عالم من الإبداع

 

    

آخر 15 موضوع
العاشقة المكابرة           »          حبة الضغط النحيسةْ           »          كم من الوقت انتظاراً ياخيالٌ           »          سأحدثكم عني.!           »          قصائد ومضة           »          لبيكَ لبْيكَ يارحمن           »          اليوم الوطني ذكرى للرقي           »          ثرثرة / بلا قيود           »          (أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)           »          ماذا تقول لمن يخطر على بالك الآن..؟           »          بين أحضان العيد           »          شهرُ الغفران والقرب من الرحمن           »          تجربة الفراق __ وهاب شريف __ العراق           »          ياليل ياطولك           »          تدثيرة شتوية



حصريات المنتدى

                                            

العودة   شبكة قامات الثقافية > قامات الفكرية الثقافية > اقرأ

موضوع مغلق
قديم 07-19-2006, 07:21 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : اقرأ
افتراضي الثقافة الهدّامة و الإعلام الأسود / نزيه الشّوفي ..

.





الثقافة الهدّامة و الإعلام الأسود
من هيروشيما إلى بغداد
و من خراب الرّوح إلى العولمة




\




/



نزيه الشّوفي












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-19-2006, 09:56 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

المقدمة





تمكنت الثقافة السوداء (عن طريق وسائل الإعلام) من تكثيف عمليات اقتحامها للدول والشعوب وثقافاتها القومية، ووجهتها نحو اتجاه واحد هو نسف الوقائع الحضارية والعقلية للشعوب مستخدمة في ذلك الأدوات المادية المتقدمة من علم وتكنولوجيا وتطبيقاتهما وفي مقدمة هذه الوقائع المستهدفة المنجزات التاريخية الروحية لهذه الشعوب، وهي ثمرة التأمل والتفكير والإدراك والوعي والمُثل أو القيم... بغية تمهيد السبيل إلى السيطرة الأخطر وهي ترويض العقل وصولاً إلى تخريبه وبالتالي تفكيك شخصية الفرد وصولاً إلى غاية أعلى وهي تخريب الكيان الاجتماعي للشعوب ومن ثمَّ نسف هويتها القومية وقطع الصلة مع تراثها والماضي أو التاريخ...‏

ابتدأت الثقافة السوداء بالعمل على تغيير أنماط السلوك البشري. وقد نجحت في هذا الجانب عن طريق وسائل الإعلام Nass - Media وعلاقاتها بالدول والأنظمة في العالم كافة وفي الوطن العربي خاصة. نجحت فيما تسميه تحديث المعارف على أساس "عولمي" أو الانسجام مع الأوضاع العالمية الجديدة وفي أولها التعليم... وذلك لكي تلعب هذه الثقافة الدور الأساسي المرسوم وهو توجيه التاريخ والدراسات العلمية في وطننا العربي... خاصة وأنها مُنيت بهزائم ذريعة في إطار الغزو الثقافي للأمة عن طريق الحداثة التي اقتصرت حتَّى الأمس القريب على الشعر ـ بقصيدة النثر الذي لا لون لها ولا طعم ولا رائحة ـ وعلّقت المشانق لأبي العلاء المعري والمتنبي وزهير والجاهليين، في فترة انطلاقها في الخمسينات من القرن الماضي... ثمَّ لجأت بعد حرب الخليج الأولى إلى تخطي جدار الشعر والتوجه إلى التعليم الذي يدار من قبل أنظمة تعليمية وتربوية تتلقى ولا ترسم، أي أنها تابعة وليست صاحبة قرار ومبادرة، ونذكر هنا أن جهوداً حثيثة بذلت في شتى جامعات الوطن العربي لتدريس المواد العلمية باللغة العربية (وهذا بند أساسي في ميثاق الجامعة العربية) إلا أن تدريس اللغة العربية في كثير من البلدان العربية قد أزيح لتحل اللغة الإنكليزية في المقام الأول حتَّى في المدارس الابتدائية... وهذا برأيي أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمة العربية في كفاحها من أجل ترسيخ هويتها، حيث أن اللغة هي الوعاء الثقافي للأمة وأحد الركائز التاريخية التي تشكل هويتها القومية على الإطلاق... وبذا يتضح لنا السبيل الذي تسلكه هذه الثقافة السوداء في مسعاها لتخريب العقل العربي، ونسف اللغة والتاريخ، وصولاً إلى الاحتلال الكامل لإرادة الإنسان، وتحويله إلى سلعة أو رقم، ومن هنا لاحظنا حالات الانقراض والتنميط والتشيؤ في السلوك والتربية والتعليم.‏

أمَّا في مجال الفكر والأدب فقد أعلن القطب الأوحد عن دفن المنجزات التي حققها النظام الرأسمالي العالمي (الذي يسميه هذا القطب بالتقليدي) وكان قد طبّل لها مفكروها وزمّروا عبر نصف قرن ونيّف، أي منذ هيروشيما وحتى نهاية القرن العشرين ـ الذي بدأ بذبح العرب وانتهى بذبحهم على هذا النحو المأساوي الذي ما زلنا نشهده حتَّى اللحظة، بكل صمت المتفرج اليائس... وتجلّت هذه المنجزات في ظواهر الليبرالية، والنزعة العقلانية في الفلسفة والفكر، والديمقراطية المفتوحة والعلمانية و... الحداثة... وقد أضفت الإيديولوجيا طابعها على هذه الظواهر، كرد على إيديولوجية الآخر، سواء كان هذا الآخر المعسكر الاشتراكي الراحل، أم حركات التحرر القومي التي تصاعدت في مرحلة الخمسينات والستينات من القرن المنصرم وأضحت مركز الثقافة العالمية ثمَّ وبعد التراجعات المتلاحقة في سياسة الاتحاد السوفييتي حيال الثقافات القومية والروحية، تحول ميزان الارتكاز لتصبح ثقافة المركز هامشية منذ ثمانينات القرن الماضي وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتابعاته تفرّدت الثقافة الاستهلاكية الأمريكية والقطب الواحد بهذا العالم وشعوبه ومصائرها وثقافاتها وما إلى ذلك...‏

وشكَّلت هذه الظواهر تقاليدها وفكرها وخصائصها التي تميزت بها مجتمعاتها وترسَّخت فيها، إلا أنه عند نهاية الحرب الباردة وظهور القطبية الواحدية جاء الإعلان عن نهاية مرحلة الحداثة وبدء مرحلة جديدة هي "ما بعد الحداثة" كمنحى سياسي وثقافي شمولي، واقتصادي عالمي يندرج تحت لواء النظام العالمي الجديد... وقد عبّر غورباتشوف عن هذه الحالة حينما أطلق مصطلحه القائل "لا للإيديولوجية ونعم للمصالح" ليعلن بذلك انتهاء التفكير العقلي والوقائع الحضارية وقيام نظام عقلي مغاير... وقد وجدت هذه الحالة مريديها ودعاتها في وسطنا العربي رسمية وغير رسمية... فقد حمل الشيوعيون مبدأ إعادة التغيير التي انتهجها غورباتشوف "البيروسترويكا Perostroika" لتجاوز أوضاعهم الإيديولوجية المتناقضة والتنظيمية المركبة... وكانت هذه أول ردّة فعل (ميكانيكية) تتخذها شرائح إيديولوجية ملتزمة، موزاييكية التنظيم، حيال المصطلح الوافد والثقافة السوداء... فأعاد الكثير من الأحزاب السياسية والأفراد النظر بإيديولوجية الالتزام العقائدي، وتفكك موازينها وهي الآن في حالة عدم توازن في الخيارات، بين أن تبقى مخلصة لروح الماركسية، أو أن تنضوي تحت راية الإيديولوجيات القومية التي ناهضتها فيما مضى. أمَّا الشرائح الليبرالية الحداثوية والرومانسية الفكرية ذات الثقافة الغربية فقد دعت إلى اللحاق بركب العولمة وثقافة السوق، "ليكون لهم موطئ قدم في النظام العالمي الجديد قبل أن ترفسهم الأقدام".‏

إذاً، فالنظام الجديد (العولمي) هو نظام سياسي ـ اقتصادي وعسكري وثقافي، يسعى لابتلاع الطبيعة والبشر وهضمهم ثمَّ إعادة إنتاجهم على هيئة سلع... وقد ولد هذا النظام الجديد من رحم النظام السابق ـ الرأسمالي ـ ويعرفه الكاتب الأمريكي "توفلر" بأنه الثورة الثالثة أو موجة الحضارة الثالثة "على اعتبار أن الثورة الأولى هي الزراعية، والثانية هي الصناعية، أمَّا الثالثة فهي ثورة التكنولوجيا والمعلومات" التي تجعل العالم قرية كونية واحدة، أو سوقاً عالمية واحدة تخضع للأخطبوط الأكبر.‏

* التشيؤ والتنميط والانقراض...‏

جاء إعلان "فوكوياما" الياباني الأصل أمريكي الجنسية، عن نهاية التاريخ، إيذاناً ببداية مرحلة ما بعد الحداثة ودفن منجزات النظام السابق ووقائعه المادية والروحية... ودعا هذا الكاتب أحادي الرؤية إلى أن وقت الحلم ببدائل تاريخية قد مضى وقد سقطت هذه البدائل كلّها ميتة على عتبة الموجة الثالثة للحضارة الراهنة، وقال بأن ما عايشته البشرية فيما مضى ما هو إلا أضغاث أحلام طفولية، وما على البشر إلا الخضوع لواقع الحال، والانصياع إلى البنية المادية والروحية الجديدة (العولمية)...‏

*والعولمة من حيث هي نظام عالمي جديد، تسعى أول ما تسعى إلى نسف عدوها (رقم واحد) وهو الهويات القومية التي تنظر إليها على أنها الصخرة الكأداء الهائلة التي تقف في طريق انتشار تلك القرية الكونية المنفلتة من حبال الماضي وحضورها في الواقع الراهن تأسيساً لمستقبل منسلخ عن تاريخه... وعليها، والحالة هذه نسف كل الهويات عدا هوية واحدة هي: هوية السوق واستبضاع الإنسان الرقم أو السلعة... وهذا هو محور فلسفة العولمة (التشيؤ والانقراض والتنميط).‏

وقد تكيّف عدد كبير من دول أوروبا مع هذه الموجة وخاصة تلك الدول التي انهارت أنظمتها بعد تفكك بناها ومؤسساتها في شرق أوروبا، فيما وقفت دول عديدة في غرب أوروبا موقفاً مناهضاً لهذه الظاهرة لما تحمله في طياتها من خطر على الأخلاق والقيم الوطنية، والهوية، وكل ما تشكل تاريخياً في مجتمعاتها لتحمل كلها قيم السوق وثقافة التشيؤ... وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا وبعض دول النورماندي والأراضي الواطئة... فقد حذّر وزير خارجية فرنسا الأسبق (جاك فوبو) من ترك الأبواب الفرنسية مشرعة أمام فيضان الثقافة الأمريكية وخاصة الأفلام الأمريكية كما حذّر من غزو الثقافة الجماهيرية لشرائح المجتمع الفرنسي ونبّه إلى مخاطر النتاج السمعي والبصري مقابل زيادة الإنتاج الهوليودي الذي غطى العالم وراكم الأرباح الطائلة دون أن تدخل أوروبا إلى ميزانياتها أي ربح يساوي جزءاً من الأرباح الأمريكية. وقال فوبو: "أن المعركة ليست معركة الماضي بل هي معركة المستقبل وأن قلاعنا الثقافية مهدّدة من هذه الناحية لذا علينا أن ندافع عن ثقافتنا الخاصة وهذا ليس انغلاقاً عن التعدّدية الثقافية وهذا مطلب حر"(1).ونسوق مثالاً آخر على مسألة تعانيها المجتمعات الأوروبية الآن، نتيجة تغلغل موجة العولمة، وهي مسألة أو مشكلة المرأة. فبعد أن كافحت أوروبا منذ القرون الوسطى وحتى منتصف القرن الماضي من أجل تجاوز المقولة القروسطية (الإقطاعية) التي تفيد بأن "البيت لمن تلد والفريسة لمن يصطاد" استطاعت المجتمعات الأوروبية زج المرأة في معركة الحياة مع الرجل، نداً بند، وفي فعاليات المجتمع وحراكه كافة، ونالت حقوقها المساوية والموازية لحقوق الرجل، فيما أصبحت الآن فاقدة تماماً لهذه القيمة بل ولهويتها أيضاً بفعل ظاهرة الموجة الثالثة للحضارة وثورتها التقنية والمعلوماتية فأصبحت المرأة سلعة لكنها سلعة من نوع آخر، إذ تحولت من (النصف الآخر والجميل للمجتمع) والمنتجة الفاعلة في الاقتصاد الوطني إلى أنثى منتجة للغريزة واللذة والمتعة الجنسية معاً.‏

وفي مجتمعاتنا العربية، وإن لم تصل المرأة في مجتمعاتنا إلى هذه الدرجة الخطيرة، إلى أن ظاهرة تسليع المرأة وحرفها عن كونها من أمة لها قيمها [التي لم تكن فيها مظلومة أو مسفهة بل أن الرجل إذا أراد الفخر والاعتداد فإنه يتغزّل بها] منتشرة بصورة قد تكون حادة في مكان وضعيفة أو معدومة في مكان آخر...‏

في الوقت الذي لا تبدي فيه جامعاتنا وأكاديمياتنا قدرة على التحصين أو المواجهة المفاهيمية أو الفكرية أو الإنتاج المعرفي على هذا الصعيد لتعيش مجتمعاتنا هذه الحالة من الاضطراب المركب...‏

وفي إطار مرجعيات العولمة الأساسية الأخرى، الموجهة إلى الشرق كمقدمة للانقضاض على هويتها، فقد جعلت هذه الثقافة الإسلام قسمين: الإسلام الأصلي، والإسلام الأصولي...‏

أمَّا الطريق إلى ذلك، فقد كان عبر الجهات التي غذتها ودعمتها وموَّلتها منذ الخمسينات وجهزتها للوقوف في وجه المد التحرري القومي وطوّرت هذه الفئات وجهزتها لإنتاج مشروعها الجديد، فكانت بداية البدء من أفغانستان هذه المرة حيث بدأت تنفذ مشروعها هذا تحت شعار محاربة الأصولية الإرهابية، متحركة في المسارين فلسطين وأفغانستان ضمن استراتيجية واشنطن الجيوبوليتيكية وقد أنتجت هذه الفئات وقامت باستخدامها ضد الحكم الشيوعي في أفغانستان وساعدتها في ذلك دول إسلامية وعربية معروفة فيما مضى والآن تحارب منتجها، فهذه الأصولية هي أحد إنتاجياتها وثقافتها، وأن الإسلام واحد بمنابعه الفاضلة ومقاصده السمحاء وهو نسف الهوية التاريخية، في ظل نظام اقتلاع الهويات التي أنتجت تاريخاً وفلسفة امتلكت كل أسباب المدنية والحضارة، في ظل هذا النظام تتشكل معوقات فعلية للتاريخ والهوية، ربَّما ستكون إيديولوجية ـ فكرية تُلغي كل الهويات عدا هوية قاتلة هي: الاثنية والمذهبية والطائفية تستجيب لما يُراد لهذه الأمة من تخلّف وتدمير وبقائها دون تمثل لاستراتيجية تستجيب لمقتضيات التقدّم الأساسية، معرفية، ثقافية، وإيديولوجية واقتصادية في قائمة أولويات إعادة بناء الهوية التي يستهدفها نظام العولمة الراهن وإقصاء الماضي عن الحاضر والحاضر عن المستقبل بالقطبية المعرفية الكاملة (الماضي لاحتوائه لحظات حضارية متقدمة وغاية في الأهمية المعرفية، والحاضر كنتاج من المنجزات الحضارية) وتعمل العولمة الآن على فصله عن أن يكون توصيفاً لحالة حضارية... وكأنها تريد أن تُقصي الأمة عن ماضيها، وتملي على الماضي كيفية فهمه، وتدخل الحاضر المركب المضطرب بالماضي بتقديم الأداة التكنولوجية المتطورة لنسف هذا الماضي وقطع الجذور. لقد كانت استجابة الفئات المبهورة بالغرب فيما مضى، حتَّى في عصر النهضة العربية حيث ازدهرت فيه أفكار الغرب الأوربياني، أو عصر ترجمة هذه الأفكار بل وتبنيها، كانت كبيرة، لكنها لم تكن فاعلة كما تبين فيما سبق، إلا أن استجابة فئات عربية ومتوسطة ودنيا، لظاهرة العولمة والقرية الكونية، تسهل على النظام الجديد ابتلاع العرب، هذه الفئات التي تعيش على تخوم سياسة القطب الواحد وإسرائيل، افتقدت الانتماء والهوية، وتأسس الآن لمرحلة انهيار عربي، يقود إلى حطام عربي (كما يسميه د. طيب تيزيني) أو قاع عربي... وانتمت إلى المجتمع الاستهلاكي، مجتمع يستهلك ولا ينتج، مجتمع مُصنع غربياً ويستهلك عربياً، وثقافة منتجة غربياً وتستجيب عربياً... وبذا نشاهد هذا الحطام على هيئة تنميط رقمية... إلى تحويل البشر إلى أرقام.. وبعد فوكوياما، جاء دور صموئيل هنتينغتون ليعلن عن صدام الحضارات أو صراعها، أي صدام الحضارة الثالثة مع عدوها الأساسي وهو القوميات، أو الثقافات القومية وقد حدد هذا العدو بالاسم هو: الثقافة العربية والإسلامية... وتلتها دعوة أو بيان ستين كاتباً أمريكياً في فبراير من العام 2002، لتؤكد خطورة هذا التوجه الثقافي للموجة الحضارية الثالثة /فظيعة الذكر/... وحاول فوكوياما وهنتينغتون (كلاهما وبمساعدة البنتاغون) وضع صيغة تفسيرية للصراع في القرن الواحد والعشرين قائمة على العامل الثقافي كمحور للصراع، فهما بنظريتهما يروجان للثقافة الغربية والأمريكية وتعميم ثقافة الغرب وأمريكا على المجتمعات الأخرى من خلال أنظمة العولمة. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وضرب العراق اعتبر هذان المنظران التابعان للبنتاغون بأن نبوءتهما قد تحققت أي أن التاريخ انتهى لصالح أمريكا والحضارة اللاتين ـ أمريكية أو الكالفينية التي مرَّ ذكرها معنا سابقاً....‏

فرأى هنتينغتون أن ليس هناك ثقافة أكثر قوّة وكفاءة وأكثر قدرة على التحدّي ومواجهة الغرب إلا الحضارة الإسلامية والكونفوشيوسية اللتان ترفضان الانقياد للغرب وحضارته كما ترفضان برامج العولمة ودعوتها للهيمنة على شعوب الأرض... ولذلك استخدم هنتينغتون مفهوم الثقافة بمعنى الحضارة (والحضارة لديه تعني الثقافة وهذا خطأ منهجي ومعرفي تاريخي يلم به تماماً لكنه يكابر على ارتكاب الخطأ من أجل مأربه الذي يرمي إليه وهو إيجاد فلسفة للصراع ومبررات إيديولوجية ثقافية معرفية حتَّى ولو غالط أهل الأرض كلهم والثقافة والحضارة كلتيهما...) وذلك لينسف الماضي كله بقيمه ومعتقداته ورموزه وأفكاره... وصور الصراع أو الصدام الذي سيحدث في القرن الواحد والعشرين على أنه سيقتصر فقط على الحضارة الغربية من طرف والحضارتين الإسلامية والكونفوشيوسية من طرف آخر.‏

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هنتينغتون ـ عندما يتحدث عن الصراع بين الحضارات الدينية ـ يتجاهل عن قصد وإصرار مبيتين للصراع بين اليهود والعرب أو بين اليهودية وعدوها الأول المسيحية، وأنكى من هذا أنه لم يستخدم الدين كمعيار للتصنيف إلا عندما يتحدّث عن الدين الإسلامي أو الحضارة الإسلامية... وفي تصنيفه الحضارات عبر معايير مخالفة للمنهجية العلمية والتاريخية تماماً فإنه يصنف الحضارات استناداً لمناطق جغرافية أو بيئية أو عرقية أو دينية وهذا لا يتفق مع تطلّب تحديد المعايير والمفاهيم حتَّى يكون التصنيف منطقياً متسقاً أي تصنيف الحضارات ـ على سبيل المثال ـ على أساس ديني كمعيار واحد، وهذا ما افتقر إليه هنتينغتون في هذا المجال، ومثال ذلك حينما يتم استخدام الدين كمعيار واحد وعليه يجب أن يكون تصنيف الحضارات على الشكل التالي: الحضارة المسيحية والحضارة الإسلامية والحضارة البوذية والهندوسية والحضارة الكونفوشيوسية وهذه تشير إلى الحضارة الصينية واللاتينية الأمريكية لماذا؟ إنَّ الثقافة أو الهوية الثقافية والتي في أوسع معانيها الهوية الحضارية هي التي تشكل نماذج التماسك والتفكك والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة. ويقع كتابه صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي في خمسة أجزاء رئيسية وكل هذه الأجزاء هي محاولة لتطوير نتائج ذلك الافتراض وهي أن العالم اليوم متعدّد الأقطاب والثقافات، وإن التحديث مختلف عن الغربنة. إنَّ توازن القوى بين الحضارات أخذ في التغير، الغرب يتقهقر في نفوذه النسبي وإن الحضارات الآسيوية تقوم ببناء وتوسيع قواها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، والعالم الإسلامي يشهد انفجاراً سكانياً بعيد المدى في تأثيراته على مستقبل الدول الإسلامية ومصحوب بنتائج عدم استقرارها من جهة وعلاقاتها مع الحضارة الغربية من جهة أخرى. إنَّ نطاقاً عالمياً أساسه التنوع الثقافي أو الحضاري أخذ في الانبثاق: هناك مجتمعات تتقاسم روابط ثقافية تتعاون مع بعضها البعض والدول تجمع نفسها حول الدول الأساسية الرائدة أو الكبرى من نفس حضارتها أو ثقافتها. إنَّ دعوات الغرب إلى العالمية تضعه دائماً في صراع مع الحضارات الأخرى وبشكل أكثر أهمية وخطورة وتحديداً مع الإسلام والكونفوشيوسية وعلى المستوى الإقليمي حروب خطوط الصدع والتي تقع بشكل رئيس بين المسلمين وغير المسلمين، تؤكد الحشود التي تؤديها دول تشاطر حضارتها وتهدد بتوسيع حدود الصراع ممَّا يجعل الدول الكبرى تسعى إلى إنهاء تلك الصراعات. إنَّ حياة الغربيين تعتمد على الأمريكيين وهم يعيدون تأكيد هويتهم ـ الثقافة الغربية ـ وإن المجتمع الغربي قد هيّأ نفسه على اعتبار أن ثقافتهم ثقافة متميزة، وقد اتحدوا لغرض تجديدها وصياغتها ضد التهديدات من المجتمعات غير الغربية. ومن خلال صياغة هذه الأجزاء الخمسة ينطلق هنتينغتون بترويج فكرة صدام الحضارات مؤكداً في سياق أطروحاته على فكرة أساسية وهي أن الصدام في القرن الواحد والعشرين سيكون بين الغرب من جهة والإسلام والكونفوشيوسية من جهة أخرى باعتبارهما ثقافتين أو حضارتين تؤكدان على هويتهما الثقافية رافضتين الانصياع للثقافة الغربية... وبهذا هو يروج الصراع مع الشرق المحدّد لديه بالإسلام والصين، لصالح الغرب والأمريكان. وفي هذا بُعد سياسي خطير يستهدف إخضاع الشعوب الأخرى للسياسة والمصالح الأمريكية، أمَّا ما يتعلّق بافتراض هنتينغتون فإنه يقوم على أساس المصدر الرئيسي للصراع بعد الحرب الباردة فهو لن يكون صراعاً إيديولوجياً أو اقتصادياً إنما يكون صراعاً ثقافياً، ونظراً لأهمية الهوية الثقافية للمجتمعات الإنسانية فإن هنتينغتون يرى أن هذا العالم المتغيّر الذي يشهد صراعاً ثقافياً في المستقبل وصراعات أخرى على المستوى المحلي والتي ستكون بين ثقافات محلية تنطوي تحت حدود إقليمية أو الدولة وهي في الأساس ذات صيغة عرقية، أمَّا على مستوى العلاقات الخارجية فيرى أن صدام الحضارات سيكون عنوان العالم في المرحلة المقبلة كما أن المسائل الاستراتيجية ترتبط بتنوّع واختلاف الثقافات، وكان جورج بوش الأب يرى أن المستقبل سيكون مستقبلاً أمريكياً وأن النظام العالمي الجديد هو مجرّد إمكانية وطموح وفرصة متاحة الآن وسيكون حقيقة في المستقبل المنظور... وقال: "فبين أيدينا إمكانية استثنائية لم تنعم بها سوى أجيال قليلة، ألا وهي إمكانية بناء نظام دولي جديد وفقاً لقيمنا نحن ومثلنا نحن وليس في الوقت الذي تتقوّض فيه من حولنا النماذج والتقنيات القديمة ومُثل وقيم الآخرين"... وهذا ما قام بتوكيده وأدلجته هنتينغتون وفوكوياما لانهما ـ وبوش ومن قبله ومن بعده ـ هم في خدمة الاستراتيجية الأمريكية ومستقبلها. والثقافة التي يروّج لها الرئيس الأمريكي تتمثل في الحرية السياسية والاقتصادية وشرعية السلطة القائمة بالاتفاق الشكلي بين الحكام والمحكومين وحقوق الإنسان أو ما أسماه (الليبرالية الديمقراطية) والتي يجب نشرها في كل بقعة من بقاع الأرض ـ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا ـ وعندما يتحقق هذا الانتشار فإن البشرية تكون قد وصلت إلى نهاية التاريخ. وهنا تبدأ أنظمة العولمة بالإحساس بنشوة الانتصار والتمدّد...












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-19-2006, 09:58 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

إذن إنَّ فكرة الصراع التي تعبّر عن تصورات السياسة الأمريكية تقوم على الصدام بين الإسلام والغرب، إذن إنَّ ما جاء به هنتينغتون حول صدام الثقافات (بين الغرب والإسلام) يندرج في إطار السياسة الأمريكية تجاه المسلمين، ولعل هذا سيظهر عندما يصف هنتينغتون بأن الإسلام ومنذ البداية كان دين سيف وديناً يدعو للجهاد كوسيلة أساسية لمحاربة الأعداء وبهذا فإن الصراع بين المسلمين والغرب قديم، وهو ما سوف يكون ممتداً في القرن الواحد والعشرين لكن هذه المرة يجد نفسه ـ أي الإسلام ـ متحالفاً مع الكونفوشيوسية كثقافتين متفقتين في رفض النموذج الغربي على الرغم من الاختلاف بينهما في مسائل كثيرة. من هنا جاء تركيز هنتينغتون على مبدأ الصراع وتبريره. ثمَّ فلسف مقولته بأن العالم الإسلامي يشهد نمواً سكانياً بعيد المدى في تأثيراته على مستقبل العالم الإسلامي نفسه وعلى علاقاته مع الحضارات الأخرى. فهذا النمو في تصاعد مستمر ويأخذ أبعاداً خطيرة على مستقبل العلاقة مع الغرب ممَّا يجعل هذا النمو عاملاً أساسياً ومهماً في مدّ الصحوة الإسلامية بالعناصر الشابة النشطة المؤمنة بقيمة الحضارة الإسلامية وهذا سوف يشجع التطرّف وهجرة العناصر الشابة المدرّبة من المسلمين إلى أوروبا ـ التي تعاني من مشكلات كثيرة في هذا الإطار ـ ممَّا تتصاعد الصعوبة معها بخاصة إذا ما علمنا أن المجتمع الغربي نفسه لم يعد قادراً على استيعاب هذا التنوّع الثقافي، وأن الصحوة الإسلامية سوف يصيبها الكثير من الضعف بينما يضع الإسلام حسب اعتقاده حل إشكاليات التسلّط السياسي والتخلّف الاقتصادي والضعف العسكري ولعلّ الاستثناء الوحيد لذلك قد يأتي من كل من أندونيسيا وماليزيا إذا نجحت هذه البلدان بالحفاظ على تحقيق معدلات عالية للتنمية، وعندما يكون تقديم ـ نموذج إسلامي ـ للتنمية فإنه سوف ينافس النموذج الغربي والأسيوي ويتنبأ بظهور حركة إيديولوجية ذات طابع قومي متطرّف يعقب أفول الصحوة الإسلامية، ويرى أنها لا تكون على وفاق مع الغرب لأنها ستضع على عاتق دول الحضارة الغربية مسؤولية إفشال الحل الإسلامي وبمعنى آخر فإن طبيعة العلاقة الهدّامة قد تزداد حدّة أو تقل بحسب بعض المتغيّرات المرتبطة بالمجتمعات الإسلامية لكنها تبقى ذات طابع متناقض وأكّد هذا الكاتب العنصري ـ في سياق اعتقاده بتصاعد الصدام بين الإسلام والغرب ـ على إزاحة أو غياب الدولة القوية القائدة في العالم الإسلامي، لأنَّ هذا الغياب سوف يسهل قيام الصدام الحضاري، ويسوق مثالاً على ذلك من تجربة الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي التي مارست كدولتين قائدتين في إطار حضارتهما دوراً أساسياً في توجيه سلوك الدول التابعة لهما، وهذا يمنع تصعيد أي صراع إلى درجة المواجهة العالمية، وفي غياب الدولة القائدة في المجتمعات الإسلامية تتعدّد الجبهات التي ستفتحها الدول الإسلامية مع باقي الحضارات فضلاً عن التنافس على دور الدولة القائدة في العالم الإسلامي الذي سيقود إلى صراع بين الدول الإسلامية(2). وكذلك اختلال التوازن السكاني والتنمية الاقتصادية والتغيّر الثقافي ودرجة الالتزام الديني وأن حالة العداء هذه ستتزايد حدّتها بسبب عدّة عوامل أهمها: ازدياد هجرة المسلمين إلى الغرب بسبب النمو السكاني المتصاعد وعدم كفاية الموارد ولهذا نبّه إلى خطر الصحوة الإسلامية التي عززت من ثقة المسلمين بأنفسهم وأظهرت تميّز هويتهم الثقافية عن غيرهم على حد قوله. أمَّا فكرة العولمة فهي تقوم لديه على ترويج فكرة عالمية ثقافة الغرب، وفرض تفوقه العسكري والاقتصادي على العالم كأن المعسكر الشيوعي العدو المشترك للإسلام والغرب ممَّا دفع كل طرف لفرض هيمنته على الآخر. وهذا لا يستثني الدول الإسلامية التي تؤيّد واشنطن، وتعتمد عليها عسكرياً أو اقتصادياً لأنَّ الغرب يستشعر مخاطر الإسلام الكثيرة وأهمها انتشار أسلحة الدمار الشامل فيها والإرهاب وموضوع الهجرة غير المرغوب فيها، وقد زادت أحداث 11 سبتمبر 2001 مخاوف الغرب والولايات المتحدة الأمريكية التي وجدت الذرائع المناسبة (بل المفتعلة والتي تقف وراءها سي أي ايه والموساد) في إعلان مواقفها السياسية المعادية للعرب والمسلمين صراحة وتحت يافطة محاربة ما تسميه الإرهاب معتبرة ما حدث يمثل تحدياً وإعلان حرب ضدهم، متجاهلة ومتغافلة عن سبب ودوافع هذه الأفعال وهو السياسة الأمريكية الظالمة تجاه العرب والمسلمين والمجتمعات النامية بشكل عام، وقد كان الغرب وأمريكا ولم يزالا سبباً رئيساً في تخلّف هذه المجتمعات وفقرها ويقومان الآن بتصدير ثقافتهما وطرائق أنظمتها السياسية والاقتصادية والإعلامية عبر العولمة، التي تعالت أصواتها في السنوات الأخيرة وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفرّد القطب الواحد والمتوحش في السياسة الدولية. ويشير هنتينغتون إلى أن حضارة الغرب ستبقى الأكثر قوة محتفظة بحالة جيدة وهي تدخل الألفية الثالثة. وأن الحضارة الغربية هي الوحيدة بين الحضارات التي كان لها تأثير هائل وتصفوي على كل حضارة نتيجة للعلاقة بين قوة وثقافة الغرب وقوة وثقافات الحضارات الأخرى، لذا فإن فكرة قوة الحضارة الغربية هي التي تؤهلها لأن تكون أكثر انتشاراً بين حضارات العالم والعكس بالعكس... لذا فإن القضية الأساسية بين الغرب وباقي العالم هو التنافر بين جهود الغرب لتكريس عالمية الثقافة الغربية وبخاصة أمريكا (ص28)، وبين الحضارات الأخرى التي تؤكد على خصوصيتها الثقافية والحضارية.‏

وتدور فكرة هنتينغتون حول مستقبل الصراع على اعتبار أن الصراع آت لا ريب فيه، وسيكون صراعاً ثقافياً وليس إيديولوجياً أو طبقياً هذه المرّة، ويأخذ طرقاً مختلفة من أبرزها الغزو الثقافي عن طريق العولمة دون الاكتراث بحركة التاريخ وأحداثه وبخاصة تاريخ الثورات والانتفاضات الشعبية على غرار ثورة الصين وثورة فيتنام والجزائر وكوبا وانتفاضة الأقصى ومقاومة الشعب العراقية المتصاعدة... ولم يكتف هنتينغتون بتجاهل هذه الثورات والحراك التاريخي للشعوب (ولعل هذا ما لا يؤمن به الأمريكان على الإطلاق لأنَّ رب الجند يحميهم دوماً من أعدائهم: العرب والمسلمين) بل زاد أكثر بنكرانه حقائق التقسيم الطبقي وأكثر منه رأى أن الهوية الثقافية تشكّل نماذج التماسك والتفكك والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة (ص30).‏

لقد قدّم هنتينغتون الإسلام على أنه العدو الأول للغرب، وهذا لا يعود لأسباب ذاتية ولا لأنه ينتمي إلى معسكر المتوجسين من خطر الإسلام كما رأى البعض، بل لأنَّ الموجه الإيديولوجي ـ الأمريكي ـ قد قرر تنفيذ خطط أمريكا التوسعية أو الجيوبوليتيكية فهيأ لها منظرين على شاكلة ص. هنتينغتون هذا. وقد أعطى مبرّراً مباشراً أو عيانياً كما ابتدع، ظاهرة الصحوة الإسلامية لدى العالم الإسلامي والعربي تحديداً حيث يعتز هؤلاء بحضارتهم وثقافتهم الأمر الذي سيقود إلى صدام حضاري ولذلك راح يهاجم الإسلام معتبراً إياه ديناً عدوانياً بطبعه انتشر بحد السيف ويحاول فرض ثقافته على الآخرين بالقوة...‏

العولمة والانهيار العربي:‏

دأب دعاة هذه الأفكار على ترويج هذا المصطلح في الساحة العربية وهم يدركون أنها لا تمثل همومنا وتطلعاتنا، ولا تمس قضايانا، بل إنها تشغل ساحاتنا الثقافية بما لا يخصّها وتستهلك مصطلحات فصّلت على مقاس واقعنا وكذلك الأحداث المأساوية المتشابكة، لتفصلنا عنها أو لتحيدنا عن الانشغال بهذه القضايا والأحداث، لنستمر بالرقص على إيقاع الآخرين، ونلهو عمّا يدمّر بنياتنا الاقتصادية والأخلاقية، بمفاهيم وأفكار لا تعنى بما يخصّنا ويؤرقنا وقد وجدت هذه الملهاة من يدعو لها على الساحة الثقافية العربية، في هذا الوقت الذي يتعاظم فيه دور الإعلام الأسود عبر قنوات الإعلام العربية المتكاثرة والمموّلة من جهات عولمية وضعت خدماتها في حسابات الآخرين مثلما وضعت أيديها في جيوب أصحاب مراكز الجذب الكبرى... لتقدّم لنا ثقافة البطن وما تحته بشعارات ومسميات تجترحها هذه الأوساط، من مثل الرأي والرأي الآخر، والانفتاح والاتجاه المعاكس، وثقافة المطبخ والسرير (على غرار برامج السوبر ستار ـ أو ستار أكاديمي) التي أوجدت لتهدّم جدار الحياء والأخلاق في التعامل ما بين الشاب والفتاة فتزربهم في ماخور واحد شهوراً يتدربون على الغناء أو الرقص أو التمثيل وتزيل الحواجز بين غرف نوم الفتيات والشباب بحجة التدريب أو بين المطبخ والفراش والفن بقصد البحث عن الجمالية في هذا الماخور الذي تقف وراءه جهات موجهة وممولة لا تمتّ إلى أخلاق الشرق قاطبة وأخلاق وقيم هذه الأمة على وجه التحديد... في الوقت الذي لا تبدي فيه المؤسسات الأخرى الثقافية أو الأكاديمية قدرة على المواجهة المفاهيمية والفكرية أو الإنتاج المعرفي في هذه المرحلة من الاضطراب المركب الذي تحتاجه أمتنا في حسابات السوق... وبعد رضوخ المتلقي العربي للحشد الهائل من الإعلام الأسود، دون سلاح مقاوم، اجتماعي وثقافي، تحدث الآن حالات التشيؤ والانهيار، وذلك بغياب القيم التي تخترقها أجهزة الإعلام الأسود وثقافته، غياب الأخلاق القيمية، لتجزئ المجتمعات العربية وبالتالي إقامة فجوة بين الأعلى والأدنى من فئات المجتمع، وانتشار حالات الفساد والإفساد، سواء بالسيولة المالية الهائلة المتاحة في عدد من المؤسسات العربية، أم بالتقنيات المستجلبة دون ضبط لعملية الاستفادة منها واستخدامها... كل ذلك من أجل إسقاط الرهانات التاريخية أو البدائل التاريخية التي عناها فوكوياما، واستهداف الفكر القومي المجدّد كيلا يكون بنية اجتماعية وسياسية وهو العدو رقم واحد بالنسبة للقطب العالمي المتوحش... هنا برزت حالة القاع العربي، الذي تصدع بعد تحول كثير من الدول من راعية إلى تابعة...‏

*عولمة الهوية الثقافية:‏

التخلّف الثقافي واللغوي والنفسي تخلّف مسكوت عنه ولا يخضع للتحليل والنقاش والبحث كما هو الحال بشأن معنى التخلّف الآخر، وهو التخلّف اللغوي والثقافي الذي يتجسّد على شكل نظام نفساني وثقافي تتداخل في تشكيله مجموعة من العوامل، منها ما هو متعلّق بالماضي والتاريخ، ومنها ما يتعلّق بالحاضر وبعقد النقص التي يستشعرها كثير من أبناء العالم الثالث، في حين أن بعضاً آخر منها يتعلّق بالضغوط والتأثيرات الغربية والمركزية المعرفية المرافقة لها. وأهم ملامح هذا التخلّف هو: 1ـ تقليد الغرب، الطرف الغالب في التوزيع الحضاري الراهن ـ حسب نظرية ابن خلدون التي تصف تقليد الطرف المغلوب للطرف الغالب في دورات الحضارة. 2ـ اللغة العربية وهي لغة القرآن الكريم الكتاب المقدّس عند المسلمين، وقوة اللغة العربية أنها أثبتت متانتها عبر التاريخ والحضارات، فقد ترجمت إليها العلوم الإغريقية والرومانية، وهي ليست باللغة الهشة التي يمكن اقتلاعها من الجذور عن طريق الغزو الثقافي ـ وهو أخطر أنواع الغزو لأنه يمسّ جوهر حياة الناس التي اعتادوا عليها تاريخياً ـ وتشكل محور الوجدان والانتماء عندهم. 3ـ وعلى صعيد التخلّف النفسي فيتم بتطور عقدة النقص واحتقار الذات، وخاصة عندما ينظر أفراد هذه المجتمعات إلى الغرب باعتباره النموذج الحضاري الناجح. وإن التخلّف السيكولوجي يعبر عن نفسه لغوياً عبر تبنّي لغة الطرف القوي المتغلب ومحاولة تقليده. 4ـ الرأسمالية وأثرها على التنمية البشرية وخلق أنماط التخلّف الأخرى، وهو يرى أن سيطرة النمط الرأسمالي على عالم اليوم سواء بدولـه المتقدّمة أو المتخلّفة تعني تكريس الغنى والتقدّم للدول المتقدمة وتكريس الفقر والتخلّف للدول المتخلّفة. 5ـ التجربة التنموية في العالم الثالث، والنظريات التي تطرح هنا سواء تلك المتعلقة بردم الفجوة التنموية مع العالم المتقدّم والسير على خطاه، أو تلك التي تنظر إلى التخلّف في العالم الثالث نظرة بنيوية وعلى اعتبار أن اللحاق بالغرب أمر صعب المنال في ظل إشكالية الاعتماد الكلي عليه. والأثر العميق الذي خلّفته الرأسمالية في التطور الذي يخلو من أي مضمون أخلاقي وتحديداً البعد ديني والركض وراء الربح بأية وسيلة والطمع وعدم الاهتمام بأي أبعاد إنسانية خلال عملية اللهاث خلف تكديس المنافع المالية بما يشوّه التكوين الأصلي للثقافة والهوية، وهو منشأ مصطلح "الرموز الثقافية" سواء الحقيقية المحلية، أو المصنعة أي التي يصنعها الاستعمار ويفرضها على الثقافة الوطنية. وقد ذكر السوسيولوجي الأمريكي وليام أوغبيرن في أواسط القرن العشرين الفجوة الثقافية في التطور الإنساني حيث امتاز بتباطؤ التطور الثقافي والقيمي عن التطور الاقتصادي والتكنولوجي. ففي كل مرحلة من المراحل، وفي كل منطقة من المناطق نرى أن المجموعات البشرية تتقدّم بسرعة معينة في المسارات التقنية والاقتصادية، في حين تكون سرعتها في المسارات الثقافية والقيمية أبطأ بكثير. ومن هنا فإن ما نراه في العالم الراهن، يتساوق في أكثر من جانب منه مع فكرة أوغبيرن... إنَّ الأوساط الحداثوية ـ وتلك المرتبطة بفرنسا سواء اقتصادياً أو ثقافياً ـ لم تتحمّس للتعريب في دول المغرب العربي وأبقت على استخدام الفرنسية في حياتها اليومية، في حين وقفت شرائح التقليديين والمتدينين مع التعريب بكل قوة. لكن تظل القوة الأساسية في قيادة لواء التعريب وإنجاحه في أيدي النخبة السياسية الحاكمة كما أن تسلّط بعض النخب العلمانية والمتفرنسة في الكثير من مراحل الحكم السياسي ـ خاصة في مجال التعليم والتعليم العالي والثقافية ـ أثرت على عملية التعريب. أمَّا في مرحلة لاحقة فقد بهت هذا التميّز خاصة مع الأجيال الجديدة التي نشأت بينها وبين الفرنسية علاقة تختلف عن تلك التي نشأت بين آبائهم وأجدادهم ولغة المستعمر.‏

من كل هذه المعطيات التي تكوّن صورة قاتمة للحالة العربية الراهنة، نقول إن هذه الحالة لم تزل مقصورة على البنى الفوقية للمجتمعات، وعلى ذوي المناعة الرخوة والضعيفة، وإذا كان الفجر نهاية الظلام، فإن الليل عمره قصير، ولن يكون بقدر أطماع الحرامي... وإن في هذه الأمة، وبين حناياها لحظات تاريخية حاسمة مهما اشتدت الأزمات أو هزلت... وفي هذا المجال تلعب وسائط الإعلام والوسائط المعلوماتية، دوراً فظيعاً في هذا السياق خاصة إذا علمنا أن وسائل الإعلام الغربية، المقروءة والمسموعة والمرئية، تضخ على مدار الساعة ما معدله 75% من ساعات البث الموجهة إلى عالمنا العربي، برامج هادفة ومركزه بدقة من أجل تعميم هذه الثقافة المنافية للقيم والأخلاق والهوية والمنجز التاريخي القومي...‏

وقد ارتبطت وسائط إعلامية عربية عديدة بهذه السياسة الإعلامية وتكيّفت معها ببرامج مماثلة، وساعات بث تخدم اقتصاد السوق وتقوم على منهجية عولمية متكاملة وخاصة في مجال الدعاية والإعلان ـ التي تستخدم المرأة مسوقة ومسَوقة ـ وبنفس النهج العولمي آنف الذكر... ولا نجاوز الحقيقة إذا قلنا بأن طغيان الإعلام الأسود في مجتمعاتنا واقتحامه المستور والمكشوف، وخرقه الحدود الجغرافية دون جواز سفر، قد دخل إلى بيوتنا دون استئذان، ويقدّم برامج انشدت إليها الأجيال الشابة الرخوة، أو المهيأة من قبل لتقبل صرعات (الكيتش) العولمية الراهنة، وأداء سلوك السوق المنتشرة... إنَّ هذه الثقافة وأهلها أشبه ببذرة الرمال في الصحراء، عندما تهب رياح التاريخ تعود إلى منبتها الأول وحياة البداوة... وهنا تصيح صيحة ابن خلدون تطرق الأذان(3)...‏

*من خراب الروح إلى خراب العقل:‏

ما دمنا نبحث عن مصير الثقافة الإنسانية بعد التشوهات التي حاقت بها يمكننا صياغة هذه المسألة وإعادة النظر في بحث الثقافة العربية المعاصرة ـ والثقافة الجماهيرية على ضوء المستجد الحاصل والتبدل الجديد... أي الانتقال من روح العصر أو عقل الزمن إلى تسليع الثقافة وتصنيعها على ضوء التطور الحاصل في جسم هذه الظاهرة منذ نصف قرن حتَّى الآن... أي من هيروشيما إلى ما نحن عليه الآن من تحولات مأساوية وأحداث دامية جرت على رؤوس أبناء هذه الأمة منذ صعود الولايات المتحدة الأمريكية إلى المسرح السياسي الدولي حتَّى احتلال العراق...‏

كان أدغار مورين قد استخدم عبارة روح العصر في كتابه الذي حمل نفس العنوان ـ تعبيراً عن الهروب من المعضلات الأساسية، واختصاراً للتفاصيل دون الغوص في جوهر الحقائق وملامستها للجانب العقلي، وكي لا يضطر الكاتب إلى الغوص في المشكلات التي تفضي إلى عالم معقّد ومليء بالمشكلات العديدة والطاغية، وخصوصاً تلك التي تعني الدول المسماة بالنامية أو العالم الثالث، فيما شملت المساهمات السابقة المذكورة الحالة الثقافية المسيطرة في الغرب الرأسمالي... وبالرغم من أنها لا تعبر عن فكر غيبي أو عن الزمان بمعناه الطبيعي وجغرافية المكان لاشتمالها على معطيات إنسانية تجاوزت حدود وجودها (إلى الروح البشرية بعامة) وهذا صحيح إلا أن هذا المصطلح لا يتطابق وظاهرة الثقافة الجماهيرية ومعالجتها التي تمّت حتَّى الآن والتي ليست إلا مقدمة لفهم الثقافة الجماهيرية من منظورها الاجتماعي والسيكيولوجي ـ المعرفي.‏

وبهذا لم تتمكن هذه المعالجات من فصل الثقافة الجماهيرية عن المصطلح والظاهرة، لأنها لم تخرق الحدود إلى الروح فقط بل إلى العقل البشري... وعليه لابدَّ من إكمال العملية بالبحث، لسد الفراغ الذي تركته المعالجات السابقة دون غوص عميق... فمثلاً إن مصطلح "الثقافة الصناعية" لا يصلح لكل زمان ومكان، في حين أن الثقافة الجماهيرية كسحت حدود العالم ولم تتوقف على الغرب فقط، فقد صدَّرت إلى كل أصقاع الدنيا، أو استوردت إليها (لطبيعة الأنظمة ووسائل الاتصال) كما تصدّر، أو تستورد السلع لسد حاجة اقتصادية اجتماعية (وتسد هنا، هذه البضاعة الثقافية، حاجة روح تواقة أو عقل مستعد لقبولها والتعامل معها)... حتَّى أصبحت هذه الثقافة المنافس الرئيس في المجتمعات المعاصرة لتمكنها من معالجة قضايا العقل وهمومه، ومسائل الروح ونزعاتها، عبر الدولة كميسّر أول لانتشار هذه الثقافة، لأنَّ الدولة ـ هي السيّد المطلق ـ في مثل هذه الأنظمة والمراقب والمشجع والمنتج...‏

وعليه فإن إيديولوجية الدولة تلعب دور الرأسمالي نظراً لأنَّ سياسة الدولة الثقافية لا تعطي فرصة للمرونة... وهكذا يستدعي لجوء القارئ (المستهلك) إلى الثقافات الأخرى ولعل هذه المشكلة تواجه كل الدول من اشتراكية ورأسمالية على حد سواء. وعندما تتوازى الإيديولوجيات، التي تشترك جميعها في عملية تسييس الثقافة في المجتمع، يضعف تأثير الدولة في فهم الوضع الثقافي المعاصر... بمعنى أن الدولة التي رآها مورين سيداً مطلقاً، ليست أو لم تعد بالضرورة المسيطر الأكبر على ثقافة المجتمع. ذلك لأنَّ تأثير المجتمع ورأيه، السائد والكامن، هما أكبر دوماً وأشد توسعاً وانتشاراً، فيما أن تأثير الدولة أشد رفضاً وأكثر انغلاقاً في إطار الثقافة المتاحة لمجتمع ما. وفي هذا السياق عنى السوسيولوجيون بعاملين أساسيين في معالجة هذه المسألة: الأول: النقد الذي يفهم منه امتحان الثقافة الجماهيرية ليس كظاهرة خارجية، بل كاختبار أفق الإنسان كمراقب ومتلق ومستهلك لها، أي من ناحية تركيبه الإنتروبولوجي والنظام الاجتماعي الذي يؤطره. لذا فإن الثقافة الجماهيرية ليست فقط موضوع الرؤية، بل مختبرها ومجال البصيرة بقدر ممَّا تقوم على العامل الإنتروبولوجي ـ الاجتماعي.‏

الثاني: النزعة أو الطموح، نحو الكمال والتكامل. فهي تشمل الطابع الوقائي لأنها تعالج الأمور الصغيرة والدقيقة وصولاً إلى غاية كبرى وهي الربح وغزو الثقافات القومية والوطنية بصورة أساسية. وقد يكون هذا صحيحاً ومعبراً عن واقع حال الثقافة في الغرب، إلا أنه مختلف تماماً عندما تسحب هذه الحالات عن إنسان العالم الثالث... ذلك لأنَّ معالجتها النفس البشرية بدقائقها وسلوكها في مجتمع الغرب الرأسمالي معتمدة على آخر معطيات علم النفس والتقنية السيكولوجية، ليس المحاكاة، وبالتالي، تخريب البشرية في الغرب، لأنَّ إنسانها ـ مواطنها ـ واقع تحت نظام كامل، وتشكل الثقافة (هذه) فيه أحد أعمدته...‏

أمَّا بالنسبة لإنسان العالم الثالث البعيد عن التكنولوجيا والرخاء الرأسمالي ـ وإن كان تحت تأثير الطابع الاستهلاكي الخاص بالرأسمالية ـ فإنه مستهدف لغزو الثقافة الجماهيرية له دون أن يكون اقتصاده متطوراً ونامياً، كما هو حال المجتمعات العربية، في الوقت الذي تسود فيه الخرافة والأسطورة، وقد دُعمتا بعناصر التكنولوجيا الغربية لتتسيّد وتسيطر على ساحة الثقافة والعقل المعاصر وهذا يعني أن الإنسان هو المقصود بالتخريب...‏

من هنا وجدنا أن نكمل البحث في الثقافة الجماهيرية وظاهراتها المختلفة المسيطرة في العالم الراهن وتأثيرها على المجتمعات الفقيرة التي تنعكس في سياسة حضارة الغرب تجاه مجتمعات العالم الفقير بعد طغيان النزعة الاستهلاكية فيه، ومحاولات التخريب الروحية والعقلية البادية في توسع وانتشار "الثقافة الجماهيرية" في مجتمعاتنا الفقيرة/ أو دول العالم الثالث/. والتي اتخذت شكلاً عسكرياً عدوانياً لم يبتدئ في أفغانستان ولم ينته في العراق...‏

(1) اللوموند 7/10/1993 ويرتكز نهج هذه الدعوات على تسويق المصطلحات التي لا تخصّنا ولسنا نحن منتجيها كما أنها لا تخص العقل.‏

(2) صراع الحضارات، ص29.‏

(3) ويصح بها قول الشاعر العربي:‏

المستجير بعمر عند كربته *** كالمستجير من الرمضاء بالنار‏













توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-19-2006, 10:01 PM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الأول الثقافة الحقيقية والثقافة الضيقة (الخرافية)




قدمنا في إلماعتنا القصيرة السابقة بعض المناحي التي شغلت بال المتخصصين في الغرب، وأعطينا صورة مقتضبة للمادة على أرضية المنهجية السوسيولوجية، لكن هذه المسألة تعنينا كما تعني علماء الاجتماع الذين درسوها قبلاً. لذا فإن أول خطوة لتوضيح هذه المسألة يجب الإجابة على الأسئلة التي يمكن أن تصاغ في إطار العقل المعاصر، ما دمنا نبحث عن مصير الثقافة الإنسانية بعد التشوهات التي حاقت بها:‏

ـ هل نحن نرعى الأمنية الخاطئة، أم يُثيرنا الرعب الخاطئ دون حضورنا؟‏

ـ إذا كانت هذه الثقافة تنبع من عبادة شيء ما أو شخص ما، أو فكرة ما، فهل الانزلاق الدائم باتجاه هذه العبادات، العصبية، والنظام، والكينونة والموت، وأرواح الموتى في الجسد ـ هي الثقافة الأساسية للبشرية على ضوء ما تقدمه الثقافة الغربية؟.‏

ـ ثمَّ أي القيم الثقافية التي تحقق إنسانية الإنسان؟.‏

في هذا الإطار نعيد صياغة أنواع العبادات التي تدخل في تكوين الثقافة الجماهيرية المعاصرة: عبادة العواطف أو المحبين، والنهاية السعيدة، وعبادة الأولمبيين ـ نجوم كرة القدم والرياضة ـ ونجوم الأفلام والأمراء والملوك والسلاطين والأولاد اللعوبين "play boy" إلى عبادة المسدس ـ في أفلام الجرائم والمسرحيات البوليسية ـ وعبادة الجبابرة على غرار (طرزان)، والحب ـ وليت حضارة هذا الزمان هي حضارة أوفرديت آلهة العشق والجمال ـ واستهواء الجماليات المحببة وأسرها للذات، خاصة فيما يتعلّق بالنساء وهيامهن، وطقوسية الصدف السعيدة والنكدة ـ كضرب من الغيب واستحضار صورة مستقبلية تبنى على حقبة سلفية ـ للدخول إلى عوالم الدفء الغريزي القريب إلى الروح وسواها، التي توجه من خلال العقل...! وإن أول ما يقع في العيون هنا، هو حقيقة: إنَّ هذه العوامل لا تلبث أن تصبح ذات قدسية خاصة وهي تكون عقل هذا الزمن فيما يخص تفسيرات الثقافة الجماهيرية.‏

وعند البحث عن "عقل الزمن" يمكن أن نستخدم تعبيراً آخر للثقافة الجماهيرية المعاصرة، يعين في شرح وتفسير الظاهرة أي أنه يجب الاعتراف بأن لهذا الشكل المعرفي قيمة مهمة، وإن كانت غير كبيرة فهي أقل من الحاجة/ خاصة وأن الموقف هنا يتبدل، بشكل من الأشكال، كلّما اتضحت الرؤية باتجاه معرفة الأشياء والملاحظة المعلنة بالنسبة لقدسية الثقافة الجماهيرية، كأحد أهم العناصر لعقلنا المعاصر التي تقترب من فكرة الثقافة الجماهيرية، وقد نمت وتشكلت أساساً كمعارض للدين والثقافة السلفية. ولعل هذا هو الموضوع الذي يصيب عصب مسألة الثقافة الجماهيرية التي هي مسألة عصرنا، وتعتبر أصل هذه الثقافة وفكرتها الأساسية.‏

من هذه الملحوظات، نقول لقد طرحت المسببات والدوافع التي تكمن وراء قيام مفهوم الثقافة الجماهيرية، وحدودها وفحواها الأخلاقي والمعرفي والإنساني والتي جعلتنا نعرّف الثقافة الجماهيرية على أنها "خرافة موضوعية" للتفريق بينها وبين الخرافة الأسطورية أو الخرافة الواعدة بخلاص الإنسان دون أن تعد بديمومة الحياة ومع هذا لا تلبث أن تتحوّل إلى عرف غير قابل للتزحزح...‏

ويمكن أن نفهم الثقافة الجماهيرية، من حيث أهليتها، على أنها ليست نتاج الصدفة، أزمة "أزمة الازدهار" ومعطيات التكنولوجيا، أو أنها هي سبب سقوط الفكر الغيبي والخرافة... بل هي أول تيار نافس الثقافة التغريبية وأسقط سلطانها... لأنَّ الأسطورة الخرافية وتقاليدها، وقناعتها بالمستقبل، تلح على السعادة خارج الأرض، وتدعو إلى التخلص من كل ما هو طاغ على الأرض... والإنسان البسيط الساذج ـ في عصرنا الحالي ـ ليس لديه الصبر أو النفس الطويل أو البريء، لينتظر الوعد الأبدي...‏

هذه هي صورة الوضع الثقافي المعاصر على خلفية الماضي... أي مقدمات خرافية ونتائج تكنولوجية لكن من يرى ذلك بوضوح؟ فالثقافة الجماهيرية لا تعني فقط رفض الخرافة بل تحجم النظرة الإنسانية الخاصة... فالخرافة التوراتية مثلاً تحاول أن تربط بقيودها كثيراً من بسطاء الناس في أوروبا وأميركا وتوثق أعناقهم بقيود أسطورة لا محل لها على الأرض ولا في السماء. وهناك صراع في داخل المسيحية العالمية بين المقولة الدينية الأخلاقية ويستدعي الشق الثاني البشر ضد الآخرين، ويحرم أصحاب الحق حقهم بحجج وشعارات سياسية قائمة على مقدّمات خاطئة والصهيونية أوضح مثال على ذلك.‏

وقد جهد ممثلو هذه الثقافة الخرافية إلى تعميم مقدمات خاطئة لاستدراج إنسان عصرنا، البسيط أو الساذج، للإيقاع به عن طريق خرافات تقول إنه في آخر الزمان سوف يصل الإنسان إلى وضع مرضٍ ويحصل على المنغصات دفعة واحدة، ليبقى خانعاً قابلاً بما هو عليه من جور وفقر وحرمان جسدي أو روحي. وقد استخدمت من أجل ذلك الخرافات اليومية التي نسمع بها وتتناقلها الألسن عبر الصحف ووسائل الاتصال التابعة لهذه المؤسسات الخبيثة التي توجهها إدارات القطب الواحد المتفرّد بالأرض ومن عليها...‏

ـ فالحياة الحلوة تبدو أكثر جاذبية تشد الناس بقدر ما يستبد الشر بهم ويجتاحهم الجوع والرعب الذي نعيشه الآن ومنذ عقدين من الزمن على أبشع صورة في تاريخ البشرية قاطبة جرّاء الحروب ـ ولعل ما يجري في العراق وفلسطين هو خير دليل على هذا الرعب الأمريكي ـ الصهيوني المقيت... أو الكوارث الدولية... لهذا انطلقت الثقافة الجماهيرية على كل لسان على أنها نتاج صراع الفعل وليس التقدّم الحضاري فقط لتتبرأ من مسؤولية الرعب وتبعات الحروب التي يصدرها مجتمع الثقافة الخرافية وأدواتها (الفاشية والصهيونية والعنصرية والإرهاب والكيتش والحداثة وما بعدها والبنيوية والتفكيكية والتجريبية المادية... واليهووية وعبدة الشيطان والروتاري والماسونية والحبل على الجرار...).‏

ـ إذن إنَّ صراع القدسيات آنفة الذكر قد أنتجت ركاماً من الأفكار والنصوص ذات الواقع الفظيع هنا، والمنمّق هناك، وهي تدغدغ ما هو حسّاس وجوهري في نفس الإنسان... ولذا تجد الكثيرين يتعاطفون سراً وعلانية مع هذه التيارات الثقافية وقدسياتها المذكورة التي حركت (الجواني) أولا ً في الإنسان المعاصر، المقهور، والمعذب بفعل العوامل الخاصة أو العامة... والداخلية أو الخارجية... إلى ما هنالك من عذابات وحالات قهر تلف إنسان هذا العصر...‏

ـ أمَّا الجانب التسلوي للثقافة المعاصرة فإنه يغري البشر ويشدّهم إليه أكثر من الجانب الآخر، وهو يتقدّم دوماً عليه... خاصة تلك الأنواع الغرائزية (فرط السلوك البدائي والغريزي، التعري، الهبية والستريبتيز والهوموسيكشوال و...الخ) وتميل الثقافة الجماهيرية دوماً، كتيار بركاني منتشر، علماً بأن الرومانسية هي خاصيتها بقدر ما تهم الواقع الراهن... لذا فإنه يمكن تسمية الثقافة الجماهيرية بثقافة "الحاضر" فقط أو اللحظة... وقد رأيناها في كثير من الأحيان قد نسفت الماضي ... ولذلك أدارت ظهرها لكل ما يتعلّق بالمستقبل وتمسكت بحياة اللحظة ومتعتها... ويدافع حَمَلة هذه الثقافة عنها وكأنهم العارفون بكل الأبعاد ويؤكدون بأن الأغبياء وحدهم هم الذين يلتفتون إلى الماضي، وأن المتفائلين يحلمون بالمستقبل، وأن العقلاء هم الذين يغتنمون الحاضر ويتمتعون به، لماذا؟! لكي يستيقظ الدافع الغريزي... في المستهلك ـ المتلقي ـ لهذه الثقافة.‏

1 ـ ماهيوية الثقافة السوداء (بين الغريزي والمدرحي):‏

ليس من المنطقي التنبؤ بمحدودية الحقائق المتناقضة للثقافة الجماهيرية، لكن ولطالما قدمت نفسها على أنها التيار المتناقض للاهوتية، فإن الطابع المدرحي أو الأبيقوري المكوّن لهذه الثقافة، هو الذي يعيّن محدودية هذه الثقافة. وبتأكيدها عل القيمة الراهنة واللحظوية، فقد أضحت عمياء تجاه قيمة المستقبل، لأنَّ القيمة الراهنة تموت، وتفنى بعد الحصول عليها، وتميت اللحظة ذاتها بمرورها أو بعد استخدامها... في إطار الإعلام مثلاً فإن الخبر الصحفي أو التلفزيوني أو السينمائي وغيره من وسائل الإعلام، المساعدة أو المكونة للإعلام الجماهيري، تعيش لحظة الإثارة المباشرة ثمَّ تنقضي... لذا فالحضارة الزائفة تشوّه السعادة، وهي نقيض الحب، وتحيا في صراع مع القيم، مجموعة النواميس الأخرى. ذلك لأنَّ عوامل الألم تعيش أكثر من لحظة السعادة، وبالتالي القيمة النقيضة... طالما أن الثقافة الجماهيرية تعيش على الطابع الكينوني الفردي. لأنَّ الإنسان الوجودي يطمح دوماً ودون تحفظ إلى إبداع الإنتاجات الغرائزية، الجذابة والتسلوية دون الاهتمام بمحتواها أو مكوناتها... والثقافة الجماهيرية لا تطلب النقد أو التوجيه لأنَّ جلّ اهتمامها أو رغباتها، وفي أحسن الأحوال، أن تحيا اللحظة الراهنة وتغرق في التفاصيل الخيالية الغريبة. ومن الناحية الفلسفية فهي ترفض الجدلية لأنها تزعج الإنسان الغريزي، ولا تهتم بما سوف يكون، بل بما هو كائن، وبالبرهة القصيرة التالية، وهي مضطرة لأنْ توازي بين ما سوف يتعزز في اللحظة من قيمة، وما هو خرافي، لتحصل على ما ترغبه منه. وعليه فإنها تلعب بورقة تمزق الشخصية الإنسانية، عبر العامل الأنتروبولوجي التي تقيم عليها سيكولوجيا الإنسان، وهذا هو معين الخرافة. ويرتبط العامل الأنتروبولوجي للإنسان بالخبرة الاجتماعية ـ النفسية. ويلاحظ أن الإنسان يحاول أن يزعج نفسه بهذا السر، بعد طول عناء وجهد، لكي يقرأ أو يفسر سعادة الآخرين في الوسط الذي يحيون فيه، طبقاً لعادات ميكانيكية وبالتطابق مع التبدّل الميكانيكي نفسه يحتفظ بهذا السر المزعج. ولهذا فإنه يقلق ويتوتر ميكانيكياً فتظهر طبيعته الإنسانية. كما يحصل في الأدب والفن (وبخاصة في السينما) حيث تتواتر ثلاث صور متباينة: صورة لصحن شوربة، وصورة لامرأة ميتة، وثالثة لطفل يبتسم... هذه الصور تحرّض الجوع في داخل المرء، والمرض، ونزعة الأمومة ـ أو حب الطفولة... فشكل الصحن حيادي، والمرأة الميتة لا تحمل أي نوع من المتعة، وصورة الطفل، لتحريض العروسين على الأبوة والأمومة، لا تعطي التأثير المطلوب لعدم وجود الخبرة الشخصية. إنَّ هذه الألاعيب الحياتية كخدع نفسية تفسر على أنها نتاج لعاداتنا لكي نقرأ الكراهية أو الحب تحمله وجوه متوقعة أو حقيقية لأناس يحيطون بحياتنا اليومية فتصبح هذه الوجوه أو الأشياء وسيطاً لنا، ثمَّ تؤثر علينا...‏

إذن إنَّ الثقافة الجماهيرية تركز على ما يمكن تسميته بالإنسان الوجودي، الذي لا تعذبه كثيراً الطموحات، لأنه يعيش من أجل السعادة الروحية، ولا يرتقي إلى مستوى المسائل الراهنة، التي يقابلها بالنعاس.‏

وهذا النوع من الثقافة هو الثقافة الضيقة (اللامبالية) الماهيوية... وهناك نوع آخر للثقافة الجماهيرية هو نقيض الثقافة الضيقة وهو الثقافة المتفوقة، التي تطمح لإيجاد فكرة عن الوجود الإنساني، وتجسيد هذه الفكرة، أي العامل الأنتروبولوجي والاجتماعي الفرعي تستند إليه لتمثل نفسها على أنها ثقافة النموذج الفكري، وتحاول أن تفرق ما بين الوجودي والغريزي أو الحسي في الإنسان... موضحة أن الفرق بينهما هو في النظام القيمي لكل منهما. فالغريزة تعتمد على القيمة الإيجابية، فيما ترتكز الفكرية على القيم الإبداعية، النازعة إلى التجسيد المادي الحياتي حتَّى الإشباع. لذا فإنها منتجة أكثر كما يقول نقادها، وهي باردة، أكثر منها فاسدة تقنياً. وقد كانت الثقافة الكلاسيكية نوعاً من الميتافيزيقية بدون فيزياء، وفي إطار الثقافة الجماهيرية ـ هي فيزيائية بدون ميتافيزيكا ـ هذا ما عبرَّ عنه "بيتر أندريه"... وهل كان أندريه مخدوعاً؟‏

ليس بمقدورنا أن نعرف ذلك طالما أن الثقافة الجماهيرية يهمها أن تكون لديها طاقة أكثر من العقل والروح... أوليس التلفزيون والسيارة والمسجلة والراديو والصحيفة التقنية وغيرها من المواد الأخرى، أليست جميعها ـ نتاج العرض دون الحاجة، نتاج فيزيائي من دون ميتافيزيكا؟‏

ولدى نقاد آخرين سبب للحديث حول: "الثقافة الصناعية" لأنَّ الثقافة تبرز المستوى. وقد أرعبنا النقاد بأنه سيأتي الوقت الذي سوف يكون فيه بمستطاع الآلة أن تكتب قصيدة، ومعامل الأنسجة أن تفصل لنا روايات وقصصاً وأفلام جرائم ونصب.‏

وينتظر من، عقل هكذا (عقل زماننا المعاصر) أن تتحول الثقافة إلى ثقافة إلكترونية، مادام مفهوم التجارة والمادة، يتحكّم بعقول البشر وأرواحهم... (وقد شاهدنا الكاريكاتير الذي يوضح كيف أن رجلين آليين يتحدثان حول أزمة العمل... الأول يشكو من أنه لا يستطيع الحصول على عمل، والآخر يشكو من أنه قد استخدم كمحلل نفساني في أحد المعامل)، ولا غرابة في ما قدمته لنا كتب الجيب ـ كنموذج للثقافة الجماهيرية ـ وبهذا ينمو الغباء وهو الموت البطيء لكل الفعاليات الإنسانية لكن العزاء لنا في أن التكنولوجيا لم تزل مرتبطة بالفيزياء أي بقاء العلم مسيطراً...‏

وهناك جوانب أخرى لأزمة الثقافة الجماهيرية وهي ليست في تقدم التكنولوجيا، بل في كيفية استخدام هذه التكنولوجيا وفي توجهها نحو الجانب العلمي التجاري الذي يدفع المثقف أديباً وفناناً، إلى حالة الحرب الذاتية من أجل اللحاق بالسوق فيتحوّل إلى منتج كمي لا نوعي، وبالتالي يتحوّل العقل إلى نموذج تجاري، لا ثقافي ـ معرفي.‏

ولأن التكنولوجيا بحد ذاتها قيمة حيادية فإن استخدامها الخاطئ يقزّم العقل. وهذا هو منحى الثقافة الجماهيرية، فهي من ناحية أخلاقية ومعرفية أيضاً تهزئ الوعي. ويمكن أن نطلق على هذه الثقافة تسمية "الثقافة الفاسدة، والسوداء أو الوعي الفاسد"...‏

وقد ترجمت أوساط علم الاجتماع هذا المصطلح في عالم الثقافة بأنه يمثل ظهر السجادة أو الوجه الآخر للحقيقة، فنحن نرى أشياء متفائلة لكنها ليست كذلك في الحقيقة. وقد عبّر عن ذلك بالصورة والشكل... وأنهما يقودان إلى البحث عن الصورة والفكر أو المضمون، ومن خلالهما نصل إلى الثقافة الحقيقية غير المصطنعة... وبقدر ما تكون هذه الثقافة حيوية وصادقة بقدر ما تكون حقيقية، وبالتالي إيجابية ومقبولة وذات جمهور واسع، وفيها يظهر المثقف حياته النضالية ضد فساد الوعي دون الانزلاق في طريق المرغبات أو تجنب المنغصات، بالطرق المادية أو الفكرية أو النفسية، أو الوسط وهي تمثل الجانب الخارجي العسفي في حياة المثقف ـ كاتباً أو فناناً ـ فتسلبه حياته الكفاحية والتزامه ضد الوعي الفاسد ومنزلقاته وقليل من المثقفين من يثبت حيال هاتين المبادرتين ـ النقيضين ـ (الالتزام × التفسيد) وبهذا فإنه يبقى على محك الامتحان دوماً: ففي حال الانزلاق إنَّ عطاءه لن يكون ذا قيمة إيجابية عالية وأخلاقية جماهيرية... وبالتالي سيقزّم ذوق الجمهور ويفسده... وبطبيعة الحال فإن الدعاية تلعب دوراً في عملية الاحتواء والتأثير أو الفساد، بأن تسلّط الأضواء على كاتب ـ وأعماله الفاسدة ـ فتحتويه الجماهير إلى أن تسقط عنه ورقة التوت فيهوي... إنَّ أهم عملية إفساد الوعي في إطار الثقافة الجماهيرية وأشكالها هي القائمة في التيار الأمريكي الذي قدّم إلينا عبر المحيط وأوروبا تحت غطاء "النموذج الوسطي" ـ كما أسماه مورين ـ. وقد وضع فرضية قياسات مؤكداً على الطرف الأول والنقيض: الواقعية والعالمية في الثقافة الجماهيرية. والمثالية، والسلفية للثقافة، ومن هذه الفرضية عبر هذا النموذج إلى صورة واضحة عن القيمة أو اغتراب الثقافة والتي يراها على صورة سلبية وظاهرة متناقضة وأنها تحصيل حاصل لأحد أنواع الإحساس الجمعي لحاجات أنتروبولوجية ـ اجتماعية وتيار التغريب والتشويه الثقافي. أو أنها أحد أنواع الخرافة المعاصرة. وفي عملنا هذا "عقل الزمن" نلقي الضوء على بنية هذه الخرافة بمنظوريها الروحي والعقلي... بين مغريات السوق، ووعي الجماهير المبادرة المسؤولة في إدارة عملية الصراع الفكري والسياسي ـ الاجتماعي، في ثقافتنا المعاصرة...‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-19-2006, 10:02 PM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

2 ـ الخرافة ـ مادة الثقافة الراهنة...‏

لماذا تتوافق الميتولوجيا (أساطير العهود القديمة) ونموذج الإنسان البسيط الساذج، ولا تنسجم وعقلية الإنسان المعاصر؟ في هذا السياق كتب المفكر الإنكليزي "أنتوني هارتلي" في مجلة "النزال Encounter" أن الثقافة الجماهيرية القائمة على الخرافة، هي مرض المجتمع الصناعي.‏

ويمكن القيام بالتحليل العلمي للخرافة، للحصول على المضمون الأساسي وتركيبه البنيوي ومادتها... حيث لم تزل مستقرة في أذهاننا بعض النزاعات أو الآثار الخرافية وبقايا أساطير الماضي وبخاصة أساطير المجتمع البدائي الأول الذي لم يكن ذا قدرة على فهم التطور القائم من حوله، والعلاقات البدائية الأولى والمسببات الأولى لنشوء الخرافة. فيما تحوّل عقل الإنسان بالتدريج إلى فهم حقيقة العلاقات البشرية على صورة الشكل المطابق لعقله. ومع هذا بقي الإنسان عاجزاً عن فهم التقدم البشري العقلاني لفهم مادة الخرافة.‏

وأظهر تطور العقل تقدّماً ملحوظاً في هذا المجال، فحصل البحث العلمي على نتائج هامة في تطور الوعي البشري. وليس هذا فقط بل وأننا شهود على التطور الحاصل في الخرافة الجديدة أيضاً وتحوّل الخرافة القديمة الكبير. إذ إن الخرافة تواكب تطور كل عصر وتسير بمحاذاة التحول العام فيه. وعليه فإن كل المحاولات السابقة لبحث الخرافة كانت أحادية الجانب ولم تقم بتجربة علمية لسبر أغوارها بشكل متكامل علمي ميداني، إذ إن هذه التجارب والمحاولات كانت جميعها تتمحور حول معرفتنا أو الإحاطة بأسباب وبنية الخرافة دون الغوص إلى جوفها، ممَّا شكل خرافات جديدة تماشي عصرنا. وقد قام رهط من الباحثين بمساهمة في بحث جوهر الخرافة وتحليل كنه هذا السر الغامض، مثل: فيشر مالينوفسكي، مايير، لوكاتش، فورم، وسوفي. ومنهم من أصاب نجاحاً كبيراً ومنهم من لم يصبه إلا قليلاً. ولعل إيريك فورم والفريد سوفي قد حققا نجاحاً باهراً في هذا المجال.‏

ففي كتابه "جحيم من الحرية" أوضح إيريك فورم طبيعة الخرافة الجدلية بالقياس مع درجة تطور الوعي البشري، منطلقاً من عالمية الخرافة وانتشارها الكبير عبر كل الحدود الجغرافية... وهي مترافقة مع الإنسان منذ المجتمع البدائي حتَّى المجتمع الحديث وإنسانه المعاصر. وقد سمّاها فورم: "أصل المهيج العاطفي" في حين رأى سوفي، في إطار نظرته للخرافة، العوامل البنيوية للخرافة وأوضح في كتابه Metodologie de notre temps الثوابت التالية:‏

1 ـ الصراع، أو بالأحرى اختلاف النظرة والخبرة إلى الأشياء.‏

2 ـ التدخل من قبل الوسيط في نقل الأفكار.‏

3 ـ دور المنطق وعلم الاجتماع والثقافة المعرفية في كشف السياسة أو النظام الاجتماعي اللذين يقفان وراء انحسار الخرافة أو التأثّر بها وتجسيدها ونشرها (أي الإيديولوجيا)... بمعنى أن انتشار الخرافة تابع للنظام المتسيّد في المجتمع...‏

وقد أبدت العلوم تقدماً في دراسة الإيديولوجيا التي تشكل العنصر الأساسي لتشكيل الوعي حيال الخرافة. بالإضافة إليها يأتي دور الثقافة الرمزية التي استندت إلى هذه الطريقة في تناول الخرافة وجعلها وسيلة أو رمزاً في مواضيعها المتعددة. وهنا يدخل المهيج العاطفي عنصراً أساسياً في الأعمال الثقافية وأجناسها المتنوعة، بدءاً من الفيلم حتَّى القصة وكتب الجيب الجنسية والتسلوية وتدخل في عملية المهيج العاطفي أيضاً حجوم أو كميات الأعمال المعاصرة التي لا تعتمد على البنية السيكولوجية للشخصية الإنسانية، وأن جميع الظواهر والنظم وكل ما يدخل في إطار البحث المعرفي والفلسفي، والنفساني والاجتماعي للمشكلات المعنية بهذا البحث، تقوم جميعها على المهيج العاطفي أيضاً وبنيته المتأصلة في نفس الفرد والجماعة. ومن خلال فهم هذا المهيج، وهو في نفس الفرد المتحكم بالثقافة، يكون الحب، والحق، والمساواة، والتضحية، وغيرها من الظواهر القيمة ممثلاً للدرجة المعرفية التي توصَّل إليها منطق العصر في فهم هذا العامل "المهيج". وهي تصب جميعاً في ما يسمى بـ"الخاصية الاجتماعية". والتي تنسحب على الإنسان المتوحش وكذلك الإنسان المتحضر أو العصري، وما الفارق بينهما، إلا في حدود المهيج العاطفي، في سياقه التاريخي والاجتماعي أي زمانه ومكانه... والمسألة الهامة هنا هي كيف انعكست هذه المفاهيم والبحوث في الثقافة الجماهيرية... يجيب مورين على هذه المسألة في "روح العصر"، موضحاً بأن "كل خرافة تتبلور وتتأطر حول المهيج العاطفي تطغى على العصر برمّته". وأن دراسة "النوبة الاستهلاكية" المعاصرة توضّح لنا الأسس التي يقوم عليها المهيج المسيطر، بحدوده العليا، وهي تعشق التكنولوجيا، والعلاج الاستطبابي المعافي للنفس وهي "العبادة" أو القدسية لبعض الظواهر مثل الغريزية والماهيوية التي تلتصق بالمهيج الفعال كأداة للنفاذ إلى النفس البشرية (أفراداً وجماعات) ويقع الإنسان البسيط بسرعة فريسة لهذه الأداة المعرفية التي تنعكس على سلوكه بشكل آلي، فيفقد معها حاسية أو ملكة النقد والتبكيت الفكري والوعي في خضم الموج العالي للنظام الصناعي الذي تقوم عليه الثقافة الجماهيرية. ويختطف بسرعة العقل البشري فتصبح حياة الإنسان موزعة ما بين: "حب المغامرة" وخلع النعل ـ العصري والبدوي ـ والسيارة الفخمة والعربة القديمة "الطنبر" ـ والخيمة ـ و"الفيلا" ـ والتلفزيون الملوّن ـ والبراد الآلي ـ والأضواء المبهرجة ـ والطقس المنتظم المنعش ـ كل هذه تفقد الإنسان حياة الانفعال الحيوي والمغامرة الحيوية العقلانية الكامنة في داخله وبالتالي الانفعالات الحية والتوتر الثوري الداخلي فيعكف على التمسك بالجمود واللذة الحسية... وأهم شيء خطير يفتقده الإنسان هنا هو الروح التي هي المرآة الخارجية (السلوك) العاكسة لجوانيته وتركيبه النفسي ومنعكساته.‏

والخرافة الثانية التي تلاحق الإنسان هي الرؤية، ونظرته للحياة والعالم الخارجي والأشياء المحيطة به (الإدراك) فتعمل في فكره ومسلكه تخريباً هاماً وهي تنقسم إلى قسمين:‏

ـ الأول ويتمثل في عملية التخصص البحت... أي أن الخبير المتخصص أحادي النظرة (وهذا نتاج تشويه التخصص) ينظر إلى كل أمر يدخل في نطاق مهنته منعزلاً عن كل شيء آخر أو أية ظاهرة أخرى، منفصلاً عن كل علاقة أو رابطة تربطه بالكائنات أو المواد الأخرى، أي ينظر إلى الأمور من الثقب البسيط والصغير... فمثلاً تركز العروض الجماهيرية على إظهار التفوق كأن تعرض أحد النجوم وهو يجيب على أسئلة صحفي، يبتدع الأسئلة تلقائياً وبشكل محرج، وفي النهاية يفحمه النجم ليس بقصد الإثارة وخاصة عندما يتقصد الصحفي التعرّض لحياة النجم الخاصة، وليرفع من حرارة الجمهور بل ليظهر النجم مظهراً معرفياً وشمولياً لأنه يدر أرباحاً كبيرة على متعهديه...‏

ـ أمَّا القسم الثاني ويتمثل في القناة الموصلة إلى الحقائق والتي لم تكن موجودة في المجتمعات القديمة، وتنمو بشكل خيالي في المجتمع المعاصر. هذه القناة الواصلة ما بين الجماهير ومركز التهيّج، في أداة الاتصال الجماهيري التي تعتمد، أساساً لعملها، على "الخدعة" من أجل تدمير مجاميع الناس، أي جعلهم حلقات دائرية حول مادة ما أو قناة ما. وهذا يعني نشر الثقافة الجماهيرية عبر الوسائط الجماهيرية التقنية.‏

وبالتالي تكوين جماعات ثقافية خاصة ومنتشرة وهي جماعات البسطاء وغير المهتمين بأي شيء أو (اللامبالين) أو لنقل (اللامنتمين) مع مراعاة تزويدهم أحياناً بمعلومات بسيطة عن ظواهر المجتمع والطبيعة، وهذا ما تفعله كتب الجيب الاستهلاكية أي الانتقال بشرائح الناس إلى تكوين مجتمع ثقافي ملتزم أو المجتمع المشذب أو المسيّس.‏

أمَّا القارئ المثقف /فلسفياً/ فالأمر بالنسبة إليه غير واضح. فهو يعرف تماماً كيف يرد كل هذه التيارات والتوجيهات الثقافية وتطوراتها إلى العامل الأساسي وهو: الإيديولوجيا. فالإيديولوجيا "هنا" هي "الوعي الخفي" أو الكامن، ولنقل الأرضية التي تقف عليها الثقافات وتوجّه الخرافات الاتجاه الذي تريد... وإذا كان علماء الاجتماع لم يجروا بعد الدراسات الناجعة والشاملة لسبر غور الخرافة ومعرفة بنيتها ـ من الناحية الإيديولوجية البحتة ـ إلا أن تفسير أو ترجمة الخرافة تعزى إلى الإيديولوجية، بعيداً عن التعمّق البنيوي. وبمعرفة جغرافيا (مصدر) هذه الثقافة نتعرّف إلى الإيديولوجية الموجّهة لها، وكما نفسّر الخبر الصحفي أو التعليق السياسي في إطار الصحافة الموجّهة، فإنه بالمستطاع تفسير الخرافة من خلال هويتها الجغرافية أو الفكرية وبالتالي الإيديولوجيا.‏

صحيح أن الثورة الصناعية هي من صنع الإنسان، إلا أن الإيديولوجيا المعاصرة لهذه الثورة هي التي تستخدم التقدّم الصناعي لتجيّير المجتمع البشري إلى صالح مكاسبها الذاتية... لكن لا يمكن وضع هذه الإيديولوجيا موضع القاهر والرضوخ لها أو التسليم بما يقوله فلاسفة الغرب بأن "الإلكترون قد نسف الإيديولوجيا".‏

أو كما يقول دعاة الغرب بأنه سقطت الإيديولوجيا وانتصرت المصالح... ولسبب بسيط هو أنه لا يمكن أن تحل الآلة محل الفكر والعقل البشري ولطالما هي من نتاجهما... أي لا يمكن تقديسها طالما أنها من صنع الإنسان، الكائن البشري الحي الذي ربَّما عاد ليتحوّل مرة أخرى إلى حيوان ناطق كما بشَّر به أرسطو في عهده الاثيني... ومع هذا فإن الحديث عن الثقافة الجماهيرية في هذا السياق، هو نموذج للصراع الإيديولوجي، صراع بين الإنسان والحجر... إذن هذا هو فحوى المتناقضات القائمة على الأرض في إطار الثقافة بصورة محددة، أي بين الثقافة الجماهيرية (النموذج المذكور) أو ثقافة الرقم المضاد للبدع والخرافات، وإيديولوجية الإفساد والتشويه، وإيديولوجيا الإبداع الجماهيري والتحوّل الواعي المستند إلى الإنتاج المجتمعي والثقافة الحقيقية الهادفة إلى خلاص الذات البشرية، في إطار المجتمع الجغرافي الإنسان...‏

وفي إطارنا العربي نجد أن لهذا البُعد التخريبي الثقافي العربي /الذي كانت بيروت مركزاً له نافس الأفكار الأخرى/ نتائجه وأبعاده، فمثلاً إنَّ ما جرى على الساحة اللبنانية هو أحد وجوه هذا الغزو الثقافي التشويهي والمفسد. وقد كان هذا الغزو المستند إلى رأس المال والتكنولوجيا مستهدفاً (من موقعه الفكري والمعرفي الاستهلاكي) النتاجات التحررية القومية بشكل مركّز... ففي الستينات عندما تصاعدت حركة التحرّر العربية وأفكارها (التحرّرية الديمقراطية، الاشتراكية، الوحدوية) دخلت الثقافات الغربية الساحة بأفكارها ونتاجاتها الوجودية والماهيوية منافساً خطيراً وقوياً... فإلى جانب أعمال ماركس وأنجلز ومن لف لفهما، كنت ترى أعمال سارتر ودي بوفوار وكولن ولسون وغيرهم بكثافة "وهذا ما سنمر عليه في بحث عقل الزمن العربي...؟.‏

3 ـ بين الإبداعي والتخريبي...‏

يرى مفكرو الثقافة المعاصرة أن هناك تطابقاً بين الثقافة الجماهيرية والثقافة السياسية أو الأولية، من حيث المصطلح، والظاهرة والمضمون، وأنه لا يمكن فهم القيم الأساسية لكل منها، خارج نطاق تأثيرهما. ونظراً لاستيفاء الحديث هنا حول الثقافة الجماهيرية، فإنه لمن الموضوعية الحديث على الثقافة الأساسية، أو الأولية. والثقافة الأساسية هذه، هي الدرجة التي تشير إلى مستوى الثقافة (عالية ومتوسطة أو متدنية). وللتوضيح لا يمكن الجميع ما بين النظرة الفطرية والذوق الرفيع في الفن أو بين الإبداع الإنساني والتخصّص في العلوم، إلا من حيث قيمة الفن ذاته... وبهذا فإن الثقافة الأساسية تشكل الأرضية والخلفية التي تقف عليها كل هذه الاعتبارات أو الدرجات والمستويات... فالثقافة بصورة عامة هي متحوّلة "تقوم بعد أن يكون كل شيء قد نُسي"...‏

وهذا ما يفسّر مصطلح الخلفية... وهو يعتبر نقطة البدء الدنيا في تقويم أشكال الثقافة والنشاط الفني... كذلك إنَّ المستوى الأولي ليس واحداً في كل المجتمعات، بطبيعة الحال، ولا في كل العصور. فالثقافة الأساسية تشتمل على حدود متدنية وأخرى عالية، في كل المجتمعات وكل العصور، بالقياس مع التطور العام، أو درجة التقدّم المادي والتنظيم الاجتماعي والحرية الشخصية وعوامل أخرى مكملة... وهذه جميعها، بالضرورة، متحوّلة ولعلها تشكل الرافعة لقيام أو إمكانية ثقافة عالية. بمعنى آخر أنه بوجود تطور بدائي ووسائط أولية تقوم ثقافة عاكسة لهذا التطور البدائي، أو إنَّ الفقر المادي يضاف إليه فقر الموروث الثقافي والفكري، يخلق ثقافة واطئة أو متدنية وبالعكس...‏

وأيضاً إنَّ الثورة ا لتي تتكوّن جرّاء التقدم الإنتاجي في ظل طموطمية سائدة وقدسية سلبية وما شابهها من سمات المجتمعات الاستهلاكية تكون الذوق الفاسد المشوّه لنموذج الثقافة الأساسية، هذا الذوق الذي يحرّض المبادرة الفيزيولوجية والعقلية لدى الرجل والأنثى والشاب والفتاة...الخ.‏

وفيما أن ذلك النموذج من الثقافة الأساسية متطوّر في المجتمعات المتقدّمة والغنية حيث ينعدم التخلّف والأمية (الكتابة والقراءة)، نرى ردّة فعل نشطة، ونظافة، وحسن معاشرة وسلوكاً ومستوى ثقافياً أعلى، لأنَّ في هذه المجتمعات يوجد أيضاً مستوى غذائي جيّد ومتوازن، وسكني منظم ومتوفّر، وزواج صحي ـ أي تكاثر منظّم وسليم... ومع هذا فإننا نجد في هذه المجتمعات عالية النمو ظواهر وجائحات تاريخية (مثل فقر الدم وفقدان المناعة) "الآيدز" وحقبات من العوز والجوع، وحروباً، وتشوّهات خلقية، وتغريباً ثقافياً، وأزمات اقتصادية، وأنظمة ديكتاتورية، ما يجعلنا نفهم أن الوضع الاجتماعي ـ التعليمي هو أساس للثقافة الحالية في هذه المجتمعات أو أنها النظرة الأولية للثقافة.‏

ويقودنا هذا الفهم إلى القول بأن هذا الوضع ينسحب تاريخياً على المجتمع كما ينسحب على الثقافة وقد رأينا أن الأساس الذي قامت عليه الثقافة الجماهيرية هو معاداة المدنية والثقافة الدينية. ولعلّ هذا الأساس مرّ في تاريخ كل المجتمعات، لكنه مرّ بطرق مختلفة وأساسات مختلفة أيضاً، ومن هذه المجتمعات ما عرف ترتيب هذه الأساسات جيداً وبطريقة معرفية عالية وإنسانية ومع هذا فإن ثقافة عصرنا بمجملها لم تزل فيها بربرية إنسانية ومتوحشون، وخاصة في ما يخص الثقافة الغذائية والسكنية وقواعد الصحة العامة، وغيرها من طقوس ومستويات الثقافة الأخرى.‏

هذه هي وجوه التناقضات التي تشتمل عليها حضارتنا المعاصرة وثقافتها الراهنة: جوع هنا ورفاقية هناك، أمية هنا، وتطور تعليمي هناك، حرية فكرية هنا، واستبعاد هناك، عنصرية هناك وضحايا وقمع وإبادات جماعية هنا... كل هذا هو ما يكون ثقافة العصر وبالتالي حضارة العصر.‏

من هنا يمكن القول بأن تطور الثقافة الجماهيرية يعتمد على الأسس المادية والفكرية والأطر الإنتاجية، في سياق فهم وتفسير الأرضية الإيديولوجية التي تعرضنا إليها آنفاً.‏

إذن إنَّ الثقافة الجماهيرية المعاصرة هي ثقافة المتناقضات التي تجمع ما بين الوسائط المنتجة المتطوّرة مقابل الوسائط المتخلفة وفي عملية دخولها إلى صفوف الجماهير.‏

ولا يغرب هنا عن البال دور النقد في وضع هذه الثقافة ضمن فهمها التاريخي والاقتصادي ـ الإنتاجي ـ الذي يقودنا إلى فهم الثقافة المعاصرة وهي الثقافة المخططة أو الموجّهة.‏

وفي نهاية المطاف ماذا يمكن أن نتوقع من الثقافة الصناعية والثقافة الجماهيرية التي يعالجها المختصّون الغربيون ومن خلال الآراء النقدية الأخرى المتخصّصة في شؤون الثقافة؟‏

ـ هناك من يعطي صورة قاتمة لمستقبل الثقافة الجماهيرية المعاصرة وأنها ستقتل نفسها، لأنَّ السم القاتل موجود في طيّاتها.‏

ـ وآخرون يرون أن الثقافة الجماهيرية المعاصرة هي مرحلة انتقالية، كما هو الحال في لعبة الشطرنج حيث يستغنى فيها عن البيادق لضمان حياة "الملك" من الموت.‏

ـ وآخرون أيضاً، يصرّون على أن التقنية المتطوّرة هي التي تشوّه الثقافة بتحويلها إلى ثقافة استهلاكية، لكنها ليست لتكتسح كل نظرة الإنسان وحياته، فهناك العامل الفكري والذهني أيضاً، اللذان يستحوذان على تفكيرنا. ولأن المجتمع الاستهلاكي لا يمكن أن يعطي الإنسانية كل شيء. وأن التدرج التاريخي للمجتمع هو الذي يتحكّم بلعبة التطوّر العام ومن ضمنه الثقافة بأنواعها وأجناسها وهذا هو المخرج...‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-19-2006, 10:05 PM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الثاني:
الثقافة الهدامة وموجة الحضارة الثالثة






لقد اتسعت، مطلع القرن العشرين ومع انتهاء الاستعمار في أفريقيا والسيطرة في آسيا رقعة انتشار الصناعة لتشمل الكرة الأرضية فقامت تجمّعات الأسواق تحت الخيام، قامت صناعة من نوع آخر: صناعة الصور والأحلام التي شكلت نوعاً آخر للاستعمار، هذه المرة عامودياً أكثر منه أفقياً، انتشر على رقعة أوسع هي روح الإنسان وكانت هذه الروح في البداية أفريقيا الجديدة عبر الفيلم الذي يبدأ بِشق الطرق في كل اتجاه وبعد خمسين سنة، افتتح نظام شبكي مدهش: التيليبلنتر، الآلة المحورية، الإسطوانات السينمائية والتسجيلات الصوتية، وأجهزة نقل الصوت والصورة، ووسائط الإعلام المصورة لنقل ما يدور من أخبار على الكرة الأرضية، وما يهبط ويقلع إلى درجة أن جزيئاً واحداً من الفضاء لم يفلت من الإعلام والمعرفة، ولا آلة أو حركة، إلا وتصل أخبارها المسموعة أو المرئية فوراً.‏

وقد تقدّمت هذه الصناعة، التي تمثل صناعة العقل والاستعمار التي تتجه إلى الروح، تقدمت على مدار القرن العشرين عن طريق التطوّر المستمر للتقنية الموجهة ليس فقط إلى الخارج بل وإلى الداخل داخل الإنسان، لنقل سلعتها الثقافية /الكتب، المجلات أو الصحف/... رغم أن الثقافة لم تكن مصنعة، أو سراً مخفياً عن العالم أو طيفاً من التأوّهات ولا طيف حورية، أو فراشة، أو كلمات ملائكية ساحرة... واليوم فإن الموسيقى والكلمات، والأفلام تنقل عبر أمواج الأثير ـ وهي ليست سلعاً صناعية تباع في السوق، لكنها تباع بالمفرّق، بالقطعة، تسري في عروق الدم الإنسانية، الحب، الرعب، وكل ما يهزّ القلب والروح...‏

وتعتبر هذه المسائل المشتملة على هذا الفهم، واقعة في مستوى الحضارة، والمسائل الثالثة التي ظهرت منتصف القرن العشرين ـ وقد قطعت هذه المسائل الثلاثة المسافة ما بين الهامش والمحيط إلى مركز المسائل المعاصرة بسرعة... ولم تترك فرصة للإجابة الجاهزة... ولا يستطيع فهمها أو البحث عنها إلا الفكر الحركي. ومن هنا كان العالم الثالث وجهاً لوجه أمام الثورة الصناعية الثالثة "الإلكترونية والنووية" والقوى الثالثة "البيروقراطية والتقنية) وهذه مبررات لأنَّ تكون هناك ثقافة ثالثة تولّدها الصحف والفيلم والمذياع والتلفزيون ـ وهذه مسحوبة على الثقافة الكلاسيكية واللاهوتية أو الإنسانية والقومية (من حيث الحدث وليس من حيث المضامين).‏

وبعد الحرب العالمية الثانية فوراً أطلقت السوسيولوجيا الأمريكية على الثقافة الثالثة هذه التسمية "الثقافة الجماهيرية Mass - culture وهذا ما يسمى (التيار الأمريكي).‏

والثقافة الجماهيرية هذه هي الثقافة القائمة على مجمل الأشكال الصناعية الإنتاجية، وتنتشر عبر وسائط التكنولوجيا الحديثة الجماهيرية (وهي حسب المنطق الأنكلو ـ لاتيني) الواسطة الجماهيرية Mass - media وتشتق هذه الكلمة من المصدر الجينيفي وتعني المجمع من كل الجهات وكل فئات المجتمع (الطبقات، والأسر)...‏

إنَّ مصطلح الثقافة الجماهيرية، ومصطلح المجتمع الصناعي قد أطلقا على واحد من خطوط الحياة الاجتماعية، لكنه بالإمكان أن نطلق على المجتمع المعاصر ليس فقط تسمية المجتمع الصناعي، أو الجماهيري، بل والتكنولوجي والاستهلاكي والتسليعي والبيروقراطي والرأسمالي والطبقي أو المدني البرجوازي، أو الشخصاني الفردي والمائع... أمَّا فكرة الجماهيرية فهي أكثر ضيقاً إذ إن فكرة الثقافة أكثر اتساعاً إذا ما نظرنا إليها من الزاوية الأنتوغرافية والتاريخية، وهي أكثر جمالية إذا ما نظرنا إليها في شكلها الجوهري النابع من حقيقة المعرفية الإنسانية...‏

ولابد من إعادة النظر في بحث الثقافة العربية المعاصرة ـ والثقافة الجماهيرية على ضوء المستجد الحاصل والتبدل الجديد، أي الانتقال من روح العصر إلى عقل الزمن.‏

كان مورين قد استخدم عبارة روح العصر وقد يكون استخدم هذه العبارة تعبيراً عن الهروب من المعضلات الأساسية، واختصاراً للتفاصيل دون الغوص في جوهر الحقائق وملامستها للجانب العقلي، أو كي لا يضطر الكاتب إلى الغوص في المشكلات التي تفضي إلى عالم معقّد ومليء بالمشكلات العديدة والطاغية، وخصوصاً تلك التي تعني الدول المسماة بالنامية أو العالم الثالث، فيما شملت المساهمات السابقة المذكورة الحالة الثقافية المسيطرة في الغرب الرأسمالي... وبالرغم من أنها لا تعبّر عن فكر غيبي أو عن الزمان بمعناه الطبيعي وجغرافية المكان لاشتمالها على معطيات بشرية تجاوزت حدود وجودها (إلى الروح البشرية بعامة) وهذا صحيح إلا أن هذا المصطلح لا يتطابق وظاهرة الثقافة الجماهيرية ومعالجتها التي تمّت حتَّى الآن والتي ليست إلا مقدمة للثقافة الجماهيرية من منظورها الاجتماعي والسيكيولوجي ـ المعرفي.‏

وبهذا لم تتمكن هذه المعالجات من فصل الثقافة الجماهيرية عن المصطلح والظاهرة، لأنها لم تخرق الحدود إلى الروح فقط بل إلى العقل البشري... وعليه لابدَّ من إكمال العملية بالبحث، لسد الفراغ الذي تركته المعالجات السابقة دون غوص عميق... فمثلاً إن مصطلح "الثقافة الصناعية" لا يصلح لكل زمان ومكان، في حين أن الثقافة الجماهيرية كسحت حدود العالم ولم تتوقف على الغرب فقط، فقد صدَّرت إلى كل أصقاع الدنيا، أو استوردت إليها (لطبيعة الأنظمة ووسائل الاتصال) كما تصدر، أو تستورد السلع لسد حاجة اقتصادية اجتماعية (وتسد هنا، هذه البضاعة الثقافية، حاجة روح توّاقة أو عقل مستعد لقبولها والتعامل معها)... حتَّى أصبحت هذه الثقافة المنافس الرئيس في المجتمعات المعاصرة لتمكنها من معالجة قضايا العقل وهمومه، ومسائل الروح ونزعاتها، عبر الدولة كميسّر أول لانتشار هذه الثقافة. والدولة ـ هي السيّد المطلق ـ في مثل هذه الأنظمة ـ والمراقب والمشجّع والمنتج. وعليه فإن إيديولوجية الدولة تلعب دور الرأسمالي نظراً لأنَّ سياسة الدولة الثقافية لا تعطي فرصة للمرونة... وهكذا يستدعي لجوء القارئ (المستهلك) إلى الثقافات الأخرى ولعل هذه المشكلة تواجه كل الدول من اشتراكية ورأسمالية على حد سواء. وعندما تتوازى الإيديولوجيات، التي تشترك جميعها في عملية تسييس الثقافة في المجتمع، يضعف تأثير الدولة في فهم الوضع الثقافي المعاصر... بمعنى أن الدولة التي رآها مورين سيداً مطلقاً، ليست أو لم تعد بالضرورة المسيطر الأكبر على ثقافة المجتمع. ذلك لأنَّ تأثير المجتمع ورأيه، السائد والكامن، هما أكبر دوماً وأشد توسعاً وانتشاراً، فيما أن تأثير الدولة أشد رفضاً وأكثر انغلاقاً في إطار الثقافة المتاحة لمجتمع ما.‏

وفي هذا السياق عني مورين بعاملين أساسيين في معالجته لهذه المسألة:‏

الأول: النقد الذي يفهم منه امتحان الثقافة الجماهيرية ليس كظاهرة خارجية، بل كاختبار أفق الإنسان كمراقب ومتلق ومستهلك لها، أي من ناحية تركيبه الإنتروبولوجي والنظام الاجتماعي الذي يؤطّره. لذا فإن الثقافة الجماهيرية ليست فقط موضوع الرؤية، بل مختبرها ومجال البصيرة بقدر ممَّا تقوم على العامل الإنتروبولوجي ـ الاجتماعي.‏

الثاني: النزعة أو الطموح، نحو الكمال والتكامل. فهي تشمل الطابع الوقائي لأنها تعالج الأمور الصغيرة والدقيقة وصولاً إلى غاية كبرى وهي الربح وغزو الثقافات القومية والوطنية بصورة أساسية. وقد يكون هذا صحيحاً ومعبّراً عن واقع حال الثقافة في الغرب، إلا أنه مختلف تماماً عندما تسحب هذه الحالات على إنسان العالم الثالث... ذلك لأنَّ معالجتها النفس البشرية بدقائقها وسلوكها في مجتمع الغرب الرأسمالي معتمدة آخر معطيات علم النفس والتقنية السيكولوجية وتقود بالتالي إلى تخريب الروح البشرية، لأنَّ إنسانها ـ مواطنها ـ واقع تحت هيمنة نظام كامل، وتشكل الثقافة السوداء فيه أحد أهم أعمدته...‏

أمَّا بالنسبة لإنسان العالم الثالث البعيد عن التكنولوجيا والرخاء الرأسمالي ـ وإن كان تحت تأثير الطابع الاستهلاكي الخاص بالرأسمالية ـ فإنه مستهدف لغزو الثقافة الجماهيرية له دون أن يكون اقتصاده متطوراً ونامياً، كما هو حال المجتمعات الغربية، في الوقت الذي تسود فيه الخرافة والأسطورة، وقد دُعمتا بعناصر التكنولوجيا الغربية لتتسيّد وتسيطر على ساحة الثقافة والعقل المعاصر وهذا يعني أن الإنسان هو المقصود بالتخريب...‏

من هنا وجدنا أن نكمل المشوار الذي بدأه مورين في بحثه للثقافة الجماهيرية المسيطرة في الغرب، لنبيّن تأثيرها على المجتمعات الفقيرة وهي تنعكس في سياسة حضارة الغرب تجاه مجتمعات العالم الفقير بعد طغيان النزعة الاستهلاكية فيه، ومحاولات التخريب الروحية والعقلية البادية في توسّع وانتشار "الثقافة الجماهيرية" في مجتمعاتنا الفقيرة، /أو دول العالم الثالث/.‏

4 ـ الطابع القهري للثقافة الجماهيرية الراهنة:‏

في الماعتنا القصيرة السابقة قدّمنا بعضاً من المناحي التي شغلت بال المتخصصين في الغرب، وأعطينا صورة مقتضبة للمادة، على أرضية المنهجية السوسيولوجية، لأن هذه المسألة تعنينا كما تعني السوسيولوجيين الذين عنوا بها قبلاً. لذا فإن أول خطوة لتوضيح هذه المسألة تستلزم الإجابة على الأسئلة التي يمكن أن تصاغ في إطار العقل المعاصر لعالمنا ـ (ما دمنا نبحث عن مصير الثقافة الإنسانية بعد التشوّهات التي حاقت بها).‏

ـ هل نحن نرعى الأمنية الخاطئة، أم يثيرنا الرعب الخاطئ دون حضورنا؟.‏

ـ إذا كانت هذه الثقافة تنبع من عبادة شيء ما أو شخص ما، أو فكرة ما، فهل الانزلاق الدائم باتجاه عبادة (العصبية والنظام، والكينونة والموت، وأرواح الموتى في الجسد) هي الثقافة الأساسية للبشرية على ضوء ما تقدّمه الثقافة الغربية؟.‏

ـ ثمَّ أية قيم فكرية تلك التي تحقق إنسانية الإنسان؟.‏

في هذا الإطار نعيد صياغة أنواع العبادات التي تدخل في تكوين الثقافة الجماهيرية: عبادة العواطف أو المحبين، والنهاية السعيدة، وعبادة الأولمبيين (أبطال الرياضة)، ونجوم الأفلام، والأمراء، والملوك، والأولاد اللعوبين "Play-boy " إلى عبادة المسدس (في أفلام الجرائم والمسرحيات البوليسية) وعبادة الجبابرة على غرار (طرزان)، والحب ـ لأنَّ حضارة هذا الزمان ما هي إلا حضارة أوفرديت آلهة العشق والجمال، واستهواء الجماليات المحببة وأسرها للذات، خاصة فيما يتعلق بالنساء وهيامهن، وطقوسية الصدف السعيدة والنكدة ـ كضرب من الغيب واستحضار صورة مستقبلية تبنى على حقبة سفلية ـ للدخول إلى عوالم الدفء الغريزي القريب إلى الروح وسواها، التي توجه من خلال العقل...! وإن أول ما يقع في العيون هنا، هو حقيقة:‏

إنَّ هذه العوامل ما تلبث أن تصبح ذات قدسية خاصة، وهذا لا يعني أنها ليست ذات معنى فيما يخص تفسيرات الثقافة الجماهيرية.‏

وعند الحديث عن "عقل الزمن" يمكن أن نستخدم تعبيراً آخر للثقافة الجماهيرية المعاصرة، ويمكن أن يَعين إلى هذا الحد، في شرح وتفسير الظاهرة أي أنه يجب الاعتراف بأن لهذا الشكل المعرفي قيمة مهمّة، وإن كانت غير كبيرة فهي أقل من الحاجة/ خاصة وأن الموقف هنا يتبدل، بشكل من الأشكال، كلّما اتضحت الرؤية باتجاه معرفة الأشياء والملاحظة المعلنة بالنسبة لقدسية الثقافة الجماهيرية، كأحد أهم العناصر لعقلنا المعاصر /تقترب من فكرة الثقافة الجماهيرية وقد نمت وتشكلت بشكل أساسي كمعارض للدين والثقافة السلفية. ولعل هذا هو الموضوع الذي يصيب عصب مشكلة الثقافة الجماهيرية التي تشكل مسألة عصرنا، وتعتبر أصل هذه الثقافة وفكرتها الأساسية. من هذه الملحوظات، نقول لقد طرحت المسببات والدوافع التي تكمن وراء قيام مفهوم الثقافة الجماهيرية، وحدودها وفحواها الأخلاقي والمعرفي والإنساني والتي جعلتنا نعرّف الثقافة الجماهيرية على أنها "خرافة موضوعية" للتفريق بينها وبين الثقافة الحقيقية.‏

ـ أمَّا الجانب التسلوي للثقافة الجماهيرية المعاصرة فإنه يغري البشر ويشدّهم إليه أكثر من الجانب الآخر فيها، وهو يتقدّم دوماً عليه... خاصة تلك الأنواع الغرائزية (فرط السلوك البدائي والغريزي، التعرّي، الهبية و... و...الخ). والثقافة الجماهيرية كتيار بركاني منتشر، تميل إلى الجانب التسلوي لدى أصناف البشرية المعاصرة... وبهذا فهي ليست ذات قيمة، وستبقى كذلك ما لم تفجر هذا البركان من داخلها...‏

ـ أمَّا فيما يخص البُعد الزمني، فإنه ليس للثقافة الجماهيرية علاقة بالماضي الرومانسي... والرومانسية هي خاصتها بقدر ما تهم الواقع الراهن... لذا فإنه يمكن تسمية الثقافة الجماهيرية بثقافة "الحاضر". وقد رأيناها في كثير من الأحيان قد نشفت المستقبل... ولذلك أدارت ظهرها لكل ما يتعلّق بالمستقبل وتمسّكت بحياة اللحظة ومتعتها... ويدافع حَمَلة هذه الثقافة عنها وكأنهم العارفون بكل الأبعاد ويؤكدون بأن الأغنياء وحدهم هم الذين يلتفتون إلى الماضي، وأن المتفائلين يحلمون بالمستقبل، وأن العقلاء هم الذين يغتنمون الحاضر ويتمتّعون به! لماذا؟ لكي يستيقظ في المستهلك ـ المتلقي لهذه الثقافة- الدافع الغريزي...‏

5 ـ اللذة محور الثقافة الجماهيرية...‏

ليس من المنطقي التنبؤ بمحدودية الحقائق المتناقضة للثقافة الجماهيرية، لكن ولطالما قدّمت نفسها على أنها التيار المناقض للاهوتية، فإن الطابع المدرحي أو الأبيقوري المكوّن لهذه الثقافة، هو الذي يعيّن محدودية هذه الثقافة.‏

وبتأكيدها على القيمة الراهنة واللحظوية، فقد أضحت عمياء تجاه قيمة المستقبل، لأنَّ القيمة الراهنة تموت، وتفنى بعد الحصول عليها، وتميت اللحظة ذاتها بمرورها أو بعد استخدامها... ففي إطار الإعلام مثلاً فإن الخبر الصحفي أو التلفزيوني أو السينمائي وغيره من وسائل الإعلام، المساعدة أو المكوّنة للإعلام الجماهيري، تعيش لحظة الإثارة المباشرة ثمَّ تنقضي... لذا فالحضارة الزائفة تشوّه السعادة، وهي نقيض الحب، وتحيا في صراع مع القيم، مجموعة النواميس الأخرى، ذلك لأنَّ عوامل الألم تعيش أكثر من لحظة السعادة، وبالتالي القيمة النقيضة... طالما أن الثقافة الجماهيرية تعيش على الطابع الكينوني الفردي. لأنَّ الإنسان الوجودي يطمع دوماً وبدون تحفّظ إلى إبداع الإنتاجات الغرائزية، الجذابة والتسلوية دون الاهتمام بمحتواها أو مكوّناتها... والثقافة الجماهيرية لا تطلب النقد أو التوجيه لأنَّ جلّ اهتمامها أو رغباتها، وفي أحسن الأحوال، هي أن تحيا اللحظة الراهنة وتغرق في التفاصيل الخيالية الغريبة. ومن الناحية الفلسفية فهي ترفض الجدلية لأنها تزعج الإنسان الغرائزي، ولا تهتم بما سوف يكون، بل بما هو كائن، وبالبرهة القصيرة التالية، وهي مضطرة لأن توازي بين ما سوف يتعزّز في اللحظة، من قيمة وما هو خرافي، لتحصل على ما ترغبه منه. وعليه فإنها تلعب بورقة تمزق الشخصية الإنسانية، عبر العامل الإنتروبولوجي الذي تقيم عليه سيكولوجيا الإنسان، وهذا هو معين الخرافة. ويرتبط العامل الإنتروبولوجي للإنسان بالخبرة الاجتماعية ـ النفسية، التي توصل الإنسان ويلاحظ أن الإنسان يحاول أن يزعج نفسه بهذا السر، بعد طول عناء وجهد، لكي يقرأ أو يفسر سعادة الآخرين في الوسط الذي يحيون فيه، طبقاً لعادات ميكانيكية وبالتطابق مع التبدّل الميكانيكي نفسه يحتفظ بهذا السر المزعج. ولهذا فإنه يقلق ويتوتر ميكانيكياً فتظهر طبيعته الإنسانية. كما يحصل في الأدب والفن (وبخاصة في السينما) حيث تتواتر ثلاث صور متباينة: صورة لصحن شوربة، وصورة لامرأة ميتة، وثالثة لطفل يبتسم... هذه الصور تحرض الجوع في داخل المرء، والمرض، ونزعة الأمومة ـ أو حب الطفولة... فشكل الصحن حيادي، والمرأة الميتة لا تحمل أي نوع من المتعة، وصورة الطفل، لتحريض العروسين على الأبوة والأمومة، لا تعطي التأثير المطلوب لعدم وجود الخبرة الشخصية. إنَّ هذه الألاعيب الحياتية كخدع نفسية تفسر على أنها نتاج لعاداتنا لكي نقرأ الكراهية أو الحب تجاه وجوه متوقعة أو حقيقية لأناس يحيطون بحياتنا اليومية فتصبح هذه الوجوه أو الأشياء وسيطاً لنا، ثمَّ تؤثر علينا...‏

إذن إنَّ الثقافة الجماهيرية تركّز على ما يمكن تسميته بالإنسان الوجودي، الذي لا تعذبه كثيراً الطموحات، لأنه يعيش من أجل السعادة الروحية، ولا يرتقي إلى مستوى المسائل الراهنة، التي يقابلها بالنعاس.‏

وهذا النوع من الثقافة هو الثقافة الضيقة (اللامبالية) أو الماهيوية... وهناك نوع آخر للثقافة الجماهيرية هو نقيض الثقافة الضيقة وهو الثقافة المتفوقة، التي تطمح لإيجاد فكرة عن الوجود الإنساني، وتجسيد هذه الفكرة، أي العامل الإنتروبولوجي والاجتماعي الفرعي تستند إليه لتمثل نفسها على أنها ثقافة النموذج الفكري، وتحاول أن تفرّق ما بين الوجودي والغريزي أو الحسي في الإنسان... موضّحة بأن الفرق بينهما هو في النظام القيمي لهما. فالغريزة تعتمد على القيمة الإيجابية، فيما ترتكز الفكرية على القيم الإبداعية، النازعة إلى التجسيد المادي الحياتي حتَّى الإشباع. لذا فإنها منتجة أكثر كما يقول نقادها، وهي باردة، أكثر منها فاسدة تقنياً. وقد كانت الثقافة الكلاسيكية نوعاً من الميتافيزيقية بدون فيزياء، وفي إطار الثقافة الجماهيرية ـ هي فيزيائية بدون ميتافيزيكا ـ هذا ما عبّر عنه "بيتر اندريه"... وهل كان أندريه مخدوعاً؟‏

ليس بمقدورنا أن نعرف ذلك طالما أن الثقافة الجماهيرية يهمها أن تكون لديها طاقة أكثر من العقل والروح... أو ليس التلفزيون والسيارة والمسجلة والراديو والصحيفة التقنية وغيرها من المواد الأخرى، أليست جميعها مواد نتاج فيزيائي ـ دون الميتافيزيكا ـ نتاج العرض دون الحاجة؟‏

ولدى نقاد آخرين سبب للحديث حول: "الثقافة الصناعية" لأنَّ الثقافة تبرز المستوى. وقد أرعبنا النقاد بأنه سيأتي الوقت الذي سوف يكون بمستطاع الآلة أن تكتب قصيدة، ومعامل الأنسجة تفصل لنا روايات وقصصاً وأفلام جرائم ونصب.‏

لما كانت الثقافة توجه وتنمي الإمكانات البشرية, فإن نوعاً منها ينسفها ويخنقها. وكذلك هناك ظواهر مشتركة بين أنواع الثقافة, التي تبدو وكأنها مصطفاة, لكنها تختلف من ثقافة إلى أخرى. أو بكلمة أخرى هناك ثقافة تحدد الكائنات البيولوجية في الطبيعة (الإنسان) بالمعنى الصحيح للكلمة وكذلك توجد ثقافات خاصة بالعصور والمجتمعات عبر تطور الحضارات وهي الثقافة الانتروبولوجية وبنفس الوقت إنَّ كل ثقافة تمثل جسماً من الأشكال المعقدة, والرموز, والقصص, والصور التي تتحول تلقائياً إلى شكل موحد, وتثير الفطرية الغريزية وبالتالي توجه الأحاسيس والعواطف. وتتولد هذه التحولات عن طريق التبادل الفكري, وتوجه هذه المبادلات بشكل رموز قديمة, وصور وخرافات ثقافية, أو شخصيات خرافية أو حقيقية يقدسها الناس (الأبطال, الآلهة, الأصنام). وتتبدى هذه الثقافة بشكل نصف حقيقي ونصف خيالي.‏

يقول مورين في كتابه روح العصر: "لم تزل الثقافة القومية تعطينا, منذ فترة مقاعد الدرس الأول, خبرات خيالية وحياة عن الماضي, التي تربطنا بالذات الوطنية ومسقط الرأس (فيرسينفتوريكس ـ جوليا أوليانا) وهذه غير مرئية لكنها تجسد ذاتاً منتصرة عبر القرون, تأخذ شكلاً حسياً وطنياً نحو الأهل /مسقط الرأس/ الذي ندين له بالحنين والوجد ونحو الدولة التي نشعر نحوها بالانصياع. فيما تحقق الثقافة الدينية ذاتها عن طريق ربط المحبة بالرب المخلص, والأخوة الممثلة بالكنيسة.. فيما تطرح الثقافة الإنسانية علينا المعرفة والإحساس بالأشكال المعرفية والأعمال الأدبية التي تتضمن أبطال المسرح أو الروايات, وقصائد الشعراء وأفكار الفلاسفة وخواطر الكتاب, الذين يلعبون دور البطولة الأسطورية وجهابذة المجتمعات القديمة".‏

وبهذا نرى بأن الثقافة الجماهيرية هي, الثقافة التي تصنعها الرموز المجسمة, الخرافة, والصور التي ترمز إلى حياة حقيقية خرافية ونظام تجسيد الذات الخاصة وهي الأسس التي تقوم عليها الثقافة القومية والإنسانية والدينية من هنا بدأت المنافسة التي أدت إلى الصراع فيما بينها.‏

وإذا كانت المجتمعات الحديثة موجهة ثقافياً, فإن النشاط الثقافي ينقسم إلى عدد من الأشكال: الدينية, والرسمية الوطنية, والتقاليد الإنسانية, وتتباين فيما بينها أو تتفق مع جوهر هذه الثقافات, وخرافاتها, ومسبباتها, في نطاق المدرسة أو خارجها وتتحد هذه الثقافات في الثقافة الجماهيرية وقد أكد ذلك مورين بالقول: "وهناك شخصية واحدة يمكن أن تكون مسيحية في البرنامج الصباحي, وفرنسية أمام تمثال البطل الشهيد أو الجندي المجهول أو عند المخرج لترى "سيدا" في المسرح القومي أو عندما تقرأ ـ فرانس سوار (فرنسا المساء, أو باري ـ ماتش)(1). وهذا صحيح..‏

وتكمل الثقافة الجماهيرية نفسها وغيرها في التثاقف, وتتجاوز (الدولة أو الكنيسة) لأنهما تراقبانها وتكبحانها وبالوقت نفسه تتحد فيهما. وفي هذا المجال فهي ليست مستقلة: إذ ممكن أن تكون دينية وإنسانية أو قومية في آن واحد, أو أن تكون إحداهما منفردة وكذلك ليست في ثقافة القرن العشرين الوحيدة.‏

لكنها جماهيرية وذات تيار جديد على طول القرن العشرين.. قامت في الولايات المتحدة الأميركية وانتشرت في أوربا الغربية, كما تنتشر بعض عناصرها في شتى أصقاع المعمورة.. وهي عالمية بحكم طبيعتها الدولية, عالمية بطبيعة انتشارها الواسع, ولهذا فإنها تقدم نفسها على أنها أول ثقافة عالمية في تاريخ الإنسانية.. لكن, هل هي كذلك؟‏

آ ـ بين العلم والعقل..‏

بعد الوقوف على طروحات الثقافة الجماهيرية وتياراتها الرئيسة, نود أن نعرض لمسألة حية يطرحها المتعلمون الغربيون ـ الذين يفهمون الثقافة من خلال حياتهم الخاصة ونواميسها الأرستقراطية.. لهذا فإنه عند طرح مصطلح "ثقافة القرن العشرين" يتذكرون فوراً "موندريان وبيكاسو وسترافينسكي والبنيرغ وموزال, وبروست ودجويس.. بالضبط كما هو الحال في الشرق العربي, إذ إنهم يتذكرون فوراً أعمال جورجي زيدان والأفغاني وعبده, في الصف السلفي وطه حسين وأعمال تيمور ونجيب محفوظ وسلامة موسى أو خالد محمد خالد, إلى هيكل ونزار قباني من الصف الحديث.. وليس عالم التلفزيون والمذياع والسينما والصحافة والموسيقى الصاخبة والسياحة وقضاء العطلة السنوية والبطالة أو وقت الفراغ بطبيعة الحال مسائل بعيدة عن تفكير هذه الفئات من المتعلمين لكن برؤية خاصة قاصرة عن فهم خفاياها.‏

أمَّا المثقفون فيضعون الثقافة الأميركية بين أدنى درجات الثقافة ـ وأن الأفكار الإنسانية المعاصرة أو التجديدية الجدلية, تؤثر في الإنتاجيات الثقافة (الصناعية). فيما تبقي الأفكار الأميركية على تفسير الثقافة كمعطى تسلوي ـ ترفيهي ممتع. ولما ظهرت الانتقادات المتطورة وضعت الثقافة الجماهيرية في مصاف المخدر (كأفيون جديد للشعوب) أو كخيالات أسطورية.. ذلك لأنَّ النظام الرأسمالي يعزل الجماهير عن مشكلاتها الأساسية. وليس من قبيل المغالاة القول بأن الثقافة الغربية قادت إلى اغتراب الحضارة البرجوازية تغريب الإنسان عن طريق تقسيم العمل, وبالتالي عن طريق الاستهلاك, والبطالة أو أوقات الفراغ, وبالتالي الثقافة الكاذبة والخادعة.‏

وهنا أريد العودة إلى هذه المسائل وبحثها بشكل منفرد, لكن يجب أن ألفت النظر إلى أنه قد تعددت التسميات, بين يمين ويسار, لوصف الثقافة الجماهيرية.‏

إلا أنها بالحقيقة ليست إلا ثقافة خادعة, ووجهاً آخر للعملة, أو كما يسمونها في الولايات المتحدة: "الكيتش The Kitch أو الصرعة"/ من حيث القيمة الحقيقية التي تقدمها. وسيظل المثقفون يختلفون في أمرها والمتعلمون بخاصة.‏

صحيح أن المثقفين لم يخلقوا هذه الثقافة, إذ كان أول من اخترع الأفلام ممثلو الشوارع: حيث كانوا يقومون بتمثيل أدوارهم أمام المارة. وكذلك الصحف التي ظهرت بعيداً عن الأوساط الرسمية أو المشروعة, والمذياع والتلفزيون حيث جمعا الصحفيين والممثلين في إطارهما.. وشيئاً فشيئاً أصبح الصحفيون والممثلون يدعون إلى هيئة تحرير الصحف والإذاعة والتلفزة. وهناك وجد الكثيرون ضالتهم. إلا أن الثقافة الصناعية تخدم هؤلاء المثقفين حيث يحققون نجاحات في تنفيذ أحلامهم وخططهم, بشكل سعيد أو من خلال حرب مريرة, يصلون في النهاية إلى دارة النجاح إلا أن مثل هذا المنتج (الكاتب أو المؤلف) منفصل عن عمله أو منعزل عن مؤلفه وإنتاجه..‏

يقول مورين: لقد فقدت الانتلجنسيا الأدبية سلطتها بعد أن ظهر عالم الثقافة الذي أصبح فيه الإبداع مشتتاً, وليس قاعدة الوعي المعرفي فبقيت معزولة, بقدر ما كانت معارضة للثقافة المصنعة, فأصبحت تشارك فيها كمساهم غير مجد في هذه التصنيع إلا بشكل جزئي.‏

ولا تعاني الفئات المثقفة (الانتلجنسيا) بسبب افتقادها للسلطة على الثقافة, بل بسبب الثورة التقنية التي أدت إلى التوجه التجاري والاستهلاكي للثقافة الجماهيرية, وبالتالي إلى فهم الثقافة والفن بشكل كلي على أرضية التعقيدات الحاصلة..‏

فالرأسمالية تضع خزائنها في خدمة استثمار مختلف المؤسسات الثقافية, وهنا يبدل رب العمل صناعته ساعة يشاء . والبرجوازية هي كذلك, رجعية, نظراً لتعلقها برأس المال وسلطة الأرباح وسياستها..‏

إنَّ التوجه نحو الاستهلاكية ينسف الاستقلالية المعرفية الخاصة بالثقافة ترتيب العالم المتعلم حيث لا يوجد في الثقافة الجماهيرية مسافة بين الفن وترتيب الحياة.‏

ولا توجد هوة ما بين الحزن وحنين الفراق أو الاحتفال البهيج, وبين الثقافة الجماهيرية والحياة اليومية, فهي تستهلك على مدار اليوم.‏

وليس هناك فروقات نوعية بالنسبة لشبح الاستهلاك اليومي في إطار الفن حيث تقدم لنا كتب ـ جو (Jo-Books أرميسترونغ مع بيرندلي, وبرازينس مع داليدا, وأعلام الماضي في الموسيقى الصاخبة, بآن واحد). وكذلك في السينما والتلفزة والمذياع, تقدم المجموعة نفسها إذ لا يراعى في هذا العالم الذوق العام أو التصنيف الجميل والحد الأدنى من النقد الموضوعي. وتنسحب هذه الفوضى الاستهلاكية على "العالم المتعلم" حيث لا توجد أي نوع من النقد أو الوازع لا في الصحافة ولا في البرامج الإذاعية, وتتساوى النزعة بين كل هذه الأصناف مع الغسالة الكهربائية التي تلف كل ما يوضع فيها من ألبسة وسخة.. لأنَّ الإنتاج الثقافي, في هذا العالم الفوضوي, موجه وفقاً للطابع الصناعي والاستهلاكي اليومي ولا يمكن أن يرقى هذا الإنتاج إلى الاستقلالية المعرفية.‏

ولا تستطيع المعرفة أن تميزه أو تنظفه من الأدران, أو أن تسمو بالقيمة الثقافية للعالم المتعلم..‏

وقد لاحظ مورين هذه الظاهرة بدقة في المجتمع الفرنسي, ونراها في مجتمعاتنا المختلفة واضحة أيضاً ممَّا يؤكد بأن الثقافة الجماهيرية هي ثقافة خادعة وبراقة..‏

ب ـ الثقافة الصناعية.. من اللصوصية إلى التسكع..‏

تقود مقولة "الإنتاج يخلق المستهلك وهو لا يحقق فقد المادة للفرد, بل يحقق الفرد أيضاً" إلى القول بأن الثقافة الصناعية تخلق الجمهور الواسع (العالمي), كما تخلق المعطيات الجديدة: تخلق الجسد البشري مساوياً للجمهور.. لأنها تحدد حاجة السوق بطرائق مختلفة عن البضائع, والثقافات الأخرى: فهذه تخلق وسائط الاتصال الجماهيرية (صحافة ـ فيلم ـ إذاعة ـ تلفاز...) ذات سمة مميزة هي تربوية ـ تعليمية أو مهنية أو تسيب الممنوعات من الإنتاج الثقافي في عديد من دول العالم غير الرأسمالي تعبر مباشرة من دائرة الإنتاج إلى دائرة التسويق. وبالمقابل فإنه في الدول والأنظمة الاستبدادية تصبح مشاهدة الفيلم إجبارية والاستماع إلى المذياع ومشاهدة التلفاز أو قراءة الصحيفة مفروضة فرضاً أو اضطراراً. من هنا يأتي طابع الإنتاج المرن الذي تتميز به الثقافة الجماهيرية, فتتخذ طابع الحوار بين المنتج والمستهلك, وعناصر هذا الحوار بطبعه هي الناس السذج من طرف والمنتج من طرف آخر.‏

فمثلاً إنَّ البرامج الإذاعية تقوم على الحوار وبلغة واحدة. أمَّا المستهلك ـ المشاهد أو المستمع ـ يجيب بالانفعال و التأثر الشرطي, بنعم أو كلا.. نجاح أو لا نجاح.. فالمستهلك لا ينطق بل يصغي, ويحدق, فإما أن يرفض المتابعة أو يستمع. وقلما نجد تطابقاً تاماً بين حدي المعادلة هذه /العرض والطلب/. ذلك لأنَّ المستهلك يمكن أن يغلق مذياعه أو جهاز التلفزيون, أو لا يشتري صحيفة, أو يهجر قاعة السينما. وإن تأثير الجمهور ليس إطلاقياً لكنه حوار القراء أو المشاهدين مفتوح في كل مكان, في المكتب, والعمل, والبيت, وبين الأصدقاء, وفي ذلك جدوى ما, بأنه أثار الجدل, وخاصة إذا كان العرض في صالح الجمهور. وقد تأكد أن المستهلك قلما يقبل على المادة التي تعارض مزاجه ورغباته. وهذا يعني أنه يملك خياراً حراً. لكنه ليس لديه القدرة المؤثرة (كفرد) على الجماعة (الجمهور). وقد توصلت الأبحاث الأميركية في النهاية إلى النتيجة التالية: "إنَّ قضية ما تصبح واضحة عندما يكون الحديث حول تأثير وسائل الاتصال الجماهيري على الرأي لعام" والتأثير على الرأي العام ليس نتيجة ولا سبباً يعزيان إلى العارض المنتج أو المخبر. بل إن المحيط والظروف التي تحيط بالمستمع أو القارئ هي صاحبة التأثير عليهما..‏

وكذلك لا يمكن أن نغض الطرف هنا بسهولة عن القول بأن الصحافة هي التي تخلق القارئ, فهل القارئ هو الذي يخلق الصحافة أو الفيلم وغيرهما.؟ لأنَّ الثقافة الجماهيرية تخلق الجمهور من الخارج, بخلق الحاجة أو الاهتمام. إلا أن هناك علاقة جدلية بين الثقافة المنتجة والاستهلاكية. وهي علاقة معقدة, لأنَّ ما يمكن تعريفه في علم الاقتصاد بالبضاعة الغامضة أو المبهمة والمجردة والمطلقة, هو خاضع لقانون العرض والطلب, ويقابله هنا الجمهور المغترب, الساذج..‏

ولأن الرقابة الرأسمالية تتحكم بانفلات أو حجب هذه البضاعة أو تلك, أي أنها تخلق الرأي العام والجمهور, سلفاً من الخارج ـ خارج معادلة العرض والطلب قبل أن تولد البضاعة. وعليه فإن هذه الثقافة (البضاعة) هي نتاج معادلة الإنتاج والاستهلاك, جدلية التشكيل التجاري, جدلية المجتمع البشري, وبالتالي قانون التطور..‏

وقد نمت الصناعة الثقافية في إطار الحكومات والمؤسسات الخاصة, عبر نظامين متوازيين متناقضين.. ولعبت الدولة هنا دور السيد المطلق الذي عناه مورين: المراقب, المدير, المنتج,.. ولهذا فإنها صاحبة الدور الرئيس, في العالم الغربي والشرقي معاً.‏

وفي الدول الغربية (الولايات المتحدة خاصة) لم تفتأ المؤسسات الخاصة تتواجد في مفاصل حركة التطور برمته: وتمثل السلطة الثقافية هنا صورة الدولة وحصانة الدولة في كل الأشكال الثقافية في المرحلة الانتقالية. ففي فرنسا تتدخل الدولة في الصحافة في باب إعطاء الترخيصات, وتحتفظ لنفسها بوكالة أنباء وطنية هي (وكالة الأنباء الفرنسية A.F.P.), وفي مجال الفيلم ـ تمنع الدولة وتسمح للأفلام طبقاً لشروطها, وتراقب مؤسسات السينما, ما تسهم في الإنتاج السينمائي. وفي مجال الإذاعة فهناك منافسة كبيرة, لكن هذه المنافسة دوماً هي لصالحها (منها إذاعة لوكسمبورغ, أوربا رقم 1, مونت كارلو, آندورا), في إطار التلفزة تحافظ الدولة على إبقاء التلفزيون في عهدتها "مورين ـ نفس المرجع السابق".‏

وفي هذه النماذج يتبدل المضمون الثقافي, أو يختلف بشكل طبيعي, بين أنواع التدخلات الحكومية ـ سلبياً (بالمراقبة والتفتيش) أو إيجابياً (التوجيه, التطابق أو الانسجام مع القوانين المحلية, احترام الخط السياسي) ـ وهذا يعتمد إمّا على طابع الوعي الحر, أو على الطابع الاستبدادي للتدخل, أي حسب نموذج التدخل ذاته وأسلوبه ـ والنظام القائم.‏

وإذا لم تؤخذ المتغيرات القيمية بعين الاعتبار, فإنه يمكن القول بأنه توجد هموم مشتركة تطمح إلى كسب الجمهور إلى الحد الأعلى, بين الحكومات والمؤسسات الخاصة.. الأولى تطمح إلى ضمان مصالحها السياسية والإيديولوجية, والثانية تطمح إلى الحد الأعلى من الربح.. وكذلك إلى كسب رضاء المستهلكين, وإمتاعهم بعيداً عن حدود الرقابة. وفيما يرغب النظام الحكومي بالإقناع والتربية و بالإخضاع: فإنه ينبغي نشر إيديولوجيته التي يمكن أن تكون مملة ومزعجة للجمهور, بدون أن يلقى ربحاً, ولكنه يمكن أن يمثل قيمة من قيم "الثقافة العليا" ووسائلها (الأبحاث العلمية والندوات, الموسيقى الجادة, الأعمال والأدبيات الكلاسيكية). أمَّا النظام الخاص فهو يعيش من أجل التسلية (الإنتاج غير الجدي), وينبغي أن تطابق ثقافته أذواق الناس. والنظام الحكومي هو نظام قاس وشديد وقسري, ينبغي أن يخضع الناس لثقافته. وهذا ما يشبه مبادرة المربية القديمة التي معها يزول كل نوع من الهيام والغزل. أو كالفتاة فارعة الطول كالسنوبرة, وهي تفتح شفتيها للذباب نصف فتحة.‏

وإذا كانت المسألة هنا تطرح من خلال المصطلحات, فإنها في نظرنا لا تختلف, ولا فرق بين النظام الحكومي والنظام الخاص وعلى هذا الأساس تطرح المسألة بالمقارنة. فهي إطار المنافسة بينهما حيال شعب من الشعوب, فإنهما يبديان حياداً دقيقاً (في إطار الإذاعة, والتلفزة والسينما). ولدى القطاعين الحكومي والخاص فرص كبيرة في هذا الصدد (التمويل الثقافي لدى القطاع الحكومي ـ الثقافة الاستهلاكية المباشرة لدى القطاع الخاص) لتنمية هذه الثقافة ودفعها إلى أمام. لكن هذه الأمثلة تبدو مجردة تقريباً.‏

ولن أعرض في هذا البحث لمسألة الثقافة والمنجزات الثقافية لسياسة الدولة, ولا للنظام الثقافي في الدولة الاشتراكية, وخاصة في إطار السينما حيث يتواجد في كثير منها نوع من أنواع الثقافات الجماهيرية ذات الطابع الأميركي أيضاً. لأنَّ موضوع البحث هذا هو الطرائق الثقافية التي نمت خارج نطاق الدولة (الدين والتربية) تحت تأثير رأس المال الكبير الذي طال النظام الحكومي الثقافي. وتجنباً لأي سوء فهم فأستخدم مصطلح الثقافة الصناعية الذي يوحد جميع المصطلحات والأنظمة, الحكومية والخاصة, الغربية والرقية. أمَّا مصطلح الثقافة الجماهيرية فهو يشير إلى التيار الطاغي على الثقافة في الغرب.‏

ونأتي الآن إلى النتيجة أو القيمة التي أداها الفن, عبر المعطى الثقافي الجماهيري, عبر التماس ما بين المستوى (الإنتاجي) وقيمته, وبين الإبداع الفني والإبداع المصنع.‏

رأينا تواجد الدولة إمّا كمراقب أو كموجه و مستفيد, وبنيتها البيروقراطية التقنية التي هي عنصر أساسي في مسألة المستوى والتنظيم. وهنا البنية الصناعية التي تجهد دوماً لإيجاد العدد الأكبر من المستهلكين, فئات جديدة مستهلكة (من أصحاب الدخل المحدود بخاصة) تطبعها بأساليب الحياة التي تطرحها عليهم هذه البنية والتي توفق بين رواتبهم ودخولهم والثقافة التي تنتجها لهم خصيصاً. وهناك الفئات الجماهيرية, البسيطة المستقبلة لهذه الإنتاجات. ونجد لكل هذه المؤسسات والحدود دواء خاصاً. فالدولة تستطيع أن تطلق الإنتاجات الثقافية, وعند هذه الإمكانية يمكن أن تجد إنتاجيات واهية (فإلى جانب الكسندر نيفسكي ـ لايزنشتاين, تجد الأبحاث الفنية, وأفلام ماكلورين ـ مثل "Nationonal Film board of Canada"). ويستطيع رأس المال الخاص أن يحرر الفن من رقابة الدولة. ويمكن للإبداعات أن تستفيد من الرقابة الرسمية الشديدة, ومن النظام الرأسمالي ـ الصناعي, ودورة عجلة الصناعة. وكذلك فإن يهودياً في الولايات المتحدة يمكن أن يعمل وسيطاً بين آلة الدولة وآلة الصناعة المنتجة للثقافة مثل "بينيا" الصغير الذي أصبح مليارديراً كبيراً, من خلال موقعه كموظف ساعد على ترويج أفلام صهيونية, بتمريرها من تحت أعين الرقابة, في إطار النظام البيروقراطي ـ الرأسمالي. وفي فرنسا أيضاً فإن غالبية الأفلام لا تخلو من الفعل اليهودي: إمّا في متن المادة أو في إطار الوساطة عبر الرقابة الحكومية.. وهنا يمكن القول بأن شركات الاحتكار التي هي عنصر الثقافة الجماهيرية ـ الصناعية الأساسي, لا تعتمد في كل ما تقدمه على الجسد والغريزة بصورة دائمة, بل إنها تضع بذوراً عنصرية وعرقية سياسية, كبذور الصهيونية والسامية تحت ستار الظلم الهتلري ـ الذي مررت الصهيونية كل أفكارها تحت هذا الستار.. أو أن تضع بصماتها على فيلم عادي واستهلاكي جنسي, بأن تضع نجمة داوود ضمن ديكور الفيلم إلى ما هنالك من أشكال الدس الإعلامي والثقافي.. بمعنى إنَّ عناصر هذه الثقافة تتواجد هي الأخرى في داخل النظام الحكومي لتسهيل مرور الإنتاج الثقافي, الجماهيري, حيث أنها تحمل هذه الثقافة وتيارها بالأصل.. فترى الإنتاجات السينمائية والشعرية, وصور الفقراء والمحرومين على شكل من أشكال الثقافة هذه.. ذلك لأنَّ صناعة الثقافة لا تعتمد فقط على العجائب والأساطير..وأن الدولة وحدها هي التي تمنع بعض الأفكار والإنتاجات لسبب من الأسباب السياسية أو الدينية وما إليها.. ولذلك فإن عديداً من المجلات والصحف الواطئة تعمل لحساب المتوسطة القيمة ـ كما هو الحال في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة ـ كفروع أو كمصادر للتمويل. ولطالما أن مؤسسات البيروقراطية المتاحة في يد أولئك المثقفين "الجماهيريين" بمعنى أن الوسيط يلعب دوراً خطيراً.. فنجد أن الإنتاج الواطئ يصعد والعالي يهبط أو يحاصر.. وقد عبر عن ذلك روبرت ميزيل بالقول: "ألا ترى أن صحافييناً قد هبطوا كثيراً وأن شعراءنا قد صعدوا كثيراً؟" ـ على لسان أرنهايم في عمله ـ إنسان بلا قيمة.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-19-2006, 10:07 PM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



وعليه فإن النظام يجهز المبدع, لكنه يخنق العبقرية. فكاتب روز اليوسف يوصل أفكاره للناس أكثر من معد البرنامج الثقافي في التلفزيون, لكنه ليس بإمكانه أن يكون نجيب محفوظ مثلاً.. ومراسل جريدة باري ـ ماتش يكتب أفضل من هنري بوردو, لكن ليس بإمكانه أن يكون اندريه بريتون.. وأيضاً إنَّ النايلون يستبدل بالقطن والصوف بواسطة الآلة التكنولوجية, وهذا صحيح, لكنه ليس قماشاً طبيعياً وفعالاً أكثر من غيره. وإن مهمة التكنولوجيا الثقافية هذه إظهار التطور الكمي على حساب الجودة, أي تذويب النافع والعبقري وإظهار الحثالة إلى القمة..‏

وهذه هو التيار السلبي. وهناك التيار الوسطي.. الذي يحمل سمات هذا التيار وذاك في آن معاً.. فهوليود تنتج أفلام النهاية السعيدة "Happy-end" وتناقض فيلم موت التاجر المسافر, وتجمع فان كوخ مع جان توين, أو بيكاسو مع كوكتو... إلخ.‏

أمَّا التيار الثالث, هو التيار الأسود, الذي يطرح أسئلة عديدة, ويثير مشكلات مختلفة ويبقى خارج إطار الثقافة الصناعية, بحيث لا يقدم حلاً للجمهور, لاشغاله دون الخروج بنتيجة.. كأن يتساءل : هل ماركس تلميذ نيتشه, أو رامبو, أو فرويد, وبريتون أو آرتو.. أو أن ذلك النبي هل كان حقاً موجوداً.. إلخ..‏

وجوهر المسألة هنا, هو أن هذه الثقافة بتياراتها المتنوعة, لا يمكن أن تخدع الناس بقذف المشكلات في وجوههم, فسواء كان نوفاليس معروفاً أكثر من رامبو, فإن مثل هذه المسائل تسقط أهميتها "أو صرعتها" عند أول لمسة أكاديمية وتحقيق متخصص معرفي.. وليست هذه الثقافة لتمر في العصر الذهبي الآن بل تعيش على هامش العصر, وهي لا تترك أثراً, من عقد إلى عقد, لأنها لا تقوم على أسس أو قانون تطور الشعوب والمجتمعات, بل هي وسيط بين كل هذه المجالات مجتمعة, والوسيط يبقى أقل قيمة من طرفي المسألة. ولأن الصراع المحتدم الآن هو بين الشكلية والمضمون الجوهري, والواطئ والعالي ولعل الحالة الوسطية هذه تعيشها الثقافة الجماهيرية بعناصرها وتياراتها المتعددة.‏

ج ـ تصنيع الثقافة والإبداع..‏

من المثالين السابقين, الحكومي والخاص نخلص إلى القول: بأنه وبرغم اختلاف المضامين الثقافية بينهما, يوجد تركيز على الصناعة الثقافية من خلال العلاقة المشتركة بينهما. ففي إطار الصحافة والإذاعة والتلفزة والفيلم تبدو هذه الصناعة هنا سهلة.. سهلة كأدوات إنتاجية, وكبضائع إنتاجية: فهي تتمثل في الصفحات, والأشرطة السينمائية, وتحمل على أمواج الأثير. أ ما من الناحية الاستهلاكية فهي غير ذات مردود, وربَّما مردودها فقط سيكيولوجي. إلا أن هذه الصناعة السهلة, منظمة ومركزة من الجانب التقني والاقتصادي, لذا تبدو على أنها صناعة عالية التركيز والضبط. وفي إطار القطاع الخاص, تمارس بضع مجموعات كبيرة مهنة أو صناعة الصحافة وعلى عدة قنالات إذاعية ومتلفزة وبضع شركات سينمائية لإنتاج الأفلام والأجهزة السينمائية (آلات الإنتاج ـ والاستديوهات) لإدارة وسائل الاتصال. وفي القطاع الحكومي فإن هذه الصناعة تقع تحت يد التوجيه الرسمي المحكم أو المركز وتترافق هذه الأنظمة مع التحكم البيروقراطي. فنجد أن الصحيفة والإذاعة والتلفزة مدارة بنظام بيروقراطي مركزي. ويقوم النظام أو الإدارة البيروقراطية بتصفية (غربلة) الأفكار الإبداعية, ويراقبها بشكل شديد قبل أن تصل إلى الشكل النهائي ـ إلى المعد والمنفذ, ثمَّ النشر.. ولهذه العملية أسباب أساسية: غاية ربحية مخططة (في القطاع الخاص والشركات وأهمية سياسية (الدولة). وبعد ذلك تمر الأفكار على وسائط التكنولوجيا لإظهارها بالمظهر المرغوب. وفي الحالتين فإن نظام "ثقافة القوة" يجهد إلى تقديم البرامج الإذاعية والتلفزيونية, والسينمائية, عبر قدرة الإدارة البيروقراطية والتكنولوجيا من أجل الأغراض آنفة الذكر وبطريقة الإقناع (الحوارات) أو بالفرض (لأنها المسيطرة).‏

إذن تضغط آلة التكنولوجيا البيروقراطية المركزية على الإنتاج الثقافي الجماهيري. وهنا يبدأ الصراع من أجل الوصول إلى إبداعات إنتاجية تسيطر على السوق بطريقة عقلانية منظمة وإنتاجية (تقنية, تجارية, وسياسية) وتمويلها كي تظهر فيها وحدة قوتها الثقافية.‏

وبالرغم من هذا التوافق الظاهر فإن الصراع حاد بينهما, لأنَّ النزعة التي ينشدها النظام الصناعي يترجم بشكل مخالف لأنه ينبع من القصد الأساسي وهو الثقافة الاستهلاكية وطبيعتها الربحية, حيث أنها ترمي إلى خصوصية فردية تحقق ربحاً للأفراد, ولهذا نجد كل يوم جديداً من الإنتاج يركز على الأصالة.. والأصالة هذه (أو الأصلي أو الأصيل) سلاح الثقافة ا لاستهلاكية الدائم. وتحتاج الصناعة الثقافية على الدوام إلى ملاحظة المتناقضات الأساسية التي تقوم بين طابعها البيروقراطي وبنيته والأصالة (الخصوصية) التي تعترض العمل. لأنَّ كل عمق يحقق خاصية من فرضيتين متفاوتين: البيروقراطية والاختراع, والمستوى ـ والخصوصية أو النزعة الفردية(2).‏

حيال هذا التناقض يطرح سؤال حول إمكانية تنظيم البيروقراطية ـ الصناعية للثقافة. هذه الإمكانية تبرز, بلا شك, في ذات الخيال أو التصور الثقافي. ويتحقق هذا الخيال أو التصور من خلال العينات. وتتجدد هذه العينات بأشكال من العقلانية, لتحقق عقلانية إنتاجية بطرق مختلفة كما هو الحال في الخرافات والروايات. وتظهر الأعمال التقنية بالطبع المشكلة الخارجية للثقافة, فيما تظهر الأعمال المتحولة ـ الوقائع, والنماذج الشخصية ـ المشكلة الداخلية أو البنية الجوانية. وتدلنا البنية التحليلية للأساطير إلى أنها يمكن أن تشكل وعياً رياضياً بنيوياً. ولهذا فإن كل بنية دائمة أو ثابتة يمكن أن تتحول إلى أشكال صناعية. وتجهد الصناعة الثقافية إلى إعطائنا عينات روائية كبيرة, بطريقتها الخاصة, لتضع في أذهاننا تصورات ذات مستوى رفيع, فتحقق بذلك نتيجة عقلانية بتحويلها الخرافة إلى واقع حقيقي متقن, وبخاصة في المجال العاطفي. لأنَّ القلب أكثر احتفاظاً بالعواطف وهو أسهل خرقاً.‏

لذا ولكي تصبح مسلسلات الإنتاج ذات خصوصية, فهناك عدة طرائق وأنواع تكنولوجيا تخدم هذه الخصوصية, وعليه فإن هذه الإنتاجات معنية بتعدد العناصر وتغييرها, لأنه بتغيير المستوى يمكن تقديم أنواع من المواضيع الممكنة. ومن أجل كل هذا فإن الصناعة الثقافية مدعوة دوماً إلى كثير من الابتكارات والاختراعات (Invention). ولا يمكن لإنتاج هنا أن يطغى على الإبداع. فتضطر الآلة البيروقراطية إلى التفتيش عن الابتكارات الجديدة, أمَّا المستوى فيتوقف ليعلي من مقام الجودة والتقنية العالية ـ كما يبدو واضحاً في الفيلم الأميركي بشكل خاص.‏

من هنا فإنه لا يمكن لهذا المبدأ الأساسي في الإبداع والثقافة أن تكون متقناً أو متناهياً, في إطار النظام الصناعي الإنتاجي. وبالتالي لأنَّ مصائب هذا النظام, بالأصل, تعيق طموحاته في تحقيق النجاح: لتقاطع متناقضات المركزية, من جهة, والنزوع إلى الانفراد والاستقلال بالإبداعات, والمنافسة التي تتواجد في صلب عملية الإنتاجية ذاتها من جهة أخرى. إذ توجد في كل عملية إنتاج, وفي كل طريقة من طرائقها, وفي كل فروع الصناعات, تحولات ومتغيرات ويقابلها في كل صناعة حدود مطلقة للمركزية. فمثلاً إذا كانت تروستات صناعة الصابون (ليفر) تطمح لطرح أنواع عديدة من المنظفات في الأسواق (أومو, سانيل, تايد, بيرسيل...) إلا أنها تبقى جاهدة لتحقيق استقلالية في حماية منتجاتها وماركتها: وبخاصة في مجال الدعاية, لأنه يوجد في مثل هذه السوية الإنتاجية أنواع أخرى أقل سوية, وكذلك يوجد مستوى أوحد للاستهلاك, لأنَّ التصريف نفسه هو غير طبيعي وذو مركزية تنافسية مستبدة. وتنسحب هذه المركزية, بالطبع, على صناعة الثقافة أو التصنيع الفكري.‏

وإذا كانت مركزة أو تجميع البضائع التجارية والرأسمالية, واردة في الغرب ومحققة, فإنها في إطار الثقافة ليست كذلك, فمثلاً إنَّ تمركز الصحف (كما في حال فرانس ـ سوار, وباري ـ بريس, يعتمد على وجود ـ نظير لها من ذات النوع) ولأن تمركز الصحف في مؤسسة واحدة, هو أمر يتناقض تماماً, مع الحاجة إليها والخصوصية الفردية, وبالتالي الرغبة الحياتية والأهمية الثقافية للحياة العامة وفي النهاية للصناعة الثقافية.. وإن عدد القراء بمختلف مستوياتهم, ينعكس على التمركز أو اللاتمركز الصناعي الثقافي. ومن هنا تتبدى المتغيرات غير الثابتة في بنية هذه الصناعة. ومن الأمثلة المعاصرة تلك التي ذكرها مورين في فرنسا نذكر أنه وبعد أزمة 1931, أفلست تروستات الأفلام, وبقي الإنتاج السينمائي محصوراً في عدة أفلام استعراضية صغيرة محايدة, وما بقي منها حصر في توزيع هذه الأفلام الخاضعة لرقابة كبريات الشركات, وهذه الشركات لم تسمح إلا ببعض الإنتاجات السينمائية حسب الأفضلية أو الأسبقية.‏

وفي الولايات المتحدة فقد تمركزت العروض التلفزيونية في إطار الإنتاج المحايد (الاستعراضي) لتحقيق الخصوصية أيضاً. بمعنى آخر إنَّ النظام مضطر دوماً إلى تحقيق أجواء المنافسة من أجل تحقيق الأرباح, وهذه هي العملية الفضلى لديه. وأحياناً يفسح في المجال للمنافسة التي تحمل سموماً مضادة للبيروقراطية. أمَّا في إطار القطاع الحكومي فإن الفرصة أكبر بالنسبة للمبدع, منها في القطاع الخاص, حيث تسيطر عقلية الربح وهموم التجارة, لذا تبرز مظاهر مكافحة البيروقراطية على حد أوسع منها في القطاع الخاص. وهذا ما حصل في السينما البولونية عام 1955 حتَّى 1957.‏

وتعتمد عملية التوازن وعدم التوازن بين البيروقراطية ـ ومكافحة البيروقراطية, على الإنتاج نفسه.. فالمؤسسات الصحافية هي أكثر بيروقراطية من السينمائية, لأنَّ الحدث بالنسبة لها يحدد خصوصيتها الذاتية.. ولأن عادة الجمهور تجاه الصحيفة اليومية أو الأسبوعية, تحددها هذه الخصوصية أو ما يسمى بالسبق الصحفي, فيقبل الناس عليها. أمَّا بالنسبة للسينما فهي مضطرة لأنَّ تجد جمهورها, كل مرة, بل إنها مضطرة لأنَّ تعطي إبداعاً جديداً ومستوى جديداً متواتراً: مستغلة النجاح السابق. أمَّا الجودة فهي تابعة للعطاء الجديد, وهذا ما يجعلها معرضة لخطر الملل أو هبوط عنصر التشويق ـ أو عدم القبول. لذا وجدت السينما الحل في البحث عن النجومية التي تتمتع بخصوصية وحضور ناجح وفعال..وفي هذه المناسبة نشير إلى مدى احتياج الثقافة الجماهيرية للنجومية, وبخاصة في السينما. وقد طغت فكرة النجومية هذه على الصحافة والكتابة أيضاً. إذ أخذت دور النشر وإدارات الصحف وكذلك القطاعات الحكومية إلى إبراز أسماء أدبية وثقافية واستغلالها كنجوم وبالتالي عقد صفقات معها وباسمها سلفاً.. وهذا يشكل خطراً على الأديب نفسه, اللامع أو الملمع, إذ لا بد أن يسقط بعد فترة. فيما تدر أعمالها أرباحاً على مستخدميه الذين يهبرونه حتَّى لا يبقى فيه إلا صورة اللحم والدم.. وهذا السقوط يحصل بإرادته أو بغير إرادته.. وهؤلاء الساقطون هم كثر, أو قليل منهم من فلت بريشه ولم يتحول إلى تاجر ومراب.. وبالنهاية يسقط أدبه وتسقط شخصيته الثقافية, منذ انزلاقه, فيتحول الجمهور عنه, ولا يعود يجد مؤسسة يوظف قلمه لخدماتها, لأنَّ المؤسسة تجد من أمثاله الكثيرين.. وإذا كان هذا الأمر حاصلاً في كل أرجاء الدنيا, إلا أن هناك استثناءات بالطبع ولا حاجة لتعدادها وذكرها, لكن ما يجب ذكره هنا هو أن الكتاب الكبار على مدار هذا القرن قد سقط بعضهم وبعضهم مجال السقوط وقلة محترمة لا تعاني غير العوز.‏

على أية حال, إنَّ المسألة في كل حالاتها وصدفها, تتلخص في منطق العلاقة الثقافية (البيروقراطية والاحتكارية) المتمركزة ومنطق الخصوصية التنافسية (الربحية الممولة والمسيطرة) اللامنطقية.. ويمكن وجود علاقة أخرى تكون عائقاً بشكل من الأشكال, إنها علاقة القوى الاجتماعية أو قوة المجتمع التي تحول بين الكاتب وجمهوره واستناداً لهذه العلاقة تقوم الثورة الفنية والإنسانية للإنتاج الثقافي.. هذه العلاقة إذن هي التي تحدد في النهاية, التوازن وعدم التوازن, والتناقضات المالية, والمستوى, إنها تناقضات الثقافة الجماهيرية. وهنا يكمن بناؤها الحركي أو البنيوي الذي يوفق بينها وبين الجمهور وبالعكس.. وهذه التناقضات تسمح بفهم هذا الركام الكبير من الإنتاج السينمائي, والصحفي, والإذاعي, الذي يقودنا أيضاً إلى فهم حقيقة ما يدور في دائرة الإبداع التجاري الضخم. فالصناعة الثقافية التي تجمع أعمال شكسبير مع نجيب محفوظ وأغاني أم كلثوم وفوكنر مع الفالس, هي نفسها التي تنسفها فيما بعد, ثمَّ تعيدها وهكذا دواليك. ومن جهة أخرى مغايرة (في ذات الوقت) فإن ما يحصل في إطار الصناعة الثقافية هو أنها تنتظر الشحنة السلبية لتعطي شرارات إيجابية, فتمدها هذه السلبية بحرية الحركة ـ في ظل البنية العسفية والشدة والمصادرات, فتصبح في إنتاجها كوصفة الطبيب هامة.. أي في هذه الظروف القهرية فقط تقدم إنتاجات هامة وبأفضل المستويات الإبداعية.. وفي الوقت نفسه تحمل هذه الإنتاجات مواد عكرة تلوث المياه الراكدة أو الجارية في آن معاً (التيار الأسود للفيلم الأميركي من 1945 حتَّى 1960 مبتدئاً من ديميتري, وكازان, إلى لاسال بنيديك, حتَّى مارتين رايت ونيقولاس راي). فيما أن الفوضوية الفرنسية بدأت بتراتيل برازنيس, لبوم فيروم... إلخ. وفي بعض الأحيان يجن جنونها فتؤسس أقنية فيها مياه آسنة, وتراب أو رماد يذر في العيون, أو جواهر في آن معاً..‏

لقد ظهر الكاتب, (المبدع للمضمون والشكل في أعماله) في تاريخ الثقافة في القرن التاسع عشر على أنه فنان القرن التاسع عشر. وقد أثبت حضوره الكبير في الفترة التي بدأ فيها عصر الصناعة. فبدأ هذا الفنان يحتك بالنهضة الصناعية التكنولوجية للثقافة. أي أخذ الإبداع ينزع لأنَّ يكون إنتاجياً.‏

لقد تقاطعت مع هذه الثقافة الصناعية للفن, الأعمال الفنية القديمة في الغرب (من العمارات الزخرفية والكاتدرائية مع قاعات الرسوم والتصوير الفني منذ ما قبل رافائيل ويمبرايت) وحدث التماثل النسبي ما بين أبطال هوميروس وأعضاء الطاولة المستديرة, حيث غمطت أسماء أدباء كبار شعراء مبرزين, وبرزت أسماء ملونة على صفحات الجرائد الجماهيرية, فاشتهرت على أنها عظيمة لكنها في الحقيقة ليست إلا بدائية (من أمثال جون كارتر, بطل أدغار رايس بارو وعمر الشريف في عدد من الأفلام الممولة صهيونياً). وباكتشاف الشكل قام "ملك نقابات المستقبل" باستخدام رسوم اليكسي ريموند, فأوضح في هذه الصورة البطل وهو يتحول إلى "فلاش غوردون". وبعد موت اليكسي ريموند خلفه أوستين بريفز من عام 1942 حتَّى 1949. ثمَّ خلفه مارك ريبوري ثمَّ ديني باري.. وكذلك موت طرزان, انتقل من يد إلى يد. وفي فرنسا ظهر ثالوث آخر مارس الفن بعد موت فروتون, والآن يقوم بيلوس بهذا الدور..‏

إنَّ هذا الهبوط الغربي الجديد يعتمد على الشكل القديم للفن. ومع تقدم الصناعة والمؤسسات الإنتاجية تحول الفن إلى حرفة. ودخلت هذه الحرفة في نظام تقسيم العمل, كما تتحول المواد الخام في المعمل إلى بضائع. وكذلك فالمواد الأولية للفيلم تبدأ بوضع القصة وتكييفها, من قبل الكاتب أو كاتب الحوار, أو في يبعض الأحيان توضع لمسة إنسانية (Human touch) بديلة تأخذ بعين الاعتبار العلاقات البشرية ثمَّ يبدأ التنفيذ مع أعمال الديكور, والاختبارات, حتَّى التصوير, ثمَّ الموسيقى, ثمَّ يتكون فريق العمل المنتج. ويأخذ المنفذ هنا الدور الرئيس في العمل كمنتج للفيلم, وبهذا يصبح الفيلم عملاً سلعياً خالصاً محوره المنتج وطموحاته بل أطماعه.‏

وليست عملية تقسيم العمل واحدة في كل الأعمال الفنية, فهي في التلفزيون شبيهة بالسينما, وإن كانت على نطاق أضيق, أمَّا في العمل الإذاعي فهي مختلفة جداً من حيث البرامج. وفي الصحافة, فإن المواد الجاهزة تمثل العمل التحريري وهذا يوزع على المصادر (البرقيات, الوكالات, وأخبار أو رسائل المراسلين) إلا أن المسألة هي في أن تقسيم العمل هنا يتم على حساب الصحافيين, وبالتالي على حساب الصحافة المبدعة الصادقة.‏

إذن إنَّ هذا التقسيم للعمل يقوم على الأطر الجماعية (فريق العمل) ويستدعي النظام الصناعي إلى العقلانية وهذه تتوافق والنوعية أو المستوى أو الحدود. فالفيلم يجب أن يكون محدوداً بـ2500م ليستمر ساعة ونصفاً. أمَّا المقال الصحفي فيحدد بعدد الكلمات وبطول وقصر محددين. أمَّا الرواية والقصص فهي متخيلة قد يشوهها الطول والقصر. وكما يقول رايت ميلس "إنَّ النص يغير الشكل" وبالعكس فإن الشكل يغير النص أيضاً. وفي الضفة الأخرى من العالم, ضفة البحر المتوسط, نرى أن دور نشر كثيرة, وشركات سينمائية لإنتاج وتسويق الفيلم العربي, قد برزت في الفترة الأخيرة, وقدمت إنتاجات متنوعة فيها الدسم كما فيها الرخيص, وبروزها هذا ليس بدافع إحياء تراثنا ونمونا الثقافي, بل لتمتع هذه الشركات برأسمال يخولها دخول ساحة الصناعة الثقافية, من ناحية, ولأن ما فعلته الثقافة الصناعية العالمية في عقل المجتمع العربي قد بدأ يعطي أكله, فظهرت هذه الشركات التي تمارس نفس أساليب الصناعة الغربية.. ويخشى أن تطغى هذه الشركات, وبالتالي تطغى هذه الثقافة, فتجد بعدها من لا تهزه أحداث وقضايا المنطقة ولا يفرق بين منكر في السياسة ونكير في الفهم... إلخ.‏

وفي كل هذه الحالات فالإنتاجات تعتمد على المستهلك, المتلقي, وهو هنا الجمهور.. لكن أي جمهور؟..‏

لقد أدّى اللهاث وراء الجماهير المختلفة إلى التنوع في المعلومات والأفكار والتصورات, لتكوين الجماهير الواسعة وهذا يؤدي إلى إيجاد نتاج موحد, كخلاصة أو تحصيل ناتج.‏

وقد أعطى مورين صوراً عن هذه الإنتاجات فذكر بأن صحيفة مثل باري ـ ماتش تطمح بشكل آلي إلى التنويع: فتنشر في ذات العدد شيئاً من الخيال, والجمالية, واللاهوتية, والرياضة, والطرائف, والسياسة, والألعاب, وعالم السينما, والسياحة والسفر, والبحوث, والفنون, وشيئاً عن حياة الأعلام والأميرات,... إلخ. فيما تطمح الأفلام إلى التركيز, في عروضها, على الحب, والكوميديا من نوع من الجمالية, في معظم أعمالها المتنوعة ذات المضمون (العنيف) الذكري, (والعاطفة) الأنثوية, الموجهة للشبيبة الناشئة والصغار. أي أن الصحافة والفيلم والمذياع, تجهد جميعاً إلى إرضاء كل الأذواق من أجل الوصول إلى انتشار واسع وبالتالي إلى استهلاك كبير وبالتالي ربح كبير.‏

إلا أن هذه التنوعات المنظمة هي بالوقت نفسه نسبية ومتشابهة في أشكالها العامة ومتجانسة, بحيث ترغب أن تكون مقبولة ومفهومة, وتؤدي إلى أسلوب واضح وعالمي يقوم على مضمون مختلف. فعندما يقول مدير تحرير صحيفة بأن هذا الإنسان هو من جمهوري فهو يعني الإنسان البسيط, مدار التسويق.. أي أنه يتصور هذا الإنسان المتخيل, وماذا يحب وماذا لا يحب. وممكن أن يكون هذا الإنسان المتصور "فان كوخ" فيصفه بأنه كان شاذاً جنسياً وليس رساماً شهيراً. وممكن أن يعرف هذا الإنسان شيئاً عن "كوكتو" أو "دالي" ولا يعرف عن بيكون أو رامبو. لذا فإن لعبة التماثل النسبي تسعى إلى تعدد المضامين بشكل عام لتسهل على الفهم.‏

وكذلك فقد انتشر الفيلم الطويل, المعتمد أيضاً على التنويع والنسبية. لأنَّ فيلماً من هذا النوع يمكن أن يعرض قصة حب على شيء من العنف أو البغضاء, أو المغامرة والانتقام, لكن هذه التنوعات تتحدد كلها بلغة واحدة وبذات الأسلوب في الفيلم الواحد نفسه (وخاصة في فيلم ليس مختوماً بنهاية محددة بل مطلق النهاية من أجل إحداث الإثارة). وكذلك في المذياع, حيث تجتمع الموسيقى الصاخبة مع البرامج الأخرى (كالندوات) بلغة متماثلة ومنسجمة ليكون تقبلها واسعاً بين الناس. وهكذا الأمر بالنسبة للصحافة, تضع دراسة استراتيجية إلى جانب أخبار وصور فيشر, أو اجتياح لبنان مع ركلات مارادونا في المكسيك.‏

ويشترك في هذا المجال عمل القطاع الخاص والقطاع العام على حد سواء (قطاع الإعلام, وقطاع المسلسلات). ففي الإعلام يركز على الأخبار القصيرة (المثيرة والواقعة في وسط غير متوقع حدوثها, القتل, والحوادث المأساوية, المغامرة, وكل ما يتعلق بالحياة اليومية), والنجوم أو الشخصيات المتفوقة, وكأنها تعيش خارج الواقع اليومي.‏

ويتقدم كل هذه الأعمال اليومية الملامسة للحياة العامة, ذلك البطل الذي يذكر في الأساطير والأحلام. وليست هذه الخيالات هي التي تشد الناس إليها, بل الحقائق ولو كانت مبنية على خيالات, حيث يمكن للصحفي التنبه أن ينزلها من مملكة السماء إلى أرض الواقع. وتدخل هذه الثنائية في إطار التوافق والانسجام النسبي أيضاً. حيث أن الجمع ما بين الخيالي والواقعي يبعث على الإثارة وخصوصاً في حالة الإسقاط الهادف (ففيلم العيد في روما يشبه الحقيقة لكن غرام مارغريت فيه يشبه الفيلم - مصطنع).. كل هذه الملامح تطمح إلى انتشار الاستهلاك وبالتالي يحصل التركيز على الثقافة الجماهيرية وإعطائها كل هذه الخصائص مجتمعة.‏

ومع بداية القرن العشرين أخذ الصراع بين الفئات الجماهيرية يتجه إلى عصر الشيخوخة. ومع نهوض الثقافة والتعليم بدأت هذه الإنتاجات تنفصل بعضها عن بعض.. فقد تباينت الصحافة التي تحمل أفكاراً متعددة عن الصحافة الإخبارية, والصحافة المدنية عن الصحافة الجماهيرية, والتسلوية عن الجادة.. وانتشرت أجناس الآداب وبخاصة تلك المتضمنة للعناصر الدرامية. وفيما كانت كتب الأطفال تشق طريقها الأخضر, بقي الفيلم استعراضياً.. وقد أحدث هذا الصراع فئات وتيارات ثقافية: الصحافة النسائية, أدب الأطفال المتنامي وصحافة الأطفال, وقد نمت جميعها قبل خمسين عاماً وأوجدت جمهورها الخاص والجديد.. ويعلل مورين ذلك بالقول بأنه:‏

"نمت الصحافة في الولايات المتحدة في الثلاثينات من هذا القرن, بأطر جديدة بحيث تناسب أذواق الجميع. وفي فرنسا ظهرت الصحافة مثيلة فباري ـ سوار (باريس المساء) مثلاً تطمح لأنَّ تكون عالمية وشاملة. وقد توصلت لهذا, أي إلى قراء من كل الفئات ثمَّ اتبع بها ماحق (ماتش الرياضي) وهو أصل (باري ـ ماتش) واسعة الانتشار. وكذلك تطور الفيلم من فيلم استعراضي إلى فيلم جاد".‏

إلا أن الحروب والاحتلالات عطلت تطور الثقافة الجماهيرية, كما هو الحال في العصر الراهن. لكنها مكنت وسائط الإعلام من أن تكون أكثر دينامية. وقد صعدت إلى المسرح الثقافي الدولي الحفلات الموسيقية فشاركت الأوبرا في نهضة هذا النوع من الثقافة..‏

واتجهت الصراعات الثقافية نحو الطفل فكانت صحافة "طرزان, قبلاً وميكي ماوس حالياً" تجذب أطفال العالم, وكذلك صحافة المرأة المتضمنة مناقشات وأحاديث مؤثقة ومفتوحة, ممَّا أتيح, عبر هذا النوع من الصحافة, لبروز عالم الطفل والمرأة في دنيا الثقافة الجماهيرية إلى جانب صحافة الرجل. أي أن الصحافة الجماهيرية ليست أنثوية, بل هي ذكرية ـ أنثوية. حيث تراها أنثوية متخصصة في مجال, وثنائية في مجال آخر أو متحدة. وفي إطار الصحافة الطفلية فقد رأينا ركاماً من المجلات في الغرب وفي العالم كله, موجهة نحو الطفل وهي تتفاوت من حيث مضامينها, التي تنفرد باهتمامات الطفل ـ بألعابه وحركاته.. وتصلح أيضاً للفتيان في آن معاً... وهنا تكمن خطورة هذه الثقافة المصنعة والموجهة التي طغت في العقدين الماضيين, على عقل وثقافة الجيل الناشئ التي تصدر تحت شعار التربية والتوعية العصرية. ولأنها موجهة للناشئة, فإنها تلعب لعبتها الخطرة: فالتعري هنا أو الأحاديث الإباحية تأخذ طابع البراءة, أي تعتمد على براءة هذا السن (في الصور, والرسومات) بلغة طفلية بسيطة ـ حتَّى أضحت هذه الصحافة الطفلية وسيلة تربية خاصة أي تخريبية مركزة, في إطار الثقافة الجماهيرية, خاصة إذا ما علمنا بأن السنوات الأربع عشرة من حياة المرء الأولى هي الجانب الذي تتوجه إليه هذه الثقافة الجماهيرية الصناعية المخربة. ففي الأفلام أيضاً نجد لهذا السن حضوره في نص وتقنية الأفلام المفتوحة بقدر ما يمكن تمريره من تحت أعين الرقابة الحكومية. وكذا تفعل الثقافة الإعلامية (البرامج الإذاعية والتلفزيونية) فتتداخل بحيث يمكن متابعتها من قبل الأطفال والناشئة والكبار. وحجة الثقافة الصناعية الجماهيرية في ذلك هي "أنه لا بد من رفع مستوى الأطفال إلى مستوى الناشئة والكبار" لكنها لم تقل أنها تخفض مستوى الناشئة إلى عقلية الطفل وسذاجته, وإلهاء الكبار بمواضيع ساذجة وهي تحجب عنه مواضيع الساعة الحامية.. والأصح هو القول بأن خطط الإنتاج الثقافي هذه توازي ما بين الاستهلاك والإنتاج بتقليص الفجوة ما بين الأعمار.. وعليه فقد أكد (هورك هايمر) بأن الطفل "هو رجل منذ أن يبدأ يحبو, ولا حاجة للحديث عن النمو في إطار العمر"..‏

وبهذه النظرة الشمولية ـ البراغماتية يغيّب مفكرو الثقافة الصناعية دور العقل وتطوره البيولوجي والنفسي والعضوي كأساس للتطور الثقافي المعرفي. وهذا التبرير يتكئ إلى أهمية الثقافة الصناعية بالنسبة للأرباح حيث أن الناشئة هي أكثر المستهلكين للصحافة والكتب الصغيرة والأسطوانات والفيديو كاسيت وما شابه ذلك.. وتركز الصحافة الأنثوية على النواحي العاطفية (الحب والغرام وقصص الجنس العلمية ـ بقدر ما يتاح لها ـ تحت موضوع تحرر المرأة اقتصادياً وثقافياً). وبقدر ما يكون هذه الموضوع ساخناً, فإننا لن نجد في الثقافة الصناعية ـ الجماهيرية سوى تركيز على النواحي الجنسية المبوبة والمقبولة بأطر غرامية, تحت شعار التحرر أو الانفلات الأنثوي.. وهكذا أدخلت المرأة عالم الثقافة الجماهيرية الصناعية كعنصر هام (للاستهلاك) وهذا هو بيت القصيد.. وقد أقبل الرجل على هذه الصحافة أو الثقافة الإعلامية الاستهلاكية كإقبال المرأة عليها وكذلك الناشئة. وفي إطار السينما نرى المرأة فيها باكية, مغتصبة, وناعمة, جميلة. أمَّا في الأفلام الذكرية نرى الرجل خشناً, مغتصباً, بحيث تمتزج هنا الذكرية مع العاطفة وبالتالي اللذة, عبر تقنية متطورة, تركز على مفاتن الطبيعة والجسد وصراع مفتعل حتَّى النهاية المشوقة للرجل وللمرأة مع بعض الحضور المسيطر للمرأة في إطار الأزياء والجمالية الظاهرة ومسألة القلب..‏

فيما تبقى الثقافة الكلاسيكية, والإنسانية, متمسكة في حدود الطبقة, عالم الفلاح والعامل, والأمية.‏

فالمسرح لم يدخل الشارع الشعبي, بل بقي حكراً على الفئات المتميزة طبقياً. وقد بقيت الثقافة الزراعية في العقود الأولى للقرن العشرين فلكلورية.. وكذلك بقيت الثقافة العمالية مغلقة ضمن أسوار المعامل ومتطلبات العمل وفي إطار النقابات العمالية والأحزاب العمالية.. قد لاحظنا ذلك في إطار الأفلام الأميركية والفرنسية والبريطانية, فكانت كلها ذات مضمون واحد ومتشابهة بصورة عامة, وفي إطار فئات المجتمع ولشدها إليها ضمن التوجه التخريبي المخطط والمركز للثقافة الجماهيرية, وإبراز عامل الملل في الثقافة العمالية والفلاحية لهجرها إلى الثقافة الأخرى الطفلية أو الجنسية المفتوحة والجذابة بفعل الاندفاع الغريزي والعاطفي النفسي والفيزيولوجي معاً..‏

وقد نجحت ثقافة الرياضة في شد كل فئات الناس إليها. وشد المذياع كل الناس في الثلاثينات من هذا القرن, ثمَّ جاء التلفزيون أيضاً ليدخل قلوب وعقول الناس في بيوتهم مباشرة ودون استئذان ـ بيوت الفقراء والأغنياء على حد سواء.. حتَّى أصبح العالم تغزو فيه الصحافة الإخبارية كل بيت أيضاً.. أصبح العالم محتلاً بهذه الوسائط وأساليبها وأنواعها المتعددة. وهذه حقيقة يجب الاعتراف بها.. إذ أن هذه الثقافة ـ وأعلامها المتطور تقنياً ـ قد خرقت كل أنواع البشر وثقافتهم, مع المحافظ والرجعي حتَّى الشيوعي والديمقراطي إلى الليبرالي والساذج من الناس, دون قيود ولا حدود. ولعل ذلك هو جوهر الصراع الثقافي القائم في عالمنا المعاصر.‏

وكما قلنا لقد خرقت هذه الثقافة كل الحدود من خلال وسائط الاتصال الجماهيرية.. فالصالات الكبرى, التي قد نجدها في الجهات الأربع لبناء واحد في كثير من الأحيان (نجد أربع صالات سينمائية بأربعة أسماء مختلفة في بناء واحد), وكل منها ينافس الآخر بموضوعه.. فهل مشاهد هذه الصالة سيبقى بعيداً عن مشاهدة فيلم الصالة الأخرى؟ بالطبع لا.. إذن هذا هو المقصود. وفي المذياع أيضاً, نجد عدة قنالات موزعة ببرامج مختلفة, فيبرز برنامج هنا على حساب آخر هناك. لكن يبقى لكل قناة مستمع دائم ومتحيز لهذه دون تلك, وذلك لتنوع أذواق الناس, وفئات البشر الاجتماعية المتعددة. وهنا نلمس جوهر الغاية التي تطمح إليها هذه الثقافة وهو: تشتيت الناس عن طريق تنويع الوسائط, وتشتيت الأذواق, وبالتالي تشتيت وحدة المجتمع الثقافية والمعرفية.. ولعل ذلك هو الغاية السياسية الكبرى للثقافة الصناعية ـ الجماهيرية..‏

وفي كل نوع من هذه الأنواع الثقافية الصناعية يركز على بطل: ممثل بارع, تجهز له دعاية خاصة, أو كتاب صحفي تسلط عليه الأضواء, أو برنامج إذاعي أو تلفزيوني ومحرر "نجم" تشد الأنظار إليه.. حتَّى يصبح شبحاً, وليس نجماً, لديه كل المعارف, الأخبار, والحقائق, وبالتالي يصبح مسنداً أو مرجعاً, وفي قوله الخبر اليقين, فيما أنه يمثل محوراً للسياسة التي تقوم عليها الثقافة الصناعية, بالأصل..‏

ولنأخذ مثالاً من تجربتنا العربية.. في إطار الصحافة العربية, كان رؤساء تحرير الصحف يتراكضون إلى كسب (محمد حسنين هيكل) لأنه "اسم علم معرفة" في عالم الصحافة العربية.. لمع في مرحلتين متناقضتين, وهما مرحلة عبد الناصر, ثمَّ مرحلة السادات. في الأولى كان كاتب وحي عبد الناصر ـ (كما كان يقال) ـ الذي يعرف مضمون الأشياء ويعطي خبر الغد وحقيقة الحدث الذي لم يحدث بعد.. فبرز مقرباً للقصر, العارف بما سوف يحصل.. وقد أجاد عبد الناصر توظيفه في اللعبة السياسية, أي المناورة السياسية, بقصد توسيع الرقعة التي تمكن المرحوم عبد الناصر فيها من التحكم بالطرف الآخر لكسب الفرصة..‏

أي أن عبد الناصر كان يرغب في توصيل أمر إلى جهة ما, فوجد الجسر الواصل معها ليصل إلى غايته إمّا في كشف هذا الجسر وإما في تفويت الفرصة على الجهة التي يدخل معها في الصراع.‏

وفي مرحلة السادات لعب هيكل لعبة مزدوجة ـ في التخفيف أولاً من عملية سقوط السادات سريعاً ـ والثانية كسب خصوم السادات بمعاداته.. باستخدام التمويه لدى القراء. لكن نجومية هيكل خفت, إنْ لم نقل خبت وانطفأت لأكثر من سبب, وفي المقدمة: إنَّ المرحلة التي أوجدته قد استبدلت بمرحلة أخرى. (فالناصرية في مصر التي تحدث عنها هيكل في أيام السادات "لكسبها" أصبحت الآن متهمة بنواحي أخرى, أي العمل على تحقيق مبادئها على الساحة, في الشارع المصري التنظيمي بالدرجة الأولى, فاتضح للمرء في مصر وخارجها أن هيكل ليس ناصرياً, وخاصة بعد السماح له بدخول مصر في عهد السادات). وأن المستجدات على الساحة العربية وبخاصة المسألة الفلسطينية (الانتفاضة بخاصة) ومسألة لبنان, لم تعد تنتظر ما يخطه قلم هيكل, الذي استخدم لمهمة ماضية في فترة ماضية, وجذورها بعيدة عن الحدث الحالي ومتطلباته وشخوصه..‏

ـ في إطار الفيلم, نرى أن عمر الشريف (في بطولة الدكتور جيفاكو) يجهد الآن لكي يتسكع في أحد شوارع القاهرة دون أن يكون هناك خطر على حياته.. أي أنه سقطت نجوميته العالمية بعد أن امتصها مستخدموه حتَّى النهاية.. ولأن مرحلته قد انتهت فانتهى عندها.. بفعل الوعي الجديد والصراع الجديد أيضاً على الساحة الثقافية العالمية المتصلة بالساحة العربية.. وهو إن سقط على هذه الساحة فهو كان قد سقط على الساحة العربية قبل ذلك لموقفه اللاعروبي واللاوطني.‏

ناهيك عن التطور الطاغي لأجهزة الاتصال الدولية, فما يمكن أن تجده في السينما, تجده بسهولة في التلفاز.. وعبر قنالات الإذاعات المباشرة, وبوجهات نظر متعددة, حتَّى لا يمكن حيالها الإصغاء لوجهة نظر واحدة, أو تحليل لواحد من المراقبين, ولو كان اسمه لامعاً, فإن تعدد الآراء بالتقنية العالية المتاحة, قد أسقط النجومية الإعلامية والفنية في إطار الوعي المعرفي الإنساني المعاصر.‏

وعندما كان هيكل يصف نفسه بأنه مطلع ولاعب في مطبخ صنع القرار, رأينا على شاشة التلفاز تفاصيل الأحداث بأبعد رؤية, وبوثائقية حية لمجريات الأمور.. ولعل ذلك يتعدى هيكل إلى الشخصيات الفاعلة أكثر, وهي أكبر من حجم صحفي ومعلوماته ودوره, والقول بأن شخصاً ما كان يعرف ردة فعل عبد الناصر تجاه تصريحات أيدن (وقسمه بالطلاق أو إسقاط عبد الناصر) رأينا أيدن الذي وصف عبد الناصر بأقذع الأوصاف, رأيناه يصافحه ذات مرة. وبعدها رأينا كيف يكتب استقالته, ممَّا تعدى الأمر ردة الفعل و"الشطارة" الصحفية, إلى صراع سياستين في مياه المتوسط والساحة المصرية, بعد أن وجدت تأثيراتها في القصر الملكي البريطاني وبشكل دراماتيكي.. وقد كان هذا الفيلم ذاته(3) موجهاً سياسياً ولكسب السبق..‏

إلا أن هذه التشعبات تبقى خاضعة لظاهرة الثقافة الصناعية وخدمتها من أجل غاياتها الكثيرة والتي محورها هو التأثير على الكائن البشري بصورة عامة.. إذ نرى ردة الفعل بعد عرض فيلم اغتصاب تحت خيمة, أكبر من ردة الفعل حيال نبأ مزعج من أميركا اللاتينية, أو مجزرة أو قصف سكان مدينة عربية, نتيجة الحبك التقني الدرامي والنفسي والعاطفي المهيأ في ساعات الشدة في مناطق التوتر العالمي.. فمثلاً أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان أخذت أجهزة الإعلام العالمية بتركيز كل إمكاناتها التقنية والمالية والنجومية باتجاه أولمبياد المكسيك حتَّى تخفف من بلاء اللبنانيين والإبادات الجماعية التي نفذها الصهاينة بحق أطفال ونساء لبنان والفلسطينيين. حتَّى أن عدداً من رجالات السياسة والأحزاب ورؤساء الوزارات ظهروا على شاشات التلفزة لتسليط الأضواء على مباريات كأس العالم كحدث طاغ في وقت استمرار الاجتياح ومآسيه على الأرض اللبنانية, وتوكيداً على عدم اهتمام قادة العالم الغربي (الثقافي الصناعي) بما يؤلم العرب, بل تركيزاً منهم على المجتمع وسياسة نظمهم.. مع أنه, ومع هذا التقدم التقني للثقافة الصناعية, وركائزها النفسية والاجتماعية, توجد بالمقابل فئات اجتماعية ضخمة في الغرب نفسه تعاني الضيق المادي والنفسي والاجتماعي وهي الفئات التي تعيش من راتبها الشهري, وأجرها اليومي (في الغرب الصناعي) وتدخل في إطار الضمان الصحي والاجتماعي ضمن هذا المجتمع الاستهلاكي, بعماله وفلاحيه وصغار الموظفين والمهنيين والتجار الصغار, والكسبة العاديين, تخضع هذه الفئات لاحتكار الجهاز الإداري والصناعي من ناحية, وهي محكومة بحركة الثقافة الجديدة, لتكون طبقة محصورة خاضعة, إنها طبقة "الأجراء" المضطرة لمسايرة أو مجاراة المجتمع الاستهلاكي ودساتيره ونظمه, شاءت أم أبت, من ناحية أخرى. وتصبح المعامل وساحات العمل "غيتو" الحضارة الصناعية.. تخرقه التيارات الثقافية الجديدة لتلتهم أجره أيضاً.‏

وقد توجهت الثقافة الجماهيرية إلى هؤلاء الناس الأجراء, "أصحاب الراتب" لتزجهم في عملية الاستهلاك أيضاً, عن طريق وسائط الاتصال الجماهيري. وبذلك اقتحمت الثقافة كل الفئات الاجتماعية, الجديدة والناشئة, وبالتالي فئات المجتمع المتوالدة..‏

يقول ليوغارت في كتابه عصر التلفزيون "The age of television): "إن الولايات المتحدة قد أصبحت بكاملها بلد الطبقة الوسطى التي تعيش من الراتب الشهري, بل وبلد الربح".. وبهذا فقد أصبحت هذه الطبقة طبقة جديدة تضاف إلى الطبقة القديمة (صغار المالكين, صغار الحرفيين وصغار المزارعين) واقعة تحت تأثير الثقافة الصناعية, متعلقة بانتشار رقعة الأرباح أو الأمل بالتوفيق والطالع أحسن "Welfare" ـ وهذه يقابلها ذات الشريحة في الدول النامية وتخضع لنفس المعاناة.‏

وإذا كانت الثقافات الوطنية تمثل وجهة نظر أمتها على الساحة الدولية, فإن الثقافة الصناعية تحاول غزو هذه الثقافات على الساحة الوطنية بالتركيز على عقل الفرد وروحه داخل حدوده, أي تنفذ إلى الجذور, ومن ثمَّ تخرج إلى الساحة الدولية عن طريق النجوم التي تشد الأفراد إليها من داخل حدودها الوطنية.. وهذا ما يمثله الفكر الكوسموبوليتيكي الذي يخفف أو يضعف النزعة المحلية الوطنية بتدويلها أو القفز بها.. وهذا حاصل في الفكر والسياسة والأدب, لأنَّ الثقافة الجماهيرية الصناعية مؤسسة أصلاً, وبشكل منظم, على أساس الثقافة العالمية كما رأينا.. فمثلاً أوبرا موندي, أو ديل دوكا, موزعة بجميع لغات العالم, فلا حدود لانتشارها.. وأفلام هوليود ليس سوقها الساحة الأميركية بل العالمية, لأنَّ جمهورها ليس أميركياً فقط.. إلا أن موضوعها يشمل المشاهد الأوربي والآسيوي أو الإفريقي. وهناك الشركات متعددة الجنسيات (في إطار الفيلم الكوسموبوليتيكي) كما هي حال شركة (الدفاع عن الباسيفيك" الأميركية الإيطالية الفرنسية, التي قامت بتصوير فيلم في تايلاند عن رواية الفرنسية مارغريت دير, وقام بوضع السيناريو الأميركي أروين شو, وبطولة الإيطالية سيلفانا مانفانو والأميركي انتوني بيركنسون.. وكل شيء فيه موجه باتجاه العالمية, ومصاغ كتحفة فنية رائعة, وبإنتاج دولي منظم, وبلغة يمكن فهمها لدى العديد من الشعوب.. وبهذا طغى الفيلم على الكتاب أو النص المقيد بلغة الكاتبة القومية (لغة مارغريت دير).‏

إذن إنَّ الثقافة الصناعية تكيف الأفكار الشعبية المحلية وتحولها إلى عالمية, كما هو الحال مع الجاز والموسيقى الراقصة (السامبا, المامبو, التشاتشاتشا..) وتكيفها حسب أذواق الناس في القارات الخمس وبطابع عالمي. فيما تكيف الأفكار الانتروبولوجية إلى لعبة توافق العقل البشري كله. وقد ولدت هذه الثقافة في الولايات المتحدة, هناك حيث استمدت قوتها وركزت محاورها لتشمل العالم بأسره, كثقافة متخصصة بالسوق الدولية, للتأثير عليها وربطها وبالتالي استهلاكها, معتمدة على العناصر الأساسية المكونة لها من أجل استقطاب خاصية التعميم الدولي, الجمالية, التقاليد الوطنية, والأخلاق أو القيم الاجتماعية, الغرائزية والجنسية الثقافية العلمية.. إلخ.. فتحول هذه التقاليد الشعبية (المحلية) إلى أفكار, ومن ثمَّ تحويل هذه الأفكار إلى خيالات إنّ خرافات, متصورة تتحول إلى عالمية, وتحيط بالإنسان, حامل هذه الأفكار, الإنسان الساذج البسيط, الإنسان العالمي, عنصر الثقافة الجماهيرية, إنسان الخيال والواقعية, والبدائي والمتطور.. تتوجه إلى كل هذه الأنواع والمستويات من البشر على حد سواء, أي تضع أفكاراً أو بذوراً لأفكار يعللها إنسان هذه المستويات حسب عقله وثقافته, التعليل الذي يريد..‏

(1) Edgar Morin-duh Vremena bgd 1974.‏

(2) ـ Peter Baechlin, Histoire economique du Cinema, P. 207.‏

(3) في فيلم ـ تلفزيوني بعنوان: نهاية إمبراطورية (البريطانية).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-20-2006, 03:23 AM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


د ـ الهدف المقصود تخريبه: الإنسان الساذج

كيف هو ذلك الإنسان العالمي؟ هل هو قصير, بمعنى هل هو شخصية مفرحة دقيقة من البشر؟ إنه كذلك وليس كذلك. إنه كذلك, حينما يكون الحديث حول الإنسان كرجل متصور, الذي يتشابه أو يجد نظراءه في كل مكان, من حيث التطابق الهيكلي والمضمون. أجل إنه كذلك, إذا كان الحديث حول الإنسان الرجل الطفل, الذي يتواجد في داخل كل إنسان, المحب للعب, والتسلية, والأساطير, والحكايات الخرافية. إنه كذلك ما دام الحديث حول الرجل الذي يتطابق جسده مع فهمه, وإمكاناته الجسدية مع الأشياء من حوله معكوسة على تفكيره بنفس هذه العقلية أو المعرفة الضيقة. وباختصار إنَّ الإنسان الساذج هو أحد عناصر العالمية, للثقافة الجماهيرية, أي الهدف المقصود في عملية انتشار هذه الثقافة, والإنسان المستهدف.‏

فاللغة, أو الحديث المولج عبر واسطة الاتصال لها وقعها في نفس البشري, ولطالما أن اللغة هي حجة إقناع كبرى, فإنها تتنامى وتتطور مع اللعبة والموسيقى, وبخاصة في نطاق الموهوم والمتخيل, أكثر منه في عالم الحقائق والواقعية.. أي أن الفوارق بين الإنسان الساذج والآخر الذكي هي الفوارق نفسها التي تميز الآلهة عن الملوك أو إمبراطورية السماء عن ممالك الأرض. ومن السهل على الإنسان أن يدخل في أساطير حضارة ثانية أكثر ممَّا يمكنه التكيف مع حياة هذه الحضارة الفعلية.‏

وبالقياس مع هذه الحقيقة الجدلية فإن الكثير من أرهاط الانتلجنسيا العربية التي تجهل حضارة العرب القديمة (سواء لغياب المعلومة أو المعارف أم نتيجة لسياسية ما) تقفز بعقلها ومعارفها إلى منجزات الحضارة الإغريقية وسلطانها الفلسفي والمنطقي واللغوي والأدبي (الأسطوري) دون أن تعيش أو تقبل العيش في مجتمع أو حياة الحضارة اليونانية.. ولا تكاد مكتبة تخلو من أعمال الإغريق القدامى, والإقبال عليها بمحبة وشغف.. إذا لم نقل أن هناك من يدافع وبتعصب عن تلك الأساطير, فيما لا نراه يكترث عند ذكر تراث أمته إن لم يلعنها ويصب عليها جام غضبه, لماذا؟ لأنها "غير نموذجية" أو تقنية!..‏

نود القول إن الفلسفة اللفظية والعبارات الخاصة المنفلتة قد غزت الدنيا, وأثرت على بسطاء الناس, أي أثر حاملها وناقلها الذي هو بالأصل الصريع السابق (الناقل) على الآخر وهو التلقي منه..‏

وعلى هذه الأسس الانتروبولوجية تتكئ الثقافة الجماهيرية, وبهذا تكتشف أو تضع قدمها على طريق العالمية. منطلقة من المعايير الذاتية الثقافية, باتجاه الحضارة العصرية, وبخاصة الحضارة الأميركية. إذن إن الإنسان العالمي ليس إنساناً واحداً في كل أنواع البشر. إنه إنسان جديد, يسهم في تنمية الحضارة الجديدة النازعة نحو العالمية الشاملة, لا تقع في تضادٍ مع ثقافة عالم المتعلمين هذا: حيث تتداخل النوعية مع الكمية, والإبداعي مع الاستهلاكي, والروحي مع المادي, والمعرفي مع السلعي والتجاري, والجمالي مع المتوحش والكريه, والعلم مع الجهل.. وقبل أن نتساءل هل الثقافة هي هكذا كما يراها الإنسان المتعلم؟ يجب أن نتساءل عن قيمة الثقافة (العالية): هل هي مزيفة, وشكلية, ومبهمة, وهل "تقديس الفن" لا يخفي الطابع التجاري في طياته, حيث أن كل شيء جديد يناقض المعطى الثقافي السابق, وهذا يشير إلى الثقافة الجماهيرية, لكن ألا يشير أيضاً إلى العالم المتعلم؟ لقد شوهت جميعها الذوق العام وقانون الثقافة العالية, من روسو إلى كارينغ, ومن رامبو حتَّى الواقعية الأولى, ومن ابن خلدون إلى عبد الرحمن الكواكبي, والمدارس المعاصرة, على أرضية تحريفية, طمست الخلفيات الثقافية إمَّا بطريقة القفز فوق الهموم أو بالعودة إلى الطفولية والمسلك غير المسؤول, باسم البراءة الطفولية, أو تشويه التاريخ, منطلقة من ثغرة في الماضي للشعب كمبرر للهجوم على الحقائق التاريخية وتزييف المعطيات, كما هو حاصل في روايات جورجي زيدان.‏

وقد تلقت الطليعة الثقافية بقبول (في البدء) وبرغبة تشارلي شابلن, وهميت, ثمَّ عزف الجاز على قارعة الطريق. وبالعكس, فقد ظهرت الثقافة الجماهيرية هناك حيث يتواجد ترف ذهني أو فكري, والقصاصات الأدبية (كتب الجيب), ومراكز الإعلانات, والمظاهر الاجتماعية, أو التقاليد البالية والسطحية.. وحيث توجد عادات التعلق بالنجومية المتفوقة القائمة على العقلية العنترية التي تنميها الثقافة الجماهيرية في عقول المتعلمين وطابعها ذي النزعة التفوقية. وبنفس الوقت فإن قواسم مشتركة تربط ما بين الثقافة الجماهيرية والأرستقراطية الثقافية المسماة بالثقافة العليا والعالية, حيث تشتركان في نزعتهما الترفية التي تؤلف بينهما, لتنتقل إلى الوسط الاجتماعي البسيط الساذج. وقد لاحظ ذلك هارولد روزنبرج فقال: "إنَّ ظاهرة الكيتش تضخّم الكيتش. وعندما تحدث ماكدونالد ضد الكيتش, فإنه عنى بذلك الفن, وبدا حديثه وكأنه يتحدث عن كيتش جديد, مفكرة الفن لديه هي كيتش خالص. وهذه هي إحدى النظرات الناقدة التي تمثل الثقافة الجماهيرية بطريقة الكيتش من خلال نقد الكيتش"(1).‏

ولسنا لنقصد, هنا, أن نضخم الثقافة الجماهيرية, أو أن نقلل من قيمة "ثقافة المتعلمين" وعالمها, بل لنبيّن النزعة السادية والمازوشية في الإشباع, التي تتكوم حولها وتحملها جموع البشر غير الأمية, ننسف أو نطرح جانباً, في الفضاء, حقيقة ـ السيد النبيل "Monsegr"(2) حيث تعودنا أن نعالج هذه المسائل ونفتح الساحة حرة أمام النقاش.‏

لست أدري إذا كانت كلماتي هذه مقبولة وسهلة الفهم؟ وعلى أية حال إنَّ على الملاحظ أن يفسر ويناقش الظاهرة الملاحظة, بشكل مقنع, لأنَّ عليه تقع مسؤولية الإقناع وتنفيذ الظاهرة, وأن يوضح كل ما يأخذه من عينات في مجال العلوم الإنسانية, بالتحليل والنقد الذاتي. وعندما يلاحظ المثقفون قفزات الثقافة, فإنهم معنيون بتحديد مفهوم الثقافة المتعاطين بها. وعندما يتابع المتعلمون التطورات العلمية فعليهم أن يقوّموا الثقافة بدقة. وهناك بالطبع أرهاط من السوسيولوجيين وعلماء النفس قاموا بمثل هذه المهمة؟ وقد أسموا المتعلمين بالطبقة "المفكرة", التي تنسجم مع أفعالها, وعلى أنها حقيقة مؤكدة؟! ومن هنا نرى أن المنطق مهاجمتها: لأنَّ المسألة الأساسية التي يجب فهمها هي: بأي مقياس نحن ملتزمون بالنظام القائم, وأي شيء لم نعه, وأي شيء هو غير متناقض, وأية وسيلة هي تلك التي تلقي القبض على المفكر والمثقف, كما هو الواقع الراهن؟‏

وهذا ما يقودنا إلى إعادة النظر أيضاً بالنقد المتاح لمعارفنا وفهمنا للثقافة, وأن نتجه بعد ذلك إلى التمحيص في النتاجات الثقافية وأطرها التاريخية والاجتماعية. فالثقافة الجماهيرية, تطرح علينا بشكل كاف وغير مقنع, كمسألة ثقافية. وكلمة الثقافة الجماهيرية, بذاتها, لا يمكن ن تعني تلك الثقافة التي تتولد وتتكاثر وتعبر الحدود بالترابط مع التطور التقني والصناعي, إلى الروح الإنسانية, والحياة اليومية للإنسان. ويكثر الحديث في إطار الثقافة الجديدة على أنها ثقافة الطبقات المتنوعة من مجتمعنا وحضارتنا. ولذا فإننا معنيون مباشرة بحل هذا اللغز المعقد الذي طرحه مورين وآخرون غيره..‏

* منهج النقد:‏

من هذه اللحظة يرتسم خط الانطلاق للبحث, ومنهج النقد, وبالطبع فإن المنهج يشمل طريقة النقد الذاتي, ولذلك فإننا ننزع إلى تمحيص الظاهرة, بمفردها أو بذاتها وبدراسة نظام العلاقات الذي يشمل الملاحظ أو الدارس ذاته. وفيه تتحد المذاهب الأخلاقية مع العدوانية الخفية, والطرائق القديمة للنقد التي تفتح الطريق للشمولية على مصراعيه. وبنفس الوقت يمكن للباحث أن يتجنب الطرائق التجريدية ومذهب التحليل البيروقراطي ـ السوسيولوجي بمعزل عن مادة بحثه, التي يحق لـه فيها فصل هذا الجانب أو ذاك. هذا ما دعا إليه مورين.. وطبقاً لهذا التحليل فإنه يفترض أن يشترك الباحث في مادة الاختبار, أي أن يقبل بأن يقذف, في قاعة السينما, سكيناً, أو كتاب جيب, وأن يسعد ويبتهج للآلهة التي تقذف قطع العملة المعدنية.. وأن يتابع مشاهدة مباريات كرة القدم عبر الرصيف, أي ليكون واحداً من الجمع وجزءاً منه.. مع العاطلين عن العمل, وجماعات التسلية المتسكعة, لكي يتعرف على هذا العالم عن كثب لا أن يلاحظ من بعيد كمراقب أو غريب عنه.. أي يجب على هذا الإنسان أن يهيم على وجهه في ملاحظة أو متابعة الثقافة الجماهيرية. وقد يكون على الإنسان المعاصر, مواطن الظلم الراهن, أن يحيا مع الناس وبصورة العقل الجمعي القائمة, لذا فمن واجبه أن يذهب ليستمع إلى أغاني داليدا أو طرائف دريد لحام الاستهلاكية بدل أن يفتش عن الجانب الموضوعي في عناصر البحث ذاتها. وليس من الموضوعية أن يثق بنجاح البحث وهو يقفز فوق عناصر البحث ومادته.. إلا أنني أميل إلى الحقيقة التي أطلقها كلوديل والتي تقول: "إن الإنسان يتعرف إلى العالم, ليس لأنه يحيا فيه, بل لأنه يحمل إليه شيئاً منه".. ونحن نحيا في مجتمعنا النامي ونحمل منه ما ييسر تأكيد الحقيقة العقلية الجدلية وهي علاقة الملاحظ ـ بالمادة الملاحظة, والحامل بالمحمول. أي القيام بعملية التحليل والتركيب والملاحظة وصولاً إلى جوهر الأشياء وتفسيرها, وهذا هو خط السير دون أن يقيدنا المنهج الشمولي الملزم بتقديم أجزاء الاختبار التي تشكل جزءاً من الواقع والحقيقة فقط. وهذا سيؤدي إلى فصل الحقائق بعضها عن بعض, ويعطينا نتائج وأفكاراً مجردة, كما تعرض الصور التلفزيونية عبر شبكات قارية.. بحيث يمكن متابعة حركة الثقافة الجماهيرية المستمرة من التقنية الفنية حتَّى الروح البشرية, ومن الروح الإنسانية إلى المسلك الاجتماعي.. كما القارب الذي يعبر خلال عملية اجتماعية متكاملة. وبالوقت نفسه يجب أن نفهم نقطة الافتراق على طريقة عقدة الثقافة, الحضارة, والتاريخ, التي نسميها القرن العشرين. هذا ما يجب وضعه في مركز الاهتمام والمبحوث, أي أن نضع الإنسان والمجتمع وأسس المسألة في مركز اهتماماتنا الراهنة وليس على هامشها ـ ونحن نقوم بمهمتنا وهي دحض الثقافة الجماهيرية وأسسها وقوامها..‏

* عوالم الثقافة الأميركية ـ من الخيالي إلى الواقعي:‏

إنَّ المساحة القائمة ما بين الثقافة الإنسانية و الثقافة الجماهيرية هي ضيقة جداً.. فالمصير البشري, والقتل والصراعات، هي من نتاج أو اختصاص الثقافة الجماهيرية, وهي التي تجعلها مطرودة من ساحة الثقافة الإنسانية.. ذلك لأنَّ الواطئ والهابط يجتمعان في عملية الإنتاج المكرورة. وربَّما يندغمان في مرحلة ما حتَّى لا يمكن التفريق بينهما.‏

وباختلاط النزعات التي تجمع الواطئ مع العالي تمرر الثقافة الجماهيرية إنتاجاتها المبتذلة فتصبح رموزها هالة كبرى, ونجوماً عالميين, وذوي قدسية, أو قيمة قدسية, وتبقى مستمرة في مكانها بشتى السبل كي لا يطردها منه أحد..‏

أمَّا في إطار عملية الابتذال بطريقة الإسقاط لدى البراغماتية الأدبية الراهنة, فنجد أعمال شوبان على شكل كتب للتسلية. وسيمفونيات بيتهوفن تتحول إلى أغنيات "تشا تشا تشا" التي تغنيها داليدا!؟.. وعليه فلا عجب أن تسمع هذا "الزعيق", بشارات الحداثة أو المعاصرة تارة وبصرعة العصر, وقنبلة الموسم.. إلخ.. ولا غرابة أن تجد رواية "الأحمر والأسود ـ لستاندال" منقولة من لغة الرواية إلى لغة السينما الجماهيرية فتتبذل الأفكار وتهبط الجمالية الخاصة التي توخاها الكاتب. ومع هذا يقبل عليها النظارة بتهافت شديد, وبعد فترة وجيزة يظهر الفيلم مصوراً بكتاب من كتب الجيب أو كتب الرسوم, التسلوية...‏

إذن إنَّ أهم شيء يقوم عليه الابتذال هو التشويه, والاختصار, والعصرية والتكنولوجية, والتحوير والإسقاط المزيف والمحوّر (فارغ المضمون).. لنأخذ مثلاً إنتاجات هوليود, إنها تحبك القصة بشكل ساذج, وتقلل من عدد الشخوص, لإضفاء الطابع العام على سيكولوجية واضحة, وإزالة كل ما يمكن أن يشكل رمزاً, أو غير واضح بالنسبة للإنسان الساذج والخيالي, بالاعتماد على التكنولوجيا والطابع الرومانسي (الطبقية) في العمل.‏

وهكذا تلعب عملية الابتذال بالتبادل ما بين الرواية والفيلم, والفيلم والرواية. وربَّما يظهر الخير هنا شراً ويظهر الشر هناك خيراً كما يحلو للمنتج وطبقاً لما يرتئيه السوق والرغبة الساذجة للناس. ويتبع المنتج طريقة سيكولوجية في محاكاة المعاصرة والتحديث.. في عمله خلال الدراما ـ وبخاصة ما يتعلق بالتاريخ القديم, رغم الفارق الزمني. مع العلم أن هذه الشطحة الدينية المقصودة لها نفحة طائفية بحتة لأنها تحاكي وسطاً خاصاً في فرنسا أو إيطاليا أو بريطانيا.. أو عندما تتعرض لعذاب المسيح, فتربط بين الحب المسيحي والقهر البيزنطي لتؤلف بينهما, بالرغم من أن السيد المسيح قد سار إلى الجلجلة, وكان الشهيد العربي الأول وعلى يد بيلاطوس الروماني كما نعرفه من خلال الموروث اللاهوتي. أو كأن يقبل فرعون مصر حبيبته من شفتيها وهذا ما لم يحصل في التراث المصري القديم.. وفي النهاية تجعل الحب ينتصر في آخر الفيلم التاريخي (المُسقط) الذي ينقل لنا الماضي على صورة شوهاء. وقد ظهرت هذه الإنتاجات الخطيرة بكثرة منذ مطلع الستينات. ويندرج هذا النوع من الأفلام في إطار الثقافة العالمية الذي يركز على الإسقاط الكاذب المقصود أو المزيف توخياً للنهاية السعيدة في الإنتاجات الثقافية. وقد استطاعت هذه الإنتاجات التلاعب بالتاريخ لكنها لم تستطع تشويه عيون الكتب والروايات والمسرحيات. فقطعة واحدة من عمل لشكسبير تلقى إقبالاً بحجم الإقبال الحاصل على غيره من تلك المسارح طيلة قرن من الزمن بكامله.. لماذا؟ لأنَّ الكاتب بالأصل قد وقف موقفاً واضحاً لا يقبل اللبس ولا التلفيق أو الابتذال.. وبقي صورة مثلى للأدب العالمي ذي النزعة الإنسانية, فعطيل يبقى عطيلاً وتاجر البندقية لا يمكن أن تتحسن صورته في العالم وعبر الأزمان والتطورات. ولأن شكسبير كاتب الموقف الجاد والإنساني الواعي لمسائل عصره, ولا يمكن أن تحرف أعماله لأنها أصبحت حقائق تاريخية.‏

ولم تقطع الثقافة الجماهيرية الصلة بالآداب المبكرة, بشكل كامل, فورثت ذلك التيار الذي أسس الصحافة, فابتدأت بما يمكن تسميته بالثقافة الشعبية, وعبرها أخذت حركة الديمقراطية تشق طريقها إلى الثقافة الكلاسيكية (الإغريقية ـ اللاتينية ـ المسيحية), وتدرجت إلى الثقافة الإقطاعية الأوروبية ثمَّ البرجوازية. وقد تكونت بالتدريج, عبر القرون, حركة الديمقراطية في إطار الثقافة المكتوبة, وبشكل متبادل حيث يتوافق صعود الطبقات البرجوازية مع صعود الرواية, ومن ثمَّ تضخيم المرأة مع القيمة النسوية.‏

وفي القرن السابع عشر, امتزج هذا التحول مع فترة صعود الرواية دون أن تكون بينهما علاقة جدلية كافية: إذ يبدو أن الثقافة الثنائية ـ الاثنية والأدب الأرستقراطي ـ تتناقضان مع الواقعية الجديدة والأدب البرجوازي العادي, كما هو الحال في روايات "الفانتازيا".. (بدءاً برواية فيريتير البرجوازية "Astre" وانتهاء بروايات ميلر..), ثمَّ أخذت الواقعية الأولية تتجذر عبر بلزاك وموباسان, وموليير, في روايات "Gce Skileri" المضحكة, والمرأة المتخذلقة المتعلمة حيال المواطن "كريزال" أو الكوميديا ـ المهزلة الإنسانية ـ لبلزاك.. كل هذه الأعمال يمكن أن تسمى واقعية بحق. ذلك لأنَّ الرواية العاطفية والمغامرة والترحال عبر أرض المحبوب, طغت على الصحافة العاطفية, وجانبت الحياة المدنية. والكلام هنا حول مسألتين معقدتين تحتاجان لجواب حقيقي. فالرواية الغامضة هي ميتة, وباعتبارها ميتة فإن الخيال الأرستقراطي والحذلقة البرجوازية انحازا إلى الرواية الحالمة التي تستند إلى الميثولوجيا أكثر من الحب. أمَّا واقع الحياة فينزع إلى التعويض عن الخيال, والأحلام الكبرى, من جهة, وإلى الواقعية, من جهة أخرى. ففي القرن السادس عشر وصلت رواية سيرفانتس "دونكيخوت" إلى تقاطع بين الحلم المبالغ فيه وحقيقة الحياة الواقعية.‏

وفي القرن التاسع عشر انقسمت الرواية إلى جنسين: الفانتازيا, والواقعية, وبعد ذلك تطورت الرواية من خلال هذين النوعين إلى رواية عصرية. وبرزت الأفكار الغرامية في الرواية الحالمة (فيما هبطت الرمزية) وتحولت إلى الرواية المدنية, التي سوف تصبح مميزة ونوعية, وبالتالي الواقعية. ومن هذين التحولين المزدوجين انحدرت "الأميرة كليفا" من الوسط الأرستقراطي, واتسعت إلى مدنية, فتحولت إلى رواية برجوازية في القرن العشرين, رواية العلاقات, والصراع, ومشكلة الفرد في المجتمع, أو أين يلعب الحب دوراً كبيراً.‏

وقد عبر عن ذلك "البير تيبودي" "Albert Tibandet" بربطه تطور الطبقات المدنية بالديمقراطية والمرأة والرواية في القرن التاسع عشر(3). وقد كانت "المدام بوفاري" مفتاح العملية. إذ أن المدام بوفاري نموذج قارئ الرواية والمواطنة البرجوازية, فضحت نموذج البطلة الروائية إيما "Ema" تضجر, وتحلم بالحب, ولا ترتضي حياة أحادية الجانب. وتفتش عن حل عبر الرواية, وهكذا يأتيها الحل على شكل طريف, وتوصلت إلى ذلك الحب العظيم الذي يصبح حياً جدياً بطابع هزلي, ثمَّ يتحول إلى حب ذي مذاق مر, أي يتحول إلى تراجيديا, ويكون الحل في الموت. وبعد.. في "دون كيخوت" نلمس تحولاً في المواقع, في المشروع المدني والنسوي, وطريقة التماثل التي تشد القارئ والقارئة نحو البطل أو البطلة بحيث تصبح الحالمة البرجوازية بطلة رواية, فيما تصبح بطلة الرواية ـ حالمة برجوازية ـ (قارئة). والمدام بوفاري هي دون كيخوت الرواية المدنية. وينتحر دون كيخوت والمدام بوفاري لأنهما يريدان تغيير العالم.. ويقابل الشهود بعضهم بعضاً في نفس الحياة التي يعيشونها. كما يقول ريني جيرار "بأنهما يريدان كشف الحقيقة في الرواية(4) حيث يحيان نصف الحقيقة, نصف الواقع, اللذين تتحدث عنهما الرواية المعاصرة وقراؤيها, وتحمل همهم هذا مأساة أخرى, مأساة العالم البرجوازي, حيث يصطدم الحب الخيالي بجدار الحقيقة, دون أن يتمكن من تقويضه. وينتهي كيخوت إلى عاشق أفلاطوني لا يعرف الحب الحسي, أمَّا إيما ـ بوفاري فتظهر عاشقة متحولة, فالقبلة لديها, تحقق الحب الذي يعني بالنسبة لها القيمة الرئيسية, وفي النهاية, تفشل..‏

وتسيطر في دون كيخوت الشخصية الذكرية. وفي مدام بوفاري يسيطر حضور الأنثى, ويبقى الحب جوهر القضية المشتركة. ويبتدئ في هذا الأدب البرجوازي وثقافته طابع الرمزية المشوق. ولا يبدو في هذه الثقافة الطابع الخاص ـ الفردي ـ الشخصاني, ولا حاجات الروح, والحب, لأنها ليست ثقافة المشكلات الإنسانية البارزة, أو الحاصلة في عالم الاغتراب, بل أكثر وأكثر, إنها ثقافة التماثل بين القارئ وبطله.‏

وسنرى أن البوفارية ستصبح رمز والحقيقي والخيال في إطار الثقافة الجماهيرية بدءاً من عام 1930, أو إحدى رموز هذه الثقافة الجوهرية حتَّى اليوم..‏

وقد تجلت هذه الموجة البوفارية, في طرائق متعددة, وهي تتجول بين الحقيقي والخيالي, والخيالي والحقيقي, والمغترب والواقعي, وتقاطع بين "الأنا" و"الأنا" البطل في الرواية, إلى أن يصبح كاتب الرواية يبحث عن نفسه, وربَّما لا يجدها في الرواية.. ذلك لأنَّ الروايات المدنية والبرجوازية, هي أشكال متعددة.. طبقاً للمعادلة التالية: "أنت وأنا" أنت القارئ لأنني أنا الكاتب, وأنا الكاتب لأنك أنت القارئ, لكن أنت شخصية الرواية, وأنني أنا أيضاً شخصية الرواية, ولأنك أنت اللعبة الخفية الجامعة بين الحياة والخرافة, لأنني مكرس هذه اللعبة...‏

وحاول التيار البوفاري أن يكون هاماً في عالم الرواية, فأقام علاقة بين الرواية والقارئ ـ في القرن التاسع عشر ـ (وبخاصة القارئة) فنمت الرواية إلى درجة أنها اخترقت الجماهير قاطبة.‏

كان الاغتراب الشعبي ـ الضافي على الحكايات والخرافات والقصص الأسطورية في التقاليد العامة ـ قد بدأ في القرن الثامن عشر وأكثر ما ظهر في الصحافة.. إذ كان يحملها التاجر الصغير من بيت إلى بيت, وفيها الحكايا وقصص الخوارق, والخرافة, والحكايا الشعبية غير العادية التي تسرد قصص حياة الأبطال الخارقة, وبنفس الوقت حملت معها نهاية الفانتازيا (الإنكليزية) الروائية السوداء. وفي هذا العالم المغترب تبدت العلاقة بين الواقع والقارئ جلية, فيما طغت الأفكار الواقعية على الأدب الروائي بشكل أولي وتدريجياً بعد أن تطورت الصحافة في القرن التاسع عشر. وزاد تطور الصحافة واسعة الانتشار إلى انتشار الرواية وقرائها. وبطبيعة الحال فإن تناقضاً كبيراً حمله هذا التطور: فالتيار الشعبي يأخذ نمط الشخصية في حياتها اليومية ومشاركتها في المغامرة الخارقة, حيث يمتزج المعقول باللامعقول وبالفانتازيا "ذكريات الشيطان لفريديرك سولي, واليهودي الضائع لايجين سي حيث فيها محاولة لوصف حياة اليهودي وشخصيته على أنه جزء من اللامعقول والوهمي, لكن فيها شيئاً من الدعاية الصهيونية لتسليط الضوء على شقاء مخاليقها, في رواية أسطورية مركزة من قبل دعاة الصهاينة, وإن لم تكن مبالغة في الوصف, وهذه إحدى طرائق كتاب الثقافة الصناعية ـ الجماهيرية, الغيبية. وفي قسم من هذا الأدب الاغترابي البرجوازي ـ المدني ـ ابتعد خط السير عن المغامرة الخارقة (سلسلة فرتوين ـ التراجيديا المأساوية والشقيقات الثلاث لبلزاك ـ وروايات هيغو, الثالثة والعشرون, والأشقياء), وفي هذين التيارين تناقض وازدواجية ـ في قراءتهما وفهمهما ـ إذ إنهما يقرأان كل ما تقرأ الجريدة. وكان القراء من البرجوازيين, ثمَّ أصبحوا عامة الناس والبسطاء بخاصة الذين ينشدّون بشكل عفوي إلى جذورهم, وملحقون بشكل عفوي أو سببي بالثقافة المدنية. فيظهر جوهر التيارين متحداً في التباين, ومختلفاً مع فئات الشعب, مع التجار حتَّى أغنياء المدنية, الأرستقراطيين والأمراء, حيث لا يعرف الفقر ابنة الأمير, وحيث تفعل التقاليد القروية المحمولة إلى الريف فعلتها الاجتماعية المتحولة, والتبدل الاجتماعي العجيب عن طريق الصحيفة, فيصبح الفقر مقتحماً للغنى, ويصبح الغنى بؤساً. فيطغى هذا السر الخفي على حياة الناس اليومية, فتبنى القصور الكرتونية في الأحلام, والليالي المزركشة, وآلهة الأسياد في الأكواخ المظلمة للمدينة وفي أذهان الخبلاء والمتسكعين.. كما هو الحال في رواية, ميستيريا لندن, وميستيريا باريس ( السر الغامض) لبول فيفان..‏

ولا نريد أن نغوص في الروايات التاريخية التي تقلب التاريخ رأسه إلى أسفل وحذاءه إلى أعلى وتحوره, ليس من أجل الإسقاط, بل من أجل الإثارة وإيجاد المشكلة التي تروج الكتاب.. هذا في الغرب الذي يتحدث عنه مورين, أمَّا في شرقنا العربي, فحدث ولا حرج.. فروايات جرجي زيدان التاريخية قد نسفت حقائق تاريخنا العربي ووضعتها مقلوبة رأساً على عقب.. ولنعطي مثالاً لتوضيح هنا, فنسوق هذا الشاهد للتمثيل لا للحصر: في رواياته يذكر أسماء لمدن عربية مثل: جنبو, والدارية, وهو المدينتان العربيتان: ينبع والدرعية السعوديتان التاريخيتان. وهما كمؤرخ ـ روائي ـ يفترض به أن يلم بهذه الأسماء (صحيحة) أكثر من أي إنسان وقارئ على الإطلاق, فكيف نقلها مخطوءة باللفظ والكتابة؟.. ليس في ذلك شك في فمه لتاريخنا وتراثنا فقط, بل إنَّ ذلك يدفع إلى التصديق بما كان يقال ويكتب عليه في عصره: على أن هذه الروايات كتبت له وقام هو بترجمتها دون دراية بالأصول والحقائق التاريخية.. خاصة وأنه كان يضطلع بوظيفة ديوان مكتب الاستخبارات البريطانية في السودان أبان الاحتلال البريطاني لهذا القطر.. وقد أوفد إلى بيروت ليتعلم "العبرية" وأنشأت له دار للنشر ـ بقدرة قادر ـ أصبح اسمها "ددار الهلال" ولمع صيته واسمه, وهكذا قام بعملية التزييف للتاريخ العربي عن طريق نشر الثقافة الصناعية المسماة بالجماهيرية ـ من كتب الجيب إلى مسلسلات الروايات الشهيرة.. وقد يصبح هنا الاجتهاد الفردي, من خلال المعرفة ببعض اللغات الأجنبية, والقديمة حصراً, فنقول إنَّ كل اللغات الأوروبية تلفظ حرف‏

(J) جيماً, عدا السلافية القديمة فتلفظها في كل مواقع وجودها "ياء", إلا أن هذه اللغة وبشقيها الكيريليستي واللاتيني تكتب الجيم (Z) ولو كانت مكتوبة بهذه اللغة للفظت جنبو وكتبت كما لفظها جورجي زيدان.. لكن حرف الياء فيها موجود (J) إلى جانب الجيم كما ذكرنا.. إذن إنَّ اللغة التي كتبت بها هذه الروايات, بالطبع ليست العربية, ولا الألمانية أو إحدى اللغات الكبرى الأوروبية, وهناك لغة أقلية مهاجرة منغلقة على عناصرها هي الايديش, أو اليديشية تلفظ ال (J) ياءً وتكتبها كذلك.. وليس غيرها من اللغات أو الشعوب معنياً بهذا التزوير (غير اليديشية والايديشيين). فما بالك لو قلنا إنها كتبت بهذه اللغة, وإنها كتبت من أجل التزوير والتزييف للحقائق التاريخية على أرضية أن "التراث الإسلامي زائف وأن أصله يهودي ولا تراث تاريخياً لأحد غير اليهودية" كما درج الغرب الجاهل أن يقول به..(5). ونعود إلى الرواية الغربية, فقد شوهت المعلومات الواردة في الياذة هوميروس بشكل متعمد, في أساطير المحدثين اللذين أسماهم مورين بالصغار مثل سلسلة ديما, الأب والابن, وغربيونا لفيفال, وقصص ميشيل زيفاكو.. وبغض النظر عن هذه الأعمال أو تلك, فإن النزعة المدنية تختلف بأرضيتها عن التيار الشعبي أو الأدب الجماهيري.. فالأولى تتوخى الوصول إلى أرباحها عبر عناصر من علم النفس, والصراع ما بين الإحساس والطابع والخصوصية, وبين الرواية والمأساة والملهاة (الكوميديا ذات البعد الثلاثي: الزواج, الزوجة, والزوج والعشيق), أمَّا التيار الأدبي الآخر فيعتمد على القصص المأساوية القصيرة (لغز الولادة, لغز تبادل الأطفال بالتبني أو اللقطاء, والتوأم, العودة إلى الحياة, الموت الكاذب, تعذيب ـ اغتصاب ـ العذراوات, وعادات الشعوب المختلفة حول هذه المسألة (العذراوية) وإلهاب الأحاديث حولها, وتسعيره عن طريق الصحافة والريبورتاجات وكما حدث في صحافتنا العربية, وبخاصة اللبنانية واسعة الانتشار, مطلع السبعينات وبالتزامن مع ظاهرتي: المد العربي التحرري, وثورة شباب فرنسا الليبرالية, ليكبح العقل العربي الساذج عند الفرج وقضية الذات الفردية التي لا تعني المجتمع أو مشكلة الجمع.. وقد تشعب الحديث فيها حتَّى أصبحت العذراوية تعني التأخر واللاعذراوية تعني التحرر ومقياس التطور الحضاري, وهي بالتالي ليست إلا بدعة غربية للثقافة الصناعية غزت مجتمعنا من إحدى مسائله الذاتية.‏

هذا بالنسبة للشرق العربي, أمَّا الشرق الأقصى وأفريقيا والأميركيتين, فقد صدرت إليها روايات أخرى ومسائل مختلفة لأنَّ عاداتها ومشكلاتها تختلف , فانتشرت روايات المأساة الإغريقية, والدراما الاليزابيتية, وبما يتفق والوسط المدني ـ البرجوازي المعاصر, وعلى أنها وريثة للحضارة الإغريقية.. ففي الثلاثينات منه جنح التيار الشعبي إلى المنشور والفيلم الرخيص.. فيما أخذ التيار الآخر بالاعتماد أكثر على الصحيفة والفيلم الصامت.. مع العلم أن جوهر هذين التيارين هو واحد ومشترك.. وقارئ الصحيفة هو نفسه مشاهد الفيلم. ومع تطور هذه الثقافة, تطورت الظواهر الاجتماعية ومنعكساتها في الأدب والفن: فمن النزوع الفردي الغريزي إلى العلاقة بين المرأة المتزوجة والعشيق إلى الشخصية الطامحة لتسنم منصب في المجتمع, ومن فقدان الخصائص الدرامية, حتَّى انتهت إلى الواقعية وبالتوازي مع التقدم التقني أو ما يسمى بالحضارة التكنولوجية.‏

إذن إنَّ هذه الثقافة هي حاملة التطور الاجتماعي للغرب, وفيها اجتمع التياران الشعبي والمدني البرجوازي.. وقد كان تأثير الصحافة في القرن التاسع عشر كثيراً, إذ كانت الصحافة أدمتها وكانت الثقافة الصناعية مغذيها.. ومع تقدم الصحافة بالاعتماد على التقنيات الحديثة في الوسائط الإعلامية, فقد أصبحت هذه الصحافة ثقافة كل مكان.. والحضارة في كل مكان.. فهي تخلق مجتمعاً خاصاً بها (مجتمع المغتربين) الذين نراهم يحملون الراديو والترانستور على أكتافهم في كل مكان.. لذا فإن الصحافة التقنية هي حاملة الثقافة الصناعية والأسواق التجارية الواسعة الانتشار.. أو ما يسمى "هنا, الآن": "HIC-NUNC", التي تلخص الثقافة الجماهيرية في إطار الفولكلور الشعبي الذي يجمع ما بين الكائن والمادة: الأغنية, الرقص, الدبكات, الأناشيد, عبر المذياع والتلفزيون. أمَّا عبر السينما فيكون العالم صغيراً هنا.. وفي جميع هذه المواقع, تعتمد المثيرات الصاخبة من أجل الاختراق والتعميم.. فتجمع هذه الثقافة الكائن بالمادة, أي تحوله إلى آلة, أو دمية/ فالمثل يصبح متفرجاً, في مشاهدة مباراة كرم قدم مثلاً/ وبذلك فإنها تحوله إلى مستهلك, مهما كان موقعه أو دوره..‏

والجدير بالذكر هنا هو أن التقنية المعاصرة قد طغت على الفولكلور القديم, وإن كانت قامت على خلفية فولكلورية شعبية, بحيث أصبحت الدبكات الشعبية بدائية, فيما أصبحت الرقصات الحديثة الغربية (الحديثة) طاغية على مواخير الليل وقاعاته..‏

وبلغات وتقاليد كل شعب, أصبح الفلكلور الأميركي يخلق الفلكلور الأوربي, ولو قام على أرضية أوربية.. وأصبح "السيرك" اللندني صانعاً للهو أو "Slabstick comedy" على وجه الأرض.. وقد صار (ماك سنيت, بنين تيربنين, فاتي, هاري لاندون, تشارلي) مصادر الأفلام العالمية.. ونيو أورليانس يرسل إلى شيكاغو, ومنها إلى العالم.. والتانغو يغزو بونس أيريس ومنها يتوزع إلى العالم بقاراته الخمس.. كما أن ليالي الأندلس أصبحت إنتاجاً إسبانياً يغزو باريس ونيويورك. ومجموعة جاك هيلتون للجاز متوازية مع مغامرات ال "ريو".. فيما أصبح طعم أو رائحة الأرض الأم, أو المولد, ومسقط الرأس, غائباً, أو في حالة انقراض.. مع العلم أن هذه الإنتاجات الفلكلورية تحدث أكثر ما تحدث في المناسبات الوطنية ـ القومية, مثل مناسبة جمع القطن في الأرجنتين ـ فنجد التانغو ـ وجني القطن في مصر والسودان يصحبه السامبو والمامبو بأطر تقنية جديدة (تسمى حضارية) فيما أصبح الفلكلور الأصيل مندثراً أو على طريق الاندثار, مستبدلاً بفلكلور" Hic-Nucn" (وتعني: الآن ـ هنا) المعاصر والعالمي.‏

عرفنا حتَّى الآن توزع الثقافة الصناعية على مناحي الحياة, وفي السوق التجارية طبقاً لطلب المستهلكين, ومكانها بالنسبة لأساليب المتعة وأوقات الفراغ المعاصرة. وقد ظهرت بوسائل عديدة قائمة على التغريب.. وفي معايير جمالية, إذ أقامت علاقة بين المرء والاستهلاك الاغترابي الكبير. بحيث يمكن أن نرى إسهامها الجمالي مختلفاً عن إسهاماتها السابقة, إذ تعتمد هنا على الناحية العملية وليس على التغريب فقط.‏

تظهر المساهمة الجمالية هنا بشكل وعي مزدوج, فقارئ الرواية ومشاهد الفيلم يدخلان في عالم الاغتراب الذي هو جزء من الحياة الفردية لكن وبعد مضاعفة انجذاب الاثنين, يصبح كل منهما, أو كلاهما, يقرأان ويشاهدان, الرواية والفيلم, معاً.. والعلاقة الجمالية هنا تكمل هذه الطريقة على أرضية سيكولوجية ـ التي هي أساس الخيال أو الاغتراب, حيث يفهم الاغتراب أو الخيال على أنه حقيقة. بل أكثر واقعية من الواقع. إلا أن العلاقة الجمالية تنسف أسس العقلانية, لأنَّ الخيال يبقى مفهوماً كخيال. في عالم الخيال أو اللاهوت نرى التأثير كبيراً: الآلهة, المزارات, الزعامة, وعبادة الشخصية الواحدة, المعابد, المقابر, الكاتدرائيات, فهي دائمة ومستمرة الأثر, أكثر من أي تمثال بشري. أمَّا في علم الجمال فإن التأثير لن يكون وليس هو دائماً أو مطلقاً.‏

فمثلاً الفارق بين الخلق والأسطوري ومحاكاة الأرواح, التي يقوم بها الساحر, أو أي وسيط آخر, من طرف, والطرائق العقلانية, من طرف آخر, هي متشابهة إلى حد ما. فالروائي يصنع أبطاله على طريقه ـ التقديس لدى إحدى القبائل الزنجية, حيث يعيش حياته الخارقة. فيتصرف الكاتب بهذه الطريق الخيالية ليثير المشاعر. ولعل الإبداع الأدبي هو ظاهرة نصف خيالية, يعتمد على العبارات القدسية الأسطورية بما يتفق والواقع المعاش, فيوصل ما بين اللعبة والخيال. وهو واسطة من جهة, ومادة الموضوع من جهة ثانية. ويساعد خلق الجو النفسي على تقبل المادة بكليتها ومعايشتها روحياً. ويبدو الجمال أو الجانب الجمالي في الثقافة الصناعية, ليس كخاصة من خصائص المادة الفنية, بل كنوع من الأنواع الواسعة والهامة للترابط البشري. يتحقق بين الإنسان والشيء أو الموضوع, وبين الإنسان والخيالات أو الآلهة, التي تستحضر عن طريق ساحر أو كاهن سابقاً.‏

إذن إنَّ هذا التجريد هو في الحقيقة الطريقة الانتقالية من عالم الخيال إلى عالم الجمال.‏

وبالطبع يمكن فصل الشعر هنا عن عالم الخرافة الأسطورية أو التخيل الاغترابي (بالإرجاع أو الإذعان) لأنه يجب فصل الأدب عن الميثولوجيا. وقد مضت قرون على هجر الموسيقى والتصوير (الرسم) للاهويتات الأوربية, حتَّى أصبحت هذه جزءاً من الماضي وليس الحاضر.. وهناك قطاع بكامله يتبادل الأدوار فيه الخيالي مع الواقعي, في المجتمعات الحديثة, حيث يقوم على أساس العامل الجمالي, عن طريق الفن, والشاشة, والرواية, وبقية مواضيع التخيل والتصور الخيالي. وعليه فإن الثقافة الجماهيرية, دون شك, هي أول ثقافة في التاريخ العالمي اتسمت بطابع جمالي ما.. عن طريق أساطيرها وأرضياتها اللاهوتية, وشخوصها الأسطورية, إنها ثقافة لاهوتية في شخصية ملحدة.. ما تلبث أن تحول هذا الجانب الإلحادي إلى ـ مثيولوجيا أسطوري.. إذن إنَّ الأرضية أو الأساس السيكيولوجي الذي تنتهجه الثقافة الصناعية (الجماهيرية) هو الرافعة التي تضطلع بمسألة تحويل النفس الإنسانية من المتبع والتطور بفعل التقدم التقني الذي ترتكز عليه الثقافة الصناعية هذه.‏

وقد خلطت هذه الثقافة بين اللاهوت والأسطورة حتَّى التصقتا ببعض, فظهر الجانب الإلحادي واضحاً, وتدخل علم النفس ليحول المشاهد والأحاسيس الجوانية إلى علاقات بين الناس (إلى محبة أو كراهية) وعلاقات بين القوى الكبرى المتحركة في حياتنا (القومية, الإقليمية, الأسروية, الحزبية.. إلخ.). وإن غياب المتغيرات العملية والفيزيولوجية والحياتية, هنا يظهر الجانب الجمالي وهو مخفي في باطن الذات الإنسانية, أو في جوف الإنسان النفسي..‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-20-2006, 03:26 AM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

وإذا ما قمنا بتفسير أو شرح هذه الآراء الفلسفية التي طرحها مورين, بالأمثلة والإيضاحات, نجد أن موت البطل التراجيدي يتكامل في العلاقة الجمالية وبطريقة معقولة وقريبة من الواقع فتندلع الأحاسيس نحو هذا العمل بتعاطف سلبي أو إيجابي. فالضحية مثلاً ليست طلباً أو ضرورة خيالية أو إلهية فقط, بل هي أحد مصادر الحياة نفسها. ـ وهي تشخص أو تتمثل بعد الموت (في عالم السحر) ـ في الأوساط المعنية, والمناخات النفسية المتحولة, أو الشريرة, أو غير المحظوظة, أو محاولة انتحار فاشلة.. إلخ. إذن إنَّ الضحية لها طابع عذري بريء, وهي تكثر في أوساط الإنسان البريء والنقي, الساذج ـ القربان في المسيحية ـ والمرأة الأرملة, الشابة في التراجيديا اليونانية (الإغريقية) وبخاصة تلك النماذج التي وجدها أرسطو "Catharsis". وكذلك أوديب الذي نفذ بنفسه حكماً لجريمة خفية (محرمة) وغير معروفة في عالم الكائن البشري,وعقابه شديد في السماء, وعذاب الأرض.. ولذا كان الضحية من حيث لا يدري.. فلم يحتمل تصوره عقاب السماء ولا عذاب الناس, واستسهل أن يكون الضحية.. هذا هو حال العديد من الأبطال, ضحايا التعصب التراجيدي, والذين تزهق أرواحهم في الميلودراما, وهي تقطع الطريق من الخطأ والمحرم, إلى الموت.. وتنتشر هذه المناخات في كل مطارح الخيال, وتحت الجريمة والعقاب, حيث يتنامى الشر ومسبباته..‏

وهذه الأمثلة يمكن أن تطابق أبطال "بوفاري", التي دفعت إلى الإنتاج الكثيف, بعد عملية تجميل (تسريح الشعر, الماكياج) لتثير تفاؤلاً أو تشاؤماً في ذات المشاهد أو القارئ (بحسب الوسط, والعمر أو النضوج, والجنس, والموقع الاجتماعي, والطبقة, والجنسية, والنفس, الذات الواحدة).‏

واستناداً لجدلية التماثل أو الإظهار والانتشار فإنه توجد طريقة مفتوحة دون نهاية. ولنقرأ ما كتب مورين في هذه الصدد: "سأنطلق من مثال مزدوج, إنتاجي: هذا هو فيلم (آ), والبطل فيه غني وظريف وذو شخصية محبوبة. والفيلم الآخر ليكن (ب) والبطل فيه فقير ومحبب وظريف كما والحال "شارلو". فالمشاهد الغني والفقير سوف يشاهدان الفيلمين ويصر على أن البطلين محبوبان وظريفان. لكن الغني سينظر بامتعاض إلى متسكع أو جواب قربه, فيما سيرمق الفقير أحد الأغنياء بكراهية شديدة, إذن إنَّ هذه الإنتاجات والتماثل الكامن فيها, قد غيرت العلاقات الاجتماعية.. فالغني والفقير كاد كل منهما أن يخرج من جلده (أمام العرض ـ الغني في فيلم ب, الفقير في فيلم آ). وأن علاقة آ مع ب قد أصبحت علاقة مآلها إلى الجحيم"..‏

وهذا ما تتوخاه الثقافة الجماهيرية بتقنيتها العالية. ولنأخذ المثال الذي قدمه مورين لنسحبه على واقعنا العربي. فيمكن للغني المشاهد للفيلم آ أن يتمثل شخصية البطل فيه, معتمداً على قوته (غناه) فيغازل امرأة جميلة في مقهى, ويبدأ بصب "البيرة" على الأرض ويرمي الزجاجة مظهراً غناه أمامها, وعلى نفس طريقة البطل. فيما مشاهد فيلم ب, يتأثر بطريقة التسكع للبطل, فيقرر أن يبدأ بتفهم حياته, فينطلق في اليوم التالي ليسلك أمام زبونه مسلك البطل المتسكع في الفيلم, وهذا حاصل, لكنه لا يمكن أن يحول شيئاً في حياته.. وهذه هي النتيجة التي تقدمها الثقافة الجماهيرية الصناعية.‏

ولنقل كلاماً آخر, لعلّ الممثل آ و ب هما أميركي وروسي, أو أبيض وأسود, أو إنسان القرن الثامن عشر والقرن العشرين, أي أناس من مجتمعات مختلفة وطبقات اجتماعية متباينة وأعراق وعصور متعددة, فيهم جميعاً شيء (مغترب) مشترك. لذا فإن الثقافة الجماهيرية قد راعت كل هذه النواحي فقدمت نتاجاتها لتشمل كل هذه المجالات ونماذجها. فتعاطت مع الإسقاطات, خارج الزمان والمكان والتاريخ. ففي رواية "تشاترتون لا لغزو فيينا" هناك شعراء شباب تمثلوا حالتها, وهناك من نفذوا الانتحار, فيما تقبل الوسط البرجوازي شخوص الرواية دون تأثر بها. ذلك لأنَّ العمل قائم على عقدة نفسية اجتماعية تاريخية, وجد تعبيره في عصره ووسطه.. وكذلك هو الحال بالنسبة لإلياذة هوميروس, فقد أعطيت إطاراً عصرياً خارج أثينا القديمة..‏

إنَّ الثقافة الجماهيرية أعطت خاصيتها الاغترابية المشتركة في جميع الاتجاهات, وبما يتناسب ورغبات وأوساط المتلقين بطرائق جمالية تعنى بظروف الحياة اليومية.‏

وقد رأينا الثقافة الجماهيرية كيف نمت وتطورت, بخصائصها الأساسية, في الولايات المتحدة مطلع الثلاثينات من هذا القرن. وبعد الحرب الكونية الثانية وضعت نفسها في موقع متقدم ومتنام, في كل دول الغرب ومجتمعاته دون استثناء, وبسطت نفوذها داخل كل نفس بشرية فيها. وإذا افترضنا أن هذا النفوذ أو التأثير يلائم تطور المجتمع الأميركي (الاستهلاكي), فلماذا سحب على كل المجتمعات الغربية: الجواب بسيط, فقد نزحت مجاميع الناس وقسم من الريف, إلى المدن, لتحيا حياة ومستوى حياتياً آخر. وقد دخلت تدريجياً في عالم الرفاه, والتسلية, والاستهلاك أيضاً, خارج أوربا.. حيث التغيرات الكمية (نمو البيع والشراء وقوتهما, وتبدل قدرة أو طاقة الناس طبقاً لنمو حركة الآلة) التي زادت من وقت الفراغ والبطالة, والمتغير النوعي في إطار الذات البشرية, المشكلة الفردية, الحياة الصعبة والمرهقة للحصول على لقمة العيش بالنسبة لمن يعيش على عائدات الراتب الشهري أو الأجر اليومي.. إلخ.. في هذه المجتمعات, المتصارعة والمتناقضة, تنامى الجانب البيروقراطي الصناعي, اندحر الإبداع, والاستقلالية, والمسؤولية. فيما تطورت الآلية, حيث أصبح العمل البشري العضلي أقل جهداً, لكن طغت التخصصية. وبقيت مجالات بسيطة للعيش, العمل بالقطعة, وعامل المصنع الصغير والأجير في مؤسسة إنتاجية أو خدمية.. وفي الجانب العامل المتخصص ـ المهني ـ فقد وجدت شروط لحياة أفضل, التأمين, الضمان الصحي, التقاعد, وكذلك أوقات الفراغ..‏

في هذه الأوساط نمت الثقافة الجماهيرية وبشكل بارع لتخفف هموم الحياة والعيش على أعضاء كل الأوساط المذكورة وتقيم نوعاً من التكييف بوساطة وسائلها وأساليبها المتقنة والمتطورة. وخلقت توازناً مع الحاجات الفردية للإنسان فقدمت للحياة الفردية الخاصة صوراً ونماذج تكيف طموحاتها ورغباتها.. وإذا كانت هذه الطموحات والرغبات لا تتحقق في عالم بيروقراطي صناعي, أو تكنوقراطي, فإنها سهلة التحقق في عالم "الجحيم" الذي قدمته الثقافة الجماهيرية للعالم الذي تسيطر فيه: المغامرة, الحركة الدائمة الخطرة, أو الأعمال الممنوعة (القمار, المخدرات...), والحرية (لا الحرية بمعناها السياسي بل لعلها هنا تعني الانفلات في الشعور أو ردة فعل الذهن, أو العمل الشخصي, أو في تحقيق الحاجيات أو كتبها "لكونها ممنوعة", وكل ما تمت به إلى الغريزة بصلة.. فتزين الصورة فيه فتبدو الخيالية واقعية, والمغامرة سهلة والمحرم مسموحاً ومشروعاً, على طريق تغيير واقع الحال وشروط الحياة. وهذا هو الطابع الاغترابي في هذه الثقافة التي تقدم صورة البطل على أنها سهلة التحقق والتمثل, وأن الخرافة مادة حسية قائمة ـ في فيلم أو رواية تاريخية معاصرة ـ .. إلخ..).‏

وبكلمة مختصرة إذا راقبنا إنسان المجتمع الغربي وهو يبحث عن السعادة, أو كيف هو قلق من أجل الرفاه ولموقع اجتماعي, وهوسه تجاه الحب, والحيرة التي تنتابه وهو يتسابق مع الزمن ومع الحياة العصرية الغربية, نعرف حقيقة الثقافة الجماهيرية, التي مدت هذه المجتمعات بالخرافات والصور المزيفة التي تهدم كل شيء جماعي، وبالتالي تخرب المجتمع بدءاً من لبنته الأساسية (الفرد) وانتهاء بأسسه وقيمه وقوانينه الرئيسية في نهاية المطاف.. وهي إذا صح التعبير, ممون العالم بالأساطير والخرافات الزائفة والمغامرة والعبث.. إنها ليست جحيم البشرية فقط, بل هي الاغتراب الإنساني الكامل.. ولا يقتصر أمرها على تحول الخيالي إلى حقيقي, بل إن الحقيقي قد تحول معها إلى خرافي..‏

وفي واقع حالنا العربي, نجد أن الثقافة الجماهيرية قد غزته من داخل العامل الجواني فيه, إلى أسس المجتمع وقوانينه التي أخذت تميد تحت وطأة الثقافة الجماهيرية وطرائقها وجشعها, وجحيمها.. وتدخلت في كياننا وسياساتنا ونظمنا, حتَّى أصبح من الصعوبة بمكان تحديها والحد من اختراقاتها للفرد وللجماعة في كل مناحي حياتنا: في الزواج, والفن, والأدب, والصحافة, والمغامرة (في المجال السياسي حتَّى النفسي)..‏

* ثقافة المسدس‏

يقول هيدغر: "السلبية, من أجل الحرية, أجل: الجريمة" وهذا يشير إلى أن كل رغباتنا ما هي بالحقيقة سوى عقوبة إذا ما سحبت على المعطى الثقافي المعاصر الذي قدمته الثقافة الجماهيرية منذ الثلاثينات من هذا القرن, حيث بدأت ترتسم معالم الخط الجديد الذي اتجه بالخيالات نحو الواقعية, حيث يتواجد المشاهد والقارئ في البطل. ولعبت الصحافة بالعواطف, ففي فرنسا أخذت بنشر الأحاديث الصريحة, ثمَّ اتحدت معها الواقعية بالعاطفة على أرضية درامية.. ومذ ذاك نما الطابع الدرامي, وفيه الغزل ومعاكسة النساء, والفقير واليتيم, والمتيم حباً, و"الكاديلاك" والأثرياء.. وكل هذه الوجوه هي من الواقع, فاختلط الخيالي بالحقيقي, والحابل بالنابل...‏

كما نمت صحافة الطفل, وأفلام الطفل: المغامرة والقسرية ـ حتَّى شاهدنا طفلاً يقلع عين أخيه بإصبعه أو يرمي بنفسه من عل, بالضبط كما يفعل أبطال أفلام "الكرتون", وأصبح الطيران في الفضاء وجذب الجسد من الأرض هاجس الأطفال, صحيح أن هذا قد نمى خيالهم, لكنه نمى روح التواكل فيهم.. وعلى طريقة: "اذهب وربك" إنها هنا الآن وسوف نطير إذا ما أغمضنا عيوننا..‏

في الحقيقة إن الفيلم قد نما في الولايات المتحدة ما بين 1930 و1940. وقد شكل نموه "ثورة السينما" كما يقول مورين, وقد تأطر عملها في تعبير "الاحتمال".. ما يمكن أن يكون أو يحدث.. باتجاه الواقعية البدائية, على أرضية خيالية, فالممثل يكاد يقترب من الوضع الطبيعي, والديكور يخدع الرائي وكأن المنظر طبيعي.‏

أمَّا البطل العاطفي يتميز عن البطل التراجيدي الذي يثير الأسى, بأنه ارتبط أكثر بالمشاهد حتَّى أضحى محبوباً على طول الخط, أصبح نجماً "معبوداً"..‏

وفي وسطنا العربي يتفاعل الجمهور مع البطل حتَّى تهب القاعة بالتصفيق والصفير, والجميع وقوف يزغرد لنجاة البطل أو خروجه من المأزق.. أو لم يحصل هذا في كل صالات السينما العربية حتى الآن؟ (أفلام عنترة العبسي)..‏

وبالمقابل فبدلاً من أن يجد البطل مخرجاً فإن الموت يواجهه الموت في أفلام التراجيديا (في الصراع مع الطبيعة أو الوسط الاجتماعي, أو مع ذاته).. ففي فيلم زوربا اليوناني نلاحظ صراع الذات من أجل الانفلات (الليبرالية) والضحايا التي قدمها الإنسان من أجلها (موت باربارة مرجومة بالحجارة) كل ذلك لغاية تعميم الحس الليبرالي الذاتي ـ الفردي ـ أو الشخصاني المغرق في ذاتيته ولو على حساب حياة الآخرين, تحت اسم الضحايا.. وقد عالج الكاتب (للفيلم) هذه الناحية بحس واقعي تاريخي اجتماعي وجمالي أيضاً, فخرقه إلى الروح..‏

صور الفكر الأوربي النهاية السعيدة بأنها ليست تعويضاً بل دافعاً للتفاؤل, وليست عامل تهدئة وإراحة, بل نوعاً من السعادة. وعليه فقد اعتمدت الثورة السينمائية هذه الصورة في إنتاجها أو في غالبيتها على الإطلاق.. وتعمدت فيها أن تكتسي بطابع الواقعية.. هذا في السينما الأوربية والأميركية. أمَّا في السينما الهندية التي غزت الوطن العربي لتشابه لأحاسيس التقليدية ـ تاريخياً ـ فقد ركزت على العاطفة كأساس لها وعلى النهاية السعيدة في الغالب, عبر تعقيدات وآلام البطل الكثيفة واللامعقولة, حتَّى يكاد يطغى الطابع المأساوي على السعيد, وربَّما ينتهي إلى بقاء البطل حياً.. ففي فيلم: من أجل أبنائي تتوضح هذه الصورة جلية.. فبعد عذاب المرأة التي مات زوجها, وتاهت في عباب العذاب البشع, كبر ابنها الذي اعتقدت أنه مات في حقل القمح الذي شب فيه الحريق, ووجدته قاضياً مثلت أمامه بتهمة بسيطة.. والتقى المعذبون.. بمعنى آخر لقد تطور الفيلم, ففيلم النهاية السعيدة, إلى واقعية حديثة.. بعد تحقيق الرغبات, أو النجاح.. أو انتهوا إلى سعادة هانئة وكثير من الأبناء.. لكن النهاية السعيدة مسحت الماضي, بالمطلق, في لحظة نادرة. وبهذا أعطت الثقافة الجماهيرية طابعاً جمالياً واقعياً بديلاً للخلاص اللاهوتي, الذي يجد المرء خلاصه فيه (مطلقاً, أو مرتبطاً بالمجهول)..‏

ومنها أفلام (روايات) الإخوة كارامازوف, آنا كارنينا لديستويفسكي, وجسر على نهر كواي لبيير بولا, والصيادون الصغار الأسود, لأروين شو, والدفاع عن الباسيفيك لمارغريت ديري. فرواية بيير بول مثلاً انتهت بنجاح. بخطيئة الميجر الإنكليزي على الجسر المبني فوق نهر كواي, الذي لم يطر في الهواء, بل تأذى القطار الياباني. وحاول بول, كاتب الرواية للفيلم, أن يختار نهايته. إلا أن الأحداث كانت ضاغطة, لأنَّ الجسر لا بد وأن يطير. وبدلاً من موت عدد كبير من نجوم السينما وجد تعويضاً له في بطولة اثنين من المشاة الأميركيين ـ البريطانيين كي يضحيا, لكن ضغط أحداث الرواية لم يتمكن بول من أن ينهي روايته كما أريد لها, بل استعان بنهاية لشكسبير في "Midness" "الجنون" قبل أن يوجه عدسة الكاميرا, إلى السماء, لتغطي عملية موت هذا الباطل ـ النجم ـ وتؤكد أن موته ما هو إلا عملية في فيلم وليست حقيقية..‏

فيما كان أروين شو الداعية اليهودي يقطع طريقه من البداية إلى النهاية السعيدة, ليس في روايته "دعوة الموتى" بل في فيلمه نهاية الصغار الأسود, الذي يروي فيه قصة أولئك الناجين من القتل الهتلري. وأنهاها على الشكل التالي: ـ أهلاً بكم في ألمانيا ـ بالإنكليزية الفصحى ـ لقد رأيت كيف أن الأميركي قد رفع بندقيته وضغط على الزناد.. فأنهى تلك الحرب العالمية الثانية القذرة"... لكن كيف؟ بقنبلة هيروشيما.. وهذا الأمر الذي قتل ملايين اليابانيين لا يهم أرنولد شو وأمثاله من العنصريين طبالي الثقافة الأميركية.‏

يجوز أن هذه الرؤية لعمل شو محايد, لكن ما يجب قوله هنا في إطار بحث الثقافة الجماهيرية الصناعية, المعتمدة على التكنولوجيا, لا على ضمير الكاتب, أن شو قد ذهب بعيداً وأظهر اليهودي مظلوماً وإن كان غير عامد (بل لا شيء في الأدب ساذج وغير عامد ومقصود) وعلى طريقة "حامل الكفر ليس بكافر".. على صورة من صور عذاب الإنسانية وشقائها.. ولعل شو يرى الآن أفلام الأسود الصغار الفلسطينيين, فماذا عساه أن يكتب عن شقاء الفلسطينيين الذي صبه على رؤوسهم الغرب دون أن يقترفوا ذنباً يقترفونه ضد أوربا والغرب ولا ضد الإنسانية, بل إنهم قدموا للإنسانية أم الحضارات التي بدايتها في سومر وليست نهايتها في أثينا أو بابل والقدس..‏

بالطبع لقد كانت السينما العربية غائبة تماماً, وهي الآن متقدمة, في حين أن السينما الصهيونية نامية جداً وقد اكتسحت صالات العالم وهذه حقيقة يجب الاعتراف بها, لكن هذه السينما على ماذا تعتمد؟ على العاطفة والإنسان الساذج لأن روح الثقافة الجماهيرية مسبوغة عليها وتجري في أوردتها وشرايينها.. وهذه السينما هي عماد الاستهلاك الغربي كما هو عماد الثقافة الجماهيرية بطبيعة الحال.‏

ولنعد إلى مثالنا في السينما العربية على نموذج الثقافة الجماهيرية في معالجتها لحقائق تاريخية, أو اجتماعية أو مسائل وجدانية وعاطفية.. ففي فيلم عنترة بن شداد نرى الطابع البطولي (العنترية) ضافية على روح الفيلم بل في عقلية الإنسان العربي البسيط قاطبة.. فشكل هذا الفيلم حدثاً في السينما العربية. وتدرجت السينما العربية باتجاه الواقعية، وإن كان هذا الكاتب والفيلم بين النهاية السعيدة والمأساة، فلم ينه فاطمة بل ألقاها في مصح الأمراض العقلية، وأعطى كل الأبطال الآخرين نهاية سعيدة، فشقيق فاطمة توصل إلى الفوز بالانتخابات وهو جاسوس الإنكليز.. إلا أن ما يمكن قوله هنا بالرمزية قد نجح الفيلم في معالجته، وهو أنه رمز إلى الشعب الباقي، وأنه الضحية، انتهى الأبطال إلى نهاية سعيدة وبقي الشعب يدفع ثمن كابوس الاحتلال.. وهذا الفيلم هو من الأفلام الناجحة لا شك، ولا يندرج في إطار الثقافة الجماهيرية قطعاً، لكن طابع السينما العربية العام يطغى على الفيلم العربي.. وإن وجدت أفلام ناجحة، فيقابلها مئات الأفلام الاستعراضية القاتلة... لنأخذ الأفلام الكوميدية، فأفلام دريد لحام على سبيل المثال، ومسرحياته التلفزيونية أو السينمائية، تندرج في إطار الثقافة الجماهيرية.. لأنها لا تقدم سوى مخزون من اللفظ والتهريج معتمدة على النكتة كمهيج أو مثير شعبي.. مع العلم أن الإمكانات التي يملكها دريد وثقافته تخولـه ألا ينحو هذا المنحى، لكن ما قدمه هو في هذا المستوى.. ففي مسرحية "كاسك يا وطن" النقدية نجح في تصوير حالة الأمر الواقع، لكنه لم ينجح في تصوير الواقع بروح الواقعية الدرامية المطلوبة، بل بقيت المسرحية في إطار الواقع معتمدة على الخيال، تجمع ما بين الخيال والواقع ولم تخرج عنه.. ومع هذا فهي ذات شهرة من دون كل أعماله الأخرى، لكنها ليست السقف لعطاء الفن السابع العربي بالطبع، ولا يمكن وضعها في مصاف أعمال شابلن أو شكسبير ولا من هم دونهما على الإطلاق..‏

ولطالما ذكرنا شكسبير، نود أن نغوص في عالمه الدرامي الإنساني.. فالرجل عاش في القرن الخامس عشر، وأعماله لم تزل تعطي معطىً معاصراً في السينما والمسرح والأدب، للقارئ والمشاهد.. ذلك ليس لأنها تحمل في صفحاتها وأحداثها طابعاً إنسانياً وطبقياً متميزاً، بل لأنها اعتمدت الواقعية، وهي مبكرة في مجتمع أوربا الإقطاعي المتحول... وإن ما ارتكز عليه من أطر تاريخية تشكل حقائق لم يزل العالم يخوض صراعاً من أجلها... بمعنى أن رموزه وأسماءه التي نقلها من التاريخ القديم، هي مجال بحث المؤرخين واجتهاداتهم وتوكيداتهم.. ونعني هنا الحضارات القديمة الثلاث: العربية أولاً، والإغريقية والرومانية.. وإن الثانية والثالثة هما ابنتان للأولى.. وقد جاء الغرب نفسه في صراع مع الأم ليس عن طريق الاسكندر وبيلاطوس، بل لتأكيد ذاته بالقضاء على الآخرين.. وقد اعتمد اليهود وتلمودهم الملفق على أيدي سبعين يونانياً، لتسعير هذا الصراع، فوضعوا اليهود في أتونه..‏

فيما نرى أن السينما العربية اعتمدت الإسقاط التاريخي بشكل محور، وغير صحيح من الزاوية التاريخية، وذلك لسببين: الأول وهو أن الكاتب الذي يعاني وضعاً سياسياً في قطره لا يستطيع التعبير عن هذه المعاناة بشكل مباشر، فلجأ إلى الإسقاط التاريخي.. كما هو الحال في مسلسل "الصعاليك" للدكتور وليد سيف.‏

والثاني هو العامل التجاري، حيث أن في العودة إلى التاريخ والرمزية يجد الكاتب فسحة كبيرة للنجاح، ذلك لأن حياة الكاتب العربي ليست بخير ولا هي حسنة، فنراه يتعاطى في هذا الاتجاه لتأمين لقمة عيشه.. ولذلك فإن السينما العربية لم تزل في بداية الطريق، وتعتمد على التقدم العربي ـ والثقافة الجماهيرية في معالجتها باعتماد طابع التفاؤل والتشاؤم على حد سواء.. ولعل هذا الطابع موجود في السينما العالمية، لكن الفرق بينهما هو أن النهاية المتفائلة تكون دوماً في صالح النظام الاجتماعي، أما النهاية السعيدة فهي في صالح الشخص ـ الفرد ـ وهذه خاصية الثقافة الجماهيرية.. وفيها نرى رغبتها الدائمة في خلاص البطل لا خلاص المجتمع.. فيما نجد في النهاية المتشائمة يطغى الشبح دوماً ـ بأشكاله الاجتماعية ـ والأخلاقية والسياسية القهرية... الخ.‏

الأنثى في الثقافة الأميركية:‏

لم تزل أمور كثيرة، تعتبر خاصية من خصائص الحياة، أو سراً من أسرارها، وفي إطار العالم الرأسمالي فإن اللاهوتيات تلجم الهاجس اليومي (دعايات الأنثى الفاتنة، والتعري في الصفحات اليومية للجرائد)، بحيث لا يمكن المقارنة ما بين "كور وفيفارو" مثلاً أو غيرهما، إذ تشاهد في الصحف وعلى الشاشة فتاة (تخلع عنها كل ساترة ليرى الجمهور بدوره ما أبدع الله).. كل ذلك يطبخ في معمل الثقافة الجماهيرية: وتقوم الصحف والمجلات الملونة، والأفلام، بعرض الصور، بل حتى أن الفتيات أنفسهن ترفعن لنا أقدامهن، وتهتز أثداؤهن وأردافهن وشعرهن، وهن فاتحات ثغورهن نصف فتحة، يحرضننا على شراء عدد من اللفافات، ونحن نستعرض هذه المشاهد رغماً عن أنوفنا، أو لنبتاع علبة معجون أسنان أو صابون أو عطورات وغيرها من البضائع المطروحة، وبلغة أنثوية، أي والحق أنها ليست غزلية، بل خليعة. وهكذا توظف الثقافة الجماهيرية جسد الأنثى لترويج بضاعتها، أو تضع من نفسها واسطة لهذه البضاعة أو تلك (من البضائع الغذائية أو المفروشات والمواد الضرورية في حياتنا اليومية) عبر التهييج الجنسي الرخيص.. هذا ما يحصل في المجتمع العربي، عبر العلاقة التي تقيمها الثقافة الجماهيرية بين الأنثوية وحركة المجتمع الرأسمالي المعاصر التي تدور باتجاه الهدف الرئيس وهو الاستهلاك، حيث يشكل المال (النقد) أساس الدوران هذا ومحوره الأنثى. وبرغم دورانه الكثيف فإنه دوماً لا يكتفي ولا يشبع وهو يقدم الإنتاجات المتنوعة، في إطار التوسع العمودي للرأسمالية، جاهداً لتحقيق إمبراطورية الأحلام.. وعليه فقد دخلت الأنثوية والجنس الأنثوي في الاقتصاد وقوة الصناعة والإنتاج، لتصنع جميعها حضارة الغرب.. هذا ملخص ما كتبه مورين حول هذا الموضوع.. وعلينا أن نبحث في توسع "الحضارة الغربية" الجنسية أو الأنثوية التجارية ـ الصناعية خارج حدود العالم الغربي.. وهذا ما يمكن تسميته بالجنس التجاري المهاجر، أو المصدّر.. على شكل صور أو حكايات، وروايات، وصحف وعروض متلفزة أو سينمائية... لكن أهم هذه الإنتاجات الثقافية هي الإعلانات والدعايات، في لعبة العرض والطلب التي هي أكبر وأهم واسطة معاصرة، وبخاصة في عالم الثقافة الجماهيرية.. وفي الدعاية ترى الأجساد أكثر من غيرها من البضائع ـ أو بالأحرى يستهلك منها أكثر مما ينتج (Nip Up girl) التي تظهر ساقيها ـ في دعاية "شفيبس" عاريتين جميلتين بل رائعتين إلى درجة مبالغ بها، من أجل الإثارة الذكرية بالدرجة الأساسية.. بمعنى أن البضاعة المؤنثة تعبر عن الثقافة الجماهيرية، وهذا ما قصدت إليه ثقافة الغرب المصدرة إلى الشرق.. أما النقطة الأخيرة التي تجدر إثارتها هنا، في إطار الحديث عن الثقافة الجماهيرية وأساليبها وغاياتها، هي الآثار التي ترتبت عن مثل هذه الطرائق في عقلنا المعاصر.. ففي الغرب كما أكد مورين، أدت هذه الدعايات إلى نوع من الشذوذ، (الجنسي والمسلكي) فذكر أن من نتائجها انتشار عادات مثل السحاق والهوموسيكس ـ وما إليها، فيما أن هذه الآثار أقل وطأة في مجتمعاتنا، لكنها موجودة، ولعل هناك نوعاً آخر من صور الشذوذ في مجتمعاتنا، بنتيجة هذه الثقافة مثل الهيبة، وتعاطي المخدرات، والفوضوية واللا انتمائية وبالتالي الشذوذ الجنسي تحت شعار "محاربة النمطية بالنموذج الحضاري".. ففي الغرب الذي جرب ملذات الجسد "دون عقاب" قانوني أو أخلاقي (اجتماعي) لطبيعة ركائز هذا المجتمع وروائزه العامة وأخلاقه الخاصة به ـ قد سئم منها بعد زوالها ـ أي زوال اللحظة ـ إذ أصبحت آلية لا تعطي المتعة لكثرة تعاطيها، لكن في مجتمعاتنا ربما كانت نفس النتيجة، لكن بطرق أخرى غير تلك المتبعة بالغرب، لطبيعة موروثنا الأخلاقي والاجتماعي.. ولسنا في مجال التعداد والحصر.. ولكن يجب أن نبرهن عن هذه القيم بحصرها في أرضيتها ومداليلها الاجتماعية والنفسية... فالحب في الغرب، هو وقف على ليبرالية القرن الثامن عشر، وهو في مجتمعاتنا مستمر حتى الآن/ بالتناسق مع مورثنا التاريخي والأخلاقي/ أي محاولة التوفيق بين الموروث والمعقول، وقد وجه الغرب باتجاه الروح عن طريق الجسد ليصب في جيب الثورة الصناعية والرأسمالية العالمية.. فأصبح الحب ليس ليبرالياً، بل بنفس الواقع القديم لكن على أرضية معصرنة، أي الانفلات المستأثر بتكنولوجيا الغرب، ليصل إلى نفس النتيجة التي وصل إليها حب الغرب الليبرالي... ولصالح الفئات الميسورة ـ الكومبرادورية من السماسرة المحليين أو المراكز الدولية للكومبرادور الدولي..‏

كل هذه المناحي قد جرت وتوصلت إلى أهدافها تحت مظلة وستار الثقافة الجماهيرية والمعاصرة الثقافية، وأخلاقها وقيمها التي تحظى بدعاية وخنادق ضخمة ومتينة قادرة على مواجهة الند أو الخصم، وربما غلبته في أحيان كثيرة، في شتى أنحاء المعمورة، حتى الآن، أي على مدار القرن الحالي.‏

يمثل الحب في الثقافة الجماهيرية الفكرة الأساسية التي تقوم عليها هذه الثقافة، وتقدمه في مناسبات غير مناسبة، كان حرياً ألا يقدم فيها.. مثل المغامرة، الكاوبوي، الشريف الذي يظهر في وسط غابة، وفي الصحراء، أو في تلال الغرب، فيظهر الحب بين البطل وبطلة مجمّلة مزينة..‏

وقد وجهت الصحافة، بدورها، المصلحة الإنسانية باتجاه فكرة الحب /كالكارثة فريجيس، تعيدنا مرة أخرى إلى الحب، بين المخطوبة الشابة التي كان يجب أن تزف إلى زوجها في نفس يوم الكارثة. وموت فاوست كوبي يقودنا إلى حبه مع "السيدة البيضاء". وسفر نيكيتا خروتشوف إلى فرنسا يذكرنا بحبه لنينا/. والحب هو ذاك الهاجس المبني على إمبراطورية أسطورية جديدة، حب مارغريتا حيال تراونسند ثم توني، حب اليزابيت لفيليب، سواري وفرح ديبا، وحب باولين.. حيث يحمل هذا الحب أسطورة أولمبية حول بريجيت باردو، جاك شارييه، آنيتا فاديم، ساشاديتيل، إيف مونتانا، مارلين مونرو، ليز تايلور. وجرائم الغريزة المثيرة تحتل عناوين كبيرة، لكن الحب يحرر المذنب الذي ترك زوجته، كما الحال والعاشق الغيران... كل هذه الصور المنمقة، والمخرجة سينمائياً، والمقابلات المعدة، الكاذبة والمكررة مئات المرات، تظهر الحب وكأنه حقيقي وطبيعي. لأنه الفكرة الأساسية للسعادة المعاصرة، كما رأينا في الصفحات السابقة. وتحمل المناقشات حول الحب في اللقاءات المعاصرة، وفي الروايات الوجدانية، والتسلوية، منذ القرن السابع عشر /بل من الثامن عشر/، وفي المسارح الشعبية في القرن العشرين، تحمل حقيقة هي أن الناس كانوا محاطين بمسألة الحب، حتى تملكته الثقافة الجماهيرية لتقدمه على أنه صورة حية للحب الحقيقي...‏

"الإنسان بدون الحب هو لا شيء" كما دار حديث إحدى المولهات حول أحد الناس: إنني أدين لك أيها الحبيب بأحلى أيام العمر".. ولا يبقى من هذا الكلام شيء عندما نحب.. ومع هذا فإن الثقافة الجماهيرية تبغي الوصول إلى فكرة الحب وبلورتها بصورة تخدم هدفها الحقيقي، صورة تبريرية ذاتية منتصرة ذات أصول بعيدة في الماضي.. بأشكال متعددة، حتى أن الحب خارج نطاق الزوجية، حتى تصبح هذه الصورة محيطة بكل الحياة من الناحية التبريرية. أما الشكل الرومانسي للحب فقد برز نفسه بالعبارات الشعرية وطريقتها الوجدانية. فيما برز الحب الغريزي صورته، بانتصار الجسد، فنسف الزواج كأساس للحياة. وقد ظل الحب منذ الثلاثينات مع النهاية السعيدة منتصراً. وقد اتكأ على الجنس، فوجد الروح بالجسد.. فكان ضد الزواج أكثر من كونه أساساً للحياة والمجتمع.‏

فظهرت روايات الحب تصور الحب فوق البنى الاجتماعية كلها: الزواج، الأسرة، الطبقة، الواجب، الوطنية.. الخ.. وفي هذا الصراع أسقطت الأثمار قبل النضوج، أي أنه لم يقتل الهاجس. وقد ظهر هذا الصراع بشكله الثلاثي في الحب المدني، الزوج ـ الحبيب المعشوق، والمرأة. وانسحب على ركائز اجتماعية وظواهر متعددة: الغنى، الفقر، الفتاة اللقيطة، الأرمل المعقد، كنوع من اللعبة الحياتية... توزعتها الروايات والقصص والصحافة العاطفية.. موجهة نحو فئات المجتمع المختلفة وبخاصة أعمار الستة عشر. وأعطت الثقافة الجماهيرية الحب، حرية مطلقة لتغيير دورة الصراع بين المأساة والملهاة الإنسانية للحياة. وللتفريق بين الثقافة الجماهيرية وفكرة الحب الآسيوي والأفريقي والأميركي اللاتيني، فإن هذه الأفكار قد وجهت الحب على بحر مفتوح حيال القناعة والرضاء.. أي الفرق الكبير هو في طبيعة هذه المجتمعات وارتباطها بالموروث التاريخي والأخلاقي، فيما تحاول الثقافة الأميركية أن تبذر في هذه المجتمعات بذور التفتت والانقطاع عن الماضي في مسألة الحب، وتوظيف الماضي في خدمة الحاضر، الحب الغريزي، وقفزه فوق بنى المجتمع القانونية والأخلاقية وتقاليده..‏

وقد أخذ هذا الحب المعاصر شكلاً أساسياً في التيار الجديد، أي الثقافة الجماهيرية، إنه ليس حب الأميرة "كليف" أو "ايما بوفاري" الذي حطمته القواعد الاجتماعية، وليس هو حب التكامل (الأسري) ولا حب الفراق (الذي يرى الموت مخرجاً) ـ روميو وجوليت. وقد أصبحت هذه الصورة كما يبدو حاجة لكل الحياة.. لكن الحب لم يستطع التكامل ولا التفرقة..‏

فالتقليد العربي في الحب، هو بلا شك، ذو تاريخ طويل، يمتد إلى القرن الثالث عشر، ويتناقض مع الحب الغريزي، بل هو حب الروح، وقد شمل هذا التناقض الحب والزواج: تناقض الازدواجية بين المعطى الروحي والمعطى الجسدي. فالمعطى الروحي مقدس، فيما أن المعطى الجنسي معاب ومحرم.. وقد تمثل هذا الحب في الأفلام والروايات في العقد الأول: العذراء المطلقة، المرأة المعادة أو الطلاق المعيب. فيما عصفت الأفكار الجديدة بهذا التقليد بدءاً من الثلاثينات من هذا القرن، فاعتبرت الأفكار القديمة التقليدية الموروثة قذرة، وبدلاً من أن تقدم البديل النظيف، فقد وجهت هذا الموروث في الاتجاه المعاكس، باتجاه الحب الفيزيولوجي، وبدلاً من أن تعتمد في الفيلم (مثلاً) رمزاً يدل على القبلة، فقد استخدمت القبلة (والشفة على الشفة) وبما يمكن أن تمر من كل رقابه في الدنيا، حتى تم اللقاء بين الغريزة والنفس. فالنفس الطيبة، في الأفلام القديمة أو الأساطير، هي مكان الروح، والتأوه رمز العاطفة الكامنة، فيما أصبح تقبيل الشفاه أو قضمها، لا يكفي إعطاء صورة عن الحب. وإذا كان الفيلم حاملاً لمجموعة أحاسيس وقيم، فقد ظهر هذا الفيلم في الغرب حاملاً لقيمة واحدة منها وهي لقاء الرجل بالمرأة، والنهاية السعيدة... وبهذا فإن الحب لم يعد حباً. وهذا هو الأساس الأخلاقي الغربي الذي غاص في الفرويدية وشبق الليبيدو الغريزي، ثم صدر إلى العالم، وقد تقبلته مجتمعات ورفضته أخرى، لكنه غزاها ودخل في عراك مع الموروث والتقليد.‏

وسخرت الصحافة الجماهيرية كمرآة عاكسة لهذا التشتت المتطابق مع الفوضى والعبثية والدرجة التي وصل إليها الحب أخيراً.. إذ أصبح الحب نسبياً، بقدر ما هو مطلق. وعندما يبدأ اتجاه يأخذ سمته ووجهه العادي، يظهر اتجاه معاكس يعتبر أن الحب أمر فردي وشأن خاص. وقد أخذ اللهاث وراء الحب القديم بعد أن أصبح الحب الجسدي مملاً ومقيتاً..‏

كما أن المغامرة أصبحت مرادفة للحب في عالم البيروقراطية.. وكذلك النفعية..‏

ولعل ظاهرة الحب في الثقافة العربية بقيت محافظة على الموروث ولو بشكل نسبي، مع عديد من الاختراقات التقنية أو التحررية..‏

وإذا كنا نعالج عقل الزمن المسيطر، فإنه لمن المنطقي أن نعقد مقارنة بين الظاهرة في الغرب وفي الشرق (العربي).. فموروثنا العربي ينظر إلى المرأة بأشكال متعددة طبقاً للنظام الاجتماعي القائم في دولة وجوده. لكن الصورة الحقيقية للمرأة العربية التي نتغنى بها في كل مجتمعاتنا هي المرأة الإنسان، امرأة الموقف والجمالية لا الأنثوية فقط.. ومع شديد الأسف، فعندما تصاب الأخلاق في الغرب بانتكاسة قاتلة تعزى الأسباب إلى الشرق.. وإن كل شذوذ وقسر وعنف يمارس يطلق عليه بأنه شرقي متوحش.. وينسى الغرب أنَّ امرأة الشرق قد شكلت له أزمة سياسية وأمنية وحضارية كبرى.. فزنوبيا ملكة تدمر التي أرهقت بضرباتها جيوش روما وأورليان، أضحت أسطورة ومادة لأفلام وروايات الغرب طوال قرنين من الزمن.. حكت قصة المرأة السمراء التي لوحتها الشمس، سوداء العينين يشع منهما بريق رائع، أسنانها كاللآلئ، صوتها رنان مؤثر في جندها كانت تركب العربة الحربية، وقلما تعتلي السرير المحمول، ولكنها تمتطي الجواد معتمرة الخوذة، تصطاد الوحوش والرجال الغزاة، وأنها أنبل نساء الشرق وأكثرهن جمالاً..‏

هذه المرأة رفضت أن تطأطئ رأسها أمام أورليان في موكب نصره في روما وتجرعت السم، لأن طبيعة الملك المهزوم تأنف الذل والرضوخ.. فأية امرأة شبقية هي امرأة الشرق كما يقول الغربيون؟؟ وأي رجل شرقي هذا الذي يصورونه شبقاً في الغرب؟ ولنعلم بأن "الإيدز" هو نتاج حضارة الغرب وثقافتها الجماهيرية، وأن ثقافة الشرق عريقة بما لا تسمح للشرق أن ينفلت، إلا تحت التأثير النسبي لثقافة الغرب المتهتكة...‏

وجوليا دومنا التي اقتحم عرشها الرومانيون رضيت أن تعيش زوجة للقائد الروماني، وهي ابنة آلهة حمص التي استولدها ابناً "كراكلا"، لكنها علمت ابنها كره أبيه حتى قتله وعادت إلى شرقها العربي العظيم... فلماذا يصور الغرب شرقنا وكأنه خاوٍ من النزعة الإنسانية للرجل والأنثى، في الوقت الذي تتفتت فيه الأخلاق العامة في بنى الغرب الاجتماعية؟...‏

وما دمنا في الإطار العربي، والثقافة الجماهيرية، لا بد من الحديث على الشخصية الأنثوية في الثقافة العربية.. ففي الروايات مثلت المرأة صورة الغرام العذري في البداية، ثم ما لبثت أن تحولت إلى صورة الغرام الجسدي، تحت تأثير الثقافة الغربية أو تيار التحرر المشوه.. إلا أن صورة المرأة في النتاج الأدبي الواقع تحت التأثير الغربي تبدو منفلتة غير ذات متعة قيمية، بل استعراضية وجنسية تحريضية بدوافع متعددة، فمثلاً، أخذت قصة ليلى بعلبكي في السبعينات /رحلة حنان إلى القمر/ شكلاً من الانفلات غير الفكري الملتزم، لأن الكاتبة غير منتمية سياسياً، بل عبرت عن مكنوناتها وهمها الأخلاقي والسيكولوجي على الورق.. بأنها بدأت تحكي قصة لقائها مع المحبوب وكيف غاصت يده تحت البطن... الخ..‏

فيما عبر الاتجاه الملتزم عن قضية كبرى هي دور المرأة في بناء المجتمع والحرية السياسية والشخصية وبالتالي التقدم العام والتطور الحضاري...‏

وفي السينما لم تخرج المرأة عن دور المنشط أو الجاذب للمشاهد، بحيث ركزت الإنتاجات على الجسد الأنثوي، مع شيء من محاكاة الروح العربية الموروثة التي تستهويها الكلمة واللحن، بالأغنية كموروث عربي وجداني..‏

وفي الفترة الأخيرة وقعت السينما العربية تحت تأثير الثقافة الغربية ـ الأرستقراطية ـ بحيث معظم الأفلام والمسلسلات ترتكز حول الورثة المادية والقتل، من أجل المرأة أو السعادة الوهمية... (في المسلسلات المتلفزة)، والثورة والمرأة ونزوعها إلى الالتحام بالرجل الغني في معظم الإنتاجات العربية.‏

حتى غدت ظاهرة الحب في مجتمعنا وكأنها نفعية خالصة، تعرت من كل فضيلة، لكنها ليست في خطر، لأن بنى مجتمعنا القوية ليست في الأشكال المؤقتة والعرضية أي في النظم الاجتماعية، بل مرتبطة بتاريخ عريق يمتد من الحضارة السومرية والآكادية إلى البابلية والتدمرية والإسلامية، /وبالرغم من حصول انقطاع ثقافي وتاريخي يفصل الحاضر عن الماضي بفترة الاحتلال العثماني والإفرنجي، أي منذ سقوط الدولة العباسية حتى حاضرنا الراهن/.. فإنه، عبر هذه الحقبة، لم تتأسس بنىً حتمية ذات ديمومة سرمدية، لأن أمة العرب لا تزال تتغنى بموروثها التاريخي القديم الناصع، وليس باستطاعة الأشكال العرضية أن تحل محلها، ليس بغياب الثورة الثقافية فحسب، بل ولعدم إمكانية قيام مثل هذه الثورة في ظل الوضع العربي الراهن..‏

وفي هذا السياق نعود إلى صورة المرأة في الثقافة الجماهيرية، وتضخيم القيمة الجسدية الأنثوية أو النسوية في نماذج الثقافة المعاصرة، وأشكالها أو أجناسها الفنية والأدبية المتاحة..‏

*الجسد معبر الثقافة الاستهلاكية:‏

ركزت الثقافة الأميركية (والغربية عموماً) على إظهار الجسد الأنثوي في أجناسها الأدبية والإعلامية وغيرها، فابتلعت الأفلام والروايات والقصص، وأعمدة الحضارة الغربية كلها قيمة المرأة الإنسانية، واستخدمت المرأة في المناسبات التي تدر عليها أرباحاً، مثل المهرجانات والمباريات، والاحتفالات العامة، كعروض الأزياء.. لتظهر جسد المرأة كقيمة غرائزية فقط.. وإذا كانت هذه القيمة أنثوية، فهي ذكرية أيضاً، لأنها تحاكي الذكر مستخدمة النديد الجميل له، طامحة إلى تعميم الأنثوية على المجتمع.. أما الذكرية فتبقى حلماً أو قيمة ثانوية لا تظهر إلا في المباريات والرقص.. ثم تنتشر في المناطق المتخلفة، حتى بقي الرجل صورة بعيدة وخيالية غير مسيطرة.‏

وفي مغامرة فاوست رسالة موجهة إلى المجتمع الغربي أي انقلاب السحر على الساحر، ولعلها موجهة أيضاً إلى الثقافة العربية. ذلك لأن الميل إلى التقنية الأميركية ـ في الفيلم خاصة ـ قد طغى على ثقافتنا..‏

في المجتمع الاستهلاكي يأخذ السن سلطة اجتماعية ورمزاً للتعقل أو الطيش. أي من المراهقة إلى النضوج، ومع تطور الحضارة الغربية التقنية سقطت هذه السلطة ورمزها، كما سقط الفارق ما بين سن الطفولة والنضج.. لأن حرارة ودفء الأسرة يشعان طويلاً ويؤخر تحقيق الشخصية المستقلة، حتى يحل الموت أو الفراق، هجر حضن الأم وإمبراطوريته.‏

أما من الناحية الأسرية فقد اختلف الأمر: كتب تورغينيف عمله "اليتيم والأطفال" وكتب جيدوف "أيتها الأسرة أكرهك"، فأوضحا: بأن العصر هو بداية نهاية الأبوة. وإذا كان تصور بأن جيل الشباب أقل تفاعلاً مع الثقافة الجماهيرية وأخلاقها وأفكارها.. فنراها أنها ذات فعالية أكثر في مشرقنا العربي، ولعل هذه الصراعات السائدة الآن وهي غربية، روحاً وشكلاً، قد تفشت بشكل جدي وكبير في عدد من المجتمعات العربية. إما بتأثير الفكر والنزعات الغربية ـ من ليبرالية ووجودية ـ أو بتأثير الصدمات والكوارث التي مني بها مجتمعنا العربي. ومع هذا نستطيع القول أن هذه الصراعات ليست واحدة في كل البلدان العربية، لكنها موجودة، خفيفة هنا وحادة هناك.. وهذا يعني، أن الطفولة مستمرة في حضارة الغرب من المراهقة إلى النضوج والكهولة أو الشيخوخة. وقد اختلفت فكرة الشباب بين الشرق والغرب.. وقد عنت شبابية الكوادر (القيادات، الوزراء، الخبراء، الجامعيون.. الخ..) وتمثل حركة المجتمع العاملة، أي عصر الدخول إلى المجتمع /سن الثلاثين/.‏

كان القرن التاسع عشر يعني فجر الشباب السياسي، في حين كان القرن العشرون يعني فجر الثقافة الشبابية. ثم ظهر دورهما الممزوج ـ السياسي الثقافي، مختلطين، يتحدان تارة ويفترقان تارة أخرى، وعنت الرومانسية بالبعد الشبابي فاعتبرته إعلاناً عن نهاية العالم القديم الشائخ، وبداية الإنسان الجديد.. كثورة في العقل الإنساني المتطلع نحو المستقبل... وقالت: "إن الإله قد تعب"..‏

ونشاهد هذه الصراعات لدى الشباب أو الجيل الناشئ على أشكال متعددة.. نجد حالة من القلق والنزوع إلى التمتع والتسكع بشكل ينسجم مع روح الثقافة الجماهيرية. فقد تزايدت أعداد الهاربين من المدارس والأسر بشكل أصبح خطيراً.. وبهذا تبقى ثقافتهم في حدود التلقي والانفعال.‏

وفي صفوف المتعلمين نرى الهمود والميوعة تكتسح فئات الشباب وصنوفهم الاجتماعية، وهذه مسحة خطيرة أيضاً، تعبر عن اللا انتماء وعدم المسؤولية، تتفشى في صفوف الناشئة العربية... فمباريات كرة قدم أهم وأثمن بكثير من قراءة كتاب أو دخول نقاش ثقافي ومحاضرة أو أي شيء فكري وأدبي أو سياسي، لدى الناشئة العربية بمجملها، وخاصة في الدول الغنية المتحولة.‏

إذن، هذه هي روح العصر السائدة في الفترة ما بين عقدين أو ثلاثة، حتى الآن... وهي إذا كانت موزعة ما بين الثقافة الغربية والثقافة التحررية الثورية، فإنها، على أي حال، منبه للعقل العربي.. بل يجب أن تكون هذه الفترة كذلك أو لنبدأ بالانتقال من الروح إلى العقل..‏

(1) ـ Harold Resenberg, Popular culture and Kitsh criticism, dans Dissent, Winter, 1958. pp. 15 -16.‏

(2) ـ وقد تعاظمت هذه الظاهرة الإقطاعية مع نشوب الحروب العالمية في القرن الثالث عشر ولم تزل آثارها باقية في كثير من المجتمعات, وبنفس روح التسيد والعبودية.‏

(3) ـ Histoire de la literature Francaise, Paris stock 1930.‏

(4) - Mensouge Romantique et Vèritè romantique, Paris, Greset 1961.‏

(5) راجع كتابنا: علم السياسة عند ابن خلدون. ـ وكتاب: جورجي زيدان في الميزان لشوقي أبو خليل.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-20-2006, 03:30 AM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الثالث: الثقافة الأميركية: من تخريب الروح إلى العولمة




1ـ الحداثة:‏

اتخذت ظاهرة الحداثة في البدء هيئة مذهب أو تيار أدبي سياسي ثم تحول إلى مصطلح مبهم غامض، وفرض ضمن ما يفرض علينا منذ ثلاثينات القرن الماضي وفي سلسلة الغزو الأيديولوجي والفكري المتلاحق، انتحل في ظاهره التقدم وحمل في باطنه التخريب والانحطاط والانهيار. ومع أن المذهب قد تجاوزته الأفكار إلا أنه ما زال له أدعياء ينفخون في بوقه، ويسعرون أواره بين الفينة والأخرى، وخاصة عندما تبدو على الأمة مظاهر الضعف والهوان أو تخاذل أبنائها فيما أن الآخرين يملكون العير والنفير..‏

لفظ الحداثة هو من المفاهيم الوضعية التي لا تكاد تجد اتفاقاً حول معنى محدد يكشف عن مضمونه دون التباس.‏

وقد اختير تسمية حداثة ترجمة للمصطلح الغربي Modernism وتعامل الكتاب العرب مع هذه التسمية على أنها مقولة مضافة إلى قديم سبقه، لذا فإن بُعد الزمن داخل في المفهوم، أي أن كل حديث سوف يغدو قديماً، وكل قديم كان حديثاً بالقياس إلى ما كان قبله. إذن فإدخال المصطلح على ما سيأتي من الزمن ليحل محل السابق ويبليه كما أبلى غيره، هو اختيار غير صحيح وغير دقيق.. وعلى هذا الأساس فإنه لمن التناقض الواضح وغير المنطقي أن تلصق بهذه التسمية دعوى الاستمرار، والآن وبعد أن سقطت الحداثة في ديارها راح أصحابها يعلنون زمن موتها وانهيارها وأطلقوا تسمية أخرى سموها "ما بعد الحداثة".. ولم يبق مفهومها لديهم على حاله بل تغير عندهم لكنه لم يتغير عند دعاتها من أصحاب الدعوات السابقة..‏

*والسؤال الذي ترافق وهذه الظاهرة ولم يزل يطرح حتى الآن هو: وهل هي تجرد أم أنها تمرد؟.. وهل هي صالحة لكل زمان ومكان، وماذا تبقى منه في ديار منشئيها وماذا تُبقي لنا من تراث أمتنا ودثارها لو اعتنقنا هذه الظاهرة الملغومة.. وهل نحن بحاجة إلى هذه الحداثة التي فرضت علينا فرضاً بل قسراً، وتنادي بالحرية!... وهل أورقت هناك حتى تثمر هنا؟.. وكيف يجمع الإنسان بين الحداثة واحترام التراث القومي تحت شعار الخروج من أسر التاريخ كما يزعم دعاة هذه الظاهرة ليوقعونا في أسر تاريخ مغاير، وهل يرتاح ضمير هؤلاء إذا ما رهنت الأمة نفسها للآخرين وتاريخهم أو زمانهم... خاصة وأن العالم الغربي قد تجاوز المصطلح والظاهرة وألقاها في مزبلة التاريخ فهل نقوم نحن بفرضها على شعوبنا التي يراها الأميركيون بأنها مزبلة؟‏

وأما الحداثة عند دعاتها فهي: "اتجاه أو نزعة تنتهي إلى قطيعة شاملة مع التراث، تنطوي على تسفيه مكنوزاته من ناحية، وتخوين الماضي بما يحمل، مما يستدعي قطع الصلة مع هذا التراث وبالتالي قطع صلات الأمة بماضيها لتبدأ من حيث يرسم لها الحداثويون السبيل بعد سلبها كل مقومات هويتها، فتصبح طيعة للتلون بما يشكله الآخرون.‏

*من المقدس إلى الدنس:‏

إذن تعني الحداثة فيما تعنيه من مفاهيم أنها: قطيعة "معرفية" مع الماضي بما يولد إطاراً غير نمطي في التصور القيمي للحياة والقاسم المشترك ههنا هو القطيعة، حسب رؤية كثير من منظري الغرب فيرى أوين أنها: "الفصل المتعاظم بين عالم الطبيعة الذي تديره قوانين يكتشفها ويستخدمها الفكر العقلاني، وبين عالم الذات الذي يختفي فيه كل مبدأ متعال لتعريف الخير"(1).‏

فيما يرى ماكس فيبر أن "الحداثة هي فصم الائتلاف والوحدة بين السماء والأرض مما يخلي العالم من وهمه ويلغي سحره" وكلاهما مشتق من معنى العلمانية، ويرى بودلير أنها: "حضور الأبدي في اللحظة العابرة وما هو مؤقت"، أما شوبنهاور فيرى أنها تعني: "الأنانية والتخلي عن الطابع الاجتماعي، لا لتخلق نظاماً جديداً مستحيلاً، بل طلباً للإخلاد إلى الحياة والرغبة، إذ يجب تدمير الأنا ووهم الوعي، كما ينبغي الاحتراس من وهم النظام الاجتماعي الذي يحمي الشهوات الأنانية فقط"(2).‏

ومن هذه الآراء المتباينة نستشف نوعاً من القطيعة المستمرة مع الماضي ومع التاريخ، والتمرد على القيم والأخلاق والأعراف اجتماعية كانت أم نظماً وضعية، والتركيز على الشهوات، وعلى معالم الفطرة البشرية، والسعي في مادية بحتة لا يحدها حد، بل الإيغال في الغريزية بديلاً عن النشاط المعرفي بصورة إطلاقية.‏

أما محاولة البعض من دعاة هذه الظاهرة في الساحة العربية أن يلبسوها ثوب التحديث والتقدمية، إنما هو لون من البدع والتضليل؛ ذلك لأن هناك فرقاً كبيراً بين الحداثة التي تعني القطع مع الماضي ونسف التراث والتاريخ والقيم وطعن المقدس، وبين التحديث الذي يعني مواكبة تطور العصر والأخذ بتقنياته العلمية والمعرفية.‏

وإنه ليعني من جهة أخرى تمييع الأبعاد الثابتة في الزمان والمكان وعدم الاعتراف بكل ما هو تاريخي ومقدس... وهذا يتم ضمن حركة عشوائية للبشر ليست خطوة إلى أمام وليست عودة إلى الخلف، بل تغييب البوصلة التي تحدد الذات القومية (والعروبية) والهوية وتدمير الإنسان العربي.. أما بالنسبة للفكر الغربي في نظرته للزمن وارتباطه بالتقدم فتجدر الإشارة هنا إلى أنه أوقع نفسه في تناقضات أوقعتهم في مأزق تاريخي وسياسي كبير! (ما لبث أن وقع فيه أتباع الحداثة في بلادنا). وقد أصر هؤلاء على أن التقدم هو حتمي ويقتضي السير في خط مستقيم، لأن الحداثة لديهم مرتبطة بمفهوم "التمرد الدائم" والبحث في أسرار الكون، والتمرد قائم في أغلب المراحل التاريخية التي يظهر فيها جديد، بحيث يكون التمرد دوماً على ما سبق... الخ. وهذا كلام غامض بل مبهم، والحداثة ليست كذلك، فالبحث في أسرار الكون ليست سمة من يعمل على نسف الزمن ببعديه: القبلي والبعدي والتوقف عند الحاضر واللحظة منه فقط أو الغريزي تحديداً، لأن سمتها الأساسية انفلات الغرائز وفي الأدب والفن أيضاً إذ أصبح هناك ما يعرف بالأدب الغرائزي والأدب المكشوف وهو من نتاج فكرة التمرد هذه.‏

ولعل رهطاً قديماً كبيراً من مفكري الغرب وجدوا أن مفهوم التقدم والتأخر لا يعني عصوراً بعينها قديمة ومتوسطة وحديثة، كما رأى توينبي، إذ إن الغرب في العصور القديمة لم يكن لـه حضور معرفي أو تقني أو فلسفي يضاهي حضارة العرب، غير أثينا وهي ليست نتاجاً محبباً لدى حداثويى الخمسينات وما بعدها وقد أهانوها مراراً. ذلك لأن الحداثة الغربية لدى دعاتها تعني القطيعة مع الماضي القديم ثم الوسطي، عبر التمرد على الكنيسة في الغرب كرد فعل على سلوك الكنيسة [علماً بأن الكنيسة الغربية كانت أحد أبرز المساهمين في ميلاد الحداثة وتطورها، إلى جانب الثورة الصناعية التي كان لها أثرها في تطوير أشكال التمرد وتجذير القطيعة على المستوى النظري وفي الممارسة].‏

وبذا فالحداثة عندهم تعني عصر التنوير، وهذا ما يراه بعض حداثويي العرب من مثل محمد عابد الجابري: إذ أعلن بعظمة لسانه أنه لا يرى من تراث الأمة ما يقبس منه سوى عصر النهضة أو التنوير العربي، سواء من أعضاء العربية الفتاة أم جماعة شعار العدالة الأخوة المساواة...‏

وهناك من دعاة الحداثة في الغرب إياه ممن كان يرى الحداثة على أنها ثورة على الأفكار والماضي والكنيسة فقد تحول لاحقاً ليراها بأنها ثورة على تلك الأفكار التي تولدت في عصر التنوير ذاتها، أي ثورة على الثورة، دون أن يعني ذلك العودة إلى الماضي أو إلى الكنيسة ـ بحسب لوكاش حيث رأى أن الحداثة هي تعبير عن عمى المثقف البرجوازي في مواجهة القوى التاريخية الحقيقية المضادة التي تعمل باتجاه المجتمع إلى الاشتراكية ـ وكان هذا الكلام قبل أن يعدل آراءه ـ في عمله "نظرية الرواية 1916(3).‏

وتبلورت الحداثة في الأدب والفن أكثر مما في السياسة والفكر، وقال أشياعها بأن الفن الحداثي يعكس الوعي الحديث بموقف حديث لا سابقة له في شكله أو لغته. وإن العمل الفني الإبداعي يقدم نفسه كتعبير حتمي تاريخي عن الاضطراب في مجتمع الرأسمالية المتأخرة.‏

ولعل القول بأن الحداثة هي مجرد اتجاه فكري فقط، هو تبسيط شديد للأمور، إذ إنها برأينا تيار يملك رؤيته السياسية الموجهة للحياة وتحمل كل ما يخولها دخول هذه المعركة بأسلحة هائلة، وهذا ما أكدته أحلام مفكري الغرب ودعاته على ساحتنا العربية، وما تشهده الأمم والدول من تطورات وأحداث مريرة تمتد ما بين هيروشيما والقدس إلى بغداد من أربعينات القرن الماضي إلى القرن الواحد والعشرين الذي افتتحته الحداثوية الأميريكية بذبح عشرات آلاف الأفغان والعراقيين والفلسطينيين والبوسنيين والصرب ومن اليهم والحبل على الجرار، لماذا؟ هذا ما سوف نجيب عليه فيما بعد..‏

*والخلط بين ظاهرة الحداثة هذه وبين التحديث إنما هو مقصود، فالتحديث يتم في المجتمع الحديث وفي المجتمع المتخلف على حد سواء، وبذلك يكون الحديث ههنا مغايراً للحداثة تماماً كما أن التحديث ليس مجرد نقل التقنيات الحديثة وإبداعات العلم.‏

*تدعي الحداثة نسبية الحقيقة، وإسقاط المطلق وزعمت بأنه لا يوجد شيء حقيقي، وإذا سقط المطلق (سواء كان الزمان هنا أم الله) فإن كل شيء نسبي لديهم وهذا أمر سياسي مؤدلج ومردود… لأن والحالة هذه، كل الساقطين والسفلة والمنبوذين والعاهرات واللوطيين لهم نفس حقوق الأسوياء خارج الإطار الأخلاقي أو الديني والعادات والموروث.. ولهذا نجد لجاناً وجمعيات شهيرة وممولين تنادي بحقوق هؤلاء الشواذ عبر مختلف وسائط التعبير والاتصال.‏

ولهذا تبنت الحداثة فكرة أخرى أسمتها "النسبية المطلقة" ـ بعد أن كانت أعلنت الثورة على المطلق، وهذا يعني نسبية الحقائق، وتكون النسبية هي المطلق، إلا أن النسبية هنا قد سقطت إذ أصبحت مطلقاً! علماً بأنهم أعداء النسبية الألداء في كل مواقفهم من التاريخ والتراث والكون.‏

وإذا كانت النسبية مطلقة لديهم فما هي مواقفهم حيال ما يجري من قتل وتدمير واحتلالات في هذا الكون وعبر ثنائية القياس حيال أهم القضايا المصيرية والحقوق التاريخية للشعوب وخاصة الفقيرة منها، ومن اضطهاد العرب وفرض الوصاية والهيمنة العسكرية والثقافية، بمقاييس تبتعد تماماً عن كل منطق نسبي أو مطلق.‏

*الحداثة والعلمانية: تعتبر العلمانية الأساس الأيديولوجي للحداثة فهي تتفق معها في التمرد على المسيحية وعملت على انزياحها حتى أفقدتها قوتها بعد انتصار روما على بيزنطة وبذا انحسرت الكنيسة في رقعة صغيرة من روما هي الفاتيكان.. وتتالى التقهقر بعد الثورة الصناعية وظهور الرأسمالية بشكل لا مرد له.. في هذه الفترة ظهرت بذور العلمانية في مسار الحداثة الغربية ـ بظهور مبدأ هوبس وأمثاله ـ (دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله)، وغيره من الأفكار التلفيقية والتوفيقية، بالتساوق مع التطور العلمي والتقني والثقافي في آن معاً. فجمعت بين متناقضين: الدين كعقيدة روحية، والمسلك المادي ـ الوجودي أو الغريزي. وبهذا هيمنت الحداثة على الدين وحصرته في زاوية الحياة المادية. وقد تراوحت العلاقة بين الحداثة والمسيحية بين التوافق والتناقض، التوافق عبر المصالح المشتركة والتنافس أو الخصومة التي كانت محصورة بين الكنيسة والدولة في البدء، ثم تعدتها إلى الجماهير التي حركتها الأفكار ثم المصالح (الدول) وبالتالي الشهوات. وبإلقاء نظرة سريعة على الفكر العلماني وموقفه من المسيحية نجد أنه قام بتشويه هذه العقيدة بدءاً من أساسها أي من السيد المسيح، الذي شكك الغربيون بصورته وبوجوده، وبصحة الأناجيل وتواريخها وبصحة إسنادها.. وقد كتب دعاة الحداثة والعلمانية في الغرب وأتباع الحركات الخفية التي تقف وراء هذه الظواهر جميعاً، مؤلفات عديدة تنفي وجود المسيح وتعتبره خرافة وخاصة قصة تجسده.. أو لنقل أنهم حولوها من ديانة تديرها الكنيسة إلى العلمانية التي تديرها الدولة وقوانينها المرتبطة بحركة المال والبضاعة والسوق، أو الربح بشتى الطرق وخاصة غير الشرعية، والمقوننة بحسب سوق العرض والطلب وليس بحسب منطوق السيد المسيح أو المسيحية التي أصبحت تابعة لروما (فترومت) ولم تتنصّر روما التي نقلتها من الرحمانية والتمسك بأهداب العقل والروح وصيانة البدن، إلى عقيدة الجهاز الهضمي والتناسلي ـ أو الغريزي فصار السحاق واللواط جزءاً لا يتجزأ من التجريب الحداثي (كنتاج للثقافة السوداء). وهذا ما جر على المسيحية بعض التراجعات، خاصة وأنها عقيدة مرتبطة بالروح وهي ديانة غيبيات وتسامح قامت لتهذيب الجانب المادي والغريزي عند اليهود، لا ديانة واقع ومعاملات ولا القتل والتدمير وشن الحروب.. وكان من الطبيعي أن تحمل، هذه الظواهر والأفكار المتمردة، المسيح سيفاً بعد أن كان يحمل المحبة والتسامح للبشر جميعاً.. وبذا ابتعدت المسيحية الغربية عن المسيح بقدر ما ابتعدت عن منطق الحق والخير والحكمة.. والمسيحية الغربية الراهنة لا تمت إلى الأناجيل بصلة كبيرة ـ حتى المحرفة منها ـ إذ ليس في هذه الأناجيل كنيسة ولا رهبانية ولا قواعد صلاة ورحمانية أو أخلاقية النواميس التي انبعثت منها المسيحية الأولى.‏

وحين انطلق الفكر الغربي الحداثي من إسار الكنيسة وصل مؤخراً إلى حالة من العجز أدى إلى البحث عن حل هنا أو هناك؛ ووصل إلى مرحلة من الإفلاس نقرأ بعض معالمه اليوم.‏

وإنه لمن الطبيعي أن يحدث كل هذا داخل الحضارة الغربية بدءاً بالتمرد على الكنيسة وانتهاء بالعجز. بفعل التطورات الداخلية والخارجية، إلى أن أسقطتها وطردتها من ساحة الفعل والتفكير.‏

واليوم يعود الدين من جديد وبقوة في الواقع الغربي كأحد أشكال الهوية بصورة شاملة (وخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية التي عالجت هي الأخرى المسألة الروحية معالجة خاطئة، استعدت عليها الشعوب ذات الحضارات الراسخة والعقائد التاريخية، ذلك لأنه من الخطأ الجسيم أن تحارب الأفكار المنتصرة وهي مدججة بأعتى أنواع الأسلحة الفتاكة، الأفكار المغايرة لعقيدتها ونظامها دون أن تكون مسلحة بفكر يحتوي أفكار الآخرين (من غير الرأسماليين) دون معاداتهم، من ناحية ولأن الماركسية لم تتمكن من أن تكون الفكر البديل لكل أفكار ونظريات الكون ولا صالحة لحيوات البشر على مدار الزمن حتى آخر التكوين لأنه لم يكن في التاريخ أي نجاح للفكر السرمدي الأحادي، وهذا ما كان يعتقده الكثير من الأورثوذوكسيين الشيوعيين والجدانوفيين تحديداً.‏

ولهذا يعاني الغرب الراهن حالة من حالات المواجهة بين العلمانية التي كانت طوق النجاة بالأمس وبين المسيحية وغيره من الأديان التي أخذت تنتشر جراء ما أنتجته هذه العلمانية والثقافة السوداء في المجتمعات الأوربية، بدءاً من الصناعة ووسائل الاتصال، وانتهاء بالإيدز وما إلى ذلك..‏

ومع سقوط الحداثة في الغرب وجد شيء من الحنين الجارف للعودة إلى الدين في الغرب؛ لكنها عودة بشكل من أشكال الهوية وليس من أشكال الإيمان، والاقتناع بالدين.‏

لقد تشكلت الحداثة في ظل المجتمع الرأسمالي ـ بعد تمرده على الكنيسة ـ وتجذر الاغتراب في المجتمع البرجوازي الغربي ـ بعد تحوله إلى قطيعة ـ أي تحولت الحداثة إلى مشروع تمرد على المجتمع الرأسمالي البرجوازي في البداية كمحاولة للبحث عن حلٍّ ما للإنسان، ثم تحول إلى تلك الصورة الشاذة في الفن، والأدب (فوكنر، بيكاسو، ستراينسكي وبوريس في الفن)، و(باوند، لورنس، جويس، ييتس وأليوت في الأدب) بعد أن أسقطت تلك القطيعة كل الرؤى المعرفية (والدينية ـ التأملية العقلية)، وتفجرت النزعات الإنسانية المتمردة في كل الاتجاهات، فقد رسخ نيتشة مثلاً نمط القطيعة في عالم الأفكار والقيم بدءاً من الشعور إلى الفكر والفلسفة منذ أن نفى البرجوازية والكهنوتية وقال بأنه لا يوجد موضوعية في العالم..! ومن ثم أسقط كل المفاهيم والقواعد القيمية الفلسفية والمجتمعية الغربية والكونية، وكان المقابل قيماً جديدة تأتي من خلال التجريب في اتجاهات شديدة العدمية والعبثية وشديدة الغموض، يطرحها الفنان وهو يجرب…‏

وهنا نفرق بالطبع بين القطيعة المعرفية والانقطاع التاريخي؛ فالحداثة تمثل قطيعة معرفية مع الماضي دون أن يعني ذلك انقطاعاً في المسار التاريخي، بمعنى أنه "لا يمكننا التوصل إلى لحظة تاريخية نعتبرها كحد السكين نهبط بها لنفرق تاريخياً بين الحداثة وما قبلها، وما بعدها"… فالحداثة جاءت إفرازاً لتفاعل مجموعة عوامل متداخلة، آخذة في التطور في ظروف اجتماعية تتعلق بالغرب(4).‏

كل هذه التراكمات أدت إلى تحطيم التصورات الكلية التي تشكل رؤية الغرب للكون، والتي كانت تحمل في طياتها كثيراً من الخرافات، وحين اكتشف العقل الغربي حجم الأخطاء في تصوراته الكلية حدثت صدمة ضخمة عصفت بما يحمله هذا الفكر من الحقائق.‏

إذن فالحداثة لم تأت من فراغ، بل جاءت وفق سياق تاريخي متتابع وخاص بالتطور التلقائي الذي مر به التاريخ الغربي، عبر الاكتشافات والآراء النظرية الفكرية والفلسفية والعلمية مرتبطة بفلسفة التنوير، وهي ليست لحظة انقلاب من حال إلى حال، ولكنها تراكمات.‏

ولم تكن هناك نقطة تاريخية بذاتها مثلت لحظة انقلاب كلي.. فثورة الفكر الغربي على الكنيسة تمخضت عن مدرستين هما: "المدرسة المثالية العقلية" (هوبز وبلوك وهيوم)، و"المدرسة المادية التجريبية" (بريكلي وكانط وهيجل).. وكان بين المدرستين صراعات ومساجلات طويلة تأرجح الفكر الغربي بين وجهتيها، وكلا المدرستين نتاج لاستبداد العقل الغربي وانفصامه عن الكنيسة في رسم المنهج البشري، وبناء تصور للوجود، وابتداع القوانين التي تدير شؤون الحياة.‏

*المدرسة المثالية العقلية ـ وموت الإله:‏

وهذه الهرطقة ليست مستمدة من نيتشه وحده، والتي قالت بموت الإله ـ وتعد من أخطر الأفكار التي طرحت في سياق التطور الحداثي بل من (وليام جيمس) الذي أتت أفكاره على ما تبقى من قيم، فانحدر بالفكر الغربي نحو مهاوٍ سحيقة أبعد من مجرد الكفر بوجود إله، فـ (نيتشة) لم يكتف بإعلان فكرة موت الإله، وإنما عمل على محو ظلال الإله؛ وهي القيم التي كان يحافظ عليها منكرو وجود إله. حتى هؤلاء راعوا قدراً من القيم التي كانت متعلقة بوجود الإله والتي تمثل إطاراً أخلاقياً عاماً للمجتمع، وهذا لم يكن متسقاً مع إنكارهم للإله بل بدأت مرحلة من القضاء على كل القيم، فذهب نيتشة إلى القول أكثر: "إذا كان الله غير موجود فلا قيم ينبغي أن تعلق مطلقاً في الهواء".‏

وهنا اللحظة الفارقة التي جعل فيها الفكر الغربي الإنسان هو الذي يدير الكون بدلاً من الإله، وهذا لا يعني القضاء على الأديان فحسب؛ بل وعلى المذاهب الفكرية التأملية التي تصنع مشروعاً بديلاً من خلال العقل الإنساني، وبالتالي القضاء على المشروع التنويري الذي نتج عن قمة عصر النهضة، وبذلك لم يعد هناك مثاليون، أو ماديون بل تصورات للحياة من خلال منظومة عقلية أو مادية.‏

وكما استهلك الغرب النصرانية في عصر الإقطاع، ثم أقصاها، استهلك الدين المدني مع (روسو) والدين الوضعي مع (أوغست كونت)، وها هو اليوم يعيش نفس أزمة الضياع السالفة بعد أن دمرت الحداثة بنياته الفكرية والثقافية، وأفسدت الإنسان وسُحقت مفاهيم الحرية الحقيقية بحرية فوضوية أو عدمية كانت بشرت بها الحداثة، وخربت المجتمع. وهي الآن تعيش مرحلة السقوط وهذا ما نجده أكثر وأكثر في مبدأ البرغماتية الشهواني الذي أرساه (وليام جيمس). وهو أشد رموز الحداثة خطراً، وكان معاصراً لـ (نيتشة)، طرح فلسفة لا يعتد بها وليس لها أي احترام على المستوى الأكاديمي، لكنها من حيث التطبيق العملي هي أخطر ما نتج عن الفكر الإنساني من حيث الانتشار والذيوع فقد كانت أفكار (نيتشة) قائمة على بعدين أساسيين متجذرين في الحضارة الغربية هما: أبيقور و(السوفسطائيون: أي "العبث، والنسبية إذ ليس في الدنيا حقيقة مطلقة" فانطلق نيتشه هذا من نقطة عبث، وقال: "ما دمتم تقولون إن المذهبين الأساسيين المادي والعقلاني لم يوصلاكم إلى حقيقة مؤكدة.. فتحملوا الأفكار التي سأقولها لكم؛ ليس من باب اليقين، ولكن على الأقل من باب الظن مبدئياً، ولا أريد منكم تصديقها، ولكن ما دمتم غير متيقنين من أي شيء.. فخذوا ما أقوله؛ فربما يكون مظنوناً". ومن هذه الهرطقات إياها انطلق وليام جيمس، فلم يدّع مبدأ وكأنه يتفق مع (نيتشة) في هذه النقطة. ولكنه يتعارض معه في التعامل مع العالم بشيء خطير جداً يحمل الكثير من التلاعب، إذ ما دام أنه ليست هناك حقيقة، فقد حمّل (أبيقور) هذه العدمية وإن الحياة عبث في عبث، وقال "لا تقل هذا خطأ أو صواب، ولكن جرب أي فكرة في الحياة وانظر فيها؛ فإذا كانت تأتيك بمنفعة عملية ـ المنفعة العملية في التطبيق العملي الأمريكي ستتحول إلى لذة ـ فهي حقيقة، وإذا لم تأتك بمنفعة عملية فلا تقل إنها باطل ولا حقيقة؛ لأنها لا تهم، وطبق هذا ضمن ما طبق على العقيدة في الله تعالى؛ فلا يقول: الله موجود أو غير موجود؛ فهذه القضية لا يشغلون بالهم بها؛ دعنا نتمتع بإلهنا لو كان لدينا إله. ولو أن الإنسان وقف أمام الأفكار المصيرية في الحياة فسيتحول إلى القلق والسأم والجنون". لأن افتقاد وجود الإله ليس فقط يسقط القيم كما يعتقد نيتشة، ولكنه يسقط القواعد القيومية المنطقية التي تنظم العالم في نظام ما؛ لأن من يعيش في هذه اللحظة بحقيقة كاملة يتآكل ويموت في العبث، وقد يجن الإنسان بالفعل.‏

هذا الكلام هو ما وعاه (هدجر).. فكان البديل هو فكرة إلهاء الإنسان عن هذه المواجهة العاجزة أمام الأفكار المصيرية للحياة. وسياسة الإلهاء هذه تبنتها مؤسسات للتوجيه العالمي، وهي جزء لا يتجزأ من الحداثة التي رسخها نيتشة وطورها وليم جيمس.‏

إذن ليس لديهم دين حقيقي ودين غير حقيقي؛ فإذا تعامل المرء منهم مع الدين بطريقة عملية؛ فمثل له لوناً من الاسترخاء والتخدير ضمن حالة الإلهاء المادي التي يعيشون فيها فهو في نظر هؤلاء دين نافع.. وإذا عجز عن أداء هذا الدور طلقه وكفر به؛ ومن هنا انتشر الإلحاد في المجتمعات الغربية، وقد فلسفها وليام جيمس بقوله: هذه طرائق جديدة لأفكار قديمة.‏

لقد انتشرت ثقافة اللذة وسلوكها في سائر المجتمعات من خلال أبواق الإعلام والثقافة، وأمست بضاعة يروج لها أبرز رموز الحداثة في عالمنا العربي عبر منتدياتهم ودورياتهم ووسائل اتصالهم المقروءة والمسموعة والمرئية؛ بعد أن أصبحت الثقافة منتجاً أو سلعة، وصارت تتمحور في مفهومها حول اللذة والمتعة وحول ما يشاهده الإنسان دون ما يغيب عنه، ويلجأ كثير من الحداثيين إلى الفكر العرفاني (الغنوصي) لهدم كثير من الثوابت التراثية ومن بينها عقيدة الربوبية وصولاً إلى ما راج في الغرب من أفكار شاذة، وقد رأينا نماذج هذا الطرح في نماذج كثيرة منها آيات سلمان رشدي التي هي نسخة مطورة لرواية فولتير "محمد" هذه هي بعض أفكار الحداثة التي انهارت وقد انتشرت في أقطارنا العربية تحت اسم الحداثة والتنوير ولتحول ومواكبة العصر.. الخ!.‏

ويقدم الفكر الحداثي طبقاً لجيمس تسويغاً لما هو موجود بالفعل في الحياة الأمريكية (الرأسمالية) التي تحول كل الأشياء إلى ماديات وإلى منفعة، ويقنن البحث عن تجدد المتعة إلى أقصى درجة وجعلها رغبات مستمرة، بحيث يصاب الإنسان باللهاث وراء تلك الرغبات دون أن يتمكن من تلبيتها، فيتحول الإنسان في هذه الآلية المتسارعة إلى درجة من الإلهاء الحسي التام بعيداً عن التوقف أمام الأفكار المصيرية التي تحطمه؛ لأن (وليام جيمس) متيقن أنه لو توقف أمام هذه الأفكار المصيرية فسيصل إلى مرحلة الجنون.‏

هذه الأفكار اعترف (جيمس) نفسه بافتقادها للمنطق؛ ولذلك رفضها الأكاديميون، لكن الفكرة لشهوانيتها وضعف الإدراك أو لنقل الإيمان أمامها غزت العالم بالفعل كما توقع صاحبها حيث النقد الرديء يطرد النقد الجيد.‏

لقد سحقت الحداثة الإنسان حين حولته إلى آلة حيناً؛ وإلى حيوان بهيمي حيناً آخر؛ لكنها ما زالت تخاتل من خلال أدوات جبارة وأفكار براقة، وقد رأينا صوراً من البرجماتية التي تحمل على ظهرها روحاً صليبية تسحق بها الشعوب ليس بالآلة الإعلامية الجهنمية وحدها، بل وبالعتاد الحربي الثقيل؛ ومن ثم فمن المتوقع أن يصبح الشعار في الأيام المقبلة: لا صوت يعلو فوق صوت الحداثة؟‏

جعلت ظاهرة التشيُّؤ التي سيطرت على العقل الغربي في نظرته للإنسان من الإنسان مجرد آلة يتم الانتفاع بها انتفاعاً مادياً ثم يرمى تماماً كما يحدث للآلة بعد أن تستهلك، هذا التفكير سحق الإنسان بالفعل حين حرمه مرة من إشباع حاجاته الروحية، وجعله مجرد سلعة تباع وتشترى، وأرهقه أخرى حين رده إلى بهيمية غرائزية أسقطت تعاليم الدين كما أسقطت تقاليد المجتمع، بل أسقطت مفهوم المجتمع ذاته ليتحول الغرب إلى نزعة فردية قاتلة ذات طابع عشوائي إغوائي تبرز فيها وسائل إعلام جبارة تصنع لهؤلاء الأفراد رغباتهم وأفكارهم، وتغيرها متى شاءت دون أن يملك الفرد حق الاعتراض، حتى وإن استخدمه فإن صوته يذهب هباء وسط هذا الصخب الهائل، وكما يحدث في عالم الموضة تتم السيطرة على ساحة الفكر باستمرار من خلال إصدارات متتالية يغرق العقل الغربي في تهويماتها وتفصيلاتها، مستفيدة في ذلك من تطبيقات علم النفس الاجتماعي في توجيه تلك الشعوب، ومن ثم فإن ما يعبر عنه بالحرية الفردية ما هي إلا أكذوبة لا تقل فحشاً عن الأكاذيب التي يمتلئ بها عالم الحداثة وما بعدها اليوم، وكما تم سحق الفرد يتم سحق الشعوب المستضعفة، والعجيب أن تصادر حريتها باسم الحرية، وتسلب مدخراتها باسم العدالة ويُضيّع مستقبلها باسم حماية المستقبل.‏

هناك حالة من حالات الخداع التي اكتشفت أنه كلما ازدادت المعرفة ازداد سلوك الإنسان انضباطاً ورُقياً واقتراباً من المثل العليا، لكن فجأة وفي وسط هذا التطور الفلسفي والفكري المجرد تتفجر أحداث حربين يطلق عليهما اسم عالميتين، لنكتشف الوجه القبيح لهذه الحضارة: الإبادة بالجملة. كانت الحرب قائمة فيما مضى على طرفين لا ينسحب طرف إلاَّ بعد هزيمته، وعندما أصبحت الحرب حرب إبادة مدنيين نساءً وأطفالاً ورجالاً لا يهم فالمهم المكسب.. الوجه القبيح للحداثة ماثل في إلقاء القنبلة الذرية على اليابان وليس ألمانيا؛ لأن ألمانيا هي جنس أوروبي لكن اليابانيين جنس أصفر لا تهم إبادتهم، ومع أن واقع التاريخ يؤكد أن اليابان كانت ستستسلم، وأرسلت ما يفيد ذلك ولكن سطوة الرجل الأبيض المرتبطة بالعنصرية الشديدة طغت على مسالك التفكير.‏

هم أرادوا أن يكسروا اليابانيين لصالحهم قبل أن ينكسروا للروس من أجل تحقيق مكاسب لهم قبل الروس، ومن هنا فنحن نموذج برجماتي بحت. وهذا "طرح" نموذجي لثنائية "الأنا والآخر" على حقيقتها في الملة الحداثية، ومثال "صارخ" للتسامح الحداثي المزعوم مع الآخر!!‏

الوجه الأخلاقي للحداثة تبدى جليّاً في معاملة الغرب العنصرية للمجتمعات الأخرى. الحداثة ليست سوى عنصرية واستعمار وتسلط وعنف، وهي الآن تتبدى في ممارساتها حتى داخل المجتمعات الغربية نفسها في ممارسة كل هذه الأخلاق أو تجديدها، المجتمعات التي تفيض عنفاً وشذوذاً، والتاريخ المليء بأبشع صور الاستعمار وذبح الشعوب، وسرقة ثرواتها، سواء في عالمنا الإسلامي أو في أمريكا الجنوبية أو حتى في الولايات المتحدة ذاتها، الحداثة التي تستبطن مبدأ داروين (البقاء للأقوى) هي التي تبعث بجيوشها لتهلك الأخضر واليابس وتوزّع على الشعوب نصيبها من اليورانيوم المنضب الأمريكي!! وتحول بقية العالم إلى مصدر للمواد الخام والعمالة الرخيصة، وسوق مفتوحة بشكل دائم للسلع الغربية. وعصر الحداثة وما بعدها هو الذي شهد إبادة الملايين، وكما يقول بعض الباحثين: إن هذا الإله الصناعي الحديث [الحداثة] أباد عرقاً بأكمله (العرق الأحمر)، أي سكان الأمريكتين الأصليين، وأكل زبدة عرق آخر (العرق الأسود) عن طريق النخاسة واستعباد ملايين (مما يضع عدد ضحايا هذه العملية نحو مائة مليون إنسان) باعتبار أن عبداً واحداً يحتفظ به النخاسون الغربيون كان يقتل مقابله تسعة عبيد. هذا بخلاف الشعوب التي تمت إبادة الملايين منها في دورة الاستعمار الماضي، والتي تتكرر مشاهدها اليوم في العراق وفلسطين وأفغانستان والبوسنة، وأمبون وتيمور وكشمير، والشيشان ومورو...، فلماذا يريد الغرب منا أن ندين بالحداثة؟ وإذا كان الغرب يبشر بالحداثة تحقيقاً لصالح شعوبنا فلماذا يدفع إلينا بجيوشه وعتاده، ويحرّم علينا أسرار التقنية والتقدم التي يسهم في جزء منها مسلمون وعرب.‏

تبين الإحصائيات أن ما ينفق اليوم على السلاح يفوق بأضعاف مضاعفة ما ينفق على الطعام والدواء، كما تشير إحدى الدراسات إلى أن إجمالي ما استهلكته الولايات المتحدة (كبير كهَنَة الحداثة) يفوق مجموع ما استهلكه الجنس البشري منذ آدم عليه السلام وحتى اليوم.‏

يدعي منظرو الغرب مركزية حضارتهم والحداثة شأنها شأن أي نتاج عن هذه الحضارة، هي التي تجعل ثلاثة أرباع المعمورة فائضاً بشرياً يجب التخلص منه. والحداثة كما تقوم على سحق الشعوب، تقوم على سحق الفرد من خلال قيم فردية، يلهث فيها الإنسان وراء ما يقرر لـه أن يلهث وراءه، والحريات الفردية أكذوبة كبرى، وإنما هي حريات فرويدية إن صح التعبير.. لم تشقَ البشرية في تاريخها كما شقيت اليوم وهي كلها لم تعد بمأمن من ضربها بأسلحة فتاكة.. وحروب لا تدري لِمَ أقيمت ولا متى تنتهي، ومن أمراض نفسية وبدنية، وسقوط اجتماعي، وضحالة فكرية، وافتقاد الحداثة للمرجعية النصية يعلن عن إفلاس في القيم وفي الأخلاق ومن ثم إفلاس في الحضارة.‏

وهل عُهدَ في الفكر الإنساني وفي تاريخ الثقافات أن تقوم مذاهب على هذا المستوى المدعي من الشمول...! تقوم وتطور وتموت في عقود ثلاثة كما في البنيوية وعقدين كما في التفكيكية ثم تنتهي؟‏

2 ـ الحداثوية العربية:‏

منذ عقود خلت احتدمت المعركة بين "الحداثيين" و"المحافظين" وكانت ـ بالفعل ـ معركة حامية الوطيس بين دعاة الخروج على النص الحضاري (لغة وتراثاً وشعراً)، وبين دعاة هذا النص الذين رأوا فيه هويتهم فتمسكوا به، ووجودهم فدافعوا عنه في شجاعة وقوة.‏

واكتسب "الحداثيون" من خلال الزخم الإعلامي الوافد، والواقع العربي المعقد، اكتسبوا بريقاً في عصر "صناعة النجوم"، لكنهم لم يكسبوا شرعية رغم كتائبهم المدججة بالمال والسلاح، فلم تتبلور لهم ملامح، ولم تتحدد لهم قسمات، بل هي نسخ مكرورة تزداد مع الزمن انغلاقاً رغم ادعاء التفتح، وغموضاً رغم كثرة ما شرحوا متونهم وفسروا رؤاهم في قصائد الشروح والحواشي، والتربيع والتدوير... لقد ظلوا رغم ما يملكون من قوى مادية يحسون بغربة في المسافة، وضيق في المكان، فصبوا غضبهم على التراث، وعلى قدراته في طبيعة الأرض التي ازدهر عليها، بالرغم من أنهم جميعاً ـ بالرغبة أو بالإكراه ـ أبناء هذا التراث، إن لم يصبهم من خيره وابل فطل، لقد كانت لهم غاية لا صلة لها بجوهر الشعر ولا بالوعي النقدي التابع له؛ إنها دعوة إلى مقاطعة التراث، وقطع اللسان العربي، وإعلان الحرب على الخليل في عروض لم ينشئها هو، بل كان كاشفاً عنها بأذن موسيقية بلغت شأواً دونها معامل الصوتيات المعاصرة بآلاتها المبتكرة وعلومها المستحدثة. إنها دعوة إلى القطيعة بين الإنسان في حضارتنا وبين انتمائه، فهم يرون صلتنا بالتراث ـ بل صلة شعراء التفعيلة بالتراث ـ بأنها علاقة عقائدية.. ليس هذا فحسب؛ بل إن مجرد عودة شاعر التفعيلة إلى الشعر العمودي في إحدى قصائده يعتبرونها جريمة لا تغتفر وعثرة لا تقال!‏

وقد وصف الأب الروحي لهؤلاء الدعاة عودة الشاعرة العراقية "نازك الملائكة" التي مارست التفعيلة في فترة معينة ثم عادت إلى "الخليل"، يقول: "إنها تتجه بخطى حثيثة نحو نهاية الشوط، إلى الخاتمة الأسيفة لهذا التيار السلفي الجديد، وهي التحجر والجمود، واحتلال جانب المحافظين لحركة التجديد الحديثة في الشعر العربي... إن خطواتها التقليدية تقودها بالرغم عنها إلى حافة اللاوجود الشعري الذي أصاب المحافظين السالفين".. وهكذا أصبحت كتابة القصيدة العمودية ردة عن الرؤيا الحديثة للشعر، ونقيضاً للتطور، وسلفية فكرية..! كما وصف بعضهم موسيقى الشعر بأنها نظام استعماري قديم لا بد من مجابهته؟!‏

وبعد مرور أكثر من نصف قرن على هذه الظاهرة، لم يظهر بين الحداثويين العرب شاعر يعدل زهيراً أو أبا العلاء المعري أو المتنبي، ولا الرصافي وأباريشة والقروي والبدوي... و... والقائمة طويلة، بل بقوا خمسين عاماً يقرضون الشعر المنثور ـ وشعر التفعيلة في أحسن الأحوال ـ دون أن يكوِّن له موقعاً في الشعر بل مر به ولم يترك أثراً فيه.. لكونه محشواً بغموض الفكرة والإبهام جزئياً وكلياً في إطار القصيدة الواحدة، دون أن تفهم معاني جملها ولا مضمون هيكلها، بل هي عبارة عن سطور مكونة من كلمات رصفت رصفاً غريباً متنافراً... حتى صارت رطانات وطنطنات عابثة!! لأن سمة الإبداع عندهم بالأصل هي أن تخلو "القصيدة" من أي غرض أو معنى وهذا ما شجع عليه أصحاب الحداثوية الشعرية وما يزالون يشجعون كتبة هذا النوع من الشباب الذين تعوزهم معرفة اللغة معرفة دقيقة ونحوها وصرفها وعروضها وفقهها وبيانها وكناياتها وما إلى ذلك من علوم اللغة العربية العظيمة. وما يزالون يفلسفون قصيدتهم "المسخ" هذه بأنها القصيدة الحقيقية لماذا؟ لأنها القصيدة التي لا يُضَمِّنها صاحبها أي غرض أو معنى فتظل تنمو وتكبر وتتعدد معانيها بتعدد قرائها...!!‏

ومنذ ذلك الوقت، أي من مطالع الستينات من القرن الماضي، لجأ الحداثيون العرب إلى التعابير الغامضة التي تمتلئ بها أشعارهم وكتاباتهم ومفرداتهم التي يبتدعونها لتوافق المقام من مثل: التعارض الثنائي، اعتباطات الإشارات، اللاحقيقة التموضع الزمكاني، الإنسانية العالمثالثية أو الجغراسياسية والسوسيوثقافية و....... وغيرها كثير من الألفاظ المائعة والمخنثة. وهم يعتبرون "الحداثة" أنها الثورة على كل شيء، وأنها الابتعاد الصارم عن المجتمع.‏

يقول أحد هؤلاء الحداثيين: "إن القرآن نفسه إبداع، وكذلك السنة، وأن الإبداع القرآني والنبوي أوصدا الطريق أمام الإبداع الأدبي، وأوقعا الخوف في روع الأدباء"(5). وإن الأدباء العرب لن يبدعوا إلا إذا حرروا أفكارهم من التقيد بالدين والنظم السائدة في المجتمع سواء أكانت اجتماعية أو وطنية أو قومية"... أما صاحب كتاب "جدلية الخفاء والتجلي" فيقول: "الحداثة انقطاع معرفي؛ لأن مصادرها المعرفية لا تكمن في المصادر المعرفية للتراث، أو في اللغة المؤسساتية والفكر الديني، أو لكون الله مركز الوجود... بل لأن الحداثة هي انقطاع ولأن مصادرها المعرفية هي اللغة البكر والفكر العلماني، ولكون الإنسان مركز الوجود"... ولا أعتقد أن هذا القول يحتاج إلى تعليق عليه لأن هفواته ومغالطاته تجعلنا نصرف الاهتمام عنه.‏

3 ـ من الأيديولوجيا إلى الحرب:‏

حاول فوكوياما وهنتنغتون وضع صيغة تفسيرية للصراع في القرن الواحد والعشرين قائمة على العامل الثقافي كمحور للصراع، فهما بنظريتهما يروجان الثقافة الأمريكية وتعميم ثقافة الغرب وأمريكا على المجتمعات الأخرى من خلال أنظمة العولمة. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وضرب العراق اعتبر هذان المنظران التابعان للبنتاغون بأن نبوءتهما قد تحققت أي أن التاريخ انتهى لصالح أمريكا والحضارة اللاتين ـ أميركية أو الكالفينية التي مر ذكرها معنا سابقاً... لقد رأى هنتينغتون أن ليس هناك ثقافة أكثر قوة وكفاءة وأكثر قدرة على التحدي ومواجهة الغرب إلا الحضارة الإسلامية والكونفوشيوسية اللتان ترفضان الانقياد للغرب وحضارته، كما ترفضان برامج العولمة ودعوتها للهيمنة على شعوب الأرض.. ولذلك استخدم هنتينغتون مفهوم الثقافة بمعنى الحضارة (والحضارة لديه تعني الثقافة وهذا خطأ منهجي ومعرفي تاريخي يلم به تماماً لكنه يكابر على ارتكاب الخطأ من أجل مأربه الذي يرمي إليه وهو إيجاد فلسفة للصراع ومبررات أيديولوجية ثقافية معرفية حتى ولو غالط أهل الأرض كلهم والثقافة والحضارة كلتيهما..) وذلك لينسف الماضي كله بقيمه ومعتقداته ورموزه وأفكاره.. وصور الصراع أو الصدام الذي سيحدث في القرن الواحد والعشرين على أنه سيقتصر فقط على الحضارة الغربية من طرف والحضارتين الإسلامية والكونفوشيسية من طرف آخر.‏

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هنتينغتون ـ عندما يتحدث عن الصراع بين الحضارات الدينية ـ يتجاهل عن قصد وإصرار مبيتين الصراع بين اليهود والغرب أو بين اليهودية وعدوها الأول المسيحية، وأنكى من هذا أنه لم يستخدم الدين كمعيار للتصنيف إلا عندما يتحدث عن الدين الإسلامي أو الحضارة الإسلامية.. وفي تصنيفه الحضارات عبر معايير مخالفة للمنهجية العلمية والتاريخية تماماً فإنه يصنف الحضارات استناداً لمناطق جغرافية أو بيئية أو عرقية أو دينية وهذا لا يتفق مع تتطلب تحديد المعايير والمفاهيم حتى يكون التصنيف منطقياً متسقاً أي تصنيف الحضارات ـ على سبيل المثال ـ على أساس ديني كمعيار واحد، وهذا ما افتقر إليه هنتغنتون في هذا المجال، ومثال ذلك حينما يتم استخدام الدين كمعيار واحد وعليه يجب أن يكون تصنيف الحضارات على الشكل التالي: الحضارة المسيحية والحضارة الإسلامية والحضارة البوذية والحضارة اليهودية وهكذا... وكان قد صنفها بصورة جغرافية بالكونفوشيوسية وهذه تشير إلى الحضارة الصينية واللاتينية الأمريكية لماذا؟ إن الثقافة أو الهوية الثقافية والتي في أوسع معانيها الهوية الحضارية هي التي تشكل نماذج التماسك والتفكك والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة.‏

ويقع كتابه صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي في خمسة أجزاء رئيسية وكل هذه الأجزاء هي محاولة لتطوير نتائج ذلك الافتراض وهي (22 إن العالم اليوم متعدد الأقطاب والثقافات، وإن التحديث مختلف عن الغربنة. إن توازن القوى بين الحضارات أخذ في التغير، الغرب يتقهقر في نفوذه النسبي وإن الحضارات الآسيوية تقوم ببناء وتوسيع قواها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، والعالم الإسلامي يشهد انفجاراً سكانياً بعيد المدى في تأثيراته على مستقبل الدول الإسلامية ومصحوب بنتائج عدم استقرارها من جهة وعلاقاتها مع الحضارة الغربية من جهة أخرى، إن نطاقاً عالمياً أساسه التنوع الثقافي أو الحضاري أخذ في الانبثاق: هناك مجتمعات تتقاسم روابط ثقافية تتعاون مع بعضها البعض والدول التي تجمع نفسها حول الدول الأساسية الرائدة أو الكبرى من نفس حضارتها أو ثقافتها. إن دعوات الغرب إلى العالمية تضعه دائماً في صراع مع الحضارات الأخرى وبشكل أكثر أهمية وخطورة وتحديداً مع الإسلام والكونفوشيسية وعلى المستوى الإقليمي حروب خطوط الصدع والتي تقع بشكل رئيس بين المسلمين وغير المسلمين، تؤكد الحشود التي تؤديها دول تشاطر حضارتها وتهدد بتوسيع حدود الصراع مما يجعل الدول الكبرى تسعى إلى إنهاء تلك الصراعات. إن حياة الغربيين تعتمد على الأمريكيين وهم يعيدون تأكيد هويتهم ـ الثقافة الغربية ـ وإن المجتمع الغربي قد هيأ نفسه على اعتبار أن ثقافتهم ثقافة متميزة، وقد اتحدوا لغرض تجديدها وصياغتها ضد التهديدات من المجتمعات غير الغربية. ومن خلال صياغة هذه الأجزاء الخمسة ينطلق هنتغنتون بترويج فكرة صدام الحضارات مؤكداً في سياق أطروحاته على فكرة أساسية وهي أن الصدام في القرن الواحد والعشرين سيكون بين الغرب من جهة والإسلام والكونفوشيسية من جهة أخرى باعتبارهما ثقافتين أو حضارتين تؤكدان على هويتهما الثقافية رافضة الانصياع للثقافة الغربية.. وبهذا هو يروج الصراع مع الشرق المحدد لديه بالإسلام والصين، لصالح الغرب والأمريكان. وفي هذا بعد سياسي خطير يستهدف إخضاع الشعوب الأخرى للسياسة والمصالح الأمريكية، أما ما يتعلق بافتراض هنتنغنتون فإنه يقوم على أساس المصدر الرئيسي للصراع بعد الحرب الباردة فهو لن يكون صراعاً أيديولوجياً أو اقتصادياً إنما يكون صراعاً ثقافياً، ونظراً لأهمية الهوية الثقافية للمجتمعات الإنسانية فإن هنتنغنتون يرى أن هذا العالم المتغير الذي يشهد صراعاً ثقافياً في المستقبل وصراعات أخرى على المستوى المحلي والتي ستكون أيضاً بين ثقافات محلية تنطوي تحت حدود إقليمية أو الدولة وهي في الأساس ذات صيغة عرقية، أما على مستوى العلاقات الخارجية فيرى أن صدام الحضارات سيكون عنوان العالم في المرحلة المقبلة كما أن المسائل الاستراتيجية ترتبط بتنوع واختلاف الثقافات، وهو كان جورج بوش الأب يرى أن المستقبل سيكون مستقبلاً أمريكياً وأن النظام العالمي الجديد هو مجرد إمكانية وطموح وفرصة متاحة الآن وسيكون حقيقة في المستقبل المنظور.. وقال: "فبين أيدينا إمكانية استثنائية لم تنعم بها سوى أجيال قليلة، ألا وهي إمكانية بناء نظام دولي جديد وفقاً لقيمنا نحن ومثلنا نحن وليس، في الوقت الذي تتقوض فيه من حولنا النماذج والتقنيات القديمة ومثل وقيم الآخرين"... وهذا ما قام بتوكيده وأدلجته هنتينغتون وفوكوياما لأنهم ـ مع بوش ومن قبله ومن بعده ـ هم جميعاً في خدمة الاستراتيجية الأميركية ومستقبلها). والثقافة التي يروج لها الرئيس الأمريكي تتمثل في الحرية السياسية والاقتصادية وشرعية السلطة القائمة بالاتفاق الشكلي بين الحكام والمحكومين وحقوق الإنسان أو ما أسماه (الليبرالية الديمقراطية) والتي يجب نشرها في كل بقعة من بقاع الأرض ـ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ودول شرق أوروبا ـ وعندما يتحقق هذا الانتشار فإن البشرية تكون قد وصلت إلى نهاية التاريخ. وهنا تبدأ أنظمة العولمة بالإحساس بنشوة الانتصار والتمدد.. إذن إن فكرة الصراع التي تعبر عن تصورات السياسة الأمريكية تقوم على الصدام بين الإسلام والغرب إذن إن ما جاء به هنتنغنتون حول صدام الثقافات (بين الغرب والإسلام) يندرج في إطار للسياسة الأمريكية تجاه المسلمين، ولعل هذا سيظهر عندما يصف هنتنغنتون بأن الإسلام ومنذ البداية كان دين سيف ودين يدعو للجهاد كوسيلة أساسية لمحاربة الأعداء وبهذا فإن الصراع بين المسلمين والغرب قديم، وهو ما سوف يكون ممتداً في القرن الواحد والعشرين لكن هذه المرة يجد نفسه ـ أي الإسلام ـ متحالفاً مع الكونفوشيسية كثقافتين متفقتين في رفض النموذج الغربي على الرغم من الاختلاف بينهما في مسائل كثيرة.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-20-2006, 03:34 AM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



من هنا جاء تركيز هنتنغنتون على مبدأ الصراع وتبريره. ثم فلسف مقولته بأن العالم الإسلامي يشهد نمواً سكانياً بعيد المدى في تأثيراته على مستقبل العالم الإسلامي نفسه وعلى علاقاته مع الحضارات الأخرى، فهذا النمو في تصاعد مستمر ويأخذ أبعاداً خطيرة على مستقبل العلاقة مع الغرب مما يجعل هذا النمو عاملاً أساسياً ومهماً في مد الصحوة الإسلامية بالعناصر الشابة النشطة المؤمنة بقيمة الحضارة الإسلامية وهذا سوف يشجع التطرف وهجرة العناصر الشابة المدربة من المسلمين إلى أوروبا ـ التي تعاني من مشكلات كثيرة في هذا الإطار ـ مما تتصاعد الصعوبة معها بخاصة إذا ما علمنا أن المجتمع الغربي نفسه لم يعد قادراً على استيعاب هذا التنوع الثقافي، وأن الصحوة الإسلامية سوف يصيبها الكثير من الضعف بينما يضع الإسلام حسب اعتقاده حل إشكاليات التسلط السياسي والتخلف الاقتصادي والضعف العسكري ولعل الاستثناء الوحيد لذلك قد يأتي في كل من أندونيسيا وماليزيا إذا نجحت هذه البلدان بالحفاظ على تحقيق معدلات عالية للتنمية، وعندما يكون تقديم ـ نموذج إسلامي ـ للتنمية فإنه سوف ينافس النموذج الغربي والآسيوي ويتنبأ بظهور حركة أيديولوجية ذات طابع قومي متطرف يعقب أفول الصحوة الإسلامية، ويرى أنها لا تكون على وفاق مع الغرب لأنها ستضع على عاتق دول الحضارة الغربية مسؤولية إفشال الحل الإسلامي وبمعنى آخر فإن طبيعة العلاقة الهدامة قد تزداد حدة أو تقل بحسب بعض المتغيرات المرتبطة بالمجتمعات الإسلامية لكنها تبقى ذات طابع متناقض وأكد هذا الكاتب العنصري ـ في سياق اعتقاده بتصاعد الصدام بين الإسلام والغرب ـ على إزاحة أو غياب الدولة القوية القائدة في العالم الإسلامي، لأن هذا الغياب سوف يسهل قيام الصدام الحضاري، ويسوق مثالاً على ذلك من تجربة الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي اللتين مارستا كدولتين قائدتين في إطار حضارتهما دوراً أساسياً في توجيه سلوك الدول التابعة لهما، وهذا يمنع تصعيد أي صراع إلى درجة المواجهة العالمية، وفي غياب الدولة القائدة في المجتمعات الإسلامية تتعدد الجبهات التي ستفتحها الدول الإسلامية مع باقي الحضارات فضلاً عن التنافس على دور الدولة القائدة في العالم الإسلامي الذي سيقود إلى صراع بين الدول الإسلامية(6). وكذلك اختلال التوازن السكاني والتنمية الاقتصادية والتغير الثقافي ودرجة الالتزام الديني وأن حالة العداء هذه ستتزايد حدتها بسبب عدة عوامل أهمها: ازدياد هجرة المسلمين إلى الغرب بسبب النمو السكاني المتصاعد وعدم كفاية الموارد ولهذا نبه إلى خطر الصحوة الإسلامية التي عززت من ثقة المسلمين بأنفسهم وأظهرت تميز هويتهم الثقافية عن غيرهم على حد قوله. أما فكرة العولمة فهي تقوم لديه على ترويج فكرة عالمية ثقافة الغرب، وفرض تفوقه العسكري والاقتصادي على العالم كان المعسكر الشيوعي العدو المشترك للإسلام والغرب مما دفع كل طرف لفرض هيمنته على الآخر، وهذا لا يستثني الدول الإسلامية التي تؤيد واشنطن، وتعتمد عليها عسكرياً أو اقتصادياً لأن الغرب يستشعر مخاطر الإسلام الكثيرة وأهمها انتشار أسلحة الدمار الشامل فيها والإرهاب وموضوع الهجرة غير المرغوب فيها، وقد زادت أحداث 11 سبتمبر 2001 مخاوف الغرب والولايات المتحدة الأمريكية التي وجدت الذرائع المناسبة (بل المفتعلة والتي تقف وراءها السي أي ايه والموساد) في إعلان مواقفها السياسية المعادية للعرب والمسلمين صراحة وتحت يافطة محاربة ما تسميه الإرهاب معتبرين ما حدث يمثل تحدياً وإعلان حرب ضدهم، متجاهلين أومتغافلين عن سبب ودوافع هذه الأفعال وهو السياسة الأمريكية الظالمة تجاه العرب والمسلمين والمجتمعات النامية بشكل عام، وقد كان الغرب وأميركا ولم يزالا سبباً رئيسياً في تخلف هذه المجتمعات وفقرها ويقومان الآن بتصدير ثقافتهما وطرائق أنظمتها السياسية والاقتصادية والإعلامية عبر العولمة، التي تعالت أصواتها في السنوات الأخيرة وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفرد القطب الواحد والمتوحش في السياسة الدولية.‏

ويشير هنتنغنتون إلى أن حضارة الغرب ستبقى الأكثر قوة محتفظة بحالة جيدة وهي تدخل الألفية الثالثة. وإن الحضارة الغربية هي الوحيدة بين الحضارات التي كان لها تأثير هائل وتصفوي على كل حضارة نتيجة للعلاقة بين قوة وثقافة الغرب وقوة وثقافات الحضارات الأخرى، لذا فإن فكرة قوة الحضارة الغربية هي التي تؤهلها على أن تكون أكثر انتشاراً بين حضارات العالم والعكس بالعكس.. لذا فإن القضية الأساسية بين الغرب وباقي العالم هو التنافر بين جهود الغرب لتكريس عالمية الثقافة الغربية وبخاصة أمريكا (ص28)، وبين الحضارات الأخرى التي تؤكد على خصوصيتها الثقافية والحضارية..‏

وتدور فكرة هنتنغتون حول مستقبل الصراع على اعتبار أن الصراع آت لا ريب فيه، وسيكون صراعاً ثقافياً وليس أيديولوجياً أو طبقياً هذه المرة، ويأخذ طرقاً مختلفة ومن أبرزها الغزو الثقافي عن طريق العولمة دون الاكتراث بحركة التاريخ وأحداثه وبخاصة تاريخ الثورات والانتفاضات الشعبية على غرار ثورة الصين وثورة فيتنام والجزائر وكوبا وانتفاضة الأقصى ومقاومة الشعب العراقي المتصاعدة.. ولم يكتف هنتنغتون بتجاهل هذه الثورات والحراك التاريخي للشعوب (ولعل هذا ما لا يؤمن به الأميركان على الإطلاق لأن رب الجند يحميهم دوماً من أعدائهم: العرب والمسيحيين) بل زاد أكثر بنكرانه حقائق التقسيم الطبقي وأكثر منه رأى أن الهوية الثقافية تشكل نماذج التماسك والتفكك والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة (ص30).‏

لقد قدم هنتنغنتون الإسلام على أنه العدو الأول للغرب، وهذا لا يعود لأسباب ذاتية ولا لأنه ينتمي إلى معسكر المتوجسين من خطر الإسلام كما رأى البعض، بل لأن الموجه الأيديولوجي ـ الأميركي ـ قد قرر تنفيذ خطط أميركا التوسعية أو الجيوبوليتيكية فهيأ لها منظرين على شاكلة ص. هنتينغتون هذا. وقد أعطى مبرراً مباشراً أو عيانياً كما ابتدع، ظاهرة الصحوة الإسلامية لدى العالم الإسلامي والعربي تحديداً حيث يعتز هؤلاء بحضارتهم وثقافتهم الأمر الذي سيقود إلى صدام حضاري ولذلك راح يهاجم الإسلام معتبراً إياه ديناً عدوانياً بطبعه وانتشر بحد السيف ويحاول فرض ثقافته على الآخرين بالقوة...‏

*معنى الحضارة:‏

لا شك أنَّ المصطلحات الرائجة في هذا الحقل مثل المدنية والثقافة والحضارة غير محددة، وللحضارة وحدها تعاريف كثيرة جداً... وإذا اكتفينا بما تلقيه كلمة الحضارة في الأذهان وهو تقدم المجتمع البشري... فهل تقدم المجتمعات البشرية في الحقول المادية هو حضارة؟ هناك من يرفض ذلك، ولعل المنطق القرآني يرفضه أيضاً. فالبناء المادي مرفوض إذا لم يكن قائماً على أساس معايير إنسانية أو على معايير التقوى بالتعبير القرآني:‏

(أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين، فاتقوا الله وأطيعون) [الشعراء 128 ـ 131]. فالقوة المادية تكون سبب البطش والتجبر إذا لم تكن مقرونة بقيم ذات رصيد ديني. وليس بعيداً عما سبق ذكره، فإنه ليس ثمة إجماع على مفهوم الحضارة، فضلاً عن أنَّ بعضهم يماهي بين هذا المفهوم وبين مفهوم الثقافة، كما أنَّ تصنيفات الحضارة تتفاوت تبعاً لتفاوت المعايير، الأمر الذي من شأنه أن يخلق تناقضات وإرباكات حادة عند الحديث عن صدام الحضارات أو حتى حوارها...‏

صراع الحضارات:‏

في عام 1947 ألقى أرنولد توينبي محاضرة بعنوان "الصراع بين الحضارات"، وقد أعيد نشرها في مجلة هاربر لعدد إبريل 1947، ثم ضمنها في كتابه civilization on trial (الحضارة في الميزان) وعلى الرغم من أفكارها العفوية بنى هانتنغتون عليها نصه في المقال الذي نشر في مجلة foreign affairs ـ الشؤون الخارجية ـ وأحدث ردوداً لم تنته بعد، ثم أعاد صوغها في كتابه: the clash of civilizations الذي أصدره لاحقاً وأخذ أبعاداً عالمية وتحول إلى ظاهرة.‏

وبالعودة إلى الأفكار الرئيسية التي قدمها توينبي في محاضرته. فقد اعتبر أنَّ الحادثة الكبرى والأهم في القرن العشرين، والتي سيقف عندها المؤرخون كثيراً في القرون القادمة هي حادثة اصطدام الحضارة الغربية بسائر المجتمعات الأخرى القائمة في العالم، وتتبع أهمية هذا الحدث من أنه الخطوة الأولى نحو توحيد العالم في مجتمع واحد، وذلك عن طريق تحطيم التراث الاجتماعي الإقليمي للحضارات الأخرى عند اصطدامها بالتراث الاجتماعي الغربي، وإن نوعية وفرادة هذا التوحد الاجتماعي للعالم لا تكمن أو تتمثل في ميدان الفنون الصناعية والاقتصادية، ولا في ميدان الحرب والسياسة، وإنما تتمثل في ميدان الدين.‏

وأن الديانات الأربع الكبرى ذات الرسالة العالمية التي تقوم اليوم في العالم: المسيحية، الإسلام، والهندوسية، والبوذية، الماهايانية التي تسود في الشرق الأقصى، هي من الناحية التاريخية ثمرة الصراع الذي دار بين الحضارة اليونانية ـ الرومانية ونظيراتها المعاصرة.‏

فتاريخ الحضارات في نظر توينبي إذن هو صراع بين الحضارات، وأن هذه الحضارات إنما تقوم على الدين كمعتقد رئيسي ومرجع أساسي في قيام الحضارة.‏

وهنا بدأ الحديث عن صدام أو صراع الحضارات يشغل بال الكثيرين من الاستراتيجيين والمهتمين بالشأن الدولي وبمسألة العلاقات الدولية تحديداً، حيث بات يشغل جزءاً كبيراً من المساحات الإعلامية ـ المقروءة والمكتوبة ـ المخصصة لمعالجة القضايا الدولية، وصار أحد أهم القضايا الكبرى التي تشغل بال المفكرين وصناع القرار في مختلف أنحاء العالم، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن والتداعيات المرافقة لها. فما هي حقيقة هذا الصراع، وما هي منطلقاته، وما هو موقف الإسلام منه، وكذلك ما هي تداعياته المتوقعة؟.‏

أشار المؤرخ الفرنسي "بروديل" في كتابه الشهير "المتوسط والعالم"، إلى أنماط من الحضارات الحية أو الكامنة في حوض المتوسط في فصل بعنوان لافت: "الحضارات فردوس البشر وجحيمهم"، ويقول بروديل: "يحتوي المتوسط على ثلاث حضارات هائلة وثلاث مجموعات ثقافية وثلاثة أنماط أساسية في الاعتقاد والتفكير والعيش والأخلاق والمأكل، متجسدة في ثلاث شخصيات لا نهاية لأقدارها، وكانت دائماً قائمة من قرون وقرون متجاوزة حدودها وحدود الدول التي لا تشكل إلاَّ لباساً لها... الحضارة الأولى هي الحضارة الغربية، وعلى الأصح اللاتينية أو الرومانية، والحضارة الثانية هي الحضارة العربية ـ الإسلامية، والغرب والإسلام يجمعهما تعارض عميق يقوم على التنافس والعداء والاقتباس، إنهما عدوان متكاملان الأول ابتكر الصليبية وعاشها، والثاني ابتكر الجهاد وعاشه.‏

بعد ذلك يأتي الأمريكي صموئيل هنتنغتون، وهو مدير معهد جون أولوين للدراسات الاستراتيجية في جامعة هارفرد، وقد أسندت إليه ما بين عامي 1977 ـ 1978 مسؤولية قسم التحليل والاستشراق في مجلس الأمن القومي الأمريكي، ليصوغ نظريته في صدام الحضارات مقتفياً خطى فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية نهاية التاريخ التي ثبت تهافتها.‏

يقول هنتغتون: إنَّ "شعور الانتماء إلى حضارة معينة سوف يكون له شأن متزايد في المستقبل، وسوف يصاغ العالم إلى حد كبير التفاعل بين حضارات ست أو سبع هي الحضارات التالية: الحضارة الغربية، والحضارة الكونفوشيوسية، والحضارة اليابانية، والحضارة الإسلامية، والحضارة الأرثوذكسية، والحضارة اللاتينية ـ الأمريكية، وربما الحضارة الإفريقية، والصراعات المهمة القادمة سوف تقوم على طول الخطوط الثقافية التي تفصل بين هذه الحضارات".‏

ويرى هانتنغتون أنَّ الفروق بين الحضارات هي فروق أساسية تتلخص في التاريخ واللغة والثقافة، والأهم الدين. فالدين مركزي في العالم الحديث، وربما كان هو القوة المركزية التي تحرك الناس وتحشدهم، وهذه الفروق الثقافية ليست قابلة للتبديل أو الحلول الوسط، ومع تحديد العلاقات المختلطة بمقياس ديني أو إثني فستنشأ تحالفات في صورة متزايدة تستغل الدين المشترك والهوية الحضارية المشتركة، وبناءً على ذلك سيحدث صدام بين الحضارات.‏

ولما كان هناك صدام عسكري يمتد عمره قروناً بين الغرب والإسلام فإنه ليس من المرجح أن ينحسر، وإذا أضفنا إلى ذلك التفاعل العنيف بين الحضارة الغربية والحضارة الكونفوشيوسية فإنه من الممكن أن ينشأ تحالف بين الحضارتين الإسلامية والكونفوشيوسية يهدد الحضارة الغربية، ويبشر بظهور صدام حضارات بين الغرب والبقية The west and the rest على حد تعبيره، وبناءً على ذلك فإنه يخاطب الساسة الغربيين محذراً "على الغرب أن يحد من توسيع القوة العسكرية لحضارات معادية محتملة، خصوصاً الكونفوشيوسية والإسلام".‏

*لماذا الصدام بين الحضارات أو (الثقافات) والإسلام؟‏

تحمل الثقافة العربية منذ القدم أوهاماً كثيرة تجعل من الإسلام عدواً تاريخياً وتقليدياً للغرب، وليس مصدر هذه الأوهام دينياً وحسب، بل أضيفت إليه، وعلى مر الأيام والتاريخ، عوامل سياسية واقتصادية زادت في أثر هذا العامل الديني وجعلته يتخذ شكل خرافة ضخمة تستقر في أعماق الوعي الغربي، وقد وجدت هذه الخرافة فرصتها الذهبية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي من خلال البحث عن شيطان جديد يحل محل الشيطان القديم الذي تركز وراءه فراغاً عدوانياً لا مناص من ردمه. وكما هو معلوم فإن الذات تجد نفسها عن طريق الآخر. وقد كان واضحاً منذ الأيام الأولى لسقوط جدار الارتطام القديم، بحث الغرب عن آخر يواجهه ويقاومه ويشعر بذاته من خلال الصدام معه. ولم يكن هناك أفضل من الإسلام ليجسد هذا الآخر، ذلك أنه ومنذ القديم شكل الإسلام هذا الآخر.‏

وهكذا وجد العالم المتقدم من جديد في العالم الإسلامي البديل العدواني للاتحاد السوفييتي، وبدأت الخرافة القديمة بالانبثاق والظهور، وبدأت عمليات النسج الخرافي تلف الإسلام لتظهره على أنه "الآخر"، وكذلك "الوجه المناقض للتقدم والإرث المعادي لمسيرة الحضارة".‏

وقد بذلت الصهيونية العالمية في هذا الإطار مجهودات كبيرة من أجل تشويه الصورة الإسلامية في الغرب دوماً وأبداً. وذلك بهدف تسميم الأجواء بين الغرب وبين العرب والمسلمين.‏

إنَّ موقف الغرب المعلن أو المضمرة تجاه الإسلام قد ولَّد ـ منذ البداية ـ في العالم الإسلامي ردود فعل طبيعية حيناً، ومغالية أحياناً، بحيث أدت عمليات الفعل وردود الفعل المتراكمة والمتعاظمة إلى أن يصدق الغرب مزاعمه الأصلية ويؤمن بصحة تخيره شيطانه، وإلى أن تتكاثر في العالم الإسلامي من جانب آخر الأعمال العدوانية تجاه الغرب وهكذا دواليك.‏

ومما يدعم وجهة النظر هذه أنَّ هنتنغتون نفسه صاحب نظرية صدام الحضارات هومن كبار الاستراتيجيين الأمريكيين، ومقرب جداً من دوائر صنع القرار في أمريكا، وبالتالي فإن نظريته هذه تُعدّ أحد المخارج التي توصلت إليها النخب الحاكمة في الولايات المتحدة والغرب للحفاظ على مكاسبها الناجمة عن استمرارية موازنات الحرب في الارتفاع، وعن تنازل المجتمعات الغربية عن جزء مهم من حقوقها في الرفاه والتقدم مقابل الحصول على قدر أكبر من الأمان تجاه الأعداء المفترضين.‏

رأي آخر يقول: إنَّ وراء بروز ظاهرة صراع الحضارات أسباباً اجتماعية عائدة إلى أنَّ الهيمنة في داخل العولمة، وسيطرة الاستهلاك والتكنولوجيا أديا إلى تفجر الاختلافات والتمايزات والخصوصيات والهويات القومية والعرقية والدينية والثقافية واحتدام الصراع فيما بينها، مع بروز ظاهرة واحدية الحضارة، ومحاولة فرض السيطرة من قبل الحضارة الرأسمالية.‏

إنَّ التصور الإسلامي لا يكرس الصراع كقانون تاريخي مطلق كما تقدمه فكرة هنتنغتون، ولكن الصراع في التصور الإسلامي بمعنى التدافع ليس إلاّ سنّة واحدة من سنن الاجتماع البشري إلى جانب سنن الله الأخرى، كما أنه له منطقه المختلف عن مفاهيم الصراع الأخرى، ولذا فإن الجهاد في معناه الواسع ليس صراعاً مع الآخر للقضاء عليه، ولكن أداة لحماية الدعوة ونشرها بين الآخر، ومن ثم فهو أحد أدواته حيث أداة التعاون السلمي تظهر إلى جانبه، ولكل من الأداتين ضوابطهما وشروطهما وليست إحداهما بديلة مطلقة للأخرى.‏

ولذا فإن القول: إنَّ أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم في التصور الإسلامي هو الحرب أو السلام ليس قولاً منضبطاً، ولكن القول الأفضل هو: متى تكون الحرب؟ ومتى يكون السلام؟ وهكذا يجب أن نقرأ المدارس الفقهية المختلفة حول هذا الموضوع بحثاً عن إجابة لهذا السؤال الأخير، وهو السؤال الذي يحتل في التصور الإسلامي مكانة السؤال في المنظور الغربي حول هذا الصراع كمحرك بين من وعلى ماذا؟‏

من ناحية أخرى فإن هذا الصراع في صورته العسكرية أو السلمية ليس لتأكيد هيمنة قوم على قوم أو ثقافة على ثقافة أخرى، ولكن لتحقيق أهداف الدعوة والرسالة باعتبارها رسالة للعالمين، ليس بالإكراه والقسر والإجبار للشعوب والأمم، وعلى العكس فإن منطق صدام الحضارات في فكر هنتنغتون يعكس كل منطق التناقض بين عالمية الإسلام وبين هيمنة الحضارة الغربية، أي عولمة النموذج الغربي. حيث إنه، أي فكر هنتنغتون، يعكس تكريساً لهذه الهيمنة وكيفية استمرار قوتها بأساليب إكراهية قسرية إجبارية.‏

إذاً إنَّ المفهوم الإسلامي عن نمط العلاقة بين الحضارات هو تعارف الحضارات (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا(، وكذلك حوار الحضارات، حيث ينبني المفهوم الإسلامي عن حوار الحضارات على رؤية الأصول "قرآناً وسنة"، ويعكس الأسس المعرفية للرؤية الإسلامية، ومن ثم يختلف في جوهره عن المفهوم الغربي عن الحوار الثقافي أو الحضاري، كما لا بد وأنه يختلف في غاياته ودوافعه.‏

ملاحظات حول مقولة صدام الحضارات: إنَّ فرضية هنتنغتون الصدامية تخفي داخلها فقراً فلسفياً واضحاً يبرز أولاً في رفضه فصل الثقافة عن الحضارة، واعتباره أنَّ الثقافة هي الفكرة العامة في كل تعريف للحضارة، ما انعكس بدوره على مفهومه عن الحضارة وربطه بالدين، وهذا خلل واضح إذ إنَّ استخدام مفهوم الحضارة، وبالتالي الدين بوصفه المؤشر الأساسي للتمييز بين أطراف الصراعات الرئيسية في عالمنا الحالي لا يساعد كثيراً في فهمنا لهذه الصراعات.‏

من جهة ثانية فقد أثبتت أحداث التاريخ أنَّ دور الحس الديني في الحضارة وفي الصراع وفي الحروب، وإن كان قائماً وفاعلاً، إلاَّ أنه ومن خلال تحليل المصالح وسياسات الدول والقوى الاقتصادية ومعطيات الجغرافيا السياسية فإن هذا الحس الديني يتدخل كعنصر "تغيير" لا كعنصر ثبات، وعنصر تغيير للحضارة نفسها ولتغيير هذا الحس على مستوى اللاهوت والعمل والسياسة والأخلاق.‏

وقد يقول قائل: لماذا لم يكن لهذا الحس أثر في الشرق الإسلامي؟ فذلك لأن هذا الحس قد غرق في فقه سلطاني ولم يأبه للتحولات الحاصلة في العالم لا من قريب ولا من بعيد.‏

إنَّ الأشكال الصراعية التي يصفها هنغتنتون بالصدامات بين الحضارات لا تعدو أشكالاً من الممانعات الثقافية وحركات الاحتجاج والرفض والحروب الأهلية الناتجة عن عجز الحضارة الغربية عن أن تصبح عالمية مستوعبة لتنوع العالم، وذلك بسبب تطابقها مع مشروعها الرأسمالي وتحولها واستدخالها لمنطقة في الربح والسيطرة والاستهلاك، وبالتالي بسبب إعاقة هذا المشروع لخطط التنمية التي فشلت في بلدان الأطراف فشلاً ذريعاً وتحولت في مظاهرها العالمية الغالبة إلى حضارة "صورة" و "سلعة" يتجاذبها تناوب المتعة والملل السريعين لدى الميسورين، والحقد والجوع والعنف لدى المحرومين.‏

ما لا يقولـه خطاب "صدام الحضارات" هو أنَّ انبعاث الثقافات الفرعية لحضارة قديمة كالحضارة الإسلامية على سبيل المثال، هو صيغة من صيغ يقظة المغلوب الذي يلجأ إلى الذاكرة الجماعية الثقافية للاحتماء والاحتجاج والرفض، وأن الثقافة أو المصادمة اليوم، والتي تصدر عن مخزون من الذاكرة الجماعية والمقدس الديني، ليست حضارة بالمفهوم الذي يبني أنساقاً فكرية وفلسفية وإبداعية وإنتاجاً للمعرفة على المستوى الإنساني والعالمي، كما كان شأن الحضارة الإسلامية سابقاً، بل إنها نمط من ثقافة فرعية لحضارة أصبحت في حال العرب والمسلمين تراثاً وتاريخاً ومشروع استلهام حضارة إسلامية جديدة.‏

إنَّ العرب والمسلمين اليوم، لا ينتجون وسائل الحضارة الإنسانية الحديثة، ولا علومها، ولا فلسفتها، أما العودة إلى معالم الحضارة الإسلامية إبان ازدهارها فهي عودة إلى التاريخ واسترجاع الذاكرة أو دراسة لمرحلة، وفي الحالتين لا تملك "الحضارة الإسلامية" بما هي تراث، ديناميت التصادم مع الحضارة الغربية الحديثة.‏

إنَّ الشعوب الإسلامية تبحث عن مشروع حضاري جديد لا يمكن للإسلام إلا أن يكون في قلبه، ولا يمكن لمعطيات الحضارة العالمية إلاًَّ أن تكون مادة اقتباس وتوليف وهضم له.‏

إذاً ماذا نسمي كل هذه الصدامات في العالم والتي يزهو هنتنغتون بتعدادها في مقدمة رده على مساجليه عبر إعطاء نماذج من عالم ما بعد الحرب الباردة؟‏

الواقع أنَّ أمثلة هنتنغتون هي نماذج من تكوينات طائفية ـ دينية ـ وإثنية ـ وقبلية ـ كانت موجودة في عالم الحرب الباردة، بل في عالم ما قبل الحرب الباردة، وهذه التكوينات كانت جزءاً من نسيج اجتماعي ساد عوالم حضارية قديمة انتظمت في أطر من الجغرافيات السياسية والتاريخية. عالم الصين والهند، والعالم الإسلامي العثماني... هذه التكوينات الثقافية لم تتحول إلى عناصر صدام إلاَّ مع التفكك والتفكيك الذي حصل لها بفعل عوامل ذاتية وخارجية.‏

*وماذا بعد؟‏

إن الحديث عن صراع الحضارات لم يقتصر على الدائرة الفكرية في الغرب، ولم يبق ـ في أحسن الأحوال ـ في أدراج الاستراتيجيين وصناع القرار الغربيين كخيار مطروح، وظهر أنه ليس لعبة يتلهى بها الرأي العام الغربي في أطر مضبوطة تؤدي وظائف بعينها وكفى.‏

لقد كان الحادي عشر من سبتمبر الحدث الذي مزق الستار الشفاف الذي كانت تتخفى خلفه كتل الحقد العنصرية لتنجرف كالسيل حمماً وبراكين في فلسطين والعراق وفي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وليعبر عنصريو الغرب في فرنسا وإيطاليا وإنكلترا وبلجيكا وهولندا عن حقدهم الدفين بكل أريحية وبدون وجل أو شعور بتأنيب الضمير، فالآخر الذي هو الإسلام، هو عدو لا بد من محاربته بدون رحمة!!‏

وبعد أن أخذت تجليات مقولة صراع الحضارات تتمظهر فاقعة وعلى صعد مختلفة تجاوزت من خلالها المقدمات لتبدأ نهشاً في المتن، والمتن ليس إلاَّ حضارتنا، حاضرنا ومستقبلنا فهل يكفي أن ندعو لحوار الحضارات في وجه سياسات تعرف تماماً ماذا تريد، أم أنَّ الأمر يتطلب تطوير استراتيجيات دفاعية قد تكون أكثر فاعلية؟‏

4ـ من الكيتش إلى العولمة (The Kich & Globalism):‏

تهدد العولمة دولاً لا حول لها ولا قوة وتعرض للخطر ملايين الأشخاص وإن الفرص الهائلة التي تحملها العولمة تقترن بمخاطر تهدد بقاء اقتصاد البلد ذاته ووجوده، إذا كان البلد هو من بلدان العالم النامي، لذلك يجب إبطاء إيقاع واتجاه العولمة الراهنين، لأنهما يحملان معهما الخراب، ووسائلهما الخطيرة وأهمها صندوق النقد الدولي لأن توصيات هذا الصندوق برفع أسعار الفائدة في الدول المضطربة اقتصادياً، يؤدي إلى الكساد الناجم عن تجميد الأموال للحصول على الفوائد المرتفعة من بعده سيكون الإفلاس. وقد اكتوت دول عديدة في آسيا وأميركا اللاتينية بنار العولمة، ومعها نار الصندوق الدولي الممهد لها، ولذلك فهي تدعو الآن إلى بذل الجهود الخارجية الهادفة لحل الأزمة المالية العالمية، بسبب الفقر لملايين الأشخاص، وحرمان الدول النامية ومنها النمور الآسيوية من استقلالها وقد خرجت من تجربتها مكتوية مفلسة، تجد صعوبة في الحفاظ على استقلالها. خصوصاً وإن الإفلاس، والفقر الذي يصاحبه، يفجر التناقضات الداخلية في هذه البلدان. وهي تناقضات يخمدها الرخاء ويكبتها. أما عن دول هذه المجموعة فهي: المكسيك وماليزيا والبرازيل وتشيلي ومصر والجزائر والهند وزيمبابوي وبيرو والسنغال وسريلانكا وفنزويلا وكينيا ونيجيريا وأندونيسيا وجامايكا والأرجنتين. "ولعل النمور الآسيوية العظيمة، لم يعد لها وجود. فقد صغرت هذه الدول وتراجعت حتى باتت تطلب المعونات، فأصبحت ظلالاً لأنفسها (قبل إفلاسها) وأطيح بحكوماتها، وتقوضت أنظمتها السياسية بشدة، حتى باتت عاجزة عن الحكم الفعلي لبلدانها. فقد بات على هذه الدول أن تقبل التدخل والتوجيه الأجنبي لشؤونها الداخلية. وربما نجد أن استقلالها الذي حصلت عليه أخيراً قد تقوض"(7). وهي تكاد تجمع على المزاوجة بين العولمة الراهنة، وبين شركات توظيف الأموال. فالإثنان يعطيان مكاسب كبيرة في البداية ويذهبان بكل شيء في النهاية على طريقة جامعي الأموال التي رأيناها في عديد من الدول ذات الاقتصاد الفوضوي وغير المراقب أو الخاضع لقوانين عادلة وحقيقة. لقد تبدت مشاعر الندم، والتراجع عن الخطوات المتخذة كافة على طريق العولمة الاقتصادية، لدى ممثلي الدول 17. وبذلك تكون هذه العولمة قد فقدت عيناتها التي استخدمتها للدعاية، بل أن هذه العينات تتحول إلى فضائح وكوارث الآن، وهي قد بدأت تعطي مفعولاً دعائياً مضاداً لهذه العولمة. هذا الطرح سيبدو غريباً لكثيرين، لكن هذه الغرابة قد تبددت، لو راجعنا معاً موقف الولايات المتحدة من الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، حيث تمتنع هذه الدولة عن دفع حصتها في دعم المنظمة وفروعها بما يوقعها في العجز وفي التبعية الاقتصادية. وهذه الدولة باتت الوحيدة القادرة فعلياً على شل أي قرار تتخذه هذه المنظمة عن طريق حقها في النقض (الفيتو) الذي لا تزال دول أخرى تملكه لكن نظرياً ليس إلا... كما أن هذه الدولة تجاوزت كل قوانين الأمم المتحدة في المناسبات المختلفة. فهي حيناً تستند إلى حلف الأطلسي (بصفته يضم النخبة العالمية التي أسلمت حبل انقيادها إلى واشنطن) وطوراً تحتج بالدفاع عن النفس أو عن المصالح، فتتجاوز كل مبادئ المنظمة الدولية دون أن يجرؤ أحد على محاسبتها أو مساءلتها. وهكذا فإن الاستهتار الأميركي بالأمم المتحدة في الخمسين سنة الفائتة قد تجاوز الاستهتار الألماني بعصبة الأمم 1919. ولم يعد هنالك ما يمنع أن تلقى الأولى مصير الثانية. وهذا الواقع يعكس رفض الولايات المتحدة القاطع للدول المعارضة لسياسة العولمة، التي تساير مبادئ الأمم المتحدة في تأمين حقوق الدول واحترام سيادتها وشعوبها ومصير هذه الشعوب وتراثها الإنساني. فإذا ما فشل تطبيق النموذج العولمي ـ الأميركي، فإن الولايات المتحدة سترفض وستنسف محاولات العولمة، التي تعتمد الأنسنة (وهي التي يقال عنها بأنها حتمية) بدلاً من الأمركة. ولكن ما هي المسافة الفاصلة بين الأمركة والأنسنة؟ إن هذه المسافة غائمة وضبابية، ليس في ذهن الإنسان العادي فقط، بل هي تكون كذلك حتى في أذهان الاستراتيجيين والمستقبليين الأميركيين! ويمكننا القول بأن الأميركي نعوم تشومسكي (يهودي ـ بولوني الأصل) هو أحد أهم المتنورين الذين يحسنون توضيح هذه المسافة، وفضح محطات اختلافها الأساسية. ولعل الخطوة الأولى على طريق توضيح هذه المسافة، ومعها الفارق بين الأمركة والأنسنة، هي التعرف إلى فوارق تطبيق المفاهيم الليبرالية داخل الولايات المتحدة وخارجها، فهذا البلد يحاول وبأمانة أن يحول المبادئ الليبرالية إلى نموذج إنساني مثالي، لما يمكن تسميته بالأنسنة. فالبلد ينفق المليارات لتحصين أمنه من احتمالات إرهاب داخلي. لكنه في المقابل لا يصدر قانون منع ملكية الأسلحة النارية وبيعها (وهذا يمكنه أن يحد بصورة عملية من احتمالات الإرهاب والجريمة عموماً). وهذا التقديس للحريات ينقلب إلى إلحاد. عندما يكون الإرهاب خارجياً، بحيث يصل الرد عليه لغاية انتهاك حرمة دول أخرى، لغاية اعتقال رئيس دولة (نورييغا) بعملية كوماندوس، وتصديره إلى الولايات المتحدة لمحاكمته! وعلى الصعيد الفردي نجد أن أي عربي (أو غيره من الشعوب المتهمة أميركا بالإرهاب) يعيش داخل الولايات المتحدة، يستطيع أن ينعم بقوانينها الليبرالية، فهو يستطيع أن يصدر جريدة أو مجلة سياسية (غالباً ما يعجز عن إصدارها في بلده) وأن يضمنها آراءه الصريحة في إطار واسع ورحب من الحرية. لكن نشر الآراء ذاتها خارج البلد يجعل المخابرات الأمريكية تستنفر وتتحرر وتراقب وتسجل وربما تحول حياة صاحب الآراء إلى صعبة!. لو أنت سألت أحد المنظرين الأميركيين عن أسباب فشل تطبيقات العولمة خارج الولايات المتحدة (الدول النامية تحديداً) فإنه لن يتردد في القول بأن العيب ليس بمبادئ نظام السوق والاقتصاد العولمي، لكن العيب والخطأ هو في الفساد، الذي تعانيه هذه الدول. بحيث تذهب القروض وخيرات الاستثمار العولمي إلى جيوب بعض المسؤولين، ويقع مواطنهم العادي ضحية العجز والمديونية والإفلاس. وإذا أنت أجبته بأن هذا الفساد قديم في هذه الدول، وهي كانت تتدبر أمورها في ظل أنظمتها الاقتصادية السابقة، من دون أن تصل إلى حدود الإفلاس، لذلك فقد كان الأحرى بها أن تتمسك بنظامها الأساسي، وأن تبتعد عن خوض مغامرة العولمة! عندها ستجد أجوبة ملتوية تفهم منها أن التمسك بالقديم يتعارض مع المصالح الأميركية! وهنا تبدأ الصورة تتوضح فالبراغماتية الأميركية (سياسة المنفعة والمصالح) تريد أن تسوق أدويتها وتحقق أرباحاً من علاجاتها، حتى ولو كانت غير مناسبة، وذات آثار جانبية قاتلة!؟ بل إن ذلك يحدث فعلاً على الصعيد الصيدلاني (على سبيل المثال) حيث حققت الشركات الأميركية أرباحاً تجاوزت مليارات الدولارات من أدوية ضارة ومؤذية (مضاد اكتئاب يشجع على الانتحار وآخر يتسبب في مرض دموي، ودواء مضاد للسرطان تبيّن أنه يزيد انتشاره ومضاد للفصام يتسبب بعد أشهر قليلة بانتكاسات فصامية خطرة.. إلخ). وهكذا فإن الأدوية السياسية الأميركية موضوعة للتسويق في بلدان لا تتحمل مثل هذه العلاجات القاتلة بالنسبة لها، لكنها المصالح الأميركية. وفي المقابل نجد أن الولايات ولكن ماذا عن حتمية العولمة؟ لقد بات الجميع يعلم أن العولمة الحتمية أو المقبلة حتماً، هي غير العولمة التي يشكو منها أعضاء هذا المؤتمر. فالعولمة الحتمية لا تقبل أن تكون المنظمات الدولية ومؤسساتها والتجمعات العالمية وفروعها، تحت هيمنة دولة واحدة هي الولايات المتحدة. وهذه الهيمنة جعلت كثيرين يساوون بين العولمة (بنموذجها الراهن) وبين الأمركة وهم يرفضون حكماً عالميتها. وهذا يقودنا إلى سؤال آخر وهو هل تقبل الولايات المتحدة بتمرير العولمة وفق نموذج مخالف لنموذجها الأميركي الراهن؟ والجواب هو لا قاطعة، لأن النموذج المطروح راهناً هو الوحيد المناسب للمصالح الأميركية. لذلك علينا أن نتوقع معاداة الولايات للعولمة وتعويقها لها، إذاً هي اتخذت مساراً غير المسار الراهن الذي حددته الولايات المتحدة على قياس مصالحها. ومن يعرف نفوذ وسيطرة هذه الدولة في الراهن العالمي، يدرك بأن مقولة حتمية العولمة هي في طريقها للسقوط. والولايات المتحدة هي التي ستأخذ ذلك على عاتقها. فقد تمكنت من إيجاد القواعد والسبل لتقنين الرأي العام بداخلها، وتوجيهه في الاتجاه المناسب لمصالحها. والجمهور لا يجرؤ على مخالفة هذه القواعد خوفاً من فقدانه للرخاء الذي يعيشه، أو من تدني نسبة هذا الرخاء. وهكذا يتقبل الجمهور الأميركي إيحاءات الحكومة الفيدرالية من دون مناقشة. وبهذا تمكنت هذه الحكومة من حصر الرئاسة الأميركية بالبيض البروتستانت "باستثناء كنيدي" الكاثوليكي الذي اغتيل وحصلت الأقليات السوداء والآسيوية والأمريكية اللاتينية في أحياء وغيتوات خاصة لها (من دون أن تصدر القوانين بهذا الخصوص ـ فالإيحاءات كافية). هذا داخل الولايات المتحدة، أما خارجها فإن هذه الدولة مهتمة بحقوق الأقليات العرقية والدينية! وهي تتساءل عن حقوق المسلمين السنة في إيران، والأقباط في مصر، والشيعة في البحرين.. إلخ، بل إن مصالحها تجعلها تعد لتفجير هذه المشكلات بشكل صراعات أو حتى حروب! وهنا تتضح لنا المسافة بين الأمركة والأنسنة. ولمن يريد التعمق أكثر في معرفة هذه المسافة، فإننا نرده إلى تشومسكي، الذي يقدم مقارنات فاضحة بين سلوك الولايات المتحدة الفعلي، وبين تسترها وراء توجيه التهم للآخرين، وتجاهل أخطائها وتوريتها. وهكذا فإن الاستراتيجيين الأميركيين يقعون في أخطاء قاتلة بسبب هذا التناقض (الفصامي) بين الداخل والخارج الأميركيين. وفي مثل هذا الخطأ وقع هنتنغتون عندما طرح الإسلام والكونفوشيوسية كأعداء حضاريين للولايات المتحدة. إذ انطلق مما يمكن تسميته باختبار العولمة، وإعلانه عن خياراته اللامنطقية من مثل: أن من يقبل عولمة النموذج الأميركي هو صديق ومن يرفضه هو عدو. لكنه تنبه متأخراً إلى أن صداقة القابلين بالنموذج الأميركي ليست دائمة أو ثابتة، بل يمكنها أن تتحول إلى عداء. كما يلاحظ أن داعمي النموذج الأميريكي (اليابان وأوستراليا وأوروبا) لا يقومون بهذا الدعم عن طيب خاطر، لأنه يعاكس مصالحهم. وهكذا فإن من السذاجة بمكان الاشتغال بالإسلام وترشيحه للعداوة، لأنه يرفض الدخول في اللعبة بسبب تعاليمه. وهو لا يذهب إلى أبعد من طرح البنوك الإسلامية بديلة للشركات عابرة القارات (وهو طرح محلي غير قابل للتصدير). أما عن الإرهاب الإسلامي فإن هنتغتون يدرك بأنه اختراع أميركي. لذلك وجدنا صاحب فرضية صدام الحضارات. يلتف على نفسه، ويدعو إلى ضرورة تحديد وتعريف دقيق للمصالح الأميركية ولاتجاهاتها، بل وجد هو أن المصالح الأميركية تتآكل بسبب العجز عن تحديد العدو، كونه صديقاً راهناً وحتى إشعار آخر. خلاصة القول أن ملامح فشل تصدير النموذج الأميركي بدأت ترتسم بصورة واضحة. وسقوط النمور الأسيوية سوف يؤدي إلى تباطؤ وتلكؤ العديد من الدول في خوض تجارب الخصخصة وتطبيق نظام السوق. وربما بدأت هذه الدول تحتال للهروب من كأس العولمة الأميركية، بعد أزمات روسيا والبرازيل، مما يعني كساد سوق تصدير النموذج الأميركي المعولم. وفي هذه الحالة فإن الولايات المتحدة سترفض أي نموذج بدلي لأنه يضرب مصالحها. من هنا فإن الخطوة الأميركية المقبلة ستكون في عملها على إحياء سياسة الأحلاف وتحريك رصيدها القديم في هذا المجال، حيث السيطرة على الأحلاف أكثر فائدة وعملانية من السيطرة على الأسواق، خصوصاً أن المكاسب الاقتصادية التي حققها حكم كلينتون، ستجد نهايتها مع انسحاب الدول النامية وتحفظها على الانخراط في العولمة الأميركية، وأيضاً مع انهيار اقتصاديات الدول المتعولمة (سابقاً) المتعرضة للأزمات والانهيارات الاقتصادية. وهذه التهديدات تجعل من النفط العربي البؤرة الدائمة لاهتمامات المصالح الأميركية. وحماية هذه المصالح لا يمكن أن تؤمنها الأساليب الأميركية الراهنة، خصوصاً بعد أن شارفت الرواية العراقية على نهايتها. وكانت تقارير البنتاغون قد أشارت في العام 1990 إلى بؤرة إضافية، إذ أشارت في حينه إلى الكويت والبحرين. فإذا ما استنفدت الكويت دورها فإن البحرين ستكون البديل الجاهز. ولقد تم اختباره مرات عديدة للتثبت من جهوزيته! لكن الولايات المتحدة، قد تدرك أنَّ مثل هذه الأزمات لا تخرج على كونها حلولاً مؤقتة، وخطرة على مستقبل المصالح الأميركية. لذلك نجدها قد باشرت إعادة إحياء سياسة الأحلاف بدعمها الحلف التركي ـ الإسرائيلي (دعم إعلانه لأن وجوده المادي قديم) وبالعمل على توسيعه وفق خطة مستقبلية محددة، ينتظر تنفيذها حدوث بعض التغيرات المحسوبة والمؤكدة (بحسب التقارير الأميركية)، بحيث تأتي الأردن والدولة الفلسطينية (بعد دخولهما في كونفدرالية) كعضو جديد في هذا الحلف. فإذا ما ترسخ الحلف على هذا الأساس فإن توسيعه يرتبط بمجرى العملية السلمية. وعندها فإن تفجير أزمات المنطقة سيتم توظيفه لدعم توسيع هذا الحلف. ولعلنا نجد في هذا، التفسير للامعقولات الأميركية الراهنة كافة في منطقتنا، والتي قد تعقبها مفاجآت قريبة أكثر لا معقولية من تلك الراهنة، وانطلاقة هذه المفاجآت مرتبطة بوفيات الأعيان العرب خلال السنتين المقبلتين، وبعضها غير متوقع الآن، في حين يعتبر بعضها الآخر من المسلمات. وبانتظار ذلك، فإن المخابرات الأميركية سوف تتلهى بتصفية بعض الشخصيات التي قد تملك قدرة على التحرك في وجه المفاجآت الأميركية المقبلة.‏

5 ـ العولمة ونهاية القوميات:‏

ويشبه موقف الدول العربية من العولمة اليوم موقف ذلك الرجل الذي تعلق بامرأة ضحى بكل شيء للحصول عليها ثم اكتشف أنها عاهرة. ولذلك فقد تأخرت معرفة العديد من الدول العربية لهذه الحقيقة. فكانت النمور الآسيوية ودول الأزمات الاقتصادية أول من اكتشف هذه الحقيقة، لكن بعد فوات الأوان. أي بعد أن نجحت العولمة في إغواء العالم على هذه الصورة وبهذه الكثافة. وقد انطلقت المسألة من ترويج لجملة شائعات، أولها "النظام العالمي الجديد" ولاحقها "نهاية التاريخ" و"نهاية الإيديولوجيا" و"نهاية القوميات" وغيرها من النهايات التي جعلت العالم يقتنع بأن الزمن قد تجمد عند حرية السوق حتى بات يسير بخط مستقيم لتجاوز العقبات التي قد تدفعه لتغيير مساره، فراح الجميع يستنسخون "نمط الحياة الأميركي" دون أن يتوقفوا ولو لحظة لسماع ما جرى للنعجة المستنسخة المسماة "دوللي". فالمسكينة شاخت قبل أوانها وأصيبت بمرض "الهرم المبكر". كان السباق على الاستنساخ حامياً طيلة عقد التسعينيات وسيقت الدول النامية إلى العولمة مثل النعاج. وبعضها ذبح فانتبه قبل الذبح بقليل إلى الواقع دون أن يملك مقاومته. وبعضها الآخر ينتظر الذبح دون أن يعلم بما ينتظره. حتى جاء ثلاثاء 11/9/2001 ليبين أن النهايات كانت مجرد خدعة. فالإيديولوجيا لم تمت لأن انتحاريين متنوعي المشارب ما زالوا مستعدين للموت دفاعاً عن عقائدهم. ولأن العولمة أهملت جانباً من الكرامة الإنسانية تحت اسم "الاعتراف". بل إنها حاولت خنق هذه الكرامة بالحديث عن حقوق الإنسان. هذه الحقوق التي تنبثق قيمتها من رغبة الإنسان في الحياة. وهذا ما يبينه التعديل الأميركي لمهام المخابرات وتوسيع صلاحياتها وهما يضعان حداً فاصلاً للعولمة. فهذا التعديل ليس هو إلا إعلاناً أميركياً دعاوياً عن سقوط العولمة. بل أنه إعلان عن نهاية شائعة الحريات الأميركية كلها (الإنسان والمرأة والطفل والأقليات... الخ). وتدعم هذا الإعلام عودة المخابرات الأميركية إلى عملياتها السوداء التي تجسد مراجعتها نماذج "إرهاب الدولة". وذلك بمبرر مكافحة الإرهاب الدولي.‏

هكذا تعود الولايات المتحدة إلى زمن تبريرات استعمال القوة. فإذا ما تجاهلنا إبادة الهنود الحمر، لكونها تمت على يد نظام غير خاضع لدستور الآباء الأوائل أو الحجاج الكالفينيين، فإننا نبدأ من القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي في اليابان. وبعدهما تأتي مسلسلات الانقلابات والاغتيالات التي استمرت معلنة لغاية نهاية حرب فيتنام، لتستمر في الخفاء ثم تعود راهناً بقرار تفويضي علني من الكونغرس والرئاسة. بذلك تم افتضاح أمر العولمة وانكشافها بحلول سياسة الأحلاف مكانها. وهو حلول تدريجي بدأ مع إعادة إحياء حلف الناتو (26/4/1999) وقبلها بدعم الحلف الإسرائيلي ـ التركي وبعدها بحلف كوسوفو. وراهناً بحلف "الحرب الكلية" ضد أفغانستان. وهذه المرة لا تخفي أميركا عدوانيتها بل جيشت كل الدول التابعة لها في هذه الحرب ومن بقي خارج الحلف فهو عدو لها ولا مكان للوسطية لديها أو التذبذب في هذا الأمر الخطير. هكذا أصبحت الليبيرالية الأميركية أو النموذج الأميركي في الديموقراطية حبراً على ورق بل أكذوبة تستخدم ضد أعداء مصالحها، أو كمشجب تعلق عليه واشنطن كل أغراضها الوسخ منها أو النظيف على حد سواء.. وبذا نسفت مبادئها القائلة بالحرية وحقوق الإنسان وبتقرير المصير واحترام الآخر ومعتقداته إلى ما هنالك.. وهنا تم النكوص إلى هنتنغتون وفرضيته حول "صدام الحضارات" كمبرر لهذه العدوانية وإرهاب الدولة الأميركية وكذلك إرهاب الدولة في إسرائيل الذي هو نموذج مصغر عن إرهاب الولايات الخمسين الأخرى (باعتبار إسرائيل الولاية الواحدة والخمسين). إذن إن المصالح هي وحدها الموجهة للسياسة الأميركية الخارجية وبخاصة تلك التي تتمحور حول دول الشرق الأوسط، ذلك لأن النفط العربي هو صمام الأمان الوحيد للاقتصاد الأميركي. لذا فإن تهمة الإرهاب الموجهة إلى دول المنطقة في هذه الحالة إنما هي ساقطة لأنها موجهة من قبل إلى الإرهاب في العالم الراهن.. وتسقط معها كل شعارات العفة والفضيلة والأخلاق التي يتشدق بها كتاب البيت الأبيض. بذلك نصل إلى تحديد منطلقات حوارية واضحة على أرضية كارثة الثلاثاء التي تشير إلى تقصير أجهزتهم الأمنية وتوريط الآخرين بها، بل إلى الإعداد الدقيق والمبيت لهذه الكارثة بأيد أميركية وبعقل صهيوني، وإلا لماذا لم يأت أي يهودي من موظفي هذين المركزين إلى أعمالهم ذلك الصباح؟ أليس هذا السؤال هو الباقي بلا جواب؟ وإذا لم يكن البنتاغون على علم بهذه المؤامرة فما هي مهمة هذه المؤسسة إذن؟ إن العالم كله قانع بما حدث إلا الأميركيين فهم وحدهم غير القانعين فلماذا كل هذا الاستخفاف بالناس وبالحق وبما يرمون إليه من وراء كل ذلك ومنه النفط العربي وخامات الدول المسماة بالمستقلة؟ وعلينا البحث بالمقابل بعيداً عن إيحاءات التهديد فتكون نقطة انطلاق الحوار من إلغاء تهم الإرهاب والإعلان الصريح عن موضوع الحوار وهو النفط دون أية مواربة ونفاق أو محاولات تفتيت عنقودية.‏

(1) Edgar Morin- Duh Vremena - Bgd. 1967.‏

(2) Idgar Morin- Duh Vremena- Bgd. 1967. مرجع سابق.‏

(3) راجع ترجمتنا للكتاب - Teorija Romana, Beograd 1966‏

(4) في عام (1859م) ظهر كتاب: "أصل الأنواع" لـ (دارون) ومنهجه الذي ينتهي بالغرب إلى نزع القداسة عن الإنسان "كونه مخلوقاً لله" ونسبته إلى الطبيعة، والإعلاء من شأن القوة في مقابل القيمة "فكرة البقاء للأقوى وليس للأصلح" ـ وفي (1867م) صدر كتاب: "رأس المال"، الجزء الأول لـ (ماركس) وهذا كان محاولة لهدم المفهوم الأرستقراطي والاقتصادي الرأسمالي الموجود في الغرب وبرجوازيته ـ (1882م ـ 1883م) ظهر كتابان لـ (نيتشة) وهما: "العلم المرح"، و"هكذا تكلم زرادشت" وطرح بدعته عن موت الإله، وانه ينكر أن يكون هناك إله مجاوز لهذا الواقع ـ (1890م) صدر كتاب "الغصن الذهبي" لـ (جيمس فريزر) وتكلم عن الأساطير المؤسسة للمسيحية وعلاقاتها بالأساطير ـ (1895م) اكتشاف أشعة (إكس)، وبداية دخول العالم الداخلي للإنسان ـ (1900م) كتاب "تفسير الأحلام" لـ (فرويد) ـ (1905م) النظرية النسبية في صياغتها الأولى لـ (أينشتين).‏

(5) في كتابه "مقدمة في الشعر العربي" ا. ع. سعيد.‏

(6) صراع الحضارات ص 29.‏

(7) مهاتير محمد ـ مؤتمر الدول السبع عشرة ـ المنعقد في منتجع مونتيجو بأي بجامايكا 2004.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-20-2006, 03:40 AM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الرابع: الإعلام المعاصر وأشكال الهيمنة





* لمحة تاريخية:‏

الإعلام ظاهرة اجتماعية دخلت إلى المجتمعات البشرية منذ بدائية العصور الإنسانية حتى اليوم وبذا فإنه يشكل عصب الحياة المعاصرة ووجهاً من وجوه الحضارة، كما يعبر عن السياسة والاتجاهات الفكرية والظروف الاجتماعية والنظم الاقتصادية ويؤثر فيها كما يتأثر بها ومما لا شك فيه أن التطورات الإيديولوجية والقيم والمبادئ المنبثقة عنها تمثل لحمة الإعلام وسداه.‏

كان الإعلام في دولة أثينا يقوم على الأسطورة لتأدية أغراض سياسية بوساطة الخطابة والمسرح فتؤدي هذه الوسائط مجتمعة دور وزارة الإعلام.. فيما كانت سوق عكاظ والمربد في الجزيرة والرافدين تمثلان وزارة الإعلام في تأديتهما لأغراض ثقافية، أدبية وسياسية/ كان زهير بن أبي سلمى ـ على سبيل الظرافة ـ يضع كفه على رأس سيفه عندما يبدأ بإلقاء حوليته دون أن يتأثر بالألم أو بالدم النازف من يده جراء انفعاله بما يلقيه.. فكم هذه الصورة مؤثرة؟!/ إلى أن جاءت المطبعة وهنا دخل الإعلام في مجال العلم ولاسيما علم النفس بعد قيام الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر فتطورت وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية ثم المذياع والتلفزيون والسيارة والطيارة والقطار، وظهور آلة الروتاتيف في طباعة الصحف، وميلاد صحافة البنس أو الصحافة الصفراء أو الصحافة الشعبية بدءاً من 1880، والدخول القوي للإعلان كممول أساسي للصحف، وانتشار التعليم وانتقاله إلى تعليم شعبي وإلزامي، وبروز "المجتمع الجماهيري" كل هذا التطور المتسارع والنوعي في الإعلام حوله إلى ما أسمي بالإعلام الجماهيري The Mass Media. وتعززت هذه الصفة بعد ظهور الإذاعة في العشرينيات والتلفزيون في الخمسينيات.‏

وفي الحرب العالمية الثانية أنشئت وزارات الإعلام في الدول التي كانت تحتاج إلى التأثير على العدو من الناحية الحربية ـ والجهوزية القتالية ـ والسياسية والاقتصادية واقتصرت. مناهج هذه الوزارات وبرامجها الإعلامية على الدعاية العسكرية وهذا ما عرف بالحرب النفسية، وهدفها الترويج للقضية المعنية مباشرة أو مداورة فكانت تبث مادتها مباشرة أو عن طريق إعلان تجاري لسلعة أو وباء ليس من أجل لفت الانتباه فقط بل لخلق الاعتقاد بما يبثه لدى الطرف الآخر المعادي.. وهذا ما عبر عنه غوبلز (وزير إعلام هتلر) بالقول: إن الجماهير تصدق الكذبة الكبيرة أكثر من الصغيرة أما الكذبة الخطيرة فتكتم ويسّر بها إلى المقربين (مع تنبيههم ولفت أنظارهم إلى أن الخبر سري ويجب كتمانه) وهذا هو المقصود في نصائح غوبلز التي بلغت العشر‏

* وبعد انتهاء الحرب الكونية الثانية قامت حرب من نوع جديد بين الحلفاء وهي حرب دعائية تقوم على الكذبة الصغيرة والمتوسطة والكبيرة معاً، لا على المدافع والقنابل والصواريخ العابرة للقارات ـ وهي فترة الحرب الباردة ـ الدعائية النفسية المركزة والتي أودت بالاتحاد السوفييتي بعد توريطه بغزو الفضاء وكان اقتصاده لا يحتمل تلك النفقات الهائلة، فرضخ لثقل المهمة ودفع ما دفعه من ثمن باهظ.. أما دافع هذه الحرب فهو تعدد أنظمة الحكم في العالم والعقائد الاجتماعية والأحزاب.. ولهذا ارتكزت في صراعها على وسائل الإعلام لا على آلة الحرب الفاتكة واهتمت بالرأي العام العالمي ووسائل الاتصال الجماهيرية..‏

* ومع تقدم التقنية والتقنية والتطور الإعلامي المعاصرين قامت الدول والشركات بإنشاء محطات إذاعية وقنوات تلفزيونية متخصصة أخذت توجه موادها إلى جمهور أفقي، وجمهور عمودي موجود بفعل دافع الاهتمام، الهواية، المهنة، التخصص. وهكذا أنشئت قنوات تلفزيونية تراثية موجهة، وأخرى رياضية (اعتمدت في البدء على برامج الملاكمة)، وأخرى فكرية وأدبية انتهجت نمط ما يسمى بالحداثة أي قطع الصلة مع الماضي والتمتع باللحظة وعدم التفكير بالمستقبل..‏

إلا أن التزايد الكبير في عدد القنوات، خلخل مكانة القنوات الإعلامية السابقة، في العالم عموماً ومن ضمنها منطقتنا العربية. وتجلى ذلك في تناقص عدد جمهور هذه القنوات ومتتبعيها، بعد أن أعيد ترتيب هذا الجمهور والبرامج الإذاعية والتلفزيونية وخطابها من جمهور الأمة الواحدة أو كشعب موحد، ذي أهداف ومثل وقيم وتجارب اجتماعية وعاطفية، إلى برامج من نوع خاص، همها نسف هذه القيم من جهة، وتقويض سلطة وصلاحية "الدولة الوطنية" من جهة أخرى، وأصبحت تخاطبه كفئات اجتماعية مشتتة مفككة وبلا رابط وطني أو قومي أو أخلاقي وبلا هوية.. ومعظمها تسلوي وليس معرفياً بالطبع.. .. وأوضح خبراء الكيتش الأميركيون: "بأن وسائل الاتصال أصبحت بديلاً للوحي والإلهام نظراً للتوسع العلمي والتقني الذي أدخل هذا الإعلام في وضع جديد وعقل جديد وأداء جديد أيضاً.."(1) ومن هنا كانت دعوة صموئيل هانتنغتون بأن الثقافة القادمة هي جديدة ويجب على الثقافات العقائدية أن تترك مكانها وتتنحى لأنها ثقافات بائدة وتدخل روح العصر أو العولمة. ويلاحظ أنه في ظل هذه التغيرات والسيطرة والاحتكارات الإعلامية بدأت مكانة وسائل الاتصال الفردية في التزايد، بشكل متفاوت من مجتمع إلى آخر، وسمح الكومبيوتر بالاستهلاك. الفردي للمضامين الثقافية والإعلامية، مثل متابعة برامج التلفزيون عبر شاشة الكمبيوتر وكذلك الأحداث والأخبار وما إلى ذلك.‏

* وقد نجح الإعلام الغربي في اقتحام وسائط الإعلام العربية من أبوابها العريضة دون أي إذن أو جواز مرور.. فقامت قنوات على نمط ونهج الإعلام الغربي اعتمدت الحوار المفتوح والتحليل المختلف والخبر النوعي والسريع، كما الحال في قناة الجزيرة أو LBC والعربية مؤخراً. التي سلكت جميعها نفس السلوك مع زيادة في برامج الجنس ونصف التعري. ويعتقد البعض أن التغيرات التي طرأت على البرمجة التلفزيونية في القنوات العربية يتعلق بإيقاع الحياة الاجتماعية المحلية وليس بالتأثيرات الكونية وهذا مناف لواقع الإعلام العربي الراهن بطبيعة الحال.. فمعظم القنوات والمطبوعات المحلية أو المهاجرة تتبع للممول الذي ربما كان محلياً ولكنه إقليمي أو دولي بالتأكيد.. وإن المنافسة بين القنوات التلفزيونية على الصعيد الدولي لها دورها الفاعل في مجال البرمجة التلفزيونية على صعيد القنوات المحلية، ولهذا فإن موقع الجمهور قد تغير في المعادلة الإعلامية التقنية الحديثة ـ العولمية ـ، إذ لم يشرك الجمهور فيها من قبل ولم يصبح طرفاً مشاركاً فيها الآن.. وبالتالي لم يعد يطلق على الجمهور تسمية القارئ أو المشاهد أو المستمع، بل أصبح يسمى "المستخدم" User نتيجة المنهجيات التي فرضتها التكنولوجيات الحديثة ولم يعد الإعلام جماهيرياً بمعنى الشعبي بل عولمياً أي متغرباً. ويمكن عقد مقارنة بسيطة بين التقنيات والقنوات التقليدية والراهنة في هذا المقام فنقول أن هيئة الإذاعة البريطانية BBC، وصوت أميركا. AV و RAI الإيطالية ـ وغيرها من القنوات الغربية الموجهة كانت النموذج الإذاعي والتلفزيوني الأمثل للمحطات الإعلامية في عقد الخمسينيات والستينيات. فيما أصبح النموذج الناجح في التسعينيات هو سي آن آن CNN وmtv وmbc و"قناة الجزيرة" وآرتي، وأوربيت.. الخ.. بالطبع إن هذه القنوات كلها متخصصة في الحوارات المفتوحة والبرامج الوثائقية الكاشفة والخبر الطازج والتحليل الإخباري السياسي الجريء، وقلما تلجأ إلى البرامج الفكرية والأدبية إلا ما ندر.. ويشفع لها في ذلك انتشار مراسيلها في شتى أنحاء المعمورة وفي مكان الحدث على الفور.. وكأنها هي صانعته أو العالمة به قبل وقوعه.. وكذلك خبراؤها ومحللوها المتخصصون (المتفرغون وتدفع لهم مبالغ عالية) وصارت هذه القنوات نموذجاً يحتذى به في الدول العربية قاطبة.. وقد تحولت هذه القنوات إلى مقصد يؤمه المعارض والمخالف والمختلف ليبث آراءه منها، ومرجعاً للقنوات التجارية، ونموذجاً للقنوات الناجحة أيضاً وهذا ليس اعترافاً منا، بل حقيقة، وإن سألتم عن السبب فنقول: هو في تقصير القنوات الأخرى واعتمادها الساذج على البرامج الممجوجة المكرورة أو المنقولة أو المستعارة من القنوات الأخرى وعلى المرسل/ المعد والمذيع/ غير المنتقى بدقة بل بتأثيرات ما ولفظه اللغوي الركيك أو المشوه ـ وكأن اللام لديهم قمرية فقط ولا يعرفون اللام الشمسية كما أن قلة قليلة من المذيعين والمذيعات في التلفزة العربية قاطبة دون أي استثناء هم من خريجي كليات اللغة العربية وآدابها على كثرة الخريجين/ وأداؤهم غير المناسب للمكان ولا للزمان، وغياب عنصر المثير الإعلامي بتشتيت وحدة الموضوع والتكرار والانتظام، كأن ينقلني المخرج من نقطة إلى أخرى دون تمهيد ومن فكرة إلى نقيضها دون تدقيق وخاصة في الموضوعات الفكرية ـ السياسية أو الأدبية.. والكاريكاتير في الصحيفة التابعة إذا اقترن بفكرة هامة وصورة ساخرة.. والتقيد بعناصر الإثارة: من إثارة الانتباه إلى الاهتمام ثم الانطباع ثم الامتناع وأخيراً النزوع الخ.. وتستحسن الإشارة ههنا إلى أن الإنسان تحكمه قوانين أساسية بدءاً من الذاكرة وهي على مراحل: الحفظ والاحتفاظ والاستعادة.. خاصة وإن في الإنسان مناطق لم تكتشف بعد وتشبه الصحراء وفيها مرتكزات حساسة.. كما إن في الجهاز العصبي مناطق للاختيار، تختار الخلايا ما يعجبها وترفض أخرى.. لماذا؟ لأن الأمر هو محض عملية عصبية تنقل معلومة إلى المخ فيقوم بتصنيفها وتوزيعها على المراكز ذات العلاقة وهي: الرمز، والربط، والتواصل أو الترابط.. أي نقل العلاقة بين الأشياء من المركز الأول إلى الثاني أما المركز الثالث فينقل العموميات، وكلما كانت هذه المعلومات قريبة من القيم فإنها تؤثر في الإنسان وتدخل الروح والقلب. وهكذا يتواصل الأفراد والجماعات فتتكون شبكة من العلاقات الاجتماعية عن طريق الإعلام كونه حاملاً لمواد التواصل. وكذلك تكوين الاتجاهات.. وهنا نسوق مثالاً من التجربة الأمريكية أثناء الحرب على الصين وكوريا.. فقد ذكر أدوارد سليب Edward Slep ـ مختص بعلم النفس الجماهيري ـ أنه قابل أسرى أميركيين من هذه الحرب، فسأل أحدهم عن رتبته فأجاب بأنه ملازم فنزع رتبته وتساوى مع بقية الأسرى من الرتب الأدنى مما جعله يتحول عن الانضباط العسكري ـ ثم أتت مرحلة التعذيب ـ وهنا تبدأ مرحلة الحنين إلى الوطن، فيأخذه إلى زنزانة لا يسمع فيها حتى دقات قلبه ويقدم لـه الطعام خلسة دون أن يدري أو يرى لمدة أسبوعين وبعد العزل والتلقين يقرأ عليه تعاليم العم ماو أسبوعاً.. وبعدها طلب منا أن ننقد أنفسنا فقمنا بذلك وهنا تمت عملية مسح الدماغ المطلوبة.. أي التحدث عن عيوبه وحسناته علناً وعندما عاد إلى أميركا سأل نفسه هل سيجد هنا حزباً شيوعياً أميركياً يحتمي به؟ فلم يجد لأنه ممنوع. إذن إن الإعلام ليس فقط بث صوت وصورة وموسيقى أو هز جسد وعض شفاه بل هي إقناع وإمتاع، وتسلية وتثقيف وتأثر وتأثير تقوم على أسس علمية.. وقد قطع الآخرون أشواطاً في هذا المضمار ونحن ما زلنا نستعير ونكرر أو نردد في عصر لا ينتظرنا فيه أحد.‏

* إضافة إلى كل ذلك فإن هذا التطور لا يمكن أن يفهم بعيداً عن إشكالية وسائل الاتصال المرئية والمسموعة والمقروءة الوطنية، وطبيعتها ووظيفتها في ظل السيطرة العولمية بامتداداتها المختلفة في المجال الثقافي والإعلامي والاقتصادي.. ولا تتجلى صورة هذا التطور إذا استبعدنا عملية إعادة النظر في هذه الوسائط على ضوء هيكلة الاقتصاد الدولي وعملية اندماج الشركات المنتجة للإعلام، والثقافة، والترفيه، والتسلية، مع قطاعات تجارية ومالية واقتصادية.‏

1 ـ لقد ألغت تكنولوجيا أقمار الاتصال عنصري الزمان والمكان، فلم يعد البعد المكاني حائلاً دون التواصل بين مجتمعات أو أفراد تبعد بينهم الشقة باتساع الكرة الأرضية كلها، فالحدث الذي يقع في العراق أو في كوريا وصربيا مثلاً، يتردد صداه في أي مكان آخر من العالم... وكما ألغت التكنولوجيا الحديثة عنصر المكان، ألغت أيضاً عنصر الزمان فالأحداث بمختلف أشكالها تنتقل ساعة وقوعها، أو بعد ذلك بقليل من مكان وقوعها إلى أي مكان آخر يمكن الوصول إليه ويهتم بمتابعة هذه الأحداث. وما ينطبق على الأحداث يمكن أن ينطبق على المعلومات والمعارف، فقد أصبح العالم كله شريكاً في شتى مجالات المعرفة، وأصبح من الممكن التلاقي بين الأفراد والمجتمعات عبر الهاتف أو الفاكس أو القنوات الفضائية الأخرى..‏

2 ـ واستفادت الصحف بشكل آخر من التكنولوجيا الاتصالية الحديثة، فأصبح في الإمكان ظهور الصحيفة في أكثر من مدينة في نفس الوقت، إذ تتولى الأقمار الصناعية نقل صورة الصفحات بين مراكز الطباعة المختلفة في وقت واحد/ فجريدة "الشرق الأوسط" مثلاً تطبع في نفس الوقت في كل من لندن وجدة والدار البيضاء. وتظهر في كل هذه المناطق في وقت واحد، وكذلك الحال بالنسبة لجريدة الأهرام الدولية التي تطبع في وقت واحد في كل من القاهرة ولندن ونيويورك وصحف عربية ودولية أخرى كثيرة/ وذلك بفضل التقدم الهائل في التكنولوجيا المتطورة. وتعددت أقمار الاتصال وزادت إمكانياتها وقدرتها على حمل المزيد من القنوات التي يمكن تخصيصها للتلفزيون أو الإذاعة أو لنقل البيانات والمعلومات، وبدأ استخدام ما يسمى بالنظام الرقمي والإشارة المضغوطة التي ضاعفت من عدد قنوات الاتصال الفضائية عدة مرات، على القمر الواحد دون زيادة في التكلفة. فالقناة القمرية التي استأجرتها مصر على القمر الأوروبي على سبيل المثال، أصبحت تحمل قناتين تليفزيونيتين (القناة الفضائية المصرية، وقناة النيل الدولية، بالإضافة إلى ثلاثة برامج إذاعية) ومن المتوقع أن تزيد هذه الإمكانيات فتصل إلى ثمانية أضعاف الإمكانات القائمة في الوقت الحاضر وذلك بسبب التقدم في التكنولوجيا/ ففي عامين اثنين 92 ـ 1993 ارتفع عدد القنوات الفضائية العربية على سبيل المثال حتى وصل إلى أكثر من أربع عشرة قناة ومن عام 1993 حتى 1998 ارتفع عدد القنوات إلى 40 قناة ومن المتوقع زيادتها في السنوات القادمة أضعاف ذلك، وهذه الإمكانيات كلها شجعت الدول في القنوات الغيورة على قضايا الأمة على استخدام القنوات التليفزيونية الفضائية في بث ثقافتنا على العالم، والدخول في عصر المنافسة للحصول على ثقة المشاهد، مما أدت المنافسة إلى الاتجاه لتخصص القنوات من حيث المادة والجمهور المستهدف من أجل تفتيته إلى شرائح متباينة، فبدلاً من تقديم قنوات تليفزيونية شاملة تتضمن الإعلام والتوثيق والترفيه، بدأت بعض القنوات تتخصص في الأخبار أو الرياضة أو برامج الأطفال أو الأفلام الروائية أو غيرها، واكتفت كل قناة بجمهور محدود وفقاً لاهتماماته، بعد أن كان التطلع دائماً نحو أوسع قاعدة ممكنة من الجمهور بل من المعلن بالحقيقة.‏

3 ـ وهناك أيضاً أقمار التوزيع التي توصل الإشارة إلى محطات أرضية صغيرة تتولى توزيعها في الأماكن المحيطة عن طريق الميكروويف أو أنواع الترددات المختلفة. وهناك شبكات التوزيع الأرضية أو شبكات الكوابل التي توزع الإشارة على المشاركين في الخدمة التليفزيونية، وتستخدم هذه الشبكات تكنولوجيا "الألياف الضوئية" القادرة على حمل أكثر من مائة قناة تليفزيونية بكفاءة عالية من حيث الجودة ونقاء الصوت والصورة، أو تستخدم الترددات الكهرومغناطيسية وتسمى في هذه الحالة بتسمية متناقضة هي "شبكات الكوابل بلا كوابل"!!. ومن المؤكد أن استقبال البرامج والمواد التي تبث من هذه المحطات سوف يلعب دوراً خطيراً في التأثير على العادات والتقاليد والثقافة واللغة العربية بل يمكن أن تبتسرها في بعض المجتمعات أو تمحوها والأمثلة على ذلك كثيرة ومتنوعة.‏

يستنتج مما سبق أن النجاح الإذاعي أو التلفزيوني في عصر العولمة لا يقاس بالقيمة المضافة في المجال الثقافي والمعرفي وبالمنفعة الاجتماعية، بل يقاس بالعائد التجاري. وهذه حقيقة أجبرت القنوات الإعلامية العربية الحكومية على خوض رهان وجودها، إذ إن عليها منافسة القنوات الخاصة الممولة من شركات لم يكن يعرف مصدر تمويلها الحقيقي ولا الجهة السياسية الخارجية التي تتبع لها حتى وقت قريب.. وصار البحث عن مصادر التمويل في قطاع الإعلان هو الهم الأكبر لهذه القنوات عامها وخاصها. وبذا نلاحظ أن برامج القنوات العامة أصبحت تشابه برامج القنوات الخاصة مما دفع المتلقين إلى التساؤل عن الفارق بين هذه أو رأينا فيما سبق كيف اقتحمت الثقافة السوداء الثقافات القومية وكثفت عمليات المركزة ونشاطها لنسف الوقائع الحضارية والروحية ـ الأخلاقية والعقلية عن طريق الإعلام ووسائطه التقنية المتقدمة من علم وتقانة، وفي مقدمتها المنجزات التاريخية لهذه الشعوب كما مر معنا آنفاً، والتي هي نتاج التأمل والإدراك والمعارف والوعي والمثل أو القيم، بغية تمهيد السبيل لسيطرة الأخطر وهي ترويض العقل البشري.. وحدث هذا كله بواسطة وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية المتكاثرة عبر العالم.. ويتسم الإعلام المعاصر بسمات ثلاث هي: أنه مختصر جداً، ومكثف جداً، وسريع جداً.. حتى يبدو وكأنه شبيه بـ "السندويشة" السريعة التي تحرض على الأكل أو تثير الشهية من دون أن تشبع.. والإعلام المعاصر يقدم المادة التي لا تحتاج إلى إشغال الفكر ولا تستدعي التأمل والنقد أو التحليل. لسبب أساسي هو أنه سطحي ولا يثير غير الرغبة في التسلية والترويح عن النفس والتحفيز الجنسي عبر مشاهد التعري الفاضحة والإعلان التجاري، حيث يستخدم جسد المرأة والمواطن المثيرة فيه كمعبر للدعاية لسلعة أو حدث احتفالي وما إلى ذلك.. وهذا الإعلام هو شديد الخطورة على الروح والعقل معاً، ذلك لأنه لا يدخل في حوار مع المتلقين، وهو يتجنب النقد أصلاً ليس كما يظن البعض بأن الجدل والنقاش أو النقد يقصي هذا الإعلام عن برجه العالي ويكشف عوراته التبريرية ويقوده إلى الاعتراف بالآخر وافتقاره للصدقية، كلا بل لأن طبيعة تكوين هذا الإعلام الغائي إنما تقوم أساساً على قاعدة مطلقة وهي: الكذب وتربية روح الانقياد وتصديق كل شيء بالاعتماد على التقنية الهائلة التي تهدف إلى عدم نفاذ الرؤية الصحيحة عن حاضر البشرية ومستقبلها والتعتيم على الحقائق وإلهاء الناس عن الغوص في القضايا الحساسة والجادة التي تمس وجودهم وبقاءهم ومصائرهم وكبريات القضايا التي تخصهم.. ولأجل ذلك يدأب هذا الإعلام على طرح مسائل جانبية وعائمة لحرف المتلقين عن دورهم الحقيقي، بعيداً عن وعيهم ورقابتهم.. وقد عود هذا الإعلام متلقيه على التزمت الديني أو السياسي والإثني والطائفي وكذلك النشاط الرياضي بأشكاله أي ترويض الروح والعقل والبدن معاً.. كأن تقام المباريات الدولية أو مباريات كأس العالم إما في فترة الامتحانات الدراسية أو في الحرب (كما حدث في عام 1982 أثناء الاجتياح الإسرائيلي الغاشم للبنان) ولهذا قامت دول عديدة بنقل فترات الامتحانات إلى غير موعد المباريات الدولية وهذا ما يؤكد نجاح هذا الإعلام في التأثير على الناس وعلى السياسات التعليمية المحلية دون منازع.. وهذا يعني نجاحها في تعميم روح الانقياد والامتثال لسياستها وأهدافها التي سعت إليها منذ أربعينيات القرن الماضي حتى الآن، وكونت، في نفس الوقت، مخرجاً للإعلام العربي من حالة الاستعصاءات الحرجة والاستحقاقات التاريخية في الفترة الضاغطة والمأساوية التي ما انفكت تستبد بأمتنا العربية منذ نصف قرن من الزمن. وقد أوجدت هذه الأوساط أقنية رديفة تحك على "جرب" المصابين بداء التبعية والانقياد للإعلام الأسود والسياسة والثقافة السوداء، لتنكأ جراح الناس بين الفينة والأخرى وفي الأوقات المريرة عبر برامج حوارية مفتوحة يفتقر إليها الإعلام المغلق، وتقوم هذه الفضائيات على تقديم المادة أو الرأي المعاكس أو أكثر من رأي ـ كما هو حاصل في قناة الجزيرة ثم في العربية التي تأخذ جانب الحياد في معظم الأحيان وقد اختارتا معدي برامج ومذيعين متخصصين ـ أي دون واسطة كما الحال في كثير من المحطات العربية ـ ولعل من ضمن منهجها إثارة الفتن واليأس في الساحة العربية تحت شعار الرأي والرأي الآخر أو ديموقراطية التعبير والفكر الحر، وليس من أجل أن تكون هذه القنوات منابر حرة حقيقة، وأوضح مثال على ذلك قناة الحرة التي أنشئت بعد إسقاط بغداد واحتلال العراق من قبل الإدارة الأميركية وقد حشدت لها طاقات تمويلية وفنية كبيرة لتسهم مع غيرها من المحطات التلفزيونية في توجيه الثقافة العولمية ونسف الهوية وبالتالي الإفادة من تجارة الإعلام ـ سواء في الإعلان أم في المساهمات التجارية الخدمية والترويج لها على غرار المصائف المشبوهة، الجنسية والمقامر وما إلى ذلك.. وإذا علمنا أن ساعات البث الموجهة إلى الوطن العربي تتجاوز 75% من فترات البث عامة، فإن قنوات البث العربية المرتبطة ـ منهجاً وأداءً ـ بهذه القنوات وسياستها تبث على مدار الساعة برامج تشد المتلقي أكثر من برامج القنوات المحلية التي ما انفكت تمجد وتقدس سيدها وإنجازاته التاريخية وتشكل هذه البرامج 70% من مجموع ساعات البث كما الحال في الأردن وموريتانيا والمغرب مثلاً.. وتتناوب هذه القنوات جميعها، العربية والأميركية، المهمة فيما بينها بعد أن جهزت بأجهزة متقدمة ومتطورة جداً.. وهذه إشارة إلى نجاح آخر وهو تقني إذا أدخلت الآلة الحديثة إلى السوق الإعلامية وهذه ذات دلالة كبيرة تعني أن الآلة تحتاج إلى يد وعقل يديرانها والأهم منهما إلى ثقافة وإلمام بها وهذا يتم في دول المنشأ مما يسهل عملية الاستيراد من السوق المنتجة، أي استيراد الآلة والعقل والثقافة التي من شأنها إيجاد عقلية وثقافة منسجمة مع عقلية وثقافة الصانع وهنا مربط الفرس. وفي النهاية لا نجازف إذا قلنا بأن الإعلام الأميركي ـ الأسود قد حقق نجاحات كبيرة في ساحتنا العربية في الوقت الذي لم تزل فيه وسائل الإعلام العربية منشغلة بإنجازاتها المقدسة، وهذا ما جعل المتلقي العربي يهرب إلى ذلك الإعلام، وهذا ما سهل أيضاً على القيمين على هذا الإعلام الدخول من هذه الثغرة لتمرير أهدافها وسياستها الخبيثة لربط المتلقي العربي (المثقف الواعي والساذج معاً) ببرامجها ووسائلها المدروسة بدقة، كبديل لبرامج أحادية التوجه القائمة في الساحة الإعلامية العربية عموماً..‏

1 ـ تصنيع الثقافة والإعلام:‏

إن "تصنيع الثقافة" مسألة قديمة طرحتها مدرسة فرانكفورت منذ الأربعينيات، وشكلت مدخلاً لنقد "الثقافة الجماهيرية" أو إدانتها. نعتقد أن هذا النقد أو الإدانة كانت تنطلق من الرفض الضمني لفكرة تصنيع الثقافة التي تسلب منها كل تجارب أصلية ومتميزة أكثر من استنادها لرفض نمط الإنتاج الرأسمالي للثقافة. أعتقد أن الجديد في هذه المسألة الذي ندرجه في هذه الفرضية يتمثل فيما يلي:‏

ـ لم تأت إرادة "تسليع" المواد الثقفية نتيجة للتطور المنطقي لنمط الإنتاج السائد في هذا البلد أو ذاك فقط، بل بدأت تفرضه تلك الإرادة السياسية التي تمارس الضغوط على المنظمات مثل المنظمة العالمية للتجارة وعلى الدول لفرض قوانين السوق على الأفلام السينمائية وبرامج التلفزيون، والصور، والأشرطة السينمائية. لقد استهجنت الكثير من الأوساط هذه الضغوط وسعت وتسعى لمقاومتها، خاصة تلك التي تحمل حنيناً للماضي الذي يربط بين الثقافة والخدمة العمومية، الحنين المشبع بالرؤية الطوباوية التي تجمع بين الثقافة والتحرر أو التي تخشى على مستقبل المواد الثقافية "الوطنية" جراء إخضاعها عنوة لقوانين السوق.‏

إن "تسليع" الإعلام الذي بدأ نتيجة ميلاد وكالات الأنباء العالمية، وتدويل الصورة التلفزيونية بدءاً من الخمسينيات، قد تعمق بشكل لا نظير له على المستوى القاعدي وفق بعدين أساسيين:‏

1 ـ الإجماع شبه التام بدور الإعلان في تمويل المؤسسة الإعلامية المعاصرة حتى تلك التابعة للقطاع العام والتي تضطلع بدور الخدمة العمومية. هذا الإجماع لا يخفى التفاوت النسبي في إسهام الإعلان في تمويل مختلف وسائل الإعلام المختلفة (صحيفة، إذاعة، تلفزيون) لكنه يضعف الإرادة السياسية في تقنين الإعلان والحد من تأثيره السلبي في مضمون المادة الإعلامية وفي بنيتها وفي شكل تقديمها. ألم تندثر العديد من وسائل الإعلام في الدول التي تحكمها قوانين الطلب والعرض.‏

2 ـ لقد سمحت التكنولوجيا الحديثة في محو الحاجز الفاصل بين الإعلان والإعلام، ففي شاشة الكمبيوتر يتعايش النص الإعلاني بجانب النص الإعلامي، ونرى أن المادة الإعلامية لا توجد سوى لمرافقة المادة الإعلانية المتحركة في الشاشة المذكورة، وهذا ما أدى إلى الإجهاز على كل الجهود الثقافية والقانونية التي بذلت للفصل بينهما منذ أزيد من قرن. فمن باب الحرص على احترام حق الجمهور في الإعلان الذي يحمل قدراً من الخيال أو التحايل على الواقع، كان الإلحاح القانوني على إخطار الجمهور بأن هذا إعلان وذاك إعلام. ليس هذا فحسب، فالعديد من الدول فرضت سقفاً معيناً على نشر الإعلانات أو بثها.‏

2 ـ التداخل ما بين الترفيه والإعلام والثقافة:‏

أصبح من الصعوبة بمكان الفصل بين المجالات التالية: الإعلام، الترفيه، الثقافة. لقد أصبح التعليم والتثقيف يقدم عبر الشاشة الصغيرة في قالب ترفيهي ولهوي يشجع من هم خارج البرنامج التلفزيوني على الالتحاق بالبرامج من خلال استخدام الهاتف أو شبكة الإنترنيت. كما أن "صفحة الواب" قد وفرت للمستخدم القيام بعدة أشياء في الوقت ذاته، كان القيام بها يتم بشكل منفصل منذ حوالي قرن من الزمن: قراءة آخر الأخبار، الاستماع إلى الموسيقى أو إلى برامج الإذاعة، والبحث في الموسوعة عن مصطلح أو مفهوم، والمشاركة في لعبة اليانصيب. وإذا كان إسهام تكنولوجيا الاتصال الحديثة واضحاً في إزالة الفاصل المنيع بين هذه المجالات الثلاثة في الستينيات والسبعينيات، فإنه لا يمكن إبعاد انعكاسات الاندماج في نشاطات الشركات الصناعية المختلفة في قطاعات غير متجانسة: نشر الصحف، الإنتاج الإعلاني، صناعة برامج تلفزيونية عامة أو تربوية، شركات البث التلفزيوني، صناعة الموسيقى والغناء، صناعة برامج الكمبيوتر ذات الأغراض المختلفة. والأكثر من هذا التداخل بين صناعة الإعلام الآلي والبريد والاتصالات وصناعة المعرفة والثقافة. ويرى البعض أن التداخل المذكور هو من صنع عملية "تسليع" الثقافة والترفيه والإعلام وتحويلها إلى سلعة تلهث وراء "خرافة" الجمهور العريض الذي فقد عرشه في زمن تضافرت فيه الأسباب "لتفتيته"، وتوفرت الشروط لازدهار الاتصال الشخصي أمام "تضعضع" المكانة المهيمنة للاتصال الجماهيري.‏

3 ـ الانتشار التلفزيوني:‏

في رصده للتحول الذي يشاهده عالم الاتصال، خاصة المرئي منه، استخلص الباحث الفرنسي دانيل بونيو أننا نعيش مرحلة الاتصال ضد الإعلام(2) سنة 1992 لعل هذه المقولة توحي بضرورة إعادة النظر في مفهومنا للإعلام والاتصال ليس لتحريرهما من كل وهم، كأن نربط بين الاتصال والتفاهم، والإعلام والتحرر، بل للتأكيد على تطور الرؤية للإعلام والاتصال في ظل العولمة. لقد كنا نعتقد أن الإعلام يلازم الاتصال، ولا يوجد إعلام بدون اتصال، وحتى إن مؤرخي وسائل الإعلام يؤكدون على أن القرنين السابقين كانا قرني الإعلام حيث ازدهرت صحف الرأي، ووسائل الإعلام ذات الطابع الإخباري: الإذاعة والتلفزيون وأواخر القرن الماضي، أي في زمن الاتصال.‏

إن النقل التلفزيوني المباشر لا يسعى لتقديم الإعلام بل يعمل على تغليب الاتصال، فهو يقدم لنا الإحساس وينفخ فينا عاطفة المشاركة واللقاء. لذا نلاحظ غلبة الفرجة في الإعلام المرئي. العديد من المواد الإخبارية التلفزيونية: روبرتاجات تلفزيونية، أفلام وثائقية، جرائد إخبارية، كلها أصبحت قطعة من الاستعراض والتمشهد، أي أن إنتاجها وتقديمها يخضع لمعايير الإنتاج الدرامي.وهذا ما يقلص الهامش بين ما هو واقعي وغير الواقعي أو الخيالي في وسائل الإعلام ـ سنعود إلى هذه النقطة في افتراض آخر ـ هذا إضافة إلى أن الحوارات الإذاعية والتلفزيونية أصبحت أقرب إلى الكلام الاستعراض talk show.‏

إن غلبة الاتصال في عصر العولمة هي، في حقيقة الأمر، غلبة الشكل وهذا ما يجرنا إلى مراجعة فهمنا للعلاقة بين الشكل والمحتوى. إن القرن الماضي الذي كان قرن الإعلام قد ترك إرثاً كبيراً في مجال "سينما المخرج" و"صحافة الرأي" والمنابر الفكرية في البرامج الإذاعية والتلفزيونية، أما عصر الاتصال فقد أبرز الجانب المبهرج المغري بالمؤثرات الصوتية والمرئية، والحيل البصرية التي أصبحت تشكل قيمة في حد ذاتها. إنها طريقة خطف البصر وتحويله إلى الاهتمام بالشكل على حساب المحتوى في ظل هذا التحول "ترعرعت" ما يطلق عليها الباحث الفرنسي "دانيل بونيو" (إيديولوجية الاتصال) والتي تتمثل في المقولة التالية: المهم هو أن نتصل(3). لا يهم ممضون الاتصال ومحتوى التبادل، المهم هو أن نتبادل فقط. المهم أن نتصل: نتبادل الانطباعات والمشاعر الفعلية أو المفتعلة التي يمكن أن يخلقها الشكل وليس المضمون.‏

4 ـ سرعة الاتصال أو الضخ الكثيف:‏

إن المظهر الأساسي لتطور الإعلام والأكثر بروزاً في حياتنا المعاصرة هو السرعة: سرعة تدفق الأخبار والمعلومات وتداولها: عندما اغتيل الرئيس الأمريكي "أبرهام لنكون" في أبريل سنة 1865 استغرق خبر مقتله ستة أشهر حتى عمَّ الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، وعندما اغتيل الرئيس الأمريكي في 1963 وصل خبر مقتله إلى جل الأمريكيين خلال الساعة التي تم فيها، أما عندما تم تنفيذ حكم الإعدام في الرئيس الروماني نيكولا شوشيسكو في ديسمبر 1989 فقد علم الشعب بالخبر في الدقيقة التي حدث فيها بفضل البث التلفزيوني المباشر(4) وعندما تمت محاصرة مجلس الدوما الروسي للإطاحة بالرئيس الروسي السابق "يلتسين" علم مستخدمو الإنترنت بالحدث في الثانية ذاتها! لقد أصبح الإعلام يملك سرعة الإنترنت. إن هذا القول لا يعني بأن شبكة الإنترنت أصبحت أداة خطيرة وفاعلة في مجال نقل الأخبار والأحداث، بل إن وسائل الإعلام المختلفة: الإذاعة والتلفزة، وحتى طبعات الصحافة الإلكترونية أصبحت تمتثل أكثر لمتطلبات السرعة والآنية.‏

إن سرعة تقديم الأخبار عبر وسائل الإعلام والذي كان وسيلة لنقل الأخبار ولتمكين الجمهور من الاطلاع على التطورات والمستجدات في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي تحول في مطلع الألفية الحالية إلى غاية في حد ذاتها. غاية تكتنز إيديولوجية تقديس السرعة، وتختزل الحدث الصحفي في اللحظة الراهنة وراء اللهث الذي يجافي التاريخ أو يحجمه في تسابق شديد للحاق بالمستقبل، دون التوقف المتبصر عند الحاضر. هكذا تظهر السرعة والآنية كرهينة للتطورات التي تجري في العالم وكأنها إفرازات جديدة وآنية ومفصلة عن الأحداث وغير مرتبطة بماض.‏

إن النجاح في المجال الإخباري والإعلامي أصبح يقاس في الغالب بالسرعة وبالمقدرة على تجاوز ما هو راهن وليس بمدى ارتباطه بالواقع أو ببنائه الفكري.‏

لقد عبر الكثير من الباحثين(5) عن خشيتهم من التأثير السلبي لهذه السرعة على دقة الأخبار وموضوعيتها وخوفهم من تأثيرها على الجمهور. بدل الوقوف على ما يجري وتفاعلاته في الساحة العسكرية والسياسية تدافعت العديد من القنوات التلفزيونية التي غطت "أحداث أفغانستان" إلى القفز على الواقع الشحيح بمعلوماته في محاولة استشفاف المستقبل عبر الأسئلة التي توجه إلى المراسلين الصحفيين والخبراء، والتي نذكر منها ما يلي: كيف سيكون رد الفعل؟ وما هي توقعاتكم بخصوص... ؟ كيف ترون الوضع بعد...؟‏

إن خطر السرعة يكمن في نظرنا في مستويين، وهما:‏

1 ـ جميع المهنيين والمختصين يدركون جيداً أن الأخبار هي مواد شديدة التلف وأن حياة قيمتها الإخبارية قصيرة جداً. إن إيديولوجية تقديس السرعة يختصر أكثر عمر الأخبار وذلك من خلال فرض المعادلة التالية التي لم تثبت صحتها: سرعة تدفق الأخبار تساوي ارتفاع إيقاع استهلاكها. الإمعان في هذه الفرضية يدفعنا إلى طرح المستوى الثاني من هذه الإشكالية.‏

2 ـ إن سرعة تدفق الأخبار طرح مشكلاً جديداً على البشرية لخصه الباحث الكندي "بسكال لابونت" فيما يلي: (ظلت التكنولوجية منذ 300 ألف سنة وسيلة لدعم الثقافة وتطويرها(...) لكن منذ منتصف القرن العشرين هناك شيء ما تغير لقد بدأنا ننتج بسرعة أكثر من طاقتنا على الهضم. لم يحدث هذا من قبل أبداً. النتيجة أننا نبلع أكثر فأكثر الإعلام وبسرعة متزايدة).‏

نعتقد أن الإشكال الذي طرح منذ التسعينيات من القرن الماضي ليس محصوراً في عدم المقدرة على هضم الإعلام الذي يصلنا بل يتعداه إلى عدم القدرة على بلع كل الأخبار المنتجة، أي متابعة إيقاع تدفق الأخبار بالسرعة التي تبعث على "الدوخة"، وهذا رغم محركات البحث عن المواقع في شبكة الإنترنت، ورغم وجود "مغربلات الأخبار والمعطيات في شبكة الإنترنيت. وربما ستتضح خطورة السرعة في نقل الإعلام وتداوله من خلال الفرضية الثامنة. لقد تغير مفهوم الإعلام وطبيعته في عصر العولمة حيث لم يعد مرتبطاً بمخرجات وسائل الاتصال الجماهيري بل أصبح شديد الالتصاق بالمعلومات: المالية، والعلمية، والتكنولوجية، والطبية، والرياضية، والثقافية، والاجتماعية. بمعنى أن الإعلام لم يعد حكراً على المؤسسات الإعلامية الكلاسيكية حيث دخل متعاملون جدد في مجال إنتاج الإعلام، وتخزينه، وتوزيعه، لم تكن لهم علاقة سابقة بوسائل الإعلام الكلاسيكية. لقد أنجر عن هذا التغيير القيمة التبادلية للإعلام تسعى لتطغى على قيمته الاستخدامية في ظل تحول البنية الاقتصادية للمؤسسة المنتجة للإعلام والقائمة على الطلب وليس على العرض. كما أصبح الإعلام والمعلومات مادة لتراكم رأسمالي في عصر العولمة.‏

إن عدد المنتمين لحقل الإعلام والاتصال في تزايد مستمر حيث تجاوز رجال الصحافة والعلاقات العامة. لقد انضم إليهم جيش من الفنيين والخبراء والمختصين في تجميع المعلومات وفي تخزينها، وحفظها، وبثها، وإعادة إنتاجها. وهذا ما يطرح قضايا أخلاقية وأدبية وقانونية في ممارسة الإعلام والاتصال بدأت تشكل هاجساً أساسياً لدى السلطات العمومية وسط رجال القضاء ولدى الجمعيات المهنية.‏

5 ـ الحقيقة البيضاء أو الإعلام الحقيقي:‏

كان الاعتقاد السائد في القرن الماضي يتمثل في أن حرية الصحافة تساوي الحقيقة، وتعزز الحق في الإعلام والاتصال، لكن التحولات التي عاشها عالم الإعلام والاتصال في عصر العولمة تدعونا لمراجعة هذا الاعتقاد. فحرية الإعلام لم تعد بريئة من عمليات التضليل والتعتيم والتحايل على الحقيقة. إن الأمر لا يقتصر على بعض الحالات التي وصفت بأنها تجاوزات أخلاقية ومهنية وسياسية في تغطية بعض الأحداث، مثل أحداث تميشورا برومانيا. لقد أصبح هذا التضليل جزءاً أساسياً مكوناً لبعض المفاهيم والمصطلحات الإعلامية التي تكتسي طابعاً تقنياً على الصعيد النظري وتعطي مشروعية للممارسة الإعلامية التي تقف في الحد الفاصل بين الحقيقة والزيف، وتعطي "للواقع الإعلامي" بعداً أخراً يتمثل في إعادة ترتيب عناصر الحدث بغية إخراجها إعلامياً(6).‏

إن السمة التي تميز الإعلام في عصر العولمة هي هلامية الحاجز بين الواقع والخيال على الصعيد المفهومي أو الواقعي وذلك من خلال استشراء الصور الافتراضية أو الاعتبارية والمونتاج الرقمي للصور التلفزيونية وتأثيث التواصل البصري بالصور الرقمية التي أقل ما يقال عنها أنها لا تملك نسخة أصلية لها. فهي صورة ونسخة عن الصورة في الوقت ذاته.‏

إن رفع سقف حرية الإعلام لا يؤدي بالضرورة إلى رفع سقف ممارسة الحق في الإعلام. الكثير من المهتمين بتطورات تكنولوجية الاتصال التي زادت في كمية الأخبار والمعلومات يؤكدون على أن أكبر خطر يداهم ممارسة الإعلام يتمثل في غياب أو تغييب المصدر. هذا الأمر لا يشجع الحق في الإعلام بتاتاً بل يميعه لأنه يسمح بالتأكيد عملياً على الحق في التضليل: فهل يمكن الجزم بأن الجمهور يتمتع فعلاً بحقه في الإعلام في مطلع الألفية الحالية إذا كان لا يعرف مصدر الأخبار، ومنتج المواد الإعلامية أو أنه لا يملك الأدوات التي تسمح له بمعرفة ذلك.‏

كانت الحجة المستخدمة لإثبات غياب الحرية منذ العشرينيات من القرن الماضي تتمثل في حرمان الجمهور من حرية الاختيار. فلا حرية بدون اختيار الجمهور الواعي في ما يشاهد وما يقرأ وما يستمع إليه. وقد قام الباحث الأمريكي هربرت شيلر بتفكيك ما يسميها بأسطورة "الاختيار"(7). فاتضح بأن الاختيار، بصرف النظر عن تباين وجهات النظر حوله، لا قيمة له إذا لم تعرف من يقول الحقيقة بعد أن أصبحت القوانين عتيقة أو قليلة الجدوى. كما أصبح بإمكان أي شخص أن يبث برامج إذاعية عبر شبكة الإنترنيت أو يؤسس داراً لنشر الكتب الإلكترونية والأغنية عبر الشبكة وغيرها.‏

هـ ـ ثلاثية الاستراتيجية الإعلامية الأمريكية:‏

كتب برنار لويس الكاتب الأمريكي أحد عناصر الآلة الإعلامية الأميركية أثناء الحرب الاحتلالية على العراق بأنه كلما تقدم المحتل العسكري في التوسع والتدمير يجد مؤيدين لـه ولكن هؤلاء ليسوا أحراراً في تأييدهم أيضاً لأن كل شيء سيكون خاضعاً لحذاء العسكري المحتل ومرتبطاً بأوامره.. وأنه كلما قصر عمر الاحتلال فإن الأمم تسلم من صناعة الكذب والارتزاق منه وقلب الحق إلى باطل والخير والأخلاق النبيلة إلى رذائل وفساد وانحلال.‏

ودرجت في الإعلام الأمريكي والإعلام التابع له، فكرة الهزيمة النفسية التي يستطيع هذا الإعلام أن يلحقها بالمتلقي وذلك بتكرار الأكاذيب حتى تترسخ في الأذهان ويمتثل لها.. وقد أصبحت هذه الفكرة منذ انتهاء الحرب الكونية الثانية وبدء الحرب الباردة باب رزق لعديد من الشركات الأمريكية والاحتكارات الإعلامية العالمية أو أصحاب المؤسسات العريقة مثل BBC وCNN أو (وتجعلون رزقكم أنكم تكذّبون(.‏

ومن التعابير البراقة الخادعة التي يستخدمها الإعلام الأمريكي هي تسمية الإدارة المحلية أو الحكم المحلي في البدلان التي تقع تحت سيطرة العسكري الأمريكي على غرار الإدارة المحلية في العراق أو في أفغانستان ليست لتعني نظاماً ولا تتسم بأية صفة اعتبارية قانونية للنظام أو السلطة الوطنية لكونها فرضت بالقوة الأمريكية السياسية أو الإعلامية أو الإدارية فهي في القانون الدولي ليس لها الصفة الاعتبارية القانونية لأنها لم تختر من قبل الشعب صاحب الشرعية والسيادة على أرضه وفي دولته ومن حقه وحده فقط أن يزيل هذه السلطة أو ينتخب غيرها وليس الاحتلال. وأن حكومة يفرضها المحتل هي حكومة احتلال، وينطبق عليها ما ينطبق على الاحتلال من كل النواحي والاعتبارات حتى من ناحية المقاومة وشرعيتها وبإمكان المرء العودة إلى ميثاق الأمم المتحدة للتأكد من مخالفة القوات الأمريكية لكل شرائع الميثاق والقانون الدولي والأمم المتحدة.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-20-2006, 03:48 AM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



والناحية الملفتة هنا هي أن عديداً من وكالات الأنباء والتلفزة هي موظفة عند قائد الحملة الأمريكية على العراق وقبله على أفغانستان ألم تكن قناة CNN وغيرها خادمة عند فليكس أثناء الهجوم وقصف بغداد أو بريمر الآن؟. ونحن نعرف تماماً أن إعلاماً كهذا إنما يبغي حجب الحقيقة أولاً عن الشعب الأمريكي وثانياً عن العالم.. خاصة أنه أثبت عجزاً منقطع النظير أمام التلفزيون الصربي قناة بلغراد الفضائية التي هزمت بكل ما تعنيه الكلمة كل الإعلام الغربي المؤيد للمهاجمة الأمريكية ومعه الناتو بنقله الحقائق من وعلى أرض الواقع بالصوت والصورة، فارتكبت القوات الأمريكية إثماً تاريخياً إعلامياً ديمقراطياً وهو أنها حشدت كل إمكاناتها التقنية والصاروخية لضرب شبكات تلفزيون بلغراد الثابتة والمحمولة في حربها على صريبا التي لم تقترف أي ذنب سوى أنها لم تقبل بعودة سيناريو المسألة الشرقية واستخدام مجالاتها للعبور باتجاه الشرق لتنفيذ خطط ماهان وماكيندر الجيوبوليتيكية التي تعني توسيع الحدود الجغرافية بالقوة العسكرية وهو النموذج الأوروبي في نظرية إسقاط الدول والاتحادات وتفكيك الشعوب ومحاصرتها بحيث لم تترك لصربيا سوى أربعة كيلو مترات منفذاً بحرياً في أراضي الجبل الأسود وهذا فقط لضرورات أمنية أمريكية وأوروبية بالدرجة الأولى وليس الضرورات الإنسانية للشعب إن ما هو حقيقي في حياة الشعوب هو صحيح وذو قيم وواضح، لكنه يصبح في وسائط الإعلام الغربي عكسياً تماماً.. ومنسجماً مع مقولة: اكذب، واكذب على كل الناس حتى علي..‏

* الحقيقة هي أولى ضحايا الحرب على العراق:‏

احتل الإعلام موقع القلب بالنسبة للدوائر الغربية عموماً والأميركية خصوصاً، وقد نظر إليه على أنه رديف إستراتيجي في ساحة الحرب، ولم يتم الاعتراف بمركزيته فقط في دعم الحروب بل اعتبر جزءاً أساسياً منها ولا يتجزأ من تلك الحروب ولذلك عملت هذه الدوائر على تجنب المقولة المعروفة بأن الحقيقة هي أولى ضحايا الحرب وهذا ما دفع بالإعلام الأميركي إلى محاولة كسر هذه القيود التي تفرض عليه للحيلولة دون الحقيقة، وليس للاستسلام لها..‏

فقد فاق عدد الصحفيين الذين قتلوا في العراق مثلاً أي حرب أخرى، إلا أن المعلن هنا اثنان أو ثلاثة، وهذا يدل على حجم الكذب الذي كان يراد له أن يمر دون انكشاف، حتى تظل أسطوانة "اكذب علي" هي السائدة.‏

وفي هذا الصدد يستحسن أن ننقل للقارئ العربي ملخصاً لكتاب صدر في لندن بعنوان: اكذب عليّ ـ البروباغاندا والتشويه الإعلامي في الحرب على العراق ـ تحرير: ديفيد ميلر بالاشتراك مع عدد من الكتاب والصحفيين الذين شاركوا في نقل الأخبار من ساحة الحرب / مع القوات الأميركية 2004/(8).‏

ويتحدث فيه الكتاب المشاركون عن دور الإعلام الغربي بعامة والأميركي على وجه الخصوصية في الترصد الحربي على العراق وقبلها وخلالها وبعدها. وربما جاز القول إن النقد الراهن لهذا الإعلام والصادر عن مؤسسات ومؤلفين ومختصين غربيين هو من أشد ما تعرض له هذا الإعلام خلال نصف القرن الأخير. ويأتي هذا النقد بعد التطور الهائل في وسائل الإعلام الغربي واختراقها لأسقف عالية وتسنمها موقع السلطة الرابعة في الديمقراطيات الحديثة، حيث هي الراصد والمراقب اليومي عن كثب لأداء السلطات الثلاث الأخرى. لكن هذا كله في وقت السلم، أما في وقت الحزب فإن هذا الإعلام يتردى ـ كما يبدو لمعظم المساهمين في كتاب "اكذب علي" ـ ليصبح مجرد ماكينة من الكذب تعيد إنتاج الخطاب الرسمي وتحتفي به. هذا الكتاب يشكل صفعة قوية لأداء الإعلام الأميركي والبريطاني في الحرب على العراق، وهو وثيقة إدانة حقيقية. ويبدو أنه كلما بدأت المؤسسة الرسمية في الولايات المتحدة وبريطانيا تأمل بإغلاق ملف مبررات الحرب على العراق، تفاجأ بضربة جديدة تعيد فتح الملف من الصفحة الأولى، وهذا الكتاب ليس سوى إحداها.‏

* الإعلام الأميركي والحقيقية السوداء(9):‏

تبين مقالات الكاتب البريطاني/ الأسترالي الشهير والجريء جون بلجر التي نشرها قبيل الحرب في صحيفة أوبزيرفر البريطانية وخلالها ـ وقد وقف بلجر ضد الحرب دون هوادة ـ تبين غطرسة إمبريالية أميركية تعكس عجرفة القوة، ولا علاقة لها بأي مسوغ من المسوغات التي سيقت لتبريرها. وهو يلحظ كيف انجرف الإعلام وراء الشهوة الإمبريالية الإمبراطورية، وعمل على جعل ما هو خارج عن نطاق التصور وكأنه أمر عادي...؟!! إنه أمر عادي أن يدمر بلد وتنتهك سيادته، ويحتل دون قرار من مجلس الأمن، ويتم ذلك كله ضد رأي الغالبية الكاسحة من العالم؟ ص12.‏

في خضم ذلك التمدد الإمبريالي يغدو تصنيع الرأي العام في البلدين وفي العالم وتهيئته للحرب وتسويق مسوغاتها أمراً حيوياً، ولتحقيقه كانت المؤسسة الرسمية قد عمدت إلى ممارسة الكذب الصريح وتشويه الحقائق عن طريق تضخيم صغيرها وإغفال كبيرها، وأحياناً تخليق جديدها من الصفر.‏

والتساؤل الذي يتوقف عنده بلجر وغيره هو: إلى أي مدى يمكن للرأي العام في الغرب أن يمرر عمليات التسويغ تلك. ويقبل إغلاق ملف الحرب بالسرعة التي يأملها السياسيون؟ وفي الإجابة على هذا السؤال يقول بلجر: "في معمعة عملية الحرب احتل الإعلام موقع المركز، وجعله رديفاً استراتيجياً لا يمكن التعامل معه بخفة. ولم يتم الاعتراف بمركزيته في دعم المجهود الحربي فقط، بل اعتبر جزءاً لا يتجزأ وأساسياً من ذلك المجهود. لذلك فإن محاكمات أداء ذلك الإعلام التي أعقبت قيام الحرب وانتهاء مرحلتها العسكرية المباشرة توازت ولا تزال تتوازى مع المحاكمات التي تقام لإعادة النظر والتشكيك في الحرب نفسها وبناءً على الاعتبارات والذرائع التي شنت بسببها".‏

لكن الانطباعات العامة التي ترددت في معظم بقاع العالم كانت تحوم حول اتهام مركزي موجه إلى الإعلام الغربي عامة، أو بدقة أكثر إن الإعلام الأميركي والبريطاني ـ والمتلفز منه على وجه التحديد ـ ومفادها أن هذا الإعلام انحاز بتياراته الرئيسية إلى منطق الحرب، ولم يسأل القائمين عليها كما هي أصل مهمته: المساءلة والتشكيك. بل عوض ذلك ضحى بالمهنية والموضوعية وداس على كل المدارس الإعلامية التي كان ريادياً في تكريسها في حقل الإعلام، وتمترس في خندق الحكومات. على أن هذه الانطباعات العامة بقي الكثير منها غير مؤسس على قراءات علمية أو دراسات بحثية تقدم الدليل تلو الدليل على ذلك الاتهام.‏

لهذا فقد دأبت أكثر من مؤسسة إعلامية كبرى في الولايات المتحدة وبريطانيا على نفي تلك التهمة، بل والهجوم المضاد والقول إنها لم تكن منحازة لأي طرف قبل وخلال وبعد الحرب، بل إلى الحقيقة.‏

أبعد من ذلك كانت (بي بي سي) البريطانية تقول، وما زالت، إنها تتهم من قبل الحكومة البريطانية بكونها "لم تكن وطنية بما فيه الكفاية"، وأنها أضمرت موقفاً ضد الحرب أضعف من موقف الحكومة، فضلاً عن أن يساندها.‏

أما مارك كيرتز فكتب فصلاً من الكتاب تناول بشكل مركز مسألة تعزيز دور الإعلام الغربي في الحرب كآلة ضرورية لتطبيق الحرب النفسية، أي أنه تخلى تماماً عن دور المعلم الذي يكون همه اللحاق بالمعلومة والخبر والبحث عن الحقيقة. وهنا يرصد كيرتز كيف كانت التلفزيونات الغربية تنقل أخبار انتصارات التحالف في الأيام الأولى، والانهيارات العراقية المتتالية رغم أنها لم تكن حقيقية، وكل ذلك بهدف تحطيم معنويات الخصم. وللإشارة إلى الأهمية الفائقة لدور الإعلام والدعاية، وكما في فصل آخر عن ماكينات البروباغاندا الأميركية البريطانية، فإن نظرة واحدة إلى ميزانيات الدبلوماسية العامة لا تدع مجالاً للشك في أن مسألة الإعلام تقع في قلب الجهد الاستراتيجي الأميركي، فالميزانيات المرصودة من قبل البيت الأبيض لنشر وجهة النظر الأميركية وتحسين صورة الولايات المتحدة في العالم، وخاصة الإسلامي منه، تزيد عن مليار دولار سنويا. أما الميزانية المناظرة في بريطانيا فتبلغ نصف مليار دولار.‏

الموضوعية المهنية والوطنية ضحية أخرى: وتناول الكاتب مسألة الموضوعية ونقل الأخبار كما هي من دون رتوش، وتحري الحقيقة ما أمكن، صحيح أن الحقيقة هي أولى ضحايا الحروب كما يقال دوما، لكن هذه المقولة المعروفة يجب أن تدفع بالإعلام إلى محاولة كسر القيود التي تفرض عليه للحيلولة دون الحقيقة، وليس للاستسلام لما تتضمنه المعلومات التي تنسف الوطنية والموضوعية المهنية إذ تدلل بالمعلومة والرقم والتسجيل كيف أن محطات كبرى مثل "سي إن إن"، و"بي بي سي" و"فوكس نيوز" و"سي بي إس" لم تبذل جهداً كافياً لاختراق الحصار الرسمي، ولتمحيص المقولات الرسمية المسوغة للحرب. ففي الفصل الذي كتبه محرر الكتاب ديفد ميلر هناك رصد دقيق لكيفية تسويق ما أسماه "الكذبة الكبرى"، وهي برأيه تلك التي كانت تقول إن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل وبإمكانه أن يضعها قيد التنفيذ خلال 45 دقيقة.‏

ويقول الكاتب: "وهذا الزعم الذي ردده توني بلير وجورج بوش لم يخضع للمساءلة الحقيقية من قبل الإعلام، بل تم ترديده وكأنه مسلمة، وأن أسلحة الدمار الشامل العراقية المدعاة وخطرها المزعوم على المدن الغربية كان أهم عنصر من عناصر الدعاية للحرب والمؤثرة في الرأي العام البريطاني والأميركي. وهذا ما غيب تماماً "وطنية أو مهنية" وسائل الإعلام خلال الحرب. فالجدل الذي احتدم قبيل الحرب في أوساط أميركية كثيرة كان يدور حول هذه التقابلية. أي في ما إن كان مطلوباً من الإعلام أن يسير خلف الحكومة ويدعم رأيها الأخير حتى وإن لم يكن ذلك الرأي هو الصواب، أم يلتزم بالمهنية والموضوعية ويظل يخضع الرأي وما نتج عنه للنقاش والشك"ص48.‏

ويشير الكتاب إلى أن الأمر حسم باكراً، وإلى أن توجيهات صدرت من أعلى مراكز صنع القرار في واشنطن وأرسلت إلى أهم محطات التلفزة الأميركية تطالبها بأن يكون موقفها وبثها الإعلامي خلال الحرب "وطنياً" ومنسجماً مع المصالح الاستراتيجية الأميركية.‏

والغريب في الأمر أن تلك المحطات التزمت الأوامر بحذافيرها، وكأن الأمر يتم في دولة عالم ثالثية من طراز أول. طبعاً ليس في مقدور أي إدارة أميركية أن تصدر مثل هذه الأوامر من ناحية قانونية وتشريعية، لكنها رسمت حدوداً للوطنية والخيانة ما كان بإمكان أي شبكة إعلامية كبرى أن تتجرأ وتتخطاها حتى لا تتهم بأنها تضر بالمصلحة القومية العليا. لهذا فقد رأى المشاهدون في العالم صورة عن الحرب في العراق في الإعلام التلفزيوني الأميركي ـ كما يورد الكتاب ـ هي غير الصورة التي كانت تنقلها وسائل إعلام أخرى وخاصة العربية.‏

وكان الكتاب يضعون آمالهم وسائل الإعلام العربية المتلفزة بأن تقدم بديلاً عالمياً يكون مقبولاً، بالإضافة إلى وسائل إعلام عالمية أخرى متمردة على السيطرة الإعلامية الغربية.‏

ثم قدم الكاتب دراسات وتحليلات رصداً لما بثته بعض شبكات التلفزة الكبرى مثل "بي بي سي" و"سي بي إس"، قام بها أكاديميون من جامعات بريطانية وأميركية، رصدوا من خلالها مئات التقارير المتلفزة التي جاءت من ساحة المعركة، وحللوا كيفية تغطيتها. وفي كل الحالات المستعرضة كانت النتيجة واحدة وهي أن تغطية الحرب كانت منحازة وغير موضوعية ودعائية تحريضية. وهي نتيجة مدهشة خاصة في حالة "بي بي سي". ومن أسباب الانحياز وغياب الموضوعية تحيلنا تلك الدراسات إلى مسألة المراسلين المرافقين التي ابتدعها البنتاغون، حيث سمح لمئات المراسلين بمرافقة الوحدات العسكرية لنقل وقائع الحرب من "الخطوط الأمامية". وركز معظمها على الاعتقالات وقتل المعارضين والتنكيل بهم، دون التعرض لعمليات الإبادة الجماعية والقصف الوحشي والتدمير الكامل لمدن بكاملها وسجن أبي غريب وما شابه ذلك على الإطلاق وكأن للقتل صفات حميدة كالنموذج الأميركي البريطاني ومشينة كالاعتقال الفردي للمعارضين من قبل غير الأميركيين والبريطانيين أو أن السماء قد أوكلت هؤلاء بتربية البشر وتطويعهم وإلا فالقتل هو المصير بكل أصنافه وأفانينه(10).‏

لكن كان على أولئك المراسلين أن يوقعوا على وثيقة طويلة مليئة بالشروط التي تجعل من تغطيتهم المستقلة أمراً شبه مستحيل حيث يخضع كل ما يريدون بثه لمراقبة أولية من قبل الجيش.‏

وخصص المساهمون في الكتاب قمع الأخير للبدائل التي من الممكن أن تنشأ وتنافس الإعلام الغربي وتكسر احتكاره، ودعوا للانفلات من شبكات السيطرة والتحكم التي تحدد بوصلة وآليات وأداء الإعلام العالمي الراهن.‏

وفي ما كتبه تيم غوبسل ـ لقضية استهداف الصحفيين في حرب العراق باعتبارهم الشاهد الأهم على ما يحدث. ورصد غوبسل أن عدد الصحفيين الذين قتلوا هناك فاق عدد من سقطوا في أي حرب أخرى، وهو عدد غير مسبوق، وهذا يدلل على أمر هام هو حجم الكذب الذي كان يراد لـه أن يمر دون انكشاف، حتى تظل أسطوانة "اكذب علي" هي السائدة".‏

إن السياسة الإعلامية والتربوية الأمريكية وما يتبعها من فروع ووكالات وإعلام محلي تابع تستند إلى نفس الركائز التي ينتهجها الأميركيون في حربهم على الشعوب ـ على الكذب ـ وإن كل حق تقوم هذه الجهات باستبداله ثم تنتجه أو يتم تصنيعه في أجهزة الإعلام هذه، فيصبح الحق باطلاً والخير والتاريخ والهوية القومية والحضارية إرهاباً أو سيفاً مسلطاً على رقاب الشعوب قاطبة وما عليها إلا إيجاد الوسيلة لجر الجيوش لمكافحته، كما رأينا، منذ زوال الاتحاد السوفييتي حتى اللحظة وعبر ثلاثية مرسومة بدقة ويمكن التطرق إليها من الزاوية العربية وتشمل الإعلام والتربية والثقافة.‏

* الإعلام العربي تحت القصف:‏

كثرت البحوث والدراسات حول الواقع المتشابك للإعلام العربي الراهن في ظل السيطرة الإعلامية العالمية والأميركية بصورة خاصة.. وتأتي أهمية هذه المسألة من التعدد الهائل لوسائل الاتصال الجماهيري التي اكتسحت فضاءً واسعاً متنوع المستويات، حتى أضحت قوة فاعلة في العلاقات الإنسانية المختلفة ـ المحلية والإقليمية والدولية.. ويبرز الإعلام السياسي في المحل الأول من حيث موقعه في هذا التوسع الإعلامي المعاصر بمختلف عناوينه. ذلك لأهمية الإعلام في الإرسال وإشراك المواطنين في العملية السياسية والحياة السياسية وفي التواصل ما بين قنوات الإعلام والجمهور وتعبئته قبل الحسم في كل اختيار، لأنه شديد التأثير بما يشاهده أو يسمعه وبما يطالعه في الصحافة.. وأن الدولة العصرية إنما تتكامل بالإعلام المتطور والحوار الدائم بين المواطنين والمؤسسات الحكومية على اختلافها والأحزاب والبرلمانات على تنوعها..‏

لقد تغير مفهوم الإعلام وطبيعته في عصر العولمة حيث لم يعد مرتبطاً بمخرجات وسائل الاتصال الجماهيري بل أصبح شديد الالتصاق بالمعلومات: المالية، والعلمية، والتكنولوجية، والطبية، والرياضية، والثقافية، والاجتماعية. بمعنى أن الإعلام لم يعد حكراً على المؤسسات الإعلامية الكلاسيكية حيث دخل متعاملون جدد في مجال إنتاج الإعلام، وتخزينه، وتوزيعه، لم تكن لهم علاقة سابقة بوسائل الإعلام الكلاسيكية. لقد نتج عن هذا التغيير أن القيمة التبادلية للإعلام تسعى لتطغى على قيمته الاستخدامية في ظل تحول البنية الاقتصادية للمؤسسة المنتجة للإعلام والقائمة على الطلب وليس على العرض، أي خلافاً للمنطق الذي كان يستند إليه اقتصاد وسائل الإعلام في منتصف القرن الماضي والقائم على مبدأ العرض. كما أصبح الإعلام والمعلومات مادة لتراكم رأسمال في عصر العولمة.‏

1 ـ نظم الإعلام العربية: وهي كغيرها من نظم العالم قاطبة دون أي استثناء أشبه بالروموند كونترول، تدير اهتمام الناس إلى التلفزيون مثلاً فيحتقنون بما يشاهدون وينتظرون الفرصة لتفريغ انفعالهم أو التنفيس. وهنا يقوم الإعلام بوصف المشهد وتضخيمه والتركيز عليه لتعميمه فتخلق الأنظمة مجالاً للناس في التنفيس كأن تسمح بمظاهرة يفرغ الناس عبرها شحنة غضبهم والأنظمة مطمئنة لهذه المظاهرات التي لا تغضبهم وتستطيع ضبطها تماماً لتنتهي دون أي أذى حقيقي للسلطات والأنظمة من غضب الشعب. فأثناء العدوان على العراق مثلاً لم يتعرض الأمريكان لأذى حقيقي من هذه المظاهرات وكذلك الأمر في فلسطين، وفي العراق أيضاً إلا أن المظاهرات عمت شوارع العالم قاطبة (عدا بعض الدول العربية) فكانت بمثابة استفتاء على أمريكا وسياستها وحروبها الظالمة بالطبع، كما كانت ردود الفعل في إدارة التوتر في الشارع العربي من قبل الأنظمة لإجراء التنفيس وليس التغيير في الواقع، وهذا ما تديره الأنظمة وتحدد كيف يتوتر الشعب ويغضب الشارع العربي وكيف لا يتوتر ويغضب. وكان أجدر بهذه الجماهير في الوطن العربي وفي الدول التي احتلت أرضها وسماؤها وبحرها وخلجانها دون حرب الأجدر بها في هذه الأحداث الهائلة ترجمة هذا الغضب بالنزول إلى الشارع ليس من أجل إجراء مظاهرة بل من أجل إجراء انتخابات. لأنها تشكل مؤسسة وسيطة بين الرفض والتغيير وتحتاج إلى زمن وثقافة ونظام تربوي وإعلامي قيمي غير استهلاكي ولا يقوم على الصرعة أو الكيتش الأمريكية. /The Kitch/ وهو يكمل الإعلام في نهجه.‏

2 ـ النظم التربوية العربية: لا شك في أن النظم التربوية هي ابنة النظم السياسية وفلسفتها الإيديولوجية والتعليمية، وهي تابعة للمرجعية التي ترتبط بها النظم السياسية.. إذ عن طريقها تعيد هذه النظم إنتاج تبعيتها عبر المناهج والخطط المتاحة التربوية.‏

والتربية والمناهج التربوية هي ممارسة مستمرة للسياسة وتتعلق بسياسة الحكومة، ولا يوجد كثير من الأنظمة التربوية في العالم متحررة من التبعية بل وربما تقع مباشرة تحت إدارة التوجيه الأمريكي في دول عديدة وتتدخل في تحديد مواد التدريس..‏

وبذا أوقعتنا هذه النظم في نظم تربوية لا فكاك منها ولا يستطيع الشعب الدفاع عنها إذا استهدفت من المحتل لأنها أوجدت بالأصل لتغيير العقل والروح لدى الأجيال وتطبيعها عللاً معروفة وثقافات الإخضاع والاستهلاك ولا دور للأمة أو الشعب فيها، أي أنها نظم تسبح بحمد الدمية المستخدمة حين الطلب، لكن الناس مضطرون للوقوف ضد الاحتلال. علماً بأن هذه النظم منسوخة عن النظام الأمريكي الذي ينتج مستهلكاً للمعرفة وليس منتج معرفة.. وهذا هو مفتاح التبعية المستمرة التي لا تنطلق من حاجات الأمة في تحرير الأرض والإنسان والنفوس والأذهان، أي أنها تشكل تنمية وتربية نابعة من حاجات السوق وتنتج ما تطلبه السوق وليس الشعب. وإن تنمية بدون تحرر من التبعية السياسية والتربوية والثقافية هي خداع والعكس بالعكس.‏

ولنأخذ مثالاً قريباً من واقعنا المعاش، ففي مراحل الدراسة المتوسطية (الإعدادية والثانوية) في النظم التربوية العربية لا تدرس مادة الإعلام على أهميتها فيما تدرس مادة الاقتصاد من منظور خاص بالحياة الاقتصادية الاستهلاكية وليس كشأن ثقافي عربي.. وهذه تؤدي إلى تحقيق الغايات وليس لتلبية الحاجات، غايات النظام لا حاجات الأمة. ولعل هذا جانب مهم من جوانب العولمة التي تسعى إلى التلبية المستمرة لإنتاج مستهلك مستمر وخلق الحاجة المصطنعة وتحويل الإنسان العادي إلى مستهلك أبدي أو بالرضيع الأبدي كما درج الغربيون على تسميته الذي لا يكف عن طلب الرضاعة وهو ملحق بالأم دوماً أي أن الولد العربي أو العالم ثالثي هو ولد ملحق بالحضارة الأمريكية حضارة الجهاز الهضمي والجنسي.‏

3 ـ ثقافة الهزيمة: إن الأنظمة السياسية العربية لم تهتم فيما مضى كثيراً بالثقافة ولذلك لم تعط الفرصة الكاملة للفكر وللمفكرين وهمشت الثقافة واعتبرتها تابعة أو هامشية وكما استوردت السلع فقد سمحت باستيراد الثقافة أيضاً كونها نظماً تعيد إنتاج التبعية وتقيم فروعاً محلية لمراكز غربية بدل أن تقيم مراكز أبحاث ناشطة بعقول عربية وأفكار وطنية.. وأدخلت هذه المستوردات في ميدان التربية (بوحداتها الثلاث: الأسرة والمدرسة والمجتمع) وكذلك في الإعلام والثقافة وعبر مراحل ومعادلة مهندسة.‏

4 ـ ثقافة الاستهلاك: وتنتج مستهلكاً مستمراً وليس منتجاً معرفياً، وذلك بتقزيم الإبداع وثقافة الإنتاج.. ومشكلة استهلاك المعرفة هي أنها تنتج مستهلكين لا منتجين.. إذ إن النهج الأصلي والحقيقي ينتج نهجاً أصيلاً ونافعاً والثقافة العالية والقيمية تنتهج طرائق أصيلة وعالية حقيقية بعيداً عن الشعارات، وهذا يحتاج بالطبع إلى ثلاثية متكاملة وهي: الزمن والمال والجهد الدؤوب وذلك لتكريس قيم المقاومة في الثقافة والتربية والإعلام وتترسخ عن طريق الكتب والدراسات كي تعطي أكلها حتى زوال الاحتلال ولا يغرب عن البال ههنا عامل تحصين اللغة في المناهج وفي الإعلام بشكل سليم وعميق وإيقاف هذا التدني اللغوي في الإعلام العربي وبخاصة المرئي... وبالتالي أن ثقافة الاستهلاك تؤدي إلى ثقافة الاستسلام.‏

5 ـ ثقافة الاستسلام: وتقوم على الاستهلاك بالطبع وتضخ المعلومات الضخمة والمستهلكون لها مراقبو دمى وليس أكثر.. وتعتمد هذه الثقافة على المناهج المكثفة التي تضخ معلومات تشلّ الذهن وليس فيها مكان للتأمل والتفكير، وتساهم في شلّ العقل والإبداع. وهذه بالنهاية تؤدي إلى ما يسمى اليوم بثقافة الانهزام..‏

بالطبع إن مواجهة هذه الثقافات هي في إقامة طرائق تخفف من هذا التكثيف في المعرفة والتعليم وتساعد على البحث والانتقاء الحر وقراءة متعمقة متأنية تقوم على التحليل والحكم والنقد لما يقرأ. والعمل على صناعة مؤسسات وسيطة بين الرفض وبين التطور ومراكز للأبحاث تعطي قيمة للمعرفة والعلم والأفكار.. أي المطلوب نظام تربوي وإعلامي وثقافة مقاومة إذ لا تطور بدون أنظمة سياسية متحررة. لذلك فإنه لمن الواجب وعبر سنوات أو أجيال إعادة النظر في المستوى والمحتوى المستوى الذي يقيّم ويصلح والمحتوى الذي يعلم.. وهذا يمر عبر المقاومة الثقافية المستمرة..‏

وفي هذا المضمار الثقافي والحضاري، لم يستوعب الأمريكيون الثقافة العربية والتاريخ العربي والإنتروبولوجيا العربية، لأن حضارتها حضارة صدامية ضد الحضارات العالمية الأخرى وتنتج العنف باستمرار. ويقوم النظام الأمريكي بتصدير (الإرهاب) إلى شتى أنحاء المعمورة، كما يقوم بإنتاجه بصيغ متعددة وبصفته صناعة أمريكية مغلفة بغلاف الحداثة أو ما بعد الحداثة والعولمة والتقنية و... الخ. فسلكوا في العراق سلوكاً لا يحسدون عليه وسيكلفهم/ ثقافياً وحضارياً/ الكثير الغالي...‏

صحيح أن إزاحة النظام العراقي جعل الشعب في مواجهة المحتل لكن ليس دفاعاً عن النظام بل دفاعاً عن الوطن وفشلت كل الجهود المبذولة لربط المقاومة في هذا النظام أو رموزه والتابعين، وما إلى ذلك من تسميات تمر الآن تحت هذه الذريعة، وأن صدّام هو الذي يقاوم وأن المقاومين هم البعثيون لإدانة هذه المقاومة بالإرهاب من ناحية ولتكبيلها. أو أن صدّام حيّ حتى لو مات لإرهاب الناس من عودة الديكتاتورية من ناحية أخرى، والحقيقة ليس كل مقاومة تعني العودة إلى النظام السابق ولا أن البعثيين هم غير مقهورين سواء تحت ظل النظام أم الاحتلال، وليس البعثيون أقل وطنية من غيرهم (وهم بالطبع غير الانتهازيين الذين غلفوا النظام بهذه الهالة التأليهية والتفوا حوله وأبعدوا البعثيين الحقيقيين والوطنيين ومن ثم جعلوه يناطح الحيطان، ثم تعاونوا مع المحتل لإسقاطه وهم الآن يتعاونون مع بريمر كغيرهم من الذين يتعاونون مع المحتل وتحت الشعار نفسه الذي يطرحه المحتل الأمريكي بأن القوات الأمريكية المحتلة هي التي خلصتهم من صدام وأنه لا بد من العمل السلمي لبناء المستقبل وليس المقاومة وذلك بالتعاون مع الحاكم العنصري بما يؤدي إلى عراق لا يحكمه صدام لكنه عراق خالٍ من النفط والثروات التي باعتقادي قد أفرغت في بواخر أمريكية وغير أمريكية وهربت خارج العراق، وأنه على هذا الأساس يتم الآن ترتيب الأمور والتخفيف من العبء العسكري الأمريكي لإبقاء العراق تحت سلطة القرار السياسي الأمريكي دون وجود قواته في العراق التي أرهقتها ضربات المقاومة بما لا يحتمله بيت أبيض ولا كونغرس وبنتاغون أو سي أي أي ولا ميزانية ف بي آي..‏

إن العراق هو للجميع اتسع لهم في الماضي ويتسع لهم ولشرفائه الآن، ومستقبلاً، من أجل قيام عراق آمن مستقل وحر ويعيش بأمن وأمان بعد أن دمرته الحروب، وفوق خط الفقر والحرمان الذي ران على صدره منذ عقود عديدة متتالية ويقاسي الآن أشد الصور المأساوية في ظل هذا الاحتلال القهري المتوحش الذي يستند إلى جنود مرتزقة من غير الأمريكيين، أو من الذين يعتبرون الحرب صفقة تجارية فجاؤوا يتاجرون بأرواح العراقيين دون أي وازع من ضمير.. ودليلنا على ذلك أن جثث الجنود المقتولين برصاص المقاومة لا يدفنهم جيش الاحتلال بل يتركون في العراء. ويقوم العراقيون الأشاوس بدفنهم لأنهم أصحاب قيم سماوية وحضارية راسخة في العقول والضمائر وفي التاريخ فلا يضلون..‏

إن الأمريكيين قرؤوا الأنتروبولوجيا العربية عموماً والعراقية خاصة قراءة خاطئة، بعيدة عن المنطق التاريخي والاجتماعي والثقافي، وربما أخذوا ذلك عن التجربة البريطانية في عشرينيات القرن الماضي.. بحيث فهموا التاريخ السياسي للشعب العراقي على أنه سلطات قبلية لجملة عشائر يمكن ضبطها إما بالقوة أو بإغرائها بإمارات كتلك التي حصلت في الثلاثينات والأربعينات من القرن إياه في عديد من المناطق العربية بفعل السياسة البريطانية وبمساعدة بعض القادة الذين تعاونوا مع القوات البريطانية منذ الرصاصة الأولى للثورة العربية/ من شاكلة نوري السعيد وجعفر العسكري/ وغيرهما.. لكن الزمن الماضي لا يجد طباقه في الحاضر المتغير، بطبيعة الثقافة والوعي بالتاريخ العراقي القديم والحديث والمعاصر على حد سواء، وهذا ما يعمل على تفكيكه ونسفه الأمريكيون ليس من أذهان العرب والعراقيين بخاصة، بل من أذهان شعوب المعمورة قاطبة لأنهم لم يحسّوا هذا الإحساس بالتاريخ ولا يعرفون هذه الحقيقة كدولة وشعب لا تاريخ له أو أنه شعب اليد الخفية كما يقولون(11).‏

وارتأت الولايات المتحدة أن بإمكانها العودة بالعراق إلى أصغر وحداته الاجتماعية إلى نظام القبيلة، أي تفتيت وحدة المجتمع العراقي الحضاري والتاريخي إلى عشرات المجتمعات بدلاً من المجتمع الواحد ليسهّل عليهم تمزيقه، حسب الرؤية البريطانية وتجربتها الخائبة 1919 بتفريق الناس بين سني وشيعي أو قيسي ويمني وقحطاني وعدناني، أو مسلم ومسيحي أو عربي وغير عربي... الخ.. فجعلت تكريت مثلاً وحدة مستقلة عن العراق وجعلت العراق مجموعة قبائل متفرقة الآن ومتناحرة مستقبلاً.. وباختصار أعادت العراق الآن وربما غيره لاحقاً إلى بداوته وفصله عن الوطن الأكبر القومي.. إذ إنها رأت في النموذج البريطاني الذي أوجدته قواتها في الماضي نموذجاً يمكن حذوه الآن فتجعل من كل شيخ قبيلة يحكم دولة من عشرين ألف نسمة أو خمسمائة وخمسين ألفاً بينهم أربعمائة من المقيمين والباقي من السكان الأصليين في دولة مستقلة عضواً في الأمم المتحدة أو يضمها اتحاد دول القبائل، ثم تعميم هذه الثقافة.. وقد لاحظنا أنها خلطت بين القبائل والمذاهب بحيث فهمت أن تكريت صدام هي سنية، وقامت بمحاصرتها وحاولت استمالة بعض رجال الشيعة من الذين دخلوا مع قواتها تحت اسم المعارضة وقد تربت في الولايات المتحدة كما فعلت بسابقيهم مثل أسامة بن لادن، لتقول إن نظام صدام هو سني استبدادي وإن السنة تتحمل مسؤولية هذا النظام وظلمه وتبعياته، وهذا ليس ظلماً إجرامياً وسياسة محتل فقط بل تستبطن مؤامرة ربما تتعدى حدود العراق إلى العالم بأسره، بل هي فتنة خبيثة لا أعتقد أنها تنطلي على أحد كما ولا أظن بأن هناك إنساناً مسلماً واحداً يفك الحرف ينخدع بهذه اللعبة وأن جميع المسلمين سنة أو شيعة محرم عليهم قتل المسلم أو من ينطق الشهادتين أو من يقول لا إله إلا الله من أي دين أو مذهب كان.. والثقافة الأمريكية والوعي السياسي الاستراتيجي والتكتيكي الأمريكي لا يدرك هذه الفتاوى السماوية الإسلامية الراسخة، لكنها جربت ذلك ونجحت لساعات لكن السحر انقلب على الساحر... إذ إن قتال المحتل هو من السنن القرآنية التي تحلها في وقت الغزو والاحتلال وانتهاك الأرض أو العرض في أي وقت كان في الوقت الذي تحرم فيه قتل الأشقاء تحرم قتال الأشقاء.‏

لقد أرادت أمريكا أن يعيش العراق حرباً أهلية دائمة بلعبها على الحبال الطائفية، بين الشعب وبينه وبين رموز النظام الذي أوجدته في عديد من الدول العربية التي تعاني من التبعية الثقافية والتربوية والسياسية والعسكرية أو الأمنية على حدّ سواء، وجعلت من النظام الاستبدادي إياه عدواً لها: وجعلت من مهمته طاغية يسبّح الشعب بحمده رغماً عنه، ومهمته الأساسية بصورة دائمة هي تجميد التنمية الداخلية لمواجهة عدوه الدائم وهو الشعب... وبذلك افتقر النظام الاستبدادي هذا إلى الوحدة الوطنية التي يفتقر لها النظام الأمريكي نفسه في بلاده ذاتها إلى جانب التناقضات العراقية والشعور القومي.. وعليه شعر النظام الأمريكي الشمولي الاستبدادي أنه بحاجة دائمة إلى عدو لقمعه وهو بالحقيقة يقمع الأمة الأمريكية نفسها تحت عنوان: مقاومة العدو الخارجي والإرهاب الدولي.. ولذلك فهناك في أمريكا عنف يرهق السلطة ويدفعها إلى قمع الشعب عن طريق الإعلام وبالقمع المنظم وباسم الديمقراطية..‏

إن الدين في مثل هذه الحالة يشكل بؤرة ثورية وطاقة مقاومة لا يدركها المحتلون لكنهم بدؤوا يذوقون طعم الموت على أيدي أبناء هذا الشعب العظيم. ومثالنا ههنا أيضاً ثورة الجزائر العربية التي خاضت المعارك ضد المحتل على مدى قرن وثلاثين عاماً متتالية. بكلمة مقتضبة: إن الوحدة الوطنية ومن ضمنها الوحدة الدينية هي كفيلة بقوة الرد الشعبي على الاحتلال، وقد بدأ بالرفض ثم شرّع بالمقاومة، وأن السياق الطبيعي للتطور والتحرير هو المقاومة..‏

وأمريكا تتصرف الآن في العراق كقاعدة انطلاق وكأننا غير موجودين أو أننا الحاضر الغائب وتضع لنا خططاً لمئة سنة قادمة.. وهي تملي الفكرة والتوجيهات ونحن نكتب ونخترع المصطلحات ونزايد عليها أي ملكيون عرب أكثر من الملك الأمريكي وهي تتبع سياسة التزوير التاريخي والإعلامي والثقافي، ونحن شهود تحت الطلب.. وهذا يعالج بالرد عليه تحت ستار المقاومة المحتجب عن الأنظار بالمقاومة وبالأصالة والتمسك بالتاريخ واللغة التي تمثل بمجملها ركائز الهوية والحضارة العربية، وكل عمل إنساني يعمل على تطويع الطبيعة والثقافة التي تنتج المقاومة ومنها تنبثق الحضارة.. لكن ليس على طريقة الغرب، لأن الغرب يتقدم في إخضاع الطبيعة وتطويعها لكنه لم يفلح في إطار الثقافة فهو في هذا المضمار مهزوم. والأمة العربية ليست مهزومة ثقافياً وإن كانت متخلفة حضارياً (تقنياً).. وبالرغم من سعي أمريكا وقبلها أوروبا وغيرها إلى نزع جينات الثقافة والثقافة المقاومة بخاصة تحت شعار كل ثقافة إرهاب وكل نقد هو عدو متهم وإن أية فعالية معاكسة أو أية حركة، هي خطيرة يجب محاصرتها حتى تصاب بنقص المناعة الثقافية/ وهذه الحالة مقيمة فينا ومترافقة مع شعورنا الدائم بالعجز وعدم القدرة على الانتقال إلى المقاومة/ إلا أنهم لم يفلحوا في هزيمة العرب، والمهزوم على مرّ الأزمنة من العرب ليس الشعب بل أولئك الذين يبحثون عن الحل لمشكلاتهم المستعصية لدى الأمريكان وليس لدى الشعب. وهم يقومون الآن بتقديم مقترحات لتكريس العجز والضعف العربي، وهم يعتقدون أنهم أمام واقعة عابرة وليس زلزالاً هو منعطف استراتيجي بالنسبة للأمريكان وهزة عنيفة وقاسية دامية بالنسبة للأمة العربية تشكل عبرة لمن يعتبر وهي الإطاحة بصدّام بغداد ورموز نظامه الذين انتهوا إلى مصير مهزوم وشعب لا يدافع عنهم وعن نظامهم.. و.. ماذا بعد بغداد؟.‏

6 ـ ثقافة الإخضاع: إن معظم الأنظمة السياسية العربية لم تهتم فيما مضى كثيراً بالثقافة ولذلك لم تعط الفرصة الكاملة للفكر وللمفكرين وهمشت الثقافة واعتبرتها تابعة أو هامشية وكما استوردت السلع فقد سمحت باستيراد الثقافة أيضاً لكونها نظماً تعيد إنتاج التبعية وتقيم فروعاً محلية لمراكز غربية بدل أن تقيم مراكز أبحاث ناشطة بعقول عربية وأفكار وطنية.. وأدخلت هذه المستوردات، عن طريق الإعلام، في ميدان التربية الأساسية (بوحداتها الثلاث الأسرة والمدرسة والمجتمع وكذلك الثقافة عبر مراحل متتابعة: ثقافة الاستهلاك: وتنتج مستهلكاً مستمراً وليس منتجاً معرفياً ومشكلة استهلاك المعرفة هي أنها تنتج مستهلكين لا منتجين..‏

ويمكن هنا القول بأن المطلوب الآن هو:‏

ثقافة المواجهة أو ثقافة مقاومة: إذ لا تطور بدون أنظمة سياسية متحررة. لذلك فإنه لمن الواجب وعبر سنوات أو أجيال إعادة النظر في المستوى والمحتوى ـ المستوى الذي يقيم والمحتوى الذي يعلم. وهذا يمر عبر منظومة من الخطط والبرامج نمر على أهمها ههنا:‏

1 ـ تطوير البرامج: وذلك بتطوير البث الوطني مدعوماً ببرامج ومواد متميزة لجذب المشاهدين إليها، دون أن تنحرف إلى منافسة المحطات الأجنبية ببرامج تشبه إلى حد كبير ما تبثه المحطات الفضائية وبالتالي تصبح مهمتها مكملة لمهام القنوات الفضائية الأجنبية.‏

2 ـ دخول الساحة العالمية: أن تقوم وزارات الإعلام العربية ـ ذات التوجه غير الاستهلاكي أو العولمي ـ بإنشاء قنوات خاصة بتمويل عربي بما يتيح التعددية التي ينشدها المواطن من القنوات الفضائية، ليصل بث برامجها إلى جميع دول العالم الأمر الذي يتيح للمشاهدين في تلك الدول التعرف على الحضارة العربية والثقافة العربية القائمة على القيم الاجتماعية والإنسانية والمعرفية عالية القيمة وليس على الطريقة التي قدمت من قبل بعض القنوات التي يصل بثها إلى أوروبا. (ويغلب عليها الطابع الإسلامي السلفي المتطرف أو المتخلف) فقد لاحظنا في السنة المنصرمة الحملة الإعلامية التي شنتها الصحف الفرنسية على هذه القنوات وبرامجها التليفزيونية والبالغ عددها ست قنوات فضائية عربية وثلاث عشرة قناة إسلامية (اثنتا عشرة تركية وقناة باكستانية). ولم تكن برامجها بالطبع لتتماشى مع العقلية الأوربية ولا مع الثقافة العربية التقدمية أصلاً مما دعا نقابة الشرطة الفرنسية إلى اعتبار هذه القنوات تروج للأصولية والتطرف للأفكار المعادية للغرب فتقدمت بتقريب تبعته بحملة إعلامية شرسة على هذه القنوات التي قادت إلى ذلك الجو المشحون بالتشدد الأمني على المهاجرين العرب والمسلمين، في فرنسا بلد الحريات الفردية ومبادئ الوطنية ومبادئ حقوق الإنسان استدعتها هذه القنوات إلى مطالبة الوزير المختص بوضع حد لهذه القنوات الفضائية العربية والإسلامية "الخارجة عن القانون على حد رأي التقرير" علماً بأن إلغاءها يخالف الدستور الفرنسي لكن هذا ما حصل مرة أخرى وتستلزم عملية التطوير هذه وإعادة الهيكلة الإعلامية في القطر الواحد وعلى الصعيد القومي، إلى وضع استراتيجية دقيقة وسريعة سرعة العصر الذي يفلت من أيدينا شيئاً فشيئاً نظراً للركود والرتابة المبتلى بها الإعلام العربي برمته وتستلزم الاستراتيجية الإعلامية بالدرجة الأولى لحظ الأهداف والغايات الأساسية التي تسعى المؤسسة الموجهة إلى تحقيقها وتحويلها إلى واقع مرئي ومسموع من خلال البرامج الصحفية والإذاعية والتلفزيونية، مجدولة زمنياً طبقاً لاحتياجات كل مرحلة.. وهذه الأهداف هي سياسية واقتصادية واجتماعية: داخلية وإقليمية أو دولية.. ولابد أن تهدف إلى التغيير السياسي والإصلاح المؤسساتي ونوعية المواطنين للمشاركة في العملية السياسية، أو إلى تثبيت الأوضاع السياسية القائمة ومؤسساتها واستمرار برامجها النمطية أو إلى التنمية الاقتصادية والتغيير الاقتصادي أو الحفاظ على الأوضاع الاقتصادية القائمة، أو تهدف إلى تشجيع الدوافع الفردية وإشراك المواطنين في عملية الإنتاج ووضع الخطط اللازمة، أو لتنفيذ القرارات الاقتصادية التي وضعت مسبقاً دون مشاركة المواطنين فيها. أو إلى التغيير ومساعدة ذوي الدخل المحدود وصغار الكسبة والشرائح الدنيا (الفقيرة) من المجتمع، أم الحفاظ على الأوضاع الاجتماعية القائمة؟ أم إشراك المجتمع في وضع القرارات الخاصة بالأوضاع الاجتماعية؟ أما أنها تهدف إلى تفسير القرارات الاجتماعية التي لا يشارك في وضعها المجتمع؟.‏

3 ـ وضع خطة مبدئية تلحظ الإمكانيات التي تتيحها وسائل الاتصال الحديثة، مع مراعاة الجوانب الهامة فيها مثل: الكم الإعلامي من حيث عدد ساعات البث وفئات المشاهدين والمستقبلين والأماكن والمواقع التي يصل إليها ـ وكذلك الكيف أو النوعية من حيث مضمون ومحتوى المواد وجودة الأداء والأجهزة المستخدمة والتوازن بين وظائف الإعلام في الأخبار والتثقيف والتعليم والترفيه والتنمية... الخ.‏

4 ـ التركيز في خططنا الاستراتيجية على القانون الدولي الذي ينص على أن كل دولة تعتزم إنشاء خدمة تلفزيونية دولية مباشرة بالأقمار الصناعية أو التصريح بإنشائها أن تخطر فوراً الدولة أو الدول المستقبلة باعتزامها هذا والدخول في تشاور مع الدول التي تطلب ذلك على أساس اتفاقات موقعة وتخطر بها الاتحاد الدولي للاتصالات السلكية واللاسلكية في مخاطبة العالم عبر إعلام مركز وهادف..‏

(1) ادغار مورين ـ روح العصر/ 39.‏

(2) دانيل بونيو: الاتصال ضد الإعلام، ترجمة نصر الدين العياضي، وسائل الاتصال الجماهيري والمجتمع: آراء ورؤى، دار القصبة، الجزائر 1999 ص35.‏

(3) مرجع سابق، ص421. نصر الدين لعياضي: مساءلة الإعلام، المؤسسة الجزائرية للطباعة، الجزائر 1991، ص76.‏

(4) Pascal Lapointe: Peut - on se noyer dans une mer d information? La presse-Montréal 23- Juillet 1997-6.‏

(5) انظر على سبيل المثال: Philipe Breton: lga dictature de la communication, Ed:‏

(6) انظر: نصر الدين لعياضي، وسائل الاتصال الجماهيري والثقافة، القاعدة والاستثناء، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة 2001 ص168.‏

(7) في كتابه: "The Mind Managers" 1974‏

ـ وكتب سنة 1865 ما يلي: (إن سهول أمريكا الشمالية هي حقولنا للقمح، وشيكاغو وأوديسا هي مخزن حبوبنا، وكندا ودول البلطيق هي مستوطناتنا للخشب، إن أستراليا ترعى أغنامنا، بينما ترعى الأرجنتين وغرب أمريكا عجولنا، وفضة البيرو وذهب أستراليا وجنوب أفريقيا يتكدس في بريطانيا. يقوم الهنود والصينيون بزراعة الشاي لنا، بينما ينمو بننا وسكرنا وتابلنا في الهندين. ( إسبانيا وفرنسا هما مزارع كرومنا، وكل مناطق البحر الأبيض المتوسط هي مزرعة أشجارنا المثمرة. إن قطننا الذي كان يزرع في جنوب أمريكا أصبح ينمو حالياً في عدة مناطق من العالم).‏

(8) Tell me lies-The Propaganda and Media Distortion in Attack on Iraq./David Miller. Verso-London-2004- اكذب عليّ: البروباغدندا والتشويه الإعلامي في الحرب على العراق ـ تحرير: ديفيد ميلر ـ الناشر: فيرسو، لندن 2004.‏

(9)‏

(10) ونسي هؤلاء الكتاب المنصفون الديموقراطيون والصحفيون الأحرار، الدور الإسرائيلي في هذه الحرب القذرة التي يقف وراءها العامل الصهيوني كما بينت الأحداث والتي تؤيدها عمليات الإبادات التاريخية لهؤلاء القتلة وهم أسيادها...‏

(11) شعب اليد الخفية هو تسمية أطلقها ج. واشنطن على شعبه لكونه محظياً من قوة خارقة تتمثل بالحجاج الأوائل لأمريكا وهم الكلفينيون التوراتيون.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-20-2006, 03:51 AM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الخامس:
من هيروشيما إلى بغداد وجيوبوليتيكا إسقاط الشرق




لم تكن القنابل الذرية الأميركية هي التي أوقفت الحرب العالمية الثانية، إذ إن اليابانيين كانوا قد أعلنوا إيقاف الحرب وبقرار من الإمبراطور الذي لا يرد ولكنا يعلم كيف كان جنرالات الحرب اليابانيون ينفذون أمر إمبراطورهم ثم ينتحرون لأن الحرب كانت تميل لصالحهم، بل إن هذه القنابل كانت إشارة لصعود الولايات المتحدة إلى المسرح العالمي بهذه القوة القاهرة لتتبوأ مكانتها التي أرادتها منذ البداية قوة عسكرية قهرية، وكان رؤساء الدول المشاركة في الحرب قد التقوا في يالطة وأبدى تشرشل أن لا شيء لدى بلاده يمكنه من إيقاف الحرب إلا إذا نزل شيء من السماء.. فانتبه ستالين إلى ذلك وطلب تأجيل الجلسة لأمر صحي، ثم ذهب إلى مقر إقامته واتصل بقائد سلاح الجو وسأله عما إذا كان لم يزل يصطاد وأي طيور في الجو تغرد الآن؟ فأجاب الجنرال أن هناك طيوراً بثمان وأربعين نقطة في الزاوية الجنوبية الشرقية.. فعاد ستالين إلى الاجتماع وقال: أنا أوافق السيد تشرشل على ما قاله ولابد للطيور أن تغرد في السماء وانفض الاجتماع بكلمات هي أشبه بالألغاز. وفي اليوم التالي قامت الولايات المتحدة بقصف هيروشيما وناغازاكي.. وهكذا صعدت الولايات المتحدة إلى المسرح الدولي وهي تحمل بصمة الإبادة اللاإنسانية التي أرادتها ولم يتمكن لا ستالين ولا غيره أن يحول دون ذلك لأن واشنطن قد أعدت كل شيء وأنهت الأمر على هذه الطريقة البشعة..‏

تعمل على تنفيذ خطط ماهان وماكيندر بالاستيلاء على الجزيرة العالمية، وتقع في قلب العالم وهي أفغانستان بعد ضم المحيطات بمحيط واحد ـ المحيط العالمي ـ واليابسة بالجزيرة العالمية.. ويستحسن أن نعرض لهذه الاستراتيجية التي تنفذ بحذافيرها الآن في العراق وعلى جماجم أبنائه الأبرياء:‏

* في المصطلح:‏

يعد مصطلح الجيوبوليتيكا جديداً على العربية وأهلها، والمتابعين والأكاديميين على حد سواء. كما أن ترجمتها إلى عديد من اللغات قد اختلفت من مترجم إلى آخر، كل حسب اختصاصه. وبالعودة إلى تاريخ استعمال هذا المصطلح يزول اللبس وما لحق به من غموض.. فقد استخدمه لأول مرة الكاتب السويدي رودولف كييلين 1922 - 1864n- Rudolf Kjellen في تعريفه للدولة كوحدة سياسية ومن حيث بيئتها الجغرافية، فجمع بين الجغرافيا والسياسة. إلا أن استخدام كلمة الجغرافيا لوحدها أو السياسة لوحدها لا يعطي الدلالة الحقيقية لهذا المصطلح الذي جرى عليه الكثير من التعديلات الدلالية والاستخدامات اللغوية بعد كييلين وخاصة على أبواب القرن العشرين وعشية الحرب العالمية الأولى. حيث صار للجيوبوليتيكا مفهومان: المفهوم الألماني الذي استخدمته المدرسة الألمانية ـ ومؤسسها الجنرال هاوسهاوفر وقال بالمجال الحيوي الأرضي للدولة Lebensrom وبأن الدول هي كائن حي ـ بمعنى النمو والتمدد لا بالمعنى الذي ذهب إليه ابن خلدون أن للدولة إعماراً كما الإنسان.. وأوضح هاوسهاوفر "أنه ليس صدفة أن نستخدم لفظة بوليتيك Politic قبل كلمة Geo وتعني التربة، ذلك لأن الجيوبوليتيكا توضح مدى تلازم كل تطور سياسي بعامل التربة دون أي تغيير، فهو يربط السياسة بالتربة ويجنبها التقعير اللفظي الفارغ والعبارات الجوفاء التي لا طائل منها وقد تربك الساسة وتوقعهم في حبائل الدول التقليدية القائلة بالأرض الصلبة لأنها تبين مدى توقف كل عمل سياسي على عامل ثابت هو التربة".‏

* أما المفهوم البريطاني الخاص باقتحام "الشرق الأوسط الكبير" (ويتمثل بآراء ماهان وماكيندر) فيستند إلى: النظرية التي تبحث في قوة الدولة وعلاقتها بالحدود والتطورات السياسية والأرض أو المجال الأرضي وتكوينه، والعمل السياسي الذي يقوم عليه فن أو عمل الدولة في جهدها من أجل حصولها على مجال حيوي أكثر اتساعاً، أو النظرية التي تقوم على دراسة جغرافية الدولة وسياستها التوسعية في المجال الحيوي بالقوة".‏

فيما قامت فكرة العزلة لدى الجيوبوليتيكيين الأميركيين على مبدأ سعة المحيط الأطلسي من الشرق، والمحيط الهادي من الغرب، مع وجود دول ضعيفة في الشمال والجنوب. وهذا ما قاد إلى النزاع بين الدول الكبرى على القواعد الجوية المنتشرة في أنحاء العالم، في الحربين العالميتين وهو ما يعتمل في عالم اليوم سواء في الشرقين الأدنى والأوسط أم في الادرياتيكي والبلقان.. ويفهم من ذلك أن أميركا تتجه إلى الاعتماد على القوات الجوية في سياستها الجيوبوليتيكية أو توسيع مجالها الحيوي عبر المحيطات منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن.‏

وقد تبلور مفهوم الجيوبوليتيكا وفق "قوانين النمو الأرضي للدول العظمى" وهي:‏

1ـ نمو رقعة الدولة بالتوازي مع النمو الثقافي: إذ كلما انتشرت الجيوش في بقاع أخرى وحملت معها طابعها الثقافي الخاص، كلما تزايدت إمكاناتها في السيطرة على الأراضي الجديدة. ومن هنا تسعى هذه الجيوش إلى نسف ثقافات "الشرق الأوسط الكبير" واستبدالها بثقافة "الجهاز الهضمي والتناسلي" أو إذا شئت فقل ثقافة الخضوع والاستسلام.‏

2 ـ النمو العلمي: حيث إن نمو الدولة يرتبط، أولاً وقبل الشروع بالتوسع، بنمو العلوم التي تسهل عملية التوسع التجاري والنشاط التبشيري أو التطبيع. وهذا ما قصده للمشروع ببناء مجتمع تقني في دول غنية ولكنها متخلفة وغير ديموقراطية.‏

3 ـ الضم: وذلك بالتوسع في وحدات جغرافية صغرى ثم ضمها إلى المجال الحيوي للدولة المحتلة ومن ثم مزج التربة ومن عليها إلى رقعة التوسع الجديدة التي تقع تحت إدارة الحاكم الأميركي.‏

4 ـ نمو الحدود: إن حدود الدول هي، في الجيوبوليتيكا الأميركية، العضو الحي المغلف لها وهي لا تعين مدى سلامة الدول فحسب، بل مدى نموها وسلامة رقعتها أيضاً. أي الأمن الإقليمي والقومي والعالمي ـ وكما يتطلب الحال.‏

5 ـ درجة النمو أو القيمة السياسية للنمو: إذ إن الدول تسعى في نموها إلى امتصاص الأقسام ذات القيمة وهي إما أنهار أو سواحل أو مناطق غنية بثرواتها المعدنية أو البترولية أو الغنية بالمنتجات الغذائية. وجميعها تكوّن ثروة "الشرق الأوسط الكبير" من المغرب حتى أفغانستان.‏

6 ـ تطوير الأقوام البدائية: وهنا بيت القصيد: حيث إن الدافع الأساسي للتوسع الأرضي يأتي من الدولة القوية ذات الثقافة العالية كما بين المشروع وجاء في نظرية ماهان وماكيندر ـ فتحمل ثقافتها إلى الدولة الضعيفة وجماعاتها البدائية مما يدفع إلى الشعور بالحاجة إلى التوسع لدى الطرفين القوي والضعيف في آن معاً.‏

7 ـ توسيع السيطرة أو عدوى الانتشار: وهنا ينتقل المحتل ـ المثقف التقني والعلماني الديمقراطي الأميركي ـ إلى التوسع من دولة إلى أخرى ويتزايد باستمرار ـ كالشهية للطعام تزداد نتيجة للإكثار من تناوله ـ وبهذا التعليل تصبح الدولة كائناً جشعاً تدفعه غريزة النمو إلى الحصول على الحاجات التي يفتقد إليها بالطريقة التي يرتئيها وأفضلها القوة.‏

* نظرية هالفورد ماكيندر: Sir. Halford Mackinder:‏

وهو جغرافي بريطاني شهير، أكد عام 1904 أن نقطة الارتكاز لعلم التاريخ هي في جمع مناطق العالم، فقد وجد أن: "9/12 من الكرة الأرضية تغطيها البحار وتتصل ببعضها بعضاً لذلك يجب أن نجمعها ونطلق عليها اسماً موحداً هو المحيط العالمي بدلاً من تعدد أسمائها ـ الأطلنطي والهادي والهندي والمتجمد الشمالي والجنوبي والبحر الأحمر وبحر العرب و.. الخ. كذلك قارات آسيا وأوربا وأفريقيا متباعدة بعضها عن بعض لكن البحار توصلها ببعض وهي تشغل ثلثي اليابسة فيما أن أستراليا والأميركيتين لا تشكلان أكثر من الثلث، لذا يجب جمعها تحت اسم الجزيرة العالمية". ويقول: قد يبدو هذا القول غريباً على الجغرافيين إلا أنه إذا علمنا أن أوربا ليست سوى شبه جزيرة لآسيا لا يفصلها عنها سوى جبال الأورال قليلة الارتفاع مثلها في ذلك مثل الهند التي تكون شبه جزيرة لآسيا تفصلها جبال هيمالايا عن بقية القارة. أما أفريقيا فتقابل أوربا وتطل عليها بسواحل المتوسط عن طريق البلدان العربية لمسافة 3800 ميل، وبقارة آسيا عن طريق قناة السويس وباب المندب في البحر الأحمر.. وتقترب من أوربا عن طريق مضيق جبل طارق الواقع في جنوب إسبانيا. وإن المسافة بين رأس بوف وبين جزيرة صقلية ـ وهي آخر نقطة في أفريقيا صمدت فيها قوات المحور قبل انسحابها من هذه القارة وأول نقطة على الساحل الأوربي نزلت فيه القوات الإنكليزية الأميركية ـ لا تزيد عن 90 ميلاً..(1) كما أن لفظة Medeterranean أي البحر المتوسط هي مركبة من عبارة لاتينية معناها البحر الذي يتوسط اليابسة (واليابسة هنا هي أوربا وآسيا وأفريقيا) وهذا ينطبق تماماً على تسميته بالمتوسط الذي يمتد من سواحل المغرب إلى ضفاف قزوين فأفغانستان.. وهنا تبدأ خريطة المشروع "الشرق أوسطي الكبير" الذي طرحه بوش الآن (ولربما تعجل بطرحه لضرورات انتخابية).‏

ومن هذه النقطة (الجزيرة العالمية القائمة وسط المحيط العالمي) ينطلق ماكيندر إلى تحديد نقطة الارتكاز ـ للدولة العظمى الساعية إلى توسيع مجالها الحيوي وهي التي أطلق عليها اسم القلب Heartland: ويمتد هذا القلب من حوض الفولغا في روسيا إلى شرق سيبيريا التي تجري فيها الأنهار الاستراتيجية (من الناحية العسكرية) إلى المتجمد الشمالي حتى بحر قزوين. وتشمل سهولاً فسيحة استراتيجية تمتد حتى هضبة إيران وتضم مناطق إيران وأفغانستان وبلوخستان وجزءاً من مرتفعات منغوليا.. وأن نقطة الارتكاز لهذه الدول هي أفغانستان.. وينقسم هذا القلب إلى شمالي وجنوبي. في الشمالي يقوم التواجد الروسي وهو خطر على الدول العظمى في ظل نظام القيصر أو النظام السوفيتي القائم الآن ـ أي في عام 1941 حيث نشر ماكيندر دراسته ـ وفي الجنوبي تقوم أفريقيا ـ جنوبي الصحراء الكبرى وفيها أنهار كلها تصلح للملاحة الدولية.. وبذا يتصل القلبان عن طريق جسر استراتيجي هو بلاد العرب (مركزه العراق) وهي تمتد من جبال طوروس إلى خليج عدن ومن الأطلسي إلى النيل غرباً إلى الفرات والبحر العربي شرقاً، وهي أنهار استراتيجية أيضاً. وتكون هذه البلدان طريقاً برياً هاماً بين القلبين الشمالي والجنوبي على حد سواء. وفي نهاية بحثه يقول ماكيندر: "إن رجحان كفة ميزان القوة المؤهلة عسكرياً يصطدم بإمكانات حربية في هذه المناطق التي سبق لها وأن خاضت معارك تاريخية وانتصرت فيها منذ هانيبعل إلى جنكيز خان وحتى الحرب الصينية.. وعليه فإن الأمر يتطلب قوات حربية هائلة لاحتلال منطقة الارتكاز (أفغانستان) وليس ضاراً أن تقيم الدولة المؤهلة تحالفاً دولياً لتمكين سيطرتها على القلب العالمي بكل تأكيد. وهذا ما يكسبها توسعاً ينتهي بها إلى الأراضي الحدية في كل من أوربا وآسيا ويضع في متناولها موارد قارية هائلة تستعين بها على بناء الأساطيل البحرية والجوية والبرية التي تنتقل منتجاتها إلى العالم بأسره فيصبح أمر قيام وتطور الإمبراطورية العالمية محتمل الوقوع. (وكان هتلر وتشرشل يقران في 1941 أنه لو طبقت هذه النظرية على الوضع القائم الآن لأصبحت الجزيرة العالمية قاعدة ضخمة للقوى البحرية الأوربية قبل أن تقوم أميركا بإنشاء قواتها الجوية التي تتوضح إشاراتها شيئاً فشيئاً وبذا لا يبقى على القسم الباقي من العالم سوى الخضوع).‏

وفي فترة ما بين الحربين العالميتين عملت بريطانيا على عرقلة أمر قيام أوربا الكبرى ـ لأنّ قيام كتلة كبرى تمنع أميركا من الوصول إلى قلب العالم ـ ولكي لا تصبح ألمانيا وروسيا قوتين عظميين في القارة.‏

وهنا وضع ماكيندر نظريته ذات الأركان الثلاثة(2)، التي كشفها الألمان في حينها فعاجلت الولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب العالمية الثانية على الطريقة المعروفة، وهذه النظرية هي:‏

1 ـ من يحكم شرق أوربا يتسلط على منطقة القلب.‏

2 ـ ومن يحكم منطقة القلب يتسلط على الجزيرة العالمية.‏

3ـ ومن يحكم الجزيرة العالمية يتسلط على العالم كله.‏

وقد استقبل استراتيجيو الحرب الأميركان هذه النظرية على أنها غاية في الدقة، وكتب الميجر جورج فيلدينغ ايليوت يقول إن "ليس هناك مهرب من نظرية ماكيندر.. مع بعض التبديل في نقطة الارتكاز بحيث إنها تمتد في منظورنا من نهر ميسوري في أميركا إلى نهر ينسي"‏

وأطلق على المحيط الأطلسي اسم المحيط الأوسط وفيه تقوم الجزر البريطانية وكأنها مالطة كبيرة، كما تقوم فرنسا بدور رأس جسر يمكن الدفاع عنه، وبذا تكون الولايات المتحدة القاعدة الكبرى التي تستمد قوة دفاعها من مدى اتساعها الجيوبوليتيكي / أي من التوسع بالقوة/.. وقال "إن الدول يجب أن تتسع أو تهلك، وأن فكرة المجال الحيوي تتحكم في تاريخ البشرية". وهذا ما حصل فيما بعد الحرب العالمية الثانية وما يحصل الآن بعد أن حدث زلزال الاتحاد السوفيتي فتحقق للولايات المتحدة ما فكرت به منذ خمسين سنة خلت.‏

* نظرية الأدميرال الأميركي الفرد ماهان:‏

ويعد مؤسس المبادئ البحرية التي تتلخص في المطالب المكانية للدولة التي تعتمد في توسيع مجالها الحيوي على مدى قدرتها البحرية والجوية كعنصر أساسي في الاستراتيجية العسكرية. وقد ركز في كتابه/ أثر القوة البحرية في التاريخ/ على أحداث الحروب الماضية وخاصة في الفترة الواقعة ما بين 1660 و1783. وعدّ ماهان أن الأحداث التاريخية ما هي إلا مظهر من مظاهر النشاط الجغرافي.. وذكر أن الظروف الجغرافية في وادي النيل ودجلة والفرات كانت مواتية لقيام حضارات نهرية على حين أن الجسر الذي يربط بينهما كان من المحتوم على الفاتحين عبوره/ وذكر هنا الآشوريين ت وهم بنظره ليسوا من سكان المنطقة الأصليين ـ والفرس والمكدونيين / وقد أشار على الحكومة الأميركية آنذاك علم الجغرافيا السياسية إلى مناهج المدارس الثانوية(3).. وقد رأى أن التاريخ إنما يقوم على ثلاثة مصادر هي: الإنسان والمكان والزمان. فيما أنه في الجيوبوليتيكا يقوم على عنصرين فقط هما: الأرض والدولة ورأى أن رخاء أي شعب ومصيره إنما هما مرهونان بما يعدانه من خطط تجارية عسكرية وقال "إن أسطولاً تجارياً ترفرف عليه الأشرطة ـ الأوسمة ـ والنجوم سوف لا تقتصر فائدته على تنشيط تجارة البلاد فحسب، بل سيكون بمنزلة الدرع لقوتها البحرية.. وإن السفن التجارية حيثما سارت لا غنى لها عن الشعور بالطمأنينة في الموانئ التي تقصدها وبالحماية في الطرق التي تسلكها وهذا كله يتطلب قيام إمبراطورية فيما وراء البحار وبناء أسطول قوي لهذه الغاية وما ترمي إليه في مستقبل الأيام".‏

ومن هذه النقطة ندرك التأثير الهام لنظرية ماهان في السياسة العسكرية الأميركية منذ القرن الثامن عشر.. فقد بسطت واشنطن نفوذها في أميركا اللاتينية والمحيط الهادي والقسم الشمالي من المحيط الأطلسي معتمدة على قوتها البحرية. فتولى أسطولها الجبار حراسة مياه الباسفيك حتى غرب الأطلسي ـ حيث لم يكن في استطاعتها النفاذ إلى المحيط الهادي فتركت أمر حراستها للسفن البريطانية. وفي مطلع القرن الماضي ركزت القوات العسكرية الأميركية على العمليات الفنية الجوية وارتأت القيادة العسكرية الأميركية أن الحاجة إلى القواعد الجوية عبر المحيطات قد أصبحت ملحة فتوجهت خارج حدودها السابقة..‏

وبإلقاء نظرة على التوسع الحيوي الأميركي بين 1783 ـ 1853 نجد أن حدود الدولة الأميركية قد أصبحت في منطقة الميسيسبي وجبال الليجاني. ثم قامت بشراء مستعمرة لويزيان الفرنسية ـ ما وراء الميسيسبي من كندا شمالاً حتى سواحل المكسيك. ومن ثم استولت على فلوريدا عام 1819. وفي عام 1845 ضمت ولاية تكساس من المكسيك وكانت تسمى جمهورية النجم الأوحد Lone Star Republic ثم قامت بشراء منطقة غادسدن من المكسيك 1853. وبذا اكتملت حدود الدولة إلى ما مساحته /3022387/ ميلاً مربعاً بعد أن كانت لا تزيد عن 868 ميلاً مربعاً. وقد توسعت بناءً على هذه النظرية في المحيط الأطلسي منذ 1898 ـ بالاستيلاء على بورتوريكو ثم على غواتيمالا ـ بطريقة التأجير ت حتى قناة بنما وجزير ة فيرجين التي اشترتها من الدانماركيين 1917.‏

والتقت نظرية ماهان بأفكار الرئيس مونرو حول الطابع الدفاعي والموجه ضد أي تدخل من قبل الدولتين الأوربيتين بريطانيا وفرنسا في أميركا الوسطى والكاريبي. وكان هذا التوجه بداية للتوسع الإقليمي "النابذ" في تعريف ماهان ـ وبداية الدائرة الأولى في التوسع.. أما الدائرة الثانية فهي إخضاع دول أميركا اللاتينية بدءاً من جزر الهاواي وهندوراس وقناة بنما.‏

وقد رأت واشنطن فيما بعد أن ما أوصى به ماهان قد حان تحقيقه فاتجهت إلى الاستيلاء على القواعد العسكرية في مختلف البحار.. ذلك لأن بلاداً شاسعة مترامية الأطراف لابد وأن تتعرض لهجوم من البحر إذا ما نشبت الحرب على جبهتين مختلفتين ـ كما أوضح ماهان ـ وهنا تبدأ الدائرة الثالثة بالاستيلاء على مفاتيح الدفاع عن القسم الشرقي للمحيط الهادي، حيث أجبرت إسبانيا على التنازل لها عن جزر الفيليبين وغوام وساموا والقاعدة البحرية باغو باغو. ومع نشوب ثورة البوكسرز في الصين، وجدت الولايات المتحدة الفرصة لإنزال قواتها في بكين وتينتسن واستولت على جزر أخرى في المحيط الهادي /هاولاند، بيكر، جونستونز، بالميرا، تارفيس كينغ مان، ريف، وسوينز/ الخ. وفي النصف الثاني من القرن الماضي تمكنت الولايات المتحدة من الحصول على ما لم يكن الرئيس ويلسون قد حصل عليه وهو تبعية القارة الهرمة (أوربا) للولايات المتحدة اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً، وتململها في الشرق الأدنى والأوسط الأقصى على حد سواء.. إلا أن الأهم من هذا وذاك هو تلك الفِكَرْ الخفية التي تكمن وراء زحف واشنطن وراء الطاقة ومنابع النفط، إن في الشرق العربي أو في الدول المستقلة أو في شرق آسيا.. وللإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة إلى التاريخ..‏

* استراتيجية إسقاط الشرق:‏

تظهر النظرية السياسية الأميركية أن العمل السياسي لابد له من عدو حتى يصبح للسياسة معناها.. وهنا نستذكر قول كسينجر: "إنه لو لم يوجد الاتحاد السوفييتي لأوجدناه". وعليه فقد ذكر الجنرال تومي فرانكس قائد العمليات الأخيرة في أفغانستان والعراق أنه لو لم تكن أحداث 11 أيلول لما كان في نية الولايات المتحدة إقامة قواعد عسكرية دائمة في منطقة آسيا الوسطى.. وصرح نائب وزير الدفاع الأميركي السابق ريتشارد أرميتيج "أن الحضور الأميركي في تلك المنطقة فاعل كما لم يكن من قبل".‏

وبالعودة إلى الوراء قليلاً نجد أن السياسة الغربية عموماً قد استفادت من نظريات ماهان وماكيندر وهاوسهاوفر وتجلى ذلك في الاندفاع نحو تقسيم العالم على أساس جيوبوليتيكي من منطقة البلقان حيث تعد منطقة متوهجة كما (الشرق العربي) منذ القرن التاسع عشر حتى الآن أو كما أسماها البريطانيون فيما مضى بالمرجل الفائر، حيث تشكل مجالاً حيوياً استراتيجياً لصراع القوى ومصالحها الدولية والمنفذ الأهم للاندفاع عبر الأدرياتيكي إلى المتوسط فقلب العالم أفغانستان.. حتى أن مجرد الإشارة إلى البلقان تعني انفجار البارود، بل إن البارود نفسه قد اخترع في البلقان منذ صراع الإمبراطورية العثمانية وإمبراطورية النمسا ـ المجر.. وتعد البلقان منطقة نفاذ بحري وبري إلى بحر البلطيق والبحر الأبيض المتوسط وإلى الشرق حتى بغداد ـ كما رسمته ألمانيا وبريطانيا فيما مضى ويقوم على هذا الخط عدد مهم من الدول ـ النمسا، النرويج، فنلندا، وبولندا، والمجر، وماكيدونيا، واليونان، ويوغوسلافيا، وبلغاريا حتى تركيا فالمشرق العربي إلى قلب الجزيرة العالمية في شرق آسيا.‏

وعليه تكون شبه جزيرة البلقان معبراً للخطوط الدولية الحيوية تربط شمال أوربا بجنوبها من جهة وبالعالم من جهة ثانية، ولذا كانت هذه المنطقة المذراة التي تذرو الأحداث والصراعات وتقع باستمرار تحت مراقبة الدول الكبرى الجديدة وحروبها التي تحكم شعوب المنطقة على الدوام (والتي لا دخل لصربيا بها كما ادعى الأميركيون على عادتهم في إيجاد عدو لهم لتسويغ اندفاعهم الجيوبوليتيكي). فقد شكلت هذه الدول محوراً جديداً للصراع/ بعد زوال الاتحاد السوفييتي وانهيار فيدرالية يوغوسلافيا/ هو محور صربيا ـ كوسوفو ومحور كوسوفو ـ ماكيدونيا ألبانيا، ومحور صربيا البوسنة والهرسك.. وخلقت منها دول الغرب مركزاً متقدماً من السياسة القطبية العسكرية، وكما تطاحنت النمسا وروسيا عليه في القرن التاسع عشر لضمان طرق العبور إلى الأدرياتيكي. نشب الصراع في السنوات الماضية لنفس الغرض لكن بوجوه جديدة تولت أميركا عملية إدارة هذا الصراع بحجج دينية وعرقية وجغرافية ليست صعبة الافتعال وتندرج تحت شعار بريطانيا القديم "فرّق تمر". وفي البدء جعلت هذه القوى الحرب بين الصرب والبوسنيين حرباً دينية ما لبثت أن تراجعت عن هذا الشعار لأسباب تخص أمن أوربا بالذات. أما حقيقة الأمر فتعود إلى التنافس على الممرات البرية والبحرية الهامة في استراتيجية الاندفاع نحو الشرق. وكانت هذه الصراعات التي انتهت بتفتيت يوغوسلافيا بداية الانطلاق نحو الهدف الأكبر وهو النفاذ إلى قلب العالم ـ كما شهدنا بعد أحداث 11 أيلول الذي اخترعته واشنطن كمسوغ لتنفيذ الخطط الجيوبوليتيكية آنفة الذكر.. والتي دأب فوكوياما وصموئيل هنتنغتون على التبشير به في حديثهما الأخير عن العدو الجديد بعد زوال الاتحاد السوفييتي.. وكما كان كيسنجر يعلن عن عدوه السوفييتي فقد أعلن بوش عن عدو له هو العراق وجاء بوش الصغير ليعلن عن عدو جبار هو "الإرهاب الإسلامي" متمثلاً بدمية صنعتها أميركا قبل عقدين من الزمن في مواجهة النظام الأفغاني السابق.. وهكذا وصلت واشنطن إلى قلب العالم من البلقان إلى العراق فأفغانستان ونفذت نظرية ماهان وماكيندر بحذافيرها وضمن تحالف دولي هزيل وشكلي لتوطيد مراكز قواتها الاستراتيجية في قلب العالم..‏

وهنا لابد من التوقف قليلاً عند الشعارات والأفكار التي تطرحها الأوساط الغربية حول هذه المسألة وأعني بها "الإرهاب والتخلف الإسلاميين" التي حددها المشروع سيِّئ الذكر في مقدماته الذرائعية.‏

فقد طرح الغرب فيما مضى مقولة "العالم الثالث" وهو نتاج نهب الدول الاستعمارية حيث خرجت معظم هذه الدول من جوف البنية السياسية والاقتصادية الاستعمارية وهي لا تملك من هذه البنية سوى الفتات.. وقد عارضها الغرب بكل قوته.. وبعد 50 سنة من الظلم والحصار يعود الآن ليعمق الصراع على شكل صراع بين الحضارات أو الثقافات كما تشدق عراب السياسة الجيوبوليتيكية الجديد /هنتغتون/ وأنصاره.‏

إذن فالإرهاب الذي تصارعه واشنطن والغرب هو نتاج الغرب نفسه أو بكلمة أدق هو صراع الغرب مع نتاجه. وإن ما ينطبق على الإرهاب الأفغاني ينطبق على كل الحركات التي تتخذ من الدين وسيلة لتنفيذ خطط صانعيها عن سابق ارتباط وإصرار.. فالحركات المتأسلمة هذه كانت في فترة الخمسينات والستينات معادية للحركات القومية في بلدانها وخصماً عنيفاً لحركات التحرر العربية والعالمية.. وفي إطار الصراع بين العالم الأول والثاني وقفت هذه الحركات إلى جانب العالم الأول الغربي في مواجهة العالم الثاني تحت شعارات ومسميات لا تغرب عن البال ولم ننسها بعد.. وقد التقت مصالحها مع مصالح الغرب فدعمها بالمال والسلاح باسم الإسلام ودعمها إلى الدرجة التي جعلتها تعيق التطورات الوطنية إلى حد بعيد.. ولكن عندما اصطدمت مصالح الغرب بمصالح هذه الفئات أو عندما وجد الغرب أنه استهلكها، رأى أن لا مندوحة من التخلص منها فجعلها طعماً للبدء بتنفيذ هدفه وهو "إسقاط الشرق" واغتيال التاريخ والهويات والحضارات.. أي أن هذا الربيب الذي أنتجته دول الغرب ليقف ضد الإسلام والعرب تركته الآن وجعلت منه عبداً سخرته ضدها لتسوغ الاندفاع نحو هدفها الذي عملت لـه منذ عدة قرون.. أما هذا النتاج الذي تحاصره القوات الأميركية الآن اختار جانباً من الإسلام ليحمي نفسه من مغبة ما أوقع نفسه فيه وهو يغرق تحت رمال أفغانستان المتحركة..‏

وإن ما نراه الآن وما سيحدث في الزمن المنظور ليس نتاج الحرب الباردة فقط، بل هو ردة فعل على معاناة الغرب من نتاجه التقني الذي دمر البرج في أميركا وهو نتاج عقل غربي وليس نتاج عقل الإسلام.. وإن الغرب الذي أوجد هذه المراجل الفائرة أن في أفغانستان، البلقان، العراق، أفريقيا هو نفسه الذي أنتج "إسرائيل" والظلم والعسف الدولي والإرهاب والرعب الفظيع والفقر والتخلف كالذي يقع كل يوم على رؤوس أطفال فلسطين والعراق وأفغانستان تحت شعار محاربة الإرهابيين وهو في الحقيقة يهدف إلى البدء بتنفيذ الحلقات التالية في استراتيجية أميركا الجيوبوليتيكية.. وهذا ما سوف يؤدي إلى تفجير الأمور ويدعو شعوب العالم المقهورة لمواجهة هذه الحرب القذرة واللاعدل والقهر بطريقة لا يتوقعها العقل الأميركي المتصلب الذي يرى أن التطور العلمي هو وقف على الغرب أو يظن بأن الله لم يخلق سواهم ولم يبدع البشر عبر التاريخ إلا ما أبدعه الغرب..‏

* نعم للتحديث ولا للتدخل بل لا للوصاية ونعم للمشاركة.‏

ما ذهب إليه المشروع يلخص خطة الوصاية على الدول ذات الثروة الخامية والطاقية النفطية والمعدنية كافة. وخاصة فيما عناه بإقامة مشروعات تنموية تحت إشراف واشنطن والشركات ذات المصلحة. وهنا نشير إلى أن الدول الكبرى ـ جميعها ـ حالت في القرن الماضي دون وصول دول المنطقة إلى السوق الخارجية. ولعل هذا الأمر هو من أهم خطوات التنمية لأي بلد يعمل من أجل التطوير الاقتصادي والاجتماعي، لما يترتب عليه من وتيرة عالية للإنتاج وتفعيل القوى العاملة وقوة العمل والتصدير والكفاية، وبالتالي رفع سوية المجتمع.. كل ذلك لم يتم ليس فقط بسبب تبعية هذه الدول، بل لأن الغرب كله أميركياً الآن وأوربياً بالأمس أو تركياً ومغولياً الخ.. لم يدعو اقتصادياً خارج نطاق التبعية والوصاية..‏

قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع الرئيس حسني مبارك في باريس في مسعاهما لإيجاد حل أوربي ـ عربي للخروج من النفق الذي وضعته واشنطن أمام الأنظمة التي استبيحت منذ كامب ديفيد، قال نعم للتطوير ولا للتدخل "وبذا كشف شيراك أيضاً عن ضيقه من هكذا مشروع لم يؤخذ به رأي فرنسا أو أي بلد أوربي آخر من قبل وأن الخشية على الجبنة الآسيوية العربية ـ أو الشرق أوسطية الكبرى إلا أن تطور الأمور في العراق وأفغانستان وبقية مناطق "الشرق الأوسط الكبير"يشير إلى عكس هذه التصورات تماماً ولعل ما ذكرناه آنفاً هو المهيمن حتى اللحظة.‏

فالمقاومة الشعبية التي تأخذ بالتطور والتبلور لم يلحظها ماهان ولا ماكيندر أو هاوسهاوفر ولا جورج بوش أو اليهود مثل رامسفيلد وبريمر. بل التزموا بالنظرية العسكرية الأميركية التي تأخذ بالضربات الجوية الاستباقية أو المباشرة، وهذه تدمر وتبيد لكنها لا تحقق نصراً على الخصوم وهم شعوب هذا الشرق الكبير الذين يبلغون أكثر من نصف سكان المعمورة، وهم مشروعات استشهاديين قطعاًـ لأن الجريح يفجر عروقه ليغرق عدوه إن احتاج الأمر ـ فهل الولايات المتحدة قادرة على حشد جيوش الأرض كلها من أجل تحقيق انتصار على ذلك الذي تسميه "إرهاباً" ثم هل بمستطاع السياسة الأميركية الحالية أو القادمة أن تحيد قيد أنملة عما هو مقرر في الخطط الاستراتيجية ـ الجيوبوليتيكية المعدة للتنفيذ الآن؟ وماذا أنتجت نظريات الإدارات الأميركية منذ ترومان حتى الآن والتي لبست أثواباً متعددة مثل:‏

دبلوماسية الأبواب المفتوحة مع الصين، ودبلوماسية القوة في أوربا، ودبلوماسية الحرب على الإرهاب والديموقراطية المدججة بالصواريخ الفتاكة، والآن دبلوماسية التنمية والفقر؟‏

ومن ناحية أخرى يجب ألا تمر هذه الألاعيب دون لفت النظر إليها، وهي أن الأداة الأميركية التي وعدت حلفاءها بالمن والسلوى من مشاركتها في الحرب على العراق، لم تعط أحداً من هذه الدول المرتزقة حتى الحليفة الاستراتيجية أي شيء من الجبنة العراقية، فكيف لها أن تنجح في مشروع اجتياح العالم المطروح الآن؟. من هنا كان تخوف شيراك، وليته كان تخوفاً فرنسياً تاريخياً كالذي عهدناه في عهد ديغول.‏

إن تضخم الجيوش والدول يشبه تضخم الحيتان التي تحتقن بالدماء فتهرب إلى الشاطئ لتثقب موضعاً في جسدها للتخلص من الاحتقان، فتنزف إلى أن تموت وكما الحيتان هي الدول.‏

وهكذا بقيت حتى الآن مركزها في القلب ـ أفغانستان ـ إلا أن هذا الهدف لا يتحقق إلا بمؤازرة دولية كبرى وإسقاط دول الشرق ـ أو محور الاندفاع نحو الشرق العراق إيران دول المحيط الآسيوي ـ المستقلة ـ في الطريق إلى القلب إلا أن إدارة كلينتون ومن ثم بوش لعبت بالخرائط والخطط بقصد التعجيل بالتنفيذ لأن الدول الكبرى بعد الاتحاد السوفييتي قد بدأت تتحرك بهذا الاتجاه/ خطط ميونيخ هاوسهاوفر/ فيينا بلغراد استانبول ـ أو برلين بغداد ـ كابول وهكذا تعود المسألة الشرقية لتخطو على قدمين فرنسيين أو ألمانيين أو أميركيين/ ونستبعد بريطانيا ههنا لأنها انتهت كإمبراطورية وربما هي الآن في مصاف الدول النامية أو أفضل قليلاً/.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-20-2006, 03:55 AM   المشاركة رقم: 15
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



من هذا العرض، ننتقل إلى الاستراتيجية الإعلامية الأميركية منذ هيروشيما حتى الآن وتقوم على نسف التراث بالاعتماد إما على ظواهر خادعة كالحداثة، وصناعة الكذب حتى يصبح الكذب مقنعاً ومجال ارتزاق "وتجعله من رزقكم إنكم تكذبون".. ومن ثم التربة التي يجب أن ينمو فيها ويتربى عليها كل أجيال العصر كي يشل حاجز الإبداع والعقل والنقد وهي مناهج التربوية والعلمية، والثقافة التي يتلقاها المواطن في هذا العالم المحكوم بالقطب الواحد وسياسة الخرقاء.‏

* ليلة الفاجعة ـ ليلة سقوط بغداد:‏

* إن دراسة الحالة العراقية تستدعي البحث عن جذورها في الحالة العربية التي تعود بالزمن إلى بداية القرن الماضي/ الذي افتتح بذبح العرب وانتهى بذبحهم كما يفتتح هذا القرن/ وإلى ما آلت إليه المسألة الشرقية وما تبعها من نتائج وتطورات وتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية كان لها الأثر البالغ على منطقة البحر الأبيض المتوسط أو ما تسمى بالأجنحة الغربية في استراتيجية التوسع الجغرافي الغربي في القرنين الماضيين وفي التمدد الجيوبوليتيكي منذ هيروشيما حتى الآن..‏

في هذه الفترة برزت فئات متنورة قادت عملية التحرير والخلاص من ربقة الاحتلال العثماني وكان بعضهم قد بهر بأفكار الثورة الفرنسية وشعاراتها: الأخوة والعدالة والمساواة وبثورة واشنطن ومبادئ حقوق الإنسان، وبعضهم جمع ما بين الخلفنة والعلمنة، أو أفكار الدولة العثمانية التي طرحها مفكرو القرن الثامن عشر في أوربا/ لفصل الكنيسة عن الدولة وانحسارها ولم تكتف هذه الفئات بترجمة أعمال مفكري تلك الفترة، بل وتبنت أفكارها ثم استنجدت بـ "أوربا التنويرية لا أوربا الاستعمارية..؟!".. فكان الكواكبي على سبيل المثال يقول: لو عملنا بدأب على هذه الأوروبا عشرين عاماً، لأريق النضج على عملنا ونلنا حريتنا.. ومثله كثيرون ممن لم يعرفوا سر الشعارات البراقة ودلالاتها أو مضمونها المكنون (في السرّ المصون)، فاستنجد هؤلاء بأوربا على بني عثمان، لما حل هؤلاء أحكموا قبضتهم على الأرض والسماء وأسسوا لنوع جديد من السيطرة، وهو أنهم خلقوا فئات سياسية عربية محلية تنوب منابهم دون أن يكلفهم ذلك حروباً، وخلقت هذه الفئات تياراتها وأحزابها وحركاتها ومنظماتها التي ولدت مؤسسات ودولاً. الخ.‏

ومنذ ذلك الحين منذ عصر النهضة حتى الآن وكأن التاريخ العربي سلسلة من الهزائم المتكررة أو جملة من الإخفاقات تتجه إلى الوراء.. وتحكمه ثنائيات متنوعة سياسية وثقافية واقتصادية وغيرها: أحرار وعبيد ومستبد ومقهور ومتغربون مبهورون بالغرب، وشرقيون منكفئون إلى الماضي محرومون من الحاضر والمستقبل وحاكمون مستبدون تابعون ومحكومون يقومون بتأدية واجب قهري هو تنفيذ الولاءات وتقديس الفئة المتسيدة دون حقوق وثقافة حديثة (تحتكر السلطة والسياسة والاقتصاد) وثقافة قديمة وتنمية وتأخر وهنا تحولت كلمة تكنولوجيا إلى سرّ مقدس ونظامين متوازيين لا يلتقيان هما الماضي كقوة مسيطرة على الروح والعقل، والمستقبل الذي يتحقق بدون انقلابات ولا حروب ولا مدافع فهو يولد بوساطة عمليات قيصرية سياسية وعسكرية، أما الحاضر فهو صلة وصل انتقالية شاقة/ وهو الغائب والمنتصر إذا أنجز مهماته من عقول العلماء ودم المجاهدين ومهارة الصناع وطهارة الأتقياء/. وامتد تيار التنوير إلى ما بعد الاستقلالات وقامت على أرضيته أحزاب وحركات تدعو إلى الإصلاح وبناء الدولة الحرة والتنمية الاقتصادية والانفتاح، كما تشكلت الفئات المتسيدة وهي إما تنويرية أو إقطاعية متهالكة أو برجوازية ناشئة وهي بمختلف تركيباتها لم تتمكن من إيجاد قاعدة شعبية لها ولم تستطع أن تقود عملية التحرر والوحدة العربية والنضال من أجلهما.. وكانت بعد كل هزيمة تقوم بإعادة ترتيب البيت الداخلي بتغيير الحصان للحفاظ على العربة حفاظاً على القوى الأساسية الناظمة للعربة والحصان. وعليه فإن نظام الحكم في العراق هو جزء من النظام العربي الذي تشكل في الأربعينات. وباعتقادي إن إخفاق هذا النظام هو إخفاق الفئات المتسيدة وأنظمتها وثقافتها.. احتلال العراق مرتبط بالمشروع الأميركي للسيطرة على العالم وفي القلب منه منطقة الشرق الأوسط، ولم يكن مرتبطاً برد فعل أميركي انتقامي على أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، صحيح أنها استغلت ذريعة أخلاقية وأمنية إلا أن جذور هذا المشروع سابقة بكثير، حيث جرى الحديث عن احتلال العراق وإسقاط نظام صدام لأول مرة في أعقاب حرب الخليج الثانية.‏

كانت عملية غزو العراق هدفاً أساسياً وموروثاً عائلياً ورثه بوش عن أبيه، وكم بكى وذرف الدمع مدراراً إلى حد الانهيار عندما علم بتفاصيل المؤامرة التي أعدها صدام لاغتيال أبيه، وفي اليوم الثاني لوصوله للسلطة لم يخف رغبته في الثأر من صدام، وقال للمقربين منه إنه تتملكه رغبة عارمة في الهجوم على العراق، حتى لم يجد المبررات اللازمة لذلك، فإنه سيطالب بالبحث عن جميع المبررات الدبلوماسية والعسكرية حتى يقنع الجميع داخل أميركا أو خارجها بأن الحرب التي سيخوضها ضد صدام هي حرب عادلة ومشروعة بكل المقاييس. وفي حوار بين بوش الأب وديك تشيني وزير الدفاع وكولن باول رئيس هيئة الأركان المشتركة آنذاك، قال تشيني إن التخلص من صدام سيجعلنا نكسب العراق..‏

وبعد 11 سبتمبر/ أيلول وجد بوش ومن خلفه جوقة تجار الحرب رايس وتشيني ورمسفليد الفرصة لتحديد الأهداف المقررة للعمليات العسكرية الأميركية وشن الحرب على أفغانستان والعراق.. وخلال الفترة السابقة على أحداث 11 سبتمبر/ أيلول عرضت على بوش عدة تقارير تتهم صدام بأنه المنبع المالي الأول ومصدر التسليح الرئيسي لكل الجماعات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم القاعدة، كما طلب بوش من جورج تينيت استطلاع رأي أعضاء الكونغرس والرأي العام الأميركي حول فكرة قيام أمريكا بعمل عسكري ضد العراق، وجاء فيه أن "83% من أعضاء الكونغرس يرفضون، و86% من الرأي العام يرفضون أيضاً، لأنهم يعتبرون أن صدام لم يعد يشكل خطراً على المصالح الأميركية في الخليج"(4).. ومع ثم بدؤوا بتهيئة وإعداد المسرح الدولي والإقليمي للحرب ضد العراق، والتوافد على مختلف مناطق العالم بهدف تقديم الأدلة على أن العراق يحكمه نظام إرهابي، ويشكل حالة من عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم كله. وبعد ذلك كلف باول وكيل وزارة الخارجية لشؤون الحد من الأسلحة والأمن الدولي "جون بولتون" بإعداد تقرير شامل حول حيازة العراق لأسلحة الدمار الشامل، فأعد في نهاية فبراير/ شباط 2002 وجاء فيه أن "العراق يقوم حالياً وعبر فترة زمنية تمتد ثلاثة أشهر سابقة بتطوير أنواع جديدة من الأسلحة البيولوجية والكيماوية، وهناك كميات كبيرة أنتجت من هذه الأسلحة ونقلت للمخازن العراقية". ومنذ ذلك الوقت بدأ ملف الأسلحة يقفز إلى دائرة الاهتمامات الأولى للإدارة الأميركية. وفي مارس /آذار 2002 كان الرأي العام الأميركي أكثر تهيؤاً لإعلان الحرب على العراق، ولكن ليس بسبب وجود صلة بين صدام والقاعدة، ولكن بسبب ما روج عن امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل.‏

* سر اللحظة الحاسمة:‏

قال الجنرال تيراوث فالكون/ قائد القاعدة الأميركية الخاصة بالعراق التي أنشئت عام 1992 في فلوريدا / للرئيس بوش "إن القضاء على صدام بطريقة العمليات العسكرية الأميركية وحدها سيكون مكلفاً، وأن الفرصة الوحيدة للقضاء عليه هي في التحالف مع قوات دولية وبريطانية أولاً ثم اختراق الصف العراقي وإقناعه بالتعاون معنا ضد صدام". وهنا استهجن بوش فكرته وتساءل عما إذا كان بالإمكان إقناع العراقيين بأن يقفوا بجانبه أمام قوة صدام"؟ فأقنع الكون بكلمة السر وهي: "الديمقراطية..؟!! فهي حلم كبير لدى الشعوب المحرومة منها". ومن هنا اعتمد بوش فكرة الديمقراطية والحرية، فسمّى حملته التي نفذت عمليات الحرب الوحشية الجائرة على العراق بـ "الحرية للعراق".‏

وكلف باول "ربان كروكر" وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى بالقيام بالبحث عن عملاء لأميركا في شمال العراق، وبالفعل قام كروكر بتجنيد بعض عناصر المعارضة العراقية الرئيسية التي دربت داخل مناطق الشمال وهذا ما ساعد أميركا في بناء مخطط نموذجي للمواقع المدنية والعسكرية في بغداد وغيرها عن طريق العملاء العراقيين المسميين معارضة ومنهم من كان يشغل مواقع في الجيش ومن العاملين في المخابرات العراقية التي اخترقت من قبل المعارضين هؤلاء ـ حسب ما أورده الصحافيون الذين درسوا الشأن العراقي جيداً(5).‏

وفي الوقت الذي كان يقوم فيه كروكر بنشاط كبير داخل الأراضي العراقية، بدأ نجم "أحمد الجلبي" زعيم ما يسمى بالمؤتمر الوطني العراقي المعارض في الظهور وهو أحد شركاء في مؤسسة إسرائيلية ـ أميركية تتاجر بالبترول المهرب والعملات المهربة، ورأى "بول وولفوفيتز" الرجل الثاني في البنتاغون، أن الجلبي هو صورة منسوخة عن "حامد كرزاي" في أفغانستان، بحيث يقوم بتشكيل مجموعة عسكرية مقاتلة يعتمد فيها على الجماعات العراقية المعارضة، بما يمهد لتشكيل تحالف عسكري. وكان بريمر أحد الثلاثة اليهود الأميركيين الذين كلفوا بالإعداد للحظة الهجوم الحاسمة.. فاعتمد بريمر على الجلبي لكنه لم يكن لديه الشخصية الأساسية بل التمهيدية التي تحرق من أجل الشخصية التالية ـ وهذه هي طريقة السياسة الأميركية التي مورست على الشعوب عبر نصف قرن ـ فلم يخرج بريمر إلا وسلم علاوي المتعاون مع أجهزة السي آي إي منذ السبعينات ومن موقعه كمسؤول ثم معارض ثم قائد حزب مجيش..‏

وذكرت الأنباء في ذلك الحين أن أعضاء لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي أثاروا تساؤلاً مفاده: كيف يمكن إجبار الجيش العراقي البالغ عدده 400 ألف جندي ـ حسب التقارير الأميركية ـ على الهرب من ساحة القتال بحيث لا يبقى سوى 50 ألفاً فقط؟. وتحقيقاً لذلك بنت الخطة العسكرية الأميركية افتراضها على تكثيف الضربات الجوية والمتلاحقة والصواريخ المستمرة لخلق صدمة الرعب لدى القوات العراقية، وإلحاق خسائر بشرية في صفوفهم خلال الأيام الأولى للحرب لتثبيط همتهم، وقطع خطوط الاتصال بين القوات العراقية الخاصة ووحدات الجيش العراقي المنتشرة في المدن العراقية وإن القتال قد يستغرق ست ساعات، أما في حال فشل هذا الجانب من الخطة فإن العمليات القتالية قد تزيد إلى أكثر من ستة أشهر وربما تمتد إلى العام ونصف العام.. ولذلك استمرت عاماً ونصفاً ولم تزل حتى الآن على أشدها بل إنها ستظل شديدة مادام الاحتلال موجوداً على الأرض العراقية وإن مجريات الأمور هي التي تقول ذلك وليس وكالات الأنباء هذه المرة أو المراسلون والمحللون التابعون للسياسة الأميرلاكية المتهاوية الآن في العراق.‏

وتسلم الجنرال "تومي فرانكس" قائد القوات الأميركية بالخليج القرار والمحددات سالفة الذكر واعتمد في تنفيذها على استخدام متدرج للقوات البرية الأميركية (100 ـ 150 ألف جندي)، إلى أن يصل (250 ـ 300) ألف من القوات الأميركية المقاتلة، قوات احتياطية عاجلة من الكوماندوز، وتمركز هؤلاء في مناطق قريبة من جبهة المعارك (7000 مقاتل بالسعودية، 5000 مقاتل في قطر، 8000 مقاتل في البحرين، 2000 مقاتل في تركيا)، استخدم المهاجمون القنابل الذكية بنسبة 80% في الأسبوع الأول من الحرب، للسيطرة على المطارات الواقعة في الغرب وحقول النفط العراقية، لإتاحة الفرص للقوات الأميركية الأخرى لدخول الأراضي العراقية.‏

من يملك أسلحة الدمار الشامل؟: والغريب في الأمر هنا هو أن القوات الأميركية استخدمت الأسلحة الأميركية المتطورة للمرة الأولى في هذه الحرب، ومنها القنابل العنقودية (B). ولكن الجريمة الكبرى أن صواريخ الشبح الأميركية تم تحميلها بمواد مختلفة من أسلحة الدمار الشامل، كما استخدمت نوعيات جديدة من الصواريخ والقنابل للمرة الأولى وهي (GDIM) وكان لها دور كبير في تدمير شبكة الاتصالات الإلكترونية، وشل مراكز القيادة العراقية وغير ذلك.‏

* أسرار وأكاذيب:‏

هل بقيت هناك أسرار لم تكشف بعد في حرب العراق والتحضير لها؟ وهل قامت الحرب فعلاً على "بنية تحتية" من الأكاذيب والاختلاقات التي أريد من ورائها تسويغ الحرب وتسويقها إن على مستوى الرأي العام الأميركي والغربي أو العالمي؟‏

في كتابه "أسرار وأكاذيب كتب ديليب هيرو(6) ـ يقول: "إنني أهزأ "بقوة ومتانة" بالمعلومات الاستخباراتية الأميركية، وخاصة المقولة الشهيرة لوزير الخارجية كولن باول في خطابه أمام مجلس الأمن عندما عرض "الأدلة" الأميركية على امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل حين قال "كل جملة أقولها أمامكم اليوم مدعمة بمصادر، وهي مصادر قوية.. وهذه ليست مجرد تأكيدات، بل إننا نقدم لكم حقائق واستخلاصات قائمة على الاستخبارات "يا للمسخرة. وربما أن هناك أسباباً "غيبية" للحرب، وهي مدهشة وتخضع للتأثيرات المسيحية الأنجليكانية على الرئيس بوش، وكيف قال ذات يوم لمجموعة رجالات الدين اجتمع بهم في البيت الأبيض "لولا الإيمان ولولا قوة الصلاة لكنت الآن في بار بتكساس، وليس في البيت الأبيض". (ص 97).‏

ثم يقتبس مقتطفات قالها لرئيس الوزراء الفلسطيني السابق محمود عباس في يونيو/ حزيران 2003 نقلتها صحيفة هآرتس الإسرائيلية جاء فيه "لقد أمرني الرب أن أضرب القاعدة وقد ضربتهم، ثم أمرني أن أضرب العراق وقد ضربته، والآن أنا مصمم على حل المشكلة في الشرق الأوسط" (ص383). ويعلق هيرو ساخراً "وحيث إن جورج بوش كان قد قرر ضرب أفغانستان ظهر يوم 11 سبتمبر/ أيلول نفسه، فيبدو أن الرب قد تحرك سريعاً حقاً لتزويده بالأوامر!". ويجادل بأن قرار الحرب على العراق اتخذه بوش وفريق اليمين المتطرف في مارس/ آذار2002، ومنذ ذلك الوقت عمل ذلك الفريق على "التجميع القسري" لمبررات ومسوغات الحرب. وكان الهدف واضحاً لكن طريق الوصول إليه كان شائكاً، إذ إن الرأي العام العالمي لم يكن مقتنعاً بالحرب، ولهذا كان لابد من حشد كل الأسباب وتضخيمها والتمهيد للحرب.‏

يرى هيرو أن الغزو "الأنغلو أميركي" للعراق ـ كما يسميه ويرفض قبول تعبير "التحالف" ـ يمثل ظاهرة فريدة في الحروب الحديثة، إذ إن ذلك الغزو أول حرب وقائية منذ قرن تقريباً (ولا يماثلة إلا غزو الإمبراطورية النمساوية الهنغارية لصربيا عام 1914). ويمثل أيضاً أول حرب أميركية ـ بريطانية مستندة كلياً على معلومات مضللة، وكاذبة، ولا أساس لها من الصحة. أما من ناحية تنفيذ الحرب فقد استخدمت الولايات المتحدة كل ما لديها من تكنولوجيا الحرب: قنابل عنقودية، قنابل نابالم، فرق من وكالة سي آي إي تحاول شراء التحالفات على الأرض، مئات الملايين من الدولارات لرشوة متعاونين في مناطق العراق، أكثر بكثير مما حدث في أفغانستان. ص 342.‏

مَنْ أسقط بغداد فعلاً؟:‏

* ويبقى السؤال الذي يشغل الذهن العربي هو: مَنْ أسقط بغداد فعلاً؟.. والجواب يكمن بطبيعة الحال في العوامل الإقليمية من ناحية، وفي مواقف بعض العواصم العربية، وهذا صحيح لكن العامل الأخطر هو الحال الداخلي العراقي الذي سبّب وسرّع عملية السقوط بطريقة مريعة، وما حصل أن بغداد لم تكن لتسقط بهذا الشكل السهل في قبضة الاحتلال الأمريكي لو لم تختلّ رؤية أبنائها بفعل القهر والاستبداد من ناحية ثانية، ولولا خيانة قادة النظام من أرهاط المنافقين والانتهازيين الذين كانوا حاشية النظام حتى السابع من نيسان المشؤوم أو من الذين مكنتهم مواقعهم من السلطان أن يهربوا من بطش النظام ويقوموا بدور آخر انتهازي لكنه ليس بالانضمام إلى جوقة الطبالين بل بالهروب إلى عدو الأمة كما الحال وأولئك الذين قدموا على ظهور الدبابات الأميركية أو البريطانية وغيرها وحلوا في أمان بريمر ضد أبناء شعبهم مع الأسف الشديد أن يكون بين ظهراني هذه الأمة خونة على هذه الصورة البشعة والتي تشبه التشخيص المسرحي.. من ناحية ثالثة ورابعة وعاشرة.. و.. إن مسؤولية سقوط بغداد تتحملها الأمة بأسرها من الحاكم المتسيّد إلى الكاتب المنافق إلى الشقيق الموافق على إسقاط بغداد.‏

* إن شروط الهزيمة تنتقل من وصف الواقع الدولي إلى الواقع العربي ثم الحال العراقي.. وهذا يحتاج إلى تفكيك وتحليل المشهد العام للهزيمة، وهو ما يضعنا أمام الحقائق التي قد يدرك بعضها أو كلها كثير من الناس والمفكرين..‏

* إن الهزيمة هي من الداخل قبل أن تكون من الخارج أو هي من قابليتنا للاستعمار قبل ولوج الاستعمار إلينا وإقامته للقواعد العسكرية فوق أراضينا وسرقته لثرواتنا.. ويكاد المشهد العراقي يختزل المشهد العربي برمته، لذلك فإن دراسته واستخلاص العبر من تجربته تصلح كنموذج مخبري لتشخيص الحالة العربية.. نعم إن سقوط بغداد كان بفعل عوامل لا تنحصر ببغداد وإنما تنسحب على حال الواقع العربي برمته الذي لم يسعَ بعد إلى التغيير.. ومن هنا فهو بمنزلة مؤشر في استشراف مستقبل الواقع العربي في ظل هذه الظروف.‏

* إن الواقع العالمي يظهر بوضوح أحلام الإمبراطورية الأمريكية وأثر 11 أيلول على السياسة الأميركية ويلقي الضوء على مسار هذه السياسة المرتجة وازدواجية القيم والمعايير والتجاوز الأمريكي الصارخ لحقوق الإنسان وحرياته العامة في داخل الولايات المتحدة وخارجها للرأي العام العالمي. كما يوضح أن الأمة مع سقوط بغداد وكأنها استسلمت للهزيمة، وأول معلم من معالم الهزيمة في الواقع العربي هو: "إن بغداد وإن كانت سقطت تحت قصف الطائرات والدبابات الأميركية، فإن هذه الطائرات والدبابات ما كان لها أن تحقق هذا الذي حققته في العراق لولا الدعم اللوجستي عسكرياً وسياسياً واقتصادياً المقدم لها من بعض أبناء الأمة ضد بعضها الآخر، فالطائرات التي كانت تقصف بغداد والدبابات التي كانت تدك البصرة، انطلقت من أراضٍ عربية إسلامية في أقسى تعبير من تعابير هزيمة الأمة.. أي الاستسلام للهزيمة والقبول بها، وكأنها أصبحت قانوناً أو أمراً مشروعاً ولم تعد في نظر الكثيرين عيباً ولا خيانة إلى درجة تباهي المعارضة بدخول بغداد في جوف الدبابات الأمريكية على أنه انتصار على الطاغية بالدبابة الأميركية وهذا ما سوف يرحب به الشعب ويصلي له في الجوامع والكنائس لتسويق الهزيمة ومن قبل التقدميين بالأمس على وجه الخصوص والغرابة.. وإذا كان المتخاذلون في التاريخ يسلّمون رؤوس الرجال من قادة المقاومة لنيران العدو، ففي العراق يسلمون رأس الوطن لدبابات العدو لتسحقه..‏

وجوانب متعددة من الهزيمة لا تقف عند النظام الرسمي العربي وأبرز مؤسساته، بل تصيب مؤسسات المجتمع المدني والمراكز التي تعتاش على المساعدات والأموال الغربية والتي بدورها تحدد أجندة هذه المؤسسات بما يخدم المشروع الأمريكي، وتعمل على تسويق الهزيمة وتعميقها في التفكير والوجدان العربي بمسميات وحجج مختلفة.. والعلاقة الارتباطية بين الهزيمة وخطاب الفرقة العربي وحالة الدول العربية واستشراء روح القطرية قد أحلّها البعض محلّ خطاب الوحدة ومفهوم الأمة، لا بل محاولة زعزعة الوعي العام بمفهوم الأمة ومقوماتها من خلال نحت مفاهيم جديدة تستند إلى مقومات تبتعد عن شخصية الأمة الحضارية مثل: الثقافة الشرق أوسطية معسكر السلام، الشرق الديمقراطي الجديد، معسكر شرم الشيخ، ومنطقة البحر الأحمر.. إلى سلام الحضارات وسلام اللغات الخ.. إن ما جرى في العراق ليس إلا بداية تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية التي لا تتعارض مع غيرها من الاستراتيجيات الأخرى إلى حد التناحر بل إلى حد الاختلاف على اقتسام الغنائم العراقية أو الشرق أوسطية.. وعليه فإن بقاء هذا الحال العربي يعني استمرار ارتهان الأمة وقضاياها المصيرية بما يجري في واشنطن وتدعيم لها بالإبقاء في العراق ومحاصرة سورية كما ترغب.‏

* من بغداد إلى القدس ـ معركة واحدة..‏

فمن يبايع على الموت؟‏

إن حرب التحرير الشعبية أو الكفاح الشعبي المسلح الذي انتهجته الثورة الفلسطينية عندما كانت ثورة عارمة ومقاومة تطوعية أعطت نتائج هائلة حتى صارت نموذجاً خطراً ليس على الكيان الصهيوني فقط بل وعلى الأنظمة المتعاملة مع هذا الكيان بشتى السبل.. لكن وعندما انتقلت هذه الثورة إلى ثورة بأجر (مأجورة، أي برواتب وهذا أحد وجوه الارتزاق) انتهى الأمر بهذه الثورة العظيمة إلى جوقلة هذه الثورة ـ أي نقلها جواً ـ بعد معركة بيروت 1982.. ومع ذلك فإن هذا النموذج من الكفاح هو الحل الوحيد لدى شعوب ضعيفة الإمكانات المادية والتعبوية التي تملكها الجيوش، بل إن الجيوش والحالة الراهنة لم تعد تجد نفعاً ليس لأنها مخروقة وغير متكافئة مع العدو تقنياً وتعبوياً بل لأن حرب الجيوش قد فشل عبر تاريخ المواجهة بين الفئات المتحاربة على مر العصور ولذلك نقول بأن الكفاح الشعبي هو وحده الكفيل بتحرير بغداد كما تحررت بيروت.. وإن الجيوش العربية ربما هي من قد يقوم بتغيير هذه الأنظمة بعدما حالت بكل وضوح بين هذه الجيوش وبين قيامها بواجبها الجهادي القومي. وقد لا تكون الجيوش وحدها أداة التغيير في الواقع العربي الرسمي المأزوم، يقود واشنطن إلى محاولة القيام بتغييرات سياسية تستبق التغييرات الذاتية النابعة من قناعات الأمة وقواها الحية، وستسعى واشنطن إلى إشغال الشعوب بتغييرات على طريقتها سواء باستنساخ نماذج من شاكلة قرضاي أم بالإبقاء على الوضع في العراق حتى يتسنى لها إشراك قوى عالمية في إدارة شؤونه لصالحها.. إن المواجهة الحضارية بين الأمة العربية وبين الولايات المتحدة والصهيونية بعد احتلال العراق هي المسألة التي باتت تؤرق واشنطن أو هي مسألة إبقاء أو زوال للمشروع الأمريكي الذي يسعى إلى الهيمنة على المنطقة، وهو لا يقف عند حدود الغزو العسكري، وإنما يمتد إلى الجوانب الأخرى السياسية والثقافية والاقتصادية بقصد إحداث تغييرات جوهرية في البنيات التحتية للمجتمعات العربية بهدف تكريس الهيمنة الصهيونية الأمريكية في كافة المجالات.‏

إذا كانت الهجمة شاملة فلابد أن تكون المقاومة شاملة ولا تقف عند حدود جبهة معينة. ذلك لأن المقاومة الجماهيرية والجهاد ضد الغزو الأمريكي الصهيوني هما الحل الكفيل بصد الهجمة ومواجهة العدوان والدفاع عن الكرامة.. وبالرغم من سقوط بغداد فإن هناك الكثير من الدروس الإيجابية التي يجب أن نستخلصها من الحدث وأهمها صمود الشعب العراقي قبل انكشاف الجيش وحدود التسليم.. هذا الصمود الذي يعزز من مفهوم الشعب المسلح، وإذا كان البعض يشكّك في صمود العراقيين فمن يستطيع التشكيك بصمود المقاومة اللبنانية التي أرغمت العدو على الخروج من لبنان أو بصمود المقاومة الفلسطينية!!، ومن الدروس التي تؤكد أهمية مفهوم الجهاد القومي المسلح: ظاهرة الشباب العربي الذي تقاطر بالآلاف على العراق للدفاع عنها وصبر وصابر حتى النهاية.. وخلاصة الأمر أن الكفاح الشعبي المسلح هو طريقنا لتحرير أوطاننا والدفاع عنها، وقد أثبت أبناء أمتنا أنهم رغم القهر الذي يعانونه ورغم استلاب حريتهم السياسية فإن انتماءهم لأمتهم ولتراب أمتهم راسخ، وإن هذا الانتماء يتحول لحظة الامتحان إلى حالة كفاحية هائلة يعيد الحياة إلى مشروع النهضة والاستقلال والوحدة العربية والتنمية والأصالة التي هي المنطلق للتعبير عن الذات الحضارية، وهو النداء الحركي الراهن للأمة.‏

إذن ليس هناك أمة تستعبد من الخارج إلا بعد أن تستعبد من الداخل، أو لنقل إنه لا يمكن أن تسقط عاصمة عربية في قبضة الاحتلال إلا بعد أن تسقط من الداخل وتنهار وحدتها الداخلية الوطنية، والعراق هو مثال واضح على ذلك.. وبكلمة أدق إن الوحدة الوطنية تقوم على شرط الحرية والعدل وتساوي الناس أمام القانون وتداول السلطات وتوزيع الإنتاج بالعدل وتنمية متكاملة الإسهامات.. وقد افتقد النظام إلى كل هذه الشروط.. فغياب الحرية السياسية الداخلية وهي أساس تكون أية أمة ونظامها العام مكن لطغمة الأقلية القهرية بأن تتمسك بسلطتها طيلة خمسة وثلاثين عاماً وألا تتخلى عنها لطغمة أخرى، ولا للشعب فمنعته من أن يأخذ مواقعه الأساسية في إطار الدولة والمجتمع، ولم تلجأ إليه إلا في وقت الشدائد فتتملقه دون أن تحترمه وهذا ما حصل قبيل الهجوم الأمريكي على بغداد، فهل يدافع عنها أمام هجمات الأغيار؟. ولنتابع في تفصيل هذه الحالة العراقية القائمة في أذهان أبناء هذه الأمة من الآن من الماء إلى الماء..‏

إذا كانت الفرصة الضائعة في السياسة لا تعود فكيف تعود الفرصة في الحرب؟. وعليه إذاً يذل المواطن ويداس شرفه، على الطريقة التي شاهدناها عبر شاشات التلفزة، بالسوط أو بالسجن أو بالغرامة فإنه لن يأبه لمجد هذا الحاكم ولا يدافع عنه ولا عن البلد ولطالما أنه محكوم من قبل من لا يرحمه بعد انتهاء الأزمة.. وهذا ما حدث في بغداد مع الأسف.. إذ لم تعد للناس حقوق في ظل هذا الحكم المستبد الذي ظل حتى اللحظة الأخيرة يقطع رؤوس الناس لأتفه الأسباب فإنهم لن يعطوه حق البقاء وهو ينهار ولن يسلموا رأسه من القطع وهو يفقده.. وإن ما يدفعه المحيط في هذا الشاطئ يتبدد على الشاطئ الآخر..‏

والعبرة الأخرى التي تبيناها من سقوط النظام في العراق هي أن حاشيته ورموزه ومقربيه الأقربين تخلوا عنه وقاموا بتسليم البلاد إلى القوات الغازية بسهولة ويسر، وذلك لأن من قبل العمل في ظل هذا النظام القهري وقام بمهمة الأداة القاهرة يهون عليهم تسليم البلاد، ولأن النظام نفسه يدرك أن محبة هؤلاء الانتهازيين له ليست كحنان المرضعات بل خوفاً ومهابة وأن أي نظام يحتاج لعرابين وإلا فإن المسرحية لا تنتهي النهاية المطلوبة.. وقد استخدمهم بالأصل ووظفهم في مفاصل الدولة لنقائصهم لا لفضائلهم لأن هكذا نظاماً لا يشرك الشرفاء لأنهم مصدر خطر عليه. وهكذا كان هؤلاء جميعاً كالكتابة على الرمال لأنه لا يبقي شيء في هذا النظام الذي قام على انتهازيين وثرثارين يتلاعبون بالكلمات على طريقة نباحي المنابر الذين وصفهم نابليون بالقول: إن عشرة ثرثارين يثيرون ضجيجاً أكثر من عشرة آلاف صامت، وإن محتالاً في الصف الأول ليتصرف كالشرفاء ويتغنى بأمجاد الأمة يفيدك أكثر من جولة كاملة في التاريخ والديمقراطية.‏

وبعد زوال نظام صدام أدرك الناس أن على عرشه لم يكن أكثر من خشبة زينت بالقماش الفاخر والألوان البراقة، وأن تجارب الشعوب تؤكد بأن ليس هناك سلطة قادرة على البقاء بواسطة القهر المباشر، والعنف ولو طال بها الأمد فهي إلى زوال.. وقد سعى نظام بغداد، كما رأينا في بدايته إلى خلق قاعدة سياسية تعبر عن مصالحه المادية والسياسية وإقامة تحالفات مع أحزاب هي صورة مصغرة عن النظام، ولم يفلح لغياب المفهوم الحقيقي للمشاركة والحرية السياسية في عقيدة السلطة، والديمقراطية في التمثيل والانتخاب بعيداً عن قهرية الأجهزة، فلجأ إلى الجيش وأجهزة الأمن والاستعانة بالخارج لتوطيد أركانه إما لتصدير أزمته الداخلية وإما لتكريس القمع والاستبداد الداخلي وبذلك مهد للاستبداد الأمريكي المباشر الذي دمر وأباد وهدم وخرب وقتل وسجن وشرد وأجاع وسرق خيرات العراق وكنوزه أكثر بعشر مرات مما فعله النظام العراقي وأزلامه وحاشيته على الإطلاق.. ومن هذه النقطة تحديداً نجد أن النصب والاحتيال وقتل الناس وسجنهم وخراب المدن والدول هو مهنة دولية لا يقوم بها النصابون والقتلة وحدهم بل هناك دول تنفذ هذه المحرمات الأخلاقية والدينية والقانونية والسياسية.. وفي الوقت نفسه إن الرضوخ والسكوت على الضيم, مثله مثل الغباء، قد أصبح خبراً عالمياً..‏

* الضمير اسمه الآن بغداد:‏

لقد قرأت الإدارة الأمريكية التاريخ العربي والعراقي خاصة بصورة مغلوطة تماماً. فركزت على العامل المذهبي والديني، ودور العشيرة كمؤسسة أهلية ودورها في تجييش الناس للدفاع عن الوطن ورأت أنه بإمكانها التلاعب في هذه البنية الاجتماعية لإضعافها في محاولاتها توجيه الصراع الداخلي والتحكم بعناصر توازن القوى الداخلية، وقد اتكأت على التجربة البريطانية في القرن الماضي 1914 ـ 1920 لكنها لم تتعظ بالهزيمة التي ألحقها الشعب العراقي البطل بالقوات البريطانية وما دفعته من خسائر، ولعل ذلك يكمن في طريقة قراءة التاريخ وتسخيره. ومدمرو العراق الآن يرقصون فرحاً كالحالمين في ليلة الميلاد، لكن فرحهم هذا ليس فرحاً بل هو نتيجة العدوان والعدمية التي سقطت فيها السياسة الأمريكية في الشرق كل الشرق من البحر الأبيض إلى الكوريتين أما مساعدوهم من أنظمة ومؤسسات فهم مصابون بقشعريرة ضمير أو بأزمة وجدان، فيما أن الأمة العربية التي صدمتها نكبة سقوط بغداد بهذا المشهد التراجيدي، صار الضمير لديها الآن اسمه بغداد، كما كان الحال عند سقوط القدس قبل نيف وخمسة عقود.. وصار هؤلاء (المحتلون والتابعون لهم والأمة المهزومة) ثلاثة، كالضمائر في اللغة وفي الأزمنة/ أنا وأنت وهو، الماضي الحاضر، والمستقبل/.. وهم جميعاً في امتحان تاريخي يتوزع ما بين البربرية العدمية التي تحمل الموت الذي يدق أبواب العرب، والأنظمة الخائرة وهي تخدم سيدين: السلطة وواشنطن، والمقاومة التي فاجأت هؤلاء جميعاً بحجمها وقدرتها على التصعيد والتحول إلى قوة رادعة لم تكن داخلة في حسابات إدارة بوش الاستراتيجية، أو بين الفناء والهوية والنهضة أو السقوط. وقد قرأت هذه المقاومة السقوط بعكس ما قرأته الإدارة الهمجية الغازية، بل عبر التحليل الواقعي للسقوط والنهوض حيث يفهم تماماً:‏

1 ـ إن سقوط الحكم الاستبدادي في العراق لا يعني سقوط النظام، بل هو سقوط للرمز والوجوه، أما الحالة الاستبدادية فهي باقية وهي التي يحافظ عليها المحتل بكل ما أوتي من قوة لأنه بقي عقوداً يسعى إلى ترسيخها ليس في العراق فحسب بل في كل العالم شرقه وغربه ومن قطبه إلى قطبه الآخر على قدم وساق..‏

2 ـ وإن المحتل الأمريكي أزال شكلاً من أشكاله ولم يزل النظام برمته،.. أي أن الاستبداد التابع زال، والآن يقوم الاستبداد الأمريكي بهذه المهمة مباشرة بنفسه وأتت الآن الفرصة لإزالة رأس النظام دون الجسد من أجل غاية بعيدة جيوبوليتيكية سعى إليها على مدى ستة عقود أي منذ هيروشيما حتى الآن، وهي إسقاط الشرق.. وباحتلاله للعراق استبدل الاستبداد المحلي بالاستبداد المباشر الأمريكي في العراق والمنطقة، فحلَّ بذلك محل استبداد الأنظمة، هذا أولاً.‏

3 ـ ثم إن سقوط هذا النظام ثانياً لا يعني سقوط الأمة، إذ لم تأت به الجماهير، ولم يمثل الأمة العربية بامتدادها التاريخي والحضاري، ولا الإسلامي بعدالته السياسية (دولة الشورى والعهدة الديمقراطية والتي نعتها ماركس بالديمقراطية المستحيلة) ورسالته التي أقامت سلطة النص الإلهي العادل مسيحياً كان أم إسلامياً فيما استبدلته الأنظمة العربية اللاحقة، منذ معاوية حتى العصر الراهن، بسلطة الشخص.‏

وفي مثل هذه الحالة العربية فقد رأينا أن هذه الأنظمة قد اعتمدت النمط الأمريكي في السياسة الحزبية، فالأحزاب السياسية العربية هي أنظمة مصغرة أو صورة عن الأنظمة السياسية القائمة، أو أنها مستنسخة عن النظام القائم في عديد من الدول العربية من حيث تركيبتها المماثلة وسلوكها وأداؤها التنظيمي أو الانتخابي أو تداول المسؤولية والقرار.. أو من حيث اختزالها الأمة والتاريخ والقيم والغايات بشخصها وبعصبيتها على حد رأي ابن خلدون وفي تفكيرها ولفيفها ومؤيديها من الانتهازيين والوصوليين الذين هم بدون قضية إلا أهدافهم الخاصة والغريزية.. وتقوم بإدارة ثروات الأمة نيابة عن الشعب صاحب الثروة الحقيقي. وقد استفاد المحتل الأمريكي من هذه الأنظمة ومما قدمته له من خدمات، لم يحظ بها في أي بلد. ولذلك وجدنا أنه قبل أن يقدم المحتل الأمريكي على تدمير بغداد وإسقاط العراق وجدنا أن هناك من أوجد للمحتل منصات وقواعد حربية للانطلاق منها إلى قصف أهدافه في العراق، كما أوجد له ستاراً عربياً وإسلامياً يتفيأ في ظله ويمهد لقدومه بوساطة أنظمة تسوّق كل ما ينتجه المحتل من بضائع إعلامية أو تربوية أو تقنية ومادية، وبالقوة لقاء إبقائها في سدات الحكم الكرتونية تلك.. نحن هنا أمام، المحتل بدون تاريخ ويحاول إلغاء تاريخنا العربي بدءاً من الرافدين.. وهو الآن في حالة من الارتباك والحيرة منقطعة النظير ولا يحسد عليها: لكن ماذا يقول لمن لا يعرف العراق؟. وإذا أردنا الوعي بما يحيط بنا فعلينا أن ندرك بأن الخوف الآن هو أن يلجأ المحتل الأمريكي بعد يقظة الوعي الوطني القومي في العراق إلى الاغتيالات السياسية كما أقدم عليه، وهذا سلاح مرشح للتصعيد يقصد منه إزاحة القيادة العربية الأصيلة في العراق وإزالة الصف الأول من واجهة المقاومة ليأتي برعاع لقيادة عراق من صنعه.. والمهم هنا هو الحفاظ على المشروع والاستقلال في العراق وتطوير المقاومة إلى المستوى الذي تخلص العراق من ربقة هذا الاحتلال البربري.. وليعلم الجميع أن إرضاء المحتل أصعب بكثير من إغضابه ومقاومته.. وأن المقاومين هم جنود الجنة، وأن الوطن العربي الآن هو وطن الدم والنار، كما أن العالم اليوم هو عالم يقف على خط النار.. وقد بدأت الآن قشعريرة الضمير العربي تتزايد لأن القبور في العراق، كما في فلسطين، ترفض الجثث.‏

دمشق أيار 2004‏

(1) الجيوبوليتيكا بين المبدأ والتطبيق ـ فيفيلد وبيرسكي ـ ت يوسف مجلي ـ القاهرة د ت‏

GEOPOLITICS R. &P.Perermans 1896.‏

(2) The Geographical Privot of History. P 214 H. Mackinder‏

(3) Admiral Alfred Thayer MAHAN دور القوة البحرية في التاريخ.‏

(4) العراق ـ المؤامرة الاحتلال ـ مصطفى بكري ـ القاهرة 2003.‏

(5) اكذب عليّ 56.‏

(6) صحفي وباحث بريطاني من أصل هندي متخصص في منطقة الشرق الأوسط وقد أصدر أكثر من 15 كتاباً عن المنطقة وتحديداً العراق وإيران والإسلام السياسي.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-20-2006, 04:00 AM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

ملحق نص مشروع ـ الشرق الأوسط الكبير





نص مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الأمريكي المقدم إلى قمة الدول الثماني المنعقد في الولايات المتحدة في يونيو 2004:‏

يمثل "الشرق الأوسط الكبير" تحدياً وفرصة فريدة للمجتمع الدولي. وساهمت "النواقص" الثلاثة التي حددها الكتاب العرب لتقريري الأمم المتحدة حول التنمية البشرية العربية للعامين 2002 و2003 ـ الحرية، المعرفة، وتمكين النساء ـ في خلق الظروف التي تهدد المصالح الوطنية لكل أعضاء مجموعة الـ 8. وطالما تزايد عدد الأفراد المحرومين من حقوقهم السياسية والاقتصادية في المنطقة، سنشهد زيادة في التطرف والإرهاب والجريمة الدولية والهجرة غير المشروعة. إن الإحصائيات التي تصف الوضع الحالي في "الشرق الوسط الكبير" مروعة: (1)‏

ـ مجموع إجمالي الدخل المحلي لبلدان الجامعة العربية الـ 22 هو أقل من نظيره في أسبانيا.‏

ـ حوالي 40% من العرب البالغين ـ 65 مليون شخص ـ أميون، وتشكل النساء ثلثي هذا العدد.‏

ـ سيدخل أكثر من 50 مليوناً من الشباب سوق العمل بحلول 2010، وسيدخلها 100 مليون بحلول 2020، وهناك حاجة لخلق ما لا يقل عن 6 ملايين وظيفة جديدة لامتصاص هؤلاء الوافدين الجدد إلى سوق العمل.‏

ـ إذا استمرت المعدلات الحالية للبطالة، سيبلغ معدل البطالة في المنطقة 25 مليوناً بحلول 2010.‏

ـ يعيش ثلث المنطقة على أقل من دولارين في اليوم، ولتحسين مستويات المعيشة، يجب أن يزداد النمو الاقتصادي في المنطقة أكثر من الضعف من مستواه الحالي الذي هو دون 3 في المائة إلى 6 في المائة على الأقل.‏

ـ في إمكان 6.1 في المائة فقط من السكان استخدام الإنترنت، وهو رقم أقل مما هو عليه في أي منطقة أخرى في العالم، بما في ذلك بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.‏

ـ عبر 51 في المائة من الشبان العرب الأكبر سناً عن رغبتهم في الهجرة إلى بلدان أخرى، وفقاً لتقرير التنمية البشرية العربية للعام 2002، والهدف المفضل لديهم هو البلدان الأوربية.‏

وتعكس هذه الإحصائيات أن المنطقة تقف عند مفترق طرق. ويمكن للشرق الأوسط الكبير أن يستمر على المسار ذاته، ليضيف كل عام المزيد من الشباب المفتقرين إلى مستويات لائقة من العمل والتعليم والمحرومين من حقوقهم السياسية. وسيمثل ذلك تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة، وللمصالح المشتركة لأعضاء مجموعة الـ 8.‏

البديل هو الطريق إلى الإصلاح. ويمثل تقريرا التنمية البشرية العربية نداءات مقنعة وملحة للتحرك في الشرق الأوسط الكبير. وهي نداءات يرددها نشطاء وأكاديميون والقطاع الخاص في أرجاء المنطقة. وقد استجاب بعض الزعماء في الشرق الأوسط الكبير بالفعل لهذه النداءات واتخذوا خطوات في اتجاه الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وأيدت بلدان مجموعة الـ 8، بدورها، هذه الجهود بمبادراتها الخاصة للإصلاح في منطقة الشرق الأوسط. وتبين "الشراكة الأوربية المتوسطية"، و"مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط"، وجهود إعادة الإعمار المتعددة الأطراف في أفغانستان والعراق التزام مجموعة الـ 8 بالإصلاح في المنطقة.‏

إن التغيرات الديموغرافية المشار إليها أعلاه، وتحرير أفغانستان والعراق من نظامين قمعيين، ونشوء نبضات ديمقراطية في أرجاء المنطقة، بمجموعها، تتيح لمجموعة الـ 8 فرصة تاريخية. وينبغي للمجموعة، في قمتها في سي آيلاند، أن تصوغ شراكة بعيدة المدى مع قادة الإصلاح في الشرق الأوسط الكبير، وتطلق رداً منسقاً لتشجيع الإصلاح تعالج النواقص التي حددها تقريرا الأمم المتحدة حول التنمية البشرية العربية عبر:‏

ـ تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح.‏

ـ بناء مجتمع معرفي.‏

ـ توسيع الفرص الاقتصادية.‏

وتمثل أولويات الإصلاح هذه السبيل إلى تنمية المنطقة: فالديمقراطية والحكم الصالح يشكلان الإطار الذي تتحقق داخله التنمية، والأفراد الذين يتمتعون بتعليم جيد هم أدوات التنمية، والمبادرة في مجال الأعمال هي ماكينة التنمية.‏

أولاً: ـ تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح:‏

"توجد فجوة كبيرة بين البلدان العربية والمناطق الأخرى على صعيد الحكم القائم على المشاركة... ويضعف هذا النقص في الحرية التنمية البشرية، وهو أحد التجليات الأكثر إيلاماً لتخلف في التنمية السياسية". (تقرير التنمية البشرية، 2002)‏

إن الديمقراطية والحرية ضروريتان لازدهار المبادرة الفردية، لكنهما مفقودتان إلى حد بعيد في أرجاء الشرق الأوسط الكبير. وفي تقرير "فريدوم هاوس" للعام 2003، كانت إسرائيل البلد الوحيد في الشرق الأوسط الكبير الذي صُنف بأنه "حر"، ووصفت أربعة بلدان أخرى فقط بأنها "حرة جزئياً". ولفت تقرير التنمية البشرية العربية إلى أنه من بين سبع مناطق في العالم، حصلت البلدان العربية على أدنى درجة في الحرية في أواخر التسعينات. وأدرجت قواعد البيانات التي تقيس "التعبير عن الرأي والمساءلة" المنطقة العربية في المرتبة الأدنى في العالم. بالإضافة إلى ذلك، لا يتقدم العالم العربي إلا على أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى على صعيد تمكين النساء. ولا تنسجم هذه المؤشرات المحبطة إطلاقاً مع الرغبات التي يعبر عنها سكان المنطقة. في تقرير التنمية البشرية العربية للعام 2003، على سبيل المثال، تصدر العرب لائحة من يؤيد، في أرجاء العالم، الرأي القائل بأن الديمقراطية أفضل من أي شكل آخر للحكم، وعبروا عن أعلى مستوى لرفض الحكم الاستبدادي.‏

ويمكن لمجموعة الـ 8 أن تظهر تأييدها للإصلاح الديمقراطي في المنطقة عبر التزام ما يلي:‏

ـ مبادرة الانتخابات الحرة‏

في الفترة بين 2004 و2006، أعلنت بلدان عدة في الشرق الأوسط الكبير (2) نيتها إجراء انتخابات رئاسية أو برلمانية أو بلدية. وبالتعاون مع تلك البلدان التي تظهر استعداداً جدياً لإجراء انتخابات حرة ومنصفة، يمكن لمجموعة الـ 8 أن تقدم بفاعلية مساعدات لمرحلة ما قبل الانتخابات بـ:‏

ـ تقديم مساعدات تقنية، عبر تبادل الزيارات أو الندوات، لإنشاء أو تعزيز لجان انتخابية مستقلة لمراقبة الانتخابات والاستجابة للشكاوى وتسليم التقارير.‏

ـ تقديم مساعدات تقنية لتسجيل الناخبين والتربية المدنية إلى الحكومات التي تطلب ذلك، مع تركيز خاص على الناخبات.‏

ـ الزيارات المتبادلة والتدريب على الصعيد البرلماني.‏

من أجل تعزيز دور البرلمانات في مقرطة البلدان، يمكن لمجموعة الـ 8 أن ترعى تبادل زيارات لأعضاء البرلمانات، مع تركيز الاهتمام على صوغ التشريعات وتطبيق الإصلاح التشريعي والقانوني وتمثيل الناخبين.‏

ـ معاهد للتدريب على القيادة خاصة بالنساء‏

تشغل النساء 5.3 في المائة فقط من المقاعد البرلمانية في البلدان العربية. ومن أجل زيادة مشاركة النساء في الحياة السياسية والمدنية، يمكن لمجموعة الـ 8 أن ترعى معاهد تدريب خاصة بالنساء تقدم تدريباً على القيادة للنساء المهتمات بالمشاركة في التنافس الانتخابي على مواقع الحكم أو إنشاء/ تشغيل منظمة غير حكومية. ويمكن لهذه المعاهد أن تجمع بين قياديات من بلدان مجموعة الـ 8 والمنطقة.‏

ـ المساعدة القانونية للناس العاديين‏

في الوقت الذي نفذت فيه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي بالفعل مبادرات كثيرة لتشجيع الإصلاح القانوني والقضائي، فإن معظمها يجري على المستوى الوطني في مجالات مثل التدريب القضائي والإدارة القضائية وإصلاح النظام القانوني. ويمكن لمبادرة من مجموع الـ 8 أن تكمل هذه المجموعة بتركيز الانتباه على مستوى الناس العاديين في المجتمع، حيث يبدأ التحسس الحقيقي للعدالة. ويمكن لمجموعة الـ 8 أن تنشئ وتمول مراكز يمكن للأفراد أن يحصلوا فيها على مشورة قانونية بشأن القانون المدني أو الجنائي أو الشريعة، ويتصلوا بمحامي الدفاع (وهي غير مألوفة إلى حد كبير في المنطقة). كما يمكن لهذه المراكز أن ترتبط بكليات الحقوق في المنطقة.‏

ـ مبادرة وسائل الإعلام المستقلة‏

يلفت تقرير التنمية البشرية العربية إلى هناك أقل من 53 صحيفة لكل 1000 مواطن عربي، بالمقارنة مع 285 صحيفة لكل ألف شخص في البلدان المتطورة، وأن الصحف العربية التي يتم تداولها تميل إلى أن تكون ذات نوعية رديئة. ومعظم برامج التلفزيون في المنطقة تعود ملكيته إلى الدولة أو يخضع لسيطرتها، وغالباً ما تكون النوعية رديئة، إذ تفتقر البرامج إلى التقارير ذات الطابع التحليلي والتحقيقي. ويقود هذا النقص إلى غياب اهتمام الجمهور وتفاعله مع وسائل الإعلام المطبوعة، ويحد من المعلومات المتوافرة للجمهور. ولمعالجة ذلك، يمكن لمجموعة الـ 8 أن:‏

ـ ترعى زيارات متبادلة للصحفيين في وسائل الإعلام المطبوعة والإذاعية.‏

ـ ترعى برامج تدريب لصحفيين مستقلين.‏

ـ تقدم زمالات دراسية لطلاب كي يداوموا في مدارس للصحافة في المنطقة أو خارج البلاد، وتمول برامج لإيفاد صحفيين أو أساتذة صحافة لتنظيم ندوات تدريب بشأن قضايا مثل تغطية الانتخابات أو قضاء فصل دراسي في التدريس في مدارس بالمنطقة.‏

ـ الجهود المتعلقة بالشفافية/ مكافحة الفساد‏

حدد البنك الدولي الفساد باعتباره العقبة المنفردة الكبرى في وجه التنمية، وقد أصبح متأصلاً في الكثير من بلدان الشرق الأوسط الكبير. ويمكن لمجموعة الـ 8:‏

ـ أن تشجع على تبني "مبادئ الشفافية ومكافحة الفساد" الخاصة بمجموعة الـ.‏

ـ أن تدعم علناً مبادرة منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية/ برنامج الأمم المتحدة للتنمية في الشرق الأوسط ـ شمال أفريقيا، التي يناقش من خلالها رؤساء حكومات ومانحون وIFIs ومنظمات غير حكومية استراتيجيات وطنية لمكافحة الفساد وتعزيز خضوع الحكومة للمساءلة.‏

ـ إطلاق واحد أو أكثر من البرامج التجريبية لمجموعة الـ 8 حول الشفافية في المنطقة.‏

ـ المجتمع المدني‏

أخذاً في الاعتبار أن القوة الدافعة للإصلاح الحقيقي في الشرق الأوسط الكبير يجب أن تأتي من الداخل، وبما أن أفضل الوسائل لتشجيع الإصلاح هي عبر منظمات تمثيلية، ينبغي لمجموعة الـ 8 أن تشجع على تطوير منظمات فاعلة للمجتمع المدني في المنطقة. ويمكن لمجموعة الـ 8 أن:‏

ـ تشجع حكومات المنطقة على السماح لمنظمة المجتمع المدني، ومن ضمنها المنظمات غير الحكومية الخاصة بحقوق الإنسان ووسائل الإعلام، على أن تعمل بحرية من دون مضايقة أو تقييدات.‏

ـ تزيد التمويل المباشر للمنظمات المهتمة بالديمقراطية وحقوق الإنسان ووسائل الإعلام والنساء وغيرها من المنظمات غير الحكومية في المنطقة.‏

ـ تزيد القدرة التقنية لمنظمات غير الحكومية في المنطقة بزيادة التمويل للمنظمات المحلية (مثل "مؤسسة وستمنستر" في المملكة المتحدة أو "مؤسسة الدعم الوطني للديمقراطية" الأمريكية) لتقديم التدريب للمنظمات غير الحكومية في شأن كيفية وضع برنامج والتأثير على الحكومة وتطوير استراتيجيات خاصة بوسائل الإعلام والناس العاديين لكسب التأييد. كما يمكن لهذه البرامج أن تتضمن تبادل الزيارات وإنشاء شبكات إقليمية.‏

ـ تمول منظمة غير حكومية يمكن أن تجمع بين خبراء قانونيين أو خبراء إعلاميين من المنطقة لصوغ تقويمات سنوية للجهود المبذولة من أجل الإصلاح القضائي أو حرية وسائل الإعلام في المنطقة. (يمكن لهذا الشأن الاقتداء بنموذج "تقرير التنمية البشرية العربية).‏

ثانياً: بناء مجتمع معرفي:‏

"تمثل المعرفة الطريق إلى التنمية والانعتاق، خصوصاً في عالم يتسم بعولمة مكثفة". (تقرير التنمية البشرية العربية، 2002) لقد أخفقت منطقة الشرق الأوسط الكبير، التي كانت في وقت مضى مهد الاكتشاف العلمي والمعرفة، إلى حد بعيد، في مواكبة العلم الحالي ذي التوجه المعرفي. وتشكل الفجوة المعرفية التي تعانيها المنطقة ونزف الأدمغة المتواصل تحدياً لآفاق التنمية فيها. ولا يمثل ما تنتجه البلدان العربية من الكتب سوى 1.1 في المائة من الإجمالي العالمي (حيث تشكل الكتب الدينية أكثر من 15 في المائة منها). ويهاجر حوالي ربع كل خرجي الجامعات، وتستورد التكنولوجيا إلى حد كبير. ويبلغ عدد الكتب المترجمة إلى اللغة اليونانية (التي لا ينطق بها سوى 11 مليون شخص) خمسة أضعاف ما يترجم إلى اللغة العربية.‏

وبالاستناد على الجهود التي تبذل بالفعل في المنطقة، يمكن لمجموعة الـ 8 أن تقدم مساعدات لمعالجة تحديات التعليم في المنطقة ومساعدة الطلاب على اكتساب المهارات الضرورية للنجاح في السوق المعولمة لعصرنا الحاضر.‏

ـ مبادرة التعليم الأساسي‏

يعاني التعليم الأساسي في المنطقة من نقص (وتراجع) في التمويل الحكومي، بسبب تزايد الإقبال على التعليم متماشياً مع الضغوط السكانية، كما يعاني من اعتبارات ثقافية تفيد تعليم البنات. وفي مقدور مجموعة الـ 8 السعي إلى مبادرة للتعليم الأولي في منطقة الشرق الأوسط الكبرى تشمل هذه العناصر:‏

ـ محو الأمية:‏

أطلقت الأمم المتحدة في 2003 "برنامج عقد مكافحة الأمية" تحت شعار "محو الأمية كحرية". ولمبادرة مجموعة الـ 8 لمكافحة الأمية أن تتكامل مع برنامج الأمم المتحدة، من خلال التركيز على إنتاج جيل متحرر من الأمية في الشرق الأوسط خلال العقد المقبل، مع السعي إلى خفض نسبة الأمية في المنطقة إلى النصف بحلول 2010 وستركز مبادرة مجموعة الـ 8، مثل برنامج الأمم المتحدة، على النساء والبنات. وإذا أخذنا في الاعتبار معاناة 65 مليوناً من الراشدين في المنطقة من الأمية، يمكن لمبادرة مجموعة الـ 8 أن تركز أيضاً على محو الأمية بين الراشدين وتدريبهم من خلال برامج متنوعة، من مناهج تدريس على الإنترنت إلى تدريب المعلمين.‏

ـ فرق محو الأمية: يمكن لمجموعة الـ 8، سعياً إلى تحسين مستوى القراءة والكتابة لدى الفتيات، إنشاء أو توسيع معاهد تدريب المعلمين مع التركيز على النساء. ولمعلمات المدارس والمختصات بالتعليم القيام في هذه المعاهد بتدريب النساء على مهنة التعليم (هناك دول تحرم تعليم الذكور للإناث)، لكي يركزن بدورهن على تعليم البنات القراءة وتوفير التعليم الأولي لهن. للبرنامج أيضاً استخدام الإرشادات المتضمنة في برنامج "التعليم للجميع" التابع لـ "يونيسكو"، بهدف إعداد "فرق محو الأمية" التي يبلغ تعدادها بحلول 2008 مئة ألف معلمة.‏

ـ الكتب التعليمية: يلاحظ تقرير التنمية البشرية العربية نقصاً مهماً في ترجمة الكتب الأساسية في الفلسفة والأدب وعلم الاجتماع وعلوم الطبيعة، كما تلاحظ "الحالة المؤسفة للمكتبات" في الجامعات. ويمكن لكل من دول مجموعة الـ 8 تمويل برنامج لترجمة مؤلفاتها "الكلاسيكية" في هذه الحقول، وأيضاً، وحيث يكون ذلك مناسباً، تستطيع الدول أو دور النشر (في شراكة بين القطاعين العام والخاص) إعادة نشر الكتب الكلاسيكية العربية الخارجة عن التداول حالياً والتبرع بها إلى المدارس والجامعات والمكتبات العامة المحلية.‏

ـ مبادرة مدارس الاكتشافات: بدأ الأردن بتنفيذ مبادرته لإنشاء "مدارس الاكتشاف" حيث يتم استعمال التكنولوجيا المتقدمة ومناهج التعليم الحديثة. ولمجموعة الـ 8 السعي إلى توسيع هذه الفكرة ونقلها إلى دول أخرى في المنطقة من طريق التمويل، من ضمنه من القطاع الخاص.‏

ـ إصلاح التعليم: ستقوم "المبادرة الأمريكية للشراكة في الشرق الأوسط" قبل قمة مجموعة الـ 8 المقبلة (في آذار /مارس أو نيسان/ أبريل) برعاية "قمة الشرق الأوسط لإصلاح التعليم"، التي ستكون ملتقى لتيارات الرأي العام المتطلعة إلى الإصلاح والقطاع الخاص وقادة الهيئات المدنية والاجتماعية في المنطقة ونظرائهم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، وذلك لتحديد المواقع والمواضيع التي تتطلب المعالجة، والتباحث في سبل التغالب على النواقص في حقل التعليم. ويمكن عقد القمة في ضيافة مجموعة الـ 8 توخياً لتوسيع الدعم لمبادرة منطقة الشرق الأوسط الكبرى عشية عقد القمة.‏

ـ مبادرة التعليم في الإنترنت‏

تحتل المنطقة المستوى الأدنى من حيث التواصل مع الإنترنت. ومن الضروري تماماً تجسير "الهوة الرقمية" هذه بين المنطقة وبقية العالم نظراً إلى تزايد المعلومات المودعة على الإنترنت وأهمية الإنترنت بالنسبة للتعليم والمتاجرة ولدى مجموعة الـ 8 القدرة على إطلاق شراكة بين القطاعين العام والخاص لتوفير الاتصال الكومبيوتري أو توسيعه في أنحاء المنطقة، وأيضاً بين المدن والريف داخل البلد الواحد. وقد يكون من المناسب أكثر لبعض المناطق توفير الكومبيوترات في مكاتب البريد، مثلما يحصل في بلدات وقرى روسيا. وقد يركز المشروع أولاً على بلدان الشرق الأوسط الأقل استخداماً للكومبيوتر (العراق، أفغانستان، باكستان، اليمن، سورية، ليبيا، الجزائر، مصر، المغرب)، والسعي، ضمن الإمكانات المالية، إلى توفير الاتصال بالكومبيوتر إلى أكثر ما يمكن من المدارس ومكاتب البريد.‏

ومن الممكن أيضاً ربط مبادرة تجهيز المدارس بالكمبيوتر بـ "بمبادرة فرق محو الأمية" المذكورة أعلاه أي قيام مدرسي المعاهد بتدريب المعلمين المحليين على تطوير مناهج دراسية ووضعها على الإنترنت، في مشروع يتولى القطاع الخاص توفير معداته ويكون متاحاً للمعلمين والطلبة.‏

ـ مبادرة تدريس إدارة الأعمال.‏

لمجموعة الـ 8 في سياق السعي إلى تحسين مستوى إدارة الأعمال في عموم المنطقة إقامة الشراكات بين مدارس الأعمال في دول مجموعة الـ 8 والمعاهد التعليمية (الجامعات والمعاهد المتخصصة) في المنطقة. وبمقدور مجموعة الـ 8 تمويل هيئة التعليم والمواد التعليمية في هذه المعاهد المشتركة، التي تمتد برامجها من دورة تدريبية لمدة سنة للخريجين إلى دورات قصيرة تدور على مواضيع محددة، مثل إعداد خطط العمل للشركات أو استراتيجيات التسويق.‏

النموذج لهذا النوع من المعاهد قد يكون معهد البحرين للمصارف والمال، وهو مؤسسة بمدير أمريكي ولها علاقة شراكة مع عدد من الجامعات الأمريكية.‏

ـ توسيع الفرص الاقتصادية‏

تجسير الهوة الاقتصادية للشرق الأوسط الكبير يتطلب تحولاً اقتصادياً يشابه في مداه ذلك الذي عملت به الدول الشيوعية سابقاً في أوربا الشرقية. وسيكون مفتاح التحول إطلاق قدرات القطاع الخاص في المنطقة، خصوصاً مشاريع الأعمال الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي وخلق فرص العلم. وسيكون نمو طبقة متمرسة في مجال الأعمال عنصراً مهماً لنمو الديمقراطية والحرية. ويمكن لمجموعة الـ 8 في هذا السياق اتخاذ الخطوات التالية:‏

ـ إقراض المشاريع الصغيرة: هناك بعض المؤسسات المختصة بتمويل المشاريع الصغيرة في المنطقة لكن العاملين في هذا المجال لا يزالون يواجهون ثغرات مالية كبيرة. إذ لا يحصل على التمويل سوى خمسة في المائة من الساعين إليه، ولا يتم عموماً تقديم أكثر من 0.7 في المائة من مجموع المال المطلوب في هذا القطاع. وبإمكان مجموعة الـ 8 المساعدة على تلافي هذا النقص من خلال تمويل المشاريع الصغيرة، مع التركيز على التمويل بهدف الربح، خصوصاً للمشاريع التي تقوم بها النساء. مؤسسات الإقراض الصغير المربح قادرة على إدامة نفسها ولا تحتاج إلى تمويل إضافي للاستمرار والنمو. ونقدر أن في إمكان قرض من 400 مليون دولار إلى 500 مليون دولار يدفع على خمس سنوات مساعدة 1.2 مليون ناشط اقتصادي على التخلص من الفقر، 750 ألفاً منهم من النساء.‏

ـ مؤسسة المال للشرق الأوسط الكبير: باستطاعة مجموعة الـ 8 المشاركة في تمويل مؤسسة على طراز "مؤسسة المال الدولية" للمساعدة على تنمية مشاريع الأعمال على المستويين المتوسط والكبير، بهدف التوصل إلى تكامل اقتصادي لمجال الأعمال في المنطقة. وربما الأفضل إدارة هذه المؤسسة من قبل مجموعة من قادة القطاع الخاص في مجموعة الـ 8 يقدمون خبراتهم لمنطقة الشرق الأوسط الكبير.‏

ـ بنك تنمية الشرق الأوسط الكبير: في إمكان مجموعة الـ 8 ومشاركة مقرضين من منطقة الشرق الأوسط الكبير نفسها، إنساء مؤسسة إقليمية للتنمية على غرار "البنك الأوربي للإعمار والتنمية" لمساعدة الدول الساعية إلى الإصلاح على توفير الاحتياجات الأولية للتنمية. كما تستطيع المؤسسة الجديدة توحيد القدرات المالية لدول المنطقة الأغنى وتركيزها على مشاريع لتوسيع انتشار التعليم والعناية الصحية والبنى التحتية الرئيسية. ولـ "بنك تنمية الشرق الأوسط الكبير" هذا أن يكون مذخراً للمساعدة التكنولوجية واستراتيجيات التنمية لبلدان المنطقة. اتخاذ قرارات الإقراض (أو المنح يجب أن تتحدد بحسب قدرة البلد المقترض على القيام بإصلاحات ملموسة).‏

ـ الشراكة من أجل نظام مالي أفضل: بمقدور مجموعة الـ 8، توخياً لإصلاح الخدمات المالية في المنطقة وتحسين اندماج بلدانها في النظام المالي العالمي، أن تعرض مشاركتها في عمليات إصلاح النظم المالية في البلدان المتقدمة في المنطقة. وسيكون هدف المشاركة إطلاق حرية الخدمات المالية وتوسيعها في عموم المنطقة، من خلال تقديم تشكيلة من المساعدات التنقية والخبرات في مجال الأنظمة المالية مع التركيز على:‏

ـ تنفيذ خطط الإصلاح التي تخفض سيطرة الدولة على الخدمات المالية.‏

ـ رفع الحواجز على التعاملات المالية بين الدول.‏

ـ تحديث الخدمات المصرفية.‏

ـ تقديم وتحسين وتوسيع الوسائل المالية الداعمة لاقتصاد السوق.‏

ـ إنشاء الهياكل التنظيمية الداعمة لإطلاق حرية الخدمات المالية.‏

مبادرة التجارة‏

إن حجم التبادل التجاري في الشرق الأوسط متدن جداً، إذ لا يشكل سوى 6 في المائة من كل التجارة العربية. ومعظم بلدان الشرق الأوسط الكبير تتعامل تجارياً مع بلدان خارج المنطقة، وتوصلت إلى اتفاقيات تجارية تفضيلية مع أطراف بعيدة جداً بدلاً من جيرانها. ونتيجة لذلك، أصبحت الحواجز الجمركية وغير الجمركية هي الشيء المعتاد، فيما لا تزال التجارة عبر الحدود شيئاً نادراً. ويمكن لمجموعة الـ 8 أن تنشئ مبادرة جديدة مصممة لتشجيع التجارة في الشرق الأوسط الكبير، تتألف من العناصر التالية:‏

ـ الانضمام /التنفيذ على صعيد منظمة التجارة الدولية وتسهيل التجارة‏

يمكن لمجموعة الـ 8 أن تزيد تركيزها على انضمام البلدان في المنطقة إلى منظمة التجارة الدولية. (3)‏

وستتضمن برامج محددة للمساعدة التقنية توفير مستشارين يعملون في البلد ذاته في شأن الانضمام إلى منظمة التجارة الدولية وتحفيز التزام واسع من مجموعة الـ 8 لتشجيع عملية الانضمام، بما في ذلك تركيز الاهتمام على تحديد وإزالة الحواجز غير الجمركية. وحالما ينجز الانضمام إلى منطقة التجارة الدولية، سيتحول مركز الاهتمام إلى توقيع التزامات إضافية لمنظمة التجارة الدولية، مثل "الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية" و"اتفاق مشتريات الحكومة" وربط استمرار المساعدة التقنية بتنفيذ هذه الالتزامات الخاصة بمنظمة التجارة الدولية. ويمكن لهذه المساعدات التقنية أن تربط أيضاً ببرنامج على صعيد المنطقة برعاية مجموعة الـ 8 بشأن التسهيلات والجوانب اللوجستية المتعلقة بالرسوم الجمركية للحد من الحواجز الإدارية والمادية بوجه التبادل التجاري بين بلدان المنطقة.‏

ـ المناطق التجارية‏

ستنشئ مجموعة الـ 8 مناطق في الشرق الأوسط الكبير للتركيز على تحسين التبادل التجاري في المنطقة والممارسات المتعلقة بالرسوم الجمركية. وستتيح هذه المناطق مجموعة متنوعة من الخدمات لدعم النشاط التجاري للقطاع الخاص والصلات بين المشاريع الخاصة، بها في ذلك "التسوق من منفذ واحد" للمستثمرين الأجانب، وصلات مع مكاتب الجمارك لتقليل الوقت الذي يستغرقه إنجاز معاملات النقل، وضوابط موحدة لتسهيل دخول وخروج السلع والخدمات من المنطقة.‏

ـ مناطق رعاية الأعمال‏

بالاستناد على النجاح الذي حققته مناطق التصدير ومناطق التجارة الخاصة في مناطق أخرى، يمكن لمجموعة الـ 8 أن تساعد على إقامة مناطق محددة خصيصاً في الشرق الأوسط الكبير تتولى تشجيع التعاون الإقليمي في تصميم وتصنيع وتسويق المنتجات ويمكن لمجموعة الـ 8 أن تعرض منافذ محسنة إلى أسواقها لهذه المنتجات، وتقدم خبراتها في إنشاء هذه المناطق.‏

ـ منبر الفرص الاقتصادية للشرق الأوسط الكبير.‏

لتشجيع التعاون الإقليمي المحسن، يمكن لمجموعة الثماني أن تنشئ "منبر الفرص الاقتصادية للشرق الأوسط" الذي سيجمع مسؤولين كباراً من مجموعة الثماني والشرق الأوسط الكبير (مع إمكان عقد اجتماعات جانبية لمسؤولين وأفراد غير حكوميين من وسط رجال الأعمال) لمناقشة القضايا المتعلقة بالإصلاح الاقتصادي.‏

ويمكن للمنبر أن يستند في شكل مرن على نموذج رابطة آسيا ـ المحيط الهادي للتعاون الاقتصادي (أبيك)، وسيغطي قضايا اقتصادية إقليمية، من ضمنها القضايا المالية والتجارية وما يتعلق بالضوابط.‏

(1) يشير "الشرق الأوسط الكبير" إلى بلدان العالم العربي، زائداً باكستان وأفغانستان وإيران وتركيا وإسرائيل.‏

(2) تخطط أفغانستان والجزائر والبحرين وإيران ولبنان والمغرب وقطر والسعودية وتونس وتركيا واليمن لإجراء انتخابات.‏

(3) البلدان التي قدمت طلباً للانضمام إلى منظمة التجارة الدولية (شكلت لجنة عمل تابعة للمنظمة): الجزائر ولبنان والسعودية واليمن. بلدان قدمت طلباً للانضمام (لم يُنظر بعد في الطلب): أفغانستان وإيران وليبيا وسورية، بلدان طلبت منحها صفة مراقب: العراق 22 ـ2 ـ 2004.‏

ترجمة: ن.ش‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-20-2006, 04:06 AM   المشاركة رقم: 17
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

مراجع الكتاب العربية والأجنبية:



ـ القرآن الكريم.‏

ـ سوسيولوجيا الثقافة المعاصرة ن. ش ـ دمشق 1990.‏

ـ إحصائيات الشرق الأوسط إبريل 2002.‏

ـ الحوار الفكري ـ البعث عدد آذار 2003.‏

ـ إحصائيات الشرق الأوسط إبريل 2002.‏

ـ آل توفلر دليل الحضارة الثالثة ترجمة حافظ الجمالي اتحاد الكتاب 1998.‏

ـ علم السياسة عند ابن خلدون ـ ن. ش 1987.‏

ـ جورجي زيدان في الميزان. شوقي أبو خليل ـ دمشق 1979.‏

ـ جورج لوكاتش ـ نظرية الرواية Teori ja Romana, Beograd 1966/ ـ ت نزيه الشوفي ـ دمشق 1988.‏

ـ مهاتير محمد ـ مؤتمر الدول السبع عشرة ـ المنعقد في منتجع مونتيجو باي ـ جامايكا 2004.‏

ـ دانيل بونيو: الاتصال ضد الإعلام، ترجمة نصر الدين العياضي، وسائل الاتصال الجماهيري والمجتمع: آراء ورؤى، دار القصبة، الجزائر 1999.‏

ـ نصر الدين العياضي: مساءلة الإعلام، المؤسسة الجزائرية للطباعة، الجزائر 1991.‏

ـ اللوموند 7/10/1993.‏

ـ مصطفى بكري ـ العراق ـ المؤامرة الاحتلال القاهرة 2003.‏

ـ أميركا الشمالية ـ ميشيل بوتون ـ موران ـ ترجمة ازدهار متوج ـ الفكر العسكري ـ دمشق 200.‏

ـ الجيوبوليتيكا بين المبدأ والتطبيق ـ فيفيلد وبيرسكي ـ ت يوسف مجلي ـ القاهرة د. ت.‏

Philipe Breton: la dictature de la communication, Ed:‏

Pascal Lapointe: Peut- on se noyer dans une mer d information? La presse - Montéral 23- juillet 1997‏

1974 The Mind Managers‏

ـ اكذب عليّ: البروباغاندا والتشويه الإعلامي في الحرب على العراق‏

Tell me lies - The Propaganda-‏

-and Media Distortion in Attack on Iraq/ David Miller. Verso- London-‏

-The Geographical Privot of History. P 214 H. Mackinder‏

دور القوة البحرية في التاريخ‏

-Admiral Alfred Thayer Mahan.‏

Peter Baechlin, Histoire economique du Cinema, p. 207-‏

Harold Resenberg, Poqular cultire and Kitsh criticism, dans Dissent, Winter, 1958.‏

Histoire de la literature Francaise, Paris stock 1930.‏

Mensouge Romantique et Vérité romantique, Paris, Greset 1961.‏

Sergef Lukic- Oblika javnog mnjenja, FKP Beograd 1991.‏

- The Clush of Civilization‏

صموئيل هانتينغتون ـ صدام الحضارات‏

Edgar Morin - Duh Vremena Beograd- FPN 1967.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-20-2006, 04:28 AM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.44 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.





تمَّ .






.












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

تصميم و وتركيب انكسار ديزاين

جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 10:00 AM.




Powered by vBulletin Version 3.7.3
جميع الحقوق محفوظة لشبكة قامات الثقافية 2008
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009