عالم من الإبداع

 

    

آخر 15 موضوع
تبتلٌ و تهتُّك           »          وحْدِي سأحْرسُ بسْمةَ الموناليزا : شعر: محمّد بوحوش – توزر- تونس           »          أُجاجٌ بعد شهْد           »          حلْمٌ على كحْلْ           »          قوّني في شهرك الكريم           »          محاكمة حب           »          لوَّنتني من لماها           »          عقاربُ ساعاتكْ           »          أمَلي تبقى إليَّ مُنى           »          أناي           »          << أمــــا...>>           »          << إلاَّ أن تخــــــــــــوني..>>           »          حين يتحكم الآيفون           »          كلّما زادَ سرُّهُ كان آسِرْ           »          أو ما يكفي رسول الله نهرا



حصريات المنتدى

                                            

العودة   شبكة قامات الثقافية > قامات الفكرية الثقافية > اقرأ

موضوع مغلق
قديم 01-17-2009, 01:17 AM   المشاركة رقم: 81
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
خجلت مديحة. لكن بدا لها أن ليلى أيضا لا تفهمها. كيف يمكن أن تفسر لهما أن ماتريده لمجتمعها هو العدالة التي يتساوى فيها الناس؟ لايعيش الناس خارج بيت ليلى كما تعيش هي وأمها! لاتستطيع مديحة، شخصيا، أن تقتل الغني لأنه غني، ولكن ألا يجب أن يعاقب التجار الذين يستغلون الأزمات ويحتكرون قوت الناس؟ ألم يتملق التجار حسني الزعيم والشيشكلي لحماية تجارتهم؟ المهم عندهم المال، أما المهم عند مديحة فهم البشر! لكن من هم الأغنياء؟ التجار أم الصناعيون؟ أصحاب الشركة الخماسية، الذين ينتجون القمصان القطنية الطرية، والشراشف القطنية البيضاء المريحة، وقماش المقاعد والستائر الأنيق، والدامسكو السوري المشهور؟ ماذا تفعل بصناع الأغباني الفاخر الذي يشتريه السياح والغرباء والزوار العرب ولابد أن يكون لدى المرأة الدمشقية شيء منه؟ ستؤممهم؟ ستوزع على العمال أموالهم؟ من سيدير تلك المعامل بمهارة كمهارتهم ويستطيع أن يسوّق بضائعها مثلهم؟ هل سترمي مديحة خبرتهم في الصناعة والتسويق؟ لعلها لمست بخفة ماسيلعب بالجزء الأخير من القرن العشرين فيرفع شرائح اجتماعية ويمزق أخرى، ويحشد مجموعات المنتجين ويشعرها بأنها مالكة وطنها وقدرها، ويؤسس فئات طفيلية وفئات جلفة عالقة بها.‏

لكن مديحة رجعت يومذاك إلى بيتها بأمرين تفكر فيهما. أحقا لم تقدم بعد لبلادها شيئا، لأنها ماتزال شابة؟ ألم تُفشل بالمظاهرات التي مشت فيها والعرائض التي جمعت التوقيعات عليها والاجتماعات التي حضرتها وبالتدريب في المقاومة الشعبية، حلف بغداد ومشروع الهلال الخصيب والمؤامرات على سورية، وتحرض الروح الشعبية على المقاومة؟ والأمر الثاني هو فلسطين. تعرف أن أي سوري لايقبل تقسيم فلسطين. وأن أي عربي يعرف أن المستوطنين احتلوا فلسطين تحت جناح الانتداب البريطاني. تعرف أن أي عربي يفهم أن وعد بلفور وهب أرضا عربية لايملكها لغرباء اوروبيين لاعلاقة لهم بها. ألم تمش في المظاهرات مع التلاميذ في ذكرى وعد بلفور كل سنة؟ لاتقبل أبدا موافقة الاتحاد السوفييتي على تقسيم فلسطين وموافقة الشيوعيين على تلك الجريمة! لكنها لن تجسر أن تسأل: لماذا؟ ولن تقول يجب الاعتراف بذلك الخطأ علنا! وسيبقى في ذاكرتها أن النقابي الذي دعت عمرا إلى اجتماع به اتهم أهل فلسطين بأنهم خونة فثار عليه عمر. ستمر سنوات طويلة قبل أن تكتشف ماسببته الموافقة على التقسيم من خلافات خسر فيها من لم يوافق على القرار السوفييتي، وعرف قوة النفوذ الصهيوني هناك، واستشف أن الصهيونية ستفتت المعسكر الاشتراكي ثم تلغيه. لكن غادة هي التي ستحمل لمديحة بعد عقود كلمة كتبها فرج الله وثبّتها أكرم الحوراني في مذكراته: "الديمقراطية الحقيقية تبرأ من الصهيونية.. الفلاح العربي والإقطاعي العربي حين يكافح الصهيونية ويدافع عن أرضه ووطنه هو أقرب إلى الديمقراطية والاشتراكية من أي صهيوني أو أي نصير للصهيونية ولو انتسب إلى أكبر الأحزاب الديمقراطية والاشتراكية في اوروبا وأمريكا". لكن غادة ومديحة لن تقدّرا أن ذلك المقطع الذي نشر في بيروت سيدفع قيسا إلى تأمل طويل. سيعيده إلى خلافه مع عرفان، وسيرى أن فرج الله كان يرد عليه وعلى من يماثله، ويسند رئيف خوري الذي أبعد لأنه رفض التقسيم. وسيبدو له أن فرج الله ينتقد النفوذ الصهيوني الذي تبيّنه قيس في البلاد الاشتراكية. وسيتساءل لماذا كتم الآخرون ذلك وباح به فرج الله؟ وسيقول كالحكيم العجوز: تجد الحقائق من يكشفها ومن يدافع عنها ولو بعد أزمنة طويلة. وسينتبه إلى أن الصهيونية كانت موضع خلاف بين اليساريين العرب يوم توهم بعضهم أن المستوطنين القادمين من روسيا اشتراكيين ولذلك هم أقرب إليهم من الإقطاعي العربي. أكدت ذلك الاتجاه بيانات اولئك الاشتراكيين الروس الذين وزعوها في مظاهرة في أول أيار في يافا فأشعلوا الصدام في المدينة العربية. وسيصنف ذلك، مع اكتشافات أخرى بينت له أن جابوتنسكي الصهيوني تدرب في الجيش الأحمر وتصور أنه يمكن أن يجعله حصانه. سيرى قيس أن "التاريخ يعيد نفسه" بشخصيات عربية تدافع عن إسرائيل باسم الديمقراطية فترى العرب ضحايا أنظمتهم وضحايا إسرائيل معا. وأن الديمقراطي الإسرائيلي كالديمقراطي العربي يواجه النظام الإسرائيلي والأنظمة العربية معا! مهملين مايسمى استعمارا واستيطانا!‏

عرفت غادة يومذاك الحوار الذي جرى بين مديحة ومنور. ويوم تغدت عند ليلى قصدت أن تكرر لمنور أمام مديحة كلام أكرم الحوراني: "أدّت البورجوازية السورية بنشاطها الاقتصادي والتجاري والصناعي والاجتماعي والوطني والعربي خدمة للقضية السورية والعربية لاتقدّر بثمن. فهي التي قادت النضال الوطني في مواجهة الانتداب الفرنسي، وكان لها الفضل في تحقيق الاستقلال وجلاء الجيوش الأجنبية عن سورية". ومع ذلك تصورت مديحة وغادة يومذاك أن هدف المؤامرات على سورية استبعاد اليسار. ولم تقدّرا أن تدمير البنية السياسية والاقتصادية السورية التي تكنز الخبرة والتجارب هو الهدف. وأن البورجوازية تقع وسط تلك الأخطار. وسيتذكر أحمد عبد الكريم فيما بعد أنه سمع غولدا مائير، خلال تأميم المعامل السورية، تحمل على البورجوازية السورية لأنها معادية لإسرائيل. وستكون من الأخطاء التي سيتبينها السياسيون متأخرين تصفية البورجوازية الوطنية وتأميم المعامل الصغيرة وتهشيم البنية التي كان يمكن أن تسند الاقتصاد الوطني والقطاع العام. وسيتبينون أن دمارها فتح المجال لطفيلية جشعة استغلت مراكزها السياسية وسحقت الطبقة المتوسطة، ولم تؤسس مشاريع اقتصادية مستقلة بل كانت شريكة مشاريع خارجية وهرّبت أموالها خارج بلادها.‏

استمعت مديحة إلى غادة وقالت لها: أعترف لك بأن الجبهة القومية الآن حاجة وطنية. ضحكت غادة: رضيتِ عن البورجوازية أخيرا؟ نسيتِ أنكم سميتم فخري البارودي بورجوازيا عميل استعمار! علّتك يامديحة أنك لاتشعرين بقوة الروح التي تجمع العرب من الخليج إلى المحيط. تطبقين قوانين الاقتصاد بجلافة على الحياة، كأن البشر آلات تحتاج الزيت والمدير فقط. تهملين الروح التي جعلتنا ننشد "بلاد العرب أوطاني" في بلاد الشام. وننشد في المظاهرات "ياظلام السجن"، النشيد الذي أنشده المقاومون الفلسطينيون في سجون الاحتلال البريطاني في فلسطين! تجهلين هذا الإرث الطويل الذي تكنزه الروح العربية! ألم يجمعنا المتنبي والمعري وشوقي؟‏

نظرت مديحة إلى غادة كما ينظر الكبير إلى الصغير: اسمعي ياغادة! أنت مخلصة وطيبة. لكنك بورجوازية صغيرة لاتستطيع أن تحيط بحركة المجتمعات العظيمة. ستكونين مضطرة كشخص من الطبقة الوسطى إلى الاختيار، فيما بعد. فإما أن تصبحي من القلة التي ستصعد إلى الطبقة العليا، أو أن تصبحي من الأكثرية التي ستهبط إلى أسفل! لكن الفرز بدأ في السياسيين لديكم. صلاح البيطار غاب في أمريكا وكاد ينسى العودة! وهاهو بعد عودته ينظّر لتغيير الموقف من الولايات المتحدة ويرمي على العرب سبب جهل الغرب بقضايانا! كأن المسألة عواطف لامصالح! وكأنه يريد أن يبعد سورية عن الاتفاق والتنسيق مع الاتحاد السوفييتي! اسمعي يامديحة! لاتتنبئي بمستقبلي كأنك بصّارة برّاجة! أما صلاح البيطار فلست مسؤولة عنه وقد لاأوافق على تلوّنه. لكن أرجوك لاتتحدثي عن الاتحاد السوفييتي كأنك تملكين العلاقة به! ليس في مصلحتك أو مصلحته أن تظهري كجزء منه. نحن كبلد نريد العلاقة به. ألم تلاحظي أن اليمين كله رحب بالاتفاقية مع السوفيت، فصوّت في المجلس النيابي على الاتفاقية الشاملة معه؟ بل تحدّث اليمين عن خيبته في ألمانيا التي انحنت للضغط الأمريكي فمنعت قرض البنوك الألمانية لسورية، وعن تراجع الغرب عن بناء سد الفرات.‏

تابعت منور حوار غادة ومديحة. وقالت ماستتذكره غادة ومديحة فيما بعد: ستصحح الحياة الأفكار التي ينثرها الإنسان في بساطة. قد يوفق المحظوظ فيستشف الحقائق دون خسارة. لكن ثمن الحقائق التي تكتشفها المجتمعات باهظ. أتمنى لكن يابناتي ألا تدفعن ثمنها الغالي! لكن تذكرن أن الإنسان قد لايجد في سهولة صديقا وفيا! لاتفرّطن بما تربيه أجمل أيام العمر، أيام صباكن! لاتتركن خلافكن على فكرة يدمر الصداقة!‏


متى بدأت مديحة تشعر بأنها قريبة من فوزي؟ يوم عانت من جمع التواقيع على عريضة تطلب منع التجارب الذرية والقنابل النووية؟ قالت لفوزي يومذاك: تفرج! شطبت بعض النساء توقيعاتهن! وسألني بعض من اقترحت عليهم العريضة: ماعلاقتنا بالقنبلة الذرية؟ عندما يتضامن الغربيون معنا ضد المحتلين الإسرائيليين سنتضامن معهم ضد التجارب الذرية. وقال لي آخرون: لو قدمتِ لنا عريضة ضد احتلال فلسطين لوقعنا لك عليها! باح لها فوزي يومذاك: المهم عند أصحابنا أولا أن تمشي العريضة في الشارع ويألف الناس طرح هذه القضية العالمية. وثانيا أن نبين لمجلس السلم العالمي أننا جمعنا آلاف التواقيع وسجلنا مكانة عالمية! خشيت مديحة أن تميز السخرية من الجد في كلامه. ولم تستطع أن تقول له اعفني في المرة القادمة من مثل هذه المهمة!












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:17 AM   المشاركة رقم: 82
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
موّهت علاقتها به كزميل أنه ممثل هيئات عليا يغلفها الغموض بالقداسة. ولاحظت أن فوزي متحرر من الصيغ اليابسة. فعندما اقترح دراسة كتاب "تاريخ الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي"، بدا كمن يبلّغ بأمر لايقنعه. سألته مديحة بعد أن خرجا من ذلك الاجتماع: لماذا لاندرس مثلا شيئا من تاريخ سورية؟ ردّ: ولماذا لانناقش مثلا الوحدة العربية والمواقف منها؟ أو مانتصوره لحل مشكلة فلسطين؟ فهمت أنها لمست تساؤلا يلوب في روحه. وستتبين فيما بعد أن فوزي كان أقدر منها على التساؤل لأنه حلقة تنقل تعليماتٍ مؤسسةً على ثوابت مستقرة مهما تباينت الظروف المحلية، وعلى أسلوب عمل معتمد عالميا. وكان يصعب أن تحرّك في مرونة. من التعليمات دراسة كتاب ستالين عن المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، وكتابه عن اللغة. ودراسة كتاب أسس الماركسية اللينينية.

ولماذا يامديحة؟ كي نبدأ من منظومة كاملة. فنعتمد أن الماركسية اللينية هي القادرة وحدها على تفسير العالم وفهمه. وأن الحزب الذي يتبناها هو حزب الطبقة العاملة والفلاحين الوحيد ولاحزب آخر معه. وكل مجموعة تعارضه هي تحريفية يجب أن تقمع وأن يشهّر بها. والتشهير دون رحمة من وسائل الدفاع الشرعي الذي تفترضه المسؤولية. من المسلّمات التي لاتناقش، إذن، أن أحزاب الاشتراكية الديمقراطية أحزاب خائنة. وفي هذا السياق تفسر التصفيات التي اعتمدها ستالين والقيادة السوفيتية، وتعتبر حكما عادلا على المنشقين ولو كان ذلك بتصفيتهم الجسدية. وبما أن الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي قائد بلد الاشتراكية الأول فهو قائد عالمي تعتمد آراؤه وقراراته في المستوى المحلي. وتلتزم الأحزاب المحلية بالدفاع عنه بشكل مطلق لأنه سند حركات العمال والفلاحين والاشتراكية في العالم كله. لو سألتني رأيي لقلت لك إن كل مسألة من هذه المسائل تستحق أن تناقش في ظروف العالم الجديدة. فهل يحق للاتحاد السوفييتي أن يغير رأيه في البورجوازيات الوطنية ولايحق لنا التفكير في مايتجاوز ذلك؟ وكيف نتبنى القمع كأسلوب في تصفية الخصم هناك ونحن في بلاد تطلب الحرية ويجب أن تؤسّس عليها مستقبلها؟! وكيف ندرس تاريخ حزب بعيد عنا جغرافيا، ونهمل ثنايا تاريخنا المجهولة؟

ستعرف مديحة فيما بعد أنها بقيت على شاطئ النشاط العام الذي وضعها مع فئات متنوعة في مجرى حركة التحرر الوطني. وستعرف أن فوزي لم ينظر إلى تلك التعليمات ببساطة، بل فحصها مبكرا، ورأى ضرورة أن يستنبط أي حزب محلي سياسته من واقعه وحاجاته. وأمسك كدليل على ذلك اعتراف الأحزاب الشيوعية بتقسيم فلسطين. "موافقة الاتحاد السوفييتي على التقسيم، مشكلته! نحن كعرب لايمكن أن نتبنى ذلك الخطأ! لاتقولوا لي إن التقسيم حلّ استدعاه الواقع! ففي الواقع لم يكن اليهود أكثرية في فلسطين، ومع ذلك أعطاهم التقسيم مدنا عربية صافية ومناطق زراعية خصبة! خريطة التقسيم عنصرية استعمارية أول من اقترحها في أيام الانتداب لجنة بريطانية. يجب أن نعلن ذلك! ولو أكد سياق الأحداث أن الهدف لم يكن تثبيت دولة فلسطينية على أساس التقسيم. وتذكروا أن التقسيم وهب الاحتلال والاستيطان غطاء دوليا"! ظل فوزي خصما غاضبا يدين الموافقة على التقسيم ويرى ضرورة الاعلان عن خطأ الاتحاد السوفييتي يومذاك، وكل عربي وافق على القرار السوفييتي مخطئ! لذلك يجب ألا يدان من هاجم مكتب الحزب، ويجب ألا يعتبر شهيدا من قتل في المكتب! سيقال إن فوزي تبحّر في تقرير خروشوف السري إلى المؤتمر العشرين، الذي نشرته جريدة البعث. وسيروى أنه قال "ماتزال عبادة الفرد مرضا يهب القداسة والعصمة لأفراد ويمنع نقدهم. هذه التربية أفسدت القياديين وعلمتهم أن القاعدة خادمة لهم".

سيقول فوزي، بعد عقود، إن قوة المنظمة سددت أحيانا لتقتص من أشخاص تميزوا بكبرياء منعهم من العبودية. ولم يوافقوا على تنزيه القائد كأنه قديس، وفكروا بضوابط تمنعه من أن يرعى أسرته في مروج القاعدة، ويفيد من موقعه السياسي ليجني المكاسب ويوزع الوظائف، ويضيع الحدود بين مال الحزب وماله الشخصي. لذلك سيتهم فوزي بأنه صاغ أفكاره المنحرفة من علاقاته ببعض العراقيين الذين حكوا له عن حادثة واقعية: رفض فهد وهو في السجن اعتراف الاتحاد السوفييتي بتقسيم فلسطين. وأرسل رسالة إلى حزبه يحذره فيها من الاعتراف بالتقسيم. وذكر بأن اليهود ليسوا قومية، وأن ميثاق الحزب سجل أنه ضد الصهيونية. لكن قيادة الحزب خارج السجن لم تصغِ إليه! سينتهي فوزي بعد عقود إلى اقتراح يطلب استقلال الحزب عن أية قرارات خارجية. وسيكون من المجموعات الاولى المتهمة بالانشقاق. لكنه سيكون أول من يوضح أن إلغاء المعسكر الاشتراكي خيانة عظمى، كسرت التوازن العالمي ورجحت العدوان الإسرائيلي في الصراع العربي الصهيوني.

استمعت مديحة في الاجتماع الأسبوعي إلى فوزي. كان جدول أعمال الاجتماع الاستعداد لمهرجان موسكو. تحدث فوزي عن تلك المناسبة التي ستخرج فيها موسكو من أسوارها، وستنطلق فيها سورية خارج حدودها. ترى اللجنة التحضيرية أن يمثل وفد سورية اتجاهاتها الفكرية والسياسية والشعبية. سيكون وفدا قويا في مستوى الأخطار والمسائل الموضوعة أمامنا كبلد عربي مهدد بعدوان إسرائيلي أمريكي، وكمركز مقاومة وطنية يتقدم حركة التحرر العربية. سيكون في الوفد أعضاء في البارلمان، وفريق فني يقدم رقصات وأغاني شعبية، وفريق رياضي، وشخصيات سياسية وأدبية منهم فخري البارودي، وطلاب مستقلون، وممثلو أحزاب. مهمتنا أن ننتقي الطلاب المناسبين للمهرجان. يامديحة، أنت المسؤولة عن انتقاء الطالبات المناسبات!

احمر وجه مديحة وقتذاك. هل تستطيع أن تتحمل هذه المسؤولية؟ هل هذا اختبار في ترجيح الحكمة على الهوى؟ جربت مديحة حتى ذلك اليوم دعوة الطلاب إلى اجتماعات عامة، كالاجتماع الذي تحدث فيه النقابي. أو الدعوة إلى احتفالات بمناسبات وطنية كعيد الجلاء. فهل يؤهّلها هذا لمهمة معقدة مثل هذه؟

لم ينتظر فوزي يومذاك رأيها في أن تقبل أو ترفض المهمة. لكنه لم يُظهر لها أنها أمر. قال لها وهما يخرجان من الاجتماع: انتقاء طلاب وفد سورية إلى مهرجان الشباب يتصل بالدفاع عن الوطن في هذه اللحظة. وأعتقد أنه يقع في هواك يامديحة! سألته مديحة: متى تريد أسماء المقترحين للوفد؟ ردّ: خلال أسبوع!

يالهذه المهمة التي سيحاسبها عليها ضميرها! فالسفر امتياز يقدم شخصا على آخر! المسؤولية إذن سلطة. فهل انتبهت مديحة إلى مافي المسؤولية من قوة تقرر قدرا؟ وإلى حدّها الخطر الذي لايلجمه إلا الضمير؟ لم تفكر مديحة في السلطة التي تكسر حامليها وضحاياها أو تنقذهم. فأسطورة الحسن والحسين تبهرها، ورجاء حسن مَثَل قريب، كجميلة بو حيرد، وكالقسام الذي سعى إلى فلسطين وكان أول شهداء الثورة، ويوسف العظمة قبلهم. وكان الثوار الذين رأتهم في "التراجيديا المتفائلة" وفي "الطلقة الواحدة والأربعين" يسحرونها. المسؤولية لمديحة كما هي لاولئك! ليست البحث عن الوجاهة والمنفعة، بل أن تسبق الآخرين بالتضحية!

مشت مديحة مع فوزي خطوات. وانتبهت إلى ربطة عنقه الطائشة. يحب ربطات العنق الأنيقة! ومنها يبدو أنه ميسور وكان يمكن أن يستسلم للدعة والغنى، فأبوه المحامي يؤمن له أكثر مما يحتاجه كطالب في الجامعة، حتى قيل: لم يبق غير أن يشتري له منذ الآن مكتبا وسيارة! قالت لنفسها: ليس جميلا، لكنه وسيم، وأنيق. ودّعته ومشت إلى نادي الجامعة. رأت ليلى تجلس مع غادة. فتساءلت هل خطر لها أنهما مناسبتان للوفد لأنهما صديقتاها أم لأنهما تستحقان ذلك؟ وأجابت: بل ذلك حقهما! ومشت إليهما. قالت لها غادة: سأستشير رفاقي! وقالت لها ليلى: سأفكر في ذلك! نهضت ليلى. لاتطيق الجلوس الطويل! كان قيس يجلس مع عمر إلى طاولة قريبة، فاقترح عليه أن يمشيا في الحديقة. تأمل ليلى من بعد. كانت تلبس بلوزا أبيض ترفع قبته. قال لنفسه كأنها اودري هيبورن في فيلم غرام بعد الظهر. مشى خلفها مع عمر، وتأمل كعبيها، وكاحلها، ورشاقتها، وشعرها الذي يتأرجح مع خطوتها. راقبه عمر، ثم جره إلى حديقة كلية الطب.

كان قيس قد استدعي كي يرسل إلى مهرجان موسكو. ثم بدا مفيدا في أمر أكثر أهمية: الثورة المسلحة. فاستبقي. لكنه لن يشترك في ذاك ولافي هذه! لن يسافر مع العرب الذين سيسافرون من دمشق إلى اللاذقية! سيركبون الباخرة "جيورجيا" إلى اوديسا دونه، ويأخذون منها القطار إلى موسكو.

تعلمت مديحة وزميلاتها الدبكة في بيت الفرقة الفنية السورية في جادة البارلمان، وقاست الثياب الوطنية التي ستظهر بها وقت الحاجة. رتبت في محفظتها الطقم الذي ستلبسه في افتتاح المهرجان. الوداع! لم تقبّل مديحة أمها. لايحتاج غياب أسبوعين إلى وداع. حبست أمها دموعها وهي تتأمل ظهر مديحة: الأسبوعان للشباب برهة. لنا ماأطولهما! لكن من يستطيع أن يحبس أولاده!












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:18 AM   المشاركة رقم: 83
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
الطريق حتى حمص أرض قاحلة. لكن الجبال فاتنة. بعد حمص اخضرت الأرض. فتفرجت مديحة على الأشجار والجبال البعيدة. هناك لبنان! وعندما بدا البحر قالت للسائق: لنقف قليلا! قفزت من السيارة ونشرت ذراعيها، وتنفست هواء البحر وسعته الزرقاء، وملأ البحر عينيها. تذكرت الرحلة المدرسية التي سهرت فيها في اللاذقية مع زميلاتها حول أستاذ الموسيقى وهو يعزف لهن على الكمان سيريناد شوبرت.

في أواخر تموز سنة 1957 أبحرت الباخرة بالوفد السوري إلى مهرجان الشباب السادس في موسكو. كان في الوفد أكثر من أربعمئة وخمسين شخصا. من رصيف الميناء المزدحم صعدت مديحة إلى السفينة. كيف تعبّر عن هذا الشعور الذي يتداخل فيه الفرح بالاضطراب بهواء البحر الرطب بتأرجح السفينة؟ رأت فوزي أمامها:

- مديحة أحتاجك قليلا!

- هواء البحر مذهل!

تأمل فرحها النضر. ماأحلاها في هذا الثوب الأبيض! تكاد تطير كحمامة! أية أفراح ستصخب إذن عندما تنطلق الباخرة؟ قال لها:

- انتظري! لم نبحر بعد! سنبقى الليلة في الباخرة!

تجمع الوفد أخيرا! وصل الفنانون، والرسامون، والسياسيون، والطلاب، ومجموعة من الإذاعة السورية! جلست مديحة في صالون السفينة مع لجنة التنظيم، إلى جانب فوزي. وزع الأمكنة على الوفد. هذه أخت أحد الضباط..! هذه بورجوازية..! هذه قريبة الوزير..! اقترحت ليلى تعديلات تجمع الأصدقاء وتباعد بين المتنافرين. وأنتِ يامديحة؟ بقي لمديحة سرير في الدرجة الثالثة. نزلت السلم الضيق إلى قمرتها. آه، سرداب فيه نافذة مستديرة يتأرجح البحر فيها! لن أنام هنا! صعدت إلى سطح السفينة وتمددت على كرسي. داعب هواء البحر وجهها. النجوم والبحر القاتم، وهدير السفينة، دنيا مدهشة! لو تستطيع أن تفتح لها كل ثنية في روحها!

لم يهدأ فوزي. ومنذ أشهر لم يهدأ. تخرج سوريا إلى لقاء عالمي، وهي محاصرة ومهددة. النجاح الأول: الوفد! لايرى فوزي الحشو فيه، بل ينتبه إلى تنوعه، وشخصياته الثقافية والسياسية والفنية. تنظيم هذه المجموعة هو المهمة الثانية. تحريكها هو المهمة الثالثة! ولذلك تلزم الوفد لجنة تنظيم دقيقة وصبورة. يحلّ فوزي المشكلات الصغيرة دون أن يهمل المركزية. ويحاول ألا يُصدم من اكتشاف الطبائع. يشعر بأنه المضيف، فهل مديحة مثله؟ لاتهدأ مديحة في النهار. كأن مهمتها أن يكون كل من تعرفه راضيا! من وضع لك يامديحة تلك المهمة المستحيلة؟ لاتدرك بعد أن من الناس من يفسده الدلال! يامديحة، لاأحب هذا الأكل! وماهذا الكافيار الأحمر؟ هذا طعام فاخر! لاأحبه، يجب أن يجهزوا لي طعاما غيره! ماأكثر المشاكل الصغيرة! يدهشها أن يطلق بعض الناس أنفسهم على سجيتها كأنهم في بيت أهلهم! لاضوابط ولاحكمة! يستوقفها فوزي: مديحة، لاتبعثري نفسك! تشكو له: لايحبون الكافيار! فيرد: استمتعي به أنت وانتبهي إلى البحر! تنتبه إلى أبوّته وتلتقط نظرته إليها. تغمض عينيها وتقول لنفسها: مع أنه أكبر مني بسنوات قليلة!

وقفت قرب حاجز الباخرة وانصرفت إلى البحر. يالعمقه! صرخت: حوت! ماأجمله! نظر إليها فوزي. وقال لنفسه لأول مرة: أنت الجميلة يامديحة! تأمل عينيها، وتابع نظرتها. وملأه هوى حزين. أسند ظهره إلى جدار الممر وهو ينظر إليها، ورسمها على الورق. هل هي هذه الخطوط؟ من يستطيع أن يرسم روحها المتوهجة، وبراءتها! من بُعد رآها تنزل لتتفرج على آلات الباخرة، تضع يديها على أذنيها من الضجة، تتحدث مع البحارة بالإشارة. في الليل مرّ ليطمئن عليها. فاكتشف أن بعض الفنانين يدخنون في مقدمة السفينة. لم تعجبه الرائحة. تحدث معهم وحلّ المشكلة! لكنه بقي قريبا من مديحة حتى الفجر. بأي فرح فتحت عينيها ونطّت إلى طرف السفينة: البوسفور! لمحت أشخاصا يمشون في طريق كالشريط الضيق. لوحت لهم مع أنهم لايرونها! هذه تركيا التي تهددنا؟ تركيا أخرى، ماأحلاها! لابد أن أجدادنا مروا من هذا المضيق، ولعلهم مشوا في تلك الطرقات! قال فوزي: نعم، أية خسارة في أن يقطّع ذلك التجمع الشرقي الذي كان اسمه الدولة العثمانية، فتبقى منابع الفرات في مكان ومجراه في مكان!

أتيح لفوزي أن يعنى بمديحة عندما طرحها دوار البحر على الكرسي الذي لزمته في مقدمة السفينة. لاحظ دوارها منذ بدأ، وقال لها أسندي رأسك! حمل لها كأسا من عصير الليمون وحبوبا ضد دوار البحر. لاتقلقي، كل من في السفينة تقريبا مثلك! البحر الأسود! وأنتَ؟ أنا؟ لاحق لي في المرض! يجب أن أسند السفينة! ضحكت: تسند السفينة في البحر؟!

أي استقبال في اوديسا! لايعرفنا هؤلاء الناس ومع ذلك تفرج على الحب! بكت فتيات عانقن مديحة، غرست فتاة بروشا من الكهرمان على قميصها. وقف شباب لتلتقط لهم صور معها. وضعوا بين ذراعيها باقات من الزهر. تعلمت كلمات: مير، دروجبا، وتفاهمت بهاتين الكلمتين مع الناس. مكانها في القطار السرير العلوي. ربطت خصرها بالشرشف كيلا تقع! لكن هل تنام والمحطات تمتلئ بالناس طول الطريق! يقف القطار فتنزل لتتناول الزهور والدموع والعناق والأغنيات. في القطار تعرفت إلى شاب روسي يدرس اللغة العربية ويرافق الوفد. اسمه ايغور سيمانتوفسكي. رأته يبكي في إحدى المحطات. يبكي؟ شدت يديه، وقررت أنه صديقها لأنه يحب العرب! هل تنبأت بأنه سيصبح سكرتيرا أول في السفارة السوفيتية في دمشق، ثم سيصفّى فيرمى من نافذة بيته في موسكو ويقال إنه انتحر! لاأحد يعرف بعدُ الغيب! المشروع الحي الآن، أفق واسع لمديحة ولهذا الروسي الذي يدرس اللغة العربية. وكل ماتراه مديحة الآن يؤكد ماتؤمن به: تربي الإشتراكية الإنسان بحب الشعوب الأخرى! لكن مديحة لاتلاحظ الخطر في براءة شعب تعوّد أن يصدّق ماتقوله له قيادته!

في موسكو قال لها فوزي: لاتغيبي عني! فجلست قربه ولجنة التنظيم توزع الغرف. اقترحت مديحة تعديلات. وتكررت المشكلة: لاأريد هذه الغرفة! تبرعت مديحة بمكانها. شدها فوزي من يدها: أنتِ مثلهم، عضوة في الوفد! وتذكري، عندكِ غدا مقابلة في اللجنة المركزية للكومسمول!

المهرجان ليل ونهار متصلان. فليكن! لدينا الوقت للنوم في بلدنا! لقاءات ثقافية. حفلات فنية. دبكت مديحة في الشوارع والحدائق، تفرجت على الباليه، زارت حديقة غوركي والمتحف الزراعي والكريمل ومتحف بوشكين ومتحف تريتياكوف. لبست خفا من اللبّاد فوق حذائها كيلا تتلف أرض القصور! "في مسرح هذا القصر كان يغني الأقنان". تسربت إلى بيوت الكتاب القدماء. رأت الطاولات التي كتبوا عليها، والأسرة التي ناموا فيها، والصحون التي أكلوا منها! انحنت لحرمة التاريخ. قال من كان معها في حدائق المدينة، وفي باخرة في نهر موسكو، وفي قاعات القصور: سنعود ثانية! هيهات، لايعود الزمان إلى الوراء! وكان سليمان العيسى يهزج كالشباب: "أرضي مع الزنبق، مع السوسن، تُنبت الثوار... بين الرايات المنتصرة، تخفق رايتنا"! وعلى مسرح في حديقة تغني مجموعة من السوريين أغنية فيروز: البنت الشلبية. وقف فوزي قرب الشاعر أبي سلمى ونقل كلماته: "البنت العربية، خلقت ثورية، وبعيونها بيلمع ياماما لحن الحرية. بنعيش أحرار، بنموت ثوار، آمالنا كبار، ورفاقنا كتار. هلشدوا ايدنا، في بور سعيدنا، كيف ماتلفتنا ياماما إلهم تحية. تحيا الجزائر والشعب الثائر، مابننسى يافا ياماما، يافا عربية. تحت التفاحة قلنا بصراحة، مبدأ أميركا ياماما مبدأ وقاحة. تحت القناطر بولغانين ناطر وحامل بايدو ياماما مشعل حرية". أراد فوزي أن يتناول من أبي سلمى الأغنية ليعطيها للمجموعة؟ سبقته! بدأ الشباب يغنونها! ضحكت مديحة: لم أنشد في حياتي كما أنشدت هنا! عندما يصعب التفاهم بالكلمات يغني الشباب بلغات متنوعة: "ينشد السلم شباب كالأسود، ودنا البغضاء تطوى، لن تعود". تزاحم السوريون حول ناظم حكمت، وألبسوه كوفية. دمعت عيناه فهرعت طبيبته خائفة على قلبه من هيجان الحب.












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:19 AM   المشاركة رقم: 84
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
ترجع مديحة من الاحتفالات في الساعة الثانية بعد منتصف الليل. فتصحو الطالبة الجالسة عند باب المطعم وتتناول منها بطاقتها. الطلاب الذين تبرعوا بالخدمة موجودون دائما، والطعام دائما يملأ الرفوف. تتناول الصحون وتحملها على صينية وتجلس إلى طاولة ما على أرض مبتلة بالمطر. لاتلتقي ببعض زملائها إلا في المطعم. في المهرجان اكتشفت مديحة الفرق بينها وبين زملائها الشباب. هي مشغولة بالاحتفالات وهم مشغولون بالفتيات! فوزي ليس مثلهم. يعرف برنامج مديحة وينتظرها ليطمئن عليها. يافوزي، أنت تشتغل فقط! يرخي نظرته. لو يستطيع أن يقول لها لست غبيا، لكني لاأريد أخرى! نعم، هاهو يتبين في صخب المهرجان أنه يحب مديحة!

كانت مديحة تعجبه ببساطتها وصدقها وعينيها السوداوين وشعرها الفاحم. لكنه لم يرها من قبل كما رآها في المهرجان! لحقتها نظرته عندما مشت في ستاد لينين مع الوفد. إلى أين تنظر؟ إلى المدرّج المليء بالناس، إلى السماء التي أطلقت فيها مئات من طيور الحمام، إلى الوفود التي تدخل من الطرف الآخر؟ من المدرّج تفرجت بعد ذلك على العرض الرياضي الفني. وراقب فوزي موجات الفرح على وجهها ورأسها مرفوع إلى الحمام الذي يرفّ فوق الملعب. شعر بوجع يضغط قلبه. هل فاجأه هذا الحب لأنه شعر بالحرية في بلد غريب؟ هل يستطيع أن يحب مديحة أكثر مما يحبها الآن؟

في الليل نزل المطر، ولبست مديحة جاكيتا أبيض من القطن انسدل عليه شعرها الأسود، وبدت فيه حلوة ورائقة. اقترح شاب على فوزي: تعالوا نتصور مع الفتيات الروسيات! فرح فوزي بالاقتراح ووقف خلف مديحة، إلى جانب صديقه الذي يلبس العباءة. سيحتفظ بهذه الصورة كأنه يمسك بسنوات عمره الجميلة! وستذكّره الصورة بذلك اليوم الذي لم يتكرر. ضاعت المجموعة بعد التصوير. ووجد نفسه مع مديحة وحدهما. كانا في حديقة، وأمامهما نهر موسكو. وصلت إليهما أغنية "ليالي موسكو" التي ستتردد سنوات كأنها نشيد أفراح تلك الأيام. كانت مديحة أمامه على مرتفع بسيط. كأن عاصفة هزّته وعجز عن الثبات مقابلها. مدّ ذراعيه حول مديحة وضمها بينهما. شعر بأن تنفسها توقف. لم تتحرك لحظة طويلة. ثم التفتت إليه وملء عينيها سؤال ودهشة. كبح روحه وهزّ رأسه. أمسك كفها ورفعها إلى صدره وضمها في حنان. ابتسمت مطمئنة إليه. يجب أن يثبت صفاء نيته بوعد! لكنه كمن ضيّع صوته. رفع كف مديحة إلى رقبته كأنه أراد أن تلمس الكلمات التي يكتمها. نظرت إليه في حنان. تعرف أنه صادق ومستقيم وأنه لايمكن أن يغشها. هزّ رأسه وشبك ذراعيه حولها. نظرت هي إلى النهر وانصرفت إلى الأغنية. وعندما التفتت ليعودا وضعت ذراعها في ذراعه. وجد الجرأة عندما ابتعدت نظرتها عنه فقال: سأكتب لك مالم أستطع أقوله. أنا جبان! مشيا صامتين. وكانت تلتفت إليه بين خطوة وأخرى سعيدة ودهشة، فتشعر بأن وجهه احمر. قرر أن يتحدث حديثا آخر. قال: في موسكو الآن خالد العظم ووفد سوري رسمي سيعقد اتفاقية كبرى. زار خالد العظم ألمانيا الغربية. ولم توافق على توظيف رؤوس أموالها في مشاريع سورية، ولم توافق على زيادة ماتستورده من القمح السوري. تشترك في الحصار! انتقل العظم إلى براغ فاستقبل استقبالا رسميا مع الوفد العسكري السوري. هنا في موسكو طلب مساعدة عسكرية واقتصادية، واقترح مشاريع إنمائية. تباحث مع كوسيغين. حضر الجلسات بولغانين مع أن ذلك يخرق البروتوكول. وقّعت اتفاقية كبرى، استيراد وتصدير، مدّ خطوط حديدية، بناء سدود ومصانع. في الاحتفال الأخير عزفت الفرقة الفنية السورية التي تصحبنا إلى المهرجان، ورفع خالد العظم نخب الجيش السوفييتي. قال العظم: يهم السوفييت أن نكون أقوياء لنقاوم الاستعمار. لم يعرضوا علينا أي حلف معهم، ولم يتدخلوا في شؤوننا الداخلية. نحن متفقون معهم في هذا. ستغير الاتفاقية سوريا، يامديحة. بعد تنفيذها لن نبالي بالحصار! مصانع، سدود، طرقات، سكك حديدية..

نظرت مديحة إليه. كم يبدو جريئا وهو يتحدث عن أمر عام. وكم هو جبان وقت يحتاج التعبير عن قلبه! فهل سيمضي العمر معه بالرسائل أم سيتعلم النطق؟ قررت أن تهديه بعض الروايات وبعض كتب الشعر. لعله يتعلم منها البوح بالحب! قال لها في اعتداد: ستكون سوريا في خير!

في تلك الليلة أعطاها ورقة طويت طيات كثيرة، كأنها رسالة حزبية سرية، وانصرف متفاديا أن يرى أثرها على ملامحها. فتحت الورقة طيّة إثر طيّة، وقرأت كلمة واحدة مكتوبة مرات كثيرة: أحبك! لاقته بابتسامة في الصباح، وأبقت كفه في كفها وهي تقول له: هل كان المعلمون يعاقبونك بتكرار كلمة في صفحة؟ تريد الجواب على رسالتك؟ هزّت رأسها موافقة، وفهم أنها أجابته دون كلام. بعد الغداء سألها: هل أستطيع أن أزور أهلك بعد عودتنا؟ فهزّت رأسها. تكلمه بالإشارة؟ كانت متكئة على حاجز الحديقة وكم تمنى أن يضع ذراعه حول كتفها! قالت نرجئ زيارتك إلى أهلي حتى نثق بما نشعر به ولانخجل من الكلام عنه! من كان يخمّن أنها ستضيع الوقت الذي يمكن أن يجمعهما معا!

خرجت مديحة من الدموع، ملأت جيبها بالعناوين، ضمت الزهور، وصعدت إلى الباخرة وصدرها مزين بالشعارات. في الممر كان فوزي واقفا مع كاتب ينظر إلى البحر. قال الكاتب لفوزي: أتمنى أن تقلب عاصفة هذه الباخرة لأرى كيف يغير الرعب وجوه هؤلاء الناس! استمع فوزي إليه صامتا. كان فوزي معتزا بما أنجزه الوفد، وسعيدا بقربه من مديحة. اكتشف عالما لايعرفه. ويعود بروح غنية. فكيف يتمنى هذا الكاتب لهؤلاء الناس العاصفة؟! رماه فوزي من قلبه! لاتقولوا لي إنه "تقدمي"، ولاتكلفوني بالاتصال به! قال لي صديقه: سأكتب في مقالتي إن كاتبنا الكبير سافر إلى المهرجان مع شخصيات روايته! شعرتُ بالقرف منهما معا! يامديحة تفادي الأدباء! أشارت مديحة بيدها إلى امرأة تكتب على دفتر في حضنها: وداد سكاكيني! تكتب عن الرياضيين السوفييت الذين "حاكوا الزهور والنوافير في يوم الافتتاح في ستاد لينين"! قالت لي، أعجبتها المرأة السوفيتية لأنها مثقفة، ذكية، محصنة أخلاقيا! لماذا يجب أن أخاف الكتّاب جميعا يافوزي!

مشت مديحة مع فوزي إلى مقدمة السفينة. عبرتهما الفتاة الشقراء المنتصرة التي أخذت الرجل المتزن من فتاته السمراء! في أول الرحلة كان مع السمراء وفي نهايتها أصبح للشقراء! راقبت مديحة الكمد والحزن. وقالت لنفسها: لن أسمح للحب بأن يذلّني! قال فوزي وهو ينظر إلى البحر: أنت رائعة يامديحة، لكن لاتكوني سريعة في الحكم على الناس! هل خمّن ماتفكر فيه؟ قالت: يافوزي، قد يتناثر الحب أو يخبو. لكن هل سنبقى أصدقاء حتى نهاية العمر؟ ردّ في ثقة: حتى نهاية العمر! وقال أيضا مالم تسمعه مديحة: سأحبك حتى نهاية العمر! ولم يكن يقدّم ذلك لها بل كان يكرّم به نفسه. هل كان يدرك أن الحب خاطف كالومض ولن تكون له فرص أخرى في حياته؟

مدّت مديحة لأمها هديتها: صينية صغيرة من الفضة. ولم تنتبه إلى أنها لم تجد شيئا في مخزن موسكو الكبير يمكن أن يهدى. قالت لها أمها: سمعت صوتك من راديو موسكو. حكيت مع طلاب آخرين عن المهرجان. وجدتِ ياأمي المحطة؟ كم تبدل الزمان! احكي لي يامديحة، موسكو حلوة؟ نظيفة جدا، خضراء، متاحف وثقافة، محطات المترو كالمتحف، جامعة موسكو كبرج من الرخام والحجر وسط حدائق واسعة. لكن موسكو واسعة وجديدة. دمشق أجمل. في موسكو فهمتُ كم دمشق جميلة وثمينة. فهمت أني لاأحبها لأنها مدينتي فقط، بل لأنها حلوة! لكن اسأليني ياأمي عن الناس!

قدّمت مديحة لمنور هدية من موسكو: غطاء طاولة أبيض مطرزا بألوان مبهجة. عانقتها منور: ياحبيبتي كان عندك وقت لتشتري هدايا؟! وبدا لها ذلك اعتذارا عن جلافتها. أجلستها منور مقابلها وطلبت أن تحدثها عن ذلك العالم البعيد الذي رأته مديحة. بدت مديحة سعيدة. فكادت منور تقول لها: ستتسع الدنيا يامديحة كلما تجولتِ فيها، وستكونين أكثر عدلا وثقافة! أغلقت ليلى بعد ذلك باب غرفتها وتحدثت مع مديحة حديثا آخر. كانت أفراح مديحة تتجاوز أفراح الرحلة التي امتدت أسبوعين. "يبدو ياليلى أني أحب فوزي وأنه يحبني"!

تأمل فوزي صور المهرجان. مديحة قرب حاجز الباخرة. مديحة مع رفيقاتها على سطح الباخرة. مديحة في ستاد لينين رافعة ذراعها تحيي الطيور والمتفرجين.. مديحة! وضع الصور في ظرف. لها! يجتمع اليوم في سهرة في نادي الشرق، الطلاب الذين حضروا المهرجان.

جلس فوزي مقابل مديحة. يملأ بها عينيه! لكِ هذه الصور، ولكم نسخ منها فيما بعد! تكلموا كلهم في وقت واحد. الذكريات! لايسمع الواحد إلا من إلى جانبه! اصمتوا كي تسمعوا قصيدة ابراهيم: وداعا ياموسكو!

بلع ابراهيم ريقه فقرّبت مديحة له كأس ماء. أنشد حييا: نشر الملاح في اليمّ الشراعا، قبل أن أملأ عيني شعاعا، إنني أكره أن أهتف ياموسكو وداعا، فاعذريني إن أنا لم أرفع المنديل يوم السفر، هكذا عمر تلاقينا كعمر الزهر، لست أدري كيف مرت فرحتي النشوى كلمح البصر..












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:20 AM   المشاركة رقم: 85
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.

في إحدى الصور التقط فوزي الفتاة التي تودع ابراهيم. كانت تبكي. فتح المهرجان لابراهيم دنيا لن يغلقها. سيسعى إلى منحة من المنح التي ستقدم لسوريا، سيختص وسيتزوج من فتاة ألمانية تشبه تلك التي ودعته!

سألته مديحة: هل تنكسر القصيدة لو حذفتَ "إنني" فقلتَ في بساطة أكره ياموسكو..؟ وقالت لنفسها شيئا آخر: البلاد الغريبة تعني لرجالنا الحب! تعني البياض والشقرة، واليسر في العلاقة بالمرأة! فيها لايجف ريق الرجل كي يلمس يد المحبوبة! هل لمحت المسارات التي سيتوه فيها قيس لاجئا من حب ليلى؟

اسمعوا ياشباب! زميل قيس، اسماعيل عبد الرحمن، حضر المهرجان! اسمعوا! وكان في غابات مقلتيك دمع، ذكرني حبيبتي بيومنا الأخير، في الساحة الحمراء، في لجة المحيط.. والسماء، كالقبة البيضاء، قرميدها أجنحة تدف في حبور، أنجمها زهور، جوقتها هدير، صداقة.. سلام، صداقة .. سلام....قصيدتي كتبتها بدمعي المرقرق السخين، فلتغفري صديقتي لحبك الأنين، فقلبه ملوّع حزين!

فتحت مديحة مجلة وأشارت لفوزي: أضف إلى ماسمعناه الليلة قصيدة نصوح فاخوري "موسكوفية". كتبها في موسكو خلال المهرجان: في دمي ألف سؤال، أين ضاعت في الزحام، عبر موسيقى الزحام، عينها الخضراء في كل رواح، عين ساشا الموسكوفية، عينها البكر الصبية..

أعاد فوزي المجلة لمديحة. ماذا تقصد؟ قالت له: يوجد إذن غزل صرف، نقبله إذا قاله أصحابنا ونرفضه إذا قاله نزار قباني! التفت إليها: عم تبحثين يامديحة؟ نظرت إليه: عن الحقيقة! قال لها: يبدو أننا، أنت وأنا، يامديحة نختار الطرق الطويلة! وقال لنفسه: لو أستطيع أن أردكِ عن الطرق التي لاعودة منها!

لن تنهي مديحة هذه الأمسية الحلوة التي جمعتها بفوزي، في حوار كئيب! روت له مداعبة: حكى لي صاحبنا النقابي أن شاعرا سوفيتيا كتب ديوان غزل بحبيبته. فقال ستالين عندما رأى الديوان، كان يجب أن تطبع منه نسختان فقط، واحدة للشاعر وأخرى لحبيبته! التقط فوزي دعابتها وهمس: كان أخونا النقابي يثقفك، لكنك لم تقدري جهده! كان فوزي، هو أيضا، راغبا في أن ينهي الأمسية بالمرح. فأنشد لمديحة همسا قصيدة غزل متداولة في السخرية، لم تسمعها مديحة بعد:

عيناك مطرقةٌ، وأنفك منجـلٌ

والبعـدُ عنك موقفٌ تكتيكـي

والخصرُ فيك منظمٌ ومؤدلـجٌ

لـم يرتبط بموقفٍ أمريكـي

أعطت أم غادة ابنتها القسيمة التي طبعت عليها صورة جميلة بو حيرد: خذي! عليها توقيعي. وهذه هي القسائم التي وقعتها نساء الجيران. وهذا ثمن الطوابع.

رافقت ليلى ومديحة غادة إلى مركز البريد المركزي الجديد، وأرسلن القسائم إلى الأمم المتحدة. جميلة بو حيرد مسألة إنسانية وعربية، وتعبير عن المقاومة المسلحة الجزائرية، عن روح السنوات الخمسين من القرن العشرين! جميلة بو حيرد أسطورة ومَثَل للشابات. يزيد في سحرها مايروى عنها من التفاصيل. في الصورة تحمل جميلة علبة، وتمشي مرسلة الشعر. لم تتجاوز العشرين من عمرها. في عمر الكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان، التي اشتهرت بروايتها "صباح الخير أيها الحزن" وسحرت بها الشباب. كتبت ساغان: كيف أقبل أن تعدم جميلة وحقها في الحياة أكثر من حقي! سيطلق العالم جميلة من سجنها، وستسجل غادة ومديحة بذلك انتصارهما! لكنهما لن تقابلا تلك الشابة الهشة الجسم التي ستزور دمشق بعد تحرير الجزائر. بل سيستقبلها خالد العظم! وستروي إحداهما للأخرى فيما بعد أن جميلة تزوجت من محاميها الفرنسي فيرجيس الذي سيعرف بالدفاع عن الوطنيين في العالم.

بدأت الثورة المسلحة الجزائرية في تشرين الثاني سنة 1954 وستستمر حتى الاستقلال في 5 تموز سنة 1962 وتملأ بأساطير المقاومة حياة جيل غادة وليلى. وسيسمعن فيها صوت زمن جديد لم يعد يقبل الاستعمار واستعباد الشعوب، وسيفخرن بأن ذلك زمنهن! بدا أن التراجع إلى مرحلة متخلفة من التاريخ الإنساني مستحيلا. لذلك لم يخمّن أبدا أنهن سيعشن زمن الانهيار والهزائم الكبرى في نهاية القرن! وانصرفن إلى ماأنضجته الأحداث من القصائد والكتب، وإلى ماجلته من قدرة الإنسان العادي على الصبر والبطولة. وتناولت الشابات في شغف القصائد التي تسربت من سجون الجزائر. كتب الشاعر مفيد زكريا في سنة 1955 في سجن بربروس في الزنزانة رقم 69 نشيد الجزائر، فأنشدته غادة ومديحة وليلى. فأصبح مثل "بلاد العرب أوطاني" الذي كتبه ذات يوم فخري البارودي، نشيد العرب من المحيط إلى الخليج. دمعت عينا الشابات عندما عزفته فرقة موسيقية جامعية وأنشدن:

قسما بالنازلات الماحقات
والدماء الزاكيات الدافقات

والبنود اللامعات الخافقات
في الجبال الشامخات الشاهقات

نحن ثرنا فحياة أو ممات
وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا..

وسيطربهن أن تبثه الإذاعات العربية فيسمعنه وهن ماشيات في الطريق.

كان الشاعر مفيد زكريا قد رأى في سجن بربروس تنفيذ الأحكام بالإعدام في المقاومين الجزائريين. خرجت قصاصة ورق من ذلك السجن وتنقلت حتى وصلت إلى دمشق وقرأتها الشابات. كتب مفيد زكريا فيها عن الشهيد أحمد زبانه الذي نفذ فيه الحكم بالإعدام في سجن بربروس في تموز سنة 1955:

قام يختال كالمسيح وئيدا
يتهادى نشوان يتلو النشيدا

شامخا أنفه جلالا وتيها
رافعا رأسه يناجي الخلودا

وامتطى مذبح البطولة معرا
جا ووافى السماء يرجو المزيدا
.......
صرخة ترتجف العوالم منها
ونداء مضى يهز الوجودا

اشنقوني فلست أخشى حبالا
واصلبوني فلست أخشى حديدا

واقض ياموت في ماأنت قاض
أنا راض إن عاش شعبي سعيدا

أنا إن مت فالجزائر تحيا
حرة مستقلة لن تبيدا

وكتبت جريدة عربية أن جميلة بو عزة أنشدت في زنزانتها في السجن شعر مالك حداد الذي كتبه بالفرنسية: "أيحتاج الانسان أن يدفع كل هذا الثمن ليفهم؟












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:21 AM   المشاركة رقم: 86
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
أيحتاج لكل هؤلاء المعلمين ليتلقى هذا الدرس"؟

طوت مديحة الجريدة وقالت: لكن المقاومة المسلحة الجزائرية ليست فقط للعرب بل للعالم! اسمعوا قصيدة رثاء الجزائر! ثبتها الشاعر الاسكتلندي توماس كامبل الذي زار الجزائر وبقي فيها ثلاث سنوات، لشاعر مجهول:

ابكِ معي على مجدنا الذي ضاع

وأسلحتِنا وأعلامِنا التي ذهبت

فهؤلاء الأعداء نشروا أعلامهم على القلاع

حيث خلعوا أقفال خزائننا

وعيوننا تشاهد ذلك وتسبح في الدموع

بينما عيونهم تلمع وهم يحصون ذهبنا

.........

رمونا من حدائقنا ومنازلنا

سائلين بلا رحمة، قطعة من خبز

أبطالنا أصبحوا معزولين

أواه: هل أجد ثرى أدفن فيه رأسي الوحيد

حيث ينام أجدادي

فأنا لاأستطيع بعد اليوم أن أرفع عيني إلى الشمس!

قالت غادة: لاتؤدي هذه القصيدة تمرد الجزائر. فالحزن لايمكن أن يغلب الغضب والقهر! ياغادة، أردت أن أقول فقط إن البطولة والمآسي على أرض الجزائر تهزّ العالم اليوم. يوقظ العرب هناك ضمير العالم! تنهدت غادة: كم مرة يجب علينا أن نهزه ليفيق؟ احتل الإسرائيليون فلسطين والعالم يتفرج على ذلك حتى دون دموع!
هل زادت الاتفاقيات التي وقعها خالد العظم مع الاتحاد السوفييتي من التوهج؟ بدا أن الطلاب الذين اشتركوا في مهرجان موسكو حملوا معهم أكياسا من الأحلام. وكأنهم عادوا إلى بحار السندباد. الحق مع العرب الذين اتسعوا بالرحلات في الدنيا منذ صنعوا سفن الفينيقيين حتى ركبوا سفن ابن ماجد إلى الهند! هدف حصار سورية أن يمنع عنا القمح والسلاح؟ بل هدفه أن يقطع صلتنا بالدنيا! لذلك ستتفق ليلى ومديحة وغادة، بالرغم مما سيختلفن فيه، على جملة صغيرة: لافرح شخصي دون فرح عام!

كان الأسبوع مدهشا! تفرجت ليلى على فيلم "الطلقة 41" وعلى فيلم عطيل. وعلى فيلم الرز المرّ. وأعجبتها كيم نوفاك في فيلم بيكنيك. ملأت بالأفلام بعد الظهر طوال أسبوع. في طريقها إلى بيت غادة التي سترافقها إلى السينما صادفت أستاذ الجامعة أمجد الطرابلسي جالسا في مدخل بيته. مرّت في البرهة التي حملت فيها زوجته كأسين من شراب التوت الشامي ووضعتهما على الطاولة أمامه. ابتسمت ليلى للأستاذ. زوجته فرنسية ومع ذلك تعرف مذاق التوت الشامي بعد الظهر! كان ذلك تفصيلا من تفاصيل الحياة التي تسعدها. كأنما يقدم لها كأس التوت الشامي بلونه الرائع! لم يخطر لها أن المهرجان الأدبي الجامعي الذي جرتها إليه مديحة وغادة سيفسد مزاجها في ذلك المساء!‏

امتلأت قاعة واسعة في كلية الحقوق بالمستمعين. نظمت المهرجان المجموعة الثقافية في الجامعة. غرقت القاعة في الصمت وقت القراءة، وفي الضجة وقت التعليقات عليها. ارتفعت أيدي الطلاب الذين يطلبون المناقشة، ونطّ أصحابها في رشاقة إلى المنبر ليعرضوا آراءهم! ياللشباب الفوار! لايحسب أحد أن آراءه ستسّجل في ملفه!‏

سمعت ليلى اسمها في قصيدة. تقصدها؟ أنشدها طالب عيناه عليها. تلفتت. نعم، لها! اضطربت لكنها جمّدت ملامحها. وتساءلت هل وفقت في ألا تحمرّ؟ ولاحظت أن مديحة وغادة قلقتان أيضا. هل تنسحب من القاعة؟ ردّت على نفسها: إياك! تجاهليه! وثبّتتها كف غادة التي ضغطت كفها.‏

وقف عمر قرب باب القاعة. كان راجعا من لقاء جمع الطلاب الذين ينظمون المظاهرات الجامعية عادة. تحدثوا عن الوحدة وكانت المناقشة طويلة وقاسية. ستفرق أكثرهم الأحداث، وسيندمون على حماستهم، وسيقول بعضهم فيما بعد: أتينا بالدبّ إلى كرمنا! وسيتذكرون في أسى ذلك الاجتماع الذي جرفتهم فيه الحماسة وأغضب فيه بعضهم بعضا. سيقول أحدهم لعمر فيما بعد: كنتَ أعقل منا، وأبعد نظرا! وسيردّ عمر: لو تقدم لي بدلا من هذا الاعتراف هدية صغيرة! وسيسأله زميله القديم: على عيني، اختر ماتريد! فيقول عمر: اجمع لي من أصحابك ثلاث سنوات من الشباب! فليتبرع كل منكم بأشهر مثلا! بعد ذلك الاجتماع اجتاز عمر الممرات الطويلة إلى قاعة الحقوق ليطلّ على المهرجان الثقافي. سمع ذلك المقطع من القصيدة ورأى وجه ليلى يحمرّ. ولاحظ أن غادة أمسكت بيدها. كيف يخفّ إلى نجدتها؟ ماذا يستطيع أمام شاب يبوح علنا بحبه؟‏

رآها في نهاية المهرجان تنفلت من القاعة كأنها تتحرر من قفص. عند باب الجامعة أمسكت بها غادة التي ركضت خلفها، وجرّتها إلى معرض اللوحات في النادي. افتتح اليوم، تعالي! لنبتعد عن صخب المهرجان!‏

تنقلت ليلى مع غادة بين اللوحات التي رسمها الطلاب. ماهذا؟ أنتِ، رأسك، شعرك، كتفاك، أنتِ على مقعد المكتبة.. رسمك مواربة! توهج وجه ليلى. تركت غادة وخرجت مسرعة. لقيها عمر على باب النادي: ليلى، انتظري! مشى معها: طلبوا مني أن أوصل لك رسالة! ماهي؟ قال: طلب مني زميلك في الصف أن أبلغك أنه يحبك ويريد.. التفتت ليلى إلى عمر غاضبة: أنت أيضا ياعمر؟ ألا يكفي هذا في يوم واحد؟! أدهشتها خيبة عمر. فهدأت غضبها، وصمت عمر فسمعا صوت خطواتهما. سألته: ذاك الذي يجلس دائما مواربا في المدرّج؟! أم ذاك الذي يجلس مواربا في المكتبة؟! قل له كيلا تجرحه، إن مايحس به سحابة صيف! ياعمر أكاد أختنق اليوم من الحب! اعتراف بالحب من منبر يشهد عليه ألف شخص! وفوق ذلك لوحة معروضة في النادي! ماهذا الحب الذي يسلك دروبا معقدة؟! يخجل من البوح مباشرة، ولايخجل من الإعلان أمام حشد! أتمنى أن أعيش زمنا في مجتمع آخر ليست فيه عواطف معقدة! لابد أن أكمل دراستي في بلد اوروبي لهذا السبب أيضا! تأملها عمر. ليته يستطيع أن يقول لها ياليلى، لو كان ذلك البوح لفتاة أخرى لما طربتُ له!‏

هل أربك عمرا أن يطلب مساعدته في الوصول إلى ليلى محبّ؟ بل استمع إلى زميلها مستمتعا بلهفته. لأنه تحدث عن ليلى في وجد. ولأنه يخمّن جوابها. ولأن ذلك أبعده عن المناقشة التي بقيت جروحها عليه بعد اجتماع الطلاب. قال عمر في هدوء: شبابنا مساكين ياليلى! لايستطيعون أن يسلكوا طريقا قصيرة إلى الفتاة التي يحبونها! نظر إليها كمن يكتشف عاطفة جديدة من عواطفها. ليلى شابة، تظن الزمن لها، ولاتستعجل حتى الحب! قال في هدوء: لاتطردي من قلبك الرحمة ياليلى، أبدا! لاتضيقي بالناس ولو كانوا محبين لاترغبين فيهم! أكان يمكن أن تخمّن أنها بالرغم من كثرة المحبين لن تجد حبيبا تعيش معه؟!‏

كان عمر بعد المناقشة التي غرق فيها قبل المهرجان الأدبي يحتاج الوحدة. لكنه لن يترك ليلى مضطربة. ماذا حدث ياليلى؟ ارفعي عينيك وانظري إلى ماحولك! لأول مرة يراها عمر بين الغضب والكآبة. سألها: يزعجك أن أوصلك إلى بيتك؟ مشيا صامتين. سبب الشجن أنها محبوبة؟ نستمع ياليلى إلى الكلام، ونرى ماحولنا، نجيب ونحاور، لكن بيننا وبين أنفسنا حوار آخر سري. فماذا كان حديثك مع نفسك؟ أين توقف، وإلى ماذا انتبهتِ؟ هل أسرعتِ إلى المستقبل فخفتِ؟ أم عدتِ إلى الماضي فالتقطتِ فيه خيبة ما؟‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:22 AM   المشاركة رقم: 87
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
قبل المهرجان الأدبي كان عمر يناقش زملاءه. الوحدة حديث الناس! لكن ماموقفنا نحن الطلاب؟! نحن قادرون على التفكير في هدوء، وعلى قياس الفرق بين الوحدة والاتحاد. لماذا يجب أن تكون اتحادا لاوحدة؟ لأن لكل من مصر وسورية ظروف خاصة. في سورية حريات وأحزاب، تجمع قومي في المجلس النيابي، جيش يقوده تجمع الضباط، يدعم الاتجاه الوطني. سوريا مرتبطة باتفاقية اقتصادية كبيرة مع الاتحاد السوفييتي. سوريا تمنع إسرائيل من تحويل المياه العربية. موازنة الجيش في سوريا 55% وفي مصر 17% الحريات مقننة في مصر، والنظام رئاسي يلغي دور المؤسسات الدستورية. الاستفتاء ليس انتخابات! لكن عمرا واجه عواطف وحماسة تسوق إلى الوحدة. يفهم أن تأميم قنال السويس، وبناء السد العالي، وتسليح الجيش من البلاد الاشتراكية، وخطابات عبد الناصر الملتهبة، مقدمات تسهّل اختيار الوحدة. يقول في سره: ياللجهل! لكنه يتبين أيضا أن كلا من القوى السياسية التي كانت متآلفة في جبهة تتصور أن الوحدة ستخلّصها من منافسيها وتقدم لها ساحة خالية منهم. وجد عمر نفسه يختلف مع أصحابه الذين سجنوا معه في تدمر. قال لهم: سينفذ باسم الوحدة مالم تنجح فيه المؤامرات على سورية! عبد الناصر ليس رجلا وطنيا فقط، بل رئيس ذو صلاحيات لايقيدها الدستور كما يقيد الدستور في سورية الرئيس! كأن عمرا كفر! من يجسر على المسّ بعبد الناصر؟ كادوا يضربونه! قال: ياإخوتي، يازملائي، ياعيوني، لم أشتم الرجل، ولم أقل إنه غير وطني بل قلت إن سلطاته غير مقيدة! فهل نعود إلى أزمنة الحاكم الذي يستمد سلطته من الإله لامن الشعب لذلك لاتجوز مناقشته؟‏

كانت الصورة الخفية على ليلى مكشوفة لعمر. تتصل السفارة المصرية بالسياسيين السوريين، وتؤكد لكل منهم أنها تعتمد عليه فقط فتثيره على حلفائه وزملائه. وتحرّض السياسيين على الضباط وتعدهم بأنها ستبعد الجيش عن السياسة. لاتؤسّس الوحدة على احترام التمايز بين البلدين، وعلى مؤسسات دستورية، بل على الثقة بعبد الناصر. لم تحدد مسؤوليات نواب الرئيس والمجالس. واضح أن السلطة العليا ستكون للمصريين. عبد المحسن أبو النور يثير السياسيين السوريين واحدا على الآخر ويخرّب الضباط. من الضباط الذين يفرقهم عبد الناصر؟ الضباط الذين تماسكوا أمام حلف بغداد والحشود التركية والأسطول السادس، وسندوا الديمقراطية، وسندوا بور سعيد، وسعوا إلى صفقات الأسلحة السوفيتية في صمت وأخذوها في صمت، وأفشلوا مؤامرة ستون الأمريكية. بدا كأن هدف الانقلاب: الخلاص من الشيوعية! والحقيقة: الخلاص من الجيش الوطني والسياسيين الوطنيين الذين اتفقوا مع عبد الناصر على الوحدة! هذا مايفعله ناصر! ينفذ مافشل فيه ستون! لايقدّر أن العواطف الوطنية هي التي أوصلت سوريا إلى الوحدة. سيقول عبد الناصر: أنقذت الوحدة سورية من الإفلاس. وسيقول زكريا محي الدين: في سورية تشكل الشيوعية خطرا، أما في مصر فهي مشكلة فقط فنحن نعرف جميع الشيوعيين. وسيقول عبد الناصر فيما بعد: عملنا الوحدة كي نخلص سورية من الشيوعية. فأين كلمة خالد العظم في الرد على المذكرة الأمريكية: ليس الخطر علينا من الشيوعية والاتحاد السوفييتي بل من إسرائيل! كان يجب أن يقول عمر لزملائه الذين حاوروه: هذه حجج أمريكية، لتصفية اتجاه سورية الوطني! لتصفية الجيش والصحافة في سوريا، ولجم سوريا بعد فشل الأحلاف! لمنع تنفيذ الاتفاقية الكبيرة مع الاتحاد السوفييتي! في ظروف المدّ الوطني لاتؤخذ سوريا من اليمين. تؤخذ فقط من اليسار، باسم الوطن. يستطيع عبد الناصر برصيده الوطني أن يغيّر البنية السياسية والعسكرية السورية. ويطبق مافعل في مصر حيث صفى الضباط ذوي الرأي المستقل واليساريين وفرق بعضهم في الوظائف المدنية وسجن بعضهم وطارد الأحزاب. لكن هل يستطيع عمر أن يعلن ذلك كله؟ قال: تذكّروا أن ايزنهاور قال إن النفط العربي مصلحة استراتيجية أمريكية. وإن سورية معبر النفط إلى البحر الأبيض المتوسط وتخومه. لذلك يجب ألا تكون منطقة نفوذ سوفيتية، أي يجب ألا تقيم علاقات متكافئة بالاتحاد السوفييتي! تذكّروا أن مووز، السفير الأمريكي، كان قلقا من اتجاه سورية الوطني!‏

كان قلبه ثقيلا. قدَر السياسي الصراع بين الحقيقة التي يعرفها، وبين مايستوعبه الزمن من التعبير عنها! يحكي السياسي الكلمات المناسبة للزمن! الكلمات الضرورية فقط! لأن الزمن قاضيه ومحكمته. لايجوز أن ينشر تفاصيل الحقائق، أو أن يعرض هواجسه. مع أن الأزمنة التي تتقدم بعده وتستطيع أن تستوعبها تحاسبه لأنه لم يقل الحقيقة كاملة. لكن عمرا ليس رجل سياسة، بل مواطن يتابع الحقائق ويشعر بحقه في أن يكون ذا موقف مما يمس مصير وطنه. لايستمتع بأمجاد السياسيين، ولايلتزم بما يصمتون عليه من الحقائق، ولايضيع في التنافس الذي يشغلهم. لكنه يتحمل أخطاءهم! لايقاسمهم غنائمهم، لكنه يشاركهم في خسائرهم! لذلك لايستطيع أن يقول الآن: حاول الإخوان المسلمون اغتيال عبد الناصر لأنهم لم يوافقوا على اتفاقية الجلاء. لايستطيع أن يقول إن اتفاقية الجلاء اعترفت بحق الانكليز في العودة إلى القنال في حالة حرب. لايستطيع أن يقول إن نتيجة العدوان على بور سعيد هزيمة عسكرية بينت أن الجيش المصري لم يحارب إلا كبطولات فردية ومبادرات فردية، وأنه فقد طيرانه على الأرض. مجموعات المقاومة الشعبية في بورسعيد التي قادها الوطنيون وبعض الضباط كأفراد هي التي حاربت المحتلين. لايستطيع أن يقول إن إسرائيل كسبت الحق في الملاحة بعد العدوان! لايستطيع أن يبوح بالحقائق التي يعرفها حتى تنضج ثمارها المرّة. لايستطيع أن يقول إن اعتماد عبد الناصر على المؤامرات لتفريق الوطنيين والسياسيين في سوريا ليس سياسة وطنية. يركز حديثه على الفرق في الظروف الموضوعية بين سوريا ومصر، وعلى ضرورة المؤسسات الديمقراطية والمساواة في الحقوق كي تكون الوحدة سليمة وجذابة. ينبّه إلى ضرورة الديمقراطية. ويذهله أن الأطراف التي يطمئنها عبد الناصر إلى دورها ضد الأخرى، تؤمن بأنها ستملك البلد إذا ضربت حلفاءها!‏

ترك عمر تلك المناقشة في قاعة من قاعات الجامعة مؤمنا بأن الأيام القادمة صعبة. وقال لنفسه عندما وقف عند باب قاعة كلية الحقوق، واستمع إلى قصيدة الغزل بليلى: قد يكون هذا الاجتماع آخر اجتماعات المجموعة الثقافية! سيلغى هذا النوع من التجمعات الحرة! على الباب أمسك به زميل ليلى كمن يمسك بمنقذ. فابتسم في مرارة: أنا منقذ، الآن؟! قال له زميلها: أرجوك ياعمر. أنت صديقها. وطلب منه أن يوصل لها اعترافه بالحب ورغبته بالزواج منها. قال عمر في نفسه: أغبطه على راحة البال! يفكر بالزواج، والبلد كلها على كف عفريت!‏

قال عمر لليلى مبتعدا عن المحبين والحب: ياليلى، أفيدي إذن من المنحة، وانصرفي إلى الاختصاص الذي تختارينه! ماذا خطر له كي يتذكر المنح والاختصاص؟ التفتت إليه متسائلة فهز رأسه. وفهمت أنه قال ذلك بعد حديث طويل مع نفسه. هل كان يخمن أن الكلمات التي قالها في الاجتماع بأصحابه في قاعة من قاعات الجامعة ستسجل كدليل على أنه ضد الوحدة العربية والقومية العربية؟‏

كانت ليلى تفكر في المنح التي عرضها الاتحاد السوفييتي للدراسة. وأرضاها أن تلتقي أمنيتها باقتراح عمر. سألته: تشجعني إذن على الاشتراك في مسابقة انتقاء المبعوثين؟ رد: نعم ياليلى، هذه فرصة علمية جيدة!‏

وسيحتفي عمر بنجاح ليلى في امتحانات البعثة إلى الاتحاد السوفييتي. وسيقول لنفسه: لعلها آخر بعثة يختار أعضاؤها بمسابقة عامة! وستبتعد ليلى عن العواصف التي ستجرف سورية في تلك السنوات! سألها: اخترت الموضوع الذي ستختصين فيه؟ نعم، ياعمر: كسور العظام! جسم الإنسان وحدة متناسقة، لكني ماأزال أتذكر وصايا المعلمات لنا: اجلسن جيدا كي يستقيم عمودكن الفقري! فأكاد أراه يقوم بهيكله العظمي!‏

مشيا زمنا صامتين. ثم قال: في هذه البلاد المتقلبة يلزمك عمل يطعمك الخبز، عمل لايستطيع أحد أن يسلبه منك! أنا سعيد لأنك اخترتِ الطب! وسعيد لأني اخترتُ الطب!‏

هل استطاعت غادة ومديحة وليلى أن يحجبن عن عمر تفاصيل حياتهن، فبقين في حرملك جديد؟ قال لنفسه: ذلك يشبه "غرفة الطالبات" في نادي الجامعة. لهن غرفة لاأدري ماذا يفعلن فيها، وللطلاب المدى خارجها. هكذا هي الأمور في الحقيقة! لكنه راقبهن وخيل إليه أن كلا من غادة ومديحة تحاول أن تكسب ليلى. قال لها: نصيحتي، إياك! أترين هؤلاء الذين يطلبون الحريات والديمقراطية؟ هؤلاء أول من يكسرها في أحزابهم! سليمان مثل من الضحايا! ابتسمت ليلى: كأنك أمي! قال: الأفكار عظيمة، لكنها تحتاج إلى حمّالين في مستواها! ابقي في المدار، لاتتجاوزيه! سألته: سجنتَ في تدمر، فهل كنتَ في المدار؟ ياليلى، لست مسؤولا عن ظنون جماعة الشيشكلي! لازلتُ في المدار! أنا مع الجميع في المشروع الوطني. وأختلف معهم جميعا في التفاصيل. أقدّر مثلا تضحيات كل منهم وبطولاته التي يتجاهلها الآخر! كانوا معا في السجن أيام الشيشكلي، ومع ذلك لايتحدث أحد منهم إلا عن بطولته كأنه الوحيد الذي كان هناك! وتذكري أننا في كلية الطب، ولاوقت! لي هذه النصيحة، ياعمر؟ وأنتَ؟!‏

هل قال ذلك لأنه ضيع مساء الأمس في اجتماع بنقابي آخر عائد من بلد اشتراكي؟ استمع إلى الرجل في انتباه. لكنه لم يستطع أن يتذكر من كلامه إلا "ستراتيجية، تكتيك". وبعض جمل أخرى تتهم المثقفين بأنهم مترددون ثرثارون لايعتمد عليهم. والطبقة الوسطى بأنها مذبذبة. لذلك لايقوم المجتمع إلا على العمال والفلاحين! لم يكن جذابا. سأله عمر جادا وساخرا عن الحياة في البلد الاشتراكي الذي زاره. فردّ: أتمنى لبلادنا مثل تلك الجنة! حلّ المجتمع الاشتراكي مشاكل الناس! تناول النقابي من جيبه ورقة قرأ منها عدد المختصين في الهندسة والعلوم. فتذكر عمر تقرير خروشوف السري إلى المؤتمر العشرين الذي نشرته جريدة البعث. يبدو أن التقرير لم يصل بعد إلى هذا النقابي! بعد اللقاء سألت مديحة عمرا: أعجبك الاجتماع؟ لمسه صدقها وقال: عظيم! لكني تصورت أن مجتمعنا يكاد يسقط لأنه دون أعمدة! يعني دون طبقة عمال قوية! وحيرني أن تكون الولايات المتحدة، وهي قائمة على العمال، بلدا استعماريا! يبدو أن صاحبكم لايعرف أن الطبقة الوسطى صمام أمان في المجتمع. ومنها في سورية أعضاء الأحزاب الوطنية! هل من ترسلونهم إلى المؤتمرات أذكياء مثل هذا النقابي؟!‏

استمعت ليلى إلى نصيحة عمر. وفهمت غيرته عليها. لاتجهل أنه يضيّع أحيانا وقته في لقاء بجماعة وفي اجتماع بأخرى كأنه يتقصى التفاصيل! يجذب عمر ليلى بهدوئه وحكمته. يرى الحدث بماضيه ومستقبله. لذلك ميّزته من غادة ومديحة. الاثنتان ساحرتان بعواطفهما. كل منهما مستعدة للموت في سبيل مشروعها. تحلم مديحة بأن تصبح سورية اشتراكية كالاتحاد السوفييتي. لاأغنياء فيها ولافقراء. صناعية، ذات معاهد علمية. فيها العلم والصحة والعمل والسكن حق كل إنسان. فيسألها عمر مداعبا: لو تفسرين لي معضلة من كل حسب عمله ولكل حسب حاجته. ثم يقول لها: الاتفاقية التي وقعها خالد العظم مع الاتحاد السوفييتي تحقق إذن الاشتراكية! وكان يداعب غادة بأسئلة مثلها عن الاشتراكية العربية. لكن عندما "ستسلق" الوحدة، كما قال عمر، سيثير الحوار بينهم الحذر وأحيانا الغضب سواء كتموه أم أعلنوه. وسيقترح عمر: لنتفق على ألا نضحي بصداقتنا. فقد تبدو أفكارنا ومواقفنا الآن ثابتة إلى الأبد، لكنها لن تبقى هكذا! هل أقنع المستمعين إليه يومذاك؟ سيدهشه أن يلاحظ نظرات تحمل الحقد، ونظرات تتوعد بالانتقام. وسيتساءل أحقا لم يبدأ بعد الصراع بين حلفاء الأمس وأصدقاء الأمس؟ وستقف ليلى وقتذاك إلى جانبه. هل لاحظتْ يومذاك الحقد عليه؟ ألذلك قالت له: فلنكن ياعمر متفرجين!












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:23 AM   المشاركة رقم: 88
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
كان وفد مجلس الأمة المصري قد زار المجلس النيابي السوري في تشرين الثاني سنة 1957، وترأس السادات الجلسة. وكان وفد من المجلس النيابي السوري قد زار مصر في 31 كانون الأول سنة 1957 وقرر المجلس اتحادا فيدراليا بين مصر وسوريا. لماذا تغير ذلك فجأة؟! قرر الضباط وحدة فورية، كاملة. اجتمعوا في مكتب البزرة وأرسلوا وفدا إلى عبد الناصر. ولم يخبروا بسفرهم حتى وزير الدفاع خالد العظم ورئيس الجمهورية شكري القوتلي!‏

بدا كل من يبحث الوحدة خائنا! لو قال عمر: حزب الشعب أراد الوحدة ليتخلص من الضباط، وأراد البعثيون الوحدة ليتخلصوا من حزب الشعب، وأراد الضباط الوحدة ليتخلصوا من المؤامرات الأمريكية ومن السياسيين.. لقيل له تخون قضية العرب الكبرى، وتتحدى عواطف الناس! صحيح! لكن من أطلق تلك العواطف؟ اسكت! في جميع الأزمنة قد يجد الصادقون أنفسهم وحيدين!‏

- ينظم السفير محمود رياض، وكمال رفعت والمخابرات، وعبد المحسن أبو النور، مراكز لهم في سورية. لايفهمون أن الوطنية هي التي دفعت السوريين إلى مصر! اشترط عبد الناصر حل الأحزاب وإبعاد الجيش عن السياسة. لأنه لايفهم أن سورية مسيّسة دائما. وأن الأحزاب تعبر عن اتجاهات لايلغيها قرار.‏

- لايستنتج الضباط الذين ركضوا إلى عبد الناصر في منتصف الليل أنهم سيطيرون؟‏

- قال عفيف البزرة: نحن ضمانة!‏

- ضمانة؟ هل سيبقون في أمكنتهم؟‏

قالت مديحة: هدف الوحدة التخلص من الشيوعيين. لأن مشروعهم التحرر والعدالة، والجبهة الوطنية الواسعة. لايفهم عبد الناصر المستنقع الذي يندفع إليه. ردت عليها غادة: لستم أقوياء كي تكونوا خطرا يجب التخلص منه. لم تستطيعوا أن تُنجحوا نائبا واحدا في الانتخابات التكميلية! الوحدة يامديحة حلم عربي لم يخترعه جيلنا، بل ورثه! تظاهرنا ضد عبد الناصر عندما خنق الحريات في مصر. وكنا ضد الوحدة مع عراق نوري السعيد! لكن تأميم قنال السويس وتسليح الجيش وسياسة عدم الانحياز أسست الشروط للوحدة مع مصر! لاتحتكري الوحدة ياغادة! لم يخترع شعار الوحدة حزب معين، بل ولد من الواقع الموضوعي. لكن الغيور على الوحدة، والراغب في استمرارها يفكر في تأسيسها على قاعدة متينة. ظروف سورية مختلفة عن ظروف مصر. مستوى دخل الفرد في سورية أفضل من مستوى الدخل في مصر. في سورية مجلس نيابي وانتخابات وأحزاب وصحف. وفي مصر حكم فردي وقمع. كان يجب أن يُحترم هذا التمايز. يامديحة، لاتتصوري أننا لانعرف هذه الحقائق. لكن ثقتنا عميقة بناصر، والوحدة أثمن من أن تقف أمامها عراقيل ولو كانت منظمتنا الحزبية! هذا كلام عاطفي، ياغادة. أما أن هدف الوحدة تخليص سورية من الشيوعية فقد أذاعه أمس راديو دمشق. وقال ذلك أيضا عبد اللطيف البغدادي.‏

شعر عمر بالشفقة على غادة ومديحة. لن تقنع إحداهما الأخرى. لو يقول لهما إن المشروع هو صرف السنوات القادمة بعيدا عن مواجهة خطر إسرائيل! لو يذكرهما بالمذكرة الأمريكية التي طلبت من سورية أن تنضم إلى حلف فيه إسرائيل للدفاع عن الشرق الأوسط ضد خطر الشيوعية والاتحاد السوفييتي! وبردّ صلاح الدين البيطار يومذاك: الخطر علينا إسرائيل، أما الخطر من الشيوعية والاتحاد السوفييتي فغير موجود! سيتساءل عمر في السجن، فيما بعد، ألا تنفّذ هذه الحملة التي يندفع فيها عبد الناصر، المذكرة الأمريكية التي رفضتها سورية قبل الوحدة؟! ولن تكون مديحة وغادة أمامه وقتذاك ليتابع معهما الحوار!‏

كان الضباط قد رجعوا وبلّغوا السياسيين باتفاقهم، وسافر القوتلي وبعض الوزراء وعقدوا ميثاق الوحدة: دولة واحدة، مجلس واحد، علم واحد.. واجتمع المجلس النيابي وأقر الوحدة دون مناقشة. وحضر رشدي الكيخيا، الذي كان قد استقال من المجلس، جلسة 5 شباط التي وافق فيها المجلس على الوحدة محتفيا بأن الوحدة ستخلصه من الجيش! انتهى التجمع النيابي السوري، وأيام الديمقراطية! انتهت مرحلة وبدأت أخرى! الأمس هو اتفاقيات خالد العظم مع الاتحاد السوفييتي على تصنيع سوريا بأربعين مشروع كبير. والتسلح من البلاد الاشتراكية. والحريات. والمقاومة الشعبية وحفر الخنادق. لليوم أهزوجة أخرى: "بدنا الوحدة باكر باكر، مع الأسمر عبد الناصر"! ماأغرب أن تطوي الأحداث العامة صفحات من الحياة الشخصية!‏

في 21 شباط جرى الاستفتاء على الوحدة وعلى رئيس الجمهورية. نتيجة الاستفتاء 98%. استعملت الهويات مرات. لم يدقق أحد إحصاء الأصوات. لكن حماسة الشارع إرهاب يمنع أن تقول الحقيقة. في 24 شباط وصل عبد الناصر إلى سورية. احتشد الناس أمام قصر الضيافة. وكانت منهم غادة. على الشرفة وقف السراج قرب عبد الناصر. من بعيد عرض على الناس شيكا قيل إن الملك سعود حاول به رشوة السراج. فهتف الناس وصخبوا. وقف عمر في طرف الساحة. تساءل: أيمكن أن يستمر هذا الفرح الذي يغلي الآن؟ من يستشف المستقبل لايستطيع أن يبوح بما يعرفه! خطب عبد الناصر واستمع إليه عمر. هل مهارة ناصر في الحديث إلى الناس هي التي تسحرهم؟ بل مايستند إليه! تأميم القنال، والمقاومة في السويس، وصفقات الأسلحة من السوفييت، ومؤتمر باندونغ! قال لنفسه: سأقرأ خطابه في هدوء! وصل لبنانيون ليسمعوا عبد الناصر ويباركوا بالوحدة. وشعر عمر بأن في الجماهير مالايجسر على البوح به الآن حتى لنفسه. يعتد السياسيون الوطنيون بالجماهير ويستندون إلى الشارع؟ الجماهير ليست الشعب المقدس فقط! قد تكون الجماهير قطيعا من الغوغاء! وقد تعطل الحماسة فكرها! تنهد عمر: انتهى زمن وبدأ آخر، فلماذا لاتتبدل الجماهير أيضا من حال إلى أخرى؟‏

بعد عقود سيكتب أحد الشهود: في الاجتماع في مكتب البزرة قال ضابط: لو طلب مني ناصر أن أقصف حلب لقصفتها. فقاطعه أحمد عبد الكريم: أنا لن أقصفها! أهكذا تغيّب الحماسة العقل وتلغي الوجدان؟ أليست هذه هي الغوغائية التي قصدها عمر؟ لن يكتشف السياسيون أن الدراسة والعقل والحكمة يجب أن تحكم القرارات، إلا بعد خراب البصرة! لايمكن أن تُحرَق المراحل التاريخية والظروف الموضوعية دون أن يحترق الناس!‏

سرّح أربعة وتسعون ضابطا. ووضعت تنقلات ضباط آخرين على أساس تقرير عبد المحسن أبو النور لعبد الحكيم عامر. فرفض البزرة التنقلات واصطدم بعبد الحكيم عامر. اتهمه عامر بأنه يضع عشرين ضابطا شيوعيا في مراكز قيادية. عشرين؟! في اليوم التالي قرأ البزرة في الصحف استقالته! انتهى دور الضباط الذين فرضوا الوحدة!‏

بعد جلسة المجلس النيابي التي وقع فيها النواب على الوحدة جلس قيس في مقهى الكرنك. قال رأيه: الاتحاد الفيديرالي هو الطريق السليم، لاالوحدة الفورية! ردّ عليه المحامي نجيب: يكفيكم خزيا أنكم ضد الوحدة! ردّ قيس: يكفي هذه الوحدة خزيا أن رشدي الكيخيا حضر جلسة المجلس النيابي التي وافقت عليها! هل يفهم قيس أن ماقاله في مستوى الكفر؟!‏

استدعى عرفان قيسا: وصلت إلينا ثرثرتك. انتبه! إذا استمر كلامك الطائش فستبقى في سجن المزة حتى تحرير الأردن! أجاب قيس: سيسعدني أن أكون في سجن المزة إذا تمكنتَ أنتَ من تحرير الأردن! إلى من يستند قيس؟!‏

في تلك الليلة تحدث قيس مع فرج الله زمنا. شبه سوريا بولاية كيرالا الهندية. سورية الآن رمز! يجب أن يبقى في الأرض العربية مكان للحلم! قال له فرج الله: قم، اكتب ماقلته! بعد سنوات طويلة سيجد العرب وبعض الغربيين جنوب لبنان مكانا للحلم! وخلال الانتفاضة ستصبح فلسطين مكان الحلم! وفي لحظة غزو العراق ستبدو المقاومة العراقية مكان الحلم!‏

قطعت الأفراح بثورة العراق في 14 تموز تلك العتمة! سمعت ليلى صوت عمر في التلفون: ياليلى، في العراق ثورة قلبت الملكية! تركت ليلى السماعة ونادت أمها: منور! سقط نوري السعيد وعبد الإله والملك! نعم، سقط الذين عانت سورية من مشروعهم للوحدة! أية هزة زلزلت الغرب! استدعى كميل شمعون السفير الأمريكي. يبدو أنه وافق على التدخل الأمريكي أو أنه طلبه. خائف من ثورة العراق! في لبنان الآن إنزال أمريكي! وفي الأردن إنزال بريطاني!‏

في المساء استقبلت ليلى وأمها عمرا. كم تبدو هذه الأشهر سريعة وعاصفة! قال عمر: مع ذلك لاتزال الأحلام تملأ الجو! سألته ليلى: البيضاء أم السوداء؟ قال: يراقبون جميعا الأحداث في العراق، وينتظرون مصير الإنزال في لبنان! نظر إلى صورة أبي ليلى وإلى صورة أخيها. ولمح صورة ليلى وهي صغيرة، وإناء زهر فيه كثير من الزنبق الأبيض الذي عبق في الصالة. لماذا يتأمل مايراه من بيت ليلى كالمسافر؟‏

- هذا فقط ماتريد أن تقوله لي ياعمر؟ في فمك كلام آخر!‏

- ياليلى، كنت أفكر بأن العلم السوري لم يعد موجودا!‏

لم يقل لها إنه يتوقع كارثة لم تحلم بمثلها الأحلاف! لماذا يقلقها بنبوءة شخصية! قال: احتج الاتحاد السوفييتي على نزول القوات الأمريكية في لبنان. وهذا مهم لأنه قوة عالمية. وأعلن فؤاد شهاب أنه إذا انتخب رئيسا سيطلب خروجها. وستبقى القوات الأمريكية في لبنان أربعة أشهر.‏

قالت ليلى لمنور: يصعب السفر إلى العراق. فلماذا لانسافر يومين إلى لبنان؟ سألها عمر: والإنزال؟ تدخلت منور: تفكر ليلى في لبنان ولاتنتبه إلى أننا لم نقدم لك ماتشربه! عندي شراب الرمان. طيب، حضّرته بنفسي. وحضّرت لك ياعمر كنافة بالجبن أعرف أنك تحبها، مع أن الطقس حار!‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:23 AM   المشاركة رقم: 89
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
قال عمر لنفسه: ستؤخّر ثورة تموز في العراق دمج سورية في مصر! وقد تغيّر مجرى الوحدة نفسها! لكن هل يمحو ذلك الخيبة التي شعر بها وهو يستمع إلى خطاب عبد الناصر في ساحة قصر الضيافة في دمشق؟! جرحته دموع غادة التي سالت على خديها وهي تصغي إلى عبد الناصر. وأغاظه هيجان الناس. بدا كحجر وحيد بارد وسط تلك الجموع. ولم يستطع الانسحاب في سهولة. هل كان وحده على صواب وذلك الخلق كله مخطئ؟! لذلك سيعود إلى ذلك الخطاب ويقرأه في هدوء مرات. وسيثبت لنفسه أنه على حق! ولكن من كان يستطيع يومذاك أن يناقش الأسس التي يفترض أن تبنى عليها وحدة بين بلدين لكل منهما مساره الخاص؟ من كان يمكن أن يقبل ملاحظات خالد العظم الهادئة ومشروعه لوحدة واسعة وجذابة؟ سيقلّب عمر خطابات عبد الناصر فيما بعد. وسيتساءل لماذا سحرت العرب. وسيرى أنها كلمات عادية استخدمت الحماسة واعتمدت التكرار. وسيلوم نفسه لأنه صفق لها ذلت يوم. لكنه بعد ذلك بسنوات سيتصفحها مرة أخرى. وسيقول لنفسه: سمع العرب لأول مرة من رئيس عربي دعوة علنية إلى مقاومة دول كبرى استعمارية، وإعلانه أنها لاتخيف الشعوب! خاطبهم كأمة من الخليج إلى المحيط، تملك أرضا واحدة لهم ثرواتها! لم يكونوا مخطئين إذن في حماستهم له! لأنه أنعش ماتعلموه في الكتب: أنهم أمة ذات أمجاد، سطا عليها الانتداب والاحتلال وهدّدها بأشكال جديدة من العبودية! ستبدو له جمل عبد الناصر بسيطة وصيغه ساذجة وهو يقلّبها. لكنه سيتساءل هل يتصور الزعماء في ذروة قوتهم أن كلماتهم تذوب في الفضاء، ولن يفحصها جيل آخر بعدهم؟ وهل يجوز أن يعتمد الزعماء استثارة الناس بالعواطف وتنويم العقول؟ سيكره عمر "إن" وسيحاول ألا يستخدمها في رسائله. وسيحاول ألا يستخدم المترادفات في كلامه. وسيوجز جمله. وستقول له ليلى: لايفهم من يستمع إليك مافي قلبك! وعندئذ سيذكر لها أنه يحتفظ ببعض خطابات عبد الناصر التي تتصل بأحداث حياته، كأنها أوراق شخصية. وسيذكر لها أنه لم يعد يطيق التكرار والتفصيل والمترادفات. وسيتساءل دهشا كيف صفقت تلك الحشود العربية لخطابات بسيطة يمكن أن تختصر ببعض الجمل. وستقول له ليلى: تذكّر أن تراها متصلة بأهواء زمنها!‏

كانت الأوراق التي نشرها أمام ليلى صفراء. فقالت له: كم هي قديمة! فردّ: مرت عليها عقود، هي عمرنا! تصفحتها ليلى ولم تكن راغبة في قراءة كل جملة منها، ثم وجدت أنها تقرأها. ورآها تهزّ رأسها. هل يريد عمر أن يصور أن تلك السنوات كانت سطحية وباهتة؟ رفعت رأسها إليه: ياعمر، كانت تلك السنوات متوهجة وغنية. لكن التعبير عنها يحتاج صفاء الروح والكفاءة. وربما يحتاج أيضا الجرأة والعدالة. أسّست تلك السنوات ما عاشته المنطقة فيما بعد، وكانت حاسمة! ولعلها كانت التمهيد لهزيمة حزيران القاسية وللصحو الحادّ بعدها! عندما قرأتُ مقاطع من تاريخ روسيا في أيام القيصرية شعرت بالغيرة. رأيت تحليلا ودراسات طويلة عريضة تتناول سنوات محدودة. نعبر أغنى منها في بلادنا لكننا لانجد لها صورة دقيقة تحيط بها! ياليلى، ربما يحتاج الناس الأمان والتأمل. فلننتظرهم! قلّبت ليلى الخطابات. وسمعت الهدير الذي كانت الإذاعة تردده مرات كل يوم!‏

"سنحطم أساطيل العدوان التي تحاصر بيروت، وسنحطم طائرات أمريكا وبريطانيا التي تحلق فوق أراضينا. إنهم يريدون تغيير سير الزمن ولكن الزمن لن ترتد عقاربه الى الوراء! إن التاريخ يسير الى الأمام وسيدوس الشعب العربي بأقدامه على الاستعمار وأعوان الاستعمار. سينتصر الشعب العربي في المعركة وسيتحرر لبنان والأردن كما تحرر العراق".‏

لكن عمرا سيخصّ بانتباهه خطاب عبد الناصر في دمشق مساء يوم 18 تموز سنة 1958 الذي أبكى غادة، وسيقدّمه لليلى. لأنه نقّب فيه، ولم يره إلا متصلا بترتيب العلاقة بعبد السلام عارف وحقن غروره وسذاجته ليقفز إلى قيادة العراق. كان ذلك الخطاب من الأوراق التي يحتفظ بها عمر ليثبّت أحداث حياته ويفسرها. وليؤكد لنفسه أنه لم يخطئ في موقفه من الأحداث التي سرقت سنوات من عمره. كان يكتشف نتائج متنوعة في كل مرة يستعيد فيها ذلك المقطع من حياته. من تلك النتائج أن الارتجال علّة. وأن التصفيق قد يكون مصيدة. وأن المترادفات والتكرار تستخف بالعقل. كم بدت كلمات عبد الناصر بعيدة عن الواقع بعد عدوان حزيران! أين الزحف المقدس وأين الانتصارات؟ وأين اولئك الذين قامر بهم ناصر فعلقوا على المشانق وخسرهم العرب؟ هل يجوز التدخل بالقوة في بلد عربي لأننا أمة واحدة؟ وماهي نتيجة ذلك؟‏

"الحمد لله، الحمد لله فإن الزحف المقدس الذي صممت عليه الأمة العربية يسير قدما الى الأمام من نصر الى نصر.. أيها الإخوة لقد كافح العرب طويلا من أجل أن يحققوا لبلادهم الحرية والاستقلال، كافحوا ضد الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي، كافحوا كفاحا مريرا ورغم الظلم ورغم الاستبداد ورغم الاستشهاد لم يهنوا ولم يضعفوا ولكنهم آلوا على أنفسهم أن يستمروا في زحفهم المقدس يحملون مشعل الحرية حتى يحرروا بلادهم في كل بلد من بلاد الوطن العربي، في دمشق وفي بغداد في بيروت وفي عمان في القاهرة وفي الجزائر وفي كل مكان صمم العرب، رغم الظلم ورغم الاستبداد ورغم الاستشهاد ورغم القتل والتعذيب على أن يستمروا في زحفهم المقدس. وأنا بينكم اليوم أيها الإخوة وأشعر بفرحكم وأشعر بأنكم تشكرون الله ونشكر الله معكم لأننا نرى اليوم الى جانبنا إخوانا لنا يحملون مشعل الحرية في طريق زحفنا المقدس. لقد قاوم شعب العراق دائما ولم يهن ولم يضعف ولم ييأس كما قاوم كل شعب عربي.‏

قاوم شعب العراق واستشهد من استشهد وقتل من قتل ولكنه لم ييأس وقاوم حتى انتصر في زحفه المقدس ورفع معكم ومع الأمة العربية كلها شعلة الحرية. إننا اليوم أيها الإخوة أقوى مما كنا. إننا اليوم أيها الإخوة أثبت مما كنا. إننا اليوم نشعر أن راية الحرية تعلو وتعلو وترتفع. راية الحرية التي هزمت الظلم والتي هزمت الاستعمار والتي هزمت الدول الكبرى تعلو وترتفع. راية الحرية التي حطمت العدوان وبقيت وانتهى العدوان. إننا اليوم هنا في هذا المكان كافح الآباء وكافحتم فنشعر اليوم بالحرية، وصبرتم واستشهدتم ولكم إخوة في القاهرة قاتلوا وكافحوا واستشهدوا ولكن راية الحرية ترفرف على القاهرة. ولكم إخوة في بغداد قاتلوا وكافحوا واستشهدوا وعذبوا ولكن راية الحرية ترتفع اليوم في بغداد. وهناك إخوة لكم يكافحون في الجزائر يكافحون ويموتون في سبيل العزة وفي سبيل الاستقلال. وبعون الله ستنتصر الجزائر وسترتفع راية الحرية وسترتفع راية الاستقلال. ولكم إخوة أيها الإخوة في عمان وفي بيروت يكافحون من أجل حريتهم ويكافحون من أجل استقلالهم وسترتفع راية الحرية في عمان وسترتفع راية الحرية في بيروت كما ارتفعت في كل بلد من أرجاء العالم العربي. أيها الاخوة إن القومية العربية قد انطلقت من عقالها إن الشعب العربي يثق بنفسه ويثق بوطنه. إن الشعب العربي يثق بحقه في الحرية والحياة وأنا اليوم أيها الإخوة المواطنون أتجه إلى إخوانكم في العراق وأقول لهم إننا معكم أيها الإخوة وإن معركتنا واحدة لأننا شعب واحد وإننا أمة واحدة. إننا معكم أيها الإخوة وكنا ننظر إليكم في الماضي وأنتم تقاتلون وأنتم تكافحون وكنا معكم بالقلوب إننا معكم أيها الإخوة لأننا شعب واحد ولأننا أمة واحدة إننا معكم في الكفاح إننا معكم في الجهاد ... أيها الإخوة إن القومية العربية التي انطلقت لايمثلها رجل واحد ولاتمثلها حفنة من الناس لايمثلها جمال عبد الناصر ولايمثلها أي شخص آخر ولكنها أنتم كل فرد منكم، من منكم كان يسمع منذ أيام عن عبد الكريم قاسم من منكم أيها الإخوة كان يسمع منذ أيام عن عبد الكريم قاسم أو عن عبد السلام عارف إن عبد الكريم قاسم يمثل هذا الشعب يمثلكم أنتم يمثل المواطن العربي يمثل القومية العربية، إن عبد السلام عارف يمثل هذا الشعب المكافح يمثل هذا الشعب الذي قاتل يمثل هذا الشعب الذي صمم على الحرية وصمم على أن ينتصر، إن كل فرد من هؤلاء الضباط ومن هؤلاء الجنود، إن كل فرد منهم يمثل القومية العربية ويمثل العزة العربية، إن كل فرد منكم يمثل القومية العربية ويمثل العزة العربية، إن شعلة القومية ستبقى أبد الدهر مرتفعة لأنها لاتنحصر في شخص واحد هو جمال عبد الناصر...أيها الإخوة إنني أعلن باسمكم من هذا المكان أننا جميعا سنحمل السلاح لندافع عن شعلة الحرية التي انتصرت في العراق، إننا جميعا سنحمل السلاح لندافع عن استقلالنا وسندافع عن النصر الذي حققناه، إننا جميعا أيها الإخوة سنحمل السلاح لندافع عن القومية العربية.. اليوم يقولون إن هناك تدخلا من الجمهورية العربية المتحدة في لبنان وإنهم لهذا يحتلون لبنان ليدافعوا عن لبنان ويقولون أيضا بأن هناك تدخلا من الجمهورية العربية المتحدة في عمان وإنهم لهذا يحتلون عمان. إن هذا أيها الإخوة هو الاستهتار بكل القيم الأخلاقية وبكل المبادئ، إن هذا هو الاحتلال إن هذا هو الاستعمار إن أمريكا التي قاومت بريطانيا منذ عشرات السنين لتحصل على استقلالها ولتقضي على الاستعمار وتشيد الولايات المتحدة المستقلة كيف تنسى تاريخها كيف تنسى نفسها وتقوم اليوم بهذا الدور الاستعماري وتحتل لبنان وتهدد الجمهورية العربية المتحدة. إن أمريكا أبلغتنا بالأمس أننا، أن الجمهورية العربية المتحدة تعتبر مسؤولة عن أمن الجنود الأمريكيين في لبنان وأنا لاأعرف كيف يذكرون لبنان ويحتلوه ونحن نعتبر مسؤولين عن حماية الاحتلال. لقد قاوم الشعب دائما الاحتلال وانتصر الشعب إن الشعب العربي سيقاوم الاحتلال في كل بلد وفي كل مكان ... أيها الإخوة المواطنون لنتجه إلى المستقبل بعزيمة وايمان.. إننا اليوم نشعر أن إخوتنا في العراق قد تحرروا.. نستطيع أن نكون قوة كبرى ونستطيع أن نهدم الطغاة ونستطيع أن نهدم العدوان، وأنا أقول لإخوتكم في بغداد إننا معكم أيها الإخوة جميعا إننا نحمل السلاح مثلكم أيها الإخوة وإن دماءنا معكم كل قطرة من دمائنا والله يوفق الأمة العربية جمعاء والسلام عليكم ورحمة الله".‏

كان سقوط الملكية في العراق فرحة كبرى، رآها عمر في المقاهي والجامعة وفي حفاوة الناس بالثورة. وشعر بأن الوحدة المصرية السورية وضعت أمام ظروف جديدة تتحدى أسسها. كانت ثورة العراق ثورة حقيقية ألغت قوى سياسية وأتت بأخرى. تذكّر عمر حكاية ساخرة. قيل لملك العراق لماذا لاتنشئ جامعة في بغداد؟ فقال: لأن بريطانيا لم توافق. قيل له: أنت الملك! رد :أنا موظف في حكومة بريطانيا بدرجة ملك! وروي أن زملاء الملك كانوا يشكون له مايعاني منه العراق فكان يشاركهم حزنهم ويبكي معهم. لذلك شعر عمر بالشفقة على ملك العراق، لكنه كان يكره الوصي ونوري السعيد. ويرى أنهما مسؤولان عن قتل صلاح الدين الصباغ وزملائه الضباط! وهاهو عبد الإله قد قتل مع الملك في القصر. واكتشف نوري السعيد متخفيا بملاءة نسائية هاربا حتى من بيت صاحبه الاستربادي، محاولا أن يصل إلى السفارة الأمريكية. قتل وسحل ودفن في أبي غريب، ثم أخرج الناس مابقي من جثته وسحلوها. هل كان عمر يتصور أنه سيرى في حياته عراقيين يجلسون علنا حول حاكم أمريكي في العراق كمجلس يحكم العراق، والجنود الأمريكيون يقصفون المدن العراقية ويعذبون العراقيين في المعتقلات، والموساد يشارك في التحقيق مع المعتقلين، والشركات الإسرائيلية توهب الحقوق في العراق؟ سيتذكّر عمر بعد عقود الحكاية الساخرة عن ملك العراق، وسيقول: كم كان الملك المسكين يتقدم على هؤلاء الذين لايعترفون بأن الطائرات الحربية التي تقصف البيوت العراقية في بغداد والفلوجة والنجف والقائم والرمادي طائرات احتلال، بل يرونها دون خجل طائرات حلفاء!‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:25 AM   المشاركة رقم: 90
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
يوم قالت لها أمها: يامديحة، السياسة غدارة! لاتغرقي فيها! ردت دهشة: سياسة؟ هذا دفاع عن الوطن! وكرر فوزي الجواب نفسه لأبيه فطمأنه: لاأتخيل نفسي في منصب سياسي أكسب منه راتبا! الدفاع عن الوطن ليس سياسة بل فروسية، وواجب. فهل كانا واهمين؟ لم يكن ضباط الجيش الذين قرروا وحدة بين سوريا ومصر دون شروط، أقل منهما بساطة!‏

لذلك كانت خيبتهما كخيبة المحب! انثنت مديحة على نفسها في البيت متألمة عندما هاجم عبد الناصر الشيوعيين في خطاب رنان. ليس ذلك بيانا على ورقة، أو قرارا رسميا، بل تحريض في اجتماع حاشد! فهل حدث مثل ذلك في العالم بعد الاجتماعات الكبرى التي سيقت فيها المجموعات إلى حرق الكتب والحرب؟!‏

في تلك الأيام لاحظ فوزي مكاتب المخابرات التي أنشئت بعد التوقيع على الوحدة. وقال لنفسه: لم تنفّذ الاتفاقية مع الاتحاد السوفييتي لتصنيع سوريا، لكن أنشئت هذه المؤسسات التي لم تكن موجودة في بلدنا! ثم شغلت ثورة العراق الجميع. حاول عبد السلام عارف أن يتقدم على عبد الكريم قاسم كأنه صانع ثورة تموز ومرجعها، واسترسل في خطابات تعلن أن الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة قريبة. فانتقل إلى الشارع الصراع بين الوحدة والاتحاد الفيديرالي، وبدأ في العراق الصدام الدامي بين القوميين وبين الشيوعيين. أوجز فوزي لمديحة: ماذا يغري العراق بالوحدة مع سورية ومصر؟ التآمر حتى على صناع الوحدة، إبعاد عفيف البزرة ونثر الضباط البعثيين في وظائف مدنية؟ حلّ الأحزاب وتأسيس أجهزة المخابرات؟ قالت له مديحة وهي تخجل من الهبوط إلى تفصيل شخصي: صادفت أمس أحد الطلاب وأنا مع زميلاتي في "غرفة الشاي". أخرج ورقة وقلما، نظر إلي وبدأ يكتب.. قصد أن يظهر أنه يكتب تقريرا إلى جهة ما. قال فوزي: يامديحة، لاتدهشي إذا صار الأخ يتجسس على أخيه! مايحزنني يافوزي أن غادة تتفاداني! وأن ليلى تبدو باردة، تسلّم علي لكنها لاتتوقف لتتحدث إلي. ردّ: توحي لي المقدمات بأن البعثيين سيعتقلون ويطاردون! وظيفة نائب رئيس الجمهورية التي أعطيت للحوراني تبعده عن جماهيره التي يستقوي بها، وستضعفه. ذات يوم، ستعود غادة وليلى إليك!‏

في ذلك اليوم قال عمر لفوزي: لستم المقصودين, فلستم قوة. مع أنكم لم تقدّروا الظروف فأردتم انتخابات بلدية تصورتم أنكم ستسجلون فيها تفوقكم، فأغضبتم حلفاءكم. المقصود هو إلغاء الاندفاع الوطني، إلغاء شعور الفرد بأنه يفكر تفكيرا مستقلا وأن رأيه مهم ومطلوب! المقصود أن يفكر شخص واحد، وربما مجموعة أفراد، عن الناس! سيصبح الناس متفرجين مصفقين! وستشتاق حتى إلى جريدة بردى أو الفيحاء! هذه هي الكارثة! لكن أصحابنا لاينتبهون إليها. يتصور كل منهم أنه سيتخلص من الحزب المنافس، وسيبقى بعده! وستتحقق نبوءة عمر. سيهاجم عبد الناصر بعد سنة في خطاب رنان حزب البعث!‏

ألقى عبد الناصر خطابا في 23 كانون الأول في بور سعيد. وأذيع خطابه مرات في اليوم طوال الأسبوع الأخير من السنة. استمعت مديحة إليه جالسة في غرفتها قرب راديو زيتي صغير. "..وحينما طغت القومية العربية وحينما ارتفعت إرادة الشعب العربي وقامت الجمهورية العربية المتحدة وكان الحماس الجارف والشعور الفياض، انزوى أعداء القومية العربية وأعداء الوحدة العربية، انزوى الاستغلاليون وانزوى الانتهازيون لأنهم يعلمون أن هذا الشعب سيحطم رؤوسهم. ولكنهم الآن خرجوا من جحورهم.. وتحالفت الرجعية مع الصهيونية، التقوا جميعا ضد القومية العربية والتقوا جميعا ضد الوحدة العربية. وآسف أن أقول إن هذه العناصر التي ظهرت إنما لم تكن قد استطاعت أن تواجه الشعب قبل الآن ولكنها تريد أن تخدع الشعب وتنشر بينه البلبلة وتنشر بينه الإشاعات حتى يكون مطية للاستعمار أو لأعوان الاستعمار أو للصهيونية. ولن نستطيع أن نحارب الصهيونية وأن نحارب الاستعمار إذا كنا نحارب أنفسنا. ولكن الحزب الشيوعي في سوريا رفض هذا وأعلن أنه لايقبل أن يتحد مع الأمة في وحدة قومية وفي اتحاد قومي ورفض أن تكون الأمة أمة واحدة تحارب أعداء القومية العربية وأعداء الوحدة العربية. بل رفض أيضا القومية العربية والوحدة العربية وأعلن بعض أفراده في الأسبوع الماضي أنهم ينادون بالانفصال وينادون بألا تكون هناك وحدة عربية أو قومية عربية. إن هذه هي الدعوة للصهيونية. لكي تنفذ بين أرجاء القومية العربية وتعود تستغل بلادنا.."‏

بدا لفوزي أن مرحلة تطوى وتبدأ أخرى بديلة. كانت مصر من قادة دول عدم الانحياز. جمعت العرب بتأميم قنال السويس ومقاومة الغزو الثلاثي. بهرت العرب بالتأميم والقطاع العام والإصلاح الزراعي. فكيف تنحرف من توحيد العرب لمواجهة تدخل خارجي إلى تقسيمهم في نزاع عربي؟ كيف يكذب رئيس دولة ليحرض على مواطنين! بدا نص الخطاب لفوزي ضعيفا هشا، لكنه شعر بأن الحماسة الوطنية تمنع رؤية تلك الحقيقة! ينفّذ إذن المشروع الأمريكي الذي ردّه خالد العظم قبل سنوات يوم قال يريدنا الغرب أن نحارب الشيوعية، ليست تلك قضيتنا، فعدونا إسرائيل!‏

بدأ فوزي يمزق رسائل أهله وأصدقائه. مزق الصور التي تجمعه بآخرين من زملائه. أمسك برهة بصورته مع مديحة وأصدقائهما في مهرجان موسكو. وخيل إليه أنه يشعر بحريق في عينيه. إذا مزق الصورة هل ستنجو النسخة الثانية في بيت مديحة؟ أشعلها. وكان الراديو خلال ذلك يكرر الخطاب! قال لنفسه: يحضّرون إذن حملة كبيرة. ألذلك طلب منه أصحابه أن يستأجر بيوتا تستخدم وقت الضرورة؟ لن يكون ممن يستخدمها!‏

استمعت مديحة إلى خطاب عبد الناصر مرات. نظرت إليها أمها: قلت لك السياسة غدارة! خفضت مديحة صوت الراديو وانحنت عليه. هذا هو رجل القنال؟! يبدع همجية في سحق الخصم الفكري ويطلق الغوغاء! يشوش الرموز ويدمر الروح! سيكون خطابه التالي خطأ سياسيا أيضا! سيهاجم عبد الكريم قاسم وسيقول إن إنذار الاتحاد السوفييتي وقت العدوان على بور سعيد جاء متأخرا، جاء بعد قرار الأمم المتحدة وقف العدوان وبعد تضامن دول العالم مع مصر! فيعرّي بلاده من سند عالمي، ويشوّه الحقيقة التاريخية! سيتحدث عن المؤامرات الشيوعية على الوحدة ويتهم الشيوعيين بأنهم عملاء، ويستغني عن قوى سياسية سندته! لكن مديحة لن تكون يومذاك في بلدها. فوزي هو الذي سيعذب في ذلك اليوم!‏

خابر فوزي مديحة وقال لها: لاتأتي إلى الجامعة! التقى بها في عتمة المساء. واختار لسيرهما الشوارع البعيدة في أبي رمانة. قال: ليتك تسافرين، يامديحة، إلى بيروت غدا إذا استطعت! سألته: صرنا مطاردين؟ هز رأسه. سألته: وأنت؟ هز كتفيه. وبدا لها أنه يتخذ قرارا صعبا، لكنها لم تتصور أن قراره يتصل بها. بدت الشوارع التي كانت تمشي فيها خلية البال، خطرة. وضعت يدها على صدرها. كأن روحها انشقت! كأنما فصلت سكين الأمس عن تلك اللحظة! قال فوزي: إذا جمع عبد الناصر ذات يوم خطاباته في كتاب لترسم صورة له، هل سيكون منها هذا الخطاب؟! للسياسي المتزن خط ينظم مشروعه كله! الآن يظهر عبد الناصر الذي استبعد زملاءه الضباط الأحرار. كانوا مجموعة من شباب يساريين وإخوان مسلمين ومن مصر الفتاة ومستقلين، تمردوا على الفساد ونكبة فلسطين. فاستصفى منهم من يدين له. أبعد من نفذ انقلاب يوليو. وقبل في سنة 1953 مشروع جونستون لمياه الأردن بينما رفض السوريون التحويل ومنعوه بالقوة. حتى لبنان رفض مشروع جونستون لمياه الحاصباني لأنه يبدأ من شراكة إسرائيل في المياه العربية! قالت مديحة: لماذا رأينا الوجه المضيء للقمر فقط وتجاهلنا الوجه الآخر، والآن يحدث العكس؟!‏

نظرت إليه. كان مجروحا وعاجزا كأنه أمام كارثة لايستطيع ردّها. قال: عبد الناصر سياسي دون قلب. كان الشيوعيون المصريون في السجون يوم سافر إلى باندونغ في نيسان 1955 فأرسلوا له من السجن برقية يحيّون فيها موقفه من الاستعمار! قالت: لكنهم شيع وفيهم يهود، قدّم المشبوه منهم مايدان به المخلص. وهل تظن أن الجمهور العربي يقبل كورييل ولو كان في قمة الإخلاص لمصر؟ على كل حال، لو كنتُ مكانهم لما أرسلتُ له برقية! لايقاوم الفكر بالسجون!‏

قال فوزي: تلك تفاصيل. لكن لاأحد مؤهل اليوم للاستماع إلى الحقيقة، ولالإعلانها. كأنما ينتظر السياسي الثمار المرّة ليبوح بالحقيقة كلها! يجب أن تقع الكارثة كي يصحو الواهمون! لكن الدمار حدث ولاشيء يعيد زمنا ضاع. يستمر عمر الأوطان أيضا من السنة التي وصل إليها! هل كان فوزي يقدّر أن بعض الذين قاوموا الإنزال في بور سعيد سيقتلون في السجن. وسيعذب في مصر الطالب الذي نظم التضامن مع الأردن سنة 1957، سيعذب يوم أطلق الإتحاد السوفييتي مركبة فضائية؟ وفي غزة ستعتقل صهباء البربري، وهي في الثامنة عشرة، وسينقل الذين اعتقلوا في غزة إلى سجن الواحات ومنهم الشاعر معين بسيسو، وسيبقون فيه سنة ونصفا مع الكلاب المتوحشة. وستبقى إنجي أفلاطون، أكبر رسامة عربية، طوال تلك السنوات في السجن. رجع الضباط الذين أرسلوا إلى الولايات المتحدة سنة 1956 خلال مقاومة العدوان الثلاثي، ليختصوا في مكافحة الشيوعية! ومنهم مصيلحي مستشار الرئيس لمكافحة الشيوعية! فمن سيحاسب على مايحدث في سجون مصر وسورية؟ انتهى زمن المقاومة الوطنية! انتهى زمن وحدة الشارع العربي! كان فوزي غاضبا: بدأت مرحلة تاريخية! مرحلة تفكك القوى الوطنية، والمطاردة والاعتقال والتقارير! لن يسفح الدم في المظاهرات برصاص أجنبي، بل في سجون عربية. هذا هو الزمن الذي افتتحه عبد الناصر الذي أطلق مخابراته على الأردن ولبنان والعراق فألغى التحالف السياسي ووضع مكانه الارتباط بالأجهزة وأموالها!‏

تساءلت مديحة: من سيدفع ثمن الزمن الضائع؟ ردّ: الشعوب، دائما! لكن الأشخاص قد يدفعون الثمن أيضا! يامديحة، ليتك تسافرين إلى بيروت! سألته وهي تنصرف: سنلتقي؟ قال: سأتصل بك وقت يمكن ذلك. التلفونات مراقبة، والشوارع مراقبة! احذري السيارات ذات الأرقام الديبلوماسية والأرقام العربية!‏

هل تذكّر فوزي في ذلك الأسبوع الأخير قبل الاعتقالات، أن زكريا محي الدين أمر ضباطا باقتحام السجن الذي يعتقل فيه الإخوان المسلمون فقتلوا 27 رجلا منهم، لكن فوزي لم يبال بذلك ولم يقل يومذاك الفكر يواجه بالفكر؟! لم يقدّر أن اولئك الضباط سيهاجمون آخرين بالخبرة التي كسبوها من تعذيب من سبقهم! هل سيتذكّر أنه نسي خلال حماسته وهو يستمع إلى خطابات عبد الناصر أيام تأميم القنال، أن خميس والبقري شنقا لأنهما قادا إضراب عمال النسيج في كفر الدوار سنة 1952؟ يافوزي، لو رفضتَ ورفض الناس التعذيب مهما كان نوع ضحاياه، لما أصبح أسلوبا شرعيا تمرّ تحته جميع الاتجاهات الفكرية! قال لنفسه: نعم! كم تأخر الصحو! لكن فوزي لم يتأخر في الاتصال بمديحة ليعلن لها أنه يعفيها من الارتباط به، ومن انتظاره! وأثنى على نفسه لأنه فعل ذلك في الوقت المناسب.‏

في آخر ليلة في السنة فتح عينيه على ضجة. رأى حوله عشرين رجلا أو أكثر. اعتقلوه ونقلوه إلى سجن المزة. وصادف هناك كثيرا من المعتقلين. وفي اليوم نفسه وصل رئيس البنك الدولي إلى مصر يعرض قرضا. وأعلن دالاس مساعدة لمصر: 12 مليون دولار والإذن ببيع القمح لها بالنقد المصري. ثمن دماء الشباب في سجون مصر وسوريا، ثمن الضباط الذين أصبحوا متقاعدين في عز الشباب، والمؤسسات السياسية والصحفية والاقتصادية التي فككتها الوحدة! أما السنوات التي ستضيع قبل حرب حزيران فسيكون هدية لم يحلم الأمريكيون بأن تقدم لهم وشوارع البلاد تحتفل بذلك!‏

لكن الزمن محاسب عات، لايميز بين ضحايا الأخطاء وبين صناعها. سيدفع العرب كلهم الثمن في سنة 1967 فهل كان حيا يومذاك الضابط الذي قال لأحمد عبد الكريم في اجتماع قيادة الجيش: لم يخلق بعد من يضع الشروط لعبد الناصر؟ وإذا ندم، هل سيعيد ندمه الزمن والأجيال الممزقة التي خسرتها البلاد وهي في عزّ التفتح؟‏

كانت مديحة منصرفة إلى فجيعتها بما كانت متحمسة له ومنساقة فيه، العواطف والاندفاع إلى التضامن مع مصر، أيام المقاومة الشعبية والرمي في المزة، والحلم بالوحدة العربية الموزونة! وكان فوزي وقتئذ يستعيد ومضات من الأمس.. قرر مجلس النواب السوري في 6 تشرين الأول سنة 1955 تأييد مصر في صفقة السلاح من تشيكوسلوفاكيا و"استنكر الضجة التي أثارتها بعض الحكومات حول هذه القضية الداخلية" واعتبرها تدخلا في الشؤون الداخلية! تجاوزت الحكومة السورية والمجلس مناورات حزب الشعب، ووقع مشروع الدفاع المشترك بين مصر وسوريا! وظل نشيد السوريين الذي ألفه فخري البارودي: بلادي العرب أوطاني! لكن عبد الناصر قال للصحفي كرانجيا إن "سبب الوحدة وجود مؤامرة شيوعية للسيطرة على سوريا لذلك عجّلنا بالوحدة. استفادت المؤامرة الشيوعية من الأزمة التركية السورية"! أزمة؟ تسللت دوريات تركية إلى سوريا، قطع نهر جعجع، وصل الأسطول السادس إلى المياه قرب سوريا. وزعت الأسلحة يومذاك على الناس دون تمييز، وحفرت الخنادق، وحرست المقاومة الشعبية الجسور والطرقات. ماعلاقة الشيوعية بتلك الأيام المتوهجة؟ لم يخطر للمسؤولين الأتراك يومذاك أن عبد الناصر سينفّذ التحذير التركي! لم يخطر لدالاس أن صيغه في تسمية الخطر ستستعمل نفسها، وتستر مؤامراته على سوريا! هزجت المظاهرات أيام المقاومة الشعبية: "دالاس يادالاس، يابو الدسائس، مابيخوفنا الأسطول السادس". فهل كان الخطر وهما والمقاومة هواجس؟‏

صحيح إذن أن الوحدة ليست مفاجأة لأمريكا. بل برضاها لتتخلص من اتجاه سوريا الوطني وتحذفها. قال عفيف البزرة: نحن ضمانة! وياللسذاجة! طار البزرة وأصحابه الضباط! وسيكتب أحد شهود تلك الفترة: دمّر ناصر القوى الوطنية السورية التي ردّت المؤامرات، وفرّق رفاق السلاح ومجموعة الضباط. أخذهم من وطنيتهم ومن ايمانهم بالوحدة!‏

من سيحاسب فوزي بثلاث سنوات من عمره سيتركها في السجن؟ من ستحاسب مديحة بالمرارة وليالي الأرق؟ تتصل القوة والضعف بايمان الإنسان بالمشروع الذي قرره لحياته. لكن من سيلاحظ ندوب الجروح!‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:26 AM   المشاركة رقم: 91
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
برق رضا في الأزمة. من كان يعرف اسمه غير جماعته؟ فهل أشار ذلك إلى نمط من السياسيين الذين يمضون حياتهم في عمل مغلق في أحزابهم، ويصعدون فيها إلى القمة دون أن يسجل لهم مكان في الحياة العامة؟ كان رضا مسؤول القيادة الذي تصبّ على يديه المعلومات عن المنظمات في دمشق كلها. ويستطيع أن يحضر أي اجتماع في دمشق ويعرف أسماء الحاضرين فيه. لم يخطر لفوزي أنه قد يلتقي به في السجن! لكنه سيعرف يومذاك فقط أن رضا أبعد في سنة 1942 ثم أعيدت إليه مسؤولياته. التقى به فوزي أول مرة في سنة 1954 وقيل له: رضا مسؤول دمشق، عد إليه في كل ماتحتاجه!

رأت مديحة رضا أول مرة في اجتماع. جلس في صدر القاعة وتحدث. خيل إليها أن كلامه دون قلب. ولم يعجبها صوته. همست لنفسها: "لاأحب عينيه! زائغتان"! لكنها أخمدت نفورها منه: "لابد أن تكون فيه مؤهلات يعرفها من رفعه إلى مقام مسؤول عن عاصمة"!‏

لاحظت مديحة فيما بعد أن عينه على مهى. رجل في الستين تلعب عينه على شابة في السابعة عشرة؟! راقبته وقررت أن مهى في حمايتها! بعد اجتماع من تلك الاجتماعات قالت لها مهى: خطبني! لاأريده! ردت مديحة: لست ملزمة بقبوله!‏

يوم قرر رضا فصل مهى، قابلته مديحة بملء عينيها: ماالسبب؟! كانت مهى تقف في الممر منتظرة أن تُرمى لها أية مهمة. لمحت مديحة دموعها. ورأت كيف ينفذ قرار ظالم ويتحمس له منفذوه. وضعت صاحبة البيت ساقا على أخرى، في الغرفة التي التقت بها برضا. دخنت سيجارة وشربت معه القهوة. ومهى تنتظر في الصالة تلك "الصدقة". راقبت مديحة ذلك غاضبة. وزاد غضبها أن الظلم باسم المجموعة! وبدا لها في تلك اللحظة أن التدخين وشرب القهوة في غرف مغلقة طقوس سياسية. قالت لرضا: هذا قرار فردي ظالم! فانحازت صاحبة البيت إليه: أنا معه! كادت مديحة تصرخ: ومن أنتِ؟ سيدة صالون! ثم تأملتها وفهمت أمرا آخر: هذه المرأة مركز الثقل! تستقبل مسؤولا وتودع آخر، تقدم القهوة والسيجارات وتظهر هدوء الداهية الحكيمة! فينظر إليها السياسي ويوصي الحاضرين: تعلّموا منها! فتتساءل مديحة: ماذا نتعلم؟ أن ندفن قلوبنا ونظهر عواطف أخرى؟! أن نتملق الأعلى وننفّذ التنكيل بالأدنى؟ ياللسياسة التافهة! كم مرة سيقدّر لمديحة أن تصادف النساء اللواتي يقفزن إلى صدر المجالس بمكرهن وقربهن من صاحب النفوذ، وستسميهن "المتسلقات"؟! اتفقت السيدة مع رضا: ستخطب له شابة صغيرة شقراء رصدها وعرف بيتها. قدمت له القهوة مرة أخرى ومعها سيجارة. قالت مديحة: هذا ظلم! تتحداه مديحة؟ سيطاردها!‏

كلّفها بعمل ليست مؤهلة له: أن تستأجر بيتا! رأى فوزي ارتباكها فساعدها في السر. طلب منها رضا خمس مرات أن تغيّر الاتفاق مع صاحبه. وغيّره فوزي. كتمت غضبها! الصبر! واليوم ماذا يريد؟ أعطاها ورقة مطوية ملصقة: رسالة يجب أن تصل إلى بيروت الآن! في بيروت إنزال أمريكي وصدامات بعد ثورة العراق. مع ذلك يجب أن تذهبي! خاطت الرسالة في ملابسها وركبت من السنجقدار سيارة إلى بيروت. بحثت عن العنوان. هنا! ماهذا العنوان الذي اقترحه رضا؟ ملتصق بموقع مسلح! استعدت للهرب. ناداها المسلح. اختفت خافقة القلب في زقاق. وصلت إلى فندق في ساحة البرج. بدا لها الفندق آمنا. ومع ذلك جرّت السرير وأسندت به الباب. لعلع الرصاص فأرقت حتى الفجر. أف، مرت الليلة! في الصباح مشت إلى العنوان الاحتياطي. قالوا لها هناك: يعرف رضا أننا سنكون اليوم في دمشق فلماذا خاطر بك؟ وضعت مديحة هذا التفصيل في سجلّها السري. لكنها لن تذكر لأحد ما جرى. كم من الأخطاء والجرائم ستستر باسم حماية الأسرار؟!‏

في الاجتماع لامها رضا دون سبب: يجب أن تتخلصي من تربيتك وعاداتك وأفكارك لتصبحي ثورية! هل تسأله: تريد صفحات بيضاء لتكتب عليها ماتشاء؟ ومن أنتَ وماهي كفاءتك؟ قدّم فتاة ذات مكياج كثيف: سترافقك إلى المنظمات لتستلمها منك! آه، فهمت! يقدّم فتاة لاتؤتمن، ويخطب صبية في السادسة عشرة أو السابعة عشرة يزوجها أهلها من عجوز، ويريد أن يعرف المنظمات التي لايعرفها! لاأثق فيه! تقلبت في الليل. ماأصعب ألا يكون الإنسان مستريحا بين أصحابه! فلتعتمد على حدسها! قررت: هو المخطئ! وسأشكوه! أتى فرج الله لبقا، رقيقا. ماالمشكلة؟ سألها عن التفاصيل فروتها له. هل قطّب؟ قال: معك الحق! في تلك الليلة نامت بملء عينيها.‏

لكن رضا بقي مكانه. وهمست شابة لمديحة: استدعاني رضا ومشينا ذهابا وإيابا أمام المكتب الخاص الذي أسسته المخابرات في شارع بغداد، حتى أكمل حديثه. لاأعرف لماذا جرّني إلى آخر الدنيا. كان يمكن أن يقول هنا ماقاله هناك! وضعت ليلى كفها على رأسها: عرضك لهم!‏

من أي همّ تهرب مديحة؟ الخارج والداخل معا! شعرت بأنها محاصرة ووحيدة. تتحاشاها غادة، زميلتها في المدرسة والجامعة! وهنا، هذا الرجل الذي تشك فيه! رفعت عينيها وغالبت الدموع. بقي فوزي، فهل تحدثه عما يتجاوز صلاحياته وتخرق قاعدة ذهبية؟ بدا هو نفسه قلقا وحزينا. حدثها عن زيارته إلى محمد الأشمر. قال له الأشمر: ياابني، الدهر دولاب، يوم معك ويوم عليك! رفع عينيه ولمحت ليلى دموعا يغالبها. قال: يبدو يامديحة أن سورية تقاد إلى المذبح! أتساءل الآن عمن اغتال عدنان المالكي! رجل من رجال غسان جديد وجورج عبد المسيح، أم نظمت اغتياله سفارة عربية وسفارة أجنبية وشخصيات سورية ومخابرات كبرى؟! ألم يكن ذلك لترتيب الجيش؟ نُقل إلي أن السراج قال في لقاء خاص: لدينا بعض أفراد منكم! فردّوا: ليس لديكم أحد من المراتب العليا! هتفت مديحة: بل لديه! أدهشته فحدق فيها. قالت: أظن أن السراج صادق يافوزي! أعتقد أن رضا يتعاون مع مؤسسة أمنية! ويبدو أن الإنزال في لبنان شغل الجميع ووجّههم إلى التعاون لنقل الأسلحة إلى المقاومة اللبنانية، فضاعت الطاسة وقتذاك!‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:26 AM   المشاركة رقم: 92
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
بعد خطاب ناصر الذي أعلن فيه أنه يترك الشيوعيين للشوارع كي تؤدبهم، قال فرج الله أمام مديحة: تفادوا الشوارع المطروقة! صارت شوارع المدينة التي تحبها ممنوعة؟ كانت تحب شارع الصالحية الذي تتمخطر فيه الصبايا بعد الظهر، ويبحث فيه الرجال عن خطيبة! تساءلت بينها وبين نفسها: هل ينفع الحذر ودمشق كلها مكشوفة لرضا؟ صارت تعبر طريق الصالحية، إذا اضطرت، مسرعة! لكن ياللمصادفة! أمامها رضا مع شابة صغيرة شقراء، جاكيته على كتفه، يمشي مطمئنا مسترخيا. تلكأت مديحة. رأته يدخل إلى غرفة الشاي! يقصد مكانا عاما وسط المدينة، والإذاعة تردد خطاب عبد الناصر سنتركهم للشوارع؟! سمعت دقات قلبها: هذا الرجل يخون أهله! ولكن من تخبر؟ جفلت فجأة: لماذا جمع رضا أوراقا يسجل فيها كل شاب اسمه وموجزا عن حياته؟ أيمكن أن يطلب أحد مثل تلك الأوراق الآن؟!‏

كان الراديو مايزال يكرر خطاب عبد الناصر عندما وصلت إلى البيت. هل القصد أن يشلّ التكرار العقل؟ واضح أنه يستعدي الشارع. ألايفترض أن يوفق القائد بين المتخاصمين لاأن يشعل النار وسطهم؟ سمعت صوت عمر في التلفون. ياللشهم! يطمئن عليها. تحتاجين مساعدة؟ لايستطيع أحد لأحد مساعدة في هذه الأيام! اتصل بها قبل أن يسافر إلى خالته في بيروت ليمضي عطلة رأس السنة!‏

في ليلة رأس سنة 1959 اعتقل رجال المباحث مئات الرجال، ومنهم فوزي، ونقلوهم إلى سجن المزة. كان التحقيق مع المدنيين في النهار، ومع العسكريين في الليل. لمعت يومذاك أسماء عبد الحميد السراج، عبد الوهاب الخطيب، نعسان زكار، شتيوي سيفو، مفرزة سامي جمعة في الطلياني، المكتب الخاص. كان بعض اولئك من الضباط الوطنيين الذين برقوا في السنوات السابقة وقت كشفوا المؤامرات العراقية والأمريكية على سورية. فأصبحت لهم مهمات أخرى: صاروا محققين يطلبون الأسماء والأمكنة! يريدون أن يساعدهم فوزي في تفكيك البنية التنظيمية ولو بكلمة؟ بدا ذلك لفوزي عدوانا عليه. من أية أعماق نبش "المنيّة ولاالدنيّة"! والدنيّة هي الانهيار الروحي الذي يبيح انتصار الخصم. نعم، ليس هدف الحوار الذي يبدأ به التحقيق في السجن إقناع الخصم، بل كسره وإعلان الانتصار عليه! لذلك استعد فوزي للضرب، والكهرباء، وقلع الأظافر، والتعليق من اليدين! لكنه تساءل مجروحا: متى أجادوا ذلك؟ ونحن ننظم المظاهرات ونتدرب في المقاومة الشعبية على الدفاع عن الوطن! آه، نسيت أن القوميين السوريين سجنوا وعذبوا ووضعوا في أكياس مغلقة مع قطط وضربوا معها!‏

ولكن من هذا؟ استدعي فوزي إلى التحقيق بعد الظهر. ليس هذا أوان التحقيق مع المدنيين! أدخل إلى المحققين العسكريين. رأى أمامه الضابط الذي رافق مجموعته في المقاومة الشعبية. تعرف هذا الرجل؟ طبعا أعرفه! ضابط مجموعتنا في المقاومة الشعبية! اعترف بأنك نظّمته في جماعتكم! لم أنظّم أحدا من العسكريين! بل نظّمته، وأدى قسم الانتساب على القرآن أمامك! شر البلية مايضحك! قسم على القرآن للانتساب إلى حزب ليس الدين من مرجعياته؟‏

ذات مساء وهو جريح على الأرض، قال لنفسه: أكثر من القرد مامسخ الله! المنفردة ذقناها، والكهرباء عرفناها.. المنيّة ولاالدنيّة! أراد أن يبتسم لكن جسمه كان داميا. من أضاف إلى وجعه هذا النقيق؟! أضيف إلى زنزانته مرافق قائد. كان هذا الرجل يجيز الدخول إلى بيت قائد أو يمنعه. ماهذا؟ سمعه يقول كأنه يتحدث في نومه: انتهى كل شيء، فلماذا العناد؟ هرب الكبار وانهار بعضهم فلماذا نتحمل نحن العذاب؟ لافائدة! تمنى فوزي أن يلتفت لكن جسمه لم يطعه. قال لنفسه: هذا الرجل مكلف بتفكيك الروح! نعم، يجرح القرف الروح، فيتمنى الإنسان الهرب من كل شيء! ولكن ياللأحمق الذي لايفهم أني الآن أدافع عن كرامتي الشخصية! ولن أقدّم لمن ضربني جائزة! قال له في الصباح: تستعجل الخروج من السجن؟ أنا نقيضك. لاأنوي الخروج منه! في هذه الظروف، الحياة في السجن أكثر راحة من الحياة خارجه!‏

ولكن ليت فوزي يستطيع أن يكسر ضيق المكان وسجن الزمان، بعمل ما ولو كان شك الخرز! سيتذكر الكتب التي قرأها وسيرويها. وسيحرر مع أصحابه مجلة غير مكتوبة ويمرّنهم على يقظة الذاكرة. أصغر الأعمال مقاومة عظيمة!‏

سيقلق الاحتجاج على الاعتقالات عبد الناصر. فيصبح القرار الخلاص من المعتقلين! لن تكون المعلومات مهمة. بل سيكون هدف التحقيق: التوبة! سينقل فوزي إلى طابق في المدينة تركت للمعتقلين فيه قصدا بعض الحرية. وسيوضع مع أصحابه في غرفة. سيقول لهم المحقق: اكتبوا "بيانات استنكار"! انقلوها من بيانات أدبائكم المعروفين! وسيخرج المحقق من الغرفة. سيعبر الممر أمامهم الكاتب سعيد ويتوقف أمام الباب: مرحبا ياشباب! وسيسأله فوزي ساخرا: ياأستاذ، كيف نكتب بيان استنكار كالذي صغتَه أنت؟ وسيردّ سعيد غاضبا: لست مستشارا في كتابة مثل تلك البيانات القذرة! لكن أحد الشعراء سيغرد قصيدة في المدح والندم!‏

سيُستقدم أهل المعتقلين. زوجاتكم وآباؤكم وأولادكم. هل تتذكرونهم؟ هل فكرتم فيهم؟! رميتموهم لأجل جماعتكم! ياللنذالة! يعتمدون على دموع الأهل وحنان الأمهات! على قهر القوة الروحية التي تضم الدموع بالأجفان! الآن تسمحون لهم بزيارتنا؟! لاتضعفونا أيها الأهل المحبوبون! احمونا! لاتظهروا حزنكم على السجين! في ذلك اليوم ستعصب عيون بعض المعتقلين وينقلون إلى سجن اللاذقية. سيعرفونها من صوت البحر. إذا متنا أو قتلنا هل سيخمّن أصحابنا وأهلنا مصيرنا؟ هل سنرمى في البحر؟ سيصل عندئذ خبر صغير إلى فوزي: استقال الوزراء البعثيون، واستقال الوزراء المستقلون. يطلب السجانون منكم التوبة لأن الحملة العالمية لتحريركم تتسع.‏

كان يجب أن يخمّن فوزي منذ البداية علاقة التعذيب بما يحدث خارج السجن. ألم يضربوا في تشف يوم فشلت فتنة الشواف في العراق؟! تساءل مرات: هل سيبقى عبد الناصر حيا ليستنتج أن حركة التحرر العربية ستدفع ثمن الصدام الذي أشعله بعيدا عن الصراع المركزي بين العرب وإسرائيل؟‏

كان شعار البعثيين في المظاهرات يبدو لفوزي ساذجا: "شعب واحد، ألم واحد، أمل واحد". يشعر فوزي الآن بأن تلك البساطة معبرة! لاخلاف سوى أنه يرى الشعب فئتين، والبلد بلدين. في كل أمة أمتان! فقراء وأغنياء! سيجمع تعسف الضباط المصريين، الأغنياء والفقراء معا. وسيفهم السوريون المندفعون بعاطفتهم الوطنية إلى الوحدة أنه غُرر بهم. لن يكرر أحد بعد اليوم غلطة القوتلي الذي قال: "هذا يوم عظيم من أيام أمتنا"..‏

كم سنة ستمر حتى تعرف مديحة كيف عاش فوزي في السجن؟ بعد اعتقاله طرق بابها صاحب البيت الذي قرأ فيه قيس مرة شعره عن حلف بغداد. همس: ارحلي فورا إلى بيروت! وانصرف. فخرجت من البيت دون أن تقول كلمة. إلى بيروت! لاتزال الحدود دون قوائم بأسماء المطلوبين. يطل الدركي من نافذة السيارة وينظر إلى الأشخاص والهويات وتمرّ السيارة في أمان.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:27 AM   المشاركة رقم: 93
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
يوم استدعي رضا ليقنع فوزي، كان الخبر قد نقل إلى فوزي: انتبه! انهار رضا وصار يستخدم في التحقيق! قال له رضا: لافائدة من المقاومة! لاتدمر مستقبلك فناصر مستقر هنا إلى الأبد! صاحب الجريدة نفسه أعلن توبته، فلماذا تتحمل أنت التعذيب؟ هل توقع رضا أن تكسره المفاجأة، فيبرر لنفسه انهياره بانهيار مسؤولين أهم منه؟ أو أن يدمره التنقل بين الحوار الأملس والضرب الوحشي؟ تسخّر ثمار علم النفس! قال فوزي لنفسه: المقاومة اختيار! سأله رضا: أين قائمة الأسماء التي أخفيتَها؟ ردّ: مزقتها وأحرقتها! قال رضا: يوم سألتك عنها قلت لي حفرتُ الحائط، وضعتُها فيه وطيّنته! رتّب فوزي جوابه: صحيح! لكني بعد خطاب عبد الناصر رأيت أن وجودها مؤذ لذلك أخرجتها وأحرقتها! يطلب القائمة بأسماء المتطوعين في المقاومة الشعبية. وُضعت خطوط تحت أسماء الحزبيين فيها. ووضعت إشارات إلى أصدقائهم. ألحّ رضا: لم تحرقها! رد فوزي في بلادة: أمامك البيوت، انبش حيطانها كلها!‏

يوم اعتقل فوزي مع مئات من الرجال كان عمر يحتفل برأس السنة مع خالته في بيروت! قرأ أخبار الاعتقالات في الجرائد، وتساءل هل يبقى في بيروت أم سيكون غيابه دليلا إلى "جريمة"؟ عاد إلى الجامعة وروّعه غياب زملائه. التقى بغادة فسألها: مارأيك؟ تلفتت. هل هي خائفة، مع أن أكرم الحوراني نائب رئيس الجمهورية؟ قالت له: في قلبي لست موافقة على الاعتقالات. ولست موافقة على حلّ حزبي. لكن يبدو أن ذلك تضحية في سبيل قضية كبرى هي الوحدة. تقولين ياغادة ذلك مقتنعة به، أم تلتزمين بقرار؟! لست موافقة على اعتقال زملائي، أبدا! ليس السجن مكانا للحوار، بل مكان لكسر الإنسان!‏

عرف عمر أن ليلى التي نجحت في امتحانات البعثة إلى روسيا، سافرت في غيابه. وعرف أن مديحة سافرت إلى بيروت. وأن قيسا رحل أيضا. انقلبت الدنيا في أيام وكانت الشهور تمر دون أن تغير خطاً في وجه أحد! مرّ بمقهى الهافانا وبدا له أن الهواء نفسه تغير في المقهى. ماهذه النظرات المتوجسة أو الحاقدة؟ ماهذه الوجوه الحذرة؟ هل النادل بقي نادلا أم صار مكلفا بمراقبة الرواد والتقاط كلمة من هنا وكلمة من هناك؟ ومن هؤلاء الندّل الجدد الذين يفحصونه؟ شرب فنجان القهوة وخرج. يبدو ياعمر أن السجن صار أكثر رحمة من المدينة! مشى في تلك الليلة في حارات الشعلان، اشترى من بائع الجرائد في الصالحية مقابل القنطرة بعض الفستق، وأكله وهو يمشي في شارع بغداد. التفت فجأة كمن شعر بأن شخصا يراقبه. وخيل إليه أن شابا توقف عندما لاحظ أن عمرا التفت. أيعقل أن تنقلب مدينة بمثل هذه السرعة؟ يبدو أن كل شيء كان يحضّر وأنا مشغول عنه!‏

استعاد هرولة القادة العسكريين إلى القاهرة في الليل، دون أن يستأذنوا رئيس وزرائهم ووزير دفاعهم، ليبلّغوا عبد الناصر بأنهم اعتمدوا وحدة اندماجية. وشروط عبد الناصر: حلّ الأحزاب، وقطع اتصال اولئك العسكريين أنفسهم بالجيش، ورئيس واحد ومجلس واحد وجيش واحد، واستفتاء على الرئيس يجعله أقوى من الأحزاب ومن ضباط الجيش الذين طلبوه! ماالحاجة إلى تلك السرعة التي جعلتهم يرحلون في الليل ويكلفون النفوري بأن يبلّغ مذكرتهم إلى العسلي والعظم؟ لم يكلّف البيطار بالموافقة على الوحدة بل بالاستطلاع، فإذا به يلتقي بالضباط وبناصر ويعود وقد وافق على الوحدة. خلال أيام سُلقت الوحدة سلقا، فهرع القوتلي والوزراء في 31 كانون الأول إلى مصر، وصادق البارلمان السوري في 5 شباط على الوحدة، وجرى الاستفتاء في 21 شباط، وكان السؤال في ورقة الاستفتاء هل توافق على عبد الناصر رئيسا! فهل الاستفتاء انتخاب؟ تذكر عمر تلك المهزلة التي تنقل فيها أشخاص من صندوق إلى آخر ونثروا فيها موافقتهم! استعاد ملاحظات خالد العظم على مشروع الدستور الموقت، وعلى سلطات رئيس الجمهورية المطلقة في قانون الطوارئ. وانهيار النظام البرلماني وتعدد الأحزاب في سورية. وهاهي البداية! لم يوافق البزرة على التنقلات التي قررها عامر في الجيش فأعلنت استقالته في الصحف قبل أن يعرفها. ورمي في مجلس التخطيط الأعلى الوهمي. ستصبح سورية سوقا لمصر وسيكون ذلك مثلا سيئا على الوحدة بين بلدين! ستطوى اتفاقية العظم مع الاتحاد السوفييتي التي كانت ستؤسس اقتصادا سوريا قويا وخطوطا حديدية ومصانع. قال لنفسه: أحسنت ليلى بالسفر! وأحسنت مديحة بالانسحاب من دمشق! وأحسن قيس بالرحيل!‏

سيعرف عمر فيما بعد أن مديحة لمحته جالسا في سيارة عائدة إلى دمشق. كانت في جانب من الطريق، وكان هو في الجانب الآخر. لكنها تفادت أن يراها. محظوظة يامديحة! في بيروت قصدت أولا العنوان الاحتياطي القديم. وباحت لمن قابلته بشكوكها في رضا. يريد أن يعرف المنظمات التي قيل لنا حافظوا عليها! سأل فوزي عن البيوت التي استأجرها لتكون سرية. من إلحاحه باح له ببيت واحد. ففتشت المباحث ذلك البيت. والآن يتجول مطمئنا وسعيدا. بعد ذلك، قصدت مديحة بيت صديقتها جورية في الغبيري.‏

بعد ملاحظات مديحة، استدعي رضا إلى لبنان. فسلّم نفسه، وقُدم للمعتقلين كأنه انهار في السجن. وسيسجل المشرف على مفرزة الطلياني في مذكراته فيما بعد، أن رضا صار يُستحضر وقت الحاجة ليحقق مع أعضاء المنظمات التي كان مسؤولا عنها. وسيبدو في تلك المذكرات أنه انهار خوفا على زوجته الصغيرة من الوحدة! وسيستر ذلك الحقائق التي عرفها من عرف رضا في ذلك المقطع من الزمن. وسيهمس معتقل لفوزي: خسارة! غامرنا كي نوصل له سيجارة!‏

اعتقل عمر ونقل إلى سجن المزة. لماذا سجنتَ في أيام الشيشكلي؟ لستَ حزبيا فلماذا بقيت في تدمر كالحزبيين؟ لماذا رفضتَ أن تكتب تعهدا أو اعتذارا؟ ياأخي، لاحق للمستقل أن يكون ذا رأي ويرفض أن يُقهر على غيره؟ من يفهم هنا الشهامة والرجولة والاعتداد بالنفس! من يفهم الطبع العربي الأصيل الذي ورثه عمر من أجداده!‏

رأى عمر شخصيات ذلك المقطع من الزمن: عبد الوهاب الخطيب، زكار، وغيرهما. هل تصور أنهم رحبوا به ترحيبا خاصا؟! كرر لهم: لست عضوا في حزب ولا صاحب منظمة! أنا مستقل، مستقل! هل يُمنع أن يكون المواطن مستقلا؟ تتشاطر علينا! من بقي حتى اليوم الأخير في سجن تدمر لايمكن أن يكون مستقلا! بل هو سياسي سري خطر! قال عمر لنفسه: الموت! ورتب نفسه لذلك. واستقبل الضرب، والكهرباء، وقلع الأظافر، والتعليق من اليدين!‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:28 AM   المشاركة رقم: 94
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
تنبأ عمر بأنه سيبقى في سجن المزة حتى اليوم الأخير من حياته أو من حياة الوحدة. لم يلتق برضا، لكنه التقى بمن باح رضا بأسمائهم ومهماتهم. وضع أمام عمر رجل خيل لعمر أنه التقى به من قبل. قال له: لماذا تتحمل أنت التعذيب مع أنك لست حزبيا ولاناقة لك ولاجمل؟! تذكر عمر الكتاب الذي استعاره من مديحة. وقال شكرا يايوليوس فوتشيك! هاأنا مثلك "تحت أعواد المشنقة"! توقع أن يحملوه إلى خارج السجن ليرى كيف تسير الحياة كأنها لاتبالي بعذابه وغيابه. وقرر: باق هنا كيوسف العظمة في ميسلون! وفي ذلك المساء وهو على بطانية على الأرض، قال لنفسه: ليلى نجت!‏

سأله المحقق: من أصدقاؤك الذين تسترهم؟ ردّ: وهل يستطيع أحد أن يحمي أحدا بعد أن خان المعلم تلاميذه؟ ابتسم المحقق: تقصد الذين خانوا أحزابهم؟ اسمع! دلني أحد هؤلاء الأبطال حتى إلى الحفرة التي وضعوا فيها سجلاتهم السرية! ياللهول، يستمتعون بأن يعرضوا أمامه أنهم كسروا روح إنسان ورموه عظاما! والآن يجربون الانتصار على عمر ليفقد زملاؤه ثقتهم في شرفه وشجاعته! لمن سيهدون هذه الانتصارات العظيمة؟! من سيفيد منها ذات يوم، ومن ينتظرها؟ يدمّر مواطن عربي بأيد عربية! فهل يجهل السياسيون هول ذلك؟! سينقب عمر بعد سنوات عن السبب الذي جعل عبد الناصر يسقط في العداوة للشيوعية والاتحاد السوفييتي ويعتقل الوطنيين المستقلين باسم تلك العداوة! سيتساءل هل خيل إليه أنه يقرّب الأمريكيين من مشروع آخر إذا اتفق معهم في هذا المشروع! وسيتساءل كيف لم يكتشف أنه انساق في الصراع بين قوى سياسية عربية وبلاد عربية فضيع سنوات كانت تحضّر إسرائيل فيها سلاحها النووي! وكيف لم يتبين أن اللقاء مستحيل بمشروع أمريكي دموي! لم يكن في الجيش شيوعي واحد مهم. وعجز الشيوعيون عن رفع مرشح إلى البرلمان لا تسنده قوى أخرى. لم يأخذوا للغفري غير ثمانية آلاف صوت. فلماذا أُظهروا كأنهم خطر وأزيح الخطر الإسرائيلي الحقيقي؟! كيف لم ينتبه عبد الناصر إلى خطر الخصام العربي العربي، وخسارته هو نفسه من تصفية ثورة العراق؟! لن يكون عبد الناصر حيا عندما سيبدو العراق مرة أخرى كأنه مركز الخطر، ليُسوغ احتلاله ونهبه! لكن عمرا سيعيش أيام احتلال العراق الدامية الثقيلة. وسيرى كيف ستبدو المقاومة الفلسطينية إرهابا ليُسوغ قتل الأطفال ونسف آلاف البيوت ونهب مياه فلسطين وأراضيها!‏

مرت شهور في الزنازين الضيقة. لم يخرج أحد إلى الشمس! تمنى المعتقلون الأشغال الشاقة ليروا الشمس! قال عمر: فلنتعلم! تذكر الكتب التي قرأها ودرسها. حدث المعتقلين عن أعراض الأمراض وعلاجها، وتبين جهلهم بالمعلومات البسيطة التي يفترض أن يعرفها الإنسان ليعنى بصحته.‏

عندما نُقل المعتقلون إلى القواويش احتفى عمر بها: ماأوسعها! لكن إقامته فيها انقطعت. أقلق الاحتجاج على الاعتقالات عبد الناصر ويبدو أنه قرر الخلاص من المعتقلين! المهم: أن يعلنوا توبتهم عن العمل السياسي! نقل عمر مع بعض المعتقلين إلى اللاذقية ليعذبوا تعذيبا يصعب تحمله. لم يطلب منهم شيء، ولم يسألوا عن شيء. ضربوا في تشف. فخمّنوا: حدث أمر ما في الخارج! ماذا حدث؟ بالرغم من العزل وصلتهم مجموعة من الرسائل: فشلت فتنة الشواف في العراق، ثم استقال الوزراء البعثيون والوزراء المستقلون! تساءل عمر، كما تساءل فوزي، هل سيبقى عبد الناصر حيا ليستنتج أن حركة التحرر العربية ستدفع ثمن الصدام الذي أشعله بين الوطنيين؟ تحمل التعذيب، وأعيد معصوب العينين على الطريق الطويل مع الصفوة التي تحملته.‏

رجع الوزراء السوريون المستقيلون إلى دمشق. وسيروي الوزراء والحوراني نائب الرئيس، أنهم كانوا دون عمل. وأن عبد الناصر لم يبال بآرائهم. وأنه عاملهم كتلاميذ. حدث الانفجار عندما اعترضوا على مشروع جونستون لتحويل نهر الأردن. المياه وأرض الجولان مسألة لامساومة فيها. طلب وايزمن مياه جبل الشيخ في مؤتمر سان ريمو، قبل أن توجد إسرائيل. ولعب المفاوضون البريطانيون بالحدود، وجرت التنازلات الفرنسية عن أجزاء من فلسطين. هناك حيث الماء تلتقي الأراضي اللبنانية والسورية والفلسطينية. سلبت إسرائيل سبع قرى لبنانية لأجل المياه، وجرت المعارك بين السوريين واليهود في حرب فلسطين في ذلك الشريط الغني بالمياه. هناك دخل السوريون مستعمرة مشمار هايردن وجرت معارك دجانيا وسمخ. عند الجيش السوري تعليمات واضحة: يمنع تحويل مجرى الأردن! عندما بدأت إسرائيل في سنة 1953 بتحويل مجرى الأردن في المنطقة المجردة من السلاح قصفها السوريون. وفي سنة 1955 جرت معارك طبرية. وظل السوريون يقصفون الجرارات الإسرائيلية في الأرض المنزوعة السلاح بعد الهدنة. دمرت إسرائيل خلال ذلك قرى عربية وهجّرت سكانها. واعتدت أربع عشرة مرة في الشهر على الأقل على الأرض المنزوعة السلاح. فهل يسمح السوريون بالتحويل في سنة 1959؟ عين إسرائيل على بحيرة طبرية، ونهر بانياس، والحاصباني، واليرموك! وقد ردّ السوريون مشروعات متنوعة اقترحت شراكة إسرائيل في مياه جبل الشيخ. لذلك قال الحوراني: رفضت سوريا مشروع جونستون. فردّ عليه عبد الناصر: منع إسرائيل من تحويل الروافد يعني الحرب، وقد تقصف دمشق! فتدخل النفوري: لاتخاف دمشق القصف! ماذا بقي إذن غير أن يستقيل الوزراء البعثيون ويلحقهم غير البعثيين. سيقول السادات: "يقيمون الدنيا مشان شوية ميه"! شوية ميه؟! ماأجهله! ألم يسمع بطمع الصهيونية بمياه جبل الشيخ قبل اختلاق دولة إسرائيل؟ ألا يفهم أن السوريين ثبّتوا دائما أن إسرائيل ليست وريثة دولة الانتداب في فلسطين؟! تلك المياه حقوق وطنية سورية لبنانية فلسطينية! بتلك المياه تنوي إسرائيل أن تستقدم مهاجرين جددا، يعني مسلحين جددا!‏

أكمل مشروع الاتحاد القومي ذلك الانهيار. فالمشروع ظهر جاهزا دون ملاحظات السوريين عليه. فبدا الاتحاد القومي مثل سوق يجمع الأبيض والأسود. وفوق ذلك أسقط البعثيون في انتخابات المرشحين له.‏

في 23 كانون الأول سنة 959 هاجم عبد الناصر في بور سعيد الحزبية والحزبيين وكان يقصد البعثيين. وأعلن أن العمل السياسي خارج الاتحاد القومي تخريب، من يقترفه عميل وخائن! فاجتمع بعد الخطاب الوزراء السوريون لصياغة مذكرة لعبد الناصر. ثم قرر الوزراء البعثيون وحدهم الاستقالة. فاستقال في 31 كانون الأول 1959 أربع وزراء سوريين. وقبل عبد الناصر استقالتهم. نشرت الاستقالات في الصحف، وفقد عبد الناصر حماسة البعثيين وسندهم العاطفي والتنظيمي. ومع ذلك أعلن ناصر للوزراء الباقين أن للوزراء حدودا لن يسمح بتجاوزها ومن لم يعجبه ذلك فليستقل! فأعلنت في أيار سنة 1960 استقالة بقية الوزراء السوريين. وقفز ناصر في 14 شباط سنة 960 إلى اللاذقية وهاجم في خطاباته الرجعية والحزبية ووصل إلى الحدود العراقية.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:29 AM   المشاركة رقم: 95
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
في السجن عرف عمر أن عبد الحكيم عامر يحكم سوريا. ورويت له القصص عن سلوك الضباط المصريين والسفارة المصرية، والتهريب من لبنان، والاعتداء على بنات المدارس، وعلى الحريات. وسمع أسماء الذين قتلوا في السجن. وعرف أن فرج الله نفخ وقتل بالتعذيب وأذيب بالأسيد. وفوق ذلك كله تدخل عبد الناصر في العراق، وأثار القوميين على عبد الكريم قاسم! فأي زمن ضاع! وأية قوى بددت!‏

سيقرأ عمر فيما بعد ماكتبه خروشوف لعبد الناصر في نيسان سنة 1959: التدخل في شؤون البلاد العربية خطر جدا، ولن يؤدي إلى الوحدة، بل العكس. تجذب الجمهورية العربية الآخرين إذا أصبحت مثلا ببنائها الاقتصادي ونظامها الحكومي! لكن الوزراء السوريين سيكتبون عن تلك الأيام فيما بعد كشهود عاشوا الأحلام والخيبة.‏

سيضيف عمر إلى ذلك، يوم يخرج من السجن ويتبين أن الأشخاص اذين تركهم عندما اعتقل قد تناثروا، أكانوا أصدقاء أم شخصيات سياسية: هذا هو المشروع الذي نفّذ! ويوم ستصل إلى السوريين أخبار سفك الدم في العراق سيقول: وهذا هو بقيته! انتهى الآن ماكنتُ أحلم بأنه قد يكون جبهة شرقية تواجه إسرائيل!‏

وقت كانت مديحة تمشي بين شجر الرمان والمشمش الهندي مع جورية، كان زملاؤها في السجن. ألذلك بكت في حرارة فجأة؟ "أنا هنا حرة، وهم هناك معتقلون"! سألتها جورية: هل تستطيعين أن تقدّمي لهم شيئا ترددت في تقديمه؟! لن يطول هذا الليل! بل سيطول ياجورية! تسنده سمعة عبد الناصر!‏

وكانت على حق. تبيّن عمر قبيل اعتقاله الفرق بين ماسيسميه سجون عبد الناصر وسجون الشيشكلي. فالاعتقال كان يهب الرجل سمعة الوطني الجريء ويحيطه بعناية أصحابه وجيرانه، وزهوهم بمعرفته. خصص عمر أياما للتهنئة بعد عودته من تدمر، وتبين أن الأخبار عما جرى له في السجن منتشرة بين أهله وجيرانه، لذلك استقبل كبطل شجاع. إلى ذلك لم يكن الاعتقال في سجون الشيشكلي أو غيره يطول. بينما حشد الناسَ صخبُ الإعلام قبل الاعتقالات في زمن عبد الناصر، وهيأتهم خطاباته نفسها لاعتقال المغضوب عليهم ومراقبتهم. فبدا المعتقل كخائن يجوز حتى قتله. واتصل ذلك، أيضا، بأحداث العراق. ولم يعرف الداخل إلى السجن لايعرف متى يمكن أن يخرج منه. ولم يجسر أحد على الوساطة له أو السؤال عنه، كأن البلاد كلها كانت ضده.‏

فحص عمر تلك المقدمات قبل اعتقاله وقال لنفسه: هذه المرة ليست مثل تلك. ومع ذلك لم يخطر له الهرب. وأين المفر؟ ثم وجد نفسه في السجن بين المعتقلين ولاقى معهم االمعاملة التي عرفها في أيام الشيشكلي: الأصوات التي تصرخ وسط الليل طالبة الرحمة، وتعد بالاعتراف بكل شيء. وضجة الصحون المعدنية، وفتح الأبواب وإغلاقها في الصباح. والحرمان من النزهة في باحة السجن. والشتائم والرعب من جواسيس السجانين بين المعتقلين. ورهبة الانتظار، والتساؤل: ماهي أنواع التعذيب، وهل سأصبر على الضرب والكهرباء والحرق والوحدة في الزنزانة؟‏

لكن عمرا شعر بالخيبة والقرف وهو يتأمل السجانين الذين صادفهم في سجن المزة. أينشغل هؤلاء بتعذيب مواطنيهم وإسرائيل على الحدود تنتظر اللحظة المناسبة لتضرب الجلادين والضحايا معا؟ وإلى متى يهان الإنسان ويعذب كي يستسلم لخصمه ويعترف بانتصاره عليه؟ لايبدل إنسان ايمانه بالقهر. لكنه يمكن أن يسقط في حضن خصمه ويموّه هزيمته واندفاعه في خدمة الخصم والتجسس له، بنبش أخطاء رفاقه القدماء، وبالوهم بأنه لولا الاعتقال لكان انفصل عنهم، لكن وياللحظ، حدث الاعتقال الملعون قبل تلك اللحظة! نعم، قد يحدث ذلك، لكن لاأحد يبدل ايمانه بالضرب. بل يفترض أن تثير الإهانة غضب المعتقل وتعمق موقفه من خصمه.‏

كان عمر وسط تلك التأملات عندما فتح باب الزنزانة في صخب ونودي باسمه. مشى بين العسكر، وفوجئ في الممر بصفعة قوية على نقرته تبعتها رفسة على ظهره. كأن النار اشتعلت في مكان تلك الرفسة، ولم يعد قادرا على المشي. آه، ياغبي ادرس جسم الإنسان قبل أن ترفسه! جرّه الجنود حتى وجد نفسه مقابل ضابط وسيم. أشار للعسكر بكفه فابتعدوا. فهم عمر أنهم تعودوا إشاراته. تمنى أن يسأل الضابط: ألم تملّوا هذه المسرحيات؟ وجمع قواه. قصد الضابط أن يتصفح أوراقا على الطاولة. وتساءل عمر بينه وبين نفسه: ولماذا الطاولة؟ لتضفي شرعية على وضع غير شرعي؟! قال الضابط في هدوء: أرى أنك قديم في العمل السياسي! اعتقلتَ في أيام الشيشكلي، ووصلتَ إلى تدمر! لماذا خيل لعمر أنه يمكن أن يحاوره؟ يُستحسن ألا يكثر المعتقل من الكلام. لكن عمر يخزن تجربة ولايبالي بتلك القاعدة. ردّ: لاأخفي أبدا أني ضد الأحلاف العسكرية، وأني مشيت في المظاهرات الوطنية. لم أرشح نفسي للاعتقال في أيام الشيشكلي. بل وجدت نفسي، كما أجدها الآن، في السجن دون سبب منطقي! قال الضابط في جفاف: نحن الذين نقرر السبب لاأنت! لكن بما أنك طالب في كلية الطب وأنا أحترم الثقافة، قلت لنفسي فلأضحّ بمعالجة قضيته! اعتبر هذا رحمة أو احتراما للثقافة! أطلب منك فقط أن تسجل أسماء من تعرفهم! تأمله عمر. ألا يملّون من هذا الأسلوب؟! قال: سئلت في أيام الشيشكلي هذا السؤال نفسه. ولابد أنهم سجلوا جوابي فيمكن الاستئناس به! أنا غير حزبي، ويفترض أن يكون ذلك مسجلا في الأوراق! وقف الضابط فجأة في غضب، فهبّ من طرفي الغرفة شخصان لم ينتبه إليهما عمر لكنه خمّن أنهما لابد أن يكونا موجودين مع آخرين. عادا إلى مكانيهما في الظلمة بإشارة من يد الضابط. قال: لانشعر بالخطر، ولانحتاج إلى اعتراف إضافي، فلدينا أكوام منها. لكن افرض أن هذه المقابلة مناسبة لإنقاذ طالب ذكي يتفادى أن يدمر مستقبله. ولماذا نمنعه من تصحيح سلوكه! لايحتاج عبد الناصر لمن يشهد له بالوطنية! أمم قنال السويس وسيبني لمصر السد العالي. جذوره في بلاده. لكن فكر أنت بأعداء الوطن.. بالشيوعية الدولية التي خلقت منظمات تنفذ أوامرها. منظمات غريبة عن بلادنا، تضخ روح النقمة والتمرد في شعوب طيبة. وتريد أن ترسم للعرب نمط مجتمع لايتصل ببيئتنا وعاداتنا. تفرج على هذه البيانات! حتى لغتكم غريبة. ألم تلاحظ أن حزبكم كردي، أما القلة من أبناء العائلات التي لعبتم بعقلها فتبتزون أموالها وتستفيدون منها الوجاهة! من أين أوامركم؟ أليست من خارج الوطن؟ موافقتكم على تقسيم فلسطين عار لايمحى. والآن أنتم ضد الوحدة التي حلم بها العرب. تبثون في الشارع نداء التخريب والهدم. نعم، عقيدتكم هدامة، عقيدة إلحاد وإفساد، تخرج جيلا لايؤمن بدين أو قومية، ولايؤمن بتاريخ أو تراث. تربي جيلا كافرا بأمته وحكامه وأنظمته، بماضيه وحاضره، كافرا بتقاليد المجتمع. مثلكم الأعلى الاتحاد السوفييتي والبلاد الاشتراكية. فقل لي أين الاجتهاد في هذه الاشتراكية المستوردة؟ ليتكم تناولتم نظرية غربية وأبدعتم فيها! شغلكم أن تصرعونا بأقوال لينين وستالين! ويالبؤسكم! بيّن خروشوف في تقريره السري إلى المؤتمر العشرين حقيقة الجنّة التي تنشرون الحلم بها!‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:30 AM   المشاركة رقم: 96
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
كان عمر يحدق في الضابط ويتساءل: ألم يشترط عبد الناصر ألا يتدخل الضباط في السياسة؟ كل ماقاله هذا الضابط سياسة! سأله الضابط: لماذا لاتجيب؟ ردّ عمر في هدوء: لأن ماقلته لايمكن أن يكون موجها إلي. فأنا كما بينت لك لاأنتمي إلى حزب من الأحزاب. طبعا، ماقلتَه يمكن أن يناقش فهو يلمس علاقة الجمهوريات الحديثة بالحريات، والفرق بين حق البشر في استلهام التجارب الإنسانية وبين النقل الغبي. كما أنك لمستَ مسألة مهمة هي كيف ستكون الاشتراكية العربية، وهل نؤسسها على الأحقاد أم على فهم العالم. وأنا معك في الموقف من تقسيم فلسطين فلست أعترف بأي حق للمستوطنين الغرباء في أرض فلسطين العربية، ولو وافقت على ذلك أمم الأرض! كان الضابط قد ضيّق عينيه وهو يتفرج على عمر. ماهذا الخطاب؟ هل يحوّل عمر هذه الغرفة إلى مكان للحوار ويجعلني مساويا له، مع أني ضابط معروف وهو معتقل متهم ؟! وقف الضابط فهبّ الرجلان من الظلمة. بقي واقفا: لم نستدعك لنحاورك. بل لنطلب منك أولا أن تسجل أسماء أصحابك ومسؤولياتهم. وثانيا أن تستنكر أعمالهم الهدامة وموقفهم من الوحدة. ماأسرع ماأنهى الضابط التمثيلية! ردّ عمر: لاأستطيع أن أفيدكم بالجواب على السؤالين. لأني كما بيّنت لست منتميا لحزب. وبما أنك ذكرت تقرير خروشوف هل لي أن أسالك لماذا نكرر القهر الذي ننتقده في بلد بعيد في سنوات بعيدة؟! ضرب الضابط الطاولة ضربة قوية: إذن ترفض المساعدة التي عرضتها عليك!‏

خرج من الغرفة وترك عمرا للرجلين، وأتى آخرون. حاول عمر أن يحمي رأسه ثم تذكر أنهم يقصدون العضو الذي يحاول المعتقل أن يحميه. فاستسلم محاولا ألا يصرخ من الألم. أغمي عليه وسكبوا الماء عليه ليفيق، وضربوه مرة أخرى.. كرروا مايعرفه: الحرق بالسيجارات، التعليق من الذراعين، الفلقة حتى تتورم القدمان. ثم جرّوه على الأرض في الممرات حتى الزنزانة، وغطّوه بالشتائم.‏

استعاد تجربته الماضية. لايستطيع المعتقل أن يمنع نفسه من العتب لأن هؤلاء الفقراء الذين لامصلحة لهم في تعذيبه، أدوات غبية تنفذ الضرب والقتل. وبما أنه يقيس الناس بنفسه فلم يستطع أبدا أن يفهم كيف يموت الضمير إلى هذا الحدّ الوحشي. تساءل حتى يوم اعتقل في أيام الشيشكلي عن الرحمة التي يربي بها القرآن الإنسان ويجعلها بوابة واسعة تحمي الضحايا من الانتقام، وتستبعد الحقد عن الحكم عليهم. وكان على أساس تجربته في أيام الشيشكلي، يحذَر دعاة الأفكار والمشروعات الكبرى الذين يسوّغون بها مذابح خصومهم. ألم يموّه القتل في التاريخ بأهداف عظيمة وطنية أو إنسانية، في سبيل أمجاد، أو آمال عامة؟! ألم يحتل اليهود فلسطين باسم الأرض الموعودة ووطن الشعب المختار، وينفذوا المذابح والجرائم التي غطت مشروع الاستيطان والاتفاقات الاستعمارية؟‏

شعر بيد تمسح الدم عنه، وبصوت يواسيه. وحاول رجل أن يضحكه بنكتة. أراد أن يقول خلال ضباب الإغماء : المهم ألا تستخدم جروحي لترويعكم. هل أصيبت عينه حتى أنه لايستطيع فتحها؟ تذكّر مارواه له قيس ومارواه لاجئون سياسيون عراقيون عن تعذيبهم. ماأغرب أن تتفق أنظمة متخاصمة في معاملة المعتقلين!‏

في "المقابلة" الثانية اعتذر منه الضابط: يبدو أنهم قسوا كثيرا عليك. تذكّر أني فضلت أن أكون أنا الذي يتعامل معك! كانت آثار الضرب ماتزال ظاهرة على جسم عمر ووجهه، ولم يكن يستطيع أن يفتح عينه اليسرى كلها. فهزّ الضابط رأسه أسفا: أما كنتَ في غنى عن ذلك؟! تأمله عمر وقال في نفسه: أعرف هذه المسرحية أيضا! فمن أين سيبدأ الضابط الآن؟ فاجأه: يبدو أن صديقتك ليلى ذات علاقة خاصة بقيس! أترى كيف يغدر هؤلاء بأصدقائهم! ومع ذلك تدافع عنهم بصمتك! التهب عمر، واندفع القرف حتى حلقه. قال: خلال اعتقالي في أيام الشيشكلي لم يبحث معي أحد خلال التحقيق، أي أمر شخصي، بالرغم من الصلب والضرب. فهل نتقدم على زمن مضى أم نتخلف عن زمن سميناه زمن الديكتاتوريات العسكرية؟ توقع عمر أن يغضب الضابط. وغضب حقا، لكنه لم يشأ أن ينهي دوره بسرعة. قال: أردت أن أنبهك إلى خيانة صديقك، وأكشف لك مالاتعرفه وأعرفه بحكم وظيفتي! هاأنت ترى كم نتعاون معك! أقدم لك معلومات لم تطلبها حرصا على مصلحتك، مع أنك تحجب عني المعلومات التي أطلبها. قال عمر: لكني لاأبالي بالإشارات التي سمعتها. ولا أطلب مثلها.‏

تمنى أن يقول للضابط وقت رآه في المرة الثالثة مع ضابطين آخرين عن يمينه ويساره: هل هذا الوضع طبيعي؟ معتقل خلفه رجلان ينتظران الإشارة لضربه وكسر عظامه، ومقابله ثلاثة محققين؟ هل نحن متكافئون كي تقنعوني بنظرياتكم في المجتمع وبسياستكم الداخلية والخارجية؟ وكي أقبل أنكم تركتم مكانكم في التجمع الوطني وصرتم محققين في سجن، لتدافعوا عن الوطن؟‏

توقع مايعرف أنه أشد من التعذيب. فعندما يتحمل المعتقل الحدّ الأعلى من القسوة لايبقى غير قتله، أو أسلوب آخر: الزنزانة المنفردة. نقل إليها عمر وبقي فيها أربعين يوما. لم يكلمه حتى العسكري الذي يرمي له الطعام. ولم تصله ورقة تدس تحت الباب. ولم يسمع همسة إنسان يمر بزنزانته. كأنه في قبر! قاوم تلك الوحدة باستعادة الحياة. تذكّر السماء الفسيحة، والغيوم التي وشّتها في يوم الجمعة الحزينة. فاجأته تلك الغيوم بلونها الرمادي المزرقّ وبأطرافها البرتقالية المتوهجة. وشعر بنسمة باردة كان يلاحظها عشية سبت النور. ونزل رذاذ قليل منعش. وخيل إليه أن البرق ومض فوق الكنائس. عندما أتى إلى دمشق سكن في ملحق على السطح في بناء نظيف في وسط دمشق، يطل على حديقة مزروعة بشجر النارنج والليمون. كان المرور بها متعة له. كانت السماء تمتد حوله حتى الأفق وتتيح له أن يستمتع بغيومها في الربيع والخريف. أذهله اللقاء بدمشق يوم أتى من مدينته في شمال سورية ليدرس في الجامعة. خيل إليه أنها مدينة الجنّة. مدينة صغيرة نظيفة مقاهيها في البساتين، ذات مطاعم كثيرة نظيفة ورخيصة، محاطة بغوطة خضراء، يدقّ الكناسون أجراسهم فيها فيسلّمهم أهلها القمامة. تشطف شوارعها وتكنس ثلاث مرات في اليوم. أزقة حاراتها أكثر نظافة من شوارعها. في نيسان تزهر فيها البنفشا وتكلل البيوت وتنفر من الحدائق، ويزهر الياسمين الأصفر والهرجاية الملونة والأقحوان البرتقالي والمارغريت الأبيض ويفوح زهر الليمون فيتوقف عمر قرب الحديقة ويملأ صدره بالعبق. وينتظر فيها مطر نيسان والعطر الذي ينشره في جو المدينة. تجول عمر في تلك المدينة مسحورا بليلها وفجرها وحتى بوهن ظهيرتها الفاترة ولسعة شمسها. وساح أيضا في بلدته. فتذكّر أنه كان يستلقي على السطح في بيته فتغمره سماء عميقة ملأى بالنجوم. ويسمع غناء الصبايا والشباب الذين يتنزهون في ليالي القمر في أطراف البلدة. ويتأمل المشتري الذي صار يسمى الكوكب الأحمر. كم كان يحذبه ببريقه! كان كالعلامة إلى طرقات سماوية! مثل "لمبة" الكهرباء المعلّقة على باب بيت عمر، التي بدت له مرة كمنارة في ميناء. لم يجد يومذاك سيارة أو دابة توصله إلى أهله فقطع أرضا مظلمة يضيّع الغريب فيها اتجاهه، وعندما لمح "اللمبة" شعر بأنه وصل، وصارت خطواته أكثر خفة كأنه محمل بشوق العائد من غربة طويلة. تذكّر عمر الأعياد التي احتفل بها في بلده، عيد الغطاس وعيد الصليب وعيد الفصح الشرقي والفصح الغربي، والشعانين. وعيد الأضحى وعيد الفطر وعيد الجلاء التي احتفل بها في دمشق. كأنه رسم على جدران زنزانته الدنيا التي عرفها في مختلف الأزمنة. وقال لنفسه: كم الإنسان محظوظ بالذاكرة!‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:31 AM   المشاركة رقم: 97
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
ومع ذلك كانت الذاكرة تستعيد في سرعة الأيام التي مرت في بطء. وبدت أيام الزنزانة طويلة. فوضع عمر أسئلة لنفسه وأجاب عليها. وعبر امتحانات الألوان في الذاكرة. فتذكّر لون الثوب الذي كانت تلبسه ليلى أول مرة رآها فيها. ومن تلك الألوان انساق في دروب فرعية فاستمتع بحب غريب خيل إليه أنه اكتشفه. جمع الأحاديث وفحص الكلمات، واستعاد النظرات والضحكات، وبدا له أنه يفهم مالم ينتبه إليه. شعر بهدير بردى قرب عين الفيجة، ولمس الماء في عين الخضراء كما لمسته ليلى، وخيل إليه أنه تبيّن برودته. استعاد ذلك المقطع من الطريق الذي يبدو فيه وادي بردى في الأسفل، فيتوقف في المطل عليه من يقصد عين الخضراء. مارس النزهات فركب الباص إلى التكية، ونزل قرب الصخور الآسرة، واستعاد دهشته وهو يستمتع بها وبمغاورها وباللقاء الفاتن بين الجبل الأجرد الصخري وبين الوادي الذي تتكاتف فيه أشجار الحور حول بردى. لدى سجانيه أسلحة وجدران دون نوافذ وزنزانات صغيرة تعيد المسجون إلى وضع وحشي. لديهم محققون وعسكر. مقابل ذلك لدي الروح! لكن ألا تطلب هي أيضا أن أحميها؟ سأحميها بالحياة النضرة البعيدة، وبالحب! غفا على جنبه. وتفادى أن يتساءل لماذا لم يعد يستمتع بالنوم على ظهره منذ رفسه الجندي، ولماذا يشعر بألم كالغصّة.‏

هل اعترف لنفسه بأن التفكير في ليلى واستعادة ملامحها وحركتها وصوتها ساعده في مقاومة الوحدة؟ هل اعترف لنفسه في تلك الأربعين يوما الطويلة بأنه يحب ليلى؟ استمتع باعترافه. لكنه أكد لنفسه: ذلك الحب لايتعلق برضاها ورفضها، ذلك الحب لي بيني وبين نفسي. خطر له أن تكون أحبت شابا ما خلال دراستها، أو ستحبه. وكان ذلك من مجموعة الأسئلة التي وضعها لنفسه، وأجاب عليها: لن يغير ذلك علاقتي بها! لن يؤثر زواجها على صداقتنا! لكنه عندما تساءل هل يكون ذلك المحبوب أجنبيا، استبعد ذلك. لايمكن أن تهجر ليلى بلدها، ولن يلتحق رجل بزوجته!‏

أعطته الثقة بأنه سيلتقي بليلى قوة في الزنزانة. وبدت كسرّ من أسراره. كاد يبتسم عندما عاد إلى القاووش ويعلن لمستقبليه: اكتشفت أني عاشق! لكنه سيبقي الأربعين يوما سرا مكتوما لن يبوح به حتى لليلى. لن يحدثها أبدا عن التعذيب. وسينظر إلى زواره المحتفين ببطولته متعجبا من طلبهم أن يحكي لهم كيف عذب وكيف قاوم السجانين. يهتمون بالبطولة، وربما يطلبون أن يدلّهم إلى درس يفيدون منه، لأنهم لايستبعدون أن يمروا بتجربة السجن في بلاد تتقلب بين سنة وأخرى. لكنه لايتوقف عند البطولة. بل يفكر في مهانة الإنسان الذي يعذبه أبناء بلده، والمحتلون على بعد كيلومترات من عاصمة الوطن. ويتساءل لماذا يشعر الجلادون بأنهم محصنون. سيتصفح عمر فيما بعد أوراق محاكمة قتلة فرج الله. وسيذهله أن يسجل فيها أن القتلة "قاموا بواجبهم المهني". وبما أنهم لم يقتلوه بدافع شخصي، تمتنع إدانتهم بجريمة القتل. هكذا إذن يُحمى التعذيب في السجون كأسلوب في معاملة الخصم الفكري والسياسي! لا! بل يجب أن يحاكم القتلة والجلادون علنا كي يفهم الآمرون والمأمورون أنهم مسؤولون عن سلوكهم، وأن القانون يحدد صلاحياتهم، وليس لأحد مهما سمت منزلته أن يطلب منهم خرق القانون.‏

سيتابع عمر بعد خروجه من السجن في أيام الانفصال، أفراح المعتقلين بصمودهم. كأنه شهادة لهم على ثلاث سنوات من السجن تبيّنوا بعدها أمراضهم. سينشغل عمر بدروس الطب، ويؤدي الامتحانات، وسيكتب رسالة إلى ليلى يذكر لها فيها أنه قد يسافر ليختص في أمراض القلب.‏
كانت سيارات المباحث قد حملت مئات المعتقلين إلى السجون في ليلة رأس سنة 1959. في شهر شباط من تلك السنة فتح قيس عينيه فرأى رجال المخابرات في غرفته، حول سريره فهبّ واقفا. فهم أنهم نزلوا من السطح! فكر بفرج الله. لا، ليس هنا! ولايبدو أنهم يعرفون أنه يمرّ بهذا البيت! فحصوا الغرفة. تناول أحدهم الأوراق التي كتبها قيس قبل أن ينام. قرأها وقال ساخرا: قصيدة عن بغداد؟ ردّ قيس: وهل تتوقع أن أكتب عن تل أبيب؟! أمره الرجل: البس ملابسك! كان الرجال الباقون يجمعون الكتب التي وجدوها. وأخذوها مع قيس.

كانت الحارة غارقة وقتذاك في الليل. أركبوا قيسا سيارة أحاطوا به فيها، وتبعتها سيارة أخرى. مجانين! يخشون أن يهرب؟! إلى أين؟! وقفوا في شارع بغداد مقابل مقبرة الدحداح. تركوه في ممر ليشعر بأنه في انتظار مصير مجهول. فهمس لنفسه: أنا مواطن عربي لاحق لهم في اعتقالي. هل يجسرون على تسليمي للأردن؟ وقرر: قد يطلبون مني فقط أن أغادر سورية. وعندئذ سأرحل إلى لبنان ومنها إلى العراق. أغلقت أبواب وفتحت أبواب، ثم أدخلوه إلى الضابط زكي. أمامه قصيدة قيس عن بغداد والكتب التي صادروها من غرفته. قال له الضابط في خشونة: تناضل الأمة العربية من أجل وحدتها، وستحققها! أنت وجماعتك تقفون ضد هذا الطموح الوطني! ماذا يسمى ذلك؟ من في هذه الصورة معك؟ رأى قيس صورة التقطت له من بعد في المعرض. يتجسسون عليه؟ قال: اسألوا من التقط الصورة! أنتَ هنا لتجيب على الأسئلة! يبدو أنك لم تفهم بعد أين أنتَ! أعرفُ تماما! وهذا الكتاب؟ الخيام أم الحلاج أم أبو فراس! يهتم مثلكم إذن بهم! تقرأون التراث العربي؟! فتح الصفحة الاولى من الكتاب. هدية من ليلى؟ من هي؟! ارتعش قلب قيس. لو سمع كلمة أخرى عن ليلى هل يستطيع أن يضبط نفسه! وهذا الكتاب؟ ديوان المتنبي. هدية من غادة! من هي غادة؟ هل يقول له قيس: غادة رفيقتكم؟! سجلوا الأصدقاء والأقرباء إذن! قرر قيس ألا يجيب إلا بأقل الكلمات. قال له الضابط: أنت لاجئ سياسي تتدخل في الشؤون الداخلية للجمهورية العربية المتحدة! فماذا تستنتج في الأوضاع الراهنة؟! يالهذا السؤال الذي نبّهه إلى خيارين: أن يرحل أو أن يعتقل! تنهد: أين فخري البارودي و"بلاد العرب أوطاني"؟!‏

تركوه في الصباح. مشى إلى مسكنه. عرف أن الاعتقالات في رأس السنة تناولت سورية كلها وأن مئات الأشخاص نقلوا إلى سجن المزة. وسمع من الراديو أخبارا عن اعتقالات مماثلة في مصر. بلّغته الأرملة التي يسكن في بيتها: يقول لك أخونا، اترك دمشق إلى بيروت اليوم قبل الغد! ياللرجل الرحيم! فكّر بي كما يفكر أب بابنه! بعد الظهر زاره شاب من بلده بلّغه: ارحل إلى بيروت. عرفان في بغداد منذ أسابيع! أوصته الأرملة: خذ ثيابك الضرورية فقط، سأنقل لك بقيتها فيما بعد. احفظ عنوان أقربائي في بيروت وانزل في بيتهم!‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:32 AM   المشاركة رقم: 98
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
خرج دون حقيبة. وجد سيارة في السنجقدار يصيح سائقها: راكب واحد إلى بيروت! دفع خمس ليرات وركب فيها. بعد نصف ساعة عبر الحدود بجواز سفره. وقفت السيارة في شتورا، اشترى كالركاب عروسة اللبنة المشهورة من مقصف بديعة مصابني، أكلها وهو يمشي خطوات هنا وخطوات هناك. شعر ببرودة الهواء. تنفس بعمق وقال لنفسه: الحرية! ولابد أن ألتقي بليلى!‏

أوصلته السيارة إلى ساحة البرج في بيروت. وانتقل بتاكسي إلى ضاحية الحدث. استقبله أخو الأرملة فاتحا ذراعيه. ستنزل عندنا، وسنصلك بمن تحتاج أن تتصل به. أم العبد، مدّي لنا السفرة!‏

انشغلت أم العبد بفرك الكبّة النيئة وهو يتحدث مع قيس ويطلان على بيروت والبحر والصنوبر. ومدت له سفرة لبنانية بصحونها الكثيرة. مع ذلك ماعندكم أسطوانات فيروز! لدى قيس مجموعة كاملة سيتركها لهم عندما توصلها له الأرملة! يستطيع أن يتحرك في أمان في الحدث، وأن يمشي في غابات الصنوبر. لاتزال الحدث مجموعة من البيوت تمتد بينها وبين بيروت بساتين الموز والمشمش الهندي والبرتقال، وحولها أشجار الصنوبر. قال لنفسه وهو يستمع إلى صوت فيروز من الراديو وينشر نظره على الصنوبر: ليت ليلى هنا! ليلى؟ تناول صورتها من جيبه، نظر إليها ثم خبأها. ماتزال ابتسامتها تظهر في عينيها أكثر مما تظهر حول فمها. وماتزال شفتها السفلى شفة طفلة.‏

كانت ليلى قد نزلت إلى بيروت قبله مع أمها. ستشتري بعض الملابس الدافئة قبل سفرها، وستزوران زوجة عارف ابراهيم، صديق أبيها. وستتذكر منور حياتها في لبنان وتستعيدها مع أصدقائها. وصلتا في ساعة من دمشق إلى بيروت. وحطتا في بيت عارف. شربت منور القهوة مع زوجته وهي تطل على البحر. وانشغلت ليلى بابنتها. ثم نزلن إلى أسواق بيروت. مشين بين الأبنية الحجرية الوردية والواجهات المزخرفة، تفرجن على الأقمشة والملابس الجاهزة. كأننا ياليلى في اوروبا! من هذه الأسواق تشتري عرائس بلاد الشام ثيابهن. ومنها اشترت خالتك سعاد ثوب عرسها ورافقناها من بيروت إلى الناصرة! كانت "الموضة" يومذاك زهر البرتقال المحبوك قلائد أو المنثور على أطراف الأكمام والثوب. ماذا يميز بيروت من دمشق؟ لماذا تتحرك منور وليلى في خفة؟ يبدو حتى الهواء رقيقا ورخيا. كأن بيروت المفتوحة على البحر فسحة الهواء لدمشق المغلقة بقاسيون!‏

عدن يحملن أكياسا كبيرة أنيقة من الورق. وفحصن تلك الملابس مرة أخرى. هذا معطف دافئ لكنه خفيف الوزن، عالي القبة! وهذه كنزات من الصوف، أحلاها كنزة بلون زهر الرمان! وتلك قفازات من الفرو، معها قبعة من الفرو الأبيض! تفرجي على نفسك في المرآة، ياليلى! ماأجملك! "نصفي خلقة ونصفي خرقة"؟ بل "الحاجة بلبّاسها"! لكن أرجوك ياابنتي، لاتتزوجي من أجنبي! ابقي فوق تراب بلدك! ماأبعد الزواج! لاتفكّري يامنور بما لن يحدث قبل عشر سنوات! آه، هذا الجيل لايفهم أن للزواج أوان وللحمل والولادة وقت!‏

تركت ليلى أكياسها وخرجت مع ابنة عارف. مشتا بين بساتين البرتقال والموز، عبرتا حرش الصنوبر. وصلتا إلى الزيتونة، مرّتا بفندق سان جورج وصارتا على الكورنيش والبحر إلى يمينهما! لحقت ليلى الموج وسحرها لون قلب الموجة، وتذكّرت قيسا وعمرا! لم تكن قد عرفت أن الأول رحل من دمشق وأن الثاني اعتقل. كأنما تقطعت العلاقات بين الزملاء في الأشهر الأخيرة، وشغلها هي أيضا سفرها. وانصرفت إلى أفراحها بالنسيم والموج والمشي على كورنيش بيروت.‏

كانت منور تروي لزوجة عارف أن ليلى عادت من رحلة المدرسة إلى لبنان حاملة سلّة صغيرة من المشمش الهندي، يوم كانت تلميذة في الصف الأول. فتناول بهاء السلّة منها يومذاك ورفعها كما كان يرفعها وهي صغيرة حتى تكاد تلامس الثريا. "حملت لنا هدية من لبنان"؟! كأنها أتت له بمجوهرات الست بدور! ويوم نظّمت معلمة ليلى رحلة أخرى لتلميذاتها إلى لبنان حملت لي ليلى باقة من الزهور البرية. ولم يكن بهاء وقتذاك حيا فوضعنا الباقة على طاولة الأكل مقابل الكرسي الذي كان يجلس فيه!‏

مشت ليلى مع رفيقتها على شاطئ بيروت ووجههما إلى البحر. تأملتا الموج وهو يتقدم ويتداخل ويسفح الزبد. غاصتا في ألوان البحر. ماأكثر درجات اللون النيلي والأخضر! استسلمت ليلى لسحر اللون الذي سمّته "لون قلب الموجة". بعد فندق سان جورج والزيتونة والجامعة الأمريكية وصلتا إلى رأس بيروت. خيل إليها أن الماء عند الروشة يشدها، فقالت لرفيقتها كفى، واستدارتا راجعتين.‏

ماأجمل بيروت! وماأحلى الاستعداد للسفر إلى بلاد غريبة! لكن ليلى ابنة وحيدة لأم قتل زوجها وابنها. كيف ستعيش منور دونها يوم تسافر؟ لمن ستعصر البرتقال؟ ولمن ستحضّر الغداء؟ من ستنتظر عند الظهر وفي المساء، ومن ستودع في الصباح؟ كانت كل منهما لاتظهر تعلّقها بالأخرى، لكن كلا منهما تعوّض عن ذلك بوجودهما في بيت واحد. خطر لليلى أن ابن خالتها زيادا سيكون بديلا عنها. وعلّقت أملها عليه. وابتسمت وهي تتذكر كم أضحكها "البريانتين" الذي لمّع به شعره يوم كان فتى.‏

بعد عودة ليلى إلى دمشق قال قيس لمضيفيه في الحدث أشتهي أن أنزل إلى شاطئ بيروت! نبهوه: إياك أن تتجول! تمتلئ بيروت بالسوريين والعرب الهاربين من سورية، وترصدهم المباحث! مع ذلك نزل قيس إلى شاطئ بيروت. مشى على الكورنيش حيث رافق ليلى في تلك الرحلة الجامعية الفريدة. تفرج على الموج. ومشى حتى هبطت العتمة. وقف قرب المخزن حيث عانقها. أغمض عينيه وودعها هناك. كانت الأشجار قاتمة، والبحر قاتما، والطرقات التي عبرها قاتمة. هنا دفعت ليلى ذراعيه عنها، وهزّت رأسها يمينا ويسارا. شعر بجسمها الرشيق الأهيف وببشرتها الناعمة كالمخمل، وأحبها كالمجنون وقتذاك. فاح عليه منها العبق الذي سيظل يذكره عقودا من الزمن. أغمض عينيه ليمسك بذلك العطر. سيعانق فتيات ونساء كثيرات، لكنه لن ينسى أبدا ذلك العناق الخاطف المجنون قرب المخزن، ولن ينسى أنه استعاده وسط عتمة الشاطئ، في مساء بارد، وهو وحيد لايدري في أي اتجاه ستحمله الريح. سيتعود أن يغمض عينيه ليستعيد عبق ليلى في مدنه المتنوعة. وسيردد: هي الثابتة وكل ماعداها عابر وموقت.‏

وصل ابراهيم إلى قيس في الحدث وبلّغه: بيروت ليست آمنة، ارحل إلى بغداد! سيؤمن لك اللبنانيون بطاقة الطائرة! تقاسم الأغنياء اللبنانيون مشردي بلاد الشام! أنزلوا السوريين في بيوتهم، واشتروا بطاقات السفر لمن يرحلون إلى البلاد الاشتراكية. أنفق قيس ما بقي لديه من مال على الدخان. وأكل من سفرة اللبنانيين. فكّر بالمال العربي الذي يجري بعيدا عن الشعوب كأنه أموال شخصية. تذكّر المجوهرات التي يُثقل وصفها كتب السيرة التاريخية، تزين بها العروش أحيانا، وتزين بها الجياد المدللة أحيانا، ويحملها الأمراء معهم إلى المعارك من خوفهم عليها كالخوف على الروح. أين تلك الكنوز، وأين الأموال التي تتخم البنوك الغربية، وهؤلاء المثقفون الهاربون ينتظرون أن تطعمهم الأسر اللبنانية؟ هل فرض القدر أن يحمل الأمراء كنوزهم، ويحمل الناس بعضهم بعضا؟‏

قدمه الياس إلى شابة: هذه جورية! جاءت لك ببطاقة الطائرة إلى بغداد. وسيرافقك زوجها إلى المطار! من يعرف بعد أن مديحة ستنزل في بيت جورية في بيروت وأنها سترافقها أيضا إلى المطار! سألته جورية: متى تسافر؟ ردّ: على أول طائرة!‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:33 AM   المشاركة رقم: 99
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
ماأسهل السفر على شاب دون حقيبة! رافقه زوج جورية صاحب دار النشر، إلى الطائرة. نزل ضيفا في فندق في شارع الرشيد في بغداد. وقصد شركة خانقين للنفط حيث يعمل صديقه عوني. تريد أن أؤمن لك عملا في الشركة؟ لا، شكرا ياعوني! التقيت بسمارة، أستاذي في صفورية، ودعاني إلى العشاء. أوصلت لي ابنته مسؤولة قسم اللغة الإنكليزية في إذاعة بغداد، رغبة سليم الفخري مدير الإذاعة بأن يراني لأعمل معه. تعرفه؟ طبعا، ضابط من الضباط الذين ساهموا في ثورة تموز! ينتظرني غدا!‏

قال سليم الفخري لقيس: أقترح عليك خمسة برامج: عن الجزائر وفلسطين واليمن... ونريد برنامجا سياسيا ساخرا. لمعت فكرة في بال قيس: برنامج "اضحك مع الأخبار". هل قدّر قيس أن ذلك البرنامج سيكون ذا شعبية في جهة، وسيثير العداوة في جهة، وسيسبب هربه من العراق؟! سينغمس قيس بذلك البرنامج في الصراع الذي سماه صراعا بين أجنحة حركة التحرر الوطني، بديلا عن الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. سيكشف به الجانب المأساوي المضحك في التطرف الذي سيوصل حركة التحرر إلى الكارثة ويمهد لاحتلال أراضي ثلاثة بلاد عربية دُمرت قواها وعلاقاتها قبل الحرب.‏

عاش قيس في بغداد بين عمله في الإذاعة ومسكنه في بيت غنية، وبعض بيوت أصدقائه ومكاتبهم، والمقاهي والبارات التي اختارها. لم يكن من هواة الفرجة على المدن. وكانت المرتفعات تسبب له الدوار. فلم يعرف من بغداد إلا مساراته المختارة فيها. ولم يخرج منها إلى مدينة أخرى. انكب على إعداد برامجه، وهل خمسة برامج في الأسبوع عمل قليل؟!‏

كان دخل قيس جيدا جدا من تلك البرامج. فساعد أبناء بلده الذين لم يجدوا عملا. نُقل ذلك إلى عرفان فقال: لو كنا راغبين بمساعدتهم لرشحناهم للعمل! يبدو أن قيسا صار يحتل مكان القيادة، ويجهز تنظيما خاصا به!‏

وهبت برامج قيس الإذاعية فوق المال قوة معنوية. كان يشعر بها عندما يطلب أشخاص وضباط اللقاء به. واختبرها يوم استنجد به سمارة، أستاذه في صفورية. اعتقل ابنه الدكتور حلمي المختص في شؤون النفط، في كركوك بتهمة التجسس لبريطانيا. وماأيسر التهمة بالتجسس وقتل الرجل بسكين أو حبل أو رصاصة! اتصل قيس بعبد القادر اسماعيل، أحد العراقيين الذين عرفهم في دمشق وسكن أياما معه في بيت الأرملة. أرسل عبد القادر، الذي سيُقتل فيما بعد في قصر النهاية، أبا الدكتور حلمي إلى المقدم عمر الفاروق رئيس مكتب عبد الكريم قاسم، الذي سيُقتل هو أيضا فيما بعد في شباط. كانت الساعة الواحدة صباحا. لكن الأمر لايؤجل فقد يُعدم الرجل في محكمة شعبية! استقبله المقدم عمر الفاروق ووعده بأن يعطيه غدا صباحا جوابا قاطعا عن مصير الدكتور حلمي. وفي اليوم التالي اتصل بقيس وقال له: الدكتور حي، موجود في سجن أبو غريب وتستطيع أخته وأبوه زيارته حتى يتم التحقيق معه.‏

بعد أقل من أسبوع أطلق سراحه. ووصل الخبر إلى عرفان فقال: يتدخل قيس في الشؤون العراقية كأنه قائد! وصل نفوذه إلى فك حبل المشنقة عن عنق جاسوس! لن أسكت على ذلك!‏

لجأ نمط جديد من السوريين إلى لبنان، بعد الاعتقالات في سورية. وفتح اللبنانيون لهم بيوتهم، واقتسموهم. وصل أيضا الأردنيون الذين كانوا لاجئين في دمشق. نصحهم مضيفوهم: كونوا حذرين! مخابرات عبد الناصر تبحث في بيروت عنكم. وتذكروا كميل شمعون وأنواع من النفوذ الأخرى. ولاتنسوا الناصريين في لبنان، الذين يتحمسون للوحدة السورية المصرية مع أنهم يرفضون أن ينضم لبنان إليها. أمس سلّم الأمن اللبناني بعض الأردنيين إلى بلدهم. ولانستبعد الخطف. لذلك قنّنوا حركتكم. لايغرّنكم أن الصحف حرة، تكتب عن الاعتقالات في سوريا وتنتقد أسلوب الوحدة!‏

نزلت مديحة في بيت صديقتها جورية. وخصتها جورية بغرفة تطل على بستان ليمون، فيها مكتبة وضعت خلف زجاجها صور طفولتها وزواجها وصورة تجمعها بمديحة وبعض الروسيات في مهرجان موسكو. كان البيت أحد بيوت متناثرة وسط البساتين في الغبيري. الطريق إليه معبد بين الأشجار كأنه للمشاة، يعبره إلى جورة الشياح وبرج البراجنة والمريجة، ومن الجهة الأخرى إلى الحدث وسط أشجار الليمون والنخل والرمان والمشمش الهندي. ويوصل جورية إلى بيت زينب الذي يطل في برج البراجنة على بساتين وبيوت من طابقين سيقتل بعض أصحابها في القصف الإسرائيلي أيام الاجتياح. وسيتغير المكان نفسه أكثر مما تغير أصحابه في سنوات الحرب الأهلية.‏

في مكتبة جورية مسرحيات شكسبير باللغة الإنكليزية، ومؤلفات توفيق الحكيم وروايات نجيب محفوظ، والكتب لتي ترجمها زوجها أو نشرها، وغيرها. انصرفت مديحة إلى قراءتها. محظوظة يامديحة بغرفة المكتبة التي خصتك بها جورية! تنزلين في بيت مثقف ميسور! فتذكري فوزي واشكريه لأنه يسّر لك ذات يوم معرفة جورية خلال المهرجان. هاأنت هنا حرة في بيروت وهو سجين في دمشق!‏

قالت مديحة لجورية: فلنخرج من البيت! وخرجتا معا. عبرتا الطريق بين البساتين. ولمع شعر جورية الذهبي في الشمس وهما تمشيان بين البيوت الصغيرة والأشجار. اجتازتا الحرش لتصلا إلى جورة الشياح. لكن تلك المساحات محدودة. قالت جورية سنذهب إلى أمكنة أخرى، يامديحة. تعالي معي!‏

كانت جورية تتعلم قيادة السيارة، فركبت معها مديحة. وسمعت صراخ زوجها كلما عصت جورية دروسه، وراقبت العلاقة الطريفة بينهما، فالصراخ لايعني الغضب والخصام بل حب رجل يكبر زوجته بعشرين سنة ويعنى بها. نقلا مديحة خلال تلك الدروس إلى أنحاء لبنان وقدما لها أصحابهما. وصلوا إلى النبطية وصور وصيدا. في النبطية أكلوا كبّة نيئة في فسحة أمام بيت أهل جورية. كان البرد شديدا "يقص المسمار" كما يقال. مدّت جورية ذراعها: هناك إسرائيل! ولم تكن إسرائيل قد تقدمت لتقطف ثمرة الخلافات العربية فتجتاح ثلاثة بلاد عربية، ثم لتجتاح جنوب لبنان بعد أول اتفاقية عربية إسرائيلية أخرجت مصر من الصراع!‏

لاتدفئ جورية بيتها. فما أقصر الشتاء في بيروت! ظلت مديحة مرتدية جاكيتها الصوفي، تسمع المطر الغزيز وهي تقرأ شكسبير. ثم ترى السماء صاحية والشمس تتوهج وتشم عبق البساتين بعد المطر الغزير. كيف تتحمل الجلوس، والشباب للحياة تحت السماء! تعالي نمشي! تعالي، سأعرفك بأسرة من أصدقائي! تمشيان في الطريق المعبد بين البساتين صاعدتين إلى الحدث. ويفوح عليهما زهر أشجار المشمش الهندي وورق الليمون ويعطّر زهر الليمون الهواء. وهناك مقابلهما الجبل المغطى بالأحراش. ماأجمل لبنان! بحر وجبل وصنوبر. شاطئ دافئ وثلج جبلي. تفاح وليمون وبرتقال وموز. وماأجمل الناس! يطلون من نوافذهم وأبوابهم، يتكلمون في يسر، يتحدثون ويختلفون غير هيابين الإعلان عن آرائهم. وفيروز تغني عن القرية والجبل وحلاوة اللقاء في المساء، وعن الضوء الذي يتسلل من الأشجار، وعن الغيوم التي تلمس الذرى و"غطيطة" الجبال. كم يتميز لبنان من سورية وهو على بعد خطوة، وكم يتصل بها!‏

هاهو الحدث! ضاحية مسيحية، فيها الجيران مهما تباينوا في الولاءات جيران. طرقت جورية بيت ميشيل. واستقبلهما رجل وامرأة شابة. جلسوا في المطل على الحرش الذي يمتد حتى مطار خلدة. سألت المرأة الشابة ضيفتيها: تقطفان الزعتر البري معي من الحرش؟ كان ذلك تكريما لهما بعادة لبنانية. جمعن الزعتر ذا الوريقات الدقيقة من تحت أشجار الصنوبر. ووصل إليهن صوت فيروز من شرفة البيت ينساب كأنه نشيد وطني في بلاد جميلة.‏

أعلن ميشيل لمديحة: لست مثل أخي الياس! لاأحب السياسة! تركتها له، فلنر مايمكن أن يكسب منها غير وجع الرأس! يشغل ميشيل جمال النساء وجني المال. فهل كان يقدر أنه سيستضيف فرج الله كرجل دمث؟ وسيجلس مع صاحبه رئيس الأمن في الغرفة الأخرى يلعبان الطاولة، وفرج الله في البيت نفسه؟! وأن رضا سيمر به، وسيتحادث الثلاثة معا؟‏

لايعني حذره من السياسة أنه يجهل الحقائق أو أنه دون علاقات بالسياسيين. يقرأ الجرائد ويعرف تفاصيل الأخبار غير المنشورة من أصحابه في الأمن وفي التجارة. لذلك سيقول لفرج الله وهما وحدهما: أعرف الخفايا أكثر منك. لذلك أنصحك: لاتذهب إلى سورية! لن يسمع فرج الله نصيحته وسيقتل في سجن في دمشق! وسيأتي رضا بعد ذلك إلى ميشيل ويقول له: هل تقبلني ضيفا؟ فيردّ: لاأقبل من خان رفاقه!‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 01-17-2009, 01:35 AM   المشاركة رقم: 100
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 2.47 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.
ستحمي ميشيل في أيام الحرب الأهلية سمعته. وبها سيستطيع أن يساعد سليما، جاره المسلم. سيعرف أن الشباب قرروا اعتقاله. فيسرع إليه: اترك كل شيء وتعال لعندي! سينقله مع أسرته إلى بيته: اسمع! قد تراهم من نافذتي ينهبون بيتك ويحرقونه فإياك أن تتحرك! بعد خمسة أيام سيهربه بسيارته مع أسرته إلى البترون، ويعطيه مالا يدبر به نفسه. وسيصل سليم إلى طرابلس. وعندما سيبدو له أن "الأحوال هدأت" سيركب سيارة مع ركاب آخرين ليعود إلى بيته. وسيقتل عند حاجز قرب بيروت.‏

لكن ميشيل لن يستطيع حماية بيت أخيه. سيسمع في الليل أصواتا وسيخرج إلى الشرفة. وسيرى شبابا حول بيت أخيه. سيصرخون عندما يرونه: ميشيل، ادخل إلى بيتك! وسيأمرون الجيران بمكبر الصوت بأن يغلقوا عليهم نوافذهم وأبوابهم. سيراقبهم ميشيل من خص النافذة المظلمة وسيراهم ينهبون البيت ثم يحرقونه. وعندما سيأتي الناس ليطفئوا الحريق سيكونون بين من يطفئون الحريق!‏

امتد أمام مديحة وجورية حرش من أشجار الصنوبر حتى خلدة. لكن ميشيل، محب النساء والمال والطرب، سيرى خلال الحرب الأهلية قص تلك الأشجار وبناء أبنية مرتفعة متلاصقة دون رخصة. وستحمي ذلك المليشيات وتأخذ الأتاوة. وسيختفي الحرش.‏

عبرت مديحة وجورية أشجار الزيتون. كم يحب اللبنانيون زيت الزيتون! في أطباق المازة اللبنانية زيت الزيتون، في المكدوس، فوق الكبّة النيئة، في اللبنة، وفي أنواع الزيتون العابقة بنكهة الزعتر والليمون. اجتازتا أشجار المشمش الهندي. وقدّمت جورية ليلى لزينب! جمعهن الشباب والطباع التي تجعلنا نهتف إذا رأينا شخصا: هذا مثلنا! يوم عرفتهما مديحة كانتا قد عبرتا في أول فتوتهما احتلال المارينز الذين نزلوا في بيروت بعد ثورة تموز في العراق. فحكتا لها عن تلك الأيام.‏

كلفتهما المقاومة في بيروت بتوزيع المنشورات في الضاحية الجنوبية، وبمقدار من التموين تأتيان به منها. فنظمت الشابتان البيوت التي تجمعان منها طناجر الأكل يوميا! طبخت النساء أطيب الطعام، كأنهن يحضّرنه لوليمة. وحملت الشابتان تلك الطناجر طازجة دافئة إلى المقاومين المسلحين في بيروت. اكتشفتا الطرقات الآمنة والطرقات الخطرة. لكن من يجسر أن يوقفهما! لو سئلنا لمن كل هذا الطعام بم نرد؟ نقول: عندنا عرس! وإذا غضبنا سنقول: ماشأنكم؟ نحن في بلدنا!‏

سألهما مسؤول في المقاومة: ممن الطعام اليوم؟ سردتا الأسماء. بينها عائلة قومي سوري. جفل: كيف تقبلان منها طعاما؟ كان بين القوميين السوريين وبين الفصائل الوطنية خصام يومذاك. لم تستشهد بعد سناء محيدلي ولم يجتمع القوميون السوريون بعد مع المقاومة الوطنية. ألا يجوز إذن أن تكلف تلك العائلة بتسميم المقاومين؟ تثق جورية وزينب بالعائلة التي تبرعت بالطعام. "رجتنا عدة مرات أن نعين لها دورا". ومع ذلك لم تأخذا منها الطعام إلا بعد أن رجتهما: فلتسمحا لنا بهذه المساهمة في مقاومة المارينز! قالتا له: سنذوق نحن الطعام. فإذا كان فيه سم حميناكم منه. رد الرجل: وهل نفرط بكما؟! لكنهما ذاقتاه في السر. راقبت كل منهما الأخرى. هل تبدو عليهما إشارات الموت؟! ماكان يمكن أن تقبل إحداهما أن تجرب الأخرى وحدها الطعام!‏

عادتا بأكياس من المنشورات، وسلكتا في الليل دروب الضاحية بين البساتين. فوجئتا بمجموعة من المارينز في أيديها كشافات. انسلتا إلى بستان واختفتا فيه. هل تسمع إحداهما تنفس الأخرى؟ طال الوقت! هل يتنزه المارينز في الليل؟ خطر لزينب أنها تريد أن تسعل. مصيبة! كم يجب أن يكون الإنسان معافى سليما كي يستطيع الهدوء! ابتعد المارينز. انتظرت الفتاتان الهدوء والظلام. نهضتا. خبأتا المنشورات وسط أغصان جافة. حفظتا المكان وخرجتا. في الصباح ستعودان لتخرجا الكنز، وستوزعانه على البيوت!‏

لكن جورية فوجئت بالمارينز أمامها على الطريق إلى بيتها. هنا رأيتهم أمامي، يامديحة. فبدأت أصرخ: خرجت ابنتي من البيت ولم تعد حتى الآن! صرخت وبدا كأني سألطم وجهي. هل فهم المارينز إشاراتي، أم خشيوا من صراخي؟ تركوني أمر!‏

لايعرف المارينز "ملف" جورية. يوم عادت من مهرجان موسكو تجولت في لبنان لتحكي عما رأته. وجدت مناسبة تجمع النساء لتحدثهن عن بلاد أخرى وتحلم بالاشتراكية. كان الاجتماع في راشيا الوادي. رافقتها ماري المستعدة لأية مساعدة شرط أن تبقى بعيدة عن الشرطة والدرك. نزلتا في بيت مضياف واجتمعتا بالنساء. تحدثت جورية عن بلاد كل مافيها جميل وسليم! كأنها جنة على الأرض! استقبلونا في اوديسا كأننا نحمل لهم المنّ والسلوى! وحضرنا احتفالا في قاعة فخمة. ثم ركبنا القطار إلى موسكو. وأي قطار! نظيف، شراشف أسرته بيضاء نظيفة. مررنا بالمحطات ونحن نيام في أسرتنا. فإذا بالناس ينتظرونا في المحطات في عزّ الليل. فهمنا أنهم يهتفون صداقة، سلام، دروجبا مير. كانوا ينزعون مناديلهم وحليهم ويقدمونها لنا علامة الصداقة. بكوا وهم يقبلوننا. طيبون حتى السذاجة. زيّنوا صدرونا بإشارات فصرنا كمارشالات في الحروب العظمى. موسكو نظيفة مثل الفلّ. لاتجسر أن ترمي فيها ورقة. لم أرهم أنيقين مثل أهل بيروت. لكن لهم الحق في السكن والتعليم والعمل والدواء! رسمت جورية الحدائق والحفلات، الباليه واللقاءات. الطعام والنظافة والتهذيب. كان الاجتماع حماسيا عاطفيا. نامت متأخرة. لكن ماري أصغت لحدسها فنهضت مبكرة: اسمعي ياجورية، لن أبقى في هذا البيت! لابد أن الخبر شاع بعد ذلك الاجتماع! هل تستطيع جورية أن تُسكت حدس ماري؟ الله معك! خرجت ماري إلى موقف الباص. وعادت جورية إلى النوم في تلك الغرفة الزجاجية المحاطة بالحديقة من جوانبها. أفاقت هي أيضا بالحدس. شعرت بعيون تراقبها. ورأت الزجاج محاطا برجال فصرخت متظاهرة بأنها تحتج لأنها بقميص النوم. وركضت إلى الحمام لتلبس ثيابها. تخلصت من أوراقها. فليدخلوا الآن! كيف يحق لكم أن تراقبوا امرأة نائمة؟! ألا توجد حرمات؟! كانت ماري قد اعتقلت من الطريق! لكن المحامين أبدعوا في الدفاع عن النساء. لبنان! حكم شمعون من جهة، وتقاليد الحرية من جهة. كرّ وفرّ!‏

يوم قدمت جورية مديحة إلى زينب كانت زينب تتصل بقرية الحولة في جنوب لبنان. تمشي في طريق على طرفيه أراض مزروعة. من جانب فلاحون لبنانيون، ومن جانب إسرائيليون يزرعون أرضا لبنانية. اجتمعت بأهل القرية. ورجعت بانتسابات النساء إلى جمعيتها النسائية. وضعت الأوراق في كيس وركبت سيارة عائدة إلى بيروت. في الطريق أوقفت السيارة دورية إسرائيلية. قرصنة! لن تنزل زينب من السيارة! توقفها في بلدها دورية عدوة؟ تجاوزت إسرائيل حتى حدود الأرض التي احتلتها من لبنان! فتح عسكري إسرائيلي باب السيارة. فضغطت الكيس بين قدميها. عندما سارت السيارة فهمت غلطتها. ماكان يجب أن تسجل الأسماء! فلتحفظها. ليست المصيبة أن تنسى اسما بل أن تكشف اسما! لكن ماأفدح أن ترى بنفسها عدوانا على أرض بلادها!‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

تصميم و وتركيب انكسار ديزاين

جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 01:07 AM.




Powered by vBulletin Version 3.7.3
جميع الحقوق محفوظة لشبكة قامات الثقافية 2008
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009