المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأدب العام و المقارن .... دانييل هنري باجو .


غيارى الراوي
07-04-2006, 12:31 PM
.






الأدب العام و المقارن



/




\




/





دانييل هنري باجو
ترجمة : د . غسّان السيّد




.

غيارى الراوي
07-04-2006, 12:33 PM
مقدمة المترجم





هذا كتاب آخر في الأدب المقارن أضعه بين يدي القارئ العربي عله يسد ثغرة مازلت أعتقد بوجودها، ويمد جسور التواصل بين هذا القارئ وبين حقل معرفي لايستطيع أي مهتم بالأدب اليوم تجاهله، لأنه يشكل جزءاً هاماً من المنظومة الأدبية على المستويين المحلي والعالمي.‏

وتكمن فائدة كتاب (الأدب العام والمقارن) في أنه يركز على الآفاق الجديدة التي فتحها الأدب المقارن، ويبتعد عن الطريقة التقليدية في عرض موضوعاته. إن الكتب التي سبقت هذا الكتاب افردت صفحات كثيرة للحديث عن مدارس الأدب المقارن والاختلافات فيما بينها. ومع ما لهذا الحديث من أهمية في تعريف القارئ بسيرورة الأدب المقارن منذ مطلع القرن التاسع عشر وحتى وقتنا الحاضر، فإن دانييل - هنري باجو يعتقد بوجود ماهو أهم، خاصة أن هذه المسألة أصبحت من المسلمات في هذا المجال.‏

ما أرجوه هو أن أكون قد وفقت في نقل هذا الكتاب إلى العربية مع علمي المسبق أن القارئ سيبذل جهداً مضاعفاً في سبيل فهم بعض الموضوعات لا لعلة فيه، ولكن بسبب طبيعة النص المترجم في لغته الأصلية من جهة، وفي اللغة العربية من جهة أخرى. لا أبرر لنفسي هنا، ولكن ترجمة الكتب الأدبية، خاصة تلك التي تستخدم مصطلحات النقد الحديث، تفرض على المترجم مساراً لايستطيع الخروج عنه خوفاً من تشويه المعنى في لغته الأصلية.‏

عذري أنني أخلصت النيّة، وأراهن على كرم القارئ وتسامحه وسعة صدره.‏

المترجم .‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 12:34 PM
- تمهيد





" ولكن أنتم أيها المقارنون، ماذا تقارنون؟ " على هذا السؤال الساذج ظاهرياً والخبيث حقيقة، يجب على المقارن أن يجيب : لا شيء. إن الأدب العام والمقارن لايقارن النصوص، يعود المصطلح إلى 1973) أو بالأحرى، ليست هذ المواجهة إلا استعداداً لتساؤلات وبحوث أخرى تهدف إلى الربط بين نصوص، ومجموعات من النصوص، وآداب وثقافات، وتتبع الحوارات فيما بينها.‏

موضوع الدراسة هذا، الواضح، والمعقد، والمتباعد، هو الذي يفسر جزئياً ضرورة تعريف طبيعة حقل معرفي في تطور دائم منذ أكثر من قرن وتعيين حدوده، بصورة منتظمة. من الصعب وضع كتاب عن مادة تتغير باستمرار. كما قال فوفنارغ : " إن قول أشياء جديدة أسهل من التوفيق بين أشياء قيلت سابقاً " لقد جعل المقارن من " العموميات " اختصاصه. مع ذلك، لايمتلك معارف غير محدودة. إنه يتقن لغات عديدة حيّة وميتة)، وتأمّل في التاريخ الثقافي لقارته أوربا)، ولكنه أنفتح أيضاً على قارات أخرى، ويهتم بصورة خاصة بعصر وقرن معينين، وببعض المجالات التي تشكل أرضية المقارنية. ولهذا السبب، فإنني، قدر المستطاع، سأسلك طريق الذين سبقوني لكي أدخل مجالات من البحث، وفضاءات لغوية غير مالوفة لي. مع ذلك، أرى أنه من المفيد الاستفادة قليلاً من مادة الدروس والمحاضرات التي كلفتُ بها، لوضع مقدمة لحقل معرفي متعدد الأشكال واللغات، ولا أرى في ذلك خروجاً عن الموضوع.‏

يأتي هذا الكتاب بعد كتب أخرى مثل كتاب بول فان تييغم(1) ، وكتاب ماريو فرانسوا غويار (2) سلسلة كوسيج؟ ماذا أعرف ؟)، وكتاب كلودبيشوا، وأندريه ميشيل روسو الأدب المقارن، كولان، 1967) الذي أعيدت طباعته عام 1983، بعنوان : ما الأدب المقارن ؟،‏

بعد أن اشترك بيير برونيل مع المؤلفين المذكورين سابقاً . سنعطي لأنفسنا الحرية بتسميتهم بيشوا - روسو، وبرونيل - بيشوا - روسو، وذلك لسهولة الاستخدام، واحتراماً لمكانتهم) بعد ذلك يأتي كتاب سيمون جون الصغير الأدب العام والأدب المقارن) (3) ، و كوسيج؟ ماذا أعرف؟ )(4) لإيف شيفريل، الذي أخذ مكان كتاب ماريو فرانسواغويار. يعد كتاب الوجيز في الأدب المقارن) (5) ، الذي يسمى الوجيز عملاً كبيراً أنجز بإشراف بيير برونيل، وإيف شيفريل، وأتى بعد كتاب صغير يحمل العنوان نفسه يعود إلى فرانسيس كلودون وكارين حداد وتلينغ (6) ، هذا إذا لم نرد الحديث إلا عن السياق الفرنسي.‏

يجب أن نحدد، في هذا المجال، أن هذه المقدمة تتوجه إلى جمهور الطلاب في فرنسا، ولايمكنها الادعاء، عبر أبعادها وروحها، بأنها تمثل بانوراما عالميه. من وجهة نظري، ليس هذا الهدف مستحيلاً فقط ولكنه أيضاً عديم الفائدة. وبسبب تفكيري في هذا الجمهور نفسه، اخترت أمثلتي، متجنباً الإكثار والتعمق عديم الفائدة، والبيبلوغرافيا الأكثر انتقائية ممكنة وهذا مناقض لممارسات المقارنين وأذواقهم)، كما اخترت طريقة تقديم بعض البحوث أو طرح بعض الأسئلة.‏

في مواجهة المسائل التي يحب الأدب العام والمقارن أن يطورها عبر تجاوز القرون، وتوجيه الثقافات، والفصل بين الآداب، يبقى بعضهم جاحداً وحذراً. يشبه حذر هؤلاء حذر مدام دو ديفاند من الأشباح. سُئِلتْ : " هل تعتقدين فيها؟ "، فأجابت : " لا ولكنني أخاف منها ". يستطيع الأدب العام والمقارن أن يرعب، ويحيرّ، ويزّعج، لأنه يعارض العزلة، والأنانية، والروح الاختصاصية التي نجد صداها مسبقاً في الأخوة كرامازوف حيث يوجد طبيب فييني مختص بفتحة الأنف اليسارية. الأدب العام والمقارن هو حالة روحية، وولع بالانفتاح، ونزوع إلى التركيب، ومعرض للتأنيب والسخرية. إنه، اليوم أيضاً كالبارحة، تدريب أصيل على الآداب الحديثة، والثقافات الماضية والحاضرة.‏

(1) الأدب المقارن، أ. كولان، 1931، أعيدت طباعته عام 1951‏

(2) الأدب المقارن، p.u.f ، 1951، الطبعة السادسة عام 1978‏

(3) مينار، آداب حديثة، 1968‏

(4) الأدب المقارن، 1989‏

(5) p.u.f ، 1989‏

(6) ناثان، 1992‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 12:36 PM
-1- مــقـارنـات





يبدأ أي عمل مخصص للأدب المقارن .عادة بتاريخ الحقل المعرفي.‏

بدا لنا من غير المعقول أن نبتعد عن التقليد. سنتعرف إذن على أسلافنا المقارنين. ولكن في البداية، سنكتشف الأوجه المختلفة لحقل يمكن أن يشبه هذه الساعة الغريبة التي يتحدث عنها كورنيه عند تقديمه عمله " الوهم المضحك "‏

ليس من السهل إعطاء تعريف بسيط للأدب العام والمقارن. من الأفضل التركيز على المسار الأساسي التطوري لهذا الحقل، مما يكشف عن تاريخه القصير، وعلى المسائل المختلفة التي تشكل مجالاً معقداً للدراسات والبحوث .‏

- الأصول والتطور :‏

إذا أخذنا بكلام سانت بوف(1) ، الذي أخذه بدوره فيرنان بالدنسبرجر في مقالته الافتتاحية (2) لمجلة الأدب المقارن عام 1921، فإن الأدب المقارن ولد في 12 آذار عام 1830 في ثانوية مرسيليا، حيث تناول جان - جاك آمبير، ابن العالم المعروف في خطاب الافتتاح لمحاضراته العامة " التاريخ المقارن للفنون والآداب عند الشعوب كلها " الذي يمكن أن يتفرع عنه " فلسفة الأدب والفنون "‏

تستطيع الكلمات، بالمقدار نفسه، تعريف الأدب العام، بل تستطيع تعريف نوع من نظرية الأدب.‏

هكذا أخذ نوع جديد من البحث طريقه إلى الولادة في فرنسا في سنوات ظهور الرومانسية والليبرالية. يضاف إلى هذه الرعاية المزدوجة في النصف الثاني من القرن ظهور العلمية. موروث ثلاثي وثقيل لايجب نسيانه أبداً من أجل فهم ظهور الحقل الجديد خلال الربع الأول من القرن العشرين. من حسن الحظ، أن مقارني اليوم بددوا كل شيء تقريباً ولم يحتفظوا من الدراسات والأعمال التي قدمت عبر أكثر من قرن إلا بالشيء الأساسي وهو روح الانفتاح على الآداب والثقافات الأجنبية .‏

- البعد الأجنبي :‏

الانفتاح على العالم الخارجي يعرّف المسار " المقارني ". هل يجب، بالاعتماد على ذلك، جعل هيرودوت، الرحالة المشهور للمناطق المختلفة، والمُضلّل المعروف، أول مقارني؟ على كل حال، من المهم تعيين وجهة نظر مقارنية كلما ارتسم خط التقسيم حدود ؟) بين ثقافتين، وكلما بدأ الإنسان، عبر اكتشاف الآخر، حواراً معه، وإذن مع الذات. في هذه اللحظات، يجد وعي الذات نفسه مجبراً على الإمساك، في حركة واحدة، بتراكم المعرفة وإعادة توزيعها مباشرة، أي التلاقي والاختلاف. بعد هيرودوت أيضاً، لماذا ليس آخيل الذي وضع، ضمن فضاء هيلين من مأساته، فُرْساً يتكلمون اليونانية، وهزموا بعد أن خُوفوا؟ ولماذا ليس تاسيت الذي بقي على تخوم الامبراطورية من أجل الحديث عن جرمانيا، أو بيترارك مكتشف جبل فينتو عندما لايتحاور بصورة سرية مع سان أوغستان، أو كتّاب العالم الجديد الذين لايستطيعون التعبير عن الفضاء الجديد الذي يكتشفونه، عبر لغتهم الجزيرية، أو دو بيللي الذي لم ينسَ وهو في وسط روما " ليره الصغير " وقارن بين خصائص اللغة الفرنسية وخصائص اليونانية واللاتينية، أو مونتين وهو على طرق إيطاليا أو وهو يعيد التفكير في العصور وهو يزرع زاويته الصغيرة في غاسكون ..؟‏

وكان يجب الوصول إلى ثانوية مرسيليا في يوم من أيام آذار عام 1830 حيث أوجد جان جاك أمبير الأدب المقارن دون أن يعرف ذلك. وهذا يعني نسيان أنه إذا كان هناك مقارنة، فإن الموروث النظري يتطلب منذ ديموستين، وشيشيرون، وكانتليان(3) ممارسة الموازنة، التي اشتهرت عبر بلوتارك. إنهم مقارنون أولئك الفرنسيون الذين اشتركوا في الجدال حول مسرحية " السيد "، شارل بيرو وأولئك الذين قدروا الكفاءات الخاصة للقدماء والمحدثين، والقس دوبو الذي، في مطلع عصور التنوير، طرح نسبية فكرة الجميل عبر اقتراحه أول مقاربة مقارنية بين الآداب والفنون الجميلة. النص الأول في الشعرية المقارنة يمكن أن يكون إذن " دراسة حول الشعر القصصي " التي كُتبت أولاً بالانكليزية في لندن من قبل فولتير، أما الكتاب الأول في الأدب العام حقيقة من أجل تقليد عنوان لإيتامبل) فهو التاريخ الأدبي الضخم لليسوعي الإسباني جوان أندري، وكتب بالإيطالية (4)‏

وأخيراً جاءت مدام دوستال التي غطت على الأخوين شليغل وهيردر في ضربة واحدة، وبرزت مع كتابيها " من الأدب " 1800)، و " من ألمانيا " 1810) كنموذج للوسيط بين ثقافتين. اهتم المقارنون غالباً بشخصيتها وعملها، ولهذا لم يدرسوا فقط نجاحاً أدبياً أوربياً، ولكن أيضاً مبادئ حقل معرفي وملامحه.‏

- غزو الجامعة.‏

شهدت العقود الأولى من القرن التاسع عشر) تعدد العلوم التي تسعى إلى ممارسة التحليل المقارني بين الأصناف والأنواع مثل :‏

" علم التشريح المقارني " لكوفييه 1800-1805)، و " النحو المقارن للغات أوربا اللاتينية " لفرانسوا رينوارد 1821)، و " الفيزيولوجيا المقارنة " لبلان فيل 1833). ومنذ عام 1816 يمكن أن نذكر " دراسة في الأدب المقارن " لنويل ولابلانس، وأعيدت طباعتها مرات عديدة، و " دراسة تحليلية في الأدب العام " 1817) لنيبوموسين لوميرسيية. ولكن من الأفضل ذكر " راسين وشكسبير " لستاندال، و " تمهيد كرومويل " لفيكتور هوغو، ونظريته في السخرية، لأن هؤلاء مارسوا مقارنية عفوية وهاوية، في مواجهة الآخر، الجامعي الذي كان في طريقه إلى الظهور.‏

قدم فيلمان، في محاضرته العامه في السوربون عام 1828 -1829، مشهداً للقرن الثامن عشر تابع فيه تأثير انكلترا في فرنسا وبالعكس. ويمكننا بفضل هذا المشهد المقارني رؤية " ما تلقته الروح الفرنسية من الآداب الأجنبية وما أعطته لها". مع فيلمان بدأ مشوار طويل مع الأساتذة الذين سيعرّفون بالآداب الأجنبية في فرنسا، مثل آداب الشمال والجنوب، وسيعملون على مقارنتها بالأدب الفرنسي، ومن هؤلاء : كلود فوديل في السوربون بين عامي 1830-1844، وفيلاريت شاسل في الكوليج دوفرانس الذي شغل مكانه فيما بعد كلود بيشوا، أو إدغار كيني، وفي المدن الأخرى هناك مثلاً إكزافييه مارمييه في رين. عندما أدخل فرديناند برونتيير الأدب المقارن إلى الكلية الطبيعية العليا في نهاية القرن، فإنه أراد بذلك مقارنة تطور الأدب الفرنسي بتطور الآداب الغربية الأخرى، ومتابعة تطور الأجناس الأدبية كما فعل آخرون مع البشر)، وفهم كيف تلقى الأدب الفرنسي التأثيرات الخارجية(5) .‏

بهذا نكتشف مفهومي التطور والتغذية اللذين عاش عليهما وازدهر الأدب المقارن. وفي وقت لاحق، يطيب للمقارنين أن يستشهدوا، للدعابة، بجملة فاليري التي تظهر في كتاب بيشوا - روسو عام 1967، وكذلك في نسخة عام 1983، وهي : " صُنِع النمر من الخروف المهضوم ". تنقض حقيقة علم الحيوان هذه الحكمة، ولكنها تلخص أحد الأنشطة الأساسية للمقارنية وهي الاهتمام بالنمر دون نسيان أن دراسة الخراف تقودنا إلى فهم ماهو النمر. إذا كان للعبارة بعض الفائدة، فذلك بسبب كلمة " مهضوم "، لأن ملك الوحوش يطيب له أن يتغذى بلحم ثاغٍ، ولكنه يبقى مع ذلك الوحش المرعب والمهيب الذي نعرفه. إن جملة فاليري تحد رهيب بالنسبة للمقارن. ما الذي يمكن أن يعنيه هذا " التمثّل" الذي يأخذ أسماء " المصدر "، و " التأثير "، أو "الثروة " ، التي هي مفهومات أساسية للمقارنية الأولى؟ إنه يرسم تطوراً معقداً أمكن لعلوم أخرى أن تسميه مثاقفة، ويجب علينا أن نتذكر أنه في عام 1913 عرّف بول فان تييغم العمل المقارني في عبارة مضيئة : " وصف عبور ". حتى وإن ذكر " حدوداً " يجب على المقارن تجاوزها، فإنه يطيب لنا مقارنة هذا " العبور " مع عبور مونتين : " لاأصف الكائن، ولكنني أصف العبور ".‏

- كشف أولي 1931).‏

نركز انتباهنا على عام 1931 عندما أصدر بول فان تييغم كتابه " الأدب المقارن " في دار " أرمان كولان ". ما الذي كان عليه هذا الحقل المعرفي؟ بعد ليون التي أدخلت هذا المقرر) إلى الجامعة مع جوزيف تكست، جاء دور جامعة السوربون، وكوليج دوفرانس مع بول هازار)، وستراسبورغ. ثم أوجدت الولايات المتحدة وظائف جديدة شغلها جزئياً فرناند بالدنسبرجر.‏

منذ نحو عقد من الزمن، أصبح للأدب المقارن منبر جديد هو " مجلة الأدب المقارن " الفصلية التي تمتلك سلسلة من الدراسات مثل مكتبة مجلة الأدب المقارن، التي طبعت عند ديدييه.‏

ظهر عام 1930 نحو ستين مجلداً. إن ذكر العناوين يعطي صورة عن البحث المقارني الأول : " الكتاب الفرنسيون في هولنده "، " رواية الرعب الرواية السوداء من والبول إلى آن راد كليف، وتأثيرها في الأدب الفرنسي حتى عام 1840" ، " تين في إنكلترا "، " الموروث والدخيل في عمل شارل نودييه " " المصادر الفرنسية لغولد سميث "، " الترجمات الإيطالية للمسرح التراجيدي الفرنسي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر "، " سويفت في فرنسا " تحت خطر سوء التفسير، من الممكن تخيّل أنه نحو عام 1830 كانت الدراسات المقارنة المنشورة في فرنسا أكثر من عدد الطلاب الذين يعدون دبلوماً في الدراسات العليا في الأدب المقارن ضمن إطار الإجازة في الآداب. يشير فان تييغم في كتابه إلى أن " كل شيء جديد تقريباً "، وأن هذا الحقل " مازال يساء فهمه " وأنه " غير معروف "، بصورة جيدة، من قبل بعض الأشخاص المثقفين".‏

إن ما يثير الدهشة اليوم، الحظوة القليلة التي أعطاها فان تييغم لدراسة الموضوعات أو الموضوعاتية أو تاريخ الموضوعات.‏

يجب هنا رؤية آثار المناقشات التي دارت بين فرديناند برونتيير وغاستون باري، المتخصص في العصور الوسطى والممثل لنوع من المقارنة النابعة من دراسة الفلكلور والتقاليد الشعبية، وتحت هذا العنوان قام بدراسة الموضوعات والأساطير. يجب أن نذكر أيضاً أن بول هازار، أحد مؤسسي مجلة الأدب المقارن، نادراً ما قام بدراسات تهتم بالتأثيرات الأدبية، بل اهتمت " بالمادة أكثر من اهتمامها بالفكر والفن ".‏

وعليه فإن دراسات الموضوعات تشكل حالياً، دون مبالغة، الجزء الأكبر من مناهج الأدب المقارن، من ذلك مثلاً المناهج التي تصدر كل سنة لطلاب دبلوم الآداب الحديثة. تركز الاهتمام، عام 1931، على دراسة المصادر والتأثيرات وأخذت " النصيب الأكبر من الأعمال في الأدب المقارن " يجب قبول أن الأدب العام والمقارن ليس له اليوم القلب نفسه. مع المصادر التي تفسر كيف استطاع نص، أو بالأصح، مؤلف أن يستوحي من نصوص سابقة وأجنبية)، ومع التأثيرات التي تفسر كيف يتجه كاتب نحو نص أجنبي)، يدرس المقارن العلاقات بين سلسلتين من الواقع. إنه يبحث عن فهم هذه العلاقات، واكتشاف أسباب بعض التماثلات والتشابهات، ويستعين بكتاب مبتدئين أو من الدرجة الثانية، وسطاء) استطاعوا أن يؤدوا دوراً في نقل النصوص والأفكار ونشرها. وكان قد درس " الاستعارات " و " الديون "، معطياً حقاً هنا أيضاً لبول فاليري، الذي استخدم، ليس دون إثارة، مصطلحاً اقتصادياً في محاضرته عن الشعرية في " كوليج دوفرانس". استطاع " ببراعة " القيام ببحوث دقيقة قرائن، تشابهات، تقاربات ..) هناك اعتراف ذو دلالة لفان تييغم من أجل تحديد الطريقة المتبعة : " سيبقى هناك دائماً مكان للتنبؤ، والفطنة " تُسجّل المقارنية، إذن، بين البحث الصامت، والدؤوب، وبين المفاجأة الرائعة للقاء بين شرلوك هولمز والسريالية. يمكننا الابتسام أيضاً أمام اكتشاف هذه التأثيرات أو تلك، والتفكير بالتعريف غير المهذب) الذي أعطاه للمقارنية الناقد الموسيقي الأمريكي فيرجيل تومسون : إنها دراسة مثمرة مثلها في ذلك كمثل معرفة مَنْ أخذ الزكام مِن مَنْ، عندما يكون كل الناس موجودين ضمن مجرى هواء واحد. لنلاحظ بجدية أكثر، لاشيء يميز الأدب المقارن في مسعاه عن التاريخ الأدبي الأثير عند غوستاف لانسون أو عند دانييل مورنيه، ماعدا إيثار البعد الأجنبي .(6)‏

عام 1951، تحدث جان ماري كاريه أيضاً عن الأدب المقارن " كفرع من التاريخ الأدبي " يرتكز النشاط النوعي إذن على دراسة الآداب ضمن علاقاتها فيما بينها، خاصة الآداب الحديثة بدءاً من القرن السادس عشر، غالباً، وحتى القرن السابع عشر). تستخدم كلمة علاقات أكثر من استخدام كلمة مقارنة)، وتغيرت دراسة هذه العلاقات إلى إشكالية صيغت على الشكل التالي : إنها دراسة تعنى بحقيقة " أن شيئاً أدبياً نُقل خارج حدوده اللغوية ".‏

برز مفهوم " الحدود " بصورة عرضية، وأمكنه أن يبرر المقارنة التي جرت بين المقارن والجمركي الذي يراقب الواردات وطرق انتقال الأفكار والأشكال، والأجناس ... إلخ .. من أدب قومي إلى آخر.‏

كان الهدف النهائي للأدب المقارن، من وجهة نظر فان تييغم، هو إكمال مختلف التواريخ الأدبية وتوحيدها. ويضيف: " سينسج الأدب المقارن بين هذه التواريخ) وفوقها عقد تاريخ أدبي أكثر شمولاً ".‏

هكذا ظهرت طريقة في " الأدب العام "، تقوم على جمع مختلف التواريخ الأدبية، وعلى شكل من التركيب العُلوي فوق)، في الوقت نفسه.‏

ونكتشف مباشرة طبيعة هذا " الأدب العام " الأول، ومداه الغامضين. هل يتعلق الأمر بتركيب ممكن بين)، أو بمنظور قريب من" نظرية أدبية " فوق)، لم تهمل التاريخ؟ ليس من المؤكد أن هذه الأسئلة قد حلت جميعها .‏

- من الأدب المقارن إلى التاريخ الأدبي العام :‏

يوجد في الولايات المتحدة، منذ عام 1952، مجلة سنوية بعنوان الكتاب السنوي العام والأدب المقارن، حيث نُشِر على صفحاتها، في وقت مبكر، انتقادات للمقارنية الفرنسية. وتعود هذه الانتقادات بصورة أساسية، إلى رينيه ويلك الذي وضع، بالاشتراك مع أوستان وارن، تصوراً حول كتاب " نظرية الأدب " عام 1942.‏

أعيدت طباعة هذا الكتاب مرات عديدة، وتأخرت ترجمته إلى اللغة الفرنسية (7) أخذ رينيه ويلك على المقارنين الفرنسيين روحهم الوضعية وتصورهم التاريخي حصراً للأدب. استطاع مارسيل باتايون، الذي وقف طويلاً على رأس المقارنية الفرنسية، وصاحب الثقافة الإسبانية، ومؤلف الرسالة العظيمة إيرازم في إسبانيا)، إيقاف النزاع، بسرعة وذكاء، عبر إعلانه في المؤتمر الثاني للرابطة الدولية للأدب المقارن في شابيل هيل عام 1958، تعاطفه مع الاتجاهين اللذين " يدينان على بعضهما بعضاً بالإفلاس، عبر إرادتهما في التجاهل المتبادل). إن كتاب إيتامبل Comparaison n'est pas raison) غاليمار عام 1963)، يحمل عنواناً فرعياً معبراً هو أزمة الأدب المقارن). اتخذ مؤلف هذا الكتاب موقفاً صارماً ضد التاريخ الأدبي الذي يبدو شيئاً فشيئاً ناقصاً، ومن المفيد التذكير أنه في الحقبة نفسها فعل رولان بارت الشيء نفسه في كتابه عن راسين سوي، 1963). طالب إيتامبل، في هذه المقالة النقدية الروحية، بالتوسع اللغوي في الدراسات المقارنية المحصورة كثيراً ضمن الفضاء الأوربي الغربي. تبدو الروح المحرضة لإيتامبل صرخة في صحراء.‏

بتشجيع من فوشيه، أصبح الأدب المقارن، عام 1966، مادة إجبارية في السنتين الجامعيتين الأولى والثانية تحت اسم " تاريخ أدبي عام "، وأخذت هذه التسمية مباشرة من كتاب بول فان تييغم الذي أعيد طبعه عام 1951. كان الأمر يتعلق بتقديم مناهج أدبية وثقافية في الوقت نفسه إلى طلاب الآداب الحديثة، وهذه محددة إلى درجة كبيرة مثل " الرواية البيكارسكية في أوربا " مع مؤلفين مثل كيفيدو، وغريميل شوسين، ودوفو، وليزاج. كان يمكن أن تكون هذه التجمعات مفيدة لو أنها ضمت عناصر من الشعرية أو تأملات نظرية ضرورية ولكنها صعبة التقديم أحياناً إلى طلاب خرجوا حديثاً من التعليم الثانوي. نحن نعرف ماالذي جرى، بعد سنتين، للدراسات الأدبية وبعدها التاريخي. ولكن يجب التحديد أن هذا النموذج من المقرر، الذي يربط دراسة جنس مع دراسة موضوعاتية، يبقى الشكل المفضل لمسائل طلاب الأدب العام والمقارن حتى طلاب دبلوم الآداب الحديثة الذي تأسس عام 1960).‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 12:38 PM
- المقارنية والمقارنات :‏

صدر عام 1967، عن دار كولان كتاب الأدب المقارن) لكلودبيشوا وأندريه ميشيل روسو.‏

لن نستطيع بدأ التحدث بما فيه الكفاية عن إسهامات هذا الكتاب الكثيرة والمفيدة، وتظهر ترجماته إلى لغات أجنبية أنه لم يسد ثغرات في فرنسا فقط. استطاعت الطبعة الثانية عام 1983 أن تدهش حيث حدّثت البيبلوغرافيا، ولكن حُذفت بعض العنوانات ذات الصبغة شبه الرمزية مثل البنيوية الأدبية) أو فلسفة الأدب). ومن بين مزايا كتاب عام 1967، وصف المجالات المختلفة التي تشكل الأدب المقارن، مع الاحترام، قدر المستطاع، لنظام متوارث من كتاب فان تييغم، عبر إعطاء توثيق غزير ومتنوع، وتقديم عناصر معلوماتية وإشكالية، من أجل كل نشاط من البحث. يتضمن الكتاب خمسة فصول وهي :‏

1- الولادة والتطور‏

2- التبادلات الأدبية والعالمية معرفة اللغات، الرحالة، أدوات التبادل، الثروة، النجاح ،التأثيرات، المصادر، صور الشعوب ونفسياتها).‏

3- التاريخ الأدبي العام الأدب العام، الأدب العالمي، فلسفة الأدب).‏

4- تاريخ الأفكار.‏

5- البنيوية الأدبية الموضوعاتية، علم التشكل الأدبي، جمالية الترجمة، البنى الدائمة والتبدلات النوعية ).‏

ويقدم أيضاً موجزاً عن كل النشاطات المقارنية ضمن صيغة بسيطة هي Y,X)، واقترح تعريفاً لهذا الحقل، أخذه ثانية إيف شيفريل عام 1989 بصورة منتظمة ،ونأمل أن نقدمه ثانية.‏

- تعريف للأدب المقارن:‏

الأدب المقارن هو الفن المنهجي الذي يبحث في علاقات التشابه، والتقارب، والتأثير، وتقريب الأدب من مجالات التعبير والمعرفة الأخرى، أو أيضاً، الوقائع والنصوص الأدبية فيما بينها، المتباعدة في الزمان والمكان أو المتقاربة، شرط أن تعود إلى لغات أو ثقافات مختلفة، تشكل جزءاً من تراث واحد من أجل وصفها بصورة أفضل، وفهمها، وتذوقها. "‏

يحدد التعريف الأول للعمل المقارني، تقريب الأدب من مجالات التعبير والمعرفة الأخرى)، ما يريد عمله الأدب العام، مثلاً عندما يقرّب) نصاً أدبياً من اقتباس سينمائي أولوحة أو قطعة موسيقية، إو عندما يقارن) بين الأدب والتاريخ، والأدب والتحليل النفسي.‏

إن وجود الظرف بين) ذو دلالة، ويتبدى الأدب المقارن بالمعنى الدقيق لأن الأمر يتعلق بوقائع ونصوص فيما بينها) أخيراً، يسمح الانتساب إلى لغات عديدة أو) ثقافات مختلفة، وإمكانية التراث الواحد)، بإدخال التفكير المقارني ضمن مجموع متجانس يفترض هذا التفكير بصورة جيدة، بالاختلافات، والتغيرات، أو أيضاً، بالانحرافات التباينية) إذا أردنا محاكاة ليفي شتراوس.‏

وجد فعل التأمل العام تعبيره الكامل ضمن الصيغة YوXالتي تلخص كل النشاطات والبحوث المقارنية . يمكن أن يعني الحرفان قارة، أو حضارة، أو أمة، أو العمل الكامل لمؤلف، أو المؤلف نفسه الحالة الأكثر تواتراً)، أونصاً، أو مقطعاً، أوجملة، أو كلمة. أما بالنسبة للواو العاطفة، فإنه يمكنها هي أيضاً أن تتحول إلى عبارات أو صيغ :‏

" حُكم عليه من ...، نظر إليه من، تأثر بـ أو أثر في)، متجهاً، مقيماً في، مسافراً إلى، قارئاً، حالماً بـ، ترجم من، أديت من خلال، قُلدِت من، قُرأ من " ... ويمكن أن نضيف إليها : أمام، عند، في مواجهة، استقبل من.‏

- مقارنيات العالم قاطبة :‏

إن تعريف بيشو1- روسو وصيغتهما أوضحتا، خلال نحو نصف قرن، أعمالاً فرنسية أو أجنبية متأثرة إلى حد ما بالتراث الفرنسي. في العصر نفسه، قام الأدب المقارن، في أوربا الوسطى والشرقية، على مقارنات نموذجية وضع أسسها فيكتور زيرمونسكي أو جير مونسكي)، ومعهد الأدب العالمي معهد غوركي) (8) مع احترام البنى الفوقية حيث توجد الآداب بالنسبة للعبة البنى التحتية الاقتصادية، وفق النظرة الماركسية، تسعى النمّذجة إلى فرز التشابهات، والتماثلات الشكلية بين آداب لايوجد فيما بينها اتصالات مباشرة. هكذا، كانت مسألة التأثيرات المشهورة هي الأكثر انتقاصاً. نتج عن ذلك خصوصية تاريخية، وطنية أو فردية، للأعمال الأدبية، التي عكست كلمة أساسية) واقعاً اجتماعياً خاصاً، استطاع أن يتشكل عبر آلية الاستعارات الخارجية. يمكن لهذا المنهج التاريخي - المقارني أن يدّعي تحديد العلاقات بين التطور الأدبي، وشرطه الاجتماعي وسمات الآداب المختلفة التي كانت قد قورنت. في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، ميزفيرنركروس المنهج دون أن يطرحه ثانية للبحث . يُسجّل في هنغاريا تفكير مقارني كثيف بدءاً من سنوات الستينيات، واستمر بعد ذلك من خلال مجلة Neohelocon). ومما له دلالة أن هنغاريين استلما الرابطة الدولية للأدب المقارن بين عامي 1970-1985. الأول هواستفان سوتير الذي وضع منذ عام 1962 أساس تفكير مقارني يقترب من جمالية التلقي انظر الفصل الثالث) في الواقع، إنه دعم فكرة أن أي دراسة قد تظهر كيف أمكن لآداب معينة مثل الأدب الألماني والروسي والهنغاري أن تحتاج إلى عمل بيرون في العصور المختلفة، وكيف استطاعت تمثله، يمكنها أن توضح تطور هذه الآداب وبعض أوجه عمل بيرون التي يمكن أن تبقى خفية على مختص في الأدب الإنكليزي. وفي هنغاريا أيضاً أعيدت طباعة الأجزاء الأولى من " التاريخ المقارن لآداب اللغات الأوربية " من خلال اهتمامات أكاديمية العلوم في بودابست)، وهو مشروع للرابطة الدولية للأدب المقارن أعد بين عامي 1964-1967. في الوقت نفسه، يجب ألانهمل عمل المقارنين الرومانيين مثل بول كورنيا، وأليكسندر دوتو)، والدور الذي قامت به مجلة Synthesis). ولا يجب كذلك إهمال المكانة التي احتلها المقارنون اليوغسلاف .ففي عام 1967 عقد المؤتمر العالمي للرابطة الدولية للأدب المقارن في بلغراد ،وكانت أكثر جامعات يوغسلافيا تمتلك أقساماً نشيطة جداً للأدب المقارن، وحتى للنظرية الأدبية. وفي أمريكا الشمالية، وكندا، والولايات المتحدة، تطور تدريس الأدب العام والمقارن) بصورة سريعة. قدم فيرنر فريد يريش ودافيد هنري مالون بيبلوغرافيا حول مجموع العلاقات بين الآداب منذ القديم Outlin of comarative litetrature)(9) ، استطاعت أن تأخذ مكان أعمال بول فان تييغم القديمة مثل فهرس تأريخي للآداب الحديثة، دروز، 1935، والتاريخ الأدبي لأوربا وأمريكا من عصر النهضة إلى أيامنا الحاضرة، آ. كولان، 1941) يجب الإشارة إلى الدور المهم الذي قامت بعض المجلات مثل Yearbook) شابيل هيل، ثم جامعة أنديانا)، وقد أشارت مجلات مختلفة إلى هذا الدور، كما يجب الإشارة إلى فائدة بعض الكتب، انظر عناصر من البيبلوغرافيا) .‏

نذكر أسماء أ. أو. ألدريدج، وهنري ريماك، ويولريش فيستان، وآنا بالاكيان، وحديثاً أسماء إيارل مينر، وجيرالد جيليسبي ، وفي كندا ميلان ديميك، مؤسس المجلة الكندية للأدب المقارن مزدوجة اللغة)، وإيفا كوشنر جامعة فيكتوريا ).‏

شهدت اليابان، منذ عام 1948، تأسيس جمعية الأدب المقارن، وفي عام 1991، عقد في طوكيو المؤتمر الثالث عشر للرابطة الدولية للأدب المقارن. وفي عام 1961، صدر في جامعة جادافبور كالكوتا)، جورنال الأدب المقارن من قبل بودها ديغابوز تلميذ رابيند رانات طاغور.‏

وصدر عام 1964 الأدب المقارن) باللغة الإسبانية بفضل إليجاندرو سيورانيسكو جامعة لاغونا، تينيريف)، ولكن لم تظهر الجمعية الإسبانية للأدب المقارن إلا عام 1974، وكان يرأسها لفترة طويلة كلوديو غيلين، ابن الشاعر الكبير جورج غيلين ومؤلف أحد الكتب الثمينة.‏

إن تأسيس جمعيات المقارنين في البرازيل عام 1986، وفي الأرجنتين عام 1992، يبعث الأمل بتطورات كبيرة في مناطق دخلت فيها التأثيرات الأوربية بصورة كبيرة منذ القرن الأخير.‏

تضم الرابطة الدولية للأدب المقارن Ailc)، حالياً، نحو ثلاثة آلاف عضو من خمسين بلداً. إذا رجعنا إلى فرنسا، أصبح الأدب المقارن عاماً ومقارناً) عام 1973 وكرس هذا التغيير امتدادات نحو الفنون خاصة السينما)، ومرفقات الأدب، وبداية تفكير نظري. ولكن استطاع إيف شيفريل في كتابه كوسيج؟ ماذا أعرف) عام 1989، الحديث عن حقل معرفي مازال يافعاً، ومازال غير معروف بصورة جيدة، وصاحب دعوة عرضية، وليس له نظرية للمادة المدروسة) بالإضافة إلى ذلك، إنه يلاحظ أن المقارن يعتمد غالباً على العلوم الإنسانية، وهو يحكم على هذا الوضع بصورة إيجابية غالباً. ولكن ماريو - فرانسوا غويار الذي مهد للعمل، رأى في المقارنين جنساً غير محبوب) على الرغم من الواقع أو بسبب الواقع)، وأن إسهامات المقارنين ضرورية حتى بالنسبة إلى " مختص في أدب قومي ".‏

هكذا لم يتوقف المقارن، عن التساؤل حول حقله وحول ذاته. فهو مختص بالعام والاختلاف، وفقيه لغة متعدد اللغات، ويجب عليه دراسة مشاكل لغوية متعددة القوميات، والقيام بنشاطات بين علوم مختلفة، إنه مزيل للحدود، وهدام للحواجز، وباني جسور ،وقد سخر جوليان غراك (10) قديماً من هذه الأعمال، إذا اعتبرنا كل شيء، من الأفضل مقارنته بشخصيات الروائي التي نمتلكها، في العمل نفسه، مثل البطاقة الشخصية : الجنسية : حدودية )، الوضع العسكري : " حيادي "، الرياضات الممارسة : " حلم اليقظة، والسير في النوم "، الإقامة الثانية : " البحر والغابة "، يجب الإضافة إليها المهمة : " دون "، والنشاطات، " في إجازة " .‏

إن المقارن ضروري وغير معروف جيداً، وهو وعي بائس.‏

إنه يرى نفسه في الدعوات الجامعية، غالباً، مدعواً بائساً. أمام مثل هذه الملاحظات السلبية والكاشفة التي تعاد صياغتها بصورة دورية، ربما من المناسب التساؤل عن النشاط المقارني الأكثر وضوحاً، ومع ذلك الأكثر غموضاً : إنه المقارنة.‏

- تحليل ممارسة : المقارنة.‏

المقارنة ليست فعلاً مقتصراً على المقارنة الأدبية أوخاصاً بها.‏

يمكننا تعريفها بعبارات منطقية كفعل لتفكير فرضي - استنباطي يصدر عن استقراء ثم استنباط. ولكن هذا الحقل لايجيب أيضاً ببساطة على هذا المقترح.‏

- المناهج : يتضمن منهج الأدب العام والمقارن بصورة عامة، ثلاثة أو أربعة نصوص مجموعة تحت عنوان " قبعة " كما نقول غالباً).‏

رأينا سابقاً مثال الرواية البيكارسكية. سنرى في الفصل الأخير مناهج شهادة الأغريغاسيون) لعام 1993-1994، التي لاتختلف من حيث المبدأ والتركيب، عن المناهج التي يمكن أن تقدم من السنة الأولى حتى الإجازة .‏

- بعض الأمثلة : في النقد دانتي - الجحيم، سويفت - أوامر إلى الخدم، غوغول - الأرواح الميتة، ل. سياسيا، مشورة مصر)، وفي اليوتوبيا نبذة عن رابلي، وسرفانتس، وكامبانيلا، وسويفت)، الباروكية في المسرح كورنيه - الوهم المضحك، شكسبير - رؤيا ليلة صيفية، كالديرون - الحياة وهم)، وفي الرواية الترسلية أو عبر رسائل) ريشاردسون - باميلا أو كارليس هارلو، روسو - هيلواز الجديدة أو لا كلوس - العلاقات الخطرة، غوته - فيرتر أو هو لديرلان، هيبيريون، فاسكولو - الرسائل الأخيرة لجاكوبو أوريتس)، والبطل الرومانسي والثورة كليست - أمير هامبورغ، بايرون - Cain، شيلي - Les Cenci، موسيه - لورينزاكيو، بوشكين، بوريس غودونوف)، والمراهق في الرواية المعاصرة جوليس فالي، Le Bachelier، دوستوفسكي - المراهق، جيمس جويس - صورة الفنان الشاب، بافيز - الصيف الجميل - موزيل - اضطرابات التلميذ تورليس)، والقصة في القرن العشرين كامو، كافكا، سالنجر، بوزاتي، بورجيز)، والنقد السياسي والمسرح المعاصر بولغاكوف، إيفان فاسيليفيتش، أو مايكو فسكي، لابونيز، بريخت، أرتورووي، إيونيسكو، لورينو سيروس)، والمحكمة الشعبية في المسرح لوب دوفيغا FuenteovJune ، بوشنر - موت كانتون، أرماندغاتي - غناء شعبي أمام كرسيين كهربائيين)، والعرض الروائي للغيرة دوستوفسكي - الزوج الأبدي، بروست - حب سوان، سفيفو - سينيليتا)، والمدينة والرواية دوس باسوس - تهجير مانهاتان، دوبلان - بيرلان أليكسندر بلاتز، سيلين رحلة في آخر الليل)، والرمزية في الرواية جونجر - على شواطئ من المرمر، غراك - شاطئ سيرت، بوزاتي - صحراء التتر)، والشعر في الحرب إلوارد، شار، سيزار فاليجو، ميغل هيرنانديز، غوتفريدبن ).‏

* يمكن تمييز صنفين من المناهج :‏

1- المناهج التي يوضح عنوانها بطريقة واضحة، ظاهرياً، المقارنات المباشر فيها حيث يظهر هذا العنوان " أسطورة " قديمة أو حديثة مع ثلاثة أو أربعة نصوص توضحه، أو موضوعاً مثل "الطفولة، والغيرة، والحرب" ستكون النصوص كأمثلة موضحة له.‏

2- المناهج التي يشكل عنوانها، من البداية، إشكالية مثل الجنيس) الروائي .‏

وعليه ـ فإن العنوان، في الحالتين، يؤدي وظيفة الخيط الهادي في مختلف القراءات ضمن لعبة التشابهات والاختلافات. إنه الفرضية التي يقترحها المدرس، والتي تسمح بتقريب النصوص، وهو واضح في الحالة الأولى، وأقل وضوحاً في الحالة الثانية. يمكننا الرجوع إلى الفصلين الخامس والسادس من أجل أمثلة أخرى. العنوان المحتفظ به يخلق القراءات ويوجهها، ويبرر المقارنات.‏

يكون العنوان أحياناً كاشفاً بالنسبة لوجوه نص وعناصره والذي لم يكن قد احتفظ به لو لم يكن موضوع قراءة مفردة، إذا جازلنا القول، ووحيدة ،وغير مقارنة بغيرها من القراءات. هذا الدور المحرك للعنوان يوجد حتى في رسائل الأدب العام والمقارن : مادام العنوان لم يكن قد اختير، واختُبر بمساعدة مجموعة من النصوص، بوضوح) فإن البحث لايستطيع أن يصوغ فرضيات ستتحول إلى خطوط قوة للمخطط ،وكذلك الأمر بالنسبة إلى مخطط محاضرة.‏

- وصف ممارسة. لكي تصل المقارنة إلى نتيجة جيدة فإنها تتطلب :‏

1- عملاً تمهيدياً طويلاً من قبل الاستاذ) من أجل اختيار التجميع، واختيار الصيغة الدقيقة للعنوان، ومعرفة فائدة بعض المؤشرات، أو عدم فائدة بعضها الآخر، والاحتفاظ بنص أكثر غنى بالروايات المختلفة) من نص آخر .‏

2- عملاً مشتركاً بين الأستاذ والطلاب) للاستفادة من البيبلوغرافيا حول الموضوع المفتوح من خلال العنوان دراسات نقدية حول الرواية إذا كان الأمر يتعلق بالأجناس الروائية - إلخ )، واستشفاف كيف تستطيع هذه العناصر، الخارجية) عن النص، توضيح المنهج، مع الاحتفاظ بخصوصية القراءة لكل نص .‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 12:40 PM
3- إن قراءات مختلف النصوص المقارن فيما بينها مع الملاحظات النقدية المأخوذة بالاعتماد على البيبلوغرافيا، ستسهم في بلورة إشكالية الموضوع. إن هذه الإشكالية مرسومة من خلال العنوان، وتتغذى على القراءات الملحقة، ومتميزة، خاصة، عبر قراءات نصوص المنهج، وهي ما يمكن أن نسميه Tertium comparations في حالة المقارنة بين عنصرين نصين) تسمح مواجهتهما بإنتاج مصطلح ثالث tertium quid إن ذلك هو مادة الأدب المقارن نفسها، وهذا ما سيسمح بإعادة قراءة النصوص وربطها ثانية. إن إعادة القراءة والربط ممارستان تحددان معالجة منهج مقارني.‏

4- ينتج عن ذلك ما دعاه إيف شيفريل قراءات أخذ ورد) أو ما سماه فرنسيس كلودون قراءات جانبية. إنها هي التي تعطي صلاحية وميكانيكية للمقارنة، ولسلسلة المقارنات التي ستتطور من نص إلى آخر. والتي ستقدم أساس " تركيب " ومجموعة من الخطوط، والمحاور التي تسمح بالانتقال من نص إلى آخر، وستكون هذه المقارنة أكثر غنى وتنوعاً، وسيكون هناك تفكير نظري حول طبيعة النصوص تفكير شعري) ،وقراءات محددة، معددة القواسم المشتركة) بين النصوص، وأيضاً الاختلافات . ولهذا نستطيع الحديث عن تركيبين : محاضرات تمهيدية يقدمها الأستاذ) تحدد معالم الموضوع، والأرضية، وتقتفي أثر الخطوط الأولى من القراءة. ثم تشكل هذه القراءات المنفذة تركيباً جديداً. يمكن أن يبدو تعدد هذه الإجراءات عبثياً بالنسبة للذي يعتبر، ليس دون وجه حق، أنه مازال من الصعب القيام بقراءة تحليلية لنص واحد حالة الاختصاصيين بالآداب القومية). بدأنا ندرك الحدود الممكنة لمثل هذا العمل أواللانتقادات التي ليس من الصعب على أحد صياغتها.‏

1- إننا نرى جيداً المسار المزدوج للمقارنة : " بين " النصوص و" فوق " عبر إشكالية مسبقة من أجل ضرورات تعليمية). وأكثر أيضاً في حالة الدراسات التي تجري ضمن إطار الأدب الواحد، تطرح من الطلاب مسألة تواتر قراءة النصوص، قراءات متتابعة أوغالباً قراءات لمجموع المناهج في أبكر وقت ممكن .‏

2- هل يمكن إسقاط الدورة المثيرة عبر أدب أو آداب عديدة على عمل أو مشروع مستقلين؟ لايبدو أن الأمر مؤكد .‏

3- على المقارن أن يبرر العلاقات التي يقيمها، وتلاعبه، والتحولات التي طرأت على هذا الأدب الأجنبي أو ذاك، والقراءات الجديدة التي تستطيع أحياناً أن تكشف، عبر لعبة المقارنات)، وجوهاً مستحدثة مجهولة في بعض النصوص. ولكن التحليل الأدبي هنا ليس غاية كما في الدراسة التخصصية لنص)، إنه واسطة، وبالإضافة إلى ذلك، فإن المقارنة أساسه غير الكامل : يتوقف الأخذ والرد عند نهاية المحاضرة. إن من طبيعة العمل المقارني التسويغ من أجل أن يوجد. وغاية المقارن هي مشروعه الذي لاينتهي.‏

- مشاكل نظرية‏

إذا تتبعنا أعمال غي جوكوا، وبير سويجر (11) ، يبدو أنه يجب الحديث عن " إبعاد " هذا المفهوم مأخوذ من س. س. بيرس) أكثر من الحديث عن منهج فرضي استنباطي. نستطيع أن نعود إلى عرض كلودان تييرسلان المفيد (12)‏

يختلف الإبعاد عن الاستقراء : يدل الاستقراء على وجود ظواهر مثل التي لاحظناها في حالات مشابهة، في حين أن الإبعاد يفترض شيئاً آخر من عنصر مختلف عمّا لاحظناه مباشرة، والذي سيكون من المستحيل علينا ملاحظته مباشرة. في حالة الاستقراء، نختم أن الوقائع مثل تلك التي لاحظناها صحيحة عندما لاتكون قد اختبرت. في حالة الإبعاد، فإننا ننتقل من ملاحظة بعض الوقائع إلى افتراض مبدأ عام يفسر أن الوقائع هي مثلما هي، إذا كان صحيحاً. نختتم إذن بوجود شيء مختلف تماماً عن كل ما استطعنا ملاحظته تجريبياً. سيكون الاستقراء البرهان الذي ينطلق من الخصوصيات لينتهي إلى قوانين عامة، وسيكون الإبعاد البرهان الذي ينطلق من الأثر ليصل إلى سببه : الأول يصنّف والثاني يفسر.‏

يحتفظ بييرس بالإبعاد من أجل الصنف الواحد لبرهان قابل لإدخال أفكار جديدة)، وهو الوحيد التركيبي حقيقة. إن برهان الإبعاد له البنية التالية العمل الفجائي C ملاحظ، إذا كان A صحيحاً، C مسلم به، هناك إذن أسباب للشك في أن A صحيح )(13)‏

من المؤكد أننا نستطيع، تحت هذا الوجه المستنبط، تحديد عدد من الدراسات للصلات والعلاقات) المقارنية. صحيح أيضاً أنه إذا أردنا الانتقال إلى الانتقادات، فإن المقارنية تقدم، في مرحلتها الاستنتاجية، بعض الملاحظات غير المتجانسة. إنها تتلاءم مع تعدد المناهج والاستراتيجيات. تبقى مهمتها تشكيل علاقة بين اللغات) تستطيع المقارنية) من خلالها أن تحُدد كمسار للوصف. أول ضرورة وأول تحديد. بالإضافة إلى ذلك، العمل المقارني، ونتيجة المقارنة ليسا واضحين : إنهما يقومان على مجال التشابهات، التكافؤات، والانتسابات، والقرابات، إنهما يقومان باختصار على نظام النسبي والذي لايقوم على ما يمكن توضيحه .‏

إذا أدت المقارنة، حتى المنفذة بنجاح، إلى النسبي، ماذا يمكن أن يقال عمّا يتأرجح في مدى التجاور، أو الذي ينفتح على معرفة خصوصية كل نوع مقارن) النص الفرنسي يبقى فرنسياً، ويحتفظ الألماني بكل أصالته)؟ كلما أدى الربط إلى تدعيم التفرع الثنائي، والسمات التي لايمكن اختزالها، فإن الأدب يفقد هدفه : لم يخلق شيئاً جديداً انطلاقاً من التجميع الذي جرى، ولم يبن شيئاً بين) النصوص التي جمعت ولا فوقها.‏

- بعد جديد هو التناصية :‏

هناك نموذج من القراءة مورس كثيراً، كان قد شرح بإسهاب :‏

ليس من المؤكد أنه يمثل الإجراء الوحيد الممكن للمقارنة. إن دراسة الموضوعات والأساطير ستظهر لنا منهجاً) آخر عبر التراكب) سنعود إليه في الفصل الأخير انظر الفصلين الخامس والسادس).‏

يكفي في هذه المرحلة من التقديم لفت الانتباه إلى إمكانية أخرى ليست المقارنية) ولكن القراءة المقارنة) مع التصرف وفق مبدأ تبيان العلاقة) ،والصلة، والتبادل. ويبدو أنه من المقبول أننا لانستطيع القيام بدراسة في الأدب المقارن) انطلاقاً من التاريخ الأدبي) وحده، كما يذكر إيف شيفريل في نهاية الفصل الأول من كتابه كوسيج ؟). سنرى أننا نستطيع تمييز هذا التأكيد. ولكن من الممكن الشروع بتحليل وقراءة مقارنيين) انطلاقاً من نص واحد : تسمح التناصية) نظرياً بهذا المسعى.‏

سنذكر سريعاً أن المفهوم كان قد أدخل من قبل جوليا كريستيفا في كتابها سيميو طيقيا )(14) .إنها تأثرت بأعمال ميخائيل باختين حول الحوارية) والتعددية) في الرواية، التي عرضت في مجلة نقد) منذ نيسان عام 1967، عدد 239). بالإضافة إلى ذلك ،فإن الفكرة بسيطة، وهي تتقاطع مع ثانية مبدأ كل أدب مقارن) حقيقي قائم على حوار الثقافات) : كل نص يتشكل كفسيفساء من الاستشهادات)، وكل نص هو امتصاص) و تحويل) لنص أو لنصوص أخرى. من المهم الحديث إذن ليس عن بيشخصية - علاقة بين شخصين) وهذا مايمكن أن يرجعنا إلى الكاتب المتأثر بكاتب آخر)، ولكن عن تناصية). وكما قال أيضاً رولان بارت(15) ، فإن كل نص هو تناص) مصنوع من نصوص أخرى موجودة فيه بمستويات مختلفة. هذه العلاقة من الوجود المشترك بين نصين أو نصوص عديدة، تسمح بقراءة نص واحد، يمكننا هنا أيضاً تسميتها بالمختلفة.) يستطيع هذا النص وحده أن يقرأ كنص لاحق )(16) ، فإن كل نص هو تناص) مصنوع من نصوص أخرى موجودة فيه بمستويات متغيرة. هذه العلاقة من الوجود المشترك بين نصين و نصوص عديدة، تسمع بقراءة نص واحد، يمكننا، هنا أيضاً تسميتها بالمختلفة. يمكن أن يقرأ هذا النص لوحدهكنص) لاحق، بالمقارنة مع نص سابق) داخلي. سيكون على المقارن أن يأخذ ثانية دعابة التمثّل التي أطلقها فاليري، عبر مصطلحات جديدة، وأن يتبنى مبادئ تحليل جينيت للنماذج العامة للتناصية الجمعية، ولإعادة التوزيع الممكنة للنص السابق في النص اللاحق. ويستطيع هذا النص اللاحق بالنسبة إلى النص السابق الاحتفاظ به شاهد) أو إلغاءه مشكلة الأثر)، أو تعديله أو تحويله مشكلة المصادر القديمة) أو تطويره تفسير، توسيع). هكذا ترتسم مقاربات نقدية عديدة ممكنة للنص الأدبي. سيقدم التحليل الداخلي لنص واحد الإمكانية الأدنى، ولكنها ليست الأقل سهولة. ترسم التناصية والحوارية مجالات بحوث أقل إشكالية كثيراً من تجميع النصوص ضمن مناهج : يذوب التحليل المقارني مع قراءة النص واكتشاف بعض المواد، وبعض مبادئ إنتاجه. إذا أضفنا إلى هذه الحالة من الرمز القراءات الثنائية) التي تعتمد على نصين للمقارنة)، والمناهج القائمة على نصوص عديدة، والمنهج من خلال التركيب) الذي سيستحق في زمنه عرضاً مفصلاً، فإننا نكتشف إلى أي حد تخفي كلمة مقارنة) إمكانيات للقراءة. إن تنوع المقارنيات) لايبقى فقط بسبب اختلاف البلدان المقصودة، ولا بسبب تنوع القراءات الممكنة لنص أو مجموعة من النصوص. من الواضح أنه يوجد اختلافات حساسة في طريقة مواجهة طبيعة المقارنية) ورهاناتها.‏

- الحدود الأدبية والأدب العالمي :‏

كان مقبولاً في البداية أن يرتبط المقارن بدراسة كل ما ينتقل من أدب إلى آخر، ولكن الهدف النهائي للأدب المقارن هو البقاء فوق) الحدود، والطموح إلي أن يكون دراسة، وعلماً فوق قومي) بل للعالمية)، كما نستطيع أن نقرأ في بعض الكتب مثل كتب هوغو ديزرينك وكلوديوغيلين). تطرح هذه المفهومات مشكلة، خاصة إذا كان في الذهن توجه جديد اقترحه روبير اسكاربيت منذ عام 1956 في الندوة الأولى للجمعية الفرنسية للأدب المقارن في بوردو، ولم يفقد هذا التوجه شيئاً من راهنيته.‏

- مدح الاختلاف :‏

عرّف روبير إسكاربيت هذا الحقل كعلم الاختلاف)، قبل أن يدعو المجتمعين، وكأس نبيذ بوردو في اليد، إلى التذوق) و المقارنة). وإن لم يكن أكيداً أن In vino veritas)، فإن هناك مادة للتأمل في اتجاهين يبدوان متناقضين ومن المهم مقارنتهما.‏

وانبثقت فكرة العالمية وازدهرت عبر السلطة المدهشة لغوته.‏

في نهاية حياته، عرض غوته فكرة الأدب العالمي في أحاديثه مع إكرمان 31/1/1827). غالباً ما أعيد أخذ الكلمة، دون أن تترجم. ونحن نستشهد بها في سياقها. تأمل غوته في الشعر الذي أصبح شيئاً فشيئاً " تراثاً عاماً للإنسانية). واستطرد قائلاً : " ولكن إذا لم نرنُ نحن الألمان، بأبصارنا إلى ما وراء محيطنا الحالي، فإننا سنقع بسهولة ضمن الزهو المتعجرف، أحب أيضاً، أن استخبر عن الأمم الأجنبية وأنصح كل شخص أن يفعل مثل ذلك، من جهته. إن كلمة أدب قومي لا تعني شيئاً كبيراً اليوم، إننا نسير نحو عصر الأدب العالمي، ويجب على كل شخص أن يسهم في تسريع قدوم هذا العصر. ولكن مع تقدير كل ما يأتينا من الخارج، لايجب علينا أن نضع أنفسنا في مقطورته، ولا أن نأخذه نموذجاً [....] عندما نكون بحاجة إلى نموذج، علينا دائماً العودة إلى الإغريق القدماء، في الأعمال التي تقدم أجمل ما في الإنسان، لنتجاوز هذا الحماس الروحي الذي يتطلع إلى أدب عالمي يعتبر النموذج الإغريقي النموذج الوحيد المناسب : حركة فضولية شبه متناقضة بين ديناميكية إعلان نبيل وثبات مرجع جمالي وأخلاقي. لنلاحظ أولاً أن هذا المثال وضع بين معترضتين من خلال حركة فكرية ترتبط باللحظة الحاضرة والمشاكل الحالية للإبداع الشعري : ضرورة الانفتاح على الخارج، مع العودة الدائمة إلى النموذج القديم.‏

يبدو من الصعب جعل ما كان حركة كريمة ومثالية لفكر غوته موضوعاً أوهدفاً للدراسات المقارنة، حتى وإن أريد أن يكون هذا الأدب العالمي جمهورية عالمية للأدب، أو بانتيونا (17) أدبياً، أوقائمة " للكتب الرائجة " المتوجة عالمياً، أو للأعمال الخالدة للإنسانية. سيذكرنا هذا الكم الهائل من الآداب، بصورة إجبارية، بالحضارة العالمية التي قدمها كلودليفي شتراوس في كتابه " أصل وتاريخ"، والذي يعدها " شكلاً مفرّغاً "، وأوحت له بالفكرة التالية : لايمكن أن تكون الحضارة العالمية شيئاً آخر غير التحالف على المستوى العالمي لثقافات تحتفظ كل منها بأصالتها. " تتقاطع هذا الملاحظة النبيلة مع ملاحظة سريعة لبيدرو هنريكيز يورينا رائد المقارنية الأمريكية - اللاتينية مأخوذة من محاضرة عام 1921: " الشيء المثالي في الحضارة ليس التوحيد الكامل لكل الناس ولكل البلدان، ولكن الاحتفاظ بالاختلاف كله ضمن مجموع منسجم " يجب أن نحدد أن دراسة الاختلافات لاتنفي أبداً، في أفق البحث أوالتأمل، إمكانية تسجيل الهدف النبيل لغوته، أوغالباً السعي إلى نوع من العالمية. ولكن يبدو من المفيد التذكير بأن المقارن يعمل بين) مثلما يعلم فوق)، وفائدة Supra ـ فوق) مثل فائدة Inter - بين) أوالتداخل كما نقول الآن. بصورة موازية لغوته. أيضاً، يمكن للمقارن أن يعثر على نموذجه عند هرمس (18) ، الوسيط والمفسر المنهجي، مثلما فعل ميشيل سير (19) : " يجب أن نتصور أو نتخيل كيف طار هرمس وانتقل، عندما نقل الرسائل التي كلفته الآلهة بنقلها، أو كيف تسافر الملائكة. ومن أجل هذا، وصف الفضاءات الموجودة بين أشياء معروفة سابقاً، فضاءات متداخله، وفق عنوان هرمس الثاني. هذا الإله أوهذه الملائكة تعبر إلى الزمن المنطوي، حيث ملايين الاتصالات. بدت لي كلمة Entre) وتبدو لي دائماً ظرفاً له أهمية رئيسية.‏

- حركتان من الفكر: بين وفوق :‏

أسس كلوديو غيلين في كتابه ذي العنوان الجميل بين المفرد والمتعدد) لنوع من استمرارية الفكر بين " العالمية " و " النظرية الأدبية ". ويستعرض ثلاثة نماذج) من الدراسة التي تنهض على إشكاليه عالمية) ويبدأ بمواجهة ظواهر أو مجموعات " تفترض علاقة وراثية "، أي تظاهرات أدبية تتجاوز الحدود الموجودة) مثل الرواية البيكارسكية التي استطاعت أن تعرف أشكالاً شبيهة بالأشكال التي بدأت بالولادة في إسبانيا.‏

تقوم الدراسة على نوع من التاريخ الأدبي العام)، وتعتمد على تحليلات نصية، وقراءات شعرية مقارنة يمكنها أن تكشف عن تشابهات شكلية على حساب بعض الإسقاطات أو التصميمات. بعد ذلك، ينتقل إلى ظواهر ذات تطورات مستقلة وراثياً) تعود إلى حضارات مختلفة ولكنها تفرض ضرورات اجتماعية تاريخية عامة مثل الرواية الغربية في القرن الثامن عشر، وفي اليابان في القرن السابع عشر). أخيراً، يشير إلى ظواهر مستقلة وراثياً) تشكل مجموعات عالمية) تتوافق مع مبادئ ومقترحات مشتقة من نظرية الأدب). يتعلق الأمر بطريقة مفضلة لدراسة العلاقات الأدبية بين الشرق والغرب، علاقات ليست من الواقع) لأنه لم يكن هناك تبادلات) و انتقالات) ، ولكن يمكن أن تعد نوعاُ من الموازنة) بين مجموعات مختلفة ومتشابهة في الوقت نفسه نصوص - أجناس - أشكال ... إلخ). تذكّر هذه الفئة الأخيرة بالأعمال التي طالب بها إيتامبل لإخراج المقارن من أمثلته الأوربية، وتوجيهه نحو دراسات في الشعرية المقارنة‏

- تصور عام :الثوابت :‏

قدم إيتامبل، منذ عام 1957، فرضية للبحث تحت عنوان الثوابت )، وذلك في محاضرته الافتتاحية في السوربون، وأعيد طرحها في السنة التالية في كتابه Hygiéne des lettres ـ غاليمار) أصبحت هذه الفرضية نقطة انطلاق لما سيصبح نظرية تحت قلم أفضل تلاميذه مثل الروماني أدريان مارينو(20) : هذا ما يجب تسميته مداعبة. ملأ إيتامبل محاضرته حول ما قبل الرومانسية في أوربا في نهاية القرن الثامن عشر) بشواهد مستعارة من شعراء صينيين بين عصر ما قبل المسيح وعصر سونغ، بدلاً من استعراض موضوعات مثل الطبيعة، منظر حالة الروح، الهوى، القدر، الحساسية، الزمن الذي يمضي، الدمار).‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 12:42 PM
ويختتم كتابه Comparaison n'est pas raison) بقوله : إذا استطعت أن أضيء كل موضوعات ما قبل الرومانسية الأوربية في القرن الثامن عشر عبر شواهد مستعارة من الشعر الصيني قبل المسيحية والقرون الاثني عشر من العصر المسيحي، فذلك بوضوح لأنه يوجد أشكال، وأجناس، وثوابت، باختصار لأن الإنسان موجود وكذلك الأدب " من المؤكد أن التاريخ الأدبي وعلاقات الواقع) المشهورة كانت قد أفسدت من خلال هذا الهجوم المخاتل). مع ذلك، نستطع، ويجب علينا مناقشة المنهج) والبقاء متحفظين عندما يعرض أدريان مارينو، من خلال تقديمه الثوابت (21) التوقف الذاتي الحديث) من أجل دمجه في الرحلات ومناهج الرحلة لجيل بلاس) أو الأخلاق الخلاعية) إلى حد ما، في القرن الثامن عشر، مثل تناسخ) La dolce vita) يمكن أن يكون هناك ما يزعج بين هذه الاستبصارات المثيرة، وبين ما سيقدم لاحقاً، ضمن عمل نظري ضخم كانعكاس لوجهة نظر تتجه ليس فقط نحو الخاص والفردي، بل نحو العام والعالمي). يمكن أن يكون مفيداً، في أوج تأريخية منتصرة، البحث عن تشابهات مستقلة لاتصالات مباشرة) علاقات الواقع). ولكن الثابت عنصر عالمي ومشترك للأدب أو للفكر الأدبي) لايخرج مسوغاً من هذه المقارنات التي ليست .... سبباً. جمعت العناصر التي اعتمدت عليها المقارنة هنا، من خلال إرادة الباحث وحدها. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأمر لايتعلق بمقارنات بمقدار ما يتعلق بتكرارات وبالدورة الأدبية الخالدة). لن يكون هناك إذن ثوابت، دون الظهور ثانية ضمن سياقات مختلفة أي عناصر متغيره) وعليه، فإن هذه الظهورات أوالثوابت عزلت باسم المصادفات، والتطابقات في الزمن والمكان، والتشابهات التي ستكون بمقدار المعطيات الإشكالية عندما يتعلق الأمر بوضعها، وتقديم تحليل شعري للسمات الشكلية أو المواد. على فرض أن الأشكال المدروسة هي نفسها من وجهة نظر الباحث)، فإنها كذلك، تتوجه إلى جماهير مختلفة، وتتطور ضمن ثقافات، ومنظومات أدبية مختلفة :‏

من الصعب القبول أن شكلاً ملحمياً أو ما يحتفظ به الباحث الأوربي كماهو) يمكنه أن يمتلك الوظيفة نفسها عندما يُمارس أيضاً في أفريقيا أويُقرأ في أوربا، سواء تعلق الأمر بالإلياذة أم بهنرياد. نجد مشكلة قديمة، إلى حدما، موضحة من خلال مثال مادي. يمكننا القبول بأنه يوجد بعض التشابه بين عجلة عربة رومانية وبين عجلة سيارة، ولكن من الصعب مقارنتهما، إلا بقولنا إنهما يخدمان للسير. أليس الأمر نفسه أيضاً السير على طريق روماني أوالسير على طريق باتجاهين. نستشهد بمصادر) هذه الملاحظة تُجبرنا المقارنية على ذلك): "منذ الأزمنة القديمة، ابتكرت السيارة على موضوع واحد : محاور، وعجلات، وقاعدة. مع ذلك فإن عربة النبيل الروماني هي أيضاً كيفت لتلائم أذواقه وحاجاته مثل عربة الكونت أورلوف [....] من المؤكد أن السيارة نتاج التقنية الجديدة، تمثل من الآن فصاعداً الموضوع نفسه : أربع عجلات موضوعة على محورين. ومع ذلك، فإنه في كل مرة، يبتعد حصان فلاح عن طريق في روسيا، في الليل، مذعوراً من الأضواء العالية لسيارة، فإن هذه الحادثة تعكس النزاع بين ثقافتين).‏

يناقش ليون تروتسكي هنا مواقف الشكلاني فيكتور شكلوفسكي(22) وإن درس المقارنية نزاع بين ثقافتين) وحتى النظرية الأدبية غني وكامل : الثابت من العجلة يخدم بصورة مختلفة ضمن سياقات مختلفة.‏

- حدود لسانية، وثقافية وأدبية:‏

يجعل الأدب العام والمقارن، المتنبه إلى البعد الأجنبي من الحدود أحد موضوعات دراسته وتفكيره .‏

مما لاشك فيه أن حقيقة مفهوم الأدب القومي) أكبر من حقيقة مفهوم الأدب العالمي). مع ذلك يجب ملاحظة أن البعد القومي يبقى إشكالية، ومرفوضاً في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.‏

بصورة عامة، تقود المعطيات اللغوية، والتاريخية، والثقافية إلى إعادة فحص فضاءات تعد متجانسة وموحدة : نظام سياسي دولة)، حقيقة تاريخية، وسياسية، واجتماعية، وأخلاقية، أمة) وحقيقة لغوية وثقافية أدب)، ليست متماثلة ولا متطابقة.‏

- مقارنية داخلية ):‏

سيكون من المناسب التفكير بمفهوم المقارنية الداخلية) أوأيضاً العالمية)، أو، في حالات مثل فرنسا الإقليمية). أشار بازيل مونتينو إلى فائدتها منذ المؤتمر الأول للجمعية الفرنسية للأدب المقارن الذي عقد في مدينة بوردو(23) وقدم مثالاً هو راسين الذي درسه الرومانسيون الفرنسيون، وماريغو الذي اهتم به أنويله، أو شعر ميسترال ضمن المجموع الفرنسي.‏

ولقد أوحى هذا بموضوعات مهمة قبل سنوات قليلة من أعمال روبير لافون، المختص في الثقافات الأوكسيتانية)، القائمة على مقارنيات إقليمية، قورنت جوسلين لامارتين مع ميري ميسترال ).‏

ليس لهذه المقارنات، حتى الآن، وضع محدد في الحقل المقارني الذي يمكنه أن يكون موضوعاً لإعادة الانقطاعات اللغوية والثقافية. مع مثل هذه الأمثلة، ربما ستظهر تباشير أدب عام ومقارن) مشترك بين الناطقين بالفرنسية والمقارنين، يكون حقلاً شائعاً من البحوث، يمثل أرضية لقاء أكثر من كونه مسيرة متنازع عليها. تجد هذه المقارنية الداخلية) اليوم، مدافعين آخرين، مثل المقارن الأرجنتيني نيكولا دورنهيم ميندوزا) الذي يشير إلى أهمية مقارنية صادقة ذات بعد قومي، بالنسبة للقارة الأمريكية .(24) من خلال آثار التهجين الثقافي حيث الثقافات التقليدية في البرازيل، أوالتأثيرات الأجنبية في البرازيل والأرجنتين ،يمكن أن نعد هذين البلدين حقلين أصيلين للدراسات والبحوث. الأمر لايتعلق هنا بتفسير هذه المقارنية بالاعتماد على مساحة البلد المقصود. يمكن لفضاء جزيري مثل بورتوريكو التي عرفت أيضاً ثقافة أمريكا الشمالية) أن يبرر المقاربة نفسها، إذا كان في ذاكرتنا التعريف المجازي الذي أعطاه عنها جوزي - لويس دومينغر : بلد بأربعة طوابق).‏

- من المحلي إلى العالمي :‏

هكذا يمكن أن تتشكل مقارنيات جديدة أو مستويات جديدة من دراسة الأدب المقارن، من المستوى المحلي، أي من مستوى التقاليد المحلية، الشفهية، واللغات المحلية بالنسبة لقارة مثل إفريقيا، أو بصورة أقل شبه القارة الأمريكية )، إلى المستوى القاري، بل إلى المستوى العالمي، مروراً بالمستوى القومي، وشكك بهذه المقارنيات بقوة منذ القرن التاسع عشر في أمريكا في حالة التغيرات الحدودية، وحقيقة المناطق الثقافية، أو مراكز مدنية حضرية) معزولة عن الأماكن الريفية)، وكذلك الأمر في إفريقيا حيث الشعور الوطني) شعور الأمة الكبيرة) يثير إشكالية.‏

هكذا ترتسم أبعاد جديدة دولية) وبالتأكيد ،عالمية أقوى من الأبعاد التي هي ثمرة صياغات مجردة أونظرية. من أجل تعريف مجال هذه المقارنية الجديد'، سنجد الصيغة الواضحة عند الكاتب البرتغالي ميغيل تورغا : العالمي هو المحلي دون حدود).‏

هناك حدود أخرى ترتسم في الوقت نفسه، داخلية بالنسبة لفضاء يسمى قومي) في بعض الحالات، وهو في حالات أخرى خيالي أويعاد تشكليه : مثل الأدب الذي يسمى أدباً قارياً أدب أمريكا اللاتينية)، أدب العالم الثالث، الأدب العالمي، دون إهمال المجموعات ذات اللغة الواحدة ظاهرياً مثل الفرانكوفونية، والإسبافونية، واللوزفونية ....إلخ) التي تقدم، في الواقع، تواريخ مختلفة، وأسساً ثقافية مختلفة. أخيراً، دون التلاعب بالكلمات، إن الحدود نفسها للنص الأدبي هي التي يمكن أن تدرس مفهوم مرفقات النص مثلاً، المهم بالنسبة لاستقبال العمل)، أو كما رأينا مع التناصية، مقارنية أخرى داخلية بالنسبة للنص. لايستطيع الأدب العام والمقارن حصر نفسه ضمن مقاربات أوألعاب مع أو دون حدود. لقد تحدد، منذ بداية القرن، عبر مجموعة من الأبحاث النوعية، بدءاً من الدراسات التقليدية للعلاقات الأدبية الدولية حتى مسائل الشعرية المقارنة. إنه يسعى أيضاً إلى الوصول، بحذر، إلى تصورات نظرية.‏

- من المقارنة إلى النظرية :‏

اقترح بيير برونيل في افتتاحية كتابه الوجيز في الأدب المقارن) (25) ثلاثة قوانين) يمكن أن تحدد نوعاً من المنهج المقارني.‏

1- قانون الانبثاق :‏

انتباه المقارن المتيقظ) لظهور كلمة أجنبية، والحضور الأدبي أوالفني لعنصر أسطوري ، ووجود إشارات واضحة أوغير واضحة، ومثل ذلك من نقاط الانطلاق بالنسبة لبحوث مختلفة تبدأ من الصورة الذهنية إلى الموضوعاتية وانتهاءً بدراسة الأساطير.‏

2- قانون المرونة :‏

يتعلق الأمر بليونة العنصر الأجنبي ومقاومته ضمن النص)‏

وهو قابل للتكيف ومقاوم في الوقت نفسه، إنه قابل لكل أشكال التغيير بحسب بارت كل نص هو نسيج جديد من الاستشهادات الكاملة )(26) يوجه بيير برونيل الباحث نحو دراسات التناصية حيث من المهم متابعة نماذج اندماج عنصر نصي ضمن نص جديد وفي سياق جديد.‏

3- قانون الاشعاع .‏

يمكن أن يُعد العنصر الأجنبي ضمن نص نقطة إشعاع، واضح حيناً مثل العبارات التوجيهية، وخفي وغير واضح حيناً أخر، ويكشف مثلاً خلفية نصية لايمكن دراستها إلا من خلال العودة إلى عنصر أجنبي، دون نسيان أن الاستعارة يمكنها دائماً أن تشكل خطراً أو تقلل من أصالة نص معين.‏

إن هذه المقترحات قابلة لأن توجه إلى عدد من الدراسات المقارنية.‏

بالوصول إلى تصورات عامة، يكمل الأدب العام والمقارن مسيرة مهمة : ولأنه جزء من الدراسة التاريخية، فإنه يمر عبر التحليل الشعري وينفتح على التأمل النظري. هنا يمكننا التذكير بأن رولان بارت قدم ثلاث قدَرات) للأدب في كتابه درس)(27) ، سماها Malhesis ,nimesiset semiosis، ولهذه المفهومات علاقة بالطريق الذي عبد. نحن نفهم أن الأمر لايتعلق بحالات متتابعة يمكن أن ترجع إلى ما لانعرف من تقدم المعارف، ويمكننا أن نجد مثالاً عنها في الحماسة الخطاب الافتتاحي) للموسوعة، حيث يميز أليمبير، من خلال عرض مشوار الروح الإنسانية، المعرفة أولاً ثم علوم الآداب، وأخيراً الفلسفة. يتعلق الأمر غالباً بتفكير محدد لمراحل البحث وأطواره.‏

- حقل متجدد الأشكال :‏

لايوجد مقارنية أدبية واحدة : هناك مقارنات بعدد البلدان التي تأصلت فيها. في الواقع، عندما لايستطيع الأدب العام والمقارن أن ينقطع بصورة كاملة عن دراسة أدبية يمارسها مختصون في الآداب المسماة قومية، فمن الطبيعي أن يختلف تطور هذا الحقل في فرنسا عن التطور الذي شهده بلد آخر حيث تكون دراسات الأدب القومي) في وضع مختلف. بسبب نقاط الانطلاق المختلفة هذه، والمسارات المختلفة، لايستطيع الأدب العام والمقارن أن يمتلك وجهاً متسقاً، ولا ممارسات متماثلة بين بلد وآخر، على الرغم من الاشتراك النسبي في الاهتمامات. إنه أفضل توضيح لإشكاليته الخاصة. يعد الأدب العام والمقارن المتعدد الأشكال بسبب طبيعته وتطوره، وتسمياته المتتابعة والمختلفة، يوتوبيا منهجية حقيقية. إن الأدب العام والمقارن، الذي طرح إشكالية هي إشكالية Tertium Comparationis التي لاتنتمي إلى أيٍ من النصوص المدروسة، والتي مع ذلك تقيم علاقات، مع كل واحد منها، يشبه هذه اليوتوبيا التي عرّفها السيميولوجي لويس ماران باللاتينية المحايدة Lene - uter)، لامؤنثة ولا مذكرة، ومختلطة(28) إنه يقوم على تلاقي مجموعات لكل منها خصوصيتها، ويتغذى من التداخلات والتلاقيات، والتقابلات، والتبادلات. ومع ذلك، إن لهذا الحقل أرضية) تظهر خريطتها وبيانها ضمن فهرس موضوعات هذا الكتاب.‏

(1) مجلة العالمين، المجلد الأول، الجزء التاسع، 1868‏

(2) يرمز إليها بـ / 1921 p.l.c.‏

(3) De institutione oratoria , x, 1‏

(4) Dell ' origine , progressie stato attuale d' ogni letteratura , 1782-1799)‏

(5) انظر ميشيل إسبان، النموذج الأجنبي، مقاعد الأجنبي في القرن التاسع عشر، لوسيرف، 1993.‏

(6) انظر انطوان كومبانون، الجمهورية الثلاثية للآداب، سوي، 1983.‏

(7) تُرجم تحت عنوان نظرية أدبية، سوي، سلسلة الشعرية، 1971‏

(8) انظر، الاتجاهات الأدبية العالمية بوصفها ظواهر عالمية " لفيكتور جيرمونسكي، أعمال المؤتمر الخامس للرابطة الدولية للأدب المقارن، 1967، بلغراد، 1969).‏

(9) شابيل هيل، 1954‏

(10) Lettrimes? - كورتي، 1967‏

(11) المقارنية أمام المرآة، لوفان لانوف، 1991‏

(12) س .س بييرس والبراغماتية، P.u.f? فلسفات، 1993‏

(13) كلودان تييرسلان، OP.CIT ص 96‏

(14) سوي، 1969‏

(15) نظرية النص، في الموسوعة العالمية، يونيفيرساليس‏

(16) وفق تعبير جيرار جينيت، الطروس ورق ممسوح ثم مكتوب عليه ثانية)، سوي 1982.‏

(17) البانتيون : مجمع الأرباب عند القدماء‏

(18) هرمس : رسول الآلهة عند الإغريق وإله التجارة والطرق والمكر.‏

(19) انظر، إضاءات، شامب، فلاماريون، ص 99.‏

(20) إيتامبل أو المقارنية المكافحة، غاليمار، 1982، والمقارنية ونظرية الأدب، P.U.F. ، 1988‏

(21) اسطورة إيتامبل، ديدييه، 1979‏

(22) أدب وثورة، 1/18، ص 201‏

(23) الأدب العام، وتاريخ الأفكار، ديدييه، 1956، ص22.‏

(24) R.L. C 1992/1، عدد خاص عن أمريكا اللاتينية والمقارنية الأدبية.‏

(25) P.U.F، 1989‏

(26) انظر نظرية النص‏

(27) سوي، 1977‏

(28) يوتوبيا، ألعاب فضاءات، مينوي، 1973‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 12:46 PM
-2- الاتصالات والتبادلات




مع بداية كل تساؤل مقارني، يوجه اهتمام خاص نحو الخارج، ونحو معرفة الثقافات الأجنبية، والاتصالات واللقاءات، والعلاقات بين الكتّاب، والتداخل بين الثقافات، وكتابة الاكتشافات المشتركة .‏

أطلق بول فان تييغم على هذا النوع من البحث اسم Mesolgie )(1) Mesos، الذي يبقى في الوسط). لم تلق الكلمة رواجاً كبيراً، وانتقدت دراسات الوسطاء) بسبب دعوتها إلى التعمق. وكان بول فان تييغم أول من سخر من حقيقة أنها تطلبت صبراً ونظاماً أكثر مما تطلبته من العبقرية ). لهذا، تبدو، للوهلة الأولى، أنها لاتخضع في قسم كبير منها للدراسة الأدبية تحديداً.‏

- الأدب المقارن والتاريخ الثقافي .‏

المقصود هنا إعادة بناء جو من التفكير، والرأي في مواجهة العالم الأجنبي، ودور الأجانب في تكوين هذا الرأي، وتقويم فائدة المحادثات، والكلام المتبادل، والصداقات بين الأدباء، والكتّاب الذين يفضلون المعرفة المتبادلة للثقافات. بذلك، يمكن إعادة تشكيل حياة الأمريكيين في باريس فيما بين الحربين العالميتين، من خلال التنقيب عن علاقاتهم، وصداقاتهم، والدور الذي أدته مكتبة أدريان مونييه) في شارع أوديون)، أو مكتبة سيلفيا بيش شكسبير وجماعته) في شارع الأرصفة. يمكن أيضاً أن نقرأ الصورة التي أعطاها عنهم همنغواي في باريس حفلة)، مع عدم نسيان البعد الأدبي للشهادة .(2)‏

تهتم بعض الدراسات عن الوسطاء بإعادة بعث كتّاب مبتدئين، وتضحي بالسيرة العقلية، وتقع بذلك في دراسة أحادية الجانب تجد المقارنية مكانها فيها بصعوبة أوبصورة عرضية. إن اختبار العالم الخارجي هوالموضوع المقارن. والفعل التوسطي) لكاتب وإن يكن من الطبقة الثانية). وما يجب شرحه أحياناً، ودون أي تناقض، هوغياب الاتصالات، وسوء التفاهم، والجهل.‏

يمكن لدراسة اللقاءات والاتصالات أن تفيد تاريخ الأفكار، والطباع، ولكن ليس تاريخ أشكال الأدب، وأجناسه، والمقاربة الشعرية له , إن لقاء أندريه بريتون، و إيميه سيزير عام 1941 في فوردوفرانس، مثلما رواه الأول في سحر مارتينيكي للثعابين) بعيد عن أن يكون للتندر، بل يخص التاريخ السياسي، والإيديولوجي، وتاريخ الحركة السوريالية ضمن امتداداتها في جزر الكارييب وأمريكا.‏

ولكن يجب أخذ النص المقبوس كنوع من وصف رحلة غريبة، وليس كوثيقة في المعنى الضيق للكلمة. يختفي تاريخ الاتصالات ليحل محله تسجيل رحلة، ولقاء، واكتشاف من قبل شاعر فرنسي لفضاء فرنسي)، ومع ذلك غريب بصورة عميقة : وهذا مثال جيد عن مقارنيه داخلية). تتحول معرفة العالم الأجنبي إلى كتابة، وتقديم فضاء، وثقافة غريبين. ليس هناك أدنى شك في أن أندريه بريتون كان أيضاً وسيطاً بالنسبة لسيزير وبالعكس، إذا تذكرنا اكتشاف مجلةTropiqnes، أو الرحلة حتى شق أبسالون، على بعد كيلومترات قليلة من فوردو فرانس !)‏

ولكن لايمكن إهمال هذا المستوى البيوغرافي، الطارئ على تحليل التأثيرات)، على الرغم من الإشارات الواضحة على الكتابة السوريالية عند الشاعر المارتينيكي.‏

لايمكن لعملية التوسيط أن تعني التأثير : يبدو أن الخلط حدث في الماضي بسبب التصور الميكانيكي للتبادلات. ما الذي يمكن إنقاذه أوالمحافظة عليه من التساؤلات التي تبقى، مع ذلك، أساس الدراسات المقارنة؟ ضمن نظام من الأدبية المتنامية، يمكن أن نميز المناطق، ، والمراكز، وأنصار الأممية، مثل المجلات أوالوسطاء، والحالة الخاصة التي يمثلها الرحالة، وأدب الرحلات.‏

- المناطق والمراكز.‏

يجب أن يفهم من المنطقة) فضاءات تستطيع أن تضم أراضيَ عديدة ويمكن أن تشكل جزءاً من دول مختلفة. حددت السياسة الحدود، ولكن الوقائع الجغرافية، والثقافية تعطي للمنطقة نوعاً من الوحدة.‏

مع ذلك، من المناسب أخذ مقياس معين، في الحسبان، ووعي الأبعاد والحدود التي تفرضها المنطقة. وفي خلاف ذلك، يمكن وصف الأمبراطورية النمساوية - الهنغارية القديمة على هذه الحال، وكذلك La Mittel Europa كلها، أو أيضاً حوض الدانوب الذي سار معه كلوديوماغريس، واقتفى أثر مجراه، مازجاً بين الحلم والمعرفة. دانوب غاليمار، 1986 ).‏

يمكن لبلاد الهند أو Patagonie أن تشكل بالنسبة للفنان، والكاتب، والشاعر، والرحالة فضاءات غنية بإمكانيات الكتابة، ولكنها لايمكن أن تكون مناطق تبادلات أدبية، بالمعنى المقارني للتعبير. في المقابل، إن منطقة Rio de la plata التي تضم قسماً من محيط بوينيس أيريس، والواجهة البحرية للأرغواي، وقسماً من البارغواي، تشكل منطقة غنية للاتصالات، والتبادلات بين تقاليد وطنية متنوعة، خاصة بين هذا القسم من أمريكا وأروبا: اختلاط الشعوب، الوجود النشط في بوينيس أيريس لجاليات إيطالية، وسلافية، وألمانية، دون نسيان الجالية اليهودية. هذه الحقائق الثقافية تؤثر في الإبداع الأدبي، وفي الحياة العقلية، وهي تفسر نشاط الطباعة، وغنى بعض المجلات، ووجود تقاليد فنية غربية، وآداب أصيلة، هُجنت بطريقة مناسبة مثل هذا المسرح في اللغة الإيطالية - الإسبانية Le cocolich). يمكن للمنطقة الأدبية أن تشمل تقريباً دولة صغيرة بكاملها تكون مركزاً نشيطاً للتبادلات مثل هولندا في القرنين السابع عشر والثامن عشر مع وجود لاجئين يهود، وبروتستانت، وصحفيين، وباحثين، وبوجود نشاط مطبعي موروث فعال جداً.‏

يمكن أن نستشهد هنا أيضاً بسويسرا، أو ببعض المناطق المدنية مثل جنيف، وبال أوزيوريخ. يمكن أن تقتصر المنطقة على إقليم حدودي أو ثغر) مثل الألزاس (3) ،أو تخوم) مثل Trieste) ملتقى ثلاثة تقاليد أدبية، إيطالية، وألمانية، وسلوفينية. (4)‏

لن ننسى الروح) العالمية لبعض المناطق بالمعنى الفرنسي للكلمة :‏

الفلاندر، البورغوغون في عصر الأنوار مع الأكاديمية النشيطة جداً في ديجون، وأيضاً منطقة اللورين في عصر الدوقات حيث تأكدت لحقبة دعوات الجنوب. يساعد مفهوم المنطقة على تطوير نوع من المقارنية المنطقية) المطروحة سابقاً، أو على فتح برامج بحث ودراسات نوعية في بعض البلدان. يجب على المقارنية الإسبانية، وحتى الإيبيريكية، أن تأخذ في الحسبان وجود مناطق) كاتالان، وغاليسينية ، واللهجة المتقلبة بين الكاستيلية، والبرتغالية التي قدم عنها فيديلينو فيغيريدو الرائد المقارني البرتغالي لمحة في كتابه Pirene) عام 1953. على المقارني المبتدئ أن يعيد تشكيل أجواء عقلية، وجغرافية للتبادلات، ومتابعة حركة الأفكار والاشكال وإعادة زرعها، وجرد القرائن، والأراضي، وفهم كيف أن أفكاراً تسطيع أن تتحول إلى صور، وموضوعات أدبية. يرتبط الأمر هنا غالباً بالبحث أكثر مما يتعلق بالتدريس .‏

من الواضح أن المراكز هي مدن، ومؤسسات أدبية، وثقافية.‏

هناك عواصم سيطرتها الأممية واضحة (5) ويمكن أن تحتفظ بمفاجآت كانت لشبونة دائماً أكثر انفتاحاً على المؤثرات الأوربية من مدريد)، وهناك مدن أخرى، أدت لحقبة طويلة، دور المأوى، والملتقى، ومركز استقبال للافكار والناس برشلونة، ليون، مطابعها من عصر النهضة إلى الأنوار، مركز نشر الإيطالية في فرنسا، مرسيليا بوابة الشرق )، وكذلك أيضاً فينيسيا التي تتبنى الدعوة نفسها، وبعض المدن التي تتجاور فيها الثقافات وتتحاور : مثل طنجة الأثيرة عند بول موران، وجوزيف كيسيل، وجوان غويتيسولو، أو بول بويل، وكذلك توليد Toléde المدينة القروسطية التي تحاورت فيها الديانات الثلاث(6) من جهة أخرى هناك الحلقات المتعددة مثل الندوات، والجماعات، والمدارس، والمقاهي، والصالونات، والمحافل، والمكتبات، والأكاديميات ...إلخ‏

- المجلات الأدبية :‏

يجب العودة إلى بول فان تييغم أيضاً من أجل الاستشهاد بدراسة رائدة هي السنة الأدبية) 1754-1790)، كوسيط في فرنسا للآداب الأجنبية باريس، ريدير، 1917).‏

اعتمد أولاً على المقاربة الإحصائية لوحات، نسب مئوية)، ولذلك لاحق الاتجاهات الرئيسية للصحيفة، وميولها نحو انكلترا)، ومنسياتها، وتجاهلاته الأداب الإيبيريكية). تكون الدراسة نوعية عندما يجب فحص الترجمات، والأحكام الجمالية، ومقاييس الاستحسان أوالرفض، وشخصية بعض المحررين أوالمساعدين. لهذا، نحن نقترب من دراسة التلقي، انظر الفصل الثالث). ما هي نماذج المجلات التي يمكن أن تفيد المقارن؟ بصورة مبدئية، كلها، لأن المطلوب هو كشف. البعد الخارجي للنشر وتقويمه كان لبعض المجلات، منذ ظهورها، رغبة في الانفتاح على العالم الخارجي مثل مجلة العالمين Revue deux Mondes) أو مجلة Le Mercure de france) أو أيضاً مجلة الغرب Ravistaw d'occident) الشهيرة، التي يعود الفضل في تأسيسها إلى الفيلسوف أورتيغاغاسيه، وكانت ولادتها، في السنوات الأخيرة من الفرانكفونية، دليلاً على تجديد فكري حر ومفتوح على أوربا، وكذلك المجلة الأرجنتينية المشهورة جداً Sur) التي أسسها فيكتوريا أوكامبو على شاكلة N.R. F)، المجلة التي استطاع من خلالها غارسيا ماركيز أن يقرأ فوكنر، وأن يكتشف أو كتافيوباز أندري بروتون (7) . هناك مجلات أخرى أقل شهرة، لكنها استطاعت أن تؤدي دوراً وسيطاً لايستهان به. لحقبة طويلة، مثل Le Disqne vert) للبلجيكي فرانزهيلين، إطلالة على ‎أوربا) من عام 1921 إلى عام 1957، من أجل إعادة أخذ عنوان مختارات قدم لها بول غوسيكس، بروكسل، لابور، 1992).‏

- الوسطاء‏

الوسيط قيمة عقلية، ناقل للأفكار والمعارف، له أوجه عديدة، ويمكن أن يتحدد ميله عبر طرق مختلفة :‏

1- من خلال معارفه خاصة اللغوية)، وسيكون في هذه الحالة مترجماً انظر الفصل الثالث).‏

2- من خلال غنى معارفه عن العالم الخارجي وتنوعها الرحلات، واللقاءات) ويستطيع كاتب معروف أن يقوم بدور الوسيط (8)‏

3- من خلال قدرته على الشهادة، وبصورة عامة، من خلال إرادته على نشر أفكار، ومعلومات عن العالم الخارجي (9)‏

من هنا تأتي ضرورة فحص حياته، ومراسلاته، ودراساته، وفهم استراتيجيته في التفكير، وانتقاء الموضوعات أو الكتب التي سيتكلم عنها، وطريقة توجيه تفكيره، والإجابة عن توقعات جمهوره، وأقرانه، وتجديد ذهنه وشحذه من أجل الاكتشاف. كل مقارن هو وسيط بالقوة. إننا نفكر بهؤلاء الوسطاء الذين تحدث عنهم سابقاً إدغار كيني في القرن الماضي، وبهذه البرازخ بين القارات) وهذه المضائق بين البحار) التي يجب دراستها .‏

إن عمل الناقل) هو الذي يميز الوسيط صاحب التوجهات الأممية عن رحالة أكثر وحدانية أو سرية، أوعن كتّاب يجمعون بين ثقافتين أو ثقافات عديدة، يكتبون ويفكرون) بلغتين. يمكن أن يكون هؤلاء أيضاً موضوعات لدراسات مقارنية، ولم يعد الأمر يتعلق بقاصرين عند ذكر بعض الأسماء مثل الناقد شارل دوبوس (10) ، وجوزيف كونارد، وفيرنا ندوبيسوا الذي نشر قصائد إنكليزية) 1918- 1923)، أوجوليان غرين. نفكر أيضاً بالإيرلنديين الناطقين بالإنكليزية سويفت، وايلد، جويس ،.....) وبالغاليسيين الذين يكتبون باللغة الكاستيلية مثل غونز الوتورنت باليستر الذي يعترف أنه مارس الترجمة الذاتية، واحتفظ بلغته الكاستيلية ليغوص في أعماق موضوع سحري غاليسي. يمكن أن يبدو إيرازم (11) مثالاً لوسيط إذا اعتبرنا فاعليته في النشر والتوزيع الايديولوجيين : روح نقدية، ولع بالتسامح ،نوع من المعرفة المحببة التي نجدها في كتابه. مع أمير Ligne - لين - المعجب بنفسه لامتلاكه ستة أوسبعة أوطان، فإن روح الأنوار الحرة، وأحياناً الطائشة، التي تظهر ضمن مجموعة الكتابات التي دخلت طي النسيان بصورة ظالمة، ماعدا حكاياته اللاأخلاقية ..... ومع لا فكاديو هيرن المولود في Leucade من أم يونانية وأب إيرلندي، فإن التجوال Cincinnati) الذي وصل حتى اليابان وانتهى إلى تبنيها، قام بتعريف الغرب ببعض صورها بعد أن قطع بحار العالم قاطبة خاصة الكاراييبي (12) . لقد فتح بعمله الغني المتضمن أكثر من سبعين عنواناً، الأدب على شعر العناصر وجماليات جزر شهيرة، خاصة في روايته الأولى شيتا Chita) 1889). هل ينبغي تتبع قائمة لانهاية لها؟ ومن يجب الاستشهاد به؟‏

ستاندال حياة روسيني، ونزهات في روما، وريلكه الشاب، وسكرتير رودان، أوألفيني ستيفان زفيغ الذي سيفتخر بعالمية مدينته الأصلية في كتابه عالم الأمس) ... أو معاصرنا الصحفي والشاعر ماكس بول فوشي النهم للاطلاع على الثقافات والفضاءات، ومؤلف قصص الرحلات مثل : الشعوب العراة )(13) عن أفريقيا، أو دراسات مثل المجموعة التي تحمل عنواناً رمزياً هو: النداءات )(14) .‏

ماالذي يمكن أن يجمع هذه الاسماء؟ إن ما يجمعهم هو حرية الروح، وانفتاح الفكر، والاستماع إلى الآخر، وحب المغامرة، والثقافة الواسعة، والعلم الغزير الذي يزداد دائماً ويوضع موضع شك، والروح البدوية) من أجل أخذ كلمة كينيث وايت في صورة الخارج) بلون، 1978) الذي استطاع أن يقدم جيو - شعرية) حقيقية من مشهد العالم والرحلات. في المقابل، يعد هؤلاء جوالين حقيقيين مثل : والتربنجامين، ومنفيين، ومهاجرين، ورجالاً سيعانون من قساوة الغربة. أو أنهم سيعيشون بطريقة مأساوية بسبب ثقافتهم المزدوجة. إن اختبار الأشخاص الوسطاء، وأحياناً القاصرين، والمهمشين الذين لاينقذون وحدانيتهم الكئيبة إلا من خلال كتاباتهم، يؤدي إلى الشعور بالخاصية المتنوعة للتوسيط الثقافي، وحوار الثقافات.‏

- كتابة الوساطة‏

يمتلك الوسيط سلسلة واسعة من الأجناس، وأجناس أدبية فرعية، واشكال من الكتابة توظف في خدمة عمل معين أو جمهور خاص.‏

- الرسالة، لنفكر أولاً بالأدب أوالنص الذي يأخذ بعض السمات‏

من الشكل الترسلي مثل الرسائل الفلسفية 1734) التي بفضلها عرّف فولتير الجمهور الفرنسي بإنكلترا جديدة. تقدم الرسالة نبرة حميمة، وطريقة ارتجالية، وتدعو باستمرار للإشارة إلى الحاضر، وتأخذ كشاهد المرسل إليه، وهي بالنسبة للوسيط، وسيلة إقناع، وحتى دعاية لأفكاره. ولاننس الرسائل المخطوطة التي يمكنها أن تضاعف من انتشار الصحف، وتخلق حلقات فكرية مهمة.(15)‏

* الدراسات :‏

في مقابل ذلك، تشير الدراسة حقاً إلى نوعية المعلومات عن الثقافة الأجنبية وامتدادها. في ذهننا كتاب من ألمانيا) لمدام دوستال، و الرواية الروسية) للكونت ميلشيور دوفوغوي 1886) في الطرف الآخر من القرن. لم يخدم الاستقبال الحماسي للعمل فقط المدرسة الرومانسية الروسية الجديدة، التي لم تكن معروفة في فرنسا، ولكن أيضاً كل أولئك الذين يهاجمون المدرسة الطبيعية التي هاجمها أنصار جمالية أخرى هي الرمزية .(16)‏

* - مرفقات النصوص :‏

في منتصف الطريق بين الدراسة المتخصصة، والمقالة في مجلة، والنص الذي يتطلب حضوراً فعالاً للمتلقي، نشاهد أشكالاً مختلفة من مرفقات النصوص مثل التمهيد أو التذييل) لترجمة، أو من أجل تقديم مؤلف، أوعمل غير معروف بصورة جيدة. يمكن أن نفكر بالأصداء المختلفة للنص الذي قدّم معه جان بول سارتر المختارات الفتية للشعر الإفريقي والمالغاشي التي صنعها ليوبولد سيدار سينغور، وكان عنوان التمهيد Orphé noir) 1948). أو أيضاً التمهيد الذي أعطاه أندريه مالرو لعمل فاغنز Sanctuaire)‏

* المقالات والأخبار :‏

يأتي بعد ذلك مجموعة المقالات، والأخبار التي يعطيها الصحفي أوالوسيط إلى مجلة، أو نشرة دورية، بصورة نظامية. هذه الممارسة لاتهم فقط النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وبذلك يتم نسيان الدور الرئيسي الذي قامت به الصحف، والأوراق المنفصلة، ونشرات مؤقتة أخرى، في القرن السابع عشر وخلال عصر الأنوار كله حيث ظهر نموذج جديد من الأدباء الذين حققوا بعض الشهرة بفضل نشاطهم الصحفي : أرادت صحيفة الفيغاور أن تحقق شهرة كبيرة مع Journal Inutile التي شهدت نشاطاً نقدياً، وهجائياً، ونقاشاً حامياً استدعى انتباه العالم الخارجي كثيراً، من أجل تمرير نقدٍ ذي غرض محلي. مع الانكليزيين ستيل وأديسون، محرري الصحيفة المشهورة Spectator)، ومع الأب بريفوس في صحيفته Pour et contre) ظهرت ظاهرة جديدة في الأدب حيث أخذت صحيفة دورية توجهاً أدبياً، نقدياً غالباً. نجد مثل هذه المظاهر في إيطاليا بيتروفيري، جيوسيب باريتي)، وفي إسبانيا مع كلافيجو) التي أثرت خصوماتها مع Beau- marchais) في غوته، أو أيضاً في روسيا فونزيفين، كريلوف أو راديشتشيف).‏

يهدف العمل أولاً إلى تقديم تعريف موجز) عن الأعمال الجديدة، خاصة الأجنبية، وعن بعض المقاطع الأساسية فيها ثم تقديم حكم عام عليها. فهو إذن عمل تحليلي وتركيبي يخضع لمتطلبات الوقت الحاضر)، والدقة الانتظام الدوري) .‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 12:48 PM
تذكر الصحيفة بالنشاط التوسيطي القديم للآداب : وكانت تعنون MERCURE , NOUVELLES , COURIER ... وكانت تركز حيناً على المكتبة الموسوعية (17) وحيناً آخر تعود إلى الصورة الرمزية للصحفي، ودروه الثقافي والاجتماعي (18) لقد أصبحت الصحيفة نوعاً من المسرح يكون فيها الصحفي مشاهداً وقارئاً، وحكماً. إن مسألة وجهة النظر، المهمة، عندما يجب الحكم على العالم الخارجي، لاتنفصل عن النشاط الصحفي. انتشرت خلال القرن التاسع عشر بالتدريج، ظاهرة المراسل الصحفي، والصحفي المختص. في باريس قبل عام 1914، وبعد هذا التاريخ أيضاً، اهتمت جالية إسبانية - أمريكية مهمة بنقل أخبار مدينة النور، عاصمة العالم، باريس عاصمة فرنسا، إلى جمهورها فيما وراء الأطلنطي، وحتى في إسبانيا، وذلك بصورة دورية. ولم يكن الرصاص قد انطلق بعد في مدينة النور، كما سيقول بخبث عن أيامنا الحاضرة الروائي البيروفي بريس إيشنيك. بهذه الطريقة قدمت مجموعة من الأسماء وحتى أكثر) للدراسة المقارنة. لقد أعطى الغواتيمالي إنريك غوميزكاريلو، عن الوسيط، صورة عظيمة بالألوان ومثالاً يحتذى، فهو على التوالي مراسل صحفي، وناقل أخبار، وناقد، وروائي، ومناقش، ورحالة، ومراسل حرب، ورسام وجوه، ومترجم، وكاتب مقدمات، ومدير ومؤسس لدوريات، ومؤلف لنحو خمسين كتاباً ومجموعة من التقارير، والمقالات النقدية، والقصص، والانطباعات عن الرحلات، ونصوص جدلية. (19) لا تنفصل شخصية الوسيط هنا عن الكتابة التي بفضلها عرض الصحفي المختص ذاته الاجتماعية : لايستطيع أن ينقل الأخبار دون أن يتخذ موقفاً، ويشكل أسطورة الفضاء الباريسي الذي يتطور فيه. إذا لم يجد الخبر، وانتقال الأفكار صداهم دائماً ضمن هذه الوساطة فلن ننسى أن هذه الوساطة تهدف إلى نشر صور، و كليشات). وكذلك الحال بالنسبة للكاتب الذي يكتب قصة رحلته.‏

- الرحلات :‏

من بين تجارب العالم الخارجي كلها، تبقى الرحلة بالتأكيد الأكثر مباشرة، ولكنها واحدة من أكثر التجارب تعقيداً. يستطيع المؤرخ أن يستفيد من الرحلات : كتابة تاريخ الرحلات، تدل على فهم تطور المعارف، وانتقال أخبار عن مناطق بعيدة ومجهولة (20) ، وانتشارها. من الأب بريفوست إلى جول فيرن، تحول بعض الكتّاب إلى جامعي مواد لتأليف مختارات من كتابات الرحلات البحرية غالباً. منذ عقود طويلة، قام المقارنون خاصة الفرنسيين، برحلات من أجل كتابة الدراسات والبحوث .إن الثلاثي المتمثل في الرحلات، والصور انظر الفصل الرابع)، والخيال قد حدد نوعاً من المقارنية خلال سنوات 1950 التي دافع عنها جان ماري كاري.(21)‏

ولكن بعض الإصدارات الحديثة تؤكد الفائدة الدائمة لهذا. نذكر كأمثلة عن استمرارية جيدة، و تغيير) رائع : هيلين توزيه في : الرحالة الفرنسيون في جزيرة صقلية في العصر الرومانسي، بوافان، 1945، وجزيرة صقلية في القرن الثامن عشر من وجهة نظر الرحالة الأجانب، ستراسبورغ، هيتز، 1955)، وجان ماري كاريه في الرحالة والكتاب الفرنسيون في مصر، باريس، القاهرة، 1956)، وروجر ميرسييه في أفريقيا السوداء في الأدب الفرنسي - الصور الأولى من القرن السابع عشر إلى القرن الثامن عشر، داكار، 1962)، ودينيز براهيمي في رحالة فرنسيون في بلاد البربر خلال القرن الثامن عشر، جامعة ليل الثالثة، 1976)، وفانسان فورنييه في المكان المثالي الغامض : السويدي والنرويج عند الرحالة والدارسين الفرنسيين - 1882 - 1914 - كليرمون - فيران، أدوسا، 1989)، وكلود دوغريف في الرحلة إلى روسيا : مختارات لرحالة فرنسيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لافون، 1990) ولكن هذه السلسلة المهمة تتضمن أيضاً دراسات كتبت من قبل متفرنسين مثل : جان كلود بيرشي الرحلة إلى المشرق، مختارات من رحالة فرنسيين إلى بلاد المشرق في القرن التاسع عشر، لافون 1985).‏

- الرحلة بين الحج والسياحة :‏

الرحلة نشاط ثقافي، محدد، تتطلب مقاربة تاريخية وانتروبولوجية. يمكن العودة إلى الصفحات التي تقدم مدارات حزينة) لكلود ليفي - شتراوس، المعنونة نهاية الرحلات)، والتي يرى فيها دارس السلالات نفسه، في سنوات التعلم، يستعد لرحلات تكشف له ثقافات تسمى بدائية).‏

يواجه المقارن الرحلة كتجربة إنسانية متميزة، لايساويها شيء بالنسبة للذي يعيشها، وتعد، في شكلها المكتوب، شهادة تأخذ حيزاً في لحظة محددة من التاريخ الثقافي لبلد معين : إنه الرحالة.‏

الرحلة التي يدرسها المقارن، هي انتقال مسجل ثانية، وتعاد كتابته، ينتج عن تبادل بين فضاء غريب، واختيار لكتابة، وشكل، ومضمون ثقافي. والرحلة أيضاً هي التي تخدم كنموذج لتغيرات أدبية أخرى، مثل : الرحلة الخيالية، والحكاية الخيالية، (22) أوالرواية.‏

- من الخادع إلى الحاج :‏

إذا كان الرحالة الوحيد يعد شيطاناً بالنسبة للقرآن (23) الكريم)، فإنه بالنسبة للتراث اليوناني - اللاتيني، كاذب : إنه يروي قصة، قصته، وقصص. من نموذج ذلك، يوليس الذي درسه جوفينال SATIRE XV) لشالاتان)، و ARETALOGUS) . وهذا أيضاً رأي الموسوعة التي تذكر في مقالة رحالة) أن كل إنسان يكتب عن رحلاته هو كاذب). لم يلحظ إذن كثيراً الاختلاف بين رحلة حقيقية، ورحلة خيالية : من خلال فعل الكتابة، يقوم الكاتب الرحالة بوضع حبكة. من المهم رؤية وفق أي منطق ستبنى أكاذيبه)، حتى عندما يعرض النص كقصة موضوعية، وأي من هذه الأكاذيب) تصلح لأن تتحول إلى مادة أدبية. إذا تأملنا في العلاقات بين الرحلة والأدب نرى أنه من المدهش ملاحظة الأشكال الرئيسية الثلاثة التي تخطر على تفكيرنا ضمن تتابع يحترم التأريخ : الحج، والرحلة، والسياحة.‏

من الواضح أن الحج ليس رحلة، مثلما أنه في المجال العربي تتعارض الرحلة مع السفر(24) يثبت الحج، بوصفه نشاطاً ثقافياً، عدم فائدة العالم الأرضي، ويعارض الحياة الأرضية بمصادفاتها، وبؤسها مع التطواف والبحث. بحث عمودي عن نظام علوي، يكمل ويضاعف من الطريق الأفقي، والمسارات، ونهارات الطريق. خلال العصر الوسيط كله، كان الحاج يسافر ضمن مجموعة للحج إلى سان - جاك في كومبوستيل، وهذا الحج قاد المرشدين الأوائل، بالمعنى الحديث للكلمة، وقليلاً جداً من الأدب)، وتفصيلات عن وضع الفنادق ،والاستراحات الضرورية، والدورات الواجبة، باسم عبادة مفهومة جيداً، والوجبات التي يجب التعرف عليها. كان يجب الانتظار حتى القرن السادس عشر والقرن السابع عشر لكي نرى الحاج يتنقل وحيداً، متحولاً إلى شخصية رومانسية، حتى وإن تحول إلى موضوع لمقطوعات شعرية. لقد استبدل رحلته الروحية بالبحث العشقي : مثل الحاج في وطنه) للوب فيغا، و الحاج في الحب) في كتاب SOLEDADES الوحدات) لغينغورا، والحاج ماشياً) في كتاب PERSILES لسرفانتس، وهذه الأعمال روائية ضمن ذوق الروايات اليونانية القديمة وفي العمل المشهور الإبحار إلى سيتير) لفاتو، نرى أن الشخصيات الرجالية احتفظت ببعض عناصر لباس JACOBITE). وبذلك تم نسيان كومبوستيل .. ولكن المظهر الجمالي للحج أدى إلى التفكير بشكل أولي بـ السياحة)، مع الرحلات الجماعية والمنظمة، بخبرائها ومرشديها الدائمين.‏

* - الرحلة أو إثبات الفرد :‏

تتعارض الرحلة مع الحج والسياحة في الوقت نفسه، من حيث أن الرحالة يحتفظ بالسمة الفردية لعمله، وقراره. لا وجود لرحلة دون قرار يتخذه فرد بحرية، حتى إذا خاصة إذا) لم ترتسم لذة اكتشاف المجهول جانبياً منذ البداية، وزادت من شهية غير المنظور الذي يحمله كل رحالة. " أعرف الذي أهرب منه، ولكن ليس الذي أبحث عنه "، هذا ما يقوله مونتين الذي نستطيع أن نعده مع بيترارك وإيرازم من النماذج الأدبية الأولى عن الإحساس الارتحالي، وعن نظرة مهتمة بمشهد العالم. هذا النوع من الحرية أو القدرية) للرحالة يجب ألا ينسينا بعض الطرق التي لا تجعل الرحالة حراً بصورة حقيقية في اختياراته، وتنقلاته. إن ظاهرة الدورة الكبرى) التي كانت تقود سيداً إنكليزياً شاباً حول العالم للقيام برحلة لمدة سنتين أو أكثر يزور خلالها فرنسا، وأرض الفن والسعادة الإيطالية والتي جاءت منها كلمة سياحة)، تسمح برؤية اختلاط جولة شخصية متميزة مع نشاطات تثقيفية، وتعلم مع دورات اصطلاحية، ومحطات إجبارية.‏

تعبر الرحلة وقصة الرحلة أو المذكرات)، في ممارستها والتعبير الأدبي عنها، عن لحظة ثقافية معروفة جيداً هي لحظة التقاء الإنسان مع العالم الخارجي، وسيطرته الواضحة على العالم، وقدرته اللامحدودة على وصف العالم وفهمه، واعتقاده بسيادته عليه، ورهانه الدائم على إمكانية تحويل المجهول إلى معلوم ومفهوم. ارتحل مونتسكيو إلى إيطاليا وأخفى مفكراته) التي ستخدمه في عمله الفلسفي الضخم روح القوانين). كان اهتمامه بالتعرف على فضاءات حضرية قليلاً بالمقارنة مع اهتمامه بالإطلاع على تاريخ البشر، وأوجه الحضارة، وعاداتها وأخلاقها. قصة الرحلة عمل تفاؤلي للغاية وإيجابي يعيد قول إمكانية الرحالة وإرادته في النظر إلى فضاء ناس آخرين وزمانهم من أجل الإحساس بوحدة الروح الإنسانية، وتنوع المجتمعات، وطرق الحياة الاجتماعية : الرحالة هو واحد من المفاتيح التفسيرية للعالم والتاريخ خاصة إذا امتلك نوعاً من الحكمة المأخوذة من الكتب، أو روحاً فلسفية. للرحلة، وأدب الرحلات، حدود تاريخية هي الاكتشافات الكبرى في مطلع العصر الحديث، والمشاريع الاستعمارية الكبرى في القرن التاسع عشر : العصر الذهبي للفرد المسلح بعقله والذي استطاع ديكارت أن يصفه ‎:" انطلق هذا الفارس الفرنسي بخطوة جيدة "، هذا إذا أعيد استعمال كلمة بيغوي. العصر الذهبي للفردانية، ولنظام ثقافي ذي قيم يحمل اسم إنسانية ).‏

- الرحالة ومعادلته(25) الشخصية.‏

الرحلة في المفهوم السائد هي انتقال ضمن الفضاء الجغرافي، والزمن التاريخي، وهي انتقال أيضاً ضمن نظام اجتماعي وثقافي.‏

* - الرحلات والأنوار.‏

شاع هذا النوع من النشاط في عصر الأنوار حيث كانت الدعوة إلى الرحلات قوية ومتعددة مثل : جولة أوربا، وزيارات العواصم، وأيضاً الصالونات، والمكتبات، والمعارض. بالنسبة لهذا العصر، لم يغير الارتحال من روحه في محاولة الاكتشاف من أجل المقارنة، والتعرف على بعض الأصول، والقضاء على التعدد، وتحويل الاختلاف إلى نظام من التفكير، أو إلى منهج شعار الإنسان المثقف، وهذه النخبة التي تبقى رمز العصر وشعاره. الارتحال ليس فقط النظر فيما حولنا، ولكن أيضاً استعراض تتابع العصور، وتركيب فرضيات، ولوحات تسمح بالدراسة المقارنة لكل ما هو عظيم أو منحط، إنه إعادة تنظيم، وتضيف، وترتيب. يبحث الرحالة عن فكر الحضارة الذي يجب أن يدرسه، ويحلله، ويحكم عليه. ما مكانة أوربا بالنسبة لهذا العرض السريع ).إن أوربا ليست أوربا الرومانية القديمة، ولا الامبراطورية الدنيوية والروحية البابوية، إنها روح جديدة مصنوعة من العالمية والإلحادية العلمية) وفق الصيغة السعيدة لريني بومو. (26) يمكن بسهولة أن يتعايش هذا الموقف العقلي، والأخلاقي، مع مسيحية مبدئية : ولكن أوربا هذه هي لحظة حضارة تجرؤ على تحديد مثاليتها دون العودة إلى الآلهة) يفضل الرحالة الحواضر الكبيرة، ومراكز الإشعاع الروحي، والعلمي، والأممي، وهو مقتنع بتفوق أوربا وبعالمية اللغة الفرنسية موضوع مسابقة نظمتها أكاديمية برلين عام 1784)، وبفائدة الأنوار التي اكتشفها، قاطعاً الفضاء الذي يبدأ من لندن إلى نابل، ومن باريس إلى سان بطرسبورغ.‏

- من الرومانسية إلى العصر الذهبي :‏

تطورت حساسية الرحالة في العقود الأخيرة من عصر الأنوار. وستجلب اهتمامه وتفكيره مراكز جديدة: تعدد النظام، ولم تعد الوحدة أو التركيب موضوعات الرحالة، ولكن غالباً الانفعال، وسحر اللحظة، وتذوق المثير)، وهو مفهوم عمل منه ويليام جيلبان نظرية عام 1792. بعد عقود عديدة من ذلك، أصدر ستاندال مذكرات سائح)، وكان مايزال يحلم برحالة هاوٍ، ونرجسي .‏

كلما تقدمنا في القرن التاسع عشر، نلاحظ أن البحث عن الغريب في الزمن والفضاء يسهم في تنشيط متعدد الأشكال لمثير آخر)، في حين كانت تكتب آخر انفعالات الرحالة الوحيد قَلّ ذلك بصورة مطردة، والرحالة الوحيد يعرف ذلك، ويتألم منه )(27) .‏

يضاف إلى النخبة المتنورة، والمتجول الرمانسي أوالساخر هين مثلاً)، فرق السيد بيريشون التي أرادت، بمساعدة السكك الحديدية، أن تسجل انطباعاتها كسائحين) في الكتاب الذهبي للفندق الذي نزلت فيه. وفي القسم الأخير هذا من القرن المنشغل بالتطور والحداثة، يسعى السائح الأوربي نحو الأراضي التي نسيها كليو أو لم يغزها : وهي أراضٍ تغوص في الماضي السحيق .‏

في الغرب، تضع الفضاءات الإيبرية إسبانية والبرتغال) في متناول اليد، هذا الخليط الماضوي، المغلوط تاريخياً، حيث البؤس، والارستقراطية ترياق العصر البرجوازي)، والدخيل الشرقي يشجع الرحالة الراغب في التطواف من أجل أن يجد استيهاماته بصورة أفضل. هذا هو العصر الذي يعلن الرحالة فيه نزوعه الطبيعي، أو إرادته في الاعتراف، والاستسلام، والانتقال للذوبان في منطقة أخرى من أجل أن يجد قوة الفعل والحلم، المستهدفة من الجهات كلها من القوى المؤقتة، أو من النظام المطلق، إنها دعوة لا تقاوم من مناطق أخرى مثل منطقة توليد) الحارقة، أوالمشرق بالنسبة لباريس القادم من برد منطقة اللورين ،ومن مناطق مقابلة مثل فينيسا التي ارتحل إليها الكاتب آخين باخ )(28) ليجد الحياة الحقيقة، وحقيقته، والجمال والموت.‏

- الأوجه الحديثة للرحالة :‏

وصلنا إلى الصور الأخيرة والمتحولة للكاتب الرحالة : نظم الدبلوماسي وقته ليجد الحلم (29) ، وجواب الآفاق، والصحفي، والمراسل الصحفي (30) ، والأممي، كلهم جمعوا التجارب والشهادات عن عالم متفجر بصورة كبيرة، وفوضوي، وممزق، فيما بين الحربين العالميتين. يعد بول موران أحد الأمثلة الجيدة والكاملة عن هذه الكتابة القلقة، وغير المرضية، والساعية لالتقاط كل ما يمكن أن يكون جديداً أوغريباً. ولكن تعدد الأمكنة المقصودة يجب ألا ينسينا الاعتراف الغريب الموجود ضمن مجموعة قصصية تحمل عنواناً رمزياً لاشيء إلا الأرض) : " لا أحب الرحلات، لا أحب إلا الحركة.‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 12:50 PM
من أقدم ما أذكره هو هذه الرغبة الدائمة للوجود في مكان آخر، وهي رغبة جامحة، وعنيدة مثل الجرح ".‏

ألم يصبح الارتحال نشاطاً مقلقاً؟ السؤال ليس جديداً، وبعض النفوس الفلسفية، إلى حد ما، فسرت هذا القلق، في المعنى الاشتقافي للكلمة.‏

من سينيك إلى باسكال، نحن نعرف الملاحظات عن بؤس الإنسان الذي لايستطيع أن يجلس بين أربعة جدران وحيداً.‏

كما لو أن الكاتب - الرحالة لم يكن بصوره دائمة، في صمته ضمن مكتبه، أو على ظهر جمل، أو فوق المحيط، أو في ممر حديقة، أمام ذاته، مرتحلاً ضمن الكلمات بمقدار ارتحاله ضمن الفضاء الداخلي أوالخارجي.‏

هناك خطر كبير يتهدد الرحالة وهو صعوبة التنقل المادية، وغياب الفضاء الذي يمكن اكتشافه، وغياب النقد العالمي) إذا أعدنا أخذ عنوان كتاب ماركو بولو. من الواضح جداً أن الطائرة ألغت شعر الرحلة، وهي لم تزعج سان اكسوبيري الذي مازال يعتقد بإمكانية التأمل الكوني حول الشرط الإنساني. والطائرة ألغت كل إمكانية قصصية للرحلة : ففي المطار تودع المغامرة آخر رحالة مغامر في عالمنا الحديث، الوكيل الخاص .... وكانت الباخرة، وقطار الركاب، والسيارة، وربما الدراجة، آخر وسائل النقل التي ذكرها أدب الرحلة). بعد ذلك، وجب على كتّاب الاغتراب العودة للسير على الأقدام، وهو موضوع أدبي ظهر مع جان - جاك روسو. كان عصرنا عصر الاكتشاف للسير على الطريق - الكبير بعد أدب BEAT GENERATION) لجاك كيرواك، حيث أعاد العثور على الفضاء، والمجال الواسع، وإيقاع الجسد. وتأكد الحلم بعد ما ثبت الكاتب تجواله في مكان مفضل، بين ذكريات قراءات، وأحلام يقظة حول الكلمات. مثلما فعل أنتونيو تابوشي وهو يكتشف أرخبيل ACORES في عمله امرأة بورتوبيم). أحد أجمل التحيات لما تقدمه الرحلة كوسيلة للمعرفة، وانفتاح على العالم ،وتجربة فردية، ودعوة للكتابة، هي دون شك تحية مارغريت يورسينال في جولة السجن) غاليمار، 1991). يشير العنوان إلى تأمل لزينون، بطل العمل في الظلام). يتألف العمل من أربعة عشر نصاً مكرساً للرحلة التي قامت بها الروائية إلى اليابان عام 1982. هذه المقاطع من كتابة ثانية لمتاهة العالم) تنتهي بمحاضرة أعطيت في طوكيو بعنوان رحلات ضمن الفضاء والزمان)، وهي درس مقارن من خلال اختيار الأمثلة ومنظورات التأليف.‏

- شعرية الرحلة.‏

يجب ألا تنسينا تجربة الرحلة الإنسانية، بوصفها تجربة غنية، الطريقة والشكل اللذين سجلت بهما هذه المغامرة الفكرية. الرحلة من منظور التاريخ الثقافي، هي مجموعة معلومات، لكن من المهم تسليط الضوء على الطريقة والأشكال الجمالية المختارة للتعبير عن هذا النموذج من الشهادات.‏

الكاتب - الرحالة. ضمن قصة الرحلة.‏

في المعنى الواسع للمصطلح، يعد الكاتب - الرحالة مبدع القصة، الموضوع المفضل غالباً للقصة، ومنظم السرد، ومخرج شخصيته ذاتها.‏

إنه راوٍ، وممثل، ومجرّب وموضوع التجربة، ومسجل مذكرات أفعاله وحركاته، وبطل تاريخه الشخصي على مسرح أجنبي، وخشبة مسرح بعيدة، ولكنها حاضرة أيضاً من خلال القصة، إنه الشاهد الوحيد في مواجهة جمهور يعد ساكناً بصورة مطلقة، وأخيراً هو الراوي لإسعاد الجمهور وإثارة فضوله. لاتنسينا دراسة كتابة الرحالة، بعض المنظورات التاريخية مثل ظروف الإصدار، والفارق الزمني أحياناً بين الكتابة والإصدار الذي يمكنه أن يقود الجمهور إلى إعطاء النسبية للمعلومات المقدمة. هناك معطى آخر للتاريخ هو أمتعة الرحالة، وكذلك القول بالنسبة لتأهيله، وأحكامه المسبقة، وهذا يمكن أن يضيء جزئياً الأحكام المقدمة عن العالم الخارجي.‏

أشياء مرئية، هذا هو العنوان العام الذي أصدر تحته فيكتور هوغو، لمدة نصف قرن، انطباعات تعود في غالبيتها إلى الرحلات العديدة التي قام بها الكاتب، ويمكن أن يفيد هذا العنوان في أي تسجيل لرحلة : الكتابة عن رحلة هي كتابة استرجاعية العودة إلى الماضي)، والملاحظة تناسب الإشارة التي ستقدم كأنها هاربة من اللحظة : لا وجود للفورية في كتابة الرحلة، مثلما أنه لايمكن حدوث ذلك في الخيال. يستطيع الرحالة، بسوداوية قليلة أو كبيرة، أو بدعابة، أن يفعل بنفسه الملاحظة التي أعطاها ستيرن إلى شخصيته التي تحاول كتابة مذكراتها : (31)‏

" لن أستطيع أبداً أن أمسك بذاتي " يشبه الرحالة الذي لايريد الإمساك، عبر فضيلة الكتابة، بزمن الرحلة نفسه، رسام مرسيليا الذي راقبه أندريه بريتون أو راوي NADJA : يريد الفنان المتشكك بقوة) من خلال رسمه لغياب الشمس، التشبه بالضوء الذي سيغيب حتماً، وانتهى إلى تغطية لوحته ببقع، مع بقائه دائماً متأخراً عن ظاهرة الرصد الجوي التي كان قد أراد أن يثبتها.‏

- اعتراف وحيد :‏

يعيد الرحالة تركيب قسم من المذكرات الشخصية ضمن نص غريب، حيث تختلط الملاحظة والخيال، وحيث الأنا) التي تكتب، والتي تسافر توجد جنباً إلى جنب مع الأنا التي تثور، والتي ثارت، وحيث الأنا الخاصة تتداخل مع الفضاء المرتحل إليه والموصوف. على الرحالة أن يعيش ثانية اللحظات ويجد تتمتها في حقيقتها، وألا ينسى وحدة الرحلة بصورة كاملة. ولكن من المؤكد أن كتابة الرحلة لا تهمل شيئاً من بعض ملهمات الخيال : يوجد بعض التوقعات، والتصورات المسبقة، والاسترجاعات، وأكثر من ذلك، المقطوعات الناقصة : الرحالة لا يقول كل شيء. على القارئ أن يتكهن بين السطور والوقفات، بأسباب الصمت، أوتسريع الحدث، أو الحماسة التي تنتهي إلى أن لا تجد كلماتها، والتقزز الذي يفضل الصمت. اعتراف الرحلة، كتابة عاطفية، ذاتية دائماً، وهو أيضاً شاهد على حساسية فرد، أو حتى جيل، أوعصر.‏

- بلاغة الرحلة :‏

إن الاسترجاعات، والتصورات المسبقة، أو المقطوعات الناقصة، تدخل ضمن بلاغة غريبة من المناسب حصرها : فهي تشخيص للطبيعة أو الفضاء الذي نجعله يتكلم، ووصف مؤثر لانطباع، و PARATAXE (32) لتبعات انطباعات، وتكرار غنائي يترجم الدهشة أمام مشهد عظيم. )‏

يتعلق الأمر دائماً بكتابة تريد تحويل ما هو عارض، وثمرة مصادفة، إلى تجربة ضرورية، وإلى مراحل حياة : كتابة طرفة، وحادثة من أجل الاستمرار في القول: كان هذا قد كتب، ويجب أن يحصل. إن كتابة الرحلة، هي دائماً تحويل الزائل إلى ضرورة، والصدفة إلى اكتشاف.‏

في كل عصر، يوجد كتابات قليلة القيمة، و DES TOPOI تسمح دراسة نظامية، ومتسلسلة بتوضيحها. تختلط الكتابة، والحساسية، وتاريخ الأفكار، مثلما أوضح كلود بيشوا في كتابه المخصص لموضوع السرعة أو أسطورتها خلال القرن التاسع عشر(33)‏

- الرحلة موضوع الكتابة :‏

سيكون القارئ يقظاً حيال سر الرحلة مثلما قدمت، وأحياناً مثلما أعيد تركيبها. من المهم الإمساك بإيقاع الكتابة، وتفصيل الجمل من أجل ذلك : الأوضاع المادية والأخلاقية للرحلة، والاستعدادات، وظروف الانطلاق، واللحظات المهمة، والطوارئ الأساسية الأشياء كلها التي يمكن أن تظهر في نص روائي : نفكر بالمئة صفحة من - رحلة إلى مركز الأرض _ وهي عرض روائي لرحلة يمكن أن تكون حقيقية).‏

نتابع عن قرب الاتصالات الأولى، وانطباعات الوصول، وهذا يؤكد أو يلغي أفكار البداية، والأحكام المسبقة، والموقف العام للرحالة، واستعداده، ورفضه، وانتظاراته، ورغباته. وتصورات العودة : بداية ظهورها، لحظات الحنين أو السعادة التي ترافقها، طريقة الانتهاء، وجود البعد التعليمي أو غيابه. بالنسبة للرحلة تحديداً، يؤخذ بعين الاعتبار الزمن المستخدم، وفترة الانتقال، والفصل المختار، و الحجج المقدمة أو غيابها. سنواجه تنظيم الرحلة إيقاع الكتابة )، وتأليف العمل، من أجل الكشف عن بعض المبادئ التي لها سمة بنى النص، أو انقطاعاته الممكنة.‏

لنعد مرة ثانية إلى هذا الإيقاع من أجل ملاحظة التغيرات كلها التي تطرأ على الانتقال : النزهة صباحية، أو مسائية، أو ليلية )، التسكع، جولة قصيرة طارئة أو بالعكس مخطط لها ، الاكتشاف الأول لمدينة معينة، والزيارات، وما الذي يحول الرحلة إلى نزهة، واستكشاف مقدمة هكذا من قبل الرحالة، لكن ليس دون دعابة أحياناً)، وما الذي سيكون جولة جسدية، والانتقال، ووسيلة النقل المستخدمة. إن ما يمكن أن يبدو مشكلة ذات سخافة أدبية كبيرة بالنسبة لبعضهم، يصبح من أهم المسائل المطروحة من خلال وصف الرحلة: يعتمد الإيقاع الفيزيزلوجي في مقابلة إيقاع الكتابة على وسيلة النقل المعتمدة، في قسم يجب تحديده. شهدت حقبة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، التي نستطيع أن نسميها العصر الذهبي)، تعايشاً بين إمكانيات عديدة مثل : الرحلة على الأقدام، أو على ظهر الحصان أوعلى ظهر بغل أو حمار، مثل ر. ل. ستيفنسون حالم كبير بفضاءات بحرية، ومكتشف) CEVENNES )، أو في عربة، أو قطار، أو سيارة. من الواضح أن العلاقة مع المنظر، والفضاء الأجنبيين تعتمد على وسيلة النقل. ويعتمد عليها كذلك تنظيم الوصف، السكوني والعملي.‏

للعصر الذهبي نفسه الخيار بين ثلاث مرجعيات : أولاها مرجعية الرسم تقديم منظر حضري مثل السوق، على شكل لوحة، مع مفردات مناسبة _- أو مخطط أولي، وتمييز المخططات المتتابعة، والتوزيع إلى مجموعات، ولعبة أشكال المجلدات والألوان)، والمرجعية الثانية هي التصوير الذي يوسع من الجزء المعطى لوجهة النظر. والمرجعية الأخيرة هي التصوير السينمائي. استخدم هذا الفن في بداياته لترجمة السرعة !! إحدى الأساطير المتوارثة عن الرومانسية، ونفكر أيضاً بالمشكال(34) في بداية البحث عن الزمن الضائع ).‏

- الأشكال الأدبية :‏

نحن نقول : كتابة ذاتية. ونحذف ردات الفعل المادية للرحالة، التي تظهر أدبياً كنتائج نفسية لوضع جسدي ومادي : الانكفاء على الذات، وحلم اليقظة، والهجر العذب، ولذة الاكتشاف، وسعادة تجدد اللقاءات، وازدواجية الانطباعات، والانطباعات الفوقية، وآلية الإشارة، وتداعيات الصور، وتوزيع الاستطرادات التي يجب أخذها أحياناً في بعدها الكوني كله. هكذا تتم كتابة الرحلة. تجوال، وتسوية بين الفترة التأملية، الوصفية، وبين حركة الرغبة، والحلم : الرحالة يحدث نفسه، ويراها في القطار وهويقطع فضاء، ويحصي الأماكن التي من المهم دراسة ظهورها وعرضها : مثل الأماكن الحضرية متحف، معرض، كنيسة، منتزهات، حدائق، صالونات، أوبيرا)، والأماكن المقدمة كأماكن مفتوحة أو مغلقة، والأماكن الطبيعية، وغرائب الطبيعة، وحالات الصعود، والنزول، والسير مع نهر، أو طريق .... في موازاة خط الرحلة، تنتشر بوضوح إلى حدما، كتابة الذات، وعن الذات، ومضاعفة الكتابة الرحلية، وهذا يجعل الرحلة، دون شك، رائعة ومقلقة، في الوقت نفسه، ليس بسبب المغامرات المحظورة، ولكن بسبب وجود من يقدم نفسه كمغامر، ويؤدي هذا الدور، ويستمتع به. نرفع، باهتمام، المتتاليات الوصفية بالتأكيد، وأيضاً كل أشكال التأشيرات، والملاحظات، والخروجات المؤثرة، والمقطوعات ذات الأسلوب البارع، والصفحات المنتظرة، والخطابات، والأهاجي، والأمتثال أو الرغبة القوية بكسر كل ما يعده الرحالة مكانة مغتصبة. لايمكننا أن ننسى الأشكال شبه الأسطورية التي يمكن أن تأخذها الرحلة : هروب، بحث، تدريب، رحلة ترجع إلى رحلة سابقة نيرفال)، خلاص رمزي، سجن وفخ بالنسبة لإنسان وحيد، اكتشاف، معرفة لمستوى أعلى. ولم تعد هذه الأشكال الجنس، أو الجنيس) التي يستطيع النص أن يرتبط بها : المذكرات التي أمكنها أن تكون خاصة وتوقفت عن ذلك بقرار من الكاتب، أو بقرار خارجي عنه)، وكذلك أيضاً الرسائل مثل - الرسائل العائلية - اللطيفة لرئيس بروس، وهو نائب بورغيني، وذواق، ماكر، ومتابع وهاوٍ متنور للجماليات الإيطالية) أو رسائل رحالة) لجورج صاند الذي جمع الشكل الترسلي، هذه الكتابة في الزمن الحاضر)، وفق الصيغة السعيدة لجان روسيه، والمقالة في مجلة، والجنس المسمى بالرحلة الأدبية الذي يستطيع أن يجمع النثر والشعر، ويقترب من قصيدة النثر في العصر الرومانسي LE REISEBILDER، لهين)، وأخيراً ما الذي يمنع من إضافة المذكرات التي تأخذ أحداث رحلات مهمة : شاتوبريان، أو مالرو في ضد المذكرات ). ولكن لماذا لا نعود إلى رحلات يوليس؟‏

من الغلط، إذن، إبعاد أدب الرحلة، أو المرور سريعاً عليه، بذريعة أنه سيثير، ضمن بعض رسائل الدكتوراه الضعيفة، تفسيرات أو تضمينات من المقبوسات، وليس دراسات أدبية وشعرية تحديداً. يوجد في كتابة الرحلة سلسلة من العوائق التي من المهم التقاطها لأنها من صميم التفكير المقارني : الحديث عن الفضاء الأجنبي، وتحويل الفضاء والزمن إلى كلمات، وحياة الرحالة والشعب الذي نكتشفه أو نجده ثانية.‏

- نماذج أدبية :‏

لن ننسى الصياغة الأدبية لهذا الفكر. ونعلق اهتماماً خاصاً على النماذج المنظمة للنص، وعلى المراجع الأدبية، النابعة غالباً من أدب البلد المقصود. يمكن أن تكون السلطات المذكورة الكتاب المقدس النزوح، الترحال، الحياة مثل PEREGRINATIO VITAE)، أو الأوديسا وبحارها الذي لايتعب، أوبعض الأعمال الكلاسيكية العظيمة مثل الكوميديا الإلهية حيث الانتقال الخارق، والتجوال الروحي، ومختارات من المرئيات والمسموعات، ومجموعة من المعارف، ونص يقدم صوراً عميقة الدورة الجهنمية). وبالنسبة للرحلة إلى إسبانيا المحببة لدى الرومانسيين، من سيتحدث عن أهمية روايات بيكارسكية، ودون كيشوت بمناسبة وصف الفندق، ووجبة عشاء سيئة، ويوم على ظهر حمار _ حمار سانشو ....‏

الرحلة بوصفها جولة بالكلمات ضمن ثقافة أجنبية، تستحق أن تدرس بالنسبة للسلطات الكتبية والثفافية التي يضمن الرحالة الأسطرات الممكنة لمثل هذه الحدود الخاصة لها، من أجل إعادة كتابة فضاء الآخر وثقافته، ومن أجل الآليات والمبادئ التي تنظم صورة الآخر، وسنجد اختباراً جديداً لها لاحقاً انظر الفصل الرابع ).‏

ولكن إشكالية الرحلة لاتتوقف فقط على الصور المتكررة في قصة الرحلة.‏

تصبح الرحلة بدورها نموذجاً لعدد من القصص، والتخيلات. لا وجود ليوتوبيا) دون رحلة مسبقة، وغالباً رحلة عودة، مضمونة من البعد النقدي للخطاب عن الأرض المجهولة، ولكنها غالباً عكس الأرض التي نعود إليها (35) لا وجود لمغامرات - حقيقية أو خيالية - دون رحلات إرادية ضمن مجموعات بحرية، أو رحلات أرضية، أو تحت أرضية، أو فضائية.‏

- من الرحلة إلى الرواية :‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 12:52 PM
في هذا الصدد، يقدم نص الرحلة الخيالية - من لوسيان إلى جول فيرن - سلسلة من المبادئ المعكوسة بالمقارنة مع قصة الرحلة.‏

- الرحلات الخيالية‏

الرحلة جواب، وعبور من المجهول إلى المعلوم، والرحلة الخيالية تساؤل، وصدمة عائدة حول العالم المرجعي المشترك للرحالة والقارئ. قصة الرحلة سلسلة متوالية خطية لوصوفات، وانطباعات، وتجارب، والرحلة الخيالية تسترجع الجوانب) العاطفية لكل رحلة، ولكنها تتحول إلى غوص ضمن الكتب، ورحلة في الكلمات التي تتطور انطلاقاً منها وتنتشر الفانتازيا) الحلمية والمعجمية للرحالة - الراوي. ربما نفهم بصورة أفضل صحة جملة جورج - لويس بورج المثيرة، والتي تفتتح TL?N ,UQBAR ORBIS TERTIUS) تخيلات) : " أدين باكتشافUQBAR إلى اجتماع مرآة وموسوعة " رحلة ضمن الكلمات، والمعرفة ،وأيضاً ضرورة قلب الصورة وإقامة علاقة تشابه بين العالم المكتشف، والعالم الذي نظن أننا جئنا منه. قصة الرحلة هي تخصيص لفضاء جغرافي، والرحلة الخيالية هي تخصيص لأفكار، وإعادة تشكيل شفهي لفضاءات أسطورية. تشهد قصة الرحلة، من خلال خياراتها الجمالية والأخلاقية، على لحظة ثقافية، أما الرحلة الخيالية فإنها تقترح، من خلال مجموع المعارف التي تبنى حولها، والتي انطلاقاً منها تنزاح، جولة فكرية وروحية حقيقية، مساراً نقدياً عندما تأتي العودة إلى المعلوم)، ومساراً تلقينياً.‏

كلما كانت قصة الرحلة أدبية أكثر، كلما ابتعدت عن مدونة الرحلة، وفوريتها، وعوارضها، واقتربت للذوبان في الرحلة الخيالية، وملاقاة الخيال الثقافي، والاجتماعي لبلد الأصل، الذي لم تتركه إلا من أجل عرضه بصورة أفضل، أو التنكر له، أو الحكم عليه.‏

- الرحلات وروايات المغامرات:‏

من المهم ملاحظة إلى أي حد تحتفظ قصة الرحلة، ورواية المغامرات، الرواية البيكارسكية، والرواية التعليمية، والرواية المسماة - رومانسية - من كل نوع، حتى رواية الجاسوسية) بعلاقات كتابية ضيقة، ووظيفة اجتماعية وثقافية.(36)‏

الرحلة الروائية، مثلما تشكلت في القرنين السادس عشر والسابع عشر، هي أولاً الضمانة لمخزون لامحدود من المغامرات التي يقوم بها المحرك الأول، البطل والرحالة. كل محطة، وفندق، وبيت، ومدينة، وقصر، وكل لقاء عاطفي، مضحك، وغريب، ومأساوي، وكل بلد يجتاز، وكل طبقة اجتماعية معروفة، كل ذلك يؤدي إلى تشكيل نصي للرواية، وتشكيل أخلاقي وفكري للبطل. في سياق الرواية وجسدها، ستذوب الحياة الخيالية للبطل - الرحالة، وتستحضر ديكورات) جديدة، وتتم ملاحظة الأخلاق، خاصة أخلاق البلاد، والشعوب المقصودة، وبعض الخصوصيات الأخلاقية المرتبطة، بشدة، بفيض واسع من الحوادث، وحلقات المغامرات.‏

سنتعرف أيضاً جيداً على بطل ماتيو أليمان، غوزمان دوألفراش، عابراً إلى إيطاليا، مثلما سنتعرف على الرجل ذي القدرة) للأب بريفوست الذي يسافر ضمن الممالك الغربية الرئيسية. الرحالة هو آلية القصة الروائية، ومبدؤها، وغايتها في الوقت نفسه، لكونه مستعداً في الأصل، خاصة إذا كان شخصية روائية، ويشبه البطل الإشكالي الذي عرّفه لوكاتش في كتابه نظرية الرواية). يعطي الرحالة من خلال لقاءاته مع العالم الخارجي، وردات فعله، ومفاجآت قلبه، الإيقاع العام للرواية. إنه يسمح، لجسده المدافع، بتشكيل توتر طويل ووحيد لايوجد إلا بحسب المصاعب غير المرئية إلى حدما التي يتعرض لها هذا الرحالة الذي لايتعب، والمراقب، والمغامر، والفيلسوف، والمحارب، والوحيد، والاجتماعي ،والمتفائل أو المتنور.‏

منذ روايات الفروسية، تختلط الرحلات والأشكال الروائية، وتغتني بعضها من بعض من أجل تقديم نصوص يصنع تتالي اللقاءات فيها نظرية للمغامرات، وتجد المصاعب، التي لا وجود للروائي من دونها، تعبيراتها، وكثافتها ضمن الفضاء الأجنبي، المطلوب باستمرار، والمتسبب بالفوضى الظاهرة للرواية، واغتراب القارئ، في الوقت نفسه.‏

فوضى ظاهرة، لأنه كان يعتقد بقوة، في القرن الثامن عشر والذي يليه، بالفضيلة المكونة للرحلات .‏

كتب غاستون باشلارد في الحق في الحلم) P.U.F -1970) ، دفاعاً عن الرحلة والحلم بخصوص مغامرات غوردون بيم) لإدغار آلان بو، مغامر العزلة) الذي يوصل إلى قارئه، الروح التائهة، والحالمة. الرحالة الكبارهم أيضاً حالمون كبار، ويكشف الميل إلى الارتحال، ميلاً إلى التخيّل، بحسب رأي الفيلسوف المقيم، صديق الكتب. لم ترفض الرواية الجديدة) الإطار المناسب الذي تقدمه الرحلة للسرد. إن رواية بحار جيبرالتار) لمارغريت دوراس، والتعديل) لميشيل بوتور، مثل رواية ج. م.غ لوكليزيو، كشفت ألعاباً أدبية جديدة، واتفاقيات جديدة بين الرحلة، والتجربة الفردية، والكتابة (37)‏

من أجل نظرية للتوسيط الثقافي.‏

على من سيواجه هذا الفصل ضمن تلخيص الكتاب، أو سيعود إلى هذه الصفحات بعد معرفة المجموع، أن يأخذ في الحسبان أن الموضوع الذي يفتتح هذا التقديم للأرضية) المقارنية، يتضمن ، كتحصيل حاصل، الموضوعات الأخرى كلها. سواء تعلق الأمر بالقراءات، أوالتلقي مشكلة الجمهور والمرسل إليه)، أم المترجم بوصفه وسيطاً انظر الفصل الثالث)، أم تقديم العالم الأجنبي، انظر الفصل الرابع)، أم الموضوعاتية انظر الفصل الخامس )، أم تطور الأسطرة انظر الفصل السادس)، أم الأسئلة المتعلقة بالنماذج والأجناس الأدبية، انظر الفصل السابع)، أم المنظومات الأدبية مكانة الوسطاء ودور المناطق المحيطية، انظر الفصل الثامن )، أم العلاقات بين الأدب والأشكال الأدبية الموازية انظر الفصل الثامن)، أم العلاقات بين الآداب والفنون انظر الفصل التاسع)، فإن إشكالية الاحتكاكات، والتبادلات، والوسطاء حاضرة أو مندمجة كلياً أو جزئياً بموضوعات الدراسة والبحث هذه. لن نؤخذ بهذا الوضع المفضل : تبقى التبادلات أساس كل دراسة مقارنة. نرى إذن، أنه على الرغم من الانتقادات أوالتحديدات التي أشير إليها، فإنه من غير المناسب، وحتى غير معقول إهمال هذا المجال، بسبب قدمه أوتعقيده. مما لاشك فيه أن هذا المجال ينفتح كثيراً على التحليل التاريخي، الذي اتجه بشدة، منذ عقود عدة، نحوالتاريخ الثقافي وتاريخ العقليات، والحساسيات في الزمن الذي تخلت فيه الآداب عن هذه المسائل. توضح الدليل، ولايمكن تجاوز التأملات، والأعمال التاريخية من أجل التركيز على الصلات والعلاقات الأدبية والثقافية.‏

الهم الذي أملى المقاطع المخصصة لكتابة الوساطة، وشعرية الرحلة يظهر كيف تستطيع مستويات تاريخية وشعرية أن تتداخل، ومتى يجب ذلك. فجأة، يفقد النقد حول عدم جدوى مسائل الوسطاء، والتبادلات الأخرى، وسماتها الوصفية، والتندرية والبحثية، قليلاً من قوته. ونلاحظ أهمية المبدأ الأساسي للتأمل المقارن : لايوجد موضوع فقير أو قبيح، لايوجد إلا موضوعات مطروحة بصورة سيئة كتتمة لدراسة المستويات التاريخية والشعرية، يبقى علينا مواجهة مستوى أكثر عمومية، أو نظرياً هو مستوى منطق هذه الاحتكاكات نفسه، وهذه العلاقات، وخاصيتها النظامية إلى حد ما. إلى أي حد يمكن تشكيل مجموعة من العلاقات المتحركة والمتخفية دائماً؟ سنجيب عن هذا السؤال في الفصل الرابع عندما تعطي دراسة صور العالم الأجنبي وتقديماته إلى مجال العلاقات الثقافية، شكله الأكثر شمولاً ووضوحاً في الوقت نفسه.‏

- المقارن رحالة متميز :‏

إن اجتياز فضاءات أجنبية، والبحث الدؤوب عن فكر الآخر، والتجول في المكتبات، والتحقق من علاقات توضيحية جديدة بين الأدب و شيء) آخر، يجعل من المقارن رحالة متميزاً.‏

ليس أبداً على طريقة أممي سطحي وفارغ، أو متجول دائم، يطرق أبواب العالم الأجنبي من أجل البحث عن بعض الزاد، أو التسويغ، ولكن من أجل اقتراح مسارات وخطوط جديدة، في جمهورية الآداب) .المقارن رحالة لأنه لاينسى طريق العودة، وهو يتقدم داخل أراضِ جديدة، ولأنه يتطلع لأن يكون نقطة تبادلات دائمة بين ما يكتشفه، وبين ما يحمله بصورة دائمة، ولأنه ينقل مع أدواته تابوت العهد) كوسيلة للتفاهم بين الثقافات : إنه الأدب العام والمقارن .‏

(1) Mesologie : دراسة التأثيرات المتبادلة للأوساط والأعضاء التي تعيش فيها.‏

(2) انظر، ج، ج، كينيدي، تخيل باريس، منفي، الكتابة والهوية الأمريكية، مطابع جامعة بال، 1993.‏

(3) انظر المؤتمر الرابع والعشرون S.F. L. G. C.? ستراسبورغ، 1992‏

(4) انظر مجلة Giovanna Trisolini ، طبعة Letteratura di frontiera‏

(5) انظر أعمال الندوة العالمية التي نظمها بيير برونيل، باريس وظاهرة العواصم الأدبية، ملتقى أو حوار الثقافات، باريس، مطابع جامعة السوربون، 1986، مجلدان .‏

(6) انظر أعمال الندوة العالمية التي نظمها جاك هوري : توليد 1085-1985) ترجمات قروسطية للأسطورة الأدبية، غي تريدانيال، 1989.‏

(7) انظر جون كينغ ، SUR? دراسة عن صحيفة الأدب الأرجنتيني، ودورها في تطور الثقافة، كامبريدج، مطبعة الجامعة، 1986‏

(8) انظر، ش. ديديان، فيكتور هوغو وألمانيا، مينارد، الآداب الحديثة، 1964- 1965، مجلدان، مارك شيمول، ميغيل أنجيل أستورياس في باريس في سنوات الجنون، غرونوبل، مطابع الجامعة، 1987 .‏

(9) انظر، الأجانب في الثورة الفرنسية، عدد خاص R.L.c? 1984 /4‏

(10) انظر ش. ديديان، الأممية الأدبية لشارل دوبوس، SEDES ، 1965-1967 ،ثلاثة أجزاء‏

(11) فيلسوف هولندي من القرن السادس عشر‏

(12) انظر بيرناديت ليموان، الدخيل الروحي والجمالي في حياة لافكاديو هيرن وأعماله 1850- 1904، ديدييه، 1988.‏

(13) بوشيه، شاستيل، 1953‏

(14) ميركور دوفرانس، 1967‏

(15) انظر فرانسوا مورو، طبعة De bonne Main ، الاتصال المكتوب‏

في القرن الثامن عشر، أوكسفورد، فولتير، فونداسبون، 1994.‏

(16) انظر، ميشيل كادو، طبعة أي. م، روفاغوي، مبشر الرواية الروسية، باريس، معهد الدراسات السلافية، 1989.‏

(17) مثل‏

Annales .Esprit .Memoires. Diario de los Espagne , Giornali dei letterati en Italie. Moralische Schriften en Allemagne .‏

(18) مثل Censeur , Spectateur , Observateur‏

(19) انظر دراسة كلود، مورسيا، R.L. C. 1992/1‏

(20) انظر أدب الرحلات الكبيرة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، سجلات الجمعية العالمية للدراسات الفرنسية، 1975، رقم /27.‏

(21) انظر معرفة العالم الخارجي، مختارات مقدمة في ذكرى جان - ماري كاري، ديدييه، 1965‏

(22) انظر فرانسوا مورو، طبعة تحولات قصة الرحلة، باريس، شامبيون، 1986 .‏

(23) هذا غير صحيح .م).‏

(24) الرحلة في الأدب العربي الحديث، R.L. C.، 1994، ج1‏

(25) المعادلة الشخصية :تصحيح ملاحظة متعلقة بحادث عابر من المطلوب تقديره في اللحظة التي جرى فيها. المترجم).‏

(26) أوربا الأنوار، ستوك ، 1966.‏

(27) انظر فريدريك ولفزيتيل، هذه الرغبة للرحلة، طرق تطور الرحلات الفرنسية في القرن التاسع عشر، توبنجن، نيميير، 1986.‏

(28) Th.mann ، الموت في البندقية‏

(29) السنوات الثلاث في آسيا للكونت دوغوبينو، أو معرفة الشرق لبول كلود .‏

(30) جوزيف كيسي، رومان غاري .‏

(31) Tristam Shandy ,Iv.. 14‏

(32) تركيب عن طريق التقريب، دون أن تشير كلمة الربط إلى طبيعة العلاقة بين الجمل م)‏

(33) أدب وتطور : سرعة العالم ورؤيته، نوشاتيل، لاباكونيير، 1973.‏

(34) المشكال : آلة أنبوبية تحتوي على مرايا مركزة بحيث أن الأشياء الصغيرة الملونة الموجودة معها في الأنبوب تتحرك فتولد رسوماً مختلفة الأشكال والألوان.‏

(35) انظر ريمون تروسون، رحلات إلى بلاد لا وجود لها ،تاريخ الفكر اليوتوبي، بروكسل، طبعة الجامعة، 1975، جان ميشيل راكو، اليوتوبيا السردية، - 1675-1761 - مؤسسة فولتير، 1991.‏

(36) انظر، جان - إيف تادييه، رواية المغامرات، p.u. f ن 1982‏

(37) انظر دراسات عن الرواية، أفكار، غاليمار، لميشيل بوتور، الفصل المخصص لفضاء الرواية.‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 12:56 PM
- 3 - قــــراءات





بعد الاتصالات الإنسانية، والفكرية، واللقاءات، والاتصالات المادية، والرحلات، سيدرس المقارن العلاقات، خاصة الأدبية منها : الترجمات، والآداب في الترجمة. إننا نرى أنه ليس هناك أي حل في الاستمرارية بين التبادلات في الفصل السابق، واكتشاف الآخر من خلال النص المترجم، هذه التجربة مع العالم الخارجي التي هي الترجمة. المترجم وسيط لغوي، وثقافي إذا أعدنا أخذ نص والتربنجامين الموجود في - أسطورة وعنف، دينويل، 1971)، فإن مهمة المترجم هي مهمة التفسير، والترجمة، والنقل .(1)‏

تعني الترجمة أن ننقل نصاً من ثقافة إلى أخرى، ومن منظومة أدبية معينة إلى منظومة أخرى، إنها إدخال نص في سياق آخر.‏

وقد يكون المفسر دائماً ناقداً إلى حد ما : إن إعادة الكتابة عنده هي عمل التفسير، وإعادة التفسير. وهو بدوره سيثير أحكام الجمهور على الترجمة، والنص الأصلي، دون شك، وعلى الصورة الأدبية، والجمالية، وحتى الأخلاقية للأدب، والثقافة اللذين جاء منهما هذا النص الثقافة - المصدر). بصورة أو بأخرى يحتفظ النص المترجم ببعض السمات الأجنبية، وإذا حاول أن يذوب في النتاج الأدبي للبلد المترجم، أو في الثقافة - المستقبلة)، فإنه سيكون دائماً، إلى حدما، أدباً مستورداً، وقطعة دخيلة ضمن المنظومة الأدبية التي تستقبله. وفي النطاق الذي لا يستطيع فيه الأدب المترجم) أن يمحي، بصورة كاملة، أصله الأجنبي، فإنه سيثير قراءات ليست فقط ذات قيمة جمالية. إن دراسة هذه القراءات، تؤدي إلى وعي الطبيعة الخاصة لبعض الاتصالات الأدبية.‏

- الترجمة : تأملات في ممارسة :‏

الترجمة نشاط غريب: إن قراءة نص أجنبي ستنتج نصاً ثانياً، أو نسخة ثانية عن الأول. ستصنع متابعة القراءات لنفسها كتابة سجينة ضرورات متناقضة في الظاهر : فمن جهة احترام النص الأصلي، النص المصدر، ومن جهة أخرى ضرورة إنتاج نص آخر، النص - المستقبل، وهو نص مبدع، أوأعيد إبداعه. يجب أن يفهم من إعادة الإبداع، هذا الخلق الغريب تحت رقابة النص الأول، مع فرض حرية ضرورية، وتأرجح بين الانقياد المطلق ترجمة أمينة، أو أدبية، أو حتى ترجمة مقابلة للأصل)، والحرية في الاقتباس أو التغيير، أو التزوير، في الوقت نفسه. النص المترجم نوع من اليوتوبيا)، واللامكان كلمات استخدمت سابقاً لوصف الأدب المقارن)، لا يشبه النص الأصلي بصورة كاملة، ولا يمكن أيضاً تمثله ضمن نص كتب مباشرة في اللغة نفسها التي كتب بها والتي هي لغة الاستقبال. يؤدي النشاط الترجمي إلى تحويل نص مستقبل إلى نوع من التناص.‏

كتابة اختلاف :‏

الترجمة هي التعبير اللغوي، والأدبي عن تباعد بين ثقافتين، وعن اختلاف انظر أيضاً تعريف الصورة في الفصل القادم). هذا الاختلاف هو بالتحديد الجزء المبدع، والأصيل في حالة الترجمة. أيضاً، هل السؤال الدائم عن أمانة الترجمة هو سؤال مزيف مثل سؤال زيف الصورة)؟ من وجهة نظر اللغة _ المنبع، يمكن أن تقرأ أي ترجمة كخسارة، ولكن من وجهة نظر اللغة - المصب يمكن أن تفسر الترجمة كقراءة جديدة تستطيع أن تجلب للنص الأصلي معانيَ جديدة، وأبعاداً جديدة يمكنها أن تدفع إلى الاحتجاج على الخيانة.‏

مع الترجمة، يجب قبول أن يظهر نص ثانية في مرآة لغة، وثقافة أجنبية بحسب الصورة السعيدة لأنطوان بيرمان .(2)‏

ولكن هذه المرآة، لكي تستطيع أن تكون مرآة ثقافة أجنبية، فإنه لايمكنها أن ترسل إلا صورة ليست أمينة، ولكنها أخرى.‏

عندئذ نتكهن ببعض الطرق الخاصة، ونأخذ علم الترجمة) كما فهمه المقارنون. هؤلاء ليسوا مسؤولين قط، هذه المرة، عن هذا التعبير الجديد : لقد أخذ من جان - ريني لادميرال (3) ، ومن هنري ميسشونيك .(4)‏

ستنطلق الدراسة المقارنة من هذا المفهوم الأساسي للتباعد، والاختلاف، وستحاول إيضاح طبيعة هذه التبدلات الأدبية الداخلية ووظيفتها الممكنة، والتي يشكل مجموعها ما يسمى ترجمة. الترجمة فعل قراءة ،وتفسير، وإعادة كتابة، ومشروع استيراد وتطبيع، وهي نتيجة مجموعة من الخيارات ذات طبيعة لغوية، وأسلوبية، وجمالية، وأيضاً إيديولوجية. لماذا هذه الخيارات؟ هذا هوا السؤال الكبير والوحيد.‏

- الترجمة الأدبية :‏

تحاول الترجمة المقارنة)، بسرعة إلى حد ما، أن تدرس كنشاط اجتماعي، وتواصلي. يحتفظ المقارن بالترجمة من اجل عملية على لغة أجنبية، وعلى تفكير الآخر أيضاً، وجماليته وثقافته : هذه المنظورات أنتروبولوجية) بمقدار ما هي لغوية أو أدبية. ولكن لأن الأمر يتعلق بالأدب، فإن الترجمة الأدبية) عملية على لغة تعد اصطلاحاً تعبيرياً متميزاً وخاصاً بكاتب معين. في هذه الحالة، نريد أن نتكلم عن تفسير في المعنى الموسيقي للمصطلح : تعني الترجمة نوعاً من الاحترام للنص الآخر الذي يجب فهمه، واستيعابه، ولكن يجب أيضاً الاحتفاظ بأصالته غير القابلة للتشويه، وبغيريته (5) كذلك القول في الحلم، مثل رولان بارت في أمبراطورية العلامات) :‏

" الحلم : معرفة لغة أجنبية غريبة) دون فهمها، وإدراك الاختلاف فيها دون أن يسترجع هذا الاختلاف أبداً من خلال اجتماعية مصطنعة للغة، تواصلية أوعامة، ومعرفة استحالات لغتنا، المتوزعة إيجابياً ضمن لغة جديدة: معرفة نظامية غير المعقول، وهدم واقعنا) تحت تأثير تقطيعات، وقواعد أخرى، واكتشاف مواقع غريبة للموضوع ضمن التعبير، ونقل طوبولوجيته )(6) ، بكلمة واحدة، الدخول ضمن ما يتعذر نقله أوفهمه. " لماذا تبدّت نقطة النهاية هذه بصورة متناقضة؟ في حالة الترجمة الأدبية ،من المهم السير حتى حدود الممكن، وما يمكن نقله.‏

يقوم المترجم، بعد الكاتب الذي يترجم له، بهذا النزول الغريب إلى الجحيم الذي يسمى صمتاً، وانعدام الحديث، وغياب الكلمة. وخلال الزمن كله الذي تستغرقة ترجمته التي هي نقل وتحويل)، ويستغرقه صعوده الجديد، فإنه سيحتفظ، من نزوله، بقليل من هذا الغامض الذي هو كل كتابة. هذا هو إذن مدى حقل الدراسات المقارنة للترجمة، بدءاً من المعطيات التاريخية، والثقافية التي تختبر حضور الاتصالات اللغوية ودورها، وكذلك ظواهر التبادلات، والانتقالات اللغوية، والأدبية، والجمالية، والإيديولوجية ، مسائل المثاقفة)، وحتى الوقائع الشعرية، مروراً بسلسلة التجارب الثقافية وحقائقها التي تختصرها كلمات القراءة، والتفسير، والتلقي. يعطي أهمية هذا المسار وغناه، حتى الآن، عذراً لبول فان تييغم عندما قدم سابقاً دراسة الترجمان بوصفها : " مقدمة ضرورية لأكثر أعمال الأدب المقارن "‏

- الترجمة والتاريخ الثقافي.‏

الترجمة ظاهرة تبادلات تتطلب رؤية واضحة، ومحددة، ومفصلة للسياق الذي انبثقت عنه، والذي تتوجه إليه.‏

سنفهم أن الأمر يتعلق ببحوث معقدة، مدارة أحياناً بطريقة جماعية. إذا كانت تبدو قليلاً أن لها علاقات مع تصور تعليمي خالص، فإن لها أهمية كبيرة أيضاً في الفكر المقارني، ويجب أن تكون حاضرة في الذهن عندما نريد أن نضع برنامجاً عاماً للدراسات حول الترجمة .‏

- البحوث الوصفية والكمية ‎:‏

من أجل دراسة مكانة النشاط الترجمي ترجمة وطبع)، في حقبة وأدب معينين، يجب امتلاك فهارس) مفصلة تقدم مجموعة النصوص التي طبعت، وانتشرت، وإلى حدما، التي قرئت : لقد نشرت هذه النصوص إذن معارف قادمة من بلد أجنبي. ويجب أخذ هذه المعارف بالمعنى الواسع. في إسبانيا، كانت النخبة المثقفة، في عصر الأنوار، تترجم أعمالاً بلغة فرنسية، منها ما هو مترجم أحياناً من الإنكليزية، وذلك بسبب الإحساس بنوع من التخلف في المجالات العلمية، والتقنية الطب، والفيزياء، والكيمياء) ولم تكن الترجمات الأدبية الأكثر عدداً. يوجد هنا جانب كمي يسمح بإعطاء الأدب مكانة أكثر دقة مما أعطاه له التاريخ الأدبي. إن جمع المواد والمعلومات عملية صعبة. ومملة. لقد قارنها بعض الباحثين حديثاً بسباق حواجز) P.L.C، 1989 / 2).‏

إذا لم يكن هناك أهمية كبيرة لأن يعرف الأدبي) ضخامة الترجمات العلمية التي حصلت في بلد معين، فإن هناك مجالات مطلوب فيها المعرفة الأكثر دقة ممكنة : مثلاً عندما يتعلق الأمر بالمسرح، سندرك فائدة معرفة الترجمات المنفذة كلها وليس فقط المقدمة) ،والمطبوعة، والمخطوطة أيضاً، يمكن لهذه الترجمات المخطوطة أن تكون موضوع عروض خاصة، لايستهان بجمهورها حتى في القرن التاسع عشر. يجب إذن الوصول إلى قائمة بالترجمات المنتجة) حقيقة، والمكتوبة، والمطبوعة أوغير المطبوعة، والمطبوعة ثانية دلائل على بعض النجاح ). بذلك يحصل المختصون على فهارس يجب أن تتضمن المعطيات المادية والاجتماعية.‏

نحن قريبون من تاريخ الكتاب، كما يفعل المؤرخون بشيء من التحديد، كلما كان ذلك ممكناً، حول الحجم، والثمن. من أجل العودة إلى خصوصية البحث، يجب إعطاء اهتمام خاص للإيضاحات التي تنبئ ببعض نماذج الترجمات أو ممارساتها : تقليد لـ ....) اقتباس من ...) وفق...)، هذه الصيغ، والتعابير لها قيمتها بوصفها مؤشراً من أجل تقويم النشاط الترجمي. يمكننا العمل بالاعتماد على بطاقات المكتبات وفهارسها، وعلى المعلومات والإعلانات الصادرة في الصحافة الصحف، والمجلات): للبحث الفضل في تقديم معلومات حول التلقي، حتى في غياب مقالات نقديه مرافقة. تسمح بعض البيانات التي هي في منتصف الطريق بين الخبر والدعاية بدءاً من القرن الثامن عشر تحت أشكال بدائية)، بتقويم ماحُمِل أو أوصي به لقراءة جمهور محدد. لايمكن إهمال هذه المعلومات عندما نعود إلى عصور لايوجد فيها فهارس) عامة عن المكتبة) : نقصد عن الإنتاج والنشاط المطبعيين.‏

بالنسبة لفرنسا، لاوجود لأداة موثوقة إلى حد ما إلا بدءاً من عام 1811م. يؤدي التحقق من عنوان أحياناً إلى لغز أكثر مما يؤدي إلى معلومة حقيقية : إن ترجمة معينة دون اسم المؤلف، مع عنوان مزيف بالمقارنة مع عنوان النص الأصلي، تجعل العودة إلى العمل الأصلي صعباً. وعليه، فإن دراسة الترجمة يمر عبر التعرف على مؤلف النص الأصلي، والمترجم إذا أمكن ذلك. يمكن لبعض الترجمات أن تشكل موضوع نسبة، أوإعادة نسبة، وهذا له أهميته في تقويم نشاط هذا الكاتب أو ذاك. وهذه ليست الألغاز الوحيدة، أونتائج التمويه : إن ذكر الأعمال الكاملة لكاتب ما) يجب أن تجبر الباحث على التأكد من أنه لايوجد، ضمن هذا الكم، ترجمات جزئية، ومقاطع لم تظهر أبداً في طبعة مستقلة، ولكن يجب، مع ذلك، أخذها بعين الاعتبار. يمكن أن لاتكتمل الترجمة وهذه حالة أكثر شيوعاً مما نتوقع)، ولكن لها أهميتها في التقويم الدقيق لوجود مؤلف، ونص أجنبي، وانتشارهما، وثروتهما هذه الكلمة مفضلة في الأدب المقارن ).‏

- الترجمات والتاريخ الأدبي .‏

هكذا يمكن لتاريخ الترجمات أن يتكوّن ويأتي ليوسع التاريخ الأدبي، إنهما غالباً متقاربان أكثر من كونهما متوازيين. دون العودة إلى مثال ليفيوس أندرونيكوس المترجم اللاتيني للأوديسا لهوميروس الذي سجل، في القرن الثاني قبل الميلاد، بدايات أدب لاتيني جديد، وأشار، عند الحاجة لذلك، إلى الدور المحرَِض) الذي قام به النص الأجنبي، فإنه من المستحيل تقريباً دراسة حقبة أدبية دون الأخذ في الحسبان الدور الذي قامت به الترجمات : سواء تعلق الأمر بالروايات) القروسطية الأولى رواية THEBES، ورواية الاسكندر)، أو بالنهضة مع AMYOT، مترجم حياة رجال مشهورين) لبلوتارك، أو لوثر مترجم النص المقدس الذي حدد نصه ولادة الألمانية الحديثة ... إن استعراض الموجات الكبيرة للترجمة بإيجاز، مثل الترجمات في فرنسا عن الإسبانية في النصف الأول من القرن السابع عشر، وعن الإنكليزية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، طريقة للتعرّف على المؤثرات) الأجنبية، والتيارات الأدبية، فذلك إذن كتابة أو إعادة كتابة للتاريخ الأدبي. في عصرنا، يمكن لمجلد شامل عن الترجمات أن يساعد على تقديم بعض الملاحظات حول آلية التبادلات الأدبية والثقافية.‏

هكذا ،فإن فرنسا، بصورة عامة، ترجمت، لحقبة طويلة، أقل بمرتين من ألمانيا أقل من ثلاثة آلاف عنوان عام 1977 مقابل أكثر من ستة آلاف في الطرف الثاني من الراين ).‏

من وجهة نظر الفرانكوفونية)، فإن سويسرا، وبلجيكا ـ وكيبيك تضاعف كثيراً من النشاط المطبعي لفرنسا في موضوع الترجمة، وبذلك تنوع خيارات النشر وإمكانياته. من جهة نظر مزدوجة للمجال الثقافي وسوق الطباعة بين عامي 1945- 1975 ، فإننا نجد أنه من أصل أربعمئة ألف عنوان تشكل الإنتاج الفرنسي المطبعي، هناك خمسة وأربعون ألف عنوان مترجم من بلدان مختلفة، أي ما يمثل 11%) من مجموع الإنتاج. ولكن انطلاقاً من هذا المعطى الإحصائي تكشف معطيات أخرى عن خيارات، أوعلى الأقل عن توجهات : تمثل البرازيل التي تعد في فرنسا إحدى قمم الإثارة، / 2,0 % / مع نحو مئة من العنوانات خلال ثلاثة عقود. ترجمت إيطالياً عدداً كبيراً من الأعمال الفرنسية في حين أن فرنسا قد ترجمت قليلاً عن الإيطالية. نسجل أو نكتشف أن هناك عدم توازن، وتناسق في التبادلات. إن وجود لغات تسمى نادرة) ضمن النظام التعليمي الفرنسي، يمثل تفسيراً من بين تفسيرات أخرى، الذي يمكنه أيضاً أن يمثل جزءاً من مشاريع بحوث أو أفكار. أيّ نماذج من الدراسات المقارنة الخالصة نستطيع أن نواجه، في هذا المستوى التاريخي؟ من خلال المقاربة التاريخية للترجمات، يمكن أن تحدد معرفة للإنتاج الأدبي. يمكننا القيام بمقابلات تزامنية أو تعاقبية بين الترجمات وتطور الأجناس مسألة مطروحة في الفصلين السابع والثامن). تسمح المنظورات التزامنية والتعاقبية بمقاربة مسألة معرفة نص أجنبي وانتشاره، وذلك هو أساس كل دراسة للتلقي، كما سنرى لاحقاً.‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 12:58 PM
يفضل بعضهم الترجمة الأولى للامساك بتطور دخول نص أو مؤلف ضمن ثقافة أجنبية. ولكن سنكون حذرين إزاء تأريخ الترجمات الذي لايحترم إلا نادراً نظام خروج النصوص الأصلية. لهذا التأريخ المزدوج نتائج لايستهان بها في نشر عمل في العالم الخارجي، وفي صورة كاتب في لحظة معينة. دراسة شخصية مترجم ونشاطاته تتقاطع مع الدراسة المخصصة للوسطاء : إنها تستطيع أن تقترب من الدراسة الأحادية، أو السيرة الذاتية، وتستطيع أيضاً أن تؤدي إلى إظهار الفروقات بين معارف العلاقات الأدبية بين البلدان أوالقارات.(7)‏

أما فيما يتعلق بتقويم عمل الترجمة، بالمعنى الخالص للكلمة، فإنه غير ممكن إلا بتجاوز المنظور التاريخي والوصفي إلى المنظور الذي ينفتح على مسائل الشعرية، لأنها تخص تكوين النص. فيما يتعلق بالكتّاب المترجمين، من الأفضل عدم فصل النشاط الترجمي عن النشاط الإبداعي بالمعنى الدقيق للكلمة.‏

- شعرية الترجمة :‏

قبل كل تحليل، يجب التأكد من أن النص الأصلي هو النص المصدر للترجمة، التي تستطيع أن تستخدم نصاً ثانياً، وترجمة أولى تقوم بدور النص الوسيط : يبقى البحث الفهرسي والمتبحر نقطة انطلاق إجبارية .‏

- العمليات والمعالجات النصية :‏

يمر تحليل عمل الترجمة عبر تحقيق عدد من العمليات، والمعالجات، والتدخلات من قبل المترجم، وطرق الكتابة، يشكل مجموعها جمالية الترجمة، مع الميل إلى تحقيق بعض الاستقلال إزاء النص - المصدر (8) لايتعلق الأمر إذن فقط بالتقاط الأغلاط)، و التشويهات)، والإسقاطات، والمقاطع المتجاوزة، و الحذف)، كما كان يقال في العصر الكلاسيكي، وعصر الخائنات الجميلات) لبيرو ألبانكور، وهي نماذج عن الترجمة الحرة، وشرح النص، وإعادة تشكيل وتوسع أكثر من كونها نماذج لكتابة ثانية (9)‏

- مرفقات النصوص :‏

من بين تدخلات المترجم الأكثر وضوحاً، سنرفع التمهيد أوالملحق (10) ، والإشارات في أسفل الصفحة، والمصطلحات المضافة في نهاية النص، على شكل قاموس للصعوبات، أو الكلمات التي من الصعب ترجمتها، أو تدجينها)، باختصار مجموع مرفقات النصوص) المحيطة بالترجمة، والتي لا نستطيع التقليل من أهميتها من وجهة نظر تلقي النص المترجم (11)‏

- ماتتعذر ترجمته‏

بالطريقة نفسها، يجب الانتباه إلى الكلمات غير المترجمة، أو التي وضعت بالإيطالياني (12) ، أو بين قوسين عمل لايقوم فقط على المبادرة الطباعية)، ولآثار التلاعبات، والإشارات التي تحدد التوقفات في تطور نقل لغة إلى أخرى، أو إرادة تنبيه القارئ إلى آثار التشويه.‏

- البعد بين النص - المصدر، والنص - المستقبل :‏

بصورة عامة يمر تحليل الترجمة عبر فحص أصغر وحدة ممكنة ذات نظام معجمي)، إلى الوحدة الأكثر اتساعاً الفصل أو المشهد) مروراً بالوحدات المتوسطة المقطع الذي يمكن أن يتبدل من النص - المصدر، إلى النص - المستقبل) يحتفظ هذا التقسيم المنتظم بالإضافات والحذف وآثارها، وكل تصرف يهدف إلى تشويه الشكل العام للنص - المصدر وإيقاعه، ومبادئه في التوزيع إضافات للعنوانات أو حذف منها، .. إلخ) يمكن أن نطرح فرضية أن مجموع هذه الإجراءات يهدف إلى مقاربة النص - المصدر وتدجينه، أو العكس إلى وضعه جانباً، وجعله دخيلاً. يوجد ضمن الكلمات أو الإجراءات المختارة عوامل تقريب، أو إبعاد، وتغريب.‏

- التصنيف الممكن.‏

تتطلب دراسة استراتيجية المترجم مبادئ تصنيف، ومفردات، وعلم قوانين التصنيف. أحد الحلول المقدمة كان الحل الذي قدمه هنريك فان غورب باقتباس عمليات البلاغة القديمة، التي أعيد استخدامها في البلاغة العامة لجماعة MU )(13)‏

إنه يميز : الإضافة ADICTIO) ، والحذف DETRACTIO) ، والإبدال IMMUTATIO)، أي الحذف - الإضافة، والاستبدال TRANMUTA TIO) أوتغيير نظام العناصر المدروسة وليس طبيعتها.‏

إلى ماذا أراد أن يضيف التكرار، بتمثّل أعمال جوليا كريستيفا.(14)‏

تُشّبه الترجمة بشكل من النص الثاني، أو ماوراء النص ).‏

تسمح كل عملية بتصنيف الممارسات، والمعالجات الخاصة.‏

هكذا، يمكن أن تتضمن عملية الإضافة كل أشكال التوسع بدءاً من إضافة مقدمة، أو رأي للقارئ مرفقات النص) وحتى تحريف الشروحات، والحواشي ماوراء النص). يمكن للإبدال أن يضم التفسير، والاقتباس، والتحريف، يؤدي الحذف إلى النص المُصغّر مقاطع، خلاصات، اختزالات، أشكال شائعة للترجمات، وحتى الأدبية، والتي تقطع ظواهر - التعميم ).‏

يندرج تحت عنوان الاستبدال) إعادة تشكيل محتمل أو مونتاج). الرواية المختلفة للنص المشهور مهمة من أجل الترجمة، وهي ظاهرة تهم الطبعة أو التاجر، وهي أيضاً شكل من الإضافة التي توجه القراءات والتلقي. هذه الإجراءات المنتجة لمعنى تجعل من الترجمة نصاً متقطعاً إلى حد ما، يحمل مجموعاً، ونظاماً له منطقه. إنها برامج قراءة مختلفة، ونتيجة خيارات واعية غالباً، ومقصودة من قبل المترجم.‏

- الترجمة والنظام الأدبي :‏

غيرّ النص - المستقبل، الذي هو صورة عن النص المصدر إلى حد ما، سياق النص - المصدر وجمهوره. من الصعب فصل الترجمة عن التلقي. تثبت الترجمة في النص المصدر تغيرات سيدرسها المقارن بصورة خاصة، مثلاً تغيرات في الأجناس. تؤدي دراسة الترجمة المقارنة مع الأصل) إلى مقارنة بين منظومتين أدبيتين.‏

انظر الفصل الثامن). ترتبط العلامة الجنسية في هذه النقطة بالترجمة التي تبقي الصفة الأجنبية لبعض الأجناس أو الأجناس الفرعية وتخليدها :‏

نشيد ألماني، حكاية عربية، قصة إسبانية، رواية ضمن الذوق) الإنكليزي، .. إن طرق الاندماج بالأدب المترْجَم تفيد شعرية مرتبطة بالتاريخ الأدبي وبجمالية التلقي.‏

- تحليلات مقارنية للترجمة :‏

تسمح دراسة المستوى الشعري بمجموعة من الدراسات المتنوعة والأبحاث حول الترجمة الأدبية وجمالية التلقي :‏

1- نسخ متعددة للنص المصدر نفسه ضمن لغة المصب منظورات تعاقبية لترجمات عديدة في عصور مختلفة، للنص المصدر ).‏

2- ترجمات عديدة في عصر واحد للنص - المصدر الواحد، في لغة المصب نفسها أو ضمن منظورات تزامنية عديدة). نقارن إذن مقاربات مختلفة لنص واحد.‏

3- خصوصية بعض الترجمات، مثل ترجمات النصوص المسرحية التي تقود الباحث أو الطالب إلى التأمل في الجمالية المسرحية بمقدار تأمله بجمالية الترجمة .تأخذ بعض الأوجه للنص المسرحي في الترجمة رونقاً خاصاً : ترجمات أسماء العلم، آثار لغوية في الحوارات لغة عائلية وتوافقات بالمقارنة مع الجمهور)، واستخدام ممسرحيات (15) وأخيراً تنوع النصوص - المصدر مثل نصوص - الاستقبال، في المسرحية الواحدة، دون نسيان عمل الإخراج يمكن استعادته في الفيديو) الذي هو أيضاً ترجمة.‏

4- نماذج من الدراسة التي تقوم تحديداً على شعرية الترجمة، والتي تقود إلى تأملات في المتعذر نقله أو حدود الترجمة .‏

- حدود الترجمة.‏

درس أنطونيو لارا (16) ترجمتين فرنسيتين للشاعر الإسباني غونغورا، وهما مثال واضح على الغموض، وتعود هاتان الترجمتان إلى بييردار مانجي مختص بإسبانيا، وفيليب جاكوتيه، وهو شاعر أكثر تعوداً على ترجمة اللغة الإيطالية أو الألمانية، كانت الأولى سنة 1943، والثانية 1984 ولكن الشاعر بقي يشتغل فيها نحو عشرين سنة) تكمن الصعوبة الأساسية لترجمة غونغورا في الاحتفاظ ضمن منطقها بإعادة بناء لغة مصاغة انطلاقاً من تهديم النحو السائد نحو القرن السابع عشر الإسباني ).‏

في هذه الحالة، هناك خلق للغة مستقلة يكون فيها الدال والنظام النحوي حاملين لمعنى. من هنا جاء تراكم الاستعارات، والاستشهادات بالثقافة الكلاسيكية، ومحاكاة النحو اللاتيني، يضاف إليه أساليب بلاغية مفضلة مثل المتلازمات، والإبدالات، وعطف البيان، والتقديم والتأخير خاصة، هذه الأساليب دفعت بعض النقاد إلى اتهام غونغورا بالغموض، وحتى بالتعمية.‏

إن أسلوب التقديم والتأخير القلب) هوالذي سيطرح مشكلة في الترجمة، ستُخفّف حدّتها عن طريق إحياء بعض التراكيب التعبيرية وإعادة التأليف. بالإضافة إلى ذلك، يسمح تحليل مقارني صوتي - دلالي صوت - معنى) بتقويم اختيار بعض الكلمات.‏

يتوجه الفحص أيضاً إلى الطريقة التي قدم فيها الأسلوب BIMEMBRATION)، الخاص بغونغورا : تقسيم البيت ذي الأحد عشر مقطعاً إلى مقطعين يكرران البناء القواعدي نفسه، وهما قادران على إقامة علاقات بينهما ذات طبيعة نحوية، ودلالية، وعروضية، وصوتيه. تؤدي دراسة هذه الترجمات إلى إعادة قراءة العمل الأصلي من هنا يأتي الخلاف الممكن مع المختصين ...)، وإلى تعميق بعض مبادئ الشعرية، وإعادة تقويم القواعد المقترحة من قبل الشاعر، والتفكير في درجات الترجمية) لنص معين، والتي تلامس عمل الشاعر حول الدال، ومادية الإشارة، والروابط بين المعنى والصوت، والإيقاع والمعنى. يحلل جون جاكسون (17) الناقد لإيف بونيفوي مثلاً) والنفساني، الأسباب التي لأجلها يعتبر أن ترجمته لبول سيلان فاشلة. لايتعلق الأمر فقط بمشاكل لغوية، أو أن هذه المشاكل تظهر إلى أي حد تكون اللغة رؤية، وتفسيراً للعالم، وتعبيراً عن علاقات الإنسان بالعالم. لغة سيلان الألمانية هي لغة تعيد تأكيد هويتها الألمانية وتعارضها.‏

بعد الترجمة، يكتشف جون جاكسون أن الكلمات التي يصنعها الشاعر، تؤلف لغة يريد أن يعطيها وضع لغة منشقة.‏

ويعترف جاكسون بقوله : الاختلاف هنا لم أصل إلى التقاطه).‏

سنكون قد سجلنا كلمة اختلاف) وأيضاً كيف، من خلال هذا المثال، لايمكن للترجمة أن تكون مجموع المشاكل التقنية التي تمس مختلف عناصر نص معين نحوية، ودلالية، وعروضية، وصرفية، وصوتية ....) ولكن رهان المشاكل ذو طبيعة أنتروبولوجية )، وحتى فلسفية .‏

- الترجمة والنظرية الأدبية :‏

يجب أن نفهم من خلال كلمة نظرية) الإطار التصوري الذي يسمح للمقارن بتتبع مختلف نماذج تطور الترجمة بدءاً من وجوهها اللغوية وحتى ظواهر الاستقبال، وذلك من أوسع وجهة نظر ممكنة. إن تاريخ الترجمات الذي رأينا فائدته في مقاربة المسائل الشعرية، يجب ألا ينسينا بعداً تاريخياً آخر ممكناً : هو اختبار النظريات حول الترجمة، هذه النظريات الخاضعة بقوة للتصورات اللغوية، والجمالية للحظة المعتبرة.‏

- مُدَونة نظرية : دراسات شعرية وشهادات‏

مع أبحاث ليفان دوهولست (18) ، نمتلك أسساً قوية من أجل معرفة تطور الفكر الجمالي واندماج الترجمة بمجال الآداب الجميلة.‏

ظهر في نهاية القرن الثامن عشر إحساس بتنوع المنظومات اللغوية والثقافية، وتطور الاهتمام بالأوجه التقنية للترجمة، وأيضاً كما رأينا، بالأدب المقارن. من الآن فصاعداً، يواجه الأدب والترجمة في علاقتهما بالروح الوطنية أو بتقاليد ثقافية محددة.‏

أين يجب البحث عن رؤى نظرية حول الترجمة؟ يجب البحث عنها في الدراسات الشعرية، دون نسيان البحوث، ونصوص الترجمة الذاتية، والنصوص شبه النظرية، والنصوص الثانوية التي تطرح، مع ذلك ممارسة الترجمة، والتي يمكن أن تشكل موضوع تنظير بالنسبة للباحث.‏

- الترجمة وما يتعذر ترجمته :‏

إذا أخذنا الوجه اللغوي، تحديداً، يستطيع المقارن أن يقابل حقيقة الترجمة، ضمن الأبعاد التي يعرفها تاريخية - شعرية) مع الرؤى النظرية لبعض اللغويين المعاصرين للنص المدروس)، أوالحاضرين عن طيبة خاطر، على شكل تدريب على تأملات عامة) مثل جورج مونان في كتابه المشاكل النظرية للترجمة )(19) حيث نستطيع التأمل في النظرية) التصورية اللغوية المطلقة )(20) ، والمواقف المطلقة لأنصار الاستحالة النظرية لكل ترجمة. بعد التذكير بالآراء التي تؤيد تعذر الترجمة من و. فون هو مبولد إلى موريس بلانشو مروراً بريلكه الشاعر والمترجم المدقق ولكنه يظن، ليس دون حق، أنه لايمكن التعبير عن كل ما يصل إلينا)، عاد إليها جورج مونان ليأخذ منها نظرية كليات اللغة (21) ، مقتفياً أثر يوشوا واتموغ، و - أ. مارتينيل. الفكرة هي التالية :‏

مهما تكن اختلافات أوجه اللغة، فإن هناك كليات أساسية، جوهرية للغة والتي تظهر ثانية في اللغات المتميزة التي اختبرت حتى الآن كلها " إنها سمات توجد في اللغات كلها ).‏

يوجد، وسيوجد كليات تتعلق بنشأة الكون، وكليات بيئوية مثل البرد، والحر، والمطر، والريح، والأرض، والسماء، وعالم الحيوان، وعالم النبات ...إلخ. وهناك أيضاً كليات بيولوجية) مثل الغذاء، والشراب، والتنفس، والنعاس، والإفرازات، والحرارة، والجنس، فهي إذن كليات تشريحية ).‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 01:00 PM
سيكون مهماً ومفيداً خاصة، مقابلة مثل هذا الموقف مع مفهوم الثبات) الذي مر سابقاً، أو مفهوم النموذج المثالي) في المعنى الذي يستعمله جيلبر دوران. بإمكان الدراسة المقارنة أن تستعمل، بصعوبة، مفهوم كلي )، ويبدو أنه يجب عليها أن تتمسك بفهم الحد الذي من الممكن عنده قبول مفهوم متعذر ترجمته) في مجال الحقائق الثقافية). تظهر مقابلة سريعة بين نص - مصدر، ونص - مستقبل في لغات متجاورة ظاهرياً مثل لغات لاتينية حديثة كالفرنسية والإسبانية، أن اللون لن يستطيع أن يكون كلياً في المعنى الذي قصده جورج مونان : سواء فكرنا بالتلون كاستيلان، الأندلس، " غجر "؟)، أم بقصائد لوركا.‏

إذا انتقلنا من المعجم إلى النحو، نلاحظ أن نصاً أوقصيدة تستغل فعلاً لغوياً، وقواعدياً، من أجل صنع فعل شعري. ضمن هذه الظروف، تتغير لغة التواصل، الخطية، إذا استطعنا القول، إلى كلمات تعبر أوتقيم فضاءً شفوياً، ونحوياً، وصوتياً، وإيقاعياً من المهم التعرف على مبدأ تشكله، والبؤر المحرضة التي لا يسمح فحص السطح بعزلها. بعد ألدوس هو كسلي، يمكن التفكير بتناغم كتابة، أي مجموع التداعيات التي يمكن أن تتشكل انطلاقاً من كلمة، أو جملة في فكر البشر الذين يشتركون في لغة وثقافة واحدة وسنقتنع أنه يوجد تجمعات صغيرة تقاوم الشعرية، وعناصر لايمكن ترجمتها في الكلمات وفضاء النص. سندرسها ضمن الحد الذي نستطيع القول فيه، دون تناقض، إن الترجمة تشير إليها، وتولدّها، وتلغيها، وتجعل منها سببها في الوجود .‏

أخيراً، تقدم الترجمة، بالنسبة للمقارن، تصورين للتأمل النظري يتعلقان بمنهجها ذاته. فمن جهة، تتطلب الترجمة، إلى نقطة معينة، عرضاً مبدئياً للثقافة - المصدر، ومن المناسب استخدام معطيات تقوم على علم الأمجيّة (22) ) انظر الفصل التالي ). ومن جهة أخرى، يؤمن المترجم، من خلال عمله، استمرارية حياة العمل، تعدد الترجمات من أوجه العمل - المصدر وتعطي إلى قارئ الثقافة - المستقبلِة، إمكانيات قراءات وتفسيرات جديدة. إن مجموع القراءات والتفسيرات المتولدة هذه، والتي تنبعث من عمل أجنبي مترجم، هي ما نسميها الآن استقبالاً أو تلقياً.‏

- التلقي النقدي :‏

إن تبني المقارنين لكلمة تلقي) حديث نسبياً : ويعود ذلك إلى نهاية السبعينات. وكان مؤتمر الرابطة الدولية للأدب المقارن الذي عقد عام 1979 في إنسبروك، والذي أدخل بين موضوعات أعماله جمالية التلقي )، علامة مميزة في هذا المجال.‏

ولكن، في نهاية الستينات، شق النقد الألماني خاصة هانس - روبير ياوس، المتخصص في القرون الوسطى، واللغة الرومانية (23) ، يعمل أستاذاً في جامعة كونستانس) طريقاً جديداً في التحليل والنظرية الأدبية : وهذا ما يسمى بجمالية التلقي(24)‏

- جمالية التلقي :‏

كان هذا البحث يهدف إلى تجديد التاريخ الأدبي ونقل تأمل المؤلف المرسل) إلى القارئ والجمهور المستقبل )، والانتقال من فكرة معينة في الإبداع إلى التفسير، والتأويل للنصوص الأدبية. لقد تبنى المقارنون الذين يستخدمون منذ وقت طويل مفهومات المرسل، والمستقبل، والرسالة)، بإرادة كل البحوث الألمانية أو جزءاً منها، ولكن هذه الاستعارة أثارت نوعاً من سوء الفهم. لقد أرادت جمالية التلقي أن تكون طريقاً ثالثاً، وسطاً بين الجمالية الماركسية والشكلانية. كانت الأولى ترى في الأدب انعكاساً) للواقع الاجتماعي صراع الطبقات)، وتعتبر الثانية أن الأدب والنص الأدبي منظومات مغلقة. تواجه جمالية التلقي الأدب بوصفه نشاطاً تواصلياً. ضمن هذا المنظور، لايدين العمل الأدبي، والعمل الفني عامة، بحياتهما واستمراريتهما إلا لإسهامات القراء والجمهور المتواصلة. من الإسهامات الأساسية لجمالية التلقي مفهوم أفق التوقع).‏

- مفهوم أفق التوقع)‏

يمكن أن يحدد هذا المفهوم ببساطة كمنظومة من المعايير والمرجعيات لجمهور قارئ في لحظة معينة يتم انطلاقاً منها قراءة عمل وتقويمه جمالياً، يمتلك هذا العمل أيضاً أفقه للتوقع الذي يتشكل من خلال العناصر أو العوامل التالية :‏

1- التجربة التي يمتلكها جمهور عن الجنس الذي يعود إليه العمل يتعلق الأمر بمقابلة أفق توقع الجمهور مع أفق التوقع الذي يقدمه العمل : من هنا تأتي احتمالات القبول، بسبب التطابق بين الأفقين، أو الرفض، والاستنكار، وعدم الفهم، في حالة الاختلافات الواضحة بين الأفقين) ؛‏

2- شكل الأعمال السابقة وموضوعها، هذه الأعمال التي تستلزم التجربة معرفتها وهذا يتطلب فحص القيمة الجمالية للعمل بالمقارنة مع الموروث السائد لجنس، أو نموذج )؛‏

3- الانزياح بين اللغة واللغة الشعرية المستخدمة استعير مفهوم الانزياح من الشكلانيين ).‏

تركز دراسة التلقي على فحص العلاقات بين أفق توقع العمل وأفق توقع الجمهور. يسعى العمل التجديدي إلى تشكيل قطع داخل أفق توقع الجمهور نفكر بالاستقبال الذي أعد لريمبو، وبروست، وجويس) يفسر الاستقبال التدريجي للأعمال التجديدية من خلال تطور الذوق، ومعايير تقويم الجمهور والنقد) إزاء أفق التوقع الذي رفض أولاً. يمكن أن يقرأ التاريخ الأدبي كتتابع لآفاق الانتظار، وتتمة لتناقضات، وتطابقات، وإعادة تطابقات.‏

- القارئ الضمني:‏

ركزت جمالية التلقي على أهمية صور) القراءة، وهي عنصر يتعلق بالتفسير التأويل)، والتلقي بصورة عامة. حدد فولفغانغ إيزر(25) بطريقة جوهرية مفهوم القارئ الغامض إلى حد ما عند هانس - روبير ياوس قارئ حقيقي، وضمني، واختلافات بين القارئ والجمهور ...) إذا كان يمكن لأفق توقع قارئ أن يعيد إلى مسألة بسيطة نسبياً للتلقي، فإن أفق توقع العمل يتطلب قارئاً ضمنياً)(26) هوعبارة عن بنية مسجلة ضمن النص نستطيع وفقها أن ندرس تنظيم النص. لن نخلطه مع القارئ المرسل إليه الاصطلاحي الذي يستطيع أن يأخذ صفات القارئ المحبوب أو الأخ الذي يمكن أن يتوجه إليه الراوي.‏

- من التأثير إلى التلقي :‏

يرتبط مفهوم المتلقي) في كتاب بيشوا - روسو، وفي كتاب برونيل - بيشوا - روسو(27) ، بدراسة التأثيرات)، و المصادر) يعيد هذا القول إلى أسس العلم). من هنا يأتي الاقتراح المزدوج : " تقود دراسة التأثيرات من المرسلين إلى المستقبلين. في مقابل ذلك، فإن دراسة المصادر تعيد الأمر إلى نصابه، وربما تتطلب أيضاً مزيداً من الحصافة والقدرة النقدية ".‏

كذلك كانت دراسات التأثير قد قدمت بوصفها متفوقة على الدراسات المخصصة للمصادر. ما هو سبب مثل هذا التفضيل؟‏

هناك عناصر يمكن كشفها في الحالة الأولى مثل الترجمات، والاقتباسات)، أما في الحالة الثانية فإن الغوص في المصادر يعد مغامرة ضمن غموض الإمكانيات "، وهو يشكك خاصة بآليات الإبداع التي من الصعب دراستها، ويبدو أنها أصعب من هذه الدراسة السببية التي يتطلبها التأثير "، والذي يبقى أحد الموضوعات الرئيسية للأدب المقارن ". امتلك هذا الهدف الرئيسي) قديماً وجهاً مزدوجاً كان قد حدده المقارن بازيل مونتينو منذ عام 1952 عندما قال : " إننا نرى جيداً التأثير الممارس، ولكننا نجهل جميعاً التأثير الذي طرأ " وأضاف : " وعليه فإنه يحصل أن التأثير لايصبح حقيقة خالقاً لقيم إلا عندما يُتعرض له. " هكذا، استطاع أن يواجه تحت الكلمة نفسها نظامين من المسائل : النظام الأول سنسميه في الشعرية التناصية )، وطرح التاثير أيضاً في كتاب بيشوا - روسو كهذه الآلية الدقيقة والغريبة التي بواسطتها يسهم عمل في ولادة عمل آخر والتي سترجع إلى التأثير الذي طرأ، أما النظام الآخر فإنه يقوم على دراسات التلقي) ويتطابق مع التأثير الذي يمارس، والذي هو دائماً، اليوم مثل عام 1952، واضح ويمكن حصره. مثلما لاحظ إيف شيفريل في كتابه الوجيز) : " لاتستند الدراسات المقارنة للتلقي إلى احتمالات القراءات، ولكن إلى القراءات التي تمت حقيقة ."‏

يجب انتظار عام 1989 من أجل أن تدخل دراسات التلقي) ضمن كتاب مقارني بصورة مستقلة. في الواقع، عام 1983، خُصص مقطع لها نس - روبيرياوس، ومدرسة كونستانس، في منتصف الفصل الذي يتحدث عن الثروة، والنجاح، والتأثيرات، والمصادر)، ولكن مجموع التطور كرّس للاختلافات بين المفهومات المجموعة في العنوان. النجاح يعارض الثروة مجموع الشهادات التي تظهر الفضائل الحيّة لعمل معين)، والتأثير بصورة خاصة. النجاح كمي، والتأثير كيفي، إنه يقدر نفسه). هل انبثق التلقي من هذه المسألة، وهذا البرهان) كما يسميه إيف شيفريل : الكمي أو الكيفي؟ ولكن في المحصلة، يجب الاعتراف ثانية أن دراسات التلقي تقوم بدور على أرضية آمنة، ومعروفة، ومرسومة. إنها تشتمل على إشكالات النجاح التي تقوم بصورة أساسية على البحث الحدثي (28) ، والاجتماعي، والتاريخي) والثروة التي تفهم على أنها دراسة نقدية ذات مجال واسع للشهادات النقدية التي يثيرها تلقي العمل الأجنبي عن طريق الترجمة غالباً)، إنها شكل من ما وراء الأدب)، سيقوم المقارن انطلاقاً منه بالتصنيف، والتقويم، ومقارنة القراءات)، ومختلف طرق الاستقبال والشرح. يذكر هنا أن جمالية الترجمة تسعى إلى أفق تأويلي.‏

- علم جمال أوعلم اجتماع التلقي؟‏

غالباً ما تكون تفسيرات النصوص الأدبية وربما النصوص الأجنبية خاصة) خاضعة لآراء سياسية، وفلسفية، ودينية، وليس فقط جمالية. هل من المفيد أيضاً الإشارة إلى أنه بعد زمن قصير من الشهرة) السريعة لجمالية التلقي التي عارضها المختص بأمور رومانيا جوزيف جورت، بعلم اجتماع التلقي) وذلك بصورة صحيحة ومؤثرة(29) . لقد انطلق من مبدأ أن مشكلة التلقي هي مشكلة قراءات متعددة كانت قد جرت على عمل أدبي)، ويذكر أنه يوجد نوعان من التحليلات الممكنة : النوع الأول تحليل ذو توجه تأويلي يتساءل عن التناسب التفسيري للقراءات يتعلق الأمر بمشروع ياوس ضمن نتائجه النهائية)، والنوع الثاني تحليل يهتم بإحصاء القراءات الحاصلة كلها من أجل تحديد الشروط الاجتماعية - التاريخية لتشكيلات المعنى). عند حديثه عن المتلقي، يلاحظ أنه يجب ألا نحصره ضمن تصور مجرد للقارئ) هنا وجه نقد آخر لياوس)، ولكن يجب تحديد الوضع الخاص لهذا القارئ نتحدث في الحاضر بإرادة عن - قراءة -). إنه يوجه الاهتمام، بدقة، إلى عوامل فوق نصية) تتداخل عند تطور التلقي، فهو يعارض إذن الوجه الأدبي أو الجمالية الداخلية) لإشكالية ياوس. أخيراً، من أجل توضيح هذه المبادئ، اهتم ج. جورت خاصة بأبحاث حول الصحف، والصحافة الدورية، متابعاً استقبال جورج بيرنانوس، وجيد، ومالرو في فرنسا. ووصل إلى تصنيف آراء نقد قضائي) وفق الآراء السياسية للصحف المدروسة، ووفق معايير الحكم لهذا النقد بكل اتجاهاته. يوجه ج. جورت بحق الاهتمام إلى حقيقة أن أفق توقع الجمهور لم يتأسس فقط على معايير جمالية، لمعايير التقويم طبيعة فوق أدبية) أيضاً. بناء على ذلك، اقترح تحليلاً تجريبياً لتطور الاستقبال، ويذكّر أنه لايمكن نسيان أن الأعمال الأدبية هي، عند استقبالها، نقاط تركيز لأفكار جمالية، وأيضاً أخلاقية، وسياسية، وفلسفية.‏

- التلقي المقارن :‏

تجيب هذه الانتقادات البنائية بطريقتها، على الاعتراضات القديمة حول عدم خصوصية دراسة التأثير، والتي وجهها رينيه ويلك: من وجهة نظره، لم يكن يوجد اختلاف منهجي بين دراسة مخصصة لشكسبير في فرنسا، ودراسة أخرى عنه في إنكلترا في القرن الثامن عشر. بالعكس من ذلك، يجب الاعتقاد أن هناك قراءة وتلقياً خاصين للعمل الأجنبي.‏

- خصوصية البعد الأجنبي هنا أيضاً يجب طرح المفهومات الأساسية للانزياح) و الاختلاف). لقد خلقت ترجمة العمل الأجنبي نصاً آخر. إن قراءته التلقي الأول) ضمن الثقافة المستقبلة تصبح، بالمقارنة مع نص الثقافة - المصدر، قراءة فضائية مختلفة تغير الفضاء الثقافي)، وقراءة زمانية مختلفة زمن جديد للقراءة، وشروط جديدة للتلقي والتفسير).‏

ستتم القراءة وفق مراكز الاهتمام الجديدة، مع منظومة أخرى من المرجعيات تغير شبكة القراءة المؤثرة في جمالية النص، والخيال الذي يحمله). أما فيما يخص تلقي العمل الأجنبي في الترجمة)، فإنه لايمكنه أن ينفصل عن فحص التقديمات أوالصور التي تكوّنها الثقافة المستقبلِة وهي الثقافة التي تترجم، وتقرأ، وتُفسّر) عن الثقافة - المصدر وهي الثقافة المنظورة، والمترجمة، والمستقبلة). وهذه إحدى خصوصيات تلقي الأعمال الأجنبية : الخطابات النقدية المرافقة هي ، إلى حد ما، بيانات صور، أحكام) جزئية عن ثقافة الآخر. سنستند إلى دراسة كلود بيشوا القديمة ولكنها النموذجية صورة جان - بول ريخترفي الآداب الفرنسية، كورتي، 1963) من أجل فهم ظاهرة المقاومة)، استخدم هذا المفهوم منذ عام 1901 من قبل فيرديناند بالدنسبرجر بخصوص فيرتر. يمكننا أيضاً قراءة صفحات هنري ميسشونيك النقدية أحياناً، ولكنها مثيرة، حول تلقي الشعر الألماني في فرنسا بالاعتماد على مبدأ مقارني في غاية الكمال : قل لي أي ألمانية تعاشر، أقل لك مَنْ أنت " (30) .‏

- أوجه التلقي النقدي.‏

انطلق إيف شيفريل، في إسهامه الذي أعطاه إلى كتابه الوجيز) من الصيغة الشهيرة X ET Y) من أجل تعريف البحوث التي تهتم بمتابعة أثر عمل أو كاتب خارج حدوده). إنه يميز أولاً أربع فئات كبيرة.‏

1- الفئة الأولى التي يعدها نموذجاً " حيادياً " X في البلد) Y ، معرفة X من قبل Y ؛ وحضور X عند Y ، واستقبال X من قبل Y .‏

2- وفئة توضح عمل X : ثروة، نجاح، شهرة، نفوذ، انتشار، الأثر، وبالتأكيد التأثير.‏

3- وفئة تطرح أوجه إعادة إنتاج X ، أو طرقه : وجه، صورة، انعكاس، مرآة انعكاسات X في مرآة البلد Y) ، صدى، أثر دوي، انكسارات، تبدل أوتبدلات.‏

4- وفئة مركزة على موقف Y : ردة فعل، رأي، قراءة، نقد توجه التوجهات الأجنبية لـ Y).‏

لاحظ إيف شيفريل، بحق، ثبات بعض المجالات الدلالية علم الأصوات، والأجواء) ولكنه يهمل بغرابة المجال الدلالي للبصريات التي لايمكننا أن نقلل من أهميتها وجه، صورة، انعكاس، مرآة، انحراف، وطبعاً قراءة)‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 01:01 PM
- دراسات الحالة :‏

إذا انتقلنا من الكلمة المفهومية متعلقة بمفهوم) الصغيرة إلى دراسة الحالة، يمكننا أن نميز تتمة مدهشة للتنفيذات، التي يمكن أن تصنف وفق بعض العنوانات البسيطة.‏

- فرد، وعمل.‏

فرد محدد يستقبل عملاً محدداً، أو الكاتب، الناقد X القارئ للعمل Y X هي إذن المُسْتقبلِ، وY هي الموضوع المُستقْبَل ).‏

وهذه غالباً دراسات سريعة، ولكن يجب الاعتراف أنه في الأدب أو في التاريخ الثقافي، لا وجود للفرد المعزول. هذا ما يظهره إيف شيفريل مع حالة الكاتب الألماني فونتان، قارئ زولا.‏

ترتكز مثل هذه الدراسة عن التلقي على الفرضية التالية : لا تأخذ حالة محددة مدروسة معناها إلا إذا أُلحقت بسلسلة من الحالات الأخرى من النوع نفسه، والتي هي كذلك عناصر تكوينية لمجموع المنظومة الثقافية الألمانية في العصر. على ماذا سترتكز الدراسة؟‏

إنها تتضمن بياناً كاملاً، إذا أمكن، عن المراجع التي صنعها فونتان لزولا، وتصنيفاً لتصريحات خاصة أو عامة، أو ضمن دراسات نقدية، وأعمال خيالية، من خلال تقارير مباشرة أوغير مباشرة، إلخ)، وصياغة سلسلة من التساؤلات، هناك تساؤل منها أساسي وهو : ما الذي يوجه معرفة فونتان لعمل زولا؟‏

أعطيت إجابات عديدة عن هذا السؤال : في البداية حماس ابن فونتان لكاتب لايعرفه هو الروائي إلا قليلاً ، وقراءة مقالة نقدية قاسية ضد زولا، ثم بعد ثلاث سنوات، قرار فونتان بقراءة زولا بصورة حقيقية. يطرح سؤال نفسه حول اختيار العنوانات، ومن ثم يجب مقابلة ؟) قراءاته مع قراءات مواطنيه في العصر نفسه.‏

خاتمة:‏

" معلومة ناقصة جداً " وقديمة، في حين أن النقد، بصورة عامة، يؤكد على تعاطف الروائي الألماني الكبير مع زولا والحركة الطبيعية. كان ممكن تناول عملية المقارنة من اتجاهين اثنين : أولاً كاتب ألماني مقابل كاتب فرنسي، ثم المجابهة) الضرورية للكاتب الألماني مع كتاب آخرين من الجنسية نفسها. يضاف إلى التوسع الذي يأتي ليعقّد البحث، استقصاء يتوجه إلى الأدب والثقافة المستقبلِة.‏

- مجال ثقافي، وعمل:‏

الصيغة هي بصورة عامة : " البلد X مقابل الكاتب Y ". ويسجل إيف شيفريل الاتجاه الحالي للبحث : ليس X فرنسياً) في البلد Y ، لكن " فرنسا أمام الكاتب الأجنبي Y " وهو مستعد لاعتبار أن الأمر يتعلق برواية مختلفة " للأجنبي من وجهة نظر فرنسا "‏

خدمت هذه الصيغة في بداية الدراسات IMAGOLOGIE ) وأيضاً في دراسة حول تأثير عمل في مجال ثقافي معين " مما يؤدي إلى التركيز على اختلاف الانعكاسات) كلمة أخرى مستعارة من علم البصريات، يجب تسجيل ذلك). سنذكر الدراسة النموذجية لآلان مونتاندون، استقبال لورانس ستيرن في ألمانيا، كليرمون - فيراند، مطابع الجامعة، 1986).‏

- مجالات ثقافية عديدة، وعمل.‏

من المغري أخذ مثال ألمانيا والنمسا، ولكن يجب في هذه الحالة إضافة سويسرا الألمانية من أجل تسويغ كلمة عديدة). ويحتفظ بدراسة كلود دوغريف - غوروخوف، بوصفها الأكثر تجديداً وتعقيداً، حول حالة استقبال مقارن) : "غوغول في روسيا وفرنسا، 1948 ". نقتبس من كلود دوغريف : " يبدو أن مثل هذه الدراسة يمكنها أخيراً الأخذ في الحسبان الاختلافات وكذلك أيضاً التقاربات الثقافية بين بلدين من وجهة نظر عالمية وحتى أنتروبولوجية )، مراعاة للتوافقات الفردية في التقديرات، وفي التفسيرات خاصة.‏

[....] إن المواجهة بين مستقبلين أوأكثر تدعو إذن، في نهاية المطاف، إلى الأخذ في الحسبان ليس ماهو عرضي ودائم، ووطني ،وعالمي، ولكن ما يقوم على المستقبلين وكتاباتهم الثانية، وما يتعلق بالخصوصيات الجمالية لعمل ما ".‏

إننا سنلاحظ ما الذي كانت قد قدمته مسبقاً بالقوة هذه الحالة من الرمز ضمن الحالة الأولى، لأنه وجب إضافة أسماء أخرى إلى الكاتب المستقبل من أجل تقويم أحكامه ونوعية استقباله.‏

سنحتفظ أيضاً بحكم إيف شيفريل حول هذا النموذج من الدراسة الذي يعود إلى العمل، وإلى الإبداع المتفرد، الذي لم يُنسَ بل على العكس اغتنى بالدراسة المتزامنة لقراءاته وتفسيراته " يبدو التلقي المقارن هكذا كأحد المثل الذي يمكن أن تمتد إليه دراسات التلقي، موفّقة بين مقارنة الظاهرة الأدبية وبين الأخذ في الحسبان للقراءات المنفذة حقيقة"‏

يمكننا التساؤل عن كلمة وفّق) التي ستبدو أنها تشير إلى أن الاتحاد المقترح من قبل كلود دو غريف لم يكن مقبولاً دائماً ضمن دراسات التلقي، وأن هذه الدراسات قد نُسيت إذن أو حُجّمت مقاربة الظاهرة الأدبية). لن نعرف بصورة أفضل تعريف الانحدار الذي يمكن، في الواقع، أن تنزلق إليه دراسات التلقي.‏

- المتلقي الواحد، والأعمال العديدة :‏

مثال مختار: "تلقي المسرح الاسكندناقي في فرنسا " ولكن يستطيع المتلقي أيضاً أن يكون فرداً، أو مجالاً ثقافياً، أو مجموعاً من المجالات الثقافية. في الواقع، إن تعدد الأعمال يميل غالباً إلى التعدد داخل مجموع : " التعبيرية الألمانية واستقبالها في فرنسا". ضمن هذا الطريق يسجل إيف شيفريل تعميمات أكثر سعة أيضاً. إنها تؤدي إما إلى دراسات للصور مدخلة الأدب ضمن دراستها لمعرفة ثقافة - المصدر المنظور إليها) وتقديمها عبر ثقافة - الاستقبال الناظرة)، أو إلى دراسات تاريخ الأفكار " الأدب الفرنسي والفكر الهندوسي " مثلاً)، إذا كان من الممكن دائماً، نظرياً توسيع الامتداد الجغرافي، فإن إيف شيفريل يسجل أنه من الضروري تحديد نهايات البحث في الفضاء والزمان، وعدم نسيان نهاية دراسة التلقي : ليس قط " تكديس الوثائق، ولكن القيام بتبويبات وفق ما نريد درسه ." هكذا وجد، مع التبويب، المبدأ المركزي للتساؤل المقارني. بالإضافة إلى ذلك، فإن فكرة تاريخ التلقي) دخلت في سباق مع " جمالية التلقي ". وهذه الأخيرة " لاتنفصل عن منظور ظاهراتي يركز فيه على الموضوع الفني وقدراته على توليد متعة فنية "، أما الأولى فإنها " أدخلت الاستمرارية وركزت على المستقبلين في المنظومة الثقافية " تبقى مسألة وقع النص الأجنبي ضمن سياق معين، مسألة أولية. ولكن كيف السبيل إلى تحقيق هذا التاريخ للاتصالات وآثار النص الأجنبي الذي غالباً ما يكون مترجماً؟‏

- المظهر الجانبي للبحث :‏

يمكن تمييز ثلاثة أزمنة للدراسة لن تفاجئنا : أولاً زمن الترجمات، ثم زمن الطباعة، والنشر الطباعي بصورة عامة، ونشاط الوسطاء، وأخيراً زمن تحليل الخطابات النقدية المرافقة. نقطة معقدة، هذا ما يُستنتج من ضخامة الأبحاث لجمع مواد مبعثرة في الصحف، والمجلات، من أجل تشكيل نوع من الكتاب الصحفي) أو الملف الصحفي الذي نجده عند الناشرين. يتطلب هذا البحث عمل فريق والمعالجة المعلوماتية للمعلومات. يمكننا أن نأمل تكوين برامج من خلال بلد أو مقاطع تاريخية فائدة الأبحاث التزامنية بصورة واسعة من أجل إكثار المقارنات الأفقية " متعلق بالأفق "، وجعل المراجعات أكثر نظامية) لقد تحدثنا عن بحوث، ولكن من المؤكد أيضاً أنه يمكن لملف مفصل أن يشكل موضوع عمل تعليمي إنما ضمن فريق أيضاً انظر الفصل العاشر).‏

تبقى الاستفادة من الملف، ومجموع النصوص النقدية. هل التصنيف ممكن؟ يستطيع علم اجتماع التلقي أن يقدم إجابات سياسية أو اجتماعية أكثر منها أدبية أو جمالية. ولكن من المهم تشكيل ذرائعية لقراءة هذه النصوص النقدية، ونوع من الشعرية للخطاب النقدي عن الأجنبي، مثلما أمكن استشفافه بخصوص كتابة التوسيط الثقافي أوالرحلة في الفصل السابق.‏

- التلقي والخطاب والنقدي .‏

لنستخلص بعض محاور القراءة من أجل المقارنات.‏

- تعبير البعد.‏

يمكن أن يتهم هذا التعبير أو بالعكس يتجاوز من قبل الناقد، سواء كان معيناً بين النص المُتَرْجمَ) الذي قُدم) والجمهور الذي يتوجه إليه الناقد، أم لا. لقد رأينا سابقاً هذه المشكلة في معرض الترجمة. يمكن أن يكون البعد ذا طبيعة عقائدية أحكام عن الكاتب، وعن بلده أيضاً، وعن قارته)، أو ذا طبيعة جمالية أسلوب غير معروف، كتابة جديدة، كتابة أوترجمة جيدة أو سيئة). يمكن أن يعبر عن نفسه في مستوى الخيال مقالة تشير إلى عمل بموضوعاتية غير اعتيادية، وعالم نفسي للشخصيات دون مقارنة مع عناصر الثقافة - المستقبِلة ... إلخ)‏

- معايير جمالية وفوق - أدبية.‏

سنقوّم القسم الخاص لهذه المعايير. يقول إيف شيفريل :" يتطلب الحديث عن عمل أجنبي قراراً، وجهداً ليس مسلماً بهما ".‏

هنا تستطيع أن تتدخل نتائج التحليلات التي تنتج عن علم اجتماع التلقي وعلم دراسة الصور للثقافة - المصدر التي ينبثق عنها النص المترجم والمنقود.‏

- التنظيم الداخلي للخطاب النقدي.‏

كيف يسير الخطاب؟ ماهو قسم التلخيص، والكلام المسهب في تقديم السيرة الذاتية للمؤلف مشهور في الثقافة المنظور إليها، أو مازال غير معروف في الثقافة الناظرة، والخطاب عن البلد الأجنبي أكثر منه عن العمل السياق مهم أكثر من النص)، وقسم التعميم، والتطبيع للكاتب استخدام المقارنات، والتشابهات حول الكاتب : بلزاك إيزلندا ... فيكتورهوغر كوريا ...)، وحول العمل تقاربات - الكلمة ذات الدلالة - مع أعمال من الثقافة - المستقبِلة ؟"‏

- البلاغة .‏

يمكننا الاستمرار بنزع أنماط التراكيب)، و العلل) التي تحكم منطق الخطاب والأحكام عن الأجنبي. نضيف التعرف، ضمن الكتابات المراجعة، على الصمت، إذن على التجاهل، والرفض، والنسيان، والسخرية. هنا أيضاً، يمكن أن يكون الصمت بليغاً ويكشف عن استراتيجية) للاتلقي، والتي يجب، عندئذ تفسيرها .‏

- تقويم مرفقات النص :‏

في موازاة الخطابات النقدية، يوجد معطيات وممارسات ثقافية أخرى يجب أخذها في الحسبان من أجل امتلاك نظرة شاملة تقريباً عن ظاهرة التلقي : الأحاديث ،والمقابلات التي أعطاها الكاتب، والتي تتطلب غالباً إعادة كتابة من قبل الصحفي، ولعبة بين الكاتب والصحفي أماكن عامة منظمة، وتهرب، وانزلاقات مقصودة كثيراً أو قليلاً )،‏

والقسم المعطى للصورة صورة للكاتب مشجعة على تشكيل صورة أسطورية )، ودور وسائل الإعلام تبعاً لصدور الأعمال، والثمن، والمكافآت، والقسم المخصص للحياة السياسية للكاتب، والدور الممكن لبعض الترجمات الذاتية، والمراسلات غير المنشورة، والكشف عن مخطوطات، ووجود مراسلات من القراء نتذكر دخول هذه الظاهرة على مسرح الأحداث مع جان جاك روسو، وهيلواز الجديدة)‏

ما الذي يجب فعله مع (12) ألف رسالة استلمها بلزاك من المعجبات (31) ؟ وما الذي يجب التفكير به بشأن تدخل القراء في تطور نسيج رواية مسلسلة؟ ومثل ذلك من الأسئلة، بين السخافة الظاهرة وعلم الاجتماع الأدبي المزعج، التي تستطيع أن تجد مكانها الحقيقي في تاريخ التلقي خادمة تاريخ الحياة الأدبية.‏

- جمالية التلقي والنقد الأدبي :‏

ليس خطأ القول مع إيف شيفريل إن القارئ أصبح البطل الحقيقي للبحث الأدبي). إن جمالية التلقي تعد القارئ بمكان حاسم، ومعه أفكار أخرى تأخذ طريقها في النقد الأدبي : التخلي عن تصور جامد للنص لصالح تصور حواري للأدب عبر التفاعل بين النص والقارئ، وضرورة القراءات الجماعية، تذهب بالنسبة لبعضهم إلى حد فكرة غموض العمل الأدبي وعدم اكتماله بانتظار القراء. إن نجاح دراسات التلقي لايمكن إنكاره يشهد على ذلك نجاح مجلة - أعمال ونقد، طبعة جان - ميشيل بلاس) وقد أصاب الدراسات المقارنة مثلما أصاب الدراسات التي قام بها لغويون حول الآداب الأجنبية ،والتي قام بها المتفرنسون الذين طوروا إذن نوعاً من المقارنية الداخلية) قراءات X، أوجه عمل معين) . يبدو أن السبب الأساسي لهذا النجاح بسيط جداً : كل الذين أبدوا بعض التحفظات إزاء الشكلانية مثلما كانت قد استخدمت أحياناً كسلاح ضد التاريخ الأدبي، وبعض الدراسات الموضوعاتية)، أو إزاء نوع من البنيوية الغربية المعارضة للتاريخ بشدة)، أو إزاء نوع من علم الاجتماع المذهبي، تبنوا إشكالية التلقي التي سمحت لهم بممارسة التاريخ الأدبي والتحليل الأدبي اللذين لم يفصلا عن الحقائق الثقافية والاجتماعية. من الآن وصاعداً يجب الاعتراف بأن دراسات التلقي، من خلال ضخامة الوثائق، وأبحاثها الدقيقة، والمعايرة الدقيقة بين الكمي والكيفي، مع مغريات للمحاولة الأولى التي لا ترد وتكون مطمئنة، تستطيع أحياناً أن تعطي الانطباع بتجديد نوع من الميل لدراسة علاقات الواقع) في الدراسة الأدبية. في كل حالة، إنها تؤدي، بعد محاولات عديدة، إلى اضطراب المؤلف، والوحدة بين الإنسان والعمل) أيضاً، والذي كان، مثلما هوالحال بالنسبة لراسين، في قلب النزاع بين النقد القديم والنقد الجديد. وتسهم أي الدراسات) أيضاً في إخفاء الأسئلة المعقدة التي تتصل بالإبداع، وهي كلمة يسمها بعضهم بالمثالية.‏

مع موضوع التلقي، هناك قراءات جديدة مقترحة على الفكر النقدي.‏

(1) انظر ميشيل بالارد، من شيشرون إلى بنجامين : مترجمون، وترجمات، وتأملات، مطابع جامعة ليل، 1992، و، كريستين باغنول، طبعة، رجال الممر، جامعة لييج، 1992.‏

(2) تجربة العالم الأجنبي، غاليمار، 1984‏

(3) ترجمة، بايوت، 1979‏

(4) من أجل السفرية /2/، غاليمار، 1973‏

(5) الغيرية : ما يخص الآخر في مقابل الأنا‏

(6) هندسة لا كمية، وهي فرع من الرياضيات يعنى بدراسة موقع الشيء الهندسي بالنسبة إلى الأشياء الأخرى، لا بالنسبة لشكله وحجمه.‏

(7) انظر بول شاقي، المترجمون قديماً، العصر الوسيط والنهضة، باريس جنيف، شامبيون _ سلاتكين، 1988، مجلدان‏

(8) انظر، ثيوهيرمان، المعالجات في الأدب، دراسات في الأدب المترجم، لندن، سيدني، كروم هيلم، 1985.‏

(9) انظر روجر زوبر، الخائنات الجميلات، وتكوين الذوق الكلاسيكي، بيرو ألبانكور وغويزدو بلزاك، كولان، 1968‏

(10) انظر كتابة التوسيط، ص 29.‏

(11) انظر جاك غوري، طبعة ب. لوتورنور، تمهيد لشكسبير المترجم عن الانكليزية، دورز، 1990.‏

(12) متعلق بإيطاليا القديمة‏

(13) انظر جيمس س. هولمز، طبعة الأدب والترجمة، لوفين، آكو، 1978‏

(14) علم الدلالة ،سوي، 1967‏

(15) توجيهات يكتبها مؤلف المسرحية اليونانية القديمة في النص ليتقيد به المخرج والممثلون.‏

(16) سلسلة Helveticum? 1989 / 10‏

(17) سلسلة هيلفيتيكوم، 1986‏

(18) تطور الشعر في فرنسا - 1780-1830. و - مقدمة لتحليل التداخلات النظامية، مطبعة جامعة لوفين، 1978، و- مئة عام على النظرية الفرنسية للترجمة : من باتو إلى ليتري - 1748 - 1847، مطابع جامعة ليل، 1993‏

(19) غاليمار، 1963‏

(20) التصورية المطلقة : مذهب يقرر أن الأنا وحده هو الموجود، وأن الفكر لايدرك سوى تصوراته . المترجم ).‏

(21) الكليات : هي المعاني المجردة الخمسة : الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض العام، وقد سماها أرسطو المحمولات. المترجم)‏

(22) الأمجية : صورة ذهنية مثالية يكونها شخص عن أعضاء أسرته أوعن نفسه، المترجم )‏

(23) أي ذات الأصل اللاتيني، والمقصودة هنا هي اللغة الفرنسية.‏

(24) انظر هانس - روبيرياوس، من أجل جمالية للتلقي، غاليمار 1978.‏

(25) فعل القراءة، بروكسل، 1985‏

(26) أدخل هذا المفهوم فولفغانع إيزر‏

(27) عنوان الكتاب ما الأدب المقارن ؟) قمنا بترجمته وصدر عن دار ماجد علاء الدين، دمشق، 1996‏

(28) متعلق بحدث أو واقعة‏

(29) انظر Romanistische Zeitschrift fiir literaturgeschichte , 1979 / 1-2‏

(30) انظر - القافية والحياة، فيرديية، 1989 .‏

(31) انظر جوزي لويس دياز - الكتابة للكاتب، مجلة نصية، 1994‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 01:05 PM
-4- الـــصـور






لقد كانت دراسة صور الأجنبي وتجلياته، خلال عقود طويلة، أحد الأنشطة المفضلة للمدرسة الفرنسية) في الأدب المقارن : لقد بدأت هذ الدراسة مع جان - ماري كاريه، ثم أخذها ماريو - فرانسوا غويار، ودافع عنها، ونشرها في الفصل الأخير من كتابه الصغير ضمن سلسلة كوسيج - ماذا أعرف ؟) عام 1951): " الأجنبي مثلما نراه ". بعد ذلك بوقت قصير، أبدى رينيه ويلك، ضمن مقالة في الكتاب السنوي للأدب المقارن والأدب العام، معارضة شديدة للدراسات التي يعدها أقرب إلى التاريخ أو تاريخ الأفكار منها إلى الأدب. بعد عشر سنوات، ندد إيتامبل في كتابة مقارنة ليست صواباً) بالأعمال التي تهم المؤرخ، وعالم الاجتماع أو رجل الدولة )، إنه يشير إلى أن هذه الأعمال كانت مزدهرة في فرنسا). " تقريباً مثل الدراسات حول الرحالة الإيسلنديين في مدغشقر، والمالغاش في KAMTCHATKA أو السويديين في بانكوك ... ". لقد أثارت دراسات الصور انتقادات. وكانت تمتلك هذه الانتقادات بعض المسوغات، إذا أخذنا بعين الاعتبار بعض رسائل الدكتوراه القديمة أو المقالات التي يظهر فيها، بصورة كاريكاتورية) سقطات هذا النوع من البحث : قائمة بالموضوعات، تجريد النصوص المقبوسة ودراستها كوثائق، توسع في الاقتباسات، تفسيرات مسهبة، خلط بين مجال الأدب ومجال التاريخ .... مع ذلك، وفي الوقت نفسه، وضعت سلسلة من الرسائل قاعدة دراسة الصورة IMAGOLOGIE )(1) :‏

نذكر منها رسالة أندرية مونشو ألمانيا أمام الآداب الفرنسية من عام 1814 إلى عام 1835، تولوز، 1953)، ورسالة ماريو - فرانسوا غويار صورة بريطانيا العظمى في الرواية الفرنسية - 1914 - 1940، ديدييه، 1954)، ورسالة رينيه شوفال ألمانيا والحرب P.U.F ، 1963)، ورسالة ميشيل كادو صورة روسيا في الحياة العقلية الفرنسية - 1839 - 1856 - فايارد، 1967)، وبعض الرسائل الأخرى التي ستذكر لاحقاً. يمكنها أن تدعم ... المقارنة مع الرسائل التي قدمها مؤرخون مثل رينيه ريمون، الذين طرحوا غالباً دراسات عن الرأي العام مثل الولايات المتحدة أمام الرأي العام الفرنسي - 1815- 1852، كولان، 1962، مجلدان). وحتى إذا ظهر ماريو - فرانسوا غويار مهتماً برسم حدود بين المؤرخين والمقارنين الذين يعطيهم مهمة النقل الأدبي) لصورة، فإنه من الواضح أن دراسة الصورة كانت مشتركة بين المعارف قبل الأدب.‏

- دراسة الصورة : تأمل معرفي مشترك :‏

يتقاطع هذا النوع من الدراسات مع البحوث التي يقوم بها علماء السلالات البشرية، وعلماء الإنسانيات، وعلماء الاجتماع، ومؤرخو العقليات والحساسيات، الذين يطرحون مسائل حول ثقافات أخرى، والغيرية (2) ، والهوية، والمثاقفة، والتنافر الثقافي، والاستلاب الثقافي، والرأي العام أو الخيال الاجتماعي. من المهم بالنسبة للمقارن، أن يأخذ بعين الاعتبار التساؤلات التي يمارسها باحثون متقاربون، ليس من أجل نسيان الدراسة الأدبية وتوسيع أرضيتها كثيراً، ولكن من أجل مقابلة هذه المناهج مع مناهج أخرى، خاصة الصورة الأدبية مع شهادات متوازية ومعاصرة، ومع صور انتشرت عبر الصحافة، والأدب الموازي، والسينما، والفنون. يتعلق الأمر جيداً بإعادة تسجيل التأمل الأدبي ضمن تحليل عام يخص ثقافة أو ثقافات عديدة تعود لمجتمعات محددة جيداً. تعد الصورة الأدبية، بهذا الشكل، مجموعة من الأفكار عن الأجنبي مأخوذة ضمن تطور التأديب (3) ) وكذلك أيضاً المجمعة (4) ). هذا المنظور يجبر المقارن على أخذ النصوص الأدبية في الحسبان، وكذلك شروط إبداعها، ونشرها، وتلقيها، وكل أداة ثقافية كتبنا بها، أو عشنا معها، أو فكرنا، وربما حلمنا بها. تقود الصورة إلى مفترقات إشكالية تبدو فيها ككاشف موضح، بصورة خاصة لآليات عمل مجتمع ما ضمن أيديولوجيته التمييز العنصري، والإغرابية مثلاً)، وضمن منظومته الأدبية بوضوح، وضمن خياله الاجتماعي.(5)‏

مع ذلك، من غير الممكن أن ينفي المقارن خصوصية الفعل الأدبي غالباً عبر قصص الارتحال، والدراسات، والقصص الخيالية، والمسرح - نماذج أجنبية - والشعر بصورة أكثر ندره ).‏

هذه الحاجة المضاعفة، وهذا التغيير للأفق ليسا دون نتائج ضمن إعادة تحديد حقل تأمل دراسة الصورة )، وكلمة الصورة نفسها.‏

- الصورة المقارنية :‏

في المعنى المقارني، يستدعي مفهوم الصورة تعريفاً أو على الأصح فرضية عمل يمكن أن تصاغ على الشكل التالي : كل صورة تنبثق عن إحساس، مهما كان ضئيلاً بالأنا) بالمقارنة مع الآخر، وبهنا) بالمقارنة مع مكان آخر. الصورة هي إذن تعبير، أدبي أوغير أدبي، عن انزياح ذي مغزى بين منظومتين من الواقع الثقافي. إننا نجد، مع مفهوم الانزياح، البعد الأجنبي الذي يؤسس كل فكر مقارني. في علم الاجتماع، يصبح هذا الانزياح اختلاف طبقات اجتماعية، أو أصول، أو فضاءات جغرافية - ثقافية منطقة رئيسية). وفي علم الإناسة ما يتعلق بالإنسان) يصبح الانزياح تعارضاً بين مجتمعات لها كتابتها وتاريخها، ومجتمعات تسمى بدائية ).‏

إعادة التقديم والانزياح :‏

الصورة إذن هي إعادة تقديم واقع ثقافي يكشف من خلاله الفرد والجماعة الذين شكلوه أو الذين يتقاسمونه أو ينشرونه)، ويترجمون الفضاء الاجتماعي، والثقافي، والأيديولوجي، والخيالي الذي يريدون أن يتموضعوا ضمنه. هذا الفضاء، المطروح كأفق للدراسة، هو المسرح، والمكان اللذان تتوضح بهما، بطريقة مزخرفة، أي بمساعدة الصور، الكيفية التي ينظر وفقها مجتمع إلى نفسه ويتأمل فيها، وكذلك الكيفية التي يفكر بها بالآخر ويحلم به. مما لاشك فيه، في الواقع، أن صورة الأجنبي يمكن أن تعبر أيضاً عن أشياء حول الثقافة الأصلية الثقافة الناظرة) التي من الصعب أحياناً تصورها، والتعبير عنها، وتخيلها. تستطيع صورة الأجنبي الثقافة المنظورة) إذن، أن تنقل، على مستوى مجازي، حقائق وطنية) لم يعلن عنها وتحدد بصورة واضحة، والتي، من أجل هذا، تقوم على العقيدة) وهي تقوم كذلك، بالنسبة للمقارن، على خيال اجتماعي، مطبوع بالثنائية: هوية غيرية، وتعابير متعارضة ومتكاملة في الوقت نفسه، إن مفهوم دراسة الصورة لاينحصر فقط بدراسة درجة تزييف الصورة، مثلما يطرح الآن أحياناً كل صورة كاذبة بالضرورة، بوصفها تقديماً لبعض الحقائق وتحويلاً لها إلى كلمات)، ولاينحصر كذلك بدراسة الانتقالات الأدبية لما يسمى، للسهولة، واقعاً، ويجب أن ينفتح على دراسة مختلف الصور التي تشكل، في لحظة معينة، تقديم الأجنبي، وعلى دراسة خطوط القوة التي تحكم مجتمعاً، ومنظومته الأدبية، وخياله الاجتماعي.‏

لايستطيع المقارن، وإن كان أسير الكلام، أن يمنع نفسه من الاقتباس من الحقل المعجمي للبصريات إدراك، نظر، قراءات، رؤيا، وهم) من الثابت أن الصورة تقديم، أي عناصر ماثلة في ذهن الكاتب، والجماعة)، والتي تحل محل عنصر أصلي غائب الأجنبي)، وتقدم بدلاً عنه خليطاً من المشاعر والأفكار التي من المهم معرفة صداها الانفعالي والعقائدي، والمنطق، نريد القول الانزياح الخيالي. الصورة المقارنة ليست نسخة عن الواقع، إنها تتشكل وتكتب بالاعتماد على مخططات، وإجراءات توجد قبلها ضمن الثقافة الناظرة. الصورة لغة، إلى نقطة معينة، وهي لغة ثانية موازية للغة التي يتكلم بها الأنا)، ومتعايشة معها، ومضاعفة لها بصورة من الصور، من أجل التعبير عن الآخر، وقول شيء آخر.‏

- الصورة لغة رمزية :‏

الصورة تحمل كل سمات اللغة مثلما حددها اللغويون، مثل إميل بينفينيست. ويمكن تطبيقها، دون تعسف، على الصورة : تعبير الحديث هو حديث عن شيء معين انطلاقاً من مكان التعبير) ؛ وتشكيل ضمن وحدات متميزة كل واحدة منها هي إشارة من هنا تأتي ضرورة وصف هذه اللغة التي هي الصورة )؛ ومرجع بالنسبة لكل أعضاء جماعة بشرية واحدة تكشف صور الآخر الانتساب إلى ثقافة)، وتحيين (6) واحد للاتصال بين الأفراد : تخدم الصورة، خاصة الأدبية، في قول شيء معين)، وهذا الشكل من الدلالة الثقافية الأحادية حالة النمط )(7) هو الذي يسبب مشكلة ضمن إطار دراسة أدبية. ولكن الصورة هي أيضاً لغة ثانية لأسباب أخرى.‏

إنني أنظر إلى الآخر، وصورة الآخر تنقل أيضاً نوعاً من الصورة عن هذه الأنا) التي تنظر، وتتكلم، وتكتب. من المستحيل تجنب ألاّ تبدو صورة الآخر، على مستوى فردي كاتب)، وجماعي مجتمع، أو بلد، أو أمة)، ونصف جماعي عائلة فكرية، رأي، أدب)، نفياً للآخر أيضاً، وتتمة وتعميقاً للأنا) وفضائها. تريد الأنا) الحديث إلى الآخر لأسباب ضرورية ومعقدة غالباً) ولكن في حديثها إلى الآخر، تصل إلى نفيه، وتحادث نفسها. في مستوى آخر، من بين كل اللغات الرمزية التي يمتلكها مجتمع معين للتعبير عن نفسه، وللتفكير لنفكر - بالموضة - التي درسها رولان بارت في - نظام الموضة)، تعد الصورة واحدة منها، ووظيفتها التعبير عن العلاقات بين الشعوب والثقافات، وهي علاقات ليست فعّالة بمقدار ماهي مُعتقدة، أو يحلم بها بين المجتمع الذي يعبر وينظر والمجتمع المنظور. الصورة فعل ثقافة ، وممارسة إناسية متعلقة بالإنسان) للتعبير عن الهوية والغيرية في الوقت نفسه واللباس، والمطبخ لغات رمزية أخرى) ضمن هذا المجال، للصورة مكانتها ضمن العالم الرمزي الذي نسميه خيالاً)، والذي سمي خيالاً اجتماعياً لأنه لاينفصل عن تنظيم اجتماعي، وثقافي.‏

أخيراً، الصورة لغة لأن كل تقديم، بالمعنى الذي قصدناه هنا، يوجد من أجل التواصل. ولهذا فإن الصورة تستحق تحليلاً يستطيع أن يتبنى نوعاً من علم الدلالة، بتوسع وحرية بصورة خاصة. من أجل إعادة استخدام كلمات رولان بارت في عناصر علم الدلالة )، فإن للصورة وظيفة - إشارة).‏

نقول إن هذه السمة متعددة المعاني، تطال أحياناً الدلالة الأحادية، وهي التي تسبب مشكلة في دراسة أدبية. في لحظة تاريخية معينة، وضمن ثقافة ما، ليس ممكناً قول أي شيء عن الآخر) وكتابة. إن النصوص التي يدرسها علم الصورة، والتي تسمى أحياناً صورية - نمطية، هي نصوص مبرمجة، في قسم منها، ويمكن تأويلها مباشرة إلى حد ما عن طريق الجمهور الذي يعرف الصورة كلياً أو جزئياً للثقافة، والقول اللذين عبر عنها بهما. بالإضافة إلى ذلك، إن الخطابات عن الآخر) المتنكرة بالخيال، ليست مطلقة عددياً، إنها متسلسلة بحسب رأي المؤرخين. وتعدادها، وإظهارها، وشرحها يعني فهم كيف أن الصورة لغة رمزية داخل منظومة ثقافية، وخيال اجتماعي، هذا هو موضوع دراسة الصورة‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 01:07 PM
- الأنماط Stéréotypes‏

تبقى الصورة كلمة مبهمة، متنقله في كل مكان، مناسبة زوراً. هل من المفيد التفكير بشكل خاص وشامل للصورة :‏

النمط. هنا أيضاً، أصاب الغموض غالباً هذه الدراسة غير المعروفة كثيراً في الأدب) بسبب مسألة زيف النمط ونتائجه الأساسية على المستوى الثقافي .‏

- من العلامة إلى الإشارة :‏

إذا قبلنا أنه يمكن مواجهة كل ثقافة بوصفها فضاء لابتكار علامات وإنتاجها، ونشرها هذا يؤدي إلى تصور كل ظاهرة ثقافية كتطور تعبير وأيضاً كاتصال متعدد المعاني ضمن آليته ووظيفته)، فإن النمط) يبدو ليس كعلامة كظاهرة مولدة لدلالات) وأيضاً كإشارة ترجع بصورة آلية إلى تفسير واحد ممكن. يصبح النمط) دليلاً على اتصال مشارك(8) ، وثقافة في طريقها إلى التوقف. ضمن هذه الثقافة، أو بدقة أكثر ضمن هذا القطاع الاجتماعي - الثقافي أو ذاك، أو ضمن أي نص مهما كان نوعه، يجد الخيال نفسه مقتصراً على رسالة وحيدة، أي القدرة على انتاح أشكال، وإذن دلالات، القدرة على التشكلية الشعرية التي تتطلبها كل ثقافة أو ظاهرة ثقافية :‏

يصبح النمط) إذن رمزاً متعدد الدالات والدلالات. مع ذلك، من الصعب قبول ألايكون للنمط الدعائي، مثلاً، إلا رسالة واحدة يجب إيصالها. سيكون أكثر صحة القول وبطريقة أكثر بساطة) بأن النمط يطلق، في الواقع، رسالة أساسية). ينشر هذا الرمز صورة) أساسية، أولية وأخيرة وجوهرية.‏

- الخلط بين الخاصية والأساس :‏

إذا تأملنا في إنتاج النمط، نلاحظ أنه يخضع لتطور بسيط في التكوين : الخلط بين الخاصية والأساس يجعل ممكناً التعميم الدائم من الخاص إلى العام، ومن المفرد إلى الجمع : " X هي واحد [....] "، " إنهم كلهم ...[...] ". يتموضع النمط، في النص، في مستوى الوصف غالباً : إن الوصف هو الذي سيصبح أساسياً، والتابع يرجع إلى تعريف واحد ممكن. إن الاتصال المتصور مثالياً، ونظرياً) يتطلب الترميز الذي يسمح بالانتاج الجماعي للمعنى، في حين أن الاتصال النمطي، يتموضع في مستوى تطور التعريف والإسناد. من هنا جاءت الصيغة : " هذا الشعب هو ... "، " هذا الشعب ليس ..." " هذا الشعب يعرف أن يعمل .... " أو " لايعرف " . بيان في الحاضر لماهيات لازمانية يستطيع النمط بتوسع أن يكون عالمياً جمعياً، ويستخدم أيضاً في حكاية مع زمن ماضٍ )، إنه التعبير عن زمن متوقف : زمن الماهيات. من هنا التقنين الممكن للنمط، وانتشاره ضمن كل تعبير ثقافي يقدم على شكل سلسلة الأدب الصناعي في القرن التاسع عشر، حلقات، ميلودراما، إعلانات، دعاية ....)، أو ضمن كل إنتاج ينزع إلى شكل مشترك المثل مثلاً ).‏

- الماهية والتفرع الثنائي :‏

إن فائدة النمط، ضمن الاتصال، واضحة : إنه يطلق شكلاً أدنى من المعلومات من أجل اتصال أشمل، وأكثر اتساعاً ممكناً، وينزع، في كل حالة، إلى التعميم. وهذا ما يتناسب مع الأساس.‏

إنه شكل من الموجز، والمختصر الرمزي لثقافة نمط، " فكرة مستقبلة " عزيزة على فلوبير). النمط هوالذي يقيم علاقة تناسب بين مجتمع وتعبير ثقافي مبسط : رفع الملحق، والصفة إلى مكانة الماهية الأساس) يستدعي التوافق الاجتماعي - الثقافي في حده الأعلى الممكن.‏

النمط حامل لتعريف الآخر)، وهو البيان عن معرفة جماعية دنيا تريد أن تكون مشروعة، في أي لحظة تاريخية مهما كانت.‏

النمط ليس متعدد الدلالات الثقافية : في المقابل، إنه متعدد السياقات كثيراً، وقابل لإعادة الاستخدام في كل لحظة. نضيف أنه إذا كانت العقيدة تتميز، من بين ما تتميز به، بالخلط الحاصل بين القاعدة الأخلاقية، والاجتماعية) والخطاب، فإن النمط يمثّل، غموضاً ناجحاً، ولهذا السبب فعّالاً.‏

من هنا، يطرح النمط، بطريقة خفيّة، طبقة دائمة، وتفرعاً ثنائياً حقيقياً للعالم والثقافات. القول بأن الفرنسي شارب للنبيذ يعد نمطاً، ونمطاً ذاتياً إذا كان الأمر يتعلق بالفرنسي الذي يلفظ هذا القول. يتعارض هذا التعريف الذاتي بطريقة مبدئية، وأساسية مع الانكليزي شارب الشاي أو الألماني شارب الجعة. في الواقع، يهدف هذا التعارض إلى وضع طبقة لصالح الفرنسي، داخل ثقافة فرنسية. هذا المثال التبسيطي يقود إلى نسيان كتابة لأحد أساتذة النثر الفرنسي في عصر الردة) موريس باريس، في روايته الصغيرة مثلاً COLETTE BAUDOCHE التي لاقت نجاحاً كبيراً، وتتقابل فيها بطريقة نظامية الثقافة الفرنسية أو بصورة أدق ثقافة لورين)، والثقافة البروسية، أي اللاتينية الحضارية من وجهة نظر الكاتب والجمهور الذي يتوجه إليه )، والجرمانية، أي البربرية.‏

هكذا، يطرح النمط في تعارضه، وهو يعارض لسبب واحد هو أنه ملفوظ : إنه يثبت في الوقت نفسه الذي يلفظ. إنه إضمار استثنائي للروح، والمحاكمة العقلية، وقياس دائرة متواصل : إنه يظهرما يجب إثباته. وهو ليس فقط دليلاً على ثقافة متجمدة، بل يكشف عن ثقافة ضعيفة، تكرارية تستبعد كل مقاربة نقدية لصالح بعض الإثباتات من النوع الجوهري والانتقائي التمييزي ).‏

- الخلط بين الطبيعة والثقافة :‏

هل يجب أيضاً رؤية كيف يتشكل التعريف الذي يحمله النمط. إنه يحدث خلطاً بين نظامين لوقائع متمايزة ومتكاملة : الطبيعة، والثقافة، الإنسان والفعل. لن نندهش من أهمية التسجيل الفيزيولوجي في خدمة لفظ نمط وإنتاجه الأنف المعقوف بالنسبة لليهود، ابتسامة - أسنان - بيض عند الزنوج ... إلخ)‏

الطبيعة تسوّغ، وتضمن وضعاً ثقافياً : بسبب الأنف المعقوف يأخذ اليهود نقودنا، أسنان بيض - وجه ضاحك لطفل كبير، يجب إذن تنشئته بشدة ضمن استعمار جيد. إن طبيعة الآخر هي التي تفسر ثقافته، ووجوده يفسر عمله الدوني) والعمل المتفوق) للأنا التي تلفظ .يحافظ النمط على الخلط النموذجي للعقيدة بين الوصفي الخطاب : " هذا الشعب هو " ...) والمعياري المعيار، نقول "هذا الشعب لايعرف " .... " لايستطيع ") يختلط الوصفي الخاصية الجسدية) مع النظام المعياري دونية هذا الشعب، أو هذه الثقافة ). ترتكز العقيدة العنصرية، في كل تجلياتها، على العرض الكاذب للدونية الجسدية، والعقلية للآخر أو شذوذه بالمقارنة مع المعيار الذي يطرحه متكلم يعد متفوقاً ).‏

من الواضح أن هذا التأملات تدين للعلوم الإنسانية أكثر مما تدين به للأدب. إنها تشارك، بطريقة ما، في إشكالية تخص الأدب العام النمط كعلاقة بين التعبير الأدبي، أوالموازي للأدب والمجتمع) بمقدار ما تخص الأدب المقارن. ولكن دراسات الصور الأدبية، أو الثقافية، لها الفضل في إعادة توجيه تأمل الأدب نحو مشاكل ذات طبيعة اجتماعية وثقافية لها مكانتها ضمن الدراسات التي تسمى بحق أدباً عاماً )(9) .‏

نعود إلى تعريف الصورة كجزء من نص، واتصال مبرمج جزئياً، من أجل تمييز ثلاثة عناصر مركبات) للصورة، بطريقة نظرية، أو ثلاثة مستويات للدراسة الإيماغولوجية)، التي ستشرح لمزيد من الإيضاح، وفق نظام التركيب المتصاعد : الكلمة، العلاقة الطبقية، السيناريو ).‏

- من الكلمة إلى الصورة :‏

كعنصر أولي، تشكيلي للصورة، نعاين مخزوناً واسعاً إلى حد ما من الكلمات التي تسمح، في عصر وثقافة معينين، بالنشر الفوري لصورة الآخر ).‏

- اختبار المعجم المصطلح ).‏

تشكل هذه الكلمات، وضمن نصوص، هذه المجموعات الفعلية، وهذه الشبكات المعجمية، وهذه الحقول الدلالية، مخزناً مفهومياً وشعورياً مشتركاً إلى حد ما، من حيث المبدأ، بين الكاتب وجمهوره القارئ. نميز بين كلمات أساسية وكلمات مبتكرة، وبين منظومتين معجميتين ترجع إلى مشاكل مرت سابقاً عند الحديث عن الترجمة للكلمات النابعة من البلد الناظر التي تخدم في تحديد البلد المنظور):‏

والكلمات المأخوذة من البلد المنظور، كلمات اللغة - المنبع، والتي وضعت، دون ترجمة، في نصوص البلد الناظر، وفي لغة - المصب، وأيضاً في خياله. من أجل إظهار المجموعة الأولى والاستفادة من الصور الفرنسية عن إسبانيا، نذكر بصورة عشوائية : " شهامة "، " نبل "، " شرف "، "عاطفة "، " غيرة"، " كسل " التي تستخدم منذ قرون في وصف الرجل الإسباني ضمن الثقافة الفرنسية.‏

تستطيع مثل هذه المفردات أن تبعث دراسة تطورية الحقبة الطويلة للمؤرخين) من أجل العودة حتى القرن السابع عشر، أو ما قبله، وتقديم ملاحظات حول حضور هذا الإسباني المتخيل، وطبيعته، ووظيفته، والذي عبر عنه من خلال الصور، أي وضع في كلمات داخل الخيال الفرنسي العلماني الجمعي. ولكن هناك كلمات استخدمت بين القرنين السادس عشر والثامن عشر مثل حذلقة، تبجح، هوس، رومانسي). إن التعرّف على مثل هذه الكلمات، وتركيب شبكات معجمية منها مع غيرها، وتقديم نظائر ممكنة انطلاقاً منها، كل ذلك يعد غوصاً داخل الخيال الاجتماعي والذي هو موضوع اهتمامنا. وسيكون البحث أكثر خصوبة أيضاً وأكثر مقارنية) مع الكلمات غير المترجمة، أي المتعذر ترجمتها، لأنها تنقل واقعاً أجنبياً مطلقاً وتدل عليها، وهذا الواقع عنصر غيري لايتبدل :" HIDALGO - نبيل بالإسباني "، " ANDANGO - رقصة إسبانية "، " SOMBRERO - قبعة مكسيكية " ، " في حين أننا نستطيع أن نقول CHAPEAU أو FEUTRE وهما كلمتان فرنسيتان تعنيان قبعة ـ "، وكذلك CASTAGNETTES (10) و MANTILLES ،(11)‏

وهي كلمات لم تستطع الفرنسية التغلب عليها، وبقيت مرتبطة بجذورها الإسبانية. عند الحديث عن الأسبنة، نتذكر الإيطالينة التي يتكلم عنها رولان بارت بخصوص دعاية غذائية اتصالات 4)‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 01:09 PM
- كتابة الغيرية :‏

لأن اهتمامنا ينصب على الكتابة عن الغيرية الغير)، من المهم أن نكون يقظين إزاء كل مايسمح بالاختلاف الآخر مقابل الأنا)، أو التمثّل الآخر الشبيه، أو المختلف قليلاً عن الأنا).‏

- اختلاف أو تمثل :‏

في الحالة الثانية، نرى كل ما تستطيع دراسة معجمية في البداية استخلاصه من مفهومات عملياتية مثل التناظر، وبصورة عامة، من كل طبقات المقارنة التي تسمح بالانتقال من سلسلة إلى أخرى، ومن كل التكافؤات الممكنة. إننا نجد مع التكافؤ) مسائل طُرحت في فصل الترجمة. الصورة هي ترجمة للآخر)، وهي أيضاً ترجمة ذاتية. إذا أعدنا أخذ المفردات الفرنسية عن إسبانيا، مثلا من الواضح أنه في القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر كانت الكلمات التكبّر، الغيرة، الكسل، الرومانسي) تتعارض بطريقة منهجية مع صورة فرنسية تقوم على القياس، والمحفوظ، والعمل، والعقل.‏

وإذا تبين لنا، عرضاً، أن هذه الكلمات توجد بوضوح ضمن الأدب الإسباني بدرجات متفاوته، فإننا نتصور، عندئذ، حقيقتين مهمتين : دور التوسيط الثقافي والرمزي الذي يستطيع أن يقوم به الأدب والفن بصورة عامة في تشكيل الصور وحتى البسيطة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أهمية السياق الثقافي، لأن هذه الكلمات لا تحمل القيمة نفسها ولا الوظيفة نفسها عندما تشكل صورة ذاتية ويلفظها أسبان للاستخدام الداخلي)، أو صورة مختلفة الكلام الذي يقوله فرنسي عن الإسبان)‏

- تعداد الاتفاقات :‏

ضمن النص المدروس، سيكون التحليل المعجمي يقظاً إزاء كل أثر للتكرار، والإعادة، وإزاء بعض الاتفاقات، وكل ظهور آلي في اختيار المفردات المتعلقة خاصة برسم الأماكن فضاءات أجنبية، كما سنرى لاحقاً)، والمقاييس الزمنية حجز تسلسلي، تاريخي أو مغلوط تاريخياً للآخر)، وإزاء معجم الحجز الخارجي أو الداخلي للآخر. واختيار الأعلام اهتمام موجه للكنية، وبعض الأسماء القريبة من الرسم الساخر من خلال تناغمها مثلاً)، وإزاء كل ما يسمح، في مستوى الكلمة، بمنظومة علاقات، وتبادلات بين الآخر والأنا. من المناسب نزع الصفة بانتباه إيجابية أو سلبية)، ومبادئ تشكلها، وتوزيعها والتي تساعد على فهم بعض أساليب الوصف. ظاهرياً، سننزع الأساليب التي تسمح بالانتقال من المجهول إلى المعلوم أو العكس سيرورة طرحت في الفصل السابق)، من آثار الابتعاد، والدخيل، والتجنس، والإلحاق، والنفي أوالتهميش.‏

- فهرس صور وأفكار:‏

في هذا المستوى، يعد الخيال الذي تُرجع إليه هذه الصورة بالكلمات أوهذا المعجم المصور، نوعاً من الفهرس، أو معجم صور : وهذا، كما نقول، الأداة المفهومية، والشعورية لجيل أوعدة أجيال، أو لطبقة اجتماعية معينة، أو مشتركاً بين عدة عناصر اجتماعية - ثقافية تحمل آراء مختلفة. يعتقد أن مادعي حديثاً تاريخ الأفكار) هوهنا تاريخ كلمات وصور. تعيد مثل هذه الكلمة، مبدئياً إلى خيار ديني، وسياسي، وفلسفي مع آثار جمعية قابلة للتبدل : هذا عمل العقيدة. أي مقارن سيقول، بعد عدة عقود، الثروة الأدبية، والعقائدية لكلمات مثل goulag أو Shoah) في الغرب؟‏

الفظاظة) الإسبانية صفة انتقلت إلى صف الجوهر الماهية)، وخدمت بصور مختلفة ولكن مع معاني مختلفة وفق العصور والسياقات) الرأي العام البروتستانتي في القرن السادس عشر، والرجل الشريف في القرن السابع عشر، والفيلسوف والموسوعي في القرن الثامن عشر، والرومانسي الدخيل في القرن التاسع عشر، والديمقراطي المعادي للفرانكونية في القرن العشرين.‏

يمكن لدراسة الصورة) أن تكون المساعد الفعّال لتاريخ الأفكار إلى نقطة معينة، لأن الأمر لايتعلق بكشف تصورات أو مفهومات ضمن منظومات فلسفية أو سياسية، ولكن بأفكار ومشاعر داخل جماعات، وعائلات ذات رأي ضمن محيطات أكثر حركة.‏

- الكلمات، والأفكار، والاستيهامات.‏

إننا نرى كيف تستطيع مثل هذه الاستدلالات المعجمية أن تساعد في تحليل الخطاب النقدي، مثلاً في حالة التلقي انظر الفصل الثالث)، لأن هذه النصوص تستطيع أن تكون منظمة، إلى نقطة معينة، بالنسبة للصور، ويمكن لبعض العناصر المعجمية أن تتطابق مع تطورات بسيطة للدلالة. الكلمة المقصودة هنا ليست بعيدة، في طبيعتها ووظيفتها، عن النمط .‏

إنها تستطيع أن تولد انعكاسات دلالية متشابهة غالباً : هذا ما دعوناه سابقاً فك الرموز الفوري إلى حد ما. يتعلق الأمر، إذن، بكلمات رئيسية، موثقة من التاريخ والعالم - الجمعي. في حالة الكلمات الاستيهامية، تكون النتائج أكثر تعقيداً لأن الدلالات المضمرة أكثر عدداً، وترسم حقولاً دلالية أكثر سعة، أي فك رموز أقل تشابهاً أو آلية. إن الكلمة Fantasme لا تخدم فقط التواصل اللغوي ولكن أيضاً فعل الحلم والتواصل الرمزي. نقتبس، بصورة عشوائية، كلمات مثل Harem - حريم) حلم كل تلاميذ الإعدادية) كما يقول فلوبير في معجمه، و Odalisque - جارية الحريم)، و Desert - صحراء التي تدعى آثارها بصورة عامة إثارية)، وتساعد على تشكيل فضاء شرقي هذا الشرق الذي اخترعه الغرب) من أجل إعادة أخذ العنوان الفرعي لكتاب إدوارد سعيد الاستشراقية ، سوي، 1980 ). ألا تستحق هذه الكلمات الاستيهامية تسمية مشابهة لأنها تواريخ ممكنة، و سيناريو) في حالة مضمرة، وإذن أسطورة)، وتواريخ أسطورية بالقوة، أو على الأقل تستطيع أن تخدم ميثولوجيا) جماعية أو فردية.‏

- الكلمة بين النمط والأسطورة.‏

لايمر هذا التأكيد دون نتيجة ضمن دراسة ذات طبيعة معجمية ظاهرياً. لنأخذ كلمات أخرى تتأرجح بين المفردات النقدية والتعريف المختصر لمظاهر ثقافية : هو ميري(12) ، دانتي (13) ، بيكارسكية، فاوستي، فولتيري، كافكي ... هل يتأرجح قسم من خيالنا الاجتماعي، والثقافي على مستوى التقديم والإتصال، بين مفاهيم نمطية، وبين أنماط تحمل مضموناً عقلياً وانفعالياً مضمراً، يمكن أن يتطور في التاريخ، إذن ضمن سلسلات من الكلمات التي تفتح أمام الخيال إمكانية خطاب، و سيناريو)، والتي لهذا السبب تقترب من الأسطورة، ضمن هذه الشروط، النمط أسطورة ليس لها تاريخ أو لم يعد لها تاريخ، و سيناريو)، أسطورة أوعنصر أستدلالي مجرد أو بانتظار التطور إلى سيناريو)، " دونجوان " هو نمط بانتظار تاريخ أوعقوبة ممكنة، أوهوالأسطورة الواقعة في مستوى التسمية النمطية. لن نفاجأ كثيراً عند رؤية كيف أن هذه اللغة الرمزية التي هي الصورة تتلاقى مع هذه اللغة الرمزية الأخرى التي هي الأسطورة.‏

ويجب تذكر هذا اللقاء عند دراسة فصل الأساطير الفعل السادس).‏

الصورة، في البداية إذن، هي مفردة أساسية تستخدم في التقديم.‏

يتعلق الأمر بالانتقال من جرد يمكن أن يستغل في مناهج التحليل المتسلسلة والكمية الإحصائية) أو مناهج التحليل المضموني التي تظهر بوضوح حدود مثل هذه المقاربة في الأدب)، إلى فحص إنتاج النص. يتعلق الأمر حالياً برؤية كيف تتحول العلاقات بين الأنا) والآخر) إلى إحساس تعبيري، مثلما قال ميشيل فوكو في كتابه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي). إن تتبع كتابة هذه الأنا) يعني تتبع منطق خيال، وأيضاً خطاب عن الآخر) بأبعاد أنتروبولوجية) واضحة. إن كلود ليفي شترواس مؤلف المدارات الحزينة)، قارئ كبير للأساطير، وقد استخدم، أكثر من أي أديب آخر، المنهج البنيوي، ويستطيع أيضاً أن يقدم نوعاً من المساعدة عندما يجب صنع ما يسميه بنيات) أو مجموعات من العلاقات ). يمكن تطبيق هذه الصيغة أيضاً على الصورة. ولكن لنحدد مسبقاً، أن ذلك بسبب علاقات القوة التي تفرضها كل علاقة مع الآخر ): وهي علاقات طبقية.‏

- الصورة أوالعلاقة الطبقية :‏

من المهم حالياً التعرف على التعارضات الكبرى التي تشكل النص الصوري - النموذجي. من أجل التبسيط : الأنا - راو - الثقافة الأصلية للآخر - الشخصية - الثقافة المقدمة. يتعلق الأمر بعزل العناصر التي يتركب منها النص. وكذلك الصورة، وبعزل الوحدات الموضوعاتية، ومكانة العناصر الزخرفية ووظيفتها، والوقفات الوصفية، والمتتاليات التي تتجمع فيها العناصر المحفزة للصورة. في مجال الاهتمامات النابعة أيضاً من الإناسة علم الإنسان) البنيوية، يتوجه التحليل إلى الإطار الفضائي - الزماني الفضاء الأجنبي والزمن اللذان رئي فيهما - الآخر - في حين أن الأنا، تكتب)، ثم يواجه نظام الشخصيات، وأخيراً يقرأ النص كوثيقة إناسية ).‏

- الإطار الفضائي - الزماني :‏

سندرس إجراءات تنظيم، وإعادة تنظيم الفضاء الأجنبي : طرق التحديد الفضائي، والتفرعات النابعة من المتخيّل عن الفضاء الأجنبي. ارتفاع مقابل انخفاض، حركة عظيمة، التصاعد مقابل حركات سقوط أو انهيار، نزولات رمزية)، والثنائيات المتناقضة وكتابتها الأدبية الشمال مقابل الجنوب أوالوسط، المدينة مقابل الريف، الفضاء المدني مقابل الفضاء الريفي والطبيعي، البعيد مقابل العائلي - الأنيس ...)، وكل مبادئ التقطيعات للفضاء مع تفضيل تعارض الأنا وبديلاتها في الثقافة الناظرة) مقابل الآخر، كلما سنحت الفرصة في ذلك.‏

غالباً ما يؤخذ الفضاء، ويكتب عنه وفق سيرورة من الأسطرة. الفضاء ليس دائماً ولا متجانساً، ضمن صورة ثقافة مثلما هوالحال ضمن فضاء أسطوري أثير عند ميرسيا إلياد. يفضل الفكر الأسطوري الأماكن، يعزل بعضاً منها، ويدين بعضها الآخر، إنه يضفي على بعضها وظيفة فضاء انتساب للأنا وجماعة مختارة، ولهذا، فهي تعد فضاءات منسجمة، في حين أن أقساماً أخرى تقوم بالوظيفة السلبية للسديم أو البديل لأماكن جهنمية. سنكون يقظين إزاء العلاقات التي تقوم بين الفضاء وجسد الشخصيات، وإزاء تسجيل الشخصية ضمن الفضاء واستخدام الفضاء من قبل الجسد(14) ، وهذا ما يجعل الفضاء الخارجي) مماثلاً للفضاء الداخلي لشخصية، أو لأنا راوٍ )، طالما أنه صحيح أن الفضاء الأجنبي يستطيع أن يعيد إنتاج منظر عقلي ويعبر عنه. كان يمكن لعلاقات أيضاً أن توضع بين الفضاء الجغرافي والفضاء الجسدي، على الأقل، في المستوى المجازي. بالتفصيل، سنهتم بالدخول إلى مباديء توزع العناصر الفضائية : الأماكن المفضلة مداخل، نوافذ، شق، هضبة)، والمناطق المعطاة قيماً إيجابية مكان amoenus مثلاً)، أو سلبية السيرك الجهنمي أوالمأساوي)، وكل ما يسمح بترميز الفضاء أو جعله شعرياً في المكان الذي يتحدث فيه ميرسيا إلياد عن - تقديس - بالمقارنة مع فضاء - مدنس) تؤدي دراسة الصورة إلى طوبولوجيا) معممة ومختلفة.‏

إن ما قيل عن الفضاء يصح أيضاً بالنسبة للزمن. بعد بيان الإشارات التاريخية، والتواريخ، إذا وجدت، سنركز الانتباه على كل ما يمكن أن يظهر كأسطرة للزمن، زمن الآخر، والزمن الذي تتحرك فيه العلاقات بين الأنا والآخر. نحن نعرف أن الأنماط، إذا وجدت، فهي توجد من أجل إضفاء معنى لا تاريخي على النص.‏

سنراقب كل حركة تمتد إلى عمق الزمن والتاريخ، وإلى زمن الفرح المتعارض مع لحظات القلق، وسنراقب كيف يستطيع أن يوجد في النص الزمن الخطي للتاريخ، الذي يسير في اتجاه واحد، ولا يتكرر، ويتقدم، وغائي، والزمن الدائري للصورة الذي يمكن عكسه، ويتكرر، ويكون طقسياً وهو أيضاً زمن الأسطورة). إن الغوص في الزمن الأسطوري يجذب النص نحو زمن العصر الذهبي .‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 01:11 PM
- نظام الشخصيات‏

بعد التمييز التشكلي للعناصر التي تعبر فيها الغيرية سمات جسدية، حركة، حديث) والتي تقوم أيضاً، في مستوى أول، على الدراسة المعجمية، سنتعرف على العناصر التي هي ذات طبيعة غريزية أكثر من كونها ذات طبيعة عقلانية، وهي تشرف على تشكيل صورة شخص، وعلى خط الفصل الذي يمكن أن يوجد بين الشخصيات أوبين الأنا والشخصيات. يجب الانتباه إذن إلى كل تصرف جمعي أواستبعادي، وإلى اختيار الشخصيات المذكرة والمؤنثة، وجنسها بالمقارنة مع انتسابها السياسي والثقافي مثلاً.‏

سنبين نظام التصنيف الاختلافي الذي يسمح بصياغة الغيرية، من خلال ثنائيات متقابلة : متوحش مقابل متمدن، بربري مقابل مثقف، الإنسان والحيوان الإنسانية والحيوانية)، راشد وطفل أو صبياني)، الارتقاء والانحطاط. سنرى كيف تستطيع بنيات أن تبدل مبادئ كتابة، وتسمية لتجعل منها مبادئ سيطرة رمزية.‏

- النص كوثيقة إناسية Anthropolgique) :‏

يتعلق الأمر بفحص منظومة قيم الآخر، وتعابير ثقافته بالمعنى الإناسي، مما يسمح بوصوفات أكثر أو أقل اتساعاً أو بمتتاليات سردية : نشاطات فنية، دين، موسيقا، لباس، مطبخ، ... إلخ، كل من يهتم بالصورية الإيبيرية يعلم إلى أي حد يشكل المسكن، والمنزل، والمطبخ عناصر مهمة للصورة. في مستوى القراءة هذا، يتعلق الأمر بنوع من المعنى الأدبي المضاد المقصود والمؤمّن : البحث عما يقوله النص عن الآخر عندما يقرأ كشاهد، ويعد كتلة من المعلومات. يدرس النص الأدبي هنا بوصفه تطوراً سردياً، ووصفياً، وإدراكياً أيضاً حيث يجب ملاحظة الذي قيل وكذلك الذي قرأ.‏

- الصورة كسيناريو.‏

لقد ألغى وصف النص وتحليل البنيات كل منظور تاريخي وكل تفسير حقيقي. سيكون هذا الزمن الثالث إذن لحظة تأويلية، نُسيت أحياناً، كما لو أن التفكيك كان يكفي، وأن تحليل الآلية كان يستطيع أن يفسح مجالاً لشرح الوظائف الاجتماعية، والشعرية، والرمزية للنص. من المهم إذن مقابلة نتائج التحليل المعجمي والبنيوي مع المعطيات التي يقدمها التاريخ وهي ذات طبيعة سياسية، ودبلوماسية، وحتى اقتصادية، وتتطابق مع الحقبة المعاصرة للنص، وهناك أيضاً حدود قوة هي التي تحكم ثقافة في لحظة معينة، يساعد فحصها على رؤية إذا كان النص متلائماً أم لا مع وضع اجتماعي وثقافي معين، ومع أي تقاليد عقائدية، وثقافية، وأدبية، وجمالية، يتناسب الربط الإجباري بين الأدب والتاريخ، أو بصورة أدق بين الإنتاج النصي والتطور التاريخي)، وأي خيال يستثمر، ولأي خيال يتوجه. من المناسب القيام باستعراض للتاريخ، خاصة تاريخ العقليات والحساسيات، وليس إجراء مقابلة بسيطة، آلية بين النص والسياق .ومن المؤكد أن هذا الاستعراض هوالذي يبعد أيضاً دراسة الصورة عن الأدب وبالعكس. إنه ضروري ولكنه ليس كافياً. في الواقع، إن تفسير الصورة لايقوم فقط على التاريخ. بل يتطلب، بالإضافة إلى دراسة حول طبيعته الشعرية، بالمعنى الأكثر حياداً جزءاً من كلٍٍ الذي هو النص الأدبي )، دراسة تقوم على معطيات تنتج عن الإناسة الثقافية.‏

- من الكلمة إلى السيناريو : " المجموعة الأسطورية ".‏

يجب العودة ثانية إلى هذه الكلمات التي ذكرت سابقاً كسيناريوات بالقوة. لقد وضعناها في منتصف الطريق بين النمط الأسطورة.‏

في البيان الختامي للمؤتمر الرابع عشر لـ SFLGC الذي انعقد في ليموج عام 1977(15) ، أطلق ميشيل كادو الفكرة أي ... الكلمة ) مجموعة أسطورية) بخصوص التعابير مثل " الروح الروسية ". هناك آخرون أمكنهم الحديث عن أنماط أوتراكيب جامدة، لأنهم يستطيعون تقديم قصص، وأنساق من المتتاليات الشبيهة بالمتتاليات التي استخدمها كلود ليفي - شتراوس وحللها كأساطير. واقترح ميشيل كادو مجموعات) أخرى مثل " العاهرة بقلب كبير " أو " الحاضرة بؤرة الطموحات). أعاد جان - مارك مورا أخذ مفهوم المجموعة الأسطورية)، واستخدمه من أجل قراءة أو إيضاح بعض النصوص الصورية _ النمطية المخصصة لفضاءات العالم الثالث مثل - صحراء - ل. ج. م. غ. لوكليزيو (16) . لقد استطاع أن يستخلص ثلاثة ثوابت) تؤلف مايمكن تسميته اختياراً " نموذجاً " إذا تأملنا أعمال كلود ليفي - شتراوس أو بعض أعمال جان روسية)، أو " سيناريو " : الفرح البدائي، الشخصية الغربية المفتونة وتدمير العالم البدائي.‏

نستطيع مع ذلك الاحتفاظ بالكلمة نموذج) انظر الفصل السابع)، وفي حالات عديدة ستكتب الصورة بالاعتماد على مرجعيات نصية، ونماذج مأخوذة من الثقافة المنظورة، ومن الأدب - المصدر. بالإضافة إلى ذلك، كانت هذه المسألة قد طرحت ضمن شعرية الرحلة نماذج يستطيع الرحالة انطلاقاً منها كتابة قصته، ويضع نفسه على المسرح). من يستطيع الحديث عن ثبات نماذج الرواية البيكارسكية، ودون كيشوت من حالة الرحلات إلى إسبانيا، وفي تشكيل صورة، وسيناريو؟ تبدو هذه الكلمة، بدءاً من الآن فصاعداً، مفضلة بسبب الاستخدامات العديدة لكلمة نموذج modele) . في هذا المستوى، لم تعد الصورة شبكات معجمية ولا علاقات طبقية : إنها تاريخ)، ووضع في نص انطلاقاً من حوار بين ثقافتين، وأدبين، وسلسلتين من النصوص إذن شكل من التناصية، انظر الفصل الأول)، مع كلمات رئيسية، كلمات استيهامية، وأوضاع معقلنة إلى حد ما، وطقوسية، ومتتاليات وموضوعات متوقعة، " مبرمجة" لأنها تستطيع أن توجد بصورة مفهرسة إلى حد ما، ومترسبة ضمن الثقافة الناظرة، وضمن خيال هذه الثقافة.‏

إذا، بالنسبة لعدد من الرحالة، والدارسين، والروائيين، يعد الحديث عن إسبانيا، وبدء الكتابة عنها صف متتاليات بطريقة إجبارية، ومنظمة، عن نزل خبيث، ومطبخ سيء، ولقاء مع لصوص على الطرق الكبيرة .... إلخ. ربما كان يمكننا التعرف، قليلاً على بداية Carmen لبروسبير ميريميه، وهي مختارات روحية عن كتابات فرنسية عن إسبانيا تقارن فيها المرأة الغاوية التي لم تكن امرأة ميلها ك وهاليفي، وأوبيرا بيزيه) مع ذئب حديقة النباتات، أو إن لم يوجد، مع قطتك عندما ما تراقب عصفوراً).‏

- التوظيف الرمزي والتناصية :‏

هناك توظيف رمزي، نريد القول : هناك امتلاء) بالمعنى الذي يأخذ فيه فرويد هذه الكلمة من أجل الحديث عن الحلم استجابة لرغبة)، وعن كلمات، ومتتاليات لتركيب سيناريو من المهم تتبع منطقه. لأن الخيال الصوري - النمطي لايستحوذ على أي نص أجنبي، و أي سيناريو معد مسبقاً لكتابة سيناريو آخر. هنا يجب تتبع آلية التناصية بمساعدة الإشكالية المقارنية أو بمساعدة علاقة القوة التي توجد بين الثقافات). إن نصوص الثقافة المنظورة التي تخدم السيناريوات هي غالباً مرجعيات ثقافية، و سلطات). يخضع الكاتب الذي يختار هذه النصوص لردود فعل ثقافية، وتوجهات قراءة يمكن أن تكون متبادلة بين أكبر عدد ممكن ضمن الثقافة الناظرة. قد تكون أحياناً خيار جيل، ومدرسة، وحركة .... ويمكنها أيضاً أن تتفسر على أساس المعادلة الشخصية للكاتب استخدمت هذه الكلمات سابقاً للرحالة)، أو وفق ما أمكن تسميته بالأسطورة الشخصية. أشار شارل بودوان في كتابه الذي أصبح كلاسيكياً التحليل النفسي لفيكتور هوغو (17) ) كيف أن الصور التي احتفظ بها الشاعر عن إسبانيا مطبوعة أيضاً بصورة الأب، العام لنابليون في إسبانيا، من خلال إقامة الشاب فيكتور في مدريد في عمر معين. سيقوم الخيال ومنطقه في التوظيف الرمزي اللذان هما المحركان الرئيسيان لإنتاج هذا السيناريو، بجعل متتاليات، وأجزاء، ومقاطع من نصوص جاءت من الخارج، وموجودة ضمن الثقافة الناظرة، والمترجمة، والمفهرسة، آنية. التناصية التي نتحدث عنها، بعيدة عن أن تقود إلى الآلية الداخلية لنص، وهي وسيلة لفهم كيف أن مثل هذا النص الأجنبي، استطاع أن يصبح، ضمن ثقافة وبالنسبة لهذا الكاتب، موضوعاً أدبياً وثقافياً متميزاً، وأداة اتصال رمزية، ولماذا؟‏

التاريخ الثقافي والأدب المقارن قادران على تقديم إجابات عن هذه الأسئلة. يجب حتماً التمتع بالوضوح : يخدم النص الصوري - النمطي، والصورة عامة شيئاً ما ضمن المجتمع ومن أجله، وهما تعبير هارب ومجزّأ عنه. تخدم صورة الآخر في الكتابة، والتفكير، والحلم بطريقة مختلفة. بعبارات أخرى، تحافظ صورة الآخر، حتى ضمن خيار كتابة السيناريو، على علاقات مع حالة معينة للمجتمع، ولثقافة ما. يبدو من السهل ربط العمل الرائع لفيركور صمت البحر) بوضع معين لفرنسا المحتلة. هناك أوضاع أكثر تعقيداً، أوعلاقات أقل اشتراكاً.‏

ليس من الضرورة أن تكون حوارات الثقافات، التي يهتم بها الأدب المقارن، تبادلات مثمرة. يجب أن يعاد فحص بعض الكلمات التي تستخدم كثيراً مثل - صلة وعلاقة.‏

والميزة المهمة للصورة هي أنها تجبر على هذه المراجعة المتأنية لمفردات أساس المقارنة. في الواقع، هناك علاقات، أو تبادلات أحادية الجانب أو ثنائية، متبادلة أو مشتركة. يقودنا هذا التمييز إلى مواجهة مواقف أساسية إزاء الأجنبي يشكل مجموعها ما يمكن أن نسميه نموذجاً) أو منظومة رمزية)، تتحكم بالسيناريو الذي هو النص الأدبي، وفق نماذج مركبة انظر أيضاً الفصل الثامن).‏

- المواقف الأساسية أو النموذج الرمزي :‏

- الموقف الأساسي الأول :‏

الهوس. يعد الواقع الأجنبي، بالنسبة للكاتب أو الجماعة، متفوقاً حتماً على الثقافة الناظرة، الثقافة الأصلية. هذا التفوق يؤثر، جزئياً أو كلياً في الثقافة الأجنبية المنظورة. ومن نتيجة ذلك بالنسبة للثقافة الأصلية أن الكاتب أو الجماعة تعدها أقل مستوى. في موازاة التفضيل الإيجابي للأجنبي هناك رؤية سلبية، انتقاصية للثقافة الأصلية. يوجد هوس)، ويقوم تقديم الأجنبي على وهم) أكثر مما يقوم على صورة. يفسر الهوس الإنكليزي لفلاسفة الأنوار الفرنسيين، في قسم كبير منه، عبر الشعور بالتفوق الإنكليزي والدونية الفرنسية، وحتى عبر الشعور بالنقص حريات وتسامح أقل). والأمر نفسه بالنسبة للهوس الروسي) الذي درسه سابقاً. أ. لورثولاري، فلاسفة القرن الثامن عشر وروسيا، الوهم الروسي في فرنسا في القرن الثامن عشر، بوفان، 1951) والذي يقوم على تفضيل أحادي الجانب لبعض الشخصيات مثل بيير العظيم، أوكاترين الثانية. ويوضع الهوس الإسباني لبعض الرومانسيين الفرنسيين في موازاة ذلك مع تسربات دخيلة في الزمن والفضاء حالة إغرابية خاصة) تؤدي إلى الإعجاب بشدة بإسبانيا الفروسية ضمن فضاء اجتماعي بورجوازي مخيب للآمال مرض العصر - اغتنوا ... بغيزو).‏

وكذلك يربط الوهم الكاستيلي أو الروماني) لمونثيرلانت في مسرحه مع إزدرائه لمظاهر الحياة الحديثة والديمقراطية.‏

- الموقف الأساسي الثاني : الرهاب(18) la phobie) :‏

إن الرهاب عكس الهوس، ويؤدي إلى اعتبار الواقع الأجنبي متدنياً مقابل تفوق الثقافة الأصلية. هناك رُهاب)، ويؤثر الوهم الخادع هذه المرة، في الثقافة الأصلية. إن الرهاب الالماني لفرنسا (19) نتيجة طبيعية للوهم) اللاتيني مقابل البربرية الجرمانية. وعليه، فالتخلف حقيقي لأنه كان هناك هزيمة وضم أراضٍ. وهذا تقدير بعيد عن منطق التقديم، جاء عمل العقيدة ليدعم الخيال أوالعكس) من أجل تشكيل صورة إيجابية لفرنسا في مواجهة بروسيا، فالأولى تمتلك قيماً معروفة ومحددة مبدئياً، ومتفوقة بصورة أساسية مثلما هو موجود في روايات موريس باريس. إن الهوس الشمالي) لبعض المثقفين الإسبان - الأمريكيين، الذي أدانه الباحث جوزي إنريك رودو من الأرغوي)، يفسّر أيضاً ضمن سياق السياسة العدائية للولايات المتحدة التي أدت إلى هزيمة إسبانيا عام 1898 واحتلال الأولى للمستعمرات الإسبانية القديمة كوبا، بورتوريكو، والفيلبين ).‏

- الموقف الأساسي الثالث : التسامح La philie) :‏

هنا ينظر إلى الواقع الأجنبي، ويحكم عليه بصورة إيجابية، ويدرج ضمن الثقافة الناظرة التي تعد هي بدورها إيجابية ومكملة للثقافة المنظورة. التسامح هو الحالة الوحيدة للتبادل الحقيقي والثنائي.‏

إننا نفهم أنه من المهم عدم خلطه بالهوس. ففي حين أن الهوس يعيش على الاستعارات سواء تعلق الأمر بأفكار أم بملابس، أم إذا تأملنا الهوس الإنكليزي الملابسي)، وهذه الكلمة لم تترجم تحديداً لأنه ليس لها مقابل في الثقافة الفرنسية مثلاً، واعتبرت سلبية، وأقل مستوى)، فإن التسامح يعيش على المعارف، والمعارف المتبادلة، والتبادلات النقدية، وحوارات الند للند. إن المثاقفة الآلية التي يفرضها الهوس تتعارض مع حوار الثقافات) الحقيقي الذي يطوره التسامح.‏

ففي حين أن الرهاب يفترض إبعاد الآخر وموته الرمزي، فإن التسامح يحاول فرض الطريق الصعب، الموجب، التي تمر عبر الاعتراف بالآخر الذي يعيش إلى جانب الأنا، وفي مقابلها، لامتفوقاً، ولا متدنياً، ولكنه متميز، ولا يستغنى عنه. إذا فكرنا في التأملات الأخلاقية للفيلسوف إيمانويل ليفيناس، نرى أن التسامح نظر إلى الآخر واكتشاف بأنه وجه) وذلك لأن النظر إلى الآخر يؤدي، دون شك، إلى عودة إلى الذات، والنظر إلى الذات لم ينس التحول عبر الآخر. إن الآخر للتسامح، هو تحديد آخر، لايمكن التفكير به بصورة أخلاقية.‏

- احتمال رابع ..؟‏

تبقى حالة رابعة للرمز تنتفي فيها مثلاً ظاهرة التبادلات والحوارات لإفساح المجال أمام مجموعات أخرى في طريق الاندماج، أو في طريق إعادة بناء وحدة ضائعة : وحدة لاتينية، وحدة جرمانية، وحدة سلافية، وكذلك أممية، وعالميات من كل الألوان حيث يبدو من الصعب الكشف عن الحركات الإيجابية أو السلبية. في حالة المجموعات التي في طريقها إلى الاندماج وحدة)، من الواضح أن العلاقات إيجابية بين الأخوة والأخوات من اللغة نفسها أخوة جرمانيين، وسلافيين، وأخوات لاتينيات). ولكن الأخوات اللاتينيات يرين أنفسهن إيجابيات) لمعارضة الجرمانيين، الذين يعدون سلبيين. نحن نعرف ما الذي يجب التفكير به عن الوحدة الجرمانية في الثلاثينيات ... وهكذا يتشكل الرهاب على سلم أكبر من سلم بلد. في حالة الأممية، وهي موقف نستطيع عده مفتوحاً وكريماً، يجب الانتباه إلى التاريخ : تستلزم أممية الأنوار تسامحاً) بين جماعات نخبوية ومركز إيجابي : باريس أوربا الفرنسية ... من أجل إعادة أخذ عنوان كتاب كلاسيكي للويس ريو ).‏

أما فيما يتعلق بالباقي مثل أوربا الجنوبية)، فإنها غرقت في ظلمات التعصب هكذا نظر إليها) يمكننا أن نضيف إلى ذلك نوعاً من Démomanie) كل شيء للشعب دون الشعب). نكون حذرين إذن إزاء التبادلات التي تقدم غالباً وفق مظاهرها الجزئية أو التحيزية. لن ننسى، للذاكرة، حالة الرمز التالية : ينظر إلى الثقافة الأجنبية بصورة عامة على أنها سلبية، وكذلك الثقافة الناظرة.‏

إذا تأملنا في حالة كاتب مثل سيلين : تتغير الثقافة الأجنبية ضمن دورة معادية للسامية. مع ذلك، لايمكن للثقافة الفرنسية الناظرة أن تكون إيجابية : إنها سلبية بسبب ديمقراطيتها العميقة، والبرجوازية وينظر إليها على أنها ميالة لليهود). يبقى تطوير الوجه الإيجابي الوحيد يجب تتبع كثرة الدراسات عن الكاتب)، والخطاب، والهذيان اللفظي الذي يشق طريقاً بين هوتين من الاحتقار والحقد، ويمكن وصف هذا المسار، اختياراً، بالجني، والذهان الهذياني (20) ، والفصامي (21) ... هناك ما هو أكثر فائدة بسبب السمة الأقل خصوصية : يشار إلى أن بعض علماء الاجتماع - اللغويين لايترددون في نزع التصرفات الفصامية في حالة ازدواجية اللغة غير المستفاد منها أو يستفاد منها بصورة سيئة: " تحتقر لغة الآخر وثقافته، ولكن يتوجه الاحتقار ضد اللغة والثقافة اللتين تعدان أصليتين) مثل هذا الشاهد يظهر إلى أي حد يستطيع علم الصورة معرفة امتدادات متعددة، وأن مجالاته متنوعة.‏

(1) هي الدراسة التي تهتم بمعرفة الصورة الذهنية التي يشكلها شخص عن نفسه وعن الآخرين.‏

(2) ما يخص الآخر في مقابل الأنا .‏

(3) جعل الشيء أدبياً‏

(4) تكييف الإنسان مع حياة الجماعة‏

(5) حول هذا المفهوم الذي استخدمه المؤرخون، انظر مثلاً برونيسلاف بازكو، الخيال الاجتماعي، بايوت، 1984‏

(6) جعل الشيء حينياً أو حالياً‏

(7) سلوك مكرر على نحو لا يتغير وتعوزه الصفات الفردية المميزة .‏

(8) محافظ على المعنى نفسه في مختلف أشكاله‏

(9) انظر، وجهة نظر مؤرخ عقليات يستطيع الأدب أن يستفيد منها : موريس أغولهون، ماريان في المعركة : المصورات والجمهورية الرمزية 1789-1880، فلاماريون، 1979 .‏

(10) صناجات : قطع خشبية صغيرة ومجوفة تربط في الأصابع وتقرع الواحدة بالأخرى م)‏

(11) وشاح ترتديه النساء المترجم ).‏

(12) نسبة إلى الشاعر هوميروس‏

(13) نسبة إلى الشاعر الإيطالي دانتي مؤلف الكوميديا الإلهية.‏

(14) مفهوم Proxémie أنظر إدوارد ت. هال، البعد المخفي، سوي، 1971‏

(15) انظر، أساطير، صور، تقديمات، ديدييه، 1981، ترام عدد /79 .‏

(16) انظر R.l.c. 1990/1‏

(17) دار كولان، 1972‏

(18) الرهاب : هلع أوذعر شديد مرضي من شيء معين.‏

(19) درست هذه المسألة بصورة جيدة من قبل كلود ديجون، الأزمة الألمانية للفكر الفرنسي - 1870 -1914 - p.u.f 1959، ويعد هذا من أفضل الأمثلة عن ابتكار مقارني لعنوان رسالة.‏

(20) الذهان الهذياني : ذهان مزمن من أعراضه الرئيسية الهذاء الثابت المنظم، مع نزعة للشك والارتياب.‏

(21) الفصام : بلاهة مبكرة ينطوي المريض المصاب بها على نفسه، مندفعاً، تحت تيار التجول الذهني، في عالم الخيال والوهم، وعدم الاتساق بين المزاج والفكر .‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:12 PM
- مجال علم الصورة





لقد رأينا سابقاً كيف يستطيع علم الصورة إفادة التبادلات، وأدب الرحلات، والترجمات، وظاهرة التلقي انظر الفصل الثاني والثالث). نضيف إلى ذلك الدراسة الأدبية للنماذج الأجنبية.‏

- النماذج الأدبية :‏

يتعلق الأمر بتابع لعلم الصورة، ويمكن أن يعد بديلاً عن الدراسة الموضوعاتية.(1) لهذا، من المناسب تمييز النموذج الاجتماعي، والنموذج الأدبي، والرمز، والشخصية، من أجل الانفتاح على موضوعات ومسائل ذات طبيعة سياسية واجتماعية.‏

هكذا تكتمل الدائرة : من اختبار العلاقات بين المجتمع والأدب حتى اختبار الأدب كوسيلة، وتعبير غير مباشر عن المشاكل الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والأخلاقية. إننا نكتشف نوعاً من المخطط الدائري البسيط يجب تذكره دائماً، انظر الفصل الثامن) : يقدم المجتمع، والثقافات الأجنبية أدوات نماذج، صور)، ويجعلها الأدب شعرية أو إشكالية من أجل تقديمها، بعد ذلك، إلى القارئ، والتفسير دون شك، والخيال. نحرص، إذن، على تمييز مايقوم على العقيدة علاقات الأدب والمجتمع)، عمّا يقوم على التقليد الأدبي أهمية الشكل، عندما يتعلق الأمر بدراسة أو تخيل، وبشخصية روائية أو مسرحية من أجل تجنب تجريد) النصوص المختلفة)، أو ما يقوم على العالم الحلمي الذي يقدّم أو يعاد تقديمه تبعاً للخطة والمجتمع ...إلخ مستوى الخيال الاجتماعي) .‏

- علم الصورة والهوية :‏

هناك مجالات للدراسة، وكذلك تساؤلات يمكنها أن تستفيد من إسهام علم الصورة : مثلاً، المشاكل المرتبطة بالهوية حيث تبدأ مشكلة وضع صورة الآخر. كل أدب يركز على أسس هويته، حتى عبر التخيّل، ينشر صور الآخر أوالآخرين، من أجل أن يشكل نفسه، ويتحدث عنها :‏

يتحول النظري إلى مرآوي . إن آداب البلدان التي كانت قد استعمرت، مثل بلدان أمريكا وأفريقيا، معنية مباشرة إلى حد ما، بهذه المشاكل : أمريكا مقابل أوربا، العالم الجديد مقابل العالم القديم، المستعمرة القديمة مقابل البلدان الأوربية، المولّدون البيض(2) الأوربيون في المستعمرات الإسبانية، والبرتغالية مقابل الأوربيين في القارة نفسها، السكان الأصليون مقابل المستعمرين (3) وأخيراً الأوربيون مقابل المتوحشين الطيبين أو الشريرين) كلهم (4) .‏

- علم الصورة والإثارة :‏

إن الاستشراق، وهذا الشرق الذي يحلم به الغرب، وتعابيره الأدبية، والفنية، وعقيدته أوخياله، بحسب الحالة، والإثارة هذا كله يعد مسائل يجد فيها علم الصورة موضوعات للتأمل مهمة (5) .‏

بصورة عامة، يمكن دراسة الإثارة، بوصفها مجموعة من أساليب الكتابة، من خلال الأدب الاستعماري مثلاً) وكذلك من خلال الأغنية، والأوبيرا، والفنون التشكيلية، والمسرح .. إلخ.‏

إنها تكشف، بأشكال مختلفة، خطط كتابة ثابتة بصورة رائعة :‏

1- تجزيء الفضاء من أجل امتصاص لذات المكان الآخر بصورة جيدة: ضبط أشجار النخيل، والشواطئ، والأماكن الطبيعية التي تعد مثيرة للإعجاب في الثقافة الناظرة )؛‏

2- المسرَحة، وهي نتيجة للظاهرة الأولى مسارح، ولوحات تغير طبيعة الآخر وثقافته إلى مشاهد من أجل تحديد بُعد المراقب وتحول الآخر إلى رمز، يُتقبّل بصعوبة )؛‏

3- الجنسانية التي تسمح بالسيطرة على الآخر، وإقامة علاقات مضطربة ومعقدة: فضاءات الحريم، ولذات مصطنعة.‏

يتيح الشرق الخرق الممكن أو الحلمي للممنوعات الغربية (6) اللواطة، وتعدد الزوجات المسموح بهما في أراضي آسيا الفاترة) لبودلير و " الأميرات البعيدات " الأثيرات عند إدمون روستاند وسرح بيرنارد، و " الحمام التركي " الذي رسم من قبل أنغريس مع حريمه الثلاث والعشرين، وهو مكان نموذجي لكل الاستيهامات الجنسية ). ولكن لأن هذه الإثارة شرقية فإنها، وقبل كل شيء، التعبير عن التناقض المطلق مع الغرب. الغرب المتناقض، والشرق هوغرب معكوس : ليس العقل ولكن العاطفة، والغرابة، والقساوة، وليس التقدم أو الحداثة، وليس اليومي القريب، ولكن الماضي الساحر، جنة ضائعة أو جنة مستعارة ... لايستطيع الفضاء الشرقي أن يصل إلى نوعية المكان الحيادي أو الشبيه بالمكان الغربي : أو أوبيرا ما موشي أو سَراي بايزيد Bajazet . مع ذلك، في اللحظة التي ينتصر فيها الاستشراق السيء في فرنسا في العشرينيات الأطلسية (7) لبييربيرنوا) والتي لم تقل فيها الإمبريالية كلمتها الأخيرة البحث في بلاد الشرق لمؤلفه م. باريس )، أصدر المستشرق لويس ما سينيون أطروحته حول المتصوف الفارسي) الحلاج. ولم يقبل بتعارض الثقافات الشرقية والغربية، وراح يقاتل من اجل تشجيع اللقاء بينها وهذا ما يسميه الاندماج المشترك) .‏

" من أجل فهم الآخر، لا يجب إلحاقه، بل يجب أن تكون مضيفه".‏

وهذا درس جيد في الصورية ونصيحة، مازالت حتى اليوم تحتفظ بعظمتها وقوتها.‏

يفتح بييرسيتي، ضمن أطروحته (8) ، منظورات للأدب العام والأدب المقارن، بالاعتماد على الأدب الفرنسي أنظر مثلاً الفصل العاشر : منظومة الصور الوطنية) وهو يقترح أيضاً إيضاحات منهجية بتفضيل خيال) على خيالي) : " تحدد تالية الفعل بصورة خاصة حركية التقديمات ". إن هدف تاريخ الخيال الذي يريد بناءه هو " استخلاص نشاط العوامل الخيالية في التاريخ " يتعلق الأمر بتحليل " شروط التقديم" عن طريق استخدام أربع عبارات :‏

الذي يُقدم والذي يُقدَم المعادل لنص أو لرسالة)، والذي يستقبل التقديم إذن المتلقي)، واللحظة التي تنتجه إذن مرسل)، و" الذي يضمن شرعية التقديم "، مما يجعل ما يُقدَم وما يتعذر تقديمه) بعداً جديداً للدراسة :‏

" حصر ما يسمح بالتقديم أو يعرضه للخطر " من هنا جاء هذا المفهوم " للكفالة " و " السلطة" الذي هو أحد الأسس المنهجية للعمل. من المفيد الإشارة إلى أنه مع الخيال، يتم إعادة إدخال التطور الإبداعي ضمن الأدب عمل الخيال والفعل)، وتصبح المصالحة بين التاريخ والشعرية ممكنة، وأخيراً، فإنه مع فعل الخيال تؤخذ حقيقة الشيء الواقعية وبالطريقة نفسها الواقع بعين الاعتبار من أجل تاريخ جديد للأدب. هذه المنظورات مهمة : سنجدها، بصورة معينة، في نهاية المسار، وكذلك سنرى بأي طريقة نفكر لدراسة " كفالة " النص الأدبي. وليس أقل من ذلك أن الخيال يبقى ضمن إطار مقارني مفهوماً ومستوى للتأمل ضروريين.‏

- اللقاء النقدي :‏

إن المواقف الأساسية التي يمكن أخذها إزاء أجوبة على مشاكل سياسية أكثر منها أدبية تجد توضحيات غير منتظرة في النقد الأدبي.‏

عندما دعي جان ستاروبينسكي لتحديد مكانة النقد بالنسبة للأدب بدأ الحديث عن اللقاء )(9) . إنه يطرح هذا الحوار بين ذاتيتين والذي يجب ألا ينسى البعد) من أجل تجنب الوقوع في التفسير المسهب الإعجابي، أو في الخطاب المبطن. هذه المفردات، التي ينكرها المقارن عند الحديث عن العلاقات العالمية، لن تفاجئ ذلك الذي يقرأ - العلاقة النقدية - وهو جزءان جمعا تحت عنوان - العين اليقظة، غاليمار، 1961- 1970).‏

عندما حدد ما يجب أن يكونه النقد وفق روحه ومضمونه، يميز جان ستاروبينسكي ثلاثة مواقف محتملة من أجل رفض اثنين.‏

يدفع الأول بصورة إجبارية إلى التفكير بالرُهاب)، ويجعلنا نكتشف فجأة أن هناك، في الواقع، نقاداً يفضلون خطبهم على الأعمال التي يقرؤنها : " خطاب دون رابط " ... " غاية المعرفة مستبعدة من أجل هدف آخر، من التعبير الشخصي، واللعب، والدعابة .."‏

" لاشيء مثير إلا قراءة دراسة يغطي صوتها صوت العمل ..."‏

" ثرثرة الباحث تشكل حاجزاً ".‏

الموقف النقدي الثاني يعيد بدهشة إلى الهوس. يتعلق الأمر بتقديس حقيقي للنص : وهذا هو موضوع ترقيم تقليدي) يجل النص الحقيقي الأول : " بصورة مثالية، يجب إعادة العمل إلى حالته الأولى ". احتقار للنص من جهة، ومن جهة أخرى تبجيل مفرط، يجب عدم تفضيل أي من الرُهاب أو الهوس النقديين. يهدف الموقف الثالث إلى التحول إلى شارح)، وهي كلمة مرت سابقاً بخصوص الوسطاء، والمترجمين، والمتلقين. سيسمح لنا بالاستشهاد لتقديم هذا الطريق الثالث بحرفيته تقريباً، والذي يتقاطع، كما توقعنا مع ما نسميه تسامحاً).‏

" عندما يستجوب الشارح النصوص، فإن الجواب أولاً، بوضوح هو بروز شكل أكثر تكراراً أو أكثر إجبارية :‏

أداة معمارية، منظور سردي، طبقة من الصور، تصرفات اعتيادية، تماثل بين عقيدة مُعلنة وثوابت أسلوبية ... إلخ.‏

من الكل إلى التفصيلات، يمكن أن يكون نظام عظمة الشكل المدرك، وطبقته بين العناصر المشكلة للنص مختلفين. في كل الحالات، لن يكون الجواب شافياً إلا إذا قرأ هذا الشكل ضمن دلالته الكاملة، ووفق ما يمكن أن يشير إليه. فيه معنى حرفي، يستدعي معرفتنا الكاملة لأنه كان موجودا قبل قراءتنا)، وتأملنا الحر فمن أجل أن يكتمل، يتطلب دائماً تتمة من المعنى الذي يجب أن يأتيه من القارئ اليقظ ). إذا كان الموضوع الذي يجب شرحه، والخطاب الشارح كاملين، فإنهما يرتبطان ببعضهما كي لايفترقا أبداً. إنهما يشكلان كائناً جديداً مركباً من ماهية مزدوجة. نحن نمتلك الموضوع، ولكن يمكن القول أيضاً إنه يجذبنا إليه ؛ إلى وجوده المتزايد والذي أصبح واضحاً. ينسب الموضوع المفهوم إلى هذا الجزء من العالم الذي يمكننا أن نعده لنا: نحن نتواجد فيه ". والذي لا نضيع فيه : هذا ليس قط خاتمة لمسائل العلاقات العالمية وعلم الصورة إن هذا تعريف لموقف نقدي ومبادئ قراءة ستوجه دراسات الشعرية التي ستلي لاحقاً. ولهذا السبب يجب اعتبار أن دراسة العلاقات العالمية التفكير في الآخر، كتابة التوسيط، إعادة كتابة الترجمة، والخيال تحت رقابة والذي هو كتابة الصورة) تشكل، في الأدب العام والمقارن، الدراسة التمهيدية الضرورية لكل تأمل شعري.‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:15 PM
- 5- الموضوعات‏

نحن مصنوعون من مواد شبيهة بالمواد المصنوعة منها الأحلام ... إذا كان يجب تصديق شكسبير في بداية مسرحيته هاملت، يمكن لهذه المادة التي صُنعنا منها نحن وأحلامنا أن تكون مادة الموضوعات التي يدرسها المقارن. من المتفق عليه أن هذه الموضوعات تشكل الأداة نفسها للأدب ؛ فتشكل فيه خيالها. إن الموضوعات، وكذلك الصور التي درسناها)، والأساطير التي ستلي) تشكل الأدوات التي يعطيها الأدب شكلاً. فالأعمال العظيمة مثل - الكوميديا الإلهية، ودون كيشوت موسوعات أو نماذج يُستمد منها هذا الموضوع أو ذاك. يبدو علم الموضوعات، وكذلك تاريخ الموضوعات طريقين سهلين من أجل اكتشاف بعض أوجه تكوّن النص الأدبي، وحتى الإبداع الشعري . نتذكر صمت أو تحفظات المقارنين الأوائل إزاء هذا النموذج من الدراسة الفصل الأول). بعد نصف قرن من ذلك، أصدر البلجيكي ريمون تروسون مقالة بعنوان دفاع عن تاريخ الموضوعات) في مجلة الأدب المقارن 1964، العدد / 1.‏

استطاع هذا التاريخ أن يتخلص بوساطة الفهارس من التبحر عديم الفائدة، والتصنيف التسلسلي للنصوص والمقبوسات، وغيرها من الشوائب التي مرت سابقاً. مع ذلك، فهو يمثل مقدمة مادية وعامة في الوقت نفسه من خلال الاختيار المختصر لبعض النصوص والانفتاحات التي يستطيع أن يثيرها) لمشاكل تنتج عن تاريخ الأدب، وتاريخ الأفكار والعقليات)، والشعرية، والتأمل في فعل الكتابة والخيال الإبداعي.‏

- علم الموضوعات : مسائل في المنهج :‏

دارت حول كلمة - موضوع - خلال عقود طويلة، نقاشات مصطلحية تكشف عن مشاكل في المنهج أيضاً. وبعكس الصورة، لايعد الموضوع ملكية عقلية للمقارنية. فله أصوله ضمن دراسات الفلكلور التي تستخدم أيضاً مفهوم الدافع مثل مدرسة غاستون باريس في القرن التاسع عشر)، وأفاد بقوة التأمل الشعري للشكلانيين الروس، وهو أحد الأسس التصورية والمنهجية، لبعض المقاربات النقدية مثل غاستون باشلار، وجان بيير ريشارد)، وهو لا يخص فقط الأدب، ولكن كذلك الموسيقي لنفكر بالاستخدام التنافسي للدافع، أو حتى - للازمة - الأثيرة عند فاغنر) يجب أن يجد الموضوع المقارني مكانه ضمن هذا الاستعراض السريع والواسع، حيث يستطيع أن يدخل في منافسة مع الأسطورة موضوع أو أسطورة صقلية ؟) أو أيضاً مع البواعث التي تتبّع إيرنست - روبير كورتيوس مساراتها منذ العصر القديم وخلال العصر الوسيط كله.‏

- الموضوعات والدوافع :‏

إذا انطلقنا من دراسات الفلكور، والعراقة(10) ، فإن الدافع يمثل وحدة لم تؤدب(11) ، ولم تستثمر ضمن شكل أدبي حتى الآن. ولكن تثار المسألة عندما يتعلق الأمر بمعرفة المفهوم الشامل. فهل هو الدافع أوالموضوع؟‏

يوافق كثيرون على أن الدافع وحدة أقل انتشاراً من الموضوع، وهذه مساعدة قليلة للتحليل الأدبي. يقال، إننا نتحدث عن الدافع، إذا تعلق الأمر بعنصر مادي، في حين أن الموضوع يتميز من خلال تجريده، وتصميمه الممكن. يتطلب هذا التصميم، مع ذلك، نصوصاً خاصة، أما الدافع فإنه يوجد في نصوص مختلفة، من وجهة نظر العلوم الإنسانية والاجتماعية. قبل محاولة تقديم تعريف جوهري، يبدو الانطلاق من وظيفة هذه العناصر ضمن النص، أبسط وأكثر فاعلية. بصورة عامة، تواجه دراسات الشعرية الموضوع كعنصر بنيوي للنص، وذلك بعكس الدافع الذي يعد عنصراً إضافياً، ومتبدلاً. يصبح الدافع، بالاتفاق مع بعض منظري الشعر مثل توما شوفسكي، أصغر جزء من المادة الموضوعاتية )(12) .‏

تمثل الدوافع والموضوعات أجزاء من كل هو النص)، وتوضح دراسة علاقات هذه الأجزاء مع الكل آليته. ونتنبأ بنموذج التحليل المستخدم : تضيف الكلمات ضمن سلسلة، ظهورات العناصر المتواترة، قراءة مستخلصة للمبادئ البنيوية، وغير ذلك من التمرينات التي تذكر بالتمرينات التي مورست من أجل إعطاء ميزة أدبية لدراسة الصور خاصة مبادئ قراءة ناقد يمكن تسميته بالناقد الموضوعاتي خاصة جان ستاروبينسكي، أجان بييرريشارد )(13)‏

- من المادة إلى الوظيفة :‏

لقد فكرنا بتعريف الموضاعات عن طريق تصنيفها، في حين أن هذه الأسماء تؤكد فائدة الدراسة الموضوعاتية، بالطريقة البسيطة نفسها التي نثبت فيها الحركة. وهذا ليس تدليلاً على روح هجومية بمقدار ما هو مقارنة لبعض محاولات، جرد la prévert أو قائمة عصافير أمبراطور الصين التي تخيّلها جورج - لويس بورج وأضحكت ميشيل فوكو. نأخذ شاهداً على ذلك تصنيف س. س. براور دراسات في الأدب المقارن، 1973)، الذي يقترح خمسة عنوانات :‏

1- الظواهر الطبيعية البحر)، والشروط الأساسية للوجود الأحلام)، والمشاكل الأزلية للمسيرة البشرية؛‏

2- الدوافع المتواترة للأدب والفلكلور الأمنيات الثلاث، الحلقة السحرية ...)‏

3- المواقف المتواترة الابن المعارض للأب )؛‏

4- النماذج الاجتماعية، والمهنية، والأخلاقية الفارس، المجرم، الرحالة ..)‏

5- الشخصيات المتفرعة عن الأسطورة والأدب بروميثيوس، وهاملت ).‏

يبدو أنه كان هناك حاجة لحلم كلوديو غويلين كله، وهوالذي ذكر هذا الجدول، من أجل استخلاص طريقين للبحث منه : أحدهما تاريخي لأنه يبدو له مثل ريمون تريسون) أنه من الواضح أن علم الموضوعات، البعيد عن التعارض مع التاريخ الأدبي، هو وسيلة لضبطه وكتابته، والآخر أبيستيمولوجي (14) ، وشعري لأنه يمكن تمييز ينبثق عن الطبيعة مثل الحجر، والشمس، والورد ..)، وما ينبثق عن الثقافة ناربرو ميثيوس، حلم العصر الذهبي .. ). ربما سيصبح الموضوع الشعري العنصر الوسيط بين القطبين : الطبيعة والثقافة.‏

إذا كان يجب التصنيف بأي ثمن، يمكننا أن نقترح، مثلما فعل ف. شاردان(15) تصنيفاً خاضعاً لمبدأ عمومية متصاعدة من النماذج الأسطورية والتاريخية المشخصنة في الأصل) وحتى الموضوعات العالمية الحرب، والمدينة، والطفولة، والوحدة، والانتحار)، مروراً بالنماذج الاجتماعية أو المهنية، وموضوعات تاريخ الموضوعات، والعناصر، والأفكار، والمشاعر ... وليس أقل صحة من ذلك أنه سيكون من الصعب تحديد وإحصاء هذه الموضوعات العالمية التي يبدو أن مداها عام في هذه النقطة، ولكن يجب، مع ذلك، إعطاؤها خاصية قابلة للتعريف والتسلسل. هذه العالميات) ترجع إلى هذه المواجهات بخصوص الترجمة انظر الفصل الثالث)، أو إلى الثوابت، انظر الفصل الأول). وعليه، يبدو جيداً أنه ينظر إليها الموضوعات العالمية)، وتفسر، وتُسجل بطريقة مختلفة من ثقافة إلى أخرى : الانتحار بالطريقة الأوربية، أو الانتحارات المتعددة بعد إصدار فيرتر مثلما علمنا، أوالانتحار الياباني للكاتب ميشيما، تشكل مواقف إنسانية أو ممارسات ثقافية مختلفة بشدة. نضيف أن أغنية رولان تحمل قليلاً من العناصر المشتركة والتي يمكن مقارنتها مع أغنية النار لهنري باربوس أو مع صلبان الخشب لرولان دورجيليس.‏

أخيراً، عرفت الموضعات العالمية الأكثر عالمية مثل الموت كل إنسان ميت)، والأم لكل إنسان أم)، عبر العصور والثقافات، تبدلات أكثر أهمية للدراسة من الجوهر الأزلي المفترض. في مواجهة اقتراحات التصنيف المختلفة، نشرع في التفكير أن الحل الأفضل، ربما، يكون ذا طبيعة ألفبائية، توفق بين الفهارس الجيدة : تعد فهارس إليزابيت فرنزيل نموذجاً لهذا الجنس، وهي ذات فائدة كبيرة (16) . يمكن لكلمة معينة أن تصبح موضوعاً شعرياً: مثال le cygne - الأوز العراقي)، أو لازوردي، أو أي لون آخر نفكر باللون الأزرق في مئة عام من العزلة لمارسيا ماركيز).‏

هذه الوحدة الدنيا بصورة مطلقة تستطيع أن تتحول إلى علة، ومن ثم إلى نموذج، وهذا يعني أنها كان يمكن أن تتحول إلى موضوع بصورة واسعة، إما من خلال الخيال، أو من خلال الشعر، أو من خلال الأدب عامة (17) . ونقول مثل ذلك أيضاً عن شخصية أصبحت نموذجاً، بعد إعادة استخدام، واستعمال، وجعلها موضوعاتية المتأنق، نموذج، وموضوع، وظاهرة أدبية درسها إميليان كاراسوس (18) )غالباً ما نلاحظ انزياحاً للأدب نحو تاريخ لأفكار والحساسيات.‏

قلما يكون مهماً البحث عن تحديد الموضوعات والدوافع في المجرد : من الأفضل التفكير بتجميع النصوص التي تسمح بالمقاربات، والاختراقات العرضانية ضمن الآداب، وبالمسارات الدخولية أو الخروجية التعاقبية. تصبح الموضوعاتية وسيلة لإعادة رسم التجمعات الأدبية التي تتجاوز الحدود اللغوية والتاريخية.‏

- بين النص والسياق :‏

يظهر لهذه الزيادات مباشرة ما يعارضها : يجب الاعتماد على البعد المزدوج لكل موضوع. فإما أن ينحصر الموضوع ضمن نص ويسمه بطابعه، وينظمه، ويبنيه، ويستطيع أن يقيم علاقات وثيقة مع الشعور الفردي موضوعاتية خاصة بكاتب معين)، وإما من خلال الانتقال من نص إلى آخر، ما وراء النص، وما وراء الذاتية، يفتح منظورات واسعة بين الآداب، ويستطيع أن يتطابق مع توجه رئيسي لجيل، أوعصر موضوعاتية نهاية القرن).‏

في الحالة الأولى، تثير دراسة الموضوع، مبدئياً مشاكل أمام القراءة النقدية : مثل تشكيل شبكة قراءة، واستخدام القوانين الثلاثة التي استخلصها بيير برونيل، بهدف التحقق انظر الفصل الأول).‏

سيقرأ الموضوع بوصفه أحد المبادئ المنظمة للنص، ولكن يجب الاعتماد على بروز موضوعاتية منتشرة أحياناً. في الحالة الثانية : يجب من نص إلى آخر مسار جانبي أو عرضاني للمقارن) رؤية كيف يخدم الموضوع آلية خيال، وحلم معينين. يمكن التقاط بعض أوجه عمل تخصيص موضوع من خلال شعور حالم)، إذا أعدنا أخذ كلمة باشلار في عمله شعرية الفضاء).‏

من أجل العثور على توجه مقارني تقليدي، يجب التخلي عن القراءة التي تجعل من الموضوعاتية العنصر المؤسس لشعرية نص، والانطلاق نحو مادة غزيرة، شائعة ومع ذلك قابلة للحصر، ومحددة، مدروسة من قبل مقاربة تاريخية، نريد القول، جماعية. سيقارَبُ الموضوع الذي يخدم كمبدأ تجميع لعدة نصوص بطريقة تعاقبية - تاريخية - الحالة الداخلية - والتطور اللاحق) وتزامنية كيف يستطيع الموضوع إضاءة مرحلة من الأدب). وهذه مناسبة للاستشهاد بجورج بوليه (19) الذي أعطى بوضوح وظيفة تاريخية وتركيبية للقراءة الموضوعاتية : " يستطيع النقد الموضوعاتي أيضاً أن يكشف لنا ما ينتقل من فكر إلى آخر، وما يتبدى ضمن الأفكار المختلفة بوصفه مبدأها أو أساسها المشترك. وهو يسعى إلى الذوبان مع تاريخ الأفكار، والمشاعر، والخيالات، ويجب دائماً أن يكون قريباً من التاريخ الأدبي.‏

في هذه المستوى، الموضوع هو في الوقت نفسه :‏

1- المادة التاريخية، والثقافية التي تشكل النصوص والتي يجب تحليلها ؛‏

2- الرهان الشعري الذي يسمح بفهم كيفية تكون شكل أدبي، وما هي العلاقات التي تجمع بين الموضوعات ومثل هذه السمة الشكلية ؛‏

3- الخيط الموجه للدراسة المقارنة، مما يسمح بالانتقال من نص إلى نص آخر، وكان هذا موضوع الفصل الأول.‏

يمثل الموضوع، في هذا المستوى، إشكالية المقارنة الأدبية، وأساسها وغايتها، عندما تجمع عدة نصوص، والتوليف بين النصوص وما فوقها)، في حالة صريحة التحقق من الموضوع)، ومفترضة ضرورة دراسة نماذج من نص إلى آخر)، في الوقت نفسه. إن العلاقة السببية الشهيرة التي، في حالة التأثير، تجعل المقاربة بين النصوص دائماً فرضية أو قابلة للنقاش، ملغاة هنا أو تصبح واضحة من خلال وجود الموضوع وفعله، والذي يقدم، من البداية، بوصفه المبدأ الأول للتقارب، وموضوع الدراسة، ومبرر هذه الدراسة قراءة ثانية لنص، إضاءة معطى جديد داخل النص أو ضمن سياقه التاريخي). مما لاشك فيه أننا نفهم الآن بصورة أفضل الأهمية التي يأخذها علم الموضوعات في الأدب العام والمقارن.‏

- بين العقيدة والخيال :‏

لكي تستطيع الدراسة الموضوعاتية خدمة التاريخ، يجب أن يوجد مواجهة بين النص والتاريخ. تؤدي مواجهة الموضوعاتية للتاريخ إلى فهم وقبول كيف يستطيع موضوع وظاهرة أو لحظة تاريخية أن يوضح بعضها بعضاً بصورة متبادلة. في هذه الحالة، قد تكشف الدراسة الموضوعاتية، بطريقة محددة ومادية، وجهاً من تاريخ الأفكار، أي عقيدة عصر معين، وأدباً محدداً. قد يخدم الموضوع ككاشف عقائدي. يمكن مواجهة موضوعاتية نص مع موضوعاتيات نصوص أخرى أمر مقارني)، ومع موضوعاتيات أخرى من أجل فهم خصوصية عمل، وكيف تستطيع مجموعة من النصوص أن تؤلف خيالاً خاصاً، من خلال معالجة موضوع أو موضوعات متعددة. وبذلك تخدم الموضوعاتية تاريخ المشاعر والعقليات، لأنها تسمح بفهم كيف يمكن التعبير عن خيال معين، في الزمن، وعبر أشكال أدبية محددة، وضمن فضاء ثقافي معين إنه الخيال الاجتماعي الذي طرح في الفصل السابق) .‏

يسمح الموضوع، كالصورة، بتمييز العقيدة عن المتخيّل. هذا التمييز ضروري بين هذين المفهومين وسندرسهما كما هما)، كلما اختفى الأول، وبدا الثاني منتصراً، ويستخدم، شيئاً فشيئاً، بصورة تعسفية.‏

ويجد الموضوع نفسه، كالصورة أيضاً، منجذباً مرة إلى هذا المفهوم، ومرة ثانية إلى المفهوم الآخر، متنقلاً بين الوثيقة بالنسبة للمؤرخ الذي يدرس العقائد، وبين العنصر البديل، مشاركاً في فضاء اجتماعي، وثقافي، وفضاء نصي في الوقت نفسه، ويجب على الموضوع أن يخضع شعرياً لهذا الفضاء النصي. تسمح جولة في التاريخ بالتمييز جيداً بين المفهومين. أخذ جاك لوغوف (20) المختص بالقرون الوسطى، في الحسبان كتاب جورج دوبي (21) الذي يدرس المخطط الأساسي الذي بُني على أساسه مجتمع القرون الوسطى : التقسيم إلى ثلاث طبقات الطبقة التي تصلي، والطبقة التي تحارب، والطبقة التي تعمل).‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:17 PM
الوثيقة التي قامت عليها هذه الأبحاث، وإشكالية الكتاب كله تنتقل بصورة دائمة من تحليل مجتمع إلى دراسة الأشكال التي يقدم هذا المجتمع نفسه تحتها، ومن مخطط للفكر الاجتماعي إلى حلم هيئة اجتماعية عن نفسها. يفكر جاك لوغوف، بحق، أنه عندما يتعلق الأمر بمخططات تصورية )، و عقلية) تشكلت خارج النص المحلل)، من المناسب الحديث عن العقيدة. أما بالنسبة للخيال فإنه يقترب من دراسة النصوص، والبحث الأدبي تحديداً. من المناسب إذن التمييز بين العرض التصوري، أي التعبير عن بنية المجتمع، وأداة مصنوعة من أجل التفكير به وفرضه لصالح أولئك الذين لهم السيطرة على هذا المجتمع العقيدة )؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى الخيال) الذي سيحتفظ به من أجل الرموز التي هي شخصيات حقيقية لأعمال الخيال تحديداً). ويجب أيضاً التحديد أنه عندما يدخل مخطط الأنظمة الثلاثة في الخيال، فإنه يتخلى عن التصور لصالح المواد الرمزية)‏

لا تسمح هذه الجولة في التاريخ بتصنيف الموضوعات، ولكنها تجعلنا نكتشف استخدامها، ووظيفتها، ونميز بين ما هو مخطط، وبنية في نص معين دراسة أدبية)، أو في فضاء اجتماعي دراسة تاريخية)، وبين ما هو مادة خيالية ضمن النص نفسه أو ضمن الفضاء الاجتماعي نفسه الذي لم يعد موضوعاً مفضلاً في الدراسة التاريخية، ولكنه يمكن أن يكون مطلوباً من الأدبي، والمقارن. إذا أردنا أن نضع، بين هذين المجالين أو المستويين اللذين هما العقيدة والخيال، الحقل المفضل في الدراسة الأدبية والحالة هذه، هنا، الموضوع كعنصر بنيوي للنص)، فإننا نحدد ثلاثة نماذج لمقاربة الموضوع واستجوابه.‏

- المسارات الموضوعاتية الأولى :‏

- المرأة الخائنة :‏

نأخذ من كتاب برونيل - بيشوا - روسو مثال دراسة طوني تانر حول المرأة الزانية في الرواية، مع نماذج للدراسة هيلواز الجديدة، ومدام بوفاري، وآنا كارنينا(22) . تظهر الدراسة كيف أن المرأة الخائنة تخرق الأدوار التي أسندها إليها المجتمع دور الزوجة، والأم أوالابنة)، وتعرض هويته للخطر، وتتجاوز العقد الذي يؤمّن استقرار المجتمع البرجوازي، وواضعي العقد : " ولكن الباحث يصل إلى نتائج ربما تكون أخلاقية أكثر منها أدبية " وهذه حسنة من وجهة نظرنا :‏

إن اختيار الموضوع، والمادة تلزم الباحث أيضاً. فهو يكشف في الوقت نفسه ماهو صريح وما هو خفي في كل دراسة : الموضوعية الوهمية وعلاقة الحياة والفكر التي يقيمها الباحث مع موضوع تأمله.‏

- تغيرات على الجزيرة:‏

يقدم الرأي الماركسي وعلم اجتماع الأدب لبيير ماشيري للباحث تحليلاً رائعاً وتفسيراً لموضوع الجزيرة عند جول فيرن، القابل لامتدادات مقارنية (23) . بالنسبة لمثل هذا الباحث الآخر، لايبدو موضوع الجزيرة مرتبطاً مباشرة بتطور اجتماعي وعقائدي، وسيكون مناسبة ذريعة) للوصول إلى تاريخ الأفكار يوتوبيا مثلاً)، ولأبحاث حول خيال ما، مستحضراً مفهوم النموذج المثالي، ومرجعاً الموضوع وتطور العزلة إلى نفسية المؤسسين، وإلى تسجيل موقف أولي أساسي )(24) حسنة أخرى : إن جمع العلامات، والصور، والكلمات، واختبار الممارسات الكتابية في الدراسة الموضوعاتية، تدعو، وتجبر على التفسير، إلا إذا لم تكن العمليتان متزامنتين. نفهم التحفظات التي أثارتها الدراسة الموضوعاتية عند أولئك الذين أرادوا اختزال الدراسة الأدبية إلى وصف بنيوي أوشكلي.‏

- ارتكاب المحرم :‏

مما لاشك فيه أن مرغريت يورسينار أعطت في ملحق AnnA , soror درساً مدهشاً في الموضوعاتية لكي توضح وتبرر مشروعها الجريء في الكتابة عن ارتكاب المحرم عندما تكون المرأة شابة في سنوات الثلاثينيات، مقدمة مساراً تعاقبياً، وكأنها تميل إليهما، آخذة بصورة خاصة مانفريد) لبيرون، و دم محفوظ) لتوماس مان، و سر أفريقي) لمارتان دوغارد. وقدمت من خلال هذه الأعمال الاقتراح التالي :‏

" هناك إذن موضوعان أساسيان في هذه العروض لارتكاب المحرم : اجتماع كائنين مقترنين استثناء بالدم، ومعزولين بسبب طبيعتهما نفسها، وبسبب نشوة الروح والاحساسات المخترقة لقانون معين " .‏

سمحت لها هذه القراءات بإعادة قراءة قصتها. ولكن موضوع المحرم أصبح خيطاً رفيعاً لأريان من أجل الدخول في متاهة الإبداع الروائي، وهو السؤال الوحيد الذي يهم الروائية : " لأول مرة تذوقت مع Anna soror ، الفضيلة المطلقة للروائي، وهي الذوبان بصورة كاملة داخل شخصياته، أو أن يترك نفسه يمتلك من قبلهم [ .... ] لقد عشت دائماً داخل هذين الجسدين وهاتين الروحين [.. ] مع اللامبالاة بالجنس التي هي، كما أعتقد، موقف كل المبدعين في حضور مبدعيهم، والتي تغلق بخزي فم الناس الذين يستغربون كيف يستطيع رجل أن يتفوق في وصف عواطف امرأة [ ...] ".‏

أخذ الموضوع نفسه ضمن سياق آخر، ومن قارئ آخر، له اهتمامات أخرى، وهي اهتمامات نقدية خالصة، ووضع البحث ضمن إطار موضوعاتي واسطوري في الوقت نفسه، وطور هذا الموضوع تحليلات، وأدى إلى نتائج مختلفة جداً (25) .هناك توجه آخر : عند فحص رائعة الأدب البرتغالي الروائي في القرن التاسع عشرOs Maias 1888) لإيساكيروز، يظهر أنطونيو كوامبرا مارتان(26) كيف يخدم موضوع المحرم، وهو الموضوع المركزي لهذه اللوحة للمجتمع البرتغالي، في التعبير عن عبث مجتمع معين، وعقمه، وعجزه يجسده كالوس مايا الذي أحب أخته ماريا - إدواردا. حسنة ثالثة للدراسة الموضوعاتية مهمة للمقارنية وهي تسمح باكتشاف أو إعادة اكتشاف) نصوص غير معروفة كثيراً، وأقل جذبا‌ً، وتبعث الفضولية العقلية عن طريق فرض تعدد القراءات. يقوم الأدب العام والمقارن هنا بدوره كاملاً كباعث على الانفتاح على الأجنبي. في هذا المستوى، تتوجه الدراسة الموضوعاتية نحو بحوث معرفية متداخلة : مثل التاريخ الاجتماعي، الديانات، والعلوم، والحقوق إذا أراد الباحث فهم المدى الحقيقي لاتفاق، وممارسة إيصائية متعلقة بالوصية)، وخطف، وزواج سري...).‏

- الموضوعاتية والتداخل المعرفي مابين المعارف) :‏

إذا كان الموضوع يعالج، بصورة لصيقة، موضوعات لايسيطر عليها الباحث جيداً، فإنه يستطيع دائماً أن يتخلى عن البحث الذي يتجاوزه، أو أن يبذل جهداً، إذا كان الأمر يتعلق ببرنامج مفروض، من أجل إظهار أن لاشيء غريب مما هو إنساني، بحسب حكمة تيرنس، مع معرفة أنه سيعود إلى الأدب مع بعض المعلومات الإضافية عن موضوع معين، ولكن دون أضواء جديدة عن حقيقة النص الذي يجب فهمه ضمن أبعاده الشعرية. تتطلب خصوصية بعض الموضوعات جهوداً خاصة.‏

لانرى جيداً كيف تستطيع أبحاث، ودراسات عن بعض النماذج الاجتماعية المنتقلة إلى الأدب مثل التاجر، والارستقراطي، والقس الطيب أو الشرير، والضابط) أو عن بعض الموضوعات مثل المرأة والزواج، والعائلة، والمراهقة والتربية) وموضوعات تبدو كفكرة 0 فكرة السعادة، فكرة التسامح ..)، أن تهمل، من طرف أو آخر، مسائل عن الديمواغرافيا (27) التاريخية، والحقوق، والأخلاق، والعقيدة، صانعة بذلك من النموذج أو الموضوع المختار موضوعاتية العصر) هذا لا يعني قط نسيان الأدب، ولكن امتلاك الوسائل لفهم الروابط العديدة، والمعقدة، غير المشتركة، التي تستطيع النصوص إقامتها مع اللحظة الاجتماعية، وعقيدة العصر. قيمة أخرى للموضوعاتية : ضرورة التداخل المعرفي المسيطر عليه جيداً، والمعتدل، ضروري لكنه ليس كافياً.‏

- المسار الموضوعاتي الثاني : الوباء :‏

لنأخذ مثالاً موضوعاً، حاضراً بصورة خاصة في الأدب، والذي يقدم علاقات تضمينية اجتماعية، وأخلاقية، ودينية متنوعة.‏

- تكوّن الوثيقة يجب أن تدرج الوثيقة بين النصوص التي ستكون البرنامج بالمعنى الدقيق للكلمة، وبين النصوص التي ستكون مراجع، وهي نصوص توضيحية ). في الثقافات الغربية، إذا استثنينا النصوص التوراتية، يظهر الموضوع ضمن - تاريخ حرب بيلوبونيز - لثوسيديد جاعلاً من الكتاب الثاني قصة طاعون أثينا. هناك نص رئيسي آخر بالنسبة للقراءات التي أثارها : النشيد السادس من Natura Reum للوكريس يمكن أن يضاف إلى هذين النصين القانونيين، رغماً عن المعلم، افتتاحية Decameron لبوكاس، وهي مقطع عن خاطبي مانزوني 0 ص63)، والفصل السادس من - الموت في صقلية - لتوماس مان، ورواية الطاعون لآلبير كامو ... وكذلك - يومية سنة الطاعون لدانييل دوفوي، والقسم الثاني من - مملكة هذا العالم - لأليجوكار بنتييه Le vomito negro في هايييتي)، والكوليرا في بروفانس مع - الهوصار (28) على السقف لجيونو ... ولماذا لا نضيف الحيوانات المريضة بالطاعون) لفونتين؟ على المعلم أن يختار بعض الأمثلة الرئيسية. وعليه أن يتساءل أيضاً على ماذا يقوم التعايش بين النصوص الكاملة وبين النصوص المجزأة. في الوضع الحالي، أصبحت نصوص ثوسيديد ولوكريس سريعاً وصوفات استبدالية، ونماذج يمكن فصلها أو مفصولة عن بقية العمل.‏

- قراءات فهرسية :‏

على المقارن أن يكوّن لنفسه ملفاً للقراءات قائماً في الوقت نفسه على طب العصر وعلى التاريخ الذي يهتم بمثل هذا النوع من الظاهرة الاجتماعية. عندما يقرأ ويدون على بطاقات) هذا النص من البرنامج، ويتعرف على النص اليوناني، بعد لحظات من إعادة التأهيل، يستطيع أن يبحث في كتاب - ولادة الطب التطبيقي - لميشيل فوكو، ويستخلص مفهوم العتبة الكمية) الذي يبدو أنه إحدى المسائل الأساسية التي طرحت عبر الموت الجماعي الذي هوالوباء: " يكفي أن يتكرر مرض غير معدٍ مرات عدة لكي يوجد وباء. مشكلة حسابية خاصة للعتبة : المرض غير المعدي ليس إلا ما تحت البداية ".‏

من المفيد تتبع هذا الأثر في الأدب : تُبلغ العتبة الوبائية عندما لا يعود الأحياء قادرين، أوعندما لا يعودون يريدون دفن موتاهم، والاهتمام بهم. تتوقف المشكلة عن أن تكون حسابية خالصة : يأتي الوباء ليغير، ويلغي طقس الموت، ويصاب المجتمع في إحدى قيمه الأساسية. حدثت إسقاطات، وأنتجت قراءات ومحاكمات عقلية عبر التشابه والتعارض. فالكارثة الأرضية، مثلاً، هي موت جماعي، القطع المفاجئ للبنى الاجتماعية - الاقتصادية الأساسية، ولكن من المناسب التمييز بين التدمير ونقص السكان، وبين الفناء السريع والاختفاء التدريجي المحتوم.‏

قراءة أخرى مع تطبيقات، بالعودة إلى النصوص : بضع صفحات من كتاب الرجوع إلى الأدب بوكاس، صموئيل بيبي، دانييل دوفوي، جان بول سارتر) ومع سارتر الحق في أن يكتب وهو يفكر بالوباء العام في القرن الرابع عشر : " لايؤثر الطاعون إلا كمبالغة في العلاقات الطبقية : فهو يضرب البؤس، ويبتعد عن الأغنياء "‏

تصح هذه الملاحظة على كل ظهورات الكارثة)‏

سنستغل القراءات في اتجاهات مختلفة : تأملات حول اشتقاق الكلمة، وآثار المعاني الممكنة : epi demos ، أي على الشعب) أو تعني المرض الذي ينتشر بين الشعب. وهذا مفعول قيم للمعنى من أجل قراءة هذه الصفحة لدانييل دوفوي أو لجيونو بتوجه جديد.‏

سنعين بعض الشواهد المهمة التي يمكن أن تستخدم، كلياً أو جزئياً، كموضوع للبحث يصلح هذا العمل للطالب مثلما يصلح للأستاذ) يدفع الاستشهاد، والفكر إلى إعادة قراءة الأعمال على ضوئهما.‏

هنا، وضمن مقطع في الفصل الأول من كتاب - المسرح وقرينه - يميز أنطونان أرتود جيداً بين الوصف الخارجي للسمات المرضية، وبين التأثيرات النفسية الناتجة عن اقتراب الوباء وانتشاره. إنه يطرح تخريب الأطر الاجتماعية، وهو ما يسميه " انهيارات المعنويات " و " تدهور الحالة النفسية ". يصبح الوباء لحظة حرجة، لحظة حقيقة، وأزمة نموذجية : ينتقل الكاتب أمام المجتمع المصدوم من دور المراقب إلى دور الواعظ، وحتى دور الرقيب.‏

- المخطط الأول أو الفرضية الأولى :‏

ننتقل من المعلومات المستخلصة من الفهرس وقراءات النصوص) إلى مخطط أول للمسار، أو فرضية أولى انظر الفصل الأول)، ضمن الحد الذي ترتسم فيه نقاط التقاء يمكن تحويلها إلى مسارات للدراسة. تُظهر الكتابات عن الوباء ثلاثة أزمنة للدراسة : البحث عن أسباب الأمراض، والشروط الحاسمة أوالمساعدة، والبحث الوبائي الذي يؤدي إلى تشخيص المرض، وجمع الأعراض، وأخيراً الإجراءات الطبية. مارس الطب، لحقبة طويلة، علم تشخيص مرضي خارجي أقام عليه علم تصنيف أمراض سريري أو دراسة الأمراض)، قبل اكتشاف علم التصنيف التشريحي، مما ساعد على التعرف على حد مزدوج، ضمن نصوص مثل نصوص العصر القديم أو غيرها : كشف الآثار الواضحة، ووصف المرض، والتخلي سريعاً عن التدوين الصعب أوالذي من المستحيل القيام به. هناك سؤال في الشعرية : كيف يجتمع تشخيص المرض مع التخيّل؟ تحاول الروح، من خلال البحث عن الأسباب، الانتصار على البؤس وما هو عصي على الفهم، وهذا أيضاً عنصر من عناصر تعريف الوباء المرئي، الكلي الوجود ودون تفسير، والأسوأ من ذلك أنه لايمكن الفرار منه. ضمن المجتمعات التي تقوم على عقيدة سماوية، يعطي الوباء قيماً رمزية مثل كونه مظهراً من مظاهر سخط الآلهة وقدرتهم(29) نتعلم أيضاً كيف يحاول التفسير استغلال المدال العلمي أو العلمي المنتحل من أجل روح حديثة) : فساد الهواء، واختلال الفصول، نظرية الأبخرة الفاسدة) التي صاغها الطبيب الصقلي فراسكاتور، العلم والخرافة اللذان يربطان بين الوباء ومرور نجم اعتقاد مثبت في - الهوصار على السقف، ومعرفة تسمح بتقويم ما هو مختلف عن غيره)، وأخيراً الشائعات والذعر الجماهيري، آبار مسمومة، وناشرو الطاعون. انتقلنا من الطب إلى النفسية الجماعية التي يتكفل الأدب بتسجيل تطورها (30)‏

القراءات، والبحوث ضرورية لكنها لسيت كافية من اجل تجنب الأخطاء، والسذاجات، ومن أجل عدم الاقتصار على الاستخدام الفني) للوباء في الأدب الروائي غالباً أكثر معرفة من الناقد).‏

- تاريخ الأفكار وشعرية النصوص :‏

يترك أساس تاريخ الأفكار المكان لصالح مسائل أدبية خالصة، ولكن يجب دائماً ربطها بالإشكالية التاريخية. تخص هذه المسائل وضع الأدب الوبائي). لا يستطيع الكاتب ولا يريد أن يحل محل الطبيب، أو المؤرخ. ما الذي يمكن أن تكون عليه طبيعة المادة الوبائية ودورها في الأدب ضمن نص، وفي لحظة معينة، وفق الفكرة التي نأخذها عن الشعر، والتخييل ؟) ستحتفظ طرق الظهور الوبائي بانتظام إلى حد ما، بالخيال : مباغتة الظهور، عنف ظاهرة الموت، امتداد الظاهرة، هلع فردي وجماعي أو نصف جماعي خراب في قضاء، أو مجتمع صغير، أو فضاء مدني يمكن السيطرة عليه ظاهرياً في التصدي) إن تدوين الآثار يقرب النص من علم الأمراض التاريخي طرح الفساد العميق للأخلاق، والحياة الاجتماعية)، ويصبح الوباء وسيله معرفة أخلاقية، وحتى نفسية، يكشف السلوك، والمعتقدات الدينية، والتصرفات.‏

يجب إذن دراسة الاختلافات بين موضوع الوباء، والقصة الوبائية. من الواضح جداً أن هناك تباعداً كبيراً بين الخطاب الطبي، والعلمي، وبين القصة الوبائية التي تستطيع التقاط الظاهرة المرضية إلا ضمن بعض آثارها الجوهرية، ولكنها ثانوية، بالمقارنة مع البحث الطبي. يصبح الوباء إذن موضوع قصة وحبكتها السردية من هنا جاء استخدام مفهومات جاهزة في التحليل النصي من أجل فهم كيف يصنع الموضوع بالنص : قصة مأساة معيشة أو يعاد عيشها، وحتى مؤلفة، ومتخيّلة، ومزمنة، وكفاح يومي ضد الكارثة، والرعب والألم اليومي. في هذا المعنى، لن يكون هناك إلا وباء واحد شعري) بصورة كاملة : طاعون دياكاميرون الذي لم يوصف بدقة، والذي هو سابق على القصص التي أسسها وولدها.‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:18 PM
- الموضوعاتية والكتابة :‏

يشكل الوباء، كمادة، موضوعاً أدبياً يتطلب جولات، إن لم يوجد جرد بالأسباب نفكر بالفصل السادس من الموت في صقلية). ينظم الفضاء والزمن بعمق الوقائع التاريخية أو الروائية.‏

يبدو المؤرخون والروائيون مهتمين بإعادة تركيب إيقاع انتشار الكارثة وطرقه، ضمن مجموعة اتصالية (31) تاريخية، مع تتابع جمل أساسية : الانطلاق، والشائعات، والخطورة، الذروة، والانحسار، والخمود، والاستئناف، والاكتمال. التجربة هي نفسها من الواقعة التاريخية إلى التخييل : إعادة تركيب سيناريو وبائي لقاء مفيد مع هذه الكلمة التي استخدمت في الفصل السابق من أجل فهم كيف تتموضع الصورة داخل النص). إجمالاً : انتصار مؤقت للكارثة على منطقة، أو فضاء، أو مدينة غالباً وتكون وعاء مغلقاً تنتشر فيه وتتكاثر الروائح النتنة والشائعات، وتظهر النتائج المختلفة للكارثة، اجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً، ونفسياً.‏

بالنسبة لمدوّن الأخبار مثل دوفوي القريب من الرواية إلى حد ما )، ولكاتب التخييل، تعد مسائل التشكيل السردي هي نفسها : فمن جهة كيفية الوصول إلى نظرة متنوعة تتطلبها الظاهرة الجماعية من هنا البانوراما المدهشة المسيطرة على الفضاء في بداية - الهوصار - واستخدام الطريقة التزامنية)، وكيفية إعادة تركيب المادة المتنوعة لمظاهر الكارثة، داخل مخطط القصة. ومن جهة أخرى، ما الموقف الذي يجب تبنيه إزاء الحدث؟ وأي لوحة وبائية يحتفظ بها؟ من هنا تبني وبعث الشخصيات لمواقف معينة، وآراء إزاء الوباء. كيف نجمع القصة والخطاب، السرد والشروحات؟ كيف نحافظ على الوحدة، وبعض التنوع وتشجيعه، كيف نصل إلى تجزيء اللوحة؟ من هنا، مثلاً، استدعاء الظاهرة بوساطة قالب من النوادر، ويصبح الوباء ملفاً لمصائب منتشرة، وبوساطة مشاهد تدور من خلال رسم مرضي آثار مأساوية، تعبيرية السمات الملتقطة )، وبوساطة التصنيف، والملف لحالات حدودية بين المبالغ فيه، وغير الطبيعي، والنموذجي. اليومية الوبائية تتبدل في الحالة الحدية : يمكن لكل عنصر في اليومية أن يتحول إلى أعراض، ويطرح الموضوع الوبائي مسألة الواقعية غير الموجودة. لا سبيل لاستغراب ذلك : فهو الموضوع) يقوم بدور الصاهر لليومي، وينشئ حالة استثنائية.‏

لكل وباء حياته اليومية، ومغامراته، وأبطاله.‏

- تطور الموضوع وتحولاته :‏

يمكن الحديث عن تصالبات موضوعاتية انظر في الفصل السادس، مسألة التداخل بين أسطورة وأخرى). وتظهر الرغبة لكتابة التحولات في اليومية. في هذه النقطة، المدينة الوبائية مضطربة، وتعرض صورة معكوسة عن ذاتها : رفض اليومية، والسياق الفظيع للوباء يبعث الصورة الكرنفالية المدينة القائمة على التلال في - الهوصار - والتصرفات غير الطبيعية في لندن دوفوي ). ولكن استحضار انقلاب القيم، وتغير السلوكيات لايمكنهما استبعاد النظرات الأخلاقية : ننتقل من المرض المفرط إلى الاعتبارات حول الألم، ومن التوازن المقطوع إلى اختبار الانقطاعات، والتأمل في المعيار وفاعليته ضمن مجتمع كان في صحة جيدة، والمسار المزدوج للمرض الوبائي في الجسد الاجتماعي المريض.‏

يبقى تحديد الموضوعاتية الخاصة بكل نص واستغلالها، والاستخدام الشعري الخاص بكل نص، ومنطقه الشعري، ستستخدم هذه المعطيات في كل مرة كتحديد، وتفرد داخل تطورات للعناصر المشتركة : دراسة الزمن في ما هو جريدة يومية) عند دوفوي، وموضوعاتية لونية عند جيونو بياض الموت، والحر، الميل إلى البياض للقيء).‏

انتقلنا من تاريخ الأفكار سريعاً إلى تساؤلات حول الطبيعة الشعرية، وأخيراً إلى قراءات عازلة آلية خيال معين.‏

- بين الوثيقة والتخييل :‏

يطرح الحوار بين الأدب وتاريخ الأفكار أمام الأدب، والمقارن بعض المشاكل حُدد قسم منها سابقاً انظر الفصل الرابع ).‏

المشكلة الرئيسية هي مشكلة الدور المسند إلى النص الأدبي : وأحياناً مشكلة السجلات، والوثيقة. ما هو البعد المعطى، والمتروك للتخييل ؟‏

تحل المشكلة أحياناً من خلال الطبيعة نفسها للنص المختار.‏

ضمن إعلان قديم لجان فابر، ولكنه نموذجي، ومخصص للعالم الجديد كموضوع قبل - رومانسي من أندريه شينييه إلى ميكي ويكز )(32) كان الشعر المدروس فلسفياً ووصفياً غالباً، وكأن عصور الأنوار أثرت فيه. الحديث عن مثل هذا الموضوع، يعني الاغتراف بتوسع من كتابات متنوعة : " صانعو دعايات، وجغرافيون، واقتصاديون، وفلاسفة، كلهم يجب أن يستدعوا للشهادة "‏

هناك رغبة كبيرة لتحويل الموضوع إلى فصل لتاريخ ثقافي ضخم : (33) عندئذ نلتزم بتاريخ الأفكار، ونتخلى عن البعد الشعري للنصوص المختارة لكي لا ننظر فيها إلا إلى مخططات فكرية. يمكن أيضاً إعادة تركيز مجال الدراسات وتحويله إلى دراسة في النموذج الأدبي، وحتى في الأسطورة، والصورية الثقافية : مثل رمز كريستوف كولومبوس.‏

يتحدث جان فابرعن موضوع) كريستوف كولومبوس، بطل رمز، ورمز المغامرة الإنسانية، وبروميثيوس جديد، وفاوست آخر) ضمن آداب عديدة. هل هو نموذج أدبي، أم أسطورة، أم موضوع؟‏

وأي كلمة تضاف عندما يفسر جان فابر العالم الجديد كتورية شعرية ؟‏

لماذا ليس تفسيراً، وذريعة أو مجازاً؟ بالنسبة لكاتب مثل أليجوكار بنتييه الذي يقتصر عمله، المتأرجح بين شطي المحيط الأطلسي، على رمز صانع الحبكة كولومبوس الهارب والظل)، تعد الرواية أسطورة، وحكاية خرافية، وكل عمل، كتابي أو سياسي، ينتمي إلى المجاز يجب العمل مجازياً - هكذا يقول إنريك في نهاية - الرقص المقدس). لا يقوم هذا التكاثر للكلمات على غموض مصطلحي :‏

إنه يشير إلى حلول متنوعة، وإلى قيم مختلفة لكتابة الموضوع، والموضوعاتية التي نستطيع أن نسميها أيضاً شعرية.‏

- تاريخ أفكار، وعقيدة، ورؤية العالم :‏

يبقى، مع ذلك، مشكلة أخيرة تثار من خلال الربط المربك بين الموضوع وتاريخ الأفكار الذي يزعج أنصار الأدب الخالص). مع بعض الموضوعات، يصبح الأدب العام والمقارن مكان تأملات تاريخية، واجتماعية، وثقافية أكثر منها شعرية. من أجل تجنب هذه العدوى سنطلق كلمة عقيدة) التي تحسس بروحها الحزبية، وحتى المحاربة، في حين أنها تذكر بالواقع الملازم لكل مجتمع. أو سنتحدث عن رؤية العالم) للعقيدة، وهي باب مفتوح على العقيدة استخدم لوكاتش المفهوم) أو على المثالية، وتاريخ الروح الإنسانية. في تتبعنا للطرق المثالية، لن نتردد في تبيان كيف أن الموضوع جزء مرتبط بروح العصر) الذي تتخفى وراءه موضوعاتية العصر). من المؤكد أنه كان هناك كثير من الأفكار) حول الموضوع، سواء تعلق الأمر بعقيدة أم بمثالية.‏

هذا يعني نسيان أن روح العصر، التي، من المؤكد، أنها أدت إلى قراءات مثالية، كانت المفهوم المركزي عند الثوريين الألمان في نهاية القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشر هينينغ - ونيثامر) .‏

يحدد المفهوم قوة لاتقهر يزيل تقدمها العوائق المؤسساتية.‏

أعاد هيغيل أخذ المفهوم بهذا المعنى، ثم انتقد أي المفهوم) بوصفه شيئاً غير محدد، ومدمراً، قبل أن يستثمر في التعريف، داخل تاريخ الروح، وفي نظام قائم، وعقلية سكونية ومتماسكة يمكن التقاط حدودها ومضمونها. كل شيء إذن يعتمد على الاستعمال الذي ندعي فعله بالأفكار والكلمات. ربما تكون الموضوعاتية اللحظة التي يكتشف فيها الأدبي، دون نسيان أنه يدرس أشكالاً، أن الكلمات، بما فيها كلمات النص الأكثر أدبية، تذكّر بطريقة معقدة بأفكار وليس بوقائع. يظهر التوضيح الذي مر أن المقارن، الأديب يستطيع أن يفيد من تاريخ الأفكار من أجل .... التفكير ومنع الآخرين من أن يفكروا بدلاً عنه، في ماهو مفيد.‏

(1) انظر مسيحون جون، من غر اندورج إلى بارنابوث : النماذج الأمريكية في الرواية والمسرح الفرنسيين 1860- 1917) ديدييه، أو أيضاً، ليون فرانسوا هو فمان، الزنجي الرومانسي، شخصية أدبية وهاجس جماعي، بايوت، 1973.‏

(2) أبيض مولود في المستعمرات الأوربية القديمة .‏

(3) انظر سيرج غروزينسكي، استعمار الخيال : المجتمعات الأصلية والتغريب في المكسيك الإسبانية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، غاليمار 1988‏

(4) انظر تودوروف، نحن والآخرون، النظرة الفرنسية إلى التنوع البشري سوي، 1989‏

(5) انظر جان - مارك، قراءة الإثارة، دونود، 1992.‏

(6) هناك كثير من المفهومات المغلوطة عن الشرق مازال يقتنع بها الغربيون حتى اليوم، وهي ناتجة عن الصراع المرير الطويل بين الشرق والغرب. وما يقوله المؤلف هنا ليس دقيقاً فاللواطة التي تحارب على كل المستويات الاجتماعية والأخلاقية في الشرق تنتشر في المجتمعات الغربية مع سن بعض القوانين التي تبيح ذلك م).‏

(7) الأطلسية : نظرية ينادي بها أنصار ميثاق الأطلسي الشمالي م)‏

(8) ضد الانحطاط ؛ تاريخ الخيال الفرنسي في الرواية بين 1890-1914 p.u.f? 1987‏

(9) عمل التاريخ، الجزء الثاني، فوليو.‏

(10) العراقة : علم يبحث في خصائص الشعوب.‏

(11) أي لم تدخل في الأدب.‏

(12) برونيل، وبيشوا، وروسو، ما الأدب المقارن ؟، ص 128.‏

(13) انظر هيلين كاز، جان - بيير ريشارد، طبعة بيرتراند - لاكوست، سلسلة، مرجع، 1993.‏

(14) مبحث العلوم، وهو مبحث نقدي في مبادئ العلوم، وأصولها المنطقية.‏

(15) البحث في L.G.c الكتاب الأبيض لعام 1983‏

(16) الموضوع في الآداب العالمية، شتوتغارت، كرونر، 1983، والدافع في الآداب العالمية، شتوتغارت، كرونر، 1980‏

(17) انظر روبيرها ريسون، غابات، دراسة حول الخيال الغربي، شامب، فلاماريون، 1992‏

(18) أسطورة الرجل المتأنق - كولان - 1971‏

(19) ثلاث دراسات في الميثيولوجيا الرومانسية، كورتي، 1966.‏

(20) حوليات E S C ، 1979، العدد / 34 .‏

(21) الأنظمة الثلاثة أو خيال الاقطاعية، غاليمار، 1979.‏

(22) الزوجة الخائنة في الرواية، جون هوبكان، مطابع الجامعة، 1979‏

(23) من أجل نظرية للانتاج الأدبي، ما سبيرو، 1970‏

(24) انظر جان ميشيل راكو، الجزرية متعلقة بالجزر) : موضوعاتية وعروض، أعمال الندوة الدولية في سان - دوني، الهارماتان 1994، أو فرانسوا مورو، الجزيرة أرض أسطورية، هواة الكتب، 1989.‏

(25) انظر مثلاً كلود - جيلبير دوبوا، أسطورة المحرم : الانتهاكات العائلية وتحولات الأسطورية في عائلة هيرودوس، بوردو 3، 1986.‏

(26) Ensaios querirosianos ، لشبوبة، 1967‏

(27) الديموغرافيا - علم إحصاءات الشعوب.‏

(28) الهوصار : جندي من الخيالة .‏

(29) انظر بداية مسرحية سوفوكليس - أوديب ملكاً - وانظر أيضاً العهد القديم والجديد، L uc ، XXI ، مثلاً‏

(30) انظر أيضاً الرأي العام وتطوره في مانوسك لجيونو.‏

(31) مجموعة عناصر متجانسة من الميسور الانتقال باستمرار من واحد إلى آخر فيها.‏

(32) الرابطة الدولية للأدب المقارن، شابيل هيل، 1958.‏

(33) انظر الكتاب الجميل لأنتونيلو جيري La dispota del Nuovo mondo storia di una polemica ، ميلانو، 1955، حول وضع أمريكا ضمن منظومات فكر الأوربيين وخيالهم .‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:21 PM
الموضوعاتية والمقارنية الشعرية.



هناك ملاحظة مدهشة في بداية كتاب - شعرية الفضاء (1)‏

يشير غاستون باشلا إلى أنه سيقترح تحليلات للصور : اعتبر الفضاء شبكة موضوعاتية ضخمة. ومع ذلك، أهمل مشكلة تأليف القصيدة). أظهرت الموضوعات هنا كمنتجة للنصوص، دون أن يفكر بدراسة وضعها ضمن شكل. سيوجه هذا التشيع باحثين آخرين نحو الملف. في مقابل ذلك، سنذكر مشروع جان - بيير ريشارد شعر وعمق )(2) ، الذي يهدف إلى إيجاد القصد الأساسي لمؤلف معين ووصفه) :هنا نقد خلاق بالمعنى الشعري للتعبير وليس نقداً فلسفياً. بين هذين الطرفين، هناك مكان لإعداد القراءات التي تظهر الموضوع كوسيلة من وسائل العثور على طرق الإبداع. شدد ف. شاردان (3) بفائدة على هذا التوجه عندما عارض فيه بين الموضوعاتية وجمالية التلقي، فأصبحت الموضوعاتية ثقلاً موازناً) لجمالية التلقي.‏

أما بالنسبة لكتاب برونيل - بيشوا - روسو، فإنه يشير إلى أنه يوجد منهج موضوعاتي) (4) ، ولكن المقارن يمتلك مناهج) عدة لكي يقوم بدراسة موضوعاتية بصورة جيدة : مثل المنهج التاريخي، والمناهج المسماة بالبنيوية.‏

- بين البنية والشكل.‏

يمكن بسهولة نقل الزمن الثاني لدراسة الصورة انظر الفصل الرابع )، وهي لحظة بنيوية، إلى الدراسة الشعرية) لموضوع : كيف يعطي الموضوع شكلاً للنص، البنية. نسجل المساواة بين الشكل والبنية، ولهذا نرجع إلى جان روسيه ومقدمته للشكل والمعنى كورتي، 1962). ولكن يجب أيضاً فحص العلاقات التي يقيمها الموضوع مع مفهوم الجنس النوع)، الذي هو توسع شعري آخر.‏

إذا أخذنا، من الكوميديا الإلهية، الموضوع، المتكرر، والبنيوي، للدائرة الجهنمية، فإننا نستطيع أن نرى كيف يخدم كموضوعاتية، وعنصر مشيّد لتسجيلات أخرى للفضاء. مثلاً الباب الخامس من كتاب - عنصر الأنوار - لأليجو كاربنتييه حيث يندمج موضوع غويان، وهو فضاء تشاؤمي، مع الموضوعاتية الجهنمية (5) .‏

إن القوانين الثلاثة للفعل المقارني التي استخلصها بييربرونيل البروز، والمرونة، والإشعاع، انظر الفصل الأول) هي مبادئ أساسية لتوجيه قراءة موضوعاتية : سنتذكر، بصورة خاصة، القانون الثاني وعلاقاته مع التحليل البنيوي انظر أيضاً الفصل التالي). يسمح الموضوع، إذن بتتبع عمل) النص، وفي هذا المستوى، يمكن أن تسمى الدراسة، بحق، شعرية).‏

أمام نصوص عدة مع وضع مقارني إجباري) كيف نمارس قراءة تبدو مصنوعة من قراءات متشابكة ومنفصلة؟ هذا يتطلب أن يستطيع نص إضاءة نص آخر، من خلال سلسلة من الانزلاقات المراقبة، وتشابهات مكتشفة ومستثمرة. بهذه الصورة، تبدو القراءة سماعاً للنصوص، الأكثر تفصيلاً وسعة في الوقت نفسه، إنها تشبه لعبة مرايا حيث ترتسم تعاقبياً المبادئ المنظمة، والمخططات المؤسسة، ومنطق الخيال الإبداعي وانحرافاته، وانزياحات العناصر وحساسيتها الزائدة، والدوافع الثانوية. قراءات متذبذبة ومتصالبة في الوقت نفسه حيث لا يمكن للمختص بهذا الأدب أو ذاك أن يتعرف ثانية على نصه، ومؤلفه. هنا يطرح سؤال :‏

هل هناك معنى واحد، ووجه واحد خاص بالنص الأدبي؟ بوساطة هذا المنهج الذي استند على تحليلات البنيان، دُرس موضوع هاييتي من خلال ثلاثة نصوص: مملكة هذا العالم لأليجوكاربنتييه، ومأساة الملك كريستوف لأيمي سيزير، وجزر العاصفة لبيرنارد دادييه (6) لهذا، من الواضح أنه على المقارن أن يراقب، من خلال قراءات مسبقة أو متوازية، تمريناته، ويتأكد من فائدة مايعتقد اكتشافه، وما يظن أنه قدمه. هذه القراءات هي دائماً قراءات ثانية. ولكن من الذي قال إنه لافائدة من إعادة القراءة؟ من المؤكد، مع ذلك، أنه عليه أن يتجنب خطراً مزدوجاً : فإما أن يكرر بديهيات على هذا، لماذا طرح نصوص أخرى ؟)، أو أن يصل إلى نتائج تعسفية، وأصالات غير مفيدة، ومغلوطة في مبدئها نفسه. ولكن القراءة النقدية تكون دائماً جديدة، عندما تدار بصورة جيدة.‏

- مسارات موضوعاتية جديدة :‏

يجب الاعتراف أن الجدة تتأتى أيضاً من الاختيار البصير للموضوع، أي إما من زوايا مهاجمة النصوص، وإما من الإمكانيات الجديدة في التجميع. في الحالة الأولى، يتعلق الأمر غالباً بقراءة تهتم بنص. نتذكر البداية المذهلة لدراسة جان بييرريشارد حول فلوبير (7) : " يؤكل كثيراً في روايات فلوبير ". أو أيضاً الأثر) المدهش، الموضوع والأسطورة الشخصية التي يستخلصها ميشيل ريفاتير من قراءة مذكرات ماوراء القبر) (8)‏

في الحالة الثانية، تبدو الإمكانيات المتاحة أمام المقارن غير محددة : عليه أن يفرض صحة تجميعه. ولأن احتمال نص واحد أو كاتب مستبعد من الآن فصاعداً، فإننا سننطلق إذن، من الإمكانية المزدوجة )(9) ، وسننتقل عبر النموذج المشترك إلى موضوعاتية العصر(10) ، أو عبر النموذج الذي يتحول إلى مادة رومانسية (11) ، من أجل الوصول إلى موضوعاتية قريبة من تاريخ الأفكار(12) . إن ابتكار موضوع تحت شكل جديد وصياغته، وقدرته على التوليف بين إشكاليات ذات طبيعات مختلفة تاريخية، وجمالية، واجتماعية، وتحليلية نفسية .... إلخ)، ذلك كله يبقى المعيار لكل دراسة موضوعاتية جيدة وقوية في الأدب العام والمقارن.‏

- الجبل :‏

الدراسة قديمة، ولكنها تبقى نموذجية. أظهرت السويسرية كلير - إليان إنجيل في كتابها - الأدب الألبي نسبة إلى جبال الألب) في فرنسا وانكلترا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر (13) ، بروز موضوع في أدبين، والكتابة التدريجية عن عنصر حقيقي) والذي لم يكن له وضع أدبي قبل النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بذلك يكشف الموضوع حالة من الحساسية الأوربية عشية عصر الأنوار. ونجد مساراً موازياً في التاريخ وتاريخ الأفكار، والعقليات(14)‏

- النموذج والموضوع :‏

يدمج لابيا تولومي (15) ، الموضوع والنموذج الأدبي، ويظهر حالة حدية تقريباً للموضَعة تحويل إلى موضوع)، الأدبية، وأيضاً الرسمية والموسيقية.‏

يقال إن السمة الوهمية للشخصية وصراخه من الألم خدما كمحرض لخيال الشعراء، والفنانين، والموسيقيين، ستاندال، مع مقطع من - الحب -، دونيزيتي، كارلومارينكو، مسرحي إيطالي، الشاعر المكسيكي غوتيريز ناجيرا، دانوزيو، سواريس، باريس، أنا تول فرانس، ألدوس هو كسلي، غوستاف دوري، دانت - غابرييل روستي، والمسرحية القصيرة - حوار في المستنقع لمارغريت يورسينار.‏

عندما يسمح وجود نص كامل قصيدة - مسرحية) بالتحليل الشعري، يجب أن يجعل تواتر الإشارات والمقاطع المقارن حذراً، ويوجهه نحو تاريخ الحساسيات، لحظة من الخيال الأوربي بصورة أساسية، ونحو فحص علم الجمال، الانحطاطي هنا.‏

الموضوع، والجنس، أو الجنيس :‏

يمكن أخذ حالة التطور لموضوعاتية بحرية ملازمة لولادة رواية بحرية)، بدءاً من العصر الرومانسي دوما، ميريميه، جول، فيرن، ستيفنسون، ميلفيل) هذا يعني إذن سيناريوات) جديدة لأن المغامرات البحرية، وغرق السفن، والقرصان كثروا قبلاً ضمن الرواية اليونانية، وضمن الحوليات أو القصائد الملحمية في انكلترا أو في الجزيرة الإيبيرية في القرنين السادس عشر والسابع عشر.‏

في حالات أخرى الشعور السوداوي عند بروست، وث. مان، وإيتالو سفيفو، وروبير موزيل )، يلائم الموضوع نفسه مع أشكال روائية مختلفة، ويمكن أن أيضاً من وجهة نظر اجتماعية أزمة قيم) وكذلك من وجهة نظر شعرية وفلسفية : وهذا مافعله فيليب شاردان(16)‏

- المدينة : موضوعاً وكتابة :‏

غذى الموضوع برامج وندوات متعددة (17) ولكن تنظيم اختيار النصوص وثائق ظاهرة)، واستراتيجيات القراءة، يمكنه دائماً أن يثير إضاءات جديدة. سنعطي ثلاثة أمثلة إذا لم تكن تستعمل منهجية فإنها على الأقل تستعمل مبادئ مختلفة للقراءة.‏

يقابل أنطونيلا ليونسيني بارتولي بين أربعة نصوص في كتابه الجولان في روما القديمة )(18) ، وهذه النصوص هي : مدام جيرفيزي، 1869) للأخوين غونكورت، وطفل الشهوة 1889)، لـ غ. دانوزيو، والأممي 1894) لبول بورجيه، والحياة في روما 1910 )لفيرنون لي اسم مستعار لفيولي باجي ).‏

تقدم الأعمال موضوعاتية مشتركة : فيها ذوق أرستقراطي، وحساسية قوية نحو جمالية الخراب، والافتتان بالقوة الروحية للفن.‏

ولكن، قبلاً، يمكن الإشارة إلى أن فيرنون لي وحده أراد إخماد هذا الافتتان وتحويله إلى موضوع جمالي، ضمن نص لايعد عملاً خيالياً ولكنه ملاحظات متفرقة. إن ذلك كله مسار يرتسم بدءاً من استخدام موضوعاتية الانحطاط عند غونكورت وحتى فكرة البعث عند فيرنون - غالباً ما تكون روما زخرفة وإطارا باروكياً، وكذلك مشهداً عقلياً وداخلياً، وفضاء مؤنثاً إلا عند فيرنون لي. هناك اختلافات في الكتابة يجب الإشارة إليها بوضوح : أصبحت روما، مع بورجيه، المكان لرواية قضية (19) ، تسمح للبطل بالانتقال من الافتتان المضني إلى الالتزام. وفي ضوء أعمال ماريو براز، تم الوصول إلى توضيح مفهوم الانحطاط) نستخلص من الندوة المخصصة لباريس وظاهرة العواصم الأدبية التي ذكرت سابقاً في الفصل الثاني)، الإعلان القصير والكثيف لروس شامبير الذي أعطى عبر كوميديا القصر )(20) مثالاً جيداً عن الاتفاق بين الموضوع وصول الكوميديين إلى القصر) والشكل المسرح ضمن المسرح) هنا يأخذ يوليس لجيمس جويس، وزازي في الميترو لريمون كينو، لكي يقترح قراءة تناصية أي متصالبة)، مكرسة لاستخراج نوع من الموضوعاتية لوظيفة تأملية ذاتية). يتعلق الأمر، بدقة أكثر، بزيارة المدينة حيث يظهر اشتراك ملح إلى حد ما بين دافع الإغراء ودافع الفوضى) منذ بودلير، يفكر بالمدينة بصورة مزدوجة فهي مكان الفوضى، والتبعثر يستبعد كل إمكانية للجمع، وهي مكان التقاء. انظر، عابرة) يسمح هذا المعطى المزدوج بجمع نصين مختلفين بشدة حيث تقرأ كتابة متموسقة، ومتعددة الأصوات، ويسمح أيضاً برؤية كيف يموضع) كينو المعطى المزدوج إغراء الفوضى)، عن طريق العودة إلى مصادر إغرائية) لسردية تقليدية، في حين أن جويس كان يبحث عن استخدام هذا المعطى في الكتابة. من هنا تأتي فكرة أن النصين يجيبان على التمييز الذي قام به رولان بارت في كتابة س / ز (21) بين نص قابل للقراءة) ونص قابل للكتابة) في لقاء آخر مع موضوع المدينة (22) جمع كاميل دومولييه الرواية الحديثة والمعاصرة مع المدينة الحديثة التي لا يمكن للفضاء فيها أبداً أن يمسك في شموليته، ولكن عبر انقطاعات زمنية، وتباينات فضائية :‏

ملصقات، و مونتاجات) تساعد على خلق شك في موضوع التعبير والانقطاعات داخل وحدة الشعور والواقع، والتي تتوافق مع انقطاعات سردية تجعل كل استمرارية للمسرود مستحيلة.‏

يضاف إلى ذلك استثمار الصور الاستيهامية مثل المتاهة، بابل أو بابيلون، وخلق فضاء حواري، متعدد اللغة، والصوت المتميز للمدينة الحديثة التي تحولت إلى فضاء روائي. عنصر مفيد بالنسبة لفصل قادم انظر الفصل السابع) : الموضوع شكل من النموذج المحرض) للنص : نموذج وصفي، وسردي بحسب الحالة هذا ما نسميه سيناريو).‏

إنه دائماً موقف وصفي، ومعطى المادة) مع إمكانية سردية إلى حد ما. إن تتبع هذه الإمكانيات السردية المختلفة، يعني أيضاً ضمن التعاقب أوالتزامن، ملاحظة كيفية وجود موضوع في حياة مجتمع وجماعة، وعصر، وكاتب.‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:23 PM
- الموضوعاتية والخيال‏

لن نُفاجأ بالعثور أيضاً في هذا المستوى على شاغل كلي الوجود : هوالمؤرخ انظر سابقاً تطور العقيدة والخيال).‏

- خيال المؤرخين :‏

يجب القول إن هذا المستوى الثالث) كما يسميه المؤرخون، هو مستوى العقليات والحساسيات. لم يعد المستوى الأول الزمن القصير) مستوى السياسي والحدث، ولا الثاني للزمن المتوسط مستوى الدورة، والاتجاه، والمصادفة، والذي يعيد إلى المستوى الاقتصادي، ولكنه الزمن الطويل، الحقبة الطويلة الأثيرة عند فيرناند بروديل (23) سيستحوذ المؤرخ على موضوع، ومعطى، وموقف إنساني ليصنع تاريخ البشر : كليو الهابطة إلى أرض البشر، هذا هو المسار المؤسس للتاريخ الجديد. مسار سنرى إلى أي حد ابتعد عن المعطيات الاجتماعية حصراً، والاقتصادية التي كان يمكنها أن تكون لتحليلات عقائدية. من الواضح أن هناك صلات متعددة بين التاريخ الجديد ورواج خيال معين أصبح مجال بحث مفضل، ومفهوماً متعدد المعاني، ويمكن القول إنه استكشافي بسهولة. هناك أيضاً، عند المؤرخين الافتتان بالتركيبات الواسعة التي نسيها الأدب. تركيبات موضوعاتية مثل الموت الذي درسه جان ديلومو.‏

- الأدب والحساسية :‏

بالنسبة للمؤرخ، كل شيء قابل لأن يصبح موضوعاتياً. أصدر آلان كوربان، أحد أساتذة هذا التاريخ الجديد، دراسة حول الأجراس على الأرض، مشهد رنان وثقافة حساسة في الأرياف في القرن التاسع عشر، ألبان ميشيل، 1994. هل كان يستحق هذا الموضوع مساراً مقارنياً؟ كان المأسوف عليه إروان كوبين قد فكر بذلك منذ عام 1971، ضمن مقالة بقيت خصوصية وعنوانها : الأجراس المحزنة (24) ، مع عنوان فرعي إيضاحي : " تغيرات دافع في الأدب الأوربي " تكشف الدراسة عن فهرس جيد حول الدافع، أوالموضوع، أو الرمز المتعلق بالجرس في الأدب. نجد في هذا الفهرس شيلر، وأو هلاند، وكونراد - فيرديناندماير، وبودلير، وإدغار آلان بو، وفيكتور هوغو ونوتردام باريس، وديكنز، وبوشكين.‏

فجأة ظهرت المقالة ضيقة جداً بالنسبة للأجراس، حتى المحزنة.‏

ما الذي يجب فعله بهذه الأسماء الكبيرة لأن موضوعاتية هذا الجنس لا تقتصر حتماً على مبتدئين)؟‏

يجب الارتقاء بعزم فوق كل عمل لاستخلاص بعض التكرارات للدراسة، وسمات دائمة متواجدة مع روايات مختلفة تقوم على رهانات شعرية مختلفة، ومتعلقة بدافع ذي أصداء دينية، وبرؤى مختلفة للعالم.‏

تفيد الكتابة هنا وفي أي مكان آخر في التجاوز المعبر للواقع، ويذكر كوبين بصورة مناسبة فكرة هاري ليفان خلال حديثه في مؤتمر الرابطة الدولية للأدب المقارن بلغراد، 1967) عن ميزة الواقعية في محاربة التقاليد). هكذا خدمت الأجراس هنا في التغلب على استذكار مجموعة من التأملات الجمالية، في حين أنها اتجهت مع آلان كوربان نحو تاريخ الديانة والمواقف أمام شعائر الحياة.‏

- الخيال والمجتمع :‏

أراد آلان كوربان في دراسة سابقة (25) أن يتأمل بعض أوجه المنظر ودوافعه، على حد الأرض والبحر، وهذا خيار لم يكن ينكره مقارن باسم الموضوعاتية أو العلاقات بين الأدب والفنون.‏

وهذه هي خاتمة هذه الدراسة التي تهمنا مع بعض التنبيهات أن على المقارن أن يسمع. أمام هذه الصور الدائمة، وفي مواجهة الزمن الطويل، يحدد كوربان : " أن الأمر لايتعلق بالانضمام إلى الإيمان ببنيات انتروبولوجية للخيال لاتتغير مع الزمن. المنظر مرسل لصور تسهل الانتقال من الوعي إلى اللاوعي، وتقدم خطة التحليل رموزاً تقاوم فوقها الحساسية، ولكن العمليات تتم، برأيي، وفق آليات يمكن تأريخها "‏

رأينا في المقطع انتقاداً موجهاً إلى جيلبير - دوراند. لقد قيل كل شيء في بضعة سطور : لهذا تحدثنا، منذ الفصل السابق، عن الخيال الاجتماعي، يمكن التعرف عليه في زمن وثقافة معينين.‏

إن سمة العناصر القابلة للتأريخ مثل الموضوعات) تهم الدراسات التعاقبية حيث تظهر حقب الاستغلال دون تجديد، ومراحل تطور خيال. الموضوعات هي وسائل لتحديد التاريخ الأدبي وتمييزه، مثل الترجمات أو الصور انظر الفكرة التي عبر عنها سابقاً جورج بوليه). بذلك تقدم دراسة الموضوعات للمقارن أعمالاً عديدة، ومحددة : مثل التعرف على العلاقات المحتملة بين النصوص والسياق الاجتماعي، وتتبع استراتيجيات استدلالية، والتقاط أصداء روحية، واكتشاف أن دراسة الأدب تستطيع، مثل التاريخ، أن تكشف عن أبعاد عاطفية وحساسة.‏

يقترب الموضوع حيناً مما يمكن تسميته بالمتخيل، والأسطورة، وحيناً آخر يدفع المقارن إلى فهم المنطق التخيلي : كلمات لفاليري في كتابه مقدمة في منهج ليوناردو فينشي) 1894).‏

وفي الحالتين، يحرص هذا الأخير على عدم نسيان المنظور التاريخي، الذي سيسمح له، في مكان آخر، بحصر كل ما هو موضوع كامل)، ويعاد أخذه، ويتأدب تحدثنا في الفصل السابق عن عناصر مأخوذة ضمن تطور اجتماعي)، وما هو موضوع شخصي، يمكن أن يصل إلى الموضوع الهاجسي أو إلى أسطورة شخصية بالمعنى الذي استخدمه شارل مورون). أشير إلى هذه الطرق بوضوح في نهاية الفصل الذي خصصه برونيل، وبيشوا، وروسو لهذه المسألة. في المقابل، يبدو من غير الممكن، والبعيد عن التفكير إعادة أخذ فكرة موضوعاتية أبدية)، حتى وإن تعلق الأمر بموضوعات قديمة جداً.‏

القديم الجمعي، أو الحقبة الطويلة ليسا مبدئياً ماوراء التاريخي الأبدي. ويمكن القول إن الموضوعاتية تشجع على مقارنة الموضوعات القديمة والموضوعات الحالية التي نقلتها لنا الحياة الحديثة. من بين الدراسات الموضوعاتية الحديثة في الولايات المتحدة الأمريكية، يمكننا أن نذكر دراسة الاستعباد النسائي) من روسو إلى زولا (26) مظهرة الاستغلال الدائم للجسد الأنثوي في المجتمات والآداب الأوروبية الغربية خاصة الفرنسية). المثال الثاني الذي سجل في موروث أكثر من عشرين سنة هو : الأدب والغذاء (27) .‏

دُرست فيه التصرفات الشاذة للآكلين، وفقد الشهوة إلى الطعام، والشراهة التي تقود إلى موضوعاتية ملحة للبدانة فيما يبدو) أما فيما يتعلق بالآكلين الشاذين، فإننا نجدهم عند هويسمان، ث. مان والوجبات التي لا تنتهي في Buddenbrook ).‏

يمكن الربط بين الموضوعين الحاملين : موضوع المرأة و موضوع التغذية أو دراسة الآكلات الشاذات الثلاث : مدام دومورتسوف في الزنبق في الوادي)، وإيما بوفاري، المتخفية عن الأنظار، وجيرفيز. وكشاهد على المثال المضاد أو الموضوع المضاد يمكن ذكر أعمال المؤرخة الأمريكية كارولين بينوم الموجهة نحوالربط القوي مفهوم مقارني) بين فقدان الشهوة إلى الطعام وبين الروحانية النسائية في العصور الوسطى (28) .‏

ويمكن أن نذكر أيضاً الندوة الغنية جداً التي نظمت في ديجون حول موضوع لاينضب : خيال الخمر، مرسيليا، جان لافيت، 1983.‏

من المؤكد أن الموضوعاتية تفتح على منظورات لا محدودة : يستطيع المقارن دائماً أن يحاول رفع وتد الغطاء الذي يغطي، حسب رأيه، مشكلة معقدة. يمكنه اختيار موضوع غير مدروس كثيراً، لكنه يعده مفيداً من خلال المنظورات التي يقدمها، ويستطيع أن يختار نصوصاً معروفة يريد رؤيتها ثانية، أوغير معروفة كثيراً من أجل توضيح دراسة الموضوع، ويستطيع أخيراً أن يعتمد على تجميعات يقدمها واضحة ومدهشة في الوقت نفسه.‏

وعليه أخيراً الاختيار بين موضوعين : طريق يجب توضيحه أو درب مطروق، وللثاني أفضلية واضحة في إثارة قليل من الغبار، أو ذر الرماد في العيون.‏

(1) p.u.f، كادريج‏

(2) سوي، 1955‏

(3) البحث في LGS ، الكتاب الابيض‏

(4) الباث لميشليه من خلال ذاته، جان - بيير ريشارد‏

(5) خمس عشرة دراسة حول Elsiglo de las fuces هارماتان، ريسيف، 1983‏

(6) انظر صور هايتي وأساطير، طبعة، ريسيف، 1948‏

(7) أدب وإثارة، سوي، 1954‏

(8) إنتاج النص، سوي، 1979‏

(9) انظر جوليان هيرفييه، فردان ضد التاريخ : بيير دريو لاروشيل، إرنست جونجر، كلانكسيك، 1978‏

(10) جان بالاسيو، بيير ونهاية القرن، سيغوييه، 1990.‏

(11) إليزابيت رافو - رالو، صور المراهقة في بعض حكايات القرن العشرين، كورتي، 1989، أو ف شاردان، الحب داخل الكره أوالغيرة ضمن الأدب الحديث، جنيف، دروز، 1990.‏

(12) ميشيل ديلون، فكرة الطاقة عند منعطف الأنوار، P.U.F ، 1988 أو غوتيل بونو، الجنون في الأدب الخيالي CNRS، 1987.‏

(13) شامبيري، 1930‏

(14) فيليب جوتارد، طبعة ابتكار الجبل الأبيض، غاليمار - جوليارد، أرشيف، 1986.‏

(15) Purgatoire ، النشيد الخامس.‏

(16) رواية الشعور السوداوي، جنيف، دروز، 1983.‏

(17) انظر مثلاً : مرايا المدينة، تصورات وإسقاطات، Ens ، القديس - كلود، ديدييه، 1985، أو خيال المدينة، إيدولون، جامعة بوردو الثالثة، 1986‏

(18) أنكونا، طبعة نوف ريسيرش، كابري كورنيو، 1993‏

(19) الرواية القضية هي رواية يقصد بها التدليل على صحة نظرية.‏

(20) كورتي، 1967.‏

(21) S/ Z ، سوي، 1970‏

(22) المدينة الحديثة في الآداب الحديثة، جامعة نانتير، 1993‏

(23) كتابات في التاريخ، شامب - فلاماريون‏

(24) Archiv fiir das studium der neueren sprachen und literaturen , 1971‏

(25) أرض الفراغ، الحادث ورغبة الساحل، شامب - فلاماريون، 1988.‏

(26) كارول، أ. موسمان، السياسيون وروايات الميلاد، كامبردج، 1993‏

(27) ليليان فورست، طبعة ديزور دلي ايتر، بنسلفاينا، 1992‏

(28) الصيام والمآدب المقدسة، سيرف، 1994‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:27 PM
-6- الأساطير




تعد الأساطير فتحاً حديثاً نسبياً بالنسبة للباحث المقارن. وذلك على عكس الموضوعات والصور. فمنذ نصف قرن يجري الحديث عن " دون جوان " بوصفها أسطورة خرافية أكثر من كونها أسطورة :‏

لم يخرج الأدب المقارن عن الطريق الذي خطه الفولكلوريون، الذي يهتمون بدراسة الحكايات، والأساطير الخرافية، والأساطير.‏

ويفرد كتاب " تاريخ الأساطير الخرافية (1) مكانة هامة لأسطورتي فاوست ودون جوان اللتين أصبحتا دعامتين من دعامات " علم الأسطورة المقارن " ربما تفسر هذه الإضافة الجديدة ما يسميه بيير برونيل في مقدمة عمله " قاموس الأساطير " (2) " غموض المصطلح الذي لايمكن توضيحه، أبداً، بصورة كاملة "‏

ومماله مغزى أن كتاب بيشوا - روسو وضع تحت عنوان " علم الموضوعات " بعض الموضوعات الخيالية مثل العجائب الفولكلورية، والخيال الكتبي والأساطير) التي تتعارض مع مجموعة ثانية من الموضوعات " الواقعية "، المؤلفة من " نماذج نفسية واجتماعية "، و " شخصيات أدبية "، و " أشياء ومواقف ".‏

على كل حال " الباحث المقارن هنا في بيته " (3) . ويجب ألا نسخر من هذا البيت ذي الجدران المتحركة. مع ذلك تجدر الإشارة إلى أنه أمكن الحديث عن " موضوعات أسطورية ". وبقي ريمون تروسون مبتكر هذا التركيب متردداً بين الموضوعات والأساطير بين عامي 1965-1981، إلى أن استطاع أخيراً التمييز بينهما.‏

يصف إيف شيفريل، من جهته، أوديب، ودون جوان، وبروميثيوس، وفيرتر بأنهم " رموز أسطورية " من المؤكد أن الأسطورة تتداخل مع الموضوع، والفاعل، والدافع، والصورة، والرمز، والنموذج. ومن المؤكد أيضاً، مثلما يذكر بيير برونيل، أنه لابد للأدب المقارن من أن يعيد النظر في مصطلحاته، من وقت لآخر، بغية تنقيتها. ولكن غالباً ما تخفي قضايا المصطلح مشاكل في المنهج. تعد الموضوعات، والأساطير، والصور، والشخصيات، والدوافع جزءاً من كلٍ هو النص.‏

إن كل أسطورة " موضوع " لنص معين، بالمعنى الواسع للكلمة، ولكن ليس كل موضوع أسطورة، على الرغم من أن الموضوعات والأساطير تدخل في بنية النص. من هنا يأتي سؤال مزدوج : ما هي الأسطورة الأدبية؟ وماذا تعني الأسطورة بالنسبة للأدب المقارن؟‏

- من الأسطورة إلى الأسطورة الأدبية :‏

يهتم بالأسطورة كل من علماء الفولكلور، وعلماء الإناسة، ومؤرخي الديانات، وعلماء الاجتماع. وهم يعطونها، عمداً، دلالات تنتقص من قيمتها الأساطير الدعائية). تمكن رولان بارت، في كتابه " علم الأساطير " (4) من القيام بعدة دراسات حول الخيال في فرنسا بين عامي 50-60. هناك أيضاً الأسطورة " البدائية " عند علماء السلالات وعلماء الإناسة، والتي لايمكن إغفالها في مجال الأدب، لأن الحديث سيتناول " الموقف الجوهري "، أو " الموقف الإنساني النموذجي عند جماعة معينة " (5) قد يكون مغرياً الحديث عن " مواقف جوهرية " في قضية التحالف مع الشيطان في " فاوست "، أو العقاب في " دون جوان "، أو التضحية في " إيفجيني "، أو السخرية من الموت في " دون جوان أو أنتيغون ". وقد يدرس الأديب أوالباحث المقارن، إذن، مخططات أساسية، وذلك لأنها حكايات خرافية أولاً تكون معدة مسبقاً عند لحظة ظهور النسخ الأدبية الأولى. وتوجد هذه المخططات في نص تاريخي، وتكتب بكلمات مختلفة بين ثقافة وأخرى، ومن عصر لآخر : وهنا نرى التشابه مع الموضوع والاختلاف الذي يبدو أنه يحمل على الميزة الثابتة أو " البيانية " للمادة المستخدمة. لأن الأسطورة والموضوع والصورة المقارنة مواد يتم من خلالها إعداد النصوص التي يدرسها المقارنون : لا تنفصل هذه الأشياء عن " مادة النصوص " استطاع علماء القرون الوسطى الحديث عن " مادة بريطانيا " في الروايات الأرثورية). لكننا نعلم أن لا وجود لمادة دون شكل ولا شكل دون مادة) وربما يجد هذا التأثير المتبادل حلاً أصيلاً وفعالاً مع الأسطورة، على الرغم من كون هذا التأثير واضحاً وصعباً على الدراسة في الوقت نفسه‏

- من الأسطورة السلالية - الدينية إلى الأسطورة الأدبية :‏

يمكن اعتبار الانتقال من الأساطير البدائية، مادة الأديان والمعتقدات، إلى الأدب على أنه تطور يوضح الانتقال من القدسي إلى الدنيوي.‏

- من القدسي إلى الدنيوي.‏

لقد تعرفنا على محوري فكر ميرسيا إلياد (6) . ويمكن أن نذكر أيضاً دونيس دو روجمونت (7) ، وك. ليفي - شتراوس الذي يرى في الأسطورة المنتقلة إلى الأدب، على أنها " آخر همسة في البنية المنتهية ". في المقابل، نكتشف مع بيير برونيل الدور الأساسي الذي يؤديه كل من الأدب والفنون والسينما في أيامنا الحاضرة) :‏

وهو دور " المحافظ على الأساطير ". استطاعت الأسطورة الاستمرار في الحياة لأنها " تغلفت بالأدب ". لكن الأسطورة " الأدبية" تضفي على الأسطورة البدائية دلالات جديدة. يقول بيير برونيل إنه لا وجود للأسطورة الأدبية قط دون " تقمص يحييها في عصر تكون قادره فيه على " التعبير الأمثل عن مشاكله الخاصة " (8)‏

الدعوة توجه هنا للقيام بدراسة مقارنة تتناول كل ما طرأ على الاساطير القديمة من استخدامات جديدة وتغيرات وظهور وغياب من عصر لآخر في أعمال بعض الكتاب، مثلما يجب دراسة أسباب الغياب الفجائي لهذه الأساطير، والاقتباس الاستثنائي الذي تتعرض له. بالنسبة للأدب ولخياله، تعد الاسطورة تاريخاً ديناميكياً ونموذجياً جماعياً مثلما هو فردي أيضاً.‏

- بعض الاختلافات الأساسية :‏

عرض فيليب سيللييه بعض الاختلافات الأساسية بين الأسطورة السلالية - الدينية والأسطورة الأدبية أدب، 1984).‏

1- تعد الأسطورة " السلالية - الدينية " قصة تأسيسية، مجهولة، وجماعية، وتؤخذ على أنها حقيقة، لكن عند تحليلها تظهر تناقضات بنيوية صارخة. وعندما تنتقل هذه الأسطورة إلى الأدب، فإنها تحتفظ " بالطابع الرمزي " والتنظيم الصارم، والإضاءة الميتافيزيقية، لكنها تفقد طابعها التأسيسي والحقيقي ويظهر اسم الكاتب عليها.‏

2- هناك أساطير أخرى، قصص نموذجية، وليدة الأدب : مثل تريستان وإيزو، وفاوست، ودون جوان، وهناك في الأدب أيضاً " عناصر أسطورية"، مثل شراب ميديه، والتحالف مع الشيطان في فاوست، أو التمثال الحجري في دون جوان.‏

3- يضاف إلى ذلك تجليات أدبية أخرى للأسطورة، يمكن اعتبارها، بشيء من التحفظ، أساطير أدبية : كأساطير المدن مثل البندقية التي لا يبدو أنها تنتج موقفاً متطوراً في السرد. مع ذلك، نلاحظ أنه عندما اقترنت البندقية بالموت من خلال تطورات تاريخية وثقافية في الأدب معقدة ومتعاقبة )، أصبحنا أمام مخطط أولي لقصة تاريخية، لا بل أمام سيناريو لتاريخ معين.‏

ويذكر فيليب سيللييه أيضاً الأساطير " السياسية - البطولية " مثل الاسكندر، وقيصر، ولويس الرابع عشر، ونابليون) حيث إمكانيات السرد فيها غير محدودة، وحيث كتابة الأسطورة تذكّر بتطور الملحمة، وأخيراً الأساطير المصاحبة للأناجيل الغوليم (9) ، واليهودي الضال، ونهر ليتيه (10) )، التي تفترض هنا أيضاً صياغتها في إطار قصة أصيلة. يعيد بيير برونيل أخذ هذه الأصناف ويضيف عليها الصنف الذي قدمه أندريه دابزي في أعماله : الاسطورة إيضاح لموقف إنساني نموذجي، و " الصور - القوى " عند علماء الاجتماع التقدم، العِرْق، الآلة )، التي أثبتت، في الواقع، أنها " قادرة على ممارسة سحر جماعي شبيه بسحر الأساطير البدائية ".‏

ولذلك، إذا أصبحت مثل هذه الشخصية التاريخية أسطورية، وإذا بدا نابليون " كآخيل جديد، أوبروميثيوس آخر، أوغول كورسيكا " فإن المهم هوالمغزى في الضمير العام. فالأساطير هي " كل ما حوله الأدب إلى أساطير " بيير برونيل). وربما يمكننا التحديد أكثر فنقول : إنها كل ما استطاعت ثقافة معينة أو أرادت تحويله إلى أسطورة.‏

الأَسْطَرَة جعل الشيء أسطورياً).‏

تذكّر هذه الفكرة بفكرة " الموضعة " تحويل الشيء إلى موضوع )، وتعني تطور دخول مادة معينة في أدب ثم في نص معين. وتسمح بالإمساك بالأسطورة الأدبية في صيرورتها الدائمة التي تصبح موضوع دراسة. الأسطورة بالنسبة للأدب، " نص أولي " أو نص تمهيدي، مستوحى، في حالة الأساطير القديمة، من التراث الشفوي وهي، كما يقول الاختصاصيون، "نص - سلالي " )، مثلما أنها تاريخ يدخل في الأدب. فمثلاً كان أورفي ونابليون في البداية، " نصوصاً - أولية " قبل أن يصبحا أوبرا عند مونتيفيردي، ورواية عند تولستوي. وأدت الرواية والأوبرا إلى زيادة الأسطرة أو التقليد الأسطوري. هل تصبح الأسطورة موضوعاً ناجحاً مثل بعض الكلمات والنماذج والصور التي تحولت إلى سيناريو، مثلما رأينا في الفصل الرابع)؟ وإذا كان الحال كذلك، هل نعزو هذا التحول الأسطرة) إلى طبيعة الأسطورة يمكن لأجيال متعددة أن تعيد أخذ حكاية معينة لأنها تحمل معاني مختلفة )، أو إلى الوظيفة التي تشغلها تستطيع الحكاية أن تمتلك علاقات مع المجتمع من خلال قيمتها النموذجية والتفسيرية، مثلما فعلت الأساطير القديمة التي أسست ديناً، وهذه الكلمة مشتقة من الرابطة) وماذا لو كان من طبيعة الأسطورة نفسها أدبية أم لا) أن يكون لها هذه الوظيفة الخاصة؟‏

- من ميثيولوجيا إلى أخرى.‏

سننطلق من مقالة صغيرة كتبها جاك بومبير الباحث المهتم بشؤون الإغريق، حيث درس الأسطورة مثلما ظهرت في كتاب " الشعرية " لأرسطو، على ضوء المنهج البنيوي الذي حدده جان بياجيه (11)‏

- الأسطورة كبنية.‏

حافظت الأسطورة على ثلاث سمات من " البنية " استخرجها جان بياجيه : الشمول، والتحول، والتنظيم الذاتي. بالنسبة لأرسطو، الأسطورة تركيب، وتنظيم يقوم على الوحدة العضوية. مع ذلك، شهدت عدة تحولات، ويمكن لمضمونها أن يتغير، ويمكن القول أيضاً إن هذا المضمون هو حركة بصورة أساسية. لكن الأسطورة تضبط ذاتها بصورة تجعلها أقرب إلى المحافظة على بنيتها الأساسية لذا لابد للعناصر اللازمة لبنائها من الاستمرار : وإلا فإن البنية تزول وتترك مكانها لبنية أخرى. الأسطورة نظام، وكتلة متجانسة وديناميكية تتطور وفق ضرورات، ومقاييس داخلية خاصة. هنا نجد الأدب، أو بالأحرى الشاعر في مواجهة مأزق أشار إليه أرسطو الشعرية، 14، 1453 ب) : إذ لا يمكنه تغيير الأساطير الموروثة، ومع ذلك عليه أن يثبت براعته في الإبداع. وهذا مبدأ في منتهى الديناميكية أو الجدلية) للمحاكاة التي لا تندمج مع التقليد، ونكتشف أن الأسطورة تقدم على طريقتها، نوعاً من الخيال المراقب. ويحضر في ذهننا الآن النص " المبرمج " إلى حد ما الذي له علاقة بالصورة. فالأسطورة بالنسبة للأدب قصة مبرمجة، أونص أولي. يتحدث أندريه سيغانوس عن " الحد الأدني من التركيب التعبيري للأسطورة " الذي لولاه لايمكن أن يوجد تنظيم بنيوي من أجل تشكيل الأسطورة أوالاعتراف بها كأسطورة ضمن قصة أعاد تناولها الأدب المينوثور (12) و أسطورته، P.U.F 1993) يوجد نوع من المنطق في الأسطورة يجب التقيد به في الصياغات الأسطورية) الأخرى، التي لايمكنها أن تصل إلى حد مناقضة النص الأصلي : يلاحظ أن دون جوان قد أنقذ ولم يعاقب، مثلما أنقذت إيفيجيني ولم تترك لمصيرها. ولكن المخطط المعكوس، أو التحريف الساخر، يفترضان وجود المخطط المستخدم كنموذج ومعرفته.‏

- الأسطورة كتاريخ :‏

منذ متى نستطيع الحديث عن أسطورة نابليون؟ عندما تحل قصة ثانية مكان القصة الحقيقية ضمن حكاية مبنية :" الأسطورة الخرافية " للأمبراطور، والسجلات المشهورة للأمبراطورية. وتعتمد القصة الثانية على أساطير موجودة مسبقاً ضرورية لأسطرتها، مثلما أظهر جان تولار (13) : هناك إمكانية للمقارنة بين " قدر" نابليون وشخصية المسيح، والاقتراب من أسطورة بروميثيوس، والتطفل على نموذج الغول. وهكذا تتحول شخصية نابليون إلى رمز أسطوري عندما تصبح حكاية أو قصة، أو موضوعاً يسمى فيما بعد أسطرة : وهذا ما فعله شاتوبريان في مقالة نقدية بعنوان " من نابليون والبوربونيين " 1814).‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:29 PM
إنها حكاية " سلبية " فيما ترويه، ولكنها " إيجابية " فيما يخص الوظيفة التي شغلتها في خيال العصر. إن الحكاية الأسطورية التي تتسم بقدرتها على أن تكون سلبية أو إيجابية كان لها، مع مراعاة الفوراق النسبية، دور ووظيفة، عند بعض الأجيال، يشبهان ما حصلت عليه الأساطير القديمة في المدن القديمة عند الشعراء. وفي حالة نابليون، كان للأسطرة أعلامها وأسماؤها : بايرون، وبيتهوفن، وغويا، وكارل ماركس، وتولستوي، بالإضافة إلى شاتوبريان، ودوفيني، وهوغو، وأراغون، وآبل غانس. إن الأسطورة، سواء كانت قديمة أم حديثة، هي حكاية حيّة عند من يعيد خلقها أو يسمعها أو يقرؤها.‏

يمكن أن تحافظ الحكاية الأسطورية غير المستخدمة على اسمها " أسطورة " ضمن منظور تعاقبي واسع، غير أنها تفقد ذلك منذ أن تصبح أحد عناصر الثقافة أوالأدب المدروسين. لكنها تستطيع أن تنبعث من جديد عندما يعاد تفعيل المرجعية، وتقدم حكاية جديدة تغذي الخيال. لكل عصر أساطيره المفضلة، وعلم أساطير خاص به. وبهذا المعنى، يمكن أن تستخدم الاساطير، كالموضوعات، من أجل إغناء الاختلافات بين الآداب وإبرازها. يمكننا أن نتحدث عن أساطير عصر معين، مثلما استطعنا الحديث عن موضوعاتية عصر معين. ويقدم سي. م. بورا في كتابه " الخيال الرومانسي " (14) إسهاماً جديداً، أو تقليدياً، في دراسة " الخيال الرومانسي، إذ نجد جنباً إلى جنب أعمالاً و " أضواء عليها " ودراسات موضوعاتية وتصورات أسطورية دون جوان، وبروميثيوس). في كتاب " نهاية قرن، الأسطورة والغشتالية "(15) (16) ، جمع هانزهينتر هاوزر بعضاً من عناصر ميثيولوجيا نهاية القرن أوعصر الانحطاط : مثل عودة المسيح، والمدن الميتة، وتمرد الدانديين (17) ، والنساء قبل - الرافائيليات (18) ، والسنتور (19) يعد مسيح نهاية القرن مثل سابقيه، موضوعاً لسيناريو مقنّن ماذا لو عاد وقام بالأعمال نفسها؟ )، وله قيمة نموذجية عند جيل أوعدة أجيال.‏

يجب إذن أن ندرس كيف يستطيع الموضوع أو الرمز، أوالصورة، أو مجموعة كبيرة من الصور، أوالكلمة أحياناً، أن تتحول إلى قصة، أو تصبح بنية واحدة، أو مجموعة من العناصر الأساسية المتغيرة، وكيف يتم فهم الدور النموذجي الذي استطاعت هذه القصة الحصول عليه من أجل إثارة تكرارات وإعادات جديدة. يمكن لقصة أو رمز معينين أن ينتشرا في ثقافة معينة، في حين أنهما قد لا يجدان حظاً وافراً في ثقافة أخرى. في دراسة قديمة (20) ، تتناول ماريا سوليداد كاراسكو أورغواتي حالة خاصة موجودة في الأدب الإسباني بصورة أساسية تتعلق " بالشغف بالأدب العربي المغاربي " ومن المناسب أكثر أن نقول حالة من الهوس )، وكذلك أسْطرة شخصية ابن سراج الأخير(21) . لاقى هذا الرمز نجاحاً كبيراً في أيطاليا وفرنسا في القرن السابع عشر، واستفاد منه أيضاً شاتوبريان، والأمريكي واشنطن إيرفينغ، لكنه يبقى مرتبطاً بالرحلة إلى غرناطة وبأسطورة الحمراء.‏

من المؤكد أنه ليس هناك ديمومة أو شمولية للأسطورة : فقد اكتسبت الأساطير اليونانية شموليتها من هيمنة أوروبا الثقافية التي استوحيت منها هذه الحكايات. في المقابل، هناك حياة ، واستمرار وبعث للأساطير القديمة، كما تظهر أساطير جديدة، ويتم تحويل قصص قديمة إلى نصوص حديثة، وقد تنمو بعض العناصر أو الرموز الأسطورية في بعض القصص النموذجية عن طريق الأدب وغيره من الوسائل الأخرى.‏

- نحو تعريف للأسطورة الأدبية.‏

يميز بيير برونيل، في أبحاثه عن الأسطورة ضمن المعجم الذي مر ذكره، بين ثلاثة عناصر لتعريف الأسطورة، يسميها هو " الوظائف " - الأسطورة - السرد. تحكي الأسطورة قصة، فهي سرد. وهذا ما يميزها عند أفلاطون، عن الحوار والمناقشة. إن فكرة الأسطورة كسرد وسيناريو تعيدنا إلى التصورات البنيوية لتوما شيفسكي الذي عرّف الأسطورة بأنها " نظام من الدوافع "، وهذا يذكرنا بـ ك، ليفي - شتراوس، أو بالصورة عندما تدخل الأدب) ينتج عن القصة الخاصة التي هي الأسطورة تكرارات، وإعادة استخدام بعض العناصر وهذا ما يسميه ليفي - شتراوس " موضوعات أسطورية ". ويذّكر بيير برونيل، بصورة مناسبة، بتعريف الأسطورة من وجهة نظر ميرسيا إلياد : تروي الأسطورة قصة مقدسة، وتسرد حدثاً جرى في الزمن الأول، الزمن الأسطوري البدائي). وهناك أيضاً تعريف جيلبير ديران : هي نظام ديناميكي من الرموز، والنماذج والتصورات الخيالية التي تحاول أن تتآلف في حكاية، بتأثير مخطط ما). مخطط يصبح حكاية، هذا ما يمكن أن يكون أول عنصر في تعريف بسيط وواضح يبرز فكرة " السيناريو الأسطوري ". وسيناريو " أسطورة " أنتيغون هو التناقض بين البطلة والطاغية، وخطر استعباد أحد الأخوة، وخرق المحرمات، وخطوبة ابن الطاغية، والحكم والموت (22) .‏

يمكن أن تتبدل هذه المعطيات الثابتة بحسب رأي بيير برونيل، وهذا مؤشر على " حرية الأدب وحياته ". مثلما تدل أيضاً على إرغام، كبير إلى حد ما، للخيال عندما نوجهه نحوهذا السيناريو. أحياناً، يكون هذا الإرغام واقعياً كثيراً، ويمكن أن يترتب عليه نتائج خطيرة من ناحية جمالية. ويمكن القول بحق إن النجاح الكبير الذي لاقاه عمل ميلتون " الفردوس المفقود " أدى أيضاً إلى تشويش خيال الذين حاولوا تسجيل الأصل من جديد، ويعود ذلك إلى أن الشاعر الإنكليزي قدم سيناريو دراماتيكياً، وصوراً رائعة، وأسس أيضاً عقيدة حقيقية تصعب منافستها، أي إبداعها، ويبدو هامش المناورة، بالنسبة للخيال، بين أسطورة ميلتون والتوراة، ضيقاً جداً .(23)‏

الأسطورة - التفسير :‏

الأسطورة حكاية تبحث في الأسباب، إنها حكاية خرافية توضيحية، تفسر أصل الغار عبر التاريخ، وأسطورة تحول " دافني " والأسم يعيد إلى الشيء )(24) إنها تحكي لماذا تشكّل الواقع على هذه الصورة، وكيف تطور العالم، وأي نوع من العلاقات تربط الناس به. إذا أردنا التحديد أكثر قلنا إنها تفسير لأنها في الأصل معرفة موجودة في قصة معينة. وهذه المعرفة تظهر لنا كيف أن الأسطورة هي تنيظيم للعالم : وكل أسطورة هي حكاية عن الأصول، تكون أسطورة تأسيسية. على الصعيد الثقافي، الأسطورة سلطة، ومرجعية دائمة إلى حد ما، تستدعي التكرار والطقوس الدينية.‏

الأسطورة - كشف :‏

للأسطورة وظيفة كشفية، ويمكن القول مع ميرسيا إلياد، إن كل علم أسطورة هو قياس درجة الإحساس بالنور لدى الكائن.‏

وإذا كانت الأسطورة تكشف المقدس، فإن الأسطورة الأدبية ستكون أيضاً " جواباً ". لقد استطاع بيير برونيل، بحسب رأي أندريه جول (25) ، التمييز بين السؤال الذي يطرحه الإنسان والجواب الذي يتلقاه، وهو المجال الممكن " لصيغة " تسمى الأسطورة. في الحقيقة، إن لذلك الجواب وظيفة مزدوجة أو قيمة مزدوجة : أخلاقية وتعويضية. فالأسطورة لها دور التاريخ، ومن هنا تأتي القيمة المثالية للتاريخ، ولبعده الأخلاقي بصورة أوسع. وكما أدت الأساطير القديمة إلى تماسك الجماعات التي أقرّتها كأساس ديني، وكلغة رمزية، كذلك الحال بالنسبة لكل أسطورة حديثة جان دارك، نابليون، تشي غيفارا)، إذ إن لها قيمة أخلاقية عند الأمة التي تعرفت على ذاتها من خلال هذه القصص. هناك إذن التحام جماعي حول تاريخ ما، كان فردياً في الأصل، ثم أصبح جماعياً. وبما أن الأسطورة " جواب " فإن لها بالضرورة وظيفة تعويضية، مثلما ذكر بيير باربيريس عن أسطورة نابليون مجلة التاريخ الأدبي في فرنسا، 1970) : نتحدث هنا عن تاريخ ثانٍ. يجب عدم التقليل من أهمية هذا الطابع الثانوي وهذه الوظيفة الأخلاقية، بمعناها المحايد، في إقامة روابط بين الأسطورة والأيديولوجيا، وبين الأسطورة والخيال.‏

في الأدب، تتخذ وظيفة " الجواب " في الأسطورة مظهراً فريداً ذا نتائج عديدة. فالكاتب الذي يعود إلى الأسطورة فإنه يبحث عن " جواب " وتتم الكتابة حول " جواب " وهذا السيناريو موجود هنا مسبقاً. وهنا لابد من تحليل ما تقدمه الأسطورة وما يقدمه الكاتب عن العصر والثقافة المعنيين.‏

لايمكن دراسة الأسطورة الأدبية إلا عند نقطة لقاء تطورين متكاملين : الحفاظ على السيناريو وتحولاته حيث يقرأ العمل، وخيار الكاتب. وإذا استطاع ك. ليفي - ستراوس وصف الأسطورة بأنها مجموع هذه التبدلات، فإننا نستطيع الإدعاء بأن الأسطورة في الأدب العام والأدب المقارن هي أيضاً مجموع التحولات التي يخضع لها السيناريو، وهي ذات طابع فكري وجمالي أو ناتجة عن خيال ما مختلف عن خيال الأسطورة في نصوصها القديمة التي يتناولها الكاتب. ولا بد أيضاً من تفسير لماذا يلجأ كاتب أو جيل ما إلى استعادة سيناريو معين وتفعيله. هنا نفهم أهمية ما يقترحه جان لوي باكس (26) : " إن الأسطورة ليست مادة للتفسير، وإنما هي موضوع لمعارف من حياة سابقة " وهكذا يجب إعادة تقويم هذه المعارف عند استحضارها، لا إعادة تفسيرها، لكي تدلنا على القوانين، والأطر، والنماذج الناظمة لها، مع إمكانية إعادة استخدامها آنياً. لا تستطيع الأسطورة، بالتأكيد، تناسي أصولها الدينية بسهولة، ولايمكنها أخذ بعد أدبي إلا إذا بقيت كلاماً حياً.‏

- مبادئ النقد الأسطوري :‏

قبل بيير برونيل الحديث عن نقد أسطوري في الأدب العام والمقارن لكن بحذر وبشيء من التحفظ(27) . وتقدم القوانين الثلاثة التي صاغها تصورات مفيدة لنا، انظر الفصل الرابع).‏

- الانبثاق :‏

المقصود هنا الإشارات الأسطورية التي ترد في نص معين، دون التوقف عند الإشارات الواضحة فقط. فقصة " كولومبا " لميريميه سرعان ما أصبحت بديلاً عن أسطورة " إلكترا ". ولا يقتصر عمل المقارن على التعريف بالشخصيات فقط، بتفسيرها أيضاً، ويمكن أن يستند في ذلك على التاريخ الأدبي أبحاث في التسلسل التاريخي).‏

يجب ألاّ ننسى أبداً أنه لا بد للأسطورة من " تقديم " قصة معينة يوضح لنا روجيه كايوا (28) في بضعة سطور عنوان " نهر ألفي " علي صورة ترجمة ذاتية فكرية. إلا أن مرجعه في ذلك أسطوري علمي دون أن يكون أسطورياً. على الرغم من الثبات الشعري القوي المجرى الذي يخرج من البحر ليصبح نهراً، أو ينبوعاً). وبالأحرى، لايمكن الادعاء بأن هذه المرجعية مجاز مسيطر أو " أسطورة شخصية " بالمعنى الذي استخدمه شارل مورون في النقد النفسي).‏

هناك، بالتأكيد صبغة أسطورية في النص، أو بعض الإشارات، ولكن الحكاية الخرافية القديمة لا تحرض على أي نسج خرافي جديد، أو إطناب في الكلام. فهناك انبثاق دون تألق.‏

- المرونة :‏

يذكر هذا المفهوم بالسهولة في الاقتباس ومقاومة العنصر الأسطوري في النص , وهي مرحلة أساسية كمرحلة معرفة مقاومة المخطط الذي هو كل أسطورة وتقويمه. لذا لابد من مواجهة النص بمخطط الأسطورة الأساسي، الجاهز مسبقاً. إن هذا المخطط هوعمل الباحث واكتشافه خاصة حيث يقرأ في القصص بعض العناصر المتواترة، والمقاطع الأساسية التي تشكل ما يسميه أندريه سيفانو " التركيب الأدنى ".‏

ففي أسطورة " المينوثور " ظهرت ثلاثة مقاطع متتالية، خرق النظام الطبيعي عن طريق ولادة الوحش، والوضع القائم : المينوثور يتصرف، فهو فاعل، واتهام البطولة : معاناة المينوثور. تظهر هذه المقابلة بين المخطط والنصوص إمكانيات "التبديل " كما يقول أندريه سيفانو. ويوجد " حضور آخر " ضمن النص المدروس، وفق التعبير الناجح لبول برونيل .‏

- الإشعاع :‏

لابد لهذا الحضور أن يكون له دلالة فمن خلاله ينتظم تحليل النص. ولا بد للعنصر الأسطوري أن يمتلك قدرته على الإشعاع، وإن كان دقيقاً وكامناً. إذ يمكن الانطلاق من العنوان " الإشارة التي يوضع تحتها الكتاب أوالنص " أو من فكرة الكتاب التي يمكنها أن " تفسر " مثلاً، الصرخة التي يفتتح بها القسم الثاني من " أوريليلا " لدونرفال ؛ " أوريديس! أوريديس !" التي تبدو، كما يقترح بول برونيل، " مرجعاً مزدوجاً للأسطورة والأوبرا معاً".‏

ويتأكد ذلك من خلال قراءة أول جملة وضاعت مرة أخرى )، ونهاية النص. يجب مقارنة الإشعاع بالشكل الأدبي : مثلاً، يدخل مخطط الأسطورة في منافسة مع النوع الأدبي مسرحة الأسطورة، ومنطق أسطوري، ومنطق روائي) في المقابل، يمكن اعتبار الأسطورة " كنص ناقص " بحسب مصطلح جيرار جينيت، وكنتيجة شعرية بعيدة المدى، والنص المدروس " كتناص جمعي "، بالمقارنة مع المخطط الأسطوري، مما يستدعي مواجهة العلاقات بين المخطط الأسطوري والنص كعلاقات تناصية خلص بيير برونيل من كل ذلك إلى اقتراح مصدرين للإشعاع " تحت - نصي) : الأول هوعمل الكاتب الذي تكون فيه الأسطورة حاضرة، لكنها تشع في نص آخر، حيث لا تكون واضحة مع ذلك، والثاني هو الأسطورة " وإشعاعها المحتوم " في " ذاكرة كاتب وخياله، والذي لا يحتاج إلى جعلها واضحة ".‏

وبما أن الأسطورة، قبل كل شيء، بنية، فلا بد من وصف تنظيم النص، إذا أردنا، حقيقة، إنتاج قراءة للأسطورة "وصف تنظيم النص ". مثلما يذكر بيير برونيل، يجب الاتفاق، في هذه الحالة، على أن " كل واحد منّا يقوم بالتحليل البنيوي دون أن يعرف ذلك ".‏

ولادة الأسطورة الأدبية وتطورها :‏

نتحدث هنا عن ولادة ولا نتحدث عن أصول. من البديهي أن الأسطورة السلالية - الدينية) تغرق في العهود السحيقة من التاريخ، ولا يمكن لدارس الأدب المقارن تناول هذا المجال الوحيد، لأنه خارج التاريخ.‏

- الأسطورة والتاريخ الثقافي :‏

يتدخل المقارن عند أول تحول كبير في الأساطير القديمة:‏

إن مبدأ بشرية الآلهة قد أعيد أخذه ودخل المذهب المسيحي بواسطة " لا كتانس " في " مؤسساته اللاهوتية "، واستمر لوقت طويل أثناء العصور الوسطى، وفي العصر الذهبي لإسبانيا أيضاً، وكان مملوءاً بالحكايات الخرافية والأساطير " المُلحدة"، كان إيفيمير، وهو كاتب يوناني من القرن الثالث قبل الميلاد، يعتقد بوجود شخصيات بشرية مشهورة وراء صور الآلهة). ويمكن أن نستشف من خلال الأساطير القديمة والنصوص المقدسة والرمزية، تلميحاً للحياة البشرية، وتخفي تزيينات الخيال حقائق مقدسة.‏

وهذا ما طرحه خوان بيريزدي مويا في " الفلسفات المقدسة " خمس طبعات بين عامي 1585- 1673) ؛ وفراي بالتسار دي فيتوريا في " مسرح الآلهة في جنتيليداد " 1620).‏

ويفسر نظام التفكير أيضاً الاستغلال الشعري " للتحولات " لأوفيد كنماذج شعرية مثلما يشرح التفسيرات الكاثوليكية للإله " بان " في الحكاية الخرافية " إيكاونرسيس" التي أعادت قراءتها الراهبة خوانا إينس دولاكروز في " تأليه نرسيس "، كرمز للكنيسة العاشقة للسيد المسيح أوكتورية ممكنة " لحدائق غازلات الصوف " للرسام فيلا سكويه.‏

- التاريخ الأسطوري وأصله :‏

إذا تناولنا أرضية التاريخ الأدبي، فمن الممكن النجاح في دراسات تعاقبية بصورة واسعة، والتي تظهر كيف يتم الانتقال من شخصية ما أونموذج أدبي إلى الأسطورة. وتقدم تاريخين مختلفين للتطورات .‏

* إيفيجيني :‏

تتبع جان - ميكل غليكسون تاريخها في " إيفيجيني من اليونان إلى أوروبا في عصر الأنوار " 1985 P.U.F)وسرعان ما تتجاوز شخصية إيفيجيني أبعاد شخصية أدبية صرفة أسم، كنية، نسب )، وتبدو " متأصلة في المكان والزمان "، و" تشغل مكاناً في عمق خيال الشعب اليوناني " تغير المأساة، مسبقاً، النظرة إلى العالم المشترك، هذه النظرة المقدمة من الأسطورة الخرافية، والتراث الأسطوري. وتفسح المجال للمقارنة بين التراث الديني والمفاهيم الجديدة في القانون والفلسفة. فالشرط الإلهي معروض، لكن أوربيد يركز على المأساة البشرية. وهكذا تطرح الأسطورة مسألة الروابط بين المؤثر والمقدس، بتعابير جمالية ودينية ويميز ج. م. غليكسون مأساة حول معبد التضحية تصل إلى مأساة " روترو ". إلا أن التجديدات المتأنقة بدأت تحل تدريجياً، دون إلغاء المؤثر جروح العاطفة محل " القلق الذي يأتي مباشرة من السماء، بحسب المأساة القديمة" وتبقى مأساة أوربيد النص الأساسي، إلا أن النصوص الجديدة تظهر علاقة تردد بين العاطفة و " بطولة محرومة، من الآن فصاعداً، من إطارها الديني غير المتفق عليه ". إن المسرحيين في النصف الثاني من القرن الثامن عشر عادوا إلى المؤثر " الخالص "، الأكثر قرباً من النموذج القديم، وهم يرفضون، بوضوح، الخاتمة الدينية لأوربيد التجلي الإلهي، و " النور الديني ")، لكنهم يستنجون الوعد النهائي بدين " أقل همجية ". أصبحت شخصيات إيفيجيني أيضاً " أناشيد للبشرية الفاضلة "، وحذف منها المعنى الديني للمسرحية اليونانية ولغزها. أماغوته الذي نهل من أعماق ينابيع التراث الأسطوري، فإنه يعطي " هالة من القدسية " إلى دين للبشرية يختزل الأسطورة " صورة تورية فلسفية ". إلا أنه لايمكن التقليل من دور الروابط بين المؤثر والمقدس، بوصفها العنصر الأساسي لهذه " الأسطورة الخرافية " على الرغم من تقلبها.‏

أسطورة هيلين :‏

تمكننا الدراسة التي قام بها جان لوي باكس عن هذه الأسطورة، من فهم ولادة التاريخ الأسطوري وتطوره، و المشكوك فيه دائماً. وهذه الملاحظة أقرب إلى التناقض : إن أسطورة هيلين ‎ " لم تنل حظاً كبيراً " إنها بعيدة عن فرض وجودها " بالعظمة نفسها" كأعمالٍ مثل أوديب، وفاوست، وتريستان أودون جوان.‏

ويبدو أن قدر " هيلين " أن تكون هامشية، في نصوص هوميروس. " العنصر الوحيد الثابت منها هو اسمها : وهذا قليل ". مع ذلك، لا تخلو الشخصية من صفات بشرية وإلهية في الوقت نفسه. وقد يبدو تاريخ هيلين، عندئذ، كتاريخ " الوجود المحتمل للمقدس في صميم الشخصية الأسطورية الخرافية " وهنا يطرح السؤال : " ما مصير الأسطورة الحقيقية التي كانت حية قديماً، عندما تتناولها آلة التفسير الهائلة : الأدب؟ " وماذا يعني، في هذه الحالة، استمرار حياة الأسطورة؟ فهي، كما قال رونسارد، قصة " فقيرة " في ظاهرها، إلا أنها قاومت العصور، وعاش اسم هيلين " طالما عاشت الأقلام والكتب ". وهذا يعني إعطاء الأدب دور جامع للتراث وحافظ له.‏

- الأسطورة وولادة السيناريو :‏

ربما نتمكن من القراءة في هذه الأسطورة " الفقيرة " أو في أساطير أخرى تحاول فرض ذاتها، لأحد المسارات التي تقدم للخيال " هذا الركام الشبيه بالأساطير " الذي تناولناه سابقاً انظر الفصل الرابع).‏

أسطورة الشاعر البائس :‏

يمكن تقديم شاهد على هذا التكوّن الإشكالي البطيء مع " أسطورة " الشاعر البائس، الذي حدده جان لوك ستينميتز أعمال ونقد، 1982، الجزء السابع) إنها دعوة، في عدة صفحات، إلى التفكير في " تكوين الأسطورة " انطلاقاً من أجزاء متفرقة من حياة شعراء مثل هومير، ولا تاس، وميلتون، وكامونس، وسرفانتس، أوشاتوبريان. وهكذا ترتسم قصة، قصة هؤلاء " المفكرين الشغوفين بالبؤس " الذين تحدث عنهم فيني في " ستيللو "، بدأ الأمر بمخطط، ثم بشخصية نموذجية، لينتهي برمز أسطوري، وهكذا وجد الشاعر البائس قبل أن يصبح الشاعر الملعون) في حالات مثل شينييه، ومالفيلاتر أو جيلبير، بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وجد عناصر جديدة من أجل حكاية يمكن أن تتحول إلى سيناريو.‏

- الولادة الأدبية لدون جوان :‏

بواسطة " بيرلادور إشبيلية " لتيرسود ومولينا، أي من خلال نص واحد، من الممكن، ضمن منظور الأدب العام أسطورة وأدب )، أكثر من منظور الأدب المقارن، أن نرى كيف يصنع نص معين قصة أسطورية. مع تيرسو، بدأت ما اتفق على تسميتها بأسطورة دون جوان : وسيكون صحيحاً أكثر أن نقول إن هذه الشخصية بدأت، لأول مرة، تتخذ رمز غاوٍ كان موجوداً بصورة خفية وارتجالية في التراث الشعبي الإسباني والأوروبي. فخلال ثلاثة أيام، كانت الكوميديا هي الفضاء الضروري لرجل أنيق، " رجل دون اسم "، كما قيل في بداية المسرحية، كي يصبح " البيرلا دور لأشبيلية "، وقد قدم تيرسو هذه الحكاية النموذجية إلى جمهوره على صورة موعظة. بعد علاقته الغرامية مع إيزابيلا وهروبه، أصبح دون جوان موضوعاً لأسطرة حقيقية عند عمه " دون بيدرو الذي كذب على ملكه. ثم ولدت هذه الكذبة أول صورة منتقاة لشاب غاوٍ، مثلما ولدت أول حبكة، وأول حكاية خرافية تقوم على الشجاعة والحزم والإقدام، وإضفاء الصفة البطولية على عمل دنيء في حد ذاته، وتجمع بين الصورة الإيجابية لمغامر يعرف كيف يتخلص من أي مأزق يقع فيه. وبين الصورة ذات الدلالة الكبيرة، صورة " الأفعى الملتفة ". ونجد تناقضاً في أساس خطاب العم : يتجاوز وجود الشر والصورة هنا من يبنيهما. يتعلق الأمر هنا ببيت من الشعر، مثل أبيات أخرى، يعد مؤشراً بالنسبة للمشاهد، ولكل من يرغب في رؤية شيء آخر غير مشهد العالم، والإمساك بمعنى الكذبة التي يقدمها دون بيدرو على المسرح.‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:32 PM
بعد ذلك، نرى دون بيدرو يسترسل أمام أوكتافيو من جديد في حبكة، وأسطرة أخرى للغاوي المجهول. وبفعله هذا، يذكّر بأنه لا وجود للأسطورة دون قصة : ويحكي واحدة منها لأوكتافيو. ويجمع بين الغواية والليل في استعارة طويلة رتيبة، الدياجي العملاقة) ويكررها فيما بعد من خلال التعريف المستحيل للغاوي : " عملاق " أو " وحش ". لايكتفي خطاب دون بيدرو، أو حكايته الخرافية، بطرح شبكة مجازية إغواء - ليل )، بل يصف نوعية العمل المشروع به : المجهول يتحدى السماء والسلطة الملكية، ويقارن الغاوي، الذي لم يأخذ اسماً بعد، بالشيطان، وهذا التشبيه هوالذي أتاح لدون بيدرو أن يدعم كذبته التي يلقيها على أوكتافيو، العاشق قليل الحظ : فهو يجعل الغواية عملاً شيطانياً، وعملاً خارقاً، ويكون بذلك أول من أعد شكلاً من الترجمة للأسطورة الدونجوانية، عبارة عن مزيج من الحقيقة والكذب، ومن عناصر مبتذلة وشاعرية، أصبح في النهاية حقيقة كما قيل. مع خطابي دون بيدرو، نشاهد ما سيسميه علماء الاجتماع " الإشاعة" وبصورة أوضح : العم والمجتمع هما أول من اصطنع قصة، هي أول نسخة للأسطورة الدونجوانية، مع تحديد حدودها الشيطانية، والمبالغة في قيمتها أو الطابع الغيبي، وكل هذا أدى إلى جعل الغاوي أكثر من إنسان عادي. وليس ثمة أسم للغاوي بعد، وبالكاد يرتسم له وجه. لكن له قصة اخترعها محيطه المباشر.‏

إن شخصية " تيسبي " هي التي منحت دون جوان شهرته الاسمية ووضعيته المعبرة " في أحضان امرأة " وتيسبي هي امرأة طائشة وقعت بسرعة في هوى دون جوان الذي أصبح غاوياً بسبب شخصيته الجذابة. وهكذا سوف تكتسب قصة دون جوان سمة " أسطورية " أخرى. إن تيسبي العاشقة تجري وراء المجون مع إيزابيلا، وتقضي مغامرة في إسبانيا : فلا أسطورة دون قصة مكررة.‏

وتكرار القصة هو الذي يجعلها مثالاً. والحالة هذه فإن قصة دون جوان هي تكرار : فأولاً وقبل كل شيء، تعبر أسطورة دون جوان عن الآلية ذاتها التي لولاها لن يكون هناك أسطورة. في نهاية أول يوم، صارت تيسبي الضحية الثالثة المعروفة : وهذا الموقف الثلاثي هو الذي أوصل دون جوان إلى تلك الأصالة المشبوهة في الإغواء، التي يقدمها " كعادة قديمة ". وصار دون جوان في نظر خادمه " عقاباً للنساء "، وفي نظر تيسبي " الغيمة الطالعة من البحر ".‏

وفجأة أصبح للرجل الذي كان دون اسم في البداية أسماء كثيرة : وبذلك بدأت الحكاية الخرافية. نتذكر هنا أن دون جوان عوقب على جريمة لم يرتكبها، لكنه كان ينوي ارتكابها : فقصة دون جوان التي اخترعها تيرسود مولينا هي قصة فيها مغالاة وقصة نموذجية في الوقت نفسه. وحرض على القصة مجتمع قائم على الخبث، فجاءت موجهة إلى المجتمع كرد على مشاكله الخاصة به، لذا، فإن هذه القصة " الأسطورة " تتشوه خارج إسبانيا.‏

إن المسرحية التي تنتهي باستذكار ضريح دون جوان هي قصة معبرة بالمعنى الدقيق للكلمة. لكن فيها أكثر من ذلك. يقدم " كاتالينون " الخادم، تلخيصاً للعمل في بضعة أبيات، أمام شخصيات جاهلة، وأمام جمهور رأى كل شيء أيضاً. هذا التكرار ليس غلطاً عادياً، بل إنه يسمح، في نهاية المطاف، بمعرفة المقاطع الرئيسة في قصة دون جوان. إذ يحكي الخادم في قليل من الأبيات المخطط الأسطوري، والتركيب الأدنى : لأنه لا أسطورة دون تصميم أولي يمكن استحضاره : وهذه الحكاية هي " حقيقية " وصدى لكلمة أظهر دون بيدرو كذبها. وتركز كلمة الختام الموجهة، إلى الملك، على " الذاكرة " : هذه القصة التي يجب تذكرها هي آخر تبيان للطابع النموذجي لكل أسطورة.‏

* الأسطورة والقصة :‏

من خلال نص واحد، مأساة الملك كريستوف ديمي سيزير، يمكن أيضاً فهم كيف أسس أبو الزنوج أسطورة، عبر القدرة الشاعرية والسياسية، وبذلك كتب التاريخ من خلال قصة نموذجية عن الملك الطاغي هنري كريستوف. وإقفال المسرحية على صورة ضريح يقلب طريقة العمل المأساوي إلى الطريقة الفرنسية " الكلاسيكية " : لم تعد الأسطورة هي المصدر والنموذج والنص الأولي للمأساة، إنها مأساة من التاريخ مستوحاة من أسلوب شكسبير وكلوديل، هي التي تتحول في النهاية، إلى شكل خاتمة، وإلى أسطورة، وإعادة كتابة للتاريخ، وقصة مسلية، تجمع تاريخ ثلاثة قرون من العبودية والخزي في قصة جديدة.‏

وصورة العنقاء هي المأزق النهائي، والنموذج عند العرق الأسود بكامله : لا وجود للأسطورة دون مخاطب، كفيل وضامن وممثل للنموذج.‏

- شعرية الأسطورة :‏

يجب الانطلاق من أهم سمتين شكليتين أو بنيوتين للأسطورة :‏

إنها حكاية ومخطط أوحوار. يدرس جان إيف تادييه في " الحكاية الشعرية " غاليمار 1994) " العلاقة بين شكلين أدبيين "، و" المتغيرات في نظامين اثنين ". وتنتمي الإمكانيات الثلاث التي يميزها إلى " القوانين " الثلاثة التي صاغها بييربرونيل. فإما أن تكون الحكاية الشعرية " أسطورية بصورة كاملة " الإشعاع)، أو أنها " تدمج أساطير " على شكل " حكايات منتظمة " مرونة )، وأخيراً " قد يوجد فيها أساطير غامضة "، وتقرأ " من خلال بعض الحلقات من التاريخ أوبعض الأبطال " أو " أنها تتفجر مثل وابل من اللمحات الرمزية " انبثاق). في الحقيقة، إن الأمر يتعلق، خاصة، بتبيان أن الحكاية الشعرية تبتكر أساطير جديدة كما فعل أراغون )، عندما لايدخل في نصها أساطير قديمة حالة أول حكاية لجيونو). فالحكاية الشعرية " آلة تنتج معان خفيّة ". " وبذلك تتعارض مع الحكاية الواقعية" وفي ذلك دلالة على أن متابعة التحليل تؤدي إلى تحليل الشعارات والأحلام. وإذا عدنا إلى فكرة " المخطط " فإننا سنفهم ليس فقط الوضع التاريخي الأسطوري لنص ما، ولكن أيضاً العلاقة التي تربط المخطط الأسطوري ببنية النص المدروس، وتختلط ولادة الأسطورة، إذن، مع تشكل المخطط، والسيناريو من أجل قصة جديدة. ويكمن العمل النقدي الشاعري أولاً في تحديد المخطط الأسطوري الثوابت، والعناصر المكونة )، وفي تبيان عمله وتبدلاته.‏

- قراءة الأسطورة :‏

يواجه المقارن قراءات : أن يدرس بُنى النص المخطط الأسطوري )، ومشاكل التناص الانتقال من نص إلى آخر ووجود صورة عن الأسطورة في النص )، وأخيراً المسائل المتعلقة بالأشكال والأجناس الأدبية مقارنة مع المخطط الأسطوري، وهذا ما اسماه جان روسيه بسعادة " التحولات الجانبية " أسطورة دون جوان، أ. كولان، 1976 )، وهي دراسة تفيدنا كدليل وتساعدنا في اكتشاف نمط جديد من القراءة الممكنة، قياساً إلى القراءات المفهرسة انظر الفصل الأول)، أو بالأحرى إلى منهج جديد في مقارنة النصوص.‏

- المنهج البنيوي وتطابق النصوص :‏

أعد لنا جان روسيه " سيناريو دونجوانياً دائماً " يبلغ عدد مكوناته وثوابته ثلاثة : الميت " لولاه لسمعنا قصة أخرى " )، والنساء " مجموعة من الضحايا وضحية متميزة ") ؛ وأخيراً البطل ذاته، الذي " يتصدى للموت " والذي سيتلقى " العقاب النهائي ". ربما يجب الحديث، إذن، عن العقاب، وليس عن البطل، بالنسبة لهذا الثابت. وبالتحديد، فإن هذا " الثابت " يشكل عنصراً من نموذج ما، لايرتبط بأي علاقة مع الثوابت التي شاهدناها آنفاً انظر الفصل الأول). وتشكل الثوابت تجريداً : أي هناك " تشكيل ثلاثي أدنى " يحدد " علاقة ثلاثية مشتركة ".‏

على الرغم من أن جان روسيه يقترح " منهجاً بنيوياً " فإنه لايريد أن يتقيد به : فهو يريد قراءة النصوص وإجراء " تحليلات مصغرة " و " تطابقات " لمختلف العناصر والمقاطع والوحدات، و " تكديس المواد " لمعالجة نصوص الأسطورة " كما لو كانت متزامنة بحيث يستخلص منها الترتيبات الرئيسة ". لنترجم ذلك بطريقة مقارنة.‏

- " التطابق " : يجب الترحيب بظهور هذه الكلمة. فإذا كان تكوّن مادة ماثمرة لقراءات واستبصارات ومعارف، ويرتكز على تلاقي الأفكار أوعلى تداعي الموضوعات أو الأفكار المُحرضة هنا من اسم الخصم، وعنوانات يمكن تتبعها بسهولة، فإن إعداد المخطط، والمقارنات بين نص ونص آخر تتم من خلال التطابق. لم يعد الأمر يتعلق إذن، بأخذ ورد) أو بقراءات " جانبية "، أو قراءات عكسية (29) ، وذلك كان موضوع الفصل السابق.‏

إن وجود مخطط أو بنية، في الأساطير والحكايات الخرافية القديمة، يفسر وضع منهج بوحي بنيوي، مثلما يظهر في أعمال ليفي - ستراوس.‏

- الثوابت والمتغيرات :‏

يتيح نموذج الثوابت الثلاثة " فرز " النصوص ويبرر رفض النماذج الأخرى من الغاوين والغواية كازانوفا، لوفلاس ).‏

يتم اعتماد بعض النصوص وفق ملاءمتها الكبيرة إلى حد ما لنموذج معين، وليس وفق خصائصها الجمالية. إلا أنه لايمكن إهمال التزامنية ولا خصوصية كل نص أو أهمية " النصوص - الوسيطة " مثل " دون جوان 1813) ل. أ. ت. آ. هو فمان، حيث تلتقي ثلاثة أجناس أدبية : حكاية تروي عرْضاً لأوبرا موزا " دون جيوفاني "، ودراسة لشخصية دون جوان. وتتشكل شعرية الأسطورة من خلال القراءات المتنوعة للمادة، وهذه القراءات هي " أسفار عبر الأشكال ". يبقى الثابت الذي يصبح إذن متغيراً) لموت دون جوان وعقوبته أحد أهم الأزمنة في دراسة جان روسيه. في الواقع، إن الاعتقاد بتساوي كل الثوابت يعني الوقوع في كاريكاتور بنيوي. إن المساس بالموضوع الأسطوري) للموت والعقاب يعني إفساد المنطق الأول للأسطورة، وتعديل مضمونها، ومداها، ومغزاها. فالعمل الشعري حول العقاب لايستخدم فقط مشكلة شكلية : إنه يتعلق بمادة الأسطورة ذاتها، والمعنى الذي يمكن أن تأخذه في مجتمع وثقافة معينين. ألم توضع صرخة سغاناريل الشهيرة والغريبة في " دون جوان موليير" " ضماناتي، ضماناتي " التي أطلقت بعد عقوبة معروضة بدقة مسرح بآلات مع تغييرات في المنظر )، في الخاتمة للتذكير بأن المسرحية كلها مبنية وفق مبدأ المسرح داخل المسرح؟ يحتفظ كل العالم في هذه المسرحية بدور مزدوج، ولغة مزدوجة حيث لم يتوقف دون جوان والزوج السيد - الخادم عن اختبار مواقف دراماتيكية.‏

إن هذه الشخصيات تتنكر، وتتشبه المسرحية أحياناً باستعراض ذكرى مبغض البشر حيث نجد المبدأ البنيوي نفسه )، وتضع دون جوان دائماً ضمن مواقف مسرحية جديدة : أمام إلفير مرتين )، وأمام والده مرتين )، وأمام أحد الفقراء، وأحد الارستقراطيين دون كارلوس) الذي يشكك بقانون الشرف بصورة مطلقة على خلاف أخيه دون ألونسو )، ثم أمام الاثنين، وأخيراً أمام تمثال. تصنع المسرحية من دون جوان شخصية لملهاة داخل الملهاة مع الفلاحين إلى حد جعله مضحكاً وشخصية هزلية، أو أيضاً لعبة داخل لعبة أخرى، ابتكرت من أجل طرد السيد ديمانش أي اسم لمسرحية لا تتحدث إلا عن السماء! )، وتقدم هذه اللعبة " كسرٍ " وتتكرر في المستوى الهزلي من خلال سغاناريل. وبعد تنفيذ العقوبة، وارتياح كل العالم، يبقى موليير - سغاناريل مطالباً بضماناته، كما لو أنه يتساءل إذا كان يمكن للمسرحية المعروضة أن تكون أيضاً " مثمرة "، ولم يُهجر هذا السؤال بعد مصائب طرطرف.‏

الدراسة الشعرية للأسطورة هي هذا الزمن من القراءة الذي تستدعى خلاله المعلومات التاريخية، أو تسمح بوضع تصور لتفسير معين. وهذا ما يمكن أن يُسمى منطق الأسطورة، مثلما تحدثنا عن منطق للصورة، في الحالتين، يجب استخلاص تفسير يقوم على سيناريو، وحكاية خرافية، وتركيبه ضمن سلاسل تشكيلية، وتبدلاته المحتملة، واشتقاقاته بالمقارنة مع مخطط أولي. وكل هذا يستحق تفسيراً مزدوجاً : داخلياً، بالمقارنة مع اقتصاد النص المدروس، وخارجياً، بالمقارنة مع خيال كاتب أو عصر، أو ثقافة.‏

- الأسطورة والخيال :‏

تتطلب الأسطورة الأدبية، على شكل نص، تأملاً وتفسيراً للتاريخ الفريد دائماً، والمثالي، والذي كان قد عرض ثانية أمام القارئ، والمشاهد، الذي يمكن أن يكون قد علم، مثل الكاتب، بوجود تواريخ أخرى معاصرة، سابقة أو موازية. لا وجود لدراسة في الأساطير دون اختبار استقبال الأسطورة. بدأ هذا الاستقبال للتاريخ في وقت مبكر جداً : مع الكاتب الذي يعتمد على سيناريو معين، بدلاً من اختراع سيناريو جديد.‏

- التلقي وإعادة التفسير :‏

يلاحظ أندري دابزي انتشار أسطورة فاوست الألمانية أكثر من أسطورة جان دارك، على الرغم من أن الأسطورة الفرنسية أثرت في شيلر في " عذارى من أورليان ". تولد الأسطورة نوعاً من الشغف برموزها) : يشير أندري دابزي إلى أنه كان يوجد " موضة فاوستية " رومانسية. ويمكن أن تتداخل الأساطير أحياناً : مثلما فعل غراب عندما ألف " دون جوان وفاوست " 1829). ونحن نوافق على أن مثل هذه التداخلات لا تقف عند حد اللعبة التناصية للموضوعات أو النماذج. يمكن أن تقتلع الأساطير من سياقها الأصلي و" تهمش ". إنها تتحدث بلغة الخيال المتأصلة فيها : ألف الكاتب الأرجنتيني إيستانيسلاوديل كامبو مسرحية " فاوست في بوينيس آيريس " حيث يحضر راع أرجنتيني عرضاً لفاوست.‏

يمكن لقصة أسطورية أن تخفي قصة أسطورية أخرى. غالباً ما تخدم المسرحية الإسبانية الساحر العجيب) لكالديرون كتتمة إسبانية لأي برنامج يتناول أسطورة فاوست : يتعلق الأمر هنا بذوق فاسد للنوافذ المزيفة التي يتحدث عنها باسكال.‏

ليس من الضرورة أن يشير كل تحالف مع الشيطان إلى حكاية فاوست:‏

صحيح أن هذه الحكاية تضمنت هذا العنصر أو هذا الثابت من " كتاب الشعب، 1578 )، ولكن ليس ضرورياً أن " ينتج " كل تحالف مع الشيطان أسطورة فازستية : يستفيد كالديرون من الأساس الفولكلوري المحلي والتراث القومي خاصة مسرحية سابقة لميرادو أميسكوا )، ويقتبس كثيراً من " الأسطورة الخرافية الذهبية " من أجل إخراج الموت المزدوج لسيبيريان دو أنتيوس، وجوستين. مع ذلك، فإن غوته حرفي أن يقول إن " موضوع فاوست قد عولج بعظمة كبيرة " في هذه المسرحية.‏

وهذا يشير إلى أن المقارِن بحاجة إلى اليقظة أكثر من حاجته إلى الحماس.‏

- فهرسة للخيال :‏

تكمن الفائدة الكبيرة التي تقدمها الدراسة التي قام بها أندري دابزي حول أسطورة فاوست أسطورة فاوست، أ. كولان، 1972)، من وجهة نظرنا، في إرادة وضع تصور للعلاقة بين قصة فاوست والتاريخ الثقافي الذي تحاوره، ومقارنتها مع قصص أخرى تنتمي إلى الثقافة الغربية مثل أسطورة دون جوان)، والتي تجاورها وتعايشها و تتقاطع معها : وبذلك تصبح الأساطير، مثل الموضوعات، موسوعة خيالية يمكن الاستفادة منها.‏

قراءة أسطورة فاوست :‏

في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، حل فاوست، بصورة عملية، محل النموذج القديم للمشعوذ أو الساحر. وبذلك أعطى لهذا النموذج التقليدي " رمزه الحديث ". وصنع العصر الرومانسي بعد ذلك من فاوست دونجواناً عاشقاً جذاباً إن لم يكن مُجدِّفاً أنيقاً ). إن ما يقرّب الرمزين والقصتين ليس الكارثة التي تؤكد انحرافهما ولكن هذا " الطموح المثالي والمطلق " الذي يجسدانه من وجهة نظر الأجيال الرومانسية.‏

وبالطريقة نفسها التي تقاطع فيها فاوست " دون جوان "، أوجد القرن التاسع عشر " فاوست " مع اليهودي الضال، و " مانفرد " لبايرون، و " زار ثوسترا ، وباراسيلز ". هذه اللقاءات، وهذه التقاطعات، تفسر عبر إرادة العثور على رموز وقصص يمكن لثورة الكائن البشري فيها، ولعظمته، وطموحاته الشرهة، أن تجد ظرفاً، أو شكلاً ليناً قابلاً لتحولات متعددة قانون المرونة). ولكن، كانت " العدوى " مع بروميثيوس هي الأكثر والأعمق، بروميثيوس الثورة، والتقدم، الذي يبشر الإنسان " بسعادته عبر قواه الخاصة " والحالة هذه، إن اختيار هذا الطريق يؤدي، بصورة غير متوازنة، إلى تفضيل " أحد محوري الأسطوري "، وهما " ديناميكية الإنسان "، ونسيان أو رفض " الحد المأساوي النابع من الالتزام بالشر ". على هذا المستوى، أخذت أسطورة فاوست كامل مداها وكشفت عن علة وجودها، ورسالتها الأساسية. يظهر " أندري دابزي أن قصة فاوست ترتكز على التجربة المسيحية والغربية للإنسان، وعلى حريته، ومسؤوليته الشخصية. الإنسان الغربي لايتطابق مع فاوست، ولا مع " الرجل الفاوستي " مثلما يدّعي سبينغلر. ولكن يبقى فاوست إحدى صوره المفضلة، وربما يكون حقيقة الرمز الوحيد الحي من رموزنا الأسطورية القديمة. ما هي القراءة التي كانت قد مورست من أجل الوصول إلى هذه النتيجة؟‏

لنستمع إلى أندري دابزي: " لاتقتصر دراسة أسطورة أو موضوع أدبي على فهرس عشوائي من العنوانات أو الاستشهادات المقتلعة من سياقها. من بين كل تبدلات حكاية فاوست، يجب علينا البحث عن منطق، وثوابت. نتج عن التاريخ بنية أدبية متعددة الأشكال، تمتلك نوعاً من التميّز، ومرونة نسبية : تتفاعل، بصورة مختلفة مع الحوادث، والأفكار، والشعارات، ولها ردودها وانحرافاتاتها، وتفرض نفسها على الكاتب بصورة كبيرة، وحتى على العبقري " خاصة العبقري " الذي يريد التلاعب فيها عبر خياله " يجب التفكير إذن باستمرارية الاسطورة، وقابليتها للتبدل، وسياقها الواسع نسبياً ولكنه ليس مطلقاً ويخضع، دون شك، لبعض المبادئ غير الأدبية).‏

لماذا لم يستطع فاوست حتى الآن " وضع نظارتين لمادية فظة "، ولا " ارتداء اللباس الجماعي "؟ هل تربطه أصوله المسيحية بتصور روحي وشخصي لابل فردي) للحياة؟ إن إعادة قراءة التاريخ الأسطوري يعطي جواباً نهائياً على هذا السؤال. تنبع أصالة اسطورة فاوست، وفق رأي أندري دابزي، من التوتر المأساوي الموجود بين المحورين المتعارضين : اندفاع الإنسان وضغط الشر عليه.‏

بالنسبة لفاوست ودون جوان، لايمكن للمحور الأول السير دون الآخر، وهذا ما يفسر الفائدة الدائمة للجمهور. إن أسطورة فاوست تأكيد للإنسان وتحذير حول حدود الشرط الإنساني، في الوقت نفسه. لايمكن فصل الأسطورة التي قرأها أندري دابزي " كحكاية رمزية لموقف وجودي مثالي "، عمّا نسميه " الخيال. " يمكن للأسطورة أن تمر بمراحل، وتتعرض للاختفاء، والزوال، لتولد من جديد ثانية. ولكنها تفترض استمرارية عبر إعادة استخدامها، لأن التاريخ الأسطوري أخذ " صدى جماعياً ".‏

- من الشعرية إلى التأويل :‏

كل جيل يعيد استخدام " المخطط الحدثي"، ويجدده، أخذ هذه المفهوم من علم الإنسان البنيوي عند ليفي - ستراوس). يمكن إضافة المنظور التفسيري التأويلي) إلى منظور جان روسيه الشعري غالباً، من أجل فهم العمق التاريخي والثقافي لقصة معينة. منذ أربعة قرون، تعد قصة فاوست قصة الأجيال المتعاقبة، الساعية للوصول إلى حلمها في المجد والنجاح. تذكّر الأسطورة كل جيل جديد أنه كتب على الإنسان أن يختار حياته، وأن يكون سيد نفسه أو عبداً. مما لا شك فيه، أن تفسير قصة، يشكل فيها التحالف مع الشيطان النواة الأولية والمركزية، لا يمكنه بسهولة تناسي الأبعاد الدينية، والأخلاقية أوالفلسفية.‏

على المقارن ودارس الأدب بصورة عامة) أن يعزل العامل المشترك في الجوهر مع قصة أصبحت أسطورة. إن طبيعة القصة وصبغتها، يؤثران إذن قليلاً في عملية التفسير.‏

أظهرت كولييت آستييه في " أسطورة أوديب " أ. كولان، 1974) الاحتمالات المختلفة لموقف مقدس في الأصل، من وجهة نظر الكتابة المسرحية، أو الروائية).‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:34 PM
يرجع جان بيرو(30) الزوج التوأم في أسطورة التوائم التي درسها، إلى علاقات ثنائية ينتظم حولها الفكر البدائي. تبدو أسطورة التقمص (31) كنموذج للأساطير، بالنسبة لبيير برونيل . ولكن هناك استثناءات خاصة في المستويات الشعرية. يمكن أن يكون التقمص مجرد موضوع أدبي بسيط، عندما يختزل إلى فكرة، أو فرضية عامة. تقع بعض التسويات أحياناً، مثلما حدث في " دفاتر مالت لوريد بريج " حيث لا يحتفظ ريلكه من قصته بيبليس (32) وكادموس (33) انطلاقاً من أوفيد )، إلا بلحظة التقمص في الأصل.‏

يوجد بعض الصور، والمقارنات، والذكريات التي تشير إلى " إفقار " الأسطورة، إذ تصبح " إطاراً فارغاً "، أو أداة، أو " زخرفة خالصة " كذلك بعد تمييز التقمص العمودي الذي يرافق الكائنات )، والأفقي الذي ينقل الكائنات من شخصية إلى شخصية أخرى وفق طريقة بروتيه )، والتأمل في مفهوم الخيال الذي يفترض دائماً التقمص، طرح بيير برونيل السؤال الأساسي الذي يجذب باتجاهه التقمص كحكاية أسطورية : لا يتعلق الأمر بملاقاة كائنات أوتغييرها، ولكن بكشف " الكائنات التي تتلاقى في الحياة " و " الحيوان الذي سنتقمصه "، أو " الذي يحمله كلٌ منّا في داخله ". يصبح التقمص إذن تعبيراً عن وحي داخل يتجاوز الحد بين المادة والروح. هل الأسطورة هي التقمص؟ نعم، دون شك، ولكنها أيضاً تقمص يتظاهر بوصف الآخر من أجل وصف الذات نفسها، ويوحي بحادثة لا تحدث أبداً " يبقى لوسيوس دو أبولي (34) إنساناً على الرغم من تحوله إلى حمار ". هي أيضاً مجاز، في استخدامات حديثة وحيد القرن لأيونيسكو )، وبصورة أكثر عمقاً، في الكتابة والأدب حيث يمكن أن نعد مغامرات " الأنف " لغوغول التعبير النموذجي : وهذا يظهر، من جهة، أننا نستطيع إعطاء الانطباع بوجود معنى مجازي، يبقى، في الواقع، غائباً، ومن جهة أخرى، نستطيع أن نحكي عن تقمصات أنف ما، عن طريق سرد مغامرات المجاز نفسها.‏



- علم الأساطير والأسطورة الشخصية :‏

ضمن منظور التفسير الضروري للأسطورة، والدراسة من أجل تجاوز المخطط، والتصميم إلى تبدلات مختلفة للتركيب، نفهم كيف نستطيع ضم مفهوم " الأسطورة الشخصية "، على هذا المستوى من التأمل.‏

* منهج : النقد النفسي :‏

لايتعلق الأمر هنا بتعسف أو سهولة لغوية، لإحدى هذه الظهورات التي تسمح بها كلمة أسطورة. ينطلق المفهوم الذي قدمه شارل مورون من التحولات المهيمنة إلى الأسطورة الشخصية، كورتي، 1963) من محاولة تطبيق نوع من التحليل النفسي على الأدب النقد النفسي). تبدو الأسطورة التي يكتشفها شارل مورن عبر تطابق نصوص لمؤلف واحد نقطة لمنهج مهم )، والتي تنتج عن تداعيات، وتجميع صور ثابتة.‏

يقود، التكرار، غير الارادي، إلى صورة أسطورة شخصية، تفسّر كتعبير عن الشخصية اللاواعية للكاتب : ومثلما يحدث دائماً في التحليل النفسي، تقارن نتائج القراءة بمعطيات السيرة الذاتية. مبادئ القراءة، خاصة " تطابق " النصوص، قريبة من المبادئ التي كانت قد أعطيت من أجل اختبار بنية الأسطورة ومخططها. وتتطلب الأسطورة الشخصية، هي أيضاً سيناريو أدنى. فإذا كان يبدو هنا أن المفهوم يحل محله، فإننا نوافق على أنه يوجد بين الأساطير القديمة وشخصيات الكتّاب صلات مشتركة فريدة. يلاحظ بييربرونيل في نهاية " نقده الأسطوري " أن : " لكل كاتب أسطورته. فاليري ونرسيس، ريلكة و أورفي، كامووسيزيف. أما أندريه جيد الذي استفاد من كثير من الأساطير الإغريقية قبل أن يذوب مع " تيزي " في قصته الأخيرة، فإنه أوحى باسم بروميثيوس " كمثال " للكتّاب ". هذه الملاحظة دعوة جديدة لممارسة الأدب العام والمقارن الذي يجب أن يحجز نفسه داخل حدود سلسلة واحدة من النصوص. تهدف الدراسة إلى تفسير العلاقة بين الأسطورة والكتابة وإيضاحها، وبين المخطط الأسطوري والخيال المبدع.‏

- وجه لأسطورة أورفي :‏

يمكن أن تعاد قراءة عمل الروائي الأرجنتيني إيرنيستو ساباتو، المحير للوهلة الأولى، عن طريق مقارنته بأسطورة أورفي، د. ش. باجو، أي ساباتو أو الأدب كمطلق، طبعة كاريبين، 1991).‏

من أين ينشأ ما يمكن تسميته، في البداية، بمقارنة فرضية؟ تنشأ من المقاطع القوية والأساسية، والقصيرة مع ذلك، من شعرية ساباتو عندما يتحدث عن النزول إلى جهنم والصعود، وعندما يريد عرض عمل الروائي، والاستشهادات من " الإنسان تحت الأرض " لديستوفسكي الذي يعجب به بشدة .‏

يشكل العالم السفلي. والجهنمي تتمة لتكرارات ومتتاليات يمكن تسميتها مجازاً بالكابوس (35)‏

يجب أن تقارن هذه القراءات الأولى مع قصة أورفي من أجل مطابقة المخططين : مخطط الأسطورة الثابت والمعروف (36) مع المخطط الذي يرتسم في عمل سابوتو ودراساته. في الواقع، تتألف حكاية أورفي الأسطورية من ثلاث قصص متتالية : النزول إلى جهنم قصة أوريديس )(37) ، وأورفي الشاعر الكاهن بحسب راي هوراس، الذي وضع في المسرحيات من قبل كاهنات باخوس (38) .‏

تتواجد هذه العناصر الثلاثة عند إعادة كتابة الحياة، التي هي شكل من الاعتراف، في الفرنسية، ملك الموت، طبعة سوي )، أو تتواجد في العالم الخيالي الرسام جوان بابلوكاستيل في " النفق " سوي). الإنسان المشتت هو أحد الرموز الكبرى المفضلة عند الروائي والدارس، مثلما هوالحال في العمل المبعثر أو المقسم. مع ذلك، وبصورة متوازية مع هاجس التشتت، والتمزق، تظهر إرادة التوحد، ودور الكاتب كمبدع للكلمات، والشاعر الشاهد، مثل أورفي، الذي يجلب الحضارة للناس. تتطابق رسالة الشاعر هذه مع نظرية الفن " كتنبؤ " عند ساباتو، التي تأثرت، دون شك، بالرومانسيات الألمانية.‏

يمكن أن يكون لمفهوم " الاسترجاع " أصداء مسيحية وفلسفية، ولكنه يرجع أيضاً إلى فكرة " الاسترجاع " نفسها من خلال الغناء، التي لا يمكن فصلها عن شخصية أورفي المعتنقة للمسيحية.‏

أخيراً، إن فكرة الفن " المؤسس " لكتابة روائية تكون " كاشفة " أو مبدأ جمالياً مثل " الكتابة تعني الوجود بصورة عامة "، تذكرنا بالشاعر أورفي، ونائبه ريلكه : " الغناء و جود " سونيتة أورفي، الجزء الأول، والثالث)‏

إن عمل ساباتو الذي يستند بصورة مَرَضيّة على الظلمات وجهنم استفاد من أسطورة أورفي، حيث وضعت القصة الأسطورية، الحية، والكامنة ضمن النص. وإذا كان الروائي يتحدث غالباً عن " عمق " فإن ذلك يكون بالمعنى الذي أراده جان - بيير ريشارد في " شعر وعمق " : " يتعلق الأمر بتجاوز العمق والعودة منه حراً، وإنسانياً ". هذا المبدأ أخلاقي وجمالي في الوقت نفسه، ظهر دفعة واحدة، بصورة أساسية من خلال " الفات - Levates" المستوحى من اسم أورفي.‏

ليست الأساطير القديمة هي وحدها من يمتلك الأفضلية في أن تصبح أساطير شخصية. يمكن أن يتحول الفضاء المفضل للسيرة الذاتية والكتابة إلى أسطورة شخصية، مثل الفضاء الكراييبي، والبحر الأبيض المتوسط بالنسبة للكوبي أليجو كاربنتييه، أو صقليا بالنسبة لبول موران في كتابه " فينيسيا " يمكن أن يصبح الفضاء مادة للكتابة ويساعد في تفسير حياة الكاتب أوعمله.‏

- الأدب كمثيولوجيا :‏

يشير نور ثروب فري في كتابه " الخيال التثقيفي " 1984) إلى أن الأدب يقوم اليوم بالعمل نفسه الذي كانت تقوم به الأسطورة قديماً، لأن الأدب والمثيولوجيا ينتميان إلى العالم الذي يبنيه الإنسان لا إلى العالم الذي يراه. إن الأسطورة، وإن كانت كلاماً شعرياً، تميل إلى جهة العقل الأول، لأنها من طبيعة الثقافة لامن طبيعة الطبيعة. بهذا المعنى، إن دراسة الأساطير تعني بالنسبة للمقارن بداية الاقتراب من سؤال شعري في غاية الأهمية : ما هي الكتابة؟‏

يبدو أن تطور الأسطرة قد اندمج بتطور الحضارة نفسها، عبر سعي الإنسان للسيطرة التدريجية على كل ما هو خارج طبيعة العقل الأول، بفضل القدرات الخلاقة لهذا العقل.‏

تشترك الأساطير في هذا المشروع المطلق الذي عرّفه هولديرلان بهذه الكلمات : " يعيش الإنسان على هذه الأرض من خلال الشعر ".‏

الأشكال، والأجناس، والنماذج‏

استطاع فحص برنامج الدراسات المقارنة، المنطلق من الاتصالات والتبادلات لمعانقة العلاقات بين الثقافات، والذي يفصل في الاستخدام الشعري بين بعض المواد مثل الصور، والموضوعات، والأساطير، حتى الآن أن يدفع إلى التفكير بزيارة موجهة من مستقر إلى صالات متعددة :‏

ألم يرجع الفصل السابق إلى مجال يحس فيه المقارن أنه في بيته)؟ إلا إذا كان الانتقال من Mesolgie )(39) إلى دراسة الترجمة )، ومن علم الصورة) المتعلق بالصورة) إلى علم الموضوعات) و الميثيولوجيا) لا يذكّر المتدرب المقارني الساخر بالتهديدات المرعبة لـ Toinette) إلى سيدها، المريض الخيالي، أو بغارة لا نعرفها في مشفى غريب للآداب في الوقت نفسه. ومشفى الآداب عنوان حوار عذب للبرتغالي فرانسيسكو مانويل دوميلو في القرن السابع عشر.‏

ننتقل، في هذا الفصل، إلى مستوى أعلى بدقة أكثر، نستعير مرقاة توصلنا إلى مستوى نستطيع أن نكتشف منه منظورات نظرية. إن كلمة نستعير) هي الكلمة المناسبة. استفاد المقارن من تأملات قام بها منذ عقود عدة، منظرون مهتمون بالعشر ومنظرون .إن الأشكال والأجناس Morphologie) (40) وGénologie)(41) تعيّن مجالات ودراسات لايمكنها أن تنشد أي خصوصية مقارنية). ربما أن مفهوم النموذج) وحده هو الذي يفتح الطريق أمام تفكير أصيل، ويعبر عن إمكانيات التفكير النظري.‏

- مشاكل المورفولوجيا الأدبية :‏

عند طرحه المورفولوجيا) يؤكد كلوديو غوين في كتابه بحق أن الجانب الموضوعاتي) لاينفصل عن الجانب الشكلي) : ولم يفصلا إلا للسهولة أخذ هذا الإجراء هنا).‏

-المادة والشكل :‏

لايوجد شكل خالص )، هذا ما يكرره كلوديوغوين، ويستشهد بجان روسيه في شكل ومعنى )(42) الذي يحدد ما يضبطه النقد في عمل أدبي بهذه العبارات : " الازدهار المتزامن لبنية وفكر، ودمج شكل وتجربة يكون المكوّن والنمو فيهما متضامنين. كان يمكن أن يستشهد ببعض التأكيدات الأخرى، المأخوذة من مقدمة الكتاب نفسه، وهو خطاب حقيقي في المنهج) : يوجد العمل من خلال الاتحاد الوثيق بين شكل وخيال). إن خطوط القوة) و الرمز الملازم )، و شبكة الحضورات) أو الأصداء) في نص، و شبكة التقاربات )، تدعى بنيات) أو ثوابت شكلية). ولكن يجب التذكير بأن الأمر يتعلق بنقد) وليس بتاريخ أدبي) .من أجل استباق العلاقات بين الأدب والفنون انظر الفصل التاسع )، ومن أجل وضع التفكير بالمورفولوجيا الأدبية ضمن منظور ينفتح على الإبداع، بالمعنى الواسع، يمكن العودة، بصورة مفيدة، إلى الكتاب الصغير لمؤلفه مؤرخ الفن الكبير هنري فوسيلون (43) ، وإلى الفصل الموسوم أشكال ضمن المادة). فهو يؤكد أنه يجب التحرر من الثنائيات الضدية القديمة) التي هي المادة والشكل أو الروح والمادة، والتي يمكن مقارنتها بثنائية الشكل والجوهر )، إذا أردنا أن نفهم أي شيء عن حياة الأشكال).‏

ولأننا نريد أن نفهم أي شيء عن حياة الأشكال) الأدبية، فإننا نفكر بالسمة الثابتة، والدائمة، واللاإختزالية للتوافق المحكم بين الشكل والمادة). يجب اعتبار أن الشكل لا يؤثر كمبدأ فوقي، يقولب مادة سلبية) لأن المادة تفرض شكلها الخاص على الشكل). تؤخذ المورفولوجيا هنا ضمن العلاقات المركبة للشكل والمادة صورة، موضوع، أسطورة )، وكتتمة لتحولات عبر الانتقالات من نص إلى آخر، ومن أدب إلى آخر.‏

(1) سلسلة ماذا أعرف؟ العدد / 670/‏

(2) طبعة دي روشيه، 1988‏

(3) أي أن الموضوع ليس خارجاً عن نطاق عمله. المترجم )‏

(4) صدر عن دار سوي، 1957‏

(5) أندريه دابزي، في خاتمة كتابه، " وجوه فارست في القرن العشرين " P. U. f ، 1967‏

(6) مظاهر الأسطورة، غاليمار، 1963، القدسي والدنيوي، غاليمار، 1965.‏

(7) الحب والغرب، 1939، 10/18.‏

(8) انظر، أساطير وعلم الاساطير في الأدب الفرنسي، أ. كولان 1969، طبعة ثانية، 1980‏

(9) نهرليتيه : أحد أنهار جهنم، من يشرب منه ينسى ماضيه المترجم)‏

(10) الغوليم : من التراث اليهودي في أوروبا الشرقية، وهو كائن اصطناعي على هيئة بشرية يحيا للحظات عند تثبيت سورة من التوراة على جبينه المترجم)‏

(11) انظر تشكل الأساطير واستمرارها، أعمال ندوة نانتير 1974، باريس، الآداب الجميلة، 1977‏

(12) المينوثور : من الأساطير اليونانية. وهو وحش له رأس ثور، ولد من تزاوج باسيفا زوجة مينوس مع ثور أرسله الإله أبو سيدون حبسه مينوس في متاهة وكان يلقي إليه كل سنة سبعة أولاد وسبع بنات من أثينا ليلتهمهم .‏

(13) أسطورة نابليون، أ. كولان، 1971‏

(14) مطبعة جامعة أكسفورد، 1969، أخذت من محاضرات بين عامي 1948- 1949 .‏

(15) ميونيخ، ف، فينيك، 1977 .‏

(16) الغشتالية أو الصيغية : نظرية فلسفية ترفض تقسيم الظواهر النفسية والفيزيولوجية والجسدية إلى عناصر متمايزة، بل تعتبرها كلاً لا ينفصل وتسميها " صيغاً أو أشكالاً " ويؤدي تغيير ما إلى تغيير في كل الظاهرة.‏

(17) الداندية : طريقة في الغنج والأناقة، نشأت في انكلترا عام 1815 تقريباً‏

(18) قبل - الرافائيلي : نظرية الرسامين الإنكليز الذين أرادوا تجديد الرسم عن طريق تقليد الرسامين الإيطاليين السابقين لرافائيل.‏

(19) السنتور : كائن خرافي نصفه رجل ونصفه فرس كان يعيش في تّساليا، بحسب الأسطورة.‏

(20) عرب غرناطة في الأدب، 1956، أعيد طباعة هذه الدراسة عام 1989.‏

(21) ابن سراج : قبيلة مغربية في مملكة غرناطة في القرن الخامس عشر. استوحى شاتوبريان منها أقصوصته " مغامرات ابن سراج الأخير " 1826‏

(22) انظر ، سيمون فريس، أسطورة انتنيغون، أ. كولان، 1974، وجورج شتينر، الأنتيغونيات، غاليمار 1986‏

(23) انظر، ج بلوندل، الفردوس المفقود 1667- 1967 )، دارمينا، آداب حديثة، وجان جيلليه، الفردوس المفقود في الأدب الفرنسي، من فولتير إلى شاتوبريان، دار كلينكسييك، 1975.‏

(24) انظر، إيف جيرو، حكاية دافني الخرافية، دراسة حول نموذج التقمص النباتي في الأدب والفنون، جنيف، دروز، 1969.‏

(25) أشكال بسيطة، سوي، 1981‏

(26) أسطورة هيلين، أدوسا، 1984‏

(27) نقد أسطوري، نظرية ومسار، p.u.f. 1992‏

(28) كايوا دارس متخصص في القواعد، ويتحدث عن " مجاز بعيد "‏

(29) القراءة العكسية نوع من القراءة كان سائداً في العصر الوسيط حيث يتم عكس الحروف أو المقاطع.‏

(30) الأسطورة والأدب تحت تأثير التوأمة، P.U.F . 1967‏

(31) أ. كولان، 1974‏

(32) الاسم في الأصل بيبلوس، وهي مدينة فينيقية، تقع على بعد 35 كم شمال بيروت‏

(33) كادموس : أحد الأبطال الفينيقيين زوج هارمونيا، ووالد إينووسيميلي، والمؤسس الأسطوري لطيبة.‏

(34) فيلسوف وكاتب لاتيني، كتب حكايته الرومانسية " التقمصات، أو الحمار الذهبي " التي تصف مجتمع القرن الثاني. اتهم بالشعوذة فدافعت عنه أبولي. م)‏

(35) انظر، المشهد الافتتاحي، لسوبر هيروس تومباس، ترجمه إلى الفرنسية، أليجاندرا، سوي.‏

(36) انظر، إيفاكوشنر، أسطورة أورفي في الأدب الفرنسي المعاصر، نيزي، 1961‏

(37) ) انظر الرواية التي أعطاها فيرجيل في الجزء الرابع الجيورجي.‏

(38) باخوس هو إله الخمر عند الرومان‏

(39) دراسة التأثيرات المتبادلة بين الأوساط والأعضاء التي تعيش فيها.‏

(40) علم التشكل‏

(41) علم الداخل‏

(42) كورتي، 1963‏

(43) حياة الأشكال، 1943، منشورات ‎p.uf ، كادريج‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:37 PM
- المخطط الأول أو الفرضية الأولى





ننتقل من المعلومات المستخلصة من الفهرس وقراءات النصوص) إلى مخطط أول للمسار، أو فرضية أولى انظر الفصل الأول)، ضمن الحد الذي ترتسم فيه نقاط التقاء يمكن تحويلها إلى مسارات للدراسة. تُظهر الكتابات عن الوباء ثلاثة أزمنة للدراسة : البحث عن أسباب الأمراض، والشروط الحاسمة أوالمساعدة، والبحث الوبائي الذي يؤدي إلى تشخيص المرض، وجمع الأعراض، وأخيراً الإجراءات الطبية. مارس الطب، لحقبة طويلة، علم تشخيص مرضي خارجي أقام عليه علم تصنيف أمراض سريري أو دراسة الأمراض)، قبل اكتشاف علم التصنيف التشريحي، مما ساعد على التعرف على حد مزدوج، ضمن نصوص مثل نصوص العصر القديم أو غيرها : كشف الآثار الواضحة، ووصف المرض، والتخلي سريعاً عن التدوين الصعب أوالذي من المستحيل القيام به. هناك سؤال في الشعرية : كيف يجتمع تشخيص المرض مع التخيّل؟ تحاول الروح، من خلال البحث عن الأسباب، الانتصار على البؤس وما هو عصي على الفهم، وهذا أيضاً عنصر من عناصر تعريف الوباء المرئي، الكلي الوجود ودون تفسير، والأسوأ من ذلك أنه لايمكن الفرار منه. ضمن المجتمعات التي تقوم على عقيدة سماوية، يعطي الوباء قيماً رمزية مثل كونه مظهراً من مظاهر سخط الآلهة وقدرتهم(1) نتعلم أيضاً كيف يحاول التفسير استغلال المدال العلمي أو العلمي المنتحل من أجل روح حديثة) : فساد الهواء، واختلال الفصول، نظرية الأبخرة الفاسدة) التي صاغها الطبيب الصقلي فراسكاتور، العلم والخرافة اللذان يربطان بين الوباء ومرور نجم اعتقاد مثبت في - الهوصار على السقف، ومعرفة تسمح بتقويم ما هو مختلف عن غيره)، وأخيراً الشائعات والذعر الجماهيري، آبار مسمومة، وناشرو الطاعون. انتقلنا من الطب إلى النفسية الجماعية التي يتكفل الأدب بتسجيل تطورها (2)‏

القراءات، والبحوث ضرورية لكنها لسيت كافية من اجل تجنب الأخطاء، والسذاجات، ومن أجل عدم الاقتصار على الاستخدام الفني) للوباء في الأدب الروائي غالباً أكثر معرفة من الناقد).‏

- تاريخ الأفكار وشعرية النصوص :‏

يترك أساس تاريخ الأفكار المكان لصالح مسائل أدبية خالصة، ولكن يجب دائماً ربطها بالإشكالية التاريخية. تخص هذه المسائل وضع الأدب الوبائي). لا يستطيع الكاتب ولا يريد أن يحل محل الطبيب، أو المؤرخ. ما الذي يمكن أن تكون عليه طبيعة المادة الوبائية ودورها في الأدب ضمن نص، وفي لحظة معينة، وفق الفكرة التي نأخذها عن الشعر، والتخييل ؟) ستحتفظ طرق الظهور الوبائي بانتظام إلى حد ما، بالخيال : مباغتة الظهور، عنف ظاهرة الموت، امتداد الظاهرة، هلع فردي وجماعي أو نصف جماعي خراب في قضاء، أو مجتمع صغير، أو فضاء مدني يمكن السيطرة عليه ظاهرياً في التصدي) إن تدوين الآثار يقرب النص من علم الأمراض التاريخي طرح الفساد العميق للأخلاق، والحياة الاجتماعية)، ويصبح الوباء وسيله معرفة أخلاقية، وحتى نفسية، يكشف السلوك، والمعتقدات الدينية، والتصرفات.‏

يجب إذن دراسة الاختلافات بين موضوع الوباء، والقصة الوبائية. من الواضح جداً أن هناك تباعداً كبيراً بين الخطاب الطبي، والعلمي، وبين القصة الوبائية التي تستطيع التقاط الظاهرة المرضية إلا ضمن بعض آثارها الجوهرية، ولكنها ثانوية، بالمقارنة مع البحث الطبي. يصبح الوباء إذن موضوع قصة وحبكتها السردية من هنا جاء استخدام مفهومات جاهزة في التحليل النصي من أجل فهم كيف يصنع الموضوع بالنص : قصة مأساة معيشة أو يعاد عيشها، وحتى مؤلفة، ومتخيّلة، ومزمنة، وكفاح يومي ضد الكارثة، والرعب والألم اليومي. في هذا المعنى، لن يكون هناك إلا وباء واحد شعري) بصورة كاملة : طاعون دياكاميرون الذي لم يوصف بدقة، والذي هو سابق على القصص التي أسسها وولدها.‏

- الموضوعاتية والكتابة :‏

يشكل الوباء، كمادة، موضوعاً أدبياً يتطلب جولات، إن لم يوجد جرد بالأسباب نفكر بالفصل السادس من الموت في صقلية). ينظم الفضاء والزمن بعمق الوقائع التاريخية أو الروائية.‏

يبدو المؤرخون والروائيون مهتمين بإعادة تركيب إيقاع انتشار الكارثة وطرقه، ضمن مجموعة اتصالية (3) تاريخية، مع تتابع جمل أساسية : الانطلاق، والشائعات، والخطورة، الذروة، والانحسار، والخمود، والاستئناف، والاكتمال. التجربة هي نفسها من الواقعة التاريخية إلى التخييل : إعادة تركيب سيناريو وبائي لقاء مفيد مع هذه الكلمة التي استخدمت في الفصل السابق من أجل فهم كيف تتموضع الصورة داخل النص). إجمالاً : انتصار مؤقت للكارثة على منطقة، أو فضاء، أو مدينة غالباً وتكون وعاء مغلقاً تنتشر فيه وتتكاثر الروائح النتنة والشائعات، وتظهر النتائج المختلفة للكارثة، اجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً، ونفسياً.‏

بالنسبة لمدوّن الأخبار مثل دوفوي القريب من الرواية إلى حد ما )، ولكاتب التخييل، تعد مسائل التشكيل السردي هي نفسها : فمن جهة كيفية الوصول إلى نظرة متنوعة تتطلبها الظاهرة الجماعية من هنا البانوراما المدهشة المسيطرة على الفضاء في بداية - الهوصار - واستخدام الطريقة التزامنية)، وكيفية إعادة تركيب المادة المتنوعة لمظاهر الكارثة، داخل مخطط القصة. ومن جهة أخرى، ما الموقف الذي يجب تبنيه إزاء الحدث؟ وأي لوحة وبائية يحتفظ بها؟ من هنا تبني وبعث الشخصيات لمواقف معينة، وآراء إزاء الوباء. كيف نجمع القصة والخطاب، السرد والشروحات؟ كيف نحافظ على الوحدة، وبعض التنوع وتشجيعه، كيف نصل إلى تجزيء اللوحة؟ من هنا، مثلاً، استدعاء الظاهرة بوساطة قالب من النوادر، ويصبح الوباء ملفاً لمصائب منتشرة، وبوساطة مشاهد تدور من خلال رسم مرضي آثار مأساوية، تعبيرية السمات الملتقطة )، وبوساطة التصنيف، والملف لحالات حدودية بين المبالغ فيه، وغير الطبيعي، والنموذجي. اليومية الوبائية تتبدل في الحالة الحدية : يمكن لكل عنصر في اليومية أن يتحول إلى أعراض، ويطرح الموضوع الوبائي مسألة الواقعية غير الموجودة. لا سبيل لاستغراب ذلك : فهو الموضوع) يقوم بدور الصاهر لليومي، وينشئ حالة استثنائية.‏

لكل وباء حياته اليومية، ومغامراته، وأبطاله.‏

- تطور الموضوع وتحولاته :‏

يمكن الحديث عن تصالبات موضوعاتية انظر في الفصل السادس، مسألة التداخل بين أسطورة وأخرى). وتظهر الرغبة لكتابة التحولات في اليومية. في هذه النقطة، المدينة الوبائية مضطربة، وتعرض صورة معكوسة عن ذاتها : رفض اليومية، والسياق الفظيع للوباء يبعث الصورة الكرنفالية المدينة القائمة على التلال في - الهوصار - والتصرفات غير الطبيعية في لندن دوفوي ). ولكن استحضار انقلاب القيم، وتغير السلوكيات لايمكنهما استبعاد النظرات الأخلاقية : ننتقل من المرض المفرط إلى الاعتبارات حول الألم، ومن التوازن المقطوع إلى اختبار الانقطاعات، والتأمل في المعيار وفاعليته ضمن مجتمع كان في صحة جيدة، والمسار المزدوج للمرض الوبائي في الجسد الاجتماعي المريض.‏

يبقى تحديد الموضوعاتية الخاصة بكل نص واستغلالها، والاستخدام الشعري الخاص بكل نص، ومنطقه الشعري، ستستخدم هذه المعطيات في كل مرة كتحديد، وتفرد داخل تطورات للعناصر المشتركة : دراسة الزمن في ما هو جريدة يومية) عند دوفوي، وموضوعاتية لونية عند جيونو بياض الموت، والحر، الميل إلى البياض للقيء).‏

انتقلنا من تاريخ الأفكار سريعاً إلى تساؤلات حول الطبيعة الشعرية، وأخيراً إلى قراءات عازلة آلية خيال معين.‏

- بين الوثيقة والتخييل :‏

يطرح الحوار بين الأدب وتاريخ الأفكار أمام الأدب، والمقارن بعض المشاكل حُدد قسم منها سابقاً انظر الفصل الرابع ).‏

المشكلة الرئيسية هي مشكلة الدور المسند إلى النص الأدبي : وأحياناً مشكلة السجلات، والوثيقة. ما هو البعد المعطى، والمتروك للتخييل ؟‏

تحل المشكلة أحياناً من خلال الطبيعة نفسها للنص المختار.‏

ضمن إعلان قديم لجان فابر، ولكنه نموذجي، ومخصص للعالم الجديد كموضوع قبل - رومانسي من أندريه شينييه إلى ميكي ويكز )(4) كان الشعر المدروس فلسفياً ووصفياً غالباً، وكأن عصور الأنوار أثرت فيه. الحديث عن مثل هذا الموضوع، يعني الاغتراف بتوسع من كتابات متنوعة : " صانعو دعايات، وجغرافيون، واقتصاديون، وفلاسفة، كلهم يجب أن يستدعوا للشهادة "‏

هناك رغبة كبيرة لتحويل الموضوع إلى فصل لتاريخ ثقافي ضخم : (5) عندئذ نلتزم بتاريخ الأفكار، ونتخلى عن البعد الشعري للنصوص المختارة لكي لا ننظر فيها إلا إلى مخططات فكرية. يمكن أيضاً إعادة تركيز مجال الدراسات وتحويله إلى دراسة في النموذج الأدبي، وحتى في الأسطورة، والصورية الثقافية : مثل رمز كريستوف كولومبوس.‏

يتحدث جان فابرعن موضوع) كريستوف كولومبوس، بطل رمز، ورمز المغامرة الإنسانية، وبروميثيوس جديد، وفاوست آخر) ضمن آداب عديدة. هل هو نموذج أدبي، أم أسطورة، أم موضوع؟‏

وأي كلمة تضاف عندما يفسر جان فابر العالم الجديد كتورية شعرية ؟‏

لماذا ليس تفسيراً، وذريعة أو مجازاً؟ بالنسبة لكاتب مثل أليجوكار بنتييه الذي يقتصر عمله، المتأرجح بين شطي المحيط الأطلسي، على رمز صانع الحبكة كولومبوس الهارب والظل)، تعد الرواية أسطورة، وحكاية خرافية، وكل عمل، كتابي أو سياسي، ينتمي إلى المجاز يجب العمل مجازياً - هكذا يقول إنريك في نهاية - الرقص المقدس). لا يقوم هذا التكاثر للكلمات على غموض مصطلحي :‏

إنه يشير إلى حلول متنوعة، وإلى قيم مختلفة لكتابة الموضوع، والموضوعاتية التي نستطيع أن نسميها أيضاً شعرية.‏

- تاريخ أفكار، وعقيدة، ورؤية العالم :‏

يبقى، مع ذلك، مشكلة أخيرة تثار من خلال الربط المربك بين الموضوع وتاريخ الأفكار الذي يزعج أنصار الأدب الخالص). مع بعض الموضوعات، يصبح الأدب العام والمقارن مكان تأملات تاريخية، واجتماعية، وثقافية أكثر منها شعرية. من أجل تجنب هذه العدوى سنطلق كلمة عقيدة) التي تحسس بروحها الحزبية، وحتى المحاربة، في حين أنها تذكر بالواقع الملازم لكل مجتمع. أو سنتحدث عن رؤية العالم) للعقيدة، وهي باب مفتوح على العقيدة استخدم لوكاتش المفهوم) أو على المثالية، وتاريخ الروح الإنسانية. في تتبعنا للطرق المثالية، لن نتردد في تبيان كيف أن الموضوع جزء مرتبط بروح العصر) الذي تتخفى وراءه موضوعاتية العصر). من المؤكد أنه كان هناك كثير من الأفكار) حول الموضوع، سواء تعلق الأمر بعقيدة أم بمثالية.‏

هذا يعني نسيان أن روح العصر، التي، من المؤكد، أنها أدت إلى قراءات مثالية، كانت المفهوم المركزي عند الثوريين الألمان في نهاية القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشر هينينغ - ونيثامر) .‏

يحدد المفهوم قوة لاتقهر يزيل تقدمها العوائق المؤسساتية.‏

أعاد هيغيل أخذ المفهوم بهذا المعنى، ثم انتقد أي المفهوم) بوصفه شيئاً غير محدد، ومدمراً، قبل أن يستثمر في التعريف، داخل تاريخ الروح، وفي نظام قائم، وعقلية سكونية ومتماسكة يمكن التقاط حدودها ومضمونها. كل شيء إذن يعتمد على الاستعمال الذي ندعي فعله بالأفكار والكلمات. ربما تكون الموضوعاتية اللحظة التي يكتشف فيها الأدبي، دون نسيان أنه يدرس أشكالاً، أن الكلمات، بما فيها كلمات النص الأكثر أدبية، تذكّر بطريقة معقدة بأفكار وليس بوقائع. يظهر التوضيح الذي مر أن المقارن، الأديب يستطيع أن يفيد من تاريخ الأفكار من أجل .... التفكير ومنع الآخرين من أن يفكروا بدلاً عنه، في ماهو مفيد.‏

الموضوعاتية والمقارنية الشعرية.‏

هناك ملاحظة مدهشة في بداية كتاب - شعرية الفضاء (6)‏

يشير غاستون باشلا إلى أنه سيقترح تحليلات للصور : اعتبر الفضاء شبكة موضوعاتية ضخمة. ومع ذلك، أهمل مشكلة تأليف القصيدة). أظهرت الموضوعات هنا كمنتجة للنصوص، دون أن يفكر بدراسة وضعها ضمن شكل. سيوجه هذا التشيع باحثين آخرين نحو الملف. في مقابل ذلك، سنذكر مشروع جان - بيير ريشارد شعر وعمق )(7) ، الذي يهدف إلى إيجاد القصد الأساسي لمؤلف معين ووصفه) :هنا نقد خلاق بالمعنى الشعري للتعبير وليس نقداً فلسفياً. بين هذين الطرفين، هناك مكان لإعداد القراءات التي تظهر الموضوع كوسيلة من وسائل العثور على طرق الإبداع. شدد ف. شاردان (8) بفائدة على هذا التوجه عندما عارض فيه بين الموضوعاتية وجمالية التلقي، فأصبحت الموضوعاتية ثقلاً موازناً) لجمالية التلقي.‏

أما بالنسبة لكتاب برونيل - بيشوا - روسو، فإنه يشير إلى أنه يوجد منهج موضوعاتي) (9) ، ولكن المقارن يمتلك مناهج) عدة لكي يقوم بدراسة موضوعاتية بصورة جيدة : مثل المنهج التاريخي، والمناهج المسماة بالبنيوية.‏

- بين البنية والشكل.‏

يمكن بسهولة نقل الزمن الثاني لدراسة الصورة انظر الفصل الرابع )، وهي لحظة بنيوية، إلى الدراسة الشعرية) لموضوع : كيف يعطي الموضوع شكلاً للنص، البنية. نسجل المساواة بين الشكل والبنية، ولهذا نرجع إلى جان روسيه ومقدمته للشكل والمعنى كورتي، 1962). ولكن يجب أيضاً فحص العلاقات التي يقيمها الموضوع مع مفهوم الجنس النوع)، الذي هو توسع شعري آخر.‏

إذا أخذنا، من الكوميديا الإلهية، الموضوع، المتكرر، والبنيوي، للدائرة الجهنمية، فإننا نستطيع أن نرى كيف يخدم كموضوعاتية، وعنصر مشيّد لتسجيلات أخرى للفضاء. مثلاً الباب الخامس من كتاب - عنصر الأنوار - لأليجو كاربنتييه حيث يندمج موضوع غويان، وهو فضاء تشاؤمي، مع الموضوعاتية الجهنمية (10) .‏

إن القوانين الثلاثة للفعل المقارني التي استخلصها بييربرونيل البروز، والمرونة، والإشعاع، انظر الفصل الأول) هي مبادئ أساسية لتوجيه قراءة موضوعاتية : سنتذكر، بصورة خاصة، القانون الثاني وعلاقاته مع التحليل البنيوي انظر أيضاً الفصل التالي). يسمح الموضوع، إذن بتتبع عمل) النص، وفي هذا المستوى، يمكن أن تسمى الدراسة، بحق، شعرية).‏

أمام نصوص عدة مع وضع مقارني إجباري) كيف نمارس قراءة تبدو مصنوعة من قراءات متشابكة ومنفصلة؟ هذا يتطلب أن يستطيع نص إضاءة نص آخر، من خلال سلسلة من الانزلاقات المراقبة، وتشابهات مكتشفة ومستثمرة. بهذه الصورة، تبدو القراءة سماعاً للنصوص، الأكثر تفصيلاً وسعة في الوقت نفسه، إنها تشبه لعبة مرايا حيث ترتسم تعاقبياً المبادئ المنظمة، والمخططات المؤسسة، ومنطق الخيال الإبداعي وانحرافاته، وانزياحات العناصر وحساسيتها الزائدة، والدوافع الثانوية. قراءات متذبذبة ومتصالبة في الوقت نفسه حيث لا يمكن للمختص بهذا الأدب أو ذاك أن يتعرف ثانية على نصه، ومؤلفه. هنا يطرح سؤال :‏

هل هناك معنى واحد، ووجه واحد خاص بالنص الأدبي؟ بوساطة هذا المنهج الذي استند على تحليلات البنيان، دُرس موضوع هاييتي من خلال ثلاثة نصوص: مملكة هذا العالم لأليجوكاربنتييه، ومأساة الملك كريستوف لأيمي سيزير، وجزر العاصفة لبيرنارد دادييه (11) لهذا، من الواضح أنه على المقارن أن يراقب، من خلال قراءات مسبقة أو متوازية، تمريناته، ويتأكد من فائدة مايعتقد اكتشافه، وما يظن أنه قدمه. هذه القراءات هي دائماً قراءات ثانية. ولكن من الذي قال إنه لافائدة من إعادة القراءة؟ من المؤكد، مع ذلك، أنه عليه أن يتجنب خطراً مزدوجاً : فإما أن يكرر بديهيات على هذا، لماذا طرح نصوص أخرى ؟)، أو أن يصل إلى نتائج تعسفية، وأصالات غير مفيدة، ومغلوطة في مبدئها نفسه. ولكن القراءة النقدية تكون دائماً جديدة، عندما تدار بصورة جيدة.‏

- مسارات موضوعاتية جديدة :‏

يجب الاعتراف أن الجدة تتأتى أيضاً من الاختيار البصير للموضوع، أي إما من زوايا مهاجمة النصوص، وإما من الإمكانيات الجديدة في التجميع. في الحالة الأولى، يتعلق الأمر غالباً بقراءة تهتم بنص. نتذكر البداية المذهلة لدراسة جان بييرريشارد حول فلوبير (12) : " يؤكل كثيراً في روايات فلوبير ". أو أيضاً الأثر) المدهش، الموضوع والأسطورة الشخصية التي يستخلصها ميشيل ريفاتير من قراءة مذكرات ماوراء القبر) (13)‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:39 PM
في الحالة الثانية، تبدو الإمكانيات المتاحة أمام المقارن غير محددة : عليه أن يفرض صحة تجميعه. ولأن احتمال نص واحد أو كاتب مستبعد من الآن فصاعداً، فإننا سننطلق إذن، من الإمكانية المزدوجة )(14) ، وسننتقل عبر النموذج المشترك إلى موضوعاتية العصر(15) ، أو عبر النموذج الذي يتحول إلى مادة رومانسية (16) ، من أجل الوصول إلى موضوعاتية قريبة من تاريخ الأفكار(17) . إن ابتكار موضوع تحت شكل جديد وصياغته، وقدرته على التوليف بين إشكاليات ذات طبيعات مختلفة تاريخية، وجمالية، واجتماعية، وتحليلية نفسية .... إلخ)، ذلك كله يبقى المعيار لكل دراسة موضوعاتية جيدة وقوية في الأدب العام والمقارن.‏

- الجبل :‏

الدراسة قديمة، ولكنها تبقى نموذجية. أظهرت السويسرية كلير - إليان إنجيل في كتابها - الأدب الألبي نسبة إلى جبال الألب) في فرنسا وانكلترا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر (18) ، بروز موضوع في أدبين، والكتابة التدريجية عن عنصر حقيقي) والذي لم يكن له وضع أدبي قبل النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بذلك يكشف الموضوع حالة من الحساسية الأوربية عشية عصر الأنوار. ونجد مساراً موازياً في التاريخ وتاريخ الأفكار، والعقليات(19)‏

- النموذج والموضوع :‏

يدمج لابيا تولومي (20) ، الموضوع والنموذج الأدبي، ويظهر حالة حدية تقريباً للموضَعة تحويل إلى موضوع)، الأدبية، وأيضاً الرسمية والموسيقية.‏

يقال إن السمة الوهمية للشخصية وصراخه من الألم خدما كمحرض لخيال الشعراء، والفنانين، والموسيقيين، ستاندال، مع مقطع من - الحب -، دونيزيتي، كارلومارينكو، مسرحي إيطالي، الشاعر المكسيكي غوتيريز ناجيرا، دانوزيو، سواريس، باريس، أنا تول فرانس، ألدوس هو كسلي، غوستاف دوري، دانت - غابرييل روستي، والمسرحية القصيرة - حوار في المستنقع لمارغريت يورسينار.‏

عندما يسمح وجود نص كامل قصيدة - مسرحية) بالتحليل الشعري، يجب أن يجعل تواتر الإشارات والمقاطع المقارن حذراً، ويوجهه نحو تاريخ الحساسيات، لحظة من الخيال الأوربي بصورة أساسية، ونحو فحص علم الجمال، الانحطاطي هنا.‏

الموضوع، والجنس، أو الجنيس :‏

يمكن أخذ حالة التطور لموضوعاتية بحرية ملازمة لولادة رواية بحرية)، بدءاً من العصر الرومانسي دوما، ميريميه، جول، فيرن، ستيفنسون، ميلفيل) هذا يعني إذن سيناريوات) جديدة لأن المغامرات البحرية، وغرق السفن، والقرصان كثروا قبلاً ضمن الرواية اليونانية، وضمن الحوليات أو القصائد الملحمية في انكلترا أو في الجزيرة الإيبيرية في القرنين السادس عشر والسابع عشر.‏

في حالات أخرى الشعور السوداوي عند بروست، وث. مان، وإيتالو سفيفو، وروبير موزيل )، يلائم الموضوع نفسه مع أشكال روائية مختلفة، ويمكن أن أيضاً من وجهة نظر اجتماعية أزمة قيم) وكذلك من وجهة نظر شعرية وفلسفية : وهذا مافعله فيليب شاردان(21)‏

- المدينة : موضوعاً وكتابة :‏

غذى الموضوع برامج وندوات متعددة (22) ولكن تنظيم اختيار النصوص وثائق ظاهرة)، واستراتيجيات القراءة، يمكنه دائماً أن يثير إضاءات جديدة. سنعطي ثلاثة أمثلة إذا لم تكن تستعمل منهجية فإنها على الأقل تستعمل مبادئ مختلفة للقراءة.‏

يقابل أنطونيلا ليونسيني بارتولي بين أربعة نصوص في كتابه الجولان في روما القديمة )(23) ، وهذه النصوص هي : مدام جيرفيزي، 1869) للأخوين غونكورت، وطفل الشهوة 1889)، لـ غ. دانوزيو، والأممي 1894) لبول بورجيه، والحياة في روما 1910 )لفيرنون لي اسم مستعار لفيولي باجي ).‏

تقدم الأعمال موضوعاتية مشتركة : فيها ذوق أرستقراطي، وحساسية قوية نحو جمالية الخراب، والافتتان بالقوة الروحية للفن.‏

ولكن، قبلاً، يمكن الإشارة إلى أن فيرنون لي وحده أراد إخماد هذا الافتتان وتحويله إلى موضوع جمالي، ضمن نص لايعد عملاً خيالياً ولكنه ملاحظات متفرقة. إن ذلك كله مسار يرتسم بدءاً من استخدام موضوعاتية الانحطاط عند غونكورت وحتى فكرة البعث عند فيرنون - غالباً ما تكون روما زخرفة وإطارا باروكياً، وكذلك مشهداً عقلياً وداخلياً، وفضاء مؤنثاً إلا عند فيرنون لي. هناك اختلافات في الكتابة يجب الإشارة إليها بوضوح : أصبحت روما، مع بورجيه، المكان لرواية قضية (24) ، تسمح للبطل بالانتقال من الافتتان المضني إلى الالتزام. وفي ضوء أعمال ماريو براز، تم الوصول إلى توضيح مفهوم الانحطاط) نستخلص من الندوة المخصصة لباريس وظاهرة العواصم الأدبية التي ذكرت سابقاً في الفصل الثاني)، الإعلان القصير والكثيف لروس شامبير الذي أعطى عبر كوميديا القصر )(25) مثالاً جيداً عن الاتفاق بين الموضوع وصول الكوميديين إلى القصر) والشكل المسرح ضمن المسرح) هنا يأخذ يوليس لجيمس جويس، وزازي في الميترو لريمون كينو، لكي يقترح قراءة تناصية أي متصالبة)، مكرسة لاستخراج نوع من الموضوعاتية لوظيفة تأملية ذاتية). يتعلق الأمر، بدقة أكثر، بزيارة المدينة حيث يظهر اشتراك ملح إلى حد ما بين دافع الإغراء ودافع الفوضى) منذ بودلير، يفكر بالمدينة بصورة مزدوجة فهي مكان الفوضى، والتبعثر يستبعد كل إمكانية للجمع، وهي مكان التقاء. انظر، عابرة) يسمح هذا المعطى المزدوج بجمع نصين مختلفين بشدة حيث تقرأ كتابة متموسقة، ومتعددة الأصوات، ويسمح أيضاً برؤية كيف يموضع) كينو المعطى المزدوج إغراء الفوضى)، عن طريق العودة إلى مصادر إغرائية) لسردية تقليدية، في حين أن جويس كان يبحث عن استخدام هذا المعطى في الكتابة. من هنا تأتي فكرة أن النصين يجيبان على التمييز الذي قام به رولان بارت في كتابة س / ز (26) بين نص قابل للقراءة) ونص قابل للكتابة) في لقاء آخر مع موضوع المدينة (27) جمع كاميل دومولييه الرواية الحديثة والمعاصرة مع المدينة الحديثة التي لا يمكن للفضاء فيها أبداً أن يمسك في شموليته، ولكن عبر انقطاعات زمنية، وتباينات فضائية :‏

ملصقات، و مونتاجات) تساعد على خلق شك في موضوع التعبير والانقطاعات داخل وحدة الشعور والواقع، والتي تتوافق مع انقطاعات سردية تجعل كل استمرارية للمسرود مستحيلة.‏

يضاف إلى ذلك استثمار الصور الاستيهامية مثل المتاهة، بابل أو بابيلون، وخلق فضاء حواري، متعدد اللغة، والصوت المتميز للمدينة الحديثة التي تحولت إلى فضاء روائي. عنصر مفيد بالنسبة لفصل قادم انظر الفصل السابع) : الموضوع شكل من النموذج المحرض) للنص : نموذج وصفي، وسردي بحسب الحالة هذا ما نسميه سيناريو).‏

إنه دائماً موقف وصفي، ومعطى المادة) مع إمكانية سردية إلى حد ما. إن تتبع هذه الإمكانيات السردية المختلفة، يعني أيضاً ضمن التعاقب أوالتزامن، ملاحظة كيفية وجود موضوع في حياة مجتمع وجماعة، وعصر، وكاتب.‏

- الموضوعاتية والخيال‏

لن نُفاجأ بالعثور أيضاً في هذا المستوى على شاغل كلي الوجود : هوالمؤرخ انظر سابقاً تطور العقيدة والخيال).‏

- خيال المؤرخين :‏

يجب القول إن هذا المستوى الثالث) كما يسميه المؤرخون، هو مستوى العقليات والحساسيات. لم يعد المستوى الأول الزمن القصير) مستوى السياسي والحدث، ولا الثاني للزمن المتوسط مستوى الدورة، والاتجاه، والمصادفة، والذي يعيد إلى المستوى الاقتصادي، ولكنه الزمن الطويل، الحقبة الطويلة الأثيرة عند فيرناند بروديل (28) سيستحوذ المؤرخ على موضوع، ومعطى، وموقف إنساني ليصنع تاريخ البشر : كليو الهابطة إلى أرض البشر، هذا هو المسار المؤسس للتاريخ الجديد. مسار سنرى إلى أي حد ابتعد عن المعطيات الاجتماعية حصراً، والاقتصادية التي كان يمكنها أن تكون لتحليلات عقائدية. من الواضح أن هناك صلات متعددة بين التاريخ الجديد ورواج خيال معين أصبح مجال بحث مفضل، ومفهوماً متعدد المعاني، ويمكن القول إنه استكشافي بسهولة. هناك أيضاً، عند المؤرخين الافتتان بالتركيبات الواسعة التي نسيها الأدب. تركيبات موضوعاتية مثل الموت الذي درسه جان ديلومو.‏

- الأدب والحساسية :‏

بالنسبة للمؤرخ، كل شيء قابل لأن يصبح موضوعاتياً. أصدر آلان كوربان، أحد أساتذة هذا التاريخ الجديد، دراسة حول الأجراس على الأرض، مشهد رنان وثقافة حساسة في الأرياف في القرن التاسع عشر، ألبان ميشيل، 1994. هل كان يستحق هذا الموضوع مساراً مقارنياً؟ كان المأسوف عليه إروان كوبين قد فكر بذلك منذ عام 1971، ضمن مقالة بقيت خصوصية وعنوانها : الأجراس المحزنة (29) ، مع عنوان فرعي إيضاحي : " تغيرات دافع في الأدب الأوربي " تكشف الدراسة عن فهرس جيد حول الدافع، أوالموضوع، أو الرمز المتعلق بالجرس في الأدب. نجد في هذا الفهرس شيلر، وأو هلاند، وكونراد - فيرديناندماير، وبودلير، وإدغار آلان بو، وفيكتور هوغو ونوتردام باريس، وديكنز، وبوشكين.‏

فجأة ظهرت المقالة ضيقة جداً بالنسبة للأجراس، حتى المحزنة.‏

ما الذي يجب فعله بهذه الأسماء الكبيرة لأن موضوعاتية هذا الجنس لا تقتصر حتماً على مبتدئين)؟‏

يجب الارتقاء بعزم فوق كل عمل لاستخلاص بعض التكرارات للدراسة، وسمات دائمة متواجدة مع روايات مختلفة تقوم على رهانات شعرية مختلفة، ومتعلقة بدافع ذي أصداء دينية، وبرؤى مختلفة للعالم.‏

تفيد الكتابة هنا وفي أي مكان آخر في التجاوز المعبر للواقع، ويذكر كوبين بصورة مناسبة فكرة هاري ليفان خلال حديثه في مؤتمر الرابطة الدولية للأدب المقارن بلغراد، 1967) عن ميزة الواقعية في محاربة التقاليد). هكذا خدمت الأجراس هنا في التغلب على استذكار مجموعة من التأملات الجمالية، في حين أنها اتجهت مع آلان كوربان نحو تاريخ الديانة والمواقف أمام شعائر الحياة.‏

- الخيال والمجتمع :‏

أراد آلان كوربان في دراسة سابقة (30) أن يتأمل بعض أوجه المنظر ودوافعه، على حد الأرض والبحر، وهذا خيار لم يكن ينكره مقارن باسم الموضوعاتية أو العلاقات بين الأدب والفنون.‏

وهذه هي خاتمة هذه الدراسة التي تهمنا مع بعض التنبيهات أن على المقارن أن يسمع. أمام هذه الصور الدائمة، وفي مواجهة الزمن الطويل، يحدد كوربان : " أن الأمر لايتعلق بالانضمام إلى الإيمان ببنيات انتروبولوجية للخيال لاتتغير مع الزمن. المنظر مرسل لصور تسهل الانتقال من الوعي إلى اللاوعي، وتقدم خطة التحليل رموزاً تقاوم فوقها الحساسية، ولكن العمليات تتم، برأيي، وفق آليات يمكن تأريخها "‏

رأينا في المقطع انتقاداً موجهاً إلى جيلبير - دوراند. لقد قيل كل شيء في بضعة سطور : لهذا تحدثنا، منذ الفصل السابق، عن الخيال الاجتماعي، يمكن التعرف عليه في زمن وثقافة معينين.‏

إن سمة العناصر القابلة للتأريخ مثل الموضوعات) تهم الدراسات التعاقبية حيث تظهر حقب الاستغلال دون تجديد، ومراحل تطور خيال. الموضوعات هي وسائل لتحديد التاريخ الأدبي وتمييزه، مثل الترجمات أو الصور انظر الفكرة التي عبر عنها سابقاً جورج بوليه). بذلك تقدم دراسة الموضوعات للمقارن أعمالاً عديدة، ومحددة : مثل التعرف على العلاقات المحتملة بين النصوص والسياق الاجتماعي، وتتبع استراتيجيات استدلالية، والتقاط أصداء روحية، واكتشاف أن دراسة الأدب تستطيع، مثل التاريخ، أن تكشف عن أبعاد عاطفية وحساسة.‏

يقترب الموضوع حيناً مما يمكن تسميته بالمتخيل، والأسطورة، وحيناً آخر يدفع المقارن إلى فهم المنطق التخيلي : كلمات لفاليري في كتابه مقدمة في منهج ليوناردو فينشي) 1894).‏

وفي الحالتين، يحرص هذا الأخير على عدم نسيان المنظور التاريخي، الذي سيسمح له، في مكان آخر، بحصر كل ما هو موضوع كامل)، ويعاد أخذه، ويتأدب تحدثنا في الفصل السابق عن عناصر مأخوذة ضمن تطور اجتماعي)، وما هو موضوع شخصي، يمكن أن يصل إلى الموضوع الهاجسي أو إلى أسطورة شخصية بالمعنى الذي استخدمه شارل مورون). أشير إلى هذه الطرق بوضوح في نهاية الفصل الذي خصصه برونيل، وبيشوا، وروسو لهذه المسألة. في المقابل، يبدو من غير الممكن، والبعيد عن التفكير إعادة أخذ فكرة موضوعاتية أبدية)، حتى وإن تعلق الأمر بموضوعات قديمة جداً.‏

القديم الجمعي، أو الحقبة الطويلة ليسا مبدئياً ماوراء التاريخي الأبدي. ويمكن القول إن الموضوعاتية تشجع على مقارنة الموضوعات القديمة والموضوعات الحالية التي نقلتها لنا الحياة الحديثة. من بين الدراسات الموضوعاتية الحديثة في الولايات المتحدة الأمريكية، يمكننا أن نذكر دراسة الاستعباد النسائي) من روسو إلى زولا (31) مظهرة الاستغلال الدائم للجسد الأنثوي في المجتمات والآداب الأوروبية الغربية خاصة الفرنسية). المثال الثاني الذي سجل في موروث أكثر من عشرين سنة هو : الأدب والغذاء (32) .‏

دُرست فيه التصرفات الشاذة للآكلين، وفقد الشهوة إلى الطعام، والشراهة التي تقود إلى موضوعاتية ملحة للبدانة فيما يبدو) أما فيما يتعلق بالآكلين الشاذين، فإننا نجدهم عند هويسمان، ث. مان والوجبات التي لا تنتهي في Buddenbrook ).‏

يمكن الربط بين الموضوعين الحاملين : موضوع المرأة و موضوع التغذية أو دراسة الآكلات الشاذات الثلاث : مدام دومورتسوف في الزنبق في الوادي)، وإيما بوفاري، المتخفية عن الأنظار، وجيرفيز. وكشاهد على المثال المضاد أو الموضوع المضاد يمكن ذكر أعمال المؤرخة الأمريكية كارولين بينوم الموجهة نحوالربط القوي مفهوم مقارني) بين فقدان الشهوة إلى الطعام وبين الروحانية النسائية في العصور الوسطى (33) .‏

ويمكن أن نذكر أيضاً الندوة الغنية جداً التي نظمت في ديجون حول موضوع لاينضب : خيال الخمر، مرسيليا، جان لافيت، 1983.‏

من المؤكد أن الموضوعاتية تفتح على منظورات لا محدودة : يستطيع المقارن دائماً أن يحاول رفع وتد الغطاء الذي يغطي، حسب رأيه، مشكلة معقدة. يمكنه اختيار موضوع غير مدروس كثيراً، لكنه يعده مفيداً من خلال المنظورات التي يقدمها، ويستطيع أن يختار نصوصاً معروفة يريد رؤيتها ثانية، أوغير معروفة كثيراً من أجل توضيح دراسة الموضوع، ويستطيع أخيراً أن يعتمد على تجميعات يقدمها واضحة ومدهشة في الوقت نفسه.‏

وعليه أخيراً الاختيار بين موضوعين : طريق يجب توضيحه أو درب مطروق، وللثاني أفضلية واضحة في إثارة قليل من الغبار، أو ذر الرماد في العيون.‏

(1) انظر بداية مسرحية سوفوكليس - أوديب ملكاً - وانظر أيضاً العهد القديم والجديد، L uc ، XXI ، مثلاً‏

(2) انظر أيضاً الرأي العام وتطوره في مانوسك لجيونو.‏

(3) مجموعة عناصر متجانسة من الميسور الانتقال باستمرار من واحد إلى آخر فيها.‏

(4) الرابطة الدولية للأدب المقارن، شابيل هيل، 1958.‏

(5) انظر الكتاب الجميل لأنتونيلو جيري La dispota del Nuovo mondo storia di una polemica ، ميلانو، 1955، حول وضع أمريكا ضمن منظومات فكر الأوربيين وخيالهم .‏

(6) p.u.f، كادريج‏

(7) سوي، 1955‏

(8) البحث في LGS ، الكتاب الابيض‏

(9) الباث لميشليه من خلال ذاته، جان - بيير ريشارد‏

(10) خمس عشرة دراسة حول Elsiglo de las fuces هارماتان، ريسيف، 1983‏

(11) انظر صور هايتي وأساطير، طبعة، ريسيف، 1948‏

(12) أدب وإثارة، سوي، 1954‏

(13) إنتاج النص، سوي، 1979‏

(14) انظر جوليان هيرفييه، فردان ضد التاريخ : بيير دريو لاروشيل، إرنست جونجر، كلانكسيك، 1978‏

(15) جان بالاسيو، بيير ونهاية القرن، سيغوييه، 1990.‏

(16) إليزابيت رافو - رالو، صور المراهقة في بعض حكايات القرن العشرين، كورتي، 1989، أو ف شاردان، الحب داخل الكره أوالغيرة ضمن الأدب الحديث، جنيف، دروز، 1990.‏

(17) ميشيل ديلون، فكرة الطاقة عند منعطف الأنوار، P.U.F ، 1988 أو غوتيل بونو، الجنون في الأدب الخيالي CNRS، 1987.‏

(18) شامبيري، 1930‏

(19) فيليب جوتارد، طبعة ابتكار الجبل الأبيض، غاليمار - جوليارد، أرشيف، 1986.‏

(20) Purgatoire ، النشيد الخامس.‏

(21) رواية الشعور السوداوي، جنيف، دروز، 1983.‏

(22) انظر مثلاً : مرايا المدينة، تصورات وإسقاطات، Ens ، القديس - كلود، ديدييه، 1985، أو خيال المدينة، إيدولون، جامعة بوردو الثالثة، 1986‏

(23) أنكونا، طبعة نوف ريسيرش، كابري كورنيو، 1993‏

(24) الرواية القضية هي رواية يقصد بها التدليل على صحة نظرية.‏

(25) كورتي، 1967.‏

(26) S/ Z ، سوي، 1970‏

(27) المدينة الحديثة في الآداب الحديثة، جامعة نانتير، 1993‏

(28) كتابات في التاريخ، شامب - فلاماريون‏

(29) Archiv fiir das studium der neueren sprachen und literaturen , 1971‏

(30) أرض الفراغ، الحادث ورغبة الساحل، شامب - فلاماريون، 1988.‏

(31) كارول، أ. موسمان، السياسيون وروايات الميلاد، كامبردج، 1993‏

(32) ليليان فورست، طبعة ديزور دلي ايتر، بنسلفاينا، 1992‏

(33) الصيام والمآدب المقدسة، سيرف، 1994‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:44 PM
7 - الأشكال والأجناس




عرض كتاب بيشوا - روسو مسائل المورفولوجيا الأدبية) بعد عرض الدراسة الموضوعاتية )، وأعيد أخذ هذا التوجه في كتاب عام 1983(1) الذي اختفى فيه، مع ذلك، العنوان الرئيسي البنيوية الأدبية). يمكن أن نستغرب السرعة التي عولجت فيها مسألة الأشكال، ولكن الاستغراب يزول عندما نتذكر أننا قرأنا في الفصل المخصص للتاريخ الأدبي العام) عرضاً للأجناس الأدبية التي تندمج تحت منظور دراسة تاريخية موسعة : حيث تعرض مشاكل الأسلوب، والحقبنة، والأجيال. مع ذلك، أدير التفكير حول الأجناس ضمن منظور شعري. بشهادة هذه الكلمات في المقدمة : " إن الوجود التعاقبي - التاريخي - للأجناس الأدبية هو الدليل الساطع على تقليد يفرض نفسه على المؤلفين. يحصل أحياناً أن يبدع العمل شكله، ويحصل غالباً، أو على الأقل كان قد حصل، أن ينزلق العمل ضمن شكل يكون موروثاً من الماضي القديم [ ....]. " كانت فكرة الشكل) حاضرة، إلى حد أن الملحمة، والقصيدة الغنائية، والمأساة، والملهاة كانت تقارن ببراميل حقيقية من فراشات الليل الأوربية التي تملأ في كل مرة بسائل مختلف). ولكن يشار، في الحال، إلى أن " البراميل يتغير شكلها تحت تأثير المواد التي نسكبها فيها " وكأن هذا من أجل تأييد هنري فوسيلون أوجان روسيه ربما من المناسب، عندئذ، الحديث ليس عن براميل) ولكن عن هذه القرب القديمة وعن هذا النبيذ الجديد اللواتي حكم العهد الجديد بتعارضها بصورة نهائية، وقد يكون من المناسب خاصة حل بعض المسائل المصطلحية التي تقارن بغرابة بالمسائل التي تقاطعت سابقاً.‏

- مسائل المصطلح :‏

يمكن أن تستخدم كلمة شكل) لكي تعيّن عنصراً يؤدي إلى التنظيم الداخلي للنص المدروس أو يسمح بدراسات ماوراء نصية ذات طبيعة تاريخية أو شعرية مثل حياة الأشكال الأدبية. وتسمح الكلمة بالتجريد الأكبر، والتعميم في دراسة المورفولوجيا). علاوة على ذلك، عند الاستخدام، وبالرجوع إلى دراسات الأدب العام والمقارن أو إلى أعمال أكثر اختصاصية في الشعرية، يبدو أن الجنس ليس إلا وجهاً خاصاً للشكل. وتستدعي كلمة الشكل عناصر تعريف خاصة : هي السمات الجنسية، وتثير امتدادات : سنتحدث عن طبقات جنسية) لايمكنها أن تندمج مع مفهوم الجنس يتجاوز الشعري والتراجيديا الشعر والمسرح). أخيراً، لايمكن التفكير بالجنس خارج السلسلة أو المجموعة التي نسميها منظومة) الأجناس، في أدب وعصر معينين يمكننا أن نتمرد ضد المقاربات الأولى هذه ونقرر أن الشكل يحيل إلى إجراءات تنظم الكتابة وتحددها، وتكون مُقنّنة، وثابتة مثل تقاليد النظم، والمجموعات المقطعية الشعرية والعروضية، والتقسيم إلى فصول ... ولكن يجب القبول مباشرة أنه في حالة السونيتة (2) الحدود بين الجنس والشكل غير واضحة المعالم كثيراً، ونجد الجنس، أوبصورة أصح الجنيس فئة مستخدمة كثيراً في الواقع) مع السونيتة الغزلية أو السونيتة الساخرة، والهجائية، إلخ. وإذا كان بعضهم يفضل الحديث، حول هذه النقطة، عن نماذج وفي الانكليزية Modes) فإن الهجاء، والمجاز، والمحاكاة الساخرة، والهزأة نماذج بنية شاملة لنص وتؤكد على الميزة الجزئية للنص المدروس (3) . سنتحدث عندئذ عن طبقة جمالية _ أديبة) أو عن نغمة انفعالية) (4) ، أو عن نغمة مسيطرة )(5) ، وهذا يتطلب، في الحالات كلها، شكلاً أو أشكالاً عدة يستطيع المقارن أن يجمعها بدلاً من أن يحاول تضيفها.‏

يمكن أيضاً تأييد أن الانتقال من الشكل إلى الجنس ظاهرة تاريخية : يصبح الشكل) سونيتة أو الشكل) حوار جنسين في عصر النهضة(6) عندما ينزع الشكل لأن يتطابق مع النص في كليته، يمكن القول إن الشكل ينزع لأن يصبح جنساً.‏

يدخل الموضوع ثالثاً في الجدال بين الشكل والجنس. مثلما يظهر دومينيك كومب ضمن توضيح تركيبي قيّم (7) ، فإن مفهوم الجنس) تقاطع لمعايير موضوعاتية) مثل موضوع العمل المقصود، ومعايير شكلية) لغوية، وأسلوبية، وطرق التعبير، والشكل المنظوم أم لا، والبنية). ولكن كما أن، المادة التي تدرس، لفظية تعرف الفنون غير اللفظية أيضاً التضيف ضمن أجناس )، فإنه من المستحيل مواجهة فحص المعايير الشكلية الخالصة) : سيكون هناك دائماً مزيج) من المسائل الدلالية والشكلية. فضلاً عن ذلك، فإن مشكلة الهوية الجنسية) لنص هل هو رواية مغامرات أو رواية نفسية؟ أو كوميديا أو تراجي - كوميديا ؟) تختفي في الحالة التي يتفوق فيها النص الأدبي على الجنس المحدد هل البحث رواية ؟).‏

- الجنس والنموذج :‏

ينزع البعد الشعري لنص ما إذن إلى إزالة الجنسانية ونفيها، هذه الجنسانية التي يبدو أن النص يحييها. على العكس من ذلك، يستطيع نص أن يستعير من نص آخر عناصر جنسية، وبالتأكيد، موضوعاتية. نعلم أن هذا الشكل من الاستعارة) يفيد المقارنين في المقام الأول (8) . يمكننا أن نطلق اسم النموذج) على النص الذي يقدم إمكانية لاستعارات عناصر شكلية وموضوعاتية وتقليدها واقتباسها. يبدو وأن مفهوم النموذج) إذن يقودنا نحو تطورات التبادلات، ولكن هنا أيضاً يمكن أن نستخدم الكلمة عندما نفحص التشكل الداخلي لنص مسألة في الشعرية ). النموذج، مثل الموضوع أو الأسطورة، تناص، وما وراء نصي في الوقت نفسه. مما لا شك فيه أن هذه الميزة المزدوجة هي التي تصنع من النموذج عنصراً يتجاوز حدود النص، ومفهوماً مناسباً مع ذلك، يستخدمه المقارنون بإرادة. يظهر تاريخ العلاقات الأدبية أنه يمكن للنص أن يصبح نموذجاً) مثل الكوميديا الإلهية )، وضمن هذه الحالة، تصبح صورة الكاتب نموذجاً). لا يمكن لنص أن يكوّن جنساً : إن سلسلة معينة هي التي تعطي وجوداً للجنس في تاريخ تطور أدبي كما في التاريخ الأدبي) وتستطيع السلسلة أيضاً أن تصبح نموذجاً) : سنتحدث، بهذا المعنى، عن نموذج مولييري، أو زولي نسبة إلى زولا )، انطلاقاً من عدد من النصوص التي تتعدد وفق مخططات خاصة، أوالتي تسمح بالتقليد، وإعادة الإنتاج. كل نص يجيب عن أشكال متعددة ويخضع لها، يشكل جزءاً من سلسلة تسمى جنساً، إلا إذا كان مثالاً أو نموذجاً. إن دراسة حالة محددة ستوضح هذه المفهومات.‏

- الشكل المثال والنموذج:‏

في المؤتمر الثاني للرابطة الدولية للأدب المقارن شابيل هيل، 1958) طرح مارسيل باتايون في بضع صفحات رائعة المشكلة المحددة والنظرية للشكل) بخصوص عمل عظيم لايخضع للتصنيف من الأدب الإسباني : هو Celestina) 1499) لفيرناندو روجاس.‏

ويحدد مباشرة أنه سيأخذ كلمة الشكل) ضمن المعنى التالي : "العمل بوصفه مثالاً عن جنس مقيّد ". فالشكل هنا إذن خاضع لغاية أو على الأقل لقصد) يوجه البنية) أو البنية الدقيقة )، وهو يختلط أحياناً بالأسلوب أو المعمارية العامة).‏

يسمح مفهوم الشكل) إذن بالذهاب إلى أقرب ما يمكن من تشكل نص متميز وأول).‏

هذه المسرحية الغريبة ليست رواية، ولا رائدة للشكل الروائي، ولا مأساة شكسبيرية قبل الأدب، ولا شكلاً مبكراً للرواية البيكارسكية بسبب الأم القوادة سيليستينا )، وجددت بجرأة، وبلغة دارجة، الكوميديا الإنسانية في اللغة اللاتينية. وهي غير قابلة للتمثيل. لأنها صممت من أجل متعة القراءة بصوت مرتفع) انطلاقاً من تحليل النص الأول، يمكن فحص النسخ والإضافات اللاحقة. وعليه لايمكن أن يفصل التحليل الواضح للمادة، عن تحليل طرق التعبير .وتركيبهما وحده يحدد الجنس السيليسيتني ).‏

ويعرف مارسيل باتايون هذا الجنس وفق نموذج داخلي) بمكونين اثنين نتذكر عمل جان روسيه حول أسطورة دونجوان) : ولد زوج من العشاق، ولعبة محترفي الدعارة، والقوادة.‏

ما الذي نقص هذا أم ذاك من المكونين )، وطور في جنس آخر، ونغمة أخرى، سواء كان نوعاً من الكوميديا نسيان المكوّن الأول )، أم ضمن فعل نثري مثل La Dorotea للوب دوفيغا عبر الخضوع للمكوّن الثاني). انطلاقاً من هذا المثال الشاذ خلص مارسيل باتايون إلى ضرورة دراسة الأشكال كضرورة للأدب العام). ولكنه يسجل أيضاً أن الجنس السيليستيني قلما كان له امتدادات خارج إسبانيا. هذه الملاحظة التي أرعبت المقارنين المتزمتين والصلبين مع ماذا ستقارنون هذا النص ؟) سمحت، بالعكس، لهذا الأستاذ المقارن باقتراح برنامج صغير للأدب العام والمقارن : استجواب الاقتباسات ومقدماتها، وسبر مجال الأشكال المتقاربه، والتفكير باتجاه التراجي - كوميديا )، وأخيراً مراجعة الموروث الوطني) والتساؤل عما إذا لم يكن هناك دعوة للاستقبال بالنسبة لبعض الأشكال الأدبية، أو بالعكس للرفض بالنسبة لأشكال أخرى. نقر أيضاً أن الشكل المقصود قلما سمح بتكوين جنس، ولكنه كان من نوع الجنس الذي جدده.‏

لم يكن هناك نموذج) سيليستيني، ونكبة تعوضها ثروة النمط لسيليسيتنا، رمز بديل للأم القوّادة. إخفاق تاريخي وشعري، ولكنه نصر للشكل المتفرد عمل وحيد دون خلف)، ونصر حقيقي على المستوى الخيالي ومشكوك فيه على المستوى الأخلاقي ...) : ربما يكونون مجددين، ولكنهم ليسوا مبتدئين. أليس التجديد، بالنسبة لماريفو هذا " الكلام المصطنع "، وشكلاً من الدعابة، ودون شك، شكلاً من الروح والحساسية، وأكثر من ذلك أيضاً، بحسب التعريف الموفق لديلوفر، معنى جديداً للحوار الذي لم يحلم أحد قبله بجعله ...) عنصراً مستقلاً). سيصبح الإصلاح) بالنسبة لغولدوني وليسينغ المفهوم الأساسي الذي يلخص مشروعهم. مع ذلك، وكما أظهر في دراسة مقارنة (9) ، إذا كانت إرادة التجديد عند ليسينغ تحمل بصحة ماريفو، وإذا توصل إلى الأصالة بفضل نموذج أجنبي، يمكن شرعاً التساؤل عن المدى التجديدي لهذه الأشكال الجديدة. هل كانت الحقبة التي تغطيها المسرحيات، وهي إجمالاً منتصف القرن، حقبة تجديد حقيقة؟ ألم تنزع التواريخ الأدبية إلى تفضيل القسم الثاني من القرن، وظهور المأساة البرجوازية)؟ من المناسب إذن دراسة المسرحيات داخل إطار مرن ونظري في الوقت نفسه من أجل احترام كل مسرحية، وكذلك من أجل الوصول إلى منظورات للتركيب. لايمكن لهذه المنظورات أن تظهر بوضوح إلا في نهاية الدراسة. ولكنها تستطيع أيضاً أن تبرز كفرضيات يجب التحقق منها أي إشكالية المسألة )، انطلاقاً من تفكير عام) حول البعد التجديدي) لمثل هذا المسرح. من هنا يأتي التحليل المقارن الذي يتبع النقاط التالية : التقليد والتجديد، استخدامات وأدوار : من الشخصية إلى الشخص، والشكل الهزلي والهزل.‏

- التقليد والتجديد :‏

يجب وضع هذه المسرحيات بين هذا الرهان المزدوج، ودراسة نماذج العمل في المسرحيات تقليد موليير، وتأثير المسرحيات الإنكليزية العاطفية). تجرى هذه الدراسة من خلال قراءات نقدية، وفهرسة إضافية، ومن خلال إعادة فحص المسرحيات في الوقت نفسه. سندرس أيضاً فعل الفضاء والزمان ومشاكلهما، خاصة ضغط الأحداث الداخلية وقيمتها، وهي غير موجودة تقريباً عند ماريفو، من هنا يأتي عدم عمل يغني الواقع ويعدله، ويطبعه بطابعه، وشكله، وخياله ضمن فضاء اجتماعي وثقافي معين.‏

- من المورفولوجيا إلى التاريخ الأدبي العام :‏

إن المقاربة التاريخية والشعرية لمسائل الموضوعاتية والمورفولوجيا ذكرت في كتاب بيشوا - روسو، وفي كتاب برونيل - بيشوا - روسو، بوصفها الإمكانية الأولى، الخصبة لدراسة التاريخ الأدبي العام. لهذا، فإن القسم الأعظم من برامج الإجازة )، ومن المسائل الواردة في شهادة الأستاذية في الآداب الحديثة، يتوجه نحو هذه الإشكالية المزدوجة التي تسمح بتعددية القراءات : " يمكن لدراسة الأجناس الأدبية التعاقيبة والتزامنية، في الوقت نفسه، أن تشكل، إذن إسهاماً مفيداً في التاريخ الأدبي العام، خاصة إذا اهتمت بالموضوع نفسه الذي عالجه الكتّاب الأكثر تنوعاً، في الزمن والفضاء الموضوعاتيين) : les Antiganes ، les Amphitryons ، والقصائد المكرسة لمآثر الأبطال الوطنيين، تكشف في الوقت نفسه كمونات الموضوع، وسمات العصور والبلدان، وأخيراً، عبقرية كل مؤلف " هل يجب أيضاً ملاحظة المدى المحدود لهذا الكشف إذا أثبت تفرد كل كاتب أو كل عمل؟ في المقابل، إذا كانت المسألة المحفوظة تسمح بقراءة حقبة من التاريخ الأدبي، وإذا كان اختيار النصوص المجموعة يسمح بتمييز هذا العرض أوغيره للشعرية أو التاريخ الأدبي، فإن المسألة الموجهة نحوالأشكال أو الأجناس الأدبية سيكون لها مستويات دراسة متنوعة.‏

- مثال على الدراسة الشكلية والموضوعاتية :‏

عام 1992 -1993، كانت إحدى المسائل الموضوعة في شهادة الأستاذية في الآداب الحديثة تحت عنوان : " أشكال جديدة للكوميديا في القرن الثامن عشر "، واقترح كنماذج للدراسة : مدرسة الأمهات والأم الحميمة لماريفو، والخادمة العاشقة لغولدوني، و Mirna von Barnhelm لليسينع.‏

- من النص إلى الإشكالية.‏

إذا دققنا في هذه المسرحيات الأربع، يلاحظ بقوة أن المؤلفين الثلاثة لم يكونوا مبتدئين في اللحظة التي أعطوا فيها مسرحياتهم الكوميدية :‏

فائدة العرض) التقليدي والثقل الكبير للماضي عند ليسينغ، ولكنه عرض كاذب، ومعلومات غير صحيحة تثير موقفاً فعالاً عند المشاهد المشترك في الفعل؛ ودراسة النهايات المولييرية جداً عند غولدوني، ومحاكاة معروفة للمريض الخيالي)، والنهاية الغامضة في الأم الحميمة)، وهي تجديد حقيقي عائد إلى المقاربة الخاصة للأم، مدام أرغانت، والنهايات في أزمنة عديدة عند ليسينغ، مع انتباه خاص موجه نحو التلاؤم النفسي والاجتماعي مصالحة بين وتيلهام، ثم الوصول المثقف عليه للعم، وزواج التالية- التي ليست جارية- بالمساعد وليس الوصيفة).‏

- الشخصيات والأفراد:‏

من فوز اللعبة، ننتقل إلى فحص منظومة الشخصيات بالنسبة للأعمال، وإعادة أخذ الأدوار النسائية، سندرس الانتقال من العمل المقنَّن) إلى تثبيت الشخصية كفرد، ستدرس أيضاً تبدلات الثنائي سيد- خادم بوصفها أوجهاً شكلية بنيوية)، وكذلك تغيرات الأعمال أو الأدوار دور الأم، ودور الجارية).‏

لا تسجل ترقية الجارية فقط في مستوى اللعبة المأساوية:‏

يتعلق الأمر بدقة أكثر، بحديث أتى ليفسد ترتيب الأعمال والأدوار، من هنا يأتي تحليل أهمية اللغة تحليل) أشكال الحوار وتنوع النبرة، رائع عند ليسينغ، والعلاقة بين اللغة والجسد عند الضابط تيلهيم)، إن الحديث بالنسبة للشخصيات النسائية كارولين غولدوني) يعني تطوير استراتيجية الكلام، وإقامة علاقة قوة لصالح المرأة التي لا تستبعد الأثر المضحك، ولا الدرس الأخلاقي.‏

*- الشكل الهزلي والهزل:‏

هل يمكن حصر دلائل حساسية جديدة، أي حساسية جمهور جديد مولع بموضوعات تفكير منسجمة مع اهتمامات المرحلة، أو يتوجه طوعاً نحو مسائل جديدة في الأخلاق، فردية كانت أم اجتماعية؟ سنلاحظ التباعد الذي يتعمق بين الشكل الهزلي) والهزل) بوصفه مجموعة من التصرفات الغياب شبه الكامل للهزل التهريجي، وهزل الحبكة، ويميل هزل الموقف نحو الهزل اللفظي)، يقود تحليل الهزل إلى الكشف في سلوك تيلهيم عن نموذج) مولييري قريب من ألسيست)، وفجأة، عن غنج عند مينا التي تشبه سيليمين قراءة ثانية للنص وإعادة تقويم له).‏

يمكن أخيراً حصر دلائل حساسية جديدة جمالية الدموع عند غولدوني، وحنان عند ماريفو)، تطرح مشكلة مزدوجة: ازدهار جنس فرعي هو الكوميديا العاطفية) وأكثر أهمية: ولادة جمهور جديد يفرض هذه النبرة الجديدة، جمهور مولع بموضوعات تفكير منسجمة مع اهتمامات المرحلة، ويتوجه نحو مسائل جديدة في الأخلاق، فردية كانت أم اجتماعية، هذا تفصيل مقارني) ليس واحداً فيها:‏

تستند اثنتان من مسرحياتنا بوضوح على الكرم: تُرجمت مسرحية غولدوني في فرنسا تحت عنوان : الخادمة الكريمة، وعرفت مسرحية ليسينغ اقتباساً بعنوان: العشاق الكرماء.‏

إذا أضفنا آثار معنى كلمة الحميمة)، فإننا نسلط الضوء هنا على علاقات إنسانية جديدة تسمح بربط الحساسية والاجتماعية، وهي موضوعات مهمة بالنسبة للعصر المدروس.‏

وليس أقل صحة من ذلك أن الكوميديات صدعت منظومة الأجناس، هذه المنظومة لم تتزعزع: كان يجب انتظار بومارشي من أجل تجديد الهزل والكوميديا دون أي مركزية فرنسية).‏

لقد شاهدنا تخريب الإرث المولييري وما بعده، ضمن تجريب الأشكال والبنيات الجديدة، كان ليسينغ هو الذي قدم الكوميديا الأكثر إعداداً في معنى تجريب أشكال أو صيغ جديدة).‏

على الرغم من اختلافات هذه المسرحيات، فإنها قدمت كلها مخاطر محتملة، يمكن أن يقود تبسيط الفعل رفض كوميديا الحبكة)، إلى مسرح سكوني وقع ديدرو والجنس- البرجوازي- في هذا الفخ).‏

لأننا نريد بقوة أن نجعل من شخصية ما نموذجاً، ننسى فردانيتها، أو تميزها ليسينغ، وغولدوني) يمكن أن تؤدي أسبقية اللغة إلى مسرح مهذار، وذلك اعوجاج أدانه روسو(10) ، أخيراً، تكشف هذه المسرحيات أن النقاش الكبير يبقى نقاش التوازن بين المسرحة والعودة إلى الواقع. من الواضح أن مسرحيينا وثقوا بالأشكال؛ فإذا لم يدافعوا عن جمالية جديدة حقيقة على الرغم من جهود غولدوني وليسينغ) فإن بعض العناصر الشلكية، على الأقل، تسير في اتجاه تجديد جزئي ضمن إطار لم يُطرح ثانية للمناقشة: وهذا ماصنعه ديدرو لكن دون نجاح.‏

إننا نلاحظ، من خلال هذا المثال، إلى أي حد يعد هذا المفهوم للشكل) ملائماً ومرناً ويسمح بالانتقال من حقيقة موضوع إلى مفهوم جنس) مرافق طوعاً لمنظور تاريخي؛ سيقال مثل ذلك عن مفهوم النموذج)، الذي يتضمن الأبعاد التاريخية، والشعرية، والمقارني، وهذا المفهوم هو الذي يقيم رابطاً مفهومياً وجمالياً، في الوقت نفسه، بين الأشكال والأجناس، وتبقى هذه الأشكال والأجناس، بدءً من الآن فصاعداً، في مركز كل تفكير للشعرية المقارنية.‏

- عناصر من أجل شعرية مقارنة:‏

عرض كتاب بيشوا- روسو تمييزاً مفيداً بين جنس حقيقي)، وجنس مضمر) وجنس مفيد)، غالباً مايتطابق الجنس الحقيقي)، مع المقاربة التاريخية، ويبدو أن الجنس المضمر) يقوم على تفكير شعري، أما الجنس المفيد)، وهي كلمة مستغربة، فإنه يشدد على الجانب الكشفي، زوراً، لمثل هذا المفهوم، الذي يناسب أكثر درج مكتبة أو فرعاً بسيطاً منها، وتصنيفاً غير متقن، ولكن مناسب وجدير بإرضاء الروح العملية، دون أن نجعل منه معياراً أساسياً:‏

"تاريخ، راوية، بلاغة، مسرح"، ونصنع من هذه الفائدة)، أو من هذه الميزة المناسبة) مستوى مستقلاً للتفكير: هو مستوى الأدب العام، أو مستوى نوع من النظرية الأدبية.‏

-الجنس الحقيقي) أو المستوى التاريخي:‏

يجب أن نفهم من الجنس الحقيقي) الجنس المحدد تاريخياً والممارس بوعي)، مثل التراجيديا الكلاسيكية، والموشح الغنائي، والقصيدة الغنائية، وحوار الأموات، يمكن أن يعطي التعريف مكاناً لكتابات نقدية أو نظرية(11) . في هذه الدراسة القصيرة، ننتقل من أرسطو إلى خطب تاس، وإلى مؤسسات فوسيوس، كان يمكننا أن نستمر مع فولتير لكي نلاحظ أن الجنس الملحمي تحول إلى شعر سردي وتعليمي في القرن الثامن عشر، وأنه استمر بصعوبة في القرن التاسع عشر، ولم يظهر إلا نادراً في القرن العشرين.‏

يحدد دانييل ماديلينا(12) ، الأوديسا لكازانتزاكي كآخر مثال، نستطيع أن نضيف إليه، جزئياً فقط، مثال القصيدة العامة) لبابلو نيرودا، إن فائدة مثل هذا المسار التاريخي التعاقبي والشعري مضاعفة: حصر الكلام النقدي للعصر عن جنس محدد، ودراسة خطاب الأدب عن ذاته وتوضيح أن الأجناس، المدروسة هكذا، هي، كما يقول بيشو- روسو "أعضاء حية لا تقبل المنازعة"، لا يتعلق الأمر بموقف أثير عند برونيتيير(13) ، ولا بمنظور دارويني تقريباً مطبق على الأدب، لم ينس الشكلانيون الروس بصورة كاملة وجهة النظر هذه عندما قبلوا نضوب الأشكال والنماذج وزوالها، وكذلك ارتقاء أشكال، وأجناس جاءت من محيط منظومة الأدب، وعندما تحدثوا عن أجناس معروفة، ومقننة، وفكروا بطبقة ضمن الأجناس الأدبية.‏

يفكر المقارِن بأشكال، وأجناس، ونماذج موجودة استطاعت أن تثير حركة، واتجاهاً، وتتمة لمحاكاة، في لحظات محددة(14) . إما أن يكون الجنس أو الجنيس)، موضوع دراسة تزامنية أو تعاقبية في سبيل إشكالية(15) ؛ أو أن نبقى ضمن منظور تاريخي، حيث سيسمح الشكل أو الجنيس بإضاءات شعرية: الرواية، القصيدة)، ليس القصة ولا القصة القصيرة)(16) ، أوأيضاً الحوار الداخلي، وهو شكل هارب، صعب التعريف ومع ذلك يمكن تأريخه وأصبح نموذجاً) منذ أكاليل الغار قُطعت)، لإدوارد دو جاردان(17) .‏

من المفيد إذن تتبع مسار الأشكال، والأجناس التي أصبحت نماذج من خلال ثروتها)، بهذه الصفة، تشكل أيضاً جزءاً من الأدب كمؤسسة، وسيعاد أخذ هذه المسألة في الفصل القادم، يدفع البعد التاريخي إلى التفكير في العلاقات التي تقيمها الأجناس مع الجمهور أو الجماهير، ومع منظومات قيم هذه الجماهير، والمجتمعات التي تشكلها، أليس لاختفاء التراجيديا اليونانية أو الكلاسيكية) علاقة مع اختفاءات ذات طبيعة عقائدية تطهيرية مثلاً)، يُفسر تطور بعض طقوس القراءة، التطور الموازي للأجناس أو الأجناس الفرعية في حالة الرواية والانتقال إلى الراوية الجديدة).‏

هناك أشعار، تسمى أشعار مناسَبة)، لا تخص فقط أحداثاً تمت، ولكنها تخص أيضاً بعض الجماهير التي اختفت، وسيكون تطور اجتماعي معين تفسيراً لموت بعض الأجناس: يجب تحديد العلاقات.‏

يجهل أدبنا الحالي، تقريباً، عظات الأموات والتأبين، حتى وإن أعطى أندريه مالرو بنجاح نوعاً من الرونق لهذا الجنيس، ويجهل أكثر قصيدة العرس، والمدح، والانتخاب، والرسالة الشعرية، والحكاية الشعبية، المنظومة لا الشعارات...... ولكن روايات بوليسية يمكن أن نقرأ من خلالها في القرن الأخير، ولادة علم- التخييل، أو تغييرات تعبيرية: لم يعد للساغة(18) علاقة مع الملحمة الشمالية(19) ، ولكنها تصف شكلاً من نموذج الرواية الدارجة نموذج غالسورثي ليس غريباً عن هذه الثروة)، يخاطر المنظور التاريخي دائماً بالسقوط في التأريخية، إذا لم يقم على تفكير شعري ومقارني موسع.‏

- الجنس المضمر أو المستوى الشعري:‏

استطاع كلوديو غوين، بقدرة، الحديث عن جنس كنموذج عقلي) بالنسبة للكاتب كما هو الحال بالنسبة للناقد، ربما لا يبتعد هذا المفهوم عن الجنس المضمر) الذي تحدث عنه بيشوا- روسو، والذي يتحدد من خلال وظيفته وغايته، ومادته أو أسلوبه).‏

لا يمكن لنص أدبي أن ينتسب إلى صنف واحد، عند طرحه للمقارنة، لم يتردد كلوديو غوين من الإشارة إلى أن الحصان الأشقر لا ينتسب إلا لجنس الخيل، ولكن ينتسب نص أدبي إلى أصناف أو أجناس عدة، قد يكون أكثر براعة مقارنة السفينة، بمنارتين: تحدد السفينة طريقها متجاوزة أحد المضائق، بفضل منارتين تقودانها، ولكن هاتين المنارتين لا تلغيان حرية المناورة للربان؛ لا بل بالعكس، تفرضان عليه المناورة، وتشجعان عليها، يوجد هنا استعارة جميلة في الإبداع الأدبي بين الواجب الشكلي والحرية الخلاقة، أما بالنسبة للمقارِن فإنه يهتم بدراسة التطورات الشعرية، أي، في هذا المستوى، بظواهر انتقال الأشكال والأجناس الأدبية وتبنيها أو رفضها.‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:46 PM
- من الموروفولوجيا إلى الشعرية:‏

بحسب بيشوا-روسو، تدمج المورفولوجيا الأدبية الأجناس ضمن تفكير واسع حول الأشكال، منظور إليها من جانبين أساسيين: أشكال التأليف وأشكال التعبير، شكل يؤخذ ضمن "معنى تقني" شكل المُقولب(20) أو البناء) "مخطط أو خطة من أجل تنظيم المواد"، وأيضاً " نموذج أصلي لجنس محصور" نجد ثانية كلمات مارسيل باتايون). يُقدَم الشكل، أو المخطط، والنموذج الأصلي، كأنها مبتكرة من عبقرية كاتب عظيم، وأكثر ندرة من منظر، أو أنها توضحت بصبر عبر أجيال عدة [....]" ضمن هذا المنظور، وُجِدت الأجناس ثانية لكي تحاط مباشرة باستقبالات منهجية: وجب إعطاؤها تعريفاً "في مكان مابين" سلسلتين من الصعوبات: "ذات مجردة ومستنزفة"، نقصد النظرة النظرية) و"فيض من الإبداعات الفردية" شعرية لن تكون مقارنة).‏

وهذا هو موضوع تفكير جان- لويس باكي في كتابه الوجيز) 1989)، ضمن صفحات مثيرة، حيث وُزِعَت، في الفقرة، ملاحظات حول المعنى المنشط الجيد، مثلاً السهولة التي نستطيع بواسطتها بناء "نظرية للرواية بالاستناد إلى زولا لوحده" _موجهة إلى متفرنسين يستهويهم مايسمى بالأدب العام)، وحول ضرورة انفتاح التفكير الشعري على تعددية المنظومات العروضية، معلياً من شان البلاغة، ومقترحاً التوجه نحو نظرية للأدب، ولكن دون "الاندفاع نحو التعميم الذي يستهوي بعض المختصين"، ونحو الدفاع عن شعرية مقارنية للاختلافات)، تكون موثوقة ومبجلة، ومفتوحة أمام الشعريات غير الأوروبية، التي تستطيع أن تُظهر "عبر التضاد" بعض "السمات الأساسية للبلاغة الغربية".*)‏

إننا نجد بطريقة أقل طموحاً وأكثر صرامة، المشاكل القديمة للثوابت).‏

يظهر ج.ل.باكي كل الفائدة التي تأتي من تشجيع المقارنات بين الغرب والشرق، والمتحررة من كل فكرة انتماء، أو تأثير "لا تصبح المقاربة هنا، بعد فوات الأوان مجالاً للتساؤل حول شرعيتها الخاصة، عندما تطرح قضية التأثير، يتساءل المقارن، إذا كان يملك الحق بإيجاد جو من الإلفة بين عملين، ويجد نوعاً من العزاء إذا استطاع إظهار أن أحدهما يولد الثاني، وإن كان ذلك خفية، المقارنة، هنا بالعكس، لها قيمة كشفية: يُستخدم الدخيل كنموذج، من أجل إيضاح النظام الغربي، والكشف عن الاستثناءات".‏

نستطيع عندئذ أن نتساءل: إذا كان ضرورياً ترك المجال الغربي من أجل فهم شيء معين عن حياة الأشكال، وعن الشعرية المقارنة.‏

ليس خطأ القول إن المقارن غالباً مايجمع أشكالاً متشابهة ويقارن بينها، من المؤكد أن الرواية الغزلية الأوروبية تستحق أن تقارن وتقرّب من Monogatori اليابانية التي ظهرت في العصر نفسه، وضمن بنيات اجتماعية يمكن أن تكون متشابهة، من المؤكد أيضاً، أنه يجب معرفة المبدأ الأساسي للشعرية السنسكريتية، وRasa) التي تنظر إلى الشعر على أنه خطاب انفعالي من أجل استخدام تأملات متوازية بين منظومات الفكر والخيالات المختلفة(21) .‏

*- شعرية الاختلاف:‏

دون الذهاب بعيداً أي بما معناه: الاستفادة من المعارف اللغوية المتوسطة والشائعة)، يمكن أن نجمع حصاداً وافراً من الاختلافات الشعرية، عن طريق البحث داخل المنظومات الأدبية الغربية وتواريخها الأدبية: يعني فهم أن الكلاسيكية الألمانية ليس لها علاقة كبيرة مع كلاسيكيتنا، وأن كوميديا dell_Arte تتطلب معرفة جمالية تراجيدية خاصة متحررة من ماريفو، وأن الحقائقية* الإيطالية ليس من مصلحتها أن تدمج مع الطبيعية الفرنسية، وأن -طقس الأسرار الذاتي** -ليس المعادل للسرّية* )، وأن الكوميديا لايمكن أن تعرض مع مبادئ الوحدات الثلاث، وأن النهار) ليس مشهداً، وأن المهرج المسرحي ليس بهلولاً ولا خادماً، وأن الغريغوريا شكلاً قصيراً ابتكره رامون غوميز الذي عرّفه كمركب، من استعارة وجرعة من الدعابة.... إن التشابهات بين الأشكال الأوروبية أو الغربية تقود المقارِن إلى مواجهة شعرية اختلافية) تركز على الأجناس الفرعية، وتمارس تجميعات بارعة للنصوص، سمح المفهوم الأثير عند أرتود مسرح الفظاظة) منذ عدة سنوات، بإدخال مسألة في شهادة الأستاذية حول هذا الموضوع): استخلص منها بيير برونيل تركيباً موحياً(22) .‏

انطلاقاً من التمييز الذي قدمته مارغريت يورسينار في ملحق العمل في السواد) بين الرواية التاريخية وهي جنس قننه والتر سكوت، ورواية التاريخ حيث تكون المادة التاريخية موضوعاتية وإشكالية، يمكننا أن نكوّن فكرة حول جنس فرعي غير منتظر، ومع ذلك واضح يضيء مثلاً رواية مثل عصر الأنوار) الكاربنتييه.‏

وانطلاقاً من بعض الصفحات المثيرة للفيلسوفة الإسبانية ماريا زامبرانو الاعتراف: جنس أدبي)، يمكننا أن نقرأ، ليس في اعترافات سان أوغستان أو روسو، ولكن في النفق) لإيرنيستو سيباتو، وفي Alescis لمارغريت يورسينار، ونجد بعض الاختلافات بين الاعتراف، والسيرة الذاتية، واليوميات أو المذكرات أو هذا الشكل المختفي الذي هو دفتر المذكرات).‏

*- البلاغي والشعري:‏

في موازاة أشكال التأليف، يميز بيشوا-روسو، مثلما هو الحال في كتاب عام 1983، أشكال التعبير)، مشيراً مباشرة إلى أن هذا المجال لا يستميل كثيراً البحث)، يبدو للوهلة الأولى خاصة أنه غير متجانس ومعقد: "يجب على هذا النوع من الدراسة، الذي يركز على جمل منعزلة، وأحياناً على أجزاء من جمل ونادراً على مقاطع، أن ينتقل من مجموعة من التفصيلات الفضولية إلى تركيب مُقنع، من يسجل منهجه يقدم خدمة عظيمة".‏

ومن أجل إعطاء المثال يتابع المؤلفون: لتوجيه البحث، سنحدد بإرادة طرق التعبير، في المعنى الذي تحدث فيه الإغريق عن الدوري متعلق بالدوريين) أو الهوائي، إن الألعاب المتحركة للأسلوب، والنبرة، والكلمة، والعلاقات بين الكلمة، والفكر، والصمت تقرب أعمالاً، وتظهر ظواهر معمّدة مثل سخرية، ومحاكاة ساخرة، وهزل، وفي بعض العصور، هُزأة macaronees، ونقديات مجموعة من النصوص النقدية)، وmongense أو dada عرف المقابل أقل من التبدلات: سمو، رصانة، فصاحة".)‏

سيبدو أنه يوجد في ذهن المؤلفين حلم بحث بين البلاغة والأسلوبية العامة والمقارنة، وهذاالبحث نهاية تتكرر ويوصل إليها استخدام كلمة الشكل عندما نضيّع من أمامنا ضرورة وظيفة بنيوية في حدها الأدني، إن مايمكن أن يغني من وجهة نظرنا، التفكير حول مفهوم الشكل، كما يفهم هنا، هو الربط الذي لا ينفصل، والجوهري بين الكلام، أي بين شكل من الأسلوب، لبعض الصور، وبين شكل متفرد، وجنس أو نموذج، إن الحديث عن أدب عام ومقارن لنموذج دانتي، وراسيني، وهوغوي، يعني، بحسب الحالة، عرض موضوعات، وبنيات، وكذلك، أيضاً مصطلح، بهذا المعنى، يجب أن تتجه الدراسة إلى الجزء من الجملة، ونحو عبارة بارت الشهيرة أفضل فضاء ممكن نستطيع منه ملاحظة المعاني(23) ، مروراً برموز البلاغة نفكر بتحليل بول ريكور للاستعارة) وصولاً إلى الكلمة شرط أن تقدم تعريفاً للشكل، أو على الأقل عنصراً مشكِّلاً، سنحدد الفائدة الثابتة لبعض الدراسات مثل دراسات إيريك أو يرباخ(24) ، وليو سبيتزر(25) .‏

من بين هذه الأشكال الدقيقة)، أو الوحدات الدنيا، يحتفظ مثلاً بالعنوان والاستهلال أو بالبيت الأخير من السونيتة السقوط الشهير)، هذه الأشكال ليست مستقلة بعكس -الأشكال البسيطة(26) - لأندريه جول، أو التي درسها آلان مونتاندون مثل قصيدة الهجاء، والمثل، والحكمة، والحقيقة العامة، والقول المأثور)(27) .‏

يجب أيضاً أن نحتفظ بالعلل، النموذج) الذي أشار إليه كتاب بيشوا- روسو، وعُرف عبر الدراسة القديمة لإيرنست- روبير كورتيوس(28) .‏

إن نقطة انطلاق هذا التركيب المدهش الذي يعود إلى ألماني مختص بالأمور الرومانية، بلاغية: يتعلق الأمر برؤية ما احتُفظ به من الموروث القديم، اللاتيني خاصة، ضمن آداب العصر الوسيط الأوروبي، وحتى ماوراء ذلك في نهايةعصر الأنوار، في الفصل المخصص للنموذج) دُرست الإجراءات الاستدلالية مثل خطاب التعازي، ونموذج الاستهلال، ونموذج الخاتمة، والمتتاليات النمطية، مثل استدعاء الطبيعة، والعالم المعكوس، والطفل والكهل، والمرأة المسنة، والفتاة الشابة، من الواضح أن الاستعارات قد عولجت: مثل الاستعارات المتعلقة بالملاحة، والشخصيات، والتغذية، وأجزاء الجسد، والمسرح مسرح العالم العظيم، الذي كان مفضلاً في العصر الباروكي، موجود مسبقاً عند أفلاطون، وفي كتابات شيشرون، وسينيك أو بويس)، يجب الإشارة إلى أن هذه الدراسة للاستعارات، أُخذت ثانية منذ عهد قريب، ضمن منظور فلسفي، عبر هانس بلوميمبيرغ الذي عُرفت أعماله من المقارنين وترجمت إلى الفرنسية(29) .‏

يعانق نموذج كورتيوس مجالاً واسعاً، إذا لم يكن يستطيع أن ينطلق من الكلمة، فإنه يستطيع أن ينطلق على الأقل، من الرمز، والتركيب التعبيري إلى التكرار المقنن، أي النموذج)، مثل الخطاب حول الأسلحة والعلوم، وعرض منظر مثالي، وطلب الوحي، أو الكتاب كاختصار للعالم، نخطئ إذا اعتبرنا هذه الأمثلة موضوعات مضمرة، من المؤكد أنها أمثلة اتحاد لا ينفصل بين المادة والشكل.‏

- تحليل شكل مصغّر أو متتالية:‏

يتعلق الأمر بعمل جان روسيه عيونهم تتلاقى) كورتي، 1984)، المكرس لمشهد النظرة الأولى في الرواية)، إن الدراسة، وإن كانت قد ركزت على الأدب الفرنسي مع قليل جداً من التجوال في الآداب الأجنبية)، تعد نموذجاً للدراسة الشكلية والشعرية المقارنة، هناك تفصيل موضح: يتحدث جان روسيه تلقائياً عن موضوع) يحتفظ في بضعة سطور، وأحياناً في بضعة صفحات، وأيضاً في مشهد مفتاح)، بشكل ثابت)، "مرتبط بموقف أساسي"، و"علل سردية"، تحت هذه الصيغ، المواجهة، وإحضار كائنين يريان بعضهما بعضاً لأول مرة، ويقعان في العشق.‏

يتحدث جان روسيه عن وحدة ديناميكية) أو أيضاً عن وظيفة) داخل نص بسبب قدرته التوليدية)، تبدأ وثائق الظاهرة من الرواية اليونانية Theagene et chariclee وحتى مقاطع من خطاب غزلي لبارت، أما فيما يتعلق بالمنهج، يستطيع المقارن، هنا أيضاً، أن يستعمله كثيراً.‏

1- أولاً: استخلاص عدد من الميزات الثابتة)، من نصوص يتم اختيارها بصورة عشوائية، ثم بعد ذلك تشكيلها ضمن بنية متجانسة).‏

2- بعد أن يتكون النموذج) ونجد ثانية مخطط الأسطورة)، يصبح من الممكن تنظيم دراسة، ومسار..... مدار عبر ثوابت مكشوفة على سلسلة من النصوص المتطابقة)، يلاحظ إعادة ظهور كلمة مطابقة)، التي لا تنفصل عن منهج يكوّن نموذجاً.‏

3- هنا، يقوم النموذج الذي هو نوع من الشكل المثالي)، بدور شبكة من القراءة)، تسمح بطرح مسائل ملائمة) وتنظيم تطور الدراسة.‏

4- استجوب بلزاك أولاً لفترة طويلة، ولكن أيضاً كريتيان دو تروي، وروبلي، وروسو، وغوته، وفلوبير التربية العاطفية) وندجادو بروتون.‏

5- يسمح النموذج النظري بعزل ثلاثة احتمالاات سردية:‏

أ- الأثر، ومباغتة الأثر.‏

ب- التجاوز، وإيصال رسالة واضحة أو خفية.‏

ج- تجاوز البعد أو إلغاؤه.‏

6- تأخذ الانزياحات تقريباً من الأهمية مقدار ما تأخذه تطبيقات النموذج أو انتشاراته: الالتقاء دون رؤيا، والتجاوز كتواتر أولي مثلما هو الحال في المشهد المدهش للقبلة على الكتف في الزنبق في الوادي)، يقدم التبادل تنوعاً مفيداً من الحالات و المشاهد: التبادل سعيد أو صعب، الاتصال معرقل أو مؤجل، التبادل مقسم أو متوقف، يشار أيضاً إلى أنه في الانزياحات والانتهاكات، الرؤيا مستبقة بفضل صورة مرسومة، الرؤيا مرفوضة امرأة محجبة)، الرؤيا محجوبة لقاء ليلي) أو الرؤيا مؤخرة الاستماع).‏

إننا نقيس إلى أي حد هذه النموذجية الفريدة، أكثر فائدة من بعض الحوارات المجردة أو التصنيفات أو علوم قوانين التصنيف، إن الهام في الشعرية، هو إمكانية وإرادة) أخذ نص في الحسبان، في كليته، أو سلسلة ينتسب إليها هذا النص، والقدرة على قراءتها ضمن كل أبعاد كتابتها ونماذجها.‏

- من شعرية الأشكال إلى نظرية للنماذج:‏

نستبعد من هذا المستوى النظري زمن دراسة لا يمكن نسيانه ضمن برنامج الأدب العام والمقارن، ولكنه لا ينتمي تحديداً إلى المقرر.‏

يتعلق الأمر بتعلم شعريات مختلفة منذ أرسطو(30) . نأخذ أولاً ثلاثة أمثلة على التفكير الشعري، استخدمت كثيراً من قبل المقارن لأنها تتقاطع، في جزء كبير منها مع التساؤلات الأساسية التي يوجهها إلى الأدب.‏

يقترح ميخائيل باختين نظرية للأشكال الروائية أو للجنس المتعدد الأشكال بعمق والذي هو الرواية، يمكن أن يبدو شاذاً أن نريد القيام بمقاربة نظرية للجنس الأكثر تغيراً في الشكل، والذي يبدو أن تطوره عبر القرون يتحدى كل مقاربة تركيبية، وحتى كل تاريخ إذا أخذنا بعين الاعتبار أصوله المتعددة، وغير الأكيدة.‏

يمكن أن نجرب الكشف عن اللحظات الرئيسية لتقليد أدبي بالمعنى الأوسع للتعبير، منذ الروايات اليونانية وحتى الرواية الجديدة من أجل التحقق من صحة ادعاء بول فاليري غير المشجع كثيراً والذي يعتبر أن كل الانزياحات تنتسب إلى الرواية). ولكن منذ كتاب علم الجمال ونظرية الرواية)(31) ، يُفهم بصورة أفضل طبيعة نوع متعدد الأشكال، وجمالية متناقضة، على خلاف الأجناس الأخرى التي وُضعت في الفنون الشعرية)، الرواية ليست جنساً قائماً)، وهي غير مفهرسة، وإن لم تكن تستمد أصولها، فهي على الأقل تستمد شرعيتها من هذا المجال الغامض الذي كان القدماء يسمونه الكوميديا الجادة)، وأصبحت جنساً مسيطراً، وغازياً، ومتداخلاً مع منظومة أدبية، مع بقائها جنساً بصورة عميقة في صيرورتها، وأكثر من ذلك، لا تنسجم جيداً مع الأجناس الأخرى، وتهدف إلى تفكيكها، وتعيش فيها عن طريق تحريفها.‏

استطاع باختين أن يعطي من هذه الشعرية المعجزة، ثلاث سمات تكوينية:‏

1- عالم صغير من لغات مختلفة حوارية وتعدد الأصوات).‏

2- تنظيم الفضاء والزمن ضمن بنية متميزة تسمى CHRONOTOJE).‏

3- جنيس وحيد يتكون من الاتصال بالواقع، إنه هذه القصة التي تريد أن تكون صحيحة، وواقعية، على الرغم أو بسبب) من خاصيتهاالتخيلية رائعة، خرافية، روائية، أسطورية، بحسب العصور)، إن هذا الوجود لهذا العالم الآخر، الذي تسعى إليه كل رواية ونجد حدس باختين الأساسي حول العلاقات الخاصة للرواية مع الواقع)، هو الذي يجعل عبثاً مشكلة الواقعية المطبقة على الرواية، القصة الروائية غير صحيحة بصورة إجبارية وجوهرية؛ لم يكن العالم الذي يشكله الروائي قد وصف عن طريق النظر إلى الواقع كنموذج، ولكن عن طريق الاستماع إلى الكلمات مع ذلك، تسعى هذه القصة لأن تكون صحيحة؛ سواء كان ذلك يحدث أم أنه واقع يمتلك حدث الروائي الجرأة في أن يُقارن بقرار الخالق.‏

ولكن في حين أن الكلام الشعري يعرض الأساسي، نجد أن الكلام الروائي يُبرز، اختياراً، الأسمى، أو المبتذل، أو الحياة ببساطة.‏

كل رواية، وكل قصة حقيقية تسعى لأن تعيد خلق عالم ثانٍ، وهذا يجب أن يضع المشاكل التقنية، والشكلية في المعنى الضيق للتعبير، في مكانها الحقيقي، لا تقوي الرواية التجديد ولا الموروث في ذاته، ولا التجديد الآلي، ولا التقليد غير المتميز: إنها تهدف إلى تأسيس عالم جديد، ولهذا فإن مايسمى بأزمة الرواية، منذ مطلع العصور الحديثة تفرز من المشاكل التقنية أو الخيارات الجمالية، أقل مما تفرزه من إعادة الطرح للبحث الدوري، لأسباب فوق- أدبية، ذات طبيعة فلسفية أو سياسية، للخيال الإبداعي وطبيعته وقدرته، وبصورة أساسية للعلاقات بين العالم والإنسان، سواء كان هذا الإنسان مبدعاً أم قارئاً.‏

- الشعرية من وجهة نظر جيرار جينيت.‏

يقصد جيرار جينيت بالشعرية) نظرية عامة للأشكال الأدبية)(32) يستطيع المقارن أن يقدم إسهامه فيها من خلال اتساع الآداب التي يعرفها وتنوعها، يرتكز هذا التفكير على مفهوم النص المتعدد) أي الطبقات العامة المختلفة أو السامية التي يتبع لها النص: مثل الطرق السردية هي نظرية طريقة السرد)، والأشكال العروض هي نظرية الأبيات)، والموضوعات والأجناس، والرموز، والأساليب وكل العناصر التي تكوّن نصاً خاصاً، وتأخذ في الحسبان كل نص في خصوصيته(33) .‏

أعد جيرار جينيت أسس نظرية شعرية عن طريق التأمل في تاريخ الشعريات المختلفة منذ أرسطو، ندين له بأنه أوضح أن الثالوث المشهور للأجناس الملحمية، والغنائية، والدراماتيكية ينتج عن قراءة خاطئة لأرسطو، في المقابل، نجد عند غوته التقسيم الثلاثي، انطلاقاً من الأشكال الطبيعية، أو المواقف الأساسية أو الطبقات الجنسية ملحمية، وغنائية، ودراماتيكية)، وأكثر أيضاً عند هيغل(34) ، حيث استخدم نظام الطبقات نفسه من أجل دعم فلسفته في التاريخ: وجدت البشرية، عن طريق البدء بالملحمي، ثم اكتشاف الذاتية مع الغنائية، الشكل الكامل لفكرها في المأساة.‏

لا يمكن لإرادة تأسيس نظرية أدبية أن تتجاوز إعادة فحص تاريخ الآداب ومفهومات هذه الآداب عبر وساطة الشعريات. أخيراً، قدم جيرار جينيت إيضاحات مهمة، مثلاً بين المحاكاة و diegesis(35) وسمح بتقدم في وصف التلاعبات النصية، خاصة التناصية الجمعية(36) ، وفي دراسة مرفقات النص)، أو العناصر الخارجية مثل الطبعة، والسلسلة، والتمهيد، .... الخ، والتي تسهم في الهوية الجنسية) للنص(37) .‏

- الأجناس من وجهة نظر جان ماري شيفير.‏

يعيد جان - ماري شيفير في كتابه ماالجنس الأدبي؟ سوي، 1989)* أخذ مكتشفات جينيت، ولكنه يهتم بفهم في ماذا يسمح مفهوم الجنس بنماذج مختلفة من تصنيفات النصوص الأدبية، لقد أهمل الجولات التاريخية التي يبدو أن دراسة الأجناس تفضلها، أو بصورة أولى المواقف المعيارية أو الجوهرية، لهذا، تبدو كل دراسة للأجناس أو الأشكال محكومة بالتأرجح بين التوجه التاريخي الذي يجازف بالوقوع في الإحصاء، وفهرسة حالات مادية،وبين التوجّه الشعري الذي يريد أن يرى منذ أرسطة الأجناس كأصناف): من هنا فكرة النموذج البيولوجي) الملازم للتفكير في الأجناس المنظور إليها بحسب تطورها وغايتها الخاصين وهي فكرة أثيرة عند برونيتيير في القرن الماضي)، في حين أن كل جنس يعتمد على كل المكونات الأخرى في المنظومة.‏

سنستخرج من عمل جان-ماري شيفير، بعض المفهومات العملية المفيدة للمقارِن.‏

- تفكيك السياق وإعادته ثانية:‏

كل نص سياقي، ويمكن أن يُحدد نشاط النص نفسه، عندما يُقرأ في سياقات مختلفة، من هنا تأتي فكرة ربط السياق بإعادة الخلق الجنسي، وسيكون للترجمة تأثيرات في طبيعة جنس وفي إدراكه من قبل جماهير مختلفة، وهذه نقطة انطلاق ثمينة بالنسبة للمقارن الذي يجد تماسكاً في مسار تفكير انظر الفصل الثالث).‏

ونفهم أيضاً كيف أثرت جمالية التلقي في مسألة الأجناس: وهذه المسألة مرتبطة بمشاكل تفكيك السياق) وإعادة ربط السياق)، والترجمة- الاقتباس، وساطة للانزياح الجنسي) تؤدي إلى إعادة تشكيل) مهمة التجنيس) النص- المصدر، يستطيع النص- الهدف النص المستقبل) من جهته أن يدخل سمات جنسية مستحدثة).‏

بالإضافة إلى ذلك، ومثلما هو الحال بالنسبة للأعمال الفنية، إننا نرى إعادة تصنيفات بعد دخول أعمال جديدة: لم تكن فكرة الرسم التصويري) ملائمة إلا بعد ولادة فن مجرد)، ونحن مجبرون على وضع الأجناس وتعريفها بصورة أخرى، وفق طرق أخرى أو معايير غير تلك التي كانت معاصرة في إبداعها، من الواضح أننا نحكم على الملاحم الهوميرية ونحددها بصورة لا يستطيع اليونانيون القيام بها، وقُرِّبت الأوديسا كثيراً من رواية المغامرات، بعد إعادة السياق بالنسبة للأدب الروائي.وأصبحت بعض السمات التي كانت جامدة جنسياً) ذات نشاط متجدد جنسياً): مغامرات فردية، وقصة حب زوجية وبنوية...الخ.‏

يبدو مفهوم تفكيك السياق) إذن مهماً بالنسبة لمقاربة مقارنية.‏

إن ترجمة -ألف ليلة وليلة- لأنطون غالان وتلقيها في فرنسا، حولت في بداية القرن الثامن عشر نصوصاً إلى حكايات شرقية، ومن الواضح أن هذه النصوص لم تكن كذلك في ثقافتها الأصلية.‏

- تجنيس نظمي وتجنيس قرائي:‏

يميز جان- ماري شيفير بين تجنيس نظمي) يُرجع إلى مستوى تكوّن النص) ويحيل بصورة عامة إلى تقليد سابق للنص في مايخص السمات المتجددة جنسياً هذاما أمكن تسميته من قبل أي د.هيرش بالجنس الجوهري)، وبين جنس خارجي) أو جنس تصنيفي).‏

يُرجع إلى القارئ الضرورة التي عنده للتصنيف)، وإلى النظام القرائي وليس النظام النظمي، من جهة القارئ، هناك أفق توقع جنسي وأفق سياقي، يرتبط أفق التوقع غالباً بتصنيف جنسي مسيطر) أذواق مسيطرة تتناسب مع جنس مشهور)، هناك إذن انزياحات ممكنة بين تجنيس نظمي) وتجنيس قرائي)، حالة قصوى:‏

التراجيديا اليونانية التي نعرفها انطلاقاً من سبع تراجيديات لإيشيل من أصل مئتين وتسعين)، وسبع تراجيديات لسوفوكليس من أصل مئة وثلاث وعشرين)، وثماني عشرة تراجيديا ليوربيدس من أصل اثنتين وتسعين)، يمكن أن نصل من ذلك إذن إلى التساؤل عن طبيعة مفهوم الجنس ووظيفته، أهو وساطة تصنيف، أم إمكانية قراءة.، وتفسير للنصوص:‏

- الأجناس وطرق التصنيف:‏

سيكون هناك مفهومات عملياتية أخرى يستشهد بها وتسمح بتمييزات مفيدة، مثلاً "الفهرس" الذي يُرجع إلى عدة مرفقات النص انظر جينيت)، العنوان، والعنوان الفرعي، والعلامة، والتنبيه)، والسمات الجنسية) التي هي تناصية) ذات وظيفة بنيوية حصراً).‏

تقارن العلاقة بين الفهرست والسمات بالعلاقة التي يمكن أن توجد بين واجهة منزل والمواد التي صنعت منها)، يمكن أن تكون الواجهة خادعة)..... يسمح مفهوم الجنس خاصة لجان ماري شيفير بالتفكير في معنى تصنيف النصوص)، ويُمارس هذا العمل غالباً من قبل المقارنين: ماهي المعايير التي يجري على أساسها التصنيف؟ يمكننا أن نميز منها أربعة أنساق:‏

1- التمثيل عن ملكية مثل المسرود).‏

2- تطبيق قاعدة هذا النص سونيتة).‏

3- وجود علاقة جنسية إقامة سلالة نصية، ونشاط مقارن للغاية.....).‏

4- وجود علاقة تشابهية يشبه هذا النص في بعض السمات نصاً آخر يشكل جزءاً من جنس محدد).‏

يُحيل هذا الاحتمال الأخير إلى المقارنة دون انتماء وإذن إلى المقارنة التي يمكننا أن نمارسها بين أدبين لم يحدث اتصال بينهما، والمقارنة التي تسمح بالحديث عن رواية) بخصوص نص صيني الذي هو في الحقيقة نموذج خاص للسرد داخل نظام أدبي خاص.‏

- نظرية أجناس أم نظرية نماذج؟‏

إذا كانت أعمال جيرار جينيت، وجان ماري شيفير تستطيع أن تخدم كثيراً المقارِن من أجل صياغة تفكير نظري، فهل يعني ذلك أنه لا يملك نظرية خاصة؟ في نهاية الفصل حول الشعرية المقارنة)(38) توصل جان لويس باكي إلى طرح بعض المبادئ، وخاصة إلى تحذيرات مفيدة في تشكيل نظرية للأجناس) هذه الإشارة تتقاطع مع اقتراح كان قد صيغ سابقاً بالاعتماد على أفكار أخرى:تقود دراسة نظرية الأجناس إلى توضيح مفهوم النموذج؛ إنه في الواقع، متكرر إلى حد أننا، في كتب الآداب الجميلة أو الشعرية، نسند تعريفاً غير مستخدم كثيراً إلى نموذج كبير، القصيدة الغزلية هي فيرجيل، والقصيدة الغنائية هي هوراس ...)، إن حقيقة التأكيدات المتشابهة لا تهم كثيراً: يتعلق الأمر بأفكار أسطورية حصراً، وتخدم من خلال وضوح رموز متميزة، ومتنوعة وأصيلة، ولكن عبر انحراف نظرية الأجناس، نضطر لدراسة ثروة المؤلفين الكبار، وتشكيل أسطورتهم.)‏

ونكتشف من خلال هذه الوسيلة، بصورة أفضل، كيف كانت ظاهرة القراءة تاريخياً" هذا صحيح دون أدنى شك، ولكن ألم يكن هناك طريقة أفضل من معارضة دراسة العمل أو المؤلف، بدراسة نموذج) متشكّل من القراءات كلها والخطابات النقدية التي تُدخِل، لقاء تشوهات ربما تكون حساسة، عملاً مافي جنس معين".)‏

حدس خصب: يعيد مفهوم النموذج) إلى ثروة نص، وشكل أصبح جنساً، قابلاً لأن يُنتج ثانية انطلاقاً من اختيار بعض السمات الجنسية. يجب أن يُفضل، إذن، هذا المفهوم في الأدب العام والمقارن، بالنسبة للأشكال والأجناس التي درست كثيراً من قبل دارسين آخرين.‏

يشير مانفريد جستيجر في بيان قصير وكثيف(39) إلى فائدة مفهوم النموذج ضمن منظورات تاريخ الأدب القائم على نموذج الاستمرار / والانقطاع.‏

أعاد ألفارومانويل ما شادوا أخذ هذه الإشارة(40) ، ويستخدم هذا المفهوم لإعادة قراءة القرن التاسع عشر البرتغالي؛ ويميز بين نماذج المرجعية) مقبوسات، وأسماء تعمل سلطة)، وفهرس ثقافي) وبين نماذج منتِجة) وتحديداً النماذج التي ستُنتج نصوصاً وتغذي الخيال البرتغالي، لهذا، يستطيع النموذج أن يمارس تأثيراً من خلال ثلاث مستويات ممكنة، أو وفق ثلاث احتمالات:‏

1- القواعد الاجتماعية، والأخلاقية، والعقائدية: تستعير الرواية البيكارسكية- التشردية) عند ليزاج من الموروث البيكارسكي الإسباني، ولكنها تخضع لأخلاقية أخرى وعقيدة، غير أخلاق النموذج الأصلي وعقيدته في Gwzman لماتيو ألمان ولاحقيه.‏

2- السمات الشكلية التي يسمى مجموعها غالباً جنساً): سيستخدم النموذج التراجيدي الراسيني في التراجيديا الفولتيرية، وفي التراجيديا المسماة كلاسيكية- جديدة في أوربا، ولكن كلام العاطفة، وبلاغة الخطابات، والنظام العقلاني للشخصيات سيصيبه التشوه والانحراف.‏

3- الموضوعاتية التي يشكل مجموعها خيال نص، أثار الصعود الحديث للدكتاتوريات في أفريقيا بروز رواية الدكتاتور)، هذه الرواية الفرانكوفوني مثل الكونغولي سوني لابوتانسي)، هذه الرواية التي تعود في بعض.السمات مثل العقيدة، والعالم- ثالثية، والأساليب، والباروكية أو الأسطورية الأفريقية، والموضوعاتية، ورمز الدكتاتور العسكري) إلى الرواية الإسبانية- الأمريكية خاصة غارسيا ماركيز)، التي قرئت عبر ترجمات فرنسية، استُخدِمت هذه الترجمات إذن كنموذج) بالنسبة لرواية جديدة، لا تدين كثيراً للنماذج الأوروبية مثل رواية الواقعية- الجديدة، والرواية النفسية، والرواية الجديدة)، التي كانت قد خدمت أجيال ماقبل الاستقلال ومابعده، إن فائدة مثل هذا التأثير)، ومثل هذا الانتقال، هي القدرة على فهم تطور أفرقة النموذج الإسباني- الأمريكي اللاتيني). نستخلص مفهوم النموذج)، ومايسمح به ليس كخاتمة لهذا الفصل ولكن كمقدمة للفصل التالي. في المكان الأول، إعادة كتابة العلاقات الأدبية عن طريق تركيز التحليل على تشكيل تقليد أدبي: مثل تشكيل جنس أدبي عبر تثبيت سمات جنسية لنموذج، ونشره ومعرفته من خلال تقليد وإعادة إنتاج مختلفين)، وفي المكان الثاني، إمكانية جديدة لقراءة شعرية للنصوص النموذج كمبدأ منظِم للنص)، وأخيراً، المنظور النظري المفتوح مع الوجه المثلث الذي يستطيع المقارن تحته أن يواجه النص الأدبي: مجموعة من القواعد، ومجموعة من الإشكال الجمالية، ومجموعة من الموضوعات التي تجعل النص حكاية خرافية)، إذا أُريد جيداً الإمساك بالوظيفة الحكائية، والقدرة على خلق قصة عبر كلمات، وروايتها إلى الذات أو إلى الآخرين)، كعنصر أساسي يحدد الكتابة في المستوى نفسه لخلق الأشكال.‏

(1) المقصود كتاب ما الأدب المقارن؟ الذي ألفه بيشوا، وروسو، وبرونيل. وكانت الطبعة الأولى من هذا الكتاب قد صدرت قبل هذا التاريخ ودون مشاركة بييربرونيل.‏

(2) السونيتة : قصيدة من أربعة عشر بيتاً‏

(3) انظر : قراءة ثانية للهزل، لاليشيفارون، حلو الهزل، القديم و الجديد في التفكير الجمالي، مطابع جامعة فانسين، 1991‏

(4) ميكيل دوفريسن، الشعري، P.u.f ، 1963‏

(5) جورج مولينييه، عناصر من الأسلوبية الفرنسية، P.U.F. ، 1986‏

(6) انظر يفون بيلنجي، السونيتة في عصر النهضة، دار هواة الكتب، 1988، وسوزان غيلوز، الحوار، p.u.f 1992 .‏

(7) الأجناس الأدبية، هاشيت، 1992‏

(8) انظر الدراسة النموذجية للمتفرنسة : سيسيل كافيلاك، إسبانيا في الثلاثية - البيكارسكية - لليزاج : استعارات أدبية، استعارة ثقافية، جامعة بوردو الثالثة ، 1984، مجلدان.‏

(9) جاك لاكان، ماريفو في ألمانيا، 1975‏

(10) هيلواز الجديدة، الجزء الثاني، ص 17.‏

(11) انظر بيير براشين، منشورات وأ.ب. سميت، نظرية الملحمة في أوربا الغربية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، مينارد، محفوظات الآداب الحديثة، 1993‏

(12) -الملحمة، puf 1986.‏

(13) تطور الأجناس، 1890.‏

(14) انظر إيف شيفريل، الطبيعية، دراسة حركة أدبية عالمية، P.U.F، 1980؛ ودانييل ماديلينا، السيرة الذاتية، P.U.F، 1984؛ وفلورنس غويه، القصة، P.U.F. 1993‏

(15) انظر، الشعرية، 1977/ عدد /32، وهو عدد خاص.‏

(16) انظر ه.ف. إمبير، أعمال المؤتمر السادس عشر SFLGC، مونبلييه، 1980‏

(17) انظر المقالة المثيرة لبليندا كانون، ماالحوار الداخلي؟ كي فولتير، شتاء عام 1992، العدد /4‏

(18) الساغة: حكاية شعبية تاريخية أو اسطورية من الأدب الاسكندنافي.‏

(19) المقصود إيرلندة، والدانمارك، والنرويج، والسويد.‏

(20) المقولِب: عامل يفرغ مصنوعات النحات في قوالب.‏

*) -1- انظر العدد الخاص من R.L.C، 1991/2، الشعريات الشرقية والشعرية الغربية‏

(21) - انظر ف.ك. شاري، النقد السنسكريتي، جامعة هاواي، 1990‏

*) مذهب مدرسة أدبية موسيقية في إيطاليا، في أواخر القرن التاسع عشر، تدعو إلى تمثيل الحقائق برمتها، على غرار المدرسة الواقعية الفرنسية.‏

**) طقس مختص بالأسرار المقدسة.‏

*) اسم كان يطلق على تمثيلية دينية في العصور القديمة يدخل فيها الآلهة والقديسون والشياطين.‏

(22) مسرح وفظاظة، مكتبة مريديان، 1982.‏

(23) انظر أو دوكرو، وتودوروف، القاموس الموسوعي لعلوم اللغة، سوي، ص 280.‏

(24) Mimesis، 1946، غاليمار، 1968.‏

(25) دراسات في الأسلوب ،غاليمار، 1970.‏

(26) الترجمة الفرنسية، دار سوي، 1972.‏

(27) انظر الأشكال القصيرة، دار هاشيت، 1993‏

(28) الأدب الأوروبي والعصر الوسيط اللاتيني، p.U.F 1956‏

(29) انظر غرق مع مشاهد، دار آرش، 1994‏

(30) انظر التوضيح المفيد لدافيد فونتين، الشعرية، مقدمة في النظرية العامة للأشكال الأدبية، جامعة ناثان، 1993، انظر أيضاً: م.م. مونغ، دراسات في تاريخ الشعرية، جامعة ميتز، بيتر لانغ، 1984.‏

(31) غاليمار، تُرجم عام 1978.‏

(32) رموز : المجلد الثالث.‏

(33) انظر مقدمة في النص المتعدد، دار سوي، 1979، وأُعيد أخذه في جيرار جينيت و أل، نظرية الأجناس، دار سوي، 1986.‏

(34) علم الجمال، المجلد الرابع، القسم الثالث.‏

(35) حدود السرد، رموز، الجزء الثاني، 1969.‏

(36) طروس، سوي، 1982.‏

(37) انظر مدخل، دار سوي، 1987.‏

*) ترجمت هذا الكتاب عن الفرنسية، وصدر عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق، 1997.‏

(38) الوجيز في الأدب المقارِن.‏

(39) المؤتمر العاشر للرابطة الدولية للأدب المقارن، نيويورك، 1982.‏

(40) الرومانسيات في البرتغال: نماذج أجنبية، وتوجهات وطنية، باريس ك. غولبينكيان، 1986.‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:51 PM
8- التاريخ والمنظومة الأدبيان






توجه دراسة الأشكال الأدبية المقارِن نحو سؤال صاغه جان بول سارتر بالطريقة الجوهرية التي نعرفها: ما الأدب؟ في هذا المستوى من التجريد، يندثر الأدب المقارن أمام الأدب العام الذي لا يركز على "إطلاق عموميات على الآداب" مقبوس من إيتامبل)، ولكن هل سيكون هذا الأدب حقيقة) أدباً عاماً، وفق رغباته، عند مزج لغات الأرض كلها، أو أن الأمر -يحتاج إلى قليل منها؟ أو أن ذلك سيكون "نظرية للأدب" مؤسساتية في بلدان عدة؟ أو "علم الأدب" الذي ذكره إيف شيفريل في نهاية كتابه Quesais-je?)، ليُبعَد بعد ذلك مباشرة، ليس دون سبب؟ أو "فلسفة الأدب" لبيشوا- روسو، التي أُلغيت بعد ذلك؟ مهما تكن التسمية من المؤكد أن مسائل المصطلح تلازم المجال المقارني)، من الضروري نقل التفكير الأدبي، أو بصورة أدق، الشعري، من الأساس التاريخي الذي تبناه دائماً إلى مستوى أعلى.‏

- عناصر التأريخ الأدبي:‏

نذكر أنه منذ سنوات الخمسينيات، كان رينيه ويلك قد انتقد الموقف التاريخي) للمقارنين الفرنسيين، أُثيرت مسألة العلاقات بين الأدب والتاريخ الأدبي من جديد في سنوات الستينيات، وغذت، جزئياً، النزاعات بين النقد القديم والنقد الجديد.‏

- الأدب والتاريخ الثقافي:‏

في النص الأخير من النصوص الثلاثة التي تؤلف كتاب حول راسين)(1) ، والمعنون تاريخ أم أدب؟) أخذ هذا النص من مقالة منشورة في حولياتESC، أيار - حزيران، 1960) أدان رولان بارت بحق الخلط بين التاريخ والنقد الأدبيين، والمكانة المُبالغ فيها التي أخذتها السيرة في التاريخ الأدبي، وتقديس وقائع الطرفة وتواريخها.‏

تتطلب صناعة التاريخ الأدبي التخلي عن الفرد و"الانتقال المتأني إلى مستوى التقنيات، والقواعد، والشعائر، والعقليات الجماعية"، ومقاربة الجانب المؤسساتي) للأدب.‏

لقد اتخذ بارت) من المؤرخ لوسيان فيبفر موجهاً أو بصورة أدق كلود بيشوا مستشهداً بلوسيان فيبفر) الذي كان قد بيّن قصور التاريخ الأدبي من غوستاف لانسون إلى دانييل مورنيه) وطرح بعض التساؤلات البسيطة الموجهة نحو العلاقات المعقدة بين الأدب والحياة الاجتماعية(2) .‏

نقتبس من لوسيان فيبفر: "يجب ......) إعادة تركيب الوسط المكان)، والتساؤل مَنْ كَتَبَ، ومن أجل مَن، ومن قرأ؛ ولماذا؛ ويجب معرفة التعليم الذي كان قد تلقاه في المدرسة أو خارجها، الكتّاب، وبصورة موازية معرفة تعليم قرائهم......؛ ويجب معرفة النجاح الذي ناله هؤلاء وأولئك، ومدى النجاح وعمقه؛ ويجب ربط التغيرات في العادة، والذوق، والكتابة، واهتمامات الكتاب، مع تقلبات السياسة، والتحولات في التفكير الديني، وتطورات الحياة الاجتماعية، وتغيرات النموذج الفني والذوق، ...... الخ يجب...... لن أكمل.".‏

هذا البرنامج الطموح، غير المحدود هو الذي أعاد أخذه رولان بارت: "دراسة الوسط، أو الأوساط؛ و"الجماهير"؛ و"التكون العقلي لهذا الجمهور"، والمؤلفين؛ وأخيراً "أعمال العقلية الجماعية" آخذاً، بخصوص راسين، أمنية جان بومييه. "بتاريخ الأسطورة الراسينية"، أي البحث في الأوجه التي أعطاها النقد لراسين وعمله)، وأكثر من ذلك "تاريخ الخيال في القرن السابع عشر"(3)‏

إننا نرى أن هذا البرنامج يمس، في الوقت نفسه، تاريخ المجتمعات والعقليات، وعلم اجتماع الأدب والأدب العام، تحت زاوية العلاقات بين الأدب والمجتمع.‏

كانت جمالية التلقي قد درست بعض المسائل المتعلقة بالجمهور، وبعضها الآخر كان قد درس منذ سنوات طويلة من قبل بيير بورديو، وفريقه، وهي تصنف "الحقل الأدبي"، والأدب كمؤسسة)، وتحلل المكانة الاجتماعية، والسياسية للكاتب داخل هذا الحقل)، وأخيراً، هناك مسائل أخرى موجهة نحو المستوى الثالث)، وهو مفهوم يعيد بعد السياسي والاقتصادي) إلى تاريخ العقليات.‏

بالنسبة لرولان بارت، لا يمكن فصل تاريخ الأدب) عن تاريخ فكرة الأدب نفسها)، وهذه بديهية أساسية تحدد هذا الجسر الضروري بين التاريخ الأدبي والنظرية الأدبية: يتحدث بارت عن هذا النوع من الأنطولوجيا- علم الكائن- التاريخية) التي يجب تأليفها: مازال البحث موضع اهتمام ورعاية، ولكنه لم يَقَوَ على نسيان بعض المشاكل الخاصة، ويمكن أن نقول "مشاكل شعرية"، وأخذ مثالاً من البلاغة الكلاسيكية المدروسة بصورة سيئة، إن ما تفرضه اللغة- عبر رموز البلاغة كلها- هو تقطيعاً للعالم) وشكلاً للعالم) مهماً بمقدار أهمية التقديم التاريخي بالنسبة لتاريخ الرسم، وهكذا انتهى إلى أن الأدب ينتظر Francastel، مشيراً بذلك إلى مؤرخ الفن بيير فرانكاستيل المهتم بإقامة روابط بين المجتمعات والأشكال الفنية، كان يمكنه أيضاً أن يذكر هنري فوسيلون، وإيرفان بانوفسكي، أوآرنست كاسيريه، ضمن منظورات تاريخ ثقافي.‏

بصورة أدق لنقف عند المسار الذي تقترحه مقالة رولان بارت:‏

1- اختبار التاريخ.‏

2- زمن الدراسة الشكلية.‏

3- ضرورة المقاربة النظرية، العامة.‏

- التاريخ المقارن للآداب:‏

بمبادرة من جاك فوازين، وتحت إشراف الرابطة الدولية للأدب المقارن Ailc)، بدأت المقارنية العالمية مشروعاً ضخماً منذ ربع قرن هو إصدار سلسلة من الأعمال الجماعية التي تشكل في مجموعها تاريخاً مقارنياً للآداب في اللغات الأوروبية، صدرت حتى الآن مجلدات عدة أولها تحت إشراف Ulrich Weisstein حول التعبيرية) 1973)، والثاني تحت إشراف غيورغي فاجدا ويدرس منعطف عصر الأنوار، 1760-1820) خاصة الأجناس المنظومة من الأنوار إلى الرومانسية 1982).‏

ويقدم الثالث الذي نظمته آنا بالاكيان الحركة الرمزية) 1982)؛ وصدر مجلد تحت إشراف جان فيسجير بر حول المقدمات الأدبية في القرن العشرين) 1984)، وصدر مجلد خامس تحت إشراف جماعي، تيبور كلانيكزاي، وإيفا كوشنر)، وأندريه ستيغمان، مكرس لعصر النهضة وولادة الروح الجديدة- 1400-1480)، 1988)؛ وأخيراً، صدر مجلدان تحت إشراف آلبير جيرارد وكرسا لآداب أفريقيا شبه الصحراوية في اللغات الأوروبية)، 1986)، نُشرت هذه المجلدات في بودابست من قبل أكاديمية العلوم، وتعكس جيداً توجهات التأريخ المقارني واهتماماته: مثل تجنب تجميع الآداب، وتنظيم أعمال جماعية، واختيار حقبة تارة، وتارة أخرى حركة، وتارة ثالثة مجال أدبي وثقافي، والاهتمام بالتحقيب، وإظهار الاهتمام بلحظات التغير أكثر من الاهتمام بالعصور المتجانسة التي تسيطر عليها أجناس أدبية محددة جيداً.‏

يوسع الأدب العام والمقارن، إذن، إلى أبعاد متعددة القوميات أو فوق القوميات، مفهومات، وحقائق اجتماعية، وتاريخية، تقدمها التواريخ الأدبية القومية): مثل العصور، والحقب، والحركات، والمذاهب والاتجاهات، والمدارس، والأساليب، ومانسميه أسلوب العصر)(4) .‏

تفيد هذه الأعمال الواسعة من التحليل، والوصف، والتركيب، في إعادة النظر في التحقيب، والإشتراك الجيد لللآداب ذات الانتشار القليل، وإعادة التوازن، إذن، لما هو غالباً نتيجة لمعارف مرتكزة على أدبين أو عدة آداب عظيمة، وهي أيضاً تعبير عن حلم أدب عالمي حاضر في ذهن المشتركين.‏

بصورة عامة، يفضل التأريخ المقارني الزمن المتوسط، وأحياناً الزمن الطويل، ولكنه نادراً مايفكر في الزمن القصير، على كل حال، يجب رفع المبادرات المفيدة المنصبة على التزامنيات الأدبية)(5) ، وحتى المنصبة على سنة هامة بصورة خاصة(6) .‏

ضمن هذه الكتابة للتاريخ الأدبي، تكثر مشاكل المصطلح، أي مشاكل المنهج أيضاً؛ وتنصب على نصف الدزينة) من المفهومات المستشهد بها، والمرتبطة بالتحقيب، من الواضح أن مشكلة اختيار مقطع تاريخي) مهمة، بالإضافة إلى مسائل تأريخ.ظاهرة تعود في الزمن حتى بدايته، أو تنزل حتى نهايته، ولكن، إن مايبدو أساساً، هو إعادة تركيب تعقيد الزمن التاريخي، هنا أيضاً، نترك الكلام لهنري فوسيلون حياة الأشكال): "إن المؤرخ الذي يقرأ تتابعياً يقرأ أيضاً أفقياً عرضياً)، بصورة متزامنة، مثل الموسيقي الذي يقرأ توليفة جوقة موسيقية، التاريخ ليس أحادياً ولا تتابعاً خالصاً، يمكن أن يعد تراكباً للحظات الحاضرة الممتدة بصورة واسعة...... في التاريخ نفسه، لا يحتل السياسي، والاقتصادي، والفني الموقع نفسه على خطهم الخاص، والخط الذي يجمعهم في لحظة معينة هو غالباً متعرج جداً...... التاريخ بصورة عامة نزاع بين النضوج المبكر، والحاضر، والتأخر".‏

- المدة الزمن) في التاريخ الأدبي:‏

إن عمل مؤرخ الأدب وهو في جزء منه عمل المقارن) هو خط استمراريات في المكان الذي يبدو أنه لا يوجد فيه إلا التفَتيت والتقسيم، وحصر لحظات التغير- النادرة- المثار غالباً عبر ظهور عمل جديد، ومدرسة جديدة، من هنا تأتي دراسات شعرية بصورة واسعة، وبيانات، وكذلك أيضاً آثارها، وأصداؤها، وهناك دراسات أخرى وسيطة بين علم الاجتماع وتاريخ العقليات، حول بعض المفهومات مثل مفهوم الفضيحة) أو القطيعة).‏

ولا يستطيع هذا المفهوم الأخير، الذي تعيش عليه الحداثة)، أن يصبح مبدأ تحليل تاريخي، يهتم بتقدير إيقاع التفعيلات التي تشخص التطور الأدبي، وهذه فرضية خاصة بتاريخ أدبي شعري، وتتقاطع فكرة نص حواري: كل نص يجدد في بعض المجالات، ويتقدم في بعض النقاط، ويظهر أقل تجديداً في بعض الوجوه، يقوم المبدأ الريمبالدي الذي بحسبه "يجب حتماً أن يكون الإنسان حديثاً" على صراخ، ورغبة، ولكن ليس على التاريخ الأدبي.‏

في مقابل "أيديولوجية القطيعة"(7) أو مايسميه أو كتافيوباز "تقليد القطيعة"، ينتصب بناء الثوابت، أو الكليات، أو النماذج الأصلية بمقدار طرق الهروب من التاريخ. نعرف أن الثابت الوحيد الممكن الوصول إليه هو الثابت الذي يدمج بناء الروح نموذج، مخطط).‏

إنه معزول لكي يجابه مباشرة بالتطور التاريخي، أو بالحوار بين الآداب، لا يستطيع الثابت إلا أن يكون تعبيراً عن تعطيل اصطلاحي للزمن، وهذا شكل من الزمن التاريخي للروح التي تبحث عن فهم المتنوع، والمعقد، يجب أن يعيش التاريخ الأدبي الأزمنة الثلاثة للتاريخ التي ميزها فيرناند بروديل: "المدة الطويلة"، وحتى "الجيل المتعدد"، ولكن ليس فوق- الجيل)، ثم الزمن الوسيط الجيلي) ظاهرة الجيل، ويمكن تعريفه بعبارات Forma mentis مشتركة، وتجمع من الأفكار، والقراء، والمراجع الجمالية، والأيديولوجية، وهو هام إلى حد ما، بالنسبة لبعض الآداب، مثل الآداب الإيبيرية، والإيبيرية- الأمريكية)؛ وأخيراً، الزمن القصير، وهو زمن الحدث الذي يتجاوز الحقل الأدبي ويؤثر فيه.‏

إن شكلاً أدبياً، بالمعنى الواسع، هو أيضاً نوع من المدة الزمنية)؛ والتي خلالها يُعرف، أو يُستقبل، ويُنشر، ويعد حجة، ومرجعاً لجماعة معينة، ولكن من الواضح جداً أن سونيتة بيترارك ليس لها علاقة كبيرة مع سونيتة مالارميه، دون وجوب نسيان مدة الانتشار الأعظمي لشكل ما(8) .‏

يجب أن تدخل في المدة، أعياد الميلاد، والاحتفالات التذكارية، والتذكارات المئوية المئوية الثالثة لغونغورا المعاد اكتشافه عبر- الجيل 27-) والتلوثات الدنيوية إن نهاية قرن تجلب نهاية أخرى، مالذي يجب قوله عن نهاية ألفية؟)، وكل عناصر زمن طقسي، زمن ذكريات، زمن أحكام نهائية، وأعداد خاصة من المجلات، والمقابلات مع الأحياء، وإعادة تقويمات، واكتشافات)، وعودات إلى.....)، ونسيان، زمن يرى انبعاث أسماء قديمة، وتغييب أسماء أخرى، حيث تتطابق أذواق الحياة، ويقاس عمل الجيل القادم: زمن التاريخ الأدبي هو أيضاً زمن يمكن عكسه، ومتعدد الأصوات، وجمعي.‏

إن المدة، في الأدب، هي أيضاً التقاء الجمالية، والشعرية، والحضارة المادية: تاريخ الكتاب، وتاريخ العلاقات الفكرية، وكذلك أيضاً التجارية، وحتى الاقتصادية، "تجارة الأفكار" التي طُرحت سابقاً، يستطيع المقارِن أن يفيد كثيراً من الدراسات حول تجارة الكتاب التي بدأها لوسيان فيبفر، وتابعها هنري جان مارتان، ودانييل روش، أو روبير دارنتون.‏

ضمن هذه المدة الاستعراضية، المعادة صياغتها، تنضوي بعض المسائل الأكثر تعقيداً: مثل ولادة أسلوب ومدته، ومفهوم عتبة عصر معين) الذي درسه هانس- روبيرت ياوس، وكذلك مفهومات الأوج)، والقمة)، والمنعطف)، وتوسع تراث ما) مع بعض الغيابات تراث الرواية البلزاكية....) وعليه فإن مفهوم الأسلوب)، ارتجاعي بصورة واسعة منسحب على الماضي): هذا مانستطيع، حالياً، وعيه، عبر لعبة البعد التاريخي، لأسلوب أعوام الخمسينيات، ونموذج) أو نماذج) fifties، حتى في تعبيراتها الكاريكاتورية. يتطلب التراث تطور التخزين، وأرشفة الأحداث والأشكال الأدبية، وتطور التناصية. تُصنع ثقافة، أو مجموعات ثقافية معينة من التقاليد التراثية التراث الكلاسيكي، التراث الواقعي... الخ).‏

يمكننا إرادة فهم كيف تشكلت، وانتقلت بين الذاكرة والنسيان، والتجديد والمقاومة، والابتكار والتخلق؛ وكيف تخلد أشكال كتابة وقراءة، وموضوعاتهما وأصولهما، لا وجود لتقليد أدبي دون وجود مجموعة من النصوص المرجعية، ودون تعليقات نقدية وتفسيرية، وتقويمية، وتخليدية، ودون انشقاقات أيضاً.‏

لا وجود لـ dosca دون هرطقة.... انتقلنا، بصورة إجبارية، من البحث التاريخي إلى جرد مجموعة، ومنظومة تسمى أيضاً أدباً.‏

مما لاشك فيه أن كلمة منظومة) تُحيل إلى مستوى نظري من التفكير، ولكن الأمر يتعلق، في الواقع، بامتلاك وسائل الوصف التاريخي والشعري للأدب، وهذا مالايسمح به فحص الأشكال والأجناس انظر الفصل السابع).‏

- الأدب كمنظومة:‏

استعير مفهوم المنظومة) من الشكلانيين الروس، وطُبق على الأدب، وشكل منذ سنوات السبعينات تقدماً منهجياً بارزاً من أجل التوفيق بين الشرط التاريخي وبين ضرورة الوصف الدقيق للظاهرة الأدبية، وظهر المفهوم) تحت اسم منظومة متعددة) اقترحه إيتمار -إيفين زوهار في ورقة عمل مقدمة إلى ندوة حول نظرية التاريخ الأدبي)، وأعيد استخدامه عام 1979، في العدد الأول من مجلة الشعرية اليوم)، في غضون ذلك، نشر كلوديو غيلين مقالة بعنوان الأدب كمنظومة)(9) ، وقدم جوزي لامبير جامعة لوفان) عام 1980، إلى ندوة SFLGC) في مونبلييه دفاعاً عن برنامج ا لدراسات المقارنة: الأدب المقارن ونظرية ا لمنظومة المتعددة)، وتابع الوصف النظري للمنظومة الأدبية في مقالات متعددة. استُخدم مفهوم المنظومة المتعددة) حديثاً من قبل بعض الباحثين الكنديين في سبيل تاريخ أدبي جديد لكندا(10) .‏

في البرازيل، افتتح أنطونيو كانديدو كتابه الهام تشكيل الأدب البرازيلي) 1975)، بفصل موسوم الأدب كمنظومة).‏

-مثال على المنظومة الأدبية:‏

يواجه أنطونيو كلوديو الأدب كمنظومة من الأعمال المرتبطة مع بعضها عبر قواسم مشتركة تسمح باستخلاص السمات المميزة لعصر معين). هذه القواسم المشتركة داخلية اللغة، والموضوعات، والصور)، واجتماعية، ونفسية، وتجعل من الأدب مظهراً عضوياً عن الحضارة، ويميز بين مجموعة من منتجي الأدب الواعين إلى حد مالدورهم، وبين مجموعة المتلقين الذين يشكلون النماذج المختلفة للجماهير، وآلية الناقل للرسالة) لغة مترجمة إلى أساليب، الذي يربط المنتدين بالمتلقين، يشكل المجموع نموذجاً من الاتصال الإنساني الداخلي يسمى أدباً يبدو، من هذه الزاوية، كمنظومة رمزية) تتحول بفضلها الأحاسيس الأكثر غوراً عند الفرد، بحسب الاتصالات بين البشر، وعناصر تفسير الواقع.‏

يتحول النشاط الأدبي إلى تقليد يقارنه كانديدو بنقل المناوبة في الملعب سباق التتابع): تُبتكر استمرارية أدبية مع تشكيل نماذج) نفكر بكلمة Pattern الإنكليزية، وهي مفهوم قريب من النموذج)، تفرض نفسها على الفكر والتصرفات، التي يجب العودة إليها من أجل قبولها، أو رفضها، "دون هذا التراث لا وجود للأدب كظاهرة عن حضارة"، في مواجهة هذا التراث، هناك مظاهر أدبية ذات إلهام فردي أو تحت تأثير آداب أخرى، وتشكل محطات مهمة في تشكيل المنظومة، يشير انطونيو كانديدو إلى أنه أراد، قبل كل شيء كتابة "تاريخ البرازيليين ضمن رغبتهم في امتلاك أدب"، وهذا مثال ثمين بصورة خاصة بالنسبة للمقارِن، لأنه يُظهر، داخل فضاء لغوي واحد، عناصر متعددة لإشكالية مقارنية، وأكثر من ذلك، لإشكالية الأدب العام من خلال إرادة ربط سيرورة التطور الأدبي بثوابت مختلفة مثل المرسلين، والمتلقين، وأدوات الإرسال)، وشرحها بواسطة تساؤلات مختلفة: اجتماعية، جمالية، ورمزية.‏

- نظرية المنظومة المتعددة:‏

إن الفرضيات، والبديهيات التي سمحت بإطلاق فكرة المنظومة المتعددة) أعادت أخذ مقترحات قدمها الشكلانيون الروس، خاصة إيوري تينيانوف، ورومان جاكبسون في مقالة صغيرة عام 1928، أعيد نشرها في كتاب نظرية الأدب)(11) : "مشاكل الدراسات الأدبية واللغوية"، كل عمل أدبي هو منظومة، وكلٌ ذو دلالة، وتشكل مجموعة النصوص التي تمتلك سمات مشتركة منظومة من الأنظمة، وتحت صيغة أخرى، نجد شعوراً مسبقاً عند الشكلاني الروسي ف.شكلو فسكي قدمه عام 1921 وعام 1923، تحت اسم قانون التطبيق)*، والذي ينظر إلى العمل الأدبي كمجموعة من الطبقات التي تتنازع فيما بينها، سواء تعلق الأمر بطبقات ثقافية رسمية)، معترف بها، أم بطبقات قادمة من ثقافة شعبية غير معترف بها، تلاقي أيضاً الفكرة الكبيرة والتي بحسبها تطبق الثقافة غير الرسمية، تحت مختلف الأشكال، على الأدب الرسمي لاحتلاله وتغييره، يُستخدم هذا الربط بين المشاكل الجمالية، والاجتماعية- الثقافية، وبين فكرة التوتر بين الطبقات ذات الأصل المختلف، أيضاً كأساس لنظرية الحوارية) عند ميخائيل بختين.‏

يلاحظ إيتمار إيفين -زوهار بحق، في مقالته البرامجية عام 1979(12) ، أن تمثُّل النظريات الشكلانية، والبنيوية في أوربا الغربية كان انتقائياً، ضمن الحد الذي لم تصنع فيه هذه النظريات أبداً مقابل تصور تاريخي وهذا ماكان عليه الحال في فرنسا مثلاً).‏

إن النص والمنظومة الأدبيين يشكلان مجموعات طبقية للنظم التي تفسر بعضها بعضاً وتدخل في تنازع.‏

- وصف المنظومة الأدبية المتعددة:‏

تتألف المنظومة من ثلاثة أشكال من النصوص: النصوص الأدبية، بالمعنى الدقيق، وبالمعنى الأكثر اتساعاً لكلمة أدب، والنصوص النقدية كل ما يسمح بإعادة تركيب المنظر الأدبي، من هنا تأتي أهمية مافوق النصوص)، ومرفقات النصوص)، مثل المقدمات، والإعلانات، والجدالات، والحسابات السنوية....)، وأخيراً النصوص الكامنة الممكنة) أو النماذج) التي ينتسب مجموعها إلى المنظومة المتعددة، لأنها المنظومة) تشكل منها التركيب المجرد، والنظري: يتحدد نظام أدبي عبر وجود عدد من النماذج الممكنة، وفي لحظة معينة، والتي هي قابلة لإعادة الإنتاج إلى حد ما، وتعد النماذج المسيطرة بين النماذج الأكثر قابلية لإعادة الإنتاج، وأيضاً الأكثر قابلية، إلى مدى معين، للتنازع.‏

اقترح جوزي لامبير التمييز بين ثلاثة معطيات أساسية من أجل وصف المنظومة الأدبية:‏

- p أو إنتاج اللحظة، أي النشاطات الأدبية كلها في لحظة معينة؛‏

- T ، أو التراث، أي النشاطات الأدبية القديمة التي تستمر تتعايش) مع حاضر خاص.‏

- I - أو استيراد، أي النشاطات أو النصوص التي تستوردها المنظومة الأدبية من منظومات أدبية مجاورة، تسمح ملاحظة التداخلات بين P.T.I بصياغة بعض مبادئ عمل المنظومة الأدبية:‏

يمكن أن تكون p غير موجودة بالنسبة لجنس أدبي معين لا تمتلكه منظومة أدبية)؛ وتستطيع T أن تغيّب أو تخفي I منظومة أدبية محافظة)؛ يمكن توجيه I ضد T مقدمة الترجمان من أجل معارضة تراث موجود).‏

يُفسر قسم هام من نظرية المنظومة المتعددة عبر الاهتمام بمشكلات الترجمة البحوث الأولى لإيتمار إيفين- زوهار، ولا مبير) أو بدقة أكثر بالأدب المترجَم)، الذي يأخذ مكاناً، كما هو، ضمن المنظومة الأدبية المترجِمة منظومة لغة المصب).‏

- المنظومة المتعددة والتعارضات الأساسية.‏

يقيم مفهوم المنظومة المتعددة بعض السلاسل من التعارضات الأساسية التي تبني المنظومة المقصودة؛ يجب دراستها من وجهة نظر تاريخية البعد التاريخي مطلوب دائماً)، سنفصل السلاسل الثلاث الأساسية.‏

- الأدب الأولي مقابل الأدب الثانوي:‏

إن أدب النموذج "الأولي" يعيد النظر في الاصطلاحات، والقواعد، والنماذج المعمول بها؛ إنه يدخل إجراءات جديدة في الكتابة والقراءة.‏

يستغل الأدب الثانوي الاصطلاحات الأدبية والجمالية ويحتفظ بها.‏

ولكن أي عمل، وأي مؤلف لا يستطيع أن يكون أولياً أو ثانوياً بصورة كاملة، يستطيع نص ثانوي، محافظ في الظاهر، من وجهة نظر جمالية نفكر بمسرح سارتر)، أن يكون نص معارضة اجتماعية، يجب أن يدرس النص، والأدب بصورة عامة من موقع الاتصال، والتلقي، والتقويم، أو بصورة أصح من موقع إعادة التقويم الدائمة.‏

تُترجم هذه التغيرات عبر مواقف مختلفة داخل المنظومة، وتتطور وفق تطور هذه المنظومة.‏

*- الأدب العالي مقابل الأدب الوضيع:‏

يجب رؤية التعارض بين الأدب الرسمي أو المعترف به)، وحتى المقنّن)، والآداب المسماة هامشية)، مادون الأدب، والأدب الموازي، والأدب الشعبي، أو أيضاً أدب الجماهير، أو حتى نقيض الأدب، أو الآداب المضادة)، يسمح هذا التمييز بتحديد الاصطلاحات، والقواعد، والنماذج المعمول بها، وهذا مايعد من جهة أدباً، وتراثاً أدبياً، ومن جهة أخرى يدخل في نزاع مع هذه القواعد الجمالية، وحتى الأيديولوجية.‏

نخلص من ذلك، فيما يخص الأدب الرسمي إلى إدخال مفهوم القانون) الأدبي أو الأدب المقنن)، والذي نستطيع تعريفه كمجموعة من النصوص تتعلق بها قيم سواء ضمن التعليم أم ضمن النقد الأدبي.‏

هناك ضمن مفهوم القانون) فكرة مجموعة من النصوص تتشكل انطلاقاً من انتقاءات تتم وفق بعض القواعد، يشكل هذا المفهوم موضوع دراسات مقارنية تعد الأكثر إتقاناً ودقة في الوقت الحاضر، ويجب أن يؤخذ ضمن خليط مفيد من القيم الجمالية والأيديولوجية التي ينشرها(13) .‏

يجب دراسة القانون في مستوى المنظومة الأدبية، ولكن لا يمكن فصله عمّا أسميناه الحقل الأدبي)، لأنه يسعى لأن يطبع أثره ضمن العالم المدرسي، والمؤسسات، وتنظيم ردود الفعل النقدية، والعلاقات الاجتماعية والثقافية للجمهور، يمكننا أن نقدم أن أفق التوقع لبعض الجماهير التي لها علاقات معينة مع الأدب القانوني في فضاء ثقافي معين. أخيراً، إن مفهوم القانون مرتبط بالفكرة التي تقول إن كل منظومة أدبية تسعى، في الوقت نفسه، إلى التطور وحماية نفسها، وحماية نصوصها)، يجب على التطور الأدبي أن يأخذ في الحسبان هذا الأدب الاحتياطي، المصنوع من نصوص عالية القيمة طورهذه الفكرة راكفيه شيفي تلميذ إيفين زوهار).‏

يسعى النص القانوني لأن يكون مرجعاً أدبياً مستقراً، وهذا مانسميه بإرادة سلطة)، مع عدم نسيان ميزته كأسطورة) ثقافية، إلا إذا لم يشكل مجموع النصوص القانونية جزءاً مما يمكن تسميته ميثولوجيا وطنية)؛ أو نسيان أنه باختزاله إلى اسم، وعنوان، ومقبوس، يقوم بدور شبيه بدور النمط، ويمكن إعادة استخدامه في ظروف وسياقات مختلفة، يجب وجود قانونية دنيا لهومير من أجل الحديث عن موقف هوميري)، أو لكافكا من أجل موقف كافكي).‏

يستطيع النقد، في هذه الحالة، أن يمتلك وظيفة التشكيك في العناصر التي تمنح القانونية، من جهته، يجب على مؤرخ الأدب أن يفهم وفق أي طرق فرضت هذه القانونية نفسها.‏

- المركز مقابل المحيط:‏

يجب أخذ المركز أيضاً ضمن المعنى الجغرافي والثقافي، وضمن بعده الرمزي: يسعى التراث)، إلى احتلال مركز المنظومة، ولكنه يُدفع، بصورة دائمة نحو المحيط ضمن المنظور التنازعي، أو الانحطاطي، الخاص بالمنظومة المتعددة)، إننا نفهم كيف أمكن لهذه الإشكالية، أن تفيد الآداب التي تدعى تحديداً بالآداب المحيطية انطلاقاً من مركز معين يعد حاضرة مستعمرة، وكذلك الآداب المسماة منطقية)، يتقاطع التفكير هنا مع مسارات أخرى:‏

مثل المقارنية الداخلية) انظر الفصل الأول).، ومفهومات المناطق الأدبية انظر الفصل الثاني).‏

اقترح جوزي لامبير، في بحثه المقدم في مونبلييه عام 1980، دراسة كل أدب انطلاقاً من استفتاء بسيط يمكن أن يكمل الجانب النفعي لهذه النظرية والذي ليس إحدى ميزاتها الدنيا):‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:53 PM
- ماهي القواعد المسيطرة/ والمسيطر عليها)؟‏

- ماهي النماذجالمسيطرة/ والمسيطر عليها)؟‏

- ماهي طبقات القواعد والنماذج التي تستطيع أن تظهر ضمن المنظومة المقصودة؟‏

- ماهي الظواهر مؤلفون، وأعمال، وأساليب، وأوساط) التي تحتل موقعاً مركزياً أو محيطياً؟‏

- ماهي الروابط مع المنظومات المجاورة روابط منظومية داخلية، أي الأساس نفسه للمقارنية في علاقاتها المسماة -ثنائية-)، والعلاقات داخل منظومة معينة بين ماتحت- المنظومات المختلفة علاقات منظومية داخلية، مثلاً بين الآداب والفنون)؟‏

- ماهي العلاقات بين الإنتاج، والتراث، والاستيراد، منظومات أجنبية)؟‏

- ماهي العلاقات فوق -النصية وتنظيمها، خاصة العلاقات مع النصوص الأدبية تحديداً؟‏

- ماهي الروابط بين العناصر التجديدية الأولية) والعناصر التقليدية الثانوية)؟‏

من الواضح أن مثل هذا الاستبيان يظهر فائدة المنظومة المتعددة، كتتمة للدراسات التاريخية للأدب، وأداة لإعادة كتابة الظواهر الجمالية، والمركبات الشعرية لمنظومة أدبية.‏

- المنظومة وتطبيقاتها.‏

تعد هذه النظرية، من خلال العلاقات التي تريد إقامتها مع التاريخ الثقافي، قريبة، إلى حد ما أحياناً، من علم رموز الثقافة كما مارسه إيوري لوتمان ومدرسة تارتو.‏

تسمح المنظومة المتعددة، من خلال معارضتها لفكرة وجود جوهر للأدب، أو حتى أدبية)، بفهم كيف تتشكل المفهومات المتتابعة للأدب، وكيف تتشكل المجموعات الأجناس، والأشكال، والنماذج)، إنها تسمح بالإمساك جيداً بالإبداع الأدبي) بصورة عامة، وفي بعض المواقع الثقافية الخاصة.‏

* الآداب التابعة: والآداب البارزة:‏

إن مفهوم التبعية) هو قبل كل شيء ذو طبيعة سياسية واقتصادية استعمار). في الأدب، يترجم الاستعمار عبر فرض قواعد ونماذج: القسم الأكبر من التراث- التقليد)، والأدب المقنن القادم من المركز، والحاضرة، عن طريق المدرسة، بالنسبة لإفريقيا، أو المؤسسات الأكاديميات، وحلقات الفكر، والمجلات) أو الترجمة بالنسبة لأمريكا اللاتينية.‏

كل أدب محيطي) هو حقل نشر بالنسبة للنماذج المستوردة. تؤمن هذه النماذج التكوّن الكامل للنصوص والانسجام إلى حد ما، هذه النصوص التي يشكل مجموعها أدباً تقليدياً حقيقياً تابعاً) يعد في الظاهر مثاقفة نتيجة للاستعمار).‏

مع ذلك، ستترجم إعادة إنتاج نموذج، ومعرفته بوصفه نموذجاً منتجاً، عبر كتابة ثانية تؤدي إلى محاكاة مختلفة، ضمن الحد الذي تصدر فيه عن توترات بين النموذج المتلقى، والمقبول إلى نقطة معينة، وخلال زمن معين، وبين المنظومة الخاصة بمرجعيات النظام المستْعمَر، المتلقي بالضرورة.‏

تتطلب إعادة تأهيل النماذج، وهي ظاهرة واضحة في كل أمريكا اللاتينية في الأدب والفنون لأننا نتحدث تحديداً عن الباروكية الاستعمارية) ليس مثاقفة) وهذا مفهوم من أصل انكلو- ساكسوني) ولكنها تتطلب تبادلاً ثقافياً وهي كلمة إسبانية).‏

استُخدم هذا المفهوم من قبل الباحث الموسيقي الكوبي فيرناندو أورتيز ضمن نص عام 1940، ويتطلب أن يوجد دائماً جواب فعّال للمثقف على فرض نماذج خارجية، وردة فعل للجوهر البلدي)، المحلى إزاء التأثيرات الخارجية.‏

وهو مفهوم رئيسي لأنه يسمح بفهم ماتكونه ظواهر التهجين الثقافي)، ونماذج المحاكاة والتأثيرات وحدودها.‏

ويمكن لهذه النماذج أن تتوجه إلى أشكال أدبية، وطرق الكتابة، والقواعد الأيديولوجية علاقات النموذج المستورد مع المنظومة الأدبية التي يندمج فيها: جماهير جديدة، وتوقعات جديدة).‏

والدوافع أو الموضوعات الخاصة بخيال جديد. المثاقفة العابرة أو المتبادلة) تتبدل، مثلما أشار البرازيلي هارولدو دوكامبوس في transvaloration من جهته، يدعم سيلفيانو سانتياغو(14) ، بحق، أن النص المتحرر من الاستعمار)، ضمن ثقافة محيطية أو مُسيطَر عليها، تنتهي لأن تكون أكثر غنى من النموذج الذي كان مصدر التأثر، لأنه يتضمن عرضاً النص المسيطِر، وجواباً لهذا العرض في مستوى النسج الروائي.‏

يمكن التفكير بالأشكال الجديدة التي يمكن أن يأخذها التأثير أحادي الجانب والمسيطر عليه: إن الأدامة anthropophagie للحداثة البرازيلية 1922) افترسْ إذا لم تكن تريد أن تكون مفترَساً) والدجل) الشعري الذي مارَسه أيمي سيزير، كما لو أن سلب المصطلحات والتخصيص اللفظي كانا جوابين عن هذه السرقة للأسماء التي كان ضحيتها العبيد القدامى، والتي طرحها هنري كريستوف في مأساته، كل هذه الظواهر من التقليد الاستعماري اقتباس غير متميز لثقافة المركز)، واستلاب ثقافي نجد صداه في العمل الكلاسيكي بشرة سوداء وأقنعة بيضاء)(15) ، لفرانز فانون.‏

فجأة، وجدت بعض الأعمال التي أخذت إشكالية التأثير من منظور جديد(16) ، فائدة جديدة، وإمكانيات جديدة للتطبيق ضمن سياق الآداب التابعة أو البارزة، إن حالات الرموز التي يميزها هارولد بلوم يمكن أن توضح العلاقات بين المنظومات أو داخلها انطلاقاً من علاقة القلق شبه الأوديبية التي يوجد ضمنها الأديب المحيطي)، في مواجهة التراث الأدبي الذي يبنيه أو يهدده، والذي انطلاقاً منه يجب عليه الأديب) بالضرورة أن يحدد موقعه.(17)‏

سيحاول الكاتب إعادة توجيه التراث أو النموذج السابق، أو سيكمله بطريقة تضادية، ويستطيع أن يحاول القطيعة أو أن يفتح نصه على فرضيات جديدة بالمقارنة مع النموذج، أو أن يعود إلى النموذج الذي يعد نمطاً، وينتج نصاً، يعد في الواقع، شكلاً من النتيجة الجديدة للنموذج الأولي، وذلك فهرسة للحالات التي تتماشى مع البحث المفروض من المنظومة المتعددة: هناك دائماً وصف لوضع أدبي وثقافي محدد.‏

سنستخلص من التاريخ الأدبي الجديد، أو بصورة أصح، من هذه الشعرية التاريخية الجديدة، بعض المفهومات الأساسية: مثل الانزياح، والاختلاف، والانقطاع التاريخي)، والتفاوت التاريخي، والجمالي والثقافي)، والتهجين، والسياق تسجيل ضمن المنظومة)، وفك السياق، وإعادة السياق، نمذجة عليا.... الخ.‏

يتطلب انتقال الأشكال الأدبية وهجرتها، هنا أيضاً تحولها.‏

نقول هنا حوارات الثقافات عند مقاربة حقل البحوث المقارن؛ ونحدد هنا: علاقات بين المنظومات حيث تقوم علاقات القوة بدور مهم أكثر من أي وقت مضى المركز مقابل المحيط).‏

وليس صدفة أن تنتصر التحديدات المؤسسة للمقارنية:‏

بين)..... وعبر)...‏

الأدب العالمي،والوطني، والإقليمي المنطقي):‏

يجب أن يُربط مفهوم المنظومة الأدبية مع حقيقة فضاء جغرافي، واجتماعي وثقافي، ينتج عن ذلك طرح أو إعادة طرح موضوع الفضاء الوطني لم يكن للأدب، واللغة، والثقافة، والأمة أبداً تقريباً حقائق لا يمكن تغييرها أو غير قابلة للتغيير)، وإعادة تعريف بعض المفهومات مثل الحدود، "انظر الفصل الأول" والمنطقة، "انظر الفصل الثاني").‏

يمكن أن نعد الفرانكو فونية منظومة متعددة ضخمة، وينطبق الأمر نفسه على فضاءات أخرى X-Phones) إذا أعدنا استخدام صيغة إيف شيفريل).‏

داخل هذه المنظومة المتعددة والمعقدة، يمكن وضع المنظومات الأدبية المختلفة التي تؤلف هذا المجموع، يمكن كذلك، إلى نقطة معينة، أن المنظومة المتعددة الإسبانية تشمل المنظومات الكاستيلية، والكاتالانية، والغاليسينية، والباسكية..‏

يظهر التاريخ الأدبي والثقافي للبرتغال أنه كان هناك ومازال) ثلاثة مراكز في المنظومة المتعددة اللوسيتانية مراكز للحياة السياسية مع خيارات متباعدة أحياناً، وللحياة الثقافية مع دور النشر، والمجلات، والمؤسسات مثل الجامعات، وللحياة الاقتصادية): مثل لشبونة، وكذلك بورتو، وكوامبر.‏

وهذا يعني نسيان الأدب الغني جداً لـ des acores، والحاضر بقوة داخل الحياة الأدبية لشبه الجزيرة. أين مركز المنظومة الجرمانية المتعددة في نهاية القرن التاسع عشر؟ هل هو برلين، أم فيينا، أم براغ؟ ألا يخفي مركز من هذه المراكز، مراكز أخرى؟ ماهو مركز المنظومة الفرانكوفونية السويسرية؟ هل هو جنيف، أم لوزان، أم .... باريس؟ تظهر المنظومة الأدبية أبعاداً مختلفة: هناك بعد) بين باريس وبروكسل أكثر من البعد بين بروكسل وباريس، بحسب مانكون داخل المنظومة الفرنسية أو داخل المنظومة الفرانكوفونية البلجيكية.‏

يسمح مفهوم المنظومة الأدبية بإعادة التفكير في وضع الآداب الأقل نفوذاً)، وبخاصة وضع الأقليات اللغوية والثقافية.‏

- الآداب الشفهية، والآداب المكتوبة.‏

تتعلق مجالات الشفهية بالأدب العام، ويمكن أن تفيد المقارِن بصورة مزدوجة: فمن جهة، عبر القيام بدراسات تريد التقيد بالدراسات التي شرع بها علماء السلالات دراسات حول التقاليد الشفهية والشعبية، نسخ النصوص- السلالية وطباعتها)؛ ومن جهة أخرى، عبر دمج إشكالية الشفهية من أجل فهم أكثر اتساعاً، وأكثر نفوذاً لفكرة الأدب. نقترب من المثال الذي توصل إليه رولان بارت.‏

في الحالة الأولى، قام مختصون بآداب أفريقيا، آداب محلية) ببحوث متميزة، مثل بحث جان ديريف حول ديولا ساحل العاج)، نذكر أيضاً المختارات المفيدة لجاك شيفرييه(18) .‏

أو أيضاً دراسة كونشيتا بينيلا سيسبيد الذي درس، بحسب مبادئ الجمع العرقي خصائص الشعوب) استماع، تسجيل، نسخ وشروحات)، نصوصاً- إثنية في اللغة الإسبانية لشعوب سوداء علىالشاطئ الباسيفيكي لكولومبا(19) .‏

أظهرت هذه الأعمال المنظومة الأدبية المركبة، لبعض السلالات العرقية مبادئ تصنيف الأجناس، وعلم قوانين التصنيف، ونظائر محتملة)، وموضوعاتية بعض الإنتاجات مثل الحكايات، والأساطير الخرافية)، وحدود قوة خيال معين.‏

إنها تساعد على فهم أكثر تميزاً، ودقة لبعض الأشكال:‏

مثل الحكايات، والأحجيات، والأمثال، وشعر الظرف، بمناسبة بعض الأحداث، وشعائر الحياة الاجتماعية الولادة، الزواج، الموت، رحلة الصيد)، وأدب التسلية أو الكلام الخفيف)، والأدب التعليمي أو الشعري أو الكلام الخطير)، وهي تلتمس في كل الحالات الشروط الخاصة للقول....)، إنها تقدم نظرات جديدة أو تؤكد معارف حول سير بعض دوافع الحكايات، وموضوعاتها، وبنياتها.‏

يمكن أيضاً، في منتصف الطريق بين الشفهية والكتابة، أونصوص غير مطبوعة مرسلة عبر الراديو)، حالة بلدان أفريقيا المترسخ فيها هذا النوع من الكتابة).يمكن أن نضيف إليها كل المظاهر الموازية للأدب التي يتدخل فيها الحاكي، في المعنى التقليدي للعبارة، أو المتكلم الاتفاقي في موقف تجلٍ) قول نص- إثني أمام جماعة)، أو آخذاً الكلام من أجل حكايات مرتجلة قليلاً أو كثيراً لقاءات، اعترافات، حكايات حياة)، تعد هذه الأشكال الأخيرة مهمة في البلدان التي تحررت من الاستعمار منذ عهد قريب، والتي سيتأكد فيها بروز وعي وأشكال جديدة، إلى حد ما، للاستدلال.‏

يجب أن تهتم هذه البحوث كلها، بمعطيات بيوغرافية محددة تتعلق بشخصيةالحاكي مثل العمر، والجنس، والأصل الاجتماعي، والاهتمام...الخ)، وأن تنتبه للتغيرات المرتبطة بموقف الاتصال الشفهي مثلاً، بحسب الجماهير، أو فعل الارتجال الذي يقدم أحد الموضوعات الأكثر إثارة والذي يسمح بمقاربة ظاهرة إبداع النص)، يجب أن يحرص النقل على أن يكون شاملاً ما أمكن ذلك بالنسبة لنماذج الجلسة وموضوعها: إيمائية، حركية، صمت، ردات فعل الجمهور، تأثيرات اللغة. بعد ذلك يأتي استغلال البنيات،والموضوعاتية: بحسب وجهة نظرالباحث وخياراته، تستلهم الدراسة من الأعمال الفولكلورية التسلسل، وانتقال الدوافع)، ومن الأنتروبولجيا البنيوية، أو من كل منهج استدلالي آخر، مثلاً الكتاب الشهير لبروب موروفولوجيا الحكاية)(20) .‏

يثير استخدام هذا النص بالنسبة لهاوٍ، أو مبتدئ مشكلة: تركز الدراسة على مجموعة خاصة من الحكايات الرائعة، وهناك بعض التعسف في نقل المنهج، دون احتياط، إلى دراسة الحكايات أو الأساطير الخرافية، أو بالأحرى، إلى نص أدبي، مثلما نراه الآن. بصورة عامة، تمثل هذه الأعمال نوعاً من الأدب العام والمقارن الثاني الذي يقدم إضافات ثمينة بالنسبة لشعرية مقارنة حقيقية للأجناس والأشكال، والذي يجب أيضاً أن يكون أساس أدب عام ومقارن في أفريقيا، إذا كانت وسائل التعليم والبحث مؤمنة.‏

تهدف المقاربة الثانية للشفهية إلى دراستها ضمن علاقاتها مع الكتابة، ضمن هذا المنظور، وهنا أيضاً في مجال الأدب العام، يجد المقارن أعمالاً شرع بها مختصون آخرون، بدءاً من أعمال المختص بالقرون الوسطى بول زومثور(21) الذي لم يتردد في الاستفادة من الأمثلة الحالية، والآثار الموضحة لوضع الشفهية. تسمح مقابلة الشفهية والكتابة بإغناء إشكالية الأدب، بحسب مختلف المقاييس: المتكلم، يحدد مفهوم المرسل، والتجلي يميز فكرة التلقي، ويدخل مفهوم النص- الأثني في سباق مع مفهوم النص) المعقد جداً مع ذلك، وأخيراً يسمح مفهوم كمفهوم الصوت بإعادة طرح مسألة نمذجة نص معين، يمكن قول مثل ذلك أيضاً عن مفهوم الإيقاع الذي خصّه هنري ميسشونيك بأعمال عدة.‏

- الأدب وموازي الأدب:‏

هنا أيضاً، وضمن هذه المجالات، المقارِن ليس وحيداً ولا رائداً، مع ذلك، يجب الإشارة إلى الأبحاث التي شرع بها منذ وقت مبكر جداً روبير إيسكاربيه في بورودو حول ظاهرة سان أنطونيو، وحول طرق الاستهلاك الثقافي)(22) ، وريني غيزفي نانسي روايات متسلسلة، روايات شعبية)(23) ، في الوقت نفسه، اهتم بعض المؤرخين مثل روبير ماندرو أو جينيفييف بوليم بإحياء مفهوم الأدب الشعبي) من خلال أدب التجول، والمكتبة الزرقاء لتروي، وفكر ميشيل سيرتو بـ الثقافة في الجمع، 10/18).‏

يوجد ضمن كتاب آلان- ميشيل بوير الآدب الموازي) في سلسلة كوسيج؟)، بانوراما إشكالية ووصفية لهذا المجال ضمن منظورات الأدب العام والمقارن، نستطيع أن نأخذ أي جنس أوجنيس من الأدب الموازي، وأن نطبق عليه إشكالية مقارنية، يمكن للميزة المصطنعة لعدد جيد من الروايات السلسلة لـ، ب.د، والروايات المسماة شعبية)، أن تقود إلى دراسة الأنماط، وآليتها ضمن النصوص. بالطريقة نفسها، يمكن الشروع بقراءات للموضوعات، والدوافع، والميثولوجيا، والعثور فيها أيضاً على مجالات جديدة للتطبيق،(24) يمكن أن يوجد في علم اجتماع التلقي أمثلة غنية من أجل فهم ظواهر الطرق، والافتتان Asterisx. Maigret) من الممكن أيضاً إقامة مقابلات بين جنس، وجنس آخر، وبين شكل وشكل آخر، تستطيع الرواية المتسلسلة أن توضح بعض أوجه السرد التي تصبح أكثر تعقيداً أو أخرىفي حالة الروايات الأدبية)، يمكننا أن نتأمل بعد أومبيرتو إيكو) في أسطورة الإنسان الكامل) أو السوبرمان) بالمقارنة مع مفهوم البطل الروائي في عصر معين، أو في المحافظة على امتيازات الشخصية في الوقت نفسه الذي يعارضها فيه الأدب مع L) الشخصية معبرة عن "مفهوم باطل" عند روب غرييه في كتابه: من أجل رواية جديدة).‏

يستطيع تحليل المسلسلات التلفزيونية أن يقود إلى التأمل في مفهوم التسلسل)، الذي يتعارض مع مفهوم وحدة العمل، وحتى العمل العظيم، ولكنه يوجد على مستويات مختلفة داخل المناهج النقدية تأسيس وثيقة عبر تأليف سلسلة)، يمكنه أيضاً أن يقود إلى تساؤل حول خصوصية الكتابة التلفزيونية بالنسبة للكتابة النصية، وندخل ضمن دراسات مابين -منظومية روابط النص/ الصورة).‏

إن الأشكال الخاصة للإنتاجات التلفزيونية " docudrame siteom "soap)، والمخططات السردية الخاصة الحياة اليومية، والكوميدية لعائلة معينة)، هي أيضاً إمكانيات لفهم خصوصية الإنتاج الثقافي، أو تعقيد مايسمى بالمنظومة الأدبية في أيامنا الحاضرة، وهذا يؤدي أيضاً إلى التفكير، إذا أردنا ذلك الاستراتيجية التعليمية مثلاً)، في موضوعات خاصة، وإذن، في حالة الخيال الحديث)، أو مابعد الحديث)، حتى انطلاقاً من دراسات تقنية في الظاهر: مثل دراسة الإطالة الحكائية للسلسلة، وسلسلة بمخطط مغلق نهاية محتومة معروفة مسبقاً)، أو سلسلة مفتوحة مع إحياء الحكاية عبر نصوص سردية، وتأثيرات الواقع، وإجراءات للتأصيلات الاجتماعية، نموذج Polar) التلفزيوني الفرنسي، الذي جال بالمفتش وجمهوره) ضمن أماكن متعددة(25) .‏

- الآداب الهامشية:‏

تُجمع هنا الحالات المركبة للأدب الطفلي، والأدب المؤنث). ليس هناك وراء هذا التجميع أي إرادة أيديولوجية أو جنسية، ولكن هناك اهتمام بتوضيح نموذجين من الإنتاج الأدبي، يعيدان، بطريقة أكثر راديكالية من الآداب الموازية)، طرح مسألة المنظومة الأدبية وحدودها، هنا أيضاً لا يدعي المقارنون أبداً التفرد في تأملاتهم، إذا كانت هذه التأملات تمتلك نوعاً من الخصوصية، فإن ذلك لا يمكنه أن يكون إلا بدرجة التأمل في مفهوم الحد(26) .‏

استفادت أعمال إيزابيل نيير، وجان بيرو(27) ، بصورة واسعة من حقل أدب الطفولة والفتوة)، إذا حاولنا أن نحتفظ بخصوصية مقارنة لهذا المجال الذي استغله كثيراً علماء الاجتماع، وعلماء النفس، وأخصائيو التربية، فإن إحدى الفوائد الأساسية هي ملاحظة كيف يتم الانتقال، والتبادل بين أشكال طفلية)، وأشكال للبالغين)، وكيف يهدف عدد من الإنتاجات إلى الدمج) الاجتماعي للطفل ضمن المجتمع.‏

إن مجال الاحتمالات واسع منذ تكييف الأدب مع القراءة في الحالات كلها، انطلاقاً من التقديم) الخاص للطفل، ووضع مخطط مثالي أيديولوجي وخيالي) للروابط بين عالم الكبار وعالم الطفل، وبين الطفل والطبيعة الحيوانات مثلاً).‏

إن الروابط بين النص والصورة هي أيضاً حقل دراسة غني بصورة خاصة: يستند الاجتماعي والشعري إلى بعضهما بعضاً ويسمحان أيضاً بمعرفة أكثر تميزاً للحدث الأدبي.‏

يمثل الأدب النسائي، على الأقل منذ القرن الأخير، شكلاً أدبياً من المعارضة والرفض، ستسمح المنظورات التاريخية بتحديد مدى اقتحام المرأة لمجال الكتابة ونتائج ذلك، بصورة أفضل. إن النظام الطبيعي الحاضر عقائدياً كما هو) هو المُهدد من المرأة التي تحطم صورة الكائن المصنوع تقليدياً للعائلة والأطفال.‏

انتقل الأدب النسائي خلال مرحلة كفاحية طويلة بين أوجه متعددة. من المفيد دراسة ما اعتبر بلاغة الانعتاق، وكتابة الانحراف عن المركز ضد المركزية الذكورية، وضد مجتمع بمنطق ذكوري)، إن الأدب النسائي، ومنذ زمن بعيد هو أدب الاختلاف)، البديل، إذا كان يتابع التفكير في الاستبعاد، والآخر، والوعي بهوية، وإعادة امتلاك جسد، فإنه يقترح خيالاً جديداً، ومعاني جديدة يجب إعطاؤها للحياة اليومية، ومفهوم الخصوصية، وبعض الموضوعات التي مازال يسيطر عليها حتى الآن الأدب الذكوري بصورة رئيسية.‏

لقد هاجم، بصورة منطقية، اللغة، والكلمات التي طورت، منذ قرون وبصورة أحادية الجانب، ومتواطئة، خيالاً ذكورياً حول الحب، والشعور الأمومي، وصور الزوجة، والمجتمع في كل مستويات عمله)، إن هذا الاختلاف، وهذا الاختبار للهوية، الموجودين بعمق داخل الإشكالية المقارنية، يجعلان من الأدب النسائي حقل تساؤل واضح، ومتميز، ومعقد في الوقت نفسه.‏

- عناصر من أجل نظرية للأدب:‏

يتضمن مفهوم المنظومة)، أو المنظومة المتعددة)، تساؤلات أدبية حصراً ذات طبيعة جمالية، ولكنه يستدعي أيضاً معطيات تتعلق بعلم اجتماع الأدب، وتقدم الأدب كمؤسسة، وذلك من أجل حاجات الوصف أو التفسير، من المهم إذن التمييز بين الحقل الأدبي) وبين المنظومة الأدبية)، ضمن الحد الذي يتعاضدان فيه ويتكاملان، مع التذكير بأنهما يجهلان مستوى ثالثاً، المطروح غالباً مع ذلك: وهو مستوى الأدب كفضاء خيالي.‏

- الحقل، والمنظومة، والفضاء:‏

استعير مفهوم الحقل الأدبي) من بيير بورديو، إنه يُرجع إلى الفضاء الاجتماعي الذي يوجد فيه أولئك الذين ينتجون الأعمال وقيمتها(28) . نُظِرَ إلى الحقل الأدبي هو أيضاً في جو تنازعي بشدة: يتعلق الأمر، بحقل قوي يشترك فيه الممثلون، والكتّاب، والقراء، ولكن هناك بين المنتجين والمستهلكين، وبين المؤلفين، والناشرين، والمطبعيين من جهة، والقراء، والمستمعين، والمشاهدين من جهة أخرى كل تعقيد الفضاء الاجتماعي، ومجموعة من العوامل السياسية، والاقتصادية، والثقافية. إن الحقل الأدبي مكان الصراع بين مبدئين من التسلسل والسيطرة: مبدأ الخضوع الذي يسيطر وفقه أولئك الذين يملكون السلطة السياسية أو الاقتصادية، والمبدأ المستقل الذي يعتمد على الحالة التي يوجد ضمنها الحقل الأدبي من أجل فرض معاييره، ومبادئه الخاصة.‏

وعليه، فإن درجة الاستقلال تختلف وفق الوضع السياسي للبلد) المقصود، هذا ماجعل المكسيكي ألفونسوري يقول إن أدب البلدان الفتية الحديثة الاستقلال)، أكثر اعتماداً على الوضع التاريخي للبلد من حالة البلدان الأكثر قدماً)(29) ، يسمح الحقل الأدبي بقراءة اجتماعية)، للأدب، ولكن يبدو من الصعب الاقتداء ببيير بورديو عندما يدعي بخصوص فلوبير(30) أن "تحليل تكون الحقل الأدبي وحده" يستطيع أن يؤدي إلى "فهم حقيقي" "للصيغة المولِدة" لمؤلفات فلوبير وعمله.‏

في المقابل، يسمح مفهوم المنظومة الأدبية) بتحديد عدد من النقاط التي لا تدعي المقاربة الاجتماعية دراستها مستوى الأشكال، والأجناس، والنماذج)، ولكن يجب علينا التفكير بالتمفصل بين هذين المفهومين اللذين يشكلان في الواقع، مستويين ضمن مقاربة الأدب.‏

يقترح دانييل مادلينا في كتابه الوجيز في الأدب المقارن) تركيباً مقوياً بخصوص الروابط بين الأدب والمجتمع).‏

لنأخذ مقطعاً من خاتمته: "إن تناقض العمل تمثيلي حقيقة: ويحقق العمل طبيعته المثالية، ويتشكل على بعد حرج من المعطى المباشر، ويخبر المجتمع عن طريق استعلامه ذاته أي أن الرابط بين المصطلحين، أساسي، ولا يثير تأثيرات آلية للنسخة- الصورة- أو الفعل الحاسم)، ويصور الهندسة المعمارية والاضطرابات الاجتماعية، وهو يقدم كشفاً ضرورياً لكل حياة ثقافية".‏

لقد أشرنا إلى الطبيعة الثلاثية أو الوظيفة الثلاثية للعمل الأدبي: التشكل بالمقارنة مع المجتمع، وإخبار المجتمع عبر إخبار ذاته؛ وتقديم كشف، إذا كان يمكن للتعبيرين الأولين لهذاالتعريف أن يتوضحا، على مستوى المنهج، والدراسة، من خلال مفهومات الحقل الأدبي) والمنظومة الأدبية) أمكننا أن نلاحظ أن هذا المستوى- الثاني- يخص مسائل الأشكال)، فإنه سيبقى إذن للدراسة العنصر الثالث من التعريف، والمستوى الثالث من الدراسات: هو المستوى، المسمّى هنا بصورة موضحة، مستوى الكشف)..‏

بهذه الصورة يمكننا تذكر أن نقطة الانطلاق الاجتماعية لأنطونيو كانديدو لا تستبعد أبداً ما سماه المنظومة الرمزية)، التي يمكن تعريفها أيضاً كمستوى الخيال الذي يقيم علاقات وطيدة مع الأشكال الأدبية انظر خاتمة الفصل السادس)، يمكننا أيضاً التذكير بأنه لا وجود لخيال غير اجتماعي انظر الفصل الرابع)، إن خيال الأدب وكل فن بصورة عامة)، يتدخل إذن في الاجتماعي والثقافي ويضغط عليهما من خلال التأمل الرمزي: إذا كان رولان بارت قد دعا بأمنياته بيير فرانكا ستيل من أجل تاريخ أدبي جديد، فإنه يمكننا ذكر مؤرخ الفن جوزي أوغوستو فرانسا في التمهيد لكتابه الرومانسية في البرتغال)(31) ،حيث دعا بيير فرانكاستيل إلى تقديم الاعتبارات التالية: "لاينتج مجتمع موضوعاته للثقافة أيديولوجيا، فنون، تقنيات) كما تنتج شجرة التفاح تفاحاتها: إن المجتمع يخلق موضوعاته، بالتأكيد، ولكنه في الوقت نفسه مخلوق، ومشكَّل،ومحدد من خلالها ...إن العمل الثقافي يعكس قيماً اجتماعية، ويقترح قيماً على المجتمع في الوقت نفسه"، إن الكلمتين، يقترح، ويعكس ترسمان حدود فضاء خيالي، وتحددان وظيفة ممكنة للأدب.‏

ويظهر من جديد هذا النموذج ذو المستويات الثلاثة، والأزمنة الثلاثة التي يبدو أنها مكونة لكل دراسة أدبية للأدب العام والمقارن): الحقل الأدبي، والمنظومة الأدبية، والفضاء الخيالي، هذه المستويات ضرورية ولكنها ليست كافية.‏

- المرسل، والمستقبل، والرسالة، والنموذج:‏

نعرف الخطة الكلاسيكية لكل تطور للتواصل انطلاقاً من ثلاثة معطيات: هي المرسل، والمستقبل، الرسالة.‏

من الواضح أن هذه الخطة لن تكون مناسبة للتواصل الأدبي، تهدف كل الأفكار المطروحة منذ الفصل السابق إلى إظهار كيف أن التواصل الأدبي لا يُدرك إلا من خلال تأثير متبادل بين مادة وشكل: يبدو مفهوم النموذج)، هنا أيضاً الأكثر حياداً، والأكثر تعدداً بفائدة من أجل حصر ظاهرة التواصل الأدبي. تمتلك هذه الظاهرة خطة من أربعة عناصر:‏

المرسل، والمستقبل، والرسالة، والنموذج، لأن خصوصية الرسالة الأدبية، ضمن المفهوم الأكثر بدائية، هي أنها مُتَصورة، لا نجرؤ على القول، مبنية وفق شكل معين، ومطبوع على مادة.‏

يمكننا أن نقبل، من خلال مقاربة أولية، أن حوار المادة والشكل يظهر كحوار الرسالة والنموذج، وأن هذا الجانب يكفي للإحاطة بالتأمل الأدبي، ولكن ذلك يعني التصرف دون المستويات الثلاثة السابقة، والتي هي نفسها قُدِمت كمكونات للظاهرة الأدبية، سينتج عن هذين السطرين من التأمل شكل من اللوحة بمدخل مزدوج: يخص الأول المستويات الثلاثة لكل مقاربة أدبية، ويخص الثاني المعطيات الأربعة الدنيا لكل تواصل أدبي، يتعلق الأمر حالياً إذن، بالتعرف على إمكانية الدراسة، وأبعاد الفعل الأدبي في الوقت نفسه.‏

- تساؤلات ومبادئ الدراسة:‏

*- المرسل E) المستوى الأول الحقل الأدبي) E1):‏

نحن نطابق بين مفهوم الكاتب(32) ، والمؤلف، والإنسان الاجتماعي الذي يتدخل في الحقل الأدبي زولا صاحب اتهم أكثر من الروائي)، والسيرة الفكرية هي سبيل الوصول إلى هذا النموذج من التساؤل؛ ولكن هناك أيضاً التاريخ الثقافي بالنسبة لجوانب أخرى لهذه الخانة: مثل هيئة تحرير مجلة، وأفراد مجموعة معينة، أو مدرسة ضمن علاقاتهم مع المؤسسة الأدبية.‏

المستوى الثاني المنظومة الأدبية) E2):‏

يتحول المؤلف إلى مُعَبِّر، ومتكلم، وراوٍ، نحن نعرف أن نميز بين المؤلف الحقيقي والراوي النصي وإن صرخ فلوبير أن مدام بوفاري كانت هو ذاته. طرق الوصول: كل نموذج من التحليل النصي، والسردي خاصة.‏

المستوى الثالث الخيال) E3):‏

يمكن تذكر الأنا العميق) الأثير عند مارسيل بروست الذي يعارض تحديداً في كتابه ضد سانت -بوف) استخدام السيرة كمبدأ تفسيري من قبل نقد الإنسان المؤلف.‏

نتذكر أيضاً اعتراف مونتين: الدراسات صنعتني، بمقدار ماصنعت الدراسات)، يمكننا أيضاً استخدام المفهوم المثير للأنا الأسطوري) عند الموسيقي بوريس سشلو زير للحديث عن موسيقى ج.س.باخ وليس عن الموسيقي ج.س. باخ(33) طرق الوصول ونموذج الدراسة: التحليلاات النفسية الأدبية.‏

*- المستقبل r) المستوى الأول R1):‏

يتعلق الأمر بقارئ واضح، وجمهور قارئ، وقراءة، ونحتاج إلى علم الاجتماع الوصفي الكمي من أجل فهم ظواهر القراءة العامة الذوق، الكثرة، الممارسات المختلفة، والاشتراكات....)، ومافعله علم الاجتماع الأدبي لإسكاربيت مثلاً(34) .‏

المتسوى الثاني R2):‏

يتعلق الأمر بصورة القارئ، قارئ مفترض صممت له مادة نص معين: أدب غزلي وإن خيال غزلي)، الذي لا نستطيع أن ندمجه مع الفرسان والسيدات الحقيقيين)، والتاريخيين، وهذه فرضية نستطيع أن نصنع منها التاريخ، بالطريقة نفسها التي لا نستطيع فيها أن نخلط عقيدتهم بوصفهم طبقة ضمن حقل أدبي R1) وخيالهم R3) بعد المرور على نوعية المرسل إليه R2).‏

* - الرسالة أوالنص T) المستوى الأول T1):‏

يتعلق الأمر بملاحظة آثار الحضور الاجتماعي وعلاماته ضمن الرسالة النصية، وهذا جانب من دراسة العلاقات المعقدة بين النص والمجتمع، هذا يعني أيضاً الثقافة.‏

المستوى الثاني T2):‏

مكان التحليل النصي ووقته، هذا التحليل بنيوي غالباً تقريباً،وسيميائي أيضاً، أو شامل لدراسة خطة فاعلة. T2 هو في الواقع أحد الأماكن الأكثر استخداماً)، في النشاط النقدي الأدبي، يمثل الاتفاق بين T1 وT2 المشروع الاجتماعي للوسيان غولدمان الذي طرح مبدأ التماثل بين البنيات الاجتماعية t1) والبنيات النصية T2).‏

المستوى الثالث T3):‏

مكان دراسة الموضوعات، والموضوعاتية نحن نعرف أننا لا نستطيع دراسة T3 دون امتلاك رؤية واضحة عن T2، ونذكر بأن كل موضوع هو عنصر مُشكِّل للنص.‏

*- النموذج M): المستوى الأول M1):‏

سنتحدث، مثلما رأينا سابقاً في الفصل السابع عن المعايير الاجتماعية التي تنمذج النص، ويمكن تسمية مجموع هذه المعايير أيديولوجيا).‏

المتسوى الثاني M2) :‏

مما لاشك فيه أنه كان قد عرف الجنس) أو بصورة أكثر توسعاً الشكل الذي له أيضاً جزء مرتبط بـ T2.‏

المستوى الثالث M3):‏

أو النموذج الرمزي الذي أعطي له، في حالة علم الصورة انظر الفصل الرابع) مضمون ممكن المواقف الثلاثة الأساسية التي تتحكم بكتابة الغيرية. ربما يختلط M3) مع البلاغة وصورها التي تنمذج النص، شرط قبول أن لاوجود للصورة دون مادة. سنعود إلى بداية الفصل للالتقاء ثانية برولان بارت الذي ظن أنه أعاد الاعتبار للبلاغة القديمة التي بدت له كشكل للعالم).‏

بالإضافة إلى ذلك، وفي مقالة منشورة في مجلة اتصالات عدد /16)، جعل بارت من البلاغة القديمة) عقيدة للشكل)، واجتماعية) التي أمكن باسمها تعريف تاريخ آخر، واجتماعية أخرى، دون هدم تواريخ واجتماعيات أخرى معروفة في مستويات أخرى).‏

اللوحة المطروحة بهذا الشكل تسمح بتتبع أثر بعض المسارات العرضانية الملخصة سابقاً، وبعض مبادئ القراءات.‏

لقد رأينا أن T1-T2) مثلت مقاربة لوسيان غولدمان. يمكن القول إن القراءة التحليلية النفسية تتطلب مسار E3 نحو E1 السيرة الضرورية كبرهان)، وكذلك أيضاً في حالة النقد النفسي عند شارل مورون الأخذ في الحسبان للعلاقات بين E3 و T3)، والربط بين الأنا العميق والموضوعاتية المتواترة والمسيطرة. نختم ذلك أن المقاربة المقارنة، والأدبية بصورة أكثر اتساعاً تدين نفسها إذا مارست المقاربات الجزئية، وإذا فضلت مستوى، أو بالأولى خانة ضمن اللوحة.‏

لنحدد أخيراً أن ما أسميناه غالباً المستوى الثالث أُخذ المهفوم من المؤرخين) هو هنا محدد في طبيعته ووظيفته.‏

يقيم الخيال الاجتماعي المستوى الثالث) الذي ذكر سابقاً علاقات معقدة مع المستوى الأول، وهذا مايجعل كل تقديم مسطح غير مفيد: هذه لوحة دائرية من المناسب توضيحها: يتمفصل مجموع E3 - R3 - T3- M3 مع E1- R1- T1- M1، وأحياناً بصورة تنازعية E3 مقابل E1، وأيضاً R1-T1 أو M1 مثلاً، وإما أن يكون- الأنا العميق في نزاع مع دعاوي المجتمعات ومعاييرها)، إن تمفصل المستوى الثالث والمستوى الأول وتداخلهما هو الذي يشكل ما استطعنا تسميته بالتأمل الرمزي) للأدب، وخاصة مع T3 الموضوعاتية) التي تقدم للمجتمع خيالاً مبنياً عبر T2) وكذلك أيضاً نماذج ستعيد تشكيل خيالنا وترسمه: كيف ستكون معرفتنا المباشرة، الحساسة للقرن العشرين دون بلزاك، وبيتهوفن، ودولا كروا؟‏

هذه هي الوظيفة الوسيطة للأدب والفن بصورة عامة انظر سابقاً خاتمة الفصل السادس)، أو أيضاً الوظيفة المؤسِسة للأدب أو للفن)، فيما يقيمه ويؤسسه من نظام جديد للأشياء عبر النصوص.‏

تبقى الإشارة إلى جانب ثالث وأخير لما أمكننا تحديده كنظرية للأدب، مأخوذة من وجهة نظر مقارنية، بعد المقاربة المخصصة للأشكال انظر الفصل السابع) والمقاربة التاريخية والنظرية للمنظومة الأدبية، يجب التصدي للعلاقات التي تقيمها المنظومة الأدبية مع المنظومات الأخرى، خاصة المنظومات الفنية.‏

(1) داري سوي، 1963‏

(2) معارك من أجل التاريخ، دار كولان، 1953‏

(3) انظر الفصل الرابع، الخيالي والخيال.‏

(4) انظر ميشيل كولومب، الأدب فن deco حول أسلوب العصر، 1987.‏

(5) أعمال ونقاد 1987، x11/2‏

(6) انظر بريون- غيري، 1913، كلينكسيك، 1971-1973، ثلاثة مجلدات.‏

(7) هذا عنوان دراسة لجاك دوهوند، P.u.f، 1978م.‏

(8) انظر الكتاب المثير لبيير لارتيغ حول القصيدة السداسية) عبر العصور، حلزونية الكتابة، الآداب الجميلة، 1994.‏

(9) مطبعة جامعة برنستون، 1971.‏

(10) انظر، أي د. بلودجي، و، أ. غ.بوردي، مشاكل التلقي ا لأدبي، جامعة ألبيرتا، 1988.‏

(11) دار سوي، 1965.‏

*) وضع الأشياء في طبقات.‏

(12) أعيد نشر مجموع مقالات هذا الباحث ضمن عددخاص من مجلة شعرية اليوم)، ربيع 1990، عدد /119‏

(13) فيرجيل نيموانو، وروبير رويال، دراسات في أدب اللعب، فيلادلفيا، جون بنجامين، 1991.‏

(14) أكل لحم البشر.‏

(15) دار سوي، 1952‏

(16) مثل هارولد بلوم، قلق التأثير، نيويورك، 1973‏

(17) Vala quanto jesa > Rio de janeiro. 1982‏

(18) l´arbre ajalabres .Hatier.1986‏

(19) R..L.C.1992/1‏

(20) دار سوي، 1970‏

(21) مدخل إلى الشعر الشفهي.‏

(22) انظر الأدبي والاجتماعي، فلاماريون، 1970 وكمدخل، س.م. إينو بيلنغا، فهم الأدب الشفهي الافريقي، الكلاسيكيون الافارقة، عدد 880، 1978، والعدد الخاص rlc، 1993‏

(23) انظريني غيز و، هـ.ج.نوسشافر، طبعة، غنى الرواية الشعبية، نانسي، 1986.‏

(24) انظر نويل أرنود، حوارات في الأدب الموازي، بلون 1970، وأنطون كورت، بحثاً عن الشعبي، جامعة سانت- ايتين، cierec، lxxiv .‏

(25) المسلسلات التلفزيونية الأوروبية، سينما الفعل، تشرين الأول، 1990، عدد/ 57.‏

(26) انظر بيرناند موراليس، الآداب المضادة، P.U.F، 1975‏

(27) انظر الوجيز في الأدب المقارن.‏

(28) انظر كريستوف شارل، ولادة المفكرين 1880-1900) دار مينوي، 1900، وديدييه ماسو، إبداع المفكر في أوربا القرن الثامن عشر، P.U.F، 1994، وبيير سيتي وموريل ديتري، الحقل الأدبي، فران، 1992.‏

(29) مقطع حول تفسير الآداب الإيبيرية - الأمريكية، 1951.‏

(30) قواعد الفن، بايو، ص75.‏

(31) Klinchkieck.1975‏

(32) انظر آلان فيالا، ولادة الكاتب، دار مينوي، 1984.‏

(33) مدخل إلى ج.س.باخ. غاليمار، 1947.‏

(34)‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:57 PM
-9- الأدب والفنون






إن الأرض الغريبة والساحرة التي يكتشفها المقارِن في نهاية رحلته، يمكن أن تخبئ له بعض المفاجآت، وكثيراً من خيبات الأمل، تحمل ملاحظة بودلير(1) قيمة تحذير تمهيدي: " إن ضرورة العثور، بأي ثمن، على تماثلات، وتشابهات في الفنون المختلفة يؤدي غالباً إلى أخطاء غريبة"، يجب التحلي بالحذر والتواضع عند دراسة العلاقات بين الأدب والفنون.‏

- موضوع البحث وحدوده.‏

ليس ممكناً ولا معقولاً إعادة استخدام البرنامج الرائد لأوسكار والزل الذي يوصي بدراسة الإضاءة المتبادلة للفنون، عنوان كتابه الذي صدر في برلين عام 1917(2) ، ومع ذلك كانت الفرضية مغرية: يجب أن تمتلك الأعمال الفنية رسم، موسيقا)، والأعمال الأدبية المتعاصرة والتي ظهرت ضمن روح عصر واحد) مبدأ شكلياً مشتركاً في أساسها.‏

إن الروح) و الأشكال) تقودنا، لسوء الحظ، ضمن هذا المنظور، نحو مثالية مرفوضة أو نحو عمومية مزعجة أو .... انفعالية.‏

- التاريخ الأدبي وتاريخ الفن:‏

لا يستطيع أي تاريخ حقيقي للأدب أن يتجاهل تواريخ أخرى موازية له: فهو لا ينفصل عن التاريخ العام الذي يجب أن يجد الإبداع الفني فيه مكاناً له، ولكن كيف لا نضيف إليه تاريخ الديانات، ومنظومات الفكر، والأخلاق، والممارسات الثقافية؟ وكان ذلك هو البرنامج الحماسي الذي قدمه المقارِن الأمريكي هنري ريماك عام 1961 في مقالة(3) عندما تصدى لدراسة العلاقات بين الأدب والمجالات الأخرى من المعرفة والمعتقدات مثل الفنون الرسم، والنحت، والعمارة، والموسيقا، والفلسفة، والتاريخ، والعلوم الاجتماعية، والديانات، الخ...) على الرغم من تحذير رينيه ويلك نظرية الأدب، X1) الذي اعتقد أن لكل فن من الفنون المختلفة تطوره الخاص) مع إيقاع مختلف) وبنية داخلية مختلفة) بصورة خاصة، فإن أندريه- ميشيل روسو يبدو أنه قبل التحدي(4) :‏

" بدلاً من الوقوف فيها عند الفكرة التقليدية حول تعدد الأنظمة المستقلة للإبداع، والاتصال، الحسية واللغوية، المنغلقة على نفسها، ولا تتواصل فيما بينها إلا بصورة هامشية، فإننا نفضل التماس عالم شامل من الرموز، بالاستعانة بالإحساس والمعنى، ويظهر بوسائط مختلفة جزئياً عبر الشكل، والمضمون، والأهداف، إنها فرضية إذن، ولكنها تجبر المقارِن على التحول إلى سيميائي عالم بالرموز):‏

- حقل جديد للمقارنة:‏

نستطيع، ضمن منظور بحث سيميائي، العودة إلى أعمال لويس ماران(5) ، وتحليلات اللوحات التي مارسها. مثلاً، دراسة القراءة التي قام بها بوسان من أجل تأليف لوحته الإسرائيليون يجمعون المَن* في الصحراء): "الانتقال من نظام تقديم سردي شفهي" إلى "نظام تقديم سردي- رسمي خاص بالرسم)" طبقت، بصورة خاصة، مخططات، وفراغات، ومجموعات من الرموز. كناقد أشرنا إلى عودة كلمة الانتقال)، التي تعرّف أيضاً البحث المقارني) انظر الفصل الأول).‏

*- من أجل الما بين- سيميائي:‏

للقيام بتحليل مقارني)، مابين المعارف، ومن هذه الطبيعة، في الوقت نفسه، لا يكفي أن نكون سيميائيين، وهذا مايجب أن يكونه المقارِن عندما يحاول وصف العلاقات بين مختلف النصوص المجموعة تحت مفهوم الجنس، والذي يحاول استخلاص ماسيكون أدبية جنسية أو فوق جنسية أو مابين جنسية)، عبر التلاعب بالتزامن والتعاقب، والمراهنة على احتمالات الاستمرارية سلسلة متجانسة) أو على الميزة التي يمكن تركيبها للنصوص كلمة معروفة جيداً هنا في الممارسات المقارنية).‏

في الحالة الراهنة العلاقات بين الأدب والفنون)، يجب ابتكار شكل من الما بين - سيميائية قادر على وصف منظومتين مختلفتين المنظومة الأدبية التي هي كل نص، والمنظومة الإيقونية، أو الموسيقية أو أيضاً الفضاء النصي والفضاء المعماري)، يجب أن تكون هذه المابين- سيميائية التي تبنى، في البداية، متباينة، وحذرة إزاء المابين- منظومات المختلفة، وشاملة من أجل الوصول إلى خطاب أدنى عام للمنظومتين المدروستين. لقد أشرنا إلى أن هذا الأدب العام والمقارن الجديد يجد ثانية، في الواقع، الحركتين المكونتين للقديم، مثلما كشفنا في الفصل الأول والمؤسس على المابين) أو الفوق) أو هنا الماوراء) .في الواقع؛ تتبدل المابين- سيميائية إلى ماوراء سيميائية، وهذا منهج للضبط من أجل تحليل العناصر التي يمكن أن تمتلكها الفنون المختلفة مثل النص الموسيقي الكلام والموسيقي، والأسلوب السينمائي تقارن كتابة الكاميرا بقلم الكاتب أو بحاسوبه).‏

ولكن في نهاية الأمر، لنفترض أن قسماً كبيراً من مثل هذا البرنامج المقارن العام، المنصب على الأدب والفنون، يمكن أن يكون كاملاً، فإنه يبقى التساؤل، في مستوى متعذر تخفيضه، عن أصالة نص، وفيلم، ولوحة، أو قطعة موسيقية.‏

* المابين- علائقية والمختلف:‏

يسعى المقارِن إلى دراسة) الروابط) بين الآداب، يتحدث هنا أيضاً بإرادة عن روابط)، وحتى عن تقاربات) ممكنة.‏

يمكنه أيضاً أن يثار عبر "التشابهات" وهذا مافعله ماريو فراز في كتابه Mnemosyne(6) الذي يحمل عنواناً فرعياً التشابه بين الأدب والفنون التشكيلية). من المعروف أنه يجب عليه الابتعاد عن التقاربات، وعدم القيام بمقابلات كاذبة، كما استطاع أن يقوم به لويس هوتيكور ضمن تركيب بعنوان مثير: الأدب والرسم في فرنسا من القرن السابع عشر إلى القرن العشرين.(7)‏

يجب عليه الاهتمام ليس فقط بالاتصالات أو اللقاءات بين الأدب والفنون وهذا ماحصل غالباً) ولكن بالتبادلات الحقيقية، والارتباطات، والمابين- علاقات، والتفاعلات.ويجب عليه الوصول إلى ماأسماه عالم الموسيقى جان- لويس كوبير دراسات مابين- فنية)، يستطيع أيضاً الاهتمام ببعض الانتقالات) مثل الانتقال من مفهوم الباروك) طبقة فنية، إلى المجال الأدبي، أو إلى بعض الموازيات)، وهذا مايمكن أن يقوده إلى مشاكل قريبة من مشاكل الترجمة.‏

ولكن إذا كان مهماً المساواة بين المنظومتين المدروستين، فإنه لا يقل أهمية أيضاً أن اللغة الشفهية تعبر) على خلاف اللغات الأخرى، خاصة اللغة الموسيقية يمكننا القبول أن اللون يعبر) عن شيء معين خاصة إذا كنا نقاداً فنيين أو أدبيين)، وأن اللغة لا تنتسب تحديداً إلى الكاتب، على خلاف الموسيقى بالنسبة للموسيقي، والرسم بالنسبة للرسام.‏

ينتج عن ذلك، أن التحليل السيميائي أو الجمالي الممارس يمكنه بصعوبة ألا يكون مختلفاً. على التحليل أن يوضح ويفهم الاختلافات مشكلة أخرى وُجهت منذ الفصل الأول)، وهذه المرة ليس بسبب مايمكن أن يبدو رأياً منهجياً مسبقاً، ولكن من باب الحذر الاستراتيجي، أو الاهتمام بتقديم كل منظومة) ضمن خصوصيتها.‏

مع ذلك، يمكن للروابط بين منظومتين أن تقدم دراسات مفيدة تشبه، في البداية، نوعاً من الأدب المقارن الثاني الذي يجد العلاقات الثنائية المطبقة على المجالات الفنية، والذي يكتشف التفاعلات) او المابين - علاقات) بين الكلمات والصور، والكلمات والصوت، ويستطيع المنظورالمقارني والأدب العام عبر الإسهام النظري الضروري) أن يقدم دراسات رائدة حقيقية: مثل دراسة جان -ماري كليرك حول العلاقات بين الأدب والسينما، ودراسة فرانسيس كلودون حول العلاقات بين الأدب والموسيقى(8) .‏

يمكننا أيضاً التساؤل إذا كان المقارن لن يجد في هذه التساؤلات حول الفنون، ودون اتباع التوسعات المتتالية، أو شيطان التشابه، بعض عناصر الإجابة عن المسألة الأساسية، داخل كل دراسة أدبية: وهي مسألة الإبداع الفني أواللفظي. يمكنه عندئذٍ التفكير، بمقابلة هذه العناصر بما يعتقد معرفته عن الإبداع اللفظي: عند ذلك يحظى عالم الجمال العام والمقارن ببعض الحظوظ في الوجود.‏

- الأدب المقارن والفنون:‏

يبدو عدد من الدراسات التي تناولت العلاقات بين الأدب والفنون، كامتداد أو تطبيق لبرنامج مقارني كما قُدِم هنا.‏

يبدو أن الأمر يتعلق بالعثور مع مادة جديدة، على المسائل التي تكوّن برنامج الدراسات المقارنة مثل الوسطاء، والرحلات، والصور، والنماذج والموضوعات، والأساطير، أكثر مما يتعلق بتناول المشكلة الخاصة التي طرحتها العلاقات الجديدة.‏

- اللقاءات والتبادلات:‏

يتناول شارل ديديان في دراسته العظيمة ريلكة وفرنسا) العلاقات بين ريلكه ورودان. كان الشاعر يعمل سكرتيراً عند النحات لزمن معين، يساعد اللقاء، والعلاقات بين الرجلين، ورسائل ريلكه إلى رودان، على طرح حدود صداقة أدبية وفنية، يمكن أن لا يكون اللقاء جسدياً، ويبدو كتأثير لا يفصح عن اسمه؛ مثل إعجاب توماس مان بفاغنر.‏

ستدرس الكتابات، والمحاضرات التي ألقاها الروائي الباحث والمكرسة للموسيقى: أصبح فاغنر موّضوعاً، ضمن دراسة يمكن أن تذهب من السيرة الفكرية إلى دراسة تأليف عمل معين، وإلى تحليل مثل هذه الفكرة، وكذلك فكرة الإعجاب الخلاق التي دافع عنها توماس مان أو انتقل منها إلى مستوى شعري: موضوعات موسيقية، وأثر فاغنري ضمن عمل توماس مان، لنأخذ أيضاً لقاء بيرليوز مع شكسبير، أي الرحلة تمرين مقارني آخر) التي قام بها الموسيقي إلى ستراتفورد أون أفون، وحماس الموسيقي للمسرحي، لغّي دوبور تاليس بيرليوز وأوربا الرومانسية)، صيغة تشكل تحدياً مطروحاً أمام المقارِن المهتم بملاحقة التأثيرات أو الحالم، بجمالية جديدة للتلقي، وهنا للاستقبال الإبداعي: "لقد أصبح شكسبير، وبذلك أحس أنه أصبح بيرليوز".‏

مثلما أنه يوجد كتّاب يتكلمون لغتين، ويجمعون بين ثقافتين أو أكثر، ويفيدون المقارِن بوصفهم رسل الأممية، أو وسطاء انظر الفصل الثاني)، هناك أيضاً فنانون مزدوجون)، يُقدمون غالباً في النقد عبر الكلمات الألمانية kunstleriche Doppellegabungen) التي تستحق انتباه المقارِن أو باحثين آخرين، يتناول رومان جاكبسون في كتابه أسئلة في الشعرية)(9) ، حالة الكتاب الرسامين والشعراء الرسامين مثل ويليام بلاك أو بول كلي، ونحن نعلم أن هناك حالات أخرى مثل أي.ت. أ هوفمان فهو كاتب وموسيقي، ورسام)(10) ، وإيوجين فرومنتان رسام وناقد فني)، وأوديلون ريدون(11) ، ودانت - غابرييل روستي، رسام وشاعر مثل هنري ميشو. من خلال دراسة حول الرحالة أو أدب الرحلات، يستيطع المقارن تفضيل علاقة، وتجربة خاصتين للرحلة مع الرسم أو الموسيقى: بحديثه عن الموسيقى الإيطالية أو موريس باريس، اكتشف ستاندال LeGreco) في توليد.‏

استفاد باريس كثيراً من الدراسة الأولى من المجموع حول LeGreco التي تعود إلى مؤرخ الفن كوسيو 1908) والصادرة في الوقت نفسه الذي اكتشف فيه الإسبان رساماً كان منسياً خلال قرون عديدة، عندما يتبع استحضار اللوحات التي تأملها الكاتب- الرحالة باريس، نظام الفصول عند كوسيو وهذا ما أظهره دانييل تيرنوا)(12) ، والذي لا يقول أحياناً عن هذه اللوحة ما رآه فيها بين دفتي المجلد الثاني مركزاً على الترتيب أكثر من التركيز على الألوان، نستطيع أن نفكر أننا ضمن حالة بسيطة من التناصية بصورة نسبية، من أجل تجنب الحديث عن مصادر التوثيق، وعندما يفيد رسام توليد Tolede لتكوين أسطورة شخصية، وهذا ماجعل Greco سر) موريس باريس، فإننا نكون بذلك مازلنا ضمن مجال الأدب، ولا نتناول دراسة العلاقات بين الكتابة والرسم، وإن أرجعت الصورة التي صنعها بوريس للرسام، " هذا الفنان عصبي وصاحب لباقة مشرقية قليلاً" مثل الطِباعة إلى صورة شخصية كاملة لباريس أمام توليد مهزوز من زولواغا.‏

يحدث كل شيء كما لو أن باريس وجد في انبساط شخصيات غريكو التي يقدمها في غريكو أو سر توليد) وفي مذكراته)، "تجنب السمين"، وخاصية "النحول الدائم" والموت الذي "يضعف الوجه")، ترياقاً لما يسميه عصر التصغير الأخلاقي).‏

- الفنانون والفن:‏

النماذج والأساطير الأدبية.‏

يمكن أن تغتني دراسة النماذج الأدبية من خلال ضم الفنانيين، وتفضيل جنيس روائي، شهير في ألمانيا، "رواية الفنان" Kunstlerromane)(13) ، من المفيد معرفة أن الكوميديا الإنسانية تشتمل على نحو عشرين فناناً تشكيلياً، وأن الرسام يحتل مكانة مهمة وإذن على وظيفة موضوعاتية) ضمن عمل أدبي عظيم غير معروف وأن جلد الحزن)، يشبه قليلاً أسطورة رفائيل التي انتشرت في العصر الرومانسي.‏

هل تستطيع الأساطير الأدبية أن تغتني من دراسات موازية؟) حول استخدام الأساطير في الرسم، والنحت، وحتى في الموسيقى هذا هو موضوع التأليف الرائع لجان سيزنيك(14) ، الذي يواجه دور التراث الأسطوري في الإنسانية وفن النهضة).‏

ولكن إلستير أو فينتويل في البحث) يتجاوز كثيراً مشاكل النماذج أو الأساطير، وكذلك تسجيل فيرمر: يوجد هنا اختلافات حول الإبداع الذي أصبح مادة شعرية.‏

- جمالية التلقي: من الفن إلى الأدب:‏

يمكن لبعض الدراسات الخاصة بتاريخ الفن أن تفيد، وليس فقط من خلال المقارنة في التأمل المنهجي في الأدب المقارن.‏

وهذه هي حالة مسألة معينة مثل مسألة التلقي التي تطرح في الفن كماتُطرح أيضاً في الأدب.‏

*- حول إعصار جيورجيون:‏

يركز سالفاتور سيتيس في عمله إبداع لوحة)(15) انتباهه على لوحة أثارت كماً ضخماً من التفسيرات، وتغير عنوانها عبر العصور: هي إعصار جيورجيون، من خلال هذا المثال النموذجي، يسعى إلى إعادة التفكير في مايجب أن تكون عليه شروط تفسير حقيقي لعمل فني، إن الخطابات النقدية المختلفة حول اللوحة هي التي ستسمح إذن بنوع من الدراسة المقارنة من أجل الوصول إلى تأسيس تأويل فني، هناك زمنان مهمان بصورة خاصة:‏

1- وضع العمل ضمن سلسلة أيقونية توضحه من خلال لعبة تطابقات البنيات، والتغيرات الموضوعاتية سلسلة) تطابق، تغير، هذه الكلمات تبرر المقابلة الجارية بين المنهج المختار وبين شكل من الممارسة المقارنية).‏

2- إعادة الروابط التي تجمع الرسام بعملائه الذين يشترون لوحاته)، وفهم معنى التوصية، وخاصة مايمكن أن يمثله امتلاك مثل هذا العمل الفني، ومن هنا يأتي المفهوم القريب من جمالية التلقي.‏

يرتبط التحليل بمسائل التاريخ الاجتماعي، والممارسات الثقافية، وكذلك أيضاً بشكل من البنيوية التي مارسها ليفي- شتراوس وجان بياجيه، وذكر هذا الأخير أنه في المجالات كلها، الانتقال الحاسم هو انتقال إعادة اندماج المضمون بالشكل)، وهذا مبدأ منهجي آخر يمكن الاستفادة منه، من خلال تطبيق اللوحة الغامضة) لجيورجيون على نموذج سابق وحيد نقش قليل البروز لجيوفاني أنطونيو أماديو)، الذي يقدم المكونات نفسها أو العناصر المشكلة يوجد هنا إذن تشكيل لنموذج مثل نموذج دون جوان عند جان روسيه)، فإن مبدأ لوحة جيورجيون ومعناها يتوضحان:‏

يرمز الرجل والمرأة إلى آدم وحواء خارجين من الجنة لحظة ارتكاب الخطيئة، والوميض المركزي إشارة إلى الإله.‏

تمثل اللوحة إذن زمن تحول العلاقات بين المخلوقين والخالق وفضاء هذا التحول، وسمو المشهد، وهذا يكشف عن حساسية إنسانية جديدة، شبه فجائية. إن تفسير الرمز الذكوري آدم، على ضوء فلسفة ذرائع ميراندول) يعد درساً جيداًعن تاريخ الأفكار في الوقت نفسه الذي يسمح فيه بالإحاطة بما يمكن تسميته أفق توقع الموصي وذوقه بالنسبة لنوع من المعنى المخفي الذي يجب توضيحه واكتشافه بين المتدربين أو بصورة أدق بين هواة..‏

*- التلقي الفني والتلقي الأدبي:‏

عندما تدرس ناتالي هاينيش في مجد فان كوخ)(16) أسطرة صورة الفنان، وتقترح أنتربولوجيا الإعجاب)، مفصلة في الصفات التي تجعل من الرسام رمز الفنان الحديث)، المعظّم في ضحية للمجتمع، والمتخلف بالنسبة للمبدع المتقدم، أو عندما يدرس ارنست كريس وأوتو كورز في كتاب أقدم صورة الفنان(17) ، من خلال تتبع الدوافع، والتكرارات التي بفضلها تسجل حيوات فنانين مثل مقطع Pline القديم الذي أصبح نصاً مؤسيساً لكتابة سيرية)، فإنهم يقدمون أيضاً إلى المقارِن عناصر يمكنها أن تغني، دراسات حول ظواهر الأسطرة والتلقي وتكملها، وتميزها.... من واجب المقارِن أن يرى إلى أي حد يستطيع استخدام المنهج المتّبع، أو النتائج المنولة.‏

تارة تريحه الدراسة في المسار الواجب اتباعه من أجل دراسة كلاسيكية للثروة النقدية(18) ، وتارة أخرى، يستطيع المثال المدروس أن يثير، بفائدة، تفكيره، لنأخذ حالة دفن في أورناس) 1854)، لكوربي، فرانسواز غايارد(19) ، الذي يسعى إلى هدف مزدوج : تقديم تحليل للتلقي النقدي)، وإسهام في دراسة مفهوم الواقعية، هذان سطران من التأمل يفيدان المقارِن.‏

في الواقع، إن لوحة Courbet العظيمة معاصرة لظهور المصطلح الواقعي)، وشيوعه السريع إلى حد ما، لقد أثارت ردات فعل عميقة فُصلت، مثل الفضيحة) التي أثارها الكلب الأبيض في جوار مقبرة، وعظمة الشخصيات: إن غياب كل مخرج مجازي ضمن هذه اللوحة الضخمة هو الذي يشكل الجدة الواقعية)، والذي انطلاقاً منه يمكن الانتقال إلى الفحص المقارن لرسم واستراتيجية كتابة مثل الوصف.‏

*- التلقي الموسيقي والتلقي الأدبي:‏

في عمله من خلال سماع رامو)(20) ، يتأمل كلود ليفي -شتراوس الذي نعرف المكانة التي أعطاها للموسيقى في عمله النقدي، في الاختلافات في القابلية والذوق اللذين يمكن أن يوجدا عند جمهور القرن الثامن عشر، وجمهور حديث، انطلاقاً من فحص تقسيم أوبيرا Costor et Pollusc، ونسخة حديثة.‏

يُظهر مقطع، مفحوص لفترة طويلة، أنه بين المستمع والمؤلف الموسيقي لم يكن هناك حاجز عازل مثلما أصبح عليه الوضع اليوم).من خلال اختيار بعض الاتفاقات، مثلما هي الحال هنا، لم تكن أهلية المستمع أفق توقعه، ومرجعياته)، مختلفة بصورة جذرية عمّا هو عليه عند الموسيقي، يدعم ليفي -شتراوس أن الموسيقى الحاليةأكثر معرفة وتعقيداً)، وتضع المستمع ضمن الدور السلبي ولكنه مريح للمتلقي)، وفي هذا يلتقي مع إدغار ويند الذي يتحدث في فن وفوضى)(21) عن جمهور تزداد شهيته باستمرار، ولا يضاهيها، إلا الضمور التدريجي لأعضاء قابلة للتأثر)، يؤدي التلقي هنا إلى مشاكل في التاريخ الثقافي مفهوم الذوق)، والعقليات، والحساسيات.‏

نحن نتذكر أن مارسيل بروست يستدعي، في مقدمة Tendres stocks 1921) لبول موراند، دور عامل الزمن) ضمن ظواهر التلقي: "عندما بدأ رينوار الرسم لم نكن نعرف الأشياء التي كان يظهرها...." ويختم بالقول إن كل فنان جديد يخلق عالماً جديداً سيستمر إلى أن يأتي فنان جديد، سنجد في المقابلات التي أعطاها هذا الوسيط الكبير الذي كانه دانييل -هنري كاهن ويلر(22) ، ملاحظات مفيدة حول تلقي الفن التكعيبي بالمقارنة مع الرسم المجرد)، أو الرسم السريالي الذي انتُقد بشدة.‏

- تاريخ الفن وتاريخ الأفكار:‏

يمكن أن تستخدم المرجعية الفنية، إما بصورة نظرية بحث)، أو بصورة تعليمية دروس تدريب) من أجل إكمال تاريخ الأفكار والأشكال الذي يهتم به الأدب المقارن. يمكننا أن نبدأ هذا التدجين مع ما أسماه جوليوس فون سشلوسير الأدب الفني)(23) .‏

منذ عمل Ut pictura poesis لهوراس وحتى الروحي في الفن والرسم) لكانديسكي، الطريق طويلة، ولكن المسيرة يمكن أن تكون مفيدة من أجل فهم كيف يتشكل فكر جمالي، عبر مراحل متتابعة، ومن أجل استشفاف تطبيقات ممكنة على هذا العصر الأدبي، أو ذاك، هناك، على هذا الطريق معالم درسها جيداً المقارنون: يمكن أن تظهر التأملات النقدية حول الشعر والرسم 1719) للأب دو بوس كدراسة أولى في الأدب المقارن والعام عرف بازيل مونتينو كيف يخرجها من النسيان، يمكننا أن نتابع مع العمل الشهير Laokoon 1766) لليسينغ المكرس لوظائف الرسم فن الفضاء)، والشعر فن دنيوي)، أوحى القرن الثامن عشر بتأملات نظرية، ودراسات في الأدب العام(24) .‏

ظهر مع القرن التاسع عشر المنظومات الفلسفية الكبيرة جمالية هيجل أو القانون الثلاثي للمكان، والأصل، واللحظة لهيبوليت تين مع فلسفته في الفن،1881).‏

وهو أيضاً القرن الذي تشكل فيه نقد الفن كجنس بودلير، فرومنتين، تيوفيل غونييه، والترباتر، أو جينيو دورس)، تتقاطع أفكار جان- بول بويون(25) التركيبية جزئياً مع فرضيات المنظومة المتعددة عندما يتعلق الأمر بإيجاد قانون لأدب الفن هذا غير المتجانس.‏

تسمح المرجعية الفنية المطبقة على تاريخ الأفكار أيضاً بالتفكير في تطبيق مفهومات تاريخ الفن على الأدب.‏

إن الحالة الأكثر وضوحاً، وإحدى الحالات الأكثر إشكالية هي نظرية الباروك وطبقاتها الخمس للتعريف)، التي اقترحها هينريش ولفلين في النهضة والباروك) 1988)، و تصورات أساسية في تاريخ الفن) 1915)، أو مفهوم Einfuhlung الذي نحب أن نترجمه بالتعاطف الخلاّق)، وبصورة أكثر صحة بالمشاركة الفعّالة) للمشاهد، والمتلقي أو تفضيل شخصي، وهو أساس من أسس تفكير ويليهلم ورينجر(26) . أيضاً منهج المستويات الثلاثة للتفسير الذي استخدمه إروين بانوفسكي(27) .‏

- الموضوعاتية الفنية والموضوعاتية الأدبية:‏

سيكون مستغرباً أن لا تلاقي المرونة الخطيرة أحياناً لكلمة موضوع، والتنوع الكبير الذي يسمح به علم الموضوعاتية، المرجعية الفنية. هنا أيضاً يمكن الإفادة من القوانين) الثلاثة التي ميزها بيير برونيل خاصة الأول والثالث، ومماله دلالة أنه يبدو وكأننا نتجاوز مؤقتاً، القانون الثانيالمرونة)، الذي كما نذكر، يتطابق بصورة واسعة مع المستوى البنيوي في الدراسة المقارنة.‏

- موضعة الموسيقا تحويلها إلى موضوع):‏

في الواقع إن تعبيري انبثاق، وإشعاع هما التعبيران اللذان يُطرح وفقهما، بصورة أوليةً، موضعة المرجعية الفنية في الأدب، التي مرت سابقاً تحت النماذج والأساطير الفنية، وبوجه آخر، نحن نسمي، عبر الموضعة انظر الفصل الخامس)، الأسلوب البلاغي في الإسهاب المعروف جيداً:‏

ضمن أي حد تخدم المرجعية الفنية، بعد أن تُكشف، إنتاج النص؟ أما فيما يتعلق بمواجهة البنية الموسيقية مع البنية النصية مع افتراض أن ذلك ممكن بسهولة)، فإنها تمثل نموذجاً آخر للدراسة أكثر تعقيداً بصورة مطلقة.‏

لنأخذ مثالاً الموسيقى في رواية توماس مان الجبل السحري)، يذكر كلوديو غيلين في كتابه أن بطل الرواية هانز كاستورب يستمع إلى سلسلة من الديسكات) Verdi. Debussy. Bizit.Gounod) ولكن هذه الموسيقى هي غالباً موسيقى أدبية أوبيرا مقطوعة مثل مابعد ظهر إله الريف)، وتحكي مراحل تربية كاستورب: لايوجد ebiphanie موسيقى ولا إشعاع شكلي).‏

وهذا تعبير إيحائي بصورة خاصة لأنه يثبت أن المرجعية الموسيقية التي يمكن كشفها بسهولة انبثاق)، تنطوي ضمن النص شكل أول من المرونة)، لكن دون أن تثبت أبداً أي شكل) موسيقي ضمن بنية الرواية أي إشعاع).‏

سيكون من العدل، عندئذ، إضافة أن التفكير المستمر حول الزمن، يأتي ليعبر موسيقياً عن تصور معين للإيقاع الروائي. في هذه الحالة، يجب رؤية كيف يمكن لموضعة الزمن أن تأخذ موضعة الموسيقا على عاتقها، وإلى أي نقطة.‏

* موضعة الرسم:‏

تحت شكل حوارات بين ثلاث شخصيات تُسمى سكريبتور، وبيكتور، وفياتور، يتأمل ميشيل بوتور في الموت، والإبداع الأدبي ضمن عبث، بالاند، 1980)، وعليه فإن هذا التأمل يُثار من خلال مرجعيتين رسميتين من الرسم) مختلفتين في المدى والوظيفة: فمن جهة هناك المنظر- الإطار الذي يعيد إلى فضاء متوسطي وأيضاً إلى أي لوحة لكلود لوران، ومن جهة أخرى هذا النوع الرسمي الخاص بالقرن السابع عشر الغربي فرنسا وهولندا بصورة خاصة) الذي سمي عبثاً) والذي يشرك بصورة دائمة بعض العناصر التي تذكر بهروب الزمن الساعة الرملية، رأس الميت والمرآة)، ضمن هذا النص، إن الموضعة المشعة لعمل فن جنسي نوعي) هي التي تُتسخدم في تأمل بثلاثة أصوات لم يُستشهد بأي اسم، ولا حتى باسم فيليب دوشامبين) يقدم هذا النوع من العلاقات أكبر فائدة ممكنة للنص، ونفهم لماذا تركز جان- ماري كليرك، في أعمالها عن الأدب والسينما، علىالمساواة التي يجب احترامها بين النص والصورة. وإلا فإن عدداً جيداً من الدراسات المقارنة ظاهرياً، مهما كانت فائدتها، يأتي ليوسع فصل الموضوعات. ولكن يجب الاعتراف أيضاً أن البعد في بعض الحالات، بين النص والشكل الفني هو الذي، على الرغم من العلاقات النصية الواضحة إشعاع) من الأفضل بالنسبة للمقارن حصره ضمن مبدأ حكيم يجب وفقه مقارنة مايمكن مقارنته. إن موضوع النحت ملازم تقريباً لعمل مارغريت يورسينار، ولكنه لا يمكن أن يؤدي إلى أي دراسة مقارنة: في الحالة الأحسن، يُستخدم في إضاءة التصور الذي يكونه عن الشخصية الروائية كشخصية ثانية أو في تحديد عقدة بغماليون التي يبدو مفيداً استخلاصها .‏

* موضوع أم نموذج موسيقي:‏

تبدو الموسيقى في رواية رومان رولاند الطويلة جان - كريستوف) وكأنها تقترح تحويل فكرة الموسيقى إلى كلمات، ونثر تقليدي أحياناً أكثر من كونه تبادلاً في الأشكال، ضمن هذا النوع من النص الذي تكون فيه الموسيقى مموضعة، سيكون غريباً قراءة شكل من النموذج الموسيقي عبر التكرار والتبدل اللا متناهي) للمكونات الثلاثة: وهي الإيقاع الذي يبدأ من الجملة من أجل معانقة المقطع، والمتتالية، والفصل، وحتى ادعاء التأثير في التركيب في مجموعه قصيدة رواية)، والصوت الذي يمكن أن يذهب المجانسة الصوتية إلى التأمل في كتابة صوت وإمكانياته، وهذا ماقام به بصورة نموذجية بول فاليري والفكرة أو الإغراء الذي يتكرر تحت قلم عدد من الروائيين Le gueuloir عند فلوبير، الصوت الذي يستخدمه م.يورسينار، من أجل بعث الحياة في تمثاله، وتعدد الأصوات والحوارية اللذان يوضحهما باختين)، وأخيراً، الصمت الذي يحصل عليه، ويعبر عنه من خلال بعض القطع عودة إلى الإيقاع)، ومن خلال استخدام الفضاء النصي، حتى وإن لم يكن ممكناً تمثل البياض الفراغ في الصفحة) بالصمت، أو من خلال بعض التصرفات مثل الحذف.‏

* الموضوعات مابين الحقول المعرفية:‏

يوجد أخيراً بعض الموضوعات مابين -معرفية بطبيعتها، من وجهة النظر التي تهمنا، والتي يمكن أن تشكل موضوع بحوث مقارنة بصورة خاصة: مثل الحدائق التي كانت تشكل موضوعاً مفضلاً في فكر عصر الأنوار)، والدمار الذي يستحق مقاربة تاريخية تعاقبية)، ومفهوم الرسم) الذي انتشر استخدامه في الأدب خلال العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر، أو أيضاً المنظر. إنه مثلما قدمه رولان بارت، "الرمز الثقافي للطبيعة"، وأصبح، إذن، موضوعاً أدبياً إحساس الطبيعة)، تناصية خاصة مع استخدام ممكن لمرجعيات رسومية)، فضاء تكثيف إجراءات متأثرة بالتركيب الرسمي وشهادة على لحظة من تاريخ الحساسيات(28) .‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 06:59 PM
مواجهات وانتقالات:‏

نصل الآن إلى التبادلات الحقيقية بين الأشكال الأدبية والأشكال غير الأدبية المرئية أو الصوتية)(29) . وهي لحظة مابين -معارفية تشير إلى الممارسة الدائمة للأدب الذي يستخدم كمية من المفهومات ذات الصلة بالرسم الإطار، المنظر، المخطط الأولي).، أو بالموسيقا النوطة الموسيقية، الطباق*، تفرع النغمات، التصعيد**، التغيير***). أو بالأثنين معاً مثل التأليف، والتناقض أو التكرار.‏

- من الشعرية المقارنية إلى مابين - السيميائية:‏

في عمل حديث يعد أول دراسة في الشعرية المقارنة الموسيقا والأدب، P.U.f، 1994)، يجذب جان- لويس باكيس الاهتمام إلى التحويل) الإجباري الذي يقود إلى استخدام تعبير مستعار من اللغة التقنية للموسيقا). من الواضح أن الطباق الأدبي مشهد الجمعيات الزراعية الشهير في مدام بوفاري) لا يمكنه أن يكون مقبولاً إلا عبر تشابه أو مقارنة تقريبيين، وذلك لأن النص الأدبي ليس تتمة لمدرجات موسيقية. ليس دون سبب، المقبوس المعروف لجيد، الذي يتحدث عن مزوري- العملة "إن ما أريد أن أفعله، افهموني، هو شيء سيكون مثل- فن الاختفاء-. ولا أعرف لماذا مايكون ممكناً في الموسيقى يكون غير ممكن في الأدب)، فُسِر في هذه العبارة: "إن ماتراه الشخصية ليس واضحاً بصورة كاملة".‏

يقدم الكتاب، بصورة أساسية تاريخاً صغيراً للأشكال) منذ القديم وحتى الوقت الحاضر أو تقريباً، وذلك عبر تحليل دقيق، روحي، مثير لحالات عدة يشترك فيها الموسيقا والأدب)، خاصة عندما يكون الكلام والغناء قريبين من بعضهما بعضاً)، مثلما هو موجود في أشكال شعرية عديدة، القديمة منها خاصة.‏

يقترح، ج.ل.باكيس، عبر هذه الجولات التاريخية، شعرية متحررة من كل تفكير معياري، وأكثر أيضاً من كل فرضيات منهجية، شعرية تاريخية، لأن الشعرية اللاتاريخية) تبدو له دون معنى): " يمكن أن تعرّف الشعرية، بطريقة متواضعة جداً، بوصفها عرضاً وتحليلاً نقدياً لتعابير مستخدمة في الدرسات الأدبية، وحتى في الدرسات الموسيقية. يبقى المنظور هوالمنظور الذي ذُكر.....: وهو تحديد المعارف التي يمكن استخلاصها من حقيقة الظواهر الأدبية والموسيقية وتصحيحها". يجد المقارِن إذن نفسه مضطراً لدراسة كيف يحول الأدب إلى كلمات الذي لم يعد مادة، وموضوعاً، بل طريقة في التعبير السمعي أو البصري)، وتجربة لحقيقة صوتية في حالة الموسيقى).‏

ولكن الحديث في هذا المستوى عن منظر واقعي أو غريب عند بلزاك أو فلوبير، أو تناول موسقة الفن السردي عند بروست أو هوكسلي، لا يقوم على المقاربة المقارنية ولا على البحث ولا على النقد. يتعلق الأمر بإعارات نظام إلى نظام آخر. إن مايجب دراسته هو الانتقالات، بالمعنى الذي استخدم فيه رومان جاكبسون هذه الكلمة في "دراسات في اللسانيات العامة"(30) ليس فقط بخصوص الترجمة.‏

أعاد ج.ل. باكيس أخذ المقطع الأساسي: "إن الشيء الوحيد الممكن هو الانتقال الإبداعي: انتقال داخل لغة- من شكل شعري إلى شكل شعري آخر- وانتقال من لغة إلى لغة أخرى، أو، أخيراً انتقال مابين - سيميائي من منظومة رموز إلى منظومة أخرى، مثلاً من فن اللغة إلى الموسيقى، والرقص والسينما أو الرسم".‏

- الأدب والسينما:‏

لقد حصل الأدب العام والمقارن حتى الآن على النتائج الأكثر جوهرية مع السينما بصورة خاصة. مما لاشك فيه أن الفن السابع قد دخل، منذ سنوات طويلة، الدراسات الجامعية، ولكن أعمال جان- ماري كليرك(31) سمحت بتأكيد شرعية دراسات ناضلت طويلاً من أجل أن تكون مقبولة.‏

هل يجب التعلل بسمة التسلية الجماهيرية التي ألصقت بالسينما سبب قُدِّم من زميلنا) وذلك من أجل تفسير ظاهرة الرفض، التي أصابت هذه الدراسات، في حين أن المقارنات بين الأدب والرسم أوالموسيقى اكتسبت، دون صعوبات كبيرة، أحقيتها في الوجود. مع السينما، وجد الأدب المقارن أيضاً، وبالعكس، امتدادات جديدة وخصبة: كيف ندرس ثروة) نص عبر استمرار تجاهل الاقتباسات السينمائية التي استخلصت منه؟ في الواقع، إن الاقتباس هو أحد البحوث المفضلة في دراسة العلاقات بين النص والصورة:‏

إن أسماء مالرو، وكوكتو، وجيونو، هي أسماء توضح هذا النوع من الممارسة. ولكن بعد الحرب العالمية الثانية، اكتشفت أسماء أخرى مثل روب- غرييه، ومارغريت دوراس أو آلان ريسنيس عند السينمائيين)، ليس علاقة تأثير)، ولكن علاقة تأثير متبادل) بين الرواية والسينما مع الجنس الهجين سيني- رواية)، وإصدار سيناريو تحت هذا العنوان: السنة الأخيرة في مارينبا د 1961) يعد المثال الأول عن التعاون بين الروائي روب- غرييه والمخرج السينائي آلان ريسنيس.‏

*- الاقتباس:‏

تتركز إحدى التساؤلات الأساسية، في هذه الحالة حول عمل الخيال في الصور: بالنسبة للنص الأصلي الذي ستؤدي مقابلته مع النسخة السينمائية إلى إغناء القراءة وتجديدها)، هل ستخضع الكتابة إلى ضغوطات مفروضة من الوسيط- الكاميرا؟‏

من خلال الإكثار من الدراسات حول الاقتباسات، والمقابلة بين الكتابات الثانية المختلفة، من المكن استخلاص عدد من الثوابت التي من المناسب فحصها من أجل رؤية إلى أي حد تبدو مفروضة من خلال التقنية.‏

مثلما أشار ج.م.كليرك، هناك مجال مستقل لتقنية قادرة على إثارة كتابتها الخاصة، وموضوعاتيها الخاصة.‏

ضمن هذه الروح أمكن دراسة الأمل) عند مالرو، وسيدات خشب بولون)، التي اقتبسها كوكتو من ديديرو، أو أورفي) التي أخذها الشاعر من قطعته الخاصة.‏

يمكن حصر تطور إبداع ثان يقدم أيضاً معلومات حول النشاطات الجمالية لخيال كاتب- فنان. صور جيونو من جهته، فيلماً أصيلاً بصورة كاملة cresus) وأعاد أخذ رواياته الخاصة مثل ملك دون لهو)، أو غناء العالم) أو الهوصار* على السقف) من أجل كتابة سينار يوات منها:‏

يوجد هنا كتابة ثانية كاملة للعمل الأساسي تؤدي إلى نصوص مختلفة بصورة كاملة. تبدو معرفتها مهمة من أجل التقويم الأفضل للخيال الإبداعي عند الروائي.‏

* الاقتباس الأدبي للأفلام سيني- روايات):‏

في انزلاقات تدريجية للرغبة)، يقرّب روب - غرييه خلاصة السيناريو السينمائي الخاضع للجنة مسبقاً، من الوصفات، ووصف أخذ المناظر مع تحديداته التقنية، ونقل الفيلم إلى طاولة المونتاج: هنا يمكن دراسة آلية الصورة عندما لم تعد نقطة وصول بل نقطة انطلاق، ولكن يمكن التساؤل أيضاً، مثلما أشار ج.م.كليرك، حول سهولة قراءة هذه النصوص عندما تجرّد من الصور التي هي متضامنة في الأصل. هناك سؤال آخر حول الجمالية المقارنية هو : مامعنى هذه الإصدارات التي جاءت لتدمر مفهوم الجنس؟‏

وصفت مارغريت دوراس India Song بالجنس الهجين) ونُشِر هذا العمل كنص، ومسرحية، وفيلم في الوقت نفسه.‏

* كتابة سيناريو أصيل:‏

لا وجود لنقطة انطلاق أدبية: هذه هي حالة جان- بول سارتر مؤلف سيناريو Les Jeux sont Faits et Freud) المصمم بطلب من جون هوستون. بين هذين النصين، من الممكن تتبع سيرورة كاتب نحو ما يحدده ج.م. كليرك، بمعرفة المضمر، وغير المقول، وغموض الصورة، وهذا ما يُرجع إلى سيرورة الكاتب في مواجهة الصورة العقلية. يجب قراءة غزو الغموض أيضاً في دراسته المخصصة لفلوبير.‏

هنا أيضاً يفيد السيناريو الدراسة الأدبية.‏

* نصوص مكرسة للسينما:‏

هناك إمكانية أخيرة مقدمة مع النصوص المصنفة كروايات جديدة الصيف الهندي لكلود أولييه أو الثلاثية لكلود سيمون) مكرسة بصورة كاملة للسينما: وهذه أمثلة على نصوص مشبعة بما أطلق عليه جان ريكاردو "آلات العرض البصري". ولكن الرواية الحديثة هي التي ظهرت إلى حد ما مشبعة بالصور، وتمثل مرحلة جديدة في تاريخ الثقافة.‏

يوجد هنا موضوعاتية جديدة يمكنها أن تتقاطع مع دوافع أخرى خاصة بحداثة) معينة. هل تؤثر هذه الموضوعاتية الجديدة في الكتابة، وتولد طرقاً أخرى لعرض الفضاء، والزمن، أو طريقة جديدة في تصور الشخصية؟‏

- الصورة والحداثة:‏

يشرح ج.م. كليرك السحر الذي تمارسه الصور عبر حقيقة أنها تستطيع رفض المادة الأساسية والأولى للأدب: وهي اللغة، إن اللغة، في الرواية، هي الوسيلة لوضع العالم ضمن شكل متجانس.‏

ومن نتيجة الصورة في التخييل أنها "تزعزع التجذر المرجعي للكلمات وتكثّف السيرورة الدنيوية- السببية للتاريخ".‏

مع الصورة يكون حدوث "كتابة متحسسة ومتعددة المعاني". ستكون الأهمية بالنسبة للمقارِن، إذن، مرة إضافية، بالوصول إلى الاختلاف)، والغيرية)، اللذين يدخلهماعالم الصور الحديثة إلى المجال الثقافي المعاصر. فجأة، يخرج ج.م. كليرك من ذلك، بالتساؤل حول فائدة تطبيق مفهومات تابعة للغويات على السينما: ألا يؤدي ذلك إلى المخاطرة بتحييد هذا الاختلاف ومرة إضافية) اختزال الصور إلى كلمات؟‏

في الواقع هناك مشكلة حوارية بين الكلمات والصور من وجهة نظر استخدامها النقدي. سنمر سريعاً على القراءة السينمائية للنصوص القديمة حركات الكاميرا في الإلياذة، والتصور الصعودي في الإنيادة، "أخذ الصور من أسفل إلى أعلى"). وبصورة معاكسة الرموز البلاغية المطبقة على الأعلام. يبدو أن الميدان يكون أكثر أماناً عندما يتعلق الأمر بدراسة المرجعيات السينمائية، أو الإيقونية ضمن نصوص تسهم جماليتها كلياً أو جزئياً، وبصورة واضحة إلى حد ما، في الفن والتقنية السينمائيين: الحالة المعروفة كثيراً هي بصورة واضحة حالة جون دوس باسوس الذي يمكن دراسة رواياته بالاعتماد على مقاييس سينمائية مختلفة مثل المونتاج، والمخططات المتتابعة... الخ.‏

- النص والصورة:‏

تسمح كلمة "الصورة" في مرونتها الكبيرة، بتجميع البحوث المختلفة، وهذا يدل على كفاءات متعددة بالنسبة للمدرس أو الطالب.‏

- الأدب والتصوير:‏

يعطي إروين كوبين، في كتابه الأدب والتصوير: شتوتغارت، 1987)، رسائله في النبل، إلى صور بقيت لفترة طويلة على عتبة الدراسات الأدبية: اعتُبرت الصورة، التي هي من إنتاج الميكانيك والكيمياء، كفن من الطبقة الثانية. كانت مقالة إدغار آلان بو النقدية والسلبية أحد الأصداء الأولى لوجود الصورة إذا لم يكن ثقافياً فهو على الأقل وجود أدبي. ولكن عصرنا جعل من الصورة موضوعاً أدبياً مع كتابات روب -غرييه عن دافيد هاملتون أو مع نص مثل الغرفة الواضحة) 1980) لرولان بارت، فقد اعترف عصرنا للصورة ببعدها الفني وعدها قاعدة ممكنة للتفكير في الإبداع في العالم الحديث رُبطت الصورة بالزائل، والصدفة.) تستطيع الصورة أن تأخذ أبعاد أسطورة أدبية إلى حد ما أومؤدبنة)، مثلاً مع صور بارسي، وكارتييه- بريسون، ودوازنو، وأوجين آتجيت الذي أصدر عنه آلان بويزين دراسة، أو حيوات لي ميلر رفيقة ماني ري، انتقلت حديثاً إلى الرواية(32) ، أو بروس شاتوين(33) . يمكن، من وجهة نظر مقارنية، اتباع إروين كوبين الذي يقتفي أثر الصورة والمصور مع محطات مفيدة.‏

كوميديا فودفيل*، المصور- 1864، لميلهاك وهاليفي، أو المصور الصغير، قصة لدافني دومورييه)، تعود النصوص الإيجابية الأولى حول التصوير إلى مكسيم دوكامب، تأثير التصوير في فنانين مثل دوفي، أو في كتِّاب مثل زولا أو لويس كارول، التأثير المتبادل، ربما الأول، بين نص وصورة، في Bruges la mort 1892 لجورج رود ينباخ، وتعاونات أخرى بين نصوص وصورة تخلق تجمعاً بصرياً- لفظياً جديداً مثلما هو في Nadja 1928) لأندريه بريتون، أو اشتركات مثل اشتراك الروائي إرسكين كالدويل وزوجته المصورة مارغريت بورك- ويت، ونصوص المصور براسي عن هنري ميلر.‏

لتعاون الصورة- النص بعض الخصوصيات: الصورة، على الأقل في البداية، هي التي ليس شيئاً خيالياً. والصورة هي هذا كان) إذا استخدمنا تعبير بارت. إن التعايش بين الصورة ونص تخييل لا يتم دون خلق تأثيرات من الوهم أو توترات بين تعبيرين متعارضين، إلا إذا لم تُقدم الصورة كمرافقة للنص، وهذا لا يؤدي إلا إلى إعادة طرح مشكلة قيمتها ووضعها.‏

ولكن الصورة استطاعت أن تؤثر في الكتابة التخيلية من خلال تحديد بعض الإجراءات مثل المونتاج، والإلصاق، والصورة السريعة، وغير ذلك من التقنيات المنقولة بصورة واضحة إلى حد ما، إلى الكتابة، وعبر الكتابة. أخيراً يمكن الاستشهاد بمقطع من قصة كورتازار Las Babas del diablo في السينما حيث تظهر مسائل الاقتباس والوجود الشعري للصورة، أو بصورة أصح تفصيلات الصورة.‏

- القصص المصورة والكتب المزينة بالرسوم:‏

هنا حالتان من علاقة النص بالصورة، والنص الهجين). يبدو تزيين النص بالرسوم كقراءة، وترجمة للنص المقصود، وملاءمة بين أجزاء المعنى عبر الصورة. ومن المؤكد أن هذا يعيد إلى شخصية الفنان، ولكنه في حالات أخرى لا ينفصل عن الجمهور الذي يتوجه إليه النشر. الرسم حوار بين النص والصورة، وخطاب أيقوني يندرج ضمن علاقة التبعية وأحياناً ضمن علاقة استقلال نسبي إزاء النص. إن الرسم غالباً تفسير لقصة لا تقوم على المضمر ولكنها تفترض غموضاً نسبياً. وسيُرفع هذا الغموض عبر عمل الرسم.‏

إن دراسة القصة المصورة B.D) تعود ثانية هنا إلى التأمل في النزعة السردية للصورة، وفي التكاملية المؤسساتية الطويلة لنص وصورة، منذ تأسيسها) من قبل السويسري رودولف توبفلير وحتى الابتكارات الخطية المعاصرة التي تستخدم الصفحة بوصفها فضاء سردياً وليس فضاءً رسمياً.‏

تبدوالقصة من خلال الرسوم المؤطِّرة، ثم القصة المصورة بشكل مزدوج كقصة خطية، عبر المزاوجة بين النص والصورة، واستخدام الصورة لسردية أخرى لهذا، كانت هامشية، لفترة طويلة). إن الصورة، والتعبير الخطي، وتركيب صفحات الطبع عناصر عدلت نظام القراءة الخطية الذي تعوّد عليه النص. تسمح القصة المصورة، بملاحظات مفيدة حول بعض طرق السرد الجديدة التي توصل إليها عبر تحويل قصة إلى سلسلة من اللقطات والتعبير الخطي، وتقنية الرسم الالوان، وألعاب المخططات،وتأريخ القصة المقارنة إلى تأريخ الصورة القائمة عبر تتمة من الصور) أخيراً تسمح .القصة المصورة بوضع اليد على بعض مشاكل الصور بالمعنى الإماغولوجي علم الصورة). مثل استخدام الأنماط واستغلالها الكوميدي، والتلميحي، والساخر، مثلما هوفي المسلسل Asterix .هذه الحوارات، والتأثيرات المتبادلة، والتعاون بين النص والصورة ليسوا مقصورين على مجالات السينما أو موازي الأدب.‏

إن نصاً مثل الكلمات في الرسم)(34) ، لميشيل بوتور يعد تأملاً في العلاقات المتعددة التي تقيمها الكلمات، في وجودها المادي، وتخطيطها مع الرسم، مع حالة خاصة تخص العلاقات بين العنوان أو غياب العنوان)، والعمل المرسوم.‏

يمكن لفكر بوتور أن يتعمق ويُحرّف عبر مواجهة تدوين الرسم في النص، ليس تحت شكل ملصقات، ولكن بوساطة منقوشات كتابية أو عبر إجراء الوضع في الهاوية: يمكن القيام بالدارسة بالنسبة لعصر الأنوار لـ، أ.كاربنتييه باستخدام عنوانات منقوشات، المياه القوية لغوياً كمنقوشات ساخرة، ولوحة مونسو ديسدي يريو "الانفجار في الكاتدرائية"، تعبير عن الحركة في السكون، وتحول الثورة التي فشلت)، ويدون في بداية الرواية وفي نهايتها، والذي يستفيد من العنوان بالنسبة للترجمات الأنكلو -سكسونية.‏

- النص والموسيقا:‏

تقدم علاقات النص- الموسيقا أيضاً حالات من النصوص الهجينة) التي تستطيع أن تنال اهتمام المقارنين: سجل الأوبيرا، مكان التبادلات بين الكلمات واللحن، وهو مثلما أظهر بيير برونيل في بعض أعماله مجال المقارنية نفسه)(35) .‏

يمكن قول مثل ذلك عن ليدة)*، ونميل مع إيف شيفريل إلى إضافة الرقص والباليه. ولكن يجب الاعتراف معه أن المجال يبدو صعباً للاستغلال). وهذا مايجب أن نلاحظه عندما يتعلق الأمر بمقابلة بين البنيات الأدبية والبنيات الموسيقية. بالإضافة إلى ذلك، إن الأمثلة التي يقدمها جان- بيير لا نغر في مقدمته المفيدة لكتاب الموسيقا والأدب) بيرترا ندلاكوست، 1994)، تترك قليلاً من الشك: إن النتائج التي يمكن أن تؤدي إليها مقارنة حوار L"Avare.1.1V) وحوار) مثل اختراع بصوتين)، بالنسبة لمَلْمس مفتاح بيانو) دو أول مقام موسيقي)، الرئيسي عند جان -سيباستيان باخ فيها شيء من الإثارة، والتحريض، وفيها أيضاً شيء من الخيبة إذا تعلق الأمر، بعد تقطيعات عسيرة، بالانتهاء، إلى أن اللغة تستخدم في التواصل. والموسيقى، استلهام. نلاحظ الشيء نفسه، اختبار الشكل السمفوني لقصيدة سيمفونيا تشرين الثاني)، لميلوز. في المقابل، عندما يُظهر بينيتو بيليغران إجراءات الموسقة الصوتية، والإيقاعية) للافتتاحية المذهلة للكونسير باروك، لأليجو كاربنتييه(36) ، فإن هناك قراءة تفسر البعد الشعري للنص المدروس وتدركه.‏

- حدود المقارنة:‏

إن ماقيل عن الموسيقى يصلح أيضاً بالنسبة لفن مثل العمارة التي لا يمكن دمج دراستها الأدبية مع دراسة الفضاء، أو فضاءات خاصة مثل المدينة، والتي لا تُختزل، أو التي لا تشبه بتأليف نص(37) .‏

لهذه التحفظات أو النتائج المتعسفة، وحتى السلبية ضمانة مشهورة. بعد الخطاب المدهش عن LesMenines) لفيلازكيز الذي يفتتح كتاب الكلمات والأشياء)، نتذكر أن ميشيل فوكو اعتبر أن اللغة والرسم "لايمكن أن يذوب أحدهما في الآخر":‏

"عندنا قول جميل عمّا نراه، وما نراه لا ينزل أبداً ضمن مانقوله". بالإضافة إلى ذلك، من المهم ملاحظة أن أكثر الكتب المقارنية تقوم بالتحذير من أخطار الدراسات المكرسة للعلاقات بين الأدب والفنون وسهولتها أو لريش فيستان، كلوديو غيلين، إيف شيفريل)، كل ذلك مع عدم الاستسلام، بل بالعكس للتخلي عن مجالات بحث معقدة بالتأكيد، ولكنها غنية بالمنظورات الجمالية والشعرية. يمكن التساؤل عندئذٍ إذا لم تكن دراسة النصوص النظرية وشهادات الفنانين يمكن أن تستخدم من أجل تشكيل شعرية عامة ومقارنة، وحتى نظرية للأدب. بفضل بعض الأمثلة المستعارة من الفنون المختلفة .‏

يلتزم هذا البحث، بصورة أكثر وضوحاً مما استطاع أن يفعله حتى الآن، بتفكير حول الإبداع وليس حول التلقي والتفسير وتُستخدم المرجعية الفنية للتفكير في الأدب ليس بوصفه مؤسسة، أو حدثاً، أو ظاهرة، وتابعاً للنصوص، ولكن بوصفه وجهاً من أوجه الفعل الإبداعي.‏

الإبداعي الفني والإبداع الأدبي:‏

عندما حدد كلود مونيه موضوع الرسم بوصفه موضوع تثبيت اللحظة الإلهية)، يمكننا دون الخوف من الخضوع لإغراء المقارنة، التساؤل، إذا لم يكن يوجد تعريف لفعل الإبداع الصالح لعصر معين يبدأ مع ما نسميه حداثة، عندما نتذكر التعريف الذي أعطاه له بودلير في كتابه Salon) 1845)، ويجب أن يؤخذ في كليته لتجنب تفسيرات خاطئة مزعجة: "الحداثة هي الانتقالي المؤقت)، والزائل، والعارض، ونصف الفن، ونصفه الآخر هو الأبدي، والثابت".‏

اللحظة عند مانيه تقابل اللحظة الشعرية، والزمن العمودي عند غاستون باشلار، والقصائد التي أراد جان بول سارتر، أن يبدعها) في مذكراته عن دوار الحرب)(38) ، "هذه المواد برّاقة وعبثية، تشبه سفينة في قارورة، وأبدية اللحظة"، أو التعريف الذي يعطيه الروائي ارنيستو سيباتو للفن: يعطي الإنسان لنفسه، من خلال الفن، لحظات من الخلود.‏

بالنسبة لمالرو، الفن هو الإمكانية الوحيدة التي يمتلكها الإنسان لتغيير قدر مفروض إلى قدر مُسيطر عليه. ومثل ذلك من العناصر لجعل الفن، في هذه الحالة، ليس وسيلة اتصال التي نقصره عليها طوعاً)، ولا حتى إمكانية إعطاء أشكال للمادة القدرة التشكيلية الشعرية)، ولكن إرادة الإنسان المبدع في تشييد عالم ثانٍ من أجل جعل العالم الذي أعطي له ليعيش ويموت فيه معقولاً ويمكن العيش فيه.‏

سيقال إن ذلك خلط بين الأدب العام والمقارن وبين الفلسفة. يمكننا أن نرد على ذلك بأنه يجب في يوم من الأيام مواجهة مايمكن أن يعطيه هذا التبدل في الصيغة القانونية x و y) التي لم تدرس كثيراً بصورة حقيقية. بعبارة أخرى ومع أقل الطموحات: هل تستطيع دراسة العلاقات بين الأدب والفنون أن تتجاهل العلاقات بين الأدب وعلم الجمال؟ وهل تستطيع نظرية للأدب أن تتجاهل العلاقات بين الأدب والفلسفة؟ إن معالجة هذه الأسئلة والإجابات المحتملة عليها تعتمد على الوثائق المحفوظة: مثل شهادات الفنانين، وكتابات الشعراء الذين هم فلاسفة أيضاً أو العكس)، وكل نص يمكن استجوابه ويتعرض، بطريقة نظرية أو غير مباشرة، من الخارج أو من الداخل، لطبيعة الفن ووظيفته، أو لفعل الإبداع المطروح كموضوع للدراسة أو التأمل، هنا مثلما في أماكن أخرى، لا يكون المقارِن، حقيقة، في موضع البحث عن نظام تفسيري ولكن عن اقتراحات، وطرق وصول إلى إعادة تعريف مايسمى أدباً.‏

- تفكير نقدي، وفكر إبداعي:‏

يقدم الموسيقي، والمنظّر، والناقد الموسيقي بوريس سشلويزر، في مقدمته لجان- سيباستيان باخ(39) ، سلسلة من الأفكار يمكن للأدب أن يستفيد منها: قُدِم المثال من قبل جان روسيه في رسالته إلى ندوة سيريزي 1966) التي صدرت أعمالها تحت عنوان الطرق الحالية للنقد(40) )، أشار جان روسيه إلى تقارب الفكر بين ما أسماه سلسلة لفظية)، في شكل ودلالة)(41) ، وبين المفهوم العملياتي الجراحي) للسلسلة الصوتية)، الذي قدمه بوريس دوسشلويزر، أساساً لتحليله الموسيقي الذي نلخصه.‏

في الموسيقى، المدلول ماثل في الدال، والمضمون في الشكل: "نقول بدقة، إن الموسيقى ليس لها معنى، ولكنها معنى"، أو أيضاً "إنها تعني بوصفها أصواتاً". إن هذا المثول للمعنى بالنسبة للشكل هو الذي يعرّف الموسيقى، ويحاول الشعر الاقتراب من هذا الاتحاد، ولكن استخدام الكلمات هو الذي يجعل الشعر، و أكثر أيضاً، النثر، يمتلكان معنى سامياً، أو بصورة أدق دلالة. إذاكان للكلام معنى، يقودنا إليه، فإنه خارجه: العمل الأدبي ليس ضماناً)، إلا بموجب علاقته بالعالم المعقول.‏

ضمن هذه الشروط، إن فهم الموسيقى يعني تتبع مسار سلسلة صوتية)، لا تُفهم بالمعنى الكامل للكلمة إلا بدءاً من اللحظة التي أتوصل فيها إلى التقاطها في وحدتها، وتحقيق توليف جمعي لها. إن فهم الموسيقى يعني التعرّف على منظومة معقدة من العلاقات التي تتداخل فيما بينها بصورة متبادلة، أو كل صوت أو مجموعة من الأصوات تتموضع ضمن إطار واحد، وتقوم فيه بوظيفة محددة، وتمتلك قدرات خاصة بفعل علاقاتها المتعددة مع الأصوات الأخرى كلها).‏

أعاد غيتان بيكون عام 1967(42) ، أخذ هذا النموذج من التحليل المصاغ في فرنسا بين عامي 1944-1947، واستطاع أن يرى فيه آثار الشكلانية الروسية. وعلى هذا المفهوم تعرّف جان روسيه بوصفه أحد طرق التحليل الشكلي للأعمال الأدبية). يضاف إلى هذاالمفهوم مفهوم الأنا الأسطورية) انظر الفصل الثامن)، الذي ينظم العمل من الداخل، والذي يتعارض مع المؤلف الذي لن نمتلك عنه إلا السيرة الذاتية. يذكّر سشلويزر، كمالو أنه يتوجه إلىحراس النقدالقديم والإنسان والعمل) قبل الآوان بخمسة عشر عاماً، بصيغة فعّالة أن العمل لا يفيد في إصوات المعيش). وعليه، فإن هذا المنظّر المتشدد لم يتردد في وضع تفكيره التقني ضمن المنظور الأكثر توسعاً، وهو المنظور الذي يوضحه الأدب العام في نهاية هذه الجولة:‏

"كل نظرية جمالية مرتبطة، بصورة خفية، بشكل من الميتافيزيقيا". على المقارِن الذي يأمل في التفكير بنظرية جمالية ممكنة أن يجعل هذه الميتافيزيقيا)، واضحة، وأن يختار لها أساساً فلسفياً.‏

- عناصر من أجل جمالية الإبداع:‏

سنعطي بعض الأمثلة الملائمة لتفسيرات حرة. يتعلق الأمر بتشكيل مجموعة من الأمثلة المضاعفة، التي تسمح بربط كلمة مقارنية) الإبداع الفني بالإبداع اللفظي.‏

- الرسم والإبداع:‏

لنستفد من تأملات جياكوميتي التي جمعها جيمس لورد عندما كان الفنان يصنع صورته(43) ، هذه هي، غالباً، أقوال على نسيج، وأشكال في طريقها للتشكيل: "يمكننا أن نتصور أنه من أجل صنع لوحة، المطلوب فقط، وضع جزئية إلى جانب جزئية أخرى، ولكن ليس هذا، ليس هذا أبداً، المطلوب:‏

إبداع كيان كامل بضربة واحدة".‏

المقارِن عندئذ حر.... في مقارنة هذا الرأي مع صيغة سان أوغستان الشهيرة حول الكل في وقت واحد)، للخلق الإلهي من أجل الحصول ليس على ثابت)، ولكن على مثال من بين الأمثلة الأكثر إيضاحاً، عن الزمن الطويل لعلة. أوفي مقابلة هذا الرأي بالآراء التي تجعل من الإبداع فعلاً صدفوياً، ولعبياً، وعارضاً، هناك رأي آخر للنحات- الرسام : " يرى الناس الأشياء، غالباً، بالطريقة التي رآها فيها الآخرون.المسألة كلها تكمن في امتلاك نظرة أصيلة، أي الرؤية الحقيقية لمنظر بدلاً من رؤية بيسارو. وليس سهلاً إلى هذا الحد أن يظهر ذلك."‏

الفكرة هنا هي أن الثقافة حيث التطبيق والتوسع ممكنان في الأدب) هي ما تجعلنا نرى العالم). تتقاطع كلمات جياكوميتي مع غاياتنا وهذا مشجع لتفكيرنا) عندما حددنا وظيفة الأدب، في الفصل السابق، من خلال تعابير تأمل رمزي). نستطيع تقريب فعل مقارنة) رأي جياكوميتي من رأي بول فاليري في بداية كتابه مدخل إلى منهج ليونارد وفنشي 1894): "يجب على العمل الفني دائماً أن يعلمنا أننا لم نر ما نراه". نحن هنا لسنا بصدد اقتراح أفكار مختارة من أجل موضوعات بحث في الثقافة العامة عمل مطلوب في CAPES، ومسابقات يغيب عنها المقارنون.) يتعلق الأمر بوضع أسس تفكير عام تستخدم فيه المرجعية الفنية كأساس ملهم من أجل إعادة التفكير في الأدب، وفيما وراء فعل الإبداع.‏

-الشعر، واللغة، والرسم:‏

يخط الشاعر والناقد والمترجم إيف بونفوي بإرادة طرقاً تقود من الفن إلى اللغة عندما يتحدث عن الرسامين. بخصوص الرسام بيسيير(44) ، يلاحظ أن: الفن الحديث وُلِد من خسارة، خسارة الوحدة التي كانت تحافظ قديماً، ضمن عروضنا وممارساتنا، على شبكة من التفكير الرمزي. إنه معاصر للغات التي منع تطورها التصوري الزائد من سماع الشائعات الأخيرة التي جاءت من جانب الإشارة. لقد أخذت أعماله الأكثر خصوصية، في زمن المنفى هذا، جانب كلماتنا العمياء ضد الأرض التي لم تعد تحبها. كلمات لها مطلقها، في القوة، ولكن كمادة خالصة، ويأس: هذا ما يعرفه الشخص المخاتل منذ فتوة اللغة".‏

يمكن أن يكون بناء إعادة أخذ بعض الإنتاج الأدبي والنقدي) المعاصر وقراءته بالمقارنة مع ما يقترحه إيف بونفوي: إزالة تفكير رمزي وتحويل كلمات إلى إشارات تريد أن تكون ظلالاً؛ وإشارات، مثلما يقول: "لا تنبسط إلا لتحثنا على نسيان ما تسميه".‏

يمكن لهذا التساؤل حول الفن الحديث، إذن، أن يقارن مع كتابات روبير كلان(45) التي تنتقل من فن عصر النهضة الذي كان كلان أحد عارفيه المرهفين إلى الفن الحديث الذي لم يتوقف عن دراسته من أجل فهمه. ستسمح بعض الدراسات التي تركز على ضياع المرجعية) أو على اختفاء العمل الفني) بدمج البعد التاريخي بالفكر النظري.‏

ليس مضراً الإشارة إلى أن ناقداً معاصراً هو بيرنارد سيسون، يربط، عند تقديمه عمل الرسام سولاج كمثال على العمل المسلسل)، هذا المفهوم التأسيسي للرسم الحديث السلسلة) مع ما سمّاه روبير كلان احتضار المرجعية)(46) .‏

ينتج عن ذلك، بحسب بيرنارد سيسون سمات عدة لتعريف نشاط فني آخر: لم يعد العمل مقنعاً بل بارزاً، ويصبح الرسم مرجعيته الخاصة)، ولم يعد الرسم إلا لحظة) ولا يمكن الإمساك بها، إذن، إلا في سيرورتها، وتُلغى المرجعية) ويلغى السمو) إذن، ويتحول العمل إلى عمل أصيل)؛ ويصبح العمل بنفسه أصالته)، إنه الضمانة الوحيدة لمصداقيته ضمن السلسلة. يستحق هذا التطور الجمالي أن يوضع في موازاة بعض التظاهرات الأدبية المعاصرة، أو بصورة أدق، بعد الحداثية: هنا أيضاً توجد مسألة تشكيل وثيقة مرجعية.‏

-علم الجمال العام والأدب.‏

في مستوى أعلى نظرياً، يمكن لفكر علم الجمال العام أيضاً أن يُستخدم في تفسير الإبداع الأدبي. يستطيع مفهوم التشكل) المركزي في تفكير لويجي باريسون أستاذ أو مبيرتوإيكو، وجياني فاتيمو في جامعة توران)، أن يساعد في طرح مشكلة الإبداع بصورة أفضل، وحل المعضلة الموجودة دائماً في التأملات الأدبية بين الإبداع والتفسير(47) .‏

ينطلق لويجي باريسون ليس من العمل المنتهي ولكن من العمل الذي يتشكل، ويعتبر إذن نشاط المبدع تبعاً لتوليد الأشكال: ومن خلال ذلك يكتشف المبدع ما يريد فعله. لا يوجد إذن صدفة رئيسة للعمل، ولا خطة مسبقة أو تنفيذ نموذج جاهز وسيكون هذا عمل الناقد المشتغل بعد فوات الآوان!) يوجد، في الإبداع، تزامن للإكتشاف والتنفيذ: يكتشف العمل علته. في الوجود، ومبدأه حتى من خلال التشكل، والفنان إذن حر ومقيد بصورة مطلقة وفي الوقت نفسه. لا يجهل باريسون الموقف الجمالي لغوته الذي كرس له نصاً جميلاً) حول التطور العضوي للعمل). يمكننا أيضاً أن نحلم بتقريب هذا التحليل من التعريف السريع لبارك الشابة من خلال مبدعها ذاته، فاليري: "النمو الطبيعي لزهرة صناعية." تتجاوز فكرة الإبداع عند باريسون الشق بين التأليف المنظم والتطور العضوي من أجل اقتراح فكرة تأليف يولّد هو نفسه تطوره. الشكل إذن مشكّل ومشّكل في الوقت نفسه. ولا وجود، لإمكانية معارضة الإبداع بالتلقي: الفنان الكاتب مثلاً) هو أول مستقبل قارئ). وفي مادة الإبداع، لا تعارض بين الحرية والضرورة. ولكنهما متكاملتان. أخيراً، لا يعطي العمل نفسه خارج تفسيراته: إنه إذن شكل يُفسّر وبخاصية متعددة وحتى غير محدودة. بذلك يصوغ باريسون أسس ميتافيزيقيا لما لا ينضب والتي شكلت موضوع تأملاته الأخيرة.‏

يمكننا أن نأخذ مفهوم الشكل الذي يتشكل. تستطيع الشعرية التي تسعى إلى طرح قواعد عمل شعري) أن ترى إلى أي حد يبتكر هذا العمل، وهو يعمل، مادته في العمل، ويمكنه أن يُستخدم في تفكير شعري، وفي بعث جمالية التلقي.‏

سيتعلق الأمر، عندئذ، بمقابلة ما هومشروع بالنسبة للمبدع الكاتب) مع مالا يمكنه أن يكون، إلا مساراً للقراءة) بالنسبة للمتلقي). ولكن التلقي، الذي يُنظر إليه على أنه إعادة امتلاك فعّال لشكل يبقى ديناميكياً ومشكّلاً على الرغم من كونه مشكّلاً، يتطلب ليس استبدال مفهوم مثل مفهوم أفق التوقع بمفهوم آخر، ولكن نقل التفكير نحو أفق آخر: مثل الأفق الذي يعتبر الفعل النقدي القراءة) حواراً بين شعورين(48) وهذا ما يؤدي إلى طرح مسألة قراءة نص ومسألة موقف القارئ الناقد في مواجهة هذا النص.‏

(1) صالون عام 1846، الجزء الرابع .‏

(2) Wechselseitige Erhellung der Kunste‏

(3) ن.ب. ستالكنخت، و، هـ، فرنز، الأدب المقارِن، منهج ومفهوم، مطبعة جامعة سوثيرن، إلينواز، 1961.‏

(4) آداب وفنون: الحالة الراهنة، وبعض التأملات، 1977.‏

(5) دراسات سيميولوجية، كلينكسيك، 1972، و مجموعة مطبوعة بعد وفاة مؤلفها، من التقديم، غاليمار)، 1944.‏

*) طعام عجائبي يقال إنه أنزل على بني إسرائيل م).‏

(6) 1970، والترجمة الفرنسية عام 1986.‏

(7) دار كولان، 1942، ط2، 1963.‏

(8) موسيقى الرومانسيين، P.U.F، 1992‏

(9) دار سوي، 1977‏

(10) انظر، أ.مونتاندون، هوفمان والموسيقي، بيرن، بيتر لانغ، 1987.‏

(11) انظر، داريو غامبوني، القلم والريشة، أوديلون ريدون والأدب، دار مينوي، 1989.‏

(12) أعمال SFLC تولوز، 1961.‏

(13) انظر الدكتور فوستوس لتوماس مان، وكذلك أيضاً عمل زولا أو جان كريستوف لرومان رولاند.‏

(14) الأحياء من الآلهة القديمة، 1980، فلا ماريون، 1993.‏

(15) دار مينوي، 1987.‏

(16) نقد، 1991‏

(17) Rivages، 1987‏

(18) مع عمل غ.هـ هاميلتون، Manet and his Gitics، يال، 1956، ط2، 1969.‏

(19) مجلة التاريخ الأدبي لفرنسا، تشرين الثاني، كانون الأول، 1980.‏

(20) النظر، السماع، القراءة، بلون، 1993.‏

(21) غاليمارد، 1988‏

(22) مجموعات لوحاتي، ورسوماتي، افكار، غاليمار.‏

(23) ظهر العمل في فيينا عام 1924‏

(24) موسيقى الأنوار، P.U.f، 1985، لبياتريس ديدييه، أو فلسفات الموسيقى 1752-1780)، كلينكسيك، 1990، لبليندا كانون.‏

(25) مجلة التاريخ الأدبي لفرنسا، تشرين ثاني - كانون أول، 1980.‏

(26) Abstraktion und Einfuhlung. 1908‏

(27) دراسات في الأيقنة، 1939، ترجم إلى الفرنسية 1967، غاليمار.‏

(28) انظر ميشلين تيسون -بروم، شعرية المنظر، دراسة في الجنس الوصفي، نيزيه، 1980، وكريستين جورديس، المنظر والحب في الرواية الإنكليزية، سوي، 1994.‏

(29) انظر أ.مانسو، و.غ. بونو، طبعة انتقالات، SFLGC، تولوز، 1986.‏

*) لحن يضاف إلى آخر على سبيل المصاحبة.‏

**) تعاظم في حجم الصوت أو الموسيقى.‏

***) تغيير في طبقة الصوت.‏

(30) 1963، طبعة ثانية سوي - بوان.‏

(31) انظر مثلاً، الأدب والسينما، ناتان، 1993.‏

*) الهوصار: جندي من الخيالة.‏

(32) مارك لامبرون، عين الصمت.‏

(33) صور ومفكرات رحلة، غراسيه، 1993، أو عودة إلى باتوغوني، طبعة أوليفيه، 1992.‏

*) فودفيل: مسرحية هزلية خفيفة‏

(34) شامب- فلاماريون، 1967‏

(35) انظر إيزابيل مواندرو، سجل الأوبيرا، P.U.f 1993 و،ف، بيرثييه، أدب وأوبيرا، غ‏

رونوبل، صحافة جامعية، 1987.‏

*) أغنية شعبية ألمانية.‏

(36) أ. كاربنتييه وعمله، Sud 1982‏

(37) انظر ف.هامون، الأدب وفن العمارة، تداخلات 1، جامعة، رين الثانية، 1988، والمقالة الصغيرة لجيرار جينيت حول الأدب والفضاء، Figures II، بوان- سوي.‏

(38) غاليمار 1983، ص 381‏

(39) غاليمار، 1947.‏

(40) 10/18، أو بلون، 1966‏

(41) كورتي، 1962‏

(42) انظر، مذكرات لزمن، مركز جورج بومبيدو، 1981‏

(43) صورة عبر جياكوميتي، غاليمار، 1991‏

(44) -حول نحات ورسامين، بلون، 1989.‏

(45) - الشكل والمعقول، غاليمار، 1970.‏

(46) - SOULAGES، فلاماريون، 1979.‏

(47) -1-أحاديث حول علم الجمال، 1966، الترجمة الفرنسية، غاليمار، 1992.‏

(48) -انظر جورج بوليه، الحس النقدي، كورتي، 1971.‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 07:03 PM
10- البحث وعلم أصول التدريس






إن عنوان الفصل الأخير هذا ليس الثناء الأخير للصيغة الأصيلة Xet Y) التي تتلخص فيها النشاطات الكثيرة لحقلنا المعرفي. إنه يطرح علاقة تنازعية لا يستطيع أي مقرر جامعي دونها الاستمرار في الحياة. مما لا شك فيه، أن علم أصول التدريس لا يمكنه أن يوجد دون بحث يغذيه. إنه بحاجة إلى مادة لا يمكن حصرها في خطابات نظرية، وأعمال تطبيقية، ودورات تدريبية تحفيزية، أو دورات إعادة تأهيل. يجد علم أصول التدريس ديناميكيته في البحث ولا يمكن أن يُتصور دون معارف لفكر استعادي ومستقبلي في الوقت نفسه. أظهرت الفصول التسعة أن الأدب العام والمقارن موجود: وله تاريخ وأرضية، وموضوعات بحث ودراسات قديمة إلى حد ما. وله بعض المفهومات، وأصول تفكير وإعادة تفكير في الأدب. بعض المفهومات والأصول قديمة أو تبدو كذلك، وبعضها جُدّد، وبعضها الآخر أخيراً استخدم في معارف أخرى مثل: الوسطاء، والتأمل الثقافي، والتلقي، والنموذج، والمنظومة، والقانون، والمثاقفة، والمبادلة، والحوار وعلاقة القوة، والتناصية، والأدب البارز، والموروث، والحقبة الطويلة، والقاعدة، والشكل، والخيال الاجتماعي والتأمل الرمزي،...‏

في كل الحالات، ليس من المؤكد أنه يمتلك منهجاً: يقال إنه لا يمتلك أي منهج، أو مناهج عدة، من حسن حظه.‏

كل مقارن، كما استطاع أن يكتب جان بيسيير، هو ضمن طريقة من التخييم المنهجي والنقدي). نستشهد بأستاذ في الدراسات المقارنة هو جورج دوميزيل: إن المنهج هو الطريق بعد أن نجتازه. يفكر بعضهم، مثل المؤرخين، أن موضوع البحث هو الذي يدير المنهج، ويفرض تركيب منهج، وليس العكس. ويقول آخرون أيضاً إن المنهج ليس له نظرية وليس من المفيد أن يمتلك نظرية(1) . إنه يمتلك بصورة أدق مساراً من التفكير وبعض الموضوعات للتأمل تعطيه خصوصيته.‏

-المسيرة المقارنية‏

إن الأدب العام والمقارن فكر في حركة: يتقدم بفضل بعض الطروحات، والمفهومات التي لا يتوقف عن إعادة التفكير فيها. وأولها التأمل في الآخر، والبعد الأجنبي، وشعور الغيرية ما يتعلق بالغير)، والهوية، والفردانية، وأيضاً علاقات الاشتراك، والاندماج، وعلاقات التعارض، والإبعاد.‏

مما لا شك فيه أن المقارن مقتنع، مع بول ريكور، أن الطريق الأقصر بين الذات والذات هو كلام الآخر.) ولكن هل يعلم هذا؟ هذا الذي ينتقل ويجعل من المدرس ممدناً. ولا يستعان بلفظة جديدة لأنها تكشف، في هذه الحالة، قصوراً كبيراً.‏

إن المقارن الذي يسلك هذا الطريق يعيد اكتشاف فن كان مونتين قد عرفه بوصفه فن التباحث).‏

-فكر الاختلاف‏

إن من نتيجة الوجود الكلي للآخر في المقارنية دراسة الاختلاف. حول هذه النقطة، تستطيع المقارنية أن تعلم شيئاً: كيفية التفكير بالاختلاف. وتمييز الاختلاف المطلق من الاختلاف الديالكتي الجدلي): الاختلاف الذي ينشأ عن فكر مزدوج على أساس تعبيرين أعكس ب)، والاختلاف الذي ينبثق عن فكر ديالكتي أمطروحة، ب معارضة لـ أ، من أجل أن تبدو س حلاً للتعارض). يتطلب هذا الفكر نقطة انطلاق فرضية) ستتجاوز لصالح تعبير ثالث يقال زوراً عن تركيب) وخاصة تعارضاً) يدعى مقدمة صغرى) ضرورية ومكتوب عليها مع ذلك الزوال.‏

هناك مجال للتساؤل إذا لم تكن فكرة الاختلاف المأخوذة من النموذج الأول قد تفشت في عالمنا المعاصر، وطورت فكرة التناقض X مقابل Y)، ومعممة اختلافاً لازماً لا يزول هوية مقابل الغيرية) ومنظمة ممارسات، وتصرفات من نوع مزدوج. سيكون مفيداً إذن التفكير في اختلاف نسبي أدواتي، موجود بالنسبة لشيء آخر غير ذاته، يمكن استخدامه من الفكر من أجل الذهاب، عبر الفكر، إلى ما وراء الاختلاف، مادام صحيحاً أن التفرع الثنائي والتعارض هما من سمات فكر عبر أنماط انظر الفصل الرابع) مع التظاهرات والنتائج التي نعرفها.‏

-البعد والانزياح:‏

لا يفكر المقارن فقط في الاختلاف، ولكن أيضاً في البعد): كتابة رحالة، وامتلاك فكر أجنبي، وشرط المنفى مع تبدلاته؛ الكاتب المهاجر، والمنفي، والمُبْعَد، والمغترب)، وأيضاً العلاقة الصعبة مع الذات، وخط النظر، وآثار البُعد، ومعضلة القريب والبعد، الداخلي والبعيد، اللذين يمكن اكتشافهما سريعاً وبعمق عبر الاطلاع على كل ثقافة أجنبية، وممارسة لغة أجنبية.‏

يعمل المقارن حول الانزياحات): "الانزياحات الاختلافية" الأثيرة عند ليفي شتراوس(2) ، وعدم الأمانة) في الترجمة، ونتائج الانتقالات، وتشويهات الصورة، الشبيهة بتشويهات كل قصة حيث تكون الحدود بين الواقع والخيال نفوذية) جداً(3) ، وانزياحات الخيال، والميثولوجيا الشخصية، وأماكن انتقال ثقافة، ونص معينين. إنه المقارن) يعمل حول المعاني المعكوسة، أو بصورة أدق حول المعاني الجمعية التي تشكلها العصور، والثقافات المختلفة، ويدرس تعدد الأصوات، واختلافها، والتفسير، والقراءة، والنظرة، والتنافرات والانحرافات والتحولات. صرخة من القلب غير مباشرة في الصفحة (96) من كتاب برونيل، بيشوا، روسو: معاني معكوسة تساوي جيداً مشاركة مستحيلة).‏

المقارن رجل الانزياح، وCLINAMEN الأثير عند لوكريس، يتتبع في دراساته، الانحرافات عن المركز الانزياحات). وهو يهاجم بذلك كل المركزيات): المركزية الفرنسية، والمركزية الأوربية، والمركزية الأمريكية، والمركزية العرقية...‏

إذا كان يحتاج إلى مركز في دراسته، فإن ذلك من أجل تتبع هجرة المركز نحو المحيطات. المقارن إنسان تعوّد على الصور والمرآة، ويدرس الهامشي. لقد بدأ بالكتاب الثانويين، وتابع بالترجمات، والشروحات النقدية التلقي)، ونتائج السياقات الجديدة وإنتاجاتها بالنسبة لما سمّيَ بالأعمال -الأم). هل وجدت النصوص -الأب؟ في كل حالة، تؤكد دون كيشوت أن كل واحد هو ابن لأعماله).‏

هل نعلم البعد، والانزياح، والثانوي؟ أليس من الأفضل دراسة النور الذي تحمله الظلمات؟ ومثل هذا العمل، بدلاً من دراسة قيمة في الاستخدام؟ والإبداع وليس الاستعارة؟ والكشف بدلاً من التلقي؟ تحدد هذه الأسئلة خيارات، وترسم حدود حقل معرفي يريد دراستها من أجل خرقها.‏

-التغير والانتقال:‏

يفكر المقارن،بطريقة مفضلة، في التغيرات، وكذلك في ما سيكون مبدأها في ذلك: المبادلة. ومن نتيجة أصوله الجمركية البعيدة... إنه يعمل حول توالد الأشكال وتتابعها ومسيرتها عبر التاريخ، واستمراريتها في الخيالات، وانتقالها من ثقافة إلى أخرى، واستمرارية الطبقات في الأجناس وانقلابها، والقيم، والكلمات. ويفكر بالتغير في تعابير تاريخية، ومكانية، وثقافية ضمن تواريخ، وفضاءات، وحوارات الثقافات. لقد أغري المقارن بالقول أن لا شيء يتغير)، هذا يعني إذن أن لا شيء تغيرّ إلا هو. وفجأة يخرج من ذلك إلى التساؤل عن الأسباب التي تجعل منه من أناه) خارجاً عن هذا الشيء) ولكنه يعرف أن كل شيء يتغير، وأن كل ما هو موضوع في دراساته يتغير، حتى وإن كان من الصعب عليه أن يرى التغيرات في التاريخ مثلما هو الأمر بالنسبة للشجرة التي تنمو. إنه يلاحظ، من خلاله وضعه في نقطة محددة، من الزمن والفضاء، تعدداً في الانتقالات، والاكتشافات الجديدة، والنسيان.‏

-نحو التركيب:‏

من خلال هذه التعددية، نقول بإرادة إنه المقارن) يحب أن يصنع تركيباً: يسعى الأدب العام والمقارن، بعد التحليل، إلى التركيب. لقد طرحنا سابقاً حقلاً معرفياً للتتويج) ربما كان من المناسب الحديث، بصورة أكثر تواضعاً وصحة، عن تجاوز) .التجاوز عبر المقارنة، وإذن، عبر حركة جدلية، والانطلاق نحو التعميم. من خلال القراءة والتحليل والخطابات النقدية، تُزاح بعض العناصر، وتُنتخب، وتجمع، ويُحتفظ بها. ثم يأتي هذا الإعلاء للروح التي تقترح منظوراً عالياً أو موحداً إنه آخر ببساطة.‏

ربما أن هذه الحركة الفكرية، وهذا الجنس ذا الهدف العقلي هما اللذان يفسران أن كتب الأدب العام والمقارن تتجاهل تبعيات الحقل المعرفي لتتحدث عن عظمته: "إننا نعتقد ببقاء المقارن مختصاً في العموميات." (4) إننا نقدر روح الانفتاح التي تفضل دراسة الشيء الأجنبي، ومعنى النسبي الذي تدخله في النفوس والنزعة العرضانية) للحقل المعرفي إيف شيفريل)، وكذلك: الأدب المقارن "بوصفه الترياق المناسب للبيزنطية الضيقة، والعجرفة الأكاديمية، وروح التحزب، والتعصب الفكري" لم تعد المقارنية حقلاً معرفياً بل أصبحت علماً أخلاقياً وسمحت ببروز UOMO UNIVERSALE أوVOLKOMMENER monn الإنسان العالمي) وهو كائن كان يمكن أن يصل إلى كمال وجوده. ولكن الأماني تصطدم بالأوضاع الجامعية الصعبة.‏

-المثال، والصعوبات والعوائق.‏

في الواقع، وعلى الأرض يجد هذا الفرع المعرفي عوائق عديدة، ويعرف صعوبات؛ وهذه العوائق والصعوبات لا تأتي فقط من الخارج المعادي له.‏

-حدود الحقل المعرفي:‏

إلى هذا العالم دون شواطئ الذي هو المقارنية تأتي مجالات أخرى لتعارضه، والتي يبدو أنها أُبعدت أو أسقطت من اهتماماته. يرى هذا الحقل المعرفي الذي يزيل الحواجز أن هناك حدوداً ترتسم من فعله إيف شيفريل).‏

مثلاً تمثل علاقات المبدع بعمله) مسألة لا يعمل المقارنون على دراستها بصورة أساسية. والأمر نفسه بالنسبة لدراسات التكوّن) أو استكشاف الفردي). يجب التمييز: إنها مسائل لم يعد المقارن ينوي دراستها، لأنه اهتم قديماً بتكوّن) النصوص عندما كان يدرس المصادر) والتأثيرات). مما لا شك فيه أن الإشكالية نتجت عن الوضعية، والتاريخية، ويبدو المنهج سيئاً اليوم: ولكن هل كان الأمر يتعلق بمشكلة كاذبة؟ من المؤكد أن الجواب، لا. لنتساءل إذن: ما هي المقاربات الجديدة التي ينبغي من خلالها دراسة المسألة الحقيقية؟ ومن خلال جولة على برامجنا، وممارساتنا، أي مسائل حلت محل مسائل التشكل، والإنتاج والإبداع؟ يجب ملاحظة البرامج للتأكد من أن الشعر قلما استجوب(5) ، وأن المسرح، من خلال طبيعته المابين -معرفية نفسها، هو حقل بحوث يتلاقى فيه المقارنون مع مختصين حقيقيين، اقترحوا، مثلاً، بعض الإجراءات من أجل قراءة المسرح)(6) . يبقى إذن، النثر، في كل أحواله، كفضاء للتأمل. لا يمكننا نسيان الحدود ذات الطبيعة التاريخية. إذا كان الموروث القديم يُفحص بصورة دائمة عبر الأساطير، أو يُدمج ببرامج تعاقبية تطورية) بصورة واسعة مثل شهادة الأستاذية في الآداب الحديثة، فإنه يجب الاعتراف أن العصر الوسيط وقسماً كبيراً من القرن السادس عشر قلما درسوا. يجب ذكر مؤتمر الرابطة الفرنسية للأدب المقارن في بواتييه عام 1965، والذي يشكل استثناء مشرقاً(7) .‏

هل يجب أيضاً الإشارة إلى أن هذا المؤتمر أفسح مكاناً كبيراً إلى حد ما لحضور العصر الوسيط في الأزمنة الحديثة). في التمهيد للأعمال استطاع القروسطي جان فرابييه الحديث، دون صعوبة، عن لقاءات) وأممية) ومسائل خاصة بالمقارنية لقاءات ما بين عرقية، نشر أجناس، اقتباسات... إلخ) وذلك بالنسبة لقرون طويلة، وقارة كاملة. يمكننا أن نضيف أن أعمالاً معينة لمختصين في القرون الوسطى تستخدم مبادئ البحث المقارن) بدقة نموذجية. بالإضافة إلى ذلك، إن بعض المسائل مثل مسائل المصادر والتأثيرات سنتحدث هنا عن التتابع) تُطرح باستمرار في حين أنها تميل إلى الزوال من الأفق المقارني. لنذكر مثلاً اطروحة بيير غالي: تكوّن الرواية الغربية. دراسة حول تريستان وإيزولت ونموذجها الفارسي، طبعة دوسيراك، 1974) إذا كان يمكن دحض فرضية التأثير الفارسي من قبل مختصين، فإنه لا يمكن أن ننفي عنه منهجيه المقارني المتين مثل مشاكل داخلية لتريستان، مقابلة مع نموذج فيس ورامين، قراءات مقارنة لبنيات ثلاثية مركبة)، ولفاعلين متشابهين، وموضوعات ودوافع متشابهة)، ومشاكل النقل)... إلخ.‏

يوضح مثل هذا العمل، عن طريق إعطاء المثال، البرنامج الضخم الذي وضعه إيتامبل.‏

-حدود النظام التعليمي:‏

هناك حدود أخرى، مثل الجهل الذي أدانه إيتامبل بشدة: يجهل المقارنون كل شيء عن الآداب الغنية آداب اللغات التامولية، والفارسية، والمالغاشية، هذا إذا لم نقل شيئاً عن السنسكريتية، الصينية، واليابانية، إلخ) مما لا شك فيه أن هذه الجهالات، وجهالات أخرى، تقودنا إلى مواجهة حدود أخرى فرضتها ممارسات التعليم، خاصة تعليم اللغات الأجنبية. يضاف إلى ذلك أيضاً غياب هذا الحقل المعرفي عن التعليم الثانوي، ويجب التذكّر أن أستاذ اللغة الفرنسية الذي تلقى تعليماً في الآداب الحديثة وجب عليه إلزاماً أو اختياراً بحسب الأذواق) تعلّم الأدب العام والمقارن.‏

-الأدب العام والمقارن والتعليم الثانوي:‏

هناك مفارقة يجب التأمل فيها: إن إشكالية الأدب العام والمقارن أساسية ومكملة في الوقت نفسه، وهذا المقرر اختياري في التعليم العالي، ومنسي في التعليم الثانوي.‏

تُطرح مسألة وضعه إذن ضمن الوسط الجامعي والمدرسي، وهذه المسألة هي التي تغرق الجماعة المقارنية ضمن أزمة هوية وتدفعها إلى التفكير بخصوصية تعليمها وبحثها، وتعليم المقرر ووظائفه، ومهماته.‏

-تعليمات رسمية.‏

إننا نكتشف بفائدة في كتاب فإن تييغم 1931) أنه منذ عام 1905 تشتمل برامج المدارس العامة الابتدائية مفهومات من الآداب الأجنبية)، وأنه منذ عام 1928، يتلقى طلاب الثانويات، من الفتيان والفتيات، خلال فصل دراسي، أولاً مفهومات من الآداب الأجنبية التي تدرس ضمن علاقاتها مع الأدب الفرنسي باستثناء الطلاب الذين يدرسون اللغة اليونانية). ونقرأ بالاهتمام نفسه في -التعليمات الخاصة بتعليم الفرنسية. أنه في الصف الثاني يتحدد الوصول الحاسم إلى الأدب).‏

يتابع -المدرس -الجهد الذي شُرِع به في الثانوية من أجل تشجيع اللقاء والحوار بين الثقافات المختلفة، عن طريق اقتراح نصوص مكتوبة باللغة الفرنسية كتبها مؤلفون أجانب وذلك بصورة عرضية ويفسح المجال أمام أعمال أجنبية قديمة أو معاصرة: يسمح التجوال في الآداب الأخرى بالتحديد الأفضل لأدبنا، ويفتح لكل شخص إمكانية إغناء ثقافته" وكذلك أيضاً: "إن دراسة الأعمال الفنية المرتبطة بدراسة الأعمال الأدبية مفيدة إذا أردنا فهم روح عصر مثل عصر النهضة) أو تحديد معايير جمالية معينة مثل الباروكية)" وأيضاً: "يأخذ أستاذ الآداب في الحسبان وجود الصور في ثقافة اليوم وأهميتها وذلك بالتعاون مع أستاذ الدروس الفنية. إنه يوسع المعارف المكتسبة في الثانوية في هذا المجال ويعمقها. وأخيراً: "يوضح التحليل النقدي للاقتباسات السينمائية أو التلفزيونية لرواية ما خصوصية كل لغة ويجعل الطلاب أكثر قدرة على قياس قدرات طرق التعبير المختلفة هذه وآثارها."‏

بالنسبة للبرامج: "سنستعيد المؤلفين الأجانب باللغة الفرنسية، والمؤلفين القدماء أو الأجانب المترجمين، والأعمال والنصوص غير الأدبية تحديداً. وبالنسبة لكل هذه الدراسات، وكلما أمكن ذلك، سنربط بين النص والصورة، وبين النص والموسيقا." ستُدرس أولاً العلاقات بين الأدب والفنون، والحضارة بالنسبة لعصر معين، أو بالنسبة لحركة فنية) يتعلق الأمر بدراسة النصوص ومقابلتها). ستُظهر المقاربات بين النصوص التشابهات والاختلافات، والاستمراريات والانقطاعات مع الاحتفاظ بخصوصية كل نص ضمن تاريخ الأشكال والأفكار" وفي "النهاية تُقدّر دراسة عمل عظيم مترجم من الأدب العالمي القديم أو الأجنبي)"، "عمل يوضح العلاقات بين الأدب والفنون الأخرى الرسم، الموسيقى، السينما- إلخ") أما بالنسبة للأستاذ فإنه "يظهر فائدة التقاربات والمقارنات التي، من خلال الربط المنهجي بين النصوص، والمجالات، والعوالم الثقافية المختلفة، توضح أصالة الأعمال وخصوصية الفروع المعرفية: التقاربات بين الأدب والفن... العلاقات بين الأدب والفكر الفلسفي... المقارنات بين آداب العصور واللغات المختلفة".‏

في كل حالة، تعطى بعض الأمثلة: بودلير، دولاكروا، س، غيز، فاغنر، "الأدب، والرسم، والنحت، والسينما السرياليين"، "لوكليرك والأبيقورية"*، "بروست وفلسفات عصره"، "القصة في القرن العشرين". يُفهم هنا سبب حرصنا على ذكر هذه النصوص كثيراً لأنها تلخص البرنامج الذي دُرِس هنا في ثمانية فصول، وتعيد استخدام الكلمات الرئيسية في المقارنية: الحوار، الدورة، العلاقة، التقارب، الاقتباس... الخ. نظرياً، يبدو خطأ القول إن الأدب العام والمقارن غائب من التعليم الثانوي: إنه يبدو حاضراً في كل مكان بدءاً من الصف الثاني. ولكن المسألة في هذه النصوص ليست إلا مسألة الأستاذ، والمدرس، والبرنامج، وليست أبداً مسألة الطلاب، أو النظام التعليمي، أو مجالس الصف، أو آباء الطلاب.‏

-ممارسات يجب ابتكارها:‏

المشكلة ليست هي مشكلة غياب الأدب العام والمقارن من المرحلة الثانوية وهو يمتلك وسيمتلك كل الأسباب لأن يكون في هذه المرحلة)، بمقدار ما هي مشكلة الربط الأكثر فعالية وتواصلاً بين مدرسي الفرنسية الذين يتحملون مسؤوليات ثقيلة في تقديم الآداب الحديثة ضمن عالم يسمى حديثاً)، وبين التعليم العالي الذي يجب عليه أن ينظم لحظات التأمل والبحث وأماكنها من أجل أولئك الذين سيشكلون الجمهور الجامعي مستقبلاً. على كل حال، من المفيد تحديد نقطة: مثلما أن من واجب المقارن الجامعي الأدبي) أن يفكر بروابط وثيقة مع الطالب الثانوي، عليه أيضاً أن يتبرأ من مسؤوليته أمام تطور الأقسام الأدبية في التعليم الثانوي، والممارسات التي تجعل من الرياضيات أساس الاختيار، والتي تضع لذلك الثقافة الأدبية في مستوى أدنى من وجهة نظر مؤسساتية، وفي عقليات أهالي الطلاب، والطلاب، والمدرسين في الوقت نفسه. تسعى الآداب الحديثة في الجامعة شيئاً فشيئاً لأن لا تكون اختصاصاً مختاراً بحرية أو عن طيبة خاطر، ولكن لأن تكون مقبولة، عقب ما يقدم غالباً أو يحس كأنه نتائج فشل مع ذلك، يبدو أن عصرنا ومجتمعنا سيحتاجان الآداب الحديثة على ثلاثة مستويات:‏

1-على مستوى التعليم المكثّف، والمُعَزّز في الوضع الحالي للأشياء، بالنسبة لأولئك الذين يعدون أنفسهم للدراسات الأدبية طوعاً، وبالنسبة لمهن التعليم.‏

2-على مستوى تعليم الثقافة العامة، عن طريق تقديم المواد، والمعارف الدقيقة، ووسائل إيصالها إلى أولئك الذين يحتاجون لانفتاحات على العالم الحديث والثقافات الأجنبية من أجل مهنهم المستقبلية.‏

3-على مستوى الإسهام وليس التكملة) النوعي، والضروري الواجب تحديده ثانية باستخدام علميين) وقانونيين) من أجل فتح لغتهم وفكرهم الاختصاصيين على بعض الحقائق الأدبية والثقافية.‏

حالياً، ومن أجل العودة إلى مدرس الفرنسية في صفة، من المهم التفكير، بالنسبة له، بجلسات نظامية، مبرمجة حسب الأصول، وتغيير التوجيه للمدارس، وجلسات إعلام متبادل حول الوضع الحالي للبحث من التعليم العالي نحو التعليم الثانوي وبالعكس) وحول صعوبات العمل التعليمي في المرحلة الثانوية، جلسات يتواجد فيها مدرسو المرحلة الثانوية، والعليا والموجهون) والطلاب في بعض الحالات) من أجل حوار مؤسساتي وتقديم مقترحات محددة، مع برنامج عمل، واستحقاقات، وتقويم العمل، إذا كان على مدرس اللغة الفرنسية أن يبجل التعليمات والبرامج التي ذكرت، فإنه يجب إعطاؤه الوسائل لأن يكون أو أن يصبح موحّداً بين اللغات الحيّة، والتعليم الفني، والتاريخ.‏

من أجل إعداد البرامج المقترحة، وتنفيذ هذه المشاريع بنجاح يجب تنظيم أشهر موضوعاتية، ونصب جسور عقلية وفكرية) بين صالات الدروس، وإعادة توزيع استخدام الوقت، واستعدادات مادية وعقلية بالنسبة للمدرس، وابتكار طرق عمل الدراسات العليا من أجل دعمه، وتأمين الوسائل المادية، والإنسانية لإعداد شبيبة الغد.‏

يجب على المقارن وحده) أن يمتلك فرق عمل، كمحاورين، تقوم ببحث مشترك حول النصوص، ومقاطع من النصوص ومسائل للإيضاح، ومسارات وتطورات من أجل امتلاك عناصر ثقافة عامة ونقدية. يمكن أن نُدهش من رؤية أنه في الحاضر الأوربي، قلما يُختار الأدب العام والمقارن، والآداب الحديثة، الذين لا يمتلكون كثيراً وسائل نوعية من أجل المهمات التي يجب أن يضطلعوا بها. أخيراً، نُسيت الآداب الحديثة أو أسيء استخدامها في إعداد الأساتذة وخاصة في التدريب المستمر.‏

-الأدب العام والمقارن والتعليم العالي.‏

يوجد مشاكل نوعية في تعليم الأدب العام والمقارن، على مستوى التعليم العالي. بالإضافة إلى وجود ملاك ضعيف إلى حد ما، يواجه المقارنون صعوبات في علاقاتهم مع الأدب الفرنسي، واللغات القديمة، واللغات الحية.‏

-ضعف القدرة الملاكية:‏

إذا أخذنا الإحصاءات الأخيرة 1993)، نجد أنه من بين 4468 مدرساً في الفريق الثالث من المجلس الوطني للجامعات، الذي يضم علوم اللغة والآداب القديمة، واللغة والآداب الفرنسيين، والآداب المقارنة)، واللغات الأنكلو- سكسونية، والجرمانية، والرومانية، ولغات أخرى)، هناك /161/ مدرساً في عداد الفرع العاشر الآداب المقارنة)، منهم خمسة وثمانون أستاذاً، ومئة وثلاثة محاضرين. إذا اجرينا مقارنة نجد /1228/ مدرساً للآداب الأنكلو- سكسونية 852/376/)، و/845/ للغة والأدب الفرنسيين 499/346)، و/367/ للغات القديمة 218/149). يمثل المقارنون إذن 3.60% من مجموع الفريق الثالث. يضاف إلى ذلك أنهم غائبون من مراكز البحث مثل مركز البحوث العلمية، ومعهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية يجب الحديث عن مقارن مدعو إلى دراسته العلاقات الدولية للأدب العالمي.‏

-الأدب العام والمقارن والأدب الفرنسي:‏

تبدو ضرورة التجذر) الثقافي مصطلح لإيف شيفريل) بالنسبة للمقارن ليست فقط مستحبة ولكنها أيضاً لا يستغنى عنها. يقود التجذر الحقل المعرفي بالضرورة إلى مفصلة برامجه مع برامج الأدب الفرنسي، وإلى دمج أعمال من الأدب الفرنسي ونصوص باللغة الفرنسية، بصورة مادية وعملية، والأخذ في الحسبان المسائل الثقافية، التي يسمح فيها المرجع الفرنسي المعروف) بالانتقال من المثال المعروف إلى غير المعروف، أو أقل شهرة، ليس من أجل فرضه، ولكن من أجل صنع نقطة استناد منه، ونقطة انطلاق، ونادراً نقطة وصول. ولكن كلما ازداد عدد المراجع الفرنسية، كلما صغر البعد المقارني. بالنسبة للمقارنين، إن تعليم الأدب العام والمقارن وتعليم الفرنسية متكاملان)، وليس من المعقول أن يتجاهلا بعضهما بعضاً. الأسوأ من ذلك، أن أحدهما يعد الآخر منافساً له. بالنسبة للمتفرنسين، يظهر التطبيق آراء مختلفة، ويعد الحوار والعلاقة أيضاً بيانات قوة والمقارن يعرف ذلك) نتابع مع إيف شيفريل ضمن مقالة في الأخبار الأدبية، 1976، لم تفقد شيئاً من راهنيتها) "ليس لنا أن نبرز دراسة مسرحية فيدر لراسين"، "يجب علينا أن نبرر البرنامج الذي وضعها إلى جانب الملك لير وPENTHéSILée من أجل تحديد إشكالية التراجيدي في الأدب الدرامي الأوربي". هناك تبعات ومخاطر لا بد للمتفرنسين وكل اختصاصي من الإشارة إليها: أصحاب التعليم السطحي، والمتكلف والمقلق إذا طور مذهب الشك في مواجهة كل مفهوم قيمة). وهناك فوائد منها المنظور التاريخي، تطور الروح النقدية، تعليم الفطنة، تحويل الطالب إلى قارئ يواجه عملاً أجنبياً بمعارفه. نتيجة لذلك: "لا يستطيع المقارن تبني وجهة نظر SIRIUS"، إنه متجذر في ثقافته التي يجب أن يأخذها في عين الاعتبار. الأدب والثقافة الفرنسيان إذن ضروريان، ولكنهما غير كافيين، يجب إضافة دراسة الثقافات الأجنبية إليهما. هناك مجالات بحوث متجاورة بين المتفرنسين والمقارنين دراسة البعد الأجنبي لعمل فرنسي: ستاندال وإيطاليا، الشرق وموريس باريس...)، وهناك أيضاً إشكاليات مشتركة تقريباً، للبعد الأجنبي في جمالية التلقي، -قراءات×مؤلف فرنسي، أوجه×..)، وأراضٍ مشتركة غنية: مثل الفرانكوفونية... ينضوي هذا المجموع الذي لم يشر أبداً إلى تنوعه تحت قطاع الدراسات المقارنة يمكن بحق الحديث عن فرانكوفونية متعددة الأشكال. من الممكن إجراء البرنامج المقارني كله ضمن الفضاء الفرانكوفوني: يتعلق الأمر بنصوص أدبية مكتوبة باللغة الفرنسية غالباً، مختلطة بلغات محلية بصورة واسعة حالة أمادو كوروما مثلاً مع عمله الكلاسيكي- شموس الاستقلال)، وتتغذى على أسس تاريخية، واجتماعية، وثقافية، تجعل من هذه النصوص مظاهر انزياحات لغوية وثقافية بالنسبة للفرنسي الأصلي. تعد بعض التساؤلات المقارنية هامة خاصة بالنسبة لفهم هذه الآداب: مثل صورة الآخر الأوربي أو الفرنسي القريب أو الألماني)، وانتقال النماذج الأدبية، وظواهر المثاقفة، وتبني موضوعاتيات جديدة، وتطور بعض الأجناس المجهولة ضمن المنظومة الأدبية المستقبلة، وأهمية الموروث الشفهي. هناك إذن مجالات بحث هامة يجب استكشافها، وفرص عديدة من أجل تشذيب الإشكالية المقارنية. إن أعمال البحث مثل أطروحات الدبلوم، ورسائل الدكتوراه) كثيرة. ولكن يجب الإشارة إلى أنه إلى اليوم لم يظهر أي مؤلف فرانكوفوني ضمن برنامج اللغة الفرنسية الثانية الأدب العام والمقارن) في شهادة الأستاذية للآداب الحديثة. قضت تعليمات آذار 1994 الخاصة بتعليم الآداب في الصفوف النهائية L وES) بإدخال نصوص فرانكوفونية إيمي سيزير)، ومنظورات مفيدة في الأدب العام.‏

-الأدب العام والمقارن والآداب الحديثة:‏

كان يجب لفترة طويلة فك) العلاقات بين الآداب الكلاسيكية والآداب الحديثة: أبدت الآداب الكلاسيكية معارضتها الشديدة لشهادة الأستاذية في الآداب الحديثة التي أحدثت عام 1959. هناك حالياً عدد من مدرسي اللغات القديمة يمارس مع دراسة الأساطير أو مع اللاتينية الجديدة نوعاً من الأدب العام والمقارن. لم يفكر المقارنون أبداً بالانقطاع عن الجذور القديمة، وإن أصبح الوصول إلى اللغة اللاتينية، أو اليونانية نادراً شيئاً فشيئاً لسوء الحظ، وتبقى الحقبة القديمة المتأخرة أو الباقية صعبة في الدراسة.‏

يجب الاغتباط من التعاون الذي يتوطد ضمن بعض الجامعات. ومن تشكيل فرق بين أقليتين، مع ذلك ما زالتا غير متساويتين.‏

-الأدب العام والمقارن واللغات الحية.‏

يتعلق الأمر بمشاكل معقدة تُطرح على مستويات عدة.‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 07:05 PM
-أخصائيون)وعامون):‏

سنتجاوز سريعاً هذه النقطة التي ليست إلا نوعاً من التنازع بين المقارنين والمتفرنسين. ليس هناك فائدة لهذا المعطى الثابت للحياة الفكرية الجامعية إلا فائدة طرح مشكلة مستويات معرفة لغة أجنبية. من المشروع التمييز بين القراءة الممكنة بلغة أجنبية وبين تعلم اللغة نفسها، مع جلسات في كبين) من أجل تصحيح حرف صوتي مفتوح بصورة ضعيفة جداً، أو من أجل تناوب حرف صامت مفخم بصورة غير كافية. من الممكن الحديث عن معرفة منفعلة) للغة حية هذا التعبير لبيشوار روسو وإيف شيفريل). وهذا الأخير يواجه الممارسة الشائعة للغتين أو ثلاث لغات) والوصول) أو المعرفة المنفعلة) لنصف دزينة من اللغات الآخرى: وهذا ليس يوتوبياً) ويشكل استثماراً معقولاً). وسنعيد أخذ إحدى أفكاره المطروقة من زاوية المعنى الجيد: "إن قراءة توماس مان مُترْجَماً أفضل من عدم قراءته في اللغة الألمانية"‏

-فن تعليم خاص يجب ابتكاره.‏

يبدو طبيعياً مواجهة تعلم مبادئ اللغات الأجنبية، وربط ممارسة اللغة مع ممارسة قراءة أدبها، وهذا يوازي في أهميته امتلاك برامج حضارة، المكرسة بصورة واسعة للحياة اليومية الراهنة مثل الأحزاب السياسية، والانتخابات، والنقل، والاقتصاد، والجغرافية المدنية والبشرية... إلخ). إن معرفة المقارن أكبر عدد ممكن من اللغات تعد مبدأ أو بصورة أصح، وضعاً مثالياً. ولكن ماذا تعني معرفة لغة؟ يجب إذن مواجهة التعلم التدريجي للغات الحية، ومستويات المعارف، وهذا ليس اختصاص المقارن، وليس هذا هو الواقع اليوم لأننا نلاحظ أنه قلما يوجد غالباً اختلافات في البكلوريا) بين معارف الإنكليزية LV1) أي سبع سنوات، ومعارف LV2) أي خمس سنوات. أما بالنسبة للمقارن، فيجب عليه تطوير فن تعليمي خاص استناداً إلى نصوص أدبية متزحمة، والتفكير في مختلف الإمكانيات لاستخدام ترجمة حالة القراءة الأكثر شيوعاً)، وضمن إطار الدروس، استخدام كفاءات الطلاب الأجانب كمحرضين: يجب أن يكونوا أكثر عدداً ضمن التبادلات الأوربية. ويجب أيضاً تطوير استخدام الطبعات مزدوجة اللغة، وإعادة أخذ فكرة زميلنا ريني غيز في سلسلة من ترجمات العصر المعاصر للنص الأصلي والمشروحة حسب الأصول).‏

-المجالات اللغوية ومستويات المعارف:‏

أي لغات يعرفها جمهور الطلاب الذي يتوجه إليه المقارن؟ هنا تُطرح مسألة اللغات النادرة) من المؤكد أننا نستطيع أن نرثي، مع إيتامبل، حالة جهل بعض اللغات، ولكن هذا الجهل ليس بالضرورة، مرادفاً لفرانكوفونية مركزية، أو مركزية أوربية. وهناك أيضاً حدود للروح المتعاطفة مع الانفتاح:‏

عمل إيتامبل كيف نقرأ رواية يابانية؟) يجب أن يُفكر بـ إيبيل- فانلاكت، 1980) من قبل أولئك الذين يريدون الإقتراب من الترجمة دون احتياط. إذا أخذنا مثال الجامعات النادرة التي تطرح فيها مسائل الشعرية المقارنة بين الشرق والغرب(8) ، فإن التعليم المقارني لا ينفصل عن امتلاك العناصر اللغوية والثقافية. بالنسبة للمجالات اللغوية والثقافية الأخرى، يجب على المقارن أن يقبل، طوعاً أو كرهاً، حالة معرفة الفئات) الكبيرة من الشباب: الانكليزية -الإسبانية، والإنكليزية -الألمانية للعكس نتائج أقل أهمية).‏

وما هو أكثر خطورة، وشذوذاً هو الجهل المنتشر بين طلاب اللغات الحية للأدب العام والمقارن في الوقت الذي يستطيع فيه هذا الأدب أن يساعدهم في معرفة الأجنبي، ودراسة الاختلافات، والمظاهر، وتقويم الترجمة، وظواهر التلقي. ولكن وكما أشار سابقاً عام 1976 إيف شيفريل: "إن معارف الشباب الفرنسيين الضعيفة للغات يقود UER للغات الحية إلى التركيز على تعلم اللغة والأدب المختار، ونتيجة لذلك، إلى عدم توجيه طلابهم طوعاً نحو الدراسات التي تعد موازية".‏

ويسجل أندريه -ميشيل روسو سابقاً ضمن حكم نهائي(9) أن: عدم كفاية المعرفة اللغوية تعد إحدى نقاط الضعف الكبيرة في تعليمنا العالي.)‏

يجب ألا تنسينا مشكلة اللغات الحية والخطيرة مشكلة الثقافة العامة الضرورية للمقارن، والطالب أو... المدرس.‏

- الأدب العام والمقارن والثقافة العامة.‏

ماذا يجب أن يُفهم من ثقافة عامة مطلوبة من طالب في الآداب الحديثة؟ وما يحمله معه من التعليم الثانوي، وما يجب أن يكسبه خلال ثلاث سنوات في الأدب العام والمقارن مستوى الليسنس*).‏

لنتجاوز المعرفة الأدبية في المرحلة الثانوية لكي نقول بعض الكلمات عن تعليم عابر: هو تعليم الفلسفة في الصف النهائي والذي لا يعود إليه طالب الآداب الحديثة) أبداً بصورة عامة. يوجد هنا موقف متناقض وضار بصورة خطيرة بالنسبة للطلاب العامين). يمكن أن نتصور أن الأدب العام والمقارن يُستخدم للمحافظة على نوع من التفكير الفلسفي: تاريخ الأفكار، العلاقات بين الفلسفة واللغة، وبين الفلسفة والشعر، وعلم الجمال العام، وغير ذلك من التوجهات التي تشكل جزءاً من الثقافة العامة التي نحددها.‏

على ماذا تركز إذن خبرة ثلاث سنوات؟‏

1-امتلاك تاريخ أدبي عام، يكون متنوعاً بأكبر قدر ممكن، يشمل أوربا وفضاءات غير أوربية.‏

2-امتلاك أداة مفهومية، وتصورية نابعة من الإطلاع على أعمال نظرية عظيمة، ومقالات منشورة في مجلات أدبية ومقارنية)، والقراءة السريعة بمساعدة الأستاذ) لبعض أعمال البحث الأساسية بالنسبة لهذا الحقل المعرفي رسائل دكتوراه، أعمال توليفية، ودراسات).‏

3-تمثُّل الحد الأقصى من المعارف الخاصة بتاريخ الأفكار والأشكال مثل الفلسفة والفنون).‏

إن امتلاك الأدوات يتماشى مع امتلاك فكر نقدي. ولن يكون هذا الفكر معفى بطريقة مسبقة ونظرية، ولكن في الوقت نفسه الذي تتوسع فيه وتتنوع معارف محددة، ومتباينة، وتنفتح على تطورية واسعة وليس على عالم حديث، راهن، ومعاصر. إننا نفهم الحاضر بصورة كاملة عن طريق معرفة الماضي، ونعطيه مداه الحقيقي. كتب ميشيل دوسيرتو(10) : "يعطي مجتمع معين لنفسه حاضراً بفضل الكتابة التاريخية." يجب أخيراً أن يجد الطالب إيقاعاً ومضموناً لقراءاته ويستطيع أن يحدد حدود قراءته.‏

يجب أن يسمح التعليم المقارني للطالب على مدى ثلاث سنوات، لكي يبقى محافظاً على معارفه في هذا المجال، بالتآلف، والتحرك عبر الأساطير القديمة الكبيرة إنه سيكتشفها بعد الزيارة الأولى للمتحف حتى وإن لم يجدها في آخر Goncourt، والمتتاليات التوراتية الكبيرة التي تسمح له بالتقاط أكثر من إشارة وإذن مادة التناصية وليس فقط الآلية)، والأجناس الكبيرة) وتعبيراتها الأساسية الملحمة، الشعر، المسرح، الرواية)، والاستمراريات والانقطاعات الهامة، ولحظات الانشقاق الثقافي، وظهور أجناس جديدة، وموضوعات وآداب جديدة، وإشارات وعنوانات، ومضمونات، وتحليلات، يجب ممارستها وفق إيقاعات مختلفة، كما بالنسبة للقراءات بعضها سريع، وبعضها الآخر دقيق) يجب القيام بانفتحات على الآداب غير الأوربية في أسرع وقت ممكن: نقول مثل ذلك عن العلاقات بين الأدب والفنون. مثلما أنه يجب إبعاد الإنسان عن المنهج الواحد، والكتاب الواحد، يجب أيضاً إبعاده عن القرن الواحد، والعقد الواحد. يجب أن تمنح اللغات الأجنبية، والمفهومات النقدية، وعناصر الثقافة العامة، للطالب توسعاً في أفقه، وقدرة على التأمل، وتطبيق معارفه.‏

-التدريب على البحث.‏

على الطالب أن يتعوّد خلال السنوات الثلاث التي يقضيها قبل الليسنس) أيضاً على البحث الأدبي كلياً أو جزئياً) إذا كان هناك ميل لتعويد الطالب على البحث دون انتظار سنة الميتريز) السنة الرابعة)، وذلك بتقليد بلدان أخرى مثل ألمانيا، فإنه يبدو منطقياً عدم إلزام مجموع الطلاب بهذا التدريب: لحسن الحظ لا يرغبون كلهم بأن يكونوا مدرسين -باحثين. سيؤدي مثل هذا التطور، على المدى المنظور، إلى مواجهة دروس أكثر انفتاحاً)، وأكثر قرباً من صيغة السيمينير)وهذا لا يمر دون نتائج متعددة بالنسبة لاستخدام زمن المدرسين، وساعات أكثر ملاءمة بالنسبة لعمل جماعي ضمن مجموعات صغيرة في المكتبات:‏

يستطيع التوتورا- Tutorat) الذي يُطبق بخجل، والطلاب -الباحثون الذين يجب تحديد وضعهم والتزاماتهم) أن يقوموا بدور مفيد كمتدربين ووسطاء.‏

يتطلب التدريب على البحث التحليل شبه التسلسلي للرسائل ميتريز) من أجل الإطلاع على الإيجابيات والسلبيات في المنهج المتبع، وفي اختيار خطة معينة. إن القراءة الإجبارية والمُفسّرة للرسائل خلال سنة الليسنس) تساعد الطالب على التعود على العمل الذي ينتظره، وتحديد خيارات الموضوعات.‏

-الأعمال والتمارين المقارنية:‏

يبدو للوهلة الأولى، أن هذا الاختصاص قلما يمتلك تمارين خاصة. إذا أخذنا كتاب ف. كلودون وك. هاداد وتلينغ الصغير الوجيز في الأدب المقارن) والمُخصص في جزء كبير منه لمناهج المقاربة المقارنية)، فإننا سنجد، بعد جوابين عن سؤال كيف نقارن؟)، تمرينين مع- أشكال مختلفة- بالنسبة للثاني): مثل البحث والشرح المقارني المركب). يذكّر هذا المخرج بتمرينين يعطيان في دبلوم الأستاذية في الآداب الحديثة، بالنسبة لكل ما هو أدب عام ومقارن. في كل سنة، هناك مسألتان تؤلفان منهاج الأدب العام والمقارن في المسابقة. وكمثال على ذلك، أعطي عام 1994: "وجوه الرواية الطبيعية: زولا، الخّمارة المريبة، وجيوفاني فيرغا، les Malanoglia وتوماس مان، les Buddenbrook"، و"موضوع دون جوان: تيرسو دومولينا، محتال سيفيل؛ موليير، دون جوان؛ بوشكين، ضيف الصخرة؛ لينو، دون جوان"‏

هناك دراسات بحجم الكتاب الحاضر بالنسبة لتقديم تمرينين مع نصائح وأمثلة(11) سنعطي هنا، إذن، بعض الإشارات السريعة والأفكار العامة.‏

-البحث المقارني.‏

إن وجود عدة نصوص ضمن المسألة الواحدة هو الذي يعطي خصوصية للتمرين ويظهر صعوبته. ولكن التمرين يفرض بتوسع المتطلبات نفسها التي يفرضها البحث في مقرر الفرنسي1).‏

-تحليل الموضوع. لا يهدف التحليل إلى إعادة كتابة الموضوع في المقدمة. يجب أن يشكل التحليل) موضوع شرح طويل وحقيقي للنص الأولي من أجل استخلاص مادة المقدمة ومخطط البحث. ويجب أن يؤدي إلى مجموعة من الأفكار والبراهين التي ستظهر إلى أي حد، وضمن أي نطاق تستطيع فكرة معينة مُستخرجة من الموضوع المقترح، أن تضيء نصاً معيناً، وتخدمه أو بالعكس لا تناسبه. ستكون المقدمة، التي هي دائماً قصيرة، نتيجة لتفسير النص الذي ينبثق عنها، وإعلاناً للمخطط.‏

-المخطط. ينبثق عن مزيج ناتج عن دفاع ونقد، وليس جدالاً: إنه تعبير عن حل وسط بين المقترحات المستخلصة من القراءة وبين تحليل الموضوع. وعليه فإن هذه المقترحات لن تكون أبداً صالحة بصورة كاملة بالنسبة لكل نصوص البرنامج. في الواقع، يمتلك البحث المقارني مخططين: الأول هو المخطط العام الذي تدخله بعض الجمل القصيرة في نهاية المقدمة منهج مألوف) والثاني مخطط داخلي لكل قسم حيث لا يمكن سَلْسَلة النصوص ضمن نظام البرنامج نفسه.‏

-الإيقاع. مما لا شك فيه أنه يجب تجنب الانتقادات وبناء كل قسم، مثلما هو موجود في كل بحث. ولكن ما هو صعب وخاص ضمن بحث المقارنة)، هذه النصوص الثلاثة أو الأربعة التي يجب دائماً أن توجد على نسق واحد. من الواضح، إذن، أنه لا يجب تقريب الأقسام قسم لكل عمل)، وهذه تقنية باطلة وزائدة "تنظيم الدور" كل نص يطرد النص الآخر). هناك عناصر عديدة يجب اتباعها هذا المقطع، هذا النموذج من الشخصية، هذا الإجراء الأسلوبي) وذلك من أجل الملاحظة في كل نص مدى استمراريته، والتعديلات فيه، وغيابه. إن قسم) البحث يصدر، في مادته، وإيقاعه، عن العنوانات المختلفة التي احتفظ بها الدرس والقراءات: مثل بنيات النص، والفضاء، والزمن، والشخصيات؛ وطرق الكتابة، والنغمة، والأيديولوجيا... هل يجب أيضاً معرفة كيفية إعادة ملاءمتها للموضوع، وإعادة توزيعها ضمن كل قسم. إن المقالة هي فكر في حالة حركة، وإيقاع يجب العثور عليه ليس عن طريق المقبوسات الكثيرة، ولكن عن طريق جملة يمكن أن تكون ملخصاً). فكر يتقدم عبر تنقيب النصوص بحركة مزدوجة: الفكر يتقدم، يستولي على كلمة، وجملة في الموضوع المقترح، ويواجههما في كل نص ضمن مقطع، أو النص في كليته). علينا، في كل لحظة، إظهار إلى أين يقود الموضوع، إذا تابعنا منطقه، وعلى ماذا يجبر، وما يسمح به، وما يجبرنا على إبعاده بالنسبة لكل نص مدروس.‏

-منطق التفكير:‏

إن الموضوع الذي يجب شرحه رأي×) هو تقطيع، وإضاءة لمسألة، ومنطق معين: إن فهمه من البداية، وإعداده، وتفسير مبدأ مخططه، ومناقشته، وإظهار النقاط الرئيسية فيه، بداية القسم، ضمن هذه الانتقالات الشهيرة) والحدود، والرهانات، والأطر، وفصل مبادئه المسلمات)، وتطوير تناقضاته، واقتراح امتدادات له، وعدم توضيحه أبداً، وقبوله مع أخذ البعد المناسب دائماً، هذه هي الوسائل لصنع ثلاثة أقسام، وبعض التقنيات بالنسبة لتمرين يجب التمني له بحياة طويلة، من أجل أن يستمر الفكر الذي يبرهن، ويخاصم ومن أجل أن يستطيع الإفادة بالنسبة لتمارين أخرى تشابه البحث الذي يدار بهذه الطريقة: مثل كتابة بيان حقيقي مع مخطط ديناميكي غير مبعثر إلى فقرات عدة)، وبيان درس، وأخذ الكلام في زمن محدد، وتحضير تقدير أو كتابة منشور، أو كراس...‏

-التفسير المركب:‏

عرف التمرين تطوراً غريباً. لقد ولد مع إصلاح فوشيه) ودُون عرضه في الجريدة الرسمية 23 حزيران 1966، ص5167) ينص النص، في نماذج الإمتحانات الكتابية الخاصة بقسم الآداب الحديثة الحلقة الأولى)، على "تفسير مركب من نص أو من مجموعة نصوص للبرنامج" لقد أمكن تسميته لزمن معين تفسيراً مقارناً) أو شرحاً مقارناً) بالإضافة إلى أنه دُرس وعُولج تحت هذه التسمية، ضمن مقالة رائعة لإيف شيفريل وهي نظرية وتطبيقية في الوقت نفسه(12) .‏

وكمثال مختار: "السعادة في جولي أوهيلواز الجديدة 7 ،iii)، وآلام فيرتر الشاب رسالة 22أيار)، وأوبيرمان الرسالة 46، السنة السادسة) قُدِم الشرح اختبار كتابي) كبحث. هذا التمرين لم يعد موجوداً. ولكنه يلازم بعض الدروس، والنفوس. لقد استبدل سريعاً بالتفسير المركب) الذي يركز غالباً على مقطع من نص واحد من البرنامج مثل حالة شهادة الأستاذية في الآداب الحديثة وقبل الليسنس). إنه يتميز بتفسير النص: يركز هذا التفسير على مقطع قصير، ويقدم قواعد وقوانين في المقدمة، بسبب خصوصية المقطع، ولكنه يبقى مطابقاً للأصل إلى حد ما، من أجل احترام حركة النص، مع استخلاص رهاناته،أثناء ذلك. التفسير المركب يركز على نص أطول كثيراً، ويتطلب إذن مخططاً يقترب ليس فقط بسبب الخصوصية) من مقالة أو بيان حول المقطع المقصود أكثر من اقترابه من تفسير نص). ومع ذلك أن ينطلق من النص ويعود إليه وعدم الإبتعاد عنه أبداً. يقال إنه لا يستطيع الإدعاء بالشمول: لهذا من الأفضل الإشارة إلى ذلك في المقدمة والخاتمة. من هنا، يجب على المخطط النهائي أن يأخذ في الحسبان المقطع في كليته.‏

-بحوث في التربية:‏

إلى جانب هذين التمرينين المفهرسين، هناك أشكال أخرى من الدراسات التي تعبر، منذ السبعينيات، عن اهتمام تربوي ثابت. شكلت هذه المقترحات موضوعاً لتبادل وجهات النظر. والحوارات في اللقاءات على هامش الندوات والمؤتمرات، ولكن يجب الإعتراف أن ذلك تم في الكواليس) أكثر مما تم في أيام الدراسات، والطاولات المستديرة... الخ. ولكن روح الإبتكار موجودة. إنها تركز على إعداد الملفات وتجهيزها، وهذا يتطلب عملاً من خلال مجموعات صغيرة عملاً تفاضلياً هنا أيضاً)، ويبدو أنه من الصعب، شيئاً فشيئاً، القيام بهذا العمل ضمن دروس بفعاليات ثقيلة. سنذكر ملفات تتعلق بالموضوع:‏

1-ترجمات عدة لنص واحد مستدعية تحليلاً وتركيباً نقاط المقارنة)؛‏

2-حدث التلقي النقدي، مع وثائق مجموعة من قبل المدرس، من أجل شرحها تحليل التقويم النقدي، وسبله، وفرضياته)؛‏

3-بعض النصوص التي تمثل حركة، وتياراً ضمن كتب مختلفة في بلد واحد، أو في بلدان مختلفة تحليل الخطابات النقدية حول الرواية الواقعية في الفهارس الأوربية المختلفة)؛‏

4-إخراج أو إخراجات عدة للإستفادة منها وفق عدة محاور كل محور يدرسه طالب أو مجموعة من الطلاب).‏

يتطلب مبدأ الملف عملاً تمهيدياً ضخماً، وتوثيقاً مهماً، ووسائل نسخ جيدة: يمكن أن يتوقف تعدد الملفات في الوقت الحاضر مثل الملفات التي مرت سابقاً، على النسخ). وهذا ما يطرح بشكل جدي مشكلة تكلفة درس واحد.‏

لقد تخيلنا تمارين أخرى ذات طبيعة جماعية:‏

1-إعادة كتابة الترجمات، والمعارضات(13) وهذا يقرّب بحياء التدريس من الإبداع، أو بصورة أدق، يطور -خاصية الإبداع-)‏

2-تحضير طالبين لدراستين متزامنتين حول موضوع واحد، كل طالب يُكلّف بنص: من مقابلة هذين الموضوعين عبر شخص ثالث يولد فكر مقارني، ثمرة عمل جماعي.‏

3-برنامج تطوري يفرض على كل طالب دراسة نص على شكل تقرير، ويرتبط هذا النص بإشكالية البرنامج. تُضاف النصوص إذن إلى النصوص الثلاثة أو الأربعة التي احتفظت المسألة بها، يمكن أن يُشكل التقرير الذي يعد بدءاً من الفصل الدراسي الثاني، موضوع عرض مختصر في درس، ويمكن أن يُوزع على الطلاب. أنه يغني معارفهم، ويحرض على قراءات جديدة.‏

4-أعمال حول صحف، ومجلات من أجل تحليل خطاب عن العالم الخارجي الحدث نفسه وأصداؤه المختلفة في الصحافة).‏

هناك تمرين آخر بمناسبة إصدار عمل حدث أدبي). بصورة عامة، تهدف التدريبات إلى تعلم التقويم النقدي وتحديد الشبكات المعينة مقدماً والتي تنتج النصوص أو الخطابات انطلاقاً منها يجب الإشارة أيضاً إلى اتجاه للتفكير في مشاكل ليست أدبية حصراً، ولكنها ثقافية بصورة عامة.‏

-جوانب الدروس:‏

من الصعب تصور درس حول برنامج يجمع ثلاثة نصوص أو أربعة لا يحترم اللحظات والحركات الأساسية اللاحقة والتي يمكنها أن تكون طويلة إلى حد ما، وحتى متراكبة):‏

1-تقديم الأستاذ لخطوط عامة للمسألة، ومصاعبها، عندما يقرأ الطلاب أو يعيدون قراءة؟) النص الأول الذي سيدرس، أو البرنامج بصورة عامة. يفرض الأستاذ طرق القراءة وفق بعض الأعمال الموجودة في الفهرس، ويستطيع الطالب أن يختبر معارفه.‏

2-قراءة نص مثلاً، ووصف عناصر وتحديدها تكون مرتبطة بعنوان البرنامج "بروز" عناصر، تحديد النقاط المشتركة مع نصوص أخرى قرئت سابقاً من البرنامج) يمكن تصور تقسيم الصف إلى مجموعات عديدة للقراءة: على المدرس أن يتأكد من قراءة الجميع لكل شيء أيضاً... يعي الطالب ما هو عنصر من التركيب، وما هو مبعد عن ذلك ويمكن غالباً تحديده مثل أصالات النص التي لا يمكن اختزالها. إن ما أُخذ أو أهمل يشكل مادة تقويمات جمالية.‏

3-متابعة قراءة النصوص، واكتشاف الموضوعات المشتركة للدراسة. ومقابلات متتالية للنصوص بعضها مع بعض، واختبار فرضيات العمل، لهذا القاسم المشترك) أو ذاك. يلفت المدرس الانتباه بصورة دائمة إلى ما هو ضروري، من وجهة نظر لغوية وثقافية وإلى فهم النص الأجنبي المدروس. وستُصنع شروحات حول الترجمة المستخدمة وستخصص أوقات من الدرس للمراجعات الدقيقة، بصورة مشتركة، حول النص الأصلي والنص المترجم.‏

4-إن منظور نهاية العام هو وحده الذي سيثير توقف القراءات المتصالبة والجانبية. ومع ذلك من الجيد أن يجرب الطالب الفرق بين منطق درس ومتطلبات القراءات المتعددة لعمل نقدي، ستُقابل الخواتم النهائية بصورة تعسفية، بما أمكن تقديمه في بداية الدرس: مثل النقد، والنقد الذاتي البناء، وتحديد مناطق الظلمة، وضرورة قراءات جديدة. يتوقف الدرس، ولكن الفكر التأملي يستطيع أن يستمر.‏

هذه مناسبة للعودة للمرة الأخيرة، إلى نماذج القراءة الممارسة في الأدب العام والمقارن التي قدمت سابقاً في الفصل الأول)، وتمييز القراءات ذات الهدف التربوي من القراءات التي تتعلق بالبحث مقالات، بيانات، رسائل).‏

-قراءات مقارنية:‏

قدمت سابقاً أربعة نماذج من القراءة:‏

1-قراءة نص واحد دراسة تناصية)‏

2-قراءة نصين اثنين: علاقة مزدوجة مع تشكيل tertium comparationis. يتحول الزوج إلى علاقة ثلاثية.‏

3-قراءة نصوص عديدة مجموعة تحت عنوان واحد: قراءات إفرادية وجانبية، وإعداد إشكالية، والانتقال بين النصوص وفوقها من أجل سطور تركيب توليف) تتحدر أو تُصحح، أثناء ذلك.‏

4-قراءة عدة نصوص توضع ضمن سلسلة وفوق بعضها:‏

إنشاء نموذج، وإعادة فحص كل نص وفق النموذج القائم. وإمكانية تحسين النموذج خلال الدراسة، ولكن ليس التشكيك به.‏

تعد القراءة الثالثة الأكثر استخداماً، وحضوراً خاصة في دروس الدوغ، والليسانس، وشهادة الأغريغاسيون) من الواضح أن القراءة الأولى تلازم غالباً المقالات، والبلاغات، والدراسات المحددة، والدقيقة. يمكن للقراءة الثانية أن تفيد التعليم، خاصة ضمن إطار حلقة دراسية تأخذ مثالاً محدداً عن علاقة مزدوجة، كشاهد فعال، من أجل تدريب الباحثين الشباب. إنها تعيد إلى عدد من تقارير الميتريز) حيث يجب حصر الموضوع. مع ذلك، يجب ألا تتحول إلى بحث زواجي لنصوص فاقدة لأزواج مع ماذا سأقارن مثل هذا النص؟) من الأفضل كثيراً عندئذٍ، اختيار قراءة جيدة الأولى)، أي اختيار نص، أو مؤلف ذي أبعاد مقارنية. أو من الأفضل أيضاً: اكتشاف زاوية قراءة مقارنية، وتناصية، وحوارية وفرضها.‏

تبقى القراءة الرابعة. لقد اكتشفت من خلال جان روسيه. مُورس التراكب) أيضاً من قبل شارل مورون "لنقارب مباشرة النصوص ونركب ثلاث سونيتات لما لارمية"(14)‏

ليس ممنوعاً أن نرى في الطريقة التي يقدم بها ليفي شتراوس البنية الطبقية) للأساطير، وفي الربط بين مختلف الروايات لأسطورة واحدة، وممارسة تتقاطع مع الممارسة التي نحصرها. ممارسة تقطع ثانية قراءة بارت لراسين معتبراً تقريباً كل التراجيديات نصاً واحداً وهذا ما فعله مورون)، ولكن، بسبب ذلك، يربط بين المسرحيات التي هي عمل وحيد لخيال واحد. ربما يجب العودة إلى فرويد من أجل العثور على نوع من الضمانة لهذا التراكب). برزت الإشارة في النص المخصص لغراديغا لجونسون إن الأسلوب الذي يستخدمه الروائي اليرقانة القشريات من أجل شفاء هذيان صديق طفولته، مشابه بصورة كبيرة ، وحتى أقول إنه يتطابق بصورة أكيدة مع النهج السطحي -‏

العلاجي - "(15) "‏

لنذكر أن الدكتور فرويد "أراد جيداً أن يرى ثانية بنفسه هذه الترجمة الفرنسية".‏

يبدو أن القراءة الرابعة ملازمة لعمل بحث: مثل تأليف سلسلة والقراءات المتعددة، والقدرة على التجريد، والمراجعات العديدة، والثقافة العامة والنقد الأكثر امتداداً.‏

مما لا شك فيه... أنه من المهم تعريف الطالب بمختلف النماذج من القراءات المقارنية في موازاة كل القراءات الأخرى التي تصدر عن خيارات منهجية أخرى والتي تستطيع أن تتداخل مع المقارنين: مثل القراءات التاريخية، والاجتماعية، والبنيوية، والموضوعاتية، والتحليلية النفسية... الخ). ومن المهم أيضاً بالنسبة لكل قراءة إظهار المبادئ الملازمة للمنهج، ونتائجها في التعليم والبحث.‏

-القراءات ومبادئ البحث:‏

إن إنشاء tertium comparationis، وإشكالية، أو نموذج، يخلق، بشكل من الأشكال، يوتوبيانصية، مثلما رأينا، وتناصاً محايداً يمكن من خلاله ملاحظة الزوج، أو المجموع، أو السلسلة. إن التركيب) الذي يفيد منه المقارن يفصح عن أصله؛ فمنظوره شخصي عمداً عمل الباحث) ومعاصر لإنشاء الحالي، ثمرة قراءات حالية). يبقى أن النموذج مدين بوجوده لقراءة بنيات النصوص، في حين أن التركيب) وإشكالية القراءة الثالثة هما من نتائج الانتقال الدائم بين نصوص الوثائق، والفهرس الإضافي. إن النموذج، كما في البحث العلمي، عنصر وسيط بين الواقع الذي هو مادة الدراسة) والمنهج الذي يحاول الباحث استخلاصه. يجب ألا نغلط في الصبغة العلمية المعطاة للنموذج. إن النموذج، والتركيب، والإشكالية هي نقاط ملاحظة خُلقت بحرية من قبل باحث لا يفكر بالتضحية من أجل علمانية كاملة لحسن الحظ أو من أجل موضوعية علمية.‏

ليس هناك موضوعية يمكن تصورها بالنسبة لباحث يعكف على دراسة البعد الأجنبي. وليس هناك إلا إمكانية واحدة وطريق واحد للبحث: هو أن يجعل بحثه الخاص، وفكره موضوعيين، ويقابل بصورة إجبارية، مباشرة أو في وقت لاحق، بين أناه) ومنظومته الفكرية والأخلاقية، وخلفيته الثقافية، وبين الآخر كحجر محك، كاشف. من الخطأ الاعتقاد بنوع من الأخلاق عوضاً عن الخاتمة.‏

بالعكس من ذلك، يتعلق الأمر بنوع من فلسفة البحث في العلوم الإنسانية: وهذا عنوان أو قدرة يستطيع الأدب العام والمقارن تبنيهما.‏

-الأدب العام والمقارن كعلم إنساني:‏

"كيف يُتحدث عن الأدب؟":كان ذلك موضوع لقاء بين جيرار جينيت ومارك فومارولي في كوليج دوفرانس) ونُشِر في مجلة Le Débat، آذار، 1984). ما زالت بعض الآراء المقدمة مطروحة حالياً. قدم مارك فومارولي، وهو يفكر بالفيلسوف فيكو الذي كان يقدر كليات خياله)، فكرة علم جديد): "سنرى هذا العلم الجديد حقيقة في حدود جيدة مع التاريخ المقارن للديانات، والميثولوجيا، والأفكار، والمجتمعات، ومنظومات العلامات، دون نظرات وطنية أو حداثية، ودون نفاذ صبر نظري"‏

نستطيع دون الاستسلام لشيطان التشابه، إيجاد المواقع المشتركة بين المعارف للأدب العام والمقارن تحت عدد جيد من الكلمات، والآمال. حَلِم جيرار جينيت، من جهته، بتجديد مطلوب) للتاريخ الأدبي وبشرّ بتاريخ أكثر ضخامة في موضوعاته، وأكثر طموحاً في مناهجه). ولهذا.، فإن جينيت توجه نحو شعرية تاريخية)، أو دراسة وقائع التناصية). أوأيضاً دراسة الطبقات العامة، التاريخية أو فوق التاريخية والتي تحدد عبر القرون والشعوب شروط ممارسة الإبداع الأدبي وطرقه....)‏

في الواقع لا يمكن نسيان هذا البعد الذي لا يتناقض أبداً مع التوسع بين المعارف.‏

إن الأدب العام والمقارن مفتوح على دراسة العلاقات بين الآداب والمجتمعات، والروابط بين الآداب والممارسات الفنية والثقافية، ومتوجه في أساسه نفسه، نحو العالم الخارجي الأجنبي)، وأشكال الغيرية من الغير). ومدقق للتحولات اللفظية والمجازية التي يأخذها البعد الأجنبي، وموجود بصورة عارضة وأكيدة فيما بين الطرفين من التأمل الثقافي، الأدبي والرمزي، ويستطيع أن يطالب بمكان أصيل بين العلوم الإنسانية؛ "تتداخل علوم الإنسان كلها في ما بينها، بما في ذلك التاريخ. إنها تتحدث باللغة نفسها، أو تستطيع أن تتحدث بها". لقد تحولت ملاحظة فيرناند بروديل(16) الشهيرة إلى رهان محرض بالنسبة للمقارنية الأدبية: امتلاك الطموح بأن تكون علماً للإنسان، أو الاكتفاء بأن تكون ملحقة، ومرفوضة، ضمن مجموع يهيمن عليه لغويون مختصون. هناك، في عمق التساؤل المقارني، بعد، وصدى أنتروبولوجي إنساني) واضح في المعنى الواسع للكلمة. لنستشهد بكلود ليفي -شتراوس(17) : "أي معرفة الإنسان الجامعة بين مناهج، ومعارف مختلفة والتي ستكشف لنا، في يوم من الأيام، القوى السرية التي تحرك هذا الضيف، الحاضر دون أن يكون قد دعي إلى مناقشاتنا: الروح الإنسانية"‏

-برنامج معرفي مشترك ما بين المعارف):‏

من الخطأ قراءة هذه السطور بوصفها دعوة للبحث عن عموميات مشبوهة، أو زائدة بالنسبة لعموميات أخرى، لأنها تعيد إدخال ما قذفه بعضهم من النافذة عبر الباب الكبير. يتعلق الأمر دائماً، بالتفكير في الأدب، وفي خصوصيته، وفي ذاته ضمن علاقاته مع قوانين اجتماعية، وأشكال جمالية، وخيال اجتماعي، ينطلق المسار المقارني من المفرد إلى العام، ومن الكتابة المفردة إلى شكل من الأدب العالمي. أُدرج في برنامجه مراجعات عديدة لما يُقصد بالأدب، واختبارات ثانية تتطلب مساعدة مجالات معرفية أخرى: من أجل إعادة صنع جغرافية أدبية عبر التفكير ثانية في مفهوم القارية،* وإعادة كتابة تاريخ الآداب مع الأخذ في الحسبان للحقب المتعددة والمجال الأدبي، والمنظومة الأدبية والخيال الاجتماعي، والتفكير بالعلاقات بين الأدب واللغويات، وحتى الاجتماعي-اللغوي، من أجل تتبع حياة الكلمات، ومقابلة الأدب بتاريخ الأفكار التي هي غالباً كلمات أيضاً) حيث تنبع إمكانية علم الدلالة التاريخي، ومواجهة علاقات الأدب، والنقد الأدبي مع خيارات الفلسفة مسألة نهاية أو نهايات الأدب، ومسألة أزمة الموضوع أو ما يسمى "عودة الموضوع"، بعد إفراط علموي* كاذب)، وتحدد جمالية ممكنة للنص الأدبي ضمن أبعاده المعرفية أو الشعرية، المتناقضة أو المتكاملة، وأخيراً القيام بتجميع النصوص، وضم الآداب، وكذلك الوصول إلى أبعد ما يمكن في خصوصية النصوص، والكتابة. يوجد هنا مسارات عدة تنطلق من الإنسان الاجتماعي من أجل المغامرة داخل عالم الإنسان المبدع.‏

بخصوص هذا الحيوان) المزدوج، الذي هو موضوع دراسة تسمح باتفاق مع الأنتروبولوجيا، من المفيد العودة للمرة الأخيرة إلى الاشتراك المعرفي ما بين المعارف).‏

هل بإمكان تعليم وبحث أنتروبولوجيين حقيقة أن يخدما التفكير المقارني، بوساطة الاقتباسات والانتقادات؟‏

-درس في الانتروبولوجيا‏

سنأخذ الدرس الافتتاحي لفرانسواز هيرتييه -أوجي(18) التي خلفت كلود ليفي -شتراوس واحتلت كرسي الدراسات المقارنة للمجتمعات الأفريقية. أولى الصعوبات المستخلصة: التنوع الواضح والذي لا يمكن اختزاله لمجال البحث: "صحيح أن كل مجتمع يقدم سمة خاصة، ولكن بدلاً من اعتباره مجموعة من السمات الثابتة التي لا يقارن أي منها مع سمة شبيهة في مجتمع آخر، يبدو لي أكثر صحة اعتباره مجموعاً متكاملاً من الممارسات والعروض الرمزية للممارسة، مسجلاً ضمن ثقافة وتاريخ معينين، ويمكن مقارنة كل آليات التكامل والاشتراك فيه بالآليات التي مورست في مجتمعات أخرى."‏

يوجد موضوع البحث إذن في مستوى نموذج منظّم، وبنية، ومجموع ممفصل، وهو بناء للروح التي تسمح بالتغلب مؤقتاً على الاختلاف. استطاع الأنتربولوجي، عبر متابعة تفكيره في هذا المجال، أن يحدد رهان بحثه: "لا وجود في المحصلة إلا لطريقتين لدراسة الإنسان الاجتماعي: الأولى أرفضها، وهي التي تعارض بين الاختلاف المُدَقّق لثقافات لا تترجم، ومجهولة، ولا يمكن التواصل معها، وبين الوجود العام لنماذج عظيمة من الفكر الإنساني حيث يمكن للثقافات والمجتمعات كلها أن تندمج بعضها في بعض، أما الطريقة الثانية وهي التي أحاول أن أتقيد بها في تدريسي وأبحاثي، فإنها تجمع المعطى الظاهراتي المتغير للمجتمعات إلى آليات ثابتة غامضة التي هي في عدد قليل منها ناظمة لهذا المعطى وتعطيه معناه."‏

وفي هذا، يستطيع تعليم مُقَرّر للأنتروبولوجيا في كوليج دوفرانس) أن يُستخدم كنموذج تحريض بالنسبة لتدريسٍ متواضع للأدب العام والمقارن. ماذا تعني كلمة يُستخدم؟ هل تعني ترجمة المجتمع) بـالأدب)؟ ليس هذا معنى مناقضاً للترجمة. إن ذلك يتم من خلال فهم أنه مشروع وضروري من وجهة نظري) للباحث أن يضع الإنسان، في تفرده وعموميته الخاصين، في أفق بحثه، بوصفه مثالاً يجب الوصول إليه وليس فرداً أولياً يلغي كل بحث ويطرح منذ البداية، ما يجب إثباته عبر القراءة والفهم للإختلافات، وذلك من خلال تأكيدات وتعريفات جوهرية. ويتم ذلك أيضاً من خلال دراسة الحد الذي يستطيع الإنسان الاجتماعي للأنتروبولوجي أن يقوده إليه، والتأمل في ما يستطيع الأدب أن يعطيه إليه.‏

يبقى أن الإنسان الاجتماعي، بالنسبة للمقارن، هو أيضاً كائن اجتماعي تحدث عنه غوته، ومدين لنفوس عديدة سبقته، ومعايش أيضاً لكثير من النصوص القديمة، لكنها حاضرة مع ذلك. إنه، خاصة، إنسان يحلم من خلال الكلمات. ومن المهم فهم أحلامه وسماع كلماته.‏

-الخاتمة:‏

إذا كان الأدب العام والمقارن في تطور دائم وهذا لا يعني أبداً حصول تغيرات كبيرة ومستمرة، ولكن تحولات ثابتة تحت تأثير التغيرات التي يدخلها النقد على الدراسات الأدبية) فهل من الضروري تقديم خاتمة؟ لنفكر عندئذٍ بالمهمات التي تنتظره، والتي تستطيع أن تطوره بسرعة أكبر، وبصورة أكثر يقيناً. منذ قرن وهو يدرس الآداب في علاقاتها مع العالم الخارجي، والفنون، والممارسات الثقافية والاجتماعية، وليس في ذاتها. يستطيع في الوقت الحاضر، أن ينفتح على العلوم الإنسانية، وعلوم الإنسان، والأنتروبولوجيا، والتفكير الفلسفي، خالقاً بذلك، ربما، تاريخاً جديداً للأفكار. يجب عليه أن يدرس الأدب ليس بوصفه كتلة من الوقائع والظواهر، أو كتلة من النصوص فقط، ولكن بوصفه فعلاً خلاقاً، وتأكيداً لخيال إبداعي: البعد الشعري المعثور عليه.‏

يستطيع الأدب العام والمقارن، من خلال جعل الرابطة، والعلاقة، والمقارنة، موضوع تأملاته، أن يخط طريقاً أصيلاً بين تجربتين: إذ يستطيع أن يقدم نظرية انطلاقاً من عمل أو عدد قليل من النصوص، ويكثر جداً من الأمثلة بحثاً عن منظور عام، تركيبي يعاد النظر فيه باستمرار.‏

إنه يتعلم أن يضع المفرد ضمن سلسلة، ويمارس الوصف والتفسير: ويجب عليه أن يتعلم أيضاً الإعجاب، وما يتجاوز المقارنة. عبر حركة معرفة تكبر مَنْ يقبلها.‏

إنه يدرس منذ وقت طويل البعد الأجنبي، وتنوع اللغات والثقافات، ويعلم النظر إلى الآخر ودراسته. وهو بذلك يسمح لنا بالتعرف على خطرين متناقضين ومتكاملين، يوجدان في عالمنا اليومي: خطر تشظية هذا العالم إلى كتل مبعثرة، وعولمة الظواهر، والنشاطات الثقافية، وردود الفعل الفيزيائية عبر توحيد الحساسيات. إنه يُظهر، في مستواه الأدنى، ضرورة التغلب على التوترات بين المتعدد والمفرد، وبين غموض بابل ومونولوج أي معبد من المعابد. ويعد الأدب العام والمقارن في هذا علماً للإنسان، وفي المعنى الدقيق والكامل للكلمة، حقلاً معرفياً ديمقراطياً. يمكن إذن أن نتمنى له، في الألف الثالثة ولكي لا تفقد الدعابة والمقارنة حقوقهما، للمرة الأخيرة)، مستقبلاً شبيهاً بمستقبل الشعب، الذي عُرِّف، في مطلع العصور الحديثة، بهذه الكلمات: إنه كل أثر أخير للطموح المركب للنظام) ولكنه ليس شيئاً أيضاً الصدى الأخير للقلق المقارني) ويريد أخيراً أن يكون شيئاً.‏

(1) -1-مع ذلك انظر، النظرية الأدبية، PUF، 1989، عمل جماعي تحت مسؤولية م. أنجينو، وج.بيسيير، ود. فوكيما، وأي. كوشنر.‏

(2) -1-انتروبولوجيا بنيوية 1، بلون، ص241.‏

(3) -2-م. بوتور، دراسات في الرواية، أفكار، غاليمار.‏

(4) -من كتاب ما الأدب المقارن؟ برونيل -بيشوا- روسو.‏

(5) -انظر مع ذلك إسهام ستيفان ميشو -الكلام الخطير- ضمن الوجيز.‏

(6) -عنوان عمل لآن أوبير سفيلد، في مطابع سوسيال اجتماعيات)، انظر أيضاً باتريس بافي، المسرح في ملاقاة الثقافات، كورتي، 1990.‏

(7) -العصر الوسيط والأدب المقارن، ديدرييه، 1967.‏

*) -مذهب الانغماس في الملذات.‏

(8) -انظر RLC، 1991/2.‏

(9) -الخبر الأدبي، نوفديك، 1969.‏

*) - الليسنس في فرنسا توازي السنة الثالثة في التعليم الجامعي السوري. م).‏

(10) -كتابة التاريخ، غاليمار، 1975.‏

(11) -انظر بيرنارد فرانكو، الكابيس capes وشهادة الأستاذية في الآداب الحديثة، كولان، 1993، أو رافو -رالو، شهادة الدوغ في الآداب الحديثة، كولان، 1992.‏

(12) -أخبار أدبية، ك2، شباط، 1972.‏

(13) -أثر أدبي أو فني -يحاكي فيه صاحبه أسلوب أثر سابق.‏

(14) -التحولات الملازمة، انظر الفصل الثاني.‏

(15) -الهذيانات والأحلام، غاليمار، أفكار، ص238‏

(16) -كتابات في التاريخ، شامب -فلاماريون، ص55.‏

(17) - أنتروبولوجيا بنيوية، 1، بلون، 1958، ص91.‏

*) - مجموع ميزات مناخية متولدة عن ضعف التأثيرات البحرية في المناطق الواقعة داخل قارة.‏

*) - العلموية: مذهب يقرر الاكتفاء بالعلم من حيث قدرته على الذهاب إلى المسائل القصوى الدائرة على المعرفة البشرية.‏

(18) - كوليج دوفرانس، 23 شباط، 1983.‏

غيارى الراوي
07-04-2006, 07:08 PM
.






تمَّ .






.