عالم من الإبداع

 

    

آخر 15 موضوع
لمعةً في الباب           »          حول شمسٍ، تدور           »          محاكمة حب           »          تبتلٌ و تهتُّك           »          وحْدِي سأحْرسُ بسْمةَ الموناليزا : شعر: محمّد بوحوش – توزر- تونس           »          أُجاجٌ بعد شهْد           »          حلْمٌ على كحْلْ           »          قوّني في شهرك الكريم           »          لوَّنتني من لماها           »          عقاربُ ساعاتكْ           »          أمَلي تبقى إليَّ مُنى           »          أناي           »          << أمــــا...>>           »          << إلاَّ أن تخــــــــــــوني..>>           »          حين يتحكم الآيفون



حصريات المنتدى

                                            

العودة   شبكة قامات الثقافية > قامات الفكرية الثقافية > اقرأ

موضوع مغلق
قديم 01-03-2009, 03:14 AM   المشاركة رقم: 41
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

ويالحظه! عرّفته بها غادة ثم مديحة ثم فوزي ثم آخرون. تكرر التقديم نفسه تقريبا: ياليلى، هذا عمر، الذي اعتقل في سجن المزة ثم في سجن تدمر! وهذه ليلى، ابنة أحد شهداء حرب فلسطين! وكانت ليلى تهز رأسها، فيتذكر عمر الغزال مرة أخرى. صار يتبادل الابتسامة معها كلما قدمها أحدهم إليه، وتشاركه التواطؤ وكأنها لاتريد أن تخيّب من يقدم أحدهما إلى الآخر. وأمتعته تلك اللعبة. رآها جالسة في المكتبة في صباح مبكر ولاأحد حولها. كان يلزمه وقت ليكبح خفقان قلبه، لكنه خشي أن يضيع فرصة وحدتها حول طاولة خالية. وقف قربها: صباح الخير! رفعت إليه وجهها متسائلة، قال لها: اسمي عمر، من كلية الطب، سجنت في سجن المزة، ثم في سجن تدمر. كسب ضحكتها: اسمي ليلى، من كلية الطب، ابنة أحد شهداء فلسطين!‏

رآها أمامه مع غادة. كان واقفا في الحديقة يستمتع بالشمس بين محاضرة وأخرى ويتذكر كيف عرفها، عندما مرت الشابتان. توقفت غادة: مرحبا ياعمر! لدي بطاقات من أكرم الحوراني لجلسة المجلس النيابي. جلسة مهمة، مارأيك في أن نحضرها؟ انتظر عمر جواب ليلى. سأل وهو يتناول بطاقته: تصلين وحدك ياغادة أم تريدين أن أرافقكما؟ ضحكت: نصل وحدنا إلى أي مكان! ابتسم. اعتداد الشباب، أم اعتداد من لم يذق خيبة؟! لن يبوح عمر أبدا بأنه كان في ذلك اليوم مضطرا إلى مراجعة دروسه، ولم يكن يرغب حتى بنزهة.‏

كان خالد العظم وزير الخارجية قد أعلن أن ممثلي إنكلترا وأمريكا وتركيا أبدوا الرغبة في تحسين "علاقتنا" باسرائيل. وأن سوريا ترفض المساعدات لأن تلك المساعدات تقيّد الاستقلال. وكانت اسرائيل قد اعتدت على الجيش المصري في غزة. وتركيا حشدت حشودا على الحدود السورية بعد توقيع حلف بغداد. والسفير الأمريكي جيمس موس سلّم لوزير الخارجية السوري مذكرة تطلب الدخول في حلف بغداد. وصدر بيان الحكومة السوفيتية في تأييد سيادة سوريا. ستكون جلسة المجلس عن السياسة الخارجية مهمة، إذن! تابع عمر جلسات المجلس كمن يهوى معرفة خفايا الأحداث. لكنه وقت رافق ليلى وغادة إلى الجلسة التي تحدث فيها خالد العظم عن السياسة الخارجية، فهم مقدار انصرافه إلى مايسميه زملاؤه سياسة ويسميه عملا وطنيا. وبدا له أن ليلى تنتبه إلى الجانب الإنساني فقط!‏

في الطريق حكت غادة لليلى عن عمر: تعرفين طبعا أنه ليس عضوا في حزبنا أو غيره. وأنهم زادوا في تعذيبه في تدمر لأنهم توهموا أنه يخفي تنظيما سريا لايعرفونه. عمر شجاع وشهم. علته أنه لايقبل التنظيم الحزبي ولايفهم ضرورته! كيف تحركين شعبا دون تنظيم؟! سألتها ليلى: ستنظمين الشعب كله؟ ردّت: لا، لكن عمرا ثمين. لأنه محبوب وذكي وقادر على جذب الناس! من حظنا أنه صديقنا! قالت ليلى: على كل حال، الفضيلة أن يحاول حزب كسب رجل جيد! هل كانت ليلى تعي أن الجملة التي رمتها ببساطة تمسّ علاقة المنظمات بالأفراد، الولاء والفصل والتشهير، وتقسيم الأحزاب واستبعاد نخبتها في العقود القادمة؟ قالت مداعبة: لاتحاولي أن تنظميني ياغادة، لأني ألتزم بقرار منور! لن أحاول ياليلى، ولايمنع هذا أني أراك منا! ابتسمت ليلى: لعل مديحة أيضا تراني من جماعتها! انتفضت غادة: لا، هناك تقسيم فلسطين الذي لايغفر! وهناك حلول قاسية باردة لاتبالي بما يمسّ القلب والوجدان! نحن لايمكن أن نهمل أبدا الطموح العربي!‏

كان يطمئن غادة أن بيت ليلى مفروش بطقم من الخشب المطعم بالصدف، على دواوينه بسط عربية، على جدرانه صور في إطارات من الموزاييك والخشب المحفور. وأن ليلى تهوى المناديل الحريرية الحلبية. قتل أبو ليلى في الجليل، فهل يمكن أن تترك أصولها الوطنية وتقبل فكرا مستوردا؟ ردّت ليلى: مديحة طيبة ومخلصة!‏

كانت ليلى تتأمل السقف والجدران عندما لمحت غادة عمرا في شرفة الزوار. الكراسي مشغولة كلها، لكنه حجز لهما كرسيين إلى جانبه. كاد يشعر بالدوار وليلى تجلس قربه! أغمض عينيه لحظة مستسلما لرفيف قلبه. وأمتعه أن يتصور نفسه راسبا في امتحاناته منتظرا ليلى ثلاث سنوات كي تصبح في صفه في كلية الطب. شعر بها وهي تصغي في فضول. وتابع على وجهها الدهشة والانتباه.‏

لم تكن ليلى وحدها المهتمة بالحوار. وقف الجالسون في المقاعد الخلفية في الشرفة. تحدث خالد العظم عن السياسة الخارجية. وكان صوت الإبرة يسمع في المجلس! خيل لليلى أنها الآن تفهم بلدها. وتعرف أيامه الماضية التي لم تنظر إلى جنباتها. يقدّم لها هذا الرجل الزمن الذي عاشته ولم تعرفه، والزمن الذي لايريدها أن تعيشه. كأنه يلمس منابت الاعتداد الوطني في بلاده. قال خالد العظم: "سوريا تعتز بأنها أول بلد عربي حقق استقلاله وسيادته خالصين من كل شائبة، ومن الطبيعي أن تحافظ حكومتنا على هذا الاستقلال.. إن حكومتنا ترى من بديهيات واجبات الدول العربية الدفاع عن أرض العرب ضد كل عدوان، وهي ترى في الوقت نفسه أن عدونا الأول إنما هو الصهيونية الباغية التي احتلت جزءا من وطننا العربي المقدس. ولذلك فإنها ستتجه في سياستها الخارجية إلى مصادقة كل دولة ترعى صداقتنا وحاجاتنا وتقف إلى جانب قضايانا القومية المشروعة ولاسيما قضية فلسطين"..‏

استمعت ليلى إلى خالد العظم مبهورة وراضية. وسجلت في دفترها بعض كلمات. تحدث العظم عن جهده لإقامة ميثاق عربي يوحّد الشؤون السياسية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، ويضع الهيكل لوحدة عربية متحررة للراغبين فيه. وبيّن أزمة الجامعة العربية لأن العراق فاجأ الحكومات العربية برغبته في التوقيع على حلف عسكري مع تركيا. "ورغم جهودنا لم يثمر اقتراح التريث فوقع الحلف". وتحدث عن مقابلة سفير أميركا رئيس الوزراء بحضور العظم. قال العظم: "إن أمريكا رحبت بالحلف علنا كخطوة لإنشاء منظمة دفاع حقيقي يمكن أن تضم ايران والباكستان وبعض الدول العربية. وبعد التوقيع تستطيع البلاد الواقعة وراء الخط الشمالي أن تنضم إلى هذه المنظمة الدفاعية.. وتحسين العلاقات العربية الإسرائيلية ضروري لمساهمة أمريكا في الدفاع عن الشرق الأوسط. لأن ميثاق الضمان الجماعي العربي لايفي، في رأي أمريكا، بحاجة المنطقة إلى منظمة دفاع فعالة".‏

مرت عتمة على وجه ليلى. لمحها عمر بطرف عينيه. قال العظم: "لذلك يجب رفض الحلف، ليس فقط دفاعا عن الاستقلال بل أيضا لضرورة السعي إلى الوحدة العربية ورفض أية تسوية مع اسرائيل مهما كان نوعها". وبيّن أن المنظمة الدفاعية المقترحة تشطر العرب إلى شطرين، الهلال الخصيب، وشطر آخر فيه مصر والسعودية واليمن والإمارات. مصر تؤيد موقف سوريا. وصل موفد من مصر وانتهت المداولات ببيان مشترك سوري مصري في الثاني من آذار وهو نقطة انطلاق تدعو العرب إليها. وقد وافق مجلسكم الكريم أن تجهد حكومتنا للسير بالدول العربية نحو الوحدة. لذلك كانت الرحلة التي قمت بها مع الصاغ صلاح سالم إلى المملكة الأردنية الهاشمية فالمملكة العربية السعودية فلبنان، ثم إلى العراق فمصر. لعرض الأسس والمبادئ على الدول العربية. تريّث الأردن مع عطفه على المشروع، وتحمس الملك سعود له. ثم فوجئنا بإذاعة حلف بغداد وانضمام إنكلترا إليه. وجهت تركيا مذكرة قاسية إلى وزارة الخارجية السورية مدّعية بأن البيان المشترك الثلاثي، أي مشروع الميثاق العربي، موجه ضدها وأجبنا الجواب اللازم وتأزم الوضع بين البلدين.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:26 AM   المشاركة رقم: 42
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

تابعت ليلى حلما رائعا: مجلس دائم لدول الميثاق، خطوط عامة للسياسة الخارجية، سوق واحدة، حرية التنقل دون سمات، قيادة عسكرية عليا مركزها دمشق! نظر عمر إليها. تطير على أحلام خالد العظم؟ همست لعمر: يعني نعود كما كان أهلنا في أول القرن. يركبون القطار في الصباح ويصلون في اليوم نفسه إلى حيفا! فتح عينيه: إلى حيفا؟! قال العظم: ستمس آثار هذا الميثاق عند تطبيقه الأسس السياسية والمالية والاقتصادية والعسكرية في حياة معظم أبناء الأمة العربية، فتقتضي الزيادة بالتمحيص والدقة والبحث.‏

بدت ليلى سعيدة. ياغادة، هذه الحكومة تهب الراحة. أشعر بأني قوية! قال عمر مداعبا: طبعا، خالد العظم معك! قالت في جد: سعيدة بالزمن! من سمعتهم، في مستوى الزمن. استعدت بكلمات العظم شهداء أيار، شكري العسلي، ورجال الثورة السورية الذين تحدثني منور عنهم. الزمن مضيء، هنا، عند ممثليه! هل يقول لها عمر: تمهلي ياليلى فليس كل من يعلن رأيه أمامك يعلنه وراء ظهرك؟! لا، فليترك لها مساحة الحلم!‏

حدثها مرة عن سمة الزمن. وهي التي تحدثه الآن عنها! قال لنفسه: حكمك ياليلى صحيح في هذه البرهة من التوازن بين القوى. لكن المحمولين على الموجة قد يعودون إلى مشروعهم. بين السياسيين والعسكريين اتفاق وصراع. يدعم العسكريون الوطنيون السياسيين الوطنيين. أثق بوطنية العسكريين لكني لاأثق بحكمتهم! وهناك آخرون قد لاأثق بهم أبدا!‏

لم يكدّر ذلك رضا ليلى. سألها عمر وهو يرافقها مع غادة في الطريق إلى بيتها: أعجبتك الجلسة؟ قالت: أعجبتني الغيرة على الوطن! أعجبتني الصراحة. قد تصبح المعلومات التي سمعناها معروفة ذات يوم، كوثائق التاريخ. لكن الريادة مأثرة. وياللذوق! قال عمر: أمسكتِ بالجوهر ياليلى! ضحكت: حقا؟ في تلك اللحظة سحرته بجدها وضحكتها وفطنتها. سحره أنها انتبهت إلى التفاصيل وفهمت روحها. لكن عمرا لم يستسلم لانبهار ليلى بتلك الجلسة من جلسات المجلس النيابي. لأنه حضر جلسات قبلها، وتأمل القوى السياسية خلال تلك الجلسات، وقاس مساحة التلاقي بينها. ولمس أيضا الفواصل الدقيقة التي تفرقها. كان قد التقى في المقاهي بالكيخيا واليان والعسلي واستمع إليهم. كم لديهم خبرة في صياغة الكلمات! ياللذكاء! ولكن ياللمهارة في البحث عن الزعامة والمصلحة الخاصة! بدا له أنهم لايستطيعون الحياة إلا كزعماء! لاتعرف ليلى هؤلاء السياسيين، ولاتقدّر أنهم قوة تواجه الجيش دون صراحة، وأن العظم ليس القوة الحاسمة بين المجموعات السياسية. لذلك شعر بالشفقة على ليلى. ومع ذلك قال لنفسه عندما استمع إلى تقرير اللجنة الخارجية الذي وافق عليه المجلس بالإجماع: سوريا الآن مركز الحلم! وأطربه أن يقرأ في ذلك الصباح برقيات وصلت من نابلس تؤيد موقف سوريا من الأحلاف! لم تفهم ليلى لماذا هزّ عمر رأسه كالحكيم الكهل. كان يهمس لنفسه: هل تصبح هذه البلاد في أمان قبل أن ينضب منها النفط؟!‏

سمعت غادة تقرير اللجنة الخارجية الذي وافق عليه المجلس بالإجماع، فعرفته قبل أن تقرأه عليها منور فيما بعد: "اتفقت جميع الأحزاب والهيئات مع الحكومة بأن تقف البلاد موقفا موحدا في وجه الضغط الذي تستهدف له سوريا اليوم، وفي مقاومة كل تدخل أجنبي يرمي إلى الحد من سيادة سوريا وحريتها في رسم سيادتها".‏

قالت منور لليلى في تلك الأيام: جارتنا مهتمة بك! روت لي "صادفت ليلى في أول الطريق مع شاب وسيم فهل سنحتفل قريبا بخطبتها"؟ توهج وجه ليلى يومذاك: لاتفهم جارتك ياأمي إلا نوعا واحدا من العلاقات بين النساء والرجال! مسكينة! كان معي عمر!‏


أرسلت غادة ماجمعته من القسائم بالبريد. كأنها إذا أخّرتها إلى اليوم التالي أبطأت نجاة جميلة بو حيرد من الإعدام. لكنها خلال ذلك انشغلت بعاطفة خشيت أن تسميها الحب. وكانت تجد نفسها أمامها مواربة كلما اقتربت من البيت. وتقابلها في المساء أمام نافذتها المفتوحة عليه. ولكن هاهي أخيرا تعترف بأنها محبوبة ومحبة، وتبحث عن إنسان يشاركها فرحها! فهل تنقل إلى ليلى قلقها العذب، واكتشافها الوجع والأشواق ورفيف القلب، فتثبتها بكلمات وتصبح مسؤولة عنها؟ بدت غادة لليلى حتى اليوم بعيدة عن الهوى، مشغولة مرة بزيارة زوجة أكرم الحوراني ومرة بمحاضرة أو لقاء في مقر حزبها. فكيف تظهر أمامها الآن عاشقة كأية فتاة؟

هل تستطيع أن تروي لليلى ماحدث منذ البداية؟ ألن تعاتبها ليلى: أخفيت ذلك كله عني؟ كانت تسمع صوت المطر وهي تدرس. بدا لها فجأة أنه أصبح قويا فلماذا تحرم نفسها من الفرجة عليه؟ فتحت النافذة فتدفقت عليها رطوبة أرعشتها، ومع ذلك أبقت أزرار كنزتها مفتوحة. لم تر من النافذة غير ظلام الشتاء، وومض برق بعيد. أغلقت النافذة ورتبت جلستها على مقعد مقابله مقعد آخر مدت ساقيها عليه، ووضعت كأس الشاي على الطاولة قربها. جلسة مريحة تؤهلها للسهر إلى منتصف الليل. كانت تجزئ التحضير للامتحانات القادمة. وغرقت في دروسها.‏

رسم لهب المدفأة على الجدار أشكالا برتقالية. وهمهم إبريق الماء فوق المدفأة. كأنما نامت الدنيا على ايقاع المطر وبقيت غادة وحدها صاحية مع المدفأة! ستنجز هذا الجزء الصغير من الدروس وتستسلم هي أيضا للنوم الذي سيأتيها مسرعا! كان السكون مذهلا، يوشيه صوت سيول المطر على جانبي الطريق. قفزت مرة أخرى فوق مسند المقعدين ومشت إلى النافذة. وعندئذ ومض ضوء النافذة في الجهة المقابلة. بقيت الأبنية كلها معتمة إلا نافذتها ونافذة الضابط الوسيم الذي انتقل إلى هذا الحي مع أسرته منذ أشهر. بدا ذلك ممتعا. هل نحرس الحي معا؟ وقفا صامتين يشعر أحدهما بالآخر ويرى إطاره المعتم فقط. تمنت غادة عندئذ أن تمشي تحت المطر مع رجل يحمل مظلة يتدافعان تحتها. لا، فليغلقاها ليبتلا بالمطر! ولتغمر هذه السيول الصغيرة أقدامهما، وليتوقفا قرب بائع الكستناء ليستدفئا بالجمر! من يمكن أن يكون ذلك الرجل غير هذا الضابط الرشيق كالرمح؟ كانت قد صادفته مرات وسيارة الجيب العسكرية تنزله أمام بيته، وهي راجعة من الجامعة. وخيل إليها أنه في المرة الأخيرة ابتسم لها وأحنى رأسه في تحية لم يلاحظها غيرها.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:27 AM   المشاركة رقم: 43
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

هل فهم من وقفتها مقابله في العتمة أنها قَبِلَته؟ سمعت صفيرا ناعما وكتمت ابتسامتها. يصفّر لحن أغنية كارم محمود عن الساكنة مقابله ويدعوها إليه! أية رسالة أكثر وضوحا من هذه الرسالة المحملة بالوجد والشوق؟ سمعت الصفير الرقيق نفسه وهي تطفئ الضوء. يودعها به! غفت بسرعة وأفاقت مبكرة قبل جرس المنبه. لعلها ستراه وهو ينتظر السيارة العسكرية التي ستنقله إلى عمله! كانت في الساعة السابعة ممشطة الشعر، صاحية، تلبس معطفها وتقف قرب النافذة كأنها تنتظر صديقة سترافقها إلى المدرسة. رأت الشوق في نظرته وخيل إليها أنها لمحت طيف تحية فأسدلت نظرتها إلى الأرض وانشغلت بهدير قلبها. بدا لكل منهما أنهما تبادلا حديثا طويلا في لحظة. وكأنه اعترف لها بأنه سهر كثيرا من الليالي معها وهي تدرس، وتفرج عليها وهي ترتب غرفتها أو تغير ماء الكأس للورد، أو تحضّر ملابس الصباح. وخشيت أن يكون رآها في قميص النوم أو رآها وهي تبحث أمام المرآة عن شكل يناسب شعرها الطويل. وخمنت أن أغاني فيروز التي كانت تنساب من نافذته موجهة إليها. كلّف فيروز بنقل كلمات وأشواق لايجسر على البوح بها!‏

بعد تلك الليلة صارت الدراسة ممتعة. بدا لها أن الضابط الوسيم يحرسها. وكانت دائما تطمئن عليه في الصباح. ثم اختفى فجأة. استمعت غادة إلى الراديو الذي أذاع أن إسرائيل هاجمت في كانون الأول سنة 1955 المخافر السورية وقتلت ضباطا وجنودا سوريين. هل يغمى على القلب؟ أغمي على قلبها! هل جارها بين القتلى؟ مرت أيام طويلة ثقيلة. لم تعرف غادة مصيره إلا عندما قالت لها أمها: عينك على الباب. إذا أتت أختي نادني من بيت جيراننا الجدد، مقابلنا! ابنهم في الجبهة والواجب أن نطمئن عليهم!‏

زغرد قلبها؟ عرفت مكانه وفهمت سبب غيابه! همست لنفسها: ياربي، ياربي، سق خالتي! أرجوك ياربي، أرجوك! لم تكد خالتها تقرع الجرس حتى تركتها أمام الباب المفتوح وقطعت الشارع راكضة. وقفت على الدرج لتسكت صخب قلبها. فتحت أخته الباب فرأت أمامها شابة متوهجة الوجه، مرتبكة. سألتها غادة: هل يمكن أن أنادي أمي؟ تفضلي ياروحي، تفضلي! من الباب؟ مستحيل! ادخلي! ودخلت غادة وهي تحاول بالرغم من خجلها أن تلتقط كل تفصيل في بيت الضابط. سجاد الأرض، والصور المعلقة على الجدران، والمقاعد المغلفة بالكتان الأبيض، والطاولات الموزاييك، وآنية ماء الورد الفضية في زوايا الخزانة الموزاييك، والثريا ذات الزنابق، وصورته بملابس الضابط ونجومه. ماأحلى ابتسامته فيها! هل سمعت النساء اللواتي ملأن مقاعد الصالون خفقان قلبها؟ رحّبن بها كما ترحب النساء بصبية ينتظرن الفرح بها، فزاد ارتباكها. قرب الباب قالت لها أخته: زورينا! الباب مقابل الباب ومع ذلك لم تسلّمي بعد علينا!‏

رأته غادة عندما عاد من الجبهة. كم اسمرّ وجهه بالرغم من الشتاء! هل بدا حزينا بالرغم من فرحه بلقائها؟ سلّم عليها ووجدت نفسها ترد التحية. ولاحظ كل منهما أن وجهها احمر وأن احمراره أربكها. بدا راغبا في أن يطيل وقفته، لكن أخته وقفت في الشرفة المشمسة، وابتعدت سيارة الجيب العسكرية. سلّمت أخته عليها ودعتها بالإشارة إلى زيارتها. وهزّت غادة رأسها كمن يقول: فيما بعد. تساءلت عندما صعد محمود إلى بيته ووقف في منتصف الدرج لحظة ليتأملها، كيف لم يخطر لها أنه قد يموت في الجبهة برصاصة إسرائيلية؟! في ذلك المساء صادفته واقفا مع أخته وأمه في الشرفة، بالرغم من البرد. نادتها أخته: تعالي! هنئينا بسلامة الغائب! ومشت إلى الباب لتفتحه في انتظارها!‏

لم تستطع غادة الرفض مع أنها مرتبكة. هتفت لنفسها: ياربي، أبعد هذا الاحمرار! ولماذا الاضطراب؟ كأني لاأتحدث مع زملائي في الجامعة! أو كأني طفلة! ومن هؤلاء؟ جيران، الزيارة بينهم ممكنة! سمعت سخرية ناعمة من نفسها: الفتاة الشجاعة التي ظنت أنها ممن يحملون الوطن، تعجز عن لقاء جارها؟ افتحي عينيك واكتمي مافي قلبك! أحبي أو اكرهي لكن اضبطي عواطفك باتزانك! تذكري أنك مسؤولة عن هوية سياسية كشابة بعثية تحمل الحلم بتوحيد الأمة العربية ورد الأخطار عن الأرض العربية، واستنهاض شعب عظيم ابن حضارة عظيمة!‏

هل هدأتها النصائح؟ لاحظ محمود اضطرابها واحمرارها. وفتنته بخجلها. ولاحظ أنها حاولت أن تغلب ارتباكها وتبدو متزنة شجاعة. وبدت له تلك النضارة تعويضا عن أيام الجبهة المتعبة المتوترة.‏

ستتذكر غادة بعد سنوات طويلة ذلك اللقاء، بعد أن يهبها العمر فضيلة التأمل. وستستعيد تفاصيله وتتذوقه في هدوء كأنها ترشف القهوة في فجر ليس فيه سواها. وستتساءل كيف نضيق بالزمن ونستعجله أحيانا، والزمن يمضي خاطفا كما مضى في ذلك اليوم؟ أعتمت الدنيا يومذاك وهي تستمع إليه. أجابته في سرعة عن دروسها في الجامعة، ثم استمعت إليه. كان خيالها يرسم مايرويه، فرأت خيمته التي علق فيها بيتا من الشعر كان يتردد من الإذاعة دائما: "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر". سيحمل محمود معه الورقة التي كتب عليها ذلك البيت طول عمره لكنه سيفهمه في أشكال متنوعة. وسيستوقف ذلك الشعر زياد الحريري قائد اللواء السادس في أيام الانفصال ويقربه منه. هل كنت أعزي نفسي ببيت الشعر؟ كنت أرى على ضفة بحيرة طبرية المقابلة المحتلين الإسرائيليين ينعمون بالكهرباء والطرقات والسيارات والمسابح، وكنا في مواقعنا نستخدم البغال والحمير، وننقل الماء من الينابيع، ونأكل المعلبات، وتشاركنا الفئران أرزاقنا، ونقتل العقارب والحيات. كنا ننفي إلى الجبهة من نغضب عليه! هل يروي لها أمام أهله أنه سهّل الاغتسال على الجنود، وأتى لهم بالماء الإضافي، ليخلصهم من القمل؟ وأنه استنهضهم بالرياضة والألعاب؟ لابد من جهد خارق كيلا تكون الجبهة انتظارا مملا للصدام، أو حراسة تثير الغيظ والسأم! رأت غادة أمامها شخصا رقيق القلب، كأنه شاعر! واسع الرؤية كأنه سياسي! قال لها إن الفلاة فاتنة، حتى البرد فيها ليس كبرد المدن. توهم الإنسان بأنه يعود إلى علاقته بالدنيا. يتذكر رائحة الخشب المحروق ومتعة مراقبة النار ويفهم لماذا عبدها الإنسان. هل كان يخفي حزنه؟ طارت ذات ليلة خيمته. وبلله المطر المفاجئ. وطارت ألواح التوتياء التي تحمي المؤونة فهرعنا لنجمعها ونحمي بها ماسلم من أرزاقنا.‏

نعم، حولنا حقول الألغام التي زرعناها. ويجب ألا تخطئ فرسه فتنفلت إلى وسطها! ويجب ألا يطمئن إلى الهدوء! ففي ليلة هادئة ساجية خطف العدو ملازما وقتلوا جنديين. كان عسكره يراقب حركة الملازم ومساره. فنصبوا له كمينا صادوه فيه. ويبدو أنه كان موقنا بأنه في أرض صديقة فغاب عنه أن العدو قد يتسلل إليها. أمرتُ فريقا من الاستطلاع بأن يتسلل إلى الأرض المحتلة ويأتيني بأسرى. كان قراري بعيدا عن ردة الفعل. فالعسكري يجب أن يتفادى العمل دون دراسة دقيقة.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:28 AM   المشاركة رقم: 44
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

سمعتِ عن الحادث! في 10/12/55 أسر الإسرائيليون مجموعة من السوريين قرب البطيحة، وبدأ القصف. من بحيرة طبرية قصفت الزوارق الحربية الإسرائيلية المخافر الأمامية السورية. تسمي إسرائيل جيشها جيش الدفاع، وأسميه جيش العدوان! اجتاح الإسرائيليون المخافر السورية في قطاعات الجبهة وقتلوا ثلاثة ملازمين من قادة السرايا. كان الليل مظلما، والمعركة شرسة. عرف محمود من الهاتف العسكري أن المعارك شملت الجبهة من الشمال إلى الجنوب. استمرت المعركة حتى الصباح. وأتت القوات الدولية لتعاين ماحدث. رأيتُ دماء الإسرائيليين على شاطئ طبرية. نقل شهداؤنا إلى دمشق ليشيعوا فيها. رجال شجعان استشهدوا فوق رشاشاتهم. فجر الإسرائيليون حتى بلوكوز النقطة الطبية. بعد المعركة سحبنا جنودنا إلى الخلف وأخذ آخرون مكانهم. وانتقلنا إلى المنصورة.‏

في الاجتماع الذي حضرته غادة في مقر حزبها تحدث المتكلمون يومذاك عن سبب العدوان الإسرائيلي: سببه أن في سورية مجلس نيابي منتخب فيه مجموعة قوية من رفاقنا النواب الاشتراكيين، وأن الجيش يدعم السياسة الوطنية، وأن مظاهرات الشارع تكبح الرجعية! وأن السجون فارغة من المعتقلين السياسيين! سببه أن سورية تختار سياستها الخارجية في حرية وتتقارب مع البلاد الاشتراكية وتسعى إلى صفقات السلاح منها دون شروط، وتفك الحصار الغربي عنها وتسعى إلى تأسيس اقتصاد مستقل! إسرائيل وسيلة التهديد الغربي! إسرائيل خنجر مغروس في الجسد العربي، يفصل المشرق عن المغرب، ويفرض على الوطن استهلاك ماله في التسلح! اعرفوا أن كل مايطلق حرية المواطن وكرامته يقوي الشعب ويجعله خطرا على إسرائيل المحتلة. العدوان ضغط على سورية التي ترفض القواعد والأحلاف العسكرية. هتفت غادة في نهاية الاجتماع في حماسة: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة. كادت عيناها تدمعان. وانسابت على الأحلام باستعادة أمجاد العرب التي تقرأ عنها في كتب التاريخ! أحلام؟ أي واقع لم يكن حلما؟ لايوجد مستحيل إذا اجتمع الناس في قوة منظمة ذات برنامج وأهداف! هل كان تحرير الصين، التي تحتلها دولة عظمى ويكسر شعبها الأفيون، غير حلم؟‏

كانت تلك الصبية تحمل الايمان والحماسة التي جعلت جميلة بو حيرد تحمي أسرار جماعتها وتصمد في التعذيب. وجعلت الضابط محمودا يندفع في تأسيس مادمره الإسرائيليون في العدوان. في سنة 962 عندما سيعود إلى الجبهة ويفاجأ بأن الجنود يعانون من القمل، سيشتري لهم من راتبه الصابون، وسيولم لهم ولائم من صيد الحجل. وسيستقبل زياد الحريري في الجبهة ثم سينزل معه ليقلب حكومة الانفصال.‏

سبقت العدوان الإسرائيلي على المخافر السورية أحداث كثيرة. بدأ بعضها قبل أن ينتقل محمود وأهله إلى حارة غادة. سمعت غادة قبل أشهر من الراديو حديثا عن مذكرة أمريكية رفضتها سورية. رأى مندريس أن رد سوريا على المذكرة عدائي. وهاهي غادة تتبين أن المذكرة ليست ورقة تطوى بل سياسة! وستحكم تلك السياسة والرد عليها مسار السنوات القادمة.‏

دعت ليلى زميلتها غادة إلى الغداء. طلبت من منور أن تطبخ لبنيّة لأن غادة تحب لبنيّة منور مع الطرخون! راقبت منور الشابتين. تجدان دائما مايضحكهما. ياللشباب! لم تطل جلستها معهما إلا وقت الشاي بعد الغداء. وعم يمكن أن يتحدث السوريون اليوم؟! تنفد الجرائد من السوق، ويحمل حتى الرعاة راديو ترانزيستور! كان عدد من الجرائد قرب منور. قالت لغادة: اقرئي ياحبيبتي! طلبت المذكرة الأمريكية من الحكومة السورية ألا تتخذ قرارات تعارض الحلف التركي العراقي، ريثما يأتي يوم انضمام سوريا إليه. لايخجلون من الإعلان أن هذا الحلف نواة منظمة دفاعية تشمل الشرق الأوسط، فيها إسرائيل! الجامعة العربية، والضمان الجماعي العربي؟ لايمكن الاعتماد عليهما للدفاع عن الشرق الأوسط! ولاأسلحة إلا لمن ينضم إلى الحلف! يجمعنا حلف مع إسرائيل؟! حلف مع عدونا؟! أين سُفك دم بهاء؟ من سفكه؟ ولماذا؟ إسرائيل عدوتنا فإياكم ياصغار أن تنسوا ذلك! وتذكروا دائما أنها محمية! قال خالد العظم: اشترطت أمريكا وإنكلترا تحسين علاقتنا بإسرائيل. أرأيتِ يابنتي من يحتضن إسرائيل ويرضعها من دمنا وكرامتنا؟ اعتدت إسرائيل أمس على الجيش المصري في غزة، فسند مندوب الاتحاد السوفييتي مصر في مجلس الأمن واتهم كبير المراقبين بيرنز بالتستر على إسرائيل. فهل ذاك عدونا وهل حليفتنا إسرائيل؟!‏

تسألين ياغادة كيف يرد بلد صغير مثل سوريا؟ احمي، يابنتي، أولا عقلك وضميرك. وتساءلي من عدوي! ضد أي عدو يوجه الحلف إذن؟ الاتحاد السوفييتي ليس خطرا علينا! هو في حاله ونحن في حالنا! الخطر علينا إسرائيل والتدخل الغربي! لم يستعمرنا الروس بل الغربيون! بعد ذلك فكري هل الرد يناسب التدخل الأمريكي!‏

راحت حكومة حزب الشعب، وأتت حكومة العسلي العظم وأخذت الثقة على أساس الالتزام برفض الأحلاف العسكرية! أيد السعوديون واليمنيون البيان السوري المصري ضد الأحلاف. هل هذا يكفي؟ أعلن خالد العظم، وزير الخارجية، أننا نعتمد على جيشنا ومواردنا فقط. فللمساعدة العسكرية شروط لانقبلها. لاتنامي ياغادة على الثقة بحقك. لكن الدنيا تنهض من غفوتها! الشعوب مخيفة بما تخزن من قوة قد لاتتبينها هي نفسها. الشعب قوة إذا كان مسددا في مشروع صحيح. فالشعب أيضا قد يكون غوغاء! يفرحني أن التهديد الأمريكي لم ينشر الخوف. بل العكس! اقرئي! وافق المجلس النيابي بالإجماع على قرار اللجنة الخارجية: "اتفقت جميع الأحزاب والهيئات مع الحكومة بأن تقف البلاد موقفا موحدا في وجه الضغط الذي يستهدف سوريا اليوم وفي مقاومة كل تدخل أجنبي يرمي إلى الحد من سيادة سوريا وحريتها في رسم سياستها".‏

هل تقرأ شابة مثل غادة ماتنقب عنه منور في الصحف؟ هل تستطيع في عمرها أن ترسم من التفاصيل لوحة سياسية واسعة؟ ستقول غادة لنفسها بعد سنوات: كم علمتني وأفادتني أم ليلى! نسيت ماأحاطته بخطوط حمراء في الجرائد لكنها حفظته وفسرته به ماأتى بعده من الأحداث! تضامنت يومذاك نابلس، التي تسمى جبل النار، مع سوريا! ونشرت الصحف برقيات وعرائض من نواب وصحفيين ومحامين لبنانيين يتضامنون مع الحكومة السورية! كتبت جريدة النصر: "لم يعد أحد يقبل لغة السيد والمسود.. حتى الماو ماو". وكتبت جريدة بردى وجريدة الكفاح عن علاقة تركيا بإسرائيل. لكن حسني البرازي كتب في جريدة الناس: تقول الحكومة إنها تحرص على سلامة البلاد، فهل يمكنها رد العدوان بالجيوش المصرية أو السعودية وكلاهما أعجز من أن يدفع عن نفسه العاديات؟ وضعت منور يومذاك إطارا بالحبر حول بيان عمدة الإذاعة الذي نشرته جريدة البناء في 23 آذار. "سياسة الحياد عدا كونها نظرية لاتتحقق في بلادنا في حال حرب عالمية، لاتعالج التجزئة والعوامل الأجنبية التي تغذيها. فهي إذن سياسة لاتخدم أهدافنا القومية.. الشيوعية عدو أكيد أما المعسكر الشيوعي فالانحياز إلى جانبه في الصراع العالمي لايؤمن لنا مصلحة قومية.. إن حل مشاكلنا القومية والقضاء على أوضاع التجزئة أمر لايتم إلا بأحد طريقين: التفاهم مع الغرب أو الصراع المسلح ضده. والظرف الحاضر هو أنسب الظروف للتفاهم مع الغرب".‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:29 AM   المشاركة رقم: 45
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

هذا الكلام غير مقبول! الحذر إذن واجب! تتآمر الحكومات العربية المحيطة بسورية عليها. لكن الشارع العربي غير ذلك. مظاهرات في الأردن. ومظاهرة كبرى في بيروت ضد حلف مندريس السعيد اصطدمت أمام مخفر البسطة بالشرطة. وفي دمشق أصدر ملتقى مندوبي الأقطار العربية بيانا عن التدخل الاستعماري والأحلاف. وذكر أن هدف الحلف هو الصلح بين الدول العربية وإسرائيل بجمعها في كتلة عسكرية تشمل منطقة الشرق الوسط. وأن الاتفاق الإنكليزي العراقي الأخير صكّ عبودية يبيح استعمال مطارات العراق. أكد الملتقى حق اللاجئين في العودة إلى وطنهم. انتبهي إلى هذا ياغادة! لأن الأمريكيين يحملون مشروع توطين اللاجئين! وتذكري أنهم عرضوه على الشيشكلي!‏

تساءلت ليلى: لماذا توجه كلامها إلى غادة؟ لأنها تنتسب إلى حزب؟ لأن منور تخمّن أن غادة تستطيع أن تؤثر في مجموعة؟ أم تستشف أنها ستكون شخصية مهمة في حزبها؟ هل تظن منور أن غادة وحدها موجودة أمامها؟ تقيد منور ابنتها بحرمة أنها ابنة شهيد لايجوز أن تنحاز إلى حزب! ألم تقل لغادة يوم عرفت أنها دعت ليلى إلى زيارة زوجة أكرم الحوراني: ياغادة، ابنة الشهيد للبلد كله. لاتنحاز إلى حزب فتنال عداوة حزب آخر! توسع معرفة الناس العقل والرؤية، وتستطيع ليلى أن تزور من تشاء، شرط ألا تجرفها الحماسة لأحد! قالت غادة لمنور يومذاك ماقرب بينهما: ياخالتي، كان يجب أن تعرفي أكرم الحوراني. يشبهك! يشعر مثلك بخطر إسرائيل ويرى مصير فلسطين متصلا بمصيرنا جميعا. هو مثلك يشعر بالخطر الغربي علينا. ويقدر دور المعسكر الاشتراكي ويرى أننا يمكن أن نستوحيه لكننا لسنا ملزمين باعتماد أوامره أو توصياته!‏

في تلك الأيام كانت منور مهتمة بمؤتمر باندونغ. وكثرت زيارات غادة إليها. كأنها تطلب معلومات لاوقت لديها للبحث عنها، ورؤية تكمل ماتسمعه في مقر حزبها. أدهش ليلى وهي تراقبهما أنهما لاتملان من الكلام عن أمور جافة. من يعقّد حياة البشر فيضطرهم إلى هدر الوقت في السياسة؟ قالت منور: يأتينا العدوان من آخر الدنيا فلم لايأتينا الأصدقاء من آسيا وإفريقية؟! في أيار قابل وزير العراق المفوض رئيس الوزراء السوري وسلمه مذكرة من الحكومة العراقية عن رأيها في ميثاق الضمان الجماعي العربي. ورد وزير الخارجية السوري: تستند سياسة سوريا إلى مصالحها، ويخططها ممثلو الأمة في المجلس النيابي! سند بولغانين سورية فقال في مؤتمر الدول الاوروبية في فرصوفيا إن الاتحاد السوفييتي لايمكن أن يقف مكتوف الأيدي أمام الضغط الاستعماري على سوريا ومصر والبلاد العربية لإرغامها على الانضمام إلى الكتل العسكرية.‏

في 18 نيسان عقد مؤتمر مؤتمر الشعوب الآسيوية والإفريقية في باندونغ وتألق فيه العرب. حضره عبد الناصر وخالد العظم ونهرو وشوإن لاي وسوكارنو. تحدث خالد العظم عن حق الدول الصغيرة في السيادة. وقال إن إسرائيل جيب من جيوب الاستعمار وحصن من حصونه على أبواب آسيا. قرر المؤتمر: تأييد حق الشعب الفلسطيني وإلغاء الاستعمار، واستخدام الذرة لأجل السلام، وعدم الانحياز. نشرت صورة الأمير فيصل آل سعود بين زوجة شوإن لاي وابنة نهرو وخلفهما نهرو وشوإن لاي.‏

في هذا التوهج عقد في سورية مؤتمر لنقابات العمال، ومؤتمر لطلبة سورية، وعقدت اتفاقية بين مصر وبولونيا، وعرض فيلم عن جامعة موسكو في كلية التربية قدمه كامل عياد. ودعت رابطة العلماء بدمشق إلى إتلاف السلاح الذري وشجبت الأحلاف. واستنكر مؤتمر دلهي، الذي حضره معروف الدواليبي وعبد الكريم زهور وحسان مريود، الأحلاف وسياسة إسرائيل وأيد حقوق اللاجئين في وطنهم. وندد الكاتب الأمريكي جون شتاينبك بأساليب السلطات الأمريكية في اتهام الأبرياء. واستنكر اللبنانيون في مؤتمر وطني البيان التركي اللبناني وتصريح شمعون بأنه سيتعاون مع العالم الحر. وأذاع مجلس السوفييت الأعلى بيانا إلى شعوب وبارلمانات العالم يؤكد أن علاقته مع الدول الصغرى والكبرى على أساس المساواة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وفي نيسان أذيع نص بيان الحكومة السوفيتية عن تأييد سوريا والبلدان العربية، وذكر أن الطلب الأمريكي من سورية أن تنضم إلى الحلف التركي العراقي أتى بشكل إنذار، وأنه يغطي الخطر الاستعماري بالخطر السوفييتي. ولايمكن أن يقف الاتحاد السوفييتي كالمتفرج من إقامة الكتل العسكرية على حدوده مما لاينطبق مثلا على الولايات المتحدة البعيدة.. سوف يؤيد الاتحاد السوفييتي دفاع هذه البلاد عن استقلالها. "سيدافع عن حرية دول الشرقين الأدنى والأوسط واستقلالها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية".‏

ستتذكر ليلى تلك الأيام فيما بعد، وستبتسم وهي تستحضر منور. كادت تكرر لها ماقالته منور لنفيسة ذات يوم: يناسبك أن تكوني قائدة حزب! لماذا خيل لمنور يومذاك أنها مكلفة بأن تصحح البيان السوفييتي! قالت لمديحة: هذه البلاد أرض عربية. والبلاد المهددة بلاد عربية! لم نسمها نحن شرقا أوسط أو شرقا أدنى! ايقاع تلك الأسماء غريب على الأذن العربية، يامديحة! فهل يتفادى أصدقاؤك هذه الصيغ الغريبة عنا في المستقبل؟ أخشى أن تكون إسرائيل مدسوسة وسطها! ضحكت مديحة: ياخالتي أنا معك! لكني لاأستطيع أن أصل إلى الحكومة السوفيتية! المهم روح البيان! المهم أثره!‏

صحيح يامديحة، صحيح! لكن تعلمي أن تفحصي حتى الكلمات العذبة! تثقف الأحداث الناس؟ نعم! لم تستطع منور أن تنسى أن الشيوعيين العرب وافقوا على التقسيم. وأن الاتحاد السوفييتي وهو دولة كبيرة تميز الخطأ من الصواب، كان يجب أن يرفض التقسيم لاأن يعترف بإسرائيل. رأت سعاد بعينيها المستوطنين الروس والأسلحة التشيكية. ألم يحاول المستوطنون اليساريون أن يوهموا العرب بأن الصراع ضد الأغنياء والرجعيين العرب لاضد الاستيطان؟! لكن الدنيا تغيرت. بيان الحكومة السوفيتية ثمين! وأسلحته ثمينة! وماذنب هذه الصبية التي كانت طفلة يوم وافق الشيوعيون على تقسيم فلسطين كيلا يخالفوا قرار الاتحاد السوفييتي؟! كانت منور تحفظ قصاصة تركها بهاء بين أوراقه مع قرار التقسيم الذي فجع العرب كتب فيها: "أكمل التقسيم وعد بلفور ونفذه. وأنجز ماسهر عليه الانتداب في فلسطين". لم يبال بهاء بتصويت الولايات المتحدة على التقسيم، لكنه رأى أن الاتحاد السوفييتي كان يستطيع أن يستعمل الفيتو. وقدّر أن الصهيونية أثرت في قراره. وأثر أنه لايريد الصدام بحلفائه الذين شاركوه في الحرب على النازية. حفظ بهاء كلمة أندريه غروميكو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 أيار :1947 المصالح المشروعة للشعب اليهودي وللشعب العربي يمكن أن تؤخذ بعين الاعتبار إذا أقيمت دولة مستقلة ثنائية القومية عربية ويهودية. مثل هذه الدولة تمنح حقوقا متساوية لمواطنيها من اليهود والعرب وتضمن تعاون الشعبين على أساس المصالح المشتركة. ومع ذلك فإذا ماتبين أن مثل هذا الحل لايمكن تحقيقه في الواقع العملي بسبب تدهور وسوء العلاقات اليهودية العربية فإن هناك بديلا آخر علينا أن ندرسه وهو تقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين تتمتع كل منهما بحكم ذاتي إحداهما يهودية والأخرى عربية.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:30 AM   المشاركة رقم: 46
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

كتب بهاء ملاحظة ربطها بتلك الأوراق: ليت التقسيم راعى الواقع العملي! ترك للعرب وهم مليون وثلاثمائة وسبعة وعشرين ألفا 43% من فلسطين ووهب اليهود وهم ستمائة وثمانية آلاف 57% من الأراضي. وهبهم مدنا عربية خالصة مثل عكا ويافا! وتجاهل أنهم مستوطنون غرباء!‏

سجلت منور الأحداث، كما كانت نفيسة تسجلها في أيام الثورة السورية، لتراقب تسلسلها. هل كانت تشعر بأنها تكمل مذكرات بهاء في الجليل؟ كادت تعرض أوراقها بعد العدوان على المخافر السورية على غادة وتقول لها: مكان المذكرة الأمريكية في هذا السياق! صفقة سلاح تشيكوسلوفاكية لسورية سنة 54. اجتماع فاضل الجمالي في لبنان بشوكت شقير رئيس أركان الجيش السوري في تموز. اتفاق سورية مع السوفييت على صفقة سلاح سنة 55. إعلان وزير خارجية السوفييت أنه يسند سوريا أمام التهديد الأمريكي. حلف عسكري، ولو رمزي، مع مصر في تشرين الأول سنة 955. الاعتداء على السوريين في طبرية في كانون الأول سنة 955. هل كانت منور تتصور أنها تمسك بجوهر الأحداث وهي تسجلها، وتستطيع أن تغير مسارها؟ هل وضعت إشارة حمراء على لقاء شوكت شقير بفاضل الجمالي متوقعة له دورا ما في حضن الجيش؟ بعد عقود سيسجل مقاتل في جنوب لبنان الأحداث في مفكرته، كما سجلتها منور، وكما سجلها بهاء المقتول في الجليل. وستنقل مفكرته إلى أهله بعد مقتله، كما نقلت مفكرة بهاء إلى منور. لكن أهله لن يفهموا الرموز التي تمتد من تلك الجمل الموجزة. وسيخيل لأمه أنه ترك بقيتها بين صخور قلعة الشقيف الشاهقة. ولن تفهم لماذا سجل ابنها إشارات إلى أحداث كتبت عنها الجرائد! لأن أمثاله يقفون على الشفرة الدقيقة بين الحياة والموت، فيتركون بقية الكلمات في المدى، متمنين أن يستكملوا الموجزات التي سجلوها إذا بقوا أحياء!‏

لم تعرض منور على غادة أوراقها! قالت فقط: ياغادة افهمي الأمور في تسلسلها! الجوهر أن سورية تختار حلفاءها وتعرف أعداءها وتحرر نفسها من أسر الغرب ولاتصالح إسرائيل!‏

أسعد غادة أن تستمع إلى أم ليلى في تلك الأيام. "هذا كلام امرأة استشهد زوجها في الجليل". خارج النافذة فاح عبق الربيع. وجمح غصن شجرة لوز بزهره الأبيض. بالرغم من المذكرة الأمريكية، بالرغم من تهديد مندريس، بدت الدنيا رائعة الجمال، والربيع يدعو الفتاتين إلى الفضاء خارج البيت. مشتا على ضفة البساتين التي تمتد حتى قاسيون، تفرجتا على فلاح يشق مجرى للماء من الساقية، رفعتا نظرهما إلى الغيوم الوردية والرمادية التي زينت السماء. بدتا سعيدتين. لاتحتاجان غير النجاح في الجامعة وحب رجل وسيم ومخلص! وجدته غادة، فهل تجده ليلى؟!‏

في أحلى أيام نيسان قتل عدنان المالكي في الملعب البلدي قرب شجرات الكينا الباسقة، خلال مباراة بكرة القدم! انتحر قاتله، وبدأت مطاردة الحزب القومي السوري. فرأى عمر وهو يدخل إلى الجامعة طلابا بعثيين يضربون طالبا ويطردونه من الجامعة.‏

كان عدنان المالكي يعارض حلف بغداد وحلف الدفاع المشترك. تعاطف مع ثورة الكيلاني في العراق سنة 41 وشارك في المقاومة الوطنية السورية سنة 945. وكان من الضباط الذين حاربوا في الجليل، واحتل موقعا مهما يشرف على مستعمرة مشمار هايردن في منطقة كعوش التي احتلها قبل فترة قصيرة الفدائيون الشراكسة بقيادة العقيد محمود بنيان. ورد في الفجر هجوما مضادا يهدف إلى استعادة التل. فسمي تل أبو الريش تل المالكي. وأصيب المالكي في تلك المعارك بجرح في رأسه. اعتقل بعد دورته الدراسية في فرنسا واتهم بتحضير تمرد على الشيشكلي. وسجن مع الضباط المتهمين بذلك في سجن المزة العسكري وفي سجن تدمر. خرج المالكي من السجن بعد تمرد عبد الغني قنوت في حلب الذي رفدته القطعات العسكرية في الوسط والجنوب، واجتماع السياسيين في مؤتمر حمص معلنين ضرورة الحياة الدستورية وسقوط الشيشكلي. وصار الرجل الذي يُجمع عليه الضباط الوطنيين. كان غسان جديد مقابله، مركز تجمع الضباط القوميين السوريين. وحاول تنظيم استنفار في حمص. لكن المالكي رأى محاسبته لاتسريحه. فسرحه قائد الجيش. اتهم المالكي بتسريحه ليبرر التحريض على قتله. هل نقلت زوجة الملحق الأمريكي للمالكي تحذيرا أم تهديدا وقت نصحته بأن يبتعد عن سورية؟ كان سيسافر إلى خطيبته في صيدا يوم الجمعة، لكن السفير المصري ألح عليه ليحضر مباراة كرة القدم. فهل كان ذلك مشاركة في قتله؟ هل التقط البريطانيون فقط جناح عبد المسيح في الحزب القومي السوري ورسموا اغتيال المالكي؟‏

قتله يونس عبد الرحيم يوم الجمعة في 22 نيسان سنة 1955 وانتحر. بعد المحاكمة العلنية أعدم ضابطا الصف المشاركان في الاغتيال وطورد الحزب السوري القومي. وسيطلب أسد الأشقر فيما بعد محاكمة عبد المسيح حزبيا لمسؤوليته عن قتل المالكي وعما لحق بالحزب من ضرر. وستحاكمه محكمة حزبية في سنة 957 في لبنان.‏

وقف أعضاء البارلمان السوري حدادا على المالكي. ورفع الحصانة عن حنا الكسواني نائب القوميين السوريين، واتهمهم بالصلة بالمستعمرين. ونشرت الجرائد صور تشييع المالكي الذي صلي عليه في الأموي. وكتبت الجرائد الصينية والروسية عن اغتياله.‏

في أول نيسان كانت بريطانيا قد وقعت اتفاقية مع العراق بدلا من المعاهدة العراقية البريطانية، وانضمت إلى حلف بغداد الذي عارضته سورية. يجب إذن الخلاص من الضباط البعثيين لتغيير السياسة السورية! وكان شقير قد أبعد أكثرهم إلى الأطراف، مع أنهم كانوا القوة العسكرية التي أسقطت الشيشكلي. سيستفاد من السياسيين في المؤامرات التي ستعصف بالسنوات القادمة وستنشر الصحف أسماء غسان جديد وابراهيم الحسيني والشيشكلي وهايل سرور ومنير العجلاني وميخائيل اليان وغيرهم.‏

عندما استعادت غادة فيما بعد اغتيال المالكي بدا لها أنه يجسد أخطار تلك الأيام، وارتعشت: كان يمكن أن يقتل محمود بالطريقة نفسها! كان محمود أكثر منها وعيا عندما فهم أن الرصاص الذي قتل المالكي موجه إليه أيضا! كان يمكن أن يمس قتل المالكي، الذي رأته غادة حدثا عاما، حياتها ومصيرها. فهل صرفها حب محمود عن الخشية من موته؟ وهل كان يمكنها أن تخمن أن الموت لن يأتي إلا وقت ظنت أن محبوبها محصن ضده!‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:31 AM   المشاركة رقم: 47
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

ستتداخل حياة غادة في حياة الضابط محمود كجذعي شجرة تين التف أحدهما على الآخر وكبرا معا. ذات يوم قصدت بنات الصف سينما دنيا. حجزن صفا كاملا. التفتت غادة فوجدته خلفها بين مجموعة من زملائه الضباط. لاحظ أنها احمرت حتى كاد وجهها يصبح كالشوندر. وتظاهرت بأنها لم تره. لم تفهم شيئا من الفيلم. وبدت لها مشاهد الحب فيه محرجة. احتمت بزميلاتها عندما خرجت إلى الطريق. وعندما شعرت بأنه اختفى أسرعت إلى البيت. لكنها فوجئت به قرب السبع بحرات. وجدته مقابلها تماما. أحنت له رأسها في تهذيب كأنها تراه الآن فقط. خطر له أن يؤدي لها التحية العسكرية وابتسم. قال: هل أرسل أهلي إلى أهلك أم نتحدث كما يتحدث أشخاص متنورون متعلمون؟ آه، يكاد خداها يشتعلان! بقيت واقفة. قال: على بعد خطوات في طريق الصالحية "غرفة الشاي". هل أستطيع أن أدعوك إليها؟ ياللكارثة! وحدها معه في "غرفة الشاي"؟ قال: يرتادها طلاب الجامعة والمثقفون. ابتسم: لايمكن أن أدعوك إلى مقهى الهافانا! ابتسمت ومشت معه وهي تسمع دقات قلبها وتدعو الله ألا تصادف شخصا تعرفه.‏

قدمها أمامه إلى الطابق العلوي. وأطل على طريق الصالحية ليبعد الدوار الذي أحس به وهو يرى قامتها الممشوقة على السلم. ماأحلى عمر العشرين! قال لها: سيسعدني أن تقبلي الزواج مني. لست غنيا. لكن راتبي جيد.. خمسمائة ليرة. ويسهل علي أن أستأجر بيتا. سيؤلمني أن يطلبك أهلي من أهلك قبل أن أقول لك إنك تعجبينني.. بل أكثر! تلفت حوله. كانا وحدهما في تلك اللحظة في المقهى. قال: أحبك! خيل إليها أن قلبها تجمد وأنها ستقع على الأرض! عندما سمع خطوات النادل يصعد السلم سألها: هل أطلب لك شوكولامو؟ وقال مداعبا: سيملأون به كأسا كبيرة يضعون لك فيها ملعقة طويلة. ستسليك الملعقة! كأنه خمّن أنها ستداري ارتباكها بتحريك الملعقة!‏

شعرت بأن السعادة تصيب بالدوار. وحاولت أن تكبح فرحها به، بوسامته، بحبه الذي انهمر من نظرته، من حركة يديه التي قربت لها الكأس وقدمت لها المنديل. وكم كانت كفه جميلة! همست لنفسها: يصعب حتى على الرجل أن يلجم حبه! لن يثقل عليهما أهله. أمه من أوائل المعلمات في دمشق، من اللواتي نزلن إلى ساحة المرجة وأعلن سفورهن وكان يحيط بزميلاتها يومذاك رجال الكتلة الوطنية. لها راتب تقاعدي. وأخته معلمة لها راتب أيضا. وهما تحبانها. بل هما متحمستان لزواجه منها حماسته نفسها! قالت له: لكني لن أتزوج قبل أن أنهي دراستي الجامعية! ابتسم: لن أؤخرك عن الدراسة إذا قبلت أن نتزوج خلالها! لا، لا! لاأريد أن أنشغل عن الدراسة! إذن نعلن الخطبة كي أستطيع أن أدعوك إلى السينما دون أن أجرّ زملائي معي، وكي أستطيع أن أجلس إلى جانبك ولاأبحث عن مقعد خلفك! زاد ارتباكها ببوحه! قال: ونستطيع أن نطمئن ونحن جالسين في غرفة الشاي! وأستطيع أن أخبرك بأني استدعيت إلى الجبهة! وجدت نفسها في جو رخيّ. ياله من رجل لطيف يدثرها بالمخمل! سألها وهي تدوّر الملعقة في الكأس: هل أعرف جوابك الآن أم بعد أيام؟ سأقبل أي حل يبقينا معا! إذا رغبتِ سأنتظرك حتى تنهي دراستك في الجامعة. لكني سأقترح أن نتزوج بعد سنة!‏

أراد أن يوصلها إلى السبع بحرات: واجبي أن أعيدك إلى المكان الذي أخذتك منه! لا، لا! ودعته وهرولت لتبقى وحيدة مع سعادتها واضطرابها. هرعت إلى بيت ليلى وباحت لها بأنها جلست وحدها مع رجل في مقهى لأول مرة في حياتها. وأن ذلك الرجل يريد أن يتزوجها. تداخلت أسرارها في غرفة ليلى، وفاحت في الغرفة كالورد. تلفتت فجأة وسألت ليلى: عندكم رائحة بخور! ابتسمت ليلى: لا! أنت بخّرت البيت كله! سألتها: هل تظنين ياليلى أنه صادق في أن يتركني أكمل دراستي إذا تزوجته؟ لم تنتظر جوابها وانغمرت بأحلامها. تأملتها ليلى. هذه الشابة التي تكبرها في العمر والمعرفة، وتنقل لها الأخبار السياسية الخفية، تضطرب هكذا من الحب؟ رأت ليلى لأول مرة هيجان الحب والخجل منه، السعادة به والرغبة في الهرب منه. لماذا ياربي؟ وقيس غنى حبه للفلاة والناس؟ هل ارتباك الفتاة منه قدر أم فضيلة؟ لم تقل بثينة كلمة عن جميل، ولم تقل ليلى كلمة عن قيس، فسمعنا صوت جميل وقيس فقط. هل هذه فضيلة كتمان السر والترفع عن البوح للناس بكنوز القلب؟ أم هذا حبس قدّر على الفتيات بالقسر؟ تساءلت وأجابت نفسها: لن أبوح بالحب للناس إذا أحببت! سيكون ذلك سري وكنزي، لن أرفع أحدا ليطل عليه! ولامنور؟ ولامنور!‏

ستتزوج غادة خلال دراستها في الجامعة. سيراها الضابط محمود وهي تندفع إلى قصر الضيافة والدمع في عينيها، تريد أن ترى "بطل العروبة" عبد الناصر، وسيكون هناك معه، وسيحميها من الزحمة. لكنهما سيختلفان بعد الوحدة لأن عبد الناصر فرض حل الأحزاب، فحل حزبها نفسه. ستمر أيام سيئة تقتلع روحها. ستشعر بالوحدة الباردة وهي مع محمود، حبيبها، بعد اتفاقهما ألا يتحدثا عن الوحدة أو الانفصال. لكنها فيما بعد ستحمل الكارثة وحدها! سيكون زوجها الضابط من جماعة جاسم علوان التي تمردت مع مدرسة الإشارة. لن يبوح لها بسره قبل التمرد، محترما اتفاقهما. ولن تبوح له بأنها تجتمع مع أعضاء حزبها الذي يحاول أن يستعيد تماسكه. ستسمع صوت الرصاص والرشاشات، وسترى في التلفزيون نزع الرتب عن بعض الضباط قبل إعدامهم. ولن تعرف إلا بعد ذلك أن زوجها مع المتمردين!‏

لم يخطر لليلى أنها ستكون بعد أيام شاهدة على غضب عمر! صادفته واقفا قرب باب كلية الحقوق، ظهره إلى الحديقة وأمامه فوزي ومديحة. لم ينتبه إليها أحد منهم. فوقفت مع غادة تراقبهم على بعد خطوات. بدت كالغريبة لكن غادة كانت تخمّن مايجري. همست لها: تتحدث الجامعة كلها اليوم عن طرد سليمان من حزبه، والتشهير به في جريدتهم!‏

علا صوت عمر: لولا سليمان من يعرفكم في الجامعة؟ لاتقولوا لي إنه خائن وعميل! أعرفه، كنت معه في تدمر. عُلق من ذراعيه، صُلب، وضُرب أكثر مما ضُربت. وكان بعد التعذيب حلو الحديث، يشجعنا نحن الذين نصغره في العمر. هل تعرفون أنه يداوي عند أساتذته اللاجئين السياسيين العراقيين والأرنيين؟ هل تعرفون أن أساتذته يحترمونه ويقدرونه، وأن الدكتور بشير داوى لأجله قيسا عندما وصل مسلولا من معتقل الجفر في الأردن؟ أنت يافوزي تعرف أنه وطني وصادق! وأنت يامديحة تعرفين ذلك. فلماذا تسكتان على الكذب والخطأ؟ حتى يأتيكما الدور وتطردان مثله؟‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:32 AM   المشاركة رقم: 48
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

حاول فوزي أن يشد عمرا من ذراعه ليبعده عن المدخل. فكل من يمرّ يسمع جملة فتنتشر الفضيحة. رفض عمر أن يترك مكانه. أردتم التشهير بالرجل متوهمين أنكم قادرون على سحق من يخالفكم، فلماذا تخافون الفضيحة؟ لم تتعلموا من طرد نجاة حسن مع أنكم فقدتم به رجلا من أركان مجتمع دمشق، تفترض مصلحتكم كسبه لا إبعاده! لم تفهموا حتى الآن أنه ربح نفسه وخسرتموه، وهاأنتم تضيفون إليه سليمان! ماذنب سليمان؟ أنه انتقد أشخاصا في القيادة؟ هل قيادتكم آلهة لايأتيها الباطل؟ نادوه واسألوه رأيه وناقشوه! العمى! لاحق لكم في الكلام عن الديمقراطية والحرية أبدا! لديكم جلادون أكثر مما لدى أية سلطة فاشية. من حظ سورية أنكم لاتحكمونها!‏

تلفتت مديحة. هذه مصيبة! نعم هذه فضيحة! فالطلاب يحترمون سليمان ويحبونه. قالت لها غادة فيما بعد: مانشرتموه في جريدتكم تشهير على الطريقة السوفيتية! ينقل أصحابك حتى هذه الطرق البالية في معاملة الناس! لكن يبدو أنكم لم تسمعوا بعد بالمؤتمر العشرين! سأعطيك جريدة البعث التي نشرت تقرير خروشوف السري! يامديحة ياحبيبتي، جربي أن تفهميهم ضرورة أن يخرجوا من حارة ركن الدين والقصاع ليفهموا دمشق! عندما يفهمونها سيعرفون أن دماثة خالد العظم تفتح بوابات الناس وليس الحسام المهند الذي يرفعه الجهلة الذين لم يغادروا حارتهم! ردّت مديحة: لاتحكمي على حزب إلا من سياسته. لاتحكمي عليه من التفاصيل العابرة! غضبت غادة: البشر تفاصيل عابرة؟ الأفراد حشرات؟ هذا يقع في نظريتك عن الفرد والجماعة! فما أهمية اولئك المفكرين الذين رميوا في معسكرات الاعتقال السوفيتية؟ أفراد لاقيمة لهم! سأعطيك مجلة فرنسية يحررها أراغون نشرت صورة حقيقية قديمة، وصورة بعد تزييفها بحذف بعض الأشخاص المغضوب عليهم منها! هكذا توثّقون التاريخ يامديحة!‏

تدخلت ليلى لتخفف عن مديحة. هؤلاء وطنيون يشاركونكم في مظاهراتكم ضد الأحلاف. لكن غادة مصيبة في أمر لم توضحه. ضمير دمشق! تحدثوا بلغة تلمس ضمير دمشق. فالشعارات الصحيحة لاتقرب وحدها الناس. لغة البطش لاتقرب الناس بل تبعدهم! قالت غادة: ولغة التهويل والضجة لن تخترع لكم جماهير خاصة. تعرفين ياحبيبتي مديحة أن البلاد تمشي الآن مع تجمع الأحزاب. لكن فكري ماذا يبقى لكل منها إذا رجعت إلى مكاتبها؟ قال عمر ساخرا: أصحاب مديحة يزنون قوتهم بإضافة الاتحاد السوفييتي إليهم! فما حاجتهم إلى رجل شجاع محبوب مثل سليمان؟!‏

هل تبوح مديحة لهم بأنها حاولت أن توضح لأحد المسؤولين أن طرد سليمان سيثير ضجة في الجامعة؟ كان يزهو أمامها بأنه من أصول عمّالية، ويعلّمها أن قيادة الطبقة العاملة ضرورة وشرط لبناء الاشتراكية. استند على قدمه اليسرى وقال لها: يارفيقة مديحة، تعرف القيادة أكثر منك ومني مايجب. لو لم تر ضرورة طرده لما قررت ذلك. وأين النكبة في ذلك؟ ماأهمية الفرد في مسار التاريخ؟ تصنع التاريخ الجموع، الشعوب! أنا وأنت ذرات عابرة، قيمتنا بما نقدمه لكفاح الطبقة العاملة! تأملته مديحة وقالت بينها وبين نفسها: رجل أميّ! اشترت كتابا عن حياة كارل ماركس من مكتبة التنبكجي وقرأته في ليلة. تأملت ثقافة ماركس. وبدأت تمسك بأول الاستنتاجات التي سيتراكم كثير منها فيما بعد. تساءلت هل صدفة أن كبار الثوريين في العالم مثقفون؟ دون ثقافة كيف يستطيع قائد أن يحيط بنظره مساحات الكون الواسعة وأن يحلّلها ويخمّن قوانينها ومسارها؟ دون ثقافة واسعة ورهافة إنسانية كيف يمكن أن يستشف، وأن يكون مسؤولا عن قرارات قد تجرف مجموعات وأزمنة؟ هل كانت مديحة تتنبأ دون قصد، بأن مرحلة تاريخية ستسفك، وأن أحلاما نضرة ستدمر، وأن أخاديد ستنفتح باسم الغيرة على الوطن؟ هل تظن أن ماتستنتجه شروط لقادة ثوريين فقط، أم لقادة وطنيين أيضا؟ كانت العدالة مبهرة لمن في عمرها. وكانت ترى أن رفاقها في الجامعة يكرسون لها أنفسهم في وجد. فوزي ميسور، بل غني، وقد يكون من النادرين الذين يلبسون قمصانا ثمينة ويتزينون بربطات عنق غالية. لكنه يشغل نفسه بتنظيم المظاهرات. هل تهمس له بما تشعر الآن به: ليست النظرية أو المشروع فقط هي المهمة، بل حمّالوه؟‏

بعد عقود، ستقول لفوزي: يحمل أكثر النظريات تطورا في الكون، أكثر الناس تخلفا! تَفترض احترام عقل الإنسان ويلغونه، تَشترط شراكة المجموعة ويرفضونها. ولايستطيع العقلاء الجدّيون أن يغيروا ذلك! ليس الشعب الفلسطيني العظيم فقط منكوبا بقيادة متخلفة. نحن مثله! والمصيبة أن قمة الهرم تضيق لتصبح عائلة صغيرة! ينتظر الناس من العناية الإلهية أن تخلّصهم ممن نكبوا بهم، لأن الزعماء صاروا قدَرا والانتخاب ألغي؟ سيكون فوزي قد أمضى سنوات في السجن. وانساق سنوات في الخلافات الداخلية. وقد بدأ بخطوة صحيحة وصل بها إلى ماسمته مديحة أخطاء. سيكون من المجموعة التي طلبت استقلال الحزب عن الاتحاد السوفييتي بقراره وسياسته، متذكرا خطأ قرار التقسيم. وطلبت انتخابات حقيقية في مؤتمر ديمقراطي لاتفرض فيه القيادة نفسها. لن ينجح وستبدأ أول الانقسامات، وسيرطّب قلوب أصحابه أن انقسامات مشابهة حدثت في الأحزاب السورية والعربية. لكن أحدا لن يتساءل كما تساءلت مديحة: أيعقل أن يتخلف هؤلاء المتخاصمون عن الشعور بحاجة الزمن إلى لغة جديدة ورؤية واسعة؟ أيعقل ألا يفهموا الخطر الذي يجرف المنطقة كلها فينصرفوا إلى خصامهم وغيرتهم على مناصبهم، ويتزاحمون على مراكز القادة التي لاتتسع لهم جميعا؟ ألا يفهمون أنهم صاروا عبئا على البعثيين بدلا من أن يكونوا سندا لهم؟ لن يكون فوزي يومذاك قريبا من مديحة. لكن عمرا سيواسيها ويحاول أن يبين لها أن همومها الشخصية همّ عام. فالزمن فرّق المجموعات وبعثر الأصدقاء. سيقول لها: يقع هذا في سياق الأحداث! يستكمل الانهيار! كشف سقوط الاتحاد السوفييتي هشاشة الأحزاب التي كانت تأتمّ به. ألا تذكرين قول منور لك: لاتضيفي قوة الاتحاد السوفييتي إلى قوتك! كم كانت دقيقة في نبوءتها! عندما سقطت الخيمة تخبطت القوى التي تستظل بها. لم يتخبط أصحابك فقط، بل مجموعات سياسية أخرى. لكن الوطنيين الذين يستندون إلى عراقة تقاليدهم استطاعوا أن يقفوا على أقدامهم وأن يناوروا كيلا يسقطوا تحت القوة الوحشية التي تجتاح العالم. أما اولئك فبدوا عراة، ولن يستعيدوا قوتهم إلا بانتفاضة يرمون في نارها أخطاءهم السياسية والأخلاقية. يامديحة، ماهو سبب بعد الناس عن السياسيين اليوم، لاعن السياسة؟ سببه أن الأخلاق بعيدة عن سلوك السياسي، كأنها مستقلة عن السياسة. ماذا يقول الناس؟ يقولون إن هؤلاء يسجدون في سبيل استبقاء سيارة مرسيدس وسائق على أبوابهم! يقولون أصبح العمل الوطني مهنة لاتطوعا، أصبح نوعا من اقتسام الوظائف والمراكز والامتيازات! والشاطر من صعد على السياسة إلى مشاريع اقتصادية وحسابات مالية! هل تصادفين أحدا من السياسيين ماشيا في الطريق كما كنا نصادف الوزراء والنواب في الخمسينيات؟ أبدا! بينهم وبين الناس حجّاب وسائقون وزجاج السيارة القاتم! لذلك لم تعد القوى السياسية التي عرفناها في الخمسينيات ذات وزن اليوم، لم تعد قوى مستقلة ذات رأي واجتهاد، بل صارت موظفين ببغاوات. كانت صاحبة مشاريع سياسية، وصارت صاحبة مشاريع استثمارية. هل يمكن أن يخطر لك أن أحد اولئك طلب حصصا مستثناة من الدَور لتوظيف جماعته من العاطلين عن العمل؟ لكن لاتفقدي يامديحة الثقة بالأفراد. فلعلنا لم نعرف سابقا مثل هذا الوعي في الوطن العربي. يتابع الناس أخبار الفضائيات ويقابلون إحداها بالأخرى ليعرفوا الحقائق. يختارون مايستمعون إليه. لم يعودوا ينتظرون البشير لينقل إليهم الخبر الخاص والتحليل المنزَل. ولم تعد توجد أسرار خاصة تنقل إليهم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ومخابراته. صار الأفراد يعرفون أكثر مما يعرف قادتهم، ويخمّنون ويحللون ويستنتجون. صاروا أكثر كفاءة في قراءة الأحداث مما كنا قبل عقود. وياللأسى لأن القيادات السياسية لاتفيد من ذلك بل تتجاهله! لكن انتبهي! بعد الانهيارات لم يعد الناس ملزمين بالاستماع إلى رجل لايقدّم رؤية جديدة! لم يعودوا ملزمين بتسجيل حضورهم في اجتماع يتحدث فيه أو بالتصفيق له! هل أرهقتك يامديحة بالمجردات؟ أبدا ياعمر، فأنت تتحدث عن حياتنا. عن الأحلام التي غرقت في الدماء. ولم يغرقها أعداؤنا فقط، بل أغرقها الوطنيون بجهلهم، والجهلاء بجلافتهم، والزعماء الأنانيون الذين ضحوا بأحزابهم في سبيل امتيازاتهم وأولادهم. قال لي أحدهم في شيخوخته كمن يبوح لي بكلمة صدق يريد أن يستبقيها: من حظنا أننا لم نكن في الحكم وإلا لنصب أحدنا المشانق للآخر. وتساءلت فيما بعد عندما اكتشفت روح جلاد في بعض اولئك، هل كان يفهمهم إلى هذا الحدّ من قرب؟! كان يومذاك يقف في المطل على انهيارات كبرى يعرف أكثر من غيره مداها المدمّر. فنقد بداياته، وروى لي أنه صادف فخري البارودي في طريق الصالحية فاستوقفه البارودي وقال له: الله يسامحك، أتسمينا عملاء استعمار؟! لكن من ورثوه استخدموا التهم نفسها ليحتموا ممن يبحث كفاءتهم! يامديحة انتبهي، لاتسقطي في الصغائر التي يجرونك إليها! دعيهم هناك يستمتعون بها. ياعمر، هل أستطيع أن أنجو من حقدهم وانتقامهم لأني أترفع على الصغائر التي لايعفّون عن خنق من يخالفهم بها؟ لاتشعري بأنك وحيدة، يامديحة! فالناس عادة يسندون المعتدى عليه!‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:32 AM   المشاركة رقم: 49
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

أعلن العدد التالي من جريدة الحزب يومذاك طرد زوجة سليمان. كانت مديرة دار نشر في بيروت. هجرت أهلها المغتربين في إفريقية ورجعت محمولة على جناحي رومانسية جعلتها مستعدة للجوع في سبيل مشروع ثقافي طليعي. غنت في وجد الأغاني الثورية في جبال قريتها مع إخوتها ورفاقها قرب أشجار التوت وأفران فكّ الشرانق. كانت تحلم معهم بأن تؤسس مجتمعا عادلا عظيما لم يعرف الشرق مثله بعد! وستهرع "الجماهير" وراءها لتنفّذ ذلك المشروع! ثم تركتهم إلى بيروت. صادفها سليمان في دار النشر وقد وضعت كومة من البزر تسدّ بها جوعها. فقد قررت لنفسها أجرا رمزيا لتوفر المال للدار. ورآها توزع الكتب بنفسها وتحملها وتنزلها وترفعها كي توفر أجر عامل. وماأهمية ذلك والشباب يحمل الأرض؟ اقترح سليمان على مديحة أن ترافقه إلى بيروت مع مجموعة من رفاقه كي يزوروها. ورأتها مديحة. شابة فاتنة الشخصية، حلوة. تحمست المجموعة لزواج سليمان منها. وأتت العروس أخيرا إلى دمشق.‏

فماذا كان يمكن أن يقول فوزي ومديحة في ذلك اليوم؟ يدافعان عن التشهير بزوجة سليمان؟ رماهما عمر بنظرات غاضبة ولم يسلّم عليهما. لحقاه. قال غاضبا: لن أدهش إذا شهّرتم بأمه وأبيه وإخوته وأجداده فالرعاع يتناولون عادة الأب والأم والزوجة بالشتائم! أنزلتم أخلاق السياسي إلى مستوى الغوغاء والنّوَر!‏

زار عمر سليمان في المساء. ورأى دموع ذلك الرجل الذي لم تُبكه سياط الجلادين في سجن تدمر. كانت زوجته تهون عليه الغدر. وعرف عمر في اليوم التالي أن أساتذة سليمان نقلوه إلى المستشفى. سيعاني من انهيار عصبي. وعندئذ سيقول النقابي الذي دافع عن طرد سليمان: في الحقيقة، كان سليمان مجنونا ولم يكن من الممكن أن يتحمل الحزب مسؤولية أخطائه. وستسأله مديحة: وماهي أخطاؤه؟ وسيردّ: تعرفها القيادة، وماكل مايعرف يقال حرصا على الأمن الحزبي.‏

لماذا تحمل ذلك المسؤول اعتراض مديحة؟ كي يجد الفرصة للإعلان عن حبه؟ سيقول لها إن عواطفه نحوها "تطورت" وإنه يطلبها للزواج. وستشعر بالغثيان. هنا أيضا "تطورت"؟ ستتحاشاه، ولن تراه إلا يوم يلجأ إليها كي تؤويه وتصله بمن يهرّبه في بداية الاعتقالات في أيام الوحدة.‏

تمنى عمر لو لم تره ليلى غاضبا ولم تسمع ذلك الحوار عن سليمان. كأنه يحرص على أن تجهل هذا الجانب الفجّ والظالم من الحياة! ألأنه يتمنى ألا تفقد صفاء الروح؟ لام نفسه: كأني أتمنى لها الجهل بما يمكن أن يعرفه آخر. وهذه إشارة إلى تصور يريد المرأة هفهافة وضاحكة وغبية! فراقِب نفسك ياعمر!

قال لنفسه: لاتوجد الأفكار مستقلة عن أصحابها! لكنه يتمنى أن تميز ليلى بين الناس المتنوعين الذين تحملهم الانتصارات على موجها! سيحاول أن يكون حاضرا في البرهة الضرورية. لكنه سيلاحظ أن نظرة ليلى النضرة تلتقط الخطأ وتدوران حوله! وسيقول لنفسه: في فطرتها عدالة تنجيها من عواطف العشيرة المتضامنة في الصواب والخطأ. منطقها متزن وعدالتها حازمة!

بعد اغتيال عدنان المالكي رأى كمدها. دخلت إلى الجامعة فرأت طلابا يرفسون طالبا ويرمونه خارج الجامعة. جفلت، غيّرت طريقها ومشت إلى عمر الواقف على باب النادي: لماذا يضربونه؟ ردّ: لأنه قومي سوري! اتهم القوميون السوريون بقتل عدنان المالكي. سألته: هذا الشاب اغتاله؟ قال: لا. لكنه من حزب القاتل! قالت: ينفذ في الحرم الجامعي مايترك للقضاء؟ ارتبك عمر: يعتقل القوميون السوريون للتحقيق! ردّت: تعلمنا أن كل متهم بريء حتى يثبت القضاء أنه مذنب! لذلك تخيفني هذه الطريقة في معاملة الإنسان! ياعمر لماذا لم تتدخل وتمنع ضرب إنسان؟ تلفّت عمر وقادها إلى النادي: لنشرب الشاي!

حاول ألا يسمعها أحد. تفور البلد كلها غضبا على الذين اغتالوا المالكي. تستهدف الجريمة سوريا! عدنان المالكي صمام الأمان في الجيش. اغتاله يونس عبد الرحيم، الرقيب في الشرطة العسكرية في الملعب البلدي وانتحر. أدانت العرائض والمظاهرات في سورية ولبنان والأردن قتل المالكي. وكرس المجلس النيابي جلسة لبحث اغتياله ورفع الحصانة عن حنا الكسواني نائب القوميين السوريين. الظروف التي اغتيل فيها المالكي: حشود تركية على الحدود السورية، عدوان إسرائيلي على القوات المصرية في غزة، الضغط على سوريا لتدخل الحلف التركي العراقي. كشف رئيس الحكومة اتصال قادة القوميين السوريين بالمستعمرين لقلب الحكم. وشهد رئيس الأركان على محاولة غسان جديد تنظيم انقلاب وفشل الاستنفار في حمص وقطنا. وعرض الاتهام في المحكمة رسالة هشام شرابي إلى جورج عبد المسيح عن مشروع أمريكي لتنظيم الدفاع عن الشرق الأوسط يؤهل له انقلاب في سورية، ووساطة شارل مالك كي تعتمد أمريكا على الحزب لينفذ ذلك. نشرت جريدة الرأي العام أن زوجة الملحق العسكري الأمريكي ستيفنسون حذرت عدنان المالكي من الخطر على حياته ونصحته بأن ينتقل إلى الخارج. بعد نشر الخبر نقل ستيفنسون في 24 ساعة.

قال عمر وهما يشربان الشاي في النادي: من يسمع غضبك ياليلى يمكن أن يتصور أنك تدافعين عن اغتياله. التفتت إليه: إذا كان من يسمعني عاقلا يفهم أن من يرفض ضرب طالب في الجامعة لايقبل الاغتيال! أطرق عمر. في السياسة جانب آخر! ليست السياسة فقط الدفاع عن الوطن. بل القدرة على ضرب الخصم. قالت: لاأتحمل ياعمر قتل إنسان أو ضربه! ياليلى لسنا الذين نضرب أو نقتل. نحن الضحايا التي تُقتل وتُضرب! تحمل الأفكار مجموعات سياسية قد تتفق في مشروع وقد تختلف. نتمنى أن تجتمع هذه المجموعات في مشروع وطني فالمرحلة الحالية ليست مرحلة تفصيل أنماط من المجتمع والاقتصاد، بل مرحلة مقاومة الأحلاف. أنا معكِ، يجب أن يحاكم القضاء فقط المتهمين. لسنا مكلفين بمهمات القضاء. لكني أريدكِ أن تفهمي الواقع. اقرئي بيان عمدة الإذاعة في جريدة البناء في 23 آذار، قبل اغتيال المالكي: "سياسة الحياد عدا عن كونها نظرية لاتتحقق في بلادنا في حال حرب عالمية، لاتعالج التجزئة والعوامل الأجنبية التي تغذيها، فهي إذن سياسة لاتخدم أهدافنا القومية.. الشيوعية عدو أكيد أما المعسكر الشيوعي فالانحياز إلى جانبه في الصراع العالمي لايؤمن لنا مصلحة قومية.. إن حل مشاكلنا القومية والقضاء على أوضاع التجزئة أمر لايتم إلا بأحد طريقين: التفاهم مع الغرب أو الصراع المسلح ضده. والظرف الحاضر هو أنسب الظروف للتفاهم مع الغرب". نُشر ذلك في جريدة مع أنه يعارض الاتجاه العام للحكومة والكتل النيابية ومزاج الشارع. لاأشك في دور جورج عبد المسيح في اغتيال المالكي. لكن يجب أن نقدس العدالة فلا يلاحق إلا المشبوه! جيراني شباب قوميون سوريون أختلف معهم في الرأي. لكني أعرف أنهم لايمكن أن يقتلوا إنسانا. لذلك يحزنني اعتقالهم.












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:33 AM   المشاركة رقم: 50
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

وقفت ليلى أمام مسألة الحياة: أين الفاصل بين حدود الفكر وبين مجاله في العمل؟ وكيف نميز المتهم من البريء؟ لكن عمرا تذكر فيما بعد حوارهما، وقال: حس العدالة عند ليلى كان صحيحا، والخطأ الذي ارتكب بمطاردة جميع القوميين السوريين والتغاضي عن تعذيبهم في السجن، مهد للاعتقالات الأخرى فيما بعد ولشرعية التعذيب في السجون كطريقة في معاملة الخصم. وسيتذكر عمر وهو في السجن مارواه له جاره القومي السوري: جورج عبد المسيح خائن وعميل. لكن ماذنبي أنا؟ عمري فقط تسعة عشر عاما! ضربوني. دخلوا الزنزانة في منتصف الليل وقالوا لي جهز نفسك للإعدام. ثم رجعوا وقالوا ضاحكين: أجّلنا إعدامكم! لكن المحقق كان ضابطا نبيلا. قال لي: لاتُجب إلا بمقدار السؤال! وسيتساءل عمر في السجن هل أخفى عن ليلى مارواه له جاره خوفا على روحها من الجرح؟!

نسجت مناقشات ليلى وعمر وهما يدوران في حديقة الجامعة في شمس الشتاء، أو يشربان الشاي في نادي الجامعة، أو يمشيان في الطريق إلى بيتها، صداقة ممتعة بينهما. فردّدت ليلى في أحيان بينها وبين نفسها: هذا أبقى وأعمق من حب رجل وامرأة! وردّد عمر: هي قريبة مني أكثر مما يمكن أن تكون قريبة مني أية امرأة! بحثا معا الحياة والمستقبل. وروى كل منهما حاجة الآخر إلى من يسمع حديثه عن الهواجس والأسئلة التي يبوح بها فقط لنفسه. قالت له مرة: ياعمر لايعجبني الذين يقدمون كأنهم حملة رايات الفكر المتنور. أستطيع أن أميز لك منهم الصادق، والدعي! مثلا يدافع عن اللغة الفصحى من يستعمل العامية، ويدافع البليغ في الفصحى عن العامية! لم أتحمل قراءة دفاع أحدهم عن التقدم والتحرر. بدا لي مثقلا بالتخلف. لغته، وصياغته من زمن مات. كأنه ربي في كتّاب! من يثقله التخلف لايستطيع أن يستضيء بفكر جديد. ذلك غير من يعود إلى التراث باحثا عن الفن الرفيع. أعرف ياليلى! في السجن اكتشفت مناضلين يتخلفون عن الرجعيين وعن الرجال التقليديين في نظرتهم إلى المرأة. سألته: كيف تجتمع رؤية رجعية مع أرقى أفكار العصر؟ الحق معها! رفعت الغطاء الشفاف عن المتخلف والدعيّ! قال ياليلى: تحمل الانتصارات أشخاصا من بيئات ومستويات ثقافية متنوعة إلى الصفوف الأمامية. ويفترض أن يثقفوا أنفسهم. أظن أن صفاء الفطرة هو الذي يقرر مساراتهم فيما بعد. لاتستعجلي الحكم عليهم. اتركيه للزمان! سيولد ذات يوم آخرون يبدأون من مستوى آخر. وسيكونون أفضل منا. الآن، ليس لدينا أفضل من هؤلاء. لايمكن أن نرفضهم لأنهم ليسوا في قامة الأفكار التي يعبرون عنها! قالت: آمل ألا يغلقوا الطريق أمام من هو أفضل منهم! قال: حقا، يحدث ذلك في التاريخ.

في يوم مشمس من الشتاء فتحت غادة لعمر مشروعا: قراءة التاريخ العربي! سألها عمر: تريدين أن تثقفينا أم أن تجرينا إلى الحلم باستعادة أمجاد الأمة العربية؟ كانت تقرأ المتنبي. وافقت ليلى على المشروع: ديوانه في مكتبة ابي! سأقرأ فيه هذه الليلى! سألها: لديك وقت؟! أجابت: سأجد الوقت! وعندما لمحها من نافذة المكتبة تقرأ قصَدها. انحنى وهمس: ياليلى، الربيع مدهش في الخارج، فلنأخذ بعض وقت المتنبي!

في ذلك المساء دعته ليتعشى في بيتها. لم يسمع ضجة صحون حتى خيل إليه أن الدعوة وهم. ثم ظهرت أمها: تفضل! جلس إلى طاولة صفت عليها أطباق بيضاء على غطاء فستقي. بدا المنديل الفستقي قرب الصحن كفراشة من فراشات الربيع. شعر بنبل وجبة الطعام. قدمت منور أطباقا قليلة طبختها في ذوق. وضعت كل حبة من حبات اللحم في داوود باشا كأنها تضع جوهرة على بياض الصحن. مقابله على خزانة قديمة من الخشب حزمة من ريش الطاووس في إناء قديم من الفضة. وفناجين الشاي اليابانية مصفوفة في الخزانة خلف الزجاج. كأنه في بيت أمير! ولكن ياللبساطة أينما تلفّت!

لمح الفرح في عيني منور منذ استقبلته. لمس دلالها له. كم تحب ليلى! لكنه فهم أيضا أن في قلبها أسى لاشواطئ له. وانتبه إلى حذرها وهي تكلم ليلى. أتكون ليلى قريبة منه أكثر من قربها من أمها؟ عندما رفعت منور نظرتها عن صحنها صادفت عيني عمر، وفي لحظة كالبرق بدا أن كلا منهما فهم الآخر. نظر عمر بعد ذلك إلى ليلى وقال لها في نفسه: إياك ياليلى أن تهملي هذه المرأة الرائعة! إياك أن تربي في قلبك الوحش الذي يأكل من يحبه! ردّت ليلى له نظرة بريئة. فكر: يكسر الطفل أثمن الآنية وهو لايدرك مايفعل! هل تعيشين مع أم وحيدة وتزيدين في وحدتها؟! التفت إلى منور وحادثها. لم يبدّد فرحها بالحديث معه، توازنها. أعجبه اعتدادها المتزن بنفسها. وخمّن أن ذلك الاعتداد ليس هبة بل كسب أخذته من الحياة التي عبرتها، من انتصارها على أحزان الحرب العالمية الاولى وعلى موت أقربائها. عرف أنها تتابع محطات الإذاعة وتقارن تناقضاتها، وتقرأ الجرائد أحيانا. تحاول أن تستشف المستقبل الذي ستعيش فيه ليلى؟ لاتنجّم في الفنجان، لاتقرأ أوراق اللعب، بل تقرأ الأحداث! فهل تقدّرين ياليلى كم أمك متقدمة؟ تستحضر الماضي المليء بالأشخاص في وحدتها، لكنها تخرج منه إلى جيرانها ومعارفها. خمّن أنها مركز التجمع حيثما كانت. قدّمتهما عليها في بداية العشاء، لكنها في نهايته أصبحت مركز الحديث. وراقب عمر رشاقتها وقامتها عندما مشت إلى المطبخ. قال: محظوظة ياليلى بأمك! ابتسمت ليلى: هل تبادل؟ لم يبتسم، وشعرت ليلى بغلطتها فتنهدت. نعم، لايقدّر الإنسان ياليلى مالديه! لايقدّره إلا عندما يفقده! لكنك ياعمر لاتفهم أن الحب يظهر أحيانا في شكل نزق ومتكبر أو أحمق! أعرف أني أشبه أمي. أصطنع البعد عنها من شدة الحب والشفقة! في قلبي وحش؟ ربما! كالوحش الذي كان في قلب أمي عندما كانت شابة تريد أن تتحرر من أمها! حدثتَني عن الشبكة المعقدة في السياسة، فهل شبكة العواطف أقل تعقيدا منها؟

عادت منور بالفواكه. منعت ليلى من وضع الصحون: عمر ضيفي اليوم! فليكن ضيفك في المرة القادمة! شكرها عمر وفهم أن بيت ليلى مفتوح له، وشعر بالرغبة في أن يعرف أم ليلى. قال: هل تستقبلينني ياخالتي إذا أتيت دون دعوة ليلى؟ تساءلت ليلى: دوني؟ ردت منور: صديق ليلى مثل ابني!

عندما زار عمر منور فيما بعد، أخرجت له فناجين الشاي اليابانية الباقية من يوم مولد ليلى وقدمت له بها الشاي. كرّمته. فلمس بأصابعه رسوم الملابس اليابانية في امتنان. وتخيل ليلى وهي تنظر إلى من حولها في الغرفة بعد مولدها. رسم لنفسه عينين واسعتين وأهدابا طويلة ونظرة تستطلع ماحولها. وشم عبق الياسمين الذي عرش على درابزين غرفتها. رأى القمر الذي يغمر ناموسيتها. رآها تحرق أصابعها وهي تغمسها في الطنجرة لتعرف مافيها. رآها تشم الورد واحدة، واحدة في أحواض البيت. مشى في حارتها وسهر معها على السطح واستمع معها إلى الغناء في ليلة مقمرة. في زياراته إلى أم ليلى تفرج عمر على صور ليلى وهي طفلة ذات شريطة على رأسها، رآها في البساتين، في المدرسة، رأى ضحكتها السعيدة في رحلة مدرسية، لاحظ الإشارب الملون الذي وضعته على طقم نيلي، ورآها في الثلج كجنية جميلة. مرّ الربيع والخريف، نزل المطر وهطل الثلج وهي أمامه تكبر محلولة الشعر ومربوطة الشعر، قصيرة الشعر وطويلة الشعر. لم تعرف ليلى أن أمها كشفت له طفولتها وصباها. لكنه لم يكتشف ليلى فقط. عرف حب الأم الذي يحفظ دقائق الابنة وملمسها وعبقها والشامة الصغيرة بين نهديها، ويقبل المكان الذي تبعده إليه الابنة المبهورة بأنها كبرت.












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:34 AM   المشاركة رقم: 51
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

سيكتم عمر زياراته إلى بيت ليلى. وستبدو له واحات ظليلة. وستكون تلك اللقاءات بليلى ومنور على ضفة أحداث عاصفة، ناجية من أعاصيرها. وكأن الثلاثة اتفقوا على ألا يمسّوا مايشغلهم في النهار. وكأنما كان عمر يعلق على المشجب قرب الباب الحماسة والغضب، عندما يدخل إلى بيت ليلى. ويجلس إلى طاولة العشاء هادئا مستمتعا بالطعام والذوق وبالنظرة الواسعة إلى عالم لايوجد في هذه اللحظة فقط، بل يمتد قبلها وبعدها.

في النهار يستسلم لحرارة اليوم. يتساءل هل يجمع التفاصيل ليزيد من هواجسه. ويجيب نفسه: كي أفهم هذه اللحظة لابد من الذاكرة! كي لاأراها دون أن أتذكر ماقبلها ولأضعها في سياقها!

شرب فنجان كاكاو في نادي الجامعة وحيدا في آخر المساء. كان مرهقا بدروس اليوم. وبدا له التفكير في التفاصيل السياسية راحة منها. قال لنفسه: سجّل ياعمر أن بن غوريون قال في سنة 1946 "إذا وافقت بريطانيا على إنشاء دولة يهودية في فلسطين فنحن نضمن أن تكون هذه الدولة قاعدة ضد روسيا". وعندما اتفقت مصر على صفقة الأسلحة التشيكية قال بن غوريون: "يجب أن يسقط النظام في مصر قبل أن تصل الأسلحة الروسية". في 11 أيار سنة 1953 قال تشرتشل إنه يريد أن تكون اسرائيل أقوى دولة في الشرق الأوسط. وسيسجل عمر فيما بعد: في 6 آذار سنة 1957 قال إيزنهاور في مؤتمره الصحفي: أقيمت اسرائيل لتبقى. يجب اعتبار ذلك حقيقة تاريخية. أوضحتُ هذا لجميع الزعماء العرب الذين تحدثتُ معهم، ومنهم الملك سعود. وقلتُ لهم إن عليهم أن يعتادوا العيش مع إسرائيل.

تأمل عمر الإصرار على فرض إسرائيل وفرض خضوع العرب لها. وقال: هناك مشكلتنا! فيالعنصرية اولئك الذين يحتاجون نفطنا وأسواقنا! لكن الحقيقة لن تكون كما يفرضها الغرب علينا! الحقيقة أن في مصر وسوريا أسلحة روسية! والحقيقة أن الدولتين وقعتا اتفاقيات تجارية مع البلاد الاشتراكية! والحقيقة أننا ضد الأحلاف العسكرية! لم يلغ التهديد الطموح العربي إلى العدالة الاجتماعية. بل نجحت في الانتخابات في الأردن قائمة النابلسي. وهناك اتفاقية الدفاع المشترك، المصرية السورية السعودية. فوق ذلك وقعت اتفاقية ثقافية سورية أردنية. وتسلل الفدائيون من غزة للرد على عدوان اسرائيل على القوات المصرية. يحمل العرب الترانزيستور ويستمعون إلى الأخبار والبيانات. قتل الملحق العسكري المصري في عمان وضابط المخابرات في غزة بطردين مفخخين. لكن تلك الاغتيالات لن تقلع الطموح العربي إلى الحرية. لابد لهم إذن من عملية كبرى! ولكن هل يمكن ألا تردّ الشعوب عليها؟ هاهي البلاد تغلي في انتظار حدث كبير! كان يخيل لعمر، في مثل تلك اللحظات التي يجلس فيها وحيدا ويستعيد التفاصيل ويصفّها في سياق، أنه يتوقع مايليها. فيكاد يخابر في الليل أصحابه ليحذّرهم من حرب أو اغتيال.

سحب دالاس تمويل السد العالي فأعلن عبد الناصر في 26 تموز تأميم القنال. وهاهي سنة 1956 تشتعل! خلال خطاب عبد الناصر كانت المجموعات المصرية تحتل مؤسسات القنال. انتهت آلام عقود من الزمان؟! كان محمد علي على حق يوم رفض مشروع القنال فقال: لاأريد بوسفورا آخر!

جمّدت إنكلترا أرصدة مصر. وانعقد مؤتمر الدول البحرية في 16 آب. فأضرب ملايين العمال العرب تضامنا مع مصر. حرضت شركة القنال المرشدين كيلا يعملوا في شركة مؤممة. فتطوع مرشدون سوفييت ويوغوسلاف ويونان وأمريكيون. استخدم شبيلوف وزير الخارجية السوفييتي الفيتو ضد التوصيات الإنكليزية الفرنسية التي تقسر مصر على السماح للإسرائيليين بعبور القنال.

قال عمر: الزمن! يجب أن يعترفوا بأنه تغيّر! خذي ياليلى، اقرئي ماكتبته مجلة فايننشال: "أصبح التأميم موضة العصر. يبدو أن تأميم القنال سيتبعه تأميم شاي سيلان ونحاس روديسيا ومطاط الملايو"! لمَ لا؟ لماذا لاتردّ الشعوب الظلم؟ تأخذ شركة السويس 71% من الأرباح. تملك الاحتكارات الأمريكية 60% من بترول الشرق الأوسط. ويعبر القنال 46% من مجموع صادرات العالم من البترول. لذلك اقترح دالاس تدويل قنال السويس وفصلها عن مصر. لابد من عملية كبيرة إذن لكسر النهضة العربية فهي ليست مشروع نخبة سياسية فقط، بل مشروع جماهير تطلب ثرواتها الوطنية وتعي أنها يمكن أن تستند إلى البلاد الإشتراكية كقوة دولية. أعتقد أن عدوانا واسعا سيحدث لمنع الأسلحة الروسية ومشروع التنمية، ولفرض دولةٍ إسرائيلية قوية! انتبهي ياليلى إلى ماقاله ايزنهاور: "يحتاج العرب طاقة إسرائيل الصناعية، وإسرائيل لاتستطيع أن تعيش معزولة لاتتاجر مع أحد غير اوروبا والولايات المتحدة". في هذا المنعطف ستأخذ أمريكا مكانها في المنطقة كقوة استعمارية بديلة عن بريطانيا وفرنسا!

يتذكر عمر ماقاله عازوري في بداية القرن: سيحكم الصراع بين الصهيونية والعرب قدر المنطقة. ويصله بما قاله ايزنهاور بعد نصف قرن. ياليلى، لماذا يقرر ايزنهاور أن إسرائيل هي الصناعية لانحن؟ لأنه يريدنا أسواقا وعمالا لها وله! عندنا الثروة النفطية، عندنا الأرض والقوة العاملة، فلماذا لانكون نحن البلاد المنتجة؟ لانحتاج إسرائيل! هي المغروسة في أرض عربية بالقوة، تحتاج العرب! نحن لانحتاجها أبدا! ولماذا تكون وسيط الغرب؟!

تبع عمر الإشارات، لذلك أكد لليلى: سيحدث عدوان! فردّت: يبدو أن العدوان خبزنا منذ كنا أطفالا! أجاب كالخبير: لا! هذه المرة سيحدث عدوان كبير! وستقول له ليلى فيما بعد: نبوءتك صحيحة! ضع عمامة خضراء على رأسك، واشعل البخور كالمنجّمين! وستضحك غادة: سأقف أنا وليلى على بابك لتقنين زوارك. ولن تكون مديحة وفوزي معنا لأنهما لايؤمنان بالتنجيم!

وصلت إلى الملحق العسكري المصري في استنبول والملحق العسكري في باريز معلومات عن الغزو. وسيكشف أحمد حمروش وخالد محي الدين فيما بعد أن هنري كورييل، سلّم للمصريين المعلومات التي وصلته عن الغزو. ففي 22 تشرين الأول اجتمع في سيفر، قرب باريز، بن غوريون وموشي دايان وسلوين لويد وغي موليه واتفقوا على خطة عسكرية: قصف المطارات وتدمير الدفاع الجوي. الإنزال المظلي. إنذار مصر وإسرائيل لتبتعدا عن القنال. احتلال القنال. لكن عبد الناصر استبعد مغامرة إنكليزية فرنسية، ولم يتوقع غزوا إسرائيليا.

في 29 تشرين الأول نزل المظليون الإسرائيليون في ممر متلا. فسحب عبد الناصر الجيش من سيناء إلى القنال. بدأت الحرب! وسُلم السفيران المصريان في باريز ولندن إنذارا لمصر وإسرائيل، يطلب الانسحاب من القنال خلال 12 ساعة، وإلا نزلت في القنال قوات إنكليزية وفرنسية.












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:35 AM   المشاركة رقم: 52
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

قال عمر في اجتماع الطلاب: الهدف احتلال القنال، وحرق حركة التحرر العربية! سنتطوع في المقاومة الشعبية! اللقاء في الملعب البلدي! في تلك اللحظة نزلت المظاهرات إلى الشوارع في المدن العربية، وصرخت: لن يمرّوا!

في الملعب البلدي خلف الجامعة، رأت ليلى نفسها وسط طالبات من صفوف متنوعة من كليات الجامعة. هاهو العدوان يهبها الشعور بأنها مسؤولة عن ردّه. ليلى تستطيع أن تقاتل؟ لمَ لا! ماأيسر ذلك عندما يؤمن المواطن بأنه قوة حاسمة! سألتها نفيسة: هل ستردّون الغزاة؟! نعم، ياعمتي! كل مواطن عربي يشعر بذلك! ياليلى، ليتني في عمر يسمح لي بالنزول إلى مرجة الحشيش لأتدرب كالناس على الرمي! ابتسمت منور: ياعمتي، يمكن أن تفيديهم من خبرتك في نقل السلاح!

في 30 تشرين الأول دخلت قوات سورية إلى الأردن مستندة إلى اتفاقية الدفاع المشترك ضد عدوان إسرائيلي. وقابل وفد من الضباط السوريين سفير مصر محمود رياض وبلّغه: قرر الجيش دخول الأردن. من الضفة الغربية سنشتبك مع إسرائيل فنخفف الضغط عن مصر! سنقطع أنابيب النفط الأنكلو عراقية! لكن عبد الناصر رفض توسيع الحرب.

ستتذكر ليلى بعد عقود توهج عمر في تلك الأيام. كان كقائد في جبهة وكشاعر في فلاة. قال: نتوقع إنزالا في اللاذقية. لكن الإنزال لن يواجه جيشا فقط، فأمامه شعب! ولن يمرّوا! كان طوال أيام العدوان على مصر يخرج في الليل مع الطلاب، حاملا سطل دهان، ويكتب على الجدران: لن يمروا! وكان يحرس في الليل، وقت مناوبته، مع مجموعات الطلاب، الطرقات والساحات. وكانت ليلى ترفع رأسها إلى السماء وتتساءل هل يجرؤون حقا على الإنزال؟ فيقول لها عمر: نعم، قد يحدث إنزال! كانت تلتقي بعمر لقاءات خاطفة كثيرة يكمل فيها كل منهما بقية حديثه في اللقاء السابق. رأته على بعد أمتار منها خلال توزيع الطلاب على مجموعات لإطلاق الرصاص ورمي القنابل في جبل المزة. ولاحظ أن جلد كفها قد كشط حيث تمسك البندقية، وخمّن أن كتفها تؤلمها من ارتداد الرشاش عليه. لكنها تجاهلت ذلك واستسلمت لدهشتها: كم أصبحنا منظمين ودقيقين! كم أصبحنا سريعين!

قُصفت محطة القاهرة فأذاعت دمشق وعمان: هنا القاهرة! رفعت ليلى كفها إلى عينيها ومسحت دموعها. لو تستطيع أن تذهب إلى القنال! طمأنها عمر: لاتقلقي! القوتلي في موسكو. بحث العدوان مع بولغانين وجوكوف وخروشوف. وطلب مساعدة السوفييت. وسيساعدون مصر! يقود الوطنيون المقاومة الشعبية في مدن القنال. وزعت الأسلحة هناك على الناس. تشترك مجموعات من الضباط المتطوعين في العمليات! قطعت سوريا والسعودية العلاقات بإنكلترا وفرنسا، وقطعت الأردن والعراق العلاقات بفرنسا. في باريز ولندن مظاهرات كبيرة تحتج على التدخل في مصر!

في ذلك اليوم فجر جول جمّال بطوربيده أكبر المدمرات الفرنسية؟ في المظاهرة التي مشت فيها ليلى وعمر ومديحة وفوزي من الجامعة إلى ساحة المرجة هتف أحد الطلاب الزجالين: "ركب الزورق جول جمّال، شق عباب البحر وطار، أطلق علْ مركب طوربيد، قطّع من خصمه الأوصال". أبهذه السرعة ألّف الأهزوجة؟ وبسرعة انتشرت من مظاهرة إلى أخرى حتى ضاع اسم مؤلفها!

في الخامس من تشرين الثاني كان المظليون الإنكليز والفرنسيون قد نزلوا في بور سعيد وفي بور فؤاد. وكان المصريون قد أغلقوا القنال بسفينة. وكتب الشاعر كمال عبد الحليم نشيدا غنته فايدة كامل وردّده الناس في البلاد العربية:

دع سمائي فسمائي محرقة

دع قنالي فمياهي مغرقة

واحذر الأرض فأرضي صاعقة

دع سمائي دع قنالي

ردد الأولاد في الشارع الذي يسكن فيه عمر: هذه أرضي أنا، وأبي ضحى هنا، وأبي قال لنا، مزّقوا أعداءنا.. واستمع عمر إلى أم كلثوم تغني: والله زمان ياسلاحي.

كاد عمر يقول لليلى عندما رآها ببذلة خاكية تحت شجر الكينا قرب الجامعة، ماأحلى هذه الأيام! لكنه قال: في الأيام الصعبة، في الأزمات الكبرى، في الحروب ليست المأساة فقط مايحدث، بل ألا يشعر المواطن بأنه فعّال. إذا أطلقت طاقاته سجّل أن تلك الأيام الصعبة أيام عظيمة من حياته. وأنه نقل حياته المفردة، إلى مساحة كبرى عامة. الخطر والخطأ أن يكون السياسيون فقط محاور فعالة، وأن يوظفوا هم فقط حياتهم في مسار عام. إذا حدث ذلك فلايمكن أن ينجح مشروع اقتصادي أو سياسي.

تلفتت ليلى. هل كانت المدينة عزيزة عليها كما هي الآن؟ هل كانت هي نفسها، وصديقاتها، وجيرانها، وعمر وغادة ومديحة، كما هم الآن؟ بعد أن حرسوا الطرقات وهتفوا في المظاهرات، ورصدوا السماء، وسهروا قرب الراديو وتنقلوا بين المحطات، وتلقوا الأناشيد وانتظروا البيانات؟

- ياليلى أحرقت طائرات مصر على الأرض. لم يحارب الجيش في سيناء. وانسحب من مدن القنال. الهزيمة العسكرية حقيقة. ويفترض أن تبحث وأن يحاسب المسؤول عنها. لكن البطولات الفردية والمقاومة الشعبية هي التي لن يمحوها الزمن. في الأمم المتحدة استخدمت إنكلترا وفرنسا الفيتو ضد مشروع أمريكي ومشروع سوفييتي. فنقلت القضية إلى الجمعية العمومية. صدرت توصية بانسحاب الجيوش الأجنبية لكن الحرب مستمرة. لاينتظر الناس الرحمة من الأمم المتحدة. يقاومون الغزو. الشارع حيّ. ينظّم المقاومة في بور سعيد المعتقلون الوطنيون الذين أفرج عنهم. قال الضباط لشمس بدران: الحل الوحيد هو أن يدخل المتطوعون الوطنيون بور سعيد! صمت عمر فجأة. التفتت إليه ليلى. سألته بعينيها: ماالخبر؟ قال: رفض رئيس المباحث العامة في بور سعيد أن يتلف السجلات قبل انسحابه، فتناولها الانكليز الذين نزلوا في المدينة! استند إلى تلك السجلات ضابط المخابرات الإنكليزي ويليامز الذي اشتغل عشرين سنة في مصر، وأجاد العربية كأنه مصري وعرف مدن القنال، ليعتقل الوطنيين! لكن مجموعة من طلاب الجامعة قتلته! لندع هذا الآن! نداء مصر إلى العالم وطلبها متطوعين مؤثر وفعال. تطوع الضباط والجنود السوفييت. لابد من قوة كبرى ترد القوى المعتدية. لابد من تدخل سوفييتي!












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:36 AM   المشاركة رقم: 53
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

أذاعت محطات الراديو إنذار بولغانين في الخامس من تشرين الثاني إلى غي موليه وايدن وبن غوريون. واستمع عمر في مقهى الحجاز إلى إنذار بولغانين. هنأ الناس بعضهم بعضا. انتقل الإنذار بالترانزيستور إلى المراعي والقرى. واستمع الناس في المقاهي العربية إلى إنذار بولغانين. كان تمرد المجر قد انتهى بعد طلب كادار تدخل الجيش السوفييتي في الرابع من تشرين الثاني. فقال عمر: من حركة السوفييت في المجر يفهم الغرب أن الإنذار جدّي!

صدح الراديو. لاصوت إلا صوت المذيع يكرر قراءة الإنذار. تداخلت عواطف الجالسين في المقهى. فرح، تشفّ، انتباه، انتصار، شماتة! ستخرجون مهزومين! أمامكم قوة أكبر منكم! استقويتم علينا فهاتوا الآن شجاعتكم! ولمن هذا الكلام ياشباب؟ لتلك الرؤوس الكبيرة!

قرأ المذيع: "يجب أن أقول لكم بكل صراحة أن الحرب التي باشرتها فرنسا وانكلترا مع استخدام اسرائيل ضد الدولة المصرية، مشحونة بالعواقب الفادحة الخطرة على السلام الشامل... ماذا يكون موقف فرنسا لو هاجمتها دول أخرى تملك وسائل رهيبة حديثة؟.. الحكومة السوفيتية مصممة كل التصميم على اللجوء إلى القوة لسحق المعتدين وإعادة السلام إلى الشرق".

أرسل صبري العسلي رسالة شكر إلى الحكومة السوفيتية.. وصفق الجالسون في المقهى بعد الرسالة. لكن تشفّيهم الأكبر من إنكلترا. بدا لهم أن الإنذار إلى حكومة إنكلترا أشد منه إلى فرنسا. أعطاهم المذيع لحظة يعلقون فيها بسرعة، وبدأ يقرأ بلهجة فخمة إنذار بولغانين إلى إنكلترا: "هذه الحرب عمليا حرب عدوانية ولصوصية ضد الشعوب العربية لتصفية استقلالها الوطني.. ماموقف انكلترا نفسها لو هاجمتها دول أقوى منها تملك جميع أسلحة الدمار الحديثة؟ هذه البلدان قد تستطيع الآن عدم إرسال قواتها البحرية أو الجوبة نحو الشواطئ البريطانية، ولكنها تستطيع استخدام وسائل أخرى كالقذائف الموجهة مثلا.. نأمل أن تستنتجوا مما سبق قوله مايلزم".

ياشباب، ستكون رسالة بولغانين إلى بن غوريون في حجمه تماما. اسمعوا الإنذار لإسرائيل. وجود إسرائيل نفسه معرض للزوال. سحب السفير السوفييتي من تل أبيب. "نأمل أن تتفهم حكومة إسرائيل وأن تقدر الإنذار كما ينبغي". نعم، يقول بصراحة: الإنذار!

نقل عمر لليلى جو المقهى، وحماسة الناس للإنذار. قال: قرروا أن العدوان انتهى! ردت: صحيح! انتهى! في السادس من تشرين الثاني أوقف الإنكليز القتال! لكن المقاومة الشعبية استمرت، وساهم القنصل السوفييتي في بور سعيد في نقل الأسلحة والمنشورات والأشخاص إلى بور سعيد.

استعاد عمر وليلى الأحداث السريعة. طالبت الدورة الاستثنائية للجمعية العامة بوقف القتال وخروج الجيوش من أراضي مصر. ومع ذلك اتسعت الحرب، وقصفت مدن القنال. اعتمدت توصية الجمعية العمومية للأمم المتحدة مشروع كتلة الدول الآسيوية الإفريقية: سحب قوات إسرائيل وإنكلترا وفرنسا. رفضت أمريكا الاشتراك مع الاتحاد السوفييتي لتنفيذ القرار فأعلن الاتحاد السوفييتي أنه سينفذ وحده مهمة سحق المعتدين، وأذاع ذلك راديو موسكو ودمشق والقاهرة والقدس.

قالت غادة: كم كانت هذه الأيام مليئة! وقالت مديحة: صحيح. لكنها انتهت على خير. ولولا إنذار الاتحاد السوفييتي لما انسحب الغزاة! فردّت غادة: لولا المقاومة العربية لما كان الإنذار! هزّ فوزي رأسه منبها مديحة: لولا تضامن الشعوب العربية، والمقاومة المصرية، وأداء عبد الناصر السياسي، لما اهتز العالم من الغزو! قدّر عمر في تلك البرهة كم كان متوترا وصاحيا وكم نام قليلا. وفهم أن مسار حياته الشخصية جرى بعيدا عنه. كانت قمة انتصاره يوم قطع راديو موسكو برنامجه ليذيع نداء الحكومة المصرية إلى دول العالم طالبة مساعدتها بالمتطوعين والسلاح: في هذه اللحظات الحاسمة تناشد مصر العون بالمتطوعين والأسلحة.. ومادام العدوان على مصر مستمرا في إقليمها متحديا قرار الأمم المتحدة فإن مصر ستستمر في القتال بكل عزم وإصرار ضد قوى الشر. وأذاع راديو موسكو أن ضباطا سوفييتيين سجلوا أسماءهم في السفارة المصرية في موسكو متطوعين.

هل سمعت ليلى همس عمر مع نفسه فقالت له: لاحياة شخصية في هذه المنطقة ياعمر! سواء وعينا ذلك أم لا! أم كانت تشاركه الشعور نفسه؟ ماأقربها إليه في هذه اللحظة! نظر إليها وتبين أن الشمس لوحت وجهها، وأن جبينها ثبّت لون الشمس. بل بدا له أن القميص ترك خطا أسمر على رقبتها.

بعد إنذار بولغانين استبعد خطر الإنزال في سوريا. لكن الناس سهروا قرب الراديو. وأمتع عمرا أنه كان يكمل الاستماع إلى الخبر وهو يمشي في الشارع بين بيت وبيت. وكان صوت الراديو مرتفعا كأنما يخشى أصحابه أن تفوتهم مفاجأة.

كان عمر في تلك الأيام يخابر ليلى وغادة كلما سمع خبرا جديدا. اتصل بليلى مرة:

- ليلى اسمعي الراديو!

- سأسمعه!

- اتصلي بغادة واطلبي منها أن تسمع الأخبار الآن!

في الثامنة مساء عقد همرشولد مؤتمرا صحفيا. أعلن: "وافقت فرنسا وإنكلترا على وقف إطلاق النار". وافقت على مقررات الجمعية العامة 64 دولة وعارضتها الدول المعتدية الثلاث واستراليا ونيوزيلاندا. القرارات: وقف إطلاق النار. سحب القوات الإنكليزية والفرنسية من مصر. حرية الملاحة في القنال. أن توقف الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة تموين دول الشرق الأوسط بالسلاح.

- ياعمر، حق الملاحة لإسرائيل؟!

- المهم الآن سحب القوات الأجنبية!.. نعم ياليلى! يجب أن تفكر مصر في بنيتها العسكرية والسياسية! قبلت مصر قوات طوارئ دولية على حدودها مع إسرائيل. وفتح مضائق تيران للملاحة الإسرائيلية. والمراقبة الدولية في شرم الشيخ. وتحديد الأسلحة في الضفة الشرقية. لكن كل ذلك يمكن أن يطوى إذا أصبح العرب أقوياء! سقطت حكومتا فرنسا وإنكلترا!

انسحبت إسرائيل في آذار. ونسفت خلال انسحابها الطرق وآبار النفط وآبار الماء! ولكن ماذا حدث في كفر قاسم خلال الاحتلال الإسرائيلي! يالهول المذبحة!












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:37 AM   المشاركة رقم: 54
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

في تلك الأيام لم يشك قيس، كما شك عمر، في أنه يملك القدر! كان يؤمن بأن العلاقات الاجتماعية والإنسانية تتقدم من مرحلة تاريخية إلى مرحلة ترتفع عليها! مع أنه كان يعيش في تلك اللحظة على الحدّ بين الحرية والسجن، لأن الأردن كان في تلك اللحظة بين قوة المظاهرات التي اندفع فيها الشعب مكتشفا عنفوانه، وقوة النفوذ البريطاني. كانت خطوط التقسيم في الخريطة العربية قد بهتت في اللحظة التي أعلن فيها عبد الناصر تأميم قناة السويس ثم احتلت القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية أرضا مصرية. تدفق العراقيون في الشوارع بالرغم من الرصاص، فرموا حطبة أوقدت همّة الضباط الأحرار لاستكمال الثورة القادمة على الملكية في العراق. كانت تلك اللحظة من أيام الذروة التي تحتل فيها الشعوب الشوارع، لكنها تدرك أن صراعها متصل بقوى دولية لذلك تبقى قرب الراديو.
بعد عقدين من السنوات سيوجد في البلاد العربية كثير ممن يتقنون اللغة الروسية. سيضعون إبرة الراديو على محطة موسكو ويستمعون إلى ماتذيعه ويترجمونه مباشرة للمسؤولين الذين يطلبون المعلومات. وبعد ثلاثة عقود سيتنقل أي مواطن عربي بين الفضائيات ولو لم يفهم لغتها، باحثا عن الحقيقة في الصورة، أو مقاطعا المعلومات والأخبار ليستنتج المضمر. لكن العرب انتظروا قبيل العدوان الثلاثي على مصر ماسيقوله الاتحاد السوفييتي الذي يجهلون لغته. وبدا قيس كمن يعرف موقف تلك الدولة العظمى بطريقة خاصة!‏

قال لمن حوله في مقهى الكمال في إربد: منذ تأميم قنال السويس وانسحاب المرشدين الأجانب من قناة السويس بدت الحرب على الباب! لكن المعتدين لن يخرجوا منتصرين! موقف الاتحاد السوفييتي واضح! لن يسمح بهزيمة مصر! قدم الاتحاد السوفييتي لمصر مرشدين. وحذر مؤتمر المستفيدين من قنال السويس، ليمنع قرارات ضد مصر. وزار شبيلوف سوريا مع ابنته واستقبل في سوق الحميدية بحماسة وترحاب. وافق الحاضرون على كلام قيس. كانوا يستمعون إلى نشرات الأخبار يوميا، لكن يبدو أن لدى قيس معلومات أخرى!‏

كان المشير عبد الحكيم عامر قد زار الأردن بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك، ردا لزيارة فوزي الملقي واللواء علي أبو نوار في نهاية تشرين الأول. في يوم 29 تشرين الأول حذرت الولايات المتحدة مصر من عدوان سيقع في ذلك اليوم. وبدأ العدوان الإسرائيلي. في 30 تشرين الأول قال قيس للجالسين في مقهى الكمال: نزول المظليين في ممر متلا بداية حرب أكثر سعة مما يبدو! وعندئذ أذيع الإنذار الفرنسي الانكليزي إلى مصر وإسرائيل لوقف إطلاق النار. فقال: ذلك تمهيد لاستعادة قناة السويس بالقوة!‏

شكل الجيش السوري مجموعة من القوات السورية، لواء مشاة ولواء مدرعات وثلاثة أفراج مدفعية دخلت إلى الأردن في 31 تشرين الأول، رئيس أركانها أحمد عبد الكريم. تنفذ اتفاقية الدفاع المشترك. بدا أنها قد تخفف الضغط على مصر باشتباك مع الإسرائيليين في الضفة الغربية! لكن عبد الناصر رفض توسيع الحرب.‏

خلف القوات السورية في دمشق، اكتشفت مؤامرة عراقية، مشروعها قلب الحكومة السورية خلال العدوان الثلاثي على مصر. وسيحاكم هايل سرور، وعدنان الأتاسي، وميخائيل اليان، في محكمة رئيسها عفيف البزرة! أما فيضي الأتاسي فسيهرب إلى بيروت!‏

وستزيد تلك الأخبار في الحماسة للمقاومة الشعبية. وقتذاك تدرب الشباب على السلاح في الملعب البلدي في دمشق، وفي تلال المزة. ووزع السلاح على أفراد المقاومة الشعبية. وحفرت الخنادق. "إذا نزل العدو من السماء بالمظلات سنصيده! نتوقع أن يمتد العدوان! والإنزال في اللاذقية متوقع! الهجوم التركي في الشمال متوقع! لكن الغزاة لن يمروا"! تدرب الناس في الحدائق العامة على الرمي. حرست ليلى بندقيتها ونظفتها. ورافقت زميلاتها إلى جبل المزة للتدريب على رمي القنابل وإطلاق الرصاص. وحفر عمر وفوزي مع زملائهما الخنادق.‏

عندما عبرت القوات السورية الحدود إلى الأردن أصبحت قاعدة المفرق البريطانية وراءها. المفرق على الحدود السورية، وقد تُقطع الطريق بين القوة السورية وقاعدتها في سوريا. ناقش أحمد عبد الكريم مع البزرة الذي رافقه إلى الحدود الأردنية خطر أن تبقى قاعدة المفرق خلفه. اجتمعا مع أبي نوار. ذكر قائد لواء المدرعات طعمة العودة الله أن الطائرات البريطانية طارت فوق الرتل السوري منذ دخوله الأردن حتى وصوله عمان. لم يهتم أبو نوار بالملاحظة. ونبّه إلى المعاهدة بين الأردن وبريطانيا. في اليوم التالي قبلت الأردن القوات العراقية بقيادة عبد الكريم قاسم التي دخلت وتمركزت في المفرق. طلب أحمد عبد الكريم وضباطه الاجتماع بالحكومة الأردنية. فاجتمعوا في مكتب وزير الخارجية عبد الله الريماوي مع وزراء منهم شفيق رشيدات. أكد هؤلاء أنهم لايستبعدون أن يـتآمر الانكليز مع قوات المفرق لضرب القوات السورية. فاقترح السوريون نقل قواتهم إلى محور جسر الشيخ حسين - إربد ـ المفرق ـ درعا. ونفذوا ذلك فورا وطوّقوا قاعدة المفرق. وأصبحت لهم قاعدة في ضاحية إربد.‏

عرف أحمد عبد الكريم أن أحد ضباطه زميل قديم من زملاء عبد الكريم قاسم، يعمل في الجيش السوري منذ تصفية ثورة العقداء الأربعة في العراق سنة 41. فاجتمع به مع عفيف البزرة وطعمة العودة الله وطلبوا منه الاتصال بعبد الكريم قاسم. عاد رسولهم وقال إن قاسم ومعاونه عبد السلام عارف وطنيان ينويان الانقلاب على نظام بغداد. اجتمعوا بهما. وعرفوا من عبد الكريم قاسم أن مؤامرة تنظّم في سورية بأسلحة عراقية. وافق الجيش السوري على ضم العراقيين إليه إذا فشل تمردهم.‏

اطمأن السوريون! لن تضربهم القوات العراقية في الظهر، وفي الجيش العراقي ضباط وطنيون! لكن تلزم السوريين معلومات عن قاعدة المفرق البريطانية! تلزمهم مساعدة الوطنيين الأردنيين! طرق الباب على قيس ضابط سوري طويل وسيم عرّفه بنفسه: أنا مروان السباعي مسؤول استخبارات القوات السورية في الأردن! هل يمكن أن نتحادث؟ من القوات السورية؟ أهلا وسهلا! لاضرورة للمقدمات! الوضع في المنطقة ينذر بحرب شاملة. قد تخفف سورية الضغط عن مصر بالضفة الغربية. انكلترا تعتدي على مصر وهنا في المفرق قاعدة انكليزية! سأله قيس: المطلوب؟ أجاب: معلومات دقيقة عن قاعدة المفرق! تعرف الاستخبارات السورية نفوذكم في النقابات. عمال قاعدة المفرق منظمون في نقابة. وقيس مسؤول عن منطقة واسعة مركزها إربد، منها منظمات المفرق! قال قيس: أنا موافق. ولكن يجب أن أستشير منظمتي. في سرعة بُحث الطلب السوري. وفي سرعة عاد مروان السباعي ليعرف الجواب. قال له قيس: سيجمع أصحابنا المعلومات الدقيقة وسنقدمها لكم كعمل وطني، بشرط! ماهو؟ ألا تعرضوا مالا على أي شخص نصلكم به. وإلا انقطع بيننا الاتصال! أكرر، يقوم رفاقنا بهذا العمل لأنه ضرورة وطنية!‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:38 AM   المشاركة رقم: 55
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

جمع أصحاب قيس في قاعدة المفرق المعلومات الكاملة عن القاعدة. رسموا أمكنة الطائرات والورشات والمكاتب، وسجلوا الأرقام. وسلّم مسؤول في المفرق تلك المعلومات الثمينة لمروان السباعي. عرض مروان السباعي مالا على الشاب الذي سلّمه المعلومات. ووصل الخبر إلى قيس في اليوم نفسه. قال قيس لمروان السباعي:‏

- خرقت الشرط، ولامجال للتعاون بيننا بعد الآن! هل تعجزون حقا عن فهم أن العمل الوطني طوعي لانطلب المكافأة المالية عليه؟ أي مال يساوي الخطر الذي عرض الشباب أنفسهم له؟ أم تبحثون عن عملاء؟‏

- أعترف لك بأني خرقت الاتفاق! لكني أعدك بألا يتكرر ذلك!‏

- سأصدقك هذه المرة وأعتبر وعدك كلمة شرف!‏

دعا متصرف إربد، محمد نزال العربوطي القريب من البعثيين، وحكمت مهيار قائد المنطقة، ممثلي الأحزاب إلى اجتماع في المتصرفية. خريس البعثي، حشيشو القومي السوري، ممثل الإخوان المسلمين، ممثل الوطني الاشتراكي، ممثل القوميين العرب، وقيسا. قال حكمت مهيار، قائد المنطقة: قد تتسع الحرب ضد مصر. يتوقع الأردن أن تمتد الحرب من مدن قنال السويس إليه. دعونا ممثلي الأحزاب كي ينظموا الدفاع المدني ويساهموا فيه. قال قيس: الاجتماع ضروري. لكني أعلن احتجاجي على حضور ممثل القوميين السوريين! في سوريا الشقيقة أدين القوميون السوريون بقتل عدنان المالكي. وبيّنت المحاكمات في دمشق علاقة جورج عبد المسيح بالجهات الغربية. فكيف نوفق بين مقاومة العدوان الغربي وبين وجود من تآمر على الجيش السوري لحساب أمريكا! ردّ خريس بحدة: القوميون السوريون أكثر وطنية منكم، لأنهم ضد الصهيونية. أنتم وافقتم على التقسيم! مرة أخرى قرار تقسيم فلسطين الذي وافق عليه الشيوعيون العرب! قيس غير موافق عليه! دمّرت الموافقة على قرار التقسيم الحزب الشيوعي العراقي بعد نهضة الوثبة. ودفعت إلى حرق مكتب الحزب الشيوعي السوري. رأي قيس: الموافقة خطأ! ولسنا ملزمين بما رآه الاتحاد السوفييتي حلا ممكنا في وضع الأنظمة العربية يومذاك! ردّ قيس: من يحمل المشروع الأمريكي لايمكن أن يكون ضد الصهيونية! الصهيونية هي التي تفيد من قتل ضابط وطني كعدنان المالكي. كان جورج عبد المسيح يخطط لقلب النظام الوطني في سوريا! سأله خريس: تسمح لنفسك بأن تتميز عمن وافق على تقسيم فلسطين، ولاتسمح لحشيشو بالتميز عن جورج عبد المسيح؟!‏

تدخل الحاضرون. صبوا ماء فوق النار. لكنهم أقروا بقاء حشيشو. لايدان القوميون السوريون كلهم بذنب جورج عبد المسيح. نعود إلى الهدف الذي جمعنا! قد تنتشر الحرب خارج مصر. نتوقع أن تصل من مدن القنال إلينا. يجب أن نتعاون. كلنا مهددون! لن تميز الغارات المحتملة شخصا من آخر! اتفق المجتمعون على تنظيم دوريات حراسة ليلا ونهارا تساعد المواطنين إذا حدثت غارات عدوة أو إنزال. وطلب قائد المنطقة أن تقدم الأحزاب مجموعة من أعضائها لتنظم الدفاع المدني في مناطق يتفق عليها. قال مهيار: ونرجو أن تعطونا قوائم بأسماء أعضائكم في تلك المجموعات. قال قيس لنفسه: قوائم في بلد فيه نفوذ بريطاني؟ توجد اليوم حكومة النابلسي الوطنية، ولكن من سيوجد في مكانها غدا؟ قال: لن نقدم قوائم بأسماء مجموعاتنا، فقد نبدل الأشخاص، خلال العمل. لكننا سنلتزم بعددهم. وسنكون مسؤولين عن أداء تلك المجموعات في المناطق التي تقرر لها. ماذا يستطيع حكمت مهيار أن يقول؟ يعرف قيسا ولافائدة من الإلحاح! يريد العنب ولن يقاتل الناطور! قال: فليكن! قسّمت المدينة إلى مناطق ووزعت فيها المسؤوليات.‏

كأنما أراح المجتمعين أن ينجزوا مهماتهم فانصرفوا إلى الحديث عن الوضع العربي. فرصة نادرة أن يجتمع في مكان واحد هؤلاء الرجال الذين ينشغلون بالقضايا نفسها، حتى ليتساءل من يراقبهم عن سبب خلافهم. تساءلوا: هل ستمتد الحرب؟ وإلى أين؟ فقال قيس: الغزو مستمر، لكن الاتحاد السوفييتي لن يسمح بهزيمة مصر! سأله حكمت مهيار: تعني أن الاتحاد السوفييتي سيتدخل؟ قال قيس في ثقة: سيتدخل!‏

في أية منطقة أو مكتب لايعصف الغضب؟ مهيار مثل قيس، ذاهل من استهانة دول كبرى بالقوانين الدولية! كأن لاحدود ولاسيادة وطنية ولاأمم متحدة! تحتاج الأزمنة المتوترة من يثقب الظلمة بنظره، ويعلن مابعدها! البشير، حامل الراية، المتنبئ؟ لايحلم قيس! يقرأ الزمن. يدخل المعسكر الاشتراكي في الحياة الدولية بقوة، ويهمّه أن يثبت العالم الثالث في هذه المنطقة على حدوده! أمس دخل الجيش السوفييتي بودابست بطلب من كادار وانتهى التمرد. وهنا لن يسمح الاتحاد السوفييتي بعودة الاحتلال الغربي إلى مصر! ظلمة كثيفة، وضع معقد، انسحب الجيش المصري من سيناء ومن مدن القنال، والإنزال حقيقة. لكن المقاومة الشعبية أيضا حقيقة! من الموهوب باستشفاف المستقبل في هذه الظلمة؟ قال قيس في ثقة: سيفشل هذا العدوان! لن يبقى الفرنسيون والإنكليز في مصر! سأله حكمت مهيار: واثق من ذلك؟ ردّ: نعم، سيتدخل الاتحاد السوفييتي! لن يسمح باحتلال مصر! لكنه عندما وصل إلى بيته تساءل لماذا يبدو مهيار خائفا أكثر مني؟‏

منذ الإنزال في ممر متلا، ثم الإنزال في القنال عاش العرب مع الراديو. تابعوا المقاومة في بور سعيد. واستقووا بغضبهم. في النهار حملوا الراديو الترانزيستور. وفي المساء تحلقوا حول الراديو في المقاهي الشعبية. في النهار تدربت ليلى وغادة ومديحة مع طلاب الجامعة في جبل المزة على إطلاق الرصاص. وتدربن على رمي القنابل اليدوية. واهترأ جلد أيدي الطلاب من حفر الخنادق لكنهم خجلوا من ربط جروحهم. وحمل بعضهم سطل دهان وكتبوا على جدران الشوارع: لن يمروا!‏

كان قيس جالسا في مقهى الكمال في إربد ومن الراديو المرفوع على رفّ في صدر المقهى تنطلق أغنية: دع سمائي فسمائي محرقة، دع مياهي فمياهي مغرقة... قطع المذيع الأغنية فجأة وأعلن: وجّه الاتحاد السوفييتي إلى حكومات.... وبدأ يقرأ الإنذار إلى ايدن وغي موليه وبن غوريون. يهدد بولغانين بضرب عواصم المعتدين بالصواريخ ذات الرؤوس النووية، وبمحو إسرائيل من الخريطة. وقف الجالسون في المقهى وصفقوا. تبادلوا التهاني. قبّل بعضهم قيسا. وشعر قيس بالاعتزاز والطرب. كم تغير الزمان! نعم، كم تغير! تحادث الناس في حماسة عن الإنذار، شمتوا في الإنكليز والفرنسيين: ليرونا الآن بطولتهم! قوة عظمى تطلب منهم الانسحاب فورا وإلا..! مرت عشر دقائق وقيس نشوان. عندئذ دخل إلى المقهى ضابط، بحث بنظره عن قيس، ثم اتجه إليه مباشرة وقال له في أدب: تطلبك قيادة المنطقة! حكمت بك يريدك .. لم أجدك في بيتك فقصدتك هنا.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:39 AM   المشاركة رقم: 56
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

نهض قيس، عبر المقهى في اعتداد كأنه هو الذي صاغ الإنذار. ومشى أمام الضابط إلى قيادة المنطقة. في انتظاره حكمت مهيار! "أهلا، أهلا!". قدم له مقعدا. ثم سأله كمن يطلب منه أن يبوح بسر: أسألك بالله، كنت تعرف أن الاتحاد السوفييتي سيوجه إنذارا؟ سؤالي مني فقط، وجوابك لي فقط! ابتسم قيس: عرفتُ ذلك لأني أثق بأن الاتحاد السوفييتي لن يسكت على العدوان على مصر في هذه الظروف. دافعت مصر عن أرضها الوطنية فتركت له الفرصة ليتدخل. عندما نحدد عدونا ونقاومه نترك الفرصة لأصدقائنا كي يساعدونا على ردّه. لكني لم أعرف ذلك بطريقة أخرى! نظر إليه حكمت مهيار مبتسما: أقسم لك بأن ماتقوله سيبقى عندي ولن أبوح به لأحد! ياحكمت بك! فتّشتم بيتي مرات وتبيّنتم أنه لايوجد لدي لاسلكي! أنت تعرف أن ليس عندي حتى تلفون! قال مهيار: لكنك كنت واثقا من تدخل الاتحاد السوفييتي! ردّ قيس: من يشتغل مع بريطانيا يمكن أن يتلقى منها الأوامر. علاقتي بالاتحاد السوفييتي لاتقاس بهذا المعيار. نظر حكمت مهيار إلى قيس وهزّ رأسه. أيمكن ألا تكون لدى قيس معلومات خاصة؟! فسّر له قيس: لنفكر في وضع مجموعة عدم الانحياز لو لم يتدخل الاتحاد السوفييتي وانتصر المحتلون! هل يسمح بهزيمتها؟ أليس من مصلحته أن يسند العالم الثالث الذي يدافع عن استقلاله؟‏

بالرغم من الإنذار استمر التدريب على السلاح يومذاك. تجمعت طالبات الجامعة في مرجة الحشيش في دمشق. صفّهم رقيب في الجيش صفوفا. القصيرات في الصفوف الأمامية، والطويلات في الخلفية. ليلى في الوسط. وزّعت عليهن بنادق جديدة. لاينفي الموقف أن تبتسم ليلى وتتهامس مع صديقتها! صاح الرقيب: لستن في الجامعة! ولستن في بيوت أمهاتكن! هذا جيش! مفهوم؟! سكتت ليلى وزميلتها وابتسمت الفتيات. الشمس محرقة لكن الرقيب أبقاهن واقفات كالتماثيل. همست ليلى لنفسها: هذا لن يفيد في ردّ الإنزال! المهم أن نتعلم استعمال البندقية! مشى الرقيب بجوارهن وتفقدهن. استمتع بسطوته. همست غادة لزميلتها عندما ابتعد: لم يكن يحلم بأن يوقفنا هكذا تحت رحمته، ولو في المنام! ارتد الرقيب إلى الخلف: من يثرثر؟ من لايتحمل الوقفة خمس دقائق صامتا تحت الشمس لن يتحمل الرمي! تذكرت غادة أيام المدرسة، الهمس في الصف، والتظاهر بالإصغاء كلما التفتت المعلمة. همست مديحة عندما ابتعد الرقيب: ليس صحيحا ماقلته ياسيادة.. الرقيب!‏

ركبت الفتيات شاحنات عسكرية نقلتهن إلى جبل المزة. سبقتهن إلى هناك مجموعات كثيرة من الفتيان والفتيات. صف الرقيب مجموعة ليلى ثم أمرها: انبطحن! فانبطحن على الأرض كما علّمهن. أسندن البندقية إلى أكتافهن كما علّمهن. استندن على المرفق إلى التراب كما علّمهن. مر وصحح أوضاعهن. أشار إلى الدريئات، وبين كيف يجب التسديد وأين. وبدأن بالرمي. دوى الرصاص. تجربة عظيمة! تجربة جديدة! انهضن الآن وافحصن دريئاتكن! مرّ قرب كل واحدة وأحصى الإصابات! دريئتك أنت نظيفة تماما؟ أين أطلقت الرصاص؟ في الهواء؟ ستنتصرين على العدو؟ سيقتلك قبل أن تصوبي إليه! همست ليلى لزميلتها ذات الدريئة النظيفة كأنها تتقمص مكان الرقيب: افهمي أننا لانطلب منك الجرأة، نطلب الدفاع عن النفس! قالت لها زميلتها: سأصحبك كي تدافعي عني في الليلة الظلماء! اقترب الرقيب من دريئة ليلى: ممتاز! رصاصاتها كلها في مركز الدريئة! لكن الرقيب لايريد أن يثني عليها، لأنه يعرف أنها تهمس كلما ابتعد. قال: يبدو أن زميلاتك سدّدن إلى دريئتك! كبحت ليلى ابتسامتها، لكن هل تستطيع أن تكبح بريق عينيها؟‏

نقلهن الرقيب إلى مكان قريب. صفّهن خلف حواجز ترابية. تنقل والقنبلة اليدوية في يده. بيّن كيف يفكّ منها الأمان. بيّن كيف ترمى بعيدا. كرّر الحركة. أخرج واحدة منهن من الصف، وضع القنبلة في يدها وطلب منها أن تعيد حركة الرمي. طلب أخرى. تردد برهة ثم طلب ليلى. خطت إليه وتناولت القنبلة وكررت الحركة. قال لها: ممتاز! ثم تراجع وقال: لابأس! ابتسمت ليلى وغمزت غادة وهي تعود إلى مكانها! بيّن الرقيب الخطر عليهن إذا لم ينبطحن فورا خلف الستار الترابي بعد رمي القنبلة، بيّن الخطر إذا خفن فرمينها قربهن! يجب أن يقدّرن الزمن بالشعرة! قال لهن دون أن يبيّن سبب حرمانهن من رضاه: مدلّلات، ومباشرة إلى الرمي والقنابل اليدوية؟! آه، لايعرف أننا لعبنا بالطابة في باحات المدرسة وكنا ماهرات في رميها من أول الباحة إلى آخرها! لايعرف أن الطابة لعبتنا المفضلة في الطفولة والشباب! لكن غادة تعرف أن ذراع حنان هشة في رمي الكرة. قالت لها: اسمعي، ارمها بعيدا، قدر قوتك! ليس هذا وقت الموت! لاحظت أن حنان مرتبكة. خفق قلب غادة، همست لرفيقاتها انبطحن فورا وقت ترمي حنان القنبلة! هل يحتجن نصيحتها؟ ألم يكن معا في المدرسة! رمت حنان القنبلة قريبا من الساتر الترابي. لكننا نجونا يابنات! قال الرقيب: هكذا تقتلين نفسك ولاتقتلين عدوك! لم يقترب من غادة. تركها حتى أصبح المستحيل إهمالها. "أرنا شطارتك الآن"! همست لنفسها: طبعا سأريك شطارتي! رمت القنبلة بكل قوتها، بعيدا، بعيدا! اقترب منها الرقيب وقال: هكذا تتجاوزين عدوك! ترمين خلفه! قالت له: رميت حيث تصورت العدو! قال: تتصورينه بعيدا جدا! وتجاوزها!‏

في المساء لاحظت ليلى أن الشمس خطت على رقبتها حدود القميص. وأن لون جبينها يختلف عن لون منبت شعرها. وأن جلد كفها احمر وانتفخ. ستربط يدها كيلا يسخر منها الرقيب، كما سخرت من زميلاتها اللواتي تعودن المشي بالكعب العالي فاختلت مشيتهن دونه خلال التدريب!‏

بعد أربعة عقود سيتصفح قيس مع عفيف، القومي السوري، تلك الأيام من خمسينيات القرن العشرين. وسيروي عفيف لقيس كيف حاول اغتياله: قررنا تصفيتك! بعد أسابيع من ذلك البوح سيمشي قيس في جنازة عفيف وسيبكي عليه. هل كان ذلك الاعتراف رغبة في راحة الضمير؟ أم مهّد له الزمان؟ لم يكن الخلاف بين قيس وبين عفيف خلافا بين شابين متحمسين جامحين فقط. كان خلافا بين اتجاهات التقت فيما بعد وأنضجها الزمن. فاجتمع الأعداء القدماء أمام موت واحد أيام حصار بيروت واحتلال جنوب لبنان. وعلّقت في بيوت خصوم الأمس صورة الشهيدة ثناء محيدلي.‏

كان كلاهما من صفورية، خرجا منها في يوم واحد، وقت احتلها الإسرائيليون سنة 1948. وجمع أبويهما ماهو أكثر من الصداقة. وعندما فرقت السياسة ما بين قيس وعفيف، رأى الأبوان ذلك من اندفاع الشباب الذي سيعيده الزمن إلى سكّة العقل.‏

في تلك الأيام من سنة 1956 وصلت رسالة إلى قيس: "جورج عبد المسيح موجود في بيت حشيشو. بلّغ القوات السورية"! جورج عبد المسيح متهم بتنظيم اغتيال عدنان المالكي، والدعوة إلى حلف بغداد. وسيتهمه حزبه فيما بعد بأنه رتّب الاجتماع الحاسم في بيت جولييت المير ليسلّمها للشرطة. حاكمت سوريا قادة القوميين السوريين بتهمة التنسيق مع الغرب. هل كان الالتباس بين مشروع الهلال الخصيب ووحدة بلاد الشام، فقط؟ وحدة عربية بين بلد متحرر كسوريا وبين بلد مقيد بحلف بغداد؟! هل يجوز الانحياز إلى الأحلاف العسكرية؟!‏

قابل قيس مروان السباعي، في مقر القوات السورية الموجودة في شرق إربد، وأوصل له الخبر. لكن قبل أن تطوّق مجموعة من القوات سورية بيت حشيشو، اختفى عبد المسيح. لاأسرار في بلد صغير!‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:40 AM   المشاركة رقم: 57
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

قرر عفيف عقاب قيس! رتب خطة دقيقة: تطوق مجموعة مسلحة بالعصي والسكاكين بيت قيس ليلا وتنتظر عودته، تخطفه وتقيده، تضعه في كيس، يراقب ذلك من بعد سائق سيارة أبي عفيف الرابض في نهاية الطريق فيتقدم بالسيارة، يوضع الكيس في صندوق السيارة وينقل إلى الشونة، وهناك يرمى في البركة.‏

في ذلك اليوم استدعي قيس إلى الرمثا، وبقي هناك حتى اليوم التالي. كانت المجموعة المكلفة بخطفه قد أحاطت بيته في انتظاره. بيت قيس قرب مضافة شيخ الجبل. في منتصف الليل خرج من المضافة أحد الساهرين فيها منصرفا إلى بيته فرأى مجموعة من الشباب مسلحة بالعصي تجوب الطريق. رجع إلى المضافة وأعلن: الحارة مطوقة أو مراقبة! ليسوا عسكريين! شباب! خرج الرجال من المضافة فهرب الشباب. لكن الرجال أمسكوا بأحدهم: صبي من عشيرة شيخ الجبل. أدخلوه إلى المضافة: احك بالتي هي أحسن! تردّد ثم حكى عن خطة لخطف قيس. في تلك الليلة ذهب رجل من المضافة إلى بيت أبي قيس وقال له: أنت حذّر ابنك، ونحن سنقوم باللازم.‏

في اليوم التالي جلس عفيف العفيفي أمام البركة التي كان يفترض أن يرمى فيها قيس. فشلت الحملة أمس لكنها ستنجح يوما ما! كان عفيف يراقب العمل في شركة الباصات التي يملكها أبوه بين إربد والشونة. عفيف شاب غني مدلل، وزعيم. لكن مقابله منظمة نقابية كبيرة من العمال الزراعيين في الشونة. وصلهم الخبر عن محاولة خطف قيس وهو مايزال في الرمثا. اجتمعوا وقرروا تأديب عفيف دون أن يستشيروا أحدا. إذا كانت الدولة لاتمنع الاعتداء على قيس سنمنعه نحن! فليفهم أن لحمنا مرّ! وليخمّن مصيره إذا كرر حملته! كان عفيف جالسا في المقهى قرب البركة، فتقدمت مجموعة منهم، حملته مع كرسيه ورمته في البركة.‏

وصل قيس إلى بيته في مساء اليوم التالي. فتلقاه أبوه: يجب أن نذهب فورا إلى قيادة المنطقة. خير يابا؟ طلبوك! خرج قيس مع أبيه إلى هناك. وجدا أبا عفيف جالسا قرب قائد المنطقة والغرفة ملأى بالرجال. قال أبو عفيف لقيس معاتبا: ولو، ياقيس! وصلت بيننا إلى الدم؟! عم يتكلم أبو عفيف؟ لم يفهمه قيس. سأله: كيف تصل بيننا إلى القتل ياعمي؟ قال أبو قيس: خير ياأبا عفيف؟ عفيف مثل ابني! قال أبو عفيف لقيس: لاتعرف؟ سأله قيس: أعرف ماذا ياعمي؟ لن أقسم لك. لكني لاأعرف عم تتكلم. حكى أبو عفيف أن أصحاب قيس رموا ابنه في البركة في الصباح. لم يفهم قيس لماذا فعل أصحابه ذلك. قال: هذا أسلوب لاأوافق عليه! عندئذ روى أبو قيس ماجرى في ليلة الأمس حول المضافة. دهش قيس، وتفرج الحاضرون على دهشته. حاولوا خطفي؟ قال أبو عفيف: حاولوا خطفك وقتلك؟! لم أعرف ياابني. وهل أوافق على مسّ شعرة في رأسك؟ احكوا لي القصة كلها، احكوا..‏

قال أحد الحاضرين: واحدة بواحدة. والبادئ أظلم! الحمد لله، لاهذه نجحت ولا تلك. يورطنا أولادنا في المشاكل. لاتوجد سياسة ياأولاد دون هذا القتال بينكم؟! لاتتجاوزوا الكلام.. تقاتلوا بالكلام ماشئتم ولكن دون دم! فليفرد كل واحد منكم ماعنده، لكن لاتستعملوا الأيدي. هل يليق بعفيف أن يرسل أصحابه حاملين العصي كعصابة ويخطط استخدام سيارة من سياراتي؟ حساب عفيف معي!‏

وصلت أخبار محاولة خطف قيس إلى قائد المنطقة في وقتها. ثم وصلت أخبار الانتقام من عفيف. ولكن من يعتقل؟ مجموعة من الشباب؟ ستقوم عليه الدنيا. أبو عفيف وأبو قيس صديقان. سيفرض الأهل الصلح ويبقى هو خارج المائدة. لن يتورط في هذه القصة. ستحل بالتفاهم! وهذه الأوقات ليست للاعتقالات!‏

لكن تلك الأوقات لم تكن طويلة. لم يتجاوز عمر حكومة النابلسي الأشهر. وقع انقلاب الملك على الحكومة في نيسان سنة 1957. بدت المظاهرات والاحتفالات التي تصدّرها البعثيون والقوميون والشيوعيون مبررا لخوف الملك من انقلاب اجتماعي على الطريقة المصرية. احتل الناس الذين كان يُظن أنهم مسالمون الشوارع! وحملوا الأحزاب التي كان يُظن أنها في الهامش الظليل! وظهر في الجيش ضباط تجرفهم حماسة الشارع العربي! فاضطرب بلد كان الإنكليز يعتقدون أنه مستقر! هل أثمر تحذير كميل شمعون وهمسه للملك؟ هل أوهمت الهبّة ضد الأحلاف والتضامن مع مصر أن المسألة تسليم القيادة العربية لناصر وجرف الممالك؟ في الأردن فرقة عسكرية سورية، ومقابلها فرقة عسكرية عراقية! فإلى متى تقبل إسرائيل وأصحابها ذلك؟‏

كان الكونغرس قد وافق في التاسع من آذار سنة 1957 على مبدا أيزنهاور. فشرّع بشكل ديمقراطي التدخل في البلاد العربية. فوصل مبعوثون أمريكيون ليحذّروا الحكومات العربية من النفوذ السوفييتي وينبّهوها إلى خطر سورية التي تقبل المساعدات العسكرية والفنية السوفيتية. رأى مبدأ أيزنهاور أن المنطقة العربية تعاني من الفراغ بعد هزيمة الفرنسيين والبريطانيين في السويس، ولابد أن تملأ الولايات المتحدة ذلك الفراغ. وكان مووز سفير الولايات المتحدة في سورية قد عبّر عن قلقه من نجاح البعثيين في الانتخابات الفرعية للمجلس النيابي، ومن اتجاه المجلس نحو "اليسار". أيدت حكومتا العراق ولبنان مبدأ أيزنهاور. لكن الشعوب العربية تظاهرت ضده وأنشدت "دالاس يادالاس، يابو الدسائس، مابيخوفنا الأسطول السادس". وبيّن بعض المسؤولين العرب أن التدخل في سورية غير مسوّغ وأن العرب يرون الخطر على العرب من إسرائيل لامن الاتحاد السوفييتي. أذاع الراديو السوري: الأمة العربية هي التي تملأ الفراغ. وأعلن إحسان الجابري، رئيس لجنة الشؤون الخارجية السورية في مجلس النواب السوري، أن: مبدأ أيزنهاور لن يحمي سوى المصالح الغربية واحتكار الغرب نفط الشرق الأوسط، ولايحترم طموحات شعوب المنطقة.‏

وجه الملك رسالة إلى سليمان النابلسي أعلن فيها قلقه من "المدّ الشيوعي"، وأقال حكومته. فقال قيس: هذا ليس بعيدا عن الضغوط الأمريكية على حكومات المنطقة العربية! سيبدأ تطبيق مبدأ ايزنهاور! وقتذاك أعلنت الولايات المتحدة: "استقلال الأردن ووحدة أراضيه أمر حيوي" للأمن القومي الأمريكي، واتجه الأسطول السادس إلى المنطقة. فوصلت إلى قيس تعليمات: لاتبق في بيتك! فهجره قبل الانقلاب وسكن مع أبي قاسم.‏

طلب الملك سحب الفرقة السورية الموجودة في الأردن. لماذا؟ هذه ضمانة فهل نسينا اجتياح إسرائيل سيناء؟ اتصل القوتلي بالملك مرات فلم يجبه. وعندما أجابه أعلن له أن قراره مسألة داخلية!












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:41 AM   المشاركة رقم: 58
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

في ذلك اليوم اجتمع طلاب الجامعة البعثيين في مقر الحزب في دمشق قلقين على الأردن. فقيل لهم اهدأوا، صلاح البيطار الآن في القصر الجمهوري يتباحث مع القوتلي، والقوتلي يتصل بالملك حسين. وسيأتيكم بالخبر اليقين عندما يرجع. كان زميلهم أبو العباس قد سافر إلى نابلس ليعرف الحقيقة بنفسه وسيعود في ذلك المساء. انتظر الطلاب ساعات ثم قرروا أن يجلوا عن مقر الحزب وينتظروا أبا العباس في مقهى من المقاهي. أتى أبو العباس متأخرا. ماالخبر ياأبا العباس؟ كان متفائلا! ماذا يستطيع الملك أن يفعل؟! رأيت بعيني لوحة طويلة عريضة في نابلس كتب عليها: كراج جمال عبد الناصر. لا يجسر أحد على نزعها من مكانها! ومثلها كثير! ضحك الطلاب، لكن ماالعمل؟ سيراقبون الأحداث في الأيام التالية! ماذا يستطيعون أن يعملوا؟! لاتقولوا ذلك! فالجامعة مركز يسند حكومة أو يهزّ عرشا!‏

كان قيس منذ ثلاثة أسابيع سجينا في بيت سري في إربد مع أبي قاسم. تفادى القرب من النافذة. وتفادى تحريك ستارة. أصبحت حاسة السمع صلته بالعالم، وفقد الصلات الأخرى المتنوعة، صلة القدمين بالشوارع، والعيون بالفضاء، والجسم بالبرد والحر. فقد ملامسة الناس بالمصافحة. ولمس الخضار والفواكه في الدكان. والاستمتاع بواجهات باعة الحلوى. وتذكر هبات الحياة المتنوعة: الروائح التي كانت تهفّ عليه وهو يعبر البساتين والبيوت، عبق التراب بعد المطر، ألوان الحشائش والزهور، ألوان السماء الفاتنة، حركة الضوء في أوقات النهار وفي الفصول، نعمة انسياب الليل والنهار والشروق والغروب. كم تبدو الحياة باهتة دون حركة الإنسان في الأرض! هل دافع قيس عن نفسه فحشد الذكريات حوله وملأ بها البيت الذي أغلقه على نفسه كسجن؟ استعاد قريته البعيدة، ارتوى من ماء القسطل ومشى في سهل البطّوف. لمس شجر التين في طفولته. وسمع أغنيات أسمهان من "الفونوغراف". تذكر دمشق وليلى. ثم هرول إلى التفكير في الأحداث، وحلّلها مرة أخرى، وحاول أن يستشف نتائجها. لم يتساءل هل أنا على صواب أم على خطأ الآن. بل بدأ من ايمان متين بموقفه. لكنه شعر وهو يستعيد ماضيه القريب بأنه كمن يعزّل بيته قبيل الشتاء! يغسل جدرانه وأرضه ثم يرتب فرشه في مساحة نظيفة!‏

سيقول قيس فيما بعد لأصحابه: كنت في ذلك البيت السري في إربد كأني في انتظار القدر! تنفست في عمق وقت فتحت الراديو فسمعت إعلان الأحكام العرفية ومنع التجول في صباح 7 نيسان. أليست مواجهة المصيبة أيسر من انتظارها! سمح للناس بالتجول بين الساعة الثالثة والخامسة لشراء إفطارهم في رمضان. فتش قيس جيوبه فوجد أربعين قرشا. ووجد مع أبي قاسم أكثر منها بقليل. كان أبو قاسم غير معروف في مراكز الشرطة، مع أنه كان على رأس الدبكات وقت إلغاء المعاهدة الأردنية البريطانية، ومشى في الشوارع وراء حَمَلة المشاعل في الليل وفي مقدمة الاحتفالات والمهرجانات. ولكن من لم يساهم في تلك الأفراح؟! قال له قيس: تعرف أبي، فاذهب إلى دكانه في فترة التجول. مخزن الحبوب على بعد عشر دقائق من هنا! قل له إني موجود معك وسيعطيك مالا ومؤونة! خرج أبو قاسم ورجع بخمسة دنانير وبعض الحبوب، وبالصحف الأردنية الصادرة في ذلك اليوم ومنها صحيفة "الدعوة" التي يصدرها الإخوان المسلمون. فتحها قيس على عرضها. ماهذا؟ في صفحتها الاولى بخط أحمر وحروف كبيرة: هؤلاء هم الشيوعيون والبعثيون الخونة! في الصفحة الأولى ثلاثة إطارات. في الإطار الأول صورة فوتوغرافية غير واضحة كتب تحتها: الخائن خالد بكداش في موسكو مع سكرتير الحزب الشيوعي الإسرائيلي. وفي الإطار الثاني صورة رسالة كتب تحتها: رسالة الخائن أكرم الحوراني إلى الجنرال كاترو. وفي الإطار الثالث: قصيدة الخائن قيس..‏

طوى قيس الجريدة دون كلمة. وطبخ أبو قاسم مجدّرة من البرغل الموجود في البيت ومن العدس الذي أتى به من دكان أبي قيس. أكلا صامتين. قال أبو قاسم: كان يجب أن أشتري لبنا نشربه مع المجدّرة! لم يجبه قيس. مايزال مشغول البال بما نشرته الجريدة، مع أنه يثق بأن الناس الذين قادهم في المظاهرات ضد الأحلاف يعرفونه، ولايمكن أن يصدّقوا أنه كتب تلك الكلمات!‏

شرب قيس فنجان الشاي، وقال لأبي قاسم: تعال ياأبا قاسم نتحدث الآن! الصورة الأولى فيها غبش، وتحتاج الى خبير يظهر إن كانت حقيقية. إذا كانت حقيقية فهي تسجل أن قائد حزب اجتمع مع قائد حزب آخر، ولذلك الاجتماع أسباب هو المسؤول عن الدفاع عنها. مع أني أعرف أن ميكونيس روسي أبيض، معاد للثورة! وستبين الأيام صحة رأي قيس يوم يؤيد ميكونيس العدوان على سورية ومصر والأردن في حزيران. وسيصبح ابن موشيه سنيه، افرايم سنيه، الذي كان سكرتير الشبيبة الشيوعية، وزير الصحة في حكومة بيرتز! وسيقول موشي دايان في تأبين ميكونيس: سيأتي اليوم الذي ستعرف فيه الحركة الصهيونية أية خدمات كبرى قدمها هذا الرجل لها! قال قيس: يشترط الموقف الصحيح من اليسار الصهيوني، وعينا. المسألة هل نصدّق هذا اليسار أم نفهم أن الصهيونية واحدة ذات وجوه وألوان!‏

أما رسالة الحوراني إلى الجنرال كاترو فقد تكون مزوّرة مع أن الحوراني لم يكن وقتذاك اشتراكيا. فإذا كانت صحيحة فيجب أن تُفهم في سياقها وزمنها لأن الرجل حارب المحتلين الفرنسيين. أما هذه القصيدة المنشورة فهي قصيدتي حقا، وأنا الذي كتبتها! والحق مع من يتهمني، لأني أقول فيها لرجل يؤكد ضرورة عودة اللاجئين إلى وطنهم: خسئت! فينهض عرفان ويقبلني ويقول لي: هذه قصيدة تنضح بالأممية! وسأروي لك كيف حدث ذلك!‏

في سنة 1954 جرت انتخابات نيابية زوّرت بشكل واضح. وكانت جماعتي تدعم في إربد رجلا وطنيا هو أحد المحامين الذين دافعوا عن عرفان عندما اعتقل وحوكم في سنة 1952. زوّرت الانتخابات بطريقة فظة. وعندما بدا التزوير وأفلت الغضب والصراخ في الساعة الحادية عشرة ليلا، جاء رجال الشرطة، ضربوني وسحبوني من مركز الفرز في البلدية إلى السجن. كانت المسافة بين البلدية وبين السجن لاتزيد عن عشرة أمتار. وفي الفجر نقلوني الى الجفر بالسيارة. فالتقيت بعرفان للمرة الثانية.‏

في هذه المرة تعرفت بيعقوب. كان فراشي بجانب فراشه، ومقابلي فراش الدكتور عبد الرحيم بدر. لاتعرفه؟ رجل محبوب، واسع الثقافة، طبيب وأديب وناقد كتب كتابا في الفلك عنوانه الكون الأحدب، وهو الذي نبهني إلى روايات الكاتب الايطالي إغناسيو سيلوني الذي كتب فنتيمارا، والخبز والنبيذ، والبذرة تحت الثلج.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:42 AM   المشاركة رقم: 59
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

هل عمّق الاعتقال الثاني شعوري بأن عرفان لايجسد المثل التي حلمت بها، وأن ظله أطول منه؟ ومع ذلك ألم أستر عن نفسي مخالفة الإجماع يومذاك لأن تلك المخالفة تساوي جريمة؟ ألم أحاول أن أقنع نفسي بأني كنت مخطئا في حدسي؟ أقام عرفان صلة جيدة بأحد ضباط المعسكر، فأمّن له الصلة بخارج الجفر. صار الضابط ينقل الرسائل من عرفان وإليه. وقد وصل مقال كتبه عرفان عنوانه "نهرو كلب حماية المصالح الاستعمارية في الهند". كانت آسية قد بدأت تنهض ومعسكر عدم الانحياز يتلامح ولنهرو مكانة مهمة في تلك المساحات، وكان موقفه من العرب جيدا. لذلك تأملنا المقال بدهشة وتساءلنا هل هذا خطأ أم هو نتيجة غربة القائد عن الأحداث؟ لابد أن العزلة منعت ذلك القائد من متابعة حركة الدنيا! ولم ينشر المقال الذي كتبه عرفان.‏

في تلك الفترة ولد مشروع جديد لتوطين اللاجئين في البلاد العربية. وأتى أحمد الشقيري يدعو لتثبيت حق اللاجئين الفلسطينيين في وطنهم. قوبل هذا الرجل باحتجاجات بتحريض من الشيوعيين، وقيل لي إن الشقيري ضُرب في منطقة أريحا بالبندورة والحجارة، واتهم بأنه يدعو إلى تحرير فلسطين من المستوطنين ورميهم في البحر! فكّر ياأبا قاسم معي الآن، هل كان موقفنا صحيحا يومذاك من رجل يدعو إلى عودة اللاجئين إلى أرضهم، أم كان موقف الشقيري هو الصحيح! كتبتُ يومذاك في المعتقل، برومانسية "ثورية"، قصيدة بدأتها: قل للمبشر بالرجوع خسئت من متآمر.. سنعود لكن لاعلى أشلاء شعب آخر!‏

في الجفر كان المعتقلون في برّاكات والمحكومون في برّاكات أخرى وبينهما شريط فقط. وكانت إدارة السجن تسمح للمحكومين بأن يتغدوا مع المعتقلين يوم الجمعة. فكانت أيام الجمعة لقاءات ثقافية يلقى فيها الشعر والنثر وما يترجمه بعضنا.‏

قرأت تلك القصيدة في اجتماعنا يوم الجمعة بعد الغداء في الجفر. كانت أقدام المحكومين مقيدة بالسلاسل، فوقف عرفان ورفع قيوده بيديه وقبّلني أمام الجميع. وقال: هذه قصيدة تنضح بالأممية، وتشبه القصيدة التي حيى غوته بها نابوليون عندما هزم جيوش بروسيا.‏

كنت شابا فتيا فكان تقدير قائد الحزب لي وعناقه وساما جديدا أضافه إلى أوسمته السابقة. لكني بعد سنوات تبينت ضحالة مفهوم عرفان عن الأممية وبساطة فكره. سرق اوكراني أو بولوني بيتي في فلسطين، فهل أعترف بما اغتصبه وأقول للشقيري خسئت؟! من حظي أن هذه القصيدة لم تنشر. يبدو أن جريدة "الدعوة" أخذتها ممن حفظها! وهذا درس يبيّن للسياسي أنه لايستطيع أن يرمي كلماته ثم يعتذر عنها! فسيحاسب على كل مقطع من حياته وعلى سياقها!‏

"خسئت من متآمر، سأعود ولكن ليس على، أشلاء شعب آخر"؟ هكذا أكون سقطت في قرار التقسيم الذي اعترف للمستوطنين الذين وصلوا إلى فلسطين قادمين من أنحاء الأرض، بأنهم شعب! وأخالف العناصر التي تكوّن الشعوب في عصور بتاريخ وثقافة وبنية روحية وأرض! ويحتفي بخطئي قائد حزب علنا فيقول لي "قصيدة تنضح بالأممية"! وأقول عنها الآن: غباء، وخيانة!‏

فهم أبو قاسم أن قيسا يتحدث إليه كمن يتحدث إلى نفسه. فهذه الأمور لاتبحث بهذه البساطة، في مثل هذا الوقت، والبلاد مشلولة بالأحكام العرفية، ورقبة قيس مشدودة بحبل من طرفين! قد تودي هذه الكلمات بصاحبها قبل أن تمسك به الشرطة! استنهض ذلك شهامة أبي قاسم. وتعلّم درسا من هذا الشاب الذي يماثله في العمر تقريبا، كان السوريون الرسميون أقدر على فهمه: في مسألة العلاقة بالصهيونية وإسرائيل كن مبدئيا وإياك أن تتأرجح أبدا! فهنا مقتل السياسي أو شرفه! لولا ذلك لما تزلف الحكام إلى شعوبهم بإدعاء أنهم أعداء إسرائيل!‏

تجوّل أبو قاسم بين محطات الإذاعة وخفّض صوت الراديو. يحفظ أوقات نشرات الأخبار في المحطات العربية كلها. لكن هل يقدّر الحرّ أهمية الراديو كما يقدرها الآن هذان الرجلان المختفيان في بيت لاترفع ستائره؟ سأله أبو قاسم: مارأيك في فنجان شاي؟ كان يريد أن يعرف مقطعا آخر من حياة قيس. ولم يبخل قيس عليه به! وكأنه كان ينقّب في شكه ويقينه.‏

أول مرة اعتقلت وضعوني في سجن إربد. كان ذلك في سنة 1951. بعدها اشتغلت فترة قصيرة جدا في عمان، في دائرة المياه والأراضي. وعشت في عمان. كنا أربعة في مجموعة: فائز ، وأنا، وعامل في محمصة اسمه خليل لاجئ من اللد، ومحمد.‏

ذات يوم اتفقت مع العامل خليل على اللقاء في مكان معين ليناولني حصتي من النشرة لأوزعها. نزلت من مكان عملي في جبل اللويبدة في عمان ومشيت إلى سينما الزهراء. عند المفرق هناك كان سيعطيني رزمة الجرائد. ورأيته. جاء على دراجة، سلمني الرزمة واختفى. كان يفترض أن أنزل على الدرج إلى شارع الملك طلال. لكن الشرطة كانت تننظرني على بعد خطوات من مكان الموعد. أمسكوا بي والرزمة في يدي كما هي، وأخذوني إلى قيادة شرطة عمان. لم أضرب، لم يمسني أحد. أرسلت بالسيارة في الليلة نفسها إلى معتقل الجفر. لماذا لم أقدّم إلى المحاكمة مع أن الدليل الذي يحكم علي به خمس عشرة سنة موجود، حسب قانون المكافحة؟ استنتجنا في المعتقل أني لم أقدم للمحاكمة كي يستر الخائن فيبقى في مكانه في الداخل.‏

هكذا وصلت الى الجفر أول مرة. لم أخفِ عن نفسي أني كنت سعيدا باللقاء بالقائد عرفان الذي اعتقل يوم دوهمت المطبعة التي كان فيها مع اثنين من القياديين وعامل مطبعة وقدموا الى المحاكمة. صدر الحكم عليه يومذاك بالسجن عشر سنوات وعلى الآخرين بسبع سنوات وثلاث سنوات ونقل عرفان إلى الجفر.‏

وصلت إلى الجفر إذن كمعتقل لاكمحكوم. وبحثت جماعتي ظروف اعتقالي وسبب استبعاد محاكمتي. اعتقلت في زمن حكومة توفيق أبو الهدى. وكان في الجفر خمسون أو ستون معتقلا. سيسجل بعض المعتقلين في مصر والأردن والعراق فيما بعد مذكراتهم. وستبدو أيام الاعتقال مركزا في حياتهم. سيكسب بعضهم منها الحكمة والتأمل. ولن تتفادى مذكرات يعقوب تسجيل مايخسره المعتقل كإنسان من علاقات بزوجته وأولاده، مع ماخسره في ذلك المقطع من عمره. لكن المعتقل لن يهب التواضع للمتكبر بل سيزيده غطرسة. كان المحكومون مع عرفان رشيد، وعبد الله عامل المطبعة ، وجابر الذي سيهاجر الى بورتوريكو بعد خروجه من السجن سنة 1967، وعبد العزيز الذي سيبقى فترة طويلة قائدا. سيكبر ولدا يعقوب بعيدا عنه، وستصرف زوجته سلوى شبابها في العناية بهما. وستتحمل أحيانا قسوة الصهيونيين الحاكمين في البلاد الاشتراكية. سترى جارتها الايرانية تتزوج من رجل ألماني مقدّرة أن زوجها المعتقل في ايران لن يخرج من السجن حيا. وستنفر منها لأنها لم تخلص للمحبوب. ولن يكون لدى سلوى غير صورة صغيرة تضعها خلف زجاج خزانتها لتذكّر ولديها بأبيهما المعتقل في الجفر.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-03-2009, 04:44 AM   المشاركة رقم: 60
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.39 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

نظم المعتقلون والمحكومون في الجفر أنفسهم في حلقات يناقشون فيها الوضع السياسي في الأردن والعالم العربي، وقرأوا مايكتبه عرفان في كراسات يتداولونها. قرأ قيس في إحدى الكراسات يومذاك دراسة عن تاريخ حركة التحرر الوطني الفلسطيني. قرأها مرة أخرى وأرِق في تلك الليلة. لم أستطع ياأبا قاسم أن أهضم ماكتبه عرفان! ذكر أن منظمات يهودية مثل شتيرن ساهمت بطرد الاستعمار البريطاني من فلسطين. من يجهل أن الانتداب نفّذ ماالتزم به في وعد بلفور فيسّر الهجرة الصهيونية ونقل الأراضي إلى المستوطنين، وسهّل تنظيم قوة عسكرية يهودية؟! نعرف كيف انسحب البريطانيون من كل منطقة في فلسطين ولمن سلّموها! وجدت نفسي أمام الأوهام التي نشرها اليسار الصهيوني ونقلها عرفان! لكن هل بقي عربي يجهل جرائم شتيرن؟! ربما بدأت من هناك بذرة الخلافات بيني وبين عرفان. لكن ماذا طمر ذلك؟ تقديس القائد وتنزيهه عن الخطأ، صموده في المعتقل؟ تحفّ بالقائد هالة من الثقة والاعتداد فتستر مايلتقطه حدسك، وتؤجل التفكير فيه. ويبقى خلافك معه في السر، ينتظر اليوم الذي يظهر فيه الخيط الأبيض من الخيط الأسود.‏

ذات جمعة احتفل المعتقلون والمحكومون بعيد ميلاد عرفان، وقرأت قصيدة كتبتها لتلك المناسبة. لاأستطيع أن أتذكر بيتا من تلك القصيدة. كأني ضيّعت المكان الذي طمرتها فيه! أذكر أنه أعجب بها فقام وعانقني وقبّلني وشكرني. في أيام تلك الرومانسية كانت قبلة القائد وساما من بطل وطني. فمرّت فترة لقبوني فيها بالمدلّل. مدلّل؟ اعتقلت قبل تشكيل المنظمة وكانت قصائدي على لسان الناس، ليس لأنها تحف فنية وإنما لأنها قريبة من قلوبهم. ومايزال أبناء جيلي حتى اليوم يحفظونها. قصائد لاتوجد عندي حتى أني فكرت بنشر إعلان أطلب فيه ممن يحفظها أن يرسلها إلي.‏

خلال اعتقالي، مات ستالين في آذار سنة 1953. كان ستالين وقتذاك يعني انتصار الاشتراكية في الحرب العالمية الثانية! اجتمعنا في يوم الجمعة، يوم لقاء المحكومين بالمعتقلين، في احتفال تأبين، وألقيت القصيدة التي كتبتها عن ستالين. كان الطقس باردا جدا في ذلك المعتقل الصحراوي، وكل منا يلتفّ ببطانيته. ألقيت القصيدة فقام عرفان وعانقني وقبّلني. وكان ذلك وساما آخر يعلق عليّ! كنت أستطيع أن أتيه بأوسمتي حتى يسمع رنينها في عمان! لكني تبيّنت أن الولاء للقائد لاللمبدأ هو الثمن الذي يدفع عادة. نعم، الولاء لشخص! وكأنما المسالة ليست حقا وباطلا أو صوابا وخطأ، بل هات وخذ! قلت لنفسي هذا ليس صالونا اجتماعيا بل مكان وطني، وليس ملكا شخصيا حتى لقائد حزب. الجميع سواسية أمام معيار الحق والباطل! هل كنت مخطئا ياصديقي أبا قاسم؟ سأله أبو قاسم: لماذا تعذّب نفسك؟ أفد من هذا السجن الاختياري ونم! ماأبعده عن النوم! هل يكفينا السكّر؟ فلنشرب إذن كأسا أخرى من الشاي! بقيتُ يومذاك أربعة أشهر في الجفر انتهت بالعفو العام باعتباري غير محكوم. استقالت يومذاك وزارة توفيق أبو الهدى وأتى فوزي الملقي وكان قريبا من الحركة الوطنية فشكل الحكومة وكان فيها شفيق رشيد وزير العدل فصدر عفو عن المعتقلين غير المحكومين فخرجت. لكني في تلك المدة القصيرة من الاعتقال أخذت السل الرئوي، وبدأت أنزف، فذهبت لأتداوى في دمشق. تناولني سليمان وكان قد خرج من السجن في تدمر. أخذني إلى أستاذه بشير. وضعت في غرفة في آخر الممر في الطابق الثاني في مستشفى الغرباء، تطل على مآذن التكية الرشيقة وعلى النخل والأشجار. وكان يعودني مع صديقه فوزي، طالب الطب، وأصحابه الأطباء كل يوم!‏

سيقول عمر لليلى فيما بعد وهما يتابعان عملية سناء محيدلي التي فجرت نفسها في المحتلين: ألا تلاحظين أن لكل زمن روحه وايقاعه؟ طوى القوميون السوريون صفحة غسان جديد وعبد المسيح. قلبوا صفحة الخمسينيات وانغمسوا في المقاومة في جنوب لبنان. يبدو أننا الآن بعد عقود مرت، نستطيع أن نضع التفاصيل في لوحة الزمن. كنا يومذاك ندافع عن وطن مهدد بحرب وإنزال واغتيالات وتدخل عربي. ولم نتهيب ذلك! كان كل منا يشعر بالمسؤولية عن الوطن، لأنه لم يبايع مجموعة سياسية بتلك المهمة وينحسر عن واجباته الوطنية!

في يوم دافئ من أيام تشرين المشمسة قبل عقود، تناول عمر جريدة الفيحاء من دكان الجرائد مقابل التجهيز وانساب نازلا في طريق مرصوف بالحجارة السوداء عابرا أشجار الكينا في كازينو دمشق الدولي. كم يحب هذه الأشجار الباسقة! عرفها منذ انتسب إلى الجامعة. وستظل حتى نهاية القرن العشرين واقفة ممشوقة حتى يقصها فندق الفصول الأربعة ليقيم كتلته الغليظة فوق بيوت زقاق الصخر كلها وفوق حديقة كازينو دمشق الدولي كلها.

رأى عمر طلابا يتصفحون الجرائد مثله. يتابعون محاكمات القوميين السوريين. كانت لديه نصف ساعة فقط قبل المحاضرة. فقرأ مطالعة الرئيس محمد الجراح، مساعد النائب العام لدى المحكمة العسكرية الموقتة، في قضية اغتيال عدنان المالكي. كانت المفاجأة رسائل هشام الشرابي إلى عصام المحايري. بدت في الصور صفوف من الناس الذين حضروا المحاكمة. وفي وسطهم رشيقة، معلمة التاريخ، تحيط رقبتها بمنديل أسود علامة الحداد على عدنان المالكي. قرأ عمر الرسائل التي عرضها الجراح!

"الرجاء إعلامنا عن عنوان خاص بدمشق لاستعماله في المستقبل، أو إذا أردتم سنداوم على الرسائل بواسطة بيروت.. هذا التقرير سري في غاية الخطورة مستقى من مصدر موثوق به مطلع على دخائل السياستين العربية الأمريكية، وعلى اتصال وثيق بالمراجع العليا المسؤولة في أمريكا والعالم العربي.. يجب أن يلقى عناية فائقة منكم.. نظرا لتعاقب الحوادث الآن على مسرح شرقي الأردن. 1 - الوضع في الشرق الأوسط على مفترق طرق أكثر من أي وقت مضى، والحكومة الأمريكية عازمة عزما أكيدا على تنظيم الدفاع عن الشرق الأوسط وسدّ الثغرة فيه مهما كان الأمر، وخطتها في ذلك ربط العراق أولا بحلف مع تركيا، كما جرى أخيرا، ومن ثم الأردن والجمهورية السورية ولبنان. 2- بموجب هذه الخطة ينفصل العالم العربي إلى منطقتين شمالية وهي الهلال الخصيب، وجنوبية هي مصر والسعودية. 3- لبنان والأردن راغبتان في الانضمام إلى الحلف العراقي التركي والمسألة مسألة وقت. 4- تبقى الجمهورية السورية وهي في وضعها الحالي عاجزة عن اتخاذ موقف حازم تجاه هذه القضية. وبالنظر لحالة الجمهورية السورية الحاضرة فالاتجاه يسير نحو إشراك الأردن ولبنان بالحلف العراقي التركي تاركا الجمهورية السورية في حالة عزلة من المنتظر أن ينشأ عنها نوع من الانقلاب الداخلي يكون بحكم الضرورة مؤيدا لموقف الدول السورية الثلاث الأخير المشار إليه أعلاه.












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

تصميم و وتركيب انكسار ديزاين

جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 02:52 PM.




Powered by vBulletin Version 3.7.3
جميع الحقوق محفوظة لشبكة قامات الثقافية 2008
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009