوية ولا هوية خارج الابداع. والابداع بطبعه اختراق وتجاوز، وهو بهذا متجدد ومتطور،وبتجدده وتطوره يطور الهوية وكلما زاد( 0) الابداع نمت الهوية وقويت وزاد عطاؤها(11) فالعلاقة جدلية بين الهوية والابداع، ولذلك تبقى الهوية أفق فماء لا تقييد.

بلاشك (هناك التجديد العقائدي والاجتماعي والجغرافي والبنيوي والذاتي ولكنها تحديدات متداخلة ومتفاعلة ذات تأثيرات متبادلة وقد يغلب ويتميز واحد منها على بقيتها، ويسود في ظروف تاريخية ولحظات اجتماعية معينة، دون ان يعني هذا الغاء التداخل والتفاعل والتأثير المتبادل )

(12) وسعدي يوسف غير خلي تماما من ورطة الحماس للايديولوجية حتى التقمص والامتلاء بنفور شعاراتها:

(هل تبقى من لحج
غير رفيق المدرسة الحزينة
واشجار الباباي)(13)
....
(انظروا الى الصحف والمجلات
انظروا الى البيان السياسي
لهذه الحركة او تلك..)(14)

مما يحيل الشعرية الى نواحة تندب موتها، لذلك يجهد الشاعر دوما للنزوح عن هذه المأزق عبر التواطؤ الشعري بالتراضي مع الذاتي لنفي او تقليص الفجاجة الايديولوجية.. فهو كثيرا ما يكون

على ضفة أخرى لمقولة الثنائية العدائية بين الانا / الهوية والهو/ المغاير، اللهم الا في العدائية للاستعمار والظلم وهو بمثابة انكار، ومثل هذا الانكار ليس الا انتصار المتخيل على الآخر، لتحقيق الانا بالتساوق مع الحركة الحضارية لا بالانعزال عنها استعلاء قوميا، او ضغينة حضارية تؤدي الى عماه مطلق ازاء الآخر:

زحفت تشحذ للثورة حد المقصلة
فاصر خلوا بالقتلة..)(15)
( انا نطلب من أعماقكم صيحة حب
ورصاصة)..(16)
....
لكننا لن نترك هؤلاء الاعداء
المتحكمين يطمئنون)(17)
وهذا الانكار في خطاب سعدي يوسف ليس مجرد سياق نفسي بسيط بل هو طاقة جماعية مصممة داخل عنفها النازع الى ابعاد الاخر الى انكاره. وذلك احتراز في صيانة الانا خشية الغائها من هذا الآخر. وهذه حقانية انسانية، والنزعة الانسانية لدى سعدي يوسف جوهرية في خطابه الشعري وهي تشاق انساني، وبالتالي شعري اكثر منها اجتلابا او تذييلا وذلك تأكيد لانكار مضاد اي انكار النرجسية والتالية للأنا الذي يعكرحلمها بوجوديتها الانسانية، واجتنابا لمأزق النرجسية وتخلعها الانساني وما يلحق من المهانة بالشعر، فالنرجسي لا يحب (من المرأيا غير تلك المفردة العازلة، التي تعكس له صورته وحده ولا تذكره بوشائج او روابط 0

تنشز انغام طقوس العبادة التي يقيمها لذاته )(19)

(فتحنا قلبنا
لجميع الناس حتى عادت الارض لنا
وردة من دمنا)(20)
وهذا الانفتاح الوجداني على الافق الانساني العام هو هاجس ناري في شعر سعدي يوسف لان العبادة النرجسية ليست الا عبودية مجانية لا تصكك حتى نشازها خارج ايقاع الكون وحركيته لذا يبقى سعدي يوسف غاية في الموضوعية وثراء الافق الانساني والمشاركة في اشعاعه:

(نحن لن نمسك بهذا الكون من قرينه
لم نجلقه من تفصيل صورنا
وصخرتنا
ولكننا اتينا مثلها تأتي العناصر
ولننجرف في الكون)(21)
ولا بد من الالتفات هنا الى حقيقة ان تسويغ ما اسلفنا به لا يتأكد عبر ما سقناه، فهو ليس الا مقدمات مبتورة نسعي الى استجلائها عبر قراءة الثنائيات التي تشكل نسغ تجربته والتي من خلالها يمكن تقص مصداقية جدلية الهوية والابداع عند سعدي يوسف وهي لاحقة ان شاء الله.

الهوامش:

1 - سعدي يوسف الاعمال الشعرية - دار الفارابي بيروت 1979 ص 472.

2- سعدي يوسف ديوان - مريم تأتي – ط3 دار الحوار للنشر - سوريا1983 ص33

3- سعدي يوسف ديوان - خذ وردة الثلج خذ القيروانية ط 1 دار الكلمة للنشر - بيروت 1987 ص 7.

4 - سعدي يوسف مجلة الشعر عدد (2) - ابريل ا 198 ص 148.

5 - سعدي يوسف ديوان يوميات الجنوب يوميات الجنون ط 1 دار ابن رشد - بيروت 1981 ص 53.

6- سعدي يوسف - الاعمال الشعرية ص 337.

7- سعدي يوسف - خذ وردة الثلج.. ص 05 1 - 06 ا.

8- سعدي يوسف - ثلاث قصائد - مجلة لوتس. عدد 71 ربيع 1990 ص 88.

9- فوكو - الانهمام بالحقيقة - حوار فرا نسوا اوالد - مجلة كتابات معاصرة المجلد السادس - عدد ا 2 ايار حزيران 1994 ص 97.

10 - سعدي يوسف ديوان خذ وردة الثلج.. ص 86.

11- د. محيى الدين صابر - حول الابداع والهوية القومية مجلة الوحدة - السنة الخامسة عدد 58/ 59 يوليو / اغسطس 6989 ص27.

12 - محمود امين العالم - الابداع والخصوصية المرجع السابق ص 62.

13 - سعدي يوسف - ديوان يوميات الجنوب.. ص 35.

14 - سعدي يوسف يوميات المنفى الاخير دار الهمذاني ص 37.

15 - سعدي يوسف الاعمال الشعرية ص 445.

16 - سعدي يوسف الاعمال الشعرية ص 463.

17 - سعدي يوسف يوميات المنفى الاخير ص 66.

18- عبد الكبير الخطيبي - ما وراء الصدمة مجلة الكرمل العدد 13 - 1984ص ا 0 1.

19 - انسي الحاج - الحياة ممنوعة بحجة الموت مجلة الناقد - السنة الثالثة - العدد 20 ديسمبر 0 199 ص 14.

0 2- سعدي يوسف الاعمال الشعرية ص 473.

26- سعدي يوسف ديوان خذ وردة الثلج ص 27.












عرض البوم صور حسن الصلهبي   رد مع اقتباس
قديم 08-16-2006, 01:16 AM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
شاعر وكاتب سعودي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حسن الصلهبي

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 3
المشاركات: 2,947 [+]
بمعدل : 0.96 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حسن الصلهبي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حسن الصلهبي المنتدى : جدل النص
افتراضي

أرض التاريخ..
أرض القصيدة
مقاربة لقصيدة
<<عبور الوادي الكبير>> لسعدي يوسف


بنعيسى بوحمالة




(1)

عند افتحاصنا لمنجز سعدي يوسف الشعري تتبدى لنا دواوينه الأربعة التالية: <<بعيدا عن السماء الأولى>> (1970), <<نهايات الشمال الإفريقي>> (1972), <<الأخضر بن يوسف ومشاغله>> (1972), ثم <<تحت جدارية فائق حسن>> (1974) بمثابة منعطف حاسم الإشارية في هذا المنجز أمكنه معه انتشال صوته الشعري, وذلك بشكل قوي ومقنع, من ذبذبة البدايات وتحرجاتها والعثور على جملته الشعرية المخصوصة التي لا مبالغة في القول بأنها تكاد تكون نسيج وحدها في الشعرية العربية المعاصرة, هذه الجملة التي سيكب عليها بالإنضاج والتصليب, بالتشذيب والتأنيق, في غضون مشاريعه الكتابية الموالية موفرا لها أهلية الأداء الشعري والاقتدار على النهوض بشواغله التخييلية واحتداماته الرؤياوية, وأكثر من ذلك قابلية مواكبة تخطياته الشعرية المتواترة التي يخفرها, في وضعيته هو بالذات, ذهن مفتوح على المستجدات الإبداعية والمعرفية وحساسية متيقظة بإزاء اعتمالات الواقع وتحولاته العنيفة.

و إذن, وعلى سبيل التقريظ النقدي, الواعي والنزيه, لا مفر لنا من التنصيص على الجهد البنائي اللافت الذي ينم عنه, مثلا, ديوان <<الأخضر بن يوسف ومشاغله>> الذي تتلامح فيه القصيدة كما لو كانت <<.. عمارة قائمة على أسس وقواعد هندسية منضبطة جدا حتى ليبدو أن أي خلل في قواعد هذه العمارة يعرضها للانهيار>>(1), وأيضا على الناجزية التخييلية والرؤياوية الوازنة التي استقطبها هذا الديوان مقايسة مع الدواوين الثلاثة الأخرى الآنفة الذكر. وما من شك في أن قصيدة <<عبور الوادي الكبير>>(2) تجسم أوفى تجسيم لا هذا الجهد ولا تلك الناجزية, أضف إلى هذا مخاطرتها, إن شئنا, على مستوى الموضوع الشعري وهي تشاكس المنطقة الأوجع في الذاكرة العربية, نقصد فاجعة سقوط الأندلس وتلاشي أسطورتها الحضارية المدوخة, مدمجة, عن ذكاء, تداعيات هذا الجرح الفادح في الراهن العربي القاتم تطلبا منها للحظة عربية أجمل وأبهى. فهي, أي القصيدة, <<.. واحدة من قصائده المهمة التي استمد مادتها من فكرة انهيار الدولة الأموية في الأندلس. وفيها ينو ع على موضوع واحد في تشكيلة درامية ثرة مستخدما الوصف والحوار والمونولوغ الداخلي, والقافية الحديثة والكلاسيكية والتضمين>>(3), بل وواحدة, دونما تزي د أو تهويل, من قصائد - درر <<لاب لياد>> الشعر العربي الجديد مثل <<أنشودة المطر>> لبدر شاكر السياب, و<<حب تحت المطر>> لعبد الوهاب البياتي, و<<حوار عبر الأبعاد الثلاثة >> لبلند الحيدري, و<<إسماعيل>> لأدونيس, و<<البحث عن وردة الصقيع>> لصلاح عبد الصبور, و<<مرثية العمر الجميل>> لأحمد عبد المعطي حجازي, و<<بول روبسون>> لمحمد الفيتوري, و<<شاذل طاقة >> لسامي مهدي, و<<عبر الحائط.. في المرآة >> لحسب الشيخ جعفر, و<<جدارية >> لمحمود درويش..

لهذا الاعتبار, وكذلك لما لموضوعها من اتصال وثيق وعضوي باللحظة التاريخية العربية المأزومة والمترهلة, فضلنا اتخاذها متخذ اقتراب ومحاورة نقديين جاعلين نصب أعيننا الطرح النقدي الصائب الذي يرهن نجوع أي ما مقاربة نقدية للتعبير الشعري, بما هو تعبير ملتبس وبالغ الشائكية, بمدى انحصار رقعته النصية, إذ الأولى أن يكون <<.. المتن الأدبي, قيد التحليل, الأكثر اتساعا والذي نقوى على الإحاطة به هو النص وليس جماعا من النصوص>>(4).

و دائما في علاقة مع موضوع القصيدة قد لا نجادل في أن القراءة الأولية لشعر سعدي يوسف, بعامة, غالبا ما تخلق ارتساما باستنكاف قصيدته عن الخوض في كبريات المعضلات التاريخية والحضارية والسياسية والمجتمعية, وذلك على شاكلة ما فعلته قصائد الشعراء التموزيين, كبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وخليل حاوي وأدونيس ويوسف الخال وجبرا إبراهيم جبرا.. في فترة من سيرتهم الشعرية المتراكبة, وإدمانها, كنتيجة, تشغيل أسطورة عشتار وتموز البابلية وتنويعاتها السومرية والآشورية والمصرية القديمة والفينيقية والكنعانية والحثي ة والإغريقية حتى غدت النواة الصلبة لمتخيلهم ورؤياهم, وولعها, عكسا لذلك, بما يحفل به اليومي من تفاصيل وجزئيات, من محكيات ومجريات, مقتنصة, بنباهة سردية ووصفية عالية, وقائعه الدالة وتوض عاته السريالية ومفارقاته الساخرة.

ففي منظوره إن <<المبدع يتناول الواقع لا عبر تجريداته المسبقة وإنما عبر عناصره, عناصره الأولى, أساسا. إنه يفكك الواقع, ويعيد تركيبه, مستخدما العناصر الأولى ذاتها, مخضعا عمليتي التفكيك وإعادة التركيب إلى مجموع الطاقات الفاعلة, طاقاته هو, التي أسميناها, اختصارا, المخيلة. إذن تكون المادة الخام ميدان النشاط, في محاولة تطويعها من أجل الهدف الفني. بهذا المعنى, وفي هذا السياق, تكون اللغة الطبيعية هي الأكثر تمثيلا للمادة الخام (...) العملية الفنية تستخدم الملموس وصولا إلى المجرد(5). وإذا ما اختبرنا هذا الاعتناق, الذي بلورته جملة من التأثيرات وبوجه أخص تأثر الشاعر بتجارب الشاعر الإسباني فديريكو غارسيا لوركا والشاعر الشيلي بابلو نيرودا والشاعر اليوناني يانيس ريتسوس, فيما يخص تدبير الكتابة الشعرية وتصريفها معجما وتوليفات وأساليب ودلالات في ملموسية هذه القصيدة, بوصفها تعنينا قبل غيرها, فلن نحجم عن توصيف معجمها, مع الفارق بطبيعة الحال, بالسهل الممتنع الذي شكل بابا اصطلاحيا أساسيا في الأدبيات النقدية الكلاسيكية العربية, وتوليفاتها الجملية أو العباراتية أو المقطعية بالإسلاس والمرونة الأدائيين, وأساليبها بالجدة والابتكار, ودلالاتها بالتغور والخصب الترميزيين, ناهينا عن العاملية الإيقاعية التي لا تقتصر على إيرادات التفعيلة والقافية بل تردف إليها ما ترخيه دلالية الس جل اللغوي من تموجات إيصاتية, تقوم مقام تمفصلات إيقاعية, في النسيج النصي للقصيدة, بحيث <<إن إيصات القافية الموسيقي لا ينتج فقط عن الصوت كصوت وإنما كذلك عن دلالية المفردة اللغوية>>(6), بيد أن هذا المنظور وهذا التوصيف لا يمنعان أبدا انضواء الشاعر بمعية قصيدته, بهذا القدر أو ذاك, وذلك بقوة الأشياء إلى نفس الأفق الرؤياوي, أفق الأمل في وضع عربي مستحق ومؤنسن تتحرر فيه لا الذات ولا المجموع من شتى الأعطاب التاريخية والروحية والمعيقات السياسية والثقافية.

(2)

إن القصيدة لهي ثمرة تماس كياني مدمر مع المأساة الأندلسية في العقر من مهادها الأرضي والتاريخي, أي في إسبانيا التي أتيحت للشاعر زيارتها في أثناء إقامته بالمغترب الجزائري لكن كتابتها سوف تتم في بغداد عام 1972, كما قصائد أخرى يأويها الديوان, إثر عودته إلى العراق في كنف أجواء الانفتاح السياسي والثقافي التي أسفرت عنها المصالحة الوطنية التاريخية بين القطبين الإيديولوجيين: حزب البعث والحزب الشيوعي, وستلقى, أول مرة, ضمن فقرات مهرجان المربد الشعري لنفس العام, وذلك ريثما تنشر لاحقا في أحد أعداد مجلة <<الآداب>> البيروتية, فكان أن شكلت وقتها, بالنظر إلى ما تحلت به من عمق وحساسية واستبصار نفاذ, حدثا شعريا وإعلاميا سيهيمن على الساحة لأسابيع عديدة. نخلص من هذا إلى أنها, أي القصيدة, حر رت على مسافة من الأرض والتاريخ موضع الكتابة والتخي ل, من سلطتهما وإغوائهما وهو أمر دال سيان من حيث المباعدة بين الذات الشاعرة وموضوعها أو من حيث طبيعة التمثل الشعري وحدوده, الشيء الذي سيخول للقصيدة إمكانية فعلية, ورمزية في آن معا, لاجتراح أرضها الأندلسية الخالصة ولملمة غصتها الأندلسية المحضة وإدراج كلتيهما في آليتها النصية والتخييلية والرؤياوية المواظفة لفائدة الماضي مواظفتها لصالح الحاضر.

و بتعبير رديف إنه, أي الشاعر, وهو ينأى بذاته وبفائض انفعالاته الجريحة, الأسيانة, جراء ضغط التجربة الإسبانية المعيشة وسطوتها من مجالها الفعلي المتعي ن إلى الركن الآخر القصي من القارة العربية المتراحبة يوف ق, بمزيد من التحوط والحنكة, إلى ابتناء زاوية نظر متماسكة كفيلة بشعرنة موضوعه على نحو هادئ ومنتج مفو ضا لأناه الشعرية المنتدبة في فضاء القصيدة أن تنوب منابه في إعادة ترميم خبرة التماس تلك, تنقيتها وتنضيدها, وتقويل الأرض والتاريخ والانغمار, بالتالي, في لجة الماضي والحاضر الكارثيين, والمناورة بمحمولهما وتمرية هذا في وجه ذاك. وإجمالا يبقى عنصر المسافة أحد المقومات الفارزة في كتابة سعدي يوسف الشعرية, ذلك أن <<معظم القصائد التي كتبها في بغداد كانت تأتيه في مدن المنفى التي أحبها وتآلف معها (مدن المغرب العربي وإسبانيا ودمشق وبيروت... إلخ) في حين معظم القصائد التي كتبها في مدن المنفى كانت بغداد والبصرة حاضرة فيها. إنه محكوم بالحنين للمدن التي يسعى إليها ويضي عها>>(7) إضاعة الأسلاف لإسبانيا, عدن التاريخ العربي وفردوس فذاذته الحضارية.

كذا تحمل الأنا الشعرية القسط الأوفر من عبء التلفظ والإيهام الشعريين على مدى المسافة النصية والتخييلية والرؤياوية التي تستغرقها القصيدة, لكن تحل لحظات في زمنية القصيدة تأنف فيها من تأميم التلفظ والإيهام فيتراخى حضورها لينفسح الأمر لقناع فروسي يتولى زمام هاتين الوظيفتين في انتظار أن تعاود مباشرة نفوذها في فضاء القصيدة. وفي هذا الصدد حري بنا أن نستحضر كون الشاعر سيشرع في التوسل بتقنية القناع في هذا الديوان بالذات, وحسبنا أن نتفطن إلى عنوانه, <<الأخضر بن يوسف ومشاغله>>, وهي التسمية المتخيلة, رغما من رنتها الجزائرية الواضحة, التي استحدثها, لتقنيع أناه الشعرية في إبان مقامه المغاربي, وسهر عليها بالتنشئة والإنماء حتى أمست واحدة من مبتكراته الترميزية, شأنها شأن أقنعة ذائعة الصيت في الشعرية العربية المعاصرة مثل <<أيوب>> لدى بدر شاكر السياب و<<عمر الخيام>> لدى عبد الوهاب البياتي و<<صقر قريش>> عند أدونيس و<<الحلاج>> عند صلاح عبد الصبور..

و عليه فأن يكون هذا القناع الفروسي من سلالة الفرسان العرب الأقحاح, فاتحين من قبيل موسى بن نصير وطارق بن زياد أو ملوك من طينة عبد الرحمن الداخل أو عبد الرحمن الناصر, أو من شجرة أنساب الفرسان الغربيين المتخيلين, المقدامين, ك <<سي د>> كورنيي أو <<دونكيشوت>> سرفانتيس, فإن ما يعنينا هو انبساط حاجة القصيدة الملحة, والمشروعة كذلك, إلى استرفاد موارد تناصية تعضد بها أداءها الشعري وتوسع بفضلها مدار تقبلها وتأويلها, هذا بصرف النظر عن ميسم المواراة الذي يطبع, عادة, إعمال الشاعر لانفعالاته القرائية في صلب نصوصه, ومن ثم <<.. ففي العديد من قصائد سعدي يوسف يبرز الوعي بالغياب كقيمة تشكيلية في النص, حيث ينبني النص على إيهام بأن نسق البنية الدالة للقصيدة لا يقدم سوى دلالته المباشرة, ولا يعد بأكثر من ذلك (...) وبذلك تكون القصيدة قد رسخت الغياب كقيمة في ممارسة إنتاج الدلالة(8). إن الغياب, سواء في هذا السياق أو في غيره, لهو عين الحضور والمحايثة ولا أدل على هذا من نعت مقترضات الكتابة بالنصوص الغائبة بينما هي حاضرة إن على سبيل الحذافيرية أو التحوير أو الامتصاص.. وفي هذا المنحى لا مندوحة لنا عن الإلماع, مثلا, إلى الاشتغال النصي الفاعل لمظان عقدية وتاريخية وشعرية عربية قديمة تثوي في لاوعي القصيدة.. لكن تحت إمرتها وفي تساوق مع مقاصدها وانتواءاتها المعلنة والمبي تة, أو ليس <<في مقدورنا نعت سلسلة الانزلاقات التي لا حيلة لنا في حبسها بلا وعي النص, وذلك باعتبار أن الانزلاق جزء لا يتجزأ من اللاوعي أصلا>>(9).

و بخصوص القناع الفروسي موضع الحديث في مكنتنا ترجيح أي معادل فروسي كان للأنا الشعرية, سيان من المتخيل الفروسي العربي أو من نظيره الغربي, ما دام يستجيب لمواضعات اللحظة الشعرية, لكن والمقامية الدلالية للقصيدة تقتات من موضوع بعينه فإن هذا لمم ا يرجح حضور الدونكيشوت الذي وإن غابت قسمات بارزة من الرواية, التي هي مسقط رأسه الخيالي البدئي, يشخص, مع ذلك, في عرض القصيدة نثار من القرائن الآيلة إلى هذا الرمز الروائي, وفضلا عن هذا وبما أن الأمر يتعلق بأرض الفارس الفانطازي, الجوال, الحزين التي درع مناكبها بحثا عن متنفس لسؤاله العشقي - البطولي الفادح, سؤال دولسيني - إسبانيا القروسطوية, الرعوية, الحلمية, المعافاة من أدران العقلنة والمؤسسية والجشع التي استجلبتها الأزمنة الحديثة, أفلا يعد أولى من غيره, والتاريخ تاريخ ذويه هو أيضا, في درع أرض القصيدة هذه المرة برفقة أنا شعرية معنية, هي الأخرى بأندلس كوسموبوليتية, متعالية, بله مستحيلة, تصر على إغلاق بوابتها في وجه عاشقيها:

- إن كل المنازل مغلقة, فأمام الوجوه

الشريدة, لا يفتح الناس أبوابهم

قد نسينا بقرطبة الشرفة الأموية

و الطفل.. حين نسافر ننسى الحقائب

أو نتناسى متاعبنا وكتاب القصائد

يا أيها الفارس المستحيل: تظل المسافات

تنأى, وفي مقلتيك تغور الشواطئ

لا تكتئب فالحوافر فيها الشرار, وهذا

السبيل الحجار...

إن منتهى ما يمكن أن تسديه أندلس من هذا الطراز, إن لان جانبها, إشفاقا على القناع والمتقنع به, هو أن تفتح لهما كوة رمزية يطلان منها, ليس أكثر, على أندلس طارق بن زياد وعبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر وأبي عبيد الله.. ابن باجة وابن طفيل وابن رشد وابن ميمون وابن زهر وابن حزم وابن عربي وابن الخطيب.. الرمادي وابن خفاجة وابن زيدون وولادة بنت المستكفي والمعتمد بن عباد وابن زمرك.. أندلس مدرسة الألسن بطليطلة وقصر الحمراء بغرناطة وقرطبة بجامعها الأعظم وحم اماتها الألف.. محفل السحنات والألسن والطباع والسجايا.. مدرج الحرية والاختلاف والتسامح والتعايش.. أندلس الانتشاءات الكبرى والغبطات النادرة.. قرية العرب واليهود والكاثوليك والغجر والسود.. أندلس صرامة الحياة وجودتها في آن معا.. دارة الكد المعرفي وأبهة العيش وبهجته وأناقته ومخمليته.. أندلس الملوك والر عاع.. الأميرات الباذخات والوصيفات المستعذبات.. النبلاء والدهماء.. العقلاء والحمقى.. التجار والدراويش.. المتكلمين والهراطقة.. الفلاسفة والشعراء.. الموسيقيين والمهرجين.. الحك ائين وقوافل منشدي التروبادور المرتحلين.. وفي كلمة يطلان على الأندلس اللوركوية, اللمعة الهائلة في دياجير تبلد كوني عارم, السلوى الحضارية غير القابلة للتكرار, أندلس ما قبل السقوط والاندحار, ما قبل محاكم التفتيش وانطلاق تغريبة أبنائها الموريسكيين في المنافي والتواريخ.

من هذا الضوء نقول, وعبور الشاعر للوادي الكبير فعلي ما في ذلك ريب, إن القصيدة وهي تؤشر على رمزية عبور الأنا الشعرية للوادي, الشريان المائي الأزلي للجغرافيا الأندلسية الواطئة والنضرة, توسطا بميثاقية العنوان وعلى رؤيتها, ضمنيا, لما رأته, فالظاهر أن تمن ع الأندلس المستهامة عن الانبعاث ثانية من رحم الأرض محل الرؤية, على نحو ما ذكرنا, لا يبلبل الصدقية المحتملة لهذا العبور, بل يؤكدها وأكثر من هذا سيقو ي من حافزية هذا العبور التخييلية والرؤياوية, إذ سيتم الزج بهذه الأنا, وهو ما تسنده موحيات القصيدة التي هي مأوى النهر وعابره, في مثلث ترميزي تشيده هذه الأخيرة ويتألف من ثلاثة أركان مجازية ضاربة <<تفصح عن المسافة الفاصلة بين حرفية المعنى وافتراضيته وتضمر في نفس الوقت نظاما ثقافيا>>(10) برمته, عنه تصدر الأنا الشعرية وهي تتقر ى الأرض والتاريخ, مجالي عبورها المتحقق, وهي:

/ مجاز الديمومة ممثلا في النهر المتأبد جريانه واندفاقه, الشاهدة ذاكرته المائية الحية على ذاكرة التراب الخربة والزائلة, وإذ تعبره الأنا صوب الخراب فإنما هي تستقطر ذاكرته النشطة, تستنطقه, وتقتاده إلى برهة أنس وامتلاء غرناطية صميمة لينصب, عوضا عن البحر, في تلاوينها ومستدقاتها , وبالتالي إلى مرقى من مراقي الرؤيا الشعرية الشاملة:

- جوادي على الوادي الكبير, ورايتي

بغرناطة الأبراج, يكنزها الصخر

فلا تسألوا عني وعنها. فإننا

لها آخر العشاق. والهاتف السر

لقد كان لي فيها أنيس. وإن لي

أنيسا بها. حتى لو اجتاحها العصر

و غي ب ما بين القلاع وسهلها.

/ مجاز التصر م مجسدا في التاريخ المنذور للتفتت والانقضاء, للتحول والانمساخ, والآيل إلى الاختزال في مجرد معادلة مثناة طرفاها ما قبل وما بعد, ومن ثم لا غضاضة في أن ينسحب الفاتح العربي طارق بن زياد ويعود من حيث أتى ويحل محله الرحالة الإيطالي كريستوفر كولومبس وهو في طريقه إلى العالم الجديد, وذلك إرضاء لمشيئته الماكرة ومطاوعة لإملاءاته المزاجية, أفليس ناموسه أقرب إلى المسخرة منه إلى المعقولية:

- آخر رايات كولمبس المستدقة تبحر من برشلونه

و آخر أبراج غرناطة اقتحمته خيول الشمال.

تصير المسافات لي راية... إن أهلي بعيدون

لا تحمل الطير أخبارهم لي, ولا تحمل الطير

أخبارنا

لهمو.. يا جناح الليالي الطويلة, كن موطني

و الكتاب الذي ليس يطبع.. كن في مقاهي

المحبين

دورة شاي...

/ مجاز الفجيعة معب را عنه في كارثية السقوط ودموية الحاضر, في تتجير المعارك وشيم النبل والبطولة, في انهزام الذات والمجموع, في الخسران المطبق على الأبدان والأرواح والذي لا يترك للأنا الشعرية, أو لقناعها الفروسي لا فرق, من خيار سوى خيار الوحدة, بله الموت:

- قميص.. لكل المشترين أبيعه

و سيفي

و عينا جوادي.

أنا الآن منجرد بينكم

فاحملوا كل ما يشترى

- هل خسرت سوى عبء أغلالكم ?

.................................

و اتركوني وحيدا

دعوني أقل ما أشاء

دعوني أكن ما أشاء

دعوني أمت. أو أعش نجمة

فغرناطة العشق عريانة وحدها

إن غرناطة العشق عريانة وحدها.

على أن عري غرناطة, درة النبوغ الأندلسي, ليس إلا امتداد لعري رمزي كاسح تنضوي إليه كافة المدائن العربية البهية, دمشق الأموية.. بغداد العباسية.. القاهرة الفاطمية.. عري تجردت معه من امتلائها الإنساني الغامر لترتدي الفضيحة والعار وقتامة الدم, عين الدم المسيل في عروق غرناطة الفرانكوية, الفاشستية, الظلامية, التي هان عليها تقايض خرير ماء سواقيها المطرزة في بساتين الرمان والكرز والتوت.. في حدائق الأقحوان والنسرين والنيلوفر, بلعلعة الرصاص الحاقد والهمجي في الأزقة والباحات والضواحي, هوان الازورار عن ابنها فديريكو غارسيا لوركا, ذلك الشقيق الأندلسي, الفريد, التراجيدي, للأنا الشعرية, وصاحبها بالتبعية بحيث <<إن بين عالم سعدي يوسف الشعري وعالم لوركا, وكلاهما واقع مرئي, أكثر من وشيجة, بدت مبكرة ونمت شجرة, وأثمرت زهرا أبيض وأخضر وأصفر... ولكنه كله مضرج بالدم, دم الإنسان القتيل بشتى السبل وفي كل الأماكن...>>(11), ومن شدة معزته للوركا وانغوائه بعالمه الشعري سوف لن يتورع الشاعر عن تعل م اللغة الإسبانية كيما يستفيد منه, ويستمتع به أيضا, في لغته الأم.

في توض ع أليم, ممض , مزلزل, كهذا الذي انوجدت في معمانة الأنا الشعرية, ومن قساوة مراوحتها رقعة هذا المثلث الترميزي, المنفسح مجازيا فوق اللزوم والمتضايق كيانيا حد الاختناق لن تبطئ القصيدة في تحفيز العابر المأساوي على التحرك, مكوكيا, بين قطبي الماضي والحاضر, أي المزاوجة, لكن داخل هذه الرقعة وليس في خارجها البراني, بين الاستذكار والتحيين, ومن هنا له, بهذا المعنى, أن يرتجع كيانيا, تخففا من وعثاء اللحظة الشعرية, إلى أقصى تخوم الذاكرة, إلى مسقط الرأس, كما لو أنه <<ذاهب للبحث عن زمن مفقود يمكنه, لأن هذه هي رغبته, من إبطال خفقان الزمن>>(12) من الأصل, والاعتياش على نوستالجيا البصرة ونخيلها العدني, ولم لا أور, سويداء الجغرافيا الميثولوجية السومرية, وحيث لم ا تزل تسري في مسام أنقاضها المهملة أنفاس الملوك - الآلهة, وحيث يعانق اللاهوت الناسوت ويتناغم المقدس مع المدنس, أو سمرقند, هناك في ما وراء النهر, ثم يؤوب, من الفور, إلى عز نهار العالم متخليا عن استذكاراته, المسقطة على ضمير مخاطب مؤنث, ويفرك عينيه حتى يبصر المنقلب البائس لبحر شاعري, باذخ, كالبحر الأبيض المتوسط كان أوان المجد الأندلسي بحيرة عربية مسالمة تمخرها السفائن والهامات العربية المتسامقة والثروات والأفكار بينما أصبح الآن مجرد مسبح بحري خلفي لبوارج الدمار الأمريكية. وإذ تصوغ الأنا الرائية بالسؤال ثم تتكفل هي نفسها بالإجابة تلتئم قدام ناظرها مشهدية مستهامة تتنازع مساحتها عتاقة الذاكرة العراقية وصفاقة الهيمنة الأمريكية لا تعمل سوى على تكريس يقينها في تلاعب التاريخ بالأفراد والأمم ومقامرته بالجغرافيات والمصائر:

- ها...

هي...

كواكب مائية في السماء التي تعرف الصيف والسفن

الأمريكية الصنع,

في المتوسط لا تستحم الكواسج

هل تذكرين المنازل ?

تلك التي غادرتها السفينة ?

لا.

حانة البحر في أور ?

لا.

دارتي في سمرقند !

لا.

(3)

إن نحن اعتبرنا بأن <<اللغة الشعرية ليست هي خالقة شعريتها الخالصة بقدر ما تستمدها من العالم الذي تضعه موضع تصوير>>(13) يبدو ألا مندوحة لنا عن الإقرار بالمنسوب الشعري الهام الذي تحقق للقصيدة بفضل العالم الأندلسي الجميل, والمأساوي كذلك, الذي جعلته محط تخييل واستبطان وإسقاط. وإذن وهي تخترق الحيز الأعوص, الدامي, من الذاكرة العربية أمكنها ليس فقط تسجيل نقاط حاسمة على مستوى شعريتها, مبنى ومعنى, بل والارتفاع, لا واعية وبطريقتها الخاصة, وهو ما يتشبث به الشاعر, عن الملموس أو العياني إلى المجرد أو المتعالي الكوني, لا القومي, أي إلى المدرج الماورائي لفكرة السقوط بما سقوط للإنسان بالمطلق لا سقوطا للأمم والأوطان, وبحسبانه الموضوع الأثير والجوهري للشعريات الحقيقية وفي مقدمتها شعرية شارل بودلير الذي ستشكل <<.. أساطير الفردوس المفقود, الخطيئة الأصلية, والسقوط المستديم مادة أحلامه والتي سيعتبر تحيينها المتجدد واللامنقطع من صميم الطبيعة الشعرية>>(14). فسقوط الأندلس في ميقات تاريخي معلوم وانسياح أبنائها المقتلعين منها عنوة في جغرافيات الشتات ليس سوى المظهر المتشذر لسقوط أعمق, جذري, مريع يؤول إلى فجر الكينونة, يوم تدحرج الإنسان مرغما من الرحم الأولى إلى القعر من الوجود, من علياء النعيم إلى درك المشقة, وبهذا يكون الشاعر قد عبر الوادي الكبير إلى أندلس لا تعدو كونها بوابة أرض الشعر بامتياز, أرض التماهيات الرحمية والتشوفات العدنية التي يلتف بها الشعراء الأصيلون, الممسوسون بجمرة الشعر الوقادة, على لعنة الانهواء الآدمي المزمن إلى القاع من وجوده الأرضي, على مأساويتها المستنزفة لأجسادهم استنزافها لأرواحهم ومخيلاتهم إلى حد <<انتفاء الحاجة إلى اختبار آلام الشاعر لكي نغنم غبطة الكلام الذي يمنحنا إياه والذي يطغى على المأساة ذاتها>>(15).

و كما أبناء الأندلس الذين اقتلعوا من ذاكرتهم وطو ح بهم في أرجاء البسيطة سيكون من نصيب الشاعر, بل لنقل من حسن طالعه الشعري والرؤياوي, أن يقتلع هو الآخر من موطنه ليتيه في المنافي, إذ <<.. أصبح المنفى عندي, منذ 1957 حتى الآن, حالة مستمرة تتخللها أحيانا فترات عودة قصيرة ومحدودة, لكن الطريق الرئيسي فيها هو النفي (...) الآن أجد المنفى حالة طبيعية, لم يعد الوطن يمثل لي أرضا فحسب, إن الوطن الذي أحس بالانتماء إليه حقا هو ملكوت الحرية, وأنا أحرص على أن أصون هذا الملكوت وعلى أن أبقى حي ا فيه>>(16), ولأن <<أرض القصيدة هي اللغة ولا شيء غيرها>>(17), فإن هذه الأخيرة هي موئل حرية الشاعر اللامشروطة في أن يباشر مواطنته الحلمية ضدا على صنوف المواطنات الدنيوية المستلبة, الخنوع, المتيبسة, المغبرة, التي ترسخها تتاليات سقوط مكاني وتاريخي إن هي إلا تنويع على بذرة سقوط إنساني جوهري يرتد إلى تلك اللحظة الكونية السديمية الباكرة.

حسبه أنه جاء وعبر الوادي ورأى, لكن ليس كما مجيء يوليوس قيصر إلى الإقليم البريطاني السادر, حينها, في بحبوحة البربرية والجهالة, أم ا رؤيته فلم تكن من جنس رؤية القائد المزهو, المستكبر, تماما كما لم يكن معنيا بالانتصار شأنه, ومن أين له ذلك ? على الماضي والحاضر دفعة واحدة, لقد رأى ما رأى من ذات الزاوية التي رأى منها جلجامش, سلفه السومري السحيق, ما رآه, والقديس يوحنا ما رآه, ودانتي أليغيري وت. س. إليوت ما رآه.. أي ما يخبئه المرئي من عتمات مدلهمة لا تقوى على تبينها سوى البصائر الحرة والمتجاسرة, وبعدها فلتتناسل المنافي ولتتواتر الغربات, أو ليست القصيدة, في المحص لة, هي مسقط رأس الشاعر ومقبرته كذلك, وقبل هذا وذاك أفليست هي أرض معتركاته الرمزية الضارية, أرض انتصاراته الاستثنائية وارتكاساته الدائمة ?!

الهوامش

1 - طراد الكبيسي: سعدي يوسف, الشاعر الذي رأى, مجلة (الآداب), س 20, ع 21, دجنبر 1972, ص 65.

2 - ديوان <<الأخضر بن يوسف ومشاغله>>, الأعمال الشعرية, المجلد 1, دار العودة, ط 3, بيروت 1988.

3 - فاطمة المحسن: في مسيرة سعدي يوسف الشعرية, مجلة (الفكر الديمقراطي), ع 4, خريف 1988, ص 157.

4 - Michael Riffaterre: La production du texte, Paris, Coll.

Poétique, Ed. Seuil, 1979, p. 11

5 - سعدي يوسف: كي لا نذعر, مجلة (الفكر الديمقراطي), ع 3, صيف 1988, ص 118-119.

6 - tique, traduit du russe parIouri Lotman: La structure du texte artis

Anne Fournier, Bernard Kreise, Eve Malleret et Joelle Yong, sous la direction

Henri Meschonnic, Paris, Ed. Gallimard, 1973, p. 186 D

7 - فاطمة المحسن: مرجع مذكور, ص 158.

8 - سي د عبد الله: استراتيجية الغياب في شعر سعدي يوسف, مدخل تناصي, مجلة (ألف), مجلة <<البلاغة المقارنة>> محور <<الظاهرة الشعرية>>, ع 21, 2001.

9 - Jean Bellemin-Noel: Vers Linconscient du texte,

Paris, Coll. Ecriture, Ed. Gallimard, 1979, p. 197

01- Paul Ricoeur: La métaphore vive, Paris, Coll. Poétique, Ed. Seuil, 1975, p. 189

11 - طراد الكبيسي: مرجع مذكور, ص 71.

12 - Gaston Bachelard: La poétique de lespace,

Paris, Ed. P.U.F, 1981, p. 27

13- - Jean Cohen: Le haut langage, théorie de la poéticité,

Paris, Ed. Flammarion, 1979, p. 36

14- - Pierre Emmanuel: Baudelaire, la femme et dieu, Paris, Coll.

Points, Ed. Seuil, 1982, p. 149-150

15- Gaston Bachelard: La poétique de l

espace, Paris, Ed. P.U.F, 1981, p. 12-13

16 - سعدي يوسف: أنت, والحياة, وأشياؤها, حاوره: هاشم شفيق, مجلة (الكرمل), ع 23, 7891.

17 - Michel Haar: Le chant de la terre, Heidegger et les assises de l

histoire de letre, Paris, Ed. de L herne, 1985, p. 218












عرض البوم صور حسن الصلهبي   رد مع اقتباس
قديم 08-16-2006, 01:21 AM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
شاعر وكاتب سعودي
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حسن الصلهبي

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 3
المشاركات: 2,947 [+]
بمعدل : 0.96 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حسن الصلهبي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حسن الصلهبي المنتدى : جدل النص
افتراضي

وصف الاشياء
النزعة التصويرية وقيم النثر في شعر سعدي يوسف


فاطمة المحسن (ناقدة عربية تقيم في لندن)




لعل من بين أفضل ما انتجته اختبارات سعدي يوسف الشعرية، قصيدته التي تسعى الى تجريد القول عن زوائده، محاولة الاقتراب من اتجاه يمكن أن نسميه مجازا: الشعرية الخالصة، أو الشعر الصافي، وهو اصطلاح يقبل الكثير من الا حتمالات، وسنحاول أن ننسب اليه هذه الصفة بما يمكن أن يقاربها في النزعة التصويرية imagism التي أكدت التقشف والتخلي عن الزوائد في القول، فهي تضع المشهد الشعري أمام الناظر كما لو أنه لوحة هادئة توميء الى عوالمها الباطنية وتتهرب من الانفعال المباشر برشاقة. وعبر هذا الميل استطاع سعدي يوسف أن يتفرد بقصيدة تخلو قدر طاقتها من الفصاحة الشكلانية والاسلوب المترفع، أو الموروث الشفاهي الذي يعتمد على الصوت الجهوري والأداء المسرحي في جانبه التطهيري. أي ذاك الذي يهدف التنفيس عن توتر ويقيس المسافة الدرامية بينه وبين القاريء بما يثيره فيه من امكانية التجاوب مع عاطفته الحماسية. لأن نجاح الشعر العربي عامة ارتبط بما يضمره من عنفوان وقوة الاناشيد الحماسية منذ امريء القيس حتى شعر رواد الحداثة العربية الى ما بعد منتصف هذا القرن. كما نستطيع أن نقول إن الميل الى التصويرية في أداء سعدي يوسف كان معبره نحو التخلص من رومانسية الشعر الثوري الذي كان هو نفسه أحد أهم ممثليه. بيد أن هذه النزعة لا تقتصر عند تشخيصها، على خلو القصيدة من الخطابية والرومانسية، بل تتمثل بأبعاد أخرى يدفعنا التصور الى أنها تتشابه مع مصدرها الأصلي الذي يلتقي بمحض الصدفة أو التأثر بالفروع، بحداثة الشعر الانجلو-امريكي مطلع هذا القرن، في الاتجاه الذي وضعه مجموعة من الشعراء في المقدمة منهم عزرا باوند.

النزعة التصويرية من حيث هي توجه أسلوبي لدى باوند، كانت تعنيا لتوكيد على الصلابة النحتية في القصيدة المشغولة بدقة وصرامة، مع الايجاز والتكثيف (1)، وهي تعبر عن تطلع جيل ما قبل الحرب العالمية الأولى للتعبير الشعري وفق وسائل تخلو من الانفعال العاطفي وتنزع الى أن تكون أكثر موضوعية وتشذيبا، في رغبة للابتعاد عن الرومانسية وفصاحة المرحلة الفيكتورية المتصنعة وتأثيراتها اللاحقة، أما بصفتها مدرسة فقد ظهرت كحركة حداثة ضمت مجموعة من الشعراء الامريكان والانجليز، أعلنوا عن أنفسهم في برنامج صدر في لندن 1912. وفي خضم تنظيراتهم أكدوا أنهم ورثة مجموعة من التيارات والحركات التي سبقتهم، وفي المقدمة منها اتجاه توماس ارنست هولم T.E.Hulme وكانت محاضراته وملاحظاته التي جمعها هربرت ريد في كتابه لاحقا Speculations) تأملات) بمثابة الاعلان عن تبدل في الحساسية الفنية في كل الميادين الفنية حيث أكد اتجاهها نحو هندسة الصورة، وتخليها عن عاطفية وحذلقة الرومانس. ورأى أن النزعة الجديدة بمثابة احياء للكلاسيكية التي تتميز بالتواضع ومعرفة الشاعر حدوده حيث يدرك أن أي خروج عن هذه الحدود يولد انطباعا بافتقاده الصدق، والافتقاد الى الصدق يجعله بحاجة الى الزخارف والتنميق. ويعد هولم أول من انتبه الى القصيدة البصرية في أسلوبيتها الشرقية. (2)

كما ترى النزعة التصويرية أن لها مشتركات مع حركات أخرى تسبقها ومنها البارانسية Parassian في ميلها نحو الموضوعية، والكمال التقني، ودقة الوصف، والصرامة، وذلك كردة فعل على النزعة العاطفية وانعدام الدقة في لفظ المدرسة الرومانسية، البارانسية نمت بالتوازي مع الميل نحو الواقعية في الدراما والرواية التي ميزت أواخر القرن التاسع عشر (3). كما تحدد النزعة التصويرية صلتها بواقعية الشعر الحر التي يمثلها والت ويتمان ومنحى قصيدته في مقاربة الواقع الصلب المرئي الملموس.

القصيدة المطلوبة والحالة هذه تصبح مركبا مكثفا تدخل فيه عناصر من الرسم والنحت والموسيقى أو الايقاع في حركته الخفية، وسيتحدث عزرا باوند في تقصي تجربته الشعرية عن علاقة قصيدته بالخطوط والألوان والرسم عموما متأثرا بتنظيرات كاندنسكي في الرسم. وسيعرف الصورة على أنها: "لب الشعر الصلب. هي الشيء الذي يكشف بواسطته الشعر شكله المتميز الذي يوازي الفنون الأخرى. وفي الصورة بالذات يحصل الشاعر على الاداة أو الوسيط المنتمي اليه حيث تتجاوز الكلمة الى عوالم أبعد منها" (4). لعل أهم منعطف في تطور مشروع الحداثة عند عزرا باوند ومجموعة شعراء تلك الفترة اكتشافهم نوعية الكتابة الصينية وقيمتها البيانية حيث تميز الأشياء مصيرها الخاص من غير حاجة الى التفسير والشرح.

ويميز كلينث بروكس Brooks المنظر الأمريكي القصيدة الصينية واليابانية بخصيصة يسميها (سطوة الصورة الواحدة التي تستخدم في العادة الايحاء والتلميح، متجنبة بعناية التصريح) (5).

ولعل الأداء الشعري لدى سعدي يوسف كان يرهص قبل نضوج مشروعه، بذلك الميل نحو تجنب الثرثرة في الشعر والابتعاد عن الايقاع العالي المصوت والصور المبهرة المتشظية، فهو أقرب الى اللطافة في ملامسة الأشياء بدقة ورهافة.

وفي حديث له عن الشعر الصافي يرى أدان بلنا الحيدري وهو يحاول هذا النوع من الشعر، أدخل أدوات وعناصر على قصيدته ومنها: الموسيقى، التكرار، الاختصار، الايماء، النظر الى الداخل، احكام النسيج، رهافة معادلات عمارته... أن ما تعلمته من تجربة الحيدري اطلالة الشاعر على الفنون الأخرى: الرسم والموسيقى والفن المعماري" (6).

في هذه الحالة علينا أن نبحث في قصيدة سعدي يوسف عما يمكن أن نسميه النزعة التصويرية في اتجاهها الى نقاء الشعر من شوائب الكلام، خارج اطار استذكارا ته التنظيرية. وما يفيدنا تتبع خطواته الأكثر نضجا في الشعر العراقي والعربي عموما من خلال مجموعة من القصائد التي توخت معالجة الموضوع الشعري مباشرة دون زوائد أسلوبية. ولعل ذلك الميل في شعره يمثل خلاصة جهد كان يظهر ضمن القصيدة الواحدة المتكاملة، أو ضمن مقطع أو مقاطع من قصيدته. ونحسب أن هذه النزعة تشكل هوية شعره المتميز الأكثر وضوحا والذي طمست غزارة انتاجه بعض معالمه، ولاسيما في السنوات العشر الأخيرة. فعدد كبير من قصائد التسعينات لديه تحاول الاتجاه شكليا الى هذا المنحى: البساطة، الاختزال، الصورة الواحدة، التخفف من الوجد، والعاطفة المحتدمة، ولكنها تفتقد في الغالب الى زخم قصيدته التي تجسد تجربة روحية عميقة.

وفي ايضاح ما نعنيه من تصور عن اهم اتجاه في شعر سعدي يوسف، ستفيدنا قصيدة (البرج) 1973 من ديوانه (تحت جدارية فائق حسن) كعمل يمثل خلاصة تجريبه الناضج في سنوات خصبه الأولى، فهي قصيدة صارمة ومباشرة ونظيفة حسب تعبير اصحاب النزعة التصويرية وهي بصرية من حيث مكونات نسيجها اللغوي ونبرتها الخفيضة ووضوح النزعة التشكيلية في صياغتها:

"كلما ضقت بالسهل، واجهني عاليا..

كان صخر الجبال القريبة ينمو عليهن وتنمو على

الصخر أعشابه

كان برجا قديما

منه أبصر حتى القلاع موطأة، والسماء التي يحتويها

سديما

كان برجا قديما

مائلا لليسار قليلا، ومنهدم الباب

يدخله الصاعدون

ويخرج منه الذين يرون النجوم القريبة.

ولقد يأخذ السائحون

في حقائبهم بعض أحجاره.. للمعارض والكتب

والمدن المستريبة.

وهو يسخر، في صمته، عليا..

مشرعا بابه المنهدم

مائلا لليسار قليلا

مائلا في المعارض والكتب والمدن المشتريبة هما مقيما

كان برجا قديما".

هذه القصيدة تعتمد على الصورة المهيمنة للجماد، الثابت المستقر في المكان. يضع الشاعر التخطيطات الأولى لها حين ما تكتمل على هيئة شكل امامنا. العناصر فيها تشخيصية تجسد تشكيلا مكانيا يوحي باستقراره، وهو يستدعي الى ذهننا العنصر النحتي فيه، حيث تحذف الاضطرابات الانفعالية التي تهبط في العادة بالمتحرك الى دوامة الانشطة الجزئية في الاشياء في حين يقيها الصقل الصامت الساكن في استمرارية ثباتها (6).

يركز الشاعر انتباه القاريء على هذه البؤرة (الجماد) ويجعلها ساطعة واضحة، عبر تكرار الزمن المستقر (كان برجا قديما). في لمسات قليلة وموحية يوبأ حركة هذا الجماد، فصخور الجبال التي تنمو متواشجة مع نمو اعشابه تواصل الظاهرة الزمنية في ديمومتها المتواترة. يحرك الشاعر الهواء قليلا حوله (مائلا لليسار قليلا، ومنهدم الباب) يظهر من هذه الحركة ايقاعها الداخلي والهاديء في حالين لهذا الشيء -مائل، منهدم - بيد ان الزمن عبر هاتين الحركتين يخلو من طابعه التوتري، اي من زمنيته الواهنة، ليصبح ذاتيا او أمنيا او مطلقا ان شئنا، لأن الحركة الخفيفة تدخل هذا (الشيء المرئي) في موقف نوعي. انها نتجا به نحو الانفعال أي الرؤية التي يتحدث عنها تودروف، تلك التي تسمح بوصف الانتقال من الخطاب الى التخيل، ويدلنا على هذا الحضور في الايقونات، فالوجه الرئيسي موجه نحو المشاهد، في حين أنه ينبغي أن يكون - حسب المشهد المعروض موجها نحو المحادث. الرؤية حسبما يصفها تودروف حيلة التخيل أو بلاغته (7)، وحيلة التخيل في هذه القصيدة تعتمد في فهمها على قوانين تختلف قليلا عن تلك التي تحكم علاقة القاريء مع القصيدة الوجدانية. فلدينا هنا صورة واحدة تواجه قارئها حين تدرك شكل الشيء المعروض لذاته لا للعاطفة التي تحف به، فنحن ننتقص من هذه التجربة الانفعالية عندما نؤولها كما هو متداول، على أنها تعني تخيلا، صيغة قضية معنوية مجسدة، فبعضنا يمكن أن يسأل ببساطة كما هو الطريق المفني الى اللغز في الحكاية الشعبية: ما هذا الشيء الذي يشبه البرج في ميلانه القليل الى اليسار؟، وما البرج الذي (يسخر في صمته، عاليا../ مشرعا بابه المنهدم قليلا). وربما نحاول التنقيب عن معان فكرية أو معنوية، بيد أن جمال القصيدة مستمد من لغز صيرورتها في زمن خارج الزمن العارض للموا قف سواء كانت فكرية أو سياسية. انها تتخفف من عبء المعنى عندما يكتفي الشيء الموصوف بجماله الذاتي مبتعدا عن قدرته على محاكاة الفكرة. كما أن هذه الصورة تكتمل عندما نستطيع عزل العناصر التجريدية عن التجربة الذهنية لنتلمس واقعيتها. فعنصر المفارقة الشعرية ينبثق في لحظة ادراكنا البعد الروحي للصورة المجسدة في التشكيل سواء كان نحتا أو رسما أو صورة شعرية توازي الفن التشكيلي ولا تحاكيه لأن الفن الشعري لا يحاكي التشكيل في كل الأحوال. أي أننا نكون قادرين على أن نحرر هذه الصورة من الرمز والاشارة التبسيطية والوجد الرومانسي، عندما ندرك قوة الايماء فيها أو اللمحة التي تمر عابرة في خاطرنا بما يشبه الانخطافة بعيدا عن الاحساس بدراميتها أو بقدرتنا على تفسيرها.

وفي قصيدة أخرى يكون للفعل أهمية تصويرية خارج زمنية حدوثه. نصه (القنفذ) 1979 يرسم هيئة حيوان بطيء الحركة (يكمن في قارته القديمة / منكمشا، بين تراب الشمس والعشب المسائي / وحيدا، / بطنه الأبيض مشدود كجلد القوس / والعينان تشتفان صوت النمل / والرجفة في الماء الذي يخترق الجذع / وتشتفان ما يلمسه الطفل إذا جن / وما تأتي به الأشجار، أو تأتيه.. / والقنفذ / هذا الكامن المأخوذ بالأشياء في قارته القديمة / والمحتبي في الغفلة العظمى / الذي ان ظنه الأطفال يوما / كرة الأسمال يلهون بها، / أو حسبته المرأة الصخر الذي يدلك رجليها / وأفعى النخل ان ظنته فأرا هامدا / ما حل من حبوته. لكنه في أول الليل / وفي قارته القديمة، يسعى / بطيئا ضاحك العينين / مسرورا بأن الأرض فيها هذه الفتنة.)

هذا السرد الذي تكمن فيه سخرية خفية، يبدو فيه ما يشبه الاذعان الى قوانين النثر في الكتابة الشعرية ونجد تطبيقاتها في الكثير من شعر هذا الشاعر. فالنص بما يقوله لنا عن طبيعة فيزيائية للحيوان، يثير ملس الاحساس به، البصر يحيلنا الى المنظر الواقعي لا المتخيل أو الشعري في حالته، منظر هذا الكائن المسحور بعالمه الباطني، فوصفه التفصيلي وضع بين أيدينا حالتين من التضاد: الخشونة الظاهرية ونعومة الباطن. وعبر تصويره الصفات الأولية التي تدركها حواسنا: الحجم والشكل والحركة، أحالنا الى البؤرة الشعرية التي تتمحور حول المدرك الحسي في هذه الحالة. صفات هذا الكائن المنظورة تتحول الى مواهب في التخفي تمنح لصورته بعدها الملتبس. فبتحوله الى صورة الجماد يبني حوله متاريس تمنع عنه الأذى، وتلك مفارقة سردية لا تمت الى الشعر بصلة كبيرة، بل تميل الى النثر العقلي في معرفة طبيعة الأشياء وفي كمسها. ما أدركا الشاعر من معنى يبقى ضائعا ومفتقدا لشعريته لأن احالة اشاراته في كل الأحوال واقعية. غير أن بمقدورنا ادراكها تحت تأثير مستويين من الوعي ذاتي وعام وعندما يتحقق الأول تصبح للغة تقرير الحقائق أو اللغة النثرية في بعدها العقلي وظيفة شعرية، ربما ينسبها الشاعر عند تفسيره مضمون القصيدة الى صفات الرجل الذي يتخذ هيئة القنفذ (المتقنفذ) (8). ولكنه في هذه الحالة ينزع عنها بداهة اللحظة التشكيلية التي يضع فيها الشاعر اللمسات الأخيرة للوحته حيث ينقلب كائنه المضحك الى ما هو عليه من حالة شعرية سيسل فيها قائل النص احساس الحيوان الباطني (مسرورا بأن الأرض فيها هذه الفتنة) هذا هو الانحراف أو حركة الالتفاف التي تحقق حيلة التخيل، لا في طرافة المفارقة بين الكائن وفعله، بل في ممكنات السكون والحركة في رسم الصورة المرئية. طقس الشعر هنا يحاول أن يغير بعض شعائره، فالأثر الذاتي المتحقق عند المتلقي لا يعتني بعاطفية الرسالة أو انفعا ليتها ولكنه يهتم ببصريتها وبصوريتها.

المخيلة التصويرية تتحول من عالم الطبيعة الخارجي الى نظام ترميزاته في قصيدته (الجوهر) 1989 بعد تجريد بعض مكوناتها عن المشخصات العينية، وتبقى الصلة بين الذات والموضوع تعكس الرغبة الحيادية في نقل المرئي الى المشاهد. وهو نص يذكرنا بشعر التصوف مع أن سعدي يوسف لم يلتجيء الى تقليد هذا الضرب من الشعر أو التشبه بمفرداته الا نادرا وهي ميزة تحسب لصالح هذا الشاعر. يوقع القائل هنا بموسيقى خفيفة على المعنى من دون أن يستخدم العاطفة:

" بينما كانت الريح تدخل في دوحة الجوز

قلت لها: هل تبيتين فيها ؟

قالت الريح: من كان مثلي نبيها

بات يسري..

ولكنني، لحظة، استريح

قلت هامسا: ومن كان مثلي يا ريح؟

ردت: عدمت الشبيها."

لنرسم تشكيلا هندسيا لهذا النص لكي نلامس موضوعه، ومنجد أمامنا دائرة في متخيل مفترض. الاطار العام للحركة يدفع تصورنا نحو هذا الشكل الدائري. هناك دوحة الجوز التي تدخلها الريح، ونستطيع ادراكها حسيا. وهناك سكون متحرك في ذلك الحوار بين الريح وقائل النص يحرضنا على تخيل صيغة استراحة الريح، وهو تخيل روحي أكثر منه ماديا لأن زمنيته ضائعة توميء الى عالم باطني من دون أن تفصل فيه. الريح تفلت من المستقر بما لها من صفة اختارها القائل من أجلها. فهي هنا تتردد ضمن مجاز عقلي أعم من الاستعارة. ولكن أين التأويل في هذه الفقرة ؟ لعلنا نجده في صيغة الحوار وفي مضمونه ودلالته. أي في توق القائل الى التشبه بالريح تلك التي تخالف صفاتها فهي في الأصل لاستقر لها، ولكنها تدخل الآن في حيز مكاني يبدو القائل عاجزا عن أن ينسب لنفسا صفة تبدل طبعها.

الأهم في هذا التعبير الصورة التشكيلية التي تجذبنا: طريقة نحتها، اختصارها. الايماءة التي تشير الى العالم الباطني والضربة الأخيرة فيها. نستطيع أن نتحدث عن الوعي مجسدا في صورة، صورة تنطوي على حركة دينامية رشيقة دائرية تلف النص وتتهرب من الواقع الصلب مع أنها تصفه في لمسة واحدة.

في النصوص الثلاثة نستطيع أن نمسك الميزات التي تشكل القاسم المشترك في تجربة سعدي يوسف في هذا الميدان ومن أبرزها: سطوة الصورة الواحدة، الاختزال، التهرب من المعنى المباشر، الصيغة التشكيلية ل وضع لمسات قصيدته. انه يقول: "الشاعر يكتب بعينيه وأنامله ومسمعه. وثمة آلة عود خفية، صغيرة، كالتي جاء بها الشاعر الصيني هان فوك من ذلك المنبع قرب النهر العظيم. هذا العود الخفي، يهب كل ما ترده العين، وتلمسه الأنامل وتستقبله الآذان، ايقاعه الخاص المتفرد" (9).

لعل تجديد سعدي يوسف وفق هذا المنحى، كان من أهم مشاريعه، بيد أنه لم يسع الى استكماله عبر محاولة ايجاد مخرج للتخلص من عبء التفعيلة، لأن طموح الشاعر بقي محصورا في اطار موسيقى ما سمي بالشعر الحر، في حين يوفر هذا المشروع بتكوينه التقني لغة وعوالم، وامكانات أرحب للانطلاق خارج نظام الوقفة في أقل تقدير، تلك التي تظهر في الكثير من نصوصه كحواجز كابحة تعوق امكانية تقدمه نحو قول عصري يستخدم لغة طليقة من دون محددات.

الكثير من قصائد هذا الشاعر الجيدة تعتمد على بداهة طبع وعفوية، غير أنه في الوقت عينه شديد الانشغال بالكيفية التي يؤلف فيها تركيبة قصيدته، وسنجد في العديد من النماذج التي ترجمها لمجموعة من الشعراء ما يدلنا على مشتركات بين شعره وشعرهم. فهو يختار ما يترجمه وفق هوى شعره أو وفق استشعارات وجدانية وجمالية تربطه مع الشعراء الذين ينقل عنهم. وفي معرض حديثه عن الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس الذي قدمه الى القاريء العربي يقول "وراء قصيدته جهد عظيم، وروح مصفاة، صافية، أوصلت قصيدة الحياة اليومية لديه، الى هذه القطعة الغريبة من البلور". (10) وليس مصادفة أن نجد في رصد الاشياء على نحو تعبيري وأخر صوري لدى ويتسوس ما يرجح تلك الميزة التي تتشابه وقصيدة سعدي يوسف، وعلى وجه الخصوص تلك التي تتبع فيها حالات الأشياء في الطبيعة: الورقة، الغيم، الشجرة الى ما اليه من صور ساكنة تتفتح على علاقة تأمل وتمعن بين مركبات الأشياء في ذاتها لا في انتسابها الى ما هو خارج عنها. في حين نجد الكثير من قصائده مشبعة بالصيغة التعبيرية في الافصاح عن تلك العلاقة، أي بما له من قدرة على اقامة علاقة ذاتية حميمية مع الأشياء. ان تجاور الصيغتين في شعر سعدي يوسف يدلنا على مشهد واحد من مشاهد تجريبه المنوع، ولكن هذين النهجين هما الأكثر وضوحا في شغله. ويظهر الاختلاف بينهما في جانب مهم من تجربته التي تشبع التعبيرية فيها الصيغة الرومانسية، في حين تحاول التصويرية التقليل من قوة حضور الرومانس في نصه أي علاقة الذات بموضوعها.

يكتب سعدي يوسف في (الينبوع) 1982:

"لكنني للبحر، هذا البحر، أرجع

احتوي عدنا بجيب قميصي الصيفي

المسها كأني المس امرأة السواحل

والقباب البيض

والأهل الذين نأوا...

ويهتف بي دمي

أني الى الأمواج أرجع

أحتوي عدنا بجيب قميصي الصيفي

أحملها كوردة ساحر

وأقول للعشاق: هذه وردتي

فتقدموا للبحر

أن سميه صدف

وأن شميمه أحمر..."



ويكتب في نصه (الجزائر) 1980

" في المقهى

رائحة الصوف، وشمس غاربة

والساعة

ثابتة عند الثالثة...

القهوة الباردة.

يدخل شرطي في المقهى

يجلس في زاوية، ينظر نحو الساعة، جديا

ويعدل ساعته،،

يأتيه النادل بالقهوة ساخنة،

يشربها

ويغادر.

أنظر نحو الساعة في الحائط

: هل كانت في الثانية ؟

المقهى يكتظ / ويمضي النادل نحو الباب

ويغلق باب المقهى."

القصيدتان تجسدان تجربة ذاتية، بيد أن الإدراك الأدبي للمكان لدى الشاعر يظهر في طريقتين للأداء، فانتساب الفاعل الى المدينة في النص الأول تنتظمه علاقة انصهار، ولفرط المودة التي يستشعرها بتبادل المواقع بينه وبين الشيء المرصود، يكون هو الذي يحتوي المدينة في جيبه، في حين تقتني المحبة في هكذا ظرف أن تضمه هي اليها، المقطع يفيض بذلك السحر الغنائي الذي يقرب الأشياء من بعضها ويربطها بدف ء المشاعر. روما نسيته تتبدى في تناغم الذات مع الطبيعة، الشعور بحلول المثالي في الواقعي على نحو تعبيري، والفاعلية الحاسمة في هذه الصورة تكون للذات الفردية التي تمتزج مع موضوعها. فتغدو عدن - المدينة، مكانا عاطفيا تضفي عليه محبة الشاعر الأوصاف التي تشكل هيئته المجسدة. في حين يستخدم الشاعر في القصيدة الثانية المنطق التصويري لبث اشاراته عن المكان، فالجزائر تختصر بمقهى، في حين كان يرى الى المدينة الأولى على أنها البحر في اتساعه. تمثل أمامنا نسقا من التبدلات الطفيفة في حركة الصورة في القصيدة الثانية التي يقف منها المصور على مبعدة وينقلها بحياد عاطفي، فهناك ما يشبه الثبات على زمن تتوقف عنده الساعة المعلقة على الحائط وهناك روائح سرية يشيعها المكان - رائحة الصوف، وشمس غاربة - وهي تشير الى تلك اللمسات الهادئة التي يرتب بها منظر الطبيعة الصامتة في اللوحة اجراء طفيفا يطرأ على الايقاع حين يدخل الشرطي ويهرع النادل اليه. ولكن حركة المادة تبقى باطنية، مع أن كل اشاراته توحي بواقعية الحالة وزمنيتها. إن تجريد الصورة وسرية حركتها تعكسها موضعة الذات في موقع ادراكها الكلي في الحالة التي تمثلها المدينة، عبر رصد الجزء الصغير فيها (المقهى) وهنا يمكن أن نلحظ الفرق البين في اتجاهات شعره بين تعبيريته والنزعة الأخرى التي تقرب من الاسلوب التصويري.

تطور مشروع سعدي يوسف فيما يمكن أن نسميه المقاربة الموضوعية للحالات والأشياء، ولعل شغله في السنوات الأخيرة يميل في الغالب الى هذا النوع من الشعر. انه يجد الأسباب الأكثر رجحانا لترك المسافة بينه وبين مواضيعه بعد أن تقدم به العمر، ولم يعد الرومانس والغناء العاطفي يستهويه. بيد أن ما يكتبه الآن لا يمت الا بصلة ضعيفة الى ما برع به في السابق وعبر قصائد قليلة أو في مقاطع محدودة ندرك صوت سعدي الذي نتعرف عليه ويفلت منا كما لو أنه أقرب الى الصدى الواهن لتجاربه المهمة. نعثر في ديوانه (محاولات) الصادر في 1990 على مجموعة من النصوص القصار التي يحاول فيها الشاعر تعزيز تجريبه في الشغل التصويري، بل ويستعين في واحدة منها (خريف وامتثالات لابيات يابانية) 1987 بقصيدة شاعرة يابانية من القرن التاسع، وأول ما نلحظ في هذه القصيدة ذلك الخلل البين في هارموني تركيبها بين اللطافة التي تمس فيها الشاعرة الأشياء وبين شغل سعدي الذي تثقل خطواته سنوات العمر وكثرة الانتاج فتبهت صوره ويضطر الى الافاضة والاسترسال بدل أن يحضر ويصقل صورته من الشوائب:

الشاعرة تقول:

: "قمر بهي/ كما سرت / تناءت أبعد فأبعد/ سماء مجهولة"

ويقول سعدي: "سعفة في البعيد، في المسجد التركي تهتز./ والجبال الرمادية موسوقة باعبائنا../ أيان نمضي الى الغلال، ونمضي عن بهاء الجبال،/ نتركه للريح والنمل والارانب والثلج،/ أتركي لي رسالة في صناديق البريد التي / تخلى ذووها عن مفاتيحها، سأسأل عنهم / واحدا واحدا، لأخذها من واحد، ليته / يفيق فيهديني صباحي تحية وسلاما.." كم تتباعد قصيدته هنا عن مسارها الأول الذي كان يعتمد تجربة روحية ثرة ومتأنية، في حين يتكيء في الكثير من نصوصه الجديدة على فراغ يجعل منها خاوية تشكو من نثرية قولها وضعفه. فهو يكتب فـي (ذكرى المدينة) 1989.

"الجنود يغنون / جاءوا هنا، بقطار الضواحي/ وأقاموا معسكرهم، في دقائق.. / أما قطار الضواحي/ فهو ينقلنا منذ شهر وشهر وشهر / بعيدا / وفي عربات الخواف / الى ما وراء الضواحي".

وفي النص الذي كتبه في العام 1993 تحت عنوان (الى الامام) يقول:

"الرايات / خافقة، تحت سماء / تتكون بعد.../ أما نحن المنذورين لنحملها/ تحت الريح / وتحت المطر/ فعلينا أن نتكون أيضا".

الراية هنا وسيلة ايضاح متداولة في الشعر السياسي، ومما يزيد ضعف استخدامها، محاولة الشاعر أن يخلق مفارقة نثرية بين كلمتي (تتكون) و (نتكون)، حيث يشح معجمه اللغوي وتغيب البداهة عنه، تلك التي ميزت قوله في النصوص الناجحة.

أصدر سعدي يوسف منذ منتصف الثمانينات مجموعة كبيرة من الدواوين الشعرية تجاوزت العشرة ولكن القليل منها ينتسب الى شعره الأول من حيث النوع. ومشطته كما هي الحال مع كل الشعراء الذين نالوا مكانة متميزة، تصميمهم على افراغ تجاربهم الأول من قيمتها الأصلية والاعجاب بالنفس والنرجسية التي يصنعها النقاد المتملقون والصحافة، تنسي الشاعر قيمة التوجس والخوف من الفشل ومن ضياع ما ربحه في سيرته الأولى فيمضي مصمما اشباع تجاربه من دون جدوى. يكفي الشاعر عشر قصائد أو أكثر قليلا لكي يبرهن على أهميته، فإن جعل نتاجه يتردد بين حدود هذا النجاح فقد استطاع المحافظة على منجزه. غير أن الاسراف في التجريب وتكرار الصيغ القديمة تحدث اللبس عند قارئه. ان نتاج سعدي يوسف الغزير في السنوات الأخيرة، أضاع قيمة شعره وبعثر الكثير من جهوده، فبدت قصائده الضعيفة وكأنها تأكل تجارب عمره المتألقة، بل غطت بكثرتها ومحاولتها التشبه بنصوصه الناجحة على وهج شعره المتميز. ولنا كقراء مؤمنين بأهمية موهبته أن ندافع عن منجزه بمعزل عن كل معاول التهديم التي لحقته على يد الشاعر سعدي يوسف ذاته.

اللغة الحية والتحرر من البلاغة

تعرف الشعرية على أنها لغة التصوير وبناء الشعر هو بناء صوري قبل كل شيء. وطبيعة التصوير في قصيدة سعدي يوسف ترتبه بمرجعيات ذهنه وهي في الغالب سوسيولوجية وان اعتمدت الادراك الحدسي. ان قيمه اللغوية تكونت في حاضنة التوازن بين اشارات الموقف الاجتماعي التي تتداعى الى ذهنه في العادة، وبين التدفق العفوي لانفعالاته وانتباهاته الى المحيط. وشعره في الغالب يتخذ ناظم الحكاية. فهناك وحدات سردية يظهر لها حافز رئيسي وحوافز جانبية هي أقرب الى التداعيات، وتتكاثر محاورها في توقيع تكراراته ولعبة الاختلاف والمفارقة بين الصور التي تشكلها الاشارات. غير أن من المهم أن ندرك أن شعره بأغلبه هو شخصي وحميمي وتركيبه النفسي أو نازعه الداخلي ينحو باتجاه الضعف لا القوة، ونقصد هنا أن منطق قوله يقوم على التواضع ولا يتطلب الفخامة ولا يتوسم المهيب والجليل والسامي في القول. وهذا النوع من النصوص التي توحي بالعظمة، شديد الارتباط بالشعائر وطقوسها الموسيقية. لهذا تجنب سعدي يوسف النص الملحمي قدر ما يستطيع. ولعل شغله في واحد من ميزاته المهمة توجه بوعيه أو بدونه، نحو تطوير مشروع الرواد في محاولتهم الابتعاد عن شعرية المرحلة التي سبقتهم تلك التي تظهر آثارها في شعرهم على رغم توجهات مشروعهم الأساسي، ومنها الايقاع الواضح، الايقاع النفسي والصوتي الذي يسعى الى أسر المستمع ويوقعه في شباك البلاغة الساطعة المؤثرة،. والتعاطي مع الأساطير بثيماتها وشخصياتها على نحو يوازي ما يفعله الشاعر في التراث من استخدام الصورة الجاهزة. ولكن محاولة استيعاب الأجناس الأدبية الأخرى ضمن النسيج الشعري من قصة ومسرح ونص نثري كانت من بين منجزات قصيدة الشعر الحر. وكما حدث ل تجارب التحولات الشعرية في بلدان العالم المختلفة، كانت ترجمة الشعر العالمي الى العربية من بين المؤثرات الايجابية التي ساعدت على صياغة الشكل الشعري الجديد الذي سمي لاحقا: الشعر الحر. فالترجمة النشوية للشعر عن الانجليزية والفرنسية زعزعت الاعتقاد السائد بارتباط الشعر بالوزن والقافية، ولم يجر تمثل واستيعاب هذا النمط من الذائقة الجديدة والرحابة الايقاعية التي ولدتها الترجمة، الا في العودة الى الأوزان الحرة التي تداولها العرب في السابق وهي البند والموشح. كما أن فضل الترجمات على الشعر الحديث كان في تخصيب خيال القصيدة العربية بالصور المبتكرة التي حررتها من نمطية خيالها ومتداوله الثابت، وباعدت المسافة بين الدال والمدلول الذي ما كان يقبله البيت الشعري التراثي بوحدته المنغلقة على ذاتها. ان تفكير الشاعر العربي الكلاسيكي يخضع في العادة الى ترابطات وتواز نات في الأداء التعبيري يختلف في منطقه عن التفكير المعاصر في الشعر على صعيد تنظيم المعاني واقامة القرائن بينها، والحق أن مشروع قصيدة الشعر الحر لم يكن مجرد مسعى لتطوير الشكل الشعري، بل هو نتيجة تحول في الذوق وطراز المعيشة، وأسلوب تلقي المعلومة واعادة تمثلها، ولم يقطف الشعر ثماره الا في فاصلة زمنية من أكثر الفواصل أهمية في التاريخ العربي المعاصر، تلك التي نتجت عن نضوج صيغ الاتصال بالغرب، ليس على مستوى الادب وحسب، بل على مستويات أخرى متعددة. وظهرت نتائجه الأكثر وضوحا في تطوير الرواية والقصة القصيرة والمباحث العقلية المختلفة. مشروع الشعر الحر كان ثورة جمالية بدأت فيه القصيدة الجديدة التخلص من قيم الشعرية القديمة والانفتاح على أفق النثر وسعة مداه. ويقول عبدالواحد لؤلؤ في معرض حديثه عن أسلوب السياب: "أن بدرا قد طور الكتابة الشعرية لتصبح أقرب الى لغة النثر، ويذهب عنها الافتعال الذي ورثه الشعراء عن القرون الخوالي" (11) وبين الجيل الثاني لرواد ذلك الشعر، اتجه سعدي يوسف منذ اختباراته الأولى نحو التخلص من تونات القصيدة عالية النبرة، ومناخاتها التوقيعية التي تشكل ضمن سمات الشعر العربي أهم ميزة تحدد نجاح الشاعر. ويبقى شعر سعدي يوسف قياسا على نص أدونيس وكتاب قصيدة النثر، والموجة الشعرية الستينية في العراق شعرا محافظا، لم تبلغ به الجرأة حد كسر قيود التفعيلة أو خلق مناخات تخريبية تحدث اشكالية في المشهد الشعري العربي. بيد أن من المهم أن ننتبه الى أن عمل هذا الشاعر كان ينحو في جانب كبير منه نحو الافادة من قيم النثر التي بدأت تحوز مكانة مهمة في العراق في نهاية الخمسينات وهي الفترة التي كتب فيها سعدي يوسف بدايات شعره. فقد بدأ فن القصة القصيرة والرواية ينافس الشعر في جذب اهتمام المثقفين العراقيين، ولعل بدايات سعدي يوسف الشعرية التي تحفل بالمواضيع المشخصنة ومناخاتها ونزوعها نحو معالجة القضية الاجتماعية ميلودراميا عبر الشخصيات المتداولة: العامل، الفلاح الرجل الصغير، الحزبي، المرأة المسكينة ومواضيع أخرى. ونجد في أسلوب تناولها شعريا ما يمكن أن نتصوره على تماس مع القصة القصيرة التي برزت نماذجها عند عبدالملك نوري وفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان وشاكر خصباك وغيرهم، أن ما طوره سعدي يوسف ضمن مشروع قصيدة الرواد هو تعزيز القيم النثرية في النص الشعري، أو المني في كسر طوق عادات التفكير الشعري التقليدي الذي يجد حصانة ومريدين في العراق ربما أكثر من بقية البلدان العربية. كانت قصيدة الشعر الحر محاولة لتخطي صرامة تلك القيم في اتجاهها نحو مستويات متنوعة للحوار وتعدد الأصوات داخل النص، فالشاعر والحالة هذه وصل الى درجة من الاستقلال تؤهله لكي يخلق شروطا أفضل للتعبير عن صوته المعاصر بقيود أقل صرامة من السابق. بدأت تدخل قصيدة الشعر الحر الشخصيات غير البطولية والمحكية العراقية والأغنية والقصص الشعبي والشعار السياسي وما نشيت الصحيفة والحوار والأقنعة المتعددة وغيرها. ان النزوع الى الافادة من الثقافة الشعبية والشفافية منها على وجه التحديد، كان يتجه بشعر الريادة الى بلورة خصوصية محلية كانت معبر هذا الشعر نحو تعدد النماذج وتخطي صرامة البلاغة الشعرية التي توحد طرق تعبير الشعراء العرب حتى وأن اختلفت مواضيعهم.

تبلور مشروع التحديث الثقافي في العراق في ظل تقارب وتمازج التخوم بين الاجناس الأدبية والفنية، فكانت حركة التشكيل في العراق سباقة الى تأسيس تقاليد محلية على صعيد اللغة الفنية،. استعان بها الشعر لاحقا في وضع أصول كسر قدسية اللغة الشعرية المتعارفة، وكان مشروع بلورة الشخصية العراقية في التشكيل يمر عبر الافادة من الطقوس البدائية والحياة المحلية اليومية، فظهرت في لوحات الفنانين ومنحوتاتهم المادة الفلكلورية وملامح الناس الفقراء. وليس من باب التجاوز القول إن حركة الشعر الحر مطلع الخمسينات كانت تستند على الأقل الى أساسين في دافع التجديد تشبها بالفن التشكيلي، أساطير بلاد الرافدين والتقرب من الثقافة الشفافية. وجرى التخفف من ثقل المعجم اللغوي السابق عبر ادخال النثرية والعامية الى الشعر وتركيب بنية الجملة على نحو يقرب من المنطق العامي. ومنجد هذا الأمر في شعر نازك الملائكة وبلند الحيدري والبياتي وتطبيقاته الأكثر تصميما لدى السياب. ان ما يسمى بتهجين الأنواع الأدبية التي تحدث عنها نقاد الأدب في الغرب كانت نتيجة الثورة الصناعية وتثوير وسائل الاتصال ويمكن أن نرى ما يشابهه في كل التحولات الأدبية في العالم ومنه عالمنا العربي. دخلت الشعر لغة الصحافة والحوار اليومي وصور القصيدة الشعبية والأغنية الفلكلورية والملح والاشارات المازحة. ولم تكن محاولة ردم الهوة بين المحكية والفصحى محض جهود عفوية في الشعر العراقي المعاصر، بل إن بعض تلك الجهود كان يكبس موقفا متصنعا كما الحال في بعض شعر السياب، في حين يأتي استخدام الملائكة لبنية اللغة المحكية وعلى وجه الخصوص في التعبير عن عاطفة الحب لديها، ما يجعل بعض قصائدها أكثر ألفة وطبيعية مع أنها لم تستخدم المحكية كمفردة. أما عبدالوهاب البياتي فإن لغته اليومية والتقريرية في أحيان جعلت من قصيدته الأكثر شعبية بين القراء العرب وفي شعره نجد الكثير من الأغاني والأمثال العراقية مضمنة أو محررة أو مفصحة. لم تعد هناك ألفاظ مقدسة وأخرى وضيعة في اللغة الشعرية التي تطورت وفق هذا النسق حتى غدت حقول التبادل في الشعر العربي بين الشفافية والمكتوبة على درجة من الشفافية حددت على اثرها اتجاهات جديدة ل الكتابة. وبظهور شعر مظفر النواب بالمحكية العراقية دخلت القصيدة الريفية الجنوبية بصورها ومناخاتها ضمن مكونات النسيج الثقافي العراقي كمعادل لأفضل النتاجات الشعرية، إن لم نقل أنها تفوقت عليها. استطاعت قصيدة النواب حسم التردد حول قيمة الشعر الشعبي، فهي نقلت ما يمكن أن نسميه تجاوزا الحساسية الغربية في القصيدة العربية المعاصرة الى نسيج الشعر الشعبي، في وقت جعلت من اللهجة الريفية بتركيبة جملها البصرية وبذلك الفيض الحسي لاشاراتها الجنسية الصريحة ما يعكس ذلك التوطن الزماني والمكاني للغة في ملفوظها الصوتي والبصري وفي نوع تعاطيها مع الجسد ورغائبه. كشف النواب عن مكنون الرقة والليونة الموسيقية وبراعة الصيغ البلاغية في اللغة التي تسمى وحشية أو بدائية. الذي يهمنا من الأمر أن لغة القصيدة الشعبية تبدو على نقيض مع لغة التراث التي ما كان بمقدور الشعر المعاصر التخلص منها بسهولة، كما أنها أزالت الحواجز في ازدواجية اللفظ ومن ثمة ازدواجية أسلوب التفكير أو انشطاره بين اللهجة المحكية والمكتوبة. ويشير سعدي يوسف الى تأثيرات قصيدة النواب على شعره، فيقول: "أعانني مظفر النواب في أن أكون شاعرا.. "الريل وحمد" بالذات أعانتني. في تلك الأيام، كان الهتاف محببا، بل كان أصيلا، وتجيء "الريل وحمد قصة حب، كانت تسبح ضد التيار.

ومن يكون الشاعر، ان لم يسبح ضد التيار؟" (12).. بدت قصيدة النواب بزخمها ومنجزها الجمال المتميز كما لو أنها أعادت الاعتبار الى صوت الناس المبعدين في أقصى الجنوب، سكنة الأهوار والقرى المنسية وصوت المرأة وأغانيها وترديداتها في تلك المناطق ومعظم قصائد النواب بصوت الأنثى وعاطفتها.

وفي مبحثها عن لغة القرن العشرين ترى الانجليزية ليزا جيفريز ان الشعراء الذين يمثلون المجموعات المضطهدة أو المبعدة أكثر استخداما في شعرهم للمحكية المحلية التي بواسطتها يخالفون النمط اللغوي السائد، فاللهجة الشعبية ترد في العادة في الشعر النسوي الذي يعبر عن اضطهاد المرأة وبين شعراء الاثنيات المهمشة. (13).

ان الرغبة في توظيف اللغة النثرية والمحكية، بقيت ضمن حدود ممكنات مرحلتها تعود باستمرار الى استحكامات القصيدة الأولى. ولكنها كانت تمهد للاتجاه نحو قصيدة النثر في صيغتها المتطورة التي لا تعني التخلي عن الوزن والقافية وحسب، بل خلق عادات لفظية جديدة في الشعر. فكانت قصيدة سعدي يوسف تمثل التوسط بين مرحلتين، جيل الريادة والمرحلة الستينية في العراق التي ظهرت على يد الشعراء الذين اختلف مشروعهم عن مشروع السياب والبياتي والملائكة.

وعسى الا يشه بنا القول إن تصورنا أن هناك بعض تشابه في المناخ العام بين ثقافة السبعينات في البلدان العربية وبين ثقافة العشرينات في الغرب، ولن نحسب أنفسنا متجاوزين الحد إن تخيلنا أن اتجاه التطور الشعري الانجلو-امريكي في العشرينات يكاد يكون متشابها في ظروف نضجه نسبيا مع ظروف نشأة الحداثة العربية في البلدان العربية التي تستمد ثقافتها من مرجعية انجليزية مع الأخذ في الاعتبار الفارق الحضاري بين الاثنين. ومنجد أن حداثة مطلع هذا القرن العالمية الشعرية في انجلترا وأمريكا، كانت شديدة الارتباط بنمو الرواية وتطورها وتوطد مكانتها بين الاجناس الأدبية الأخرى، وانصراف مجموعة من الشعراء عن فن الشعر اليها. يذكر أحد دارسي عزرا باوند بأن ما تعلمه باوند من فترة اقامته في باريس واحتكاكه بالثقافة الفرنسية هو اختزال الحد بين تخوم النثر والشعر، حين غدت اللغة الشعرية من مقومات الرواية والمادة القصصية. كما أن تأثره برواد الحداثة الذين سبقوه وعاصروه، كان يقوم على جهد أكثر من قرن تعززت فيه الأساليب الروائية في الغرب حتى بلغت درجات متطورة في علاقتها بالشعر، ويشير الى أساليب فلوبير وتورغينيف باعتبار ثقافة الأخير ثقافة فرنسية (14). فكان رد الشعراء على اختلال موازين القوى تطبيق لغة القص في الميدان الشعري (15).

ولعل من بين أفضل نتائج ذلك التلاقح بين الأجناس الأدبية في الحداثة الغربية التخلى هن الفائض البلاغي في الشعر مقابل البحث عن الدقة في التفصيل. ويرى عزرا باوند بأن النقطة المركزية في الاتجاه التصويري تقوم على رغبة الشاعر في الخيار بين طيف واسع من الدقائق المهمة لاختيار تفصيل أو تفصيلين يمكن لهما أن يقوما مقام بقية التفاصيل "ان دخل في تفكير (التفصيل المثير) تلك الدقيقة المفردة التي اذا ما اختيرت بحرص كاف وقدمت بدقة كافية لاستطاعت أن ترغم القاريء على أن يستدعي تلقائيا كل التفاصيل والدقائق الأخرى المتضمنة في هذا التفصيل" (16) انه يسميها ضمن استطراداته، (النثرية الثمينة) التي لا يجيد فيها الشعراء الالقاء ولكنهم يميلون الى الغناء.

ومن باب أولى أن نتذكر أن كل مشاريع الحداثة في الشعر العربي كانت تقوم على الافادة من قيم النثر، ولكن صيغ تجاوز بنية الخيال الشعري الكلاسيكية المتماسكة تحتاج الى وقت واستيعاب طويل. وضمن مسعى سعدي يوسف للعسل على شغل يشكل اضافة الى قصيدة جيل الريادة في الشعر الحر، جرب الكثير من الأساليب، ومن بينها قصيدة التفاصيل اليومية التي أصبحت مصطلحا أكثر التسميات التصاقا بشعره. ومن بين أوجب ما ينطبق على صيغتها من سمات، ميلها الى توظيف قيم النثر في الشعر أو قيم القص ان صح التصور. وفي مقدمة ترجمته (أوراق العشب) لوالت ويتمان يتحدث سعدي عن العلاقة بين المضمون وشطر القصيدة الحرة أو قصيدة ويتمان النثرية: "وفاء ويتمان لاناسه، يبدأ من حرية الحركة، وينتهي بالتقاط الحوار، مع كل المسافة المتضمنة بين الابتداء والانتهاء، هذا الوفاء (المتقنوي) للناس، الذي يبرز في التفصيل الفني سوف يجد له تعبيرا آخر، تعبيرا متمما، في الأفكار والآراء التي يقدمها الشاعر، والتي يعمم فيها نتائج ملحوظاته ومشاهداته، كما يجد التعبير في الموقف الذي يتخذه الشاعر داخل حركة القصيدة نفسها من مسألة معينة، محققا أنموذجا جيدا في بلورة المضمون الفني للاثر الشعري". وسنجد عند تتبعنا مسار سعدي يوسف، الكثير من التجارب التي تفيدنا في تقصي هذه النزعة التي نحسب أن مشروع تطوير قصيدة الشعر الحر كان شديد الصلة بها. بيد أننا نستطيع أن نميز الكثير من المتذبذبات في منحى الحداثة في مشروع سعدي يوسف، وفي طريقة استثماره لما يمكن أن نسميه الافادة من قيم النثر، ففي النص الواحد قد نشهد تقاطع ذلك المشروع وتشابكا في مسارات تفترق وتلتقي على اختلاف أو توافق. ولعل سعدي يوسف من أكثر الشعراء اضطرابا ضمن حدود كونه الشعري، لأن قيمه الفنية غير مستقرة. غير أن من المجدي أن نفهم أن عقلانية هذا الشاعر في فهم الكليات الاجتماعية، يقابلها نفي لتحكم الوعي في تحديد مسار اللحظة الفنية لديه. أي أن لحظة الخلق لا تخضع الى اعتبارات تلك العقلانية على مستوى المخيلة وتشكيل الصورة في أقل تقدير. ولا يعني تمسك سعدي يوسف بالوزن الشعري، عزوفه عن القيم النثرية، مع أنه لم يكتب قصيدة النثر، لأن من المناسب أن نفرق هنا بين النظم والشعر، فالعملية الشعرية حسب محددات جان كوهين "تجري على مستويي اللغة معا: الصوتي والدلالي، وان الحظوة لا ريب للمستوى الدلالي. ويشهد لذلك أن القصيدة النثرية موجودة شعريا في حين أن النظم الحرفي (الصوتي) ليس له إلا وجود موسيقى فحسب، فيمكن للشعر ان يستغني عن النظم في كل الاحوال".(18) ولا يكمن الفارق بين النثر والشعر في الجانب الشكلي وحسب، بل في نمط خاص من العلاقات بين الدال والمدلول يسميها كوهين العلاقات السلبية في الشعر، فالصور التي تتكون منها اللغة الشعرية والمخصومة بتميزها، تعتمد الى خرق قواعد اللغة العادية وتتكون وفق ما يسمى بقانون الانزياح ذلك الذي يجري وفقه نزاع الوظيفة - المعنى فالجملة الشعرية تسند الى ألفاظها وظيفة يعجز معنى الألفاظ عن ادائها اللغة الشعرية. وان كان مشروع الحداثة في القصيدة الجديدة قام على الافادة من قيم النثر وهي في جانب كبير منها عقلية، فهل هذا يعني أن رواد هذا المشروع حاولوا الفاء نزاع الوظيفة _ المعنى أو تضييق الفجوة بينهما في أقل تقدير ؟، ما حصل هو العكس في جانب من هذا المشروع وفي الجانب الآخر تم تضييق الفجوة عبر اللغة التقريرية ولفة النثر. وكلما اتجه الشعر نحو الغموض زادت الفجوة بين الوظيفة والمعنى في الشعر. بيد أن طبيعة ترتيب القول الشعري على نحو يقربه من السرد وما يحويه من تواتر وتكرار ومشاهد تحاكي الأعمال المسرحية والسينمائية تعزز نزعة النثر الشعري ليس في جانبها التقني وحسب، بل في طبيعة تركيبتها الخيالية. أن سعي سعدي يوسف نحو كتابة المسرح الشعري والقصيدة التي تتشبه بالأسلوب السينمائي، يدخل ضمن هذا التوجه في شعره الذي يقوم في الغالب على السرد. ويبقى عمل سعدي يوسف الأهم في هذا المسعى يرتكز على اللغة واختيار المواضيع، والتفصيل في الموضوع أي طريقة عرضه.

الأداء الشخصي وتعبيره الجمالي

تميز مشروع سعدي يوسف في جانب منه، بالعمل على تكريس أسلوب الارتجال في الكلام الشعري وتقليد اللغة اليومية وطرق التفكير العادي. وهذا الأداء يتناقض مع صرامة الشعر الكلاسيكي ويتعارض مع الأجواء الغرائبية التي تحفل بها حداثة الستينات، ولكنه في الوقت عينه عرضة الى احتمال التبسيط والنثرية الفجة وعامية الصور، ان لم يكن الشاعر قادرا على التحكم بحساسية موقفه. وهكذا سار سعدي يوسف برهافة على نهج يحتاج نجاحه الى مواصفات تبدو سهلة ولكنها تحفل بالصعوبات. وقصيدته التي اتبعت هذا الاسلوب سميت بقصيدة التفاصيل اليومية. ولم يسعفنا الحظ لمعرفة الكتابات التي أطلقت على نصه هذه التسمية أول مرة، ولكنها تبدو خير معبر عن أهم منحى في شعره. فهذا النوع من نصوصه يتميز بعفوية اللغة وخلوها من التكلف وصورتها المباشرة وتتبعها الوجود اليومي العارض للأشياء في تفصيل دقيق. وهي في كل الأحوال تكشف عن طريقة جديدة للتراسل بين الشاعر وقارئه، حيث ينطلق النص من نبرة التصاق وكسب الثقة كما لو أن الشاعر يتوجه بكلامه الى شخص يعرفه أو يخصه بالكلام. وليس لنا أن ندرك تلك الأوصاف الاعتباطية الا بما ميز القدماء الاساليب ومن بينها الاسلوب الفخم أو الجليل وجعلوا بعضها من النوع البسيط الذي تحتفظ الكلمات وفق ترتيبه بانعكاسات الأشياء التي تشير اليها.

وعندما يختار الشاعر الأوصاف العينية لا المجردة فهو يختار ما يصل القاريء دون جهد ومشقة، ولكن تلك البساطة تستوي في شعرية يعز الامساك بسر امتناعها عن التقليد. لعل تعريف هذا النوع من الشعر أصبح من الصعوبة بمكان، ما ترك النقاد غير قادرين على التوصل الى صيغة لتحديد الاقيسة الجمالية التي تدل عليه. ولنا أن نجتزيء تصورات عن الأفكار التي تفيء بعض جوانبه، وأهمها واقعية هذا الشعر، وهو مصطلح ينطبق على القص أكثر من انطباقه على الشعر. وفي استخدامه النسبي يشير الى تحرر الشعر من هيمنة الجنس الأدبي الواحد، ويتحقق لدى سعدي يوسف بالأخذ بتقنية القص ليس عبر الأسلوب السردي فقط، بل أيضا باستخدام التعبير اللغوي الذي يناسبه، وتقنية التعبير الشعري تقوم على تشويش الابلاغ أو اضعاف بنيات خطابه الحقيقي، في حين يعمل نص سعدي على نحو يجعل هدفه توضيح الابلاغ لا تشويشه ورفع اللبس عن المعنى. تلك المباشرة في القول منحت قصيدته آفاقا أرحب من واقعيتها كمحاكاة مجردة. وهنا تواجهنا مشكلة التوفيق بين سمتين في شعره: استغراقا في الوصف من جهة والاقتصاد في الكلام من جهة أخرى، والجمع بين السمتين يتحقق بصعوبة كبيرة عند غيره. في حين يشكل الامعان في التفصيل ل نصا ما يشبه البلاغة البديلة التي تولدها القيم اللغوية الجديدة. هذا النوع من التعبير يتقصد اعادة الثقة الى اللغة المأهولة ومفردات الناس العادية، ويشكل بمناخه الجديد ما يشبه عامل الانزياح في القصائد الأخرى. الاستطراد أو الاسترسال في الكلام لا يعادل هنا الحشو في سرد القصة،بل هو بيت القصيد في التورية العامة لنصه، لان التفصيل يؤدي الى امتصاص عاطفية الموقف ويساعد القول على اظهار حياده المطلوب، عدا عن هذا هناك الهدف الأكثر أهمية وهو الابتعاد عن صيغة الابلاغ القديمة بمحسناتها البيانية. في قصيدته "سقوط فندق النهرين" 1974 من ديوانه "الليال كلها" سيكون العنوان دليلنا الى تفصيلات الوصف الذي لا يستخدم الاستعارة أو المجاز حين يعرضه، فهو يشير الى صفات واقعية ويمعن في تفصيل وجودها العيني:

" لا تبعد الصحراء عنه

واذا يدور النخل في غرفاته، يغبر مثل الماء

في النهر القريب، وفي الأنابيب القديمة

كانت طوابقه الثلاثة

مبنية بالجص والآجر، ينفتح الزجاج الانجليزي الثخين بها

على بار الحديقة والزوارق

ولربما كان الطريق اليه أقصر حين تختار اليمين

ولربما فكرت: ما أبها الحدائق."

حد الحكاية هنا يتركز على وصف المكان الذي تشير الصفات الى واقعيته لحين ما يستدير الشاعر الى التفصيل الثاني في الأفعال ويظهر من خلاله العنصر الدرامي في فعل التذكر وهو يعتمد على هذا التفصيل في اظهار المفارقة:

"في فندق النهرين

عاشرنا، وقامرنا

وفي غرفاته.. يوما تزوجنا

وجئنا بعد أن دارت بنا السنوات

جئنا نجر صغارنا، يتعرفون على حدائقه

وكنا مرهقين بما تحملنا

لم ندر أن الجص والآجر..

لم نشعر بأن الماء كان يسيل

أن السقف...

آه... وبعد أن دارت بنا السنوات

جئنا نجر صغارنا، يتعرفون على حدائقه

وكنا مرهقين بما تحملنا."

تلتقي الصيغتان في هذا النص: الامعان في التفصيل والحذف، والأول يقوم مقام التورية فالتأكيد عي الوصف الموضوعي ودقة الملاحظة يضع لمسات الشاعر الشخصية على هذا الشعر وهو يظهر لبس الحقيقة من الوهم بخلق تورية اللباقة،. هناك ترجيعة بعيدة لسخرية خفية وحنين في الوقت ذاته وهو الذي يجعل من زمن هذا الان كما لو أنه مجرد ذكرى منتهية. ماض بعيد يرمز الى انتهاء حياة وسقوط عوالم قديمة. والصيغة الثانية التي تقوم عي الحذف والاختصار وتتولى هنا تنحية الثيمة الاصلية التي قيلت من أجلها القصيدة، فالعبارات الناقصة (لم ندر أن الجص والآجر.../لم نشعر بأن بالماء كان يسيل.../ ان السقف...) تتعرض الى حذف يستدل عليه القاريء في السياق أو يدله عليه التفصيل الذي يعقبه (آه.. بعد أن دارت بنا السنوات) أي أن الانفعال هو المضمر أو المحذوف من القول.

ولا يركن سعدي يوسف الى صيغة محددة في استراداته القصصية التي يدخلها الى الشعر، ولكن نظامه الجمالي هذا يبقى يتشبث في تفصيله بموقف تقوم فيه العبارة بتضييق المعنى بدل أن توسعه كما هي العادة في الشعر، لانه يؤكد على الوصف المباشر في وقت يكون بواسطته قادرا على الانتقال الى المحسنات الأسلوبية عند الضرورة القصوى. ينقل في نصه "خاطرة غير متشنجة" 1972 تجربة بسيطة هي جلوسه على شاطيء دجلة، ولكنه يلح على واقعية حدوثها على نحو يتوجه فيه الى قاريء كأنما يخصه بالكلام:

"فكرت: ان الحياة جميلة

تظل ضرورية كالزوارق والجسر..

ها أنت تخدع حتى العبارة،"

النعت في جملته لا يمضي به بعيدا عما تشاهده عيناه وهو جالس على النهر في تلك اللحظة التي يسجل فيها قوله. ومنذ دخوله المشهد يظل قريبا من تجربته الحسية التي لا يؤولها الا بما يحقق من خلالها الاتحاد بين الشاعر والاشياء التي يصادفها:

"أقول صباحا لدجلة../ أن الصباح الذي كان مغتسلا بالعشب يقتادني من يدي، ويجلسني قباله: / هذه المصطبة "

ينحرف التفصيل هنا عن غايته عندما يكتسي الجماد روحا، ولكنه يكون ممهدا الى تفصيل أكثر امعانا في واقعيته:

"يبتديء الجسر/ يبتديء الباص أحمر رحلته،/ تتبعه أنت.. / يبدو لك الباص وسط الجسر مرتجفا ثابتا، / لحظة.. ثم يمضي / الى آخر الجسر..)

تشكل اللغة الحية الملتقطة من اليومي ومن أمور الناس العادية عادته الخام في قصيدة التفاصيل اليومية، بيد أن تلك اللغة مزودة ببصيرة نقدية يبثها على هيئة اشارات بين سطور الوصف. في قصيدته "بغداد الجديدة" يتحدث عن حي أقيم في اطراف بغداد هاجر اليه سكنة الأحياء الشعبية القديمة فيغدو مدينة شبه عصرية ريفية. والعنوان يوحي باللبس هل المقصود بغداد أم المقصود هذا الحي الذي يبعثر بالشاعر تكوينه في أوصاف سريعة ولكن بعض تهكم في قوله يخلط بينه وبين بغداد الام في حلتها المهلهلة:

"في المقهى، تجلس حول الشاي المر/ وفي السوق تبيع الجبن / وأكباد الجاموس،/ وتنفض كل دكاكين ملابسها المستعملة المكوية / باحثة عن عظم في صحن حساء".

البيانات التقريرية تبدو سهلة الادراك على قاريء لا يدهشه ما نقله اليه الشاعر من حالة ميدانية، وسيلة ايضاحية عن مدينة ضمن وسائل كثيرة لا تثير الحساسية الشعرية، ولكن الشاعر يعرف كيف يستدير في الضربة الأخيرة وفي خط التلاقي مع التوضيح التفصيلي عن بغداد الجديدة: "في الفجر تدور على كل منازلها / وتوقظ كل بنيها/ تدفعهم وسط الشارع.../ آلافا ينتظرون السير الى بغداد" ولن يكون لهذا الاسلوب، اسلوب الضربة من قيمة تذكر وهو الذي تعارف عليه كل الشعر الحديث. ولكن البقاء على الايقاع الوصفي يفصح عن وسيلة في التفكير يدرك المرء فيها أن الشعر معني بأن يتظاهر بأنه ليس شعرا. الواقعية في هذا الشعر نسبية ولكن خياله شديد الارتباط بأشياء الأمكنة الملموسة، حسيتها، حدثها،توقيتها المحدد: "تركنا على رملة بين وهران والمغرب البربري/ برانسنا، وارتحلنا الى زمن لائذ بالنخيل،/ الطيور ترافقنا، والسفينة تندى من المطر/المتدافع والموج، هذا الصباح الأخير، وهذي / الصنوبرة المستقيمة، أغطية النوم منثورة / في مخدع من ودعونا، وفي غرفة الفندق الساحلي." قصيدته (انتهاءات) 1976 عن المغرب العربي تحفل بالتوريات والمجازات.غير أن كل استدلالاته تشير الى ممكنات الوقائع والأوصاف والحوادث التي يستخدمها كمواد أولية تفصيلية يجتاز بواسطتها خياله عالم الواقع الى عالم الخيال الشعري.

وهو في خلطه بين الأزمنة واستثماره تشظي الأمكنة في الذاكرة الشعرية يستعد باستمرار الى تفكيك عوالمه وتجاربه وينتقل فيها بين النص المطول المركب والقصيدة الصغيرة المختصرة ذات المشهد الواحد التي يعدها استراحة في الهاجرة (20). يعد نصه الطويل (اعلان سياحي عن حاج عمران) 1983 من بين النصوص المهمة التي أفاد فيها من قيم النثر وهو توج سيرته بين قلة من الشعراء العرب الذين لديهم القدرة على اعادة الثقة الى الفن في استشرافه البعد الجمالي ضمن تراجيديا الواقع السياسي. فهذه القصيدة التي نشرت بعد احتلال القوات الايرانية منطقة في شمال العراق تسمى حاج عمران، كانت بمثابة رحلة نقدية جارحة لتقص المناطق الخبيثة في الواقع العراقي تاريخا وراهنا على نحو استخدم فيه الشاعر معارفه واستشعاراته الرهيفة للتجول في حقل شديد الالتباس سياسيا وصعب التفسير والتقصي. يتجه الشاعر الى استخدام التوتر بين حدي المديح واللوم والهجاء، والخط العام يقرب النص من المرثية التاريخية. وربما أراد أن يجعل منه نصا ملحميا، لأن أسلوبه الذي يحاول الافادة من تقنيات الحداثة يستعين بالطقس الملحمي، فمسرحه الرثائي يرفع القول الى نبرة شمولية، تجعله ممسكا بمشهد تاريخي واسع يحركه بدراية بين حدي التسامي والتهكم، والملحمة حسب التعريف الأوسطي تقوم على مبدأ المديح والتسامي في القول (21). وفي هذا النص يتلبس المديح أقنعة مختلفة ومنها الانتقاص من القيمة، الرؤية المأساوية، المغايرة وهو مدح الشيء بعد ذمه الى ما اليه من طرائق للتوصل الى تصعيد النبرة الفجائعية.

هذه القصيدة وصافة وتتراكم فيها الصور الحسية والذهنية وتتشظى لتنتظم مساحة واسعة من أطياف الكلام التي لم يبقها الشاعر على نمط واحد، لأن انتقالا ته الايقاعية والأسلوبية مباغتة وهي لا تستقر على وتم واحد. انها تتخذ في ترتيبها، صيغة الاسكتش الأولى الذي يعمد الى فن الضربات السريعة، فتتحرك الصور بطلاقة بين تخوم تتراكم اشاراتها التاريخية في كل جملة يخطها. النزعة النثرية تتبدى في طريقة تنظيمه التي تقوم على اعتباره نصا مفتوحا يقترب من اللعب الحر الذي يداخل الشعر فيه التقرير والاشارة الساخرة والتعليق والاستشهاد بنص نثري أو شعري. كما أن طبيعة التشظي في هذا النص تجعل مساحة ابلاغه منوعة وواسعة، ولكنها محصورة ضمن حدث معين، يصوره الشاعر مستعينا بالمشهد المتحرك للجموع والشخصيات التي تمثل التاريخ. ان تداعياته تعبر المكان في عمليات تجاورية وتشابهية على مستوى الأسماء في انشاد أوركسترالي حزين، فما ضيعا الحاضر يعيد الى الذاكرة ذلك الماضي الممتد بحروبه وسلامه، باندحاراته وانتصاراته:

"مقونيون في منعطف النسيم

أو خياله روس يجرون بغالا

أو رعاة الماعز الماكر يمضون برشاشاتهم والجبنة البيضاء

هل أشعلها عبدالسلام البرزاني كما يشعل عود التبغ

لا تترك راوندوز الا حسرة مدبوغة بالجوز في الكفين

أي الشجرات استنطقت للنقشبندين نجم القطب؟ "

تعمد التوطئة هنا الى احداث علاقة بين مجموعة من المدركات التي تقترن بمنطق مشترك. منطق يربه وحدة المكان الثابتة بزمنيتها المتحركة بتاريخيتها التي تدور حوله ان صح التصور. يرى الشاعر الى هذا الموقع على نحو يتضمن في جانب من خصائصه بعض المتعارفات الفولكلورية، ولكن البعد التاريخي يبقى هو المهيمن بواقعيته وبالفانتازيا التي يحفل بها.

التواتر والتكرار احدى صفات هذه القصيدة التي تقربها من الطابع القصصي، واللازمة فيها تعيد المحور الأساسي في تمفصله حول فقرة ثابتة: "بلاد بين نهرين /بلاد بين سيفين" ان طريقة الابلاغ تعتمد في جانب أساسي منها على عناصر الصراع بين الثيمات وهي تاريخية تتألف من: ماضي الحضارات القديمة التي عبرت العراق وعناصر التحاور بينها ساكنة، وحاضر سياسي وعناصر التحاور فيه مع الماضي مراعية. القصيدة أقرب الى خطاطة تركيبتها السردية كما أشرنا تنتظم على وحدة أساسية وهي وحدة المكان وهي ثابتة ولكنها تشكل الحافز الأول للقول والحوافز الأخرى التي تحف بها متحركة. ويولي الشاعر أهمية للتفاصيل في استذكاراته التاريخية، فهو يحتكم هنا أيضا الى نازعه الأول في التقريب ما بين الحياة اليومية وبين قوانينها العامة، وستؤدي تلك التفاصيل وظيفة الحوافز الثانوية. لنقرأ فقرة من نصه وضعها بين قوسين كي يبتكر لها بنية مستقلة تحصر الوقفات الايقاعية ضمن كون خاص بها:

"في هذه الزاوية – التيه من العالم صارت سفن العالم أحجارا،

وفي الزاوية – التيه أقام المجلس القومي للأحقاد بستانا من

الأحجار والبارود، برق من وراء النهر. ورد من بخارى. سبحة

من "قم". وجه أرمني. هدأت أمواج "فان"، ارتجف

الناقوس

في الهدأة. سريان. يزيدون، عنف تركماني. وفلاحون من

آشور. ما أحلى نبيذ القرية. الأنصار في كهف. وبوب

دينار في/ الميراج 200."

وبمقدورنا أن نتخيل أن تلك البنية التي أراد الشاعر عزلها بوضعها بين قوسين، تفضي الى ما بعدها بيسر لأن لازمة القصيدة تتول استئناف الربط بين الوحدات عن على الايقاع والمعنى، ولكن التناسب الذي يريد أن يصنعه ضمن وحدات القصيدة تجعل التشابه من حيث التقنية ممكنا بين القول الشعري الذي يعيد انتاج الحقيقة التاريخية على نحو خيالي، والتقارير التي تعتمد على الوقائع دون تأويل. انه يحقق هذا على مستوى المعنى باصطناع الحياد العاطفي، وعلى مستوى الشكل بموازنة ايقاعات النثر والشر لكي تتساوق. هل التكرار في لازمته يحمل المعني ذاته، أم أنه في كل موقع يؤدي وظيفة تختلف عن السابق ؟ بين استشهادين تختلف الدلالة: "حين مات الاسكندر كانت 300 بلدة ومدينة في بلاد ما بين النهرين تحمل اسمه" أو (كان المقتدر كلما شاغبه العامة، أعطى جنده الأموال حتى أكلوه)... وبينهما تتغير اللازمة بالضرورة: (يا بلادا بين نهرين / بلادا بين سيفين /بلادا مرة، تافهة الحكام).

يتميز طبع هذه القصيدة بالبداهة وتعرف هذه السمة بخصيصتين: (رشاقة المخيلة واتجاهها بثبات نحو هدف مقبول، وقدرة الشاعر على الفصل أو الحكم بين شيء وآخر وتجميع الأفكار، وضعها معا بسرعة وتنوع، حيثما يمكن ايجاد تشابه او توافق) (22). وسيكون بمقدورنا والحالة هذه أن نلاحظ الترادفات والتحالفات والتوريات في هذه القصيدة بما يبعدها عن الاطار البلاغي لكي لا تمتص محسنات الفصاحة زخم الأفكار وقراءة التاريخ في هذا العمل. يصبح النثر والحالة هذه ممسكا بذلك الملمس الصلب لقسوة الوقائع حين تقطب لعبة التداعي جناسا سهلا يندفع في زخم الأسئلة المحرقة "يادما من بابل: ما الفرق بين مفارز الأعوام والاعدام ؟" ولكن الضمير يتغير من الشخص الثالث الى الشخص الأول المخاطب حيث يتماهى صوت الشاعر مع صوت يأتيه من أعماق التاريخ، لنلحظ نبرة التسامي في القول "لو كانت يدي كالجذر لاستوقفت ثيراني مجنحة، لأوقفت الغزاة / مسمرين بسحر آلهتي وابنائي على أسرار أوروك../ " فالشاعر هنا يستخدم صوتا يتبدى وكأنه ملك سومري، ولكن القناع الشعري سرعان ما يتبدل في لجة الاختلاف في الضمائر ليصبح حوار الحاضر أكثر مرارة وهو يخاطب البلاد التي يرثيها "كانت ساعة التوقيت أمضى منك.. أمضى من رضا ساعاتك / المائية، استسلمت للبدو الأولى جاءوا من الاطراف، من تلك / القرى الملقاة بالحرف الكبير على خرائط عسكري العالم / القاسي." "والأجلاف يدفعون من تلك القرى المتوحشات اليك. أنت / البنت في تلك الجرار السومرية. أنت. أنت. النبتة الخزف / الجميلة في الجداريات./ أنت الماء والأسماء.. لكن / العواصم أحكمت توقيتها... وأتى البداة / وأنت منهكة / مدعاة / بلاد بين نهرين / بلاد بين سيفين ".

لتشخيص العنصر الضروري في أي أثر شعري سنتعرف حسب تصور ياكبسون على نمطين أساسيين في السلوك اللفظي: الاختيار والتأليف، والأول "ناتج على قاعدة المماثلة والمشابهة والمغايرة والترادف والطباق بينما يعتمد التأليف وبناء المتوالية على المجاورة " (23).

والاختيار هنا يقدم فيه المكان (بلاد ما بين النهرين)، وهو كناية عن موصوف عرف به العراق القديم، ويأتي الترادف والمشابهة (بلاد بين السيفين) لتأكيد المدح بما يشبه الذم (بلادا بين حاج عمران والبصرة / بلادا بين القتل والثورة) ثم يستبدل المكان بعلاقة المخالفة والتماثل حيث يدخل الاسم بمثابة الكرد في برنامج تنظيم المعلومة د«حانة البحار. خيل الموصل، ديانا، وحرفيات اشور. ملوك / الحضر، السريان، شقلاوة، باب الشيخ. شلالات بيخال، سماء المنتهى، الزقورة، البردي في الأهوار، فهد، والعشائر، واللينيون، والطيار في الميغ، وأهل الكوفة، المنفي في السلمان، والجندي في مقهى بسامراء، والعمال في الميناء / امسوا كلهم في غابة الرمش" المفارقة هنا أن ترادف الأسماء والمواقع والحالات، لا تأتي كمحسن بلاغي، بل هي اثبات لقول يتناقض مع ما هو مطلوب منه. فالتداعي أو التذكر يجعل من تلك الذكريات محض طيف زائل. ان نبرة الرثاء تشير الى قيمة جمع تلك الأشياء التي لا تتشابه الا في درجة المحبة التي يعبر عنها القائل توقعا لزوالها. بيد أن التوليف بين عناصر الاختيار لا يحصر في مقطع محدد بل في المتوالية التي يبني عليها هيكل القصيدة.

نظام الأحداث (آلمتن) يقوم على الأفعال وهي تجري في زمن متداخل لأنه زمن متخيل كصيغة شعرية أو حتى قصصية، بيد أن مرجعية القول أي تاريخيته تقوم في جانب كثير منها على الوقائع المتداولة أو المدونة ل التاريخ، وسعدي يوسف يشير الى بعضها في قصيدته "اعلان سياحي" كمراجع يضعها بين أقواس. وبمقدورنا أن نتابع زمنين واقعيين: الماضي بتدرجاته: البعيد والموغل بالقدم والقريب، ثم الحاضر بأطيافه ويضعهما ضمن منظورهما الشعري في حركة التخيل أو حركة السرد التي تملك هي الأخرى زمنها الخاص أي الزمن السردي: "ماذا يفعل الأطفال في (أوروك)؟ ماذا يرتجي الكائن ؟ / والعراف ؟ والأسرى الذين استسلموا لله بالآلاف / والقتل ؟ / أيأتون بلادا بين سيفين ؟/ اقتنت أحجار كردستان ميكانزم تدمير الربيئة / لم تكن فيتنام بالجغرافيا. في "سواره توكة" كانت العربات وهي / تحمل هاونات الفرقة العشرين تجهش كالبغال./ يقول جندي احتياط: لست أدري كيف لا يتمرد العرفاء؟/ أمس استسلمت احدى السرايا تحت جنح الليل./ أخرس أيها الجندي. واخرس أيها النخل الممزق بين خرمشهر/ والأهواز، صوتي عمة فقدت بنيها. طفلة / تختض في المنفى. وكردستان تنأى في مضائقها،/ وتسألنا ديانا عن ديانا.." لكي يستدعي الواقعة، يسردها ويسجل حوار الجنود فيها. أنه يوثق شعريا ما لا يستطيع التاريخ أن يوثقه إلا على هيئة رواية ويتعامل مع عادته من خلال امتثال النص الشعري الى قوانين القص لكي يصنع شعريته من الظلال الرحبة للأوجه المتشابكة في قوله. الشاعر يتجه عمقا عبر الحوار واختلاف الضمائر وتبدل النبرات الى تلك المناطق الغامضة في الذاكرة الجماعية، محافظا على التوازن بين المظهر الاستقرائي التحليلي وفانتازيا القول وتوهجاته الخيالية.

عبر الكثير من النصوص ندرك تلك النقلة النوعية التي استطاع سعدي يوسف أن يتخطى من خلالها مرحلة الريادة بالافادة من قيم النثر. ومع أن نظام التفعيلة تولى كبح جماح رغبته هذه في الكثير من قصائده غير أن نزعا القص كانت تطفى على ضرورات النظم لديه لتشكل ميزة من ميزات قصيدته.

الهوامش
1- Fowler, Roger(ed.) Modern Gritical Terms, Routiedge, London,1973.p.123.

2-Hulme, T.E, Speculations, Essays On Humanism and the Philosophy of Art, Edited by Hebert Read, Routledge, London, (1924, 1960) p. 311.

3- The New Encyclopaedia Britannica - V. 9 - p. 164.

4- Brooks, Cleanth and Warren, Robert Penn Understanding Poetry, HBJ, Orlando, 4ty edition, 1988 p. 69.

5- سعدي يوسف - خطوات الكنغر - دار المدى - دمشق 1997، ص 157.

6- يشير هيجل الى أن الوسط الذي يعمل فيه فن النحت يصور الروح في كليتها المستقرة وسكونها الهاديء أي أنه يصور السمات الجوهرية للشخصيات. راجع فلسفة الروح - ولتر ستيس ت: امام عبدالفتاح امام. دار التنوير للنشر بيروت 1983، ص159.

7- تزفتان تودوروف - الشعرية - ت: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة. دار توبقال - الدار البيضاء 1990، ص 51.

8- سعدي يوسف - يوميات المنفى الأخير - الهمداني - عدن 1983، ص 204.

9- سعدي يوسف - خطوات الكنغر - دار المدى دمشق 1997، ص 17 ا.

10- سعدي يوسف -مقدمة (ايماءات) يانيس ريتسوس - دار ابن رشد -بيروت 1979.

11- عبدالواحد لؤلؤة -البحث عن معنى (دراسات نقدية) دار الحرية - بغداد 1973.

12- سعدي يوسف - يوميات المنفى الأخير - دار الهمداني - عدن 1983، ص 193.

13-Jeffries, Lesley - The ******** -of Twentieth Century Poetry, The Macmillan Press - London 1993 p. 25.

14- Davie, Donald - Pound 2 the Chaucer Press - London 1975.

15- يقول عزرا باوند: يجب أن يكون الشعر في بساطته مثل أفضل نثر لموبلسان وأصعب نثر لستاندال. المصدر السابق 39.

16- المصدر نفسه، ص 38.

17- سعدي يوسف - والت ويتمان،مقدمة (أوراق العشب) - وزارة الاعلام - بغداد 1976.

18- جان كوهن - بنية اللغة الشعرية ت: محمد الولي ومحمد العمري - دار توبقال - الدار البيضاء 1986، ص 52.

19- سعدي يوسف - يوميات المنفى الأخير، ص 197.

20- الملحمة سرد قصصي شعري مسهب رفيع الاسلوب يحكي عن أعمال بطولية موضوعة الى حد ما على غرار الملاحم المبكرة مجهولة المؤلف. انظر معجم المصطلحات الأدبية - اعداد ابراهيم فتحي - المؤسسة العامة للناشرين المتحدين - تونس 1986، ص 344.

21- مصطلح البداهة Wit يعني في الأصل ملكة المعرفة بعامة (سواء بالعقل أو الحواس) ثم صار يعني في أيام شكسبير المعرفة الرقيقة والمزاح، أو حضور البديهة والابتكار، أو اللوذعية وتعريفها التحليلي هي انها ملكة رؤية التشابهات الصعبة بين موضوعات بعيدة جدا عن التشابه، انظر النقد لدى الكلاسية الجديدة - وليام. ك، ويمزات وكلينث بروكس - ت: حسام الخطيب ومحيى الدين صبحي - مطبعة جامعة دمشق 1974، ص 336.

22- رومان ياكبسون - قضايا الشعرية - ت: محمد الولي ومبارك حنوز - دار توبقال - الدار البيضاء 1988، ص 33.

* فصل من كتاب سيصدر قريبا عن سعدي يوسف.












عرض البوم صور حسن الصلهبي   رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

تصميم و وتركيب انكسار ديزاين

جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 05:22 AM.




Powered by vBulletin Version 3.7.3
جميع الحقوق محفوظة لشبكة قامات الثقافية 2008
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009