عالم من الإبداع

 

    

آخر 15 موضوع
(أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)           »          ثرثرة / بلا قيود           »          ماذا تقول لمن يخطر على بالك الآن..؟           »          بين أحضان العيد           »          شهرُ الغفران والقرب من الرحمن           »          تجربة الفراق __ وهاب شريف __ العراق           »          ياليل ياطولك           »          تدثيرة شتوية           »          من جِد           »          عاشق عنيـد           »          ـــ أبقيـ معيـ ـــ           »          وحِضنُ الحوضِ من خزفِ           »          وأشرب ُ شايا جديدا /للشاعر العراقي : وهاب شريف           »          قولوا لمن قد رافقوا شجوني           »          بعد إدمانيَ شهدكْ



حصريات المنتدى

                                            

العودة   شبكة قامات الثقافية > قامات الفكرية الثقافية > اقرأ

موضوع مغلق
قديم 07-22-2006, 05:46 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : اقرأ
افتراضي طبقات الشعراء . . لـ : عبدالله بن المعتز

طبقات الشعراء
عبدالله بن المعتز

من نوادر التراث العربي، كان في حكم الكتب المفقودة في القرون الأخيرة، حتى عثر عليه الأستاذ عباس إقبال، فقام بنشره مصوراً مع دراسة عنه بالفرنسية في باريس 1938م، قبل أن تتبرع لنشره لجنة جب التذكارية سنة 1942م. والمخطوطة الفريدة التي عثر عليها الأستاذ عباس كتبت حديثاً في شوال سنة 1285ه فيحتمل أن الأصل الذي نقلت منه ما يزال موجوداً، وهي نسخة خالية من الضبط، مملوءة بالأخطاء، قد زورت لها مقدمة ظاهرة الوضع، وسقطت منها خمس تراجم. بالمقارنة مع (مختصر الطبقات) الموجود في الأسكوريال، وهو الأثر الوحيد للطبقات، ويقع في (49) ورقة، شرع أبو البركات الأربلي في اختصاره حوالي سنة 590ه وكمله سنة 630ه. أما المقدمة الموجودة في المخطوط، فهي مقدمة منحولة لا تصمد أمام بضع خطوات من البحث العلمي، وربما رقى الشك إلى عنوان الكتاب، حيث أن الكتاب في حقيقته ليس كتاب طبقات، وهو في موضوعه أقرب إلى التسمية التي سماه بها حمزة الأصفهاني: (الاختيار من شعر المحدثين) إلا أن معظم من نقلوا عن ابن المعتز سموا كتابه (طبقات الشعراء). وقد كتبه ابن المعتز في أيام قصار من أخريات حياته بعد عام 293ه، وعني فيه بجمع المفاكهات والنوادر والمحاسن التي أثرت عن شعراء عاشوا في بلاط بني العباس وقصور وزرائهم ورجالاتهم. وأفاد الأربلي أن الكتاب يشتمل على (131) ترجمة، بينما تضم النسخة التي بين يدينا (127) ترجمة، وقد عثر الأستاذ عباس في المختصر على التراجم الخمس الساقطة، ومنها ترجمة (ابن هرمة) التي افتتح بها ابن المعتز كتابه. أما من حيث التاريخ فأقدم من ترجم لهم فيه (بشار بن برد) المتوفى سنة 167ه وآخرهم (الناشئ) المتوفى سنة 292ه ومحمد الشيرازي الذي قال في ترجمته: (وهو اليوم شاعر زماننا). ويؤخذ على ابن المعتز إهماله لذكر ابن الرومي الذي توفي قبله ب(13) سنة، وهو صاحب أكبر ديوان في الشعر.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 05:46 AM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين

الحمد لله الذي أقحم مصاقع الفصحاء بمعجز كلامه، وأخرس شقاشق البلغاء بترتيبه ونظامه، وبهر العرب العرباء باختراع مفتحه وختامه، الذي لا يرتقي نز الأوهام إلى زلازل كنه جبروته، ولا يستحوذ لهام الأفهام على سبر نقطة من مساحة بيداء ملكوته، ولا تؤمل أفكار الحكماء الراسخين، إدراك لمعة من أثيريات لاهوته.
ميز نوع الإنسان عن جنسه بفصل الكلام، وفضلّ منه صنف الملوك فعظمت فضائلهم المشتركة بين الخاص والعام. واختص من خلقه نبينا محمداً عليه أفضل الصلاة والسلام.
أحمده حمد معترف بالقصور عن أداء ما يجب منه عليه، وأشكره شكر مغترف من بحور فضله منيباً بكليته إليه. والصلاة والسلام على من اهتزت بأرواح نصرة أعطاف دولة العرب، فماج بها خضم دول الأكاسرة والقياصرة فاضطرب، وخضع من إعمال حسامه ربّ التاج والسرير لصاحب الشاة والبعير، فعطست العرب فرحاً بأنف العز الشامخ، وجرت مرحاً ذيل الشرف الباذخ الذي أبكى بمولده عيون الكفرة فخمدت نار فارس، وضعضع دعائم الفجرة فأصبح إيوان كسرى وهو طلل دارس، محمد المبعوث لامتطاء العباد جادة الرشاد، المبلغ عن الخالق إلى الخلائق قوانين الصواب والقواعد السداد، وعلى آله الذين شيدوا من بيوت الدين قواعد، وشرفوا بأقدامهم أعواد المنابر وساحات المساجد، وأصحابه أئمة الدين ورؤساء أهل اليقين بدور التمام ومصابيح الظلام، ما لمع البرق وغنّى الحمام، وأضحك الروض بكاء الغمام وبعد: فيقول أفقر العباد إلى الله عبد الله بن المعتز بالله بن المتوكل على الله بن محمد المعتصم بالله بن الرشيد بن هارون بن المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنه: عقد الفكر طرفي ليلة بالنجوم، لوارد ورد عليّ من الهموم ، نفض عن عيني كحل الرقاد، وألبس مقلتي حلل السهاد، فتأملت فخطر على الخاطر في بعض الأفكار، أن أذكر في نسخة ما وضعته الشعراء من الأشعار، في مدح الخلفاء والوزراء والأمراء من بني العباس، ليكون مذكوراً عند الناس، متابعاً لما ألفه ابن نجيم قبلي بكتابه المسمى طبقات الشعراء الثقات، مستعيناً بالله المسهل الحاجات، وسميته طبقات الشعراء المتكلمين، من الأدباء المتقدمين.
فكان أول ترجمة ابن نجيم بشار بن برد وما له من الأشعار والآثار فنظرت في ذلك أن أجمعهم في هذا الكتاب، فرأيت الاختصار لأشعارهم عين الصواب، ولو اقتصيت جميع ما لهم من الأشعار لطال الكتاب، وخرج عن حد القصد، فاختصرت ذلك وذكرت ما كان شاذاً من دواوينهم، وما لم يذكر في الكتب من أشعارهم، واقتصرت على ما كان من مطولات قصائدهم، وبالله الاستعانة والتوفيق، وإليه المرجع والمآب، وما توفيقي إلا بالله، وعليه فليتوكل المتوكلون، ومنه يطلب الطالبون، وهو حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 05:47 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

أخبار ابن هرمة
هو إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة القرشي، أحد بني قيس بن الحارث بن فهر، ويقال لهم: الخلج. حجازي سكن المدينة، ويكنى أبا إسحاق.
قال الأصمعي: ختم الشعر بابن هرمة، فإنه مدح ملوك بني مروان، وبقي إلى آخر أيام المنصور.
فمن شعره في عبد الواحد بن سليمان: إذا قيل من خير من يجتدى لمعترّ فهرٍ ومحتاجها
ومن يعجل الخيل يوم الوغى بإلجامها قبل إسراجها
أشارت نساء بني مالك إليك بها قبل أزواجها
وكانت له مدائح في عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وفي حسن بن زيد عليهما السلام، وكان منقطعاً إليهما، فلما خرج محمد ابن عبد الله علي المنصور قعد عنه وقيل له يوماً، وقد أتهم في التشيع أنت القائل: ومهما ألام على حبّة فإني أحبّ بني فاطمة
بني بنت من جاء بالمحكما ت والدين والسنة القائمة
فقال: قائلها من عضَ بظر أمه، فقال له ابنه، يا أبت ألست تقولهما في وقت كذا وكذا? فقال: يا بني أيهما خير، أعض بظر أمي، أم يأخذني ابن قحطبة? وله في الحكم بن المطلب يمدحه: لا عيب يوجد فيك إلا أنني أمسى عليك من المنون شفيقا
قال ابن المعتز: ومما يستجاد من شعره قوله:

الصفحة : 2

قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه خلق وجيب قميصه مرقوع

بشار بن برد
كان شاعراً مجيداً مفلقاً ظريفاً محسناً، خدم الملوك وحضر مجالس الخلفاء، وأخذ فوائدهم، وكان يمدح المهدي ويخضر مجلسه، وكان يأنس به ويدنيه ويجزل في العطايا، وكان صاحب صوت حسن ومنادمة، وكان حضر المهدي في مجلس مع جواريه بعث إليه لأجل المسامرة والمحادثة وكان بشار يعد من الخطباء البلغاء الفصحاء وله قصائد وأشعار كثيرة، فوشى به بعض من يبغضه إلى المهدي بأنه يدين بدين الخوارج فقتله المهدي. وقيل: بل قيل للمهدي: إنه يهجوك، فقتله والذي صح من الأخبار في قتل بشار أنه كان يمدح المهدي، والمهدي ينعم عليه، فرمي بالزندقة فقتله. وقيل: ضربه سبعين سوطاً فمات؛ وقيل ضرب عنقه. وكانت وفاته سنة سبع، وقيل: ثمان وستين ومائة في أيام المهدي.
ولما توفي تذكره المهدي وحسن معاشرته له. كان أنيس مجلسه وقد كان معجباً به وبشعره، وكان يدنيه، وكان بشار كفيفاً قبل موته بأربعين سنة، ولهذا كان يحضر المجلس والجواري عند المهدي لكونه لا يبصرهن. وحكى أن المهدي لما قتل بشاراً ندم على قتله وأحبّ أن يجد شيئاً يتعلق به، فبعث إلى كتبه، فأحضرها وأمر بتفتيشها طمعاً في أن يجد فيها شيئاً مما حزبه عليه، فلم يجد من ذلك شيئاً، ومرّ بطومار مختوم، فظن أن فيه شيئاً، فأمر بنشره، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، إني أردت أن أهجو آل سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، فذكرت قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله، فمنعني ذلك من هجوهم، ووهبت جرمهم لله عز وجل، وقد قلت بيتين لم أذكر فيهما عرضاً ولم أقدح في دين، وهما: دينار آل سليمان ودرهمهم كالبابليين شدّاً بالعفاريت
لا يوجدان ولا يرجى لقاؤهما كما سمعت بهاروت وماروت
فقال: الآن والله صح الندم.
وحدثني أبو جعفر قال: قال ابن أبي أفلح: قال رجل لبشار: إن الله عز وجل ما سلب أحداً كريمتيه إلا عوضه عنهما حسن صوت أو ذكاء، فأنت فماذا عوضك من بصرك? فقال: عوضني فقدان النظر إلى ابن زانية مثلك منذ أربعين سنة.
قال السدري: كان عمي بشار من أفقه الناس وأعلمهم بكتاب الله، فعاشر قوماً من الحرانيين فخبث دينه. وكان مفتنا بارعاً، وكان من الشعر بمكان لم يكن به أحد غيره، وكان يقول: ما أعلم شيئاً مما عندي أقل من الشعر.
حدَّثني ابن أبي أفلح قال: أخبرني أبو حاتم السجستاني قال: سئل أبو عبيدة- وأنا حاضر- عن شعر بشار فقال شذرة ونقرة.
قال: ودخل المهدي أيام خلافته على جماعة من جواريه، وهن مجتمعات في حجرة بعضهن، فجلس عندهن يشرب، فقلن له: لو أذنت لبشار في الدخول علينا لنسامره ونحادثه- وكان من أحسن الناس حديثاً وأظرفهم مجلساً، وأكثرهم ملحا- فأمر به فأحضر. واجتمعن عليه فحدثهن، وجعل يسرد عليهن من نوادره وملحه وينشدهن عيون شعره، فسررن بذلك سروراً شديداً، وقلن له: يا بشار، ليتك أبونا فلا نفارقك أبداً. قال: نعم، وأنا على دين كسرى. فضحك منه المهدي، وأمر له بجائزة.
واطلع المهدي يوماً على بعض جواريه، وهي عريانة تغتسل، فأحست به، فضمت فخذيها، وسترت متاعها بكفيها، فلم يشملاه، حتى انثنت فسترته بعكن بطنها، فخرج المهدي ضاحكاً، وبشار في الدار، فقال: أجز هذا البيت. "أبصرت عيني لحيني" فقال بشار على البديهة:
................. منظراً وافق شيني
سترته إذ رأتني تحت بطن الراحتين
فبدت منهُ فضول لم توار باليدين
فانثنت حتى توارت بين طيٍّ العكنتين
فقال المهدي: والله ما أنت إلاّ ساحر، ولو لا أنك أعمى لضربت عنقك، ولقد حكيت الأمر على وجهه حتى كأنك رأيته، ولكني أعلم أن ذلك من فرط ذكائك، وجودة فطنتك.
وكان بشار مولى لبنى عقيل. وقال بعضهم: لبنى سدوس، وكان يلقب المرعث. والمرعث: المقرط، والرعاث: القرط. وكان يرمي بالزندقة، وهو القائل:
كيف يبكي لمحبس في طلول من سيبكي لحبس يوم طويل
إنّ في البعث والحساب لشغلا عن وقوف برسم دارٍ محيل

الصفحة : 3

وهذان البيتان يدلان على صحة إيمانه بالبعث. وكان مطبوعاً جدّاً لا يتكلف، وهو أستاذ المحدثين وسيدهم، ومن لا يقدم عليه، ولا يجارى في ميدانه. والصحيح عند أهل العلم أن المهدي قتله بهجوه يعقوب بن داوود وزيره بقوله:
بني أمية هبوا طال نومكم إنّ الخليفة يعقوب بن داوود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا خليفة الله بين الزقّ والعود
وقال قوم: بل قتله على قوله: لا يؤيسنك من مخبأة قول تغلظه وإن قبحا
عسر النساء إلى مياسرة والصعب يمكن بعدما جمحا
فقال المهدي: رميت جميع نساء العالمين بالفاحشة. والقول الأول أثبت.
وكان حماد عجرد يهجو بشاراً ولا يلتفت إليه حتى قال فيه: ويا أقبح من قرد إذا ما عمي القرد
وما اشتد عليه قوله: لو طليت جلدته عنبرا لنتنت جلدته العنبرا
أو طليت مسكاً ذكياً إذا تحول المسك عليه خرا
وكان حماد مفلقاً مجيداً، إلا أن موضعه لم يدان بشاراً ولا يقاربه.
ومن جيد شعر بشار كلمته في عمر بن العلاء: إذا نبهتك حروب العداة فنبه لها عمراً ثم نم
ولولا الذي زعموا لم أكن لأمدح ريحانة قبل شمّ
وحضر بشار يوماً مجلس عقبة بن سلم الهنائي، وقد حضر عقبة بن رؤبة بن العجاج ينشده أرجوزة، فاستحسنها بشار. فقال عقبة: يا أبا معاذ، هذا طراز لا تحسنه أنت ولا نظراؤك، فغضب بشار فقال: تقول هذا? والله إني لأرجز منك ومن أبيك ومن جدك. ثم غدا على عقبة ابن سلم الهنائي بأرجوزته الدالية التي يقول فيها: يا طلل الدار بذات الصمد بالله خبر كيف كنت بعدي
وفيها يقول: الحر يلحى والعصا للعبد وليس للمحلف مثل الردّ
وصاحب كالدمل الممد حملته في رقعة في جلد
فأعجب به عقبة، وقال لأبن رؤبة: والله ما قلت أنت ولا أبوك ولا جدك مثل هذا. ووصل بشاراً وأجزل له العطية.
وكان بشار أستاذ أهل عصره من الشعراء غير مدافع، ويجتمعون إليه وينشدونه ويرضون بحكمه.
وتشبيهاته- على أنه أعمى لا يبصر- من كل ما لغيره أحسن. ومن ذلك قوله: كأن مثار النقع فوق رءوسنا وأسيافنا ليل تهاوت كواكبه
ومن خبيث هجائه قوله: فلا تبخلا بخل ابن قزعة إنه مخافة أن يرجي نداه حزين
إذا جئته للعرف أغلق بابه فلم تلقه إلا وأنت كمين
فقل لأبي يحيى: من تبلغ العلا وفي كل معروف عليك يمين?
وفيه يقول: بجدك يا بن قزعة نلت مالاً ألا إن اللئام بهم جدود
ومن حذر الزيادة في الهدايا أقمت دجاجة فيمن يزيد
ومما يستحسن لبشار، لإحكام رصفه، وحسن وصفه كلمته التي يقول فيها بيته الذي ذكرناه في التشبيه، فأولها: جفا جفوة فازور إذ مل صاحبه وأزرى به أن لا يزال يصاحبه
خليلي لا تستكثرا لوعة الهوى ولا لوعة المحزون شطت حبائبه
شفى النفس ما يلقى بعبدة مغرماً وما كان يلقى قلبه وضرائبه
فأقصر عن داعي الفؤاد وإنما يميل به أمس الهوى ويطالبه
إذا كان ذواقاً أخوك الهوى توجّهه في كلّ أوب ركائبه
فخّل له وجه الطريق ولا تكن مطيّة رحّال كثير مذاهبه
أخوك الذي إن ربته قال إنما أربت وإن عاتبته لان جانبه
إذا كنت في كل الأمور معاتباً أخاً لك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه?
من الحيّ قيس قيس عيلان إنها عيون الندى منها تروي سحائبه
وما زال منها ممسك بمدينة يراقب أو ثغر تخاف مرازبه
إذا الملك الجبار صعر خدّه مشينا إليه بالسيوف نعاتبه












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 06:10 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

الصفحة : 4

وكنّا إذا دبّ العدوّ لسخطنا وراقبنا في ظاهر لا نراقبه
غدونا له جهراً بكلّ مثقف وأبيض تستسقي الدماء مضاربه
كأن مثار النقع فوق رءوسنا وأسيافنا ليل تهاوت كواكبه
وأرعن يعشى الشمس لون حديده وتخلس أبصار الكماة كتائبه
تغص به الأرض الفضاء إذا غدا تزاحم أركان الجبال مناكبه
تركنا به كلبا وقحطان تبتغي مجيراً من الهبل المطلّ مغالبه
وكان بشار يعد في الخطباء والبلغاء. ولا أعرف أحداً من أهل العلم والفهم دفع فضله ولا رغب عن شعره. وكان شعره أنقى من الراحة، وأصفى من الزجاجة وأسلس على اللسان من الماء العذب. ومما يستحسن من شعره- وإن كان كله حسناً- قوله: أمن تجنّي حبيب راح غضبانا أصبحت في سكرات الموت سكرانا
لا تعرف النوم، من شوق إلى شجن كأنما لا ترى للناس أشجانا
أود من لم ينلني من مودته إلا سلاماً يردّ القلب حيرانا
يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا
وهذا معنى بديع لم يسبقه إليه أحد. وهذه قصيدة طويلة وقد قدمنا في كتابنا هذا أنا نروم الإيجاز والاختصار.
ومما يستحسن من شعره أيضاً وهو المعنى الذي لم يسبق إليه: لم يطل ليلي ولكن لم أنم ونفى عني الكرى طيف ألمّ
فاهجر الشوق إلى رؤيتها أيها المهجور إلا في الحلم
حدثني عن كتابٍ جاءني منك بالذم وما كنت أذم
ومن مستحسن شعره رائيته العجيبة البديعة المعاني الرفيعة المباني: رأيت صحابتي بخناصرات حمولا بعد ما متع النّهار
فكاد القلب من طرب إليهم ومن طول الصّبابة يستطار
وفي الحيّ الذين رأيت خود خلوب الدل آنسةٌ نوار
برود العارضين كأن فاها بعيد النوم عانقه عقار
كأنّ فؤاده كرةٌ تنزّى حذار البين لو نفع الحذار
يروّعه السرار بكلّ شيءٍ مخافة أن يكون به السّرار
وودّا لليل زيد إليه ليلٌ ولم يخلق له أبداً نهارُ
جفت عيني عن التغميض حتّى كأنّ جفونها عنها قصار
وبلغني أن مسلم بن الوليد وجماعة، منهم أبو الشيص وأبو نواس وغيرهما، كانوا عند بعض الخلفاء، فسألهم عن ديباج الشعر الذي لا يتفاوت نمطه، فأنشدوه لجماعة من المتقدمين والمحدثين، فكأنه لم يقع منه بالغرض، وسأل عن أحسن من ذلك، فقال أبو نواس: أنا لها يا أمير المؤمنين. وأنشد هذه الأبيات الرائية لبشار، فاستحسنها جدّاً، وقال: ومما أجاد فيه وأفرط قوله في الافتخار: إذا ما غضبنا غضبة مضريّةٌ هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دماً
إذا ما أعرنا سيّداً من قبيلة ذرى منبر صلّى علينا وسلّما
ومما يستحسن له قوله في عقبة بن سلم: حيّيا صاحبيّ أمّ العلاء واحذرا طرف عينها الحوراءِ
إن في طرفها دواء وداءً لمحبّ، والداء قبل الدواء
عذبتني بالحب عذبها الل ه بما تشتهي من الأهواء
يقع الطير حيث يلتقط الح ب وتغشى منازل الكرماء
إنما همة الجواد ابن سلم في عطاء وموكب أو لقاء
ليس يعطيك للرجاء وللخو ف ولكن يلذ طعم العطاء
ومما يختار من مديحه قوله في ابن العلاء فتى لا يبيت على دمنة ولا يلعق الشهد إلا بسمّ
ثم يأخذ في الافتخار في قوله منها: ألا أيّها السائلي جاهلاً لتعرفني أنا أنف الكرم
نمتني الجياد: بنو عامر فروعي وأصلي قريش العجم
وإنّي لأغني مقام الفتى وأصبي الفتاة ولا تعتصم
ومن غزله الطيب الحسن المليح قوله: يا منية القلب إنّي لا أسميك أكني بأخرى أسميها وأعنيك

الصفحة : 5

يا أطيب الناس ريقاً غير مختبر إلاّ شهادة أطراف المساويك
قد زرتنا زورة في الدّهر واحدة فاثني ولا تجعليها بيضة الديك
يا رحمة الله حلّى في منازلنا حسبي برائحة الفردوس من فيك
ومن بدائعه قوله: وخريدة سودٍ ذوائبها قد ضمخت بالمسك والورس
أقبلن في رأد الضحاء بها فسترن عين الشمس بالشمس
وله القصيدة المشهورة التي يقول فيها هذا البيت "يا رحمة الله ...الخ" وقد ضمنه أبو نواس بشعره وهو هذا البيت: يا رحمة الله حلي في منازلنا وجاورينا فدتك النفس من جار
وأخبار بشار كثيرة ونوادره في الشعر وطرائفه أكثر من أن يتضمنها هذا الكتاب على ما قدمنا فيه من إيثارها الإيجاز والاختصار وقد أتينا بما يستدل على ما سواه.

أخبار السيد الحميري
هو إسماعيل ين محمد بن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري، وكان شاعراً ظريفاً حسن النمط مطبوعاً جدّاً، محكم الشعر مع ذلك، وكان أحذق الناس بسوق الأحاديث والأخبار المناقب في الشعر. لم يترك لعلي بن أبي طالب عليه السلام فضيلة معروفة إلا نقلها إلى الشعر.
حدَّثني محمد بن عبد الله السدوسي عن المدائني قال: كان أبو هاشم ينال من هذا الشراب، وولي سليمان بن حبيب بن المهلب الأهواز- وكان للسيد صديقاً- فرحل إليه من الكوفة، فأكرمه ورفع مجلسه ونادمه، وأقام عنده حيناً، وكان سليمان لا يشرب الشراب ويمنع من شربه ويتشدد فيه. فامتنع السيد من شربه فأضر ذلك به وتغير لونه، فقال له يوماً: أراك قد تغيرت عن الحال التي قدمت عليها، فقال: أصدقك أيها الأمير، كنت أنال من هذا الشراب فيمرئ طعامي ويشد عضدي ويقوي بدني، فأمسكت عنه مساعدة للأمير أصلحه الله، فصرت إلى ما ترى. فتبسم سليمان وقال: أحق ما يجب علينا من حق من يمدح آل الرسول صلى الله عليه وآله أن نحتمل له شرب النبيذ، فأصب منه فإنه غذاؤك. ثم كتب إلى عامله بالجبل أن احمل إلى أبي هاشم مائتي دورق ميفختج. ودفع الرقعة إلى السيد فقال: أصلح الله الأمير، البليغ من يوجز الكلام ويختصره، قال سليمان: وما رأيت من العيّ? قال: جمعك بين كلمتين مستغني بإحداهما، دع "مي" وامح فختج فقال: صدقت وحمل إليه ما أراد.
وحدثني محمد بن عبد الله قال: قال لي السيد: اختصم رجلان في أبي بكر وعلي فأطالا ثم رضيا بأن يحكم بينهما أول طالع يطلع عليهما. فكنت ذاك- وأنا على بغلة، وهما لا يعرفانني- قال محمد: وكان السيد وسيماً جسيماً- فابتدر إليّ الشيعيّ منهما وقال: أصلحك الله، إنا اختلفنا? في شيء ورضينا بأول طالع علينا حكماً فقلت ففي ماذا اختلفتما قال: أنا أقول: إن علياً خير الناس بعد رسول الله. قال: فقلت: فماذا يقول هذا ابن الزانية? وحدثني محمد بن عبد الله قال: قال السدري راوية السيد: كان السيد أول زمانه كيسانياً يقول برجعة محمد بن الحنيفة وأنشدني في ذلك: حتى متى? وإلى متى? ومتى المدى? يا بن الوصيّ وأنت حيّ ترزق
والقصيدة مشهورة.
وحدثني محمد بن عبد الله قال: قال السدري: ما زال السيد يقول: بذلك حتى لقي الصادق عليه السلام. بمكة أيام الحج، فناظره وألزمه الحجة فرجع عن ذلك. فذلك قوله في تركه تلك المقالة، ورجوعه عما كان عليه ويذكر الصادق عليه السلام:
تجعفرت باسم الله والله أكبر وأيقنت أن الله يعفو ويغفر
ويثبت مهما شاء ربي بأمره ويمحو ويقضي في الأمور ويقدر
وقال الأنصاري: قال العتبي: ادعى رجل على رجلٍ مالاً عند سوار القاضي، فطالبه سوار بالبينة، فلم يكن له شاهد إلا السيد ورجل آخر، فأحضرهما؛ فقال سوار: قد قبلنا شهادة أبي هاشم ولكن زدنا في الشهود، فظن السيد أنه رد الشاهد الآخر، فلما خرجا قال له الرجل: والله ما رد إلا شهادتك ولم يفصح بذلك خوفاً من لسانك وتبين الأمر على ما قال: فغضب السيد على سوار وهجاه وخرقه، وفيه يقول: يا أمين الله يا من صور يا خير الولاة
إنّ سوار بن عبد الل ه من شر القضاة
إن سواراً الأعمى من ذوي جهر جناة
جملي نعثلي لكم غير موات

الصفحة : 6

جدّه سارق عنز فجرة من فجرات
لرسول الله والقا ذفه بالمنكرات
والذي قام ينادي من وراء الحجرات
يا هناه أخرج إلينا إننا أهل هناة
فاكفنيه لا كفاه الل ه شرّ الطارقات
فهجوناه ومن نه ج يصب بالفاقرات
وبعث هذه الأبيات إلى المنصور. وكتب إليه سوار: يا أمير المؤمنين إن السيد رافضي يقول بالرجعة ويرى المتعة. فكتب إليه المنصور: إن بعثناك قاضياً ولم نبعثك ساعياً. وعزله وأقطع السيد أرضاً بالبصرة من أراضي الحجاج.
ومن جيد شعره قصيدته التي تسمى المذهبة وهي التي أولها: ين التطرف بالولاء وبالهوى أإلى الكواذب من بروق الخلب
إلى أمية? أم إلى الشيع التي جاءت على الجمل الخدب الشوقب
تهوي من البلد الحرام فنبهت بعد الهدو كلاب أهل الحوأب
وهي قصيدة مشهورة جداً، فاقتصرنا على ما أردناه منها. ومن مستحسن شعره في آل رسول الله صلى الله عليه وآله: أتى حسناً والحسين الرسولُ وقد برزا ضحوة يلعبان
وضمّهما ثم فدّاهما وكان لديه بذاك المكان
وطأطأ تحتهما عاتقيه فنعم المطية والراكبان
والقصيدة أيضاً مشهورة، فاقتصرنا على ما ذكرناه فقط، وقصائد الجياد كثيرة لو اشتغلنا بذكرها لطال شغلنا، وقد حكوا عن بعضهم أنه قال: رأيت حمالاً عليه حمل ثقيل وقد جهده. فقلت: ما هذا? قال: ميميات السيد. وحكى عن السدري، أنه كان له أربع بنات، وأنه كان حفظ. كل واحدة منهن أربعمائة قصيدة من شعره، فحسبك هذا.
وحدثني الأنصاري قال: أخبرني المنذري قال: لما احتضر السيد نظر إليه غلامه وبكى، فقال له: ما يبكيك? قال: وكيف لا أبكي وأنت تموت وليس لك كفن? فقال: إذا أنا قضيت فصر إلى صف الخزازين، فقل ألا أن السيد الحميري مادح آل رسول الله صلى الله عليه وآله قد مات ففعل، فوافاه سبعون كفنا فيها الوشي والدبيقي. فهذا خبره، وكان شعره رحمه الله.

أخبار سديف
كان سديف شاعراً مفلقاً وأديباً بارعاً وخطيباً مصقعاً، وكان مطبوع الشعر حسنه. حدَّثني العوفي قال: حدَّثني أحمد بن إبراهيم الرياحي قال: سلم سديف بن ميمون على رجل من بني عبد الدار فقال له الرجل: من أنت? قال سديف: أصلحك الله أنا أحد أهلك، أنا سديف بن ميمون. قال العبدي: والله ما أعرف في أهلي ميموناً قال سديف ولا مباركاً.
وحدثني جعفر بن إبراهيم الجعفري: كان سديف مولى لامرأة من خزاعة وكان لها زوج من اللهبيين وادعى سديف بذلك ولاء بني هاشم، وزعم المدائني أنه مولى بني العباس وشاعرهم.
وكان سديف في أيام بني أمية يقول: هو برئ من جورهم وظلمهم وعدوانهم، اللهم صار فيئنا دولة بعد القسمة، وإمارتنا غلبة بعد المشورة وعهدنا ميراثاً بعد الاختيار للأمة، واشتريت المعازف والملاهي بمال اليتيم والأرملة، وحكم في أبشار المسلمين أهل الذمة، وتولى القيام بأمرهم فاسق كل محلة، فلا ذائد يذود عن هلكة، ولا مشفق ينظر إليهم بعين الرحمة، ولا رادع يردع من أوى إليهم بمظلمة، ولا ذو شفقة يشبع الكبد الحرى من السغب، فهم أهل ضرع وضيعة وحلفاء كآبة وذلة قد استحصد زرع الباطل وبلغ نهايته، واستجمع طريده، واستوسق، وضرب بجرانه. اللهم فأتح له يداً من الحق حاصدة تجتث سنامه، وتهشم سوقه، وتبدد شمله وتفرق كلمته، ليظهر الحق في أحسن صورته، وأتم نوره، وأعظم بركته. اللهم- وقد عرفنا من أنفسنا خلالاً تقعد بنا عن استجابة الدعوة، وأنت المفضل على الخلائق أجمعين، والمتولى الإحسان إلى السائلين- فآت لنا من أمرنا حسب كرمك وجودك وامتنانك، فإنك تقضي ما تشاء، وتفعل ما تريد.

الصفحة : 7

حدَّثني جعفر ابن إبراهيم بن ميمون قال: حدَّثني إسحاق بن منصور قال: حدَّثني أبو الخصيب الأسدي قال: لما تناهت أيام بني أمية وانقضت دولتهم وأفضت الخلافة إلى بني العباس، وولى منهم السفاح- وهو ابن الحارثية- اتصل الخبر بسديف وهو إذ ذاك بمكة، فاستوى على راحلته وتوجه نحو أبي العباس- وكان به عارفاً- فلما وصل إليه قال له: من أنت? قال: أنا سديف بن ميمون. قال: مولاي سديف? نعم يا أمير المؤمنين، ثم هنأه بالخلافة، ودعا له بالبركة، وأنشده قصيدة التي أولها: أصبح الملك ثابت الآساس بالبهاليل من بني العباس
لا تقيلن عبد شمس عثاراً واقطعن كل رقلة وغِراس
ولقد ساءني وساءَ سوائي قربهم من منابر وكراسي
فاذكروا مصرع الحسين وزيد وقتيلاً بجانب المهراس
والقتيل الذي بحران أضحى رهن رمس وغربة وتناسى
ذلهما أظهر التودد منها وبها منكم كحز المواسي
أنزلوها بحيث أنزلها الل ه بدار الإتعاس والإنكاس
فعملت كلمته في أبي العباس وحركت منه، وعنده قوم من بني أمية فقالوا: أعرابي جلف جاف لا يدري ما يخرج من رأسه. فتفرق القوم على ذلك، فلما كان من الغد، وجه أبو العباس إليهم: أن اجتمعوا واغدوا على أمير المؤمنين مع سيدكم سليمان بن هشام ليفرض لكم ويجيزكم- وكان سليمان يكنى أبا الغمر، وكان صديقاً لأبي العباس من قبل أن تفضى إليه الخلافة، يكاتبه ويقضي حوائجه- فلما أصبحوا تهيئوا بأجمعهم، وبكروا إلى أبي العباس مع أبي الغمر، فأذن لهم ورفع مجالسهم، وأجلس أبا الغمر سليمان بن هشام عن يمينه على سريره، وجاء سديف حين سمع باجتماعهم حتى استأذن عليه، فلما مثل بين يديه ونظر إلى مجالسهم كهيئتها بالأمس ورأى أبا الغمر على السرير- وفيهم رجل من كلب من أخوال أبي الغمر، وكان منعه الحاجب وقت دخولهم، فنادى: يا أبا الغمر هذا يمنعني من الدخول، فقال أبو الغمر: هذا رجل من أخوالي فاتركه، فقال له الحاجب: ويلك ارجع فهو خير لك، فقال لا والله لأدخلن، قال: أنت أعلم- ثم أنشأ سديف يقول: لا يغرنك ما ترى من رجال إن تحت الضلوع داءً دوياً
فضع السيف وارفع السوط حتى لا ترى فوق ظهرها أمويا
واستمر في القصيدة حتى أتى على آخرها، وأبو العباس يغتاظ. ويحنق ويتلون. فقال سليمان بن هشام لسديف: يا ابن الفاعلة ألا تسكت? فلما قال ذلك اشتد غضب أبي العباس. ونظر إلى رجال خراسان وهم وقوف بالأعمدة فقال لهم بالفارسية: دهيد، يعني اضربوا. فشدخوا رءوسهم بالأعمدة حتى أتوا على آخرهم، ثم نظر إلى سليمان وقال له: يا أبا الغمر مالك في الحياة خير بعد هؤلاء، فقال: أجل، فشدخوا رأسه وجروه برجله حتى ألقوه مع القوم، وصاج الرجل الكلبي فقال: يا أمير المؤمنين أنا رجل من كلب، فقال أبو العباس: ساعدت القوم في سرائهم فساعدهم في ضرائهم، وأومأ أن اضربوه فإذا هو مع القوم، ثم جمعهم وأمر بالأنطاع فبسطت عليهم ثم جلس فوقهم، ودعا بالغداء فتغدى، وإن بعض القوم ليتحرك، وفيهم من يسمع أنينه، فلما فرغ من غدائه قيل له هلا أمرت بهم فدفنوا أو حولوا إلى مكان آخر فإن رائحتهم تؤذيك? قال: والله إن هذه الرائحة لأطيب عندي من رائحة المسك والعنبر الآن سكن غليلي.
ومما يستحسن من قول سديف في الغزل: أعيب التي أهوى وأطري جواريا يرين لها فضلا عليهن بينا
برغمي أطيل الصد عنها إذا بدت أحاذر آذاناً عليها وأعينا
ومن قول سديف في أمير كان على مكة من بني جمح: وأمير من بني جمح طيب الأعراق ممتدح
إن أبحناه مدائحنا عاضنا منهن بالوضح
ولما ظهر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بالبصرة صار إليه سديف هارباً من المنصور، وأظهر عداوة بني العباس. وصعد يوماً المنبر يخطب فقام سديف مقبلاً عليه بوجهه وقال: إيه أبا إسحاق مليتها في صحة منك وعمر طويل
اذكر هداك الله ذحل الألى يسرى بهم في مصمتات الكبول












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 06:12 AM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

الصفحة : 8

يعني أباه ومن حمل معه. فلما قتل إبراهيم هرب سديف وتوارى حتى سكنت تلك الفورة ثم كتب إلى المنصور يسأله أن يمن عليه بالعفو وكتب إليه بهذه الأبيات: أيها المنصور يا خير العرب خير من ينميه عبد المطلب
أنا مولاكم وأرجو عفوكم فاعف عني اليوم قبل العطب
فوقع المنصور في كتابه بخطه: لم يلدني محمد بن علي إن تسميت بعدها بوليّ
ثم كتب إلى عبد الصمد بن علي عمه يأمره بقتله فيقال: أنه قطع يديه ورجليه ثم ضرب عنقه، وقيل أيضاً: إنه حمل إلى المنصور فدفنه حياً. وحدثني محمد بن حازم عن النمري الشاعر- وكان كثير الرواية لشعر سديف- قال: ما كان في زمان سديف أشعر منه ولا أطبع منه ولا أقدر على ما يريده من الشعر. وكان النمري ينكر أن يكون المنصور قتله ويقول: ويحكم، ما نزل ببني أمية ما نزل إلا بسديف، وكان يقول: ما فارق سديف أبا العباس ثم من بعده المنصور إلى أن مات. قال: وأشعاره ونوادره كثيرة، ولكن اقتصرنا منه على هذه الجملة.

أخبار مروان بن أبي حفصة
هو مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة: وكان أبو حفصة مولى لمروان بن الحكم أعتقه يوم الدار لأنه أبلى يومئذ. والدليل على ذلك قول مروان يذكر عتق أبي حفصة: بنو مروان قوم أعتقوني وكل الناس بعدهم عبيد
حدَّثني عبد الرحمن بن محمد التميمي عن أبيه محمد بن حنظلة قال: قال شراحيل بن معن بن زائدة: عرضت في طريق مكة ليحيى بن خالد وهو في قبة وعديله يوسف القاضي وهما يريدان الحج، فإني لأسير تحت القبة إذ عرض له رجل من بني أسد في شارة حسنة فأنشده شعراً؛ فقال يحيى في بيت: ألم أقل لك ألا ترجع إلى مثل هذا المعنى? ثم قال: يا أخا بني أسد، إذا قلت الشعر فقل كقول الذي يقول: بنو مطر يوم اللقاء كأنهم أسودٌ لها في بطن خفّان أشبل
همُ يمنعون الجار حتى كأنّما لجارهم بين السماكين منزل
لهاميم في الإسلام سادوا ولم يكن كأوّلهم في الجاهلية أوّل
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهم وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
ثلاث بأمثال الجبال حباهم وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل
فقال له أبو يوسف:- وقد أعجبته الأبيات- : من قائل هذه الأبيات يا أبا علي? قال يحيى: قائلها مروان بن أبي حفصة يمدح أبا هذا الفتى الذي تحت القبة؛ قال شراحيل: فرمقني أبو يوسف بعينه وأنا على فرسي.
وقال: من أنت يا فتى حياك الله? قلت: شراحيل بن معن بن زائدة. قال شراحيل: فوالله ما مرت عليّ ساعة قط. كانت أقر لعيني من تلك الساعة ارتياحاً وسروراً.
وكان يحيى بن أبي حفصة تزوج عمرة بنت إبراهيم بن النعمان بن بشير الأنصاري على صداق عشرين ألف درهم، وسير إليها مهرها قبل أن يبنى بها، ولام الناس إبراهيم في ذلك وقالوا: زوجت عبداً وفضحت نفسك وأباك.
وأرادوه على انتزاعها فأبى وعظم الأمر في ذلك جداً ففي ذلك يقول إبراهيم: فما تركت عشرون ألفاً لقائل مقالاً ولم أحفل مقالة لائم
فإن كنت قد زوجت مولى فقد مضت به سنّةٌ قبلي وحب الدراهم
ويقال: إن أبا حفصة كان يهودياً، فأسلم على يدي عثمان، فأثرى وكثر ماله، وتولى الخزن لبني أمية، وتزوج خولة بنت مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم، وكان قيس بن عاصم سيد أهل الوبر، فقال في ذلك القلاخ الشاعر يهجو مقاتل بن طلبة: نبئت خولة قالت حين أنكحها لطالما كنت منك العار أنتظر
أنكحت عبدين ترجو فضل مالهما في فيك مما رجوت الترب والحجر
لله در جياد أنت قائدها برذنتها وبها التحجيل والغرر
ومروان من المجيدين المحككين للشعر ومما يستحسن له مراثيه في معن بن زائدة، ومدائحه أيضاً العجيبة فيه. ويقال: إنه دخل على جعفر ابن يحيى البرمكي، وقد امتدحه بهذه القصيدة، فوقف ينشد: أبر فما يرجو جواد لحاقه أبو الفضل سباق اللهاميم جعفر

الصفحة : 9

وزير إذا ناب الخليفة حادث أشار بما عنه الخليفة يصدر
فقال ويحكّ! أنشدني مرثيتك في معن: وكان الناس كلهم لمعن إلى أن زار حفرته عيالا
فأنشده إياها حتى فرغ من القصيدة، وجعفر يرسل دموعه، فلما سكن قال: أثابك أحد من ولده وأهله على هذه شيئاً? قال: لا. قال جعفر: فلو كان معن حياً ثم سمعها منك، كم كان يثيبك عليها? قال: أربعمائة دينار. قال جعفر: لكني أظن أنه كان لا يرضى لك بذاك، وقد أمرنا لك عن معن بضعف ما قلت، وزدنا نحن مثل ذلك، فاقبض من الخازن ألفاً وسبعمائة دينار قبل أن تنصرف إلى رحلك. فقال مروان يذكر ذلك، ويمدح جعفر، وزادها في مرثيته لمعن: نفحت مكارماً عن قبر معن لنا ممّا تجود به سجالا
فعجلت العطية يا بن يحيى بتأدية ولم ترد المطالا
فكافي عن صدى معن جواد بأجواد راحةٍ بذلت نوالا
بني مالك خالد وأبوك يحيى بناء في المكارم لن ينالا
كأنّ البرمكي بكلّ مال تجود به يداه يفيد مالا
ومن قلائده وأمهات قصائده كلمته في معن بن زائده- وهو معن بن زائده بن عبد الله بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو بن قيس ابن شراحيل بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان- والقصيدة مختارة أولها: أمسى المشيب من الشباب بديلاً ضيفاً أقام فما يريد رحيلاً
والشيب إذ طرد السواد بياضه كالصبح أحدث للظلام أفولا
وقال مروان يفتخر، وليس له فخر قديم ولا حديث غير الشعر، وكان ناصبياَّ معرّضاً في شعره بآل الرسول صلى الله عليه وعليهم: ذهب الفرزدق بالفخار وإنما حلو القصيد ومره لجرير
ولقد هجا فأمض أخطل تغلب وحوى اللها ببيانه المشهور
كل الثلاثة قد أبر بمدحه وهجاؤه قد سار كل مسير
ولقد جريت مع الجياد ففتها بعنان لا شبم ولا مبهور
ما نالت الشعراء من مستخلف ما نلت من جاه وأخذ بدور
عزت معاً عند الملوك مقالتيما قال حيهم مع المقبور
ولقد حبيت بألف ألف تثب إلا بسيب خليفة وأمير
ما زلت آنف أن أؤلف مدحه إلا لصاحب منبر وسرير
ما ضرني حسد اللئام ولم يزل ذو الفضل يحسده ذو والتقصير
وتظل للإحسان ضامنة القرى من كل تامكة السنام عقيري
أروى الظماء بكل حوض مفعم جوداً وأترع للسغاب قدوري
أعطى اللها متبرعاً عوداً على بدءٍ وذاك عليّ غير كثير
وإذا أهدرت مع القروم محاضراً في موطن فضح القروم هديري
ومما يستحسن لمروان قوله: يا من بمطلع شمس ثم مغربها إن السخاء عليكم غير مردود
قل للعفاة أريحوا العيس من طلب ما بعد معن حليف الجود من جود
قل للمنية لا تبقي على أحد إذ مات معن فما ميت بمفقود
والقصيدة مشهورة، وهي طويلة وإنما ذكرت فقراً وعيوناً ومن أراد شعر القوم على الوجه فإن دواوينهم موجودة، ولا سيما هؤلاء المشهورين عند أكثر الناس، فأما من ليس يوجد شعره إلا عند الخواص فسنضمن الكتاب لهم قطعة صالحة، وصدراً وافراً، ليكون أكمل للفائدة عندنا، وسنورد من شعر مروان وطبقته من المعروفين القصائد التي يقل وجودها عند أكثر الناس، مثل كافيته وما أشبهها من مخزون شعره، والكافية هذه، وأولها: لام في أم مالك عاذلا كا ولعمر الإله ما أنصفاكا
وكلا عاذليك أصبح مما بك خلوا، هواه غير هواكا
عذلا في الهوى، ولو جرباه أسعدا إذ بكيت أو عذراكا
كلما قلت: بعض ذا اللوم قالا إن جهلاً بعد المشيب صباكا
بثّ في الرأس حرثه الشيب لما حان إبان حرثه فعلاكا
فاسل عن أم مالك، وأنه قلباً طالما في طلابه عنّاكا

الصفحة : 10

أصبح الدهر بعد عشر وعشر وثلاثين حجة قد رماكا
ما ترى البرق نحو قران إلا هاج شوقاً عليك فاستبكاكا
قد نأتك التي هويت وشطت بعد قرب نواهم من نواكا
وغدت فيهم أوانس بيض كعواطي الظباء تعطوا الأراكا
كنت ترعى عهودهن وتعصي في هواهن كل لاح لحاكا
إذ تلاقي من الصبابة برحا وتجيب الهوى إذا ما دعاكا
عدّ عن ذكرهن واذكر هماما بقوى حبله عقدت قواكا
أين لا أين مثل زائدة الخيرات إلا أبوه? لا أين ذاكا
يا بن معن يفكُّ كلّ أسير مسلم لا يبيت يرجو الفكاكا
وبه تفعض الرئيس لدى المو ت إذا اصطكت العوالي اصطكاكا
مطري أغر تلقاه بالعر ف قؤولا وللخنا تراكا
من يرم جاره يكن مثل ما را م بكفّيه أن ينال السماكا
لم تزل عند موطن يا بن معنعن مقام تقومه قدماكا
إنّ معناً يحمي الثغور ويعطي ما له في العلا وأنت كذاكا
لا يضر امرأً إذا نال ودّا منك ألا يناله من سواكا
ما عدا المجتدي أباك. وما من راغب يجتديه إلا اجتداكا
ودّ كل امرئ من الناس لو كا ن أبوه لدى الفخار أباكا
قد وفى البأس والندى لك بالعق د، كما قد وفيت إذ حالفاكا
وأجاباك إذ دعوت بلبيك كما قد أجبت إذ دعواكا
فهما دون من له تخلص الود، وترعى إخاءه أخواكا
لست ما عشت والوفاء سناءٌلهما مخفراً ولن يخفراكا
رفعت في ذرا المعالي قديماً فوق أيدي الملوك طرّاً يداكا
وسما الفرع منك في خير أصل من نزار فطاب منه ثراكا
فبمعن تسمو، وزائدة الخي ر، وعبد الإله، كل نماكا
زين ما قدموا. ولم تلف صعبا في سلاليم مجدهم مرتقاكا
أعصمت منكم نزارٌ بحبل لم يريدوا بغيره استمساكا
ورأبتم صدوعها بحلومٍ راجحات دفعن عنها الهلاكا
فأشارت معاً إليكم وقالت إنما يرأب الصدوع أولاكا
يئس الناس أن ينالوا قديماً في المعالي لسعيكم إدراكا
إن معنا كما كساه أبوه عزة السابق الجواد كساكا
كم به عارفاً يخالك أيا ه، وطوراً يخاله إياكا
لك من فضل بأسه يعرف البأ س، كما من نداه فضل نداكا
كل من قد رآه يعرف منه نسم الخير فيك حين يراكا
سبق الناس إذ جرى ثم صلي ت كما من أبيه جاء كذاكا
دانياً من مدى أبيه مداه مثل ما من مداه أمسى مداكا
ماجدا النيل نيل مصر إذا ما طم آذيه كبعض جداكا
زاد نعمى أبي الوليد تماماً فضل ما كان من جدي نعماكا
سخطك الحتف حين تسخط، والغنم إذا ما رضيت يوماً رضاكا
كل ذي طاعة من الناس يرجو ك كما كل مجرمٍ يخشاكا
وهذه القصيدة تسمى الغراء أخذ عليها من ابن معن مالاً كثيراً. ويقال ما أخذ أحدٌ من الشعراء المتقدمين ولا المحدثين ما أخذ مروان بالشعر. كان رسمه على الخلفاء مائة ألف درهم.
ومن قلائده وأمهات شعره هذه اللامية: كأن التي يوم الرحيل تعرضت لنا من ظباء الرمل أدماء مغزل
تصدّ لمكحول المدامع لابنٍ إذا خلفته خلفها، الطرف يعمل
وأشعاره كثيرة، ونوادره جمة.
وحدثني أبو مالك عن أبيه أن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله أتى الحسن بن علي فقال: أنا مولاك- وكان قديماً يكتب لعلي بن أبي طالب عليه السلام. فقال فيه مولى لتمام بن العباس بن عبد المطلب: جحدت بني العباس حقٌ أبيهم فما كنت في الدعوى كريم العواقب












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 06:21 AM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

الصفحة : 11

متى كان أولاد البنات كوارث يحوز ويدعى والداّ في المناسب
فسرق مروان هذا المعنى، وأودعه قصيدته التي يقول فيها: أنّى يكون وليس ذاك بكائن لبني البنات وراثة الأعمام?
فأخذ بهذا البيت مالاً عظيماً.
ومما يستحسن من شعره كلمته في معن يرثيه ويذكر فعاله، وذلك قوله: مضى لسبيله معنٌ وأبقى مكارم لن تبيد ولن تنالا
كأنّ الشمس يوم أصيب معنٌ من الإظلام ملبسه جلالا
هو الجبل الذي كانت نزار تهد من العدو به جبالا
تعطلت الثغور لفقد معنٍ وقد يروي بها الأسل النهالا
وأظلمت العراق وأورثتها مصيبته المجللة اختلالا
وظل الشام يرجف جانباه لركن العز حين وهى ومالا
وكادت من تهامة كل أرض ومن نجدٍ تزول غداة زالا
فإن يعل البلاد له خشوع فقد كانت تطول به اختيالا
أصاب الموت يوم أصاب معناً من الأحياء أكرمهم فعالا
وكان الناس كلهم لمعنٍ إلى أن زار حفرته عيالا
ولم يك طالب للعرف ينوي إلى غير ابن زائدة ارتحالا
مضى من كان يحمل كل ثقل ويسبق فيض نائلة السؤالا
وما عمد الوفود لمثل معن ولا حلوا بساحته الرحالا
ولا بلغت أكفّ ذوي العطايا يميناً من يديه ولا شمالا
وما كانت تجف له حياض من المعروف مترعة سجالا
فليت الشامتين به فدوه وليت العمر مدّ له فطالا
ولم يك كنزه ذهباً ولكن سيوف الهند والحلق الفضالا
وذابلة من الخطيّ سمراً ترى فيهن ليناً واعتدالا
وذخراً من محامد باقياتٍ وفضل لهاً به الإفضال نالا
مضى لسبيله من كنت ترجو به عثرات دهرك أن تقالا
وقائلة رأت جسمي ولوني معاً عن عهدها قلبا فحالا
أرى مروان عاد كذي نحولٍ من الهندي قد فقد الصقالا
رأت رجلاً براه الحزن حتى أضر به وأورثه خبالاً
وأيام المنون لها صروف تقلب بالفتى حالا فحالا
كأن الليل واصل بعد معنٍ ليالي قد قرن به فطالا
فلهف أبي عليك إذ العطايا جعلن مني كواذب واعتلالا
ولهف أبي عليك إذ اليتامى غدوا شعثاً كأن بهم سلالا
ولهف أبي عليك لكل هيجا غدت تلقى حواضنها السمالا
ولهف أبي عليك إذ القوافي لممتدح بها ذهبت ضلالا
أقمنا باليمامة إذ يئسنا مقاماً لا نريد له زيالا
وقلنا: أين نرحل بعد معن وقد ذهب النوال فلا نوالا
سيذكرك الخليفة غير قالٍ إذا هو بالأمور بلا الرجالا
حباك أخو أمية بالمراثي مع المدح اللواتي كان قالا
أقام وكان نحوك كل عام يطيل بواسط الكور اعتقالا
وألقى رحلة أسفاً وآلى يميناً لا يشد له حبالا
وأشعار مروان كثيرة جدّاً، ولو أوردنا عيون شعره لطال بها الكتاب، فليس له إلاّ كل عينٍ، ولسنا نخرج عن الحدّ الذي استنناه من الإيجاز والاختصار.

أخبار أبي دلامة
اسمه زند بن الجون، بالنون، وقال بعضهم: زيد بالباء وقد غلط. هكذا رواه العلماء بالنون، وكان أبو دلامة مطبوعاً مفلقاً ظريفاً كثير النوادر في الشعر وكان صاحب بديهة، يداخل الشعراء ويزاحمهم في جميع فنونهم، ينفرد في وصف الشراب والرياض وغير ذلك بما لا يجرون معه، وكان مداحاً للخلفاء.
حدَّثنا أبو مالك عبيد الله بن محمد قال: حدَّثنا أبي قال: لما توفي أبو العباس السفاح دخل أبو دلامة على أبي جعفر المنصور والناس عنده تعزيه فأنشأ يقول: أمسيت بالأنبار يا بن محمد لا تستطيع إلى البلاد حويلا

الصفحة : 12

ويلي عليك وويل أهلي كلهم ويلا يكون إلى الممات طويلاً
مات الندى إذ مت يا بن محمد فجعلته لك في التراب عديلاً
أني سألت الناس بعدك كلهم فوجدت أسمح من رأيت بخيلا
ألشقوتي أخرت بعدك للذي يدع السمين من العيال هزيلا
فأبكى الناس قوله، فغضب المنصور غضباً شديداً وقال: لئن سمعتك بعدها تنشد هذه القصيدة لأقطعن لسانك. فقال أبو دلامة: إن أبا العباس كان لي مكرماً، وهو الذي جاء بي من البدو، كما جاء الله يوسف عليه السلام، بإخوته، فقل كما قال: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين" فقال له: أقلناك فسل حاجتك. فقال أبو دلامة: قد كان أبو العباس أمر لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوباً في مرضه، ولم أقبضها، فقال المنصور: ومن يعلم ذلك? فقال: هؤلاء وأشار بيده إلى جماعة ممن حضره، فقام سليمان بن مجالد وأبو الجهم فقالا: يا أمير المؤمنين، صدق أبو دلامة ونحن نعلم ذلك.
فقال المنصور لأبي أيوب الخازن: يا سليمان أدفعها إليه وأخرجه في هذا الجيش الخارج إلى الطاغية، يعني عبد الله بن علي- وكان قد أظهر الخلاف بالشام ودعا إلى نفسه وجمع جمعاً كثيراً وبقايا أصحاب مروان: خلقاً من أهل الشام. وخاف المنصور أن يتمادى أمره- فوثب أبو دلامة وقال: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تخرجني مع هذا العسكر فإن والله مشئوم، فقال المنصور: إن يمني يغلب شؤمك فاخرج مع العسكر فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين، ما أحب لك أن تجرب ذلك، فإني لا أدري أي المنزلتين تحصل، ولا آمن أن يغلب شؤمي، فقال له: دع عنك هذا، فما لك بد من المسير في الجيش، قال: يا أمير المؤمنين والله لأصدقنك، إني شهدت تسعة عساكر كلها هزمت، فأنا أعيذك بالله أن يكون العاشر. فاستفرغ ضحكاً أبو جعفر، وأمره بالمقام مع عيسى بن موسى بالكوفة.
وحدثني محمد بن خالد البصري قال: حدَّثني ابن أبي العوجاء قال: أراد موسى بن داوود بن علي بن عبد الله بن عباس الخروج إلى الحج. فدعا أبا دلامة وقال تأهب للخروج معي إلى هذا الوجه المبارك، فإنما هو الحج وأعطاه عشرة آلاف درهم وقال: إن كان عليك دينٌ فاقضه وخلف لعيالك ما يكفيهم واخرج- وكان طمع في أن يعادله فيتمتع بفوائده وملحه ونوادره، فإنه كان من أتراب الملوك- فأخذ المال وأجابه إلى ذلك، فلما حضر خروج موسى طلبه فلم يقدر عليه، ففتش عن أمره، فقيل له: إنه بسواد الكوفة يتقلب في حانات الخمارين، وخاف موسى أن يفوته الحج فقال: اتركوه إلى لعنة الله، وخرج فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة قد خرج من قرية يريد الحيرة، فقال: ائتوني بعدو الله الفاسق، هرب من الحق إلى الباطل، ومن الحج إلى حانات الخمارين، فجيء به إليه، فقيده وألقاه في بعض المحامل، وساروا، فلما رأى أبو دلامة ذلك أنشأ يقول: يا أيها الناس قولوا أجمعين معاً صلّى الإله على موسى بن داوود
كأن ديباجي خديه من ذهب إذا تشرف في أثوابه السود
أما أبوك فعين الجود نعرفه وأنت أشبه خلق الله بالجود
نبئت أن طريق الحج معطشة من الطلاء وما شربي بتصريد
والله ما بي من خير فتطلبني في المسلمين وما ديني بمحمود
إني أعوذ بداوود وتربته من أن أحج بكرهٍ يا بن داوود
فقال موسى القوه عن المحمل لعنه الله حتى يذهب حيث يشاء، فألقوه عن المحمل ومضى لوجهه، فما زال أبو دلامة في السواد حتى أتلف ذلك المال؛ وانصرف موسى. فدخل أبو دلامة عليه مهنئاً فقال له: يا محارف ماذا فاتك من تلك المشاهد? فقال: يا سيدي والله فاتني أفاضلها، يعني الحانات.
حدَّثني ابن داوود قال: حدَّثني العوفي قال: دخل أبو دلامة على المهدي وعنده عيسى بن موسى والعباس بن محمد وناس من بني هاشم، فقال له المهدي: اهج أينا شئت. فنظر إلى القوم وتصفحهم، فكلما مر نظره إلى رجل غمز بعينه: إني على رضاك ولا تفعل. فمكث هنيهة ثم أنشأ يقول: ألا أبلغ لديك أبا دلامة فلست من الكرام ولا كرامة
جمعت دمامة وجمعت لؤماً كذاك اللؤم تتبعه الدمامة

الصفحة : 13

فإن تك يا عليج أصبت مالاً فيوشك أن تقوم بك القيامة
إذا لبس العمامة قلت قرد وخنزير إذا وضع العمامة
فضحك المهدي وتعجب من حسن ما أتى به من التخلص مما كان دفع إليه، فلم يبق أحد في القوم إلا وصله وأهدى إليه.
وخرج أبو دلامة مع روح بن حاتم في بعض الحروب، فلما التقى الجمعان قال أبو دلامة: لو أنّ تحتي فرساً من خيلك، وفي وسطي ألف دينار، لأشجيت عدوك نجدة وإقداما. قال روح: ادفعوا إليه ذلك فلما أخذه أنشأ يقول: إني أعوذ بروح أن يقدمني إلى القتال فتشقى بي بنو أسد
إن الملهب حب الموت أورثكم ولم أرث نجدة في الحرب عن أحد
فأجابه روح، وكان شاعراً أديباً بطلا شجاعاً هزبراً ليثاً: هون عليك فلن أريدك في وغى لتطاعن وتناوش وضراب
كن واقفاً في الجيش آخر آخر فإن انهزمت مضيت في الهراب
حدَّثني محمد بن الصلت الكوفي قال: اختصم أبو دلامة مع رجل إلى عافية قاضى أبي جعفر المنصور، فأدعى الرجل عليه، فقال له القاضي: ما تقول? قال: اسمع أولاً، وأنشأ يقول: لقد خاصمتني دهاة الرجال وخاصمتها سنة وافيه
فما أدحض الله لي حجةً ولا خيب الله لي قافيه
فمن خفت من جوره في القضاء فلست أخافك يا عافيه
فغضب وقال: لأشكونك إلى أمير المؤمنين. قال أبو دلامة: ولم تشكوني? قال: لأنك هجوتني قال: إذن والله يعزلك. قال عافيه: ولم يعزلني? قال: لأنك لا تعرف المدح من الهجاء.
قال: ومدح أبو دلامة المهدي، فلما أنشده سر بذلك وقال: سل حاجتك. فقال له: يا أمير المؤمنين تأمر لي بكلب صيد، قال المهدي: يا ابن الحمقاء وما تصنع بكلب? وأية حاجة هذه? قال: يا أمير المؤمنين، الحاجة لي أم لك? قال: بل لك. قال: فإني أسألك أن تهب لي كلب صيد. فأمر له بكلب، فقال: يا أمير المؤمنين وإن تهيأ لي أن أخرج إلى الصيد أفاخرج راجلاً? فأمر له بدابة قال: ومن يسوس الدابة? قال: أعطوه سائس. قال: فمن يطبخ لنا في صيدنا? قال: أعطوه طباخاً. قال: وهؤلاء كلهم من يعولهم? قال: اكتبوا له بمائتي جريب غامرة قال: فما الغامرة يا أمير المؤمنين? قال: التي لا شيء فيها، فأنا أكتب لأمير المؤمنين بمائة ألف جريب من صحراء مزيقيا. قال: فمن أبن تريد أن أجعلها لك? قال: هب لي جريباً واحداً من بيت المال، قال: على ألا تخرج ما فيه، قال: إذن يكون غامراً. فضحك منه وقال: قد جعلناها لك عامرة كلها، قال: يا أمير المؤمنين ناولني يدك أقبلها. قال: أما هذه فدعها. قال: والله ما منعت عيالي شيئاً هو أهون عليهم من هذا. فضحك منه حتى استلقى.
وحدث أبو مالك عبيد الله بن محمد عن أبيه قال: أنشد أبو دلامة أبا جعفر المنصور شعراً استحسنه جداً، فجعل من عنده من ندمائه يظهرون استحسانه، فلما أفرطوا قال أبو دلامة: والله يا أمير المؤمنين إنهم لا يعرفون رديئة من جيده، وإنما يستحسن منه باستحسانك، وإن شئت بينت لك ذلك، قال: افعل. فأنشده: أنعت مهراً كاملا في قدره مركباً عجانه في ظهره
حتى فرغ منها، فاستحسنوها، فقال أبو دلامة: ألم أخبرك يا أمير المؤمنين? قال المنصور: صدق والله أبو دلامة، كيف يكون عجانه في ظهره? قال الحنفي: خرج أبو دلامة مع المهدي وعلى بن سليمان إلى الصيد- وكان أبو دلامة صاحب نوادر- فرمى المهدي بنشابة فأصاب ظبياً. ورمى علي بن سليمان فأصاب كلب صيد. فضحك المهدي فنظر إلى أبي دلامة فقال: قد وجدت مقالا فقل ولك حكمك. فقال: قد رمى المهدي ظبياً شكّ بالسهم فؤاده
وعليٌّ بن سليما ن رمى كلباً فصاده
فهنيئاً لكما كلّ امرئٍ يأكل زاده
فاستفرغ المهدي ضحكاً وقال لعلي بن سليمان: لأحكمنك على حكمه، قال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين. فقال: لا بد من ذلك. قال فإني أحكم أبا دلامة. قال: نعم إذن. وافتدى منه بمال.
أخبرنا أبو العباس بن محمد قال: قال لي محمد بن منصور قال لي سعيد بن مسلم: ما رأيت شاعراً أحسن زياً من أبي دلامة، ولا أظهر مروءة منه، ولا أنظف لباساً.

الصفحة : 14

ومما يستحسن له مرثيته للمنصور وتهنئة المهدي في قصيدته، يذكر في كل بيت المعنيين. والقصيدة جيدة، وهي التي يقول فيها: عينان: واحدة ترى مسرورة بإمامها جذلى وأخرى تذرف
تبكي وتضحك مرّة، ويسوءها ما أبصرت ويسرها ما تعرف
فيسوءها موت الخليفة محرماً ويسرها أن قام هذا الأرأف
ما إن رأيت ولا سمعت كما أرى شعراً أرجله وآخر أنتف
هلك الخليفة يا لأمة أحمد فأتاكم من بعده من يخلف
أهدى لهذا الله فضل خلافة ولذاك جنات النعيم تزخرف
فابكوا لمصرع خيركم ووليكم واستشرفوا لمقام ذا وتشرفوا
حدَّثني نصر بن محمد الخزري عن بعض رواة الأخبار قال: كان أبو العباس مولعاً بأبي دلامة، لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً لحسن أدبه، وجودة شعره، وكثرة ملحه، ومعرفته بأخبار الناس وأيامهم، وكان أبو دلامة خليعاً ماجنا، وكان يهرب منه، ويأتي حانات الخمارين، فيشرب مع إخوانه. ويكره مجالس الخلفاء لما في ذلك من المشقة والتعب وشدة التوقي، أبو دلامة يحب أن ينبسط ويتكلم، وكان لا يتهيأ ذلك له في مجلس الخلافة، فهرب، فعاتبه أبو العباس على ذلك وقال: ويحك، أراك تحيد عنا وعن مجالسنا، وتهرب منا. فليت شعري لم ذاك? فقال له: يا أمير المؤمنين، ما الخير والشرف والعز والفضل إلا في مجالستك، والوقوف على أبوابكم، ولزوم خدمتكم، ونكره مع ذلك أن تملونا، فنقبض على أنفسنا بعض القبض، ليكون أبقى لحالنا عندكم. قال أبو العباس: ما مللتك قطّ، وما ذاك كما ذكرت، ولكن قد اعتدت حانات الخمارين والخلعاء والمجان. ثم وكل به، وألزمه ألا يبرح حضرته، وكان يصلي معه الصلوات كلها، فأضر ذلك به. ففي ذلك يقول أبو دلامة: ألم تعلمي أن الخليفة لزني بمسجده والقصر، مالي وللقصر
أصلي به الأولى مع العصر دائباً فويلي من الأولى وويلي من العصر
ويحبسني عن مجلس استلذه أعلل فيه بالسماع وبالخمر
ووالله ما بي نية في صلاته ولا البر والإحسان والخير من أمري
وما ضره والله يصلح أمره لو أن ذنوب العالمين على ظهري
فلما سمع أبو العباس الأبيات قال: والله ما يفلح هذا أبداً ، فذروه وأصحابه. ومن شعر أبي دلامة يهجو عليّ بن صالح وقد كان وعده شيئاً ولم يف له به: لعلي بن صالح بن عليّ حسب لو يعينه بسماح
ومواعيده الرياح فهل أن ت بكفيك قابض للرياح
وبنو صالح كثير ولكن مالنا في عديدهم من صلاح
غير فضل فإن للفضل فضلاً مستبيناً على قريش البطاح
ومن السائر الجيد قوله: لو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍ قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس وارتفعوا إلى السماء فأنتم سادة الناس
ولأبي دلامة في بنية له- يقال لها أم دلام مدلله- يقول فيها ساعة ولدت: فما ولدتك مريم أم عيسى ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد تضمك أم سوء إلى لباتها وأب لئيم
ولأبي دلامة كلمته السائرة في أبي مسلم صاحب الدعوة، وكان توعده بالقتل لشيء بلغه عنه. فلما قتله المنصور دخل أبو دلامة، ورأسه في الطست فأنشأ: أبا مجرم ما غير الله نعمة على عبده حتى يغيرها العبد
أبا مجرم خوفتني القتل فانتحى عليك بما خوفتني الأسد الورد
أفي دولة المنصور حاولت غدره ألا إن أهل الغدر أباؤك الكرد
وهو الذي يحكي عن امرأته: ناشدتها بكتاب الله حرمتنا ولم تكن بكتاب الله ترتدع
فاخر نطمت ثم قالت وهي مغضبةٌ أأنت تتلو كتاب الله يا لكع
اذهب تبغ لنا نخلا ومزدرعاً كما لجيراننا نخل ومزدرع
إيت الخليفة فاخدعه بمسألهٍ إنّ الخليفة للسؤال ينخدع
وأخبار أبي دلامة وشعره كثيرة، وفيما ذكرنا منه كفاية ونهاية.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 06:24 AM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

الصفحة : 15

أخبار أبي نخلية
قال أبو إسحاق النوفلي: بني أبو نخلية داراً شراها، ثم جاء إلى خالد ابن صفوان، فقال: أحب أن تصير معي إليها لتنظير إلى بنائها، فجاء معه، فلما دخلها ورآها قال: كيف تجدها يا أبا صفوان? قال إن صدقتك يا أبا نخلية غضبت. قال: ما كنت بالذي أفعل. فقال خالد- وكان من أفصح الناس- رأيتك تسأل الناس إلحافاً، وتنفق إسرافاً، فملأت إحدى يديك سلحاً، وجعلت الأخرى سطحاً، وقلت: من لم يعمر سطحي، ملأته بسلحي. نخجل أبو نخيلة ولم يحر جواباً.
قال محمد بن إبراهيم الحنظلي، ما مدح أبو نخيلة إلا خليفة أو وزيراً، وكان من أفصح الناس وأشعرهم، وكان مطبوعاً مقتدراً كثير البدائع والمعاني غزيراً جداً، وكان الغالب عليه الرجز ومع ذلك لا يقصر في القصيد.
حدثني إبراهيم بن عامر النوفلي عن بعضهم قال: رأيت أبا نخيلة قد خرج من عند الوليد بن يزيد راكباً، وبين يديه رجالة قد تقدموه وقد حمل معه مال كثير كان الوليد قد وصله به، وهو يفرق يميناً وشمالاً ويتصدق، حتى أتى منزلة وقد فرق منه شيئاً كثيراً، ثم دفع إلى الرجالة الذين كانوا بين يديه مائة دينار. وكان الوليد يحبه حبه شديداً وهو الذي علم الوليد الشعر.
قال: ومما يستحسن من شعر أبي نخيلة كلمته التي يفتخر فيها ويذكر قومه بني تميم: نحن ضربنا الأزد بالعراق والحيّ من ربيعة المراق
ضرباً يقيم صعر الأعناق بغير أطماع ولا أرزاق
إلا بقايا كرم الأعراق وهي طويلة يذكر فيها حرب الأزد وتميم بالبصرة ومما يستحسن من رجزه ويستطرف كلمته التي يقول لها: لما رأيت الدين ديناً يؤفك وأمست القبة لا تستمسك
ترتج من أرجائها وتهتك سرت إلى الباب فسار الدكدك
فيها الدجوجي وفيها الأرمك كالليل إلا أنها تحرك
وهذه الأبيات مشهورة فاقتصرنا على ذكرها.
ومما يستحسن من شعره قصيدته التي يمدح فيها مسلمة بن عبد الملك، وهي جيدة فيها معان حسنة، وفيها يقول: أمسلم أني يا ابن خير خليفة ويا فارس الدنيا ويا جبل الأرض
شكرتك إن الشكر حبل من التقى وما كل من أوليته نعمة يقضي
وألقيت لما جئت بابك زائراًرواقاً مديداً سامق الطول والعرض
وأنبهت لي ذكري وما كان خاملاً ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
ومما سار من رجزه واشتهر في أبي العباس يهنئه بالخلافة وهي قوله: الآن مسّ المنبر القرارا وطابت الدنيا وصارت دارا
إذا نزل الخليفة الأنبارا
ومن أراجيزه المشهورة في أيدي الناس قوله: يا عمرو غم الماء ورد يدهمه يوم تلاقي شاؤه ونعمه
واختلفت أمراسه وقيمه فأبلنا منك بلاء نعلمه
فإنما أنت أخ لا نعدمه صاحب خلان كريم شيمه
مترفٌ كان أبوه يكرمه لم يتجشأ من طعام يتخمه
ولم تبت حمّى به توصمه تدك مدماك الطوى قدمه
أيهات من هامته مخدمه
ولأبي نخيلة في طرد عشر نعائم يصفهن: أنعت مهراً سبط القرات ورداً طمرا مدمج السراة
يغدو بنهد في اللجام عات نعائما عشراً مطردات
صك العراقيب هجنعات فانصاع وانصعن موليات
ما كان إلا هاكه وهات حتى اجتمعن متناغصات
بالسهب والغدر من الحماة واختل حضنا هيقة شوشات
فانعقرت من آخر الهيقات بغير تكبير ولا صلاة
كأنهما خالفة السراة
وله في الطرد أراجيز كثيرة مشهورة، منها اللامية التي يقول فيها: فانصاع يسعى بالصعيد الهايل يلحن من ذي ميعة معاجل
حتى دنا من وهج القساطل من ذات زف ساقط الخمايل
فاختلفنا تحت جناح المايل بضربة حديثه في الصاقل
منقوشة الرقين والخصايل فهو مقيط كمقاط الفايل

الصفحة : 16

وأعاجيب أبي نخيلة في القنص وغيره كثيرة، وفيما أوردنا من ذلك دليل على باقية. وشعره موجود كثير، فمن أراده لم يعوزه ذلك.

أخبار حماد عجرد
قال أبو العباس المبرد: حدثني أبو يعقوب الباهلي قال: هجا حماد عجرد محمد بن سليمان الهاشمي بقصيدته التي يقول فيها:
له جسم برغوث وعقل مكاتب وغلمه سنور يبيت. يولول
فأهدر محمد بن سليمان دمه، فعلم حماد عجرد أنه لا مقام له بالبصرة، فمضى إلى قبر أبيه سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس مستجيراً به وقال في ذلك: لم أجد لي من الأنام مجيراً فاستجرت القبور والأحجارا
غير أني جعلت قبر أبي أي وب لي من حوادث الدهر جارا
وحقيق لمن يجاور ذاك ال قبر أن يأمن الرّدى والعثارا
حدثني المهدي الشاعر قال: قيل لبشار الأعمى: ما أقبح ما هجاك به حماد عجرد? فقال قوله: ويا أقبح من قرد إذا ما عمى القرد
وقد قيل: لم يشتد عليه من هجائه إياه شيءٍ كما اشتد عليه هذان البيتان: لو طليت جلدته عنبرا لنتنت جلدته العنبرا
أو طليت مسكاً ذكياً إذن لحول المسك عليه خرا
ومما يستسحن لحماد عجرد كلمته التي يقول فيها: كم من أخ لك لست تنكره ما دمت من دنياك في يسر
متصنع لك في مودته يلقاك بالترحيب والبشر
يطري الوفاء ويل حى الغدر مجتهداً وذا الغدر
فإذا عدا والدهر ذو غيردهر عليك عدا مع الدهر
فارفض بإهمال أخوة من يقلي المقل ويعشق المثري
وعليك من حالاه واحدة في العسر إما كنت واليسر
فلقد خبرت وما استوى رجلٌ خبر وآخر غير ذي خبر
فوجدت من أحببت متهماً متصرفاً لتصرف الدهر
إلا القليل قد وجدت ذوي عهد وشكر أيما شكر
ومما يستحسن لحماد من الشعر ويختار له قوله: ألست بودي واثقاً لك إنني بودك مني واثق بي فاعلما
أما والذي نادى من الطور عبده وكرم بالإنجيل عيسى ابن مريما
وخص بآيات القران محمداً نبي الهدى صلى عليه وسلما
لقد حزت من قلبي مكاناً ممنعاً أرى لك فيه أن أريق لك الدما
أرى ذاك من غنمٍ، ولست أرى الذي يرى الناس من غنم المكاسب مغنما
سأشرب كأسيك اللتين سقيتني وإن كانتا والله صابا وعلقما
وأدخل كفي إثر كفك في الذي عراك ولو أدخلتها ثقب أرقما

أخبار الحمادين
حماد عجرد وحماد بن الزبرقان وحماد الراوية، وكانوا في عصر واحد، وكلهم شاعر مفلق وخطيب مبرز.
حدثني أحمد بن محمد الثقفي قال: حدثني إبراهيم بن عمر الكوفي قال: كان حماد عجرد مولى لبني سوءة بن عامر بن صعصعة وكان معلماً ثم شهر بالشعر وامتدح الملوك. وكان بالكوفة ثلاثة يقال لهم الحمادون: حماد عجرد وحماد بن الزبرقان وحماد الراوية يتنادمون على الشراب، ويتناشدون الأشعار، ويتعاشرون أجمل عشرة، كانوا كأنهم نفس واحدة، وكانوا جميعاً يرمون بالزنذقة، وإذا رأى الناس واحداً منهم قالوا: زنديق. اقتلوه. وكان حماد بن الزبرقان عتب على حماد الراوية في شيءٍ فهجاه، فقال فيما يهجوه، وينسبه إلى شرب الخمر
نعم الفتى لو كان يعرف قدره ويقيم وقت صلاته حماد
هدلت مشافرة الدنان فأنفه مثل القدوم يسنها الحداد
وابيض من شرب المدامة وجهه وبياضه يوم الحساب سواد
وحماد عجرد هو القائل: إن الكريم ليخفي عنك عسرته حتى تراه غنياً وهو مجهود
وللبخيل على أمواله عِللٌ زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرهت أن تعطى القليل ولم تقدر على سعة لم يظهر الجود
أورق بخير يرجى للنوال فما ترجى الثمار إذا لم يورق العود

الصفحة : 17

بث النوال ولا تمنعك قلته فكل ما سد فقراً فهو محمود
وهو القائل أيضاً وهي مليحة سائرة: حُريث أبو الفضل ذو خبرة بما يصلح المعد الفاسده
تخوف تخمة أضيافه فعودهم أكلة واحده
ومما يختار له أيضاً قوله: لست بغضبان ولكنني أعرف ما شأنك يا صاحِ
لأن تركت الراح جانبتني ما كان حبيك على الراحِ
قد كنت من قبل وأنت الذي يعنيك إمسائي وإصباحي
لم تر عيني منك إلا الذي أفسدني من بعد إصلاحي
أنت من الناس وإن عبتهم دونكها مني بإفصاحي
ومما يختار لحماد عجرد قصيدته التي يعاتب فيها أبا يزيد ويحيى وهي: قد جفاني أبو يزيد ويحيى ولعمري ما خفت أن يجفواني
واصلاني فيما مضى فلغير ال ود فيما مضى واصلاني
غير أني كنت في ظل سلطا ن فكان الوصال للسلطان
ثم لما حال الزمان بسلطا ني حالوا مع احتيال الزمان
وقال يمدح محمد بن أبي العباس السفاح وهو والي المنصور على البصرة: أدعوك بعد أبي العباس إذ بانا يا أكرم الناس أعراقاً وعيدانا
فأنت أكرم من يمشي على قدم وأنضر الناس عند المحل أغصانا
لو مج عود على قوم عصارته لمج عودك فينا المسك والبانا
وهي طويلة. ومما يستحسن من شعر حماد كلمته التي يهجو بها بعض الأمويين: زرتُ امرأً في بيته مرةً له حياء وله خِيرُ
يكره أن يتخم أضيافه إن أذى التخمة محذورُ
ويشتهي أن يؤجروا عنده بالصوم والصائم مأجورُ
حدثني محمد بن عامر الحنفي قال: حدثني اليحصبي قال: شرب حماد عجرد مع أبي دلامة يوماً، فسكرا من الخمر فطلبوهما، فأما أبو دلامة فهرب وأما حماد فأخذ فأُتي به المهدي فقال: استنكهوه. ففعلوا فشموا منه رائحة الخمر، فأحب أن يعبث به، فقال: يا عدو الله أتشرب الخمر وتسكر? إني سأقيم عليك الحد ولا تأخذني في الله لومة لائم. وقال: احبسوه حتى يصحو. فمضي به إلى بيت فيه دجاج بعد أن وُجئ عنقه ومزق رداؤه، فكتب إلى المهدي: أمير المؤمنين فدتك نفسي علام حبستني وخرقت ساجي
أقاد إلى السجون بغير ذنب كأني بعض عمال الخراجِ
ولو معهم حبست لهان وجدي ولكني حبست مع الدجاج
أمن صهباء، ريح المسك منها ترقرق في الإناء لدى المزاج
عُقارٌ مثل عين الديك صرف كأن شعاعها لهب السراج
وقد طبخت بنار الله حتى لقد كنت من النطف النضاج
وقد كانت تحدثني ظنوني بأني من عقابك غير ناج
على أني وإن لاقيت شراً لخيرك بعد ذاك الشر راج
فأخرجه ووصله، فلما ولي قال الربيع: أما فهمتَ قوله: وقد طبخت بنار الله حتى لقد صارت من النطف النضاج
قال: بلى، فما أراد? قال: إنما أراد الشمس، وقال المهدي: ردوه. فردوه فقال: ما أردت بقولك: وقد طبخت بنار الله...
تعني بها الشمس? قال: لا ، ولكن نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، وهي على الربيع موصدة، فضحك منه وأمر بإطلاقه.
وأشعار حماد كثيرة واسعة، وهو من المشهورين.

أخبار أبي الشيص
هو محمد بن عبد الله بن رزين الخزاعي، ابن عم دعبل: قال أحمد بن إبراهيم الأسدي: قال لي أبو عَصيدة: اجتمع مسلم ابن الوليد صريع الغواني وأبو فراس وأبو الشيص ودعبل بن علي بن رزين في مجلس على الشراب فقالوا: ينشد كل واحد منكم أجود ما قال. ثم قالوا لمسلم: كأنا بك يا أبا الوليد وقد جئت بقولك: إذا ما علت منا ذؤابة واحد تمشت به مشى المقيد في وحلِ
هل العيش إلا أن تروح مع الصبا وتغدو صريع الكأس والأعين النُّجْل












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 06:26 AM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

الصفحة : 18

ومن هنا سمى صريح الغواني، سماه بذلك الرشيد، وله مع ذلك قصة عجيبة سنذكرها في أخباره- ثم قالوا لأبي نواس: كأنا بك يا أبا علي قد جئت بقولك: لا تبكِ ليلى ولا تطرب إلى هند واشرب على الورد من حمراء كالوردِ
كأساً إذا انحدرت من كف شاربها أجدته حمرتها في العين والخد
فالكأس ياقوتة والخمر للؤلؤة من كفة لؤلؤة ممشوقة القد
تسقيك من عينها خمراً ومن يدها خمراً فمالك من سكرين من بد
لي سكرتان وللندمان واحدة شيء خصصت به من بينهم وحدي
ثم قالوا لدعبل: كأنك قد جئت بقولك: لا تعجبي يا سلم من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى
ومنها: لا تأخذوا بظلامتي أحداً طرفي وقلبي في دمي اشتركا
ثم قالوا لأبي الشيص: كأنك قد جئت بقول: حُلي عقال مطيتي لا عن قلى وأمضى فإني يا أميمة ماضي
اثنان لا تصبو النساءُ إليهما ذو شيبة ومحالف الإنفاض
قال أبو الشيص: بل أنشدكم أبياتاً قلتها في هذه الأيام. قالوا: هات. فأنشدهم: وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدمُ
أجد الملامة في هواك لذيذة حبّاً لذكرك فليلُمني اللومُ
وأهنتني فأهنت نفسي جاهداً ما مَن يهون عليك ممن يكرم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم إذ كان حظي منك حظي منهم
قال أبو نواس: أحسنت والله وملحت ولتعلمن أني سآخذ منك هذا المعنى فيشتهر ما أقول ولا يشتهر ما قلت. فأخذه وضمنه قوله في الخصيب: فما جازه جود وما حل دونه ولكن يصير الجود حيث يصير
فسار هذا لأبي نواس ولم يسر بيت أبي الشيص إلا دون ذلك.
وحدثني أبو مالك عبيد الله بن محمد قال: قال ابن الأعمش كان أبو الشيص عند عقبة بن جعفر بن الأشعث الخزاعي وكان من أكرم الناس عليه، لانقطاعه إليه ومدحه إياه، ولما بينهما من العشرة وكان لعقبة بن الأشعث خادم يحبه حباً شديداً، فشرب أبو الشيص ليلة مع عقبة فسكر وبات. فلما كان في بعض الليل دب إلى الخادم، فوجأه الخادم بالسكين فأصاب مقتله، فقال له أبو الشيص: ويحك قتلتني، فأما إذ قد فعلت فلا تفضحني ونفسك. فقال الخادم: وما أصنع? قال: هات قراباً فاكسره تحتي لأموت فوقه فيقال: إنه كان سكران فوقع عليه فمات. ففعل ذلك. ومات أبو الشيص من ساعته، فلم يأت على الخادم إلا أيام يسيرة حتى حدث مولاه الحديث فلم يُنَهنِه عقبة أن قتل الخادم.
وكان أبو الشيص أحد شعراء الرشيد ممن قد مدحه مدائح كثيرة ثم لما مات الرشيد رثاه ومدح محمداً الأمين فمما قال في ذلك: جرت جوار بالسعد والنحس فنحن في وحشة وفي أنسِ
العين تبكي والسن ضاحكة فنحن في مأتم وفي عرسِ
يضحكنا القائم الأمين ويُب كينا وفاةُ الإمام بالأمس
بدران: بدر هذا ببغداد في ال خلد وبدر بطوس في الرمس
ومما يختار من شعره قوله: أبقى الزمان به ندوب عضاض ورمى سواد قرونه ببياضِ
نفرت به كأس النديم وأغمضت عنه الكواعب أيما إغماض
ولربما جُعلت محاسن وجهه لجفونها غرضاً من الأغراض
حسر المشيب قناعه عن رأسه فرمينه بالصد والإعراض
اثنان لا تصبو النساء إليهما ذو شيبة ومحالف الإنفاض
فوعودهن إذا وعدنك باطل وبروقهن كواذب الإيماض
لا تنكري صدى ولا إعراضي ليس المقل على الزمان براض
حُلّى عِقال مطيتي لا عن قلى وأمضى فإني يا أميمة ماض
عُوِّضتُ عن برد الشباب ملاءةً خَلَقاً وبئس معوضة المعتاض
أيام أفراس الشباب جوامحٌ تأبى أعنتها على الرواض
وركائبٍ صرفت إليك وجوهها نكبات دهر للفتى عضاض

الصفحة : 19

شدوا بأعواد الرحال مطيهم من كل أهوج للحصى رضاض
يرمين بالمرء الطريق وتارة يَحذفن وجه الأرض بالرضراض
قطعوا إليك رياض كل تنوفة ومهامه ملس المتون عراض
أكل الوجيف لحومها ولحومهم فأتوك أنقاضاً على أنقاض
ولقد أتتك على الزمان سواخطاً فرجعن عنك وهن عنه رواض
إن الأمان من الزمان وريبه يا عُقبَ شطا بحرك الفياض
بحر يلوذ المعتفون بنيله فعم الجداول مُترع الأحواض
ثبت المقام إذا التوى بعدوه لم يخش من زلل ولا إدحاض
غيث توشحت الرياض عهاده ليث يطوف بغابة وغياض
ومشمرٍ للموت ذيلَ قميصه قاني القناة إلى الردى خواض
لأبي محمد المرجى راحتا ملك إلى أعلى العلا نهاض
فيد تدفق بالندى لوليه ويد على الأعداء سم قاض
وجناح مقصوص وتحيف ريشه ريبُ الزمان تحيُّفَ المِقراض
أنهضته ووصلت ريش جناحه وجبرته يا جابر المنهاض
نفسي فداؤك أي ليث كتيبة يرمى بها بين القنا المرفاض
ومن مختار أبي الشيص قوله: خلع الصبا عن منكبيه مشيبُ فطوى الذوائب رأسه المخضوب
نشر البلى في عارضيه عقارباً بيضاً لهن على القرون دبيبُ
ومما يستحسن له قوله: نهى عن خُلة الخمر بياض لاح في الشعرِ
وقد أغدو وعين الشم س في أثوابها الصفر
على جرداء قباء ال حشا ملهبة الحضرِ
بسيف صارم الحد وزق احدب الظهرِ
وظبي يعطف الأزرَ ويثنيها على الخصر
على ألطف ما شدت عليه عقد الأزر
مهاة ترتمي الألبا ب عن قوس السحر
لها طرف يشوب الخم ر للندمان بالخمر
عفيف اللحظ والأعضا ء في الصحو وفي السكر
على عذراء لم تفتق بنار لا ولا قدر
عجوز نسج الماء لها طوقاً من الشذرِ
كأن الذهب الأحم ر في حافاتها يجري
وليل تركب الركبا ن في أجوافه الخضر
بأرض تقطع الحير ة فيها بالقطا الكدر
تمسكت على أهوا لها بالله والصبر
وإعمال بنات الري ح في المهمة والقفر
شماليل يصافحن متون الصخر بالصخر
بإيجاف يقد اللي ل عن ناصية الفجر
ومما طار لأبي الشيص في الدنيا وسارت به الركبان هذه: أشاقك والليل ملقى الجران غراب ينوح على غصن بان
أحمُّ الجناح شديد الصياحِ يبكي بعينين لا تهملانِ
وفي نعبات الغراب اغترابٌ وفي البان بين بعيد التدان
لعمري لئن فزعت مقلتاك إلى دمعة قطرها غير وان
فحق لعينيك ألا تجف دموعهما وهما تطرفان
ومن كان في الحي بالأمس منك قريب المكان بعيد المكان
فهل لك يا عيش من رجعة بأيامك المونقات الحسان
فيا عيشنا، والهوى مورق له غصن أخضر العود دانِ
لعل الشباب وريعانه يسود ما بيض القادمان
وهيهات يا عيش من رجعة بأغصانك المائلات الدواني
لقد صدع الشيب ما بيننا وبينك صدع الرداء اليماني
عليك السلام فكم ليلة جموحٍ وليل خليعِ العنان
قصرت بك اللهو في جانبيه بقرع الدفوف وعزف القيان

الصفحة : 20

وعذراء لم تفترعها السقاة ولا استامها الشرب في بيت حان
ولا احتلبت درها أرجل ولا وسمتها بنار يدان
ولكن غذتها بألبانها ضروع يحف بها جدولان
إلى أن تحول عنها الصبا وأهدى الفطام لها المرضعان
فلم تزل الشمس مشغولة بصبغتها في بطون الدنان
ترشحها للثام الرجال إلى أن تصدى لها الساقيان
ففضا الخواتيم عن جونة صدوف عن الفحل بكر عوان
عجوز غذا المسك أصداغها مضمخة الجلد بالزعفران
يطوف علينا بها أحور يداه من الكأس مخضوبتان
ليالي تحسب لي من سنيَّ ثمان وواحدة واثنتان
غلام صغير أخو شرةٍ يطير معي للهوى طائران
جرور الإزار خليل العذار على لعهد الصبا بردتان
أصيب الذنوب ولا أتقي عقوبة ما يكتب الكاتبان
تنافس في عيون الرجال وتعثر بي في الحجول الغواني
فأقصرت لما نهاني المشيبُ وأقصر عن عذلي العاذلان
وعافت عيوف وأترابها رُنُوي إليها وملت مكاني
وراجعت لما أطار الشباب غرابان عن مفرقي طائران
رأت رجلاً وَسَمَتْه السنون بريب المشيب وريب الزمان
فصدت وقالت: أخو شيبة عديم. ألا بئست الحالتان
فقلت: كذلك من عضه من الدهر ناباه والمخلبان
وعجت إلى جمل بازل رحيب رحى الزور فحل هجان
سبوح اليدين طموح الجران غؤول لأنساعه والبطان
فعضيت أعواد رحلي به وناباه من زمع يضربان
فلما استقل بأجرانه ولان على السير بعض الليان
قطعت به من بلاد الشآم خروقاً يضل بها الهاديان
إلى ملك من بني هاشم كريم الضرائب سبط البنان
إلى علم البأس، في كفه من الجود عينان نضاختان
ومما يستحسن من شعره قوله هذه اللامية: ختلته المنون بعد اختيال بين صفين من قناً ونصال
في رداء من الصفيح صقيل وقميص من الحديد مذال
لأبي الشيص في الرشيد مرثية عجيبة: غربت في المشرق الشم س فقل للعين تدمع
ما رأينا قطّ شمساً غربت من حيث تطلع
وهي طويلة. ولو ذهبنا نسوق قصائد خرج الكتاب عن حدّ قصدناه، وإنما نأتي بالبيت والبيتين دليلاً على قصيدة مشهورة ونتفرق في خلال ذلك القصيدة- في الفرط- إذا كانت رائعة كثيرة الفوائد ليكون أحفظ. للناظر في الكتاب إذا أراد الحفظ.
ومن قلائد أبي الشيص كلمته في عقبة بن الأشعث يمتدحه: مرت عينه للشوق فالدمع منسكب طلول ديار الحيّ مغترب
كسا الدهر برديها البلى ولربما لبسنا جديديها وأعلامنا قشب
فغير مغناها ومحت رسومها سماء وأرواح ودهر لها عقب
تربع في أطلالها بعد أهلها زمان يشت الشمل، في صرفه عجب
تبدلت الظلمان بعد أنيسها وسوداً من الغربان تبكي وتنتحب
وعهدي بها غناء مخضرة الربا يطيب الهوى فيها ويستحسن اللعب
وفي عرصات الحي أظبٍ كأنها موائد أغصان تأود في كثب
عواتق قد صان النعيم وجوها وخفرها خفر الحواضن والحجب
عفائف لم يكشفن ستراً لغدرةٍ ولم تنتح الأطراف منهن بالريب
فأدرجهم طيّ الجديدين فانطووا كذاك انصداع الشعب ينأى ويقترب
وكأس كسا الساقي لنا بعد هجعة حواشيها مامج من ريقه العنب

الصفحة : 21

كميت أجادت جمرة الصيف طبخها فآبت بلا نار تحش ولا حطب
لطيمة مسك فت عنها ختامها معتقة صهباء حيرية النسب
ربيبة أحقاب جلا الدهر وجههافليس بها إلا تلأ لؤها ندب
إذا فرجات الكاس منها تخليت تأملت في حافاتها شعل اللهب
كأنّ اطراد الماء في جنباتها تتبع ماء الدر في سبك الذهب
سقاني بها والليل قد شاب رأسهغزال بحناء الزجاجة مختضب
يكاد إذا ما ارتج ما في إزاره ومالت أعاليه من اللين ينقضب
لطيف الحشى عبل الشوى مدمج القرى مريض جفون العين في طيه قبب
أميل إذا ما قائد الجهل قادني إليه وتلقاني الغواني فتصطحب
فورعني بعد الجهالة والصبا عن الجهل عهد بالشبيبة قد ذهب
وأحداث شيب يفترعن عن البليودهر تهر الناس أيامه كلب
فأصبحت قد نكبت عن طرق الصبا وجانبت أحداث الزجاجة والطرب
يحطان كأساً للنديم إذا جرت عليّ وإن كانت حلالاً لمن شرب
ولو شئت عاطاني الزجاج أحورٌ طويل قناة الصلب منخزل العصب
ليالينا بالطف إذ نحن جيرة وإذ للهوى فينا وفي وصلنا آزب
تخالسني اللذات أيدي عواطل وجوف من العيدان تبكي وتصطخب
إلى أن رمى بالأربعين مشبها ووقرني قرع الحوادث والنكب
وكفكف من غربي مشيب وكبرة وأحكمني طول التجارب والأدب
وبحر يحار الطرف فيه قطعته بمهنوءة من غير عر ولا جرب
ملاحكة الأضلاع محبوكة القرى مداخلة الرايات بالقار والخشب
موثقة الألواح لم يدم متنها ولا صفحيتها عقد رحل ولا قتب
عريضة زور الصدر دهماء رسلة سناد خليع الرأس مزمومة الذنب
جموح الصلاة موارة الصدر جسرة تكاد من الإغراق في السير تلتهب
مجفرة الجنبين جوفاء جونة نبيلة مجرى العرض في ظهرها حدب
معلمة لا تشتكي الأين والوجي ولا تشتكي عض النسوع ولا الدأب
ولم يدم من جذب الخشاشة أنفها ولا خانها رسم المناسب والنقب
مرققة الأخفاف صم عظامها شديدة طي الصلب معصوبة العصب
يشق حباب الماء حد جرانها إذا ما تفرى عن مناكبها الحبب
إذا اعتلجت والريح في بطن لجةً رأيت عجاج الموت من حولها يثب
ترامى بها الخلجان من كل جانب إلى متن مقتر المسافة منجذب
ومثقوبة الأخفاف تدمي أنوفها معرفة الأصلاب مطوية القرب
صوادع للشعب الشديد التيامه شواعب للصدع الذي ليس ينشعب
ومن قلائد أبي الشيص البالغة السائرة في الأرض قوله: يا دار مالك ليس فيك أنيس إلا معالم آيهن دروس
الدهر غالك أم عراك من البلى بعد النعيم خشونة ويبوس
ما كان أخصب عيشنا بك مرة أيام ربعك آهل مأنوس
فسقاك يا دار البلي متجرف فيه الرواعد والبروق هجوس
دار جلا عنها النعيم فربعها خلق تمر به الرياح يبيس
طلل محت آي السماء رسومه فكأن باقي محوهن دروس
ما استحلبت عينيك إلا دمنة ومخرب عنه الشرى منكوس
ومخيس في الدار يندب أهله رث القلادة في التراب دسيس
أنس الوحوش بها فليس بربعها إلا النعام تروده وتحوس
ربع تربع في جوانبه البلى وعفت معالمه فهنّ طموس
يدعو الصدى في جوفه فيجيبه ربد النعام كأنهن قسوس
ولربما جر الصبا لي ذيله فيه، وفيه مألف وأنيس

الصفحة : 22

من كل ضامرة الحشا مهضومة لحبالها بحبالنا تلبيس
متسترات بالحياء لوابس حلل العفاف عن الفواحش شوس
وسبيئةٌ من كرمها حيريةٌ عذراء من لمس الرجال شموس
لم يفتق النعمان عذرتها ولم يرشف مجاجة كأسها قابوس
كتب اليهود على خواتم دنها يا دن أنت على الزمان حبيس
ذمية صلّى وزمزم حولها من آل برمك هربد ومجوس
تجلو الكئوس إذا جلت عن وجههاشمساً غذاها الشمس فهي عروس
عكفت بها عفر الظباء كأنها بأكفهن كواكب وشموس
من كل مرتج الروادف أحور كسرى أبوه وأمه بلقيس
رخو العنان، إذا ابتديت فخادم وإذا صبوت إليه فهو جليس
يسعى بإبريق كأن فدامه من لونها في عصفر مغموس
يسقيك ريق سبيئة حيرية مما استباه لفصحه القسيس
بين الخورنق والسدير محلة للهو فيها منزل مطموس
فالند من ريحانها متضوعٌ والظهر من غزلانها مدحوس
نحس الزمان بأهلها فتصدعوا إن الزمان بأهله لنحوس
كنّا نحل به ونحن بغبطة أيام للأيام فيه حسيس
فبنى عليه الدهر أبنية البلى فعلى رباه كآبة وعبوس
وصريع كأس بت أرقبه وقد نهشته من أفعى المدام كئوس
عقل الزجاج لسانه وتخاذلت رجلاه فهو كأنه مطسوس
سطت العقار به فراح كأنما مجّ الرّدى في كأسه الفاعوس
مما يختار له من قصيدته: جلا الصبح أوني الكرى عن جفونه وفي صدره مثل السهام القواصد
تمكن من غراته الحب فانتحى عليه بأيد أيدات حواشد
إذا خطرات الشوق قلبن قلبه شددن بأنفاس شداد المصاعد
يذكره خفض الهوى ونعيمه سوالف أيام وليس بعائد
وبلغني أن هذه القصيدة أنشدت عند المأمون فأفرط في استحسانها، ثم أنشد في ذلك المجلس لجماعة من حذاق المحدثين، مثل بشار ومسلم ابن الوليد ونظرائهما، فلم يهش لشيء من ذلك، وفضل عليهم أبا الشيص. وأشعاره ونوادره وملحه كثيرة جدّاً، ولكنا لا نخرج من شرط الكتاب، لئلا يمله القارئ إذا طال عليه الفنّ الواحد، وليحفظ هذه النكت والنوادر والملح، وليستريح من أخبار المتقدمين وأشعارهم فإن هذا شيءٍ قد كثرت رواية الناس له فملوه، وقد قيل: لكل جديد لذة، والذي يستعمل في زماننا إنما هو أشعار المحدثين وأخبارهم، فمن ها هنا أخذنا من كل خبر عينه ومن كل قلادة حبتها.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 06:35 AM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

??أخبار والبة بن الحباب
حدَّثني عبد الكريم بن عبد الرحيم الأنباري قال: حدَّثني إسماعيل العمري قال: رأيت الحسن بن هانئ غلاماً مع والبة بن الحباب صغيراً مليحاً نادراً، يخدمه ويتصرف في حوائجه الخفاف. ووالبة هو الذي أدب أبا نواس. وحدثني محمد بن الهيثم الموصلي قال: حدَّثني العامري وإبراهيم بن عقيل قالا: قال والبة: رأيت إبليس فيما يرى النائم كأنه أتاني فقال لي: ترى غلامك الحسن بن هانئ هذا? قلت: ما شأنه? قال: إنّ له لشأنا والله لأغوين به أمة محمد عليه السلام، ولألقين محبته في قلوبهم.
ومما يستحسن لوالبة: أحسن من در ومرجان آثار إنسان بإنسان
قد عضه ذو حنق مشفق وقلبه ليس بغضبان
عاقبني منتقماً جهده وقد جزاني كلّ إحسان
لو كان يدري أنه محسنٌ بدل إحساناً بهجران
ولوالبة في المجون والفتك والخلاعة ما ليس لأحد، وإنما أخذ أبو نواس ذلك عنه. ومما روى لوالبة في المجون: شبيه الفاتك العيار مثلي نعيم حين يشرب بالبواطي
يعاطينا الزجاجة أريحي رخيم الدل بورك من معاطي
أقول له على طرب ألطني ولو بمواجر علج نباطي

الصفحة : 23

فإن الخمر ليس تطيب إلاّ علي وضر الجنابة باللواط
وله أيضاً في ذلك: قد قابلتنا الكئوس ودابرتنا النحوس
واليوم هرمز روز قد عظمته المجوس
لم تخطه في حساب وذاك مما تسوس
ونحن عند عميد قد غاب عنا البسوس
نعير كأساً وكأساً أوصى بها جالنوس
أنا وجي عروس والكأس أيضاً عروس
يسقي العروس عروساً إحداهما الخندريس
حتى إذا ما انتشينا وهزّنا إبليس
رأيت أعجب شيءٍ منّا ونحن جلوس
هذا يقبّل هذا وذاك هذا يبوس
وهذا الشعر مما ينحله العامة أبا نواس. وذلك غلط، لأن العامة الحمقى قد لهجت بأن تنسب كل شعر في المجون إلى أبي نواس، وكذلك تصنع في أمر مجنون بني عامر كل شعر فيه ذكر ليلى تنسبه إلى المجنون.
وحدثني اليزيدي قال: حدَّثني أبو سلهب الشاعر قال: كان والبة بن الحباب ماجناً خليعاً. ما يبالي ما قال ولا ما صنع. وكان منزله في آخر زقاق لا منفذ له. فكان إذا أتاه السائل يسأله، ويتركه حتى يطيل ويكثر ولا يجيبه، فإذا علم أنه قد انصرف ومشى إلى طرف الزقاق- والزقاق طويل جداً- فتح بابه ثم ناداه، فيجيبه: لبيك لبيك، يظن أنه قد أخرج له شيئاً، ويقبل نحوه، فإذا قرب منه قال: صنع الله لك.
وحدثت أن المهدي ذكره ذات يوم فقال: ما أشعره وأملح شعره! وهو مع ذلك أديب واسع الحفظ. فقال له بعض من في مجلسه: ما يمنعك من منادمته? قال: يمنعني من ذلك قوله: قلت لساقينا على خلوة أدن كذا رأسك من رأسي
وادن فضع صدرك لي ساعة إني امرؤٌ أنكح جلاسي
فتريد أن ينكحنا لا أم لك.

أخبار صالح بن عبد القدوس
حدثني محمد بن يزيد قال: حدَّثني العوفيّ قال: أخذ صالح بن عبد القدوس في الزندقة، فأدخل على المهدي، فلما خاطبه أعجب به، لغزارة أدبه وعلمه وبراعته، وبما رأى من فصاحته وحسن بيانه وكثرة حكمته، فأمر بتخلية سبيله، فلما ولّى ردّه وقال: ألست القائل: وإن من أدبته في الصبا كالعود يسقي الماء في غرسه
حتى تراه مورقاً ناضراً من بعد ما أبصرت من يبسه
والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يواري في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهله كذي الضنا عاد إلى نكسه
قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وأنت تترك أخلاقك? ونحن نحكم في نفسك بحكمك. فأمر به فقتل.
وحدثت من غير هذا الوجه بما هو عندي أثبت من الأول، وذلك ما رويناه أنه أنهى إلى الرشيد عنه هذه الأبيات، يعرض فيها بالنبي صلى الله عليه وآله: غصب المسكين زوجته فجرت عيناه من درره
ما قضى المسكين من وطرٍ لا ولا المعشار من وطره
عذت بالله اللطيف بنا أن يكون الجور من قدره
- عليه لعنة الله إن كان قالها- فقال له الرشيد: أنت القائل هذه الأبيات? قال: لا، والله يا أمير المؤمنين، ما أشركت بالله طرفة عين، ولا تسفك دمي على الشبهة، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: "ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" وأخذ يرقق قلبه، ويستنزله عما عزم عليه بفصاحته وبيانه، ويتلو القرآن، حتى رقّ له وأمر بتخلية سبيله، فلما أراد أن يخرج من بين يديه قال: أنشدني قصيدتك السينية فأنشده حتى إذا بلغ قوله: والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يواري في ثرى رمسه
قال: يا شيخ، هذا الكلام يشبه هذا الكلام، وهذا الشعر من نمط ذلك الشعر- يعني الأبيات التي نسبت إليه- ونحن نتمثل وصيتك، ثم أمر فضربت عنقه وصلب على الجسر.
وحدثني أبو جعفر قال: حدَّثني زياد بن أحمد قال: اجتمع قوم من أهل الأدب في مجلس فيهم صالح بن عبد القدوس، يتناشدون الأشعار، إلى أن حانت الصلاة، فقام القوم إلى ذلك، وقام صالح فتوضأ وأحسن ثم صلى أتم صلاة وأحسنها، فقال بعضهم: أتصلي هذه الصلاة ومذهبك ما تذكر? فقال: إنما هو رسم البلد، وعادة الجسد.
والله أعلم بتحقيق ذلك.

الصفحة : 24

أما الرجل فله في الزهد في الدنيا، والترغيب في الجنة، والحث على الطاعة لله عز وجل، والأمر بمحاسن الأخلاق، وذكر الموت والقبر، ما ليس لأحد وكان شعره كله أمثالاً وحكماً فمما يستحسن له قوله: تأوبني هم فبت أخاطبه وبت أراعي النجم ثم أراقبه
لما رابني من ريب دهر أضرني فأنيابه يبرينني ومخالبه
وأسهرني طول التفكير، إنني عجيب لدهر ما تقضي عجائبه
أرى عاجزاً يدعى جليداً لغشمه ولو كلف التقوى لفلت مضاربه
وعفّا يسمى عاجزاً لعفافه ولو لا التقى ما أعجزته مذاهبه
وأحمق مصنوعاً له في أموره يسوده إخوانه وأقاربه
على غير حزم في الأمور ولا تقى ولا نائل جزل تعد مواهبه
وليس بعجز المرء إخطاؤه الغنى ولا باحتيال أدرك المال كاسبه
ولكنه قبض الإله وبسطه فلا ذا يجاريه ولا ذا يغالبه
إذا كمل الرحمن للمرء عقله فقد كملت أخلاقه ومناقبه
فيا عجبا كيف يمكن أن يقول زنديق مثل هذا القول?! وكيف يكون قائله زنديقاً? ومما يستحسن له قوله: ألا أحد يبكي لأهل محلةٍ مقيمين في الدنيا وقد فارقوا الدنيا
كأنهم لم يعرفوا غير دارهم ولم يعرفوا غير التضايق والبلوى
ومما يختار من شعره قوله: فو حق من سمك السماء بقدرة والأرض صير للعباد مهادا
إن المصر على الذنوب لهالك صدقت قولي أو أردت عنادا
وحدثني أحمد بن إبراهيم المعبر قال: رأيت صالح بن عبد القدوس في المنام ضاحكاً مستبشراً، فقلت له: ما فعل الله بك? وكيف نجوت مما كنت فيه? فقال: إني وردت على رب لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته وقال: قد علمت براءتك مما كنت تعرف به وترمى باعتقاده.
وأشعاره كثيرة، إلا أنها موجودة عند جميع الناس مستفيضة فيهم، فاقتصرنا على ما ذكرنا منها
أخبار إبراهيم بن سيابة
حدَّثني أبن أبي قباذ قال: قال العوفي: كان سيابة حجاماً، وفيه يقول عتبة الأعور يهجوه ويذكر صناعته: أبوك أوهى النجاد عاتقه كم من كمي أدمي ومن بطل
يأخذ من ماله ومن دمه لم يمس من ثأره على وجل
ذلت رقاب الملوك خاضعة من بين حاف له ومنتعل
وكان يرمي بالزندقة وكان المهدي أخذه وأحضر كتبه فلم يوجد فيها شيء من ذلك، فآمنه واستكتبه، وكان يكتب في مجلسه وبين يديه وكان من أبلغ الناس وأفصحهم ثم صح عنده أن فيه شيئاً مما كان اتهم به، فاطرحه وأقصاه، فساءت بعد ذلك حاله، واحتاج إلى مسألة الناس، وكان أحد المطبوعين، وكان محجاجاً منطيقاً.
ومما رويناه له قوله: جاء البشير مقدم البشراء منه عليّ بأعظم العظماء
أبشر أبا إسحاق أدركت الغنى والسؤل منه فأعطني بشرائي
فطفقت أعطي بالبشارة ما حوت كفاي من صفر ومن بيضاء
حتى إذا بقيت يدي من ملكها صفراً وجدت بجبتي وردائي
وبكل ما يدعو ويذكر ذاكر وبخاتمي فضلاً على الأشياء
ضار الذي أملته ورجوته يأساً رهيناً قبضة العنقاء
قد كنت قبل اليوم أدعى مسلماً واليوم صار الكفر من أسمائي
وأشعاره جيدة وأخباره حسنة، وليس يمكن الاستقصاء على ذلك لئلا يخرج الكتاب من حد الاختصار إلى التطويل
أخبار مطيع بن إياس
حدَّثني محمد بن أحمد الزيادي قال: قال أبو نجد الشاعر: مدح مطيع بن إياس معن بن زائدة بقصيدة فصيحة جيدة، فلما سمعها معن قال: يا ابن إياس، إن شئت أثبناك، وإن شئت مدحناك، فاستحيا مطيع من اختيار الثواب، وكره اختيار المدح وهو محتاج، فكتب إلى معن هذه الأبيات:
ثناء من أمير خير كسب لصاحب مغنم وأخي ثراء
ولكن الزمان برى عظامي ومالي كالدراهم من دواء

الصفحة : 25

فلما قرأها معن ضحك وقال: صدق، ما مثل الدراهم من دواء، وأمر له بصلة. وحدثني محمد بن أحمد قال: حدَّثني أبو نجد قال: صار مطيع بن إياس إلى صديقه لحماد عجرد يعاتبها له، وقد كانت هاجرته، وكان مطيع صديقاً لحماد، فأنشأ يقول: أنت معتلة عليه وما زا ل مهيناً لنفسه في رضاك
فقام حماد بين يدي المرأة وقبل رأسه وقال: جزاك الله خيراً من أخ، أفصحت عما في ضميري، وشفيت غليلي. والمرأة تضحك، وحماد يقول لا عدمت منك هذا البر يا أخي، ثم أنشأ مطيع يقول: فذريه وواصلي ابن إياس جعلت نفسه الغداة فداك
فغضب حماد وقال: يا ابن الفاعلة ما جئت بك على هذا، الحديث لنفسك لا لي فاستفرغت المرأة ضحكاً، ورابطت مطيعاً، وفارقت حماداً، فكاد حماد يجن جنونا وجعل يشكو مطيعاً إلى الناس.
وكان مطيع بن إياس صديقاً ليحيى بن زياد، لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً، ويرى كل واحد منهما بصاحبه الدنيا مودة ومحبة، ثم فسد ما بينهما فتهاجرا، ففي ذلك يقول مطيع: كنت ويحي كيدي واحد نرمي جميعاً ونرامى معا
إن عضني الدهر فقد عضه أو موجع نال فقد أوجعا
أو نام نامت أعين أربع منّا، وإن صم فلن أسمعا
حتى إذا ما الشيب في مفرقي لاح، وفي عارضه أسرعا
سعى سعاة بيننا دائباً فكاد حبل الوصل أن يقطعا
فكاد أعداء لنا لم تزل تطمع في تفريقنا مطمعا
حتى إذا استمكن من عثرة أوقد نيران القلى مسرعا
ومما يستحسن من شعره كلمته التي أولها: فلئن كنت لست تصحب إلا صاحباً لا تزل ما عاش نعله
لا تجده ولو جهدت وأني بالذي لا يكاد يوجد مثله
إنما صاحبي الذي يغفر الذن ب ويكفيه من أخيه أقله
ليس من يظهر المودة إفكاً وإذا قال خالف القول فعله
وصله للصديق يومٌ فإن طا ل فيومان ثم يصرم حبله
ومما يستحسن له من غزله قوله: لقد أحببت جهد الح ب ذات الخال والعقد
وتحكي بعد غب الن وم مطروقاً من الشهد
غزال أحور العين له خالٌ على الخد
كأن البدر ذاك الخا ل وافى ليلة السعد
ولمطيع بن إياس شعر كثير في جميع الفنون، وهو أحد الخلعاء المجان، وكان صاحب نوادر، ولو استقصينا كل شاعر واستوعبنا شعره زال الكتاب عن الغرض الذي قصدناه. وتوفي مطيع سنة تسع وتسعين ومائة.

أخبار الخليل بن أحمد
حدَّثني إسحاق بن الصلت الأنباري قال: حدثني المعلى بن جعفر السعدي قال: كان الخليل بن أحمد أعلم الناس بالنحو والغريب، وأكثرهم دقائق في ذلك، وهو أستاذ الناس، وواحد عصره، وأول من اخترع العروض وفتقه، وجعله ميزاناً للشعر، وكان سببه أنه مر في سكة القصارين بالبصرة فسمع من وقع الكدين أصواتاً مختلفة، ففكر في هذا العلم وقال: لأضعن من هذا أصلاً لم أسبق إليه، فعمل العروض على هذه الأصوات التي في أيدي الناس، وكان ذكياً فطناً عالماً بأيام الناس وأخبارهم، وكان مع ذلك شاعراً مفلقاً، وأديباً بارعاً، وله أيضاً في الألحان والنغم كتاب معروف، وهو صاحب كتاب العين الذي جمع فيه أصول الكلام للعرب كلها.
حدثني محمد بن يزيد المبرد قال: حدثني أبان بن رزين البصري قال: زعم يونس النحوي أن الخليل بن أحمد كان يستدل بالعربية على سائر اللغات ذكاء منه وفطنة.
وحدثني أبو العباس أحمد بن عبد الله بن محمد بن جعفر قال: حدثني الحسن بن المهلبي قال:

الصفحة : 26

كان الخليل بن أحمد منقطعاً إلى الليث بن نصر بن سيار، وكان الليث من أكتب الناس في زمانه، وكان بارع الأدب، بصيراً بالنحو والشعر والغريب، وكان يكتب للبرامكة، ويطير معهم في دولتهم بجناحين، وكانوا معجبين، فارتحل إليه الخليل بن أحمد، فلما عاشره وجده بحراً، فأجزل له وأغناه. وأحب الخليل أن يهدي إليه هدية تليق به، فأقبل وأدبر، وعلم أن المال والأثاث لا يقع منه موقعاً حسناً، لوجود ذلك عنده، وكثرته لديه، وأنه لا يسر بشيء سروره بمعنى لطيف من الأدب، فجهد نفسه في تصنيف كتاب العين، فصنفه لليث بن نصر دون سائر الناس، ونمقه وحبره، وأخرجه في أسرى ظرف وأحسن خط، فوقع منه موقعاً: عظيماً، وسر به سروراً شديداً، فوصله بمائة ألف درهم، واعتذر إليه من التقصير، وأقبل ينظر فيه ليلاً ونهاراً، ولا يمل منه ولا يفتر، وكان يغدو ويروح على البرامكة، فكأنه على الرضف حتى يرجع إلى الكتاب وينظر فيه، إلى أن حفظ نصف الكتاب. وكانت تحته بنت عم له، وكانت سرية نبيلة موسرة جميلة، وكانت تهوى ابن عمها وتحبه، فاشترى الليث جارية نفيسة فائقة الجمال، بثمن جزيل، فأقعدها في منزل صديق له يتسرى بها، فبلغ ذلك ابنة عمه، فوجدت من ذلك أشد وجد، وحزنت وقالت: والله لأغيظنه ولا أتقي الغاية. وقالت: إن غظته في المال فهو لا يبالي به ولا يكترث له، ولكني أراه مشغوفاً بهذا الكتاب، وقد هجر كل لهو ولذة، وأقبل على النظر فيه، والله لأفجعنه به. ثم عمدت إلى الكتاب بأسره فأحرقته، فلما كان بالعشي، وراح الليث من دار البرامكة، ودخل المنزل، لم يكن له هم إلا الكتاب، فصاح بالغلام أن يحمله إليه، فلم يوجد الكتاب، وكاد يطير طيشاً، وظن أنه سرق، فجمع غلمانه وتهددهم. فقال بعضهم: يا سيدنا أخذته الحرة، فبادر إليها ليترضاها ويسترجع الكتاب، وقال لها: ردي الكتاب والجارية لك، وقد حرمتها على نفسي، فأخذت بيده، وأدخلته البيت الذي أحرقته فيه، فلما نظر إلى رماده وصح عنده أنه احترق، سقط في يديه. وظن أنه أصيب بمال عظيم أو يولد أو أعظم منه، وكان قد حفظ نصف الكتاب، ويبقى عليه نصفه- وقد مات الخليل- فطلبه في الدنيا كلها فأعجزه ذلك، ولم تكن النسخة وقعت إلى أحد، فاستدرك النصف من حفظه وجمع على النصف الباقي علماء أهل زمانه. فقالوا: ما تروم? قال: مثلوا عليه، فمثلوا، فلم يلحقوه، ولا شقوا غباره. فأنت ترى ما في أيدي الناس من ذلك، فإذا ما تأملته تراه نصفين، النصف الأول أتقن وأحكم، والنصف الآخر مقصر عن ذلك.
ومما يستحسن للخليل بن أحمد من شعره قوله: وما هي إلا ليلة ثم يومها وحول إلى حول وشهر إلى شهر
مطايا يقربن الجديد إلى البلى ويدنين أشلاء الكريم إلى القبر
ويتركن أزواج الغيور لغيره ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر
ومما سار له في الدنيا قوله: أبلغا عني المنجم أني كافر بالذي قضته الكواكبْ
عالم أن ما يكون وما كا ن قضاء من المهيمن واجبْ
ومن السائر الذي يروي له قوله: لو كنت تعلم ما أقول عذرتني أو كنت تعلم ما تقول عذلتُكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
ومما يختار له قوله لسليمان بن قبيصة بن يزيد بن المهلب وقد كتب إليه يستزيره إلى السند وكان والياً عليها: أبلغ سليمان أني عنه في سعة وفي غنى غير أني لست ذا مال
الرزق عن قدر لا الضعف ينقصه ولا يزيدك فيه حول محتال
وأهدى إليه سليمان من السند هدية برزة فردها وقال: وخصلة يكثر الشيطان إن ذكرت منها التعجب جاءت من سليمانا
لا تعجبن لخير زل عن يده فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
وأخبار الخليل وعجائبه كثيرة، وشعره قليل لأن شغله بالعلم كان أكثر منه بقول الشعر، وفيما أوردنا من جملة قصته كفاية.

أخبار سلم الخاسر
وهو سلم بن عمرو

الصفحة : 27

حدثني الخاسر خالي. فقلت له: جعلت فداك، لم سمي الخاسر? فضحك وقال: سمي الخاسر لأنه تقرَّأ فبقي في تقرئه مدة يسيرة. فرقت حاله فاغتم لذلك، ورجع إلى شيء مما كان عليه من الفسق والمجون، وباع مصحفاً كان ورثه من أبيه، فاشترى بثمنه طنبوراً- وقيل: باع مصحفاً واشترى بثمنه دفتر شِعْر- فشاخ بالناس خبره، فسمي الخاسر بذلك، وقيل له: ويلك، في الدنيا أحد فعل ما فعلت? تبيع مصحفاً وتشتري بثمنه طنبوراً فقال: ما تقرب أحد إلى إبليس بمثل ما تقربت إليه، فإني أقررت عينه.
وقد قيل: إنما فعل ذلك مجوناً، ولم يكن رديء الدين. وأما الذين زعموا أنه اشترى بثمن المصحف الشعر، فقد رووا في أخباره أنه لما أفاد من الخلفاء والبرامكة بشعره ما أفاد من الأموال الجليلة قال: أنا الرابح ولست بالخاسر.
وكان من المطبوعين المجيدين. وكان تلميذاً لبشار بن برد الأعمى، ولما قال بشار بيته هذا: من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللهجُ
أخذ سلم هذا المعنى، وجاء به في أجود من ألفاظه وأفصح وأوجز فقال: من راقب الناس مات غماً وفاز باللذة الجَسُورُ
وقال بشار- حين قال بيته ذلك-: ما سبقني أحد إلى هذا المعنى ولا يأتي بمثله أحد. فلما قال سَلْمٌ هذا البيت، قال راوية بشار: صرت إليه فقلت: يا أبا معاذ، قد قال سلم بيتاً أجود من بيتك الذي تعجب به. قال: وما هو? فأنشدته البيت، فقال: أوخ، ذهب والله بيتي، لوددت أن ولاءه لغير آل أبي بكر الصديق فأقطعه وقومه بهجوي. وهذا مما يدل أن بشارً كان صحيح الدين. ثم نحاه عن نفسه، حتى كلمه فيه بعض إخوانه فرده.
وسلم أحد المطبوعين المحسنين وكان كثير البدائع والروائع في شعره وسار بيت سلم الذي ذكرناه، ولم يسر بيت بشار.
ومن جيد ما يروى لسلم كلمته في يحيى بن خالد- ويقال: إنه أخذ عليها مالاً عظيماً ويقال: إنه من عمل بما في هذه الأبيات من قصيدته جاز أن يكون وزيراً والأبيات هذه: بقاء الدين والدنيا جميعاً إذا بقي الخليفة والوزيرُ
يغار على حمى الإسلام يحيى إذا ما ضيع الحزم الغيور
وليس يقوم بالإسلام إلا معار يستجار ويستجير
كِلا يوميك من نفع وضر يحوط حماهما كرم وخير
وما ألهاك عما أنت فيه نعيم الملك والوطئ الوثير
إليك سبيلنا من كل وجه وكل الأمر أنت به بصير
بلوت الناس من عجم وعرب فما أحد يسير كما تسير
فكل الأمر من قول وفعل إذا علقت يداك به صغير
وفي كفيك مدرجة المنايا ومن جدواهما الغيث المطير
وأنت العز في حرب وسلم يضاف إلى مناكبك الطهور
عرفت الدهر من خير وشر فكل الرأي أنت به خبير
ولست مجازياً بالضغن ضفنا ولو أبدى المظاهرة الظهير
فكل الناس بين غنى وعفو لديك، كلاهما در درور
وما تخفى عليك وأنت طب بطون للأمور ولا ظهور
سرابيل المحامد ضافيات عليك يزينها الوشي الحبير
وما نزغتك للدنيا هنات إليك أعين الوزراء صور
وما إن نال من دين لدنيا قليل من هواك ولا كثير
وكانت قبلك الوزراء غرقى يؤم كبيرهم فيها الصغير
وما إن جاء مقطع كل حق صعود في هواك ولا حدور
تفرجت الأمور ببرمكي تضيء له المنابر والسرير
حملت فوادح الأعباء عنا عن الإسلام إن شكر الشكور
منا ملك نعم ووزير ملك عليه من لباس الشيب نورُ
بديهته وفكرته سواء إذا ما نابه الخطب الكبير
وأجزل ما يكون الدهر رأياً إذا عمي المشاور والمشير
ولا غرس الأمور ولا اجتناها كيحيى حين يعزم أو يسير

الصفحة : 28

إذا قامت مساعي الفخر يوماً على الأقدام أو مدح المرير
فما نفع كنفع أبي علي ولا أحد يصير كما يصير
ومما يستحسن لسلم كلمته في المهدي: حي المنابر بالسلام على وداع أو لمام
لم يبق منك ومنهم غير الجلود على العظام
ولقد سكرت من الهوى سكر الغوى من المدام
فالقلب مضطرب الحشا والعين نافرة المنام
فإذا عزمت فأمض همّ ك بين محمود ودام
ودع النوافخ في البري يسبحن في بحر الظلام
ويخضن أسراب الفلا قوداً أعنتها سوام
متسربلات بالحميم معممات باللغام
من كل خرقاء اليدي ن على انقضاب وانجذام
يهمسن في همس القطا ويخدن في وخد النعام
كم قد هتكن من الرجا ومضين بين صدى وهام
حتى رجعن من السرى مثل الأهلة في الحزام
لم يبق غير نواظر منها وأخفاف دوام
يتبعن وخد شملة وجناء تفسح في الزمام
فمضت تزف أمامه ن كما تولى سهم رام
وإلى أمير المؤمني ن محمد خير الأنام
جمع الخلافة والسما حة والشجاعة في نظام
ملك ضريبة رأيه أمضى من السيف الحسام
يقضي أمور المؤمني ن برأي حزم واعتزام
قالت قريش كلها وهم الكرام بنو الكرام
وخيار من وطئ الحصا من بين كهل أو غلام
: فضل الملوك محمد فضل الحلال على الحرام
فاسلم أمير المؤمني ن فأنت رهن بالسلام
ولك المكارم كلّها في دار ظعن أو مقام
أمن الحوادث من تعل ق ذمة الملك الهمام
يا خير من ضمنت يدا ه كم في يديك من الذمام
كم في يديك من الندى وضروب ألوان الحمام
حوض الخليفة بالندى يشفى الغليل من الأوام
إن الخليفة في يدي ه سجال عفو وانتقام
كان سلم الخاسر يذهب بالمهدي إلى أنه المهدي الذي وصف رسول الله صلى الله عليه وآله.
ومما يستحسن من شعره قصيدته في موسى الهادي بن المهدي وهي هذه: سألت الديار وأطلالها وما إن تجاوب سؤالها
منازل قد أقفرت يعدنا وجرت بها الريح أذيالها
وصهباء تعمل في الناظرين شربت على الريق سلسالها
وقد كنت للكأس والغانيات إذا هجر القوم وصالها
وكم قد رفعت ستور الملوك وزاولت بالشعر أزوالها
ونلت مجالس مشهورة ينال الكرام بمن نالها
ولقد جعل الله في راحتيك حياة النفوس وآجالها
وجدناك في كتب الأولي ن محي النفوس وقتالها
وموسى شبيه أبي جعفر ومعطي الرغائب سؤالها
ولولا مكانك من بعده لأنكرت العوذ أطفالها
مما يستحسن له كلمته في نجاح الحاجة وهذه الأبيات منها: يدير الأمور مقاديرها وللرزق داع إلى أهله
إذا أذن الله في حاجة أتاك النجاح على رسله
إذا قنع المرء نال الغنى وعرى المطية من رحله
ولا تسأل الناس من فضلهم ولكن سل الله من فضله
وحدثني، أحمد بن محمد النوفلي قال: ما وفقت إلى شاعر أعرف بأشعار الجاهلية ولا أدري لها من سلم الخاسر، وكان سلم مزاحاً لطيفاً، مداحاً للملوك والأشراف، وكانوا يجزلون له في الثواب والعطية، فيأخذ الكثير وينفقه على إخواته وغيرهم من أهل الأدب.
ولما قال أبو العتاهية أبياته التي ذكر فيها سلما وبلغه قوله:

الصفحة : 29

تعالى الله يا سلم بن عمرو أذل الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تساق إليك عفوا أليس مصير ذاك إلى الزوال
قال سلم: ويلي ابن الفاعلة قد كنز في بيته البدور، وأنا في ثوبي هذين. وليس عندي غيرهما. هو ينسبني إلى الحرص. وأشعاره وافرة كثيرة جداً، وقد أوردنا منها ما فيه الكفاية.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 06:50 AM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

?أخبار ابن مَيَّادة
حدثني ابن الأخوص محمد بن عبد الملك الثقفي قال: أخبرني عمرو ابن أيوب العامري قال: وفد ابن ميادة على الوليد ين يزيد بن يزيد بن عبد الملك فأنشده شعراً له فيه، فاستحسنه منه أمره بملازمته، ففعل، فلما عنده طويلاً امتدحه بقصيدته التي يقول فيها: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بحرة ليلي حيث ربتني أهلي
بلاد بها نيطت علىّ تمائمي وقطعن عني حيث أدركني عقلي
وهل أسمعن الدهر أصوات هجمة تطالعن من هجل حفيٍّ إلى هجل
فإن كنت عن تلك المواطن حابسي فأسبغ عليّ الرزق واجمع إذن شملي
فقال له الوليد: قد أمرنا لك بمائتي ناقة سوداء، ومائتي ناقة حمراء، تضيء هذه من هنا، وتظلم تلك من هنالك، فخذ الكتب بذلك إلى مصدّق كلب يدفعها إليك. فأخذ ابن ميادة الكتب ومضى نحوه، فلما قرأ كتابه قال له: أعفني من الجعودة وقد كان أمر له بها جعادا، فأبي أن يقبلها إلا جعادا كما أمر له، وتماحل هو المصدق في ذلك، وكتب ابن ميادة إلى الوليد يعلمه ذلك، وضمن كتابه هذين البيتين: ألم يبلغك أن الحيّ كلباً أرادوا في عطيتك ارتدادا
أرادوني بها لونين شتى وقد أعطيتها دهماً جعادا
فكتب الوليد إلى المصدق يتوعده ويأمره أن يسلمها إليه- كما أمر- برعاتها وأدواتها. فأقبل يسوقها حتى أقبل بها على حيه.
واسمه الرماح بن أبرد، وميادة أمه، وكانت أم ولد، وهو من بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان. وكان ابن ميادة يضرب أمه في صباه ويقول: اعر نزمي مياد للقوافي
يريد أنه سيهجو الناس فيهجونه ويذكرون أمه.
وأبوه من ولد ظالم بن الحارث بن ظالم المري وهو القائل يفتخر بذلك: سقتني سقاة من آل ظالم بأرشية أطرافها في الكواكب
وبقي ابن ميادة حتى أدرك أيام بني العباس. وقد مر على جعفر بن سليمان ابن علي وهو والي البصرة فأنشد: يا جعفر الخيرات يا جعفر ليتك لا تنعى ولا تقبر
فلما رأى جعفر ركاكة هذا الشعر وخفته قال: يا رماح. قال: لبيك أيها الأمير. قال: أتمدح الوليد بن يزيد الفاسق بمثل ذلك الشعر وتمدحني بمثل هذا? قال: أيها الأمير إن مدح الشاعر على قدر العطية. وما علي من فسق الوليد وقد أعطاني أربعمائة ناقة برعاتها وعبيدها وآلاتها? والله لا قلت أبداً أنه فاسق ولو ضربت عنقي فإن إحسانه يمنعني عن ذلك، فأعجبه ما رأى من شكره ووفائه للرجل بعد الموت وذهاب الدولة، فأمر له بأربعمائة ناقة، وقال له: قل الآن مثل شعرك الذي تقول فيه، فقال:
كنت امرأً أرمى الزوائل مرة فأصبحت قد ودعت رمى الزوائل
وعطلت قوس اللهو من شرعاتها وصارت سهامي بين رثّ وناصل
إذا حل أهلي بالجناب وأهلها بمنعرج العلان من ذي أذابل
فقل: خلة ضنت عليك بوصلها تقطع منها باقيات الوصائل
يمنونني منك الوصال وقد أرى بأني لا ألقاك من دون قايل
وما أنس من الأشياء لا أنس قولها وأدمعها يذرين حشو المكاحل
تمتع بذا اليوم القصير فإنه رهين بأيام الشهور الأطاول
وكان ابن ميادة جيد الغزل، ونمطه نمط الأعراب الفصحاء، وكان مطبوعاً، وهو الذي يقول: كأن فؤادي في يد علقت به محاذرة أن يقضب الحبل قاضبه
وأشفق من وشك الفراق وإنني أظن لمحمول عليه فراكبه
فوالله ما أدري: أيغلبني الهوى إذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وما يغلب الهوى فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه

الصفحة : 30

فهذه معان وألفاظ يعجز عنها أكثر الشعراء، فإنه قد جمع إلى اقتدار الأعراب وفصاحتهم محاسن المحدثين وملحهم، وهو القائل: أقول لركب قافلين رأيتهم ببئر سليم من صراد وأشجع
ألا إن بلغتم سالمين فأبلغوا تحية مرميّ بسهمين موجع
ومما يختار له قوله هاج البكاء وعاق منه صدوح خطباء باكية على التفراح
تدعو هديلا في ذرا عبرية عيناء ليس عيونها بصواح
ناحت بما علمت ولست بنائح وأبت على دأب الدلال بصاح
ومما يستحسن له قوله: سل الله صبراً واعترف بفراق عسى بعد بين أن يكون تلاق
ألا ليتني قبل الفراق وبعده سقاني بكأس للمنية ساق

أخبار العماني
واسمه محمد بن ذؤيب، وهو من بني نهشل بن دارم من بني فقيم. حدَّثني أبو مالك عبيد الله بن محمد قال: حدثني بن الرياشي قال: قال الأصمعي: مات العماني وهو ابن ثلاثين ومائة سنة، ولم يكن عمانياً ، وإنما غلب عليه العماني. وكان السبب في ذلك أن دكيناً الراجز نظر إليه وهو يسقي الإبل ويرتجز، فرآه مصفراً ضريراً فقال: من هذا العماني? لصفرة وجهه، فلزمه ذلك.
قال الرياشي: قال الأصمعي: دخل العماني على الرشيد لينشده، وعليه قلنسوة طويلة، وخف ساذج، فقال له الرشيد: إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة وخفان دلقمان.
فانصرف عنه في اليوم، فلما كان من الغد غدا على الرشيد وقد تزيا بزي الأعراب، ثم أنشده وقبل يده وقال: يا أمير المؤمنين قد والله أنشدت مروان بن محمد فرأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته، ومن قبله يزيد ابن الوليد وإبراهيم بن الوليد، ثم أبا العباس السفاح، مدحته ورأيت وجهه، وقبلت يده وأخذت جائزته، ثم مدحت المنصور ثم المهدي ثم الهادي ثم إلى كثير من أشباه الخلفاء والأمراء والسادة والروساء، والله يا أمير المؤمنين أمير المؤمنين ما رأيت فيهم أبهى منظراً، ولا أحسن وجهاًن ولا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين. قال: فأجزل له الجائزة على شعره، وأضعفها على كلامه، وأقبل عليه بوجهه وتبسم له وبسطه، حتى تمنى جميع من حضر من الشعراء والخطباء والبلغاء والوفود الذين عنده أنهم قاموا ذلك المقام. وطار اسم العماني بذلك.
وحدثني حيان بن علي البصري قال: حدثني الرياشي عن الأصمعي قال: كان العماني شاعراً قديماً مفلقاً مطبوعاً مفيداًن وكان جيد الرجز والقصيد غير أن الأغلب عليه الرجز، وكان يصف الفرس فيجيد ويحسن.
ومن قوله في ذلك: كأن تحت البطن منها أكلبا بيضاً صغاراً ينتهشن القبقبا
ومما يختار له كلمته في المهدي: الحمد لله الذي بحمده من على عباده بعبده
مهدينا الهادي الذي برشده أصبح بين غوره ونجده
وكل حر يرتجي من رفده فضل الذي بمجده
يا بن الذي كان نسيج وحده أثبت لهاورن مكان ورده
بمشرع يشفي الصدى ببرده وأشفع لنا موسى به من بعده
يا ابن أبيه وشبيه جده يعرف منه جده بجده
حذو الشراك قده بقده إنك إن عضدته بعضده
شددت زنده ساعد بزنده وقد جرت كواكب بسعده
قل للإمام وولي عهده رديت موسى بردها فرده
خليفة الله بمثل بردهوالحم الأمر له وسده
عن واجب من حقه وأده وادعم لنا أركان مصلخده
بمنكبيه يدفعا عن ضده وعن عرا الملك وعن مقوده
بالبيض تترى خلقاً من سرده والخير لا يعرف ما لم تبده
كالسيف لا تعرفه في غمده حتى ترى بصائراً من حده
ضربا يزيل الهام عن ألده وما على الناصح فوق جهده
ومما يستحسن له كلمته في الرشيد: لما أتانا خبر كالشهد شبت بماء نقرة صلند
جاءت به البرد وغير البرد ودعت هنداً وقطين هند
وكنت في سلوة عيش رغد مع الحسان الخفرات الخرد

الصفحة : 31

فجئت من حنظلة وسعد اطوي الدياميم بسير أدّ
على بنات الأرحبي الوخد بكل نشز وبكل وهد
إلى امرئ له أباد عندي واجبة الحق ولم أود
حقوقها ولو جهدت جهدي هارون يا فرخ فروع المجد
ويا ابن أشياخ الحطيم التلد القائمين الليل بعد الرقد
لله يرجون جنان الخلد أنت الذي عند اصطكاك الورد
لما خشيت بغي أهل الحشد وكدت كل حاسد صلخد
شددت زند ساعد بزند ببيعة تشفي غليل الكبد
يا بردها للمشتفي بالبرد أصبحت للإسلام خير عضد
وللمطيع عسلاً بزبد لما قدمت ببين باقي الجند
في وفد بيت الله خير وفد قالت قريش وهي أخت حتد
جاء الغنى ووثقوا بالرفد عن ملك نائله لا يكدى
يعطي الجزيل ويفي بالوعد كأنما سيمته في البرد
بين كهول هاشم والمرد بدر بدا بين نجوم السعد
ومما يستحسن له ويختار قوله: لا يستوي منعم بندار له قيان وله حمار
مقصص قصصه البيطار يطيف في السوق به التجار
وعربي برده أطمار يظل في الطرف له عثار
قد نصلت من رجله الأظفار يأوي إلى حصن له أوار
أحدب قد مال له الجدار لا درهم فيه ولا دينار
يأكل هزلي الفار فيه الفار في بلدة عال لها الغبار
ليس على كهل بها وقار مثل الشياطين إذا استثاروا
لهم دنان ولهم جرار وفاشفارات لها قتار
في اليسر لا يطمع فيه الجار
ومما يستحسن له هذه الأبيات: يا رب شيخ عرق الجبين يغدو ببغذاذ مع الغادين
بعارضيه شبه الطحين وليس في دنيا ولا لدين
وواقف في متواقفين بباب كل مخصب بطين
في ثوب قوهي وثوب لين إذا دعا لجمل سمين
وفاشفارات مع الطردين حاسر كفين بفارحين
هانت عليه حاجة المسكين وله أشياء حسان كثيرة، وكان يوزن بالعجاج ورؤبة، بل كان أطيع منهما. وكان من أقرانهما في السن والزمان، وأقران دكين وأبي النجم العجلي، إلا أنه عاش وبقي حتى أدرك أيام الرشيد، وقد امتدح الحجاج بن يوسف.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 07:25 AM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

?أخبار الحسين بن مطير
حدثني عبد الله بن محمد الخزري قال: حدَّثني التوزي قال: قلت لأبي عبيدة: ما تقول في شعر ابن مطير? قال: إنه ليقع من شعره الشيء بعد الشيء فيكثر تعجبي من كثرة بدائعه، فإذا لقيته فأعلمه أن شعره من أعجب الشعر إليّ.
ومما قال: كأننا يا سليمى لم نلم بكم وتحتنا علسيات ملاجيج
ولم نكلمك في الحساد قد حضروا وفي الكلام عن الحاجات تلحيج
ولم نقل يوم سارت عيسكم عنقاً والدوسري بجذب الساج مجروج
: سقى سقى الله جيرانا لنا ظعنوا لما دنا من رياض الحزن تهييج
لم أخش بينهم حتى غدوا حزقاً واستوسقت بهم البزل العناجيج
فاحتث من خلفهم حاديهم غردا وجددت دون من تهوى الهواديج
تلكم دياركم بالقف دارسة يستن فيها عجاج الصيف والهوج
قفراً خلاء المغاني ما يظل بها إلا الظباء وغربان مشاحيج
فيها أوار وآثار لعرصتها وماثل ناحل في الدار مشجوج
دار لناعمة بيضاء، حلتها عصب يمان وبرد فيه تدبيج
ومورد آجن سدم مناهله كأن ريق الدبى فيهن ممجوج
زارتك سلمة والظلماء داجية والعين هاجعة والروح معروج

الصفحة : 32

فمرحباً بك من طيف ألم بنا وليس يا سلم بي في السلم تحريج
هل يدنينك من سلمى وجيرتها قلائص أرحبيات خراجيج
هدل المشافر أيديها موثقة زج وأرجلها زل، هزاليج
قالت: تغيرت عن ودي فقلت لها: لا والذي بيته يا سلم محجوج
ما أنس لا أنس منكم نظرة سلفت في يوم عيد ويوم العيد مخروج
فهذا، كما ترى، شعر كأنه الديباج، بل نظم الدر في حسن وصف، وإحكام رصف وهو الذي يقول: نزل المشيب فما يريد براحا وقضى لبانته الشباب فراحا
لا تبعدن من أليل ذي لذة وغضارة تدع المراض صحاحا
ما كنت بائعه بشيء يشترى أبداً ولو أني أصبت رباحا
فعلى الشباب تحية من زائر يغدو ويطرق ليلة وصباحا
وبنازل لما أراد إقامة أهلاً، أراد مروءة وصلاحا
فدع الشباب فقد مضى بسبيله وانظر بعينك بارقاً لماحا
ما زال يدفعه الصبا دفع الطلا من لعلع حتى أضاء ولاحا
جون الرباب عصى الرياح على الربا متبركا من فوقها إلحاحا
فعلى كحيل بني فنان على الذرا حوا ودهما يستردن بطاحا
وكأن أصوات الحجيج عشية يبغون بالصوت الرفيع فلاحا
فيه، وأصوات الروائم فارقت أولادها فلججن بعد رواحا
يغشى الوحوش بمرسل من مائه مثل الزقاق ملأتهن رياحا
وترى صفوف الوحش في حافاتها كثمود يوم رغا الفصيل فصاحا
وكأن يثرب إذ علاها وبله بلد ثغوت أهلها لبياحا
ومما يستحسن له كلمته التي يقول له: لقد كنت جلدا قبل أن يوقد الهوى على كبدي ناراً بطيئاً خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرمت ولكن شوقاً كل يوم وقودها
فقد جعلت في حبة القلب والحشا عهاد الهوى تولي بشوق يزيدها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي إذا قدمت أيامها وعهودها
لمرتجة الأرداف هيف خصورها عذاب ثناياها عجاف قيودها
وصفر تراقيها وحمر أكفها وسود نواصيها وبيض خدودها
يمنيننا حتى ترف قلوبنا رفيف الخزامى تحت طل يجودها
وفيهن مقلاق الوشاح كأنها مهاة بسران طوال قدودها
مخصرة الأطراف زانت عقودها بأحسن مما زينتها عقودها
ومما يستحسن له قوله: خليلي من عمرو قفا فتعرفا لسهمة دار بين لينة والحبل
وفيهن مقلاق الوشاحين طفلة مبتلة الأطراف ذات شوى خدل
حصان لها لونان جون وواضح وخلقان شيء من لطيف ومن عسل
وسنتها بيضاء واضحة السنا وذروتها مسودة الفرع والأصل
فيا عجباً مني ومن حب قاتلي كأني أجازيه المودة عن قتلي
ومن غنيات الحب أن كان أهلها أحب إلى قلبي وعيني من أهلي
ومن السائر المجاز لابن مطير كلمته في وصف السحاب والمطر- وكان من أحذق الشعراء بذلك وهي قوله: كثرت لكثرة قطره أطباؤه فإذا تحلب فاضت الأطباء
وكجوف ضرته التي في جوفه جوف السحاب سبحلة جوفاء
وكأن بارقه حريق يلتقي ريح عليه عرفج وألاء
مستعبر بمدامع مستضحك بلوامع لم تمرها الأقذاء
وله بلا حزن ولا بمسرة ضحك يراوح بينه وبكاء
لو كان من لجج السواحل ماؤه لم يبق في لجج السواحل ماء

الصفحة : 33

وكان سبب هذه القصيدة أن والياً كان على المدينة، دخل عليه ابن مطير- وكان قيل له: هذا أشعر الناس- فأراد أن يختبره، فقال له: قد نشأت سحابة مكفهرة يا ابن مطير، فقل فيها، فقد أرسلت عزاليها فقال هذه القصيدة التي أثبتنا منها هذه الأبيات.
ومما يختار له قوله: خليلي هذي زفرة اليوم قد مضت فما بعد مي زفرة قد أطلت
ومن زفرات لو قصدن قتلنني تقض التي تأتي التي قد تولت
ومما يستحسن قوله: وكنت أذود العين أن ترد البكا فقد وردت ما كنت عنه أذودها
خليلي ما في العيش عتب لو أنني وجدت لأيام الصبا منن يعيدها
وهو من المكثرين المجيدين المعروفين، وحسبنا ما أوردناه من أخباره دليلاً على سائر نمطه.

?أخبار ابن مناذر
حدَّثني أبو الأسود محمد بن الفضل قال: حدَّثني إسحاق بن عمرو العدوي قال: كان محمد بن مناذر من أهل عدن، وكان وقع إلى البصرة لكثرة العلماء والأدباء بها، فما زال يلزم أهل الفقه وأصحاب الحديث والأدب حتى بلغ من ذلك أقصى مبلغ، وكان على ستر وصلاح وحلم ووقار، إلى أن اشتهر بعبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي ثم خرج إلى مكة بعد موت عبد المجيد وأقام بها.
قال إسحاق: فحدثني الحجاج الصواف قال: خرجت إلى مكة، وكان بيني وبين ابن مناذر بالبصرة وصحبة وصداقة، فلما وافيت مكة فسألت عنه فقيل لي هو في المسجد الحرام- قال- فأتيته وحوله أصحاب الشعر والأخبار وأهل النحو والغريب يكتبون عنه، وأنا أظن أن به من الشوق إليّ مثل الذي بي إليه، وأنه إذا عاينني قام إلي وعانقني- قال- فرفع رأسه ونظر إليّ، ثم أقبل على القوم يحادثهم ولا يحفل لي، فقلت في نفسي: تراه ذهبت عنه معرفتي? فأقبل أبو الصلت- وكان لنا صديقاً- فلما رآه أقبل عليّ، قال لي: أتعرف هذا? قلت: نعم، هذا الذي يقول فيه من قطع الله لسانه: إذا أنت تعلقت بحبل من أبي الصلت
تعلقت بحبل وا هن القوة منبتٍّ
فخذ من ورق الدفلى وخذ من ورق القت
وخذ من جعد غيلان وخذ من أظفار نسخت
فأقبل ساعة ثم أقبل على القوم ساعة، ثم رفع رأسه إليّ وقال: من أين أنت? قلت: من أهل البصرة قال: أين منزلك بها? قلت في ناحية بني عايش بموضع يقال له الصوافين، فقال: فتعرف ابن زانية يقال له الحجاج الصواف? قلت: نعم تركته ينيك ابن مناذر. فضحك ثم قام إليّ فعانقني.
وحدثني العروضي قال: قال لي أبو إسحاق: قال العتبي: رأيت محمد بن مناذر وقد قام بمكة وقت الموسم ينادي بأعلى صوته: معاشر الناس، مناذر قرية، وأنا ابن مناذر.
وحدثني محمد بن يزيد قال: حدثني محمد بن عامر الحنفي قال: كان ابن مناذر مولى لبني يربوع، وكان في أول أمره مستوراً حتى علق عبد المجيد الثقفي فانتهك ستره، فلما مات عبد المجيد خرج إلى مكة فلم يزل بها مجاوراً، وكان يجالس سفيان بن عيينة، وكان سفيان يسأله عن غريب الحديث ومعانيه فيجيبه عند ذلك.
وفي مدح هارون يقول ابن منذر قصيدته التي في نسبيها: هل عندكم رخصة عن الحسن الب صري تروي أو ابن سيرينا
إنّ سفاهاً بذي الجلالة والشي بة ألا يزال مفتونا
لبست ثوب الصبا وبارقه وقد مضت من سني ستونا
لما رأينا هارون صار لنا الل يل نهاراً بضوء هارونا
فلو سألنا بحسن وجهك يا هارون صوب الغمام سقينا
وهو القائل في كلمة له: ألا يا قمر المسج د هل عندك تنويل
شفاني منك لو تول تني شم وتقبيل
سلا كل فؤاد و فؤادي بك مشغول
لقد حملت من حب ك مالا يحمل الفيل
وهو يقول في آخر هذا الشعر: وهذا الشعر في الوزن لمن كان له جول
مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيل
ومن قول ابن مناذر يهجو خالد بن طليق، وكان على قضاء البصرة وكان كثير الخطإ: قل لأمير المؤمنين الذي من هاشم في سرها واللباب

الصفحة : 34

إن كنت للسخطة عاقبتنا بخالد فهو أشد العقاب
كان قضاة الناس فيما مضى من رحمة الله، هذا عذاب
يا عجبي من خالد كيف لا يغلط فينا مرة بالصواب
وله فيه أيضاً: جعل الحاكم يا لل ناس من آل طليق
ضحكة يحكم في النا س برأي الجاثليق
أي قاض أنت للنق ص وتبطيل الحقوق
يا أبا الهيثم ما أن ت لهذا بخليق
لا ولا أنت لما حم لت منه بمطيق
ومرثيته في عبد المجيد قد سارت في الدنيا وذكرت في المراثي الطوال الجياد، وهي فحلة محكمة فصيحة جداً، وقد عارض بها أبا زبيد الطائي. ويقال: إنه قال لأبي عبيدة: احكم بين القصيدتين واتق الله ولا تقل: ذاك متقادم الزمان، وهذا محدث متأخر، ولكن انظر إلى الشعر واحكم لأفصحهما وأجودهما. فقال: كل حي لاقى الحمام فمودي ما لحى مؤمل من خلود
لا تهاب المنون شيئاً ولا تر ى على والد ولا مولد
يقدح الدهر في شماريخ رضوى ويحط الصخور من هبود
ولقد تترك الحوادث والأيا م وهيا في الصخرة الجلمود
بعقل الله ما يشاء فيمضي ما لفعل الإله من مردود
فكأنا للموت ركب محث ون سراع لمنهل مورود
أين رب الحصن الحصين بسورا ء ورب القصر المنيف المشيد
شاد أركانه وبوبه يا بي حديد وحفه بجنود
كان يجبي إليه ما بين صنعا ء فبصرى فقريتي يبرود
فرمى شخصه فأقصده الده ر بسهم من المنايا سديد
ثم لم ينجه من الموت حصنٌ دونه خندق وبابا حديد
وملوك من قبله عمروا الأر ض أعينوا بالنصر والتأييد
وعزيز بالتاج معتصب أشو س يحمي الذمار جم العديد
ولو أن المنون أخلدن حيا لعلاء أخلدن عبد المجيد
إن عبد المجيد يوم تولى هد ركناً ما كان بالمهدود
ما درى نعشه ولا حاملوه ما على النعش من عفاف وجود
غيبوا في الصعيد حزماً وعزماً ولزاز الخصم الألد العنيد
ويح أيد حثث عليه وأيد غيبته، ما غيبت في الصعيد?
هد ركني عبد المجيد وقد كنت بركن منه أبوء شديد
فبعبد المجيد تأمور نفسي عثرت بي بعد انتعاش جدودي
وسقاه ماء الشبيبة فاهت ز كغصن الأراكة الأملود
وسمعت نحوه العيون وما كا ن عليه لزائد من مزيد
فإذا ما ذكرته عرضت لي غصة في اللها وحبل الوريد
وكأني أدعوه وهو قريب حين أدعوه من مكان بعيد
فلئن كان لا يجيب فقد كا ن سميعا هشاً إذا هو نودي
يا فتىً كان للمقامات زيناً لا أراه في المحفل المشهود
خنتك الود لم أمت جزعاً بع د فإني عليك حق جليد
غير أني أبكيك ما حنت الني ب وحثت عيرانةٌ بقيود
لو فدى الحيّ ميتاً لفدت نفس ك نفسي وطارفي وتليدي
فبكرهي كنت المعجل قبلي وبرغمي دليت في ملحود
كنت لي عصمة وكنت سماء بك تحيا أرضي ويخضر عودي
تبلس الكاشح العدو على الضغ ن وتجزي بضعف ودّ الودود
عاد عبد المجيد رزءاً وقد كا ن رجاء لريب دهر كنود
كان عبد المجيد سم الأعادي ملء عين الصديق رغم الحسود
وهذه القصيدة طويلة جداً ولكنها موجودة مروية ومما يستحسن من شعره مرثيته هذه في عبد المجيد: يا عين حق لك البكا ء لحادث الرزء الجليل
فابكى على عبد المجي د وأعولي كل العويل

الصفحة : 35

وابكن لمبتاع الندى والحمد بالثمن الجزيل
لا يبعدن ذاك الفتى الف ياض ذو الباع الطويل
عجل الحمام به فودّ عنا وآذن بالرحيل
وأحثه يحدو بهحادي الحمام مع الأصيل
يحدو بمقتبل الشبا ب أغر كالسيف الصقيل
كسفت لفقدك شمسنا جزعاً وهمت بالأفول
لهفي على الثغر المعف ر منك والخد الأسيل
فاذهب فكل فتى ترا ه سالكا قصد السبيل
وله في آل برمك: أتانا بنو الأملاك من آل برمك فيا طيب أخبار ويا حسن منظر
لهم رحلة في كل عام إلى العدا وأخرى إلى البيت العتيق المستر
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلا لجود أكفهم وأقدامهم إلا لأعود منبر
إذا رام يحيى الأمر ذلت صعابه وناهيك من داع له ومدبر
وهذه القصيدة طويلة جداً: ومما يختار له قوله: رضينا قسمة الرحمن فينا لنا حسب وللثقفي مال
وما الثقفي إن جادت كساه وراعك شخصه إلا خيال
وابن مناذر من حذاق المحدثين ومذكوريهم وفحولهم، وإنما نورد دون أمثاله من المشهورين عند الخاصة لا العامة ولن ندع أن نأتي بصدر من شعر صالح لينتفع بذلك قارئ الكتاب ويعرف مكانه?
أخبار أبي الشمقمق
حدثني الخصيب بن محمد الكوفي قال: حدثني ابن العلاف قال: مر أعرابي بأبي الشمقمق الشاعر فقال له: يا أعرابي. قال: ما تشاء? قال: أتقول الشعر? قال: بعضه، قال: خذ هذا الدرهم واهجني. قال: فأطرق الأعرابي هنيهة ثم قال: ما رأيت أحداً يشتري الهجو بالثمن غيرك قال: وما أخذ. قال الأعرابي: مررت بأير بغل مسبطر فويق الباع كالحبل المطوق
فما إن زلت أعركه بكفي إلى أن صار كالسهم المفوق
فلما أن طغى وربا وأندى ضربت به حر أم أبي الشمقمق
أزيدك، أم كفاك? وذاك أني رأيتك في التجارة لم توفق
فقال أبو الشمقمق: أعوذ بالله من الشقاء، ما كان أغناني عن هذه التجارة.
حدثني محمد بن يزيد قال: جعفر بن إسحاق المهلبي قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: ماتت ابنة عم للمنصور، فحضر المنصور دفنها، فلما صار على شفير القبر إذا هو بأبي الشمقمق. فقال له: ما أعددت لهذا الموضع? قال: ابنة عم أمير المؤمنين. فضحك المنصور في ذلك الموضع، على أنه قليل الهزل، وقد روى بعض الناس أن هذا الكلام لأبي دلامة مع المنصور.
ومما يروي له ويستحسن قوله: عاد الشمقمق في الخسارة وصبا وحنّ إلى زراره
من بعد ما قيل ارعوي وصحا لأبواب الشطارة
من قهوة مسكية واللون مثل الجلنارة
تدع الحليم بلا نهى حيران ليس به إحاره
ولربما غنى بها يا جارتا ما كنت جاره
يا أيها الملك الذي جمع الجلالة والوقاره
ورث المكارم صالحاً والجود منه والعماره
إني رأيتك في المنا م وعدتني منك الزياره
فغدوت نحوك قاصداً وعليك تصديق العباره
أني أتاني بالندى والجود منك إلى البشاره
إن العيال تركتهم بالمصر خبزهم العصاره
وشرابهم بول الحما ر مزاجه بول الحماره
ضجوا فقلت تصبروا فالنجح يقرن بالصباره
حتى أزور الهاشم ي أخا الغضارة والنضارة
ولقد غدوت وليس لي إلا مديحك من تجاره
وله أيضاً: ما جمع الناس لدنياهم أنفع في البيت من الخبز
والخبز باللحم إذا نلته فأنت في أمن من الترز
والقلز من بعد على إثره فإنما اللذات في القلز

الصفحة : 36

وقد دنا الفطر وصبياننا ليسوا بذي تمر ولا أرز
وذاك أن الدهر عاداهم عداوة الشاهين للوز
كانت لهم عنز فأودي بها وأجدبوا من لبن العنز
فلو رأوا خبزاً على شاهق لأسرعوا للخبز بالجمز
ولو أطاقوا القفز ما فاتهم وكيف للجائع بالقفز
وله أيضاَ: الحمد لله شكراً أمشي ويركب غيري
قد كنت آمل طرفا فصرت أرضى بعير
ليت الأيور دواب فكنت أركب أيري
لم ترض نفسي بهذا يا رب منك لخير
وله يهجو ابن البختكان، وكان خبيث الهجاء: ومحتجب والناس لا يقربونه وقد مات هزلاً من ورا الباب حاجبه
إذا قيل: من ذا مقبلاً? قيل: لاحدٌ وإن قيل: من ذا خلفه? قيل كاتبه
ومما يستحسن قوله: يبس اليدين فما يسطيع بسطهما كأن كفيه شدا بالمسامير
عهدي به آنفاً في مربط لهم يكسكس الروث عن نقر العصافير
وله في بعضهم: وإبطك قابض الأرواح يرمي بسهم الموت من تحت الثياب
شرابك في الشراب إذا عطشنا وخبزك عند منقطع التراب
وما روحتنا لتذب عنا ولكن خفت مرزئة الذباب
وله: ذهب الموال فلا موا ل وقد فجعنا بالعرب
إلا بقايا أصبحوا بالمصر من قشر القصب
بالقول بذوا حاتماً والعقل ريح في القرب
وشعر أبي الشمقمق نوادر كله.
ولما ولي المأمون خالد بن يزيد بن مزيد الموصل خرج معه أبو الشمقمق، فلما كان وقت دخوله البلد اندق اللواء، فتطير خالد لذلك، واغتم غما شديداً، فقال أبو الشمقمق فيه: ما كان مندق اللواء لريبة تخشى ولا سبب يكون مزيلاً
لكن رأى صغر الولاية فانثني متقصداً لما استقل الموصلا
وكتب أصحاب الأخبار بذلك إلى المأمون، فولى خالداً ديار ربيعة كلها، وكتب إليه: هذا الاستقلال لوائك ولاية الموصل. وأحسن إلى أبي الشمقمق، ووصله بعشرة آلاف درهم. وتوفي أبو الشمقمق في حدود الثمانين ومائة.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 07:29 AM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

?أخبار أبي الينبغي
حدثني المالكي عبد الله بن إبراهيم قال: حدثني محمد بن عمران قال: مضيت أنا والوليد وابن الدرقي الشاعر- وهو مولى عبد الله بن مالك ابن يزيد- إلى باب الطاق يوماً من الأيام، فتلقانا أبو الينبغي الشاعر، فمن قبل أن تصل إليه. قال لي ابن الدورقي، هل لك في أن نسخر من أبي الينبغي ساعة? فقلت لا تفعل، فإنه سريع الفحش، جيد البديهة خبيث اللسان. فقال: وما عسى أن يقول? الله ما هجاؤه بشيء. ولكن إذا دنونا منه فقل هذين الحرفين: عجوز أبي الينبغي عجوز سوء بغي
فلما قربنا منه قلت ذلك. فنظر إلى ابن الدورقي نظر مغضب- وقد علم أن ذلك من فعله والبيت من قوله- فقال على بديهته من غير أن يتفكر: وأير أبي الينبغي من أمك في المبزغ
وأشار بيده إلى أبن الدورقي. قال: فنظرت إليه وقد أصفر لونه. فقلت: ألم أنهك أن تفعل? قال: فأين الشقاء? ومما يستملح لأبي الينبغي قوله: صبراً على الذل والصغار يا خالق الليل والنهار
كم من حمار على جواد ومن جواد بلا حمار
وطار له البيت الثاني في الآفاق ولهج الناس به. فهو ينشد في كل مجلس ومحفل وسوق وطريق. وإنما يرزق البيت من الشعر ذلك إنه كان جيد المعنى، عذب اللفظ، خفيفاً على اللسان.
ومما يستملح له هجوه لرجاء بن الضحاك على سخف لفظه- وإنما تعمد ذلك ليسبق إليه العامة والصبيان فيروونه- وفيه يقول: ورجاء الجرجرائي لو درى ما حسن رائي
لخباني في حر أمه وقعد فيمن ورائي
وله في آل برمك: إنما الدنيا كبيض عملوه نيمرش
فحشاه البرمكيو ن وقال الناس كشن
ومما سار له في الدنيا ورواه كل أحد لخفته على الأفواه قوله: لا يا ملك الناس وخير الناس للناس

الصفحة : 37

أتنهاني عن الناس فأغنيني عن الناس
وإلا فدع الناس ودعني أسأل الناس
فهل سمعت في الناس بشعر كله الناس
وكان أبو الينبغي سريعاً إلى أعراض الناس، يهجوهم ويقطعهم. ولما هجا الفضل بن مروان حبسه بعد أن أغرى به الواثق، وأنهى إليه أنه هجاه، فبقي في السجن حتى مات، وكان يجري عليه في السجن أجراً تاماً حسناً.
وقال أبو هفان: دخلت على أبي الينبغي وهو محبوس فقلت له: ما كانت قصتك? قال: أنا أبو الينبغي، قلت مالا ينبغي، فحبست حيث ينبغي.
قال أبو هفان: عرض أبو الينبغي يوماً ليحيى بن خالد في موكبه، والفضل وجعفر عن يمينه وشماله، وفي الموكب وجوه الناس، فقال له رافعاً صوته صحبت البرامك عشراً ولا فخبزي شراء وبيتي كرا
قال فنظر يحيى إلى الفضل وجعفر وقال: سوء أبي الينبغي مما يناقش قال: فلما كان من الغد جئته فقلت: ويحك ماذا صنعت بنفسك? لوم تعرضت للبلاء? فقال لي: اسكت يا عاجز، والله ما أمسيت أمس حتى وافتني من عند الفضل بدرة، ومن عند جعفر أخرى، وقد أجرى لي كل واحد من مطبخه وظيفة.

??أخبار أبي الخطاب البهدلي
حدَّثني أبو غانم قال: حدثني موسى بن سعيد بن مسلم عن أبيه قال: كان موسى الهادي لا يأذن لأحد من الشعراء مدة أيام خلافته، ولا يرغب في الشعر، ولا يلتفت إليه، وقد أنهمك في الشرب والقصف، وكان مشغوفاً بالسماع، فلما قال أبو الخطاب البهدلي رائيته سألني فأوصلتها إليه، فلما سمعها أعجب بها شديداً وقال للحاجب: اخرج إلى الباب فمر من ينادي: أين نسابة الأسد? ففعل. فلما سمع أبو الخطاب ذلك علم أن شعره قد وصل وعمل عمله. والشعراء مجتمعون- فقال: هأنذا. وأخذ الحاجب بيده وأدخله البيت. فقال: هات أنشدنا، فأنشده قصيدته الرائية، فاستحسنها موسى وأعجب بها، وأمر في ذلك اليوم ألا يحجب عنه شاعر، وأن يعلموا أن أبا الخطاب كان السبب في ذلك. وأمر لأبي الخطاب بألف دينار وكساه وحمله والقصيدة مشهورة وهي هذه: ماذا يهجيك من دار بمحنية كالبرد غير منها الجدة العصر
عفت معارفها ريح تنسفها حتى كأن بقايا رسمها سطر
أزرى بجدتها بعدي وغيرها هوج الرياح التي تغدو وتبتكر
دار لواضحة الخدين ناعمة غرثى الوشاح لها في دلها خفر
كأنها درة أغلى التجار بها مكنونة، ربحوا فيها وما خسروا
قل للخليفة موسى: إن نائله جزل هني وما في سيبه كدر
متوج بالهدى، بالحمد ملتحف مسربل بالندى، بالمجد متزر
موسى الذي بذل المعروف ينهبه في الناس، فالجود من كفيه ينهمر
أشم تنميه آباء جحاجحه شم الأنوف، على ما نابهم صبروا
لن يؤمن الناس من لم يؤمنوا أبدا والله يؤمن من آووا ومن نصروا
لا يكسر الناس ما شدوا جبائره وليس يجبر طول الدهر من كسروا
أنت الدعامة يا موسى إذا احتدمت نيرانها وحماة الحرب تجتزر
وإن غضبت فما في الناس من بشر إلا على خطر ما مثله خطر
ما مخدر خدر مستأسد أسد ضبارم خادر ذو صولة زئر
غضنفر غضف قرضابة ثقف مسترعب لقلوب الناس مصطبر
ذو برثن شرث ضخم مزورة خبعثن الخلق في أخلاقه زعر
جأب الشراسيف رحب الجوف مفترس عند التجاول للأقران مهتصر
عفرنس أهرت الشدقين ذو حنق للقرن عند لقا الأقران مقتسر
جهم المحيا هموس لا ينهنهه صوت الرجال ولا للزجر ينزجر
في خطمه خنس في أنفه فطسكأنما وجهه من هضبة حجر
ذوالة قيسري حين تبرزه غشمشي فلا يبقي ولا يذر
ببالغ عشر عشر من شجاعته إذا تنازلت الأبطال واشتجروا

الصفحة : 38

بل أنت أجرأ منه في تقدمه وأنت أقدم منه حين يجتئر
يا خير من عقدت كفاه حجزته وخير من قلدته أمرها مضر
إلا النبي رسول الله إن له فضلاً وأنت بذاك الفضل تفتخر
فهذا- كما ترى- مقتدر على الكلام مجيد للوصف حسن الوصف قد جمع إلى قوة الكلام محاسن المولدين ومعاني المتقدمين.
ومما يستحسن له قوله: وقد اغتدى قبل ضوء الصباح وقبل ورود الغطاط الحثاث
بصاقي الثلاث قصير الثلاث طويل الثلاث عريض الثلاث
محجل رجلين طلق اليدين له غرة مثل ضوء الإراث
إذا احترث القوم ما عندهم فإن الجياد تكون احتراثي
ومما يستجاد له قوله للفضل بن يحيى بن خالد: تشاغل الناس ببنيانهم والفضل في بنا العلا جاهد
كل ذوي الرأي أهل النهى للفضل في تدبيره حامد
ومما سار له قوله: قلت لرجلي وهي عوجاء الخطا تشكو إليّ وجعاً من النسا
ومن أذى العرق وفي العرق أذى مري فهيهاتك من أخذ العصا
لا تطمعن في الذي لا يشتهي وفي تسعيك الذي لا يرتجى
كم بين قول الغانيات: يا فتى وقولهن: شاب هذا وانحنى
وقد نظرن اليوم من قبح الجلا جبين وجه وجبينا في القفا
أسره منهن كيما لا يرى ولو بدا رمين رأسي بالحصا
وأشعار أبي الخطاب كثيرة جيدة، وهو أحد العرجان، وقد ذكره الجاحظ في كتابه. وزعموا أنه بلغ من معرته وخوف الناس بادرة لسانه أن يبعث بعصاه إلى الأبواب في حوائجه، فلا تحجب العصا عن أحد، ولا ينهنه حتى تقضي حوائجه.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 07:32 AM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

?أخبار أبي الهندي
هو عبد الله بن ربعي بن شبث بن ربعي الرياحي. وقيل: اسمه غالب. من بني رياح بن يربوع بن حنظلة، وكان وقع إلى خراسان، واستوطن آخر عمره سجستان، وهو أحد الدهاة، فصيح جيد البديهة حاضر الجواب، وقد أدرك الدولتين وكان منهوماً بالشراب مستهتراً به، ويقال: إنه كان بخراسان يشرب على قارعة الطريق، فمر به نصر الليثي وإلي خراسان فقال له: ويحك يا أبا الهندي ألا تصون نفسك? قال: لو صنت نفسي أنا لما وليت خراسان.
حدثني أبو العميثل الشاعر قال: حدثني أبو الخنساء الشاعر قال: بكر أبو الهندي يوماً من الأيام إلى بيت خمار، وكان ينزل في سكة يقال لها كوى زيان، وتفسيرها بالعربية: سكة الخسران- وهي بسجستان، كان يباع فيها الخمر والفواحش، ويقال لها اليوم: سكة العدول والمستورين وأهل الصلاح- فقال أبو الهندي للخمار: "طربت إلى الصبوح فهاب عجل" فأتاه الخمار بعين الشراب وصفوه، فأعجبه حسن الشراب وعجل فسكر وما من أول النهار. ودخل إلى الخمار نفر فرأوا أبا الهندي فقالوا: من هذا المطروح على وجهه? قال: هذا أبو الهندي، اشتهى وأسرع فسكر ونام. فقالوا للخمار هات ما سقيته وعجل حتى نلحق به، وأتاهم به فشربوا حتى سكروا وناموا. فانتبه أبو الهندي عند العصر، فسأل عنهم الخمار: فقال: قوم دخلوا فرأوك مطروحاً، وسألوني عنك فأعلمتهم عن حالك، واشتاقوا إلى مثلها فسقيتهم من الشراب الذي شربته ما أرواهم، حتى صرعوا كما تراهم، قال أبو الهندي: ويحك عجل، قال: ما تشاء? قال: ألحقني بهم ولا تسقني إلا المكيال، حتى سكر ونام، فانتبه القوم فقالوا للخمار: هذا بعد نائم ونحن أفقنا? فحدثهم حديثه، فقالوا: ويلك ألحقنا به الساعة وأسرع. فجاءهم بالشراب فشربوا حتى سكروا فتجدلوا. وأقاموا كذلك عشرة أيام في حانة ذلك الخمار، لا يلتقون معه، ولا يلتقي معهم، كلما أفاق وجدهم مصروعين، وإذا قاموا وجدوه مصروعاً كذلك. ففي ذلك يقول: ندامى بعد عاشرة تلاقوا وضمهم بكوي زيان راح
رأوني في الشروق صريع كأس معتقة وما متع الصباح
فقالوا: أيها الخمار من ذا? فقال: أخ تخونه اصطباح
أدار الراح حتى أقصعته فخر كأنه عود شناح
فقالوا: قم وألحقنا وعجل به إنا لمصرعه نراح

الصفحة : 39

وحان تنبهي فسألت عنهم فقال: أتى بهم قدر متاح
فقلت له: فسرع بي إليهم حثيثاً فالسراح هو النجاح
فما إن زال ذاك الدأب منا إلى عشر نفيق ونستباح
نقيم معاً وليس لنا تلاق ببيت ما لنا منه براح
وذكر أنه مذ دخل سجستان إلى أن خرج منها ما فارق كوى زيان وفي ذلك يقول: ثبت الناس على راياتهم وأبو الهندي في كوى زيان
منزل يزري بمن حل به تستحل الخمر فيه والزواني
إنما العيش فتاة غادة وقعودي عاكفاً في بيت خان
أشرب الخمر وأعصى من نهى عن طلاب الراح والبيض الحسان
في حياتي لذة ألهو بها فإذا مت فقد أودى زماني
وحدثني صالح بن إبراهيم قال: حدثني جعيفران الموسوس الشاعر: قال لي صدقة البكري: شرب أبو الهندي مع قوم في قرية من قرى مرو على سطح ليس لي ستر فسكر، وكان خبيث السكر والنوم، فلما جن الظلام ومضى من الليل ما مضى، وقد سكروا وأرادوا أن يناموا، خشوا على أبي الهندي أن يسقط من السطح، فربطوا في رجله حبلا وأوثقوا، وطولوا الحبل- لسكرهم- وشدوا طرف الحبل إلى شيء في السطح على غير عمد منهم. فقام أبو الهندي في بعض الليل ليبول، فسقط فتدلىّ من السطح وهم لا يشعرون، فلما أصبحوا وجدوه متدلياً ميتاً: وقال صدقة البكري: قرأت على قبر أبي الهندي هذه الأبيات: اجعلوا إن مت يوماً كفني ورق الكرم وقبري معصره
وادفنوني وادفنوا الراح معي واجعلوا الأقداح حول المقبره
أنني أرجو من الله غدا بعد شرب الراح حسن المغفرة
قال: ورأيت الفتيان يجتمعون عند قبره ويشربون ويصبون نصيبه على قبره.
ومما يختار لأبي الهندي كلمته التي تقول فيها: مفدمة قزا كأن رقابها رقاب بنات الماء أفزعن بالرعد
جلتها الجوالي حين طاب مزاجها وطيبنها بالبان والعنبر الوردي
تمج سلافاً من قوارير صفقت وطاسات صفر كلها حسن القد
كميتا ثوت في الدن تسعين حجة مشعشعة في شربها واجب الحد
عقار إذا ما ذاقها الشيخ أرعشت مفاصله وازداد وجداً إلى وجد
ويبكي على ما فاته من شبابه بكاء أسير في الصفاد وفي القد
تضمنها زق أزب كأنه كراسيع قطع من جهينة أو نهد
إذا أنفدوا ما فيه جاءوا بمثله غطارفة أهل السماحة والمجد
فيومان يوم للأمير أزوره ويوم لقرع الصنج والراح والنرد
ومما يستحسن له في الشراب واللهو والغزل: يا لقومي فتنتني جارتي بعد ما شبت وأبلاني الكبر
وأتت لي سنوات أربع بعد ستين تقضت لي أخر
بعد ما كنت فتى ذا مرة بين غزلان أثارتها البطر
شيبة أنكرن حيناً شأنها وأنا القرم إذا عدت مضر
حبذا الشرب بدارين إذا بت أسقاها وقد غاب القمر
عندنا صناجة رقاصة وغلام كلما شئنا زمر
حسن العرنين ذو قصابة زانه شذر وياقوت ودر
وإذا قلت له قم فاسقنا قام يمشي مشية الليث الهصر
وأتانا بشمول قهوة نتعاطاها بكاسات الصفر
وأباريق تناهت سعة والذي في الكف ملثوم أغر
مثل فرخ هب في غبطلة حذر الصقر فأقعى ونظر
أو كظبي اللصب وافى مرقبا حذر القانص صبحاً فنفر
فعلاً ثم استوى مرتبئاً قلة الطود على رأس الحجر
ومما يستحسن له، وإن كان شعره حسناً جيداً، ولا سيما إذا قال في الشراب قوله: وفارة مسك من عذار شممتها يفوح علينا مسكها وعبيرها
سموت إليها بعد ما نام أهلها غدواً ولما نلق عنها ستورها

الصفحة : 40

سيغني أبا الهندي عن وطب سالم أباريق كالغزلان بيض نحورها
مفدمة قزا كأن رقابها رقاب الكراكي أفزعتها صقورها
مصبغة الأعلى كأن سرابها ذبائح أنصاب توافت شهورها
تلألأ في أيدي السقاة كأنها نجوم الثريا زينتها عبورها
يمج سلافاً من زقاق كأنها شيوخ بني حام تحنت ظهورها
ومن جملة هذه الأبيات: أقبلها فوق الفراش كأنها صلاية عطار يفوح زريرها
إذا ذاقها من ذاق جاد بماله وقد قام ساقي القوم وهناً يديرها
خفيفاً مليحاً في قميص مقلص وجبة خز لم تشد زرورها
وجارية في كفها عود بربط يجاوبها عند الترنم زيرها
إذا حركته الكف قلت: حمامة تجيب على أغصان أيك تصورها
تجاوب قمريا أغن مطوقاً شقائقه منشورة وشكيرها
إذا غردت عند الضحاء حسبتها نوائح ثكلى أوجعتها قبورها
وكأس كعين الديك، قبل صياحه شربت بزهر لم يضرني ضريرها
فما ذر قرن الشمس حتى كأنها أرى قرية حولي تزلزل دورها
ومما يستحسن له قوله: شبت جدي وجدي مؤثر لم ينازعني عروق المؤتشب
من بني شيبان أصلي ثابت وبني يربوع فرسان العرب
أجمع المال وما أجمعه أطلب اللذة في ماء العنب
وأستبائي الزق من حانوته شائل الرجلين معضوب الذنب
وإذا صبت لشرب خلتها حبشياً قطعت منه الركب
ومنها: يا خليلي اسقياني عفوها بالبواطي البيض ليست بالعلب
من شراب خسرواني إذا ذاقه الشيخ تغنى وطرب
يترك القوم إذا ما طربوا في صياح ومراء وصخب
وإذا ما منتش قامت به رفعوا الأوصال منه بالخشب
ثم ناحوا نوحة ثم بكوا ثم ضجوا ضحكاً، يا للعب
قال: وكان جماعة مثل أبي نواس والخليع وأبي هفان وطبقتهم إنما اقتدروا على وصف الخمر بما رأوا من شعر أبي الهندي، وبما استبطنوا من معاني شعره ومن هذه القصيدة قوله: وهو منكب على جبهته مزبد الشدقين مسترخي العصب
رفع الشرب له يافوخه بعد لأي ما تولى وانقلب
ساعة ثم دعوه باسمه فأجاب المرء صوتاً ووثب
ينفض الرأس، عليه غبرة من تراب ورماد وقتب
وأتوه بطهور طيب ليصلي فتلكا وقطب
أين ما رجله زكرته يتوسدها وطنبور طرب
وسراويل له مرفوعة حلق النيفق منها قد ذهب
ولأبي الهندي أيضاً: اصبب على كبدك من بردها إني أرى الناس يموتونا
ودع أناساً كرهوا شربها ليسوا بما في الخمر يدرونا
لو شربوها فانتشوا مرة لأصبحوا بالخمر يهذونا
وقد عهدت الناس إذ دهرهمدهر يلوطون ويزنونا

أخبار أبي حية النميري
حدثني المبرد قال: حدَّثني ابن أبي حبرة قال: أبو حية النميري يروي عن الفرزدق، وهو من أهل البصرة، واسمه الهيثم بن الربيع، وكان من أكذب الناس. قال ابن أبي حبرة: وسمعته يوماً يقول: عن لي ظبي فرميته بسهم، فراغ الظبي عن سهمي، فعارضه السهم، ثم راغ، فراوغه والله السهم حتى قتله.
وحدثني صالح بن إبراهيم قال: حدَّثني أبو المهزم الأعرابي قال:

الصفحة : 41

كان لأي حية النميري سيف يسميه لعاب المنية. وكانت المغرفة أقطع منه، فدخل بيته كلب ليلة من الليالي من حيث لا يدري به، فلما حسه في البيت توهمه لصاً، فقام في البيت وقال: أيها المغتر بنا، المجترئ علينا، جئت والله إلى خير قليل، وسيف صقيل، ونفس تأبى الضيم وتأنف العار، جارها آمن، وعدوها خائف، أما سمعت بلعاب المنية- ثكلتك أمك- مشهورة ضربته، لا تخاف نبوته، يقرب الأجل. ويبطل الأمل. أما تخشى- إن كنت أوطأتك نفسك العشوة فينا، وسولت لك ما لا تجده فينا- إن أدع قساً ملأت عليك الأرض خيلاً ورجلاً. فيا طيبها وطيب كثرتها. ما أنت والله ببعيد من بائقتها، والرسوب في لجتها، إن أقمت وثبت على طغيانك، وإن هربت أدركتك.
فما زال ذلك دأبه وهو يخاف أن يدخل، وإذا به قد خرج عليه كلب يبصبص فقال له: الحمد لله الذي مسخك كلباً، وكفاني منك حرباً. ثم قعد لا يدخل البيت، فقيل له: ما لك لا تدخل? فقال: لعل اللص في البيت وهذا كلبه قد خرج.
ومما يستحسن لأبي حية النميري قوله: ألا حي من بعد الحبيب المغانيا لبسن البلى مما لبسن اللياليا
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة تقاضاه شيء لا يمل التقاضا
ويستحسن أيضاً قوله: تجود لك العينان من ذكر ما مضى إذا ضن بالدمع العيون الغوارز
ألوفان ينهلان من غصص الهوى كما انهل شق غيبته الجوارز
يهيج لي نوح الحمام صبابة ونوح مرنات شجتها الجنائز
لتفريق ألاف كأن عيونها عيون المها جازت بهن الأماعز
أولئك من بعد الهوى تصدع شعب بينهم فتمايزوا
تركن بقلبي إذ نأين حزازة أبت أن تجلى إذ نجلي الحزائز
ومما يستحسن له قوله: غراب ينادي يوم لا القلب عقله صحيح ولا الشعب الذي أنصاع ملتقى
جزيت غراب البين شراً لطالما شجيت بتشحاج الغراب المطوق
ومن مختار قوله: زمان الصبا ليت أيامنا رجعن لنا الخاليات القصارا
ليالي رأسي غراب غداف فطيرة الشيب عنّي فطارا
ولا يبعد الله ذاك الشباب وإن كان لا هو إلا ادكارا
فأصبح مونعه ممحلا جديباً خراباً يباباً قفارا
وإما مشايخ قد أفحشت فلا أنا أسطيع منها اعتذارا
أجارتنا إن ريب الزما ن قبلي أفنى الرجال الخيارا
وهازئة إذ رأت كبرةً تلفع رأسي بها فاستنارا
فإما ترى لمتي هكذا فأكثرت مما ترين النفارا
فقد اغتدى وهي هم الحسان وقد أسلب العطرات الخمارا
وقد كنت أسحب ذيل الصبا وأرخى على العقبين الإزارا
ورقراقة لا تطيق القيا م إلا رويداً وإلا ابتهارا
خلوت بها نتجارى الحدي ث شيئاً علانا وشيئاً سرارا
كأن على الشمس منها الخمار إذا هي لاثت عليها الخمارا
وكان أبو حية تزوج ابنة عم له. فتوفيت عنه. وكاد يخرج عليها من الدنيا. وأشعاره الجياد كلها فيها في وصفها في حياتها، ومراثيها بعد مماتها. وما رأيت ذكياً ولا عاقلاً ولا كاتباً ظريفاً إلا وهو يتمثل من شعر أبي حية النميري بشيء.
فمن ذلك قوله: فلما أبت إلا اطراقاً بودها وتكديرها الشرب الذي كان صافيا
شربت برنق من هواها مكدر وكيف يعاف الرنق من كان صادياً
وله أيضاَ: استبق دمعك لا يود البكاء به واكفف بوادر من عينيك تستبق
وما الدموع وإن جادت بباقية ولا الجفون على هذا ولا الحدق
ومن ذلك قوله: وألقت قناعاً دونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كفّ ومعصم
فراح وما يدري أفي طلعة الضحى تروح أم داجٍ من الليل مظلم
وله شعر جيد ولكن لا نخرج عن الذي رسمناه للكتاب.
توفي في حدود العشر والمائتين.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 07:37 AM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

أخبار خلف الأحمر

الصفحة : 42

حدَّثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدَّثني أبو كردين قال: خلف الأحمر يكني أبا محرز، وكان عالماً بالنحو والغريب والنسب وأيام الناس، شاعراً مطبوعاً مفلقاً كثير الشعر جيده. ولم يكن في نظرائه من أهل العلم والأدب أكثر شعراً منه.
حدَّثني أحمد بن محمد بن جعفر بن الهيثم قال: قال أيوب بن إسحاق: قلت لخلف الأحمر: يا أبا محرز أكتبني أبياتاً على أبيات أبي أمامة العبدي. فقال لي: اكتب لفلان، رجل لا أعرفه.
أ أمام إن الدهر أه لك صرفه إرماً وعادا
ورمى فأنزل أسعد الخ يرات قد جمع العبادا
بالبيض والحلق المقد ر سرده وحوى التلادا
فخطفته والدهر يت رك بعد صالحة فسادا
وكأن ذلك لم يكن إلا التذكر حين بادا
أ أمام إن القدر لم تلعن أباك ولا الرمادا
فلما مرض مرضه الذي توفي فيه دخلت عليه أعوده، قال: ليست هذه الأبيات لمن ذكرتها له. وإنما هي لي، وأنا قائلها. وأنا أستغفر الله، وكان قد نسك وترك قول الشعر برهة.
وزعم غيره أنه عاد إلى قول الشعر ولم يتركه حتى مات. وقال دعبل: قال لي خلف الأحمر، وقد تجارينا في شعر تأبط شراً وذكرنا قوله: إن بالشعب الذي دون سلع لقتيلاً دمه ما يطلّ
أنا والله قلتها، ولم يقلها تأبط شراً. وحدثني ابن ثمامة عن إبراهيم بن إسحاق قال: قال أبو الحسن المدائني: لما احتضر خلف الأحمر قيل له: قل: لا إله إلا الله. فسكت. فأعيد عليه فسكت. فأعيد عليه ثالثاً، فقال: "جف بمقدار ما جرى قلمه" وما زال يرددها حتى مات.
حدثني أحمد بن نصر قال: حدثني الرياشي قال: قال لي الأصمعي: كان خلف الأحمر مولى أبي بردة بن أبي موسى، أعتقه وأعتق أبويه. وكان من سبي فرغانة. وفيه يقول أبو نواس: أودي جماع العلم مذ أودى خلف من لا يعد العلم إلا ما عرف
كنا متى ما ندن منه نغترف رواية لا تجتني من الصحف
فليذم من العياليم الخسف ومما سار له قوله: سقى حجاجنا نوء الثريا على ما كان من منع وبخل
هم ضموا النعال فأحرزوها وشدوا دونها باباً بقفل
فإن أهديت فاكهة وجدياً وعشر دجائج بعثوا بنعل
ومسواكين طولها ذراع وعشراً من رديء المقل خشل
أناس تائهون لهم رواء تغيم سماؤهم من غير وبل
إذا نسبوا فحي من قريش ولكن الفعال فعال عكل
وهو كثير الشعر مذكور، وشعره موجود في أيدي الناس، ويقال: إنه معلم الأصمعي.

أخبار أبي الغول
حدثني حاتم بن مطرق قال: حدثني أبو الأبرد العبدي قال: دخل أبو الغول على الرشيد فأنشده مديحاً له، فقال الرشيد: يا أبا الغول. قال: لبيك يا مولانا أمير المؤمنين، قال إن في أنفسنا من شعرك شيئاً، فلو كشفته بشيء تقوله على البديهة? قال: والله ما أنصفتني يا أمير المؤمنين. قال: ولم? وإنما هذا امتحان. قال: لأنك جمعت هيبة الخلافة وجلالة الملك وحيرة الاقتضاب، على أني أرجو أن أبلغ من ذلك ما تريد، فالتقيت فإذا الأمين قائم عن يمنه، والمأمون عن يساره فأنشأ يقول: بنيت لعبد الله بعد محمد ذرا قبة الإسلام فاخضر عودها
هما طنباها بارك الله فيهماوأنت أمير المؤمنين عمودها
قال الرشيد: وأنت بارك الله فيك، أحسنت وأجدت. فقال: يا أمير المؤمنين امتحني بما شئت ليزول ما بقلبك من الريبة والشك في شعري. فقال: لا حاجة بنا إلى ذلك، أنت شاعر مقتدر، والذي قيل فيك باطل. ثم وصله بعشرة آلاف درهم وخلع عليه.
ومما يستحسن له كلمته في داوود ين يزيد بن حاتم المهلبي التي يقول فيها: وقد كان هذا البحر ليس يجوزه سوى مشفق من هوله أو مخاطر
فصار على مرتاد جودك هيناً كأن عليه محكمات القناطر
وهذه القصيدة من أشرف ما قيل في داوود. وكان جواداً قد مدحه جماعة ومما يستحسن له قوله: إذا الريح من نحو الحبيب تنسمت بعيد صلاة العصر طاب نسيمها

الصفحة : 43

وهبت بأحزان لنا، وتذكرت بها النفس أشجاناً توالى همومها
وظل يدق القلب أن نسمت له وفاض لها عين طويل سجومها
وحنت بنات القلب مني وأقبلت عليّ حديثات الهوى وقديمها
وله شعر كثير، وهو من المشهورين الذين يوجد شعرهم بكل مكان.

أخبار عمر بن سلمة
وهو المعروف بابن أبي السعلاء.
حدثني عبيد الله محمد الأنصاري قال: حدثني الخصيب بن محمد قال: اجتمعت الشعراء يوماً بباب الرشيد. فسألوا الإذن، فلم يأذن لهم، ثم بدا له، فقال للحاجب: أخرج إليهم فقل لهم: من اقتدر أن يمدحنا بالدين والدنيا في ألفاظ قليلة فليدخل. فبادر ابن أبي السعلاء فاستأذن. فقال للحاجب: ادخله. فأدخله. فقال له الرشيد: أنشدني قولك: أغيثاً تحمل الناق ة تحمل هارونا
فقال : أنشدك ما اخترته وشرطته اليوم، فقال: بل أنشدني الأبيات فأنشده: أغيثاً تحمل الناق ة أم تحمل هارونا
أم الشمس أم البدر أم الدنيا أم الدنيا
ألا لا بل أرى كل ال ذي عددت مقرونا
على مفرق هارون فداه الآدميونا
قال: فأجزل له في العطاء، فاجتمع عليه الشعراء ففرق عليهم صلته. وكان الرسم في ذلك الزمان إذا وصل الخليفة أحداً من الشعراء وحرم الباقين أن يصلهم ذلك الشاعر ويعطيهم على منازلهم ومراتبهم.
وكان ابن أبي السعلاء تصدى لهارون بالمدينة وهو حاج. وقد خرج عنها يريد مكة على راحلة، فارتجل هذه الأبيات التي كتبناها رافعاً بها صوته. وأعطاه عليها مالاً جزيلاً.
ومما يروي له في الرشد قصيدته التي يقول فيها- وقد قدم الرشيد قافلاً من غزاته وقد ظفر بهم وغنم: قرت عيون المسلم ين بمقدم الملك الرشيد
قرت به عين القري ب من الرعية والبعيد
بين المنابر والمجا لس والمدائح والنشيد
هارون أنت خليفة صورت من كرم وجود
الناس من طين وأن ت البدر في فلك السعود
وهم كأيام الشهو ر وأنت فيهم يوم عيد
وهي طويلة مشهورة.
ومما يستحسن له مرثيته في الرشيد التي يقول فيها: مات الإمام فعم أه ل الدين كلهم مصابة
عرين منه ركابه فتعطلت منه قبابه
وتفردت أجناده وخلا من الحراس بابه
وأقام في ملحوده لا يرتجي منه إيابه
في الرمس مقترب المح ل لحافه منه ترابه
ما هابه القدر الذي أودى به غضاً شبابه
قد كان كل الناس تر جوه وكلهم تهابه
فاعتاقه ريب المنو ن وحان من أجل كتابه
وهي أيضاً طويلة سائرة.
ومما يستحسن له مرثيته لهارون: يا ليلة السبت التي طلعت كواكبها نحوسا
كنت البسوس عليهم بل فقت في الشؤم البسوسا
قفل الغزاة وخلفوا هارون في جدث حبيسا
في غربة من أهل طو س فليتني فارقت طوسا
ترحاً لنا إن لم نقت ل عند مصرعه النفوسا
وهي أيضاً طويلة سائرة.
ومما يختار له قوله في الرشيد يمدحه: قل للإمام الهاشمي الذي عليه تاج الملك معقود
بلغت بالجود مدى غاية قد كان عنها قصر الجود
هارون بدر باهر زاهر تنجاب عنه، الظلم السود
ومما يستملح قوله أيضاً: إن للموكب نوراً ساطعاً بغشي العيونا
أترون البدر فيه أم أمير المؤمنينا
وولاة العهد عطفي ه شمالاً ويميناً
وأشعاره كثيرة، وهو من فحولة المحدثين المجيدين.
أخبار أبي الهول الحميري

الصفحة : 44

حدثني إبراهيم بن محمد قال: حدثني محمد بن عبد السلام قال: غضب الفضل بن يحيى على أبي الهول في شيء وجده عليه- وكان عنده قبل ذلك في حالة رفيعة، وكان الفضل معجباً بشعره، وكان يصله بالصلات السنية- فلما غضب عليه جفاه الناس وتنكروا له، فلم يدر بمن يتحمل عليه ويستشفع حتى يرضى عنه، فلما ضاق به ذرعه قال: سما نحونا من غضبة الفضل عارض له زجل فيه الصواعق والرعد
وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالد من الجرم ما يخشى عليّ به الحقد
فجد بالرضى لا أبتغي منك غيره ورأيك فيما كنت عودتني بعد
فلما قرأ الفضل رقعته وقع فيها: رضاي عنك مقرون بإحساني إليك، فإن أردت أن أفرق بينهما لم أفعل. وحمل إليه صلة، واستغني بالأبيات عن الشفع.
مما يستملح له كلمته في العباس بن محمد يرثيه- وكان محسناً إليه: أتحسبني باكرت بعدك لذة أبا الفضل أو كشفت عن عاتق سترا
أو انتفعت عيناي بعد بنظرة وأني من حسناء مرتشف ثغرا
جفاني إذن يرمي إلى الليل مؤنسيوأضحت يمني من مكارمها صفرا
ولكنني استشعرت ثوب استكانة وبت كأن الموت يحفر لي قبرا
ومما يستحسن لأبي الهول قوله في الغزل: وواحدة الجمال بلا شريك لها صفة تتيه على الصفات
لها خلقان من ملق وتيه هما زفا الحياة إلى الممات
وقلب لا يجيب إذا دعونا وطرف يستجيب لنا مواتي
وأحيانا تموتني بصد فينشرني التلاحظ بالغداة
دعي ذكر الصلاة فإن ذكري لوجهك بالصلاة لها قراتي
أصلي ساهياً بك لست أدري إذا صليت كم كانت صلاتي
دهيت على المشيب بحب ريم يحاذر ظله حلك الفلاة
ومما يستحسن له قوله في الغزل: إن أنل منكم ثلاث خصال كنت لو نلتها بأحسن حال
لا لماماً ولا لثاماً ولا وع داً وإن لم تفز لنا بوصال
وأنا العاشق لمتيم المش غوف والمستهام أخرى الليالي
يا مهني هناك جسم صحيح قد براني هواك بري الخلال
لو حملن الجبال عشر الذي بي من هواكم لأيقنت بزوال
ربما تجزع النفوس من الأم ر له فرجة كحل العقال
ومما يروى له قوله في بعض البرامكة: أصبحت محتاجاَ إلى الضرب في طلبي المعروف من كلب
قد وقح السب له وجهه فصار لا ينحاش للسبّ
وأبو الهول من المحدثين المجيدين المشهورين.

أخبار نصيب الأصغر
ويعرف أبي الحجناء.
حدثني عبد الأعلى ين عبد الله الأسدي قال: حدثني الهلالي- وكان صديقاً لأبي الحجناء الشاعر- قال: كان الرشيد ولاه بعض كور الشام، وكان أسود، قال الهلالي: فأفاد من ذلك مالاً جزيلاً وكان الرشيد يقدمه على أكثر شعرائه، وكذلك الفضل بن يحيى، وكانت صلات البرامكة لا تنقطع عنه البتة. قال الهلالي: قلت يوماً للأصمعي: ما تقول في شعر الأسود? قال: هو في عصرنا هذا أشعر من عبد الحسحاس في عصره. قلتك فأين شعره من شعر نصيب? قال: فما في قرن واحد، لأن نمطهما واحد وكان ذاك متقدم الزمان وهذا محدث.
ومما رويناه له واخترناه كلمته في إسحاق بن الصباح الكندي: كأن ابن صباح وكندة حوله إذا ما بدا بدر توسط أنجما
على أن في البدر المحاق وأنه تمام فما يزداد إلا تتمما
ترى المنبر الشرقي يهتز تحته إذا ما علا أعواده وتكلما
فأنت ابن خير الناس إلا نبوة ومن قبلها كنت السنام المقدما
وهي طويلة جيدة.
ومما يختار له أيضاً من شعره كلمته التي طارت له في الآفاق. وقد صارت أبيات من هذه القصيدة فاكهة أهل الأدب، ونقل الملوك في مجالسهم، لجوده الألفاظ والمعاني التي أوردها، وفيها يقول: عند الملوك مضرة ومنافع وأرى البرامك لا تضر، وتنفع
إن العروق إذا استسر بها الثرى أشر النبات بها وطاب المزرع

الصفحة : 45

وإذا جهلت من امرئ أعراقه وقديمه فانظر إلى ما يصنع
وهي طويلة جيدة. وكان الفضل بن يحيى يقول للشعراء: إذا قلتم قولوا مثل هذه الأبيات. وإذا مدحتم فامدحوا بمثل هذا الشعر.
ومما يستحسن قوله يعاتب: أراني إذا استمطرت منك سحابة لترويني كانت عجاجاً وسافيا
إذا قلت ظلتني سماؤك، يا منت شآبيبها أو ياسرت عن شماليا
فلا ترج منّي أن تنال مودتي إذا كنت عنيّ بالكرامة جافيا
لقد كنت أسعى في هواك، وأبتغي رضاك، وأرجو منك ما لست لاقيا
وشيبتي أن لا تزال ملمة تقصر عنيّ أو تحل ورائيا
أتجعل فوقي من يقصر رأيه ومن ليس يغني عنك مثل غنائيا
كلانا غنيّ عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا
وأدليت دلوي في دلاء كثيرة فأين ملاء غير دلوي كما هيا
ومما سار في الدنيا قوله في وصف الناقة، وقد أفرط وتجاوز الحد في بيته هذا: هي الريح ما خلتها غير أنها تبيت غوادي الريح حيث تقيل
وهو القائل أيضاً: لقد سامني طرفي وقد ضر نفسه وأظهر ما أكننت بين الجوانح
فلم أستطع سيراً لما بي من الهوى ولم يخف ما أضمرت والقلب فاضحى
فيا بؤس من نتأى عن الإلف داره ويا بؤس من في القلب كالمتنازح
وأزداد شوقاً حين أدنو توجساً لغاد بوشك البين منك ورائح
وكان أبو الحجناء يجيد الغزل والمدح والهجو والوصف، ولا يقصر في شيء من ذلك. وهو مخصوص ببني برمك. كانوا يتبجحون به ويقدمونه، واشترى له الفضل داراً تقارب داره بألف دينار. وأشترى له ضيعة تغل غلة كثيرة، وكانوا يجرون عليه يعاشرونه. وكذا كانت عادة آل برمك فيمن يتصل بهم رحمهم الله فما خلفوا بعدهم من شق غبارهم في الجود والكرم والبر والعطاء والإحسان توفي بعد التسعين والمائة.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 07:38 AM   المشاركة رقم: 15
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

??أخبار ربيعة الرقيّ
حدَّثني إسماعيل بن عبد الله بن مكرم قال: قال المدائني: امتدح ربيعة العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب بقصيدته، وهي قصيدة نادرة جيدة يقول فيها: لو قيل للعباس يا ابن محمد قل لا وأنت مخلد ما قالها
ما إن أعد من المكارم خصلة إلا وجدتك عمها أو خالها
وإذا الملوك تسايروا في بلدة كانوا كواكبها وكنت هلالها
إن المكارم لم تزل معقولة حتى حللت براحتيك عقالها
وكان العباس بخيلاً. فبعث إليه بدينارين- وكان أمل أن يأخذ منه ألفين- فلما وصل إليه ذلك كاد يجن: واغتاظ غيظاً شديداً، وقال للرسول: خذ الدينارين فقد وهبتهما لك، على أن تحمل رقعتي إليه، فتجعلها في دواته من حيث لا يعلم ذلك. فقال له: أفعل. فأخذ الرقعة وكتب فيها: مدحتك مدحة السيف المحلى لتجري في الكرام كما جريت
فهبها مدحة ذهبت ضياعاً كذبت عليك فيها واعتديت

الصفحة : 46

ففعل الرسول ذلك، فلما وقف العباس على البيتين غضب، وقام من وقته إلى الرشيد فدخل عليه، وكان عم أبيه، وقد كان هم الرشيد أن يتزوج ابنته، وكان له مكرماً مبجلاً، فرأى الرشيد التغير في وجهه فقال: يا عم، ما شأنك? قال: يا أمير المؤمنين هذا ربيعة الرقي قد هجاني. فقال الرشيد: ويلي على ابن اللخناء، يهجو عمي وأعز الناس عليّ? وأمر بإحضاره، فأحضر والرشيد يتميز غيظاً عليه، فقال له: يا ابن اللخناء أعليّ تجترئ? لقد كان إذن ضرب عنقك. فقال: يا أمير المؤمنين اسمع قصتي معه، فإن وجدت عذراً، وإلا فافعل ما هممت به وأنت من دمي في حل وسعة، ثم أنشده مدحته فيه وقال: يا أمير المؤمنين كيف تراها? قال: ما مدح الخلفاء بمثلها حسناً. فقال: يا أمير المؤمنين إنه وصلني عنها بدينارين، فوهبتهما لرسوله وكتبت إليه البيتين. فلما سمع الرشيد ذلك خجل وأطرق، وأحب أن يتأمل القصيدة فقال: ائتني بها. فاستحى العباس وعلم أنه أخطأ، فقال له الرشيد: سألتك بحقي إلا جئتني بها، فأمر غلامه بحملها إليه فتأملها وأعجب بها وقال العباس. أحقاً أن ك أثبته عليها بدينارين? فسكت، فقال لربيعة: ويحك يا رقيّ أصدقني. فقال: يا أمير المؤمنين وحياتك إنه وصلني بدينارين وإني وهبتهما لغلامه. فنظر إلى العباس نظراً منكراً وقال: سوءاً لك، فضحت نفسك وأسلافك. فاستحيا العباس ولم يحر جواباً. فأمر الرشيد لربيعة بثلاثين ألف درهم، وجعله نديماً، وخلع عليه فأعطاه حلتين، فلما أراد الخروج قال له: يا ربيعة. قال: لبيك يا أمير المؤمنين قال: إياك أن تذكره بعدها في شعرك.
ومما سار له في الآفاق، وصار مثلاً، قوله يمدح يزيد بن حاتم ويهجو يزيد بن أسلم السلمي: لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد بن سليم الأغر ابن حاتم
يزيد سليم سالم المال والفتى أخو الأزد للأموال غير مسالم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ولكنني فضلت أهل المكارم
فأما شعره في الغزل فإنه يفضل على أشعار هؤلاء من أهل زمانه جميعاً، وعلى كثير ممن قبله، وما أجد أطبع ولا أصح غزلاً من ربيعة، وهو القائل: أنا للرحمن عاصي لجنوني برخاص
ثم للناس جميعاً من أدان وأقاصي
ورخاص الكرخ ظبي لم أنل منه افتراصي
ولقد طال بأبوا ب الخريمي اقتصاصي
طمعاً في صيد ظبي ذي شماس ملاص
صيده أعمر من صي د الضواري والقلاص
يا رخاصاً يا رخاص الك رخ يا ذات العقاص
والثنايا الغر كالبر ق تلالا في النشاص
ثم ردف كنقا الرم ل وأحشاء خماص
ما أبالي من لحاني فيك أو رام انتقاصي
ولقد عذبت روحي فمتى منك خلاصي
فاتقي الرحمن فينا واحذري يوم القصاص
مشهداً يؤخذ بالأق دام فيه والنواصي
ونديم أريحي واضح الوجه معاصي
قرشي من بني عب د مناف في العناصي
سائلي عن شعراء الن اس هل غاصوا مغاصي
قلت شعراً ينزل الأع صم من رأس الصاصي
والغواني مغويات مولعات باقتناصي
قد تواصين بحبي حبذا ذاك التواصي
باذل في الخير لا ين ظر منه في ارتخاص
مهلك الأموال في الل ذات مخشيّ القصاص
قد سقتني وسقته قينة ذات عقاص
قي أباريق لجين لا أباريق رصاص
ولدينا أدكن الجل دة كالزنجي شاصي
ذاك من معصية الل ه وهمّي في المعاصي
فهذا يستحسن له قوله: صاح إني غير صاحي أبداً من حب داح
صار قدحاً حب داح في فؤادي المستباح
جنح القلب إليها إن قلبي ذو جناح

الصفحة : 47

وعصى في حب داح كل لوام ولاحي
ليت لي رسلاً من الج ن إليها والرياح
تبلغ الحاجات عني ثم بالنجاح
داح حب نصر آح من حبك آح
أنا والله قتيل لك من غير جراح
لا بسيف قتلني لا ولا سمر الرماح
أنت للناس قتول بالهوى لا بالسلاح
وبشك وبدل وبغنج ومزاح
وبعينين صيودي ن وثغر كالأقاحي
ليتني كنت حماما لك مقصوص الجناح
أيها الناس ذروني لست من أهل الفلاح
أنا إنسان معنى بهوى المرج الصحاح
أنا زير للغواني وأخو لهو وراح
غير أني لست أغشى أبداً باب السفاح
إن ربع ابن نصير معدن البيض الملاح
فيه داح ولما في حب داح من جناح
وفتاة غير داح ذات لهو ومزاح
قد تجشمت إليها هول ليل ونباح
فخلونا بفتاة غادة غرثى الوشاح
فلبست العكن البيض من الخود الرداح
ثم لما صاح ديك قبل إبان الصباح
قلت: صح يا ديك ألفاً ليس ذا وقت البراح
أو أرى الصبح وإن كا ن لفي الصبح افتضاحي
وهذا أطبع ما يكون من الشعر وأسهل ما يكون من الكلام.
ومما يستملح له قوله: أعثمة أطلقي العلق الرهينا بعيشك وارحمي الصب الحزينا
ربيعة مغرم بك مستهام يحن إليك من شوق حنينا
تعرض زائراً لك فارحميه فقد أورثت زائرك الجنونا
رآك وأنت مقبلة فلما رأتك العين هجت لنا فتونا
وقمت تأودين وعهد عيني بحسنك في الحزون تأودينا
فلما أن رآك الناس قالوا تعالى الله رب العالمينا
بدت منك الروادف مشرفات روادف لم تدع للناس دينا
وقد أعطاك ربك فاشكريه جمالاً فوق وصف الواصفينا
فما الشمس المضيئة يوم دجنٍ بأحسن منك يوم تبذلينا
إذا أقبلت رعت الناس حسناً وأن أدبرت قيدت العيونا
فلو أن الملوك رأوك يوماً لخروا من جمالك ساجدينا
ولو أن النساء ملكن أمراً لكنت إذن أمير المؤمنينا
لقد أعطيت أردافاً ونقالاً وقد حملت ما لا تحملينا
إذا رمت القيام تخال دعصاً يمانعك القيام فتقعدينا
إذا صليت ثم سجدت قلنا ألا يا ليتها سجدت سنينا
ومما يستملح له قوله- وإن كان شعره كله مليحاً عذباً مطبوعاً جيداً هينا-: حمامة بلى عني سلاما حبيباً لا أطيق له كلاماً
وقولي للتي غضبت علينا علام وفيم يا سكني علاما
أفي هجران بينك تصرميني وما رمنا لصرمكم صراما
ولم أهجرك مقلية ولكن حللت عراقكم وحللت شاما
عديني أن أزورك إن داري ودارك لا أرى لهما التياما
وإن جميع أهلك عنفوني ولاموني ولم أطق الملاما
كرام الناس قبلي قد أحبوا كرائمهم وأحببن الكراما
جميل والكثير قد أحبا وعروة من هوى لاقى حماما
هم سنوا الهوى والحب قبلي وما ألفي لهم في الناس ذاما
فيا غنام يا بصري وسمعي رسيس هواك أورثني سقاما
لقد أقصدت حين رميتِ قلبيبسهم الحب إن له سهاما
زجرت القلب عنك فلم يطعني ويأبى في الهوى إلا اعتزاما
إذا ما قلت أقصر واسل عنها أبى من صرمكم إلا انهزاما
ولولا فتنتي بك فاعلميهاإذا صلى ربيعة ثم صاما

الصفحة : 48

أقام الحب حبك في فؤادي وحبي في فؤادك قد أقاما
كلانا وامق كلف معنى بصاحبه وما يبغي حراما
أحب حديثها وتحب قربي وما إن نلتقي إلا لماما
فيا ليت النهار يكون ليلاً وليت الصبح لا يجلو الظلاما
ويا ليت الحمام مسخرات لنرسل في رسائلنا الحماما
لعل حمامة تهدي إلينا كتاباً منك نجعله إماما
وتبلغك المحبة من محب أحبك قلبك قلبه يفعاً غلاما
وما ذنبي وحبك هاج هذا ولو ترك القطا لغفا وناما
ولو أبصرت غنمة ذات يوم وقد سفرت وأحدرت اللثاما
ينوط وشاحها بقضيب بانٍ ويكسو مرطها دعصاً ركاما
إذا ابتسمت حسبت الثغر منها تألق بارقٍ يجلو الظلاما
جلت ببشامة برداً عذابا كأن عليه مسكا أو مداما
فلم تزد البشامة فاكِ طيبا ولكن أنت طيبت البشاما
وما أدماء جؤذرها تراعى وتدنو حين يُسمعها بغاما
بأحسن منك يوم رحت عنا وقد بلَّتْ مدامعك اللثاما
وتحتك بغلة زينت برحل مواشكة تنازعك اللجاما
وكل الحب لغو غير حبي فقد أردى الحشا وبرى العظاما
ومما يستملح له ويروي بكل أرض عند الخواص- لأن شعر ربيعة لم يكثر في أيدي العوام- قوله: أعلل نفسي منك بالوعد والمنى فهلاّ بيأس منك قلبي أُعللُ
وموعدك الشهد المصفى حلاوةً ودون نجاز الوعد صاب وحنظل
وأمنح طرف العين غيرك رقبةً حذار العدا والطرف نحوك أميل
لكيما يقول الناس: إن أمراً رمى ربيعة في ليلى بسوء لمبطلُ
لقد كذب الواشون بغياً عليهما وما منهما إلا بريء معقل
فلو كنت ذا عقل لأجمعت صرمكم برأيي ولكني امرو لست أعقل
وكيف بصبر القلب لا كيف عنكموباب فؤادي دون صرمك مقفل
ومن أين لا من أين يحرم قتلكموقتلى لكم يا أم ليلى محلل
أغرك أن لا صبر لي في طلابكم وأن ليس لي إلا عليك معول
ولما تبينت الذي بي من الهوى وأيقنت أني عنك لا أتحول
ظلمت كذئب السوء إذ قال مرةً لسخل رأى والذئب غرثان مرمل
أأنت الذي في غير جرم شتمتني? فقال: متى ذا? قال: ذا عام أول
فقال وُلدت العام بل رمت غدرة فدونك كُلني لا هنا لك مأكل
أتبكين من قتلي وأنتِ قتلتني بحبك قتلاً بينا ليس يُشكل
فأنت كذباح العصافير دائباً وعيناه من وجد عليهن تهمُلُ
فلو كان من رأفٍ بهن ورحمة لكف يداً ليست من الذبح تعطلُ
فلا تنظري ما تهمل العين وانظري إلى الكف ماذا بالعصافير تفعل
فهذا كما ترى لا يسمع مثله لشاعر رقةً وغزلاً.
ومما يستملح له قوله: دست سعاد رسولاً غير متهم وصيفة فأتت إتيان مُنْكتم
جاء الرسول بقرطاس بخاتمه وفي الصحيفة سحر خُطَّ بالقلم
فيه فتون هوى لت تغيبه على الجهول وما يخفى على الفهم
وقد فهمتُ الذي أخفت فقلت لها بُوحي بلا ونعم من بين الكليم
قالت: تعال إذا ما شئت مستتراً والحكم حكمك يا رقي فاحتكم
أقدم ربيعة في رحب وفي سعة في غير قمراء، والظلماء فاغتنم
فزرتها واقعاً طرفي على قدمي وقد تلبستُ جلبابين من ظُلَم
فكان ما كان لم يعلم به أحد وما جرحتُ وما عللت بالحرم
زارتها واقعاً طرفي على قدمي وقد تلبست جلبابين من ظلم

الصفحة : 49

فكان ما كان لم يعلم به أحد وما جرحتُ وما عللت بالحرم
زارتك سعدى وسعدى منك نازحة فأرقتك وما زارتك من أمم
أهلاً بطيفك يا سعدى الملم بنا طيف يسير بلا نجم ولا علم
أنت الضجيع إذا ما نمتُ في حلميوالنجم أنت إذا ما العين لم تنم
ما أكذب العين والأحلام قاطبةً أصادق مرة في وصلها حلمي
قولي: نعم، إنها إن قلت نافعةٌ ليست عسى، وعسى صبر إلى نعم
أنعمت نعمى علينا لست أُنكرها حتى أغيّب في ملحودة الرجم
قلبي سقيم وداء الحب أسقمه ولو أردتِ شفيت القلب من سقم
قالت: فؤادك بين البيض مُقتسم ما حاجتي في فؤاد منك مُقتسم
أنت الملولُ الذي استبدلت بي بدلاً قصّرت بي وشريت اللؤم بالكرم
قد كنت أقسمتُ أني من هواك فما بيني وبينك يا رقي من رحم
يا ليت من لامنا في الحب جربه فلو يذوق الذي قد ذقت لم يلُم
الحب داءٌ عياء لا دواء له إلا نسيمُ حبيب طيب النسم
أو قبلة من فم نِيلَتْ مخالسة وما حرامٌ فمٌ ألصقته بفم
هذا حرام لمن قد عده لَمماً ولن يعذبنا الرحمن باللمم
هام الفؤاد بسعدي من ضلالته يا ليت قلبي بكم يا سعد لم يهم
أنت التي أورثت قلبي مودتها داء دخيلاً وشوقاً غير مُنصرم
خُلقتِ من مسكة والناس خَلْقُهُمُ من لازب الطين من صلصاله القَتِمِ
ما صوَّر الله إنساناً كصورتكم من بعد يوسف في عُرْبٍ ولا عجم
أعلاك من صعدةٍ سمرا مقومة والمِرط فوق كثيب منك مُرْتكمِ
وأنت جنةُ ريحان لها أرجٌ أو روضة نضحت بالوبل والديمِ
أو بيضة في نَقاً أو درة خرجت من زاخر مزبدِ الآذى ملتطم
لاقيت عند استلام الركن غانية غراء واضحة الخدين كالصنم
مرتجة الردف مهضوم شواكلُها تمشي الهوينا كمشي الشارب الثلمِ
تقول قيناتها، والردف يقعدها من خلفها: قد أتيت الركن فاستلمي
فاستلمتْ ثم قامت ساعة فدعتْ فقمت أدعو ولولا تلك لم أقم
حتى إذا انصرفت سلمت فالتفتت فقلت: إنك من همي ومن سدمي
قالت: ومن أنت? قلن التابعات لها هذا ربيعة هذا فتنة الأمم
هذا المعنى الذي كانت مناسبه تأتيك فاستتري بالبرد والقتم
شيطان أمته لاقاك محرمة فبالإله من الشيطان فاعتصمي
قالت: أعوذ بربي منك واستترت بغادة رخصة الأطراف كالعنم
قلت: الذمام وعهد الله خنت به لا عهد للغادر الختار للذمم
ألم تقولي: نعم? قالت: بلى. وهماً مني وهل يُؤخذ الإنسان بالوهم
تبنا وصمنا وصلينا لخالقنا ولم تتب أنت من ذنب ولم تصم
فلمت نفسي على بذلي لها مِقَتي وبخلها وقرعت السن من ندم
فابعد الله إنساناً وأسحقه أدام وُداً لإنسان ولم يُدمِ
ومما يستحسن له قوله: خليلي هذا ربع ليلي فقيدا بعيريكما ثم أبكيا وتجلدا
قفا أسعداني بارك الله فيكما وإن أنتما لم تفعلا ذاك فاقعدا
وإلا فسيرا واتركاني وعولتي أقل لجنابي دمنة الدار أسعدا
فقالا وقد طال الثوى عليهما: لعلك أن تنسى وأن تتجلدا
فسر عنك فد عنيتنا وحبستنا على دمن الأطلال يوماً مطردا

الصفحة : 50

يلوم على ليلى خليلي سفاهة وما كنت أهلاً في الهوى أن أفندا
لعمري أي ليلى شطت النوى بليلي لقد صادت فؤادي معمدا
قتول بعينيها صيود بدلها وما تقتل الفتيان إلا تعمدا
ألا حبذا ليلى وأترابها الألى وعدنك من ليلى ومنهن موعدا
فأقبلن من شتىً ثلاثاً وأربعا وثنتين يمشين الهوينا تأودا
يطأن مروط الخز يلحقها الحما ويسحبن بالأعطاف ريطاً معمدا
فلما التقينا قلن أهلاً ومرحبا تبوأ لنا بالأبطح السهل مقعدا
ومما يختار لربيعة قوله: يا غنم ردي فؤاد الهائم الكمد من قبل أن تطلبي بالعقل والقود
تيمتني بدلال منك يقتلني وقد رميت فما أخطأت عن كبدي
إن تقتليني كذا ظلماً بلا ترة فلست فائتة قومي بني أسد
أما الفؤاد فشيء قد ذهبت به فما يضرك ألا تسقمي جسدي
أنت الهوى ومنى نفسي ومتعتها أقول ذاك ولا أخفيه عن أحد
نلت الجمال ودلاً رائعاً حسناً فما تسمين إلا ظبية البلد
وأنت طيبة في القيظ باردة وفي الشتاء سخون ليلة الصرد
تسقي الضجيع رضابا من مقبلها من بارد واضح الأنياب كالبرد
يا ليتني قبل موتي قد خلوت بها على الحشية بين السجف والنضد
قد وسدتني اليد اليمنى ويارقها ودملج العضد اليسرى على عضد
في كل يوم لنا إلمامة بكم وليت دارك من داري على صدد

أخبار علي بن جبلة ويعرف بالعكوك
حدَّثني محمد بن يزيد المبرد قال: أخبرني علي بن القاسم قال: قال علي بن جبلة: زرت أبا دلف، وكنت لا أدخل عليه إلا تلقاني ببشره، ولا أخرج من عنده إلا أتبعني ببره، فلما كثر ذلك هجرته أياماً حياء منه، فبعث إلي أخاه معقلاً فقال: يقول لك الأمير: لم هجرتنا وقعدت عنا? إن كنت رأيت تقصيراً فيما مضى فاعذرنا فإنا نتلافاه فيما استقبل، وأزيد فيما تحب من برك، فكتبت معه إلى أبي دلف بهذه الأبيات: هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
ولكنني لما أتيتك زائراً وأفرطت في بري عجزت عن الشكر
قم الآن لا آتيك إلا مسلماً أزورك في الشهرين يوماً أو الشهر
فإن زدتني براً تزيدت جفوة فلا نلتقي طول الحياة إلى الحشر
قال: فلما نظر فيها معقل استحسنها- وكان أديباً شاعراً. يقدم في الأدب على أبي دلف- فقال لي: جودت والله أحسنت. أما إن الأمير سيعجب بهذه المعاني، فلما أوصلها إلى أبي دلف استحسنها وكتب إليّ: ألا رب ضيف طارق قد بسطته وآنسته قبل الضيافة بالبشر
أتاني يرجيني فما حال دونه ودون القرى والعرف من نائلي ستري
فلم أعد أن أدنيته وابتدأته ببشر وإكرام وبر على بر
وزودته مالاً يرجى نفاده وزودني مدحاً يقيم على الدهر
ووجه إليّ الأبيات مع وصيف وألف دينار، وذلك حيث يقول علي بن جبلة في قصيدته الغراء، التي سارت في العرب والعجم، وهي التي يقول فيها: إنما الدنيا أبو دلف بين باديه ومحتضره
فإذا ولي أبو دلف ولت الدنيا على أثره
حدثني ابن أبي جرير بن جبلة قال: كل من في الأرض من عرب بين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمة يكتسيها يوم مفتخره
إنما الدنيا أبو دلف بين باديه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ولت الدنيا على أثره
استشاط من ذلك وغضب وقال: ويلي على ابن الفاعلة يزعم أنا لا نعرف مكرمة إلا مستعارة من أبي دلف، وطلبه فهرب إلى الجزيرة. فكتب في طلبه وأخذه، فحمل إليه، فلما صار بين يديه قال: يا ابن اللخناء، أنت القائل للقاسم بن عيسى:

الصفحة : 51

كل من في الأرض من عرب بين باديه ومحتضره
مستعير منك مكرمة يكتسيها يوم مفتخره
فقال: يا أمير المؤمنين، عنيت أشكال قاسم وأشباهه من الناس، فأما أنتم فقد أتاكم الله بالفضل عن سائر عباده، لأنه اختصكم بالفضل والنبوة والكتاب والحكمة، وجمع لكم إلى ذلك الخلافة والصلاة والملك. وما زال يستعطفه حتى عفا عنه.
وقال بعض الرواة- منهم ابن أبي فنن-: بل قتله. وذلك أنه قال: أما إني لا أستحل دمك بهذا القول. ولكن أستحله بكفرك وجرأتك على الله، إذ تقول في عبد مهين، تسوي بينه وبين رب العالمين، حين تقول: أنت الذي تنزل الأيام منزلها وتنقل الدهر من حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحد إلا قضيت بأرزاق وآجال
قال: فأمر فأخرج لسانه من قفاه، ثم قتله. والأولى عندنا أثبت، إنما مات علي بن جبلة حتف أنفه. والقصيدة هذه: ذاد ورد الغي عن صدره فارعوى، واللهو من وطره
وأبت إلا الوقار له ضحكات الشيب في شعره
ندمي إن الشباب مضى لم أبلغه مدى أشره
انقضت أيامه سلما لم أهج حربا على غيره
حسرت عني بشاشته وذوي اليانع من ثمره
وصغت أذني لزاجرها ولما تشجي لمزدجره
إذ يدي تعصي بقوتها لا ترى ثأراً لمثئره
والصبا سرح أطيف به فأصيب الأنس من نفره
ترعوي باسمي مسارحه ويلي ليلى بنو سمره
وغيور دون حوزته حزت خلف الأمن من حذره
ودم أهدرت من رشإ لم يرد عقلاً على هدره
بات يدني لي مقاتله ويفديني على نفره
فأتت دون الصبا هنةٌ قلبت فوقي على وتره
جارنا ليس الشباب لمن راح محنياً على كبره
ذهبت أشياء كنت لها صارفاً حلمي إلى صوره
طرقت تلحى فقلت لها مذهب ما أنت من سوره
قدك من موف على أمل تحسر الأبصار عن نظره
إن من دون الغني جبلاً ستكوس العيس في وعره
يتناصلن السرى قذفاً قد كساها الميس من قتره
كم دجى ليل عسفن به يبتعثن الصبح من كسره
يتفرى عن مناسمها كتفري النار عن شرره
دع جدا قحطان أو مضر في يمانيه وفي مضره
وامتدح من وائل رجلاً عصر الآفاق من عصره
المنايا في مناقبه والعطايا في ذرا حجره
هضم الدنيا بنائله وأقال الدين من عثره
ملك تندى أنامله كابتسام الروض عن زهره
مستهل عن مواهبه كانبلاج النوء عن مطره
عقد الجد الأمور به حين لم ينهض بمتعره
فكفاها واستقل بها لم تصف وهناً قوي مرره
جبل عزت مناكبه أمنت عدنان في ثغره
إنما الدنيا أبو دلف بين معراه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ولت الدنيا على أًثره
لست أدري ما أقول له غير أن الأرض في خفره
يا دواء الأرض إن فسدت ومجير اليسر من عسره
رب ضافي الأمن في وزر قد أبت الخوف في وزره
وابن خوف في حشا خمر نشته بالأمن من خمره
وزحوف في مواكبه كصياح الحشر في أمره
قدته والموت مكتمن في مذاكيه ومشتجره
فغدا جيلوه عنه وقد طوت المنشور من بطره
زرته والخيل عابسة تحمل البوسي إلى عقره
خارجات تحت رايتها كخروج الطير من وكره

الصفحة : 52

فأبحت الليل عقوته وقريت الطير من جزره
وعلى النعمان صفوتها فأقمت الميل من صعره
غمط النعمان صفوتها فرددت الصفو في كدره
وبقرقور أدرت رحا وقعة فلت شبا أشره
وتأنيت البقاء له فأبى المحتوم من قدره
وطغى حتى رفعت له خطة شنعاء من ذكره
قال أحمد بن محمد المظفر: قال لي شيخ من بني عجل من آل أبي دلف: كان قرقور هذا صعلوكاً، يقطع حوالي عمل أبي دلف، وكان شجاعاً بطلاً، لا يقاومه أحد، وكان قطع على مال جليل كان حمل إلى أبي دلف من بعض النواحي، وقتل فرساناً كانوا مع ذلك المال، فطلبه أبو دلف فلم يقدر عليه، وذلك أنه لم يكن يقيم في موضع ينسب إليه أو يعرف به إنما كان يصبح بمكان، ويمسي بمكان غيره، فضلت فيه حيلة أبي دلف، وطال عليه أمره، وكان أكثر ما يقطع وحده، وليس معه غير غلامين، وخرج يوماً أبو دلف يتصيد. وانقطع عن أصحابه في وحش طرده، حتى دفع إلى ثنية جبل، فلم يشعر حتى أقبل قرقور على فرس جواد يخرق الأرض خرقاً، فلما نظر إليه أبو دلف سقط في يده، فإنه كان وحده وكان قرقور لا تقوم له فوارس مثل أبي دلف، وعلم أنه إن ولي عنه هلك، فحمل عليه أبو دلف ونادى: يا فتيان، اليمن اليمن. فظن قرقور أن معه خيلاً قد كمنوا له فدهش وولى هارباً، وأتبعه أبو دلف حتى وضع رمحه في ظهره، واعتمد عليه حتى أخرجه من صدره، ثم صرعه، ثم نزل إليه فاحتز رأسه، وأدخله الكرج على رأس رمح. فذلك قول علي بن جبلة: وطغى حتى رفعت له خطة شنعاء من ذكره
ويقال: إن رمحه حمل بين اثنين حتى أدخل الكرج.
ومن القصيدة: أيّ يوميك اعتزيت له استضاء المجد من قتره
لو رميت الدهر عن عرض ثلمت كفاك من حجره
صاغك الله أبا دلف صيغة في الخلق من خيره
كل من في الأرض من عرب بين باديه إلى حضره
مسعير منك مكرمة يكتسيها يوم مفتخره
وقد سارت هذه في أبي دلف مسير الشمس والريح، وأخذ منه بها مالاً جليلاً.
قال أبو العباس عبد الله بن المعتز: حدثني ابن رزين قال: ولد علي بن جبلة أعمى. وقال غيره: بل كف بصره وهو صبي. وحدثني أبو حفص البصري قال: لما امتدح علي بن جبلة حميدا الطوسي واستأذن فدخل عليه ينشده قال: وما عسيت أن تقول فينا? وهل بقيت لأحد مدحاً بعد قولك في أبي دلف.
إنما الدنيا أبو دلف بين معراه ومحتضره
فإذا ولي حميد فعلى الدنيا السلام
قال: فتبسم حميد ولم يقل شيئاً. وتعجب كل من حضر المجلس من جودة بديهته، لأنهم علموا أنه إنما قالهما على البديهة في ذلك الوقت، فأحسن حميد جائزته وأرغد له، وسار بيتاه في أبي دلف بين الخاصة والعامة، ولم يسر بيتاه في حميد حسب ذلك، وإنما يرويهما أهل الأدب وخاصة الناس وأهدى علي بن جبلة إلى حميد الطوسي في يوم نيروز- وأهدي الناس من فنون الهدايا ما بلغ خطراً عظيماً- هذه القصيدة، فسر بها حميد وقال: والله إنها أحب إلي من جميع ما أهدي إلى في هذا اليوم. وهي هذه: دمن الدار دثور ليس فيهن مجير
بليت منها المغاني مثل ما تبلى السطور
قسم البين عليه ن رواح وبكور
وليال ساجيات نام عنهن السمير
فطوت أخبيه الحي كما يطوي الحبير
فاستجر بهم فدوت من نوى البين جرور
وبعينيك حمول ال حي والبين الشطير
كذرا النخل أشاعت رهوها الريح الدبور
خلفت بالدار جور وغدت في الظعن حور
بدلا ما استبدل الدا ئر فيها والمدير
نفرٌ مستجفلات لم ترببها الخدور
وبما أعتسف العي س أسدى أنير
وأزور الكاعب الخو د تواريها الستور
إذ عيون الدار صور وإذ الجيرة خير

الصفحة : 53

اعذلي. إن سفاهاً من كبير لكبير
ألفت عينك عيني فأبى ذاك القتير
لم يدع لي ولأخدا نك ما يخشى الغيور
فارقدي ما وسنت عي نال، والنوم غزير
قلق الجسرة والرح ل عليها والضفور
وقران البيد بالبي د كما يلوي المرير
وقطاً نازعته المو رد والليل كفور
لم يذر في نواحي ه من الصبح ذرور
بنواج حز منهنّ النجاء المستطير
لحميد وحميد قمر الأرض المنير
قال أبو العباس: ما سمعت أحسن من هذا التخلص من النسيب إلى المدح مع جودة هذه المعاني: لو حمى الدنيا حميد لم يكن فيها فقير
ملك كلتا يديه بعطاياه درور
وكلا يوميه في الأر ض بشير ونذير
مستبد الشأو لا يب لغ مسعاه الفخور
إن من حاول في الأف ق اطلاعاً لحسير
وكفاه أنه يم تساميه البحور
أريحي منهب المال وبالسيف شتور
وركوب ثبح الخط ة يخشاها الجسور
ضمن الأرض حميد فهو للأرض خفير
بيد تنهل خلفي ن فتحيي وتبير
يغلق المال عليها وبها تشجي الدثور
صامتي فرع المج د وزكته النجور
فله الحمد المبدي وله الحمد الأخير
كدر الناس وصا في النيل ما فيه كدور
وعجول بعطايا وعلى الروع قتور
ما أعز الله جاراً بسواه يستجير
يا أبا غانم الغن م على من يستمير
وأبا الأمن إذا ضا قت من الخوف الصدور
بك ركن الأرض يرسو ورحي الملك يدور
أنت للملك نصير ولك الله نصير
رب ملتف السرايا غرة منك الغرور
أبطرته دعة النعم ة والعز النمير
قدته بالخيل قوداً يوم قيد الخيل زور
وخميس تقبض الأر ض له، ظل يسير
تصل البيض خطاه وقنا الخط شجير
ويناحي، فيه للمو ت أيامي تمور
مثل ما لفّ إليه قزع المزن الصبير
قد تركت الطير سا لمة وهو عقير
يستهل العلق الصا يل منه العتير
أنت للصبح ضياء ليس للصبح نكير
وإلى مجدك ينمي كل مجد ويحور
وندى كفيك بحرٌ منه تنشق البحور
كل ذي مجد طويل عند مسعاك قصير
وقليل من أيادي ك على الناس كثير
فابق ما عد من الده ر سنوه والشهور
ومما يستحسن لعلي بن جبلة في الغزل قوله: إني ليقنعني تعهد شكلة إن حال دون لقاء شكلة حائل
ويزيدني كلفاً بها هجرانها ويسرني عنها الحديث الباطل
وإذا تلكم عاذل في حبها أغرى الفؤاد به وزق العاذل
من أين امتحنت محاسن وجهها بهر العيون بها هلال مائل
شجيت خلاخلها بساق خدلة وشجيت عمداً بالذي هو قائل
ومما يختار لعلي بن جبلة قوله: أبيت فما تسعف وجرت فما تنصف
وتحلف لي بالهوى وتنكث ما تحلف
حبالك منحلة وودك مستطرف
وتهجرني واثقاً فثق فأنا المدنف
سأعطف من حيث لا تلين ولا تعطف

الصفحة : 54

وأسكت لا أشتكي وأعرف ما تعرف
تجاوزت أقصى المنى فخلقك لا يوصف
فما تحته مثقل وما فوقه أهيف
حميد أبو غانم له الشرف الأشرف
مكارمه تنتمي وأمواله تتلف
شحيح على عرضه وفي ماله مسرف
له كنف ضامن على الأرض من يكنف
وقحطان تبهى به وتبهي به خندف
وتضحي به طبيّ على غيرها تشرف
ومما يختار له قوله في حميد أيضاً: بطاعة الله طلت الناس كلهم ونصح هاد أمين الملك مأمون
حميد يا قاسم الدنيا بنائلة وسيفه بين أهل النكث والدين
أنت الزمان وقد يجري تصرفه على الأنام بتشديد وتليين
لو لم تكن كانت الأيام قد فنيت بالمكرمات ومات المجد مذ حين
طويت كل حشا منها على أمل إلى قرينة خوف منك مقرون
قال: وتكلم الناس في هذه الأبيات واستجهلوه لأنه جعل للمخلوق قدرة الخالق. إلا أنه قد ابتدأ فقال: بطاعة الله فعلت وصنعت. فكأنه أراد أنك بلغت بالله عز وجل ما بلغت. وهذا صحيح.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 07:44 AM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

أخبار عوف بن محلم الخزاعي
قال أبو عبد الله: هذا إنما هو من بني سعد، والشيباني غيره.
وكان صاحب أخبار ونوادر ومعرفة بأيام الناس، وكان طاهر بن الحسين ابن مصعب قد استخصه واختاره لمنادمته، فكان لا يفارقه في سفر ولا حضر، وكان إذا سافر فهو عديله يحادثه ويسامره، وإذا أقام فهو جليسه يذاكره العلم ويدارسه، وكان طاهراً أديباً شاعراً يحب الأدب وأهله. وكان لا ينفق عنده شيء من متعة الدنيا كما ينفق الأدب، وكان عوف من أهل حران. وقال قوم: من رأس العين. وأقام مع طاهر ثلاثين سنة لا يفارقه، حتى ليسأله كثيراً أن يأذن له في الإلمام بأهله والخروج إلى وطنه، فلا يجيبه إلى ذلك، وكان يعطيه الجزيل حتى كثرت أمواله، فلما مات طاهر ظن أنه قد تخلص، وأنه يلحق بأهله، ويتمتع بما قد اقتناه ببلده. فلوى عبد الله بن طاهر عليه يده، وتمسك به، وأنزله فوق منزله التي كانت من أبيه- وكان من آدب الناس وأعلمهم بأيام العرب وأجودهم قولاً للشعر- فعاد معه عوف إلى حاله التي كان عليها مع أبيه من الملازمة في الحضر والسفر، واجتهد في التخلص فلم يقدر على ذلك، حتى خروج عبد الله بن طاهر من العراق يريد خراسان، وعوف عديله في قبة يسامره ويحادثه. فلما شارفوا الري، وقد أدلجوا سحرة، إذا بقمري يغرد على سروة. بأشجى صوت وأرق نغمة، فالتفت عبد الله إلى عوف فقال: يا أبا ملحم، أما تسمع هذا الصوت? ما أرقه وأشجاه! قاتل الله أبا كبير الهذلي حيث يقول: ألا يا حمام الأيك فرخك حاضر وغصنك مياد ففيم تنوح
قال عوف: أحسن والله أبو كبير وأجاد أيها الأمير. كان في هذيل أربعون شاعراً مذكوراً محسناً سواء المتوسطين، وكان أبو كبير، من أظهرهم وأقدرهم على القول.
قال عبد الله: عزمت عليك إلا أجزت هذا البيت. قال عوف: أصلح الله الأمير، شيخ مسن وأحمل على البديهة، وعلى معارضة مثل أبي كبير، وهو من قد علمت? قال عبد الله: عزمت عليك وسألتك بحق طاهر إلا فعلت. فأنشأ يقول: أفي كل عام غربة ونزوح أما للنوى من ونية فتريح
لقد طلح البين المشت ركائبي فهل أرين البين وهو طليح
وأرقني بالري نوح حمامة فنحت وذو اللب الحزين ينوح
على أنها ناحت فلم تر عبرة ونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ومن دون أفراخي مهامه فيح
ألا يا حمام الأيك فرخك حاضر وغصنك مياد ففيم تنوح
عسى جود عبد الله أن يعكس النوى فتضحي عصا التسيار وهي طريح
فإن الغني يدني الفتى من صديقه وعدم الغني للمعسرين طروح

الصفحة : 55

فاستعبر عبد الله ورق له لما سمع من تشوقه إلى أهله وبلده، فقال: يا بن محلم ما أحسن ما تلطفت لحاجتك، واستأذنت في الرجوع إلى أهلك وولدك! وإني بك لضنين، وبقربك لشحيح، ولكن والله لا جاوزت مكانك هذا حتى ترجع إلى أهلك وولدك. وأمر له بثلاثين ألف ردهم نفقة، ورده إلى موضعه ذلك. وذلك حيث يقول: يا بن الذي دان له المشرقان وألبس الأمن به المغربان
إن الثمانين وبلغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وأبدلتني بالشطاط انحنا وكنت كالصعدة تحت السنان
وعوضتني من زماع الفتى وهمه هم الهجين الهدان
وهمت بالأوطان وجدا بها وبالغواني، أين من الغوان
فقرباني بأبي أنتمامن وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوة أوطانها حران فالرقمتان
سقى قصور الشادياخ الحيا من بعد عهدي وقصور الميان
فكم وكم من دعوة لي بها أن تتخطاها صروف الزمان
وهذه القصور التي ذكرها في شعره كلها بمرو ونيسابور، وهي مساكن آل طاهر، وكان عوف قد ألفها لكثرة غشيانه إياها، ومقامه معهم فيها، ولذلك يدعو لها. ثم ودع عبد الله وخرج من عنده على أيسر حال، فلما كان في بعض الطريق عاجلته منيته فلم يصل إلى أهله، واتصل الخبر بعبد الله فاشتد ذلك عليه وجزع له.
وفي عبد الله بن طاهر يقول عوف يمدحه: إليك فما حظي لغيري بصائر ولا أجلي إن حم عني بقاصر
أعف وأستغني وإني لمقتر فتستر عفاتي عليّ مفاقري
وإني ليأتيني الغنى غير ضارع فأدنو به من صاحبي ومجاوري
لساني وقلبي شاعران كلاهما ولكن وجهي مفحم غير شاعر
ولو كان وجهي شاعراً أكسب الغنى ولكن وجهي مثل وجه ابن طاهر
فتى يختشي أن يخدش الذم عرضه ولا يتقي حد السيوف البواتر
غليل وقد أوردت دلوي ببحره ولا عيب في ورد البحور الزواخر
وقال يذكر عبد الله وأجداده: بنو مصعب للملك في السلم زينة وفي الحرب دون الملك بيض بواتر
وحول رواق الملك من آل مصعب ليوث لأعناق الليوث هواصر
فما حال عن ود الخليفة طاهر ولا زال حتى غيبته المقابر
وخلف عبد الله للملك ناصراً وهل مثل عبد الله للملك ناصر
فتى لو أسرت نفسه كفر نعمة لحاربها حتى تصح الضمائر
ومما سار له في الدنيا قوله الطاهر، إذ وقف على الجسر وطاهر في حراقة ينحدر إلى دار السلطان، فقال عوف رافعاً صوته: عجبت لحراقة ابن الحس ين كيف تسير ولا تغرق
وبحران، من تحتها واحد وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانها وقد مسها كيف لا تورق
وكان عوف بن محلم سخيا على الطعام جداً، صاحب شراب ولهو وخلاعة، وكان له إخوان يتمتع بهم ومعهم، ويعاشرهم ويفضل عليهم، وكان الشعراء الأصاغر يقصدونه ويمدحونه، فيعطيهم ويصلهم، ويتوسلون به إلى طاهر فيشفع لهم ويخرج جوائزهم.

الصفحة : 56

وقدم مرة شاعر على عبد الله يقال له روح من البصرة، فامتدح عبد الله بقصيدة، ومدح عوفاً بأبيات، وقد أنزله عنده وأحسن إليه، فلما سمع عوف أبياته وجدها ضعيفة جداً، قال أنشدني ما قلت في الأمير- واستدل بما سمع على ضعف نمط الرجل- فأنشده. فقال: لا توصلها إليه، فإن الأمير بصير بالشعر، وهو يقول منه الجيد القوي، ومثل هذا الشعر لا يقع منه موقعاً ينفعك، ولكني أقول فيه مدحه، فانتحلها والقه بها. فأبى، وظن أنه يقول ذلك حسداً، وكان الرجل رقيعاً لا يفطن لعيب نفسه، فقال له: فشأنك إذن وما تريد. فأنشد روح قصيدته عبد الله، فقال له: بمثل هذا الشعر يلقى الأمراء والملوك? أيقبل مثل هذا حر? وردها عليه، فصار إلى عوف وشكا إليه، فقال له: ألم أنصحك? ألم أقل لك: إنه لا يقبل مثل هذا الشعر? فلما دخل عوف على عبد الله قال: ويحك يا أبا ملحم، أما سمعت شعر هذا القادم علينا فينا? قال عوف: بلى، أعز الله الأمير، قد سمعته ونصحت له فلم يقبل.
وفي ذلك يقول عوف: أنشدني روح مديحاً له فقلت: شعر? قال لي: فايش
فخلت لما أن بدا منشدا كأنني في قبة الخيش
فقلت: زدني وتغنمته والثلج في الصيف من العيش
ومما يستحسن لعوف ويختار له من شعره- على أنه كله مختار ليس فيه بيت ساقط. ولا ناقص- : وكنت إذا صخبت ديار قوم صحبتهم ونيتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم وأجتنب الإساءة إن أساءوا
وأبصر ما يريبهم بعين عليها من عيونهم غطاء
ومما يختار له قوله: وصغيرة علقتها كانت من الفتن الكبار
كالبدر إلا أنها تبقي على ضوء النهار
قالت غبار قد علا ك فقلت ذا غير الغبار
هذا الذي نقل الملو ك إلى القبور من الديار
يا هذه أرأيت لي لاً يستنير بلا نهار
قالت: ذهبت بحجتي عني بحسن الإعتذار
ومما يختار له أيضاً قوله: وليلتنا طابت وطاب بها الهوى إلى أن بدا أو كاد منسلخ الفجر
فما عدلتها ليلة ذات نعمة ولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفطر
إذا هي قيست بالليالي وجدتها يكاد يساوي فضلها ليلة القدر
تمليتها حتى الصباح بطفلة مصورة أبهى من الشمس والبدر
قتول بعينيها خلوب بدلها سلوب لألباب الرجال وما تدري
ومما يروى له ويستحسن قوله: سألت المحبين الذين تجشموا تباريح هذا الحب في سالف الدهر
فقلت لهم: ما يذهب الحب بعدما تنشب ما بين الجوانح والصدر
فقالوا: شفاء الحب حب تفيده لآخر أو نأى طويل على الهجر
أو اليأس حتى تذهل النفس بعد ما رجت طمعاً واليأس عون على الصبر
قعيدك من حب أمالك رحمة ولا بك عني من توان ولا فتر
وقتلتني حيناً وحيناً أعشتني فأفنيت عمري بالأمانة والنشر
ومما يستحسن له وهو من السائر المشهور له قوله: فما زالت الكأس تغتالها وتذهب بالأول الأول
إلى أن توافت صلاة العشاء ونحن من السكر لم نعقل
فمن كان يعرف حق النعيم وحق الجليس فلا يجهل
وما إن جرت بيننا مزحة تهيج مراء على السلسل
ومما يختار له أيضاً قوله: وإني لذو حلم على أن سورتي إذا هزني قوم حميت بها عرضي
وإن طلبوا ودي عطفت عليهم ولا خير فيمن لا يئول ولا يغضي
وما كل ذي غش يضرك غشه ولا كل من يؤتى كرامته يرضي
ومعترض في القول غربت قوله وقلت له ليس القضاء كما يقضي
ركبت به الأهوال حتى تركته بمنزل ضنك لا يكد ولا يمضي
وإني لأجزي بالكرامة أهلها وبالحقد حقداً في الشدائد والخفض

الصفحة : 57

ومما يختار له قوله: وإني لمن أحببت حبي دائم ولست بذي لونين أسود أبلق
مدوف يرى الخلان منه تظرفاً له خلق عند البلاء ممزق
يخالط إخواناً له بملاقة وثر الأخلاء الخئون المملق
وإني لأستحيي الصديق وأتقي وكل امرئ لا يتقي الدمم أحمق
ومما سار له قوله: ما ينزل الله بي أمراً فأكرهه إلا سينزل بي من بعده الفرجا
يا رب أمرين قد فرجت بينهما من بعد ما اشتبكا في الصدر واعتلجا

أخبار أبي نواس
حدثني علي بن حرب أخو محمد بن حرب بن خالد بن المهزم، قال: حدثني أخي محمد بن حرب- وكان بين الأخوين قريب من خمسين سنة- أن أبا نواس- واسمه الحسن بن هانئ، ويكنى أبا علي- ولد بالأهواز، بالقرب من الجبل المقطوع المعروف براهبان سنة تسع وثلاثين ومائة، ومات ببغداد سنة خمس وتسعين ومائة، وكان عمره خمساً وخمسين سنة، ودفن في مقابر الشونيزي في تل اليهود، ومات في بيت خمارة كان يألفها. وكانت أمه أهوازية يقال لها جلبان من بعض مدن الأهواز يقال لها نهر بيري وأبوه من جند مروان بن محمد، من أهل دمشق، مولى لآل الحكم بن الجراح من بني سعد العشيرة، وكان قدم الأهواز أيام مروان بن محمد لرباط الخيل، فتزوج جلبان فأولدها عدة، منهم أبو نواس وأخواه أبو محمد وأبو معاذ، وكان أبو معاذ يؤدب ولد فرج الرخجي، ومات والدهم هانئ، وأبو نواس صغير، فنقلته أمه إلى البصرة وهو ابن ست سنين، فأسلمته إلى الكتاب، فلما ترعرع خرج إلى الأهواز، فانقطع إلى والبة بن الحباب الشاعر، وكان والبة يومئذ مقيماً بالأهواز عند ابن عمه النجائي وهو واليها، فأدبه وخرجه. وكان أبو نواس وضيئاً صبيحاً. فعشقه والبة وأعجب به، وعُني بتأديبه حتى خرج منه ما خرج. ولما مات والبة لزم خلفاً الأحمر وكان خلف أشعر أهل وقته وأعلمهم، فحمل عنه علماً كثيراً وأدباً واسعاً، فخرج واحد زمانه في ذلك، وحدثني ناس عن أبي نواس أنه قال: ما ظنكم برجل لم يقل الشعر حتى روى دواوين ستين امرأة من العرب منهن الخنساء وليلى فما ظنكم بالرجال? وحدثت عن ابن مرزوق عن أبي هفان قال: كان أبو نواس آدب الناس وأعرفهم بكل شعر، وكان مطبوعاً، لا يستقصي، ولا يحلل شعره، ولا يقوم عليه، ويقوله على السُّكر كثيراً فشعره متفاوت، لذلك يوجد فيه ما هو في الثريا جودة وحسناً قوة، وما هو في الحضيض ضعفاً وركاكة، وكان مع كثرة أدبه وعلمه خليعاً ماجناً وفتي شاطراً، وهو في جميع ذلك حلو ظريف، وكان يسحر الناس لظرفه وحلاوته وكثرة ملحه، وكان أسخى الناس، لا يحفظ ماله ولا يمسكه، وكان شديد التعصب لقحطان علي عدنان، وله فيهم أشعار كثيرة، يمدحهم ويهجو أعداءهم، وكان يُتهم برأي الخوارج، فمما يروى له في تفضيل اليمن والافتخار بهم قوله: لست لدار عفت وغيرها ضربان من قطرها وحاصبها
وفي هذه القصيدة يقول: فنحن أرباب ناعط ولنا صنعاء والمسك في محاربها
ودان أذواؤنا البرية من معترها رغبة وراهبها
وكان منا الضحاك يعبده ال خابل والوحش في مسار بها
ونحن إذ فارس تُدافع به رام قسطنا على مرازبها
حتى جمعنا إليه مملكة يجتمع الطرف في مواكبها
وفاظ قابوس في سلاسلنا سنين سبعاً وفت لحاسبها
ويوم ساتيدما ضربنا بني ال أصفر والموت في كتائبها
فافخر بقحطان غير مكتئب فحاتم الجود من مناقبها
إذ لاذ برويز عند ذاك بنا والحرب تُمرى بكف حالبها
يذب عنه بنو قبيصة بال خطى والشهب من قواضبها
ولا ترى فارساً كفارسها إذ زالت الهام عن مناكبها
عمرو وقيس والأشتران وزي دُ الخيل أُسْدٌ لدى ملاعبها
واهج نزاراً وأفر جلدتها وهتك الستر عن مثالبها
واحبب قريشاً لحب أحمدها واشكر لها الجزل من مواهبها

الصفحة : 58

إن قريشاً إذا هي انتسبت كان لنا الشطر من مناسبها
فأم مهدي هاشم أم مو سى الخير منا فافخر وسامِ بها
بل مل إلى الصيد من أشاعثها والسادة الغر من مهالبها
أما تميم فغير راحضة ما شلشل العبد في شواربها
أول مجد لها وآخرهإن ذكر المجدُ قوس حاجيها
وقيس عيلان لا أريد لها من المخازي سوى مُحاربها
وإن أكل الأيور موبقها ومطلق من لسان عائبها
وما لبكر بن وائل عصم إلا بحمقائها وكاذبها
ولم تعف كلبها بنو أسد عبيدُ عيرانة وراكبها
وتغلب تندب الطلول ولم تثأر قتيلاً على ائبها
نيكتْ بأدنى المهور أختُهُمُ قسراً ولم يدم أنف خاطبها
وأصبحت قاسط وإخوتها تدّخر الفَسْوَ في حقائبها
قال المؤلف لهذا الكتاب عبد الله بن المعتز: أنشدني المبرد هذه القصيدة وفسر لي هذا التفسير: ناعط. أحد مخاليف اليمن. وقوله: ودان أذواؤنا، أي التبايعة ملوك حمير، مثل ذي يزن وذي كلاع وذي أصبح. وهكذا كثير في حمير، وتجمع على أذواء وذوين ومن ذلك قول الكميت: فلا أعني بذاكم أسفليكم لكني أريد به الذوينا
وأما قوله: دان أذواونا، فغنه يقال: فلان في دين فلان أي طاعته وقيل: لئن حللت بود في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدكُ
يعني طاعة عمرو. وأما قوله: وكان منا الضحاك. فإن الضحاك كان رجً بعيد الصوت، كثير العجائب، والعجم تدعيه، وذلك حق، وكان اسمه بالفارسية أزدها، ومعناه: الشين لأنه كان شريراً ردياً، فعربته العرب فقالت: الضحاك، وإما كانت أمه قحطانية، فادعته اليمن لذلك، والعرب تزعم والعجم أيضاً أن الجن كانت تطيعه وأن الوحش كانت تألفه وتأنس به، فذلك قوله: وكان منا الضحاك يعبده ال خابل والوحش في مساربها
يعني بالخابل الجن. وأما قوله: قسطنا على مرازبها، فإنه يقال: قسط، إذا جار. وأقسط: إذا عدل. وإما أراد بذلك قصة بهرام جور، واستعانته بالنعمان حد أبي النعمان الأصغر، حين زَوتِ الفرس عنه الملك لما مات أبوه، وولوا ابن عمه. وقصة ذلك تطول. وليس شرط كتابنا ذلك إذ قد قدمنا. وقوله: ضربنا بني الأصفر، هم الروم. وقوله: والحرب تمري، يشبهها كما تستدر الناقة والشاة إذا حُلبت ولهذا قصة كانت في أمر أبرويز وملك الروم يطول شرحها، وكان أبرويز استعان بإياس ابن قبيصة الطائي. وأما قوله: فحاتم الجود من مناقبها، يعني حاتماً الطائي وأما فرسانهم الذين ذكرهم فعمرو بن معدي كرب الزبيدي وقيس بن مكشوح المُرادي، والاشتران، فهما مالك بن الحارث الأشتر النخعي صاحب علي بن أبي طالب عليه السلام، وابنه إبراهيم بن الأشتر قاتل عبيد الله بن زياد. وقوله: زيد الخيل فإنه يعني به زيد الخيل الطائي ومهلهلاً أباه، وكانا سيدي قومهما، وأما قوله: وأفر جلدتها فإنه يقال في الفساد: أفريت، وفي الإصلاح: فريت. وقال بعضهم: في الشر والخير جميعاً فريت وأفريت. وأما قوله: فأم مهدي هاشم فإنه يعني أم موسى بنت منصور الحميرية، وهي أم المهدي بن المنصور أمير المؤمنين. وأما قوله الأشاعث فإنه من كندة وهم ولد الأشعث بن قيس ومنزلهم الكوفة. والمهالبة من العتيك ومحلهم البصرة أما قوله: أما تميم فغير راحضة ما شلشل العبد في شواربها
فإنه أراد أبا سُواج، وخبره مشهور مع صرد بن جمرة، وهو الذي يهجو به عمر بن لجا والأخطل جريراً وقومه. وقال ابن لجا: تُمسح يربوع سبالاً لئيمة بها من مني العبد رطب ويابسُ
فما ألبس الله امرأ فوق جلده من اللؤم إلا ما الكليبي لابسُ
عليهم ثياب اللوم لا يخلعونها سرابيل في أعناقهم وبرانسُ
وقال الأخطل حين عيره جرير بشرب الخمر: تعيب الخمر وهي شراب كسرى ويشرب قومك العجب العجيبا
مني العبد عبد أبي سواجٍ أحق من المدامة أن تعيبا

الصفحة : 59

وقوله: قوس حاجبها يعني . حاجب بن زرارة بن عُدس بن زيد، وكان دفع قوسه تذكرة بذمته إلى حشّ، وهو عامل كسرى على السواد وأطراف بوادي العبر، حين رعت بنو تميم ولفهم السواد، وضمن حاجبٌ لكسرى ألا يعيثوا ففي ذلك يقول حاجب: ربينا ابن ماء المزن وابني مُحرق إلى أن بدت منهم لحى وشواربُ
ثلاثة أملاك رُبُوا في حجورنا على مضر صلنا بهم لا التكاذُبُ
وأقسّم حش لا يسالم واحداً من الناس حتى يرهم القوس حاجب
وأما قوله: سوى محاربها، فإنه محارب بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر، وفيهم ضعة، والعرب تضرب بهم المثل، قال القطامي: فلما تنازعنا الحديث سألتها من الحي? قالت معشرٌ من محاربِ
من المشتوين القِد مما تراهم جياعاً وعيش الناس ليس بناضب
وأما قوله: وإن أكل الأيور مُوبقها، فهذا شيء يعاب به بنو فزارة، وذلك أن نفراً منهم كانوا في سفر، فجاعوا، وأخذوا غرمول حمارٍ فاشتووه وأكلوه.
وأما قوله: لم تعف كلبها بنو أسد. فإن للكلب أيضاً حديثاً مع بني أسد نحو حديث الأير مع بني فزارة، وأما قوله: وما لبكر بن وائل عصم إلا بحمقائها وكاذبها
فإنه يريد بالكاذب مسيلمة، وكان من بني حنيفة، والحمقاء هبنقة القيسي من بني قيس بن ثعلبة، وهو رجل منهم، كان يضرب المثل بحمقه، وإنما أراد بأحمقها لأن فعلاء لا يكون إلا للمؤنث. فمنعه الوزن فلحن وله مثل هذا التهجم كثير.
وأما قوله: وأصبحت قاسط وإخوتها تدخر الفَسْوَ في حقائبها
فإن إخوتها عبد القيس، وهي تُسَبُّ بالفساء، قال الشاعر: وعبد القيس مصفر لحاها كأن فُسَاءَها قِطع الضبابِ
ولهذا الخبر أيضاً حديث يطول، وهذا آخر تفسير هذه القصيدة.
وكان أبو نواس لشدة عصبيته لقحطان يقول في هذا المعنى كثيراً وهو القائل: إذا ما تميمي أتاك مفاخراً فقل: عد عن ذا كيف أكلك للضب
تفاخر أولد الملوك سفاهة وبولك يجري فوق ساقك والكعب
وهو القائل أيضاً: دع الأطلال تسفيها الجنوب وتبلي عهد جدتها الخطوبُ
وخل لراكب الوجناء أرضاً تخب بها النجيبة والنجيبُ
ولا تأخذ عن الأعراب لهواً ولا عيشاً فعيشهمُ جديبُ
دع الألبان يشربها رجالٌ رقيق العيش بيتهم غريبُ
بأرض نبتها عشرٌ وطلحٌ وأكثر صيدها كلب وذيبُ
إذا راب الحليب فبل عليه ولا تحرج فما في ذاك حُبُ
فأطيب منه صافيةٌ شَمولٌ يطوف بكأسها ساق لبيبُ
أعاذلتي خلا رُشدي قديماً فشقى الآن جيبك لا أتوب
فذاك العيش لا شجر البوادي وذاك العيش لا اللبن الحليب
فأين البدو من إيوان كسرى وأين من الميادين الزروب
تُعيرني الذنوب، وأي حُر من الفتيان ليس له ذنوب
ومما ذكر من خصال أبي نواس المحمودة، ما حدثني به أحمد بن أبي عامر قال: حدثني سلمان شحطة. قال: كان أبو نواس عالماً فقيهاً، عارفاً بالأحكام والفتيا، بصيراً بالاختلاف، صاحب حفظ. ونظر ومعرفة بطرق الحديث، يعرف ناسخ القرآن ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وقد تأدب بالبصرة، وهي يومئذ أكثر بلاد الله علماً وفقهاً وأدباً، وكان أحفظ لأشعار القدماء والمخضرمين وأوائل الإسلاميين والمحدثين.
وحدثني محمد بن أحمد القصار قال: حدثني يوسف بن الداية

الصفحة : 60

قال: قال لي أبو نواس: أحفظ. سبعمائة أرجوزة، وهي عزيزة في أيدي الناس، سوى المشهورة عندهم، وكان لزم بعد والبة بن الحباب خلفاً الأحمر، وكان خلف نسيج وحده في الشعر، فلما فرغ أبو نواس من إحكام هذه الفنون تفرغ للنوادر والمجون والمُلح، فحفظ منها شيئاً كثيراً حتى صار أغزر الناس، ثم أخذ في قول الشعر، فبرز على أقرانه، وبرع على أهل زمانه. ثم اتصل بالوزراء والأشراف، فجالسهم وعاشرهم، فتعلم منهم الظرف النظافة. فصار مثلاً في الناس، وأحبه الخاصة والعامة، وكان يهرب من الخلفاء والملوك بجهده ويلام على ذلك فيقول: إنما يصبر على مجالسة هؤلاء الفحول المنقطعون، الذين لا ينبعثون ولا ينطقون إلا بأمرهم، الله لكأني على النار إذا دخلت عليهم، حتى أنصرف إلى إخواني ومن أشاربه، ولأني إذا كنت عندهم فلا أملك من أمري شيئاً.
وحدثني إسماعيل بن حرب قال: أخبرني سعد بن خزيم قال: قال جعفر البرمكي لسعيد بن وهب: أين تأدب أبو نواس? قال: ببلد البصرة.
وحدثني أبو عمرو عن أبي دعامة قال: قال أبو عمرو الشيباني لولا ما أخذ فيه أبو نواس من الرفث لاحتججنا بشعره لنه مُحكم القول.
ومن أخبار أبي نواس مع أبانٍ اللاحقي ما حدثني به القاسم بن داوود قال: حدثني ابن أبي المنذر قال: كان اللاحقي شاعراً ظريفاً يمدح البرامكة، وكان مخصوصاً من بينهم بجعفر لا يكاد يفارقه، وكانت البرامكة، إذا أرادوا تفرقة مال على الشعراء ولوه ذلك، فأُمر له بمال يفرقه فيهم، وكان كثيراً له خطر، ففرقه وأمر لأبي نواس بدرهم ناقص، وأرسل إليه: إني قد أعطيت كل شاعر على قدره، وهذا مقدارك. فوجد عليه أبو نواس، فلما قال اللاحقي قصيدته الحائية التي يصف فيها نفسه ويلفق فيها عند جعفر بن يحيى وهي هذه القصيدة: أنا من حاجة الأمير وكنز من كنوز الأمير ذو أرباحِ
كاتب حاسب أديب خطيب ناصح راجح على النصاحِ
شاعر مفلق أخف من الري شة مما تكون تحت الجناح
لو رآني الأمير عاين مني شمريا كالجُلجل الصياح
لحية سبطة وأنف طويل واتقاد كشعلة المصباح
لسنت بالمفرط الطويل ولا بالمُ ستكن المجحدر الدحداح
أيمن الناس طائراً يوم صيد لغدوٍّ دُعيت أم لرواح
أبصر الناس بالجوارح والأكلُ ب والخرد الصباح الملاح
وبلغ أبا نواس هذه القصيدة فقال: والله لأعرفنه نفسه، وأنشأ يقول: إن أولى بخسة الحظ مني للمسمى بالجلجل الصياحِ
فبلوا منه حين غنى لديهم أخرس الصوت غير ذي إفصاح
ثم بالريش شبه النفس في الخف ة مما يكون تحت الجناح
فإذا الشم من شماريخ رضوى عنده خفة نوى السباح
لم يكن فيك غير شيئين مما قلت من بعد خلقك الدحداح
لحية سبطة وأنف طويل وهباء سواهما في الرياح
فيك ما يحمل الملوك على الخُر ق ويُزري بالسيد الجحجاح
فيك تيه وفيك عُجبٌ شديد وطماحٌ يفوق كل طماح
باردُ الطرف مظلم الكذب تيا هٌ معيد الحديث غث المُزاح
فلما انتهى الشعر إلى اللاحقي سقط في يده، وعلم أنه إن بلغ ذلك البرامكة أُسقط عندهم، وندم على ما كان منه، فبعث إلى أبى نواس: أن لا تذعها ولك حكمك، فبعث إلى أبي نواس: أن لا تُذعها ولك حكمك، فبعث إليه يقول: لو أعطيتني الدنيا ما كان بد من إذاعتها، فاصبر على حرارة كيها، واعرف قدرك، قال: فلما سمع جعفر شعر أبي نواس في اللاحقي قال: والله لقد قرفه بخمس خلال لا تقبله السفلة على واحدة منها، فكيف تقبله الملوك? فقيل له: يا سيدنا إنه كذب عليه. فتمثل يقول: قد قيل ذلك إن حقاً وإن كذباً فما اعتذارك من شيء إذا قيلا
وصار أبان بعد ذلك لبي نواس كالعبد، لا يلقاه ولا يُذكر له إلا يجله وحدثني إبراهيم بن الخصيب قال: أخبرني ابن أبي المنذر قال:

الصفحة : 61

إنما نفق شعر أبي نواس على الناس لسهولته وحسن ألفاظه، وهو مع ذلك كثير البدائع، والذي يراد من الشعر هذان.
وحدثني محمد بن زياد بن محمد عن أبي هفان قال: قال لي أبو نواس: الشره في الطعام دناءة، وفي الأدب مروءة، وكل من حرص على شيء فاستكثر منه سكن حرصه وقرت عينه غير الأدب، فإنه كلما ازداد منه صاحبه ازداد حرصا عليه وشهوة له ودخولاً فيه.
حدثني أحمد بن سلمان قال: حدثني اليؤيؤ قال: سمعت أبا نواس يقول: لا ضيعة على أديب حيث توجه، فإنه يجالس أشراف الناس وملوكهم في كل بلد يرده، وما قُرن شيء إلى شيء أحسن من عقل إلى أدب.
حدثني علي بن إسحاق قال حدثني ابن أبي خلصة قال: رأيت أبا نواس واقفاً بالجسر، ومعه غلام وجارية، لم أر أحسن منهما، وهو على حمار فاره، فقل: يا أبا على ما وقوفك? وما هذان معك? قال: إن الخصيب حملني على هذا الحمار، ووهب لي هذا الغلام وهذه الجارية، فكيف تراهما: قلت: ما يصلحان إلا للملوك. قال: صدقت ولكنها نعمة فيكشخني فيها، فهل عندك من رأى? قلت: تجعل الجارية في منزل الثقات من إخوانك، فتزورها إن شئت. قال: أخاف أن أسترعي الذئب. وافترقنا، ثم التقينا بعد أيام، فقال لي: شاورناك في أمرهما فما فتحت لنا باباً، وإني لما فارقتك ازدحم الرأي على لساني وقلبي. فقلت: ما صنعت? قال: زوجت الغلام بالجارية، فصرت أكشخنة فيها. فقلت: إن الشيء كان حلالاً لك فجعلته حراماً. فقال: يا أحمق أفي الحلال شاورناك أم قلنا لك: ما الرأي? فقلت: عليك لعنة الله ما أهداك إلى كل آبدةٍ! ومما لأبي نواس من شعره البصريّ: عفا المصلي وأقوت الكُثُبُ مني فالمربدان فاللبب
والمسجد الجامع المروءة والدين عفا فالصحان فالرحب
منازلٌ قد عمرتها يفعاً حتى بدا في عذارى الشهب
في فتيه كالسيوف هزهم شرخُ شباب وزانهم أدب
ثُمَّت راب الزمانُ فاقتسموا أيدي سبا في البلاد فأنشبعوا
ويزعم البغداديون أنها من شعره الذي قاله ببغداد، وأخلق به أن يكون ببغداد يبكي إخوانه أهل البصرة، لنه يقول فيها: لما تيقنت أن روحتهمْ ليس لها ما حييت منقلبُ
أبليت صبراً لم يبله أحد واقتسمتني مآرب شُعب
ومن شعره البصري السائر قوله: ودار ندامي عطلوها فأدلجوا بها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جر الزقاق على الثرى وأضغاث ريحان جنى ويابس
حبست بها صحبي وجددت عهدهم وإني على أمثال هاتيك حابس
أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً ويوماً له يوم الترحل خامس
تدور علينا الراح في عسجدية حبتها بألوان التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتها مَهاً تدريها بالقسي الفوارس
فللراح مازُرت عليه جيوبها وللماء ما دارت عليه القلانس
حدثني المنقري عن يوسف بن الداية قال: كنت وأبو نواس وجماعة من إخواننا نطوف في شهر رمضان إذا أفطرنا كل ليلة، فمررنا ليلة بمسجد السلولي وابنه يصلي بالناس التراويح، وكان من أصبح الخلق وأحسنهم وجهاً ، فضرب بأبي نواس وقال: لست أبرح حتى يفرغ مجلسنا، وكانت ليلة ختمة، فلما قرأ: أرأيت الذي يكذب بالدين قال أبو نواس: وَفَرَا مُعلناً ليصدع قلبي والهوى يصدع الفؤاد العزوما
أرأيت الذي يكذب بالدين فذاك الذي يدعُ اليتيما
حدثني إبراهيم بن حرب الكوفي قال: حدثني ابن الداية قال: اجتمع أبو نواس ومسلم بن الوليد والخليع وجماعة من العراء في مجلس، فقال بعضهم: أيكم يأتيني ببيت شعر فيه آية من القرآن وله حكمه? فأخذوا يفكرون فيه، فبادر أبو نواس فقال: وفتية في مجلس وجوههم ريحانهم قد أمِنوا الثقيلا
دانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا
فتعجبوا وأفحموا ولم يأت أحد منهم بشيء. قال محمد بن عبد الوهاب: فسمعت بعد ذلك بمدة بيتاً لدعبل استحسنته وهو: ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنينا

الصفحة : 62

حدثني نصر بن محمد قال: أخبرني ابن أبي شقيقة الوراق قال: كان يجتمع الشعراء في دكان أبيه ببغداد وإن أبا العتاهية حضرهم يوماً، فتناول دفتراً ووقع على ظهره ينشد: أيا عجبا كيف يُعصى الإل هُ أم كيف يجحده الجاحدُ
ولله في كل تحريكة وتسكينة أبداً شاهدُ
وفي كل شيء له آيةٌ تدل على أنه واحد
فلما كان من الغد جاء أبو نواس، فجلس فتحدث ساعة، ووقعت عينه على ذلك الدفتر، وقرأ الأبيات. فقال: من صاحبها? لوددت أنها لي بجميع شعري: فقلنا، أبو العتاهية، فكتب تحتها سبحان من خلق الخل ق من ضعيف مَهين
فساقه من قرارٍ إلى قرار مَكين
يحول خلقاً فخلقاً في الحجب دون العيون
فلما كان من الغد جاء أبو العتاهية وقال: لمن هذه الأبيات? لوددت أنها لي بجميع شعري، فقلنا: أبو نواس. وتعجبنا من اتفاق قوليهما.
وحدثني أبو النجم قال: بلغني أن أبا نواس وهو في الكتاب وكان مليحاً صبيحاً- مرت به صبية وضيئة الوجه، فمازحته ساعة، ثم رمت إليه بتفاحة معضضة وانصرفت فقال: شجر التفاح لا خفت القحل لا ولا زلت لغايات المثل
تقبل الطيب إذا علت به وبها من غير طيب محتمل
وعدتني قبلة من سيدي فتقاضت سيدي حين فعل
ليس ذاك العض من عيب لها إنما ذاك سؤال للقبل
ويقال أن الذي رغب فيه والبة بن الحباب حتى أخذه غلاماً فأدبه وخرجه هذه الأبيات. وقيل أيضاً: إن الذي بعث أبا نواس على صحبة والبة وأرغبه فيه بيتا والبة وهما همذان: ولها ولا ذنب لها حب كأطراف الرماح
في القلب يجرح دائماً فالقلب مجروح النواحي
فإنه استحسنهما وجزلهما ورغب في الشعر. وهذا لعمري كلام دونه السحر.

الصفحة : 63

حدَّثني أبو يعقوب إسحاق بن سيار قال: حدَّثني عامة أصحاب أبي نواس منهم عبد الله بن أحمد بن حرب المعروف بأبي هفان قالوا: بني للمخلوع مجلس لم تر العرب والعجم مثله، قد صور فيه كل التصاوير، وذهب سقفه وحيطانه وأبوابه، وعلقت على أبوابه ستور معصفرة مذهبة، وفرش بمثل ذلك الفرش، فلما فرغ من جميع أسبابه، وعرف ذلك، اختار له يوماً، وتقدم بأن يؤمر الندماء والشعراء بالحضور غدوة ذلك اليوم ليصطحبوا معه فيه، فلم يتخلف أحد، وكان فيمن حضر أبو نواس، فدخلوا فرأوا أسا لم يروا مثله قط ولم يسمعوا به، من إيوان مشرف فائح فاسح، يسافر فيه البصر، وجعل كالبيضة بياضاً، ثم ذهب بالإبريز المخالف بينه باللازوردذي أبواب عظام ومصاريع غلاظ تتلألأ فيها مسامير الذهب، قد قمعت رءوسها بالجوهر النفيس، وقد فرش بفرش كأنها صبغ الدم، منقش بتصاوير الذهب وتماثيل العقبان ونضد فيه العنبر الأشهب والكافور المصعد وعجين المسك وصنوف الفاكهة والشمامات والتزايين، فدعوا وأثنوا عليه، وأخذوا مجالسهم على مراتبهم عنده، ومنزلتهم منه، ثم أقبل عليهم فقال: إني أحببت أن أفرغ متعة هذا المجلس معكم، وأصطبح فيه بكم، وقد ترون حسنه، فلا تنغصوني ذلك بالتكلف، ولا تكدروا سروري بالتحفظ، ولكن انبسطوا وتحدثوا وتبذلوا، فما العيش إلا في ذلك. فقالوا: يا أمير المؤمنين، بالطائر الميمون والكوكب السعدي والجد الصاعد والأمر العالي والظفر والفوز، ووفقت يا أمير المؤمنين، وفقت ولم تزل موفقاً. ثم لما طعموا أتي بالشراب كأنه الزعفران، أصغي من وصال المعشوق، وأطيب ريحاً من نسيم المحبوب، وقام سقاة كالبدور، بكئوس كالنجوم، فطافوا عليهم وعملت الستائر بمزاهرها فشربوا معه من صدر نهارهم إلى آخره، في مذاكرة كقطع الرياض، ونشيد كالدر المفصل بالعقبان، وسماع يحيي النفوس ويزيد الأعمار، فلما كان آخر النهار دعا بعشرة آلاف دينار في صواني، فأمر فنثرت عليهم فانتهبوها، والشراب بعد يدور عليهم بالكبير والصغير، من الصرف والممزوج، وليس يمنع أحد منهم مما يريد، ولا يكره على ما يأباه، وكان جيد الشراب، فصبروا معه إلى أن سكر فنام، ونام جميع من في المجلس عند ذلك إلا أبا نواس فإنه ثبت مكانه فشرب وحده، فلما كان السحر دنا من محمد فقال: يا أمير المؤمنين. قال: لبيك يا خير الندامى. فقال أبو نواس: يا سيد العالمين، أما ترى رقة هذا النسيم، وطيب هذه الشمال، وبرد هذا السحر، وصحة هذا الهواء المعتدل والجو الصافي، وبهيج هذه الأنوار? فلما سمع محمد وصفه استوى جالساً وقال: يا أبا نواس، ما بي للشرب موضع، ولا للسهر مكان، وقد بسطتني بمنثور وصفك فنشطني بمنظومه للشرب. فأنشأ يقول: نبه نديمك قد نعس يسقيك كأساً في الغلس
صرفاً كأن شعاعها في كف شاربها قبس
تذر الفتى وكأنما بلسانه منها خرس
يدعى فيرفع رأسه فإذا استقل به نكس
يسقيكها ذو قرطق يلهي ويؤذي من حبس
خنث الجفون كأنه ظبي الرياض إذا نعس
أضحى الإمام محمد للدين نوراً يقتبس
ورث الخلافة خمسة وبخير سادسهم سدس
تبكي البدور لضحكه والسيف يضحك إن عبس
فارتاح المخلوع ودعا بالشراب فشرب معه.
ومما يختاره أهل الفهم من شعر أبي نواس كثير، كما أن الرديء ينفونه من شعره، ولكن نورد من ذلك ما لم يشتهر عند العوام، وندع ما قد اشتهر، فإن رائيته في الخصيب: أجارة بيتينا أبوك غيور وميسور ما يرجى لديك عسير
وإن كانت من قلائده موجودة عند كل إنسان، وليست كميميته التي لا تقصر عنها حسناً وجودة، وهي مع ذلك لا يعرفها إلا الخواص وهي هذه: يا دار ما فعلت بك الأيام لم تبق فيك بشاشة تستام
عرم الزمان على الذين عهدتهم بك قاطنين وللزمان عرام
أيام لا أغشي لأهلك منزلاً إلا مراقبة عليّ ظلام
ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم وأسمت سرح اللهو حيث أساموا
وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه وإذا عصارة كل ذاك أثام

الصفحة : 64

وتجشمت بي هول كل تنوقه هوجاء فيها جرأة إقدام
تذر المطي وراءها فكأنها صف تقدمهن وهي إمام
وإذا المطي بنا بلغن محمداً فظهورهن على الرجال حرام
قربننا من خير من وطي الحصا فلها علينا حرمة وذمام
رفع الحجاب لناظري فبدا به ملك تقطع دونه الأوهام
كالبدر مشتمل بنور خلافة لبس الشباب بملكه الإسلام
سبط البنان إذا احتبى بنجاده غمر الجماجم والسماط قيام
ملك إذا اقتسر الأمور مضى به رأيٌ يفل السيف وهو حسام
داوي به الله القلوب من الجوى حتى برئن وما بهن سقام
أصبحت يا ابن زبيدة ابنة جعفر أملاً لعقد حباله استحكام
فبقيت للعلم الذي يهدي به وتقاعست عن يومك الأيام
ومن ذلك قوله أيضاَ: يا من يبادلني عشقاً بسلوان أم من يصير لي شغلاً بإنسان
كيما أكون له عبداً يقارضني وصلاً بوصل وهجراناً بهجران
إذا التقينا لصلح بعد معتبة لم نفترق دون موعود يلقيان
أقول والعيس تعروري الفلاة بنا سعر الأزمة من مثني ووحدان
لذات لوث عفرناه عذافرة كأن تضبيرها تضبير بنيان
يا ناق لا تسأمي أو تبلغي ملكاً تقبيل راحته والركن سيان
م خير من يمشي على قدم ممن برى الله من إنس ومن جان
مقابل بين أملاك تفضله ولادتان من المنصور ثنتان
مد الإله عليه ظل مملكة أضحى القصي بها كالأقرب الداني
تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها خلقاً وخلقاً كما حذ الشراكان
إن يمسك القطر لم تمسك مواهبه ولي عهد يداه تستهلان
هذا الذي قدم الله القضاء به ألا يكون له في فضله ثاني
هو الذي امتحن الله القلوب به عما يجمجمن من كفر وإيمان
وإن قوماً رجوا إبطال حقكم أمسوا من الله في سخط وعصيان
لن يدفعوا حقكم إلا بدفعهم ما أنزل الله من آي وقرآن
وإن الله سيفاً فوق هامهم بكف أبلج لا غمر ولا واني
يستيقظ الموت منه عند هزته فالموت من نائم فيه ويقظان
حدثني محمد بن عبد الأعلى القرشي قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: قال الأصمعي: ما رأيت أنجب من البرامكة رجالاً وأطفالاً، ولا أشرف منهم أحوالاً، ما أعلم أني حضرت يحيى والفضل وجعفراً إلا انصرفت عنهم ولإخواني بالحباء الجزيل. ثم قال: طرب الفضل بن يحيى إلى مذاكرتي، فأتاني رسوله، وكان يوماً بارداً ذا صر وقر. فقال: أجب الوزير. فمضيت معه، فلما دخلت عليه إذا هو في بهو له. قد فرش بالسمور، وهو في دست منه، وعلى ظهره دواج سمور أشهب، مبطن بخز، وبين يديه كانون فضة، فوقه أثفية ذهب، في وسطها تمثال أسد رابض، في عينيه ياقوتتان تتوقدان، وفوق الصينية إبريق زجاج فرعوني، وكأس كأنها جوهرة محفورة، تسع رطلاً، لا أظنها يفي بها مال كثير، وهو على سرير من عاج، وأنا على ثياب قطن. فسلمت عليه فرد السلام وقال لي: يا أصمعي. ليس هذا من ثياب هذا اليوم. قلت: أصلح الله الوزير. إنما يلبس الرجل ما يجد، فقال: يا غلام ألق عليه شيئاً من الوبر. فأتيت بمثل ما عليه فلبسته حتى الجورب، ثم أتي بخوان لم أدر ما جنسه، غير أني تحيرت في جنسه، وبصفحة مشمسة، فيها لون من مخ الطير، فتناولنا منها.

الصفحة : 65

ثم تتابعت الألوان، فأكلت من جميع ما حضر، ألا والذي اصطفى محمداً صلى الله عليه وآله بالرسالة ما عرفت منها لوناً واحداً، إلا أني لم آكل في الدنيا شيئاً يدانيها قط لذة وطيباً عند خليفة ولا ملك. ثم رفع الخوان، وأتينا بألوان من الطيب، فغسلنا أيدينا، وكنت كلما استعملت من لوناً ظننته أطيب ما في الدنيا من عطر فاخر، حتى إذا استعملت غيره زاده عليه طيباً، فلما فرغنا من ذلك إذا غلام قد أقبل معه جام بلور فيه غالية، قد ازرقت بكثرة العنبر، فتناولنا بملعقة من الذهب حتى نضحناه، فصرت كأني جمرة، ثم قال: أسقنا، فسقاه رطلاً وسقاني مثله، فما تجاوز والله لهاتي حتى كدت أطير فرحاً وسروراً، وصرت في مسلاخ ابن عشرين طرباً. ودبت الشربة فخثرت ما بين الذؤابة والنعل، وكأن دبي الجراد يثب ما بين أحشائي وثباً، فلم أتمالك أن قلت: قاتل الله أبا نواس حيث يقول: إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى دعا همه صدره برحيل
فقال الفضل: هذا البيت له? قلت: نعم يا سيدي، قال: وليس إلا هذا البيت الواحد? قلت: أعز الله الوزير، هي أبيات، قال: هاتها، فأنشدته: وخيمة ناطور برأس منيفة تهم يدا من رامها بزليل
حططنا بها الأثقال فل هجيرة عبور رية تذكى بغير فتيل
نأيت قليلاً ثم فاءت بمزقة من الظل في رث الأباء ضئيل
كأنا لديها بين عطفي نعامة جفا زورها عن مبرك ومقيل
حلبت لأصحابي بها درة الصبا بصفراء من ماء الكروم شمول
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى دعا همه صدره برحيل
فلما توفي الليل جنحاً من الدجى تصابيت واستجملت غير جميل
وأصبحت ألحي السكر والسكر محسن ألا رب إحسان عليك ثقيل
كفى حزناً أن الجواد مقتر عليه ولا معروف عند بخيل
سأبغي الغنى إما نديم خليفة يقيم سواء، أو مخيف سبيل
بكل فتى لا يستطار جنانه إذا نوه الزحفان باسم قتيل
ليخمس مال الله في كل فاجر وذي بطنة للطيبات أكول
أم تر أن المال عون على الندى وليس جواد معدم كبخيل
قال: قاتله الله ما أشعره، يا غلام: أثبتها. ثم قال: أما والله لو لا قاله الناس فيه ما فارقني، ولكن إذا فكرت فيه وجدت الرجل ماجناً خليعاً متهتكاً ألوفاً لحانات الخمارين فأترك نفعه لضره. فقلت: أصلح الله الوزير إنه مع ذلك بمكان من الأدب، ولقد جالسته في مجالس كثيرة، قد ضمت ذوي فنون من الأدباء والعلماء، فما تجاروا في شيء من فنونهم إلا جاراهم فيه، ثم برز عليهم، وهو من الشعر بالمحل الذي قد علمته، أليس هو القائل: ذكرتم من الترحال يوماً فغمنا فلو قد فعلتم صبح الموت بعضنا
زعمتم بأن البين يحزنكم. نعم سيحزنكم حزناً ولا مثل حزننا
تعالوا نقارعكم ليحقق عندكم من أشجى قلوباً أم من أسخن أعينا
أطال قصير الليل يا رحم عندكم? فإن قصير الليل قد طال عندنا
ومن يعرف الليل الطويل وهمه من الناس إلا من تنجم أو أنا
خليون من أوجاعنا يعذلوننا يقولون: لو لم يعب بالحب لانثني
يقومون في الأقوام يحكون فعلنا سفاهة أحلام وسخرية بنا
فلو شاء ربي لابتلاهم بمثل ما اب تلانا فكانوا لا علينا ولا لنا
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد هواك لعل الفضل يجمع بيننا
مير رأيت المال في حجراته مهيناً ذليل النفس بالضيم موقنا
ذا ضن رب المال ثوب جوده بحي على مال الأمير وأذنا
وللفضل أجرا مقدما من ضبارم إذا لبس الدرع الحصينة واكتنى
إليك أبا العباس من دون من مشى عليها امتطينا الحضرمي الملسنا

الصفحة : 66

قلائص لم تعرف كلالاً على الوجى ولم تدر ما قرع الفنيق ولا الهنا
قال الفضل: قد عرفتك أنه لو لا ما هو بسبيله من هذا الفتك ما فاتني قربه ومعاشرته، ثم قال: يا غلام، احمل إليه ألف دينار، فقلت للرسول: أعلمه أن الأصمعي عند الوزير. فتبسم وقال: يا غلام، وإلى بيت أبي سعيد ألف دينار.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 08:03 AM   المشاركة رقم: 17
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

أخبار عوف بن محلم الخزاعي
قال أبو عبد الله: هذا إنما هو من بني سعد، والشيباني غيره.
وكان صاحب أخبار ونوادر ومعرفة بأيام الناس، وكان طاهر بن الحسين ابن مصعب قد استخصه واختاره لمنادمته، فكان لا يفارقه في سفر ولا حضر، وكان إذا سافر فهو عديله يحادثه ويسامره، وإذا أقام فهو جليسه يذاكره العلم ويدارسه، وكان طاهراً أديباً شاعراً يحب الأدب وأهله. وكان لا ينفق عنده شيء من متعة الدنيا كما ينفق الأدب، وكان عوف من أهل حران. وقال قوم: من رأس العين. وأقام مع طاهر ثلاثين سنة لا يفارقه، حتى ليسأله كثيراً أن يأذن له في الإلمام بأهله والخروج إلى وطنه، فلا يجيبه إلى ذلك، وكان يعطيه الجزيل حتى كثرت أمواله، فلما مات طاهر ظن أنه قد تخلص، وأنه يلحق بأهله، ويتمتع بما قد اقتناه ببلده. فلوى عبد الله بن طاهر عليه يده، وتمسك به، وأنزله فوق منزله التي كانت من أبيه- وكان من آدب الناس وأعلمهم بأيام العرب وأجودهم قولاً للشعر- فعاد معه عوف إلى حاله التي كان عليها مع أبيه من الملازمة في الحضر والسفر، واجتهد في التخلص فلم يقدر على ذلك، حتى خروج عبد الله بن طاهر من العراق يريد خراسان، وعوف عديله في قبة يسامره ويحادثه. فلما شارفوا الري، وقد أدلجوا سحرة، إذا بقمري يغرد على سروة. بأشجى صوت وأرق نغمة، فالتفت عبد الله إلى عوف فقال: يا أبا ملحم، أما تسمع هذا الصوت? ما أرقه وأشجاه! قاتل الله أبا كبير الهذلي حيث يقول: ألا يا حمام الأيك فرخك حاضر وغصنك مياد ففيم تنوح
قال عوف: أحسن والله أبو كبير وأجاد أيها الأمير. كان في هذيل أربعون شاعراً مذكوراً محسناً سواء المتوسطين، وكان أبو كبير، من أظهرهم وأقدرهم على القول.
قال عبد الله: عزمت عليك إلا أجزت هذا البيت. قال عوف: أصلح الله الأمير، شيخ مسن وأحمل على البديهة، وعلى معارضة مثل أبي كبير، وهو من قد علمت? قال عبد الله: عزمت عليك وسألتك بحق طاهر إلا فعلت. فأنشأ يقول: أفي كل عام غربة ونزوح أما للنوى من ونية فتريح
لقد طلح البين المشت ركائبي فهل أرين البين وهو طليح
وأرقني بالري نوح حمامة فنحت وذو اللب الحزين ينوح
على أنها ناحت فلم تر عبرة ونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ومن دون أفراخي مهامه فيح
ألا يا حمام الأيك فرخك حاضر وغصنك مياد ففيم تنوح
عسى جود عبد الله أن يعكس النوى فتضحي عصا التسيار وهي طريح
فإن الغني يدني الفتى من صديقه وعدم الغني للمعسرين طروح

الصفحة : 55

فاستعبر عبد الله ورق له لما سمع من تشوقه إلى أهله وبلده، فقال: يا بن محلم ما أحسن ما تلطفت لحاجتك، واستأذنت في الرجوع إلى أهلك وولدك! وإني بك لضنين، وبقربك لشحيح، ولكن والله لا جاوزت مكانك هذا حتى ترجع إلى أهلك وولدك. وأمر له بثلاثين ألف ردهم نفقة، ورده إلى موضعه ذلك. وذلك حيث يقول: يا بن الذي دان له المشرقان وألبس الأمن به المغربان
إن الثمانين وبلغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وأبدلتني بالشطاط انحنا وكنت كالصعدة تحت السنان
وعوضتني من زماع الفتى وهمه هم الهجين الهدان
وهمت بالأوطان وجدا بها وبالغواني، أين من الغوان
فقرباني بأبي أنتمامن وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوة أوطانها حران فالرقمتان
سقى قصور الشادياخ الحيا من بعد عهدي وقصور الميان
فكم وكم من دعوة لي بها أن تتخطاها صروف الزمان
وهذه القصور التي ذكرها في شعره كلها بمرو ونيسابور، وهي مساكن آل طاهر، وكان عوف قد ألفها لكثرة غشيانه إياها، ومقامه معهم فيها، ولذلك يدعو لها. ثم ودع عبد الله وخرج من عنده على أيسر حال، فلما كان في بعض الطريق عاجلته منيته فلم يصل إلى أهله، واتصل الخبر بعبد الله فاشتد ذلك عليه وجزع له.
وفي عبد الله بن طاهر يقول عوف يمدحه: إليك فما حظي لغيري بصائر ولا أجلي إن حم عني بقاصر
أعف وأستغني وإني لمقتر فتستر عفاتي عليّ مفاقري
وإني ليأتيني الغنى غير ضارع فأدنو به من صاحبي ومجاوري
لساني وقلبي شاعران كلاهما ولكن وجهي مفحم غير شاعر
ولو كان وجهي شاعراً أكسب الغنى ولكن وجهي مثل وجه ابن طاهر
فتى يختشي أن يخدش الذم عرضه ولا يتقي حد السيوف البواتر
غليل وقد أوردت دلوي ببحره ولا عيب في ورد البحور الزواخر
وقال يذكر عبد الله وأجداده: بنو مصعب للملك في السلم زينة وفي الحرب دون الملك بيض بواتر
وحول رواق الملك من آل مصعب ليوث لأعناق الليوث هواصر
فما حال عن ود الخليفة طاهر ولا زال حتى غيبته المقابر
وخلف عبد الله للملك ناصراً وهل مثل عبد الله للملك ناصر
فتى لو أسرت نفسه كفر نعمة لحاربها حتى تصح الضمائر
ومما سار له في الدنيا قوله الطاهر، إذ وقف على الجسر وطاهر في حراقة ينحدر إلى دار السلطان، فقال عوف رافعاً صوته: عجبت لحراقة ابن الحس ين كيف تسير ولا تغرق
وبحران، من تحتها واحد وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانها وقد مسها كيف لا تورق
وكان عوف بن محلم سخيا على الطعام جداً، صاحب شراب ولهو وخلاعة، وكان له إخوان يتمتع بهم ومعهم، ويعاشرهم ويفضل عليهم، وكان الشعراء الأصاغر يقصدونه ويمدحونه، فيعطيهم ويصلهم، ويتوسلون به إلى طاهر فيشفع لهم ويخرج جوائزهم.

الصفحة : 56

وقدم مرة شاعر على عبد الله يقال له روح من البصرة، فامتدح عبد الله بقصيدة، ومدح عوفاً بأبيات، وقد أنزله عنده وأحسن إليه، فلما سمع عوف أبياته وجدها ضعيفة جداً، قال أنشدني ما قلت في الأمير- واستدل بما سمع على ضعف نمط الرجل- فأنشده. فقال: لا توصلها إليه، فإن الأمير بصير بالشعر، وهو يقول منه الجيد القوي، ومثل هذا الشعر لا يقع منه موقعاً ينفعك، ولكني أقول فيه مدحه، فانتحلها والقه بها. فأبى، وظن أنه يقول ذلك حسداً، وكان الرجل رقيعاً لا يفطن لعيب نفسه، فقال له: فشأنك إذن وما تريد. فأنشد روح قصيدته عبد الله، فقال له: بمثل هذا الشعر يلقى الأمراء والملوك? أيقبل مثل هذا حر? وردها عليه، فصار إلى عوف وشكا إليه، فقال له: ألم أنصحك? ألم أقل لك: إنه لا يقبل مثل هذا الشعر? فلما دخل عوف على عبد الله قال: ويحك يا أبا ملحم، أما سمعت شعر هذا القادم علينا فينا? قال عوف: بلى، أعز الله الأمير، قد سمعته ونصحت له فلم يقبل.
وفي ذلك يقول عوف: أنشدني روح مديحاً له فقلت: شعر? قال لي: فايش
فخلت لما أن بدا منشدا كأنني في قبة الخيش
فقلت: زدني وتغنمته والثلج في الصيف من العيش
ومما يستحسن لعوف ويختار له من شعره- على أنه كله مختار ليس فيه بيت ساقط. ولا ناقص- : وكنت إذا صخبت ديار قوم صحبتهم ونيتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم وأجتنب الإساءة إن أساءوا
وأبصر ما يريبهم بعين عليها من عيونهم غطاء
ومما يختار له قوله: وصغيرة علقتها كانت من الفتن الكبار
كالبدر إلا أنها تبقي على ضوء النهار
قالت غبار قد علا ك فقلت ذا غير الغبار
هذا الذي نقل الملو ك إلى القبور من الديار
يا هذه أرأيت لي لاً يستنير بلا نهار
قالت: ذهبت بحجتي عني بحسن الإعتذار
ومما يختار له أيضاً قوله: وليلتنا طابت وطاب بها الهوى إلى أن بدا أو كاد منسلخ الفجر
فما عدلتها ليلة ذات نعمة ولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفطر
إذا هي قيست بالليالي وجدتها يكاد يساوي فضلها ليلة القدر
تمليتها حتى الصباح بطفلة مصورة أبهى من الشمس والبدر
قتول بعينيها خلوب بدلها سلوب لألباب الرجال وما تدري
ومما يروى له ويستحسن قوله: سألت المحبين الذين تجشموا تباريح هذا الحب في سالف الدهر
فقلت لهم: ما يذهب الحب بعدما تنشب ما بين الجوانح والصدر
فقالوا: شفاء الحب حب تفيده لآخر أو نأى طويل على الهجر
أو اليأس حتى تذهل النفس بعد ما رجت طمعاً واليأس عون على الصبر
قعيدك من حب أمالك رحمة ولا بك عني من توان ولا فتر
وقتلتني حيناً وحيناً أعشتني فأفنيت عمري بالأمانة والنشر
ومما يستحسن له وهو من السائر المشهور له قوله: فما زالت الكأس تغتالها وتذهب بالأول الأول
إلى أن توافت صلاة العشاء ونحن من السكر لم نعقل
فمن كان يعرف حق النعيم وحق الجليس فلا يجهل
وما إن جرت بيننا مزحة تهيج مراء على السلسل
ومما يختار له أيضاً قوله: وإني لذو حلم على أن سورتي إذا هزني قوم حميت بها عرضي
وإن طلبوا ودي عطفت عليهم ولا خير فيمن لا يئول ولا يغضي
وما كل ذي غش يضرك غشه ولا كل من يؤتى كرامته يرضي
ومعترض في القول غربت قوله وقلت له ليس القضاء كما يقضي
ركبت به الأهوال حتى تركته بمنزل ضنك لا يكد ولا يمضي
وإني لأجزي بالكرامة أهلها وبالحقد حقداً في الشدائد والخفض

الصفحة : 57

ومما يختار له قوله: وإني لمن أحببت حبي دائم ولست بذي لونين أسود أبلق
مدوف يرى الخلان منه تظرفاً له خلق عند البلاء ممزق
يخالط إخواناً له بملاقة وثر الأخلاء الخئون المملق
وإني لأستحيي الصديق وأتقي وكل امرئ لا يتقي الدمم أحمق
ومما سار له قوله: ما ينزل الله بي أمراً فأكرهه إلا سينزل بي من بعده الفرجا
يا رب أمرين قد فرجت بينهما من بعد ما اشتبكا في الصدر واعتلجا

أخبار أبي نواس
حدثني علي بن حرب أخو محمد بن حرب بن خالد بن المهزم، قال: حدثني أخي محمد بن حرب- وكان بين الأخوين قريب من خمسين سنة- أن أبا نواس- واسمه الحسن بن هانئ، ويكنى أبا علي- ولد بالأهواز، بالقرب من الجبل المقطوع المعروف براهبان سنة تسع وثلاثين ومائة، ومات ببغداد سنة خمس وتسعين ومائة، وكان عمره خمساً وخمسين سنة، ودفن في مقابر الشونيزي في تل اليهود، ومات في بيت خمارة كان يألفها. وكانت أمه أهوازية يقال لها جلبان من بعض مدن الأهواز يقال لها نهر بيري وأبوه من جند مروان بن محمد، من أهل دمشق، مولى لآل الحكم بن الجراح من بني سعد العشيرة، وكان قدم الأهواز أيام مروان بن محمد لرباط الخيل، فتزوج جلبان فأولدها عدة، منهم أبو نواس وأخواه أبو محمد وأبو معاذ، وكان أبو معاذ يؤدب ولد فرج الرخجي، ومات والدهم هانئ، وأبو نواس صغير، فنقلته أمه إلى البصرة وهو ابن ست سنين، فأسلمته إلى الكتاب، فلما ترعرع خرج إلى الأهواز، فانقطع إلى والبة بن الحباب الشاعر، وكان والبة يومئذ مقيماً بالأهواز عند ابن عمه النجائي وهو واليها، فأدبه وخرجه. وكان أبو نواس وضيئاً صبيحاً. فعشقه والبة وأعجب به، وعُني بتأديبه حتى خرج منه ما خرج. ولما مات والبة لزم خلفاً الأحمر وكان خلف أشعر أهل وقته وأعلمهم، فحمل عنه علماً كثيراً وأدباً واسعاً، فخرج واحد زمانه في ذلك، وحدثني ناس عن أبي نواس أنه قال: ما ظنكم برجل لم يقل الشعر حتى روى دواوين ستين امرأة من العرب منهن الخنساء وليلى فما ظنكم بالرجال? وحدثت عن ابن مرزوق عن أبي هفان قال: كان أبو نواس آدب الناس وأعرفهم بكل شعر، وكان مطبوعاً، لا يستقصي، ولا يحلل شعره، ولا يقوم عليه، ويقوله على السُّكر كثيراً فشعره متفاوت، لذلك يوجد فيه ما هو في الثريا جودة وحسناً قوة، وما هو في الحضيض ضعفاً وركاكة، وكان مع كثرة أدبه وعلمه خليعاً ماجناً وفتي شاطراً، وهو في جميع ذلك حلو ظريف، وكان يسحر الناس لظرفه وحلاوته وكثرة ملحه، وكان أسخى الناس، لا يحفظ ماله ولا يمسكه، وكان شديد التعصب لقحطان علي عدنان، وله فيهم أشعار كثيرة، يمدحهم ويهجو أعداءهم، وكان يُتهم برأي الخوارج، فمما يروى له في تفضيل اليمن والافتخار بهم قوله: لست لدار عفت وغيرها ضربان من قطرها وحاصبها
وفي هذه القصيدة يقول: فنحن أرباب ناعط ولنا صنعاء والمسك في محاربها
ودان أذواؤنا البرية من معترها رغبة وراهبها
وكان منا الضحاك يعبده ال خابل والوحش في مسار بها
ونحن إذ فارس تُدافع به رام قسطنا على مرازبها
حتى جمعنا إليه مملكة يجتمع الطرف في مواكبها
وفاظ قابوس في سلاسلنا سنين سبعاً وفت لحاسبها
ويوم ساتيدما ضربنا بني ال أصفر والموت في كتائبها
فافخر بقحطان غير مكتئب فحاتم الجود من مناقبها
إذ لاذ برويز عند ذاك بنا والحرب تُمرى بكف حالبها
يذب عنه بنو قبيصة بال خطى والشهب من قواضبها
ولا ترى فارساً كفارسها إذ زالت الهام عن مناكبها
عمرو وقيس والأشتران وزي دُ الخيل أُسْدٌ لدى ملاعبها
واهج نزاراً وأفر جلدتها وهتك الستر عن مثالبها
واحبب قريشاً لحب أحمدها واشكر لها الجزل من مواهبها

الصفحة : 58

إن قريشاً إذا هي انتسبت كان لنا الشطر من مناسبها
فأم مهدي هاشم أم مو سى الخير منا فافخر وسامِ بها
بل مل إلى الصيد من أشاعثها والسادة الغر من مهالبها
أما تميم فغير راحضة ما شلشل العبد في شواربها
أول مجد لها وآخرهإن ذكر المجدُ قوس حاجيها
وقيس عيلان لا أريد لها من المخازي سوى مُحاربها
وإن أكل الأيور موبقها ومطلق من لسان عائبها
وما لبكر بن وائل عصم إلا بحمقائها وكاذبها
ولم تعف كلبها بنو أسد عبيدُ عيرانة وراكبها
وتغلب تندب الطلول ولم تثأر قتيلاً على ائبها
نيكتْ بأدنى المهور أختُهُمُ قسراً ولم يدم أنف خاطبها
وأصبحت قاسط وإخوتها تدّخر الفَسْوَ في حقائبها
قال المؤلف لهذا الكتاب عبد الله بن المعتز: أنشدني المبرد هذه القصيدة وفسر لي هذا التفسير: ناعط. أحد مخاليف اليمن. وقوله: ودان أذواؤنا، أي التبايعة ملوك حمير، مثل ذي يزن وذي كلاع وذي أصبح. وهكذا كثير في حمير، وتجمع على أذواء وذوين ومن ذلك قول الكميت: فلا أعني بذاكم أسفليكم لكني أريد به الذوينا
وأما قوله: دان أذواونا، فغنه يقال: فلان في دين فلان أي طاعته وقيل: لئن حللت بود في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدكُ
يعني طاعة عمرو. وأما قوله: وكان منا الضحاك. فإن الضحاك كان رجً بعيد الصوت، كثير العجائب، والعجم تدعيه، وذلك حق، وكان اسمه بالفارسية أزدها، ومعناه: الشين لأنه كان شريراً ردياً، فعربته العرب فقالت: الضحاك، وإما كانت أمه قحطانية، فادعته اليمن لذلك، والعرب تزعم والعجم أيضاً أن الجن كانت تطيعه وأن الوحش كانت تألفه وتأنس به، فذلك قوله: وكان منا الضحاك يعبده ال خابل والوحش في مساربها
يعني بالخابل الجن. وأما قوله: قسطنا على مرازبها، فإنه يقال: قسط، إذا جار. وأقسط: إذا عدل. وإما أراد بذلك قصة بهرام جور، واستعانته بالنعمان حد أبي النعمان الأصغر، حين زَوتِ الفرس عنه الملك لما مات أبوه، وولوا ابن عمه. وقصة ذلك تطول. وليس شرط كتابنا ذلك إذ قد قدمنا. وقوله: ضربنا بني الأصفر، هم الروم. وقوله: والحرب تمري، يشبهها كما تستدر الناقة والشاة إذا حُلبت ولهذا قصة كانت في أمر أبرويز وملك الروم يطول شرحها، وكان أبرويز استعان بإياس ابن قبيصة الطائي. وأما قوله: فحاتم الجود من مناقبها، يعني حاتماً الطائي وأما فرسانهم الذين ذكرهم فعمرو بن معدي كرب الزبيدي وقيس بن مكشوح المُرادي، والاشتران، فهما مالك بن الحارث الأشتر النخعي صاحب علي بن أبي طالب عليه السلام، وابنه إبراهيم بن الأشتر قاتل عبيد الله بن زياد. وقوله: زيد الخيل فإنه يعني به زيد الخيل الطائي ومهلهلاً أباه، وكانا سيدي قومهما، وأما قوله: وأفر جلدتها فإنه يقال في الفساد: أفريت، وفي الإصلاح: فريت. وقال بعضهم: في الشر والخير جميعاً فريت وأفريت. وأما قوله: فأم مهدي هاشم فإنه يعني أم موسى بنت منصور الحميرية، وهي أم المهدي بن المنصور أمير المؤمنين. وأما قوله الأشاعث فإنه من كندة وهم ولد الأشعث بن قيس ومنزلهم الكوفة. والمهالبة من العتيك ومحلهم البصرة أما قوله: أما تميم فغير راحضة ما شلشل العبد في شواربها
فإنه أراد أبا سُواج، وخبره مشهور مع صرد بن جمرة، وهو الذي يهجو به عمر بن لجا والأخطل جريراً وقومه. وقال ابن لجا: تُمسح يربوع سبالاً لئيمة بها من مني العبد رطب ويابسُ
فما ألبس الله امرأ فوق جلده من اللؤم إلا ما الكليبي لابسُ
عليهم ثياب اللوم لا يخلعونها سرابيل في أعناقهم وبرانسُ
وقال الأخطل حين عيره جرير بشرب الخمر: تعيب الخمر وهي شراب كسرى ويشرب قومك العجب العجيبا
مني العبد عبد أبي سواجٍ أحق من المدامة أن تعيبا

الصفحة : 59

وقوله: قوس حاجبها يعني . حاجب بن زرارة بن عُدس بن زيد، وكان دفع قوسه تذكرة بذمته إلى حشّ، وهو عامل كسرى على السواد وأطراف بوادي العبر، حين رعت بنو تميم ولفهم السواد، وضمن حاجبٌ لكسرى ألا يعيثوا ففي ذلك يقول حاجب: ربينا ابن ماء المزن وابني مُحرق إلى أن بدت منهم لحى وشواربُ
ثلاثة أملاك رُبُوا في حجورنا على مضر صلنا بهم لا التكاذُبُ
وأقسّم حش لا يسالم واحداً من الناس حتى يرهم القوس حاجب
وأما قوله: سوى محاربها، فإنه محارب بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر، وفيهم ضعة، والعرب تضرب بهم المثل، قال القطامي: فلما تنازعنا الحديث سألتها من الحي? قالت معشرٌ من محاربِ
من المشتوين القِد مما تراهم جياعاً وعيش الناس ليس بناضب
وأما قوله: وإن أكل الأيور مُوبقها، فهذا شيء يعاب به بنو فزارة، وذلك أن نفراً منهم كانوا في سفر، فجاعوا، وأخذوا غرمول حمارٍ فاشتووه وأكلوه.
وأما قوله: لم تعف كلبها بنو أسد. فإن للكلب أيضاً حديثاً مع بني أسد نحو حديث الأير مع بني فزارة، وأما قوله: وما لبكر بن وائل عصم إلا بحمقائها وكاذبها
فإنه يريد بالكاذب مسيلمة، وكان من بني حنيفة، والحمقاء هبنقة القيسي من بني قيس بن ثعلبة، وهو رجل منهم، كان يضرب المثل بحمقه، وإنما أراد بأحمقها لأن فعلاء لا يكون إلا للمؤنث. فمنعه الوزن فلحن وله مثل هذا التهجم كثير.
وأما قوله: وأصبحت قاسط وإخوتها تدخر الفَسْوَ في حقائبها
فإن إخوتها عبد القيس، وهي تُسَبُّ بالفساء، قال الشاعر: وعبد القيس مصفر لحاها كأن فُسَاءَها قِطع الضبابِ
ولهذا الخبر أيضاً حديث يطول، وهذا آخر تفسير هذه القصيدة.
وكان أبو نواس لشدة عصبيته لقحطان يقول في هذا المعنى كثيراً وهو القائل: إذا ما تميمي أتاك مفاخراً فقل: عد عن ذا كيف أكلك للضب
تفاخر أولد الملوك سفاهة وبولك يجري فوق ساقك والكعب
وهو القائل أيضاً: دع الأطلال تسفيها الجنوب وتبلي عهد جدتها الخطوبُ
وخل لراكب الوجناء أرضاً تخب بها النجيبة والنجيبُ
ولا تأخذ عن الأعراب لهواً ولا عيشاً فعيشهمُ جديبُ
دع الألبان يشربها رجالٌ رقيق العيش بيتهم غريبُ
بأرض نبتها عشرٌ وطلحٌ وأكثر صيدها كلب وذيبُ
إذا راب الحليب فبل عليه ولا تحرج فما في ذاك حُبُ
فأطيب منه صافيةٌ شَمولٌ يطوف بكأسها ساق لبيبُ
أعاذلتي خلا رُشدي قديماً فشقى الآن جيبك لا أتوب
فذاك العيش لا شجر البوادي وذاك العيش لا اللبن الحليب
فأين البدو من إيوان كسرى وأين من الميادين الزروب
تُعيرني الذنوب، وأي حُر من الفتيان ليس له ذنوب
ومما ذكر من خصال أبي نواس المحمودة، ما حدثني به أحمد بن أبي عامر قال: حدثني سلمان شحطة. قال: كان أبو نواس عالماً فقيهاً، عارفاً بالأحكام والفتيا، بصيراً بالاختلاف، صاحب حفظ. ونظر ومعرفة بطرق الحديث، يعرف ناسخ القرآن ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وقد تأدب بالبصرة، وهي يومئذ أكثر بلاد الله علماً وفقهاً وأدباً، وكان أحفظ لأشعار القدماء والمخضرمين وأوائل الإسلاميين والمحدثين.
وحدثني محمد بن أحمد القصار قال: حدثني يوسف بن الداية

الصفحة : 60

قال: قال لي أبو نواس: أحفظ. سبعمائة أرجوزة، وهي عزيزة في أيدي الناس، سوى المشهورة عندهم، وكان لزم بعد والبة بن الحباب خلفاً الأحمر، وكان خلف نسيج وحده في الشعر، فلما فرغ أبو نواس من إحكام هذه الفنون تفرغ للنوادر والمجون والمُلح، فحفظ منها شيئاً كثيراً حتى صار أغزر الناس، ثم أخذ في قول الشعر، فبرز على أقرانه، وبرع على أهل زمانه. ثم اتصل بالوزراء والأشراف، فجالسهم وعاشرهم، فتعلم منهم الظرف النظافة. فصار مثلاً في الناس، وأحبه الخاصة والعامة، وكان يهرب من الخلفاء والملوك بجهده ويلام على ذلك فيقول: إنما يصبر على مجالسة هؤلاء الفحول المنقطعون، الذين لا ينبعثون ولا ينطقون إلا بأمرهم، الله لكأني على النار إذا دخلت عليهم، حتى أنصرف إلى إخواني ومن أشاربه، ولأني إذا كنت عندهم فلا أملك من أمري شيئاً.
وحدثني إسماعيل بن حرب قال: أخبرني سعد بن خزيم قال: قال جعفر البرمكي لسعيد بن وهب: أين تأدب أبو نواس? قال: ببلد البصرة.
وحدثني أبو عمرو عن أبي دعامة قال: قال أبو عمرو الشيباني لولا ما أخذ فيه أبو نواس من الرفث لاحتججنا بشعره لنه مُحكم القول.
ومن أخبار أبي نواس مع أبانٍ اللاحقي ما حدثني به القاسم بن داوود قال: حدثني ابن أبي المنذر قال: كان اللاحقي شاعراً ظريفاً يمدح البرامكة، وكان مخصوصاً من بينهم بجعفر لا يكاد يفارقه، وكانت البرامكة، إذا أرادوا تفرقة مال على الشعراء ولوه ذلك، فأُمر له بمال يفرقه فيهم، وكان كثيراً له خطر، ففرقه وأمر لأبي نواس بدرهم ناقص، وأرسل إليه: إني قد أعطيت كل شاعر على قدره، وهذا مقدارك. فوجد عليه أبو نواس، فلما قال اللاحقي قصيدته الحائية التي يصف فيها نفسه ويلفق فيها عند جعفر بن يحيى وهي هذه القصيدة: أنا من حاجة الأمير وكنز من كنوز الأمير ذو أرباحِ
كاتب حاسب أديب خطيب ناصح راجح على النصاحِ
شاعر مفلق أخف من الري شة مما تكون تحت الجناح
لو رآني الأمير عاين مني شمريا كالجُلجل الصياح
لحية سبطة وأنف طويل واتقاد كشعلة المصباح
لسنت بالمفرط الطويل ولا بالمُ ستكن المجحدر الدحداح
أيمن الناس طائراً يوم صيد لغدوٍّ دُعيت أم لرواح
أبصر الناس بالجوارح والأكلُ ب والخرد الصباح الملاح
وبلغ أبا نواس هذه القصيدة فقال: والله لأعرفنه نفسه، وأنشأ يقول: إن أولى بخسة الحظ مني للمسمى بالجلجل الصياحِ
فبلوا منه حين غنى لديهم أخرس الصوت غير ذي إفصاح
ثم بالريش شبه النفس في الخف ة مما يكون تحت الجناح
فإذا الشم من شماريخ رضوى عنده خفة نوى السباح
لم يكن فيك غير شيئين مما قلت من بعد خلقك الدحداح
لحية سبطة وأنف طويل وهباء سواهما في الرياح
فيك ما يحمل الملوك على الخُر ق ويُزري بالسيد الجحجاح
فيك تيه وفيك عُجبٌ شديد وطماحٌ يفوق كل طماح
باردُ الطرف مظلم الكذب تيا هٌ معيد الحديث غث المُزاح
فلما انتهى الشعر إلى اللاحقي سقط في يده، وعلم أنه إن بلغ ذلك البرامكة أُسقط عندهم، وندم على ما كان منه، فبعث إلى أبى نواس: أن لا تذعها ولك حكمك، فبعث إلى أبي نواس: أن لا تُذعها ولك حكمك، فبعث إليه يقول: لو أعطيتني الدنيا ما كان بد من إذاعتها، فاصبر على حرارة كيها، واعرف قدرك، قال: فلما سمع جعفر شعر أبي نواس في اللاحقي قال: والله لقد قرفه بخمس خلال لا تقبله السفلة على واحدة منها، فكيف تقبله الملوك? فقيل له: يا سيدنا إنه كذب عليه. فتمثل يقول: قد قيل ذلك إن حقاً وإن كذباً فما اعتذارك من شيء إذا قيلا
وصار أبان بعد ذلك لبي نواس كالعبد، لا يلقاه ولا يُذكر له إلا يجله وحدثني إبراهيم بن الخصيب قال: أخبرني ابن أبي المنذر قال:

الصفحة : 61

إنما نفق شعر أبي نواس على الناس لسهولته وحسن ألفاظه، وهو مع ذلك كثير البدائع، والذي يراد من الشعر هذان.
وحدثني محمد بن زياد بن محمد عن أبي هفان قال: قال لي أبو نواس: الشره في الطعام دناءة، وفي الأدب مروءة، وكل من حرص على شيء فاستكثر منه سكن حرصه وقرت عينه غير الأدب، فإنه كلما ازداد منه صاحبه ازداد حرصا عليه وشهوة له ودخولاً فيه.
حدثني أحمد بن سلمان قال: حدثني اليؤيؤ قال: سمعت أبا نواس يقول: لا ضيعة على أديب حيث توجه، فإنه يجالس أشراف الناس وملوكهم في كل بلد يرده، وما قُرن شيء إلى شيء أحسن من عقل إلى أدب.
حدثني علي بن إسحاق قال حدثني ابن أبي خلصة قال: رأيت أبا نواس واقفاً بالجسر، ومعه غلام وجارية، لم أر أحسن منهما، وهو على حمار فاره، فقل: يا أبا على ما وقوفك? وما هذان معك? قال: إن الخصيب حملني على هذا الحمار، ووهب لي هذا الغلام وهذه الجارية، فكيف تراهما: قلت: ما يصلحان إلا للملوك. قال: صدقت ولكنها نعمة فيكشخني فيها، فهل عندك من رأى? قلت: تجعل الجارية في منزل الثقات من إخوانك، فتزورها إن شئت. قال: أخاف أن أسترعي الذئب. وافترقنا، ثم التقينا بعد أيام، فقال لي: شاورناك في أمرهما فما فتحت لنا باباً، وإني لما فارقتك ازدحم الرأي على لساني وقلبي. فقلت: ما صنعت? قال: زوجت الغلام بالجارية، فصرت أكشخنة فيها. فقلت: إن الشيء كان حلالاً لك فجعلته حراماً. فقال: يا أحمق أفي الحلال شاورناك أم قلنا لك: ما الرأي? فقلت: عليك لعنة الله ما أهداك إلى كل آبدةٍ! ومما لأبي نواس من شعره البصريّ: عفا المصلي وأقوت الكُثُبُ مني فالمربدان فاللبب
والمسجد الجامع المروءة والدين عفا فالصحان فالرحب
منازلٌ قد عمرتها يفعاً حتى بدا في عذارى الشهب
في فتيه كالسيوف هزهم شرخُ شباب وزانهم أدب
ثُمَّت راب الزمانُ فاقتسموا أيدي سبا في البلاد فأنشبعوا
ويزعم البغداديون أنها من شعره الذي قاله ببغداد، وأخلق به أن يكون ببغداد يبكي إخوانه أهل البصرة، لنه يقول فيها: لما تيقنت أن روحتهمْ ليس لها ما حييت منقلبُ
أبليت صبراً لم يبله أحد واقتسمتني مآرب شُعب
ومن شعره البصري السائر قوله: ودار ندامي عطلوها فأدلجوا بها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جر الزقاق على الثرى وأضغاث ريحان جنى ويابس
حبست بها صحبي وجددت عهدهم وإني على أمثال هاتيك حابس
أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً ويوماً له يوم الترحل خامس
تدور علينا الراح في عسجدية حبتها بألوان التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتها مَهاً تدريها بالقسي الفوارس
فللراح مازُرت عليه جيوبها وللماء ما دارت عليه القلانس
حدثني المنقري عن يوسف بن الداية قال: كنت وأبو نواس وجماعة من إخواننا نطوف في شهر رمضان إذا أفطرنا كل ليلة، فمررنا ليلة بمسجد السلولي وابنه يصلي بالناس التراويح، وكان من أصبح الخلق وأحسنهم وجهاً ، فضرب بأبي نواس وقال: لست أبرح حتى يفرغ مجلسنا، وكانت ليلة ختمة، فلما قرأ: أرأيت الذي يكذب بالدين قال أبو نواس: وَفَرَا مُعلناً ليصدع قلبي والهوى يصدع الفؤاد العزوما
أرأيت الذي يكذب بالدين فذاك الذي يدعُ اليتيما
حدثني إبراهيم بن حرب الكوفي قال: حدثني ابن الداية قال: اجتمع أبو نواس ومسلم بن الوليد والخليع وجماعة من العراء في مجلس، فقال بعضهم: أيكم يأتيني ببيت شعر فيه آية من القرآن وله حكمه? فأخذوا يفكرون فيه، فبادر أبو نواس فقال: وفتية في مجلس وجوههم ريحانهم قد أمِنوا الثقيلا
دانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا
فتعجبوا وأفحموا ولم يأت أحد منهم بشيء. قال محمد بن عبد الوهاب: فسمعت بعد ذلك بمدة بيتاً لدعبل استحسنته وهو: ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنينا

الصفحة : 62

حدثني نصر بن محمد قال: أخبرني ابن أبي شقيقة الوراق قال: كان يجتمع الشعراء في دكان أبيه ببغداد وإن أبا العتاهية حضرهم يوماً، فتناول دفتراً ووقع على ظهره ينشد: أيا عجبا كيف يُعصى الإل هُ أم كيف يجحده الجاحدُ
ولله في كل تحريكة وتسكينة أبداً شاهدُ
وفي كل شيء له آيةٌ تدل على أنه واحد
فلما كان من الغد جاء أبو نواس، فجلس فتحدث ساعة، ووقعت عينه على ذلك الدفتر، وقرأ الأبيات. فقال: من صاحبها? لوددت أنها لي بجميع شعري: فقلنا، أبو العتاهية، فكتب تحتها سبحان من خلق الخل ق من ضعيف مَهين
فساقه من قرارٍ إلى قرار مَكين
يحول خلقاً فخلقاً في الحجب دون العيون
فلما كان من الغد جاء أبو العتاهية وقال: لمن هذه الأبيات? لوددت أنها لي بجميع شعري، فقلنا: أبو نواس. وتعجبنا من اتفاق قوليهما.
وحدثني أبو النجم قال: بلغني أن أبا نواس وهو في الكتاب وكان مليحاً صبيحاً- مرت به صبية وضيئة الوجه، فمازحته ساعة، ثم رمت إليه بتفاحة معضضة وانصرفت فقال: شجر التفاح لا خفت القحل لا ولا زلت لغايات المثل
تقبل الطيب إذا علت به وبها من غير طيب محتمل
وعدتني قبلة من سيدي فتقاضت سيدي حين فعل
ليس ذاك العض من عيب لها إنما ذاك سؤال للقبل
ويقال أن الذي رغب فيه والبة بن الحباب حتى أخذه غلاماً فأدبه وخرجه هذه الأبيات. وقيل أيضاً: إن الذي بعث أبا نواس على صحبة والبة وأرغبه فيه بيتا والبة وهما همذان: ولها ولا ذنب لها حب كأطراف الرماح
في القلب يجرح دائماً فالقلب مجروح النواحي
فإنه استحسنهما وجزلهما ورغب في الشعر. وهذا لعمري كلام دونه السحر.

الصفحة : 63

حدَّثني أبو يعقوب إسحاق بن سيار قال: حدَّثني عامة أصحاب أبي نواس منهم عبد الله بن أحمد بن حرب المعروف بأبي هفان قالوا: بني للمخلوع مجلس لم تر العرب والعجم مثله، قد صور فيه كل التصاوير، وذهب سقفه وحيطانه وأبوابه، وعلقت على أبوابه ستور معصفرة مذهبة، وفرش بمثل ذلك الفرش، فلما فرغ من جميع أسبابه، وعرف ذلك، اختار له يوماً، وتقدم بأن يؤمر الندماء والشعراء بالحضور غدوة ذلك اليوم ليصطحبوا معه فيه، فلم يتخلف أحد، وكان فيمن حضر أبو نواس، فدخلوا فرأوا أسا لم يروا مثله قط ولم يسمعوا به، من إيوان مشرف فائح فاسح، يسافر فيه البصر، وجعل كالبيضة بياضاً، ثم ذهب بالإبريز المخالف بينه باللازوردذي أبواب عظام ومصاريع غلاظ تتلألأ فيها مسامير الذهب، قد قمعت رءوسها بالجوهر النفيس، وقد فرش بفرش كأنها صبغ الدم، منقش بتصاوير الذهب وتماثيل العقبان ونضد فيه العنبر الأشهب والكافور المصعد وعجين المسك وصنوف الفاكهة والشمامات والتزايين، فدعوا وأثنوا عليه، وأخذوا مجالسهم على مراتبهم عنده، ومنزلتهم منه، ثم أقبل عليهم فقال: إني أحببت أن أفرغ متعة هذا المجلس معكم، وأصطبح فيه بكم، وقد ترون حسنه، فلا تنغصوني ذلك بالتكلف، ولا تكدروا سروري بالتحفظ، ولكن انبسطوا وتحدثوا وتبذلوا، فما العيش إلا في ذلك. فقالوا: يا أمير المؤمنين، بالطائر الميمون والكوكب السعدي والجد الصاعد والأمر العالي والظفر والفوز، ووفقت يا أمير المؤمنين، وفقت ولم تزل موفقاً. ثم لما طعموا أتي بالشراب كأنه الزعفران، أصغي من وصال المعشوق، وأطيب ريحاً من نسيم المحبوب، وقام سقاة كالبدور، بكئوس كالنجوم، فطافوا عليهم وعملت الستائر بمزاهرها فشربوا معه من صدر نهارهم إلى آخره، في مذاكرة كقطع الرياض، ونشيد كالدر المفصل بالعقبان، وسماع يحيي النفوس ويزيد الأعمار، فلما كان آخر النهار دعا بعشرة آلاف دينار في صواني، فأمر فنثرت عليهم فانتهبوها، والشراب بعد يدور عليهم بالكبير والصغير، من الصرف والممزوج، وليس يمنع أحد منهم مما يريد، ولا يكره على ما يأباه، وكان جيد الشراب، فصبروا معه إلى أن سكر فنام، ونام جميع من في المجلس عند ذلك إلا أبا نواس فإنه ثبت مكانه فشرب وحده، فلما كان السحر دنا من محمد فقال: يا أمير المؤمنين. قال: لبيك يا خير الندامى. فقال أبو نواس: يا سيد العالمين، أما ترى رقة هذا النسيم، وطيب هذه الشمال، وبرد هذا السحر، وصحة هذا الهواء المعتدل والجو الصافي، وبهيج هذه الأنوار? فلما سمع محمد وصفه استوى جالساً وقال: يا أبا نواس، ما بي للشرب موضع، ولا للسهر مكان، وقد بسطتني بمنثور وصفك فنشطني بمنظومه للشرب. فأنشأ يقول: نبه نديمك قد نعس يسقيك كأساً في الغلس
صرفاً كأن شعاعها في كف شاربها قبس
تذر الفتى وكأنما بلسانه منها خرس
يدعى فيرفع رأسه فإذا استقل به نكس
يسقيكها ذو قرطق يلهي ويؤذي من حبس
خنث الجفون كأنه ظبي الرياض إذا نعس
أضحى الإمام محمد للدين نوراً يقتبس
ورث الخلافة خمسة وبخير سادسهم سدس
تبكي البدور لضحكه والسيف يضحك إن عبس
فارتاح المخلوع ودعا بالشراب فشرب معه.
ومما يختاره أهل الفهم من شعر أبي نواس كثير، كما أن الرديء ينفونه من شعره، ولكن نورد من ذلك ما لم يشتهر عند العوام، وندع ما قد اشتهر، فإن رائيته في الخصيب: أجارة بيتينا أبوك غيور وميسور ما يرجى لديك عسير
وإن كانت من قلائده موجودة عند كل إنسان، وليست كميميته التي لا تقصر عنها حسناً وجودة، وهي مع ذلك لا يعرفها إلا الخواص وهي هذه: يا دار ما فعلت بك الأيام لم تبق فيك بشاشة تستام
عرم الزمان على الذين عهدتهم بك قاطنين وللزمان عرام
أيام لا أغشي لأهلك منزلاً إلا مراقبة عليّ ظلام
ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم وأسمت سرح اللهو حيث أساموا
وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه وإذا عصارة كل ذاك أثام

الصفحة : 64

وتجشمت بي هول كل تنوقه هوجاء فيها جرأة إقدام
تذر المطي وراءها فكأنها صف تقدمهن وهي إمام
وإذا المطي بنا بلغن محمداً فظهورهن على الرجال حرام
قربننا من خير من وطي الحصا فلها علينا حرمة وذمام
رفع الحجاب لناظري فبدا به ملك تقطع دونه الأوهام
كالبدر مشتمل بنور خلافة لبس الشباب بملكه الإسلام
سبط البنان إذا احتبى بنجاده غمر الجماجم والسماط قيام
ملك إذا اقتسر الأمور مضى به رأيٌ يفل السيف وهو حسام
داوي به الله القلوب من الجوى حتى برئن وما بهن سقام
أصبحت يا ابن زبيدة ابنة جعفر أملاً لعقد حباله استحكام
فبقيت للعلم الذي يهدي به وتقاعست عن يومك الأيام
ومن ذلك قوله أيضاَ: يا من يبادلني عشقاً بسلوان أم من يصير لي شغلاً بإنسان
كيما أكون له عبداً يقارضني وصلاً بوصل وهجراناً بهجران
إذا التقينا لصلح بعد معتبة لم نفترق دون موعود يلقيان
أقول والعيس تعروري الفلاة بنا سعر الأزمة من مثني ووحدان
لذات لوث عفرناه عذافرة كأن تضبيرها تضبير بنيان
يا ناق لا تسأمي أو تبلغي ملكاً تقبيل راحته والركن سيان
م خير من يمشي على قدم ممن برى الله من إنس ومن جان
مقابل بين أملاك تفضله ولادتان من المنصور ثنتان
مد الإله عليه ظل مملكة أضحى القصي بها كالأقرب الداني
تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها خلقاً وخلقاً كما حذ الشراكان
إن يمسك القطر لم تمسك مواهبه ولي عهد يداه تستهلان
هذا الذي قدم الله القضاء به ألا يكون له في فضله ثاني
هو الذي امتحن الله القلوب به عما يجمجمن من كفر وإيمان
وإن قوماً رجوا إبطال حقكم أمسوا من الله في سخط وعصيان
لن يدفعوا حقكم إلا بدفعهم ما أنزل الله من آي وقرآن
وإن الله سيفاً فوق هامهم بكف أبلج لا غمر ولا واني
يستيقظ الموت منه عند هزته فالموت من نائم فيه ويقظان
حدثني محمد بن عبد الأعلى القرشي قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: قال الأصمعي: ما رأيت أنجب من البرامكة رجالاً وأطفالاً، ولا أشرف منهم أحوالاً، ما أعلم أني حضرت يحيى والفضل وجعفراً إلا انصرفت عنهم ولإخواني بالحباء الجزيل. ثم قال: طرب الفضل بن يحيى إلى مذاكرتي، فأتاني رسوله، وكان يوماً بارداً ذا صر وقر. فقال: أجب الوزير. فمضيت معه، فلما دخلت عليه إذا هو في بهو له. قد فرش بالسمور، وهو في دست منه، وعلى ظهره دواج سمور أشهب، مبطن بخز، وبين يديه كانون فضة، فوقه أثفية ذهب، في وسطها تمثال أسد رابض، في عينيه ياقوتتان تتوقدان، وفوق الصينية إبريق زجاج فرعوني، وكأس كأنها جوهرة محفورة، تسع رطلاً، لا أظنها يفي بها مال كثير، وهو على سرير من عاج، وأنا على ثياب قطن. فسلمت عليه فرد السلام وقال لي: يا أصمعي. ليس هذا من ثياب هذا اليوم. قلت: أصلح الله الوزير. إنما يلبس الرجل ما يجد، فقال: يا غلام ألق عليه شيئاً من الوبر. فأتيت بمثل ما عليه فلبسته حتى الجورب، ثم أتي بخوان لم أدر ما جنسه، غير أني تحيرت في جنسه، وبصفحة مشمسة، فيها لون من مخ الطير، فتناولنا منها.

الصفحة : 65

ثم تتابعت الألوان، فأكلت من جميع ما حضر، ألا والذي اصطفى محمداً صلى الله عليه وآله بالرسالة ما عرفت منها لوناً واحداً، إلا أني لم آكل في الدنيا شيئاً يدانيها قط لذة وطيباً عند خليفة ولا ملك. ثم رفع الخوان، وأتينا بألوان من الطيب، فغسلنا أيدينا، وكنت كلما استعملت من لوناً ظننته أطيب ما في الدنيا من عطر فاخر، حتى إذا استعملت غيره زاده عليه طيباً، فلما فرغنا من ذلك إذا غلام قد أقبل معه جام بلور فيه غالية، قد ازرقت بكثرة العنبر، فتناولنا بملعقة من الذهب حتى نضحناه، فصرت كأني جمرة، ثم قال: أسقنا، فسقاه رطلاً وسقاني مثله، فما تجاوز والله لهاتي حتى كدت أطير فرحاً وسروراً، وصرت في مسلاخ ابن عشرين طرباً. ودبت الشربة فخثرت ما بين الذؤابة والنعل، وكأن دبي الجراد يثب ما بين أحشائي وثباً، فلم أتمالك أن قلت: قاتل الله أبا نواس حيث يقول: إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى دعا همه صدره برحيل
فقال الفضل: هذا البيت له? قلت: نعم يا سيدي، قال: وليس إلا هذا البيت الواحد? قلت: أعز الله الوزير، هي أبيات، قال: هاتها، فأنشدته: وخيمة ناطور برأس منيفة تهم يدا من رامها بزليل
حططنا بها الأثقال فل هجيرة عبور رية تذكى بغير فتيل
نأيت قليلاً ثم فاءت بمزقة من الظل في رث الأباء ضئيل
كأنا لديها بين عطفي نعامة جفا زورها عن مبرك ومقيل
حلبت لأصحابي بها درة الصبا بصفراء من ماء الكروم شمول
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى دعا همه صدره برحيل
فلما توفي الليل جنحاً من الدجى تصابيت واستجملت غير جميل
وأصبحت ألحي السكر والسكر محسن ألا رب إحسان عليك ثقيل
كفى حزناً أن الجواد مقتر عليه ولا معروف عند بخيل
سأبغي الغنى إما نديم خليفة يقيم سواء، أو مخيف سبيل
بكل فتى لا يستطار جنانه إذا نوه الزحفان باسم قتيل
ليخمس مال الله في كل فاجر وذي بطنة للطيبات أكول
أم تر أن المال عون على الندى وليس جواد معدم كبخيل
قال: قاتله الله ما أشعره، يا غلام: أثبتها. ثم قال: أما والله لو لا قاله الناس فيه ما فارقني، ولكن إذا فكرت فيه وجدت الرجل ماجناً خليعاً متهتكاً ألوفاً لحانات الخمارين فأترك نفعه لضره. فقلت: أصلح الله الوزير إنه مع ذلك بمكان من الأدب، ولقد جالسته في مجالس كثيرة، قد ضمت ذوي فنون من الأدباء والعلماء، فما تجاروا في شيء من فنونهم إلا جاراهم فيه، ثم برز عليهم، وهو من الشعر بالمحل الذي قد علمته، أليس هو القائل: ذكرتم من الترحال يوماً فغمنا فلو قد فعلتم صبح الموت بعضنا
زعمتم بأن البين يحزنكم. نعم سيحزنكم حزناً ولا مثل حزننا
تعالوا نقارعكم ليحقق عندكم من أشجى قلوباً أم من أسخن أعينا
أطال قصير الليل يا رحم عندكم? فإن قصير الليل قد طال عندنا
ومن يعرف الليل الطويل وهمه من الناس إلا من تنجم أو أنا
خليون من أوجاعنا يعذلوننا يقولون: لو لم يعب بالحب لانثني
يقومون في الأقوام يحكون فعلنا سفاهة أحلام وسخرية بنا
فلو شاء ربي لابتلاهم بمثل ما اب تلانا فكانوا لا علينا ولا لنا
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد هواك لعل الفضل يجمع بيننا
مير رأيت المال في حجراته مهيناً ذليل النفس بالضيم موقنا
ذا ضن رب المال ثوب جوده بحي على مال الأمير وأذنا
وللفضل أجرا مقدما من ضبارم إذا لبس الدرع الحصينة واكتنى
إليك أبا العباس من دون من مشى عليها امتطينا الحضرمي الملسنا

الصفحة : 66

قلائص لم تعرف كلالاً على الوجى ولم تدر ما قرع الفنيق ولا الهنا
قال الفضل: قد عرفتك أنه لو لا ما هو بسبيله من هذا الفتك ما فاتني قربه ومعاشرته، ثم قال: يا غلام، احمل إليه ألف دينار، فقلت للرسول: أعلمه أن الأصمعي عند الوزير. فتبسم وقال: يا غلام، وإلى بيت أبي سعيد ألف دينار.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 08:08 AM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

?أخبار بكر بن النطاح ويكنى أبا وائل
حدَّثني أبو مالك السعدي قال: حدَّثني سعيد بن المثنى قال: قال يزيد بن مزيد: وجه إلى أمير المؤمنين الرشيد ذات ليلة في وقت يرتاب فيه البريء فذهبت ألبس ثيابي فعاجلني الرسول، فمضيت إليه، فلما مثلت بين يديه قال: يا يزيد، من الذي يقول: ومن يفتقر منا يعش بحسامه ومن يفتقر من سائر الناس يسأل
ونحن وصفنا دون كل قبيلة بشدة بأس في الكتاب المنزل
قلت: والذي أكرمك بالخلافة ما أعرفه. قال: فمن الذي يقول: فإن يك جد القوم فهر بن مالك فحسبي فخراً فخر بكر بن وائل
ولكنهم فازوا بإرث أبيهم وكنا على أمر من الأمر باطل
فقلت: لا وحقك يا أمير المؤمنين ما أعرفه. قال: بلى. أتظن يا يزيد أني أوطئك فراشي وبساطي، وأقلدك أمري. وأنا لا أعرف سرائرك ومخباتك? والله إن عيوني عليك حتى في فراشك، فلا تجعلن على نفسك سلطانا، هذا جلف من أجلاف ربيعة آويته عندك، ومكنته من مجلسك، فقال ما قال: فأتني به حتى أعرفه نفسه ليعلم أن ربيعة ليست كقريش. قال: فانصرفت وأحضرت بكر بن النطاح، فأعلمته القصة، وأمرت له بألفي درهم. وكان له عندي ديوان فأسقطته، وقلت له: الحق بالجزيرة، فخرج إليها، فلم يزل مستتراً بها حتى مات الرشيد، فرددته وزدت في عطائه ونزله.
قال: وحدثت أن بكراً لما ورد على أبي دلف وقد مدحه، دعا به وقال: أنشدني، فأنشده، حتى إذا بلغ الموضع الذي يستمنحه فيه ويسأله قال: فأين ما قلت: ومن يفتقر منّا يعش بحسامه ومن يفتقر من سائر الناس يسأل
فخجل بكر وأطرق ملياً، ثم قال: يا أيها الأمير، لو كان تحتي فرس من خيلك وفي يدي قناة من رماحك، وتقلدت سيفاً من سيوفك. لما قمت هذا المقام. قال: فدعا بجميع ما ذكره، وهميان فيه خمسمائة دينار ثم قال: امض فصدق قولك بفعلك.
فخرج من بين يديه. وأخذ طريق همذان يريد الجزيرة، فلما كان على مسيرة ثلاث من الكرج، استقبله مال عظيم قد حمل إلى أبي دلف من بعض نواحي أعماله، ومعه فرسان من رجاله، فشد عليهم، فقتل بعضهم، وهزم الباقين، واستولى على المال فذهب به. فلما بلغ الخبر أبا دلف ضحك وقال: لا نلوم إلا أنفسنا. نحن بعثناه على ذلك.
ومما يختار من شعره قوله لأبي دلف: فكفك قوس والندى وتر لها وسهمك فيه اليسر فارم به عسري
وقوله أيضاً: ولقد طلبنا في البلاد فلم نجد أحداً سواك إلى المكارم ينسب
ومن طريف الشعر وبديعه قوله لأبي دلف: نادي نداك فاتوا هم إذا امرا ن يدعوا فاهبا كل مستمع
زوروا الأمير وبيت الله تنتفعوا فاختار وجهك فينا كل منتفع
أراد قول الله عز وجل: "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً" ومما يستحسن أيضاً له قوله: ليس الفتى بجماله وكماله إنّ الجواد بماله يدعى الفتى
ويستحسن أيضاً قوله: فتى لا يراعي جاره هفواته ولا حكمه في النائبات غريب
حليم إذا ما الجهل أذهل أهله عن الحلم، مغشي الفناء نجيب
ومما يختار له قوله أيضاً: أهدي إليك نصيحتي ومودتي قبل اللقاء شواهد الأرواح
وعلى القلوب من القلوب دلائل بالود قبل تشاهد الأشباح
ومما يختار له أيضاً: لو كان خلفك أو أمامك هائباً أحداً سواك لهابك المقدار
ومن قلائد وأمهات قصائده قوله: وليلة جمع لم أبت ناسياً لكم وحين أفاض الناس من عرفات
ولم تنسنيك البيض بالخيف من منيّ وقد رحن أرسالاً إلى الجمرات
فطوفن بالبيت العتيق لياليا وزرن فناء البيت العرصات

الصفحة : 67

كأن الدمى أشربن درعاً أوانس بدون لنا في العز والحبرات
يغيب الدجى ما لم يغبن ويختفي إذا كن منه الدهر مختفيات
جمعن جمالاً في كمال مبرز وسددن سلطانا على النظرات
فزودني شوقاً إليك، وحسرة عليك إلى ما بي من الحسرات
ذهبت بديباج الجمال ووشيه وصرن بما خلفت محتفيات
تطاول ليلي بالحجاز ولم أزل وليلي قصير آمن الغدوات
فيا حبذا بر العراق وبحرها وما يجتنى فيه من الثمرات
كفى حزناً ما تحمل الأرض دونها لنا من ذرا الأجيال والفلوات
أبا مريم قيلوا بعسفان ساعة وروحوا على اسم الله والبركات
ومروا على قبر النبي وأكثروا عليه من التسليم والصلوات
وتلقاء مجدٍ فاستحثوا ركابكم ولا تغفلوا فالحبس في الغفلات
إذا الغمرات استقبلتنا وأمعنت ففي خوضها المنجى من الغمرات
تجاهل عبد الله والعلم ظنه على عالم بالمرءذي الجهلات
ألست الخليع الجامع الرأس والذي يرد الصبا عودا على البدآت
وما زال لي إلفاً وأنساً وصاحباً أخاً دون إخواني وأهل ثقاتي
تناجت بما في قلبه عصيبة يمر لها حر على اللهوات
نديم ملوك يحملون تدللي حنيناً إلى الفتيان والفتيات
متى تشتمل بكر على بدارها أبت واثقاً بالجود والنجدات
وفي أسد والنمر أبناء قاسط أمان من الأيام والغيرات
وإن ذوي الإقدام والصبر والنهي لإخواننا ذهل على اللزبات
وإن تشتمل قيس عليّ وتغلب أبت واثقاً بالمال والثروات
وكم من مقام في ضبيعة معمر يضاف إلى الأشراف والسروات
وفي أكلب تلاد وطارف بعيد من التقصير والتبرات
وما الفتك إلا في ربيعة والغنى وذب عن الأحساب والحرمات
وقاد زمام الجاهلية منهم مناجيب سباقون في الجلبات
وقادوا جيوشاً أولا بعد أول أقر لها عاد بكثر أداة
مفاتيح أبواب الندى بأكفنا فسؤالنا يدعون بالشهوات
ذا هلك البكري كان تراثه سنان وسيفٌ قاضب الشفرات
ولم يدعوا من مال كسرى وجنده على الأرض شيئاً بعد طول بيات
إذا لم يسلطنا القضاء على العدا منوا وابتلوا من خوفنا بخفات
وكل قتيل من ربيعة ينتمي إلى حسب صعب المناكب عات
وأول ما اختطوا اليمامة واحتووا قصوراً وأنهاراً خلال نبات
وعاجت على البحرين منهم عصابة حمتها بأعلام لها وسمات
وهم منعوا ما بين حلوان غيرة إلى الدرب درب الروم ذي الشرقات
وأما بنو عيسى فماه ديارهم إلى ما حوت جو من القريات
بنو حرة أدت أسوداً ضوارياً على الحرب وهابين للبدرات
على أعظم بالرايحان ودايه مقدسة تحت التراب رفات
قفا واسألاها إن أجابت وجربا أبا دلف في شأنها الحسنات
فتى ما أقل السيف والرمح مخرجعداه من الدنيا بغير بيات
هو الفاضل المنصور والراية التي أدارت على الأعداء كأس ممات
أذاق الردى جلويه في خيل فارس ونصراً فصاروا أعظما نخرات
وما اعتورت فرسان قحطان قبله على أحد في السر والجهرات

الصفحة : 68

عدت خيله حمر النحور وخيلهم مخضبة الأكفال والربلات
وصبح صبحاً عسقلان بعسكر بكى منه أهل الروم بالعبرات
سعى غير وان عن عقيل وما سلا ولم يعد عن حرمان فالسلوات
فبيتهم بالنار حتى تفرقوا على الحصن بالقتلى أشد بيات
وجاس تخومات البلاد مصمماً على أهلها بالخيل والغزوات
نفى الكرد عن شعبي نهاوند بعدما سقى فرض القربان بالرفقات
وأورد ماء البشر بالبيض فارتوت وعلّ رماحا من دم نهلات
ولم يثنه عن شهر زور مصيفها وورد أجاج الشرب غير فرات
ومن همذان قارعته كتيبة فآبت بطير النحس النكبات
وبالحرشان استنزل القوم وحده يخرون للأذقان والجبهات
ولم ينج منه طالب قبل طالب وقد أوسعا في الطعن هاك وهات
بدين أمير المؤمنين ورأيه ندين وننفي الشك الشبهات
فكل قبيل من معد وغيرها يرى قاسماً نوراً لدى الظلمات
ولو لم يكن موت لكان مكانه أبو دلف يأتي على النسمات
أبا دلف أوقعت عشرين وقعة وأفنيت أهل الأرض في السنوات
تركت طريق الموت بالسيف عامراً تخرقه القتلى بغير وفاة
صبرت لأن الصبر منك سجية على غدرات الدهر ذي الغدرات
إلى أن رفعت السيف والرمح بعدما سموت فنلت النجم بالسموات
ولبيت هارون الخليفة إذ دعا فألفيته في الله خير موات
فأمنت سرباً خائفاً ورددته وألفت عجلاً بعد طول شتات
أعدت اللحا فوق العصا فجمعتها وقد صيروا عجم العصا عبرات
وألبست نعماك الفقير وغيره وأتبعت براً واصلاً بصلات
فعزك مقرون بعلم وسؤدد وجودك مقرون بصدق عدات
وما افتقدت منك القبائل ساعة جواداً يبذ الرمح حلف هبات
ومالك ظللتنا منك بالخير نعمة جعلت لها أمثالها أخوات
بسطت الغنى والفتك والخير والندى بشدة إقدام وحسن أناة
أبو دلف أفنى صفاتي مديحه وإني ليكفي الناس بعض صفاتي
به ارتد ملك كاد يودي وأسبغت على آل عيسى أفضل النعمات
بني قاسم مجداً رفيعاً بيوته وشاد بيوت المجد بالعزمات
وأشبه عيسى في نداه وبأسه وفي حبّه الإفضال والصدقات
وأشبه إدريس الذي حد سيفه تشب به النيران في الفلوات
كأن جياد المقليين في الوغى جهنم ذات الغيظ الزفرات
أبوه عمير قاد أبناء وائل إلى العز الكشاف للكربات
بنو دلف بالفضل أولى لأنهم معادن أيقان بما هو آت
كأن غمام العز حشو أكفهم إذا طبق الآفاق بالديمات
هذا البيت أقرت الشعراء قاطبة أنه لا يكون وراءه حسن ولا جودة معنى، على أن القصيدة كلها نمط واحد دونه الديباج.
إذا زرتهم في كل عام تباشروا ولم يغفلوا الإلطاف والنفحات
فكم أصلحوا حالي وأسنوا جوائزي وأجروا على البذل والنفقات
وإني على ما في يدي من حبائهم كمعن ومثلي طلحة الطلحات
فمنية قومي أن أخلد فيهم ومنية أعدائي نفاد حياتي
أنا الشاعر المملي على ألف كاتب ويسبق إملائي سريع فرات
فأبدي ولا أروي لخلق قصيدة وأحسب إبليساً لحسن وراتي

?أخبار الرقاشي
واسمه الفضل بن عبد الصمد الرقاشي، مولى ربيعة.

الصفحة : 69

حدَّثني أبو مالك قال: قال الفضل بن الربيع للفضل بن عبد الصمد الرقاشي ويلك يا رقاشي، أردت بوصيتك الخلاف على الصالحين. فقال له: جعلت فداك. لو علمت أني أعافى من علتي وأعيش ما أوصيت، فإنها من الذخائر النفيسة التي تدخر للموت.
ووصيته هذه أرجوزة مزدوجة، يأمر فيها باللواط وشرب الخمر والقمار والهراش بين الديكة والكلاب، وهو يزعم- كما ترى- أنها تدخر لوقت الموت، مجوناً وخلاعة. وأولها: أوصى الرقاشي إلى خلانه وصية المحمود في إخوانه
وهي مشهورة موجودة.
حدثني إبراهيم بن تميم قال: حدَّثني المعلى بن حميد قال: الرقاشي من أهل الري من العجم، وفيه يقول أبو نواس يهجوه في موجدة وجدها عليه: وجدت الفضل أكرم من رقاش لأن الفضل مولاه الرسول
أراد بذلك قول النبي صلى الله عليه وآله "أنا مولى من لا مولى له" حدثني ابن أبي الخنساء قال: حدثني أبي قال: لما قال أبو دلف قصيدته التي يقول فيها: ناوليني الدرع قد طا ل عن الحرب جمامي
قال الرقاشي مجيباً له: جنبيني الدرع قد طا ل عن القصف جمامي
واكسري البيضة والمط رد وابدي بالحسام
واقذفي في لجة البح ر بقوسي وسهامي
وبترسي وبرمحي وبسرجي ولجامي
واعقري مهري أصاب الل ه مهري بالصدام
أنا لا أطلب أن يع رف في الحرب مقامي
وبحسبي أن تراني بين فتيان كرام
نهزم الراح إذا ما هم قوم بانهزام
ونخلي الضرب والطع ن لأجساد وهام
لشقيّ قال قد طا ل عن الحرب جمامي
والرقاشي كثير الشعر، قليل الجيد، وكان منقطعاً إلى البرامكة يمدحهم يعيش بهم، فلما زال أمرهم خرج إلى خراسان، واتصل بطاهر بن الحسين، زال بها حتى مات.

?أخبار أبي العتاهية
حدثني أبو الخصيب قال: حدثني المزيدي قال: أبو العتاهية اسمه إسماعيل بن القاسم وكنيته أبو إسحاق وهو مولى لعنزة، ويرمى بالزندقة مع كثرة أشعاره في الزهد والمواعظ، وذكر الموت والحشر والنار والجنة والذي يصح لي أنه كان ثنوياً.
حدَّثني أبو رجاء البصري قال: حدَّثنا علي بن معمر التميمي قال: حدثني شيخ من قدماء الكتاب قال: كنت: آتي أبا العتاهية فأنسخ أشعاره في الزهد وغيره، وكان له بنتان: إحداهما يقال لها بالله، والأخرى لله وكان له ابن زاهد ناسك، وكان مع ذلك شاعراً، إلا أنه قد تخلى من الدنيا.
حدثني أبو الأزهر التبان عن أبي العنقاء البصري قال: كان أبو العتاهية أحد المطبوعين، وممن كاد يكون كلامه شعراً كله، وغزله لين جداً مشاكل لكلام النساء، موافق لطباعهن، وكذلك كان عمر بن أبي ربيعة المخزومي، والعباس بن الأحنف، وكان أبو العتاهية يتغزل في عتبة جارية رائطة بنت أبي العباس السفاح ويظهر عشقها، وكان يجيد الوصف. فمما قاله في عتبة قوله: أعلمت عتبة أنني منها على شرف مطل
وشكوت ما ألقى إلي ها والمدامع تستهل
حتى إذا برمت بما أشكو كما يشكو الأذل
قالت: فأي الناس يع لم ما تقول فقلت: كل
أجمع أهل الأدب أنهم لم يسمعوا قافية أحق بمكانها من قوله فقلت كل وهي قصيدة مشهورة يغني بها.
وحدثني المبرد قال: حدثني محمد بن البصري قال: كان أبو العتاهية، لسهولة شعره وجودة طبعه فيه، ربما قال شعراً موزوناً ليس من الأعاريض المعروفة، وكان يلعب بالشعر لعباً، ويأخذ كيف شاء.
وحدثني إبراهيم بن العباس الكاتب عن أبيه قال: قال أبو العتاهية: قال لي المأمون: أنت أشعر أم أبو نواس? فقلت: أنا من قد علمت يا أمير المؤمنين، ولوددت أن أبيات أبي نواس لي فأستعلي بها على شعراء أهل الأرض، قال: وما هي? قلت قوله: ومستبعد إخوانه بثرائه لبست له كبر أبر على الكبر
متى ضمني يوماً وإياه مجلس رأى جانبي وعراً يزيد على الوعر

الصفحة : 70

وقد زادني تيهاً على الناس أنني أراني أغناهم وإن كنت ذا فقر
قال المأمون: أحسن الرجل أحسن.
وحدثني المعروسي الكوفي قال: حدثني محمد بن زياد- كان يروي لأبي العتاهية شعراً كثيراً قال: جلس أبو العتاهية يوماً إلى قصار فسمع صوت الكدين فقال باقتداره شعراً على إيقاعه، منه هذا البيت: المنون مفنيات واحداً فواحدا
كأنه نظر إلى القصار أخذ ثوباً بعد ثوب، فشبهه بأخذ الموت إنساناً بعد إنسان، وأخذ الوزن من وقع الكدين.
ومما سار له قوله: بسطت كفي نحوكم سائلاً ماذا تردون على السائل
إن لم تنيلوه فقولوا له قولاً جميلاً بدل النائل
أو كنتم العام على عسرة ويلي فمنوه إلى قابل
ولهذا الشعر من قلوب النساء موقع الزلال البارد من الظمآن لرقته، وحدثني أبو البلاد عن الأخوص الأصغر قال: كانت عتبة التي يسبب بها ويظهر عشقها أبو العتاهية جارية لرائطة بنت أبي العباس السفاح، وكان رائطة تحت ابن عمها المهدي بن المنصور أمير المؤمنين، فلما بلغ المهدي إكثاره في شعره من ذكرها ووصفها غضب وقال: ما يجد هذا الجرار أحداً يعبث بحرمة غيرنا? وكان أبو العتاهية قديماً يبيع الجرار في سوق الكوفة، ثم تأدب فارتفع بأدبه. قال: فأمر بحبسه، فعمل أبو العتاهية من قبل يزيد بن منصور خال المهدي- وكان أعز الناس إليه- حتى تخلص، فعاد إلى مثل حاله معها، فلما طال هذا دخلت رائطة على المهدي فشكته وقالت: قد شهر بجاريتي بشعره وفضحها، واحفظته عليه، فأحضره وضربه بالسياط في الدواوين بين يديه، وكان ضعيف البنية فغشى عليه، فلما أفاق رفع رأسه فإذا بعتبة واقفة تنظر إليه من سطح فقال: بخ بخ يا عتب من مثلكم قد قتل المهدي فيكم قتيل
فتعجب المهدي ورق له ورحمه، وأمر بالإحسان إليه، ووعده بالجارية أن يستوهبها من مولاتها ويدفعها إليه، فلما علمت الجارية ذلك، وألح أبو العتاهية على المهدي يقتضيه ما وعده بشعره قالت: يا أمير المؤمنين أستجير في مروءتك وشرفك وما يلزمك من حق خدمتي وصحبتي أن تخرجني من دار النعمة إلى بائع جرار سوقي دنيء النفس، وبعد، فإنما يريد الذكر والشهرة، وليس بعاشق، فإن أردت أن تعرف ما يقول فمر له بمال له خطر، فإنه سيلهيه عني ويشغله عن ذكري، فأمر له المهدي بمائة ألف، ولم يسم ورقاً ولا عيناً، فأورد أبو العتاهية توقيعة بذلك على الكتاب، فأعطوه مائة ألف درهم على أنه لم يسم شيئاً، فأبى ولم يرض وقال: أنا لا أراه وقع لي بمائة ألف دينار، فإنه لم يكن ليعوضني منها أقل من هذا، فقالوا: حتى نؤامره إذاً في هذا الكتاب، وكان يتردد شهراً يطالب به، فأشرقت عليه عتبة وقالت له:- وقد دخل الدار يقتضي ذلك- : يا صفيق الوجه، لو كنت عاشقاً لشغلك العشق عن المفاضلة بين الدراهم والدنانير. وبلغ كلامها المهدي، فعلم أنها كانت أعرف بقصة الرجل، فأمسك عن أمره.
ولأبي العتاهية في الرشيد وكان وجد عليه فحبسه فكتب إليه: تفديك نفسي من كل ما كرهت نفسك إن كنت مذنباً فاغفر
يا ليت قلبي لديك صور ما فيه لتستيقن الذي أضمر
فرق له، ووقع في رقعته: لا بأس عليك، فاطمأن إلى ذلك. ثم تمادى مكثه في الحبس فكتب إليه: كأن الخلق ركب فوق روح له جسد وأنت عليه رأس
أمين الله إن الحبس بأسٌ وقد وقعت: ليس عليك باسُ
فأمر بإطلاقه.
ومما كتب إليه في الحبس أيضاً هذا: إنما أنت رحمة وسلامة زادك الله غبطة وكرامة
قيل لي قد رضيت عني فمن لي أن أرى لي على رضاك علامه
وحقيق ألا يراع بسوء من رآك ابتسمت منه ابتسامه
لو توجعت لي فروحت عني روح الله عنك يوم القيامة
وكان الرشيد حين حبسه جعل أمره خادم له يقال له ماهر، وكان يحسن إليه، فهو يقول: كفاني العناية من أمره بتشمير ما كان من غرسه
وكان الشفيع إلى غيره فصار الشفيع إلى نفسه
وحدثني بعض أهل الأدب قال: أهدي أبو العتاهية إلى الرشيد نعلاً وكتب إليه:

الصفحة : 71

نعل بعثت بها لتلبسها قدماً تسير بها إلى المجد
لو كان يمكن أن أشركها خدي جعلت شراكها خدي
وسمع رجل أبا العتاهية ينشد: فانظر بعينك حيث شئ ت فلن ترى إلا بخيلا
أراد ما في صورة الإسراء "قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتوراً" فقال الرجل: يا أبا العتاهية بخلت بجميع الناس، قال: فأكذبني بواحد.
حدثني محمد بن راشد الكاتب عن ابن جبلة البنوي قال: أتى أبو العتاهية باب أحمد بن يوسف كاتب المأمون، فحجب عنه فقال: متى يظفر الغادي بحاجة ونصفك محجوب ونصفك نائم
فسار بيته هذا في الأفاق، وجعل الناس يتناشدونه، فاعتذر إليه. ومما يستحسن له في المواعظ والحكمة: وعظتك أجداث صمت ونعتك أزمنة خفت
وتكلمت عن أوجه تبلى وعن صور شتت
وأرتك قبرك في القبو ر وأنت حيّ لم تمت
وله في استبطاء بعض الناس، وما سمع بأحسن منها: ما أنا إلا لمن يراني أرى خليلي كما يراني
لست أرى ما ملكت أمري مكان من لا يرى مكاني
من ذا الذي يرتجي الأقاصي إن لم ينل خيره الأداني
فلي إلى أن أموت رزق لو جهد الخلق ما عداني
لا يكرم الدهر كل من لا يصلح إلا على الهوان
واستغن بالله عن فلان وعن فلان وعن فلان
فالمال من حله صيان للوجه والعرض واللسان
والفقر بيت عليه قفل مفتاحه العجز والتواني
ولا تدع مكسباً حلالاً تكون منه على بيان
ورزق ربي له وجوه هن من الله في ضمان
سبحان من لم يزل عليا ليس له في العلو ثاني
قضى على خلقه المنايا فكل شيء سواه فاني
يا رب لم نبك من زمان إلا بكينا على زمان
وهو القائل أيضاً: نعمى نفسي إليّ من الليالي تصرفهن حالاً بعد حال
فما لي لست مشغولاً بنفسي ومالي لا أخاف الموت مالي
لقد أيقنت أن غير باق ولكني أراني لا أبالي
أمالي عبرة في ذكر قوم تفانوا ربما خطروا ببالي
كأن ممرضي قد قام يسعى بنعشي بين أربعة عجال
وخلفي نسوة يبكين شجواً كأن قلوبهن على المقالي
تعالى الله يا سلم بن عمرو أذل الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تساق إليك عفواً أليس مصير ذاك إلى الزوال
فما ترجو بشيء ليس يبقى وشيكاً ما تغيره الليالي
بلوت الناس قرناً بعد قرن فلم أر غير خلاب وقالي
وذقت مرارة الأشياء جمعاً فما شيء أمر من السؤال
ولم أر في الأمور أشد هولاً وأفظع من معاداة الرجال
وأشعار أبي العتاهية كثيرة جداً، إلا أنها مشهورة وموجودة، وفيما أوردناه منها كفاية.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 11:07 AM   المشاركة رقم: 19
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

أخبار مسلم بن الوليد الأنصاري
وهو صريع الغواني.
حدثني صالح بن محمد العوفي قال: حدَّثنا إبراهيم بن أبي يحيى المدني الأنصاري قال: كان مسلم بن الوليد صريع الغواني مداحاً محسناً مجيداً مفلقاً، وهو أول من وسع البديع، لأن بشار بن برد أول من جاء به. ثم جاء مسلم فحشا به شعره، ثم جاء أبو تمام فأفرط فيه وتجاوز المقدار.
وجل مدائح مسلم في يزيد بن مزيد، وداود بن مزيد، وفي البرامكة. وقد مدح الخلفاء حدثني ابن المغير قال.
كان مسلم بن الوليد مدح الرشيد باللامية السائرة، فلما دخل عليه فأنشده وبلغ قوله: ?هل العيش إلا أن تروح مع الصبا=وتغدو صريع الكأس والأعين النجل قال له: أنت صريع الغواني. فسمي بذلك حتى صار لا يعرف إلا به. ويقال: إن الرشيد كتب شعره بماء الذهب. وأول القصيدة: أديرا الكأس لا تشربا قبلي ولا تطلبا من عند قاتلي ذحلي

الصفحة : 72

وهي مشهورة سائرة جيدة عجيبة. ومما يستحسن له- على أن شعره كله ديباج حسن لا يدفعه عن ذلك أحد- قوله: فإني وإسماعيل يوم وداعه لكالغمد يوم الروع زايله النصل
فإن أغش قوماً بعده أو أزرهم فكالوحش يدنيها من الأنس المحل
وهذا معنى لا يتفق للشاعر مثله في ألف سنة.
وهو القائل في يزيد بن مزيد في قصيدة له جيدة طويلة عجيبة.
موف على مهج في يوم رهج كأنه أجل يسعى إلى أمل
لا يرحل الناس إلا نحو حجرته كالبيت يضحى إليه ملتقى السبل
يكسو السيوف نفوس الناكثين به ويجعل الروس تيجاناً على الذيل
قد عود الطير عادات وثقن بها فهن يتبعنه في كل مرتحل
تراه في الأمن في ردع مضاعفة لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل
لله من هاشم في أرضه جبل وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل
صدقت ظني وصدقت الظنون به وحط جودك جل الرحل عن جملي
وأول هذه القصيدة: أجررت حبل خليع في الصبا غزل وشمرت همم العذال في العذل
وهي كما قلنا مشهورة، فتركناها إلا هذه الأبيات فإنها من عيون القصيدة، وإن كانت القصيدة كلها عينا.
ومما سار له من هجوه قوله: يا ضعيف موسى أخي خزيمة صم أو فتزود إن كنت لم تصم
أطرق لما أتيت ممتدحاً فلم يقل لا فضلاً على نعم
فخفت إن مات أن أقاد به فقمت أبغي النجاة من أمم
لو أن كنز البلاد في يده لم يدع الإعتلال بالعدم
ومما يختار له أيضاً قوله: لن يبطئ الأمر ما أملت أوبته إذا أعانك فيه رفق متئد
والدهر آخذ ما أعطي مكدر ما أصفى ومفسد ما أهوى له بيد
فلا يغرك من دهر عطيته فليس يترك ما أعطي على أحد
ومما يستملح له قوله: شججتها بلعاب المزن فاغتزلت نسجين من بين محلول ومعقود
أهلاً بوافدة للشيب واردة وإن تراءت بشخص غير مودود
لا أجمع الحلم والصهباء قد سكنت نفسي إلى الماء عن ماء العناقيد
ومما يختار له قوله للفضل بن يحيى أو الفضل بن جعفر بن يحيى: تساقط يمناه الندى وشماله ال ردى وعيون القول منطقه الفصل
بكف أبي العباس يستمطر الغنى وتستنزل النعمى ويسترعف النصل
متى شئت رفعت الستور عن الغنى إذا أنت زرت الفضل أو أذن الفضل
ومن السائر الذي يروي له قوله في السفينة: كشفت أهاويل الدجى عن مهولة بجارية محمولة حامل بكر
إذا أقبلت راعت بقلة قرهب وإن أدبرت راقت بقادمتي نسر
أقلت بمجدافين يعتورانها وقومها كبح اللجام من الدبر
كأن الصبا تحكي بها حين واجهتنسم الصبا مشي العروس إلى الخدر
ركبنا إليه البحر في أخرياته فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر
ومما يستملح له حسن تشبيه وجودة معنى قوله: إبريقنا سلب الغزالة جيدها وحكى المدير بمقلتيه فزالا
يسقيك باللحظات كأس صبابة ويعيدها من كفه جريالا
ومن مختاراته أيضاً قوله: إذا شئتما أن تسقياني مدامة فلا تقتلاها، كل ميت محرم
خلطنا دماً من كرمة بدمائنا فأظهر في الألوان منا الدم الدم
ومن بديع ما يروي له قوله: إن كنت تسقين عين الراح فاسقيني كأساً ألذ بها من فيك تشفيني
عيناك راحي وريحاني حديثك لي ولون خديك لون الورد يكفيني
ومن بدائعه أيضاً قوله: خفين على ريب المنون وغصت ال رين فلم ينطق لها أبداً ححل
ولما تلاقينا قضى الليل نحبه بوجه كوجه الشمس ما إن له مثل
وخال كخال البدر في وجه مثله لقينا المنى فيه فحاجزنا البذل

الصفحة : 73

وماء كماء الشمس لا يقبل الأذى إذا درجت فيه الصبا خلته يغلو
من الضحك الغر اللواتي إذا التقت تحدث عن أسراره السبل السبل
صدغنا به حد الشمول وقد طغت فألبسها حلماً وفي حلمها جهل
ومما يستحسن من لاميته في الرشيد قوله: ومانحة شرابها الملك قهوة يهودية الأصهار مسلمة البعل
بعثنا لها منا خطيباً لبضعها فجاء بها يمشي العرضنة في مهل
قد استودعت دناّ فهو قائمٌ بها شغفاً بين الكروم على رجل
شققنا لها في الدن عيناً فأسبلت كألسنة الحيات خافت من القتل
ويختار من قوله هجوه لسعيد بن سلم: وأحببت من حبها الباخلي ن حتى ومقت ابن سلم سعيدا
إذا سيل عرفاً كسا وجهه ثياباً من اللوم صفرا وسودا
ومما السحر معناه رقة وحسناً إذا التقينا منعنا النوم أعيننا ولا تلائم غمضاَ حين نفترق
أقر بالذنب مني لست أعرفه كيما أقول كما قالت فنتفق
حبست دمعي على ذنب تجدده فكل يوم دموع العين تستبق
ومن جيد ما يروى له قوله: فما سلوت الهرى جهلاً بلذته ولا عصيت إليه الحلم من خرق
يا واشياً أحسنت فينا إساءته نجي حذارك إنساني من الغرق
ويختار له أيضاً قوله في غلبة اليأس على النفس والرجوع إلى الطمع: أعاود ما قدمته من رجائها إذا عاودت باليأس منها المطامع
رأتني عمى الطرف عنها فأعرضت وهل خفت إلا ما تشير الأصابع
وما زينتها النفس لي عن لجاجة ولكن جرى فيها الهوى وهو طائع
مللت من العذال فيها فأطرقت لهم أذن قد صم عنها المسامع
فأقسمت أنسى الداعيات إلى الصبا وقد فاجأتها العين والستر واقع
ومما يستحسن له في الزهد قوله: كم رأينا من أناس هلكوا فبكى أحبابهم ثم بكوا
تركوا الدنيا لمن بعدهم ودهم لو قدموا ما تركوا
كم رأينا من ملوك سوقوا ورأينا سوقة قد ملكوا
وضع الدهر عليهم بركة فاستداروا حيث دار الفلك

??أخبار أبان بن عبد الحميد اللاحقي

الصفحة : 74

حدثني عبد الرحيم بن ميمون البصري قال: حدثني أبو هفان قال: كان أبان اللاحقي شاعراً أديباً، عالماً ظريفاً منطقياً، مطبوعاً في الشعر، مقتدراً عليه، يقتضب الخطب، ويرسل الرسائل الجياد، وهو صاحب البرامكة وشاعرهم وصاحب جوائزهم للشعراء، وهو يستخرجها لهم ويفرقها عليهم، وهو الذي نقل كليلة ودمنة شعراً بتلك الألفاظ الحسنة العجيبة، وهي هذه المزدوجة التي في أيدي الناس، وكان الذي استدعى ذلك وأراده يحيى بن خالد بن برمك، وكان قد اختار أبا نواس، فصار إليه أبان اللاحقي فقال كالمنتصح: أنت رجل مغرم بهذا الشراب لا تصبر عنه وعن الاجتماع مع إخوانك عليه، وهو لذتك من الدنيا ومتعتك، وهذا الكتاب مشهور، ولم ينتقل إلى هذا الوقت من المنثور إلى الشعر، وإذا فعل ذلك تداوله الناس وطلبوه ونظروا فيه، فإن أنت توليته مع تشاغلك بلهوك ولذتك لم يتوفر عليه فكرك وخاطرك، ولم يخرج بالغاً في الجودة والحسن، وإن توفرت عليه واهتممت به قطعك ذلك عن لهوك ولذتك ومتعتك. فلا تقدم عليه إلا بعد إنعام النظر في أمرك. فظن أبو نواس أنه قد نصح له، واستقال الأمر فيه، فاستعفى عنه، وتخلى به اللاحقي، ولزم بيته لا يخرج حتى فرغ منه في أربعة أشهر، وهي قريبة من خمسة آلاف بيت، لم يقدر أحد من الناس أن يتعلق عليه بخطإ في نقله، ولا أن يقول: ترك من لفظ الكتاب أو معناه. ثم حمله إلى يحيى بن خالد، فسر به سروراً عظيماً، وأعطاه على ذلك مائة ألف درهم. فحزن أبو نواس وحسده، وتبين له أنه كان احتال عليه. فهذا سبب ما كان بينهما من العداوة. وكان في جميع أحواله أرفع طبقة من أبي نواس. وقد هجاه أبو نواس بشعر كثير. فما سار له فيه شيء على شهرة شعره، ولم يقل في أبي نواس غير ثلاثة أبيات، وقد سارت في الدنيا، وهي هذه: أبو نواس بن هاني وأمه جلبان
والناس أفطن شيءٍ إلى حروف المعاني
إن زدت بيتاً على ذي ما عشت فاقطع لساني

أخبار منصور النمري
واسمه منصور بن سلمة بن الزبرقان، وهو من رأس العين. ويكنى أبا الفضل حدثني أبو رجاء الضحاك بن رجاء الكوفي قال: حدثني ابن عبدل قال: مر منصور النمري يوماً بالعتابي- وكان صديقاً له، وكان النمري يجل العتابي ويعظمه لقناعته وديانته، ولعلمه مع ذلك وسعة أدبه- فسلم عليه فرأى به العتابي كآبة. فقال له النمري إني مغتم بامرأتي فلانة، فإنها تمخض منذ ثلاث وقد عسرت عليها ولادتها، فقال له العتابي: ويحك، فأين تركت الحزم ودواؤها عندك? قال: وما هو? فقال: تكتب على متاعها: الرشيد، حتى تسهل ولادتها فإنما عسر الولادة من ضيق المسلك. وإذا كتبت الرشيد على فرجها اتسع. فغضب النمري واختلط. وقال ويحك، أشكو إليك مثل هذا الأمر أفتستقبلني بمثل هذا، وتستخف باسم أمير المؤمنين وذكره? فقال العتابي: فلا تغضبن فأنت علمتنا هذا. ألست القائل في الرشيد في قصيدتك العينية: إن أخلف القطر لم تخلف مخايله أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
- وهذه القصيدة عجيبة في المدح فصيحة، وتشبيبها في الشيب لم يقل مثله أحد- فاستحكم غضب النمري وغيظه عليه، ومر من وجهه ذلك إلى الرشيد فأعلمه، وحكى لفظه، ففار كما يفور المرجل غيظاً عليه، وحلف ليقتلنه. وكان جعفر بن يحيى يستخص العتابي ويقربه ويعاشره، فما زال بالرشيد حتى عفا عنه، ورضي وسكنت نفسه. وسكت العتابي على هذه مدة، حتى تمكن من الرشيد بعلمه وغزارة أدبه، فإنه كان بحراً لا ينزف، وحضر مجلسه ليلة يسامره، والنمري غائب بالرقة، فتحدث عنه طويلاً وأجرى الحديث إلى ذِكر الروافض محمداً، ثم أنشده القصيدة التي للنمري وأولها: شاء من الناس رابع هامل يعللون النفوس بالباطل
تقتل ذرية النبي وير جون خلود الجنات للقاتل
ويلك يا قاتل الحسين لقد بؤت بحمل ينوء بالحامل
أي حباء حبوت أحمد في حفرته من حرارة الثاكل
بأي وجه تلقى النبي وقد دخلت في قتله مع الداخل
هلم فاطلب غداً شفاعته أو لا فرد حوضه مع الناهل
ما الشك عندي في حال قاتله لكنني قد أشك في الخاذل

الصفحة : 75

نفسي فداء الحسين يوم غدا إلى المنايا غدو لا قافل
ذلك يوم أخنى بشفرته على سنام الإسلام والكاهل
حتى متى أنتِ تعجلين: ألا تنزل بالقوم نقمة العاجل
لا يعجل الله إن عجلت وما ربك عما ترين بالغافل
وعاذلي أنني أحب بني أحمد فالترب في فم العاذل
قد دِنت ما دينكم عليه فما وصلت من دينكم إلى طائل
دينكم جفوة النبي وما ال جافي لآل النبي كالواصل
فلما بلغ قوله في ذكر فاطمة عليه السلام وأمر فدك، وذكر أبي بكر وعمر، وزعمه أنهما ظلماها في أمر فدك وهو قوله: مظلومة والإله ناصرها تُديرُ أرجاء مقلة حافل
قال له الرشيد: يا عتابي، من قال هذا? قال: عدوك يا أمير المؤمنين الذي تظن أنه وليك. فقال: ويلي على ابن الفاعلة، يحض الناس على الخروج علي، يضمر عداوتي ويظهر من موالاتي ما يظهر، وقد اقتني مني هذه الأموال، ومنزلته هذه المنزلة- وكان منصور يعتزي إلى الرشيد بالخؤولة من جهة نتيلة النمرية أم العباس بن عبد المطلب، وكان يمدح الرشيد بالمدائح الجياد التي ليس لأحد مثلها، وكان يصله بالصلات الجزيلة، وكان النمري يدين بالإمامة سراً، ويمدح آل الرسول، ويعرض في شعره بالسلف، والرشيد لا يعلم ذلك حتى كثر، وكان ذلك اليوم- ثم أقبل العتابي يحضه، ويذكر مذهبه، وينشد شعره في الطالبيين شيئاً بعد شيءٍ، فدعا الرشيد بأبي عصمة الشيعي وهو من الزيدية في شيعة بني العباس. فقال له: اخرج من ساعتك هذه إلى الرقة، فخذ منصوراً النمري، فسل لسانه من قفاه، واقطع يده ورجله، ثم اضرب عنقه، واحمل إلى رأسه، واصلب هناك بدنه. فخرج أبو عصمة لذلك، فلما صار بباب الرقة، وهو يدخل المدينة، إذا هو بجنازة النمري قد استقبلته فانكفأ راجعاً إلى الرشيد فاعلمه. فقال له: فألا إذ صادفته ميتاً أحرقته بالنار? وهو القائل بقصيدته التي يمدح فيها الرشيد: يا بن الأئمة من بعد النبي ويا أب ن الأوصياء أقر الناس أم دفعوا
لولا عدي وتيم لم تكن وصلت إلى أمية تمريها وترتضعُ
إن الخلافة كانت إرث والدكم من دون تيم وعفو الله متسع
وما لآل علي في إمارتكم حق وما لهم في إرثكم طمع
يا أيها الناس لا تغرب عقولكم ولا تضفكم إلى أكنافها البدع
العم أولى من ابن العم فاستمعوا قول النصيح فإن الحق يستمع
وقد أقام القيامة في تشبيب هذه القصيدة بالشباب فالتشبيب منها: أودى الشباب وفاتتني بشرته صروف دهر وأيام لها خدع
ما كنت أوفي شبابي كنت غرته حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
إن كنت لم تطمعي ثكل الشباب ولم تشجى بغصته فالعذر لا يقع
وأول هذه القصيدة: ما تنقضي حسرة مني ولا جزع إذا ذكرت شباباً ليس يرتجع
ورووا أنه دخل على الرشيد يوماً فانشده: بني حسن وقل لبني حسينٍ عليكم بالسداد من الأمورِ
أميطوا عنكم كذب الأماني وأحلاماً يعدن عدات زور
مننت على ابن عبد الله يحيى وكان من الحتوف على شفير
ولو جايت ما اقترفت يداه دلفت له بقاصمة الظهور
يدٌ لك في رقاب بني علي ومن ليس بالمن الصغير
وإنك حين تبلغهم أذاة وإن ظلموا لمحترق الضمير
ألا لله در بني علي وزور من مقالتهم كبير
يُسمون النبي أباً، ويأبى من الأحزاب سطر في سطور
يريد قوله عز وجل "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله" قال: فقال الرشيد لما سمع قوله: وإنك حين تبلغهم أذاةوإن ظلموا لمحترق الضمير
ويحك، ما هذا? شيء كان في نفسي منذ عشرين سنة لم أقدر على إظهاره فأظهرته بهذا البيت. ثم قال للفضل بن الربيع: خذ بيد النمري فأدخله بيت المال، ودعه يأخذ ما شاءَ، فأدخلني وليس فيه إلا سبع وعشرون بدرة، فاحتملتها.

الصفحة : 76

وأخذ النمري على شعره في دفعتين ما لم يأخذه شاعر قط: إحداهما هذه، والأخرى أن الرشيد كان بالرقة، وكان يستحسنها ويستطيبها، فيقيم بها، وأطال المقام بها مرة، فقالت زبيدة للشعراء: من وصف مدينة السلام وطيبها في أبيات يشوق أمير المؤمنين إليها أغنيته. فقال في ذلك جماعة، منهم النمري قال أبياتاً أولها: ماذا ببغداد من طيب أفانين ومن عجائب للدنيا وللدين
إذا الصبا نفحت والليل معتكر فحرشت بين أغصان الرياحين
فوقعت أبياته من بين جميع ما قالوا، وانحدر الرشيد إلى بغداد. فوهبت زبيدة للنمري جوهرة. ثم دست إليه من اشتراها، بثلاثمائة ألف درهم.
ومن جيد ما قال في آل الرسول عليهم السلام: آل الرسول ومن يحبهم يتطامنون مخافة القتلِ
أمن النصارى واليهود وهم من أمة التوحيد في أزلِ
وله الميمية التي يغني بها، يمدح فيها الرشيد وهي جيدة أولها: يا زائرينا من الخيامِ حياكما الله بالسلام
لم تطرقاني وبي حراك إلى حلال ولا حرامِ
هيهات للهو والتصابي وللغواني وللمدامِ
أقصر جهلي وثاب حلمي ونهنه الشيب من عرامي
لله حبي وترب حبي ليلة أعياهما مرامي
آذنتاني بطول هجري وعدتاني مع السوامِ
وانطوتا لي على ملامٍ والشيب شر من الملام
بورك هارون من إمام بطاعة الله ذو اعتصام
يسعى على أمة تمنى أن لو تقية من الحمام
لو استطاعت لقاسمته أعمارها قسمة السهام
يا خير ماض وخير باقٍ بعد النبيين في الأنام
وميميته في المأمون وهو ولي عهد عجيبة، قد صارت مثلاً في سائر الناس وأولها: لعل عُذراً وأنت تلومْ وكم لائم قد لام وهو مُليم
وأشعار النمري في آل الرسول عليهم السلام كثيرة جيدةً، من أجود ما مُدحوا به. وكذلك ما له في المدح والغزل كله جيد. وهو من فحولة المحدثين. وله أخبار كثيرة ونوادر.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
قديم 07-22-2006, 11:11 AM   المشاركة رقم: 20
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
مستشار
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية جليلة ماجد

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 7
المشاركات: 3,617 [+]
بمعدل : 1.20 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جليلة ماجد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : جليلة ماجد المنتدى : اقرأ
افتراضي

أخبار البطين
حدثني أبو ريحان قال: قال لي سليمان بن علي: كان طول البطين اثني عشر شبراً بأتم ما يكون من أشبار الناس، ولم ير في زمانه أحد أطول منه، وكان يرعب من رآه. وكان مع ذلك قبيح الوجه، فكان إذا أقبل لا يشك من يراه أنه شيطان، حتى يحاوره فيصيب منه آدب الناس وأفصحهم، وكان مع ذلك فاسقاً معلناً بفسقه، وكان أحمق خلق الله مع ذلك الأدب والفصاحة.
حدثنا أبو عدنان قال: حدثنا عبد الصمد بن إبراهيم الخزري قال: عشق البطين جارية من أهل الرملة يهودية، فرام تزوجها، فأبى قومها أن يزوجوه لإسلامه، فلما رأى امتناعهم بذلك السبب تهود، ومكث على اليهودية سنين حتى تزوجها، ثم عاد إلى الإسلام. وفي البطين يقول أبو خالد الغنوي: وإن حراً أدى البطين بزحرةٍ ولم تنفتق أقطاره لرحيبُ
وإن زماناً أنطق الشعر مثله وأدخله في عدنا لعجيب
ويحشر يوم البعث أما لسانه فعي وأما دُبره فطيب
وحدثنا عن الخصيبي قال: قال البطين- وكان من أهل حمص- لما خرج أبو نواس من العراق يريد مصر زائراً للخصيب، وبلغنا أنه يجتاز بنا، لم أزل أترقب وروده حمص، حتى قيل: قد وفد، فمضيت إلى الحان فإذا برجل له هيئة، في إزار مُعصفر، وهو جالس على درجة الحان، في يده جردق من جرادق يفركها ويطرحها للعصافير، فسلمت عليه وقلت: أين نزل أبو نواس? قال: ويحك ألا نظرت إلى مظلمة الكفر، فلا تحتاج إن تسأل? فمضيت به إلى منزلي، فأقام عندي أياماً ثم شيعته أميالاً.
وكان جيد الشعر محكمه، يشبه نمطه نمط الأعراب. وهو القائل: لم أقل عند الكريهة يا ليتني في الخفض والدعة
بل تسربلتُ الحفاظ على ميت، في الصدر لم يمت
وحسام لا يطيق صداً كانصباب الكوكب الكفتِ
وُصلتْ بالموت هبته كاتصال السم بالحمة
فهو ما أحببت من وزرٍمطرق ما لم يهج حفتِ

الصفحة : 77

يا أبا العباس ليس على جمجمات البين من صلتِ
مُنيتْ نفسي بواحدة منك لم تدرك ولم تفت
رعية العهد التي وصلت بقواها قوة المقة
فأذني من إضاعتها إن هذاك من الضعة
لم يزل شكريك متصلاً بلساني لك والشفة
فإذا قابلت معضلة كنت مصغاتي وملتفتي
وله أيضاً: ذروني وكلباً أنني اليوم إلبها كما هي لي في كل نائبة إلبُ
ألا لا أبالي عتب من كان عاتبا يمر برأسي دون ما رضيت كلبُ
ومما يستحسن له قوله: لله قلب سما بحبكم لم يألُ في مرتقاه مرتفعا
لم يضع الحب غير موضعه ولا سعى في السلوحين سعى
أحببت قلبي لما أحبكم وصار أمري لأمره تبعا
وهذا معنى بديع قلما يرزق الشاعر مثله، وفيها يقول: شيعت قلبي إلى مشيئته متبعاً في الهوى ومتبعا
ورب قلب يقول صاحبه تعساً لقلبي فبئس ما صنعا
يا من تعريتُ من تعطفه ومن كساه وتعطفي خلعا
ما هبت الريح من بلادكم إلا تقطعت إثركم قطعا
ولا استقلت من نحو بلدتنا إلا تمنيت أن نكون معا
ومما يستحسن له قوله أيضاً، وهي أيضاً كأنها أعرابية: رميننا خمسة ورموا نُعيماً وكان الموت للفتيان زينا
فلما لم ندع ندباً ورمحا بركنا للكلاكل فارتمينا
فإنك لو رأيت بني أبينا وشدتهم وعكرتهم علينا
لعمر الباكيات على نعيم لقد عزت رزيته علينا
فلا تبعد نعيم فكل حي سيلقى من صروف الدهر حينا

أخبار أشجع السلمي
حدثني أبو علي الحسين بن بسطام قال: قال أبو تمام الطائي: كان أشجع السلمي رديء المنظر قبيح الوجه، مصاباً بعين، وكان على قلب الرشيد ثقيلاً من بين الشعراء، فدخل عليه يوماً فقال: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تأذن لي في إنشادك، فإني إن لم أظفر منك ببغيتي في هذا اليوم فلن أظفر بها. قال: وكيف? قال: لأني مدحتك بشعر لا أطمع من نفسي ولا من غيري في أجود منه، فإن أنا لم أهزك في هذا اليوم فقد حرمت منك ذلك إلى آخر الدهر. فقال: هات أذن نسمع، فأنشده قصيدته الميمية التي يقول فيها: وعلى عدوك يا ابن عم محمد رصدان ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبه رعته وإذا هدا سلت عليه سيوفك الأحلام
فلما بلغ هذين البيتين اهتز الرشيد وارتاح وقال: هذا والله المدح الجيد والمعنى الصحيح، لا ما عللت به مسامعي هذا اليوم- وكان أنشده في ذلك اليوم جماعة من الشعراء- ثم أنشده قصيدته التي على الجيم وهي قوله: ملك أبوه وأمه من نبعة منها سراج الأمة الوهاج
شربا بمكة في ذرا بطحائها ماء النبوة ليس فيه مزاج
فلما سمع هذين البيتين كاد يطير ارتياحاً ثم قال: يا أشجع، لقد دخلت إليّ وأنت أثقل الناس على قلبي، وإنك لتخرج من عندي وأنت أحب الناس إليّ. فقال له: فما الذي أكسبتني هذه المنزلة? قال له: الغنى، فاسأل ما بدا لك. قال: ألف ألف درهم. قال: ادفعوا إليه.
ومما يستجاد له قوله في الرشيد: قصر عليه تحية وسلام نشرت عليه جمالها الأيام
فيه اجتلى الدنيا الخليفة والتقت للملك فيه سلامة ودوام
كانت كنوز مآثر فأثارها ملك على آرائه عزام
من لي بالعصرين يعتوراني والعام يدفع في قفاه العام
أدناك من ظل النبي وسيلة وقرابة وشجت بها الأرحام
وصلت يداك السيف يوم تعطلت أيدي الرجال وزلت الأقدام
وهي مختارة يقول فيها: وعلى عدوك يا ابن عم محمد..........

الصفحة : 78

ومختار شعره في الرشيد وف مكة. فمما له في الرشيد قوله، وقد ركب في يوم عيد ركبة لم ير الناس مثلها أحسن هيئة وأتم زينة وأكمل أداة وأكثر قواداً وجنداً:
لا زلت تنشر أعياداً وتطويها تمضي بها لك أيام وتثنيها
مستقبلاً جدة الدنيا وبهجتها أيامها لك نظم في لياليها
العيد والعيد والأيام بينهما موصولة لك، لا تفنى وتفنيها
ليهنك النصر والأيام مقبلة بالنصر والعز معقود نواصيها
والقصيدة طويلة، وهي مشهورة، فاقتصرنا على ذكرها.
ولأشجع في محمد بن منصور بن زياد يرثيه بقصيدته التي أولها: أنعى فتى الجود إلى الجود ما مثل من أنعى بموجود
أنعى فتى أصبح معروفة منتشراً في البيض والسود
أنعى فتى مص الثرى بعده بقية الماء من العود
أنعى فتى كان بمعروفه يملأ ما بين ذرا البيد
قد ثلم الدهر به ثلمة جانبها ليس بمسدود
فأصبحا بعد تساميهما قد جمعا في بطن ملحود
الآن تخشى عثرات الندى وعدوة البخل على الجود
وأشجع هو القائل في ابن صبيح: له نظر ما يغمض الأمر دونه تكاد ستور الغيب عنه تمزق
ويختار له مرثيته في أخيه: خليلي لا تستبعدا ما انتظرتما فغير بعيد كل ما كان آتيا
ألا تريان الليل يطوي نهاره وضوء النهار كيف يطوي اللياليا
هما الفتيان المرديان إذا انقضت شبيبة يوم عاد آخر ناشيا
ويمنعني من لذة العيش أنني أراه إذا فارقت لهوا برانيا
كأن يمني يزم فارقت أحمدا أخي وشقيقي فارقتها شماليا
وأشجع هو الذي يقول: داء قديم في بني آدم صبوة إنسان بإنسان

أخبار العباس بن الأحنف
حدَّثني إبراهيم بن معلى البصري قال: حدَّثني محمد بن عامر الحنفي قال: كان العباس بن الأحنف من بني حنيفة، وكان شاعراً ظريفاً ومفوهاً منطقياً مطبوعاً، وكان يتعاطي الفتوة على ستر وعفة، وله مع ذلك كرمٌ ومحاسن أخلاق وفضل من نفسه، وكان جواداً لا يليق درهماً ولا يحبس ما يملك، ويكنى أبا الفضل. حدَّثنا جابر بن عمرو الباهلي قال: حدثني ابن أبي العلاء قال: كان العباس بن الأحنف منشؤه ببغداد وكان من بني حنيفة، ويدلك على ذلك قوله: فإن يقتلوني لا يفوتوا بمهجتي مصاليت قومي من حنيفة أو عجل
حدَّثني عون بن جعفر عن محمد بن روح قال: وقع بين مسلم بن الوليد صريع الغواني وبين العباس بن الأحنف تهاجٍ في أمر كان بينهما، فقال له مسلم يهجوه: بنو حنيفة لا يرضى الدعي بهم فاترك حنيفة واطلب غيرها نسبا
اذهب إلى عرب ترضى بنسبهم إني أرى لك وجهاً يشبه العربا
وحدثني أبو مالك عن الأجلح بن يزيد قال: كان العباس بن الأحنف صاحب غزل، رقيق الشعر، يشبه في عصره بعمر بن أبي ربيعة المخزومي في عصره، ولم يكن يمدح ولا يهجو، إنما كان شعره كله، في الغزل والوصف، وهو الذي يقول: أشكو الذين أذاقوني مودتهم حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا
لأخرجن من الدنيا وحبهم بين الجوانح لم يشعر به أحد
ألقيت بيني وبين الهم معركة فليس تنفد حتى ينفد الأبد
ومما يستحسن له قوله: لو كنت عاتبة لسكن لوعتي أملي رضاك، وزرت غير مراقب
لكن مللت فلم تكن لي حيلة صد الملول خلاف صد العاتب
ما ضر من قطع الرجاء ببخله لو كان عللني بوعد كاذب
وهذا المعنى يشبه قول الشاعر: أميتني، فهل لك أن تردى حياتي من مقالك بالغرور
أرى حبيبك ينمي كل يوم وجورك في الهوى عدلا فجوري
ومن بديع ما للعباس وطريفه ما ليس لأحد في معناه شيء يدانيه قوله: أحرم منكم بما أقول وقد نال به العاشقون من عشقوا

الصفحة : 79

صرت كأني ذبالة نصبت تضيء للناس وهي تحترق
وهو القائل أيضاً: هبوني أغص إذا ما بدت وأمنع طرفي ولا أنظر
فكيف استتاري إذا ما الدموع نطقن فبحن بما أضمر?
ومن بدائعه المليحة قوله: بكت غير آنسة بالبكاء ترى الدمع في مقلتيها غريباً
وأسعدها نسوة بالبكاء جعلن مغيض الدموع الجيوبا
أيا من تعلقته ناشئاً وشبت وما آن لي أن أشيبا
ويا من دعاني إلى حبه فلبيت حين دعاني مجيبا
وكم باسطين إلى حبلنا أكفهم لم ينالوا نصيبا
لعمري لقد كذب الزاعمون بأن القلوب تجاري القلوبا
ولو كان حقاً كما يزعمون لما كان يشكو محب حبيبا
وأنت إذا ما وطئت الترا ب صار ترابك للناس طيبا
وذكر أن الرشيد هجر جاريته ماردة وهي أم المعتصم، وكان يموت من عشقها، فتكبر أن يبدأها بالصلح، وتكبرت هي أيضاً، فصبرا على ذلك بأمر عيش، وكاد الرشيد يتلف. وكان وزيره الفضل بن الربيع، فأحضر الفضل العباس بن الأحنف، وعرفه القصة وقال: في ذلك شيئاً، فقال: العاشقان كلاهما متجنب وكلاهما متعتب متغضب
صدت مهاجرة وصد مهاجراً وكلاهما مما يعالج متعب
إن التجانب إن تطاول منهما دب السلو له فعز المطلب
فبعث إليه الفضل بالأبيات، فسر بها سروراً، ولم يستتم الرشيد قراءتها حتى قال العباس أيضاً بيتين في ذلك هما: لا بد للعاشق من وقفة تكون بين الوصل والصرم
حتى إذا الهجر تمادى به راجع من يهوى على الرغم
فاستحسن الرشيد إصابته حالهما، وقال: والله لأصالحنها كما قال. وعرفت ماردة السبب في الشعر. ولم تدر من قائله. فسألت الرشيد فقال: لا أدري من صاحب الشعر. ولكن الفضل بن الربيع بعث به، فأرسلت إلى الفضل تسأله، فأعلمها، فأمرت له بألف دينار، وأمر له الرشيد بألفي دينار، وأمر له الفضل بخمسمائة دينار.
ومن بدائعه وصفه تمشي المرآة بالهوينا: كأنها حين تمشي في وصائفها تمشي على البيض أو فوق القوارير

أخبار سعيد بن وهب
حدَّثني ابن البختكان عن أبي بكر بن العلاء البصري قال: سعيد بن وهب الشاعر من أهل البصرة، وهو مولى لربيعة. وحدثني إبراهيم بن ميمون قال: حدثني أحمد بن عبد السلام قال: وجه الرشيد بمسرور الكبير إلى يحيى بن خالد بن برمك، والفضل بن يحيى، وذوي أنسابهم، وهم في الحبس، يتعرف على حالهم، فصار إليهم، فوجد الفضل بن يحيى ساجداً، فهتف به فلم يجبه، فدنا منه فوجده نائماً يغط، فرجع إلى الرشيد فأعلمه فقال له: ما كان عليه من اللباس? قال: كان في ثوب سمل- وكان هذا في الشتاء والبرد الشديد- فقال لمسرور: خذ ذلك الدواج فألقه عليه ولا تنبه؛ ففعل. فلما كان في الغد زاره سعيد بن وهب الشاعر، وكان يألفهم أيام نعمتهم وكانوا إليه محسنين، فكان يرعى لهم- أيام محنتهم- ذلك. فلما دخل عليهم قال: ما هذا الدواج، وقد كنت عندكم أمس ولم أره? فأخبروه فقال: نرجو أن يكون هذا سبب الرضا، وجلس يحدثهم، إذ مر إنسان في الشارع ينادي على خشف يبيعه، يدور به على القصور، فلما سمع الفضل ذكر الخشف غشي عليه، وصار كأنه ميت، فنضحوا الماء عليه وغمزوا أطرافه ساعة حتى أفاق، فقالوا له: ما قصتك? قال: سمعت ذكر الخشف- يعني جارية كان يهواها، يقال لها خشف- وهي سروري من الدنيا، فظننت أن خبرها قد رفع إلى الرشيد، وأنه عرض لها بسوء، فذهبت نفسي. فقيل له: إنما هو إنسان يبيع خشفاً. فلم يطمئن إلى ذلك حتى دعا السجان فسأله، فدعا الرجل حتى دخل عليه ومعه الخشف، فرآه بعينه فسكنت نفسه، قال لسعيد: أي شيء يشبه خبر هذا من أخبار الناس وأيامهم? قال سعيد: قول مجنون بني عامر حيث يقول: وداع دعا إذ نحن بالخيف من منّي فهيج أحزان الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بليلى طائراً كان في صدري

الصفحة : 80

قال: أحسنت والله وأجدت، هذا وأبيك يشبه ما نحن فيه، فخذ بالله هذا الدواج. قال سعيد: فقلت: والله لا أخذته على هذه الحالة. فقال: والله لتأخذنه فإن وقع الرضا كان عندنا مثله كثير، وإن لم يكن إلا ما نحن فيه فأنت أحق بذلك، هذا ليس مما تتغير به حال. فقلت له: جعلت فداك، شيء برك به أمير المؤمنين، ولا شك أن السجان يمنعني من إخراجه، قال: فبعث إلى السجان فقال له: إني قد وهبته له فلا تمنعه من إخراجه، فقال السجان أنا لا أمنعه. ولكن اكتب إلى مسرور الخادم فأعلمه، قال: فكتب إليه، فكثر عجبه منه، وأعلم الرشيد بما فعل فأطرق الرشيد ملياً وقال: ما وهبته له وأنا أعترض عليه في شيءٍ يفعله به؛ ليهبه من يشاء. فلما قام سعيد ليخرج من عند الفضل قال له: ها هنا شيء قال: وما هو? قال: إنه سيعرض لك، ويذهب لك إلى الرشيد، فيسألك عن السبب، ويقول لك: بأي شيء وهب لك الدواج? فإن أنت ذكرت له خشف أهلكتني. قال له سعيد: فما أصنع? فقال له الفضل: قل: تحدثنا ببعض أخبارك وملحك، فإذا سألك فقل: حديث كيت وكيت، فوهبه لي. قال سعيد: والله ما أدري ما أحدثه، قال لا بد من ذلك، فتفكر في شيء يكون عندي علامة فأينا سئل عن السبب خبر به، فلم يختلف الخبران قلت: كانت لي دار، ولها باب صغير في زقاق، سوى بابي المعروف الذي إلى الشارع، وكان لا يدخل إليّ من هذا الباب الصغير إلا المرد فقط. فأتى الخادم الموكل بذلك الباب يوماً فقال لي: فتى له لحية يستأذن عليك من هذا الباب الصغير فقلت له: صيره إلى الباب الكبير، فخرج إليه ثم رجع فقال: قلت له فأبى. وزعم أنه لا يدخل إلا من هذا الباب، فإن رسمه كذلك، فقمت فأطلعت من شق الباب، وإذا حريف لي غاب عن البلدة غيبة فرجع وهو ملتح وجاء للعادة من ذلك الباب، فكتبت إليه: قل لمن رام بجهل مدخل الظبي الغرير
بعد ما علق في خدي ه مخلاة الشعير
انفلت وادخل إذا شئ ت من الباب الكبير
ووجهت الرقعة إليه، فلما قرأها ضحك وجاء إلى الباب الكبير واستأذن، فأذنت له ودخل. فقال له الفضل: أحسنت والله وملحت وقام فكتب الأبيات على الحائط وقال: امض في حفظ الله: فلما خرج سعيد عرض له: فذهب به إلى الرشيد، قال سعيد بن وهب: فلما دخلت عليه، صاروا بي إلى مجلس كان بيني وبينه سجف فسلمت فرد السلام. ثم قال: يا سعيد، بم حدثت الفضل حتى وهب لك الدواج? فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني، فإنه كان شيء في أيام الحداثة والجهالة. قال: لا بد منه. قلت: يا أمير المؤمنين، أنت إمام، ولا يجوز أن أحدثك مثل هذا من غير أمان، أفأنا آمنٌ حتى أحدثك? قال: تحدث وأنت آمن. قال: فحدثته الحديث، وأنشدته الشعر. فضحك وقال: يا غلام أعط سعيداً ثلاثين ألف درهم. ثم قال: يا سعيد آنس القوم بحديثك، وأكثر من زيارتهم.
وكان سعيد يرمي بالأبنة، وكان شاعراً مفلقاً، يناضل أبا الصلت الشاعر، وفي سعيد يقول أبو الصلت: قولاً لفضل يا بن الأولى ملكوا ال أرض على رغم من ينازعها
بابن وهب داء يعالجه أدم ظباء نجل مدامعها
يغدو على صيدها وليس له إلا ذكور الظباء يافعها
وهو بروس الظباء يهتف في النا س وإضماره أكارعها
ومما يستحسن من شعر ابن وهب قوله: كنت يوم العيد عبداً لبني أم أبيها
هائماً أبتعهم أو كنت بالعبد شبيها
فلعمر الله ما ذ لك من حب بنيها
لا ولكن لغزال هو مولى لأخيها
وفي مجونه يقول: وقل لمن كان أمرداً يضع ال معروف من قبل آفة الشعر
كأنهم بعد بهجة درست ركب عليهم عمائم السفر
وصرت بعد بهجة بهم أصرف عنهم إذا بدوا بصري
وله أيضاً صبحك الرحمن يا سيدي ما عشت بالخير ومساكا
أحمل الدهر وأوقاته كل البلايا غير شكواكا
خبرني من كنت ساءلته عن حال ممساك وحماكا
بكل ما أهوى ولكنه قطع قلبي عند ذكراكا

الصفحة : 81

لا خير في الدنيا إذا لم أكن أسمع فيها حسن نجواكا
كان سعيد من المجيدين، وقد مدح الخلفاء والوزراء: وكان ذا مروءة وقدر.












عرض البوم صور جليلة ماجد  
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

تصميم و وتركيب انكسار ديزاين

جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 11:31 AM.




Powered by vBulletin Version 3.7.3
جميع الحقوق محفوظة لشبكة قامات الثقافية 2008
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009