المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دماء و أحلام في بلاد الشام ( رواية ) ناديا خوست


غيارى الراوي
01-03-2009, 02:35 AM
.



دماء و أحلام في بلاد الشام

/ د . ناديا خوست




.

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:36 AM
.
إهــداء

خلال كتابة هذه الرواية، زرت العراق مرتين. وتفرجت على كنوز متحف بغداد، وعمارة المعتصم والمتوكل في سامراء. وعمارة بابل والنجف والكوفة وكربلاء. ورأيت غابات النخيل، واستمعت إلى الغناء العراقي الشجي. وعبرت جسور دجلة التي دمّرها القصف الهمجي وعمّرها المهندسون العراقيون.
خلال كتابة هذه الرواية، توهجت انتفاضة الأقصى. وأعادت إلى ذاكرة البشر فضائل التضحية والشجاعة وهوى الوطن. وكادت تفرض موقفا عالميا من الاحتلال، لو لم يجرف ذلك غزو العراق.
خلال كتابة هذه الرواية، سقطت أمامنا بغداد. فرأينا هولاكو وعشنا في زمن يختال فيه مجرمو الحرب من أفغانستان إلى فلسطين والعراق، وتلعب فيه بمصير الشعوب شركات النفط والسلاح.
امتدت منذ بداية القرن سنوات صعبة دامية حزينة. صدّع هدير الانهيار العالمي الخجل والشهامة والشرف. وكأنما طويت مرحلة تاريخية تميزت بأحلام التحرر والعدالة ومايرافقهما من الأخلاق!
خلال ذلك، رسمت رانيا أشجارها الأسطورية ونخيل بغداد. وعزفت على الكمان موسيقى زمن آخر كان فيه موتسارت وتشايكوفسكي وفيفالدي ودفرجاك يضيفون إلى الثقافة الإنسانية صفاء الأمل وصلابة الروح. فمدّت لي فضاء مرهفا، وثبّتت لي الجمال مقابل الهمجية.
أهدي هذه الرواية، إذن، إلى العراق! إلى شعبه الشجاع، إلى مدنه المقاومة ومدنه المدمرة، إلى نخيله الرشيق، وإلى دجلة الذي جرى فيه حبر المخطوطات العربية! وإلى الشعب الفلسطيني الذي يقاوم همجية الاحتلال!
وأهديها إلى رانيا التي أحاطتني، خلال ذلك الانهيار، بموسيقى النهضة وبرسموها المبهجة!

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:37 AM
.
خرجت حتى نفيسة مع نساء سوقساروجا لتحتفل بيوم الجلاء. قالت لنرجس عندما لاحظت ازدحام طريق الصالحية بالناس: "جدي لعب بعقل تيس"! سألتها نرجس: "الله يسامحك يانفيسة خانم، أنا الجدي؟ فردت نفيسة ساخرة: لا، تقبريني، أنا التيس!

كأنما كانت المدينة كلها تمشي إلى الملعب البلدي! وصل الناس من غوطة دمشق ومن حمص وحلب إلى دمشق ليحضروا الاحتفال. استسلمت نفيسة للشعور بعيد يحتفي به الصغير والكبير. ركبت مع النساء الترام في مقطع من الطريق، من بوابة الصالحية إلى جسر فيكتوريا. وامتلأت العربة فصعب على الكمساري المرور فتناول ثمن التذاكر فوق رؤوس الركاب. ولم يدفعوا عن الأولاد. نزلت النساء من الترامواي ومشين إلى طريق الربوة وسط جمع تحرك في اتجاه واحد: مرجة الحشيش. واستقر الأولاد والصبيان على الأشجار كعناقيد العنب. كم بدت المدينة واسعة لليلى! وصلت إلى أمكنة لاتعرفها ولايمكن أن تصل إليها وحدها. تفرجت على الأشجار الباسقة في طريق بيروت، على بردى الممتلئ بالماء إلى حافتيه، على الأولاد الذين تسلقوا الأشجار. وصلت إلى الملعب البلدي. وعندما وقفت قرب أمها شعرت بأنها بين قامات أعلى منها. فرفعتها منور لتتفرج على الخيالة الذين يؤدون الاستعراض بملابسهم الشركسية. رأتهم يقفون على الخيل، ثم ينزلقون تحت بطنها، يمتطي أحدهم حصانين معا، ثم يقترب خيّالان ويصعد ثالث فوق أكتافهما والخيل تعدو مسرعة.‏

راقبت نفيسة دهشة ليلى واستمتعت بها. هل ستحفظ هذه الطفلة في ذاكرتها هذا الاحتفال بالجلاء؟ لو تدرين ياليلى كم كلفنا الجلاء! كلفنا فقد المحبين! خيل لنفيسة أنها ستروي ذات يوم لليلى كيف أحبت خالد آغا وكيف فقدته في ميسلون. وأنها سترسم لها عشقا لم يجسر أحدهما على البوح به. وأنها ستحدثها عن الموت الذي لم يكن يليق بخالد آغا في أي مكان دون ميسلون. ستحدثها عن ذلك عندما يبرد القلب! لكن نفيسة لن تكون أبدا قادرة على لمس التفاصيل لأن السنوات ستجعلها أكثر وضوحا ودقة. لذلك ستمدّ ليلى بخيالها الموجزات التي سترمي أطرافها نفيسة. وسيجعل مزيج الحقيقة والتخمين مكانة خاصة لنفيسة تجذب ليلى إلى مدارها.‏

في الطريق إلى البيت لم تتحدث نفيسة لمن حولها من نساء سوقساروجا عن وجع قلبها، بل عن اليوم الذي خرج فيه أهل دمشق إلى مرجة الحشيش ليتفرجوا على الطائرة العثمانية والطيارين اللذين احتفت بهما بيروت، ثم سقطا في طبرية ودفنا في حديقة ضريح صلاح الدين الأيوبي. فذكّرا بحكاية عباس بن فرناس. لكن منور سلّمت ليلى لمرجانة وانصرفت إلى دموعها على أخيها سعيد! هدّأتها نرجس: عيب يامنور خانم، البكاء على الشهيد عيب! لولا الشهداء أكنا نحتفل بهذا اليوم! هدّأتها ومسحت هي نفسها دموعها في السر عن منور، وتذكرت اليوم الذي رافقت فيه نفيسة خانم إلى المرجة ورأت فيه سعيدا بين الشهداء المعروضين في الساحة مغطى بالزهور التي نثرها عليه الناس. سمعت ليلى مزيجا من أصوات النساء، ولمحت من وراء كتف مرجانة دموع منور ونرجس. هل تدري أنها ستقف ذات يوم في مرجة الحشيش نفسها قرب أشجار الكينا مستمعة إلى الجواهري وهو يؤبن عدنان المالكي الذي سيقتل هناك، وأنها ستتدرب فيها على السلاح مع زميلاتها في المقاومة الشعبية! قالت نرجس: هكذا الدنيا يامنور خانم، يأتي البشر ويرحلون والبلاد باقية تستقبل وتودع!‏

انشغلت نفيسة ومنور ونرجس بغداء يناسب عيد الجلاء. قدمت مرجانة رقبات الغنم المحشوة باللوز والصنوبر والرز واللحم، ومايناسبها من الخضار المطبوخة بالزيت. وشربن القهوة. افترقن طوال المساء. وخرجن في الليل ليتفرجن على الكشافة الذين حملوا المشاعل ومشوا على ايقاع الأبواق والطبول. تفرجت ليلى عليهم. كانوا يلبسون سروالات قصيرة ويطوقون أعناقهم بمناديل نيلية صغيرة، يتقدمهم قارعو الطبول المزينة بالشرائط.‏

وصلت النساء بعد الفرجة على الكشافة إلى آخر قاسيون. مررن بين الصخور ليشرفن على ساحة ممهدة. مدّ الناس البسط والحصر وجلسوا. ومثّل الكشاف مسرحية في الأسفل على ضوء المشاعل والفوانيس. كان الفتيان في ملابس فتيات وحاولوا أن يغيروا أصواتهم فضحك المتفرجون. وضخّم بعض الفتيان أصواتهم فبدا ذلك أيضا مضحكا. وقتذاك وقع ولد من المتفرجين، وتدحرج حتى الأسفل فهبّ رجال ليسعفوه ومعهم الممثلون فانقطعت المسرحية. قالت منور: أمس في العرض العسكري جنحت دبابة وقتلت بعض الناس! والتفتت إلى ليلى المحبوسة بينها وبين مرجانة: لاتتحركي من مكانك! هدأت الضجة واستمرت المسرحية. ثم صعد قمر ساطع، بدر، أضاء السماء والجبل. بدأت المشاعل تخبو في ضوئه في الساحة الصغيرة الممهدة، وظهر المتفرجون واضحين.‏

في تلك الأيام قالت نفيسة لمنور: ضعي ليلى في روضة الأطفال في مدرسة الأميركان. قريبة، والبيت نعرفه! بيت العابد الذي يلعب الخيّال في باحته! تحتاج ليلى رفيقات في عمرها!‏

لبست ليلى صدرية سماوية مخططة بالأبيض وجلست في مقعد ووضعت يديها خلف ظهرها. وفي صدر الصف عُرض دبّ هادئ سيكون في آخر الأسبوع جائزة "للعاقل". راقبتها منور من سطح مكرم خانم ورأتها تحمل محفظتها الصغيرة في الفرصة فضحكت. لاتعرف أنها يجب أن تتركها في الصف!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:38 AM
.
رفعتها في ذلك اليوم وأجلستها على مكتب بهاء وسألتها: ماذا تعلمتِ؟ قالت: أن أضع يدي وراء ظهري إذا أردت أن يكون لي الدب! ضمتها منور إلى صدرها! وذهبت إلى مخزن الزين في سوق الحميدية واشترت دبا كبيرا حول رقبته شريطة خضراء. ووضعته على الكرسي الذي كان يجلس عليه بهاء قرب المكتب. وفكرت في اليدين المعقودتين خلف الظهر. تقيد يدا الإنسان السجين، تقطع يد السارق، تغلّ اليد وتمنع من الحركة. واليد هي التي عمرت المدن، وزخرفت الأموي بالفسيفساء، ورصفت الطرقات، وكتبت المخطوطات، وهي التي زرعت الشجر وقطفت الثمار، ومدّت مربى المشمش في الصواني على السطوح المغمورة بالشمس، وعلّقت عقود الملْبن! قدمت منور لليلى ورق العنب المحشو بالرز واللحم، وقالت لها لففته بيدي! وأطعمتها الرز بالحليب المعطر بماء الزهر وقالت لها: طبخته بيدي! ثم أعطتها الدبّ الكبير وقالت لها: عمله الناس للأولاد. عملوه بأيديهم في بلد لانعرفه اسمه برلين! عانقت ليلى الدبّ وتركت كفها الأخرى لمنور ففتحتها وتفرجت على أصابعها الصغيرة الطرية: ياليلى، ماذا ستفعلين بهذه اليد الحلوة عندما تكبرين؟ قالت ليلى ماستردده في فتوتها أيضا: سأداوي الناس! ماأهم يد الإنسان إذن! وستتذكر ليلى كلمات منور عن يد الإنسان وهي تداوي الجرحى في حرب تشرين. وستزيّن أصابعها بالخواتم الجميلة كمن يؤدي واجب احترام أصابع الإنسان. ولن تخلع خواتمها إلا في غرفة العمليات. بقيت ليلى في مدرسة الأميركان حتى روت لمنور أن رفيقتها ركعت في زاوية الغرفة ورفعت يديها فوق رأسها لأنها تكلمت في الصف. قالت لنفيسة: كفى! هذه ليست مدرسة! هذا سجن!‏

أفرح منور، فيما بعد، أن المدرسة الابتدائية كانت في بيت عربي واسع، وأن ليلى عادت منها راضية. روت لمنور أن تلميذات المدرسة الابتدائية وقفن صفوفا بين أشجار اليوسف أفندي والبرتقال والأكدنيا في أرض الدار. وأن المديرة خرجت إلى الفسحة التي ترتفع درجات، ورفعت بيدها الكمان وأسندته إلى ذقنها. تفرجت ليلى على الخاتم الألماس الذي يلمع في إصبع المديرة، وإلى وجهها النضر الممتلئ، وثيابها الأنيقة. لمست المديرة الكمان بالقوس، وضربت الأوتار ضربات قوية ثم بدأت العزف، وبدأت التلميذات ينشدن النشيد السوري، وارتفع العلم على السارية أمام نوافذ الطابق العلوي. أطلت النساء من سطوح الجيران على المديرة والفتيات. ورفعت ليلى نظرها إليهن في حذر. "خلال النشيد يجب ألا نتحرك"! بعد النشيد أعلنت المديرة: كن مرتبات غدا! شرائط الرأس بيضاء مكوية، الجوارب القصيرة بيضاء نظيفة، الصداري مكوية، القبات بيضاء مكوية أو من المشمّع الأبيض النظيف! ثم استدارت إلى غرفتها المطلة على الباحة. وصعدت التلميذات إلى صفوفهن.‏

في الصف تلميذتان في كل مقعد. والمقعد جديد، حفر في مقدمته مكان للدواة. واللوح الأسود جديد. الصف مضاء بنافذتين تطلان على الباحة تلمسهما أشجار النارنج. لدى بعض الطالبات "ستيلو"، لكن المعلمة لاتسمح لهن باستعماله حرصا على جمال الخط. "اكتبن بالريشة"! غمست الفتيات الريشة في الدواة وكتبن. ولوّن الحبر أصابعهن. "اجلسن مستقيمات الظهر"! تحدثت المعلمة عن العمود الفقري الذي يعوجّ إذا أساء الإنسان جلسته. "في ظهر الإنسان شكله وأخلاقه"! استمعت التلميذات في احترام إلى المعلمة. يعرفن أن قريبها حكم بالإعدام في أيام الاحتلال! شابة شقراء بيضاء بيتها قريب من المدرسة. سترفع ليلى نظرها إلى بيت المعلمة كلما مرت به وستتوهم أن المعلمة تراها من النافذة فتشد ظهرها وتضبط مشيتها.‏

تصفحت ليلى الكتب المدرسية في تهيب وفرح. فيها صور فتيات وفتيان وأشجار. ورق أبيض عليه كتابة بحروف كبيرة وبحروف عادية. أي سحر! هل ستنهي الكتاب كله حتى نهاية السنة! لكن المعلمة تحدثت لتلميذاتها عما يتجاوز الكتب. حكت لهن عن الاحتلال والاستقلال، عن العِلم والدراسة وقراءة الكتب، وعلمتهن نشيدا.. "حققوا آمال غازي، وحدة تحيي الأمل.." من هو غازي؟ من فيصل؟ الدولة العربية.. "طلبت المديرة منكن أن تكن مرتبات غدا لأن رئيس الجمهورية سيمر أمام المدرسة وسيقف ليراكن. العِلم أساس بلادنا المستقلة! لذلك يجب أن تدرسن وتتفوقن! العلِم شرف.. لكن وللوطن"!‏

تأملت منور صخب ابنتها: سيتوقف رئيس الجمهورية أمام مدرستنا ليرانا! القبة.. الصدرية.. الجوارب..! قالت منور: لو يجعل الدفاتر رخيصة بدلا من زيارتكن! آه، هل هذا وقت الانتقادات؟ استمعت منور إلى حديث الجارات عن احتكار السمن والزيت. "أكل التجار البلد! ماذا يهمنا إذا كانوا سوريين أم غير سوريين؟ لاضمير لهم، لايبالون بأهل بلدهم! هذا ماانتظره الناس من الاستقلال؟ في الحرب احتكر التجار قوت الناس، وبعد الحرب لم يتبدل الوضع"! الحق مع سلامة الأغواني الذي غنى "يابو درويش خبّرني كيف بدنا نعيش"..!‏

وضعت ليلى أمامها لوحة من الكرتون فيها صور سمك متنوع الأشكال كُتبت أسماؤها بالفرنسية وبدأت ترسم مثلها، مبتهجة بعلبة الألوان الجديدة، وبأنها ترسم للصف مثيل لوحة الكرتون المطبوعة في فرنسا. سيمر غدا رئيس الجمهورية! وستكون ليلى غدا مرتبة!‏

صُفّت التلميذات على جانبي الطريق. وانشغلت المعلمات في تفقدهن مرات. أعدن إلى الصواب القبة البيضاء التي طاشت من مكانها، لمسن شرائط الرأس ونشرنها لتكون كالفراشات. وضعن في الصف الأمامي البنات الجميلات والغنيات. لمست ليلى شريطتها الاورغانزا. وهاهو رئيس الجمهورية! مشى بين التلميذات. سلم على المعلمات وعلى المديرة. سلم على التلميذات الواقفات في الصف الأمامي. نظرت إليه ليلى وهي تمدّ له يدها. لايختلف عن أي رجل رأته. قالت منور ضاحكة: "ظننا الباشا باشا، طلع الباشا زلمة".‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:39 AM
.
في ذلك اليوم أعلنت المعلمة: "ستعلّمكن المديرة الوضوء والصلاة"! والتفتت إلى ناجية المسيحية: "ناجية يابنات من أهل الكتاب. مثلنا لكنها تصلي بشكل آخر! لذلك ستبقى معي".‏

كم بدت أرض الدار واسعة لتلميذات صفّ فيه عشرون فتاة! مشت التلميذات بين الأشجار حتى وصلت المديرة فتحلقن حولها. استمعن إليها. ثم تفرقن على صفّ من الحنفيات في طرف أرض الدار، يشربن منها وقت الفرص. وقفت المديرة بينهن وبدأ الوضوء تحت السماء. بعد الوضوء وقفت البنات على الحصر التي فرشت بين الأشجار. وأمّتهن المديرة التي وضعت على شعرها إشاربا وبقيت ظاهرة الساقين، جاهرة بصوتها، وردّدن خلفها آيات الصلاة. زقزق عصفور على شجرة السرو، وهسّت أوراق شجرة اليوسف أفندي الكبيرة. رفعت ليلى نظرها إلى الأشجار وإلى السماء الزرقاء، الزرقاء. رددت ماتقوله المديرة. وغمرها الفرح بما حولها. قالت المديرة بعد الصلاة: "جهرنا بالآيات كي نتعلم الصلاة. لكن يفترض أن نتلوها في السر". صعدت إلى مكتبها وبقيت الفتيات في الباحة سعيدات بالفسحة الواسعة والأشجار. وأقبلت معلمتهن مع ناجية ووضعت سبابتها على فمها: هسّ! لاتزعجن بأصواتكن الصفوف الأخرى! صمتن وتجولن في الباحة هامسات حتى خرجت المديرة وهزّت بيدها الجرس الأبيض ذا القبضة السوداء. هرعت ليلى إليها فناولتها المديرة الجرس، أخذته وهزّته بسرعة وقوة فابتسمت المديرة: كفى! سمعتنا الحارة كلها!‏

في اللحظة التي هزّت فيها ليلى الجرس لمعت للمديرة فكرة: ليلى مناسبة لتكون بطلة في التمثيلية عن الجلاء! نادتها إلى غرفة المعلمات: ليلى، احفظي هذه المقاطع! ستبقين بعد الانصراف ابتداء من الغد. خبري أمك. سنتدرب على التمثيلية كل يوم. أعطيت ليلى دور فرنسية تحتقر السوريين وتناديهم "سال سيريان". وأعطيت، دور سورية التي تحررت من الانتداب! وأدت الدورين وهي تنشر ذراعيها مع الكلمات، كما سينشر التلاميذ دائما أذرعهم فيما بعد. دارت في البيت وهي تكرر: "يالعزي وفخاري، يالبهجتي وحبوري، يداي طليقتان وقد أنهكتهما القيود والأغلال، ملكت البشرى علي مشاعري، نفسي مهتاجة طروب، بهذه الأعلام الخفاقة والأنوار المتلألئة". قاطعتها منور مداعبة: أنا حفظت الدور! في التمثيلية الثالثة مثلت ليلى دور الزنبقة التي تتبارى مع بقية الأزهار. واستمعت منور إليها تردد: "أنا الزنبق زهري مطبّق، قلبي أبيض صافي وريّان"! فقالت لنفيسة: لاتجيد ليلى الكتابة بعدُ، ومع ذلك تحفظ بالفصحى كلمات ثقيلة!‏

حفظت ليلى الكلمات بصما، تماما كما حفظت مرة قصيدة عن قلم الرصاص. لكن الممتع كان الحركة، صفّ الكراسي، البقاء بعد الانصراف، القرب من المعلمات، الوقوف على منصة تشرف على الباحة ذات الأشجار، الناس، والمعلمات الواقفات في طرف المنصة جاهزات لمساعدة التلميذات الممثلات. لبست ليلى بلوزة بيضاء على صدرها نجوم حمراء مكان الأزرار، وتنورة سوداء، وشريطة خضراء. هذه هي "سورية المستقلة"! وألقت كلماتها، وعندما صفق لها الناس بحثت بعينيها عن أمها. هرعت إليها المعلمة وقبّلتها. في الصف الأمامي من القاعة صفّت أرائك للوجهاء كما ستصفّ فيما بعد طوال عقود في الحفلات. وخلفها صفت الكراسي الخيزران للناس.‏

تكررت الاحتفالات بعيد الجلاء فيما بعد. لكن أين الأفراح بعد احتلال فلسطين؟! كأنما صحونا من الحلم بأن الدنيا ستتغير! اشتركت ليلى مرة فقط في تمثيلية في المدرسة. وقالت منور لنفسها: ليت بهاء تفرج عليها! بدت حلوة ورائقة. فهل نسيت مقتل أبيها في الجليل؟ ونسيت اليوم الذي أتى فيه رجل أوصل لمنور مذكرات بهاء الموشاة بدمه؟ يبدو أنها لاتتذكر ذلك. وماأحسن النسيان! فلتنشعل بالمدرسة! المدرسة دنيا واسعة خارج البيت، باحة فيها شجر، ومعلمات لطيفات ورفيقات.‏

هاهي ليلى تمسك بيد رفيقتها سمر في الطريق إلى المدرسة. تؤرجحها وتضحكان. وصفتهما سعاد لمنور: مثل عصفورتين لاتعرفان ما في الدنيا من هموم! كانت سعاد على الرصيف الآخر، فتمهلت لتتأملهما. ماذا يضحكهما؟ ماذا يسعدهما في هذه الدنيا التي انقلبت فصارت فيها سعاد صاحبة أراضي بيسمون، وصاحبة البيت الجميل في عكا، لاجئة؟ هل تعي ليلى التي فقدت أباها في فلسطين عذاب أمها التي لاتستطيع أن تزور قبره ولاتعرف المكان الذي دفن فيه في الجليل؟ مايزال احتلال فلسطين الذي سماه العرب نكبة، طريا. لم يسلم حتى برنادوت لأنه أوصى بعودة الفلسطينيين المهجرين إلى مدنهم وبيوتهم. يعني اغتيال برنادوت أن دولة المستوطنين الغرباء الذين سلبوا العرب بلادهم لن تسمح لهم بالعودة إليها! ربما كان يخيل لسعاد في تلك الأيام أن الفرح ذنب، وأن الأطفال يجب أن يعرفوا نكبة فلسطين وأن يربيهم أهلهم على فهم خطرها. كانت هي المنكوبة ببلدها تزور منور يوميا لتفكر معها بما حدث ولتعلن لها العناوين التي عرفتها: فاطمة اليشرطية الآن في بيروت. صدقي الطبري الآن في حوران. ابن الخوري، المحامي الكبير، في حماة..‏

كانت منور قد منعت الحديث عن حزنها واستدارت عن المواساة. هل يمكن أن تطمر امرأة مقتل زوجها وابنها؟! انصرفت إلى الأخبار التي تنقلها لها سعاد عن فلسطين. أخبار لاتنشرها الجرائد! فما يزال الفلسطينيون يتسللون إلى قراهم سالكين طرقات يعرفون حتى حجارتها وأشواكها. يصل بعضهم سليما ويبقى كأنه لم يغادر أرضه، فينقله الإسرائيليون إلى قرى أخرى إذا كانت قريته في مشروع قرروه. أو يسقط مقتولا كمتسلل إلى بلاد صارت للغرباء القادمين من بولونيا وهنغاريا واوكرايينا وروسيا ورومانيا. كان بعضهم يجد بيته منهوبا أو منسوفا. وكان بعضهم يعود ببعض ماطمره إذا سلم في العودة. لم تكن الحدود بعد مضبوطة فالدوريات الإسرائيلية لاتستطيع بعد قطع صلة فلسطين بالبلاد العربية. وماذا يعني ذلك يامنور؟ يعني أن هذه البلاد لاتزال بلاد الشام، ويصعب اقتطاع فلسطين منها. من يستطيع فصل جزء من الروح عن جزئها الآخر؟! تعيش حيفا بقمح حوران، وتأكل دمشق البرتقال اليافاوي! فجّرت منور حزنها في الغضب! قالت لأختها: اقتطعوها؟ قولي وهبها رؤساء العالم الظالم الذين لايعرفونها للغرباء الذين لايعرفونها! وسامح بها الملوك العرب المستوطنين! من سلّم لهم اللد والرملة؟ وسلم لهم أم الرشراش في العقبة التي سيسمونها اسما آخر؟ الناس والأرض ضحية الأمم المتحدة وضحية الحكام الخونة!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:40 AM
.

كان عبد الرحيم ينقل لسعاد التفاصيل فتقول له: يعرف الناس ذلك دون أن تنقله بشكله الرسمي! لكنها كانت تستمع إليه وتقول لنفسها: كم تبدو الأمور محبوكة! هنا أبو حنيك. وهناك قرار الأمم المتحدة الذي يمنع العرب من الاعتراض على قراره وإلا.. يعرف الجميع أن التقسيم وهب الغرباء حقا في أرض ليست لهم ولن يبقوا في حدودها التي أعلنت لهم كدولة يهودية! من يجهل أن الهدنة كانت مفصّلة كي يستقدم اليهود السلاح الذي يحتاجونه والمتطوعين الذين يحتاجونهم! وأن الهدنة كانت تنتهي وقت يستطيعون احتلال قطعة جديدة من الأراضي الفلسطينية!‏

كيف تستطيع ليلى، إذن، الضحك مع رفيقتها كأن الدنيا في أمان؟ تابعتهما سعاد وهما تسبقانها على الرصيف الآخر، سريعتين نحيلتين. انتبهت سعاد إلى بقية البساتين التي تواكبهما. كانت مزروعة بالأرضي شوكي الذي يبدو قريبا من قامتيهما. التفتت إلى البساتين التي تمتد من جهة حتى قاسيون وتتصل من جهة ببساتين "وراء الدور" التي كان يملكها خالد آغا، وفي سبيل توزيعها في عدل بين الإخوة انتحر ابنه شهاب! وهاهو بهاء، ابنه الآخر، في تراب فلسطين! فهل يستطيع رجال غرباء بقرار أو دون قرار أن يدّعوا لأنفسهم هذه الأرض؟ هذه بلاد الشام، لايستطيع أحد أن يقسّمها، ومهما طال الزمن والعذاب ستعود متصلة بأهلها العرب ويجب أن يهجّر منها الغرباء كما هجّرونا! فلتعترف الدول العربية بما تُلزم به من قرارات دولية، ولتنحن لما يراد لها أن تنحني له! لكني أنا سعاد، وهؤلاء الناس، لن نقبل مالايقبله العقل والضمير! عشنا في فلسطين، عاش فيها آباؤنا وأجدادنا، فيها قبورنا، فيها بيوتنا وشجرنا، فكيف يقبل العقل أن توهب لغرباء نقلتهم إليها السفن؟ كيف يقبل أن يأخذوا بيتي في عكا ويناموا على سريري ويقطفوا اللوز من شجرتي المزروعة في حديقتي، ويحتلوا المقعد الذي سهرت عليه مع عبد الرحيم؟ ولدت أولادي في بيتي، عبأته بروحي وحزني، بليالي الأرق وليالي الصبر، فكيف يقرر غرباء أنه لغرباء قادمين على سفن غريبة؟ لأنهم يهود؟‏

كأن سعاد كانت في تلك اللحظة، تفكر بما سيكون موضوع الصراع بين العرب والإسرائيليين طوال نصف قرن! وبما سيكون موضوع المفاوضات التي ستبدو الدول فيها مقسمة بين الواقع المفروض، وضمائر الشعوب الملتزمة بالحقيقة التي تعرفها: أنها رأت سرقة فلسطين بالقوة من أهلها، سرقة أراضيها التي زرعها العرب، وبيوتها التي شيدوها وأثثوها! والذكريات التي حشدوها بحياتهم وموتهم!‏

انساب حنان رقيق في قلبها على الفتاتين. وكأنها انتبهت إلى صلابة في الطفولة تجعلها عصية على الانهيار. وتساءلت أهي الجهل بعمق المصائب؟ أم هي النضارة التي لم تتراكم عليها طبقات من الأحزان؟ وبدأت تستمتع بخفتهما في المشي، وبسرعتهما وفرحهما!‏

وصلت بعدهما بزمن. وقصدت أن تتوقف قرب الحديقة المزروعة بالعشب، المسوّرة بنصف دوائر منخفضة من القضبان في بوابة الصالحية قرب الفيجة. عندما وصلت إلى بيت منور وجدت أفراح ليلى ماتزال طرية. رفعت ليلى الجلاء المدرسي وأقبلت عليها: الثانية، ياخالتي! لذلك أعطوني جلاء مطبوعا بأحرف في لون الطاووس! جفلت منور. استعادت البيت الذي أمضت الصيف فيه في قدسيا والطاووس الذي أكله الضبع! كمد وجهها وابتعدت: ستبدو كمن يحضّر القهوة لسعاد! في المطبخ وضعت يدها على رقبتها واهتزت: الصبر، ياربي! لاتستطيع أن تبتلع ريقها. بدا لها أنها تتذكر تفاصيل الأمسيات التي أمضتها مع بهاء في قدسيا. تجلس معه على الشرفة فوق النهر مظللة بالشجر، ويتحادثان حتى يأتي النعاس رقيقا وشفافا تصعب مقاومته. كانا يتجولان في دنيا واسعة خلال دقائق. وكانا يضحكان دون أن يدريا سبب ضحكهما. وكالأطفال يكتمان الضحك كيلا يصل صوتهما إلى ولديهما. ولو سئلا ماالذي كان يفرحهما لكان صعبا عليهما الجواب بكلمات. ولاختصرا ذلك بجملة: سعداء لأننا معا!‏

قرب الفجر كانت منور تنتقل إلى سرير آخر، مخمّنة أن ليلى ستفيق مبكرة وتأتي إلى أبيها فتندس إلى جانبه. كانت تراقبها وهي توقظه، تلمس وجهه لكنه لايفتح عينيه بل يشدّها إليه مغمض العينين، ويقبّلها مغمض العينين فيضحكها ذلك وتمد أصابعها تحاول أن تفتح جفنيه. يعجبه ذلك فيشدهما بقوة حتى تقول له: بابا، قم! وتنهض وهي تسحبه من يده. عندئذ يستعيدها ليعانقها فتستكين بين ذراعيه سعيدة ومعتدة بانتصارها. تتأملها منور وتفكر بسحر الحب. يحتاجه الأطفال ليشعروا بمكانتهم، ليؤمنوا بأنهم مدللون ومهمون، ويكبرون بذلك الحب.‏

تفادت منور عناق ليلى كيلا تذكرها بعناق الصباح الذي تخصّ به أباها ويخصّها به. وكانت تخاف من تدفق الحزن من خلال وهن الحب. فلجأت إلى التظاهر بالقوة. بأن أيا منهما لاتحتاج المحبوب الذي غاب، وستقبلان الحياة دونه ولن تكونا دونه ضعيفتين. استمر ذلك بعد موت بهاء. بكت ليلى بحرارة يوم أعلن الزائر الغريب مقتل بهاء وأعطى منور مذكراته الدامية. بكت من قلبها، وخيل لمنور أنها لم تر حبات دمع أكبر من دموع ليلى. ثم تجاهلت ليلى غياب بهاء، ولم تعد تذكره. بدت كمن نسيه. وأراح ذلك منور لكنها لم تنخدع بذلك الظاهر. فقد اختفى من البيت نصف الأسرة، اثنان، معتصم وبهاء! في بعض الليالي صرخت منور: أكان يجب أن أحمل أنا فقدين في وقت واحد؟ ياللظلم! لكنها حرصت على ألا تشعل ضوء غرفتها. وتحملت امتداد الليل وثقله منتظرة الفجر. شغلت نفسها بتحضير فطور جيد لليلى. الرز بالحليب المبطن بعصير البرتقال، والفطائر بالقشدة، المأمونية مع القرفة، السحلب، الهيلطية، كشك الفقراء مع الفستق الحلبي وماء الزهر. وكأنهما اتفقتا دون كلام على ألا يمسّ حزنهما الطعام فأكلت إحداهما كي تأكل الأخرى. قصدت منور ألا تطبخ طعاما كان يحبه بهاء. حتى سهت ذات يوم فحضّرت ملوخية على الطريقة المصرية. شعرت بخطئها وقت بكت ليلى فجأة وركضت إلى فراشها وغمرت وجهها بوسادتها. هرعت منور إليها وتحدثت عما تفادتا الكلام عنه. يجب أن نألف أنه غاب عنا. لكن يجب أن نستبقيه بيننا بالفرح لابالحزن. لم يعلّموك في المدرسة بعد أن الشهداء لايموتون لأن البلاد لاتبقى إلا بهم! لو كان الناس كلهم مثلنا يعيشون في بيوتهم ولم يخرج للدفاع عن الأوطان أحد لما بقي بلد كريما. قدرنا ياليلى أن نفقد أحباءنا لأنه لابد من الدفاع عن هذه البلاد. ستقرأين ذات يوم في التاريخ أننا محظوظون ببلاد ذات حضارات قديمة، فيها بدأ الإنسان يزرع ويحصد ويبني بيوتا جميلة فلم يعد صيادا يطلب المأوى في كهف. فيها كتب الإنسان أول مرة بلغة كانت خطوطا ثم صارت أحرفا. تقع هذه البلاد على طريق القارات. وفيها إلى ذلك ثروات وتراب خصب ومياه وأماكن مقدسة جميلة، وربما فيها أشياء أخرى ثمينة نجهلها. لذلك أتاها الغزاة من زمان طويل. فكان يجب أن يدافع عنها أهلها. كان فيها كثيرون مثل أبيك. جعل هذا حتى التراب ثمينا. كل ذرة تراب ياليلى منهم، طبقات فوق طبقات. ولابد أن بنات كثيرات لانستطيع أن نعدّهن فقدن مثلك آباءهن. والآن في سورية ومصر والعراق وفلسطين ولبنان توجد مثلك بنات بقي آباؤهن في فلسطين. فأحبيها كلما تذكرتِه، أحبيها كلما شعرتِ بغيابه! إياك أن تنسيها ياليلى، وإياك أن تسامحي بها الغرباء الذين سرقوا بيت خالتك وقبور أجدادك! أحبيها بمقدار ماتحبين الشام! ولاتفصلي الشام عنها أبدا!

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:40 AM
.

استمرت ليلى في البكاء فبدت منور كمن تكلم نفسها. لكنها كانت تعرف أن ليلى تسمع كلامها وأنها تحفظه لأنه يفسر لها لماذا قتل أبوها في الجليل. وكانت منور تعزّي نفسها خلال كلامها وهي تذكّر نفسها بأنها واحدة من ملايين النساء في بلاد الشام اللواتي فقدن أحباءهن وسيفقدنهم بعدها. كأن مصيرهن معلق بالعدل في الدنيا كلها. بيوم لايأتي فيه غريب إلى هذه البلاد إلا ليزور حضارتها ويمشي في أزقتها ويعجب بنظافتها وبساتيها. بغابات الفواكه التي تحيط بدمشق حتى تلامس الصحراء، بالجبل الذي تسند دمشق إليه ظهرها ويجري نهرها في واديه ويتسلق بفروعه شَرَفيها، ويعبر صخورها ليروي بساتينها في السفح ويدير نواعير الصالحية ويغسل حماماتها ويشطف مدارسها التاريخية وأضرحتها. ويوم لن يأتي غريب إلا ليتذكر الشعر الذي صدح في أمسياتها وترقرق على ضفاف سواقيها، عندئذ ستمد النساء أيديهن ويلتقطن له الورد الذي تحمله سواقي البيت، وسنقطف له الياسمين ونحبكه عقودا وأساور، وسنضع له الفلّة قرب كأس الماء، ونعلّمه كيف يعطر الملابس بصابون الطّيب. وسيصيد الزوار الجالسون على ضفاف يزيد مثلنا حب الآس الذي سقط من شجيراته الكثيفة في الماء.‏

استدارت ليلى فجأة عن فراشها وعانقت منور. بدت دافئة صغيرة نحيلة وهي تتنهد من البكاء. وكادت منور تبكي عندئذ من الشفقة عليها. لكنها قالت لها وهي تربّت على شعرها: سنأكل الطعام الذي يحبه بهاء، وسنشعر بأنه معنا!‏

بعد ذلك اليوم صارت منور تقصد أن تدعو أولاد سعاد إلى الغداء، أو زميلات ليلى في المدرسة. وملأ ذلك البيت بالضجة التي فقدها في غياب نصف الأسرة، وبأصوات أخرى شغلت ليلى.‏

وجدت سعاد الصحون على الطاولة فنادت: اتركي القهوة الآن يامنور! سنشربها بعد الغداء! بلعت منور غصّتها بكأس ماء وعادت إلى سعاد. وركضت ليلى لتفتح الباب لرفيقتها: تركتني سمر لتخبر أمها بأنها نجحت، ورجعت لتتغدى معنا! فسّرت منور لسعاد: ابنة جيراننا في الصف نفسه مع ليلى! بيتها في البنايات الجديدة في عين الكرش وراء سوقساروجا!‏

تفرجت سعاد على صديقة ليلى. تابعت اللغة التي تتكلمانها همسا وبالإشارات. كانت النظرة كافية لتعيد كلا منهما إلى قصة طويلة تتذكرانها. أيمكن أن تكون لهما في هذا العمر حكايا تستعيدانها؟ كبح حضور سعاد في البداية ليلى ورفيقتها، ثم نسيتاها. وتظاهرت سعاد أيضا بأنها لاتنتبه إليهما. لكنها تابعت الصمت والهمس بينهما، وبريق العيون، واحمرار الخدود، والضحكة المكتومة. يالهذا العمر الجميل الذي يتفتح بعيدا عن الهموم! كم ابتعدنا يامنور عن الطفولة!‏

ذات يوم سيكتب راشد كيلاني عن تلك اللحظة التي عاشت فيها ليلى ورفيقتها وراقبتهما فيها سعاد: "عندما استسلم الحي اليهودي للقوات الأردنية في القدس ضغطت أمريكا وإنكلترا على مجلس الأمن فأصدر قرارا يلزم بوقف إطلاق النار. بدأت الهدنة في 11/6/1948 وطوال ثمانية وعشرين يوما تجول مندوبو اليهود في اوروبا وأمريكا طالبين السلاح وغيّروا مجرى الحرب. اشتروا من مركزهم في تشيكوسلوفاكيا طائرات مسر شميدت الألمانية المقاتلة وأودعوها في براغ كقطع تبديل وحضروها في ورشة في براغ واستعانوا بحكومة تشيكوسلوفاكيا، ونقلوها إلى إسرائيل. واشتروا أربع قلاع طائرة قاذفة للقنابل من الولايات المتحدة جُهز كل منها باثني عشر مدفعا رشاشا، أغارت على دمشق والقاهرة.‏

كانت سورية قد أوفدت فؤاد مردم لشراء أسلحة من تشيكوسلوفاكيا. شحنها على سفينة. فلاحقها الصهاينة، ورشوا عمال ميناء براتسلافا فأخّروا إبحارها. أمّن فؤاد مردم إبحارها. لكنها عادت من عرض البحر كأنها تخشى عاصفة. وفجّرها البالماخ الذين تخفوا كبحارة. لكن الأسلحة أنقذت. دبر فؤاد مردم باخرة أخرى نقلتها. فسرّب الصهيونيون بعض رجالهم كبحارة. قبل وصول الباخرة إلى بيروت اعترضوها في البحر ونقلوا الأسلحة منها إلى سفينة إسرائيلية وأغرقوها".‏

هزّ قصف قوي بيت منور. فهبّت واقفة واندفعت إلى غرفة ليلى. وصل اليهود إلى هنا؟ ماذا حدث؟ ضمت منور ليلى إليها وسمعت دقات قلب ليلى على صدرها. رجع الهدوء وكان عميقا حزينا طويلا. ثم تدفقت أصوات الناس في الطريق. هل تترك منور ليلى وحدها في البيت لتستطلع ماحدث؟ تتركها وقد يعود ذلك الانفجار؟ لا، يجب أن تحميها بجسمها! لاحظت أن وجه ليلى اصفر. فسقتها ماء الزهر، وغسلت وجهها. ثم أمسكت بيدها وخرجتا من البيت في حذر، كما سيخرج مئات الأطفال الفلسطينيين وأهلهم بعد عقود ليفحصوا البيوت والسيارات والأسواق التي يقصفها الإسرائيليون! وجدت النساء والرجال والأطفال يمشون في اتجاه واحد، وجرت معهم. سمعتهم: قصفت طائرة يهودية دمشق! يأتوننا من السماء التي نفتح نوافذنا في الصباح عليها، وننتظر فيها قمر الليل! كانت ليلى لاتقبل أن تلبس معطفا إلا إذا تفرجت على السماء ووجدتها مغلقة بالغيوم. وكانت منور تحاول دائما أن تقنعها: برد، ولو كانت السماء صاحية. هذا شتاء، البسي معطفك! كم مرة تكرر ذلك الحوار بينهما؟ من تلك السماء التي يتجول فيها السنونو في المساء نزلت قنابل الطائرة. كم كانت منور تحب مساء دمشق الحافل بأصوات السنونو وهيجان أسرابه التي تدور في سماء المدينة! جرت مع الناس وهي تشد قبضتها على يد ليلى. لكنها لم تمش كثيرا! على بعد مئات الأمتار من بيتها لمحت البناء المقصوف. فارتدّت إلى الوراء لتعود بليلى لكن ليلى جرّتها وهي تركض وتصرخ: سمّورة! بذلت منور جهدا كي تكبح ليلى. ولكن هل يمكن أن يخفى دمار بناء؟ طوال نصف قرن قادم لن يستطيع أحد أن يمنع الناس من الوصول إلى البيوت التي تقصفها إسرائيل، ليجمعوا الأشلاء وينقذوا الضحايا. وسيكون القتلى والضحايا دائما عربا، فلسطينيين أو لبنانيين أو مصريين أو عراقيين!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:41 AM
.

عندما وصل رجال ونساء بملابس بيضاء، أبعدت منور ليلى قسرا. ضمتها إليها بالقوة وجعلت ظهرها إلى الناس. وظلت تقبض عليها حتى استسلمت. وكأنهما تفاهمتا على أن منور ستعرف الحقائق فيما بعد وسترويها لليلى. لكن فات منور أن سمع ليلى صار بصرها. وأنها عرفت الموت الذي تمنت ألا يكون مصير سمر التي دللتها فنادتها سمّورة. عرفت أن القتلى والجرحى نقلوا. لم تعد منور تشعر بتوتر ليلى على جسمها. ثم ارتخت وكادت تسقط لو لم تشدها منور إليها. عادت بها على ذراعيها. ورفضت أن يحملها أحد من الجيران الذين مدوا لها أذرعهم.‏

جلست منور في غرفة معتمة قرب ليلى. متى كانت تغني لها أو لأخيها؟ متى كان صوت منور شجيا عميقا حلوا مطربا وحزينا؟ من قصّ ذلك الماضي عن الحاضر ورماه كأنه من قرون سحيقة؟ رددت بينها وبين نفسها: ياربي! وكادت تطلب منه، كما يطلب الضعفاء، أن يرجم الظالمين بتلك الحجارة من سجّيل! ثم نفضت ظهرها فاستقام. ظلت تربّت على شعر ليلى: كم هو ناعم! وياله من حرير ثمين!‏

كانت سمر قد حملت، دون أن تدري، بعض حِمل منور بصداقتها لليلى. بحرارة مايصل طفلتين في عمر واحد في صف واحد وفي بيوت متجاورة. وهاهي تُسرق منها! هل تستطيع منور أن تستنجد بأولاد سعاد؟ ستفهم ليلى ذلك كلعبة وسترفضها. لانستطيع أن نمنع الحزن عن الأطفال! هل نلام إذا كرهنا اليهود الغرباء وحقدنا عليهم، وإذا عشنا في انتظار أن نصبح قادرين على ردّهم عن المدن التي احتلوها؟ هل يمكن أن يعترف أي واحد منا بأن ماسرقوه صار حقهم الشرعي، ولو اعترفت دول العالم كلها لهم ومنها الدول العربية؟ من سيعيد لنا القتلى الأعزاء، من سيعيد لي بهاء ويعيد السمّورة لليلى؟ كبرت ليلى مبكرا، ولاتستطيع منور أن تمنع هذا النضج الحزين! لكنها شعرت بأنها يجب أن تدلّلها وأن تظهر لها الحب كأنها مئات الأمهات.‏

بدأت تربت على راحة ليلى، ثم تطوي أصابعها إصبعا إصبعا كأنها تكرر لعبة بهاء مع ليلى. واستسلمت ليلى لها. وكأن الذكريات ملأت الغرفة حولهما بنسيم ناعم. غدا ستبحث منور عن الأحياء من أسرة سمر، وستزورهم مع ليلى. ولتسمع ليلى كل ماسيقال!‏

نهضت منور فجأة، وفتحت الدرج الذي تضع فيه الصور. وأخرجت الصورة التي تذكّرتها، ورفعتها. تجمع الصورة ليلى وسمّورة، متشابكتي الذراعين، وإحداهما تميل برأسها نحو الأخرى. ماتزالان صغيرتين، ياربي! مسحت عينيها ووضعت الصورة قرب سرير ليلى. وعادت تربت على شعرها الناعم كالحرير.‏

وقفت ليلى مرات أمام صورة سمّورة. ثم ألفتها. يجب أن نعيش ياليلى الحياة التي لم يعشها المفقودون الأعزاء! يجب أن نتتفس الهواء عنهم، وندرس عنهم، ونشعر بأنهم يرافقوننا في الطرقات! ألا تشعرين بأن الدنيا تصبح أحلى عندما يوجد فيها حتى اولئك الذين قدّر عليهم أن يبكّروا بالرحيل منها؟!‏

رأت ليلى من النافذة غيوما وردية. مايزال الناس يغلقون نوافذهم لكن رائحة الربيع تهف. هل هذا عبق الربيع أم عبق العمر المزهر من الطفولة إلى الصبا؟ فتحت النافذة ومدّت نفسها منها لتحيط بأكثر مايمكن أن تحيط به من الغيوم. بم فكرتِ ياليلى؟ وأي فرح هطل عليكِ كالمطر وبللك؟ ألم تلاحظي أن الناس يمشون في الشارع بالمعاطف؟‏

وضعت كرسيا وقفت عليه وفتشت الرفوف في أعلى الخزانة. انحنت وفتشت الدروج في أسفلها. هاهي! تنورة مزهرة بشيالين من الكشاكش وبلوزة بيضاء! خلعت الثوب الصوفي الذي اشترته لها منور من المخزن الهندي الكبير ولبستها. وخرجت من البيت.‏

مشت في اتجاه الغيوم الوردية. وتبينت أن ألوانا بنفسجية صارت ترتسم في أعماقها. في مكانٍ تغير اللون الوردي وتوهج، وفي مكانٍ آخر أعتم. قطعت شارع الصالحية. وأصبح الضوء نفسه ورديا عندما وصلت إلى شارع أبي رمانة الذي فُتح وسط البساتين. لاشيء يحجب عنها الغيوم هناك. أمامها حديقة أبي العلاء المعري في أعلى الشارع، حديقة جديدة مرتبة، يسيل الماء في قنوات فيها من الحجر. فيها بعض أشجار ومدرج أخضر وبعض مقاعد وضعت في المطل على منحدر الشارع والبساتين حوله والحديقة. من يتصور أن الشارع سيجرف بساتين أبي رمانة ويحرم المدينة منها، وستتفرع منه شوارع أخرى تبدد بساتين كيوان والنيربين والمئذنة والربوة؟ ماتزال البساتين تطوق البيوت. وماتزال البساتين تحيط بالطرقات التي عبرتها ليلى. شجر المشمش والجوز والتوت على مدّ العين. وفي أول شارع أبي رمانة تدفق الماء على العشب قويا ذا رنين. وزاد ذلك من البرد. وليلى بقميص صيفي قصير الأكمام، بتنورة صيفية مزهرة! في طريقها عبرت قلّة من الناس فهل نظروا إليها دهشين أم مشفقين؟‏

جلست على طرف حاجز الحديقة. كأنها أحاطت نفسها بالغيوم والسماء. تجاهلت البرد. تتدفأ بوهج الغيوم؟ خيل إليها أن الهواء نفسه أصبح ورديا. كانت السماء مدهشة لكن الأرض موجودة أيضا. يالهذا الصحو! ماأبعده عن دوارها عندما تستلقي على السطح فتصبح السماء وحدها موجودة، ويتسع الكون حتى يصبح دون نهاية، دون سقف، دون قعر، دون موطئ لقدميها. فتظن أنها تسبح في زرقة عميقة. ليل النجوم غير ذلك! تضحك منور وهي تجلس قربها: تفرجي على نجوم درب التبّان! كنت أحبها كثيرا وأنا صغيرة! درب من النجوم! عندما تتأملين النجوم زمنا، تحبينها، وتفهمين لماذا علق العرب القدماء مواليدهم بأبراج السماء. كانت دليلهم إلى الطريق في صحراء لاثوابت فيها. ليتك تختصين عندما تكبرين بالفلك. علم العرب العظيم الذي نثر مراصدهم في أنحاء بلاد الحضارة الإسلامية!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:42 AM
.

كانت ليلى في مثل تلك اللحظة تنتبه إلى أن منور تريدها أن تعمل مافاتها أن تعمله. في ذلك اليوم سألتها: أحببتِ أنت أن تدرسي الفلك؟ ياليلى، يتمنى الإنسان أحيانا متأخرا مالم يعد قادرا أن يعمله. في الشباب لم تشغلني النجوم! عندما انتبهت إليها كان الشباب قد مرّ وأجيال أخرى تدرس في الجامعات. عندما رأت منور في دفتر الرسم على طاولة ليلى، سماء نيلية فيها نجوم بيضاء وصفراء وبرتقالية قالت لليلى: ماأجملها! ارسمي ياليلى، ارسمي! لاتقلدي ماترينه بعينيك بل ارسميه كما ترينه بقلبك! تمنيتُ لو أستطيع الرسم! سألتها ليلى: كنت تحبين أيضا أن ترسمي؟ ضحكت: أحببت الرسم. رسمت لنفيسة طواويس على قماش لتطرزها. بقيت تلك الطواويس على ستائر غرفتها!‏

هل أدهش ليلى أن أمها تمنت أشياء كثيرة في الحياة؟ قالت لها مرة: لكني لاأستطيع أن أكون رسامة وفلكية فوق ماأريده أنا! التفتت إليها منور: لن تكوني إلا ماتريدين أن تكونيه! ولكن ماهذه المفاجأة؟ يعني فكرت بينك وبين نفسك بم تريدين أن تكوني! لم تلمها إلا لأنها لم تشاركها في قرار مهم! ولم تكن تكلمها كما تكلم طفلة، بل كما تكلم صديقا في عمرها. ردّت ليلى: قررت أن أكون طبيبة! طبيبة ياليلى؟ لماذا؟ ظلت ليلى تتذكر تلك البرهة سنوات طويلة وستحدث عمرا عنها، فيما بعد. ردّت: كي أمنع الموت! إذا ذهب رجال مثل أبي ليستعيدوا بلادنا سأكون معهم! وضعت منور كفيها على وجهها وبكت. وغضبت على نفسها لأن ليلى أخذتها فجأة فهربت إلى غرفتها. كانتا إذن تخفيان الرجل الذي بقيتا تعيشان معه بالرغم من غيابه! لكن ليلى ستعرف ذلك في عمق فيما بعد. عندما يصبح الغائب رجلها الذي أحبته متأخرة.‏

هل استعادت ليلى حديثها مع أمها عن الأمنيات وهي جالسة على طرف حديقة أبي العلاء المعري بثياب صيفية في برد شباط؟ بل كانت بقوة الفتوة مبهورة بما تقدمه الحياة. المستقبل والحاضر أقوى من الماضي لمن في عمرها. ولم تدرك هناك اختلافها عن منور. ولن تدركه إلا بعد عقود عندما لن تكون منور موجودة، ولن تكون ليلى قادرة على التعبير عما فاتها أن تقوله لها مخترقة مابينهما من مهابة تحاشتا بها ماتفجره العواطف.‏

انصرفت ليلى إلى الضوء الوردي. تقلبت فيه وهو يخبو ثم يندلع فجأة ناريا. تلفتت لتعرف من أين أتى ذلك الوهج في آخر النهار. كان متدفقا كأنه وداع الضوء العظيم. هجم لون بنفسجي، ثم رمادي. انسحب الوهج وانتهت الفرجة فنهضت ليلى ومشت راجعة إلى البيت. كانت البساتين قد غيّرت ألوانها وأصبحت مهيبة بلونها النيلي القاتم. لكن السماء مقابل ليلى أصبحت مذهلة بلونها النيلي العميق. وتقدمت ليلى منها.‏

لم تنتبه إلى البرد؟ عندما وصلت كانت ترتجف. كانت منور قد رأت الثوب الصوفي على سرير ليلى. إلى أين خرجت ليلى التي ترتب عادة ثيابها؟ هل تعترف بأن خوفها عليها يتجاوز الخوف على ولد؟ تشعر منور بأن ليلى لها الحاضر والمفقودين. وتكبح نفسها كيلا تقيّد ليلى بحب يفرض قيودا تأسرها وتذبلها. كان يمتعها أن ترى ليلى تنمو حرة، مستقلة عنها، وأنها قررت ماستدرس في الجامعة وهي لم تنه بعد المدرسة. كادت تقع من القلق عليها. وتبيّنت كم هي ضعيفة وهشة في خوفها على ليلى. خنقت قلقها عندما رأتها من النافذة تمشي كالطير الحرّ. ماأجملها! أصبح هاجس منور أن تبقى حيّة لتحرسها حتى تكبر. وأن تبقى قوية كي تكون شراشف ليلى نظيفة، وملابسها جميلة، وطعامها طيبا.‏

لفّتها منور بحرام صوفي نبيذي وسقتها كأس شاي بالزنجبيل. استسلمت ليلى لذلك الدفء وهي ترتجف. لم تسألها منور أين كنت. قالت ليلى جملة واحدة: كان لون السماء ورديا. "بيجنن"، يامنور! عندئذ قالت منور: مشوار بثياب صيفية في البرد؟ إذا اشتقت إليها البسيها في البيت! وهل ستلبسين ثوبك الصوفي في الصيف؟ ياليلى، لكل شيء أوان! العنب طيب في آب، والبطيخ لذيذ في الحر، والبرتقال للشتاء، والزبيب والتين والجوز لأيام البرد! يوم يخرّب التقدم الدورة الزراعية، فتضيّع الفواكه والخضار أوانها، ستقول ليلى: لاأحب البطيخ إلا في الحر. ولاآكل العنب إلا في آب. ولاأقبل البرتقال إلا في الشتاء!.‏


لماذا يبدو لنا أننا سنبقى ثابتين إلى الأبد كما نحن في هذه اللحظة؟ لم يخطر لمنور التي تحملت كارثة المجاعة في بيروت خلال الحرب العامة، ووزعت أرغفة الخبز على الجائعين فأنقذت فتيات من الدعارة، أنها قد لاتبقى ذات يوم متماسكة وقوية. بل خيل إليها أنها تحملت مقتل زوجها وابنها في شجاعة. وستقول سعاد: كان ذلك صحيحا، حتى فتحت الانقلابات العسكرية جروحها! أنا التي عشت في فلسطين أيام الثورة ورأيت ظلم الاحتلال أعرف أن الإنسان ليس صخرة، واجبه أن يعطي للحزن حقّه! منور تكابر وياخوفي من أن تقع فجأة!

لم يخف على سعاد أن "مرض" منور يبدو في قلقها على ليلى. فكرت في أختها تلك الليلة وبحثت عن طريق إليها. ثم قررت أن تنبش ما تخفيه منور وتتركه يأكلها قطعة قطعة. قالت لها: اسمعي! راح بهاء فدى فلسطين مع من راح فدى لها. كسر ظهري غيابه، أنا أيضا! يوجعني أني لم ألتق به في المرة الأخيرة إلا وأنا آتية من فلسطين وهو ذاهب إليها. لم أسقه فنجان قهوة! لكن لنفهم أن ذلك قراره. كان يمكن أن يقتل في ثورة 36 يوم كان مع المتطوعين العرب! كسب أكثر من عشر سنوات من الحياة بعد تلك الثورة، شاركتِه أنتِ فيها! غضبت منور: يحسب علينا مانعيشه كأنه هبة، وكأن الموت هو الطبيعي في هذه البلاد؟! نستحق غير ذلك، ياسعاد خانم! هذه بلادنا، لم نسرقها من أحد ولم نأت إليها كالمستوطنين اليهود الغرباء عن بلادنا ولغتنا وعاداتنا! قتل بهاء في الجليل وهو في ذروة قوته ونضج عقله! أنا التي خسرته؟ خسرته بلاده! وخسرته ليلى! ولاتزال طفلة!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:43 AM
.

هل أخطأت سعاد، بالرغم مما صرفته من ليلة الأمس في التفكير، عندما سلكت هذه الطريق إلى منور؟ قررت أن تمشي إليها بخط مستقيم. قالت: إذا كنت تخافين على ليلى فابعدي الحزن عنك! لاتظني أن الأطفال لايلاحظون مافي قلوبنا! لكن افهمي أن حزن الأطفال ليس كحزننا. حزنهم حار لكن الدنيا التي أمامهم تشغلهم عنه. سيدخل أشخاص جدد إلى حياتهم وسيصبح المفقود ذكرى حلوة. نحن الذين لانستطيع أو لانريد أن نجدد المحبوبين، نظل ندور حولهم وننتشل التفاصيل التي لم ننتبه إليها فنجعلهم أحياء أكثر مما كانوا، فنزيد في حزننا عليهم ونصبح في غيابهم أكثر وحدة! هزّت منور رأسها! يريحها أن تطمئنها سعاد إلى أن ليلى سترى بهاء كذكرى حلوة، وستحفظه لكن أشخاصا آخرين سيأخذون المكان الواسع الذي تركه! يريحها أن تعترف سعاد بحزنها على بهاء وأن تفهم أن منور قررت أن تبقيه حيا أكثر من الأحياء وتعتّق حزنها عليه! ولكن لماذا بدا معتصم كأنه منسي؟ مع أن معتصما قطعة من روحها؟ ألأن الثكل عميق ومؤلم لذلك تتفادى سعاد أن تلمسه، ويتفادى ذلك الناس، وتحاول ليلى ألا تذكر معتصما بالرغم من أنه كان لها كالأب الحنون؟ أم لأن موته مؤلم أكثر من موت بهاء، لأنه مخجل، لأنه موت برصاص سوري بعد الاستقلال؟ كانت صورة بهاء تطل عليهما من الحائط، وبدا بابتسامته الرائقة كأنه يشارك سعاد كلامها إلى منور. رأت منور فيه روحا أخرى وهي تنظر إلى الصورة. لكنها انتبهت إلى غياب صورة معتصم من أي مكان في البيت. كيف حدث هذا الغياب؟ هل قصدته لتهرب من وجعها الأكبر؟ لايحزنون على الابن عندما يستعاض بآخر يعزيهم عنه. لكن من ينجبه راح معه! وياسواد ليلك يامنور!‏

فهمت سعاد أن قلق منور يبدو في خوفها على ليلى. كأنها تريد أن تجعل ليلى تكبر خارج الأحداث. بعيدا عن الحزن العام وحزن منور، بعيدا عن ضياع فلسطين ولجوء سعاد. يجب أن تعبّ ليلى كثيرا من الأفراح، وأن تعيش فتوتها كفراشة حتى تكبر، بعدئذ فلتختر ماتسمعه أو تسعى إليه من الهموم والأحزان! يامنور، كوني عاقلة! هل لديك مقص تقصين به ماتلصقينه حول ليلى وما تحذفينه؟ هذه حياة، اخترنا أن نعيش في وسطها. لم ننف أنفسنا إلى هامشها! تساءلي دائما لو كان بهاء حيا ماذا كان يفعل؟‏

في ذلك اليوم حملت منور صورة معتصم وقصدت محل "فمينا" قرب البارلمان، أفخم مخزن في طريق الصالحية. بحثت هناك عن إطار للصورة. تبينت لهجة البائعة الفلسطينية.‏

- من أين أنت؟‏

- من حيفا!‏

- من البلد التي ولدتُ فيه، إذن! أتيتِ مع اللاجئين؟‏

- رأيت الموت مع أهلي قبل أن أصل مع اللاجئين! هجم اليهود علينا بالرصاص والقنابل!‏

- مااسمك؟‏

- ميمي! أصلي يوناني!‏

تجد منور فلسطين أينما تلفتت. لو تستطيع أن تقول للغرباء الذين قرروا التقسيم في مجلس الأمن ووهبوا الغرباء أكثر من نصف فلسطين، لو تفهمون أنكم لم تحلوا المشكلة بل غرستم أساسا لها. فلسطين موجودة في عمرنا فكيف تقصونها منه؟ بالقوة والقتل؟ لابد إذن من القصاص واستعادة المدن المسروقة!‏

- ياميمي، هذه الصورة لابني الذي قتل هنا باسم فلسطين! انتقي لي أجمل إطار لها!‏

- هذا أبسط إطار ياخالتي! وهو أجمل إطار. تفسد الزخرفة جلال الموت!‏

- لذلك لم أكبّر الصورة. فلتسبح وسط هذا البياض!‏

- نعم ياخالتي، لاتحتاج التكبير!‏

بيدين ناعمتين رشيقتي الأصابع ثبتت ميمي الصورة في الإطار ولفتها بورق أزرق. وضعتها منور على الصندوق المصدف. فلاحظتها ليلى وأدهش منور أنها لمستها مبتسمة: معتصم! ماأحلى ابتسامته! هزّت منور رأسها. يبدو أن الحق مع سعاد! شاركت ليلى في تأمل الصورة: صحيح، وماأحلى أسنانه!‏

حدث ذلك قبيل انقلاب حسني الزعيم.‏

حضّرت منور الفطور، وضعت بيضة في صحن ليلى، سكبت حبة من المكدوس ووضعت الصحن في أفضل مكان بين صحون اللبنة والمربى. تحب ليلى في الصباح أن تشرب الشاي وتأكل معه المكدوس. تنظر إليها منور في متعة وهي تتذوقهما كل صباح. لاتغير العادة أبدا طربها بهما! لكن منور تدفع البيضة اليومية بين تلك الصحون كمن يؤمن بأن ليلى تكبر بها. هاهي ليلى ذات هوى وطباع: لاتقدم شيئا على فنجان الشاي والمكدوس في الصباح، وتترك كأس الحليب للمساء. الفطور جاهز، ستجده ليلى في انتظارها على الطاولة عندما تدخل إلى المطبخ. وستجلس مقابل عريشة البنفشا البيضاء التي نثر الهواء تويجات زهرها على الحارة أمس! تستطيع منور إذن أن تشعل الراديو لتسمع أخبار الصباح في هذه الدنيا التي لم تهدأ منذ حرب فلسطين!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:44 AM
.

سمعت موسيقى عسكرية! خفضت الراديو وانتظرت. نظرت إلى إبرة الراديو. نعم، الإبرة على إذاعة دمشق! ماذا جرى إذن؟ أنصتت وانتظرت. انقطعت الموسيقى. "بلاغ رقم واحد"! كادت تندفع إلى الطريق. هدأت نفسها. واستمعت إلى الصوت. كأنه يعلن انقطاع الحياة المألوفة! "مدفوعين بغيرتنا الوطنية ومتألمين مما آل إليه وضع البلد من جراء افتراءات وتعسف من يدّعون أنهم حكامنا المخلصون، لجأنا مضطرين إلى تسلم زمام الحكم موقتا في البلاد التي نحرص على المحافظة على استقلالها كل الحرص، وسنقوم بكل مايترتب علينا نحو وطننا العزيز غير طامحين إلى استلام الحكم، بل القصد من عملنا هو تهيئة حكم ديمقراطي صحيح.."‏

لاتهمها البقية! أسرعت إلى الروزنامة وانتزعت ورقة اليوم السابق منها. هذا زمن جديد، يبدأ في الثلاثين من آذار سنة 1949.‏

كانت ليلى قد خرجت من الحمام مغسولة الوجه، ممشطة الشعر، جاهزة للفطور. تجلس في السابعة والنصف تماما كل يوم لتستمتع بفنجان الشاي والمكدوس على مهل. تخرج بعد عشر دقائق من البيت. يكفيها مابقي من الوقت للوصول إلى مدرستها في طريق الصالحية! مدرستها التي كانت ذات يوم معهد الطب الأول، وكانت قبل ذلك قصر زيوار باشا. بناء من الحجر والقرميد تحيط به حديقة واسعة. قالت لها منور: كلي بهدوء! وابتسمت: كأنكِ في يوم عطلة! ماأحلى عيني ليلى الدهشتين!‏

- ستنتظرني رفيقتي قرب الباب!‏

- أدخليها عندما تأتي وادرسا هنا! المدرسة مغلقة ومصفحات الجيش في الشوارع.‏

كادت ليلى ترمي نفسها على أمها. جيش؟ أي جيش؟ الجيش الذي قتل أباها؟ أم الجيش الذي قتل أخاها؟ وطمأنها هدوء منور.‏

استعادت منور قصة فساد السمن التي تناقلها الناس. حكوا أن القوتلي زار مع خالد العظم معسكرات الجيش. ثم تفقد طعام الجنود. وطلب أن تقلى له بيضة فلم يستسغ رائحة السمن. اختار تنكة سمن من مخزن تموين الجيش فتحت له فأيقن أنها فاسدة. فاعتقل أنطون البستاني المسؤول عن تموين الجيش. بحث النواب في البارلمان فساد التموين. وجد فيصل العسلي نائب بلودان، رئيس الحزب الاشتراكي التعاوني، فرصة ليلقي خطابا يهاجم فيه قيادة الجيش. أذلك رد حسني الزعيم قائد الجيش، أم خلفه مسائل أخرى؟!‏

عندما وصلت سعاد إلى بيت منور كانت ماتزال غاضبة. نقلت مارواه عبد الرحيم عن الانقلاب. اجتمع حسني الزعيم بضباط الجيش في القنيطرة، تحدثوا عن الهجوم على الجيش في البارلمان، وكتبوا مذكرة إلى رئيس الجمهورية. حملها له حسني الزعيم. فقال له القوتلي: صار ضباط الجيش كالمخاتير يجمعون التوقيعات ويحملون العرائض؟ زار القوتلي ضباط آخرون بينوا له أن غضب الضباط حقيقي، يتجاوز كلمة العسلي في البارلمان. ويبدو أن خالد العظم، رئيس الوزارة زار القوتلي ليبحث معه المسألة نفسها. جرى الحديث عن ذلك حتى في نادي الصفا. اجتمع الزعيم بالضباط في القنيطرة وقرروا الانقلاب.‏

قالت سعاد: لكن يبدو أن اتفاقية التابلاين ومباحثات الهدنة هي السبب. تردد البارلمان في التوقيع عليها. وسيوقع عليها بهذا الانقلاب! اعتقلوا القوتلي والعظم ونقلوهما إلى سجن المزة! واستقر حسني الزعيم كالطاووس في مديرية الشرطة! ومعه من يامنور؟! احزري! معه ابراهيم الحسيني! قال لي عبد الرحيم اطلبي من منور خانم أن تزور الحسيني وتفهمه مكانة القوتلي! وتذكّره بأن هذا الرجل الوطني حمل فلسطين على كتفيه! فلتذكّره بأن القوتلي كان من جمعية الفتاة!‏

ابراهيم الحسيني الذي كنتُ أساعد أمه في غسله؟! ابراهيم الذي سألوني رأيي في زواج أخته أسماء من الحبوباتي؟! سأذهب إلى أهله! بل سأذهب إليه! لايستحق القوتلي أن يسجن في السجن الذي بناه غورو! ولايستحق ذلك خالد العظم الذي ينفق من ماله على السياسة! هل ننسى أن خالد العظم رفض أن يستقبل الفرنسيين الذين أتوا بعد فيشي، في أسفل الدرج كما طلبوا، بل انتظر أن يصعدوا هم إليه؟! هل تنسى منور أن خالد العظم، ابن سوقساروجا، ألجأ الحكومة إلى بيته يوم قصف دمشق في أيار؟! قالت منور مازحة في مرارة: لخالد العظم فضل علي.. يوم عبرت الحكومة البحصة لتلتجئ إلى بيته، قصف الفرنسيون سوقساروجا وامتلأ بيتي بالغبار ورائحة الحريق! نعم، للرجل فضل علي! كان يمكن أن تتناول سعاد سخرية منور وتمدّ منها حديثا بينهما، لولا غضبها من اعتقال القوتلي. هل تذكر لمنور أنه جلس إليها في أيام الثورة وطمأنها إلى أن السلاح سيرسل إلى الثوار؟ ولم تكن يومذاك تعرف أنها ستجلس على ذلك السلاح طول الطريق! قالت: يرى عبد الرحيم أن أكرم الحوراني هو الذي كتب البلاغ رقم واحد! يظن الحوراني أن الانقلاب العسكري سينهي الفساد ونفوذ التجار!‏

كانت ليلى واقفة قرب النافذة تربت على القطة التي تمد لها رقبتها كلما اقتربت يد ليلى منها كأنها تطلب: وهنا أيضا! التفتت سعاد إلى ليلى ثم التفتت عنها. هل تقول لمنور: تمنيتِ أن تبعدي ليلى عن مصائبنا؟ تفضلي! احبسيها في غرفة!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:45 AM
.
خلال الحديث بعد القهوة بدا لمنور وسعاد أنهما ما كانتا يجب أن تفاجآ بالانقلاب. فالغضب بعد حرب فلسطين لابد أن ينفجر بشكل ما! رمى الناس التقصير على خيانة السياسيين، وضعف العسكريين، وتآمر الدول العظمى. ورمى العسكريون التقصير على السياسيين. ورمى السياسيون التقصير على الجيش! اتهموا الشرباتي بأن زوجته يهودية ليتوانية. وقالوا ماذا ينتظر إذا كان غلوب هو القائد الأعلى للجيوش العربية؟ أليس هو الذي اقترح صيد الجيش المصري بطريق يعبرها في الانسحاب؟ نبشوا حتى للقوتلي أخطاءه. يبدو أن فيصل العسلي أشعل عود كبريت! لكن المجنون فقط يرى أن هدف الانقلاب إبعاد العائلات الغنية عن حكم البلاد!‏

نهضت سعاد: سأمر بعمتي نفيسة. وأنت يامنور، اذهبي إلى ابراهيم الحسيني، يرضى عليك!‏

ربطت منور منديلها الأسود على شعرها وخرجت من البيت. كانت قد أرجأت قرارها حتى اللحظة الأخيرة: هل تقصد ابراهيم الحسيني في مكتبه أم تقصد بيت أهله؟ بعد خطوات مشت في اتجاه الجامعة. مكتبه في مديرية الشرطة مقابل الجامعة.‏

كأنما كانت جدران البيت تحجب عنها هواء نيسان! رفّ طرف ثوبها عندما أغلقت الباب. وشعرت بأنه ظل يرفّ مع خطوتها. فتلفتت كمن يبحث عن البساتين التي لابد أن تكون في أول اخضرارها النضر. وكأنما تدفق عليها مع النسيم رضا لم تعرف سببه المفاجئ. وستعاني فيما بعد مثل تلك الموجات من الفرح التي يثيرها النسيم، تتبعها موجات من الأسى. مشت مستقيمة القامة كفتاة في العشرين. لايستطيع ثوب الحداد الأسود أن يدفع عنها سحر شهر نيسان في دمشق! في نيسان ترتعش ثلوج جبل الشيخ تحت الشمس، تبرق وتذوب متسربة إلى بردى. وعلى عرض طرقات بلودان يسيل الثلج الذي ذوبته الشمس، وتزهر أشجار اللوز. وفي دمشق تكتظ عرائش البنفشا بأزهارها البيضاء والصفراء وتفوح بعطرها الناعم، وتبدأ بواكير الفواكه، ويصل المشمش الهندي في السلال من لبنان، وتبدأ حبات الفريز بالاحمرار في الأحواض، ويأتي الفستق من حلب في سلال الفلاحين، ويفوح المنثور، وتظهر أحيانا بقايا باقات البنفسج المتأخر على فرش يحمله فلاح.‏

لو أغمضت منور عينيها عن إشارة الروزنامة إلى الشهر لخمّنت من خفقة النسيم أنه شهر نيسان! لايمكن أن تخطئه! فهل تحجب قلبها عنه من الحزن على بهاء ومعتصم، ومن الاضطراب الذي بدأ يجرف البلد بأول انقلاب؟ تنهدت واستسلمت لنيسان. وانسابت على فرح ناعم هادئ لايريد أن يشعر بالذنب أو بالندم. لن تحاسب الشباب المتدفق في قلبها وقوة الحياة في مشيتها وحركة ذراعيها وخطوتها، ولن تسأله هل لها الحق فيه بعد أن غاب الحبيب، ولو كانت في هذا العمر! للبهجة بالشباب أعمار موقوتة لايجوز أن يتجاوزها أحد؟ لاتبالي بأن تصحح ذلك الآن فتهتف: ليست لروح الإنسان أعمار!‏

انسابت في أفكارها كأنها تسري على نسيم نيسان. ووصلت إلى نفيسة. ماأعجب أن تستعيد عواطف بهاء نحو نفيسة الآن وهي تمشي إلى ابراهيم الحسيني! كأنها تريد أن تشاركه فيها متسللة إلى علاقته الخاصة بها. كان بهاء يحب نفيسة لأنها العزيزة على أبيه، والجزء الحي الباقي منه؟! أم كان يدهشه شبابها العصي على العمر؟ كأنها كانت بحيويتها تهشّم تقسيم الحياة إلى شباب وكهولة وشيخوخة، بين بقاء وفناء! فكان بهاء يتأملها كأنه يستقصي أسرار الخلود! تتذكر منور الآن أنها قالت له مرة وهي تتابع نظرته المعلقة بنفيسة: تكتشفها بعد كل هذا العمر؟ ابتسم يومذاك، وكأنها ترى ابتسامته الرائقة الآن. قال: وأكتشف روحي! أكتشف أنواع الحب التي يستطيعها إنسان! وربما أكتشف ماتستطيع المرأة أن تكونه لرجل! تعرفين أني تبيّنت وأنا أنظر إلى نفيسة سعادة أن تكون لي أم لاأحتاج أن تطعمني أو تعنى بملابسي ونومي، بل أن تكون فقط موجودة؟ قالت له منور يومذاك: يابهاء ألا تحاول أيضا أن تتسلل إلى عمتي نفيسة لتعرف الدروب التي قطعها أبوك خالد آغا إليها؟ ابتسم: ربما، وذلك أيضا! لكن مايذهلني أن تبقى نفيسة خانم شابة بالرغم مما رأته من الموت!‏

هل أعاد منور إلى نفيسة نسيم نيسان أم شعورها بقوة الشباب؟ تنهدت! أي شباب هذا وهي مصبوغة بلون الحداد، وبلدها على كف عفريت! لا، لعل ماتشعر به من القوة ليس قوتها كفرد، بل قوة الأرض والناس التي تستمر بالرغم من المصائب والهزائم! انتصر المحتلون عليها، قتلوا رجلها المحبوب، خطفوا مايمكن أن يكون سعادة تمتد على بقية عمرها، لكن ذلك ومضة في الزمن في هذه البلاد التي كانت قبلها وستستمر بعدها! هل تقبض الآن على سر هدوء نفيسة بالرغم من الموت الذي خطف خالد آغا؟ وخطف سعيدا ونوري؟ ربما تصل الآن إلى السر الذي تقصّاه بهاء في بحثه عن شبابها وهمّتها!‏

انحدرت منور في الطريق المرصوف بالحجر الأسود بعد التجهيز ومشت بين حديقتين تحبهما. التفتت إلى يسارها ورأت البحرات في الحديقة. أحسن رجال الاستقلال يوم رتبوها لتستحضرعلى حافة الطريق بحرات دمشق والأندلس! اجتازت أشجار الكينا على يمينها وعبرت طريق بيروت ثم عبرت الجسر فوق بردى. مرت بين التكية والمتحف الوطني. أصغت إلى مئات العصافير التي لاتزقزق عادة في هذا الوقت من النهار، لكنها تحتفي الآن بهذا الطقس الرخي المنعش. رفعت رأسها إلى أشجار الكينا تحاول أن تتبين تلك العصافير. وفاجأتها أيضا أسراب السنونو التي تملأ سماء دمشق كل مساء. نظرت إلى ساعتها. هل جنّت العصافير في هذا اليوم وضيّعت أوقات الطيران، أم تحتفي بطقس نيسان وعبق الزنزلخت؟ مقابلها مستشفى الغرباء، المستشفى الوطني الذي رأت فيه ابنها معتصما على سرير أبيض مغطى بشرشف عليه بقع الدم. كان زملاؤه يحيطون به. وكانوا في عمره، طلابا مثله، تظاهروا لأجل فلسطين وصرخوا في الشارع كي يطوي السياسيون العرب خلافاتهم، وكيلا يضيعوا وقت الدفاع عنها باجتماعاتهم وخطاباتهم! أحرقت حلقها الغصة وبدا لها أن هذا الألم الذي تخفيه عن نفسها أعمق من ألمها على بهاء. ردّدت لنفسها: نعم، نعم، قتل معتصم في أول العمر. لم يكن في يده حتى حجر! كأنها صارت تمشي في قوة وهي تصعد على ضفة النهر وتنعطف إلى مديرية الشرطة. وكأن الغضب اجتاح روحها الرائقة وأبعد نيسان.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:46 AM
.

رأت حشدا من الناس أمام مديرية الشرطة، رجالا ليست بينهم امرأة. ألذلك استطاعت أن تخترقهم كأنهم شقوا لها الطريق، أم تراهم لمحوا هيبتها أو غضبها؟ عندما رفع الشاب الجالس وراء مكتب الحسيني نظرته إليها قالت: قل له منور خانم! لم تذكر حتى اسم ابراهيم الحسيني! بقيت واقفة أمامه كأنه تطلب منه أن ينهض فورا. من هذه المرأة التي تأمره؟ من هذه التي تبدو خصلة شقراء على طرف جبينها يزيدها سواد المنديل شقرة؟ ردد لنفسه: ماشاء الله، ماشاء الله! سألها: للتهنئة، أم لترفع طلبا؟ أشارت له بإصبعها: قل له منور خانم! وكأنها عقدت مابين حاجبيها! فنهض ليخبر ابراهيم الحسيني عنها.‏

فتح الباب لها، ورأت ابراهيم الحسيني يمشي إليها. انحنى كأنه أراد أن يقبل يدها فسحبتها. أجلسها ثم جلس قربها. لايمكن أن تكون أتت لتهنئه! أتت لتطلب شيئا. قال: ياخالتي، أمرك؟ لاتخطئ ارتباكه. يوم قتل بهاء كان يطرق الباب ويسألها دون أن يدخل: ياخالتي، تحتاجين شيئا؟ ويوم صار يطرق الباب عليها بعد قتل معتصم مكررا السؤال نفسه بدا لها أنه كان يبدو كالمذنب. وكانت تجيبه بالإشارة فقط. تركها ليردّ على التلفون. وماكاد يجلس حتى طلبه تلفون آخر. سألته: سجنتم القوتلي وخالد العظم؟! قل لأصحابك باابني، كأنكم ضربتم الناس على وجوههم! قل لهم لاتصدقوا من يهنئكم اليوم، لأنه سيكسر الجرار وراءكم غدا! استمع إليها. وتذكرت وهي تراه في بذلته أنها حمته ذات يوم من أمه التي همت بأن تضربه. هل تذكر أنها غسلته في حمام بيت أهله؟ وقفت فوقف: ياخالتي لم تشربي قهوتي! ردّت: شربت كثيرا من قهوة أهلك! ونظرت إليه نظرة طويلة.‏

لماذا عادت وهي تشعر بالشفقة عليه؟ ألأن مثله سيحمل عبء الخطأ وسيواجه الناس والبلاد؟ ألأن الذين يمدون أيديهم إلى السلطة ليحكموا بلدا ينساقون بمشروعهم، وتستخفّهم أيام النجاح، ويغريهم المهنئون، ويتكاثر عليهم المنافقون، فلايفكرون في أيام الحساب التي لاتذكر فيها غير الأخطاء؟ أم لأنها وهي تراه في بذلته ومكتبه فهمت أن الصبي الذي عرفته انتهى، مات، طوي، وأنها لاتتصل ببقاياه إلا بذكرى بعيدة. لايغير ذلك الحرارة التي قابلها بها! أم لأنها فكرت أيضا بأن مثله يفقدون حياتهم نفسها، عندما يصبحون خدما في مشروع يهرولون فيه النهار والليل؟ أم لأنها شعرت بالحدّ الفاصل بين ذلك البناء والشوارع، بين الدولة والناس؟‏

كأنما لمست أشجار الكينا الباسقة كتفيها، وكأنما لم تر بردى وهي تعبره مع أنها توقفت بمقدار غمضة عين على الجسر فوقه. ولم تتذكر أنها تحب هذه المنطقة في دمشق بين التكية والمتحف، وتنقل نظرها بين الكينا والتكية والنهر والحدائق التي تطل من الجانب الآخر على النهر. لاتترك وراءها آخر لحظة رأت فيها معتصما على سريرالمستشفى الوطني، بل تترك وراءها الماضي الذي كانت فيه تزور أهل الحسيني وتحمي ابنهم وتسمع همومهم الصغيرة وتفكر معهم في زواج ابنتهم ودراسة ابنهم. هل تقولين لنفسك يامنور أن حياتنا تنتهي ونحن نعيشها، وأننا نفقدها في كل خطوة نستمتع بها، في كل خطوة يكبر بها أبناؤنا، كأن الحياة هذه الدنيا التي تعبرينها الآن، وتصبح خلفك وأنت تتقدمين فيها! لكن فضيلة الإنسان أنه يستطيع أن يستعيدها بالذكرى!‏

مرّ فوقها سرب من السنونو الصاخب وهي تعبر واجهة التجهيز. ألا تلتفتين يامنور إلى هذا البناء الذي درس فيه معتصم؟ إلى هنا وصل مع طلاب الجامعة ليرفده طلاب التجهيز في تلك المظاهرة القاتلة! رفعت رأسها: وراء تلك النافذة كان صفه! ذهب معتصم وبقي البناء، وكأن مهمته أن يستبقي أطياف حياة لاتفنى تجمع الكهول والشباب، وتجمع الأجيال، وبمقدار ماتجمعه من الذاكرة تصبح قطعة من الموزاييك الذي يرسم المدن والزمان.‏

لماذا لم يخطر لمنور أن تقصد التجهيز كمن يطلب أن يجالس معتصما! لماذا لم يخطر لها أن تتوقف معه بين الطلاب كأنه يخرج من المدرسة في تلك الفسحة التي تفصلها الحدائق عن بردى، يستمتع مع أصحابه بالكلام، يضحك ثم يمشي معهم على عرض الرصيف والشارع مبطئا في العودة إلى البيت!‏

طمأنها ابراهيم الحسيني: لن ندخل الأحلاف العسكرية الأجنبية! قالت له كيلا يشعر بأن ذلك منّة: مكتبك ليس بعيدا كثيرا عن ساحة المرجة التي تشهد ماقدمه الناس للاستقلال! من يخطر له أن يعيد الاحتلال بالأحلاف العسكرية سترده البلاد من أولها إلى آخرها! لكن منور تعود مثقلة القلب بتساؤل يحرقها: لماذا تذهب الحياة هكذا، ويضيع نيسان إثر آخر، وشتاء بعد آخر! لماذا قدّر لها أن تفقد زوجها وابنها؟ كانت تتنقل بين قمم سعادتها فلماذا نزلت تلك السكين وقطعتها بالطول وبالعرض؟ هل تمس الآن حزنها كامرأة ترتب بيتها، وتحب زوجها، وتربي أولادها شبرا شبرا؟ هل تمس حقها كامرأة في الحب والأسرة السعيدة؟ قالت لنفسها: ليت بهاء كان شرسا! ليتني كنت غاضبة منه يوم قتل! ليتنا لم نكن كالسمن والعسل! ضمت قبضتها إلى جنبها وهي تمشي. شعرت كأنها تمسك بيد بهاء. وتذكرت عودته من فلسطين يوم سمعت زفّة في عز النهار، وأصوات أهل سوقساروجا الذين حملوه حتى الباب. ميزت يومذاك حتى صوت قفزته على الأرض ووقع قلبها في غيبوبة. أيمكن أن يكون مفقودا، وقد يعود ذات يوم فجأة كما يعود المفقودون؟ وتكون مذكراته التي وصلتها كرسالة من جريح أنقذ.‏

شدت قبضتها. إياك يامنور أن تسقطي في الوهم! إياك أن تكوني مثل أم إحسان التي بدأت منذ ذلك اليوم مسارها الطويل بين الصليب الأحمر والأمل باحثة عن الضابط الذي حمل عنك ذات يوم ليلى المريضة على ذراعيه! هل يجب أن تكون حياة بهاء مجسدة بوجوده؟ ألا تشعرين به في غرفتك وبيتك؟ ألا تمدين في الليل ذراعك كأنك تمسكين به؟‏

استدارت منور عن المرض الذي ستعاني منه في السر ولن تكتشف سعاد على منور غير ظلاله. ولن تستطيع أن تشفى منه إلا بحوار طويل بينها وبين نفسها، يوم تفحصه فترفض المتعة بالوهم وتميزه من الذكرى. يوم تفهم أن الوعي يجب أن يرسم الحد بين حقها في استبقاء بهاء حيا كشهيد وكمحبوب، وبين موته الحقيقي الذي يفرض أنه ذكرى لاتملك الحق في أن تكون عودة محتملة إلى الحياة. كانت منور في ذلك اليوم في بداية ماستسميه فيما بعد مرضها السريّ.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:46 AM
.
رفض القوتلي والعظم الاستقالة. تمسكا بأنهما شرعيان والانقلاب غير شرعي! دلّلهما حسني الزعيم فنقلهما إلى المستشفى العسكري. وأرسل لهما الجرائد التي تمدحه، وجهاز راديو. أضحك عبد الرحيم أن القوتلي سأل عندما أدخل إلى المستشفى العسكري: أين العلم السوري؟ ظن أنه مايزال رئيس الجمهورية!‏

أخيرا قبل القوتلي والعظم الاستقالة. وطلب القوتلي الخروج من سورية. رحل إلى مصر. أثنت سعاد على غضبه: الحق معه! فليراقب من بُعد ماسيفعل هذا المجنون في البلاد! قالت لها منور ساخرة: رئيس جمهورية "يحرد"؟ قالت سعاد: هذا مافهمتِه من سفره؟ لكن ماأعجب هذه الدنيا! روى لي عبد الرحيم أن كبار رجال الدولة ودعوه رسميا في مطار المزة. تمنى عبد الرحيم له عودة سريعة فأجابه: لن أعود حتى تعود المؤسسات الدستورية، وماأبعد ذلك الآن!‏

ماأسرع ماصار الراديو ضرورة! في الثاني من نيسان أعلن حسني الزعيم للمرأة الحق في التصويت، وأعطى لنفسه السلطة التشريعية والتنفيذية. قالت سعاد ساخرة: قسمة عادلة! صار الخصم والحكم! فهل تصدقين يامنور خطابه عن العدالة الاجتماعية وتصميمه على التحقيق في الفساد؟! تفرجت منور على صوره المنشورة في الجرائد: يجلس في الصف الأول على كرسي خاص، والأوسمة على صدره. سألت أختها: متى استحق هذه الأوسمة؟ في حرب فلسطين التي انتصر فيها؟ لا، ياحبيبتي! في الجيش الفرنسي عندما كان فيه مع فيشي! وروت لمنور أنه أوصى على عصا الماريشالية في باريز! ويقال إنها مرصعة!‏

صار الزعيم موضوع الأحاديث. وضع على عينه المونوكل. نفخ صدره لتعبر ملامح وجهه عن العظمة. أخاف رجال الدين الذين زاروه بمشرحية فعدلوا عما نووا أن يطلبوه. يقال إنه سهر في فندق بلودان! لا، تلك الحفلة كانت في نادي الضباط! نقلت الحفلات التي تحتفي به بالراديو. وغنت فيها زكية حمدان أو ماري جبران. هذه أم كلثوم الشام! قالت منور: ياللصوت الحلو! لكن ماهذا الكلام؟ أهو عن الزعيم؟ "ياحلم.. بل ياأسمر.. ماخلق الله ولامثلك كان البشر"! هل يريد هؤلاء العقلاء له الجنون؟ اسمعي! يبدو أنه جُبل "من طينة فيها عنبر"! لكن منور صرخت بعد السخرية: لو أعرف من يكتب العرائض وقصائد الشعر والأغاني التي تصاغ له! كيف يغلب التزلف للحاكم حق الناس في مراقبته؟ كيف يشعر الناس بأنهم دونه، مع أنهم سنده والحَكَم عليه! ألأن الرغبة في الكسب تتقدم على ايمان الناس بحقوقهم؟‏

- يامنور لاتتعبي رأسي! اسمعي زكية حمدان أو ماري جبران، لاأميز بينهما! اسمعيها تقول: خلقتِ جميلة لتعذبينا!‏

- لاأضع أحدا فوق أم كلثوم. أتعرفين لماذا؟ لأنها لاتترك النهر لتغوص في الساقية!‏

- يامنور، يبدو أننا نحن الذين غصنا في الساقية. بعد انقلاب حسني الزعيم وصل نوري السعيد إلى دمشق، وطلب وحدة سورية والعراق. قال له السوريون: سورية مستقلة والعراق مرتبط بحلف أجنبي! الوحدة مع العراق الآن تعني تجريد سورية من استقلالها! يقال إن نوري السعيد رجع غاضبا. وماأدراك مانوري السعيد! يعرفه عبد الرحيم. في سنة 36 أتى من العراق واجتمع بالمعتقلين الفلسطينيين! بدا كرسول من العرب، لكنه كان رسول الإنكليز! يوم إعدام ضباط ثورة رشيد عالي الكيلاني حضر الإعدام ويقال إنه أمر بقصف رقبة فهمي سعيد الذي لم ينجز حبل المشنقة إعدامه! روى لي عبد الرحيم أن الجاسوسة الإنكليزية غرترود بل اعتبرته أهم شخصية قريبة من الإنكليز! لذلك يامنور، بدأت بعد عودته إلى العراق الحملة على سورية من العراق والأردن. فكري متى يحدث ذلك؟ الآن، بعد نكبة فلسطين! ولذلك سافر الزعيم إلى مصر واستقبله فاروق في المطار!‏

- طمأنني ابراهيم الحسيني. قال: لن نفرط باستقلالنا!‏

- صدقته؟‏

- لايكذب علي!‏

- صدقيه إذن!‏

- لاأصدق أحدا!‏

استعادت نفيسة مرات انقلاب حسني الزعيم الذي فاجأها ذات صباح. فقالت لها سعاد مداعبة: كأنك ياعمتي تحسبينه من أحداث حياتك! لم تسمح نفيسة بمثل تلك الدعابة فردّت مؤنبة: الأحداث العامة أحداث حياتنا الشخصية، ياسعاد خانم، قبل أن تولدي. ألم يكن شنق شهداء أيار، وسايكس بيكو، ومعركة ميسلون، والثورة السورية، من حياتنا الشخصية؟ هل تستطيعين ياسعاد أن تنفضي حياتنا كما ينفض السجاد، فتقع تلك الأحداث منها كأنها ليست من خيوطها؟!‏

كررت نفيسة أنه لم يخطر لها يوم قصدت منور في صباح انقلاب حسني الزعيم أن الأحداث ستتلاحق هكذا. ستقول إنها عرفت بالانقلاب قبل أن يذاع من الراديو. ففي الصباح خرجت مع مرجانة لتشتري سلة من الخضار والفواكه. لم تكن ترافق مرجانة إلى السوق إلا في شهر آب لتنتقي التين الطازج، والصبارة المزّاوية. لكنها في ذلك الصباح تساءلت لماذا تهمل الربيع، شهر المشمش الهندي والعقابية؟ فرافقت مرجانة مبكرة لتعودا قبل أن تشتد الشمس. عندما خرجت من سوقساروجا إلى بوابة الصالحية واجهتها المصفحات. هبّ قلبها. حدث أمر كبير يامرجانة، كي تأتي المصفحات إلى الأركان! استدارت: فلنقصد سوق العقيبة! لكنها رجعت إلى البيت وفتحت الراديو. في الساعة السابعة سمعت البلاغ رقم 1. فقصدت بعد ذلك بيت منور. قالت لها: جئت أشرب عندك فنجان قهوة وأطمئن عليك! أدهشت منور بزيارتها؟ ربما! فنفيسة ترسل عادة مرجانة لتعلن وقت زيارتها. لاتطلب الإذن، بل تبلّغ من تزوره بأنها قادمة. فتقول منور لسعاد: كأن عمتي رئيس جمهورية! وتدافع سعاد عن عمتها: مشغولة، لاتطلّ إلا كالبدر! في عمرها لاتزال تقرأ الفواتير وتفكر في التجارة، وتستشير ابن الكحال ويستشيرها! لم تتغير! يجد الواحد منا في هذه الدنيا من بقي كما تركه!

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:47 AM
لذلك بدا لنفيسة أن زيارتها يومذاك أربكت منور، وبدا لها أن منور تنتظر أن تنقل إليها خبرا. قالت نفيسة: كأن الهرجاية فتحت عندك مبكرة! ياسمينتك حلوة، لكنها صارت كلها في المشرقة! اتركي عرقين تراهما العين في أرض الدار! تابعتها منور وهي تحوم بالمقدمات، وسكبت لها القهوة. الياسمينة ياعمتي تلحق الشمس! ماذا تريدين أن تقولي لي؟! يامنور، قبل الفجر سمعتُ رصاصا وعندما شقشق النهار خرجتُ من البيت فرأيت المصفحات في بوابة الصالحية عند الأركان. ثم عرفتُ القصة! يبدو أن حسني الزعيم يلعب بالنار وأخشى أن يحرقنا!‏

صار الانقلاب مناسبة للقاء نفيسة بابن الكحال وبمنور وسعاد. روت نفيسة أن منور كادت تقول لها فلنشكر الياسمينة التي فتحت لك الطريق لتبوحي بما في قلبك! لكن يبدو أنها سمعت البيان الأول من الراديو كما سمعته نفيسة! وتذكرت نفيسة دعاءها: يكسر أيديهم، أخذوا خالد العظم.. أخذوا هذا الرجل الذي يجب أن تفخر به بلاده، إلى سجن المزة! فهمت منور غضب نفيسة. رأت مالايراه في تلك اللحظة الذين فرحوا بسقوط الفساد. ألم يترك القوتلي الحبل على الغارب للتجار؟! يامنور لاتغشّنك الضجة بل افهمي الأمور في هدوء! في هذه المسألة القوتلي والعظم على حق! لم يكن القوتلي على حق في طيبته يوم قبل وساطة محسن البرازي فأعاد الزعيم إلى الجيش وأعطاه قيادة الشرطة، ثم قيادة الجيش!‏

استعادت نفيسة قصة السمن الفاسد. ذهب القوتلي مع العظم ليحضرا تجربة السلاح والذخائر التي اشتراها الجيش من التجار. أطلقت المدافع في سهل المزة، فلم تنطلق، وطاش ماانطلق منها عن أهدافه. يبدو أن القوتلي عرف أن الفساد ليس فقط في الأسلحة بل في تموين الجيش أيضا. فمال مع العظم إلى مستودعات الجيش في المزة. فحص الفوضى فيها وطلب أن تفتح تنكة سمن وخمّن أنها فاسدة. فطلب أن يقلى له بيض ليجرب طعم السمن! ففاحت رائحة بشعة. ومن منا يخطئ في تمييز رائحة السمن العربي من السمن المغشوش! أخذ تنكة سمنة ليحللها. وتسرب الخبر إلى الصحافة فكتبت عن ذلك وتعرفين أن مجلس النواب هاج وأن فيصل العسلي هاجم حسني الزعيم. لم يهاجم أحد الجيش، بل يثبت ماحدث الغيرة على سلاحه وتموينه. يبدو أن الزعيم يريد أن يستر أصحابه فقلب المشكلة وجعلها كأنها بين عسكريين ومدنيين. قالت منور: ياعمتي، المشكلة هي نكبة فلسطين! اتهم العسكريون المدنيين بأنهم لم يسلحوا الجيش، واتهم المدنيون الجيش بأنه لم يدافع كما يجب عن فلسطين! صحيح، يامنور! لابد أن يحدث زلزال بعد نكبة فلسطين! لكن الانقلاب على المجلس والحكومة باب مثل باب جهنم، يجب ألا يفتح.‏

ستروي نفيسة التفاصيل فيما بعد وستستعيد الأحداث. في 30 آذار اجتمع الزعيم بضباط القنيطرة وهيجهم ضد الحكومة، وأخذ توقيعاتهم على مذكرة وقدمها للقوتلي كأنه مدافع عن الجيش وكأن الحكومة ومجلس النواب ضد الجيش. ولم ينتظر نتائج التحقيق فنظم الانقلاب! لم يحزم القوتلي أمره فيسرح الزعيم في اللحظة المناسبة. هكذا حدث الانقلاب وحل الزعيم المجلس النيابي وسجن رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، بدلا من محاسبة المتهمين في المحاكم! تنهدت نفيسة في تلك الجلسات التي لم يشغلها فيها غير الانقلاب: طار الدستور وطارت الجمهورية!‏

انتبهت منور منذ صباح الانقلاب إلى ماالتقطته نفيسة. وكادت تقول لها مرة أخرى: ياعمتي، يناسبك أن تكوني قائدة حزب! وكتمت ابتسامتها. هل هذا طيف من الأيام الحلوة التي كانت تجمع نفيسة ببهاء ومنور تراقبهما؟ كم تهرب منا الأيام مسرعة! في اللحظة التي نستمتع بها تبتعد! لكن أليس من حظ الإنسان قدرته على استعادتها!‏

بقيت نفيسة تراقب الأحداث كمن ينتظر نهايتها. وعندما كانت تعلن لابن الكحال غضبها على الزعيم ثم على الحناوي الذي قد تسلم سورية بيديه للعراق، ثم على الشيشكلي يوم جنح في مغامرته، لم تكن الشروخ تلمس روحها. وردّدت: مشاريعهم ضعيفة، ولن يصحّ إلا الصحيح! وصارت السخرية طريقتها في انتظار نهاية الانقلابات العسكرية.‏

في تلك الأمسيات نبّه ابن الكحال نفيسة إلى الحوراني. فهم هذا الرجل أن عنصري القوة ضباط الجيش الوطنيون، والمثقفون، يسندهم الفلاحون. يرى الحوراني أن تحالفهم يستطيع أن يقرر مسار سورية. ماذا يريد؟ حقوق الفلاحين والعدالة الاجتماعية. رفعت نفيسة حاجبيها. كلام جديد! قال لها ابن الكحال: الحوراني قوة في حماة. له تاريخ. في سنة 1945 هاجم مع الضابطين صلاح وأديب الشيشكلي وبعض القوميين السوريين قلعة حماة وطردوا منها الحامية الفرنسية. في تلك السنة أسس الحوراني الحزب العربي الاشتراكي. كي تفهمي علاقته بالضباط تذكري أنه اشترك في حرب فلسطين مع أصحابه كمتطوعين مع القاوقجي. بقي على صلة بالضباط. وتذكري أنه تطوع مع بعض الضباط للدفاع عن حكومة رشيد عالي الكيلاني في سنة 41. وانتخب في تلك السنة نائبا في البارلمان. يقال إن بهيج وخليل كلاس وضباط الكلية العسكرية أصحابه. ولهؤلاء يد في انقلاب الزعيم والانقلابات بعده. ويقال إنه هو الذي صاغ بيانات الزعيم ثم بيانات الشيشكلي. المشكلة أنه ليس صاحب القرار الحاسم فيها. تلتقي جماعته بمشاريع مجموعات أخرى وأفراد فرضوا فيما بعد اتجاه الانقلابات! خطّط بهيج كلاس وأديب الشيشكلي والحوراني انقلاب الزعيم. وقاد الشيشكلي المدرعات من قطنا في 30 آذار. فاحتلت محطة الإذاعة والقصر ومديرية الشرطة واعتقلت رئيس الوزراء وفيصل العسلي.‏

هل كان ابن الكحال ينبّه نفيسة إلى سياسيين جدد سيؤثرون في المستقبل، ويؤكد لها ماتبيّنته: أن جماعة القوتلي عجزت عن الخروج من زمنها؟! كان يؤمّن لنفيسة المعلومات التي تؤكد حدسها ويسند بالحقائق نبوءتها. لتثق بأنه رفيقها وحارس روحها ويقظتها! يقول لنفسه: نعم، يانفّوس! نحرس روح المحبوب كي نبرهن على حبنا؟ بل نستقوي بثقته في قواه التي تتجاوز رؤية الظاهر وتعتد باستشفاف مالاتراه العيون! نستنهض روحه لتعرف قدراتها الاستثنائية كي نسند أنفسنا به! تنظر إليه نفيسة كأنها تسمعه. وتقول لنفسها: ماأطيبه! كان يشعر بمسؤوليته عن روح نفيسة في المعبر بين زمن وآخر وقت تغيم النظرة ويضعف الناس، فينساقون مع المنتصرين أو يسقطون مع المهزومين. لايريد أبدا أن تشعر نفيسة بأنها تطوى مع عصر يطوى! يريدها في واجهة اللحظة الحاضرة والمقبلة، محمّلة بثمار عمرها. وكان يشغل بذلك روحه ويملأها، ويوسع حياته. وكأنه بنفيسة يجتاز البوابة بين عالم تجارته المحدود بأسواق وفواتير وعلاقات مقتضبة، وعالم نفيسة المبهر بآفاقه الملونة.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:48 AM
.
في تلك الأيام وضعت نفيسة أمام منور كومة جرائد جمعتها طوال الأسبوع. تفرجي! قلبتها منور منتبهة إلى الأريكة الوثيرة التي يجلس عليها الزعيم، والأوسمة التي يزخرف بها صدره، والأبهة التي يحب أن يتظاهر بها وهو ينفخ وجهه وذقنه. رأته في بعض الصور بالمونوكل. سمعت عن عصا المارشالية التي رصعت بالمجوهرات في باريز ودفعت سورية ثمنها بالفرنكات الفرنسية. قالت ساخرة: جنون العظمة! لكن قولي لي ياعمتي، كيف يقبل ناس محترمون أن يجلسوا على كراس عادية خلفه كأنهم دونه؟ ردت نفيسة: لاتستخفي بهم! لولاهم لحدثت كارثة! لكن ياخوفي من أن يقلده من بعده! فضيلته حتى اليوم أنه لم يسقط في مشروع الوحدة مع العراق! لكن هل هذه رغبة أجنبية، أم حرص على الاستقلال؟ الله أعلم!‏

استمعت نفيسة يومذاك إلى حفلات زكية حمدان وماري جبران التي نقلتها الإذاعة. وقالت منور: تفترض الأبهة هذه الحفلات! لكن الزعيم نظم مزادا على قلمه في حفلة في فندق بلودان الكبير! آه، كأن اليهود الغرباء غير موجودين، ياعمتي! رحم الله اليوم الذي اجتمع فيه رجال العرب في فندق بلودان ليعلنوا أن فلسطين قضية قومية لايملك أحد المساومة فيها! يومذاك أتى عبد الرحيم من فلسطين ليحضر المؤتمر وأتت معه سعاد!‏

هل تنبأت سعاد بسقوط الزعيم؟ ذكّرت سعاد نفيسة بأنه سلم أنطون سعادة للبنان فرتبت الحكومة اللبنانية لسعادة محاكمة سرية في يوم واحد حكمت عليه بالإعدام ونفذ الحكم. توهم أنطون سعادة بأنه سيسقط الحكومة بالهجوم على بعض المخافر اللبنانية، ثم هرب إلى سورية. لم يفهم أنه ضعيف كلاجئ ويمكن أن يكون موضوع صفقة! قالت نفيسة: سقط الزعيم لأنه سلم من التجأ إليه! ولم يأتنا بعد ذلك السقوط بلبن العصفور! حشد أعداءه وفقد حلفاءه ونظم من سيقتله!‏

رفعت منور نظرها إلى سعاد، كأنها خرجت من "غطيطة" في جبل لبنان: يوقفنا الحاكم الفرد لنتأمل أعداءه وأصدقاءه، فشله ونجاحه! وهذا كله وقت ضائع! كفى! لم أعد أريد أن أسمع اسمه! لاأريد أن نضيع الوقت في الكلام عنه! لكنها اضطرت أن تسمع اسمه يوم قتل مع محسن البرازي. وقالت عندئذ: هذا القتل يفتح باب الانتقام!‏
بان يومذاك أن الزعيم لم يستغل وظيفته، وأنه دون بيت، دون مال، تحتاج أسرته راتبه التقاعدي! لم يكسب غير الأبهة والمنفخة! بعد موته ستسرد نفيسة أعماله الحسنة، كأنها تؤكد "لاتجوز على الميت غير الرحمة" مع أنها لن تنسى سيئاته! ساوى بين المرأة والرجل في حق الانتخاب، لكنه ابتكر لنا الاستفتاء بدلا من الانتخابات! فك الأوقاف الذرية! منع جرّ المرأة إلى بيت الطاعة! أخطأ المسكين في حلمه بأن يوحد اللباس مثل أتاتورك! في أيامه القصيرة أنجز احتفالات غنائية وراقصة في نادي الضباط ودور السينما. ورقصت النساء الرقص الغربي، وغنت زكية حمدان وماري جبران، وأقيم مزاد على قلم الزعيم فاشترته التابلاين، كما يقال، وحمل عصى الماريشالية التي أوصى عليها في فرنسا مع أن صياغنا أكثر مهارة في الصياغة! وحرر أرملة فوزي الغزي. سألتها سعاد: هل قصته معها صحيحة؟ يقال ياسعاد إنه التقى بها وكل منهما سجين، هي لأنها اشتركت مع حبيبها في قتل زوجها. وهو لأنه متهم بمال أخذه من دانتز ولم ينفقه على تنظيم مقاومة فرنسة الحرة. وعدها بأنه سيطلق سراحها يوم يحكم سورية. وأطلق سراحها! رأيتها بعيني تزور ابنتها! طويلة ملفوفة بملاءة سوداء لاتكشف حتى وجهها! سألتها منور: ياعمتي، عاد خطر الوحدة مع العراق؟! سيقرر الوفد السوري الذي يزور بغداد الوحدة، فيضيع الاستقلال؟ بدت متألمة وغاضبة. وتمنت: ليت بهاء كان موجودا! نظرت إليها نفيسة وكادت تقول لها: وماذا يستطيع أن يفعل؟ أنعيده ليعيش مصائب أخرى؟ يكفيه ماعاشه منها!

قال ابن الكحال لنفيسة مداعبا وقت تحدثت عن سيئات الزعيم: نفيسة خانم، وقعت البقرة فكثرت السكاكين؟ كمد وجهها. ردت: تلك تفاصيل ياابن الكحال! لكن الرغبة باللقاء بإسرائيليين قتلوا أهلنا واحتلوا بلادنا وحرمونا من يافا وعكا وطبرية، جريمة لاتمحوها حسنات! حرموني من زيارة قبر أخي يوسف في حيفا، ومن زيارة قبر فاطمة وقدري في طبرية! قتلوا العرب في سنة 48 فقط؟ بل ظلوا يقتلونهم منذ استقووا بالانتداب. نسينا أنهم قتلوا قدري؟‏

أراد ابن الكحال أن يضع حتى تلك الجريمة في مكانها الواسع. كي يبرئ الضابط المقتول من الصلة بإسرائيل؟ قال: قطف الزعيم ثمرة أخطاء الزمن. عجز السياسيين، وعجز الجيش غير المؤهل لحربٍ بعد الاستقلال، وانحياز الغرب لإسرائيل وفرضها على العرب كقوة عسكرية محتلة. لكنه كوم أخطاء كبيرة في عمره القصير. أتى باسم مجموعة وتجاوزها. وقع اتفاقيات تمهل المجلس النيابي والسياسيون في توقيعها. وسقط في غرور الحاكم الفرد. قرّب البرازي ورمى الحوراني. جمع أعداءه وفقد حلفاءه. ألغى الأحزاب وسجن السياسيين من البعثيين إلى حزب الشعب. عادى الدروز والقوميين السوريين والاشتراكيين. ولم يفهم أن العراق اتصل ببعض الضباط والسياسيين ومنهم الحناوي وصهره أسعد طلس. كان كمن وضع يده في عش الدبابير عندما سرح صديقيّ الحوراني في الجيش، أديب الشيشكلي وبهيج كلاس. فنبه الحوراني، كسياسي مطّلع، العسكريين إلى ضرورة العمل وإلا ضاعت الفرصة. نقل الحناوي الآليات المتجهة إلى جبل الدروز إلى قطنا لإصلاحها. ومن هناك حولّها إلى الانقلاب.‏

وكان الانقلاب على الزعيم سهلا. اجتماع في مكتب أمين أبو عساف لبعض الضباط. نظموا اعتقال الزعيم من بيته، واعتقال ابراهيم الحسيني آمر الشرطة العسكرية، ورئيس الوزراء محسن البرازي، واحتلال الأركان والإذاعة. قاد مريود وأبو منصور الزعيم والبرازي إلى الأركان، ثم أخذاهما إلى المزة، وأعدماهما. دفنا في أم الشراطيط على طريق القنيطرة. ونقلهما أقرباؤهما فيما بعد إلى مقبرة أخرى. سدد الزعيم والبرازي حسابات كثيرة! سألته نفيسة: بالموت؟ يبدو أن الحياة لاتتسع أحيانا لصبر الغاضبين!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:49 AM
.

منذ انقلاب حسني الزعيم تركت نفيسة صوت الراديو منخفضا من الصباح إلى المساء. تسمعه ولاتسمعه. وكانت حكيمة. فمنه سمعت بلاغات انقلاب الحناوي والشيشكلي العسكرية. قالت منور: لم تنزل قطرة دم في انقلاب حسني الزعيم. لكن الدم سال في هذا الانقلاب! سألتها نفيسة: ماذا تريدين؟ لم يعجبك الزعيم فأزحناه لك! تنهدت منور. ولاحظت نفيسة أن منور صارت تكثر من التنهد. لكنها لم تستنتج أنها فقدت الشعور بالأمان. قالت منور: كأن بلادنا في المزاد! شمر العرب عن زنودهم وشمر الأجانب عنها! اولئك يريدونها عرشا، وهؤلاء يريدون عودة الانتداب! هذا معنى رفض القوتلي والعظم الاستقالة في البداية، وعندما استقالا صاغا استقالته موجهة للشعب السوري. دافع الرجلان عن الدستور. ودافع عنه من رفض الاجتماع من النواب. ففشل الزعيم في الاستعانة بالسياسيين. كانت البلاد تواجه لأول مرة الخروج على الحياة الدستورية التي دفعت الدماء في سبيلها. فحل الزعيم المجلس واندفع في جمع السلطة في قبضته. ولم يتميز بصبر السياسيين. يامنور، كثرت عليه الضغوط. تذكري! وصل في 16 نيسان نوري السعيد وحدثه، كأنه قوة عظمى، عن أحلاف تضم دول الشرق الأوسط، فكذب الزعيم وقال إنه تسلم أسلحة وسيكون القوة الثانية بعد تركيا! رجع نوري السعيد في اليوم التالي إلى بغداد وفي ذلك اليوم وصل عزام باشا الذي تكرهه بغداد ليجرف الزعيم بعيدا عن العراق. وفي 21 زار الزعيم الملك فاروق في مصر. وفي 26 نيسان أطربنا الزعيم بجنونه فقال: "اعتقد سادة بغداد وعمان أني سأقدم لهم تاج سورية على طبق من فضة ولكن خاب فألهم فالجمهورية السورية لاتريد سورية كبرى ولاهلالا خصيبا.. قررنا تقديم الأشخاص الذين يجرون اتصالات بالحكومة الأردنية أو يسافرون إلى ذلك البلد إلى محكمة عسكرية". وقال إنه لايخشى التهديد لأن بريطانيا مع الوضع الراهن وكذلك فرنسا وأمريكا.‏

بعد الظهر في يوم انقلاب الحناوي أعلنت من الراديو سبعة بلاغات. أهمها أن البلاد يقودها مجلس عسكري فيه بهيج كلاس وأمين أبو عساف.. ريثما تشكل حكومة دستورية. وأن المجلس الحربي برئاسة سامي الحناوي القائد العام للجيش حاكم الزعيم والبرازي وحكم عليهما بالإعدام بالرصاص. والوعد بتسليم الحكم للمدنيين.‏

لكن على هامان يافرعون؟ أعدم الحناوي والزعيم قبل قرار المجلس الحربي! وصل الخبر أن فضل الله أبو منصور صفع الزعيم ولامه لأنه سلم أنطون سعادة للبنانيين. من سيفرض ذات يوم كرامة المتهمين والمحكومين بالموت؟ سيبصق على عبد الكريم قاسم جندي من الجنود الذين زاد رواتبهم، وسيعرض التلفزيون رجلا شد شعره وهو مقتول! وسيعرف الباحثون أن سياسيين أشرفوا على تعذيب منافسيهم، وأن قائدا سياسيا طلب الماء قبيل موته تحت التعذيب فشتمه جلاده! وربما سيذكّر ذلك القتل بقتل لومومبا. وسيكون ذلك من الجرائم التي ستسجل في أنحاء الأرض!‏

رفع الحناوي الحظر عن الأحزاب. وأعلن مرسوم أن هاشم الأتاسي رئيس للوزراء مع صلاحيات رئيس جمهورية وسلطات تنفيذية وتشريعية، ريثما تعود الحياة النيابية. وضعت الحكومة قانونا جديدا للانتخابات أعطى الرجال والنساء حق الانتخاب. عينت الانتخابات في 15 تشرين الثاني سنة 949. ظهر رجال حزب الشعب وعادت الدعاية للاتحاد بالعراق. أعلن الحزب الوطني ببيان في 29 أيلول أنه مع الوحدة مع العراق. هل حملته الموجة العامة؟ زار الوصي دمشق في 5 تشرين الأول. تفوق حزب الشعب في الانتخابات وقاطعها الحزب الوطني. برزت مشكلة قَسَم رئيس الجمهورية بعد انتخابه: الولاء للجمهورية أم العمل على تحقيق الوحدة العربية.. يعني مع العراق! في 17 كانون الأول أقرت الجمعية التأسيسية القَسَم لتحقيق الوحدة العربية. وحدد يوم 19 كانون الأول لأداء رئيس الجمهورية القَسَم. فبدت البلاد مرة أخرى كأنها في عشية انقلاب. اقتُرح على الحناوي اعتقال الضباط المعارضين لحزب الشعب، والاتحاد فورا مع العراق. فدعا خمسة من كبارهم إليه ليعتقلهم، فخمّنوا نيته. فرتب تنقلات منها نقل أمين أبو عساف ومحمود بنيان. اتصل أكرم الحوراني بأمين أبو عساف في المدرعات، وأفهمه الخطر. وكان أكرم ينقل رأي الشيشكلي. في 19 كانون الأول قاد الشيشكلي الانقلاب ودعمه البعث وآخرون. سجن الحناوي ثم رحل إلى بيروت حيث سيقتله قريب محسن البرازي، محمد حرشو البرازي، في 30 تشرين الأول سنة 1950 في حي المزرعة ببيروت وهو ينتظر الترامواي.‏

لو سأل طبيب منور: متى شعرت أول مرة بالقرف الذي دفعك إلى قوقعة كقوقعة السلحفاة، لقالت يوم 20 تموز! لكنها لن تكون صادقة. فالروح لاتُظلم دون مقدمات المساء. كانت متماسكة يوم قابلت ابراهيم الحسيني. دافعت عن القوتلي لأن سعاد طلبت منها ذلك؟ بل لأن المصفحات في الشوارع أجفلتها. لم تر سابقا خيلاء القوة العسكرية إلا في أيام الانتداب الفرنسي. عرفت كيف اعتقل خالد العظم: كسروا قفل بيته برصاصة، وأخذوه من غرفة نومه بالبيجاما حافيا وساقوه إلى سجن المزة. رجل وطني، أنقذ بنفوذه وحكمته دمشق من القصف والخراب يوم انسحب الفيشيون ودخل الديغوليون! ألجأ الحكومة إلى بيته في سوقساروجا عندما قصف الجيش الفرنسي دمشق! رئيس وزراء يعامل بهذه الفظاظة؟! صار السلاح أقوى من الدستور والبارلمان والجمهورية!‏

نشر اعتقال العظم والقوتلي الوجوم في حي سوقساروجا، ووخز روح منور. مرة أخرى يعامل سوري سوريا آخر كما كان يعامله المحتلون! نعم، لعل مرض منور بدأ يومذاك! لكن مقاومتها كانت يومذاك قوية! ثم أضافت تفاصيل 137 يوما الذهول والقرف والغضب والأسى والسخرية فأصبحت شعورا بالغربة. وصارت منور تتابع الأحداث من خلال غمامة. الزعيم سلطة تشريعية وتنفيذية! لكن السوريين يمكنوا أن يصححوا ذلك! أما اتفاقية الهدنة فمن يصححها؟ كان يوم 20 تموز يوما فاصلا. فقصدت منور نفيسة كمن يطلب نجدة. وبعد ذلك غاصت في نفسها.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:50 AM
.
كانت الانتقادات على القوتلي كثيرة: تزوير الانتخابات، وتعديل الدستور لتجديد رئاسته، ونهب التجار. وخلف ذلك كانت الاضطرابات قد هزّت البلاد في تشرين الثاني سنة 48 بعد نكبة فلسطين، فقابلت حكومة جميل مردم المظاهرات بالرصاص، فقتل شباب منهم ابن منور، وأعلنت حالة الطوارئ. واستقال مردم وشكل خالد العظم الوزارة. كانت أمام وزارته مباحثات الهدنة مع إسرائيل، والاتفاقيات مع شركات النفط الأمريكية والإنكليزية: التابلاين والآي بي سي. وقع مردم الاتفاقيتين بالأحرف الاولى واستقال. وكان العظم قد تحفظ عليها كوزير للاقتصاد في وزارة سعد الله الجابري. حدثت عندئذ فضيحة الصفقات التي يديرها مسؤول التموين في الجيش.‏

بعد الانقلاب أنجز الزعيم التوقيع على الاتفاقيتين، ووقّعت الهدنة. هل تحدث الزعيم حقا عن رغبته بمقابلة بن غوريون، لكن هذا رأى اللقاء بين وزير خارجيته شاريت ووزير الخارجية السوري؟ عرض الزعيم في مجلس الوزراء في أيار سنة 49 إمكانية أن يأتي شاريت إلى القنيطرة، فرفض عادل أرسلان ذلك وحرّم على أي موظف في الخارجية اللقاء بإسرائيلي. عين الوفد إلى مباحثات الهدنة من فوزي سلو ومحمد ناصر وعفيف البزرة، وصلاح الطرزي مستشارا قانونيا. قيل إن الحسيني نقل شاريت في سيارة عسكرية بملابس ضابط سوري من جسر بنات يعقوب إلى بلودان ليلتقي بالزعيم. وإن شيخ الخالصة، الذي قتلته فيما بعد دورية سورية في الأراضي اللبنانية، توسط لذلك اللقاء. عقدت الهدنة وأصبحت الأرض التي يحتلها الجيش السوري أرضا منزوعة السلاح بإشراف دولي!‏

لمن تشكو منور هذه المصيبة التي لاتستطيع ردّها؟ قالت لنفيسة: ياعمتي، خسرت سورية ماحررته من فلسطين! ووقعت اتفاقية التابلاين التي كسبت منها الشركات البريطانية، مع أن بريطانيا كسرت ظهرنا في فلسطين! كأن الانقلاب حدث كي ينجز هذه المصائب! من منا لم يكن يحلم بتحرير فلسطين من المستوطنين الغرباء؟! وهانحن نعترف بهم بالهدنة! ردّت نفيسة: يامنور، هذه ليست رغبتي ورغبتك، هذا أمر مفروض علينا!‏

خلال تلك الأحداث بدأت منور تغرق في الصمت. حتى بدا لنفيسة أن منور لم تعد تشعر بما حولها. تابعتها نفيسة بهدوء طبيب يفحص مريضة لكنه لايستطيع شفاءها. كانت منور تستعيد مقابلتها ابراهيم الحسيني، ذلك الشاب الذي عرفته طفلا. وتواجه الأسئلة التي لابت في نفسها يومذاك وشغلها عنها الاستقبال الذي خصّها به، والاحترام الذي عبر به عن إخلاصه للماضي. تذكرت طرف وجهه المتجهم الذي لاقى به همسة حاجبه، والناس الذين ينتظرون حظهم في دخول مكتبه، والمرافقين، السكرتير، أجهزة الهاتف على مكتبه. أمعقول أن يبتعد الحاكم إلى هذا الحد عن شعبه؟ ومن هؤلاء المسلحون المنصوبون على بابه؟‏

هل تبعتها نفيسة في الممرات التي تاهت فيها؟ أرادت أن تقول لها: يامنور، قبل انقلاب حسني الزعيم كنا نرى رجال الحكومة منا، لنا عليهم حق التقويم. كانوا من الرجال الذين ألفناهم في أيام مقاومة الاحتلال، ومنهم من سجن. لذلك كان أي رجل يشعر بأن من حقه أن يقصد بيت القوتلي أو العسلي أو أن يلتقي بسعد الله الجابري في فندق "الاوريان بالاس" ويستطيع أن يدخل الهافانا أو البرازيل ويقول رأيه للحوراني أو الأتاسي أو للصحفيين. انقلاب حسني الزعيم أنهى ذلك الزمن. ابتعد الحوراني وصار الزعيم سلطة تشريعية وتنفيذية. قابل الزعيم رجال السفارات ورجال المخابرات الإنكليز والأمريكيين، وخصّ السفير الفرنسي بمعاملة متميزة. وأحيانا استقبل رجال الدين الذين لم يجسروا على الاعتراض على مالمسه في قانون الأحوال الشخصية، بعد تمثيليته أمامهم. الزعيم ضعيف لأنه أتى بانقلاب. طلب السند في اتفاقية مع العراق لكنه فهم أن لنوري السعيد موّاله، وللوصي عبد الإله حلمه بعرش سورية فطلب السند من مصر.‏

قالت لها: اسمعي، يامنور! أنا وأنت في زمن حائر. تجرفه موجة من نوري السعيد وطموح الوصي إلى عرش. وموجة من طموح عبد الله في سورية. وموجة من مصر والسعودية اللتين تعارضان الهاشميين. نحن بين أحلام أمريكية وأحلام إنكليزية! أحلام دول تتداخل فيها أحلام الطامعين بعروش. هل تظنين أن حزب الشعب بعيد عن هذه الحيرة؟ يردد حزب الشعب حقيقة أعرفها من السوق: مصلحة سوق حلب في الموصل والعراق! لكن رجال هذا الحزب يفهمون كره السوريين نوري السعيد والوصي! ولابد أنهم يذكرون تطوع السوريين في ثورة الكيلاني سنة 41. ليس سياسيو حزب الشعب أغبياء! لكن لعل بعضهم يظن أنه سيأكل الطعم وينجو من السنارة!‏

استمعت منور إليها جامدة. وأقلق نفيسة أن البريق باهت في عيني منور. أسدلت منور نظرتها إلى حضنها. قالت: ياعمتي، يقلقني الناس! انقلبوا إلى مطبلين ومزمرين! كأني كنت أعيش في بلد آخر ووصلت الآن من السفر! غضبت نفيسة من خيبة منور: اسمعي، عشتُ أكثر منك وأعرف أكثر مما تعرفين من الدنيا! وجد غورو من يسرج نفسه له ويجر عربته بدلا من الخيل. كان يراد بتلك المسخرة أن يقال إن دمشق استقبلته ورحبت به وإن رجال ميسلون كقطاع الطرق! شجعه الأذلاء على زيارة ضريح صلاح الدين ليقول له هاقد عدنا! لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ أطلق الرصاص على غورو، ولوّعت الثورة المحتلين! تنهدت نفيسة كأنها تعود إلى زمن الثورة: قلتم إني كنت أجمع بيانات الثورة كأني قائد عسكري! ربما جمعتها لأني أردت أن أؤكد لنفسي أن بلادي لاتستكين!‏

سرحت نفيسة. وغمرها الأسى. ليتها امرأة ضعيفة كي تطلق دموعها فتستريح! تنهدت. فتلك الأيام أيام شبابها، أيضا. أيام حبها خالد آغا الذي أعلنته لنفسها بعد مقتله في ميسلون. شفيت من حزنها؟ لايشفى الإنسان أبدا من فقد المحبوب! لكنه يستعيد نفسه. وقد استعادت نفسها بعد سنة طويلة، يوم جلست في الأموي وتأملت الفسيفساء واستمعت إلى العصور الطويلة وشعرت بأنها عابرة من العابرين الذين حزنوا مثلها. وأمسكت بالروح التي تصوغ منهم مايشبه ذلك الموزاييك. لكن نفيسة كانت محظوظة بابن الكحال الذي حرسها من قرب. منور وحيدة، وحيدة! دون رجل كابن الكحال يراقب حزنها ويهبّ إليها عندما يتجاوز الأسى الحدّ الذي يرهق الروح ويمتنع الشفاء منه. كادت تقول لها اكتشافها: الحزن ضرورة للروح، ينقّيها ويغسلها بدموعه، يجعلها مؤهلة للقرب من الآخرين، وينزلها من مرتفع الانتصارات المغرورة، ويمنعها من وهم الأقوياء الذين يتصورون أنفسهم عصاة على القهر طول العمر! لكن لكل عاطفة حدودا يجب ألا تتجاوزها. هناك قدرنا ومهارتنا، الانسياق في عواطفنا ولجمها! هل تستطيع أن توصل إلى منور اكتشافها المتأخر الذي مارسته طول عمرها لكنها لم تفكر به في جملة تضعها أمامها؟‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:51 AM
.
كم مرة قالت منور لنفيسة قبل أن تسقط في الصمت: سأسجل ياعمتي يوم العشرين من تموز سنة 1949 كيوم حزين! تراجعنا فيه عما ربحناه بدم متطوعينا وضباطنا وجنودنا! ياعمتي، كبسنا الملح على الجرح وقلنا تقدم السوريون خطوة في أرض فلسطين، ولو خسرنا مدنها العربية! ذاق إحسان كم ألماظ القهر في صفد يوم استلمها ساري الفنيش فتنبأ إحسان بسقوطها. ثم ضاع إحسان في سمخ. وبقي بهاء في الجليل. ثمن تلك الخطوة إذن دم أعزائنا فكيف يتركها حسني الزعيم للصهيونيين؟ اتفاقية الهدنة خيانة! فحصت نفيسة منور بنظرة طويلة. لماذا تحمّل روحها هذا المقدار الكبير من الهمّ؟ لكن هل تستطيع أن تلومها؟ سلّم الزعيم لليهود مستعمرة مشمارهايردن. فماذا أخذ السوريون مقابل الأرض التي سلمها؟ ياعمتي، هذا يعني الاعتراف بإسرائيل التي احتلت بلادنا! فكرت نفيسة في السوريين الذين وقعوها: العقيد فوزي سلو، المقدم محمد ناصر، النقيب عفيف البزرة، الحقوقي صلاح الطرزي. هل تتهمهم بالخيانة؟ لا! أجبرتهم الدول على الهدنة! لكنها تأملت أمرا آخر. فالقرار الذي قد يكون حكمة قد يكون خيانة. ينفذه موظفون أو ضباط. فأين الحدود بين الأوامر وبين الموقف الذي يرفضها؟ أين الحدود بين حق مجموعة أو دول في أن تفرض واقعا على أجيال قادمة تمتنع العودة عنه؟ وحق المجموعة، الناس، الشعب، في أن يرفضها؟ هل تفكر لأول مرة في أن التوقيع اعتراف خطر! يتمهل من يوقع عقد بيع وشراء، أفلا يتمهل من يوقع اتفاقية مع عدو، ألا يستشير شعبه؟ ينتخب الناس المجلس والحكومة ليديرا الحياة، لكن القرارات الكبرى تحتاج العودة إلى الشعب! فمن عاد إلينا؟ قالت نفيسة في سخرية: انتظري ياحبيبتي! قبل الاستقلال كان السياسيون يحتاجون الشعب. أما بعده فهل سألنا جميل مردم رأينا؟ ألم يأت حسني الزعيم لأن التجار بلعوا أقوات الناس وسكتت على ذلك الحكومات الوطنية؟‏

أية دروب عبرتها منور لتقف مقابل هذا الجرح؟ يامنور، كل شيء موقوت بزمنه! لايوجد قفل للزمن! إذا حرسنا روحنا من التصدع عشنا حتى أيام الرد! وياحزن من يموت قبله! لكن الاتفاق مع شركات النفط الإنكليزية ومرور أنابيب النفط في سورية دون مكسب لنا خطأ كبير من أخطاء حسني الزعيم! لم يحترم الزعيم اقتراحات فتحي الصقال التي تضبط الاتفاقية مع التابلاين! لا، ياعمتي! هذه اتفاقات تلغى ذات يوم! لكن الإشاعات عن لقاء الزعيم بإسرائيليين عار لايمحوه غير رد في مستواه. وأين ذلك الرد والزعيم محاط بالمتزلفين والمداحين!‏

ربما كانت نفيسة تتفادى أن تلمس أمام منور مارأته نكبة كبرى. أن يجسر ضابط سوري على الحلم بلقاء مسوؤلين إسرائيليين. مثل هذا الأمر لايخفى على الناس. تهامسوا في مقهى سوقساروجا: قال الزعيم في مجلس وزرائه يريد اليهود مفاوضتنا مباشرة، ويمكن أن يرتب اجتماع بيني وبين بن غوريون. وقال لوزير الخارجية لامناص من الاجتماع بشاريت! لم يفهم هذا المجنون أن بن غوريون لايلتقي بعربي دون أن تكون التنازلات التي لايملك الزعيم مثلها جاهزة! هذا ليس نوري السعيد تطلب منه اتفاقية على الورق! هذا مستوطن خبيث ذو مشروع في فلسطين كلها! يقال إن عادل أرسلان حرّم على موظفيه اللقاء بأي إسرائيلي، لكن ابراهيم الحسيني نقل شاريت بملابس ضابط سوري في سيارة عسكرية سورية إلى بلودان حيث التقى به الزعيم بحضور الحسيني وسعيد حبي وصلاح طرزي! وبعد ذلك عقدت الهدنة في خيمة بين مشمارهايردن والجاعونة في 20 تموز! يقال لولا صمود فوزي سلو ومن معه لوقعت الاتفاقية كما أرادها الإسرائيليون! قد تغطى الخيانة بعد موتنا بصيغ أخرى. لكن لنعلن في حياتنا أن الاتصال بإسرائيل التي طردت الفلسطينيين من أراضيهم وذبحتهم في دير ياسين وسعسع خيانة!‏

رطّب قلب نفيسة مانقله لها ابن الكحال: لاحق الملازم أكرم طبارة وثلاثة جنود سوريين الجاسوس كامل حسين شيخ الخالصة الذي يقال إنه توسط بين حسني الزعيم والإسرائيليين. خلال الملاحقة قتلوه في أرض تتداخل فيها بلاد الشام، سورية ولبنان وفلسطين. بدت خطوة في أرض لبنانية فسبب ذلك مشكلة. اعتقلوا وأغلقت الحدود اللبنانية. انتعشت نفيسة. قالت له: هذا هو الجيش السوري، وليس الزعيم! لكن ابن الكحال هز رأسه: تساءلي معي لماذا أراد الزعيم معاهدة دفاع مشترك مع العراق قبل مباحثات الهدنة؟ ليقوي موقفه أمام الإسرائيليين! قد ينفي عنه هذا تهمة أنه تمنى الاستسلام لإسرائيل! هل سيكون ابن الكحال حيا يوم يكتب الحوراني في مذكراته عن امرأة أوصلها إليه كمال جنبلاط، والحوراني مختف في بيروت في بيت سري؟ قالت له المرأة إنها زوجة كامل حسين، واقترحت عليه أن يلتقي بإسرائيليين. سألها الحوراني: كيف عبرت الحدود؟ فروت له أن رجال الحدود على الجانبين يعرفون من هي ويسهلون مرورها. عندئذ خطر للحوراني أن يتصل بالشيشكلي، مع أنه هارب منه، لينبهه إلى خرق إسرائيلي يحدث في الأرض العربية!‏

لم تكن اتفاقية الهدنة صدمة لمنور فقط. ومع ذلك لم تكن كما تصورتها. وسط النكبة التي نزلت بفلسطين استطاع السوريون بالبطولة لابالتفوق في السلاح، أن يحتفظوا بقطعة من أرض فلسطين، جنوب الحولة، التي اتفق العرب على تحريرها للشعب الفلسطيني. بدأت مباحثات الهدنة في 12 نيسان، وأصر الوفد السوري على الاحتفاظ بتلك الأرض العربية التي وضعها قرار التقسيم في الدولة اليهودية. فاقترح الوسيط الدولي أن تصبح منزوعة السلاح مع جزء مما احتله الإسرائيليون. وهكذا أصبحت في اتفاقية الهدنة منطقة منزوعة السلاح، وربط احتلالها بإعلان الحرب!‏

لذلك قالت نفيسة يوم قتل الزعيم: سبب قتله لقاؤه بالإسرائيليين! فردّ ابن الكحال: وهناك سبب آخر! نفذ القوميون السوريون قتله انتقاما لقائدهم! وأرادته جماعة العراق! أتى الزعيم بانقلاب. وربما لم يكن سهلا أن يصمد في اللقاءات بسفراء دول عظمى يفهمون أنه دون غطاء شرعي. تناول منهم رغبتهم في "إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي" وجعل ذلك هدفه. لم يتذكر أن العرب لم يخترعوا ذلك الصراع بل اخترعه من احتل أرضهم وطردهم منها!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:52 AM
.
كانت منور في تلك الأيام تشعر بثقل جفنيها فتنهض إلى فراشها. تظن أنها ستغفو مذ تضع رأسها على الوسادة. لكنها تنتفض صاحية. وتبدأ صراع الليل. تحاول أن تستعيد النعاس. تحاول ألا تتحرك كأنها نائمة. ثم تتقلب في فراشها كمن لايطيق الحر. تضبط حركتها وتهدئ نفسها، وتنشغل بالسياحة في ماضيها. وتعود منه فتتذكر التفاصيل التي لم تنتبه إليها، فترتب طرف الخزانة الذي نسيته، وترتق الستارة، وتتذكر أنها لم تكمل للفران في الحارة ثمن الخبز التنوري. لكنها خلال أرقها لاتشعل الضوء. تستسلم لاضطرابها فتتقلب من جانب إلى آخر كأنها تبتعد عن شوكة في فراشها. ثم تحاول أن تتصور أزهارا لتعدها. ثم تسخر من هذه الطريقة في إبعاد الأرق. تقول لنفسها لماذا يجب أن أتظاهر بأني لاأعاني من الأرق؟ فلأنهض! لكنها تتذكر ليلى فتقول لنفسها: لا، حرام! وتعود إلى الدوران حول أرقها. ثم تنتفض غاضبة: لست حرة حتى في الأرق! وتحس بثقل ابنتها المحبوبة.‏

لكن تلك الأيام لم تكن متماثلة. في البداية كانت تستحضر بهاء. بل كان يحضر بنفسه! تمد ذراعها فيخيل إليها أنه يمسك بها وتلمس الشعر على سلاميات أصابعه. تتذكر كلامه ويخيل إليها أنها تسمعه. يهبّ قلبها وهو يلمسها. فترفع رأسها وتضعه على ذراعه. تتذكر التفاصيل التي عاشتها معه. كيس الفلّ الذي حمله لها في بيروت! الجوارب الحريرية التي اشتراها لها بخمس ليرات ذهبية! لوعته في أيام هجرها! تستقدم حتى يوم رأته وهي واقفة على السلم قرب عريشة العنب في حيفا، صاعدا الكرمل إلى بيت أبيها. تتذكره في البيت الذي يقع على سور طبرية ويطل على البحرة. يتأملها وهي مرتبكة وماء البحرة ينسفح من الشرفة ويبلل السجاد. تتذكر اليوم الذي طبخت فيه أول طعام في بيتها، وأول حلوى. أضافت السميد إلى الحليب فكان المزيج جامدا فأضافت الحليب، فماع، فأضافت السميد. فشلت فجلست وبكت. وجدها بهاء حزينة. قالت له: أريد أن أعود الليلة إلى بيت أبي في حيفا! ماذا جرى؟ خمّن السبب عندما مر بالمطبخ. قال: أشتهي يامنور لبنة وخيارا وبندورة! مارأيك في أن نأكل طعاما خفيفا؟‏

لم تتذكر مااتهمته به في أيام هجرها، حتى جاءت أيام الغضب عليه. من يستطيع أن يلحقها في تلك الدروب السرية التي تقطعها في الليل! لاتستطيع هي نفسها أن تعود على الطرقات التي تتقاطع هنا وهناك، فبعضها كالأزقة المسدودة في دمشق! كان الصباح يعلن عنها أحيانا بنوبة فرح لم تألفها ليلى في أمها. أو بحزن تبدو منور غارقة في أعماقه المظلمة. بقيت إشارة وحيدة إلى صحة منور في تلك الأيام هي أنها تحضّر الحليب والشاي وصحون اللبنة والجبنة والبيض والمربى والمكدوس فتجدها ليلى جاهزة على طاولة الفطور في الصباح. فتلتقط ليلى تلك الإشارة وتطمئن على أمها.‏

لكن ليلى وجدت نفسها كالتائهة يوم عادت من المدرسة فوجدت أمها جالسة على الفراش جامدة. كأنها في منعطف لاطريق بعده. اجتاح ليلى شعور بالخطر. وقتذاك وعت أنها فقدت أباها وأخاها وقد تفقد أمها وتصبح وحيدة في الدنيا.‏

لاحظت المعلمة أسى ليلى في ذلك اليوم بعد عودتها إلى المدرسة بعد الظهر، فاستبقتها: ليلى أريدك أن تساعديني بعد الانصراف! بدت هذه العناية من المعلمة سندا لليلى أمام زميلاتها. ارتفعت الأصابع: وأنا مستعدة لمساعدتك! لا، أريد ليلى اليوم! دوركن في الأسابيع التالية! سنعمل الكاتو معا!‏

كانت غرفة التدبير المنزلي في ذلك البيت العربي في طرف أرض الدار المزروعة بشجرة وارفة من اليوسف أفندي، وبشجرة ليمون. هناك تحتفل التلميذات بتحضير الكاتو والبسكوت. وهناك كانت تصفّ اللوحات التي تعرض أحيانا في الدروس. لوحات من الكرتون عليها رسوم أسماك مدهشة الألوان سجلت أسماؤها باللغة الفرنسية. عليها رسوم جسم الإنسان ومافيه من شرايين وأعضاء مدهشة. عليها أزهار غريبة وأزهار معروفة. أو طيور سجلت أسماؤها أيضا باللغة الفرنسية.‏

لكن المعلمة لم تذهب مع ليلى إلى تلك الغرفة في طرف أرض الدار. بل أجلستها مقابلها: ليلى مابك؟ ابتلعت ليلى ريقها وهربت بنظرتها. تذكرت زيارة معلمات المدرسة لبيتها بعد استشهاد أبيها في فلسطين. لم تعانقها معلمتها يومذاك بل شدت يدها بقوة: ياليلى، تعرفين لماذا أضع على صدري وردة سوداء؟ قتل أخي في العراق سنة 1941. كان مع المتطوعين الذين هرعوا إلى بغداد ليدافعوا عن ثورة رشيد عالي الكيلاني والضباط الأربعة. لذلك كنت الاولى في دار المعلمات! أنت ياليلى ابنة شهيد من شهداء فلسطين! بعد اليوم لايمكنك أن تكوني إلا الاولى في الصف! فهمتِ؟ هزت ليلى رأسها يومذاك! سألتها المعلمة: ياليلى، نسيتِ اتفاقنا؟ ذكرنا يومذاك الدروس فقط، لكن المقصود كل شيء، كل شيء! رفعت ليلى نظرتها إلى المعلمة. وتذكرت النشيد الذي تعلمته منها في الصف: "حققوا آمال غازي، وحدة تحيي الأمل، حققوها بالمواضي، وانجزوها بالعمل"! من هو غازي؟ ملك قتلوه في العراق لأنه كشف في إذاعته من قصر الزهور أن الإنكليز يغرسون الصهيونيين في فلسطين! فلسطين التي تصف منور بحرها ومدنها! فلسطين التي طردت منها خالتها وأخذ بيتها يهود غرباء، بولونيون أو تشيك أو روس! فلسطين التي ترك‏

بهاء لأجلها ليلى، رغم حبه لها حبا لايقاس به شيء، وبقي هناك! هزّت ليلى رأسها. عانقتها المعلمة: ليلى، أنا مثل أمك. إذا احتجت شيئا تذكري أني موجودة! بيتي مقابل المدرسة. تعرفينه. زرتني مع التلميذات يوم كنتُ مريضة!‏

في ذلك المساء تأخرت ليلى عن وقت العودة إلى البيت. لو حدث ذلك في يوم آخر لرأت أمها واقفة في النافذة في انتظارها! ولكانت "العصرونية" جاهزة على الطاولة! فواكه أو عروسة لبنة فيها ورق النعنع، طيبة، طيبة! لكن ليلى وجدت منور جالسة على طرف فراشها تحدق في يديها. وضعت ليلى محفظتها في غرفتها، وخلعت صدريتها. تنهدت ومشت إليها. وقفت أمامها وحدقت فيها. انتفضت منور: أتيتِ؟ بقيت ليلى واقفة مقابلها. وخيل إليها أنها ترى نقطة ميتة في عيني منور. نعم، هناك موت لم يكتمل في عينيها بعد، غياب، نأي، بدأ يقتحم العينين الحيتين الزرقاوين الرماديتين. توغلت ليلى في العينين، كأنها تريد أن تمسك بتلك النقطة الميتة وتقبض عليها وترميها.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:53 AM
.

في أية لحظة صرخت ليلى باكية: يامنور، لاتموتي! لاتموتي! ضربت بكفيها كتفي منور كأنها توقظها من موت يقهرها، أو من غياب يجرّها إلى ظلماته. هزّتها: يامنور، لاتموتي! وصل صوت ليلى إلى منور عبر تلك الظلمات، وشعرت بكفين صغيرتين تهزانها. تنفست كمن يطلب هواء لايجد منه حاجته، وتنهدت مرات كمن ظل يبكي حتى شحّ الهواء في رئتيه. ثم شعرت بقلب ليلى يخفق على صدرها بسرعة، بسرعة. فوصلها هول الرعب الذي تشعر به، الرعب الذي لابد أن تكون كتمته عن أمها زمنا طويلا. هل شدّتها دقات قلب ليلى، بقوة خيط رفيع من الحرير، فبدأت تعود من الطرقات التي تشردت فيها أياما طويلة، وبدأت تخرج من الظلمات التي غرقت فيها، وتعود من الغياب الذي بدأ بإغراء استعادة حبيبها المقتول في الجليل، ثم أغرقها في بحر الظلمات ففقدت أطياف الحبيب البعيد وفقدت الحقيقة الموجودة أمامها: ابنتها؟! عانقتها ليلى بقوة كأنها تريد أن تحتفظ بها، كأنها تريد أن تبعد عنها الموت الذي رأته في مكان صغير من عينيها. ستتذكر منور مرات كثيرة حرارة عناق ليلى وقوة ذراعيها! وستظل تسمع دقات قلب ليلى على صدرها، الدقات الخائفة التي استعادتها من صحراء التيه الكبرى وسرابها!‏

اطمأنت ليلى عندما بدأت منور تلمس شعرها وتربّت عليه كما كانت تربّت عليه في الأيام البعيدة. وعندما شعرت بأن عناق منور ليس أقل من عناقها لها. عندئذ تركتها وجلست قربها. ثم رأتها تهتز إلى الأمام والخلف مرات. ياليلى، يبدو أن الروح تمرض أيضا! ربما كانت روحي مريضة طوال هذه الأيام، وربما نسيتك فيها! ربما فهمتُ أني مريضة لكني لم أستطع منع نفسي من المرض! سأشفى ياليلى! ليس المرض حقا لكل إنسان! نحن دون هذا الحق ياليلى! قدرنا أن نبقى من أول العمر إلى آخره أصحاء! لذلك اقفلي على ماجرى الباب واتركيه بيننا! لاتقولي حتى لسعاد أو نفيسة عنه كلمة! لاتخافي علي! سأشفى بهدوء. تحمليني بعض الوقت!‏

نظرت ليلى إلى عيني منور كأن المرض والصحة هناك. نظرت إليها كطبيب يفحص مريضه، أو كأم تفحص ابنتها. لمست بكفها خد منور. نعم، يبدو أن نقطة الموت بدأت تزوغ مبتعدة. هزّت ليلى رأسها كمن يقول لمنور: سأنتظر عودتك! سألتها: ماما، هل أحضّر لك عصرونية؟ لمحت ليلى طيف ابتسامة على وجه منور. تذكّرها بالعصرونية التي أهملتها؟ نهضت معها: سأشرب ملّيسة وتحضّرين لنفسك العصرونية!‏

لم يخفَ على سعاد أن منور تغلق روحها دونها. زارت نفيسة وتحدثت معها عن منور. استمعت إليها نفيسة وفكرت في قدر بلاد الشام. ماأحلى هذه البلاد، ماأطيب هواء الأمسيات بعد أيام الحر! ماكان أحلى الليالي التي قضتها مع خالد آغا وابن الكحال في الليوان! مع ذلك حكم عليها بفقد خالد آغا المقتول في ميسلون. ياسعاد، بماذا يصيب الروح قتل الحبيب؟ يمزقها؟ يوجعها؟ يشردها؟ ينزع عنها الأمان! يفقد البيت أنسه، ويعذبنا بالمكان الذي بقي لنا من المحبوب، بملابسه التي نحفظها كأنه سيعود ويلبسها، بالهواء الذي تركه لنا ولم يعد يشاركنا فيه! تبدو الحياة فراغا بعد فقده، فلانرغب بشيء! نفقد بعده حتى الرغبة بالحياة! كأن لم يعد لدينا ماننتظره، ولم يعد لدينا مانتذوقه، ومانفاجأ به! لايموت الحبيب فقط، بل يموت بعضنا معه! ثم نبدأ بالشفاء! فنبحث عن سبب للحياة. تمر أشهر وربما سنوات ونحن نعيش الحياة كواجب، وكضرورة لمن بقي لنا من الأحياء. لم تجتز منور بعد هذه المضائق المظلمة. ماتزال تصارع أعاصيرها! هل نستطيع أن نساعدها؟ يجب أن تشعر بأننا حولها، وبأننا ننتظرها. هذه امرأة لا تشفى إلا بقرارها. ستجد دواءها بنفسها. تعرف منور كل كلمة يمكن أن نواسيها بها! وإذا لم تجده ياعمتي؟ نتركها تضيع منا؟ ياسعاد، ذات يوم فقدتُ صديقة عزيزة علي، ضاع عقلها، ضاعت ذاكرتها. ومن كانت؟ امرأة شجاعة هرّبتُ معها السلاح للثوار! لذلك يقول الناس: اللهم أحسنْ آخرتنا! ياعمتي، تلمحين إلى أن منور ستضيع؟ ياسعاد، منور قوية، لكن دعيها تستنفد حزنها وعتبها. لم تولول عندما وصلها خبر موت بهاء! لم تولول يوم قتل معتصم! وطوال أربعين يوما بعد المأتم لم تبك! وبعد الأربعين لم تبك! تحتاج قوة خارقة كي تهمل حق الندب والبكاء الذي تركه إرث طويل تفيد منه الثاكلات والأرامل! اتركيها الآن تؤدي واجب الحزن على الموتى! سنبقى حولها كمن لايعرف بصراعها مع أشباحها. إياك أن تلمسي جرحها! اسمعي كلامي ولاتتمني فقد الأحبة حتى لعدوك! ستشفى منور لأن ليلى معها. لاتتركي ليلى، لكن لاتتجسسي على منور بليلى، وإلا فقدتهما معا. أمس أرسلت مرجانة إلى منور لتأتي بليلى كي تذوق زنود الست التي تحبها. وقبل ذلك طلبت ليلى لتذوق المهلبية. أخذتها مرة إلى الأسواق معي، وجلسنا عند بكداش في سوق الحميدية وأكلنا كشك الفقراء وكعكا. ليلى أمانة بهاء وطريقنا إلى منور! مارأيك في أن تطلبي من منور أن تذهب معك إلى سوق الحميدية لتنتقي قماش ثوب لابنتك؟ إذا رضيتْ سأذهب معكما! تذهبين معنا؟ هل ذلك قليل ياعمتي؟‏

من خلال رقائق شفافة كضباب جبال لبنان لمحت منور انتباه سعاد إليها، وزيارات ليلى إلى نفيسة. والتقطت نظرات سعاد الفاحصة. لكن ذلك مر كما تمر الأطياف من تول الناموسية في ليلة مقمرة. تلمحه كظلال بعيدة عنها، وتقول لنفسها: فيما بعد سأفكر فيه، فيما بعد سأفحصه، أما الآن فيجب ألا يمنعها عن الانصراف إلى الذهاب والإياب على طرقاتها المعتمة.‏

تساءلت منور فيما بعد متى حدث ذلك. وقدرت أن مرضها واكب الانقلابات في سورية. لا، لاتستطيع أن تحدد البداية بالمسطرة! فيوم ذهبت إلى ابراهيم الحسيني كانت تبدو صحيحة وقوية، لكن ألم تنسلّ الدودة السوداء إلى روحها قبل ذلك؟ خلال الصراع بين الاستسلام لفقد عزيزين، وبين مقاومة الحزن كواجب نحو حبيبتها الباقية ليلى؟ قالت دهشة: يالعالم الروح الواسع والجاف كالصحراء، النديّ المتشابك بالظلال والخضرة كغوطة دمشق! كأن كل مافي الكون في الروح، تحتوي عناصره بمقدار ماتتسع، فتستقدم العواصف والزهور والمروج والمياه والجبال الجرداء! ستقول لليلى يوم تصبح شابة: حتى شجرة التين وشجرة الزيتون موجودة في روح الإنسان! حتى العبق والروائح ونافورة الماء موجودة فيها! لكن أكانت قادرة على معرفة ذلك وهي غارقة في سراديب ضيقة تعصر روحها؟‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:54 AM
.

مع ذلك أرّخت منور، فيما بعد، مرضها بالانقلابات العسكرية في سورية! ألأنها كالبلاد، فقدت الأمان؟ كانت تسمع مايتناقله الناس عن لعب وزراء القوتلي بالإعاشة وترك الحبل على الغارب للتجار. وتعرف أن صاحب مقهى سوقساروجا صار يسمع رواده من أهل الحي "كوانات" سلامة الأغواني، فيضحك الجالسون ويرددون: الله، الله، يسلم فمك ياأغواني! فيؤكد لهم صاحب المقهى: لاتلائم زمن الحرب فقط، بل زمن مابعد الاستقلال! فوق ذلك من يستطيع ألا يسمع هدير نكبة فلسطين في روح الناس؟ بدا اللاجئون الذين كانوا أصحاب أراض وحواكير وبيوت كمشردين في خيام نصبت في حديقة المنشية خلف نصب الشهيد المجهول! طردوا بالثياب التي عليهم. تركوا وراءهم صورهم، وأوراق الطابو، ووثائق الزواج والشهادات. ووضعوا في المدارس والجوامع في دمشق وحلب وحمص. قال بهاء لنفيسة يومذاك: احتلال فلسطين وإعلان إسرائيل على أرض عربية نكبة للعرب كلهم! جرح سيبقى مشتعلا طوال القرن إذا لم نوقف هذا الظلم العلني! ستدور أحداث القرن كله يانفيسة خانم هناك، كي يتسع الاحتلال ويبلع مابقي من فلسطين، وكي يعترف العرب بأن تلك الجريمة شرعية، إذا لم نضع حدا للاحتلال الآن! فهل كشف بهاء لمنور نبوءته كما كشفها لنفيسة؟ ففهمت أن اتفاقية الهدنة التي وقعت في زمن انقلاب حسني الزعيم مع إسرائيل تعني أن هذا البلد المخترع المفروض على العرب بالقوة وبخيمة الاتفاقيات بين الدول العظمى، سيعمق أسسه حتى تتحقق نبوءة بهاء؟ ألم يجرحها، كزوجة مقاتل استشهد في الجليل أن يتنازل حسني الزعيم عن أرض فلسطينية حررها السوريون؟ تذكرت نفيسة أن منور قالت لها في آخر زياراتها: لو انتصروا في فلسطين كنا تحملنا الفساد وسرقات التجار! أما أن نتحمل الهزيمة هناك والهزيمة هنا، ويبقى كل شيء كما كان فلا! وألف لا!‏

هز انقلاب حسني الزعيم البلاد. وكان يفترض أن ترحب به منور لأنه أنهى الحكومات التي سددت إحداها الرصاص على الطلاب المتظاهرين فقتلت ابنها! لكنها لم تحتفل بانقلاب حسني الزعيم. ولم يغشها أنه جمع سياسيين معروفين، وأعلن بالراديو بيانات حلوة! وأن مرافقه هيثم كيلاني ومعاونه بهيج كلاس، ووزير الخارجية عادل أرسلان. سمعت القصيدة التي ألقاها أبو ريشة في الثامن من أيار في سينما دمشق في عيد جلوس الملك فاروق على العرش وحضره الزعيم. وحارت بين أولها وآخرها! قال في مطلعها:‏

ولاح قائدها المأمول فالتفتت إليه وانطلقت بالشعب تأتزر‏

وقال في نهايتها:‏

ياللرئاسات كم غرت مفاتنها وكم كبار على إغرائها صغروا‏

ناموا على بهرج الدنيا وماعلموا أن الفراش على المصباح ينتحر‏

لكن منور منذ رأت الدبابات في الشوارع، نفرت : مكانها ليس في وسط البلد! هل كانت تدين الزعيم الذي استند إلى قوة من القنيطرة وحرض الضباط في الجبهة؟ أكانت تتوقع أن تنزل قوات من الجبهة فيما بعد أيضا في انقلاب آخر!‏

في تلك الأيام صارت المعلمة تقصد أن تظهر عنايتها بليلى. اختارتها كي توصل أوراقا للمديرة. اختارتها كي تأتي بلوحات خرائط اوروبا وآسية من غرفة وسائل الايضاح والتدبير المنزلي في طرف أرض الدار، وطلبت من ليلى أن ترسم خريطة بلاد الشام. وقدمت لها علبة جميلة من الألوان المائية لم تر التلميذات مثلها. كأنها أرادت أن ترسم وهجا حول ليلى يغري التلميذات بمزيد من القرب منها! خمّنت المعلمة أن ليلى تعيش أياما صعبة فقررت أن تسندها. وقوّتها في أيام مرض أمها. اختارتها لتقرأ مقطعا من الشعر كتبته بخطها. فأنشدت ليلى أمام الصف:

أيها الأنجم التي قد رأينا

عبرا في أفولها كالشموس

إن هذا الأفول كان شروق

في دياجير طالع منحوس

وسيأتي منه الزمان بسعد

تنجلي منه داجيات النحوس


قالت المعلمة: قال الرصافي هذه القصيدة في ضباط ثورة الكيلاني الذين أعدمهم الإنكليز. لستن ملزمات بحفظها، لكن انقلنها إلى دفاتركن، فقد تفكرن فيها ذات يوم! وستعرفن كيف يتصل الشعر بالتاريخ.

خلال الفرصة نادتها، أحاطتها بذراعها وقادتها إلى مقعد في باحة صغيرة تطل عليها غرفة المعلمات. حكت لها عن أبيها الضابط الذي تطوع ليسند الانتفاضة العراقية ضد الإنكليز سنة 41. كانت يومذاك صغيرة، في الحادية عشرة أو الثانية عشرة، تعي وتسجل في ذاكرتها لكنها تكتم ما في روحها. ماأثقل الحزن عندما يموت إنسان! لكن ماأعظم الحزن عندما تشعر مدينة بأنها ثكلى! هكذا كانت بغداد المهزومة التي رجع إليها الوصي الهارب ونوري السعيد والإنكليز. وقبلها هكذا كانت دمشق بعد ميسلون! مدينة حزينة محتلة فرضت عليها الغرامات بالليرات الذهبية لأنها قاومت الاحتلال، وفرض عليها تسليم الأسلحة! رجع أبي جريحا من بغداد. وقبله بعشرين سنة رجع خالي جريحا من ميسلون، وحكت لي أمي عما قدّرت فيما بعد أنه دموع المقهور الذي تكاتفت عليه دول عظمى. لكن كم دام ذلك ياليلى؟ خمس سنوات بدأت بعدها الثورة! اشترك فيها أخوالي. كان بيتنا في الميدان من البيوت التي نسفها المحتلون. فهل تعرفين من ألجأنا؟ المسيحيون في باب توما! تفرق رجال الأسرة يومذاك بين عمان وجبل العرب حتى أعلن العفو. فبنينا بيتنا، وقصدنا أن يعاد كما كان. لكننا تركناه ولحقنا بأبي إلى العراق. بقينا في بغداد حتى قتل الملك غازي. عندما بدأ في سورية جمع التبرعات والأدوية لثورة رشيد عالي الكيلاني تطوع أخي مع جماعة أكرم الحوراني ورحل إلى دير الزور ومنها إلى بغداد. قاوم الاحتلال الإنكليزي مع العراقيين. وقتل هناك! فتذكرتُ مارواه خالي لأمي عن ميسلون. هل كنتُ بالذكرى أستعيد أخي الذي ابتعدت عنه في سنوات فتوتي، وأحاول أن أجد الصلة بينه وبين أبي الذي فتح البيت لاستقبال المهنئين ومنعَ العزاء به؟!

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:55 AM
.
في أيام ميسلون كان أبي في الكتيبة مع ضباط عراقيين. ذكر لنا منهم فهمي سعيد وصلاح الدين الصباغ. احفظي ياليلى هذه الأسماء التي يدفنها نوري السعيد والإنكليز اليوم. درس اولئك الضباط السوريون والعراقيون في أفضل المعاهد العثمانية والألمانية، وجمعهم الجيش العربي. كان معهم القاوقجي الذي قاتل فيما بعد في فلسطين. نزل فهمي سعيد في التكية مع مجموعته بعد ميسلون. صادف صلاح الدين الصباغ في المرجة نوري السعيد. فطلب منه نوري السعيد أن يلحق بمجموعته ليحافظ على الأمن حتى يستلم غورو البلد عندما يدخل في الغد. روى الصباغ ذلك لفهمي سعيد متقززا من نوري السعيد الذي استقبل غورو وابتسم له. لحق الصباغ وفهمي سعيد وأبي بالقوات الوطنية في حمص. لكنهم أسروا. سجن أبي في قلعة دمشق، وسجن الضابطان العراقيان في قلعة أرواد، ثم سلما للإنكليز. اولئك الوطنيون الشجعان أسسوا الجيش العراقي ياليلى. لذلك حاولوا أن يسلحوه ويقووه. ولذلك هرّبوا أسلحة الجيش العراقي للثوار الفلسطينيين سنة 36، وجهزوا المتطوعين وستروهم حتى تسللوا إلى فلسطين. وكانت فرقتهم من أول الفرق التي هاجمها الطيران الإنكليزي في فلسطين.

ماأكثر المعلومات التي ترويها المعلمة! هل تستطيع ليلى أن تحفظها كلها؟ حاولت أن تفهم كل كلمة، ووعدت نفسها: سأفكر في هذا فيما بعد. لكن ميسلون التي قرأت عنها في كتب المدرسة أصبحت حيّة بحديث المعلمة. وأتى إليها عراقيون وأردنيون. كانت دفاعا عربيا عن دولة عربية صغيرة جديدة! ولم تكن متطوعين بسطاء تناولوا ماتيسر من البنادق القديمة وركبوا القطار إلى ميسلون! بل كانت ضباطا قديرين تعلموا في أفضل معاهد الدنيا.

كسب العراقيون بالمعاهدة قليلا من السيادة وتخلص الإنكليز من الثورات والتمرد. لكن الإنكليز أرادوا أن يدخل العراق الحرب منحازا إليهم. فهل كان يمكن أن ينحاز العراقيون إلى الإنكليز الذين غرسوا المستوطنين اليهود في فلسطين وسلحوهم ووهبوهم الأرض الأميرية وحموا مذابحهم وطردهم الفلاحين العرب؟ ينحازون إلى الإنكليز الذين أعدموا الثوار الفلسطينيين وحرّموا عليهم السكين وسلحوا المستوطنين اليهود؟ أراد الضباط الوطنيون حياد العراق في الحرب، فهاجمهم الإنكليز واحتلوا العراق، وكانوا يومذاك مهزومين أمام ألمانيا! كان الوصي قد هرب من بغداد بحماية السفير الأمريكي والتجأ إلى بارجة بريطانية. ساعد بعض يهود العراق الإنكليز وتجسسوا لهم. نزل الإنكليز في البصرة، وقصفت الطائرات الإنكليزية الجيش العراقي. هكذا رجع الاحتلال والوصي ونوري السعيد. ثم أعدم الضباط الوطنيون الذين حلموا بأن يحرروا العراق من الانتداب، ثم يحرروا بلاد الشام منه، وينظفوا فلسطين من المستوطنين. العراق مهم لفلسطين ياليلى، ولو شوه سمعته في حرب فلسطين من خان العراق والعرب. تذكري أمرا يجب ألا تنسيه أبدا مهما تخفّى: ستحاول الدول الكبرى أن تفرض إسرائيل على العرب، وسيرفض الوطنيون ذلك دائما، وستجد الدول الكبرى دائما من تعتمد عليه من الضعفاء والأذلاء! وسيحكم هذا الصراع حياتنا كلها!

كنا قد عدنا من العراق بعد موت الملك غازي. زارنا العائدون من العراق. وحكوا لنا عن احتلال العراق. عن قصف الطائرات الإنكليزية الجيش العراقي. ذكروا لنا أن أخي قتل في الدفاع عن بغداد. كان الإنكليز قد نقلوا مجموعة صهيونية من فلسطين إلى العراق لتساعدهم في التخريب والاغتيالات والخطف. فقتل العراقيون رئيسها رازييل، ودفنه الإنكليز في احتفال عسكري! ودفن العراقيون أخي الذي كان ممن هاجم تلك المجموعة الصهيونية. أترين كيف وصلت فلسطين التي قتل فيها أبوك إلى العراق؟ في بلاد الإنكليز كتّاب سأعيرك بعض كتبهم. شكسبير، شارلوت برونتي، ديكنز وغيرهم.. لكن المحتلين ليسوا اولئك المثقفين! المحتلون قساة، قتلة، ومغرورون! قتلوا الملك فيصل يوم صار ثقيلا عليهم. ثم قتلوا ابنه الملك غازي بحادث سيارة. رجع أبي يومذاك من المأتم حزينا. قالوا سقط عمود الكهرباء عليه وهو يقود سيارته بسرعة! وماكانت المسافة تتحمل السرعة بين قصر الزهور وإذاعته. بقيت السيارة سليمة! أتته الضربة من الخلف حيث جلس رجلان يرافقانه! قتله الإنكليز ونوري السعيد وعبد الإله الذي صار وصيا بعد مقتله. قتلوه لأنه كان يتصل بالضباط الوطنيين، ويذيع من محطة قصر الزهور تضامنه مع الفلسطينيين. ولأنه أراد أن يضم الكويت التي اقتطعها الإنكليز من ساحل العراق ووهبوها لإحدى العشائر. إذا تأملتِ الخريطة ياليلى تبينتِ الظلم الذي قسّم العرب.

لكن رجال الانتداب أكثر قسوة من تلك الخطوط. لأنهم بمشاريع وحدة الهلال الخصيب، ومشروع سورية الكبرى يريدون سلب السوريين استقلالهم. فيغرسون العداوة بين العرب. سورية اليوم بين إغراء المال العراقي والمصالح التجارية التي تربط حلب ببغداد، وبين عبد الله الذي استفز شكري القوتلي فطلب عودة سورية إلى الأردن! يرى الملك عبد الله سورية عرشا يحق له. كان الوطنيون العرب يدفعون روحهم فداء الوحدة العربية. وصار همّ رجال الانتداب والطامحين إلى العروش مدّ المعاهدة التي تقيد العراق والأردن إلى سورية المستقلة.

دثّرت المعلمة ليلى بنبوءاتها. قالت لها إن بغداد ستبدو بعيدة جدا، وسيزيدها السياسيون الذين تراكضوا إلى دمشق خلال الانقلابات العسكرية بعدا. يمدون بين دمشق وبغداد الصحاري التي لاتستطيع سيارة "نيرن" أن تقطعها. لذلك يجب أن تبقى في ضمائرنا. يجب أن نتذكر أن العراقيين ماتوا في سبيل فلسطين، وأنهم دافعوا معنا عن الوطن أمام أول هجوم عسكري غربي في عصرنا الحديث في ميسلون. وسجنوا مع الوطنيين في أرواد. يجب أن نتذكر أنهم كانوا من أساس الجيش العربي وأنهم أداروا مع السوريين الدولة العربية الاولى في تاريخ بلاد الشام الحديث. وأنهم استقبلوا الوطنيين الذين لجأوا إلى العراق، واستقبلوا أمين الحسيني وجعلوه واحدا من اللجنة السباعية التي أدارت العراق أيام حكومة رشيد عالي الكيلاني.

هل كانت المعلمة تكشف لليلى حقائق فقط، أم كانت تنشد حبها لبلد عاشت فيه مع رجال الثورة العربية وأسرهم، ثم دافع عنه أخوها ودفن فيه؟ هل كانت مسحورة بما يبقى في الذاكرة من المدن التي نعيش فيها عندما تصبح بعيدة عصيّة؟ أم كانت تقول الحقيقة التي عرفتها لأنها تشعر بواجبها في نقلها إلى أجيال أخرى؟ لأنها ترى أن عملها في التعليم يتجاوز ماتوجزه الكتب المدرسية وتكتمه عنها الضرورات السياسية، وضعف الثقة في عقول الفتيان؟ لم تكن لديها غير صور على كرتون كأنها بطاقات بريدية على ظهرها اسم "ستديو". صور رجال بكوفيات أو فيصلية كالتي يضعها زوج سعاد على رأسه. صور رجال ببذلات وطرابيش، أو بعباءات جميلة وكوفيات بيضاء، أو ببذلات عسكرية منفوخة البنطلونات. لم تحدد الصور المدينة، فتركت الخيال يرسمها واسعة وممتدة تستطيع ليلى أن تضيف إليها ألوانها. فتتخيل دجلة كبحر واسع لأنه أعظم من بردى. نهر تجري فيه القوارب في المساء، وتصدح عليه الأغاني منذ قرون الخلفاء، ويسمر على ضفافه الناس ويتنزهون في شارع أبي نواس. حول كل بيت حديقة، ياليلى، كالبستان! لابد أن يكون فيها نخيل وحمضيات.

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:56 AM
.

العراق ياليلى بلد شعرائنا القدماء. بلد الخلفاء العباسيين والعلماء ورجال الفلك والطب. بلد سامراء والقصور الرائعة في تاريخ العمارة في العالم. بلد قانون حمورابي، أول قوانين الدنيا. ومتى أرسل هارون الرشيد إلى شارلمان الساعة؟ وقت كانت اوروبا غارقة في ظلام الجهل والفقر! سآخذك ذات يوم لتري مكان الساعة في باب جيرون في جدار الأموي! وسأعطيك كتاب ابن بطوطة لتقرئي وصفها، فتسمعي رنين الكرات النحاسية الصفراء في النهار، وترين ضوء القنديل الذي يشير إلى الساعة في الليل!

كان هارون الرشيد في صورة الكتاب المدرسي رجلا في مقدمة عمامته ريشة عجيبة قد لاتكون ريشة. فهل هو ذلك الرجل العظيم الذي عاش في بغداد؟ ستتسلق ليلى كرسيا لتتناول كتاب ألف ليلة وليلة وتقرأه في الصيف، وستتصور بغداد والمدن التي رحل إليها تجار بغداد ومكتشفوها. لتعرف العراق الذي حدثتها عنه معلمتها ورسمت نخيله الرشيق. كانت كلمات المعلمة ترتسم صورا في خيال ليلى. الملك فيصل نحيل طويل يتميز بالحكمة، والملك غازي شاب متحمس قتل في السابعة والعشرين من العمر، ونوري السعيد مكور سمين زائغ العينين خبيث، وصلاح الدين الصباغ ضابط رشيق وجميل، وفهمي سعيد أهيف حاد النظرة، والوصي عبد الإله نحيل مخاتل ماكر. وبغداد تستند إلى ضفتي دجلة مدثرة بالنخيل الرشيق. تصوري ياليلى غابات من النخيل على مدّ العين تصبح قاتمة في البعد! في العراق أفضل أنواع التمور في العالم، وأجمل النخيل! يعملون من التمر الدبس والشراب والخل. من التمر أنواع كريمة مدللة، ومنه أنواع يصنعون منها الخلّ. من سعف النخيل يحوكون السلال الطرية ويبنون المظلات. شجر النخيل كريم ياليلى، ومثله أهل بغداد.

كانت وهي تحكي لليلى عن العراق ترحل فيه في الزمان الذي لاتعرفه هي نفسها، وفي المكان الموجود الآن والذي وجد قبلها.

أصبحت للمعلمة صورة أخرى. ماأكثر مارأت ومع ذلك هي شابة ورشيقة وجميلة! أهذا هو سبب الضوء الذي يتألق في عينيها عندما تسرح خارج الكتاب المدرسي لتتحدث عن بلاد جميلة وكريمة، عن رجل اسمه يوسف العظمة ترك طفلته الصغيرة وزوجته المحبوبة وخرج إلى ميسلون وهو يعرف أنه لن يعود منها؟ ماهذه الجيوش الكبرى التي تهاجم بلادا صغيرة ذات تاريخ حضاري عظيم، لاتراه بل ترى نفطها وحريرها وموقعها؟ أصبح بهاء، مع أنه أبوها العزيز الذي لامثيل له، واحدا من كثيرين قتلوا وسيقتلون في سبيلها. الوطن ليس أرضا فقط، لأنه لايباع ولايشترى ولايستبدل. الوطن تاريخ عمره آلاف السنوات نحن لحظة فقط منه مهما تألمنا ومهما فرحنا وسجلنا من البطولات. لذلك له هوية ولا يمكن أن تكون فلسطين وطنا للمستوطنين اليهود! فالوطن لايهجر كما هجروا أوطانهم الأصلية، ولايشترى كما حاولوا أن يشتروا فلسطين من السلطان عبد الحميد، ولايفرض باتفاقيات دولية أو بقوى خارجية كما فرضوه. الوطن يولد في ضمائرنا كتاريخ وأرض معا، كذاكرة لاعمر لها يجب أن نضيف إليها مايليق بنا ويجب ألا نسيء إليها!

سألت المعلمة ليلى فجأة: لديك مشكلة ياليلى أستطيع أن أساعدك في حلّها؟ جفلت ليلى وانسحبت من الصور التي تلحقها كسلحفاة تعود إلى قوقعتها. سمعت صوت أمها وتذكرت كلامها: لاتذكري ذلك حتى لسعاد أو نفيسة. هزت رأسها تنفي حاجتها إلى مساعدة هذه المعلمة الحلوة. هل يخفى على المعلمة التي أقفلت قلبها وهي في عمر ليلى على حزن وقهر أن ليلى مثلها في ذلك العمر، تقفل قلبها بكرامتها؟ هذا ماتمنته لها تماما! لكن قلب الطفلة يجب أن يخفق بعواطف أخرى. قررت ألا تمس حزن ليلى بل أن تضع مقابله أفراحا تستحقها فتوتها. وقررت رحلة إلى لبنان. ستكون المعلمات مع هذا الصف الذي تحب تلميذاته في باص يخرج إلى لبنان في الفجر ويعود في الليل! فرحت ليلى ثم همدت. سألتها المعلمة: ستشتركين في الرحلة يوم الجمعة! أطرقت ليلى: كيف أترك أمي وحدها؟ التقطت المعلمة الإشارة إلى مايقلق ليلى. قالت: أليس لك أقرباء؟ اطلبي منهم أن يكونوا معها! فكرت ليلى: خالتي سعاد! ستطلب من خالتها أن تدعو أمها إلى الغداء؟ قالت المعلمة: ياليلى، أريدك أن تكوني في الرحلة!

هل حاولت ليلى أن تستعيد أحلام منور بها؟ لاحظت منور أنها تحمّل ليلى حصة أخيها معتصم من تلك الأحلام وهمست لنفسها: حرام! صغيرة! ثم فسرت لنفسها لماذا تريدها أن تتفوق في الدراسة: يجب أن تكون جديرة بأبيها وأخيها! وكانت تشعر كأم، بأن الدراسة بوابة واسعة للعمل. وكأن ليلى قصدتها هناك لتكمل شفاءها، ففاجأتها بأنها الاولى في صفها.

عادت من المدرسة في أول حزيران حاملة ورقة فيها علاماتها وثناء متنوع الألوان من معلماتها ومديرتها. قالت مبتسمة: أزحتُ الاولى وأخذتُ مكانها! سألتها منور: أغضبتِها أم أبقيتِ على صداقتها؟ هزت ليلى كتفيها: لم أسألها. لكننا نلعب معا بالطابة في الباحة! كنت الثانية في الصف فصرت الاولى، وكانت الاولى فصارت الثانية، فلم الغضب؟

لكن ليلى أدهشت أمها بالمكافأة التي تطلبها: تريد دراجة! بسكليت؟ بسكليت! فهمت منور من إصرار ليلى أنها حلمت بالدراجة زمنا طويلا. كيف تفهمها أن الفتاة لاتركب دراجة في الشام، ولو كانت في عمر ليلى؟ سألتها: هل رأيت في سوقساروجا فتاة تركب دراجة؟ ردت: رأيت فتاة على دراجة قرب البارلمان! سألتها منور: فتاة سورية؟ ردت: لاأعرف! لكن هل هي أحسن مني إذا كانت أجنبية؟ تركت ليلى أمها دهشة وأغلقت على نفسها الباب، وتظاهرت بأنها نائمة بعد الغداء. وكتمت فرحها لأنها شغلت منور!

عندما شقت منور الباب لتطمئن عليها، شعرت بأنها نجحت في شد منور إليها، واندفعت في ذلك. فشكت أمها لنفيسة. استمعت إليها نفيسة وهي تحتفي بنجاحها. قدمت لها مربى النارنج المحشو باللوز الذي تحبه: كلي ياحبيبتي! كلي! لكل مشكلة حلّ! استندت نفيسة إلى ظهر مقعدها وتأملت ليلى راضية. كأن هذه الصبية تعيد مسار نفيسة في طفولتها! ألم تفرض نفيسة على أبيها أن يساويها بأخيها في التعليم؟ ألم تتاجر بالحرير وتذهب إلى مزارع التوت راكبة الفرس؟ وفي شبابها ألم تختر زواجها وتقرر طلاقها؟ مع ذلك لم تستطع أن تتصور فتاة على الدراجة في سوقساروجا. سألتها ليلى: هل أنا دون أي صبي في الحارة؟ ردّت نفيسة: بل أنت أفضل من أي صبي في الحي كله! سألتها: تحكمونني إذن لأني أصغر منكم، ولأني دون مال أشتري به دراجة؟ مال أبيك وأمك لك ياليلى! لكن.. قاطعتها ليلى: لاأريد مالكم! سأشتغل عندما أكبر. لكن لن أكلم أحدا منكم حتى أموت! ابتسمت نفيسة! ماأجمل غضب هذه الصبية! ماأحلى كرامتها!

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:57 AM
.

بحثت نفيسة عن حلّ لمشكلة لم تخطر لها. جلست إلى نافذتها وتفرجت على الطريق. وابتسمت عندما خيل إليها أنها ترى ليلى على دراجة! قالت لنفسها "ستجعلنا فرجة، مثل كشّاش الحمام"! لكن يالهذه الفرصة التي أتت في وقتها! فلتنتقل منور من بيتها ومن الحيّ، ولتبتعد عن أطياف بهاء ومعتصم! سيشغلها ذلك عن نفسها! اقترحت نفيسة على منور أن تنتقل إلى بيت من البيوت الجديدة التي بنيت في البساتين خلف المستشفى الطلياني. أجفل الاقتراح منور. تترك بيتها الجميل الواسع لتعيش في طابق لاترى منه السماء إلا من النافذة؟ لاأرض دار يزهر فيها البنفسج وتظلها شجرة الليمون، ولاسطح مفتوح للنجوم والقمر تزينه عريشة العنب، ولابحرة ولانافورة؟ تنهدت وهي تتذكر الليل مع بهاء على السطح في فجر بارد، وذات ليلة أهداها فيها عقد اللؤلؤ. تذكرت المشرقة التي شربت فيها القهوة معه، واستعادت يوم أطلت عليه من النافذة وهو يصطحب ضيفه الثائر الهارب من الحكم بالإعدام في فلسطين. تذكرت حتى اليوم الذي نقل فيه بهاء السلاح للثورة كأنه ينقل للبيت مؤونة الحطب. فهل تترك أطياف حياتها في هذا البيت الرحب وتهاجر إلى حي جديد لايعرف فيه الجار جاره، والله يعلم من هم سكانه؟ كادت تلوم نفيسة. ثم فكرت في الطريق الطويل الذي ستقطعه مع ليلى. قالت لها نفيسة: ليلى صبية لن تتسع لها الحارة. تلزمها دنيا! لماذا ترك آل القوتلي بيوتهم الواسعة في المدينة القديمة وانتقلوا إلى الصالحية والرئيس؟ ولماذا يبني أغنياء الشام بيوتا في الروضة وأبي رمانة؟ يحبون أن يطلوا من شرفاتهم على شارع يرون أوله وآخره. يريدون شوارع عريضة. يتحملون لسع الشمس ونفخ الريح كي يمدوا نظرهم. هناك يلبسون مايشتهون من الملابس، ولامن رأى ولامن سمع! سألتها منور: وأنتِ، ستتركين بيتك؟ تنهدت نفيسة: لن أخرج منه إلا إلى قبري! لكنك لست حرة مثلي. اسمعي نصيحتي! لاتنقلي أثاثك. اعملي مثل ابنة أبي الشامات. تركت بيتها في القنوات كما هو، وسكنت في الروضة. تعود إلى بيتها في القنوات يوم الجمعة وتستقبل فيه أصحابها وجيرانها! لن يكون أثاث البيت الجديد من الصدف والموزاييك! ولن يثقل عليك ثمنه!

هل كانت نفيسة تجد الحلّ لدراجة ليلى ولمرض منور. كانت تقدّر أن الحياة مع أطياف المحبين اختيار صعب. تستطيعه نفيسة، ولكن لماذا تتحمله منور؟ فلتملأ منور بيتها الجديد بأطياف أخرى، أو فلتتركه أبيض الجدران! لتستعد روحها وليكن بهاء لها كمن يطلّ من النافذة. تمنت مرات أن تقول لمنور يجب ألا يحتل الموتى حياتنا! يجب ألا يشاركونا الأيام التي استداروا عنها! يجب أن يبقوا داخل إطار الصورة وإلا دفعونا إلى الهامش. لمن نترك الحياة التي يعجزون عنها ونتفادى لأجلهم أن نعيشها؟ سألت نفيسة نفسها هل يعني هذا أن تقبل لمنور الزواج مرة ثانية؟ وأجابت لا، هذا مناقض لمسار عائلتها! لماذا؟ لأن الكرامة تفرض علينا ألا نهبط من ذروة صعدنا إليها! لأن مثلنا يطلب من نفسه مالايطلبُ من آخرين! زوجة بهاء، الشهيد في الجليل، لاتستطيع أن تضع رجلا آخر في مكانه! ومع ذلك بدا ذلك لنفيسة مثل دفن المرأة مع زوجها! لا، لا، هذا خيارنا الذي لم يلزمنا أحد به! لكن يجب أن تحمي منور روحها من سطوة الأطياف! وسيساعدها البيت الجديد على ذلك!

عرض "دلاّل" على ابن الكحال عدة بيوت جديدة في الروضة والعفيف وآخر الخطّ في المهاجرين وخلف المستشفى الايطالي. اختار منها بيتين اقترحهما على منور. فرجّحت الأقرب منهما إلى سوقساروجا. مشت نفيسة معها وتفرجت على ذلك البيت. قالت لها: الطريق من الطلياني إلى سوقساروجا نزهة! تقطعينه في عشر دقائق!

أعجب ليلى البيت الجديد لأنه يطل على البساتين. وطارت من الفرح عندما صادفت الهداهد تنطّ تحت الأشجار في طرف بستان على حافة الطريق. اختارت كراسي خيزران لغرفتها، وخاطت منور لتلك الكراسي قماشا أخضر فيه رسوم بيضاء. مقابل نافذتها بساتين مزروعة بالخضار وأشجار التوت والتين والمشمش. وساقية يشق منها الفلاحون سواقي صغيرة يروون بها البساتين. تستطيع من شرفتها التي تكاد تلامس الطريق أن ترى السماء حتى نهاية بساتين الصالحية أبي جرش الممتدة حتى القابون في الغرب، وحتى قاسيون في الشمال. في المساء ستشعر بالبرد بالرغم من حرّ حزيران. وستظل تذكر الهداهد التي صادفتها في تلك البساتين. ماأكثر مانادت منور كي تتفرج عليها، وماأكثر ماحدثت نفيسة عنها! بدا لها أن أجمل طير رأته هو الهدهد. ماأحلى ألوانه، وماأجمل تاجه! جلست لترسمه. فتحت علبة الألوان، واختارت الأقلام الساطعة، وملأت عدة أوراق برسوم عصفور يشبه الهدهد لكنه ليس هو. ثم جربت الألوان المائية فغطت الطاولة بالفناجين التي تخلط فيها الألوان، ونشرت رسومها المبتلة على الكراسي لتجف، وسألت أمها: أي منها يشبهه؟ وظلت تنتظر الهداهد ولاتمل من متابعتها. وقالت لنفيسة إنها تحب البيت الجديد لأن الهداهد تحوم حوله.

لن تفهم ليلى إلا بعد عقود أن ذلك البيت كان من الأبنية التي ستقتلع البساتين. وسيصبح الطريق العريض الذي مشت على رصيفه الواسع متأملة غيوم الخريف البنفسجية والوردية طريقا مزدحما بالسيارات. ولن تستطيع أن تعرف مكان الساقية، ولن ترى هدهدا طوال حياتها الباقية في دمشق.

صارت منور تخرج إلى بيتها في سوقساروجا عندما تخرج ليلى إلى المدرسة. وتعود منه وقت عودتها. لكن البيت الذي لم تعد تفوح فيه رائحة الطعام، ولم تعد شراشفه تحمل رسوم جسم إنسان، ولم تعد في فناجينه آثار القهوة، يعاقب بكآبته من هجره. مع أن منور بقيت تكنس أوراق الليمون وأزهار الياسمين من أرض الدار، وتنظف بحرته وتطلق نافورتها. لكن هل تتجاهل أن الانتقال منه عجّل بالإعلان عن صفحات طويت من حياتها؟ وعن فقدها ماكانت تعيش به، والاعتراف بأنها صارت معلقة بابنتها! كان مفتاح بيتها في سوقساروجا أكبر من مفتاح بيتها الجديد، وأثقل منه، لكنها لم تضق به أبدا.

هكذا كثرت زياراتها لنفيسة فسألتها: عرفت جيرانك؟ عرفتهم! زاروني كما يزور الجار جاره الجديد. بعضهم تجار وبعضهم موظفون! بعضهم لطيف ومهذب، وبعضهم ثقيل ومغرور! هذا جواب؟ يبدو أن منور قررت ألا تجيب نفيسة! وماذا تقول؟ الناس هنا معروفون بآبائهم وأجدادهم، وهناك كل واحد مقطوع من شجرة! صدقي مايقوله عن نفسه أو لاتسأليه من هو! هذه أحياء جديدة غرست أبنيتها ولم تغرس بعد تاريخها! قالت منور: حمل أهل سوقساروجا بهاء وأوصلوه على أكتافهم إلى البيت يوم عاد من ثورة 36 في فلسطين! هل تذكرين ياعمتي ذلك اليوم؟ لكن ليلى سعيدة بالبيت الجديد. الشارع عريض والرصيف واسع. تركب ليلى الدراجة ساعات كل يوم وأتفرج عليها من الشرفة. نبهتها نفيسة: لنفكر إذن في سعادة ليلى!

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:57 AM
.
تعلقت ليلى بالبيت الجديد لأنها وجدت غادة. فتاة سمراء لطيفة، أكبر منها بسنوات، في مدرستها نفسها، يرى بيتها من نافذة ليلى. تمر غادة بليلى في الصباح وترافقها في طريق المدرسة. وماأيسر أن تتحدث إحداهما مع الأخرى بالإشارات من الشرفة! راقبت منور صداقة ليلى وغادة. وخمّنت أن تلك الصداقة من العلاقات التي تتعتق مع الزمن وتصبح ذكريات من عمر، وتحتضن أسرار الحب. بل قدّرت أن ليلى قد تتحدث عن أمها لغادة. وفكرت في حاجة الإنسان إلى الحنان والتفاهم والصداقة. وتساءلت ترى هل ستجد ليلى ذات يوم الرجل الذي تعيش معه كما عاشت هي مع بهاء؟ وفهمت عمق علاقة ليلى بغادة عندما سألتها ليلى: مارأيك في اختصار سنوات الدراسة لأقدم البكالوريا بسرعة؟ سألتها منور مداعبة: لتدخلي الجامعة مع غادة؟

دللت منور غادة. دعتها إلى الغداء مع سعاد وأولادها في بيتها في سوقساروجا. وطلبت لها الإذن من أهلها بالتلفون. وهناك رأت مديحة، رفيقة غادة وليلى في المدرسة. استمتع الأولاد بأرض الدار الواسعة التي نقلت إليها منور طاولة الطعام، وأعجبهم الطعام والحلوى. صعدوا إلى السطح وتفرجوا على الحمام الذي يدور في السماء فوق الحي ويتبع إشارات الكشاش. استمتعوا بالنزول على السلالم وبالصعود عليها. ففكرت منور وهي تراقب صخبهم بأن الأسرة الكبيرة ممتعة، مع أنها قدّرت أنها لن تستطيع أن تنظف البيت وحدها بعد انصرافهم. لاحظت أن نفيسة توقفت قرب غادة وتحدثت معها. قالت لمنور فيما بعد: صديقة ليلى ذكية وطيبة. قررت أن تدرس في الجامعة وتصبح صاحبة مخبر! هل عرفتِ من هم أهلها؟ عرفت! أمها معلمة وأبوها مدير في وزارة التربية.

بيت منور الجديد أجمل من بيت سعاد. فهل تجد لنفسها مثله؟ شجعتها نفيسة: منطقة جديدة، العرض فيها أكثر من الطلب! لكن ذلك كلفها أياما من البحث. فعبد الرحيم رجل لم يعرف طول عمره مافي بيته. آه منه، "لاللخل ولاللخردل"! لم يعرف كيف كبر أولاده! انتقلت سعاد إلى بيت قريب من بيت منور، أجره مائة ليرة في الشهر. أجر يتحمل دفعه عبد الرحيم الذي أمن له القوتلي العمل في القضاء، واستطاع أن يستقبل في بيته أمين الحسيني وشكري القوتلي ورياض الصلح وبقية رجال الأمس! هل خطر لمنور أن سعاد تفخر بزوارها عندما فحصت البيت الجديد وقالت إنه مناسب لاستقبالهم أكثر من بيتها السابق؟ لكن سعاد قالت بصراحة أجفلت منها منور: فتح احتلال فلسطين زمنا وطوى زمنا! هؤلاء الرجال مستمرون لأن صفحات الدنيا تطوى ببطء! تأملتها منور: تعجبك شرفتك التي تطل على البساتين؟ تعجبني! تشربين فيها القهوة، وتتأملين الحياة! لذلك صرت حكيمة، ياسعاد خانم! لكن انتبهي، فالحكمة متعبة! كانت منور كمن يتحدث عن نفسه أيضا. فالحياة تبدو كالكفّ أمامها وهي جالسة في شرفتها المستديرة المطلة على البساتين والسواقي. تقول لنفسها بلد جميل والحياة فيه رائقة ومغرية فلماذا تهرب منا الأفراح؟ سعاد على حق! فتح احتلال فلسطين زمنا جديدا حياتنا فيه دون أسوار. غرس احتلال فلسطين بلدا عسكريا أقوى من البلاد العربية، يستطيع أن يحرق بقنابله أي بيت فيقطع غفوته على أفراحه أو أحلامه! وكأنما بدا بهاء لمنور في نور جديد. أليس من الرجال الذين حاولوا أن يردّوا عن العرب ذلك القدر؟!

تفرجت منور من شرفتها على ليلى التي تركب الدراجة في طريق واسع على ضفته البساتين والسواقي. وتساءلت هل تستطيع أن تنجو من قدر حكمها منذ كانت طفلة؟ لم تنتبه ليلى إلى هواجس منور، ورفعت يديها عن مقود الدراجة فرحة بمهارتها، وتطاير شعرها في الهواء. تبينت منور من مكانها حمرة خدي ليلى، وانتبهت إلى غصن زيزفون زينت به دراجتها. ظلت ليلى تذهب وتعود في الطريق نفسه، ولاتملّ، مشغولة بفرحها ودراجتها. كأنها كانت تطير! كأنها كانت تحتفي بغيوم يوم صاح من الشتاء، لوّنها الغروب بلون وردي وبنفسجي ورمادي ومالايخطر بالبال من تدرجاتها. ماأسعد ليلى بدراجتها! وبالغيوم والبساتين، وبهذا الطريق الخالي من الناس كأنه فتح لدراجتها! شعرت منور بالرضا على بيتها الجديد. هاهي تملأه بذكريات جديدة، ببداية صبا ليلى وأهوائها الشفافة. لاتعرف منور أنها ستخشى بعد سنوات هذه البيوت الحديثة التي تطل على الشارع وتسهل للحبيب مراقبة من يهواه. وتسهل له أن يرمي رسالة حب من النافذة، وأن يتسلق جدار الحديقة ليطل على المحبوبة. وأن يختبئ خلف الدرج وينتظر عودتها. ستتمنى منور أن تعيد ليلى إلى بيتها في سوقساروجا الذي يبتعد فيه الباب عن الغرف، ويراقب فيه أهل الحارة الغريب العابر، ولايطال فيه المحب نافذة يرمي منها رسالة!

فرحت منور بطول ليلى من سنة إلى سنة، وبتقدمها في صفوف المدرسة. لم يخطر لها أن ذلك يقربها من الأيام التي ستخاف فيها على ليلى من حب قلق قد يسبب لها العذاب ولايليق بها. كان الفرح، الذي تعبّر عنه نفيسة وسعاد ومنور، بنضج ليلى كفتاة حلوة ذات عينين واسعتين وأهداب طويلة، وقامة هيفاء وشعر غزير، وتظهر ليلى أنها غير مبالية به، يقرّب ليلى من مكانها بين الناس الذين سيغريهم جمالها وسيقصدونه بالخير والشر. آه يامنور! من يستطيع أن يهرب مما في الدنيا!

لم يتأخر القلق! كانت البداية انتباه منور إلى شاب ينتظر ليلى على بعد خمسين مترا من بيتها. ويتبعها إلى المدرسة، متقدما عليها أحيانا ومتأخرا أحيانا. رصدته منور من نافذة إلى أخرى. وشعرت بأن ذلك عدوان على ابنتها. هل الفتاة التي تمشي في الطريق مباحة؟ خطر لها أن تخرج وتمسك به. حدثت سعاد عن ذلك غاضبة: في المدينة الجديدة لاأحد يعرف هذا الشاب أو غيره لذلك يظن نفسه حرا لارقيب عليه! فيتصور أن كل فتاة تمشي في الطريق البعيد عن بيته مباحة له! أفهم لماذا لاتحب ليلى أن تنزل معي إلى سوق الحميدية! أنا الكبيرة أسمع غزل الرجال وأراهم يكادون يمدون أيديهم إلي! قالت سعاد: في فلسطين ماعندنا مثل هذا! ردّت منور: هل تظنين اولئك من أهل الشام؟ بل غرباء سقطوا في سوق الحميدية!

هل روت سعاد لابنها زياد تلك الحكاية عن ليلى والشاب والطريق؟ رأت ليلى ابن خالتها زيادا يستوقف الشاب. احمر وجهها ورجعت إلى البيت مسرعة. من قال لك يامنور إني أحتاج من يدافع عني؟ من قال لك إني أحتاج وصيا علي؟ لن أستقبل خالتي بعد اليوم ولن أقول لابنها مرحبا! لاينقصني إلا "بريانتين" هذا!

حرمت ليلى أمها من الجلوس إلى الطعام معها، وحرمتها من رؤيتها في النهار. أقفلت على نفسها غرفتها ولم تخرج منها إلا في غياب منور. خشيت منور أن تطلب مساعدة غادة. وتفادت أن تزورها سعاد. لكن غادة هي التي أتت إلى منور. أتعرفين ياخالتي أن ليلى تحمل دواة الحبر دائما معها؟ لماذا؟ لترش بها من يتطاول عليها. لايجسر أحد على الاقتراب منها. تحل المشكلة بنظرة حازمة! نعم، بنظرة من عينيها الحلوتين! سألتها منور: وهذا الشاب الذي يلحقها، ياغادة؟ هل نمنعه ياخالتي من المشي في الطريق؟ لم يقل لها كلمة. لم يتأوه كغيره! لم ينفخ الهواء كأنه معذب!

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:58 AM
.
فكرت منور بكلمات غادة. هل تتفوق هذه الصبية عليها بالحكمة؟ حقا، لاتستطيع أن تمنع شابا من المشي في الطريق! ولاأن تعاقبه على كلمة لم يقلها! قدّرت منور خطأها: روت لسعاد ماكان يجب أن تسأل ليلى عنه. وجعلت الاستفهام شكوى! لم تتنبأ منور بالمستقبل! لم تعرف أنها ستلجأ إلى زياد محاولة تخمين مالاتبوح به ليلى لها. لتعرف ماتكتمه شابة من شعور حقها ألا تكشفه لأحد. ومايقلق أماً حقها أن تطمئن على ابنتها. سيخطر لمنور في لحظات قلقها أنها لو بقيت في بيتها في سوقساروجا لشاركها الحي في حراسة ليلى من الشر. ولما وقع ذلك الواجب عليها وحدها. وفي اللحظات التي ستفلت منها ليلى ستتمنى لو أنها رضيت بسلطة الأقرباء على بيتها، ولو أنها لم تؤكد لليلى أنها لم تطلب من سعاد أو من ابنها حراستها. هل يلجئ العجز الإنسان إلى مارفضه؟ فتعيش منور حتى الزمن الذي ستعود فيه الشعوب إلى ماتركته وسجلت أنها تقدمت عليه؟ وترى عودة البلاد الاشتراكية إلى الكنائس، ولجوء المسلمين إلى البحث عن الخلاص في تعاليم الدعاة بعد هزيمة الأنظمة الوطنية؟ ستتذكر منور غادة. وستتساءل هل نحتاج وقفة تذكرنا بأن لاثبات في الكون؟ فكيف نحلم بأن نثبّته مرة بمعاييرنا ومرة بأنظمتنا؟ الحق مع سعاد التي رأت أن القوتلي والصلح والحسيني شخصيات زمن مضى! ولكن كيف سيكون الزمن الآتي؟ ليتها زرقاء اليمامة التي تستشف الغيب! ليتها تقرأ في المندل ماسيجرف الدنيا بعد عقود! ستملّ الحياة إذا عرفت صفحاتها القادمة؟ بل ستتذوقها في بطء، وستحتاط من فقد مالاتقدّره في وقته!.

ستتساءل منور هل حرست طفولة ليلى ومراهقتها وصباها، فتركتها تستنفد الأهواء الملونة والطيش الرائع، ولن تستهويها في كهولتها مراهقة مفقودة تجعلها تزين نفسها بعقود الفتيات، أو تهين نفسها بخفة المراهقات؟ أغمضت منور عينيها وأطلقت ليلى، لكنها بقيت كالأسد الساهر على بوابات المعابد السورية. راقبت أهواء ليلى منذ الطفولة، وميزت ماتشترك فيه مع زميلاتها وماتتميز به. وقالت لنفسها: لكني يجب ألا أكون حارسا ثقيلا! وربما زاد من مسؤوليتها أنها أم وأب معا. وخمّنت ليلى أن منور جاهزة دائما للحظة التي تطلبها فيها. لكنها شعرت دائما بأنها حرة. وستقول في رضا: استنفدت طفولتي ومراهقتي، واستمتعت بأيام المدرسة وأيام الجامعة. لكن هل يُستنفد الشوق إلى الحياة؟!

نهضت ليلى وقت الفجر. فتحت باب غرفتها في هدوء. إلى الحمام! فتحت حنفية الماء وتوضأت. الماء حتى المرفقين، الوجه، خلف الأذنين، القدمين.. تماما كما تعلمت ذات يوم في المدرسة الابتدائية! لكنها أدت الحركات في وجد كأنها تقدس الماء وجسم الإنسان. تسللت إلى غرفتها ومدت بساطا صغيرا ووقفت تصلي عارية الرأس والذراعين. أية صلاة دون غطاء أبيض للشعر وكمّين طويلين وتنورة تغطي الساقين؟! ومع ذلك بدا لها أنها تخاطب الله وحيدة أمامه في الكون وأنه يسمعها.‏

طوت البساط الصغير، بساطا لينا خفيفا منسوجا من بقايا الأقمشة التي تفتلها وتخيطها النساء. ثم بدأت رياضتها. الحركات التي تعلمتها في المدرسة ومن المجلات. وبدأ الضوء يتلامح من النافذة، فاقتربت منها وتأملت السماء. ياللونها النيلي الساحر! مرت دواب محملة بالقنب إلى الأفران! هسهسة القنب هي الصوت الوحيد في الفجر. لم يستيقظ الناس بعد! لم تستيقظ بعد العصافير! تزايد الضوء في السماء بسرعة، ففتحت ليلى الباب وخرجت في هدوء. تناولت الدراجة وانطلقت إلى الشارع. ماأعذب نسيم الصباح الذي يقبل عليها باردا وهي تسرع بالدراجة في طريق فارغ، كأنه شق لها. لاتوجد سيارات. يندر من يملك سيارة، والباصات لم تبدأ رحلاتها بعد. مدينة صغيرة نائمة قلّ فيها المرضى والأشقياء فنامت فيها المستشفيات والشرطة. اندفعت ليلى بالدراجة في الطريق بين بساتين الصالحية والروضة، ثم في شارع بغداد، عبرته بين أسيجة من الورد الجوري والزيزفون وبعض الأبنية الحجرية. توقفت لتقطف غصن زيزفون تزين به الدراجة ثم عبرت مقبرة الدحداح وأشجار السرو، عبرت الساقية التي تقابل المقبرة والضريح القديم، عبرت الأنهار والسواقي والأرضي شوكي الممشوق الأخضر الداكن في البساتين حول اللاييك، وجامع لالا باشا مقابلها، وحديقة صغيرة فيها مرج من العشب. رفعت يديها عن مقبضي الدراجة. متوازنة! كادت تصفق فرحا! صادفت عربة محملة بالخضار يجرها حمار ويقودها فلاح، قادمة من الغوطة إلى سوق في دمشق. شعرت على رقبتها برفيف ياقة قميصها الأبيض القصير الأكمام. وصلت في رحلتها إلى البارلمان مخترقة شارع العابد. الدراجة فرحة عظيمة! متعة! لو تستطيع في النهار أن تركب الدراجة كالفتيان في المدينة كلها! لا، المشي متعة أيضا على أرصفة واسعة مبلطة، في شوارع هادئة فيها قليل من الناس. كم عدد سكان دمشق؟ نصف مليون أم مليون؟‏

عادت ليلى في الشوارع الفارغة إلى شارعها المزروع بأشجار الزنزلخت. فاح الياسمين من أسيجة حدائق الأبنية الحجرية. كم يفوح الياسمين في الفجر! توقفت قرب الرصيف تماما وترجلت من الدراجة موردة الخدين. لم يستيقظ الناس بعد، لكن نوافذهم كلها مفتوحة لهواء الليل كي يبرّد البيوت. هواء الليل المنعش الرطب في دمشق. في المساء يرتعش من البرد في عز الصيف من يعبر البساتين في الصالحية وقرب مدرسة اللاييك، وفي الشعلان، وفي الحلبوني. تتداخل البساتين في أحياء دمشق.‏

كان ذلك يوم الجمعة في أول أيام المدرسة في أيلول. لم تتكاثف الدروس بعد، ولم يستقم البرنامج بعد. لازال مقطّعا بساعات "فراغ"! ذلك يناسب أيلول الذي ينسحب منه حر الصيف، ويقبل فيه الخريف الذهبي، ويرتعش فيه النسيم المنعش، وتبدأ الغيوم جولاتها في السماء، وتفاجأ فيه بالمطر. "أيلول ذيله مبلول". هل كانت ليلى في جولتها تحتفي بتباشير الخريف، معشوقها العظيم؟ من لايهوى الذهبيات في دمشق! يبهجها أن يهبّ النسيم فينثر فوقها أوراق شجر الزنزلخت الصغيرة. تبطئ الخطى وقتذاك. وينسل إلى قلبها شعور بالأسى الرقيق. تمشي وعيناها على الأفق. في الطرقات كلها يقابلها الأفق. في دمشق لاتوجد أبنية مرتفعة تغلق النظر. تمشي وتتساءل في أية خطوة في أي يوم ستنفتح لها بوابات الحياة أو تجد نفسها فجأة على مطلها. لاتعرف بعد أننا مهما عشنا سنظل نصعد إلى مطلات في الحياة ونتبين بأننا كنا قبلها في سفوح! من بعيد تبدو ليلى للشاب الذي يتبعها ممشوقة، رشيقة، سريعة الخطوة، مستقيمة الظهر، معتدة بنفسها. لاتبطئ لتتفرج على من حولها وتوسع له الفرصة ليتأملها! من يتابعها يشعر بأنه يحاول أن يمسك البرق.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 02:59 AM
.

في ذلك اليوم قالت لمنور: يستحيل أن أدخل! رجتها منور: سايري، واعملي ماتريدين! "أحِب وداري، واكره وواري"! قالت ليلى: ليتفرجن علي كما يتفرجن على قماش في السوق؟ لن أتزوج أبدا بهذه الطريقة! قالت منور: تفرجي عليهم كما يتفرجون عليك! ادخلي احتراما للناس. من يرغمك على الزواج في هذا العمر؟! لم تفقس عنك البيضة بعد! قالت ليلى: سأدخل لكني سأتكلم كما أشتهي! فهل كانت منور تتصور أن ليلى ستقول ماقالته؟! لم تجلس ليلى كالبنات المهذبات على المقعد بل جلست على يده. وتحدثت عن ايمانها بأن الرجل يجب أن يساعد زوجته. كيف؟ تقشر هي البطاطا ويقليها هو! أو العكس! ذهلت النساء المرتبات اللواتي أتين ليخطبنها لابنهن. تابعها على طريق المدرسة مرات. أحب عينيها وقامتها. أعجبته رشاقتها. كان هو أيضا مختلفا عن الرجال فلم تستهوه الممتلئات والمتثنيات. ابن أسرة دمشقية تقليدية ومعاصرة. تضع النساء فيها الإشاربات فقط على رؤوسهن، ينصرفن إلى أعمال البيت ويؤدينها في مهارة وذوق حتى الظهر. وفي المساء يرتبن أنفسهن ويخرجن إلى الزيارات. هل يقبلن أن تستخف فتاة في هذا العمر بما عشن مخلصات له؟! قالت منور بعد انصرافهن: ليتك لم تدخلي إليهن! لم ينقصنا إلا عرض آرائك في الإرث!‏

ضحكت ليلى: لو لم يكفيهن ماقلته لتحدثت عن رأيي في الإرث! غضبت منور الخبيرة بالحديث مع الناس: الناس ليسوا فقط زميلاتك في المدرسة! الناس أشكال وطباع. تعلمي احترامهم والحياة معهم. لم أطلب منك الدخول كي تقبلي تلك الخطبة. بل كي تتعلمي الجلوس مع الناس في هذه المناسبات وتتعلمي معاملتهم. اعرفي أن العلاقة بالنساء طريق إلى العلاقات بالمجتمع! بينهن تعرفين العادات في الأفراح والمآتم والاستقبالات. لاتريدين ذلك؟! أنت من جيل مغرور يتوهم أن الحياة تبدأ به! لايفهم أن الظروف التي ينعم بها خلقها جيل سابق عليه!‏

دخلت ليلى غرفتها لتكمل قراءة "رسالة الغفران" للمعري. صعبة! لذلك ستظل تعود إليها حتى البكالوريا. مفتونة بشعر المعري عن اللحد الذي يضحك من تزاحم الأضداد، وعن الحيرة بين المئذنة والناقوس والبحث عن الحقيقة. عدتها معلمة اللغة العربية بحب المعري، مع أن قامتها أكثر نحولا من أن تحمله. ولابأس! فلتتحمل المشقة! فلن تسلك السبيل السهل الذي سلكته رفيقتها مديحة. تقرأ مديحة رواية الحرب والسلم، وتتقمص ناتاشا، وتسترسل في الانبهار بالكاتب والشخصيات، وتتمنى أن تعرف المزرعة التي عاش فيها تولستوي! وماأبعد روسيا! أقرب منها بكثير معرة النعمان!‏

تساءلت منور: من علم ليلى أن تفكر في قانون الإرث وتتفلسف في قضايا لافائدة من الكلام عليها؟ تساءلت وهي تعرف أن ليلى لاتحتاج إلى من يعلمها التمرد على الظلم. كم حملت من القطط الصغيرة المهجورة إلى البيت وأطعمتها! وكم أثارت هلع أمها بعطفها على الكلاب الشاردة الجائعة! كم مرة ضبطتها وهي تتناول الطعام من البيت وتتسلل إلى الكلاب والقطط الضالة! ياليلى انتبهي! قد تكون مصابة بالكَلَب! تنهض ليلى مرتعدة عندما تسمع إطلاق الرصاص في الليل. وتصرخ غاضبة: يقتلون الكلاب الشاردة! كانت صغيرة يوم عادت عابسة من المدرسة. لماذا ياليلى؟ وتسألونني لماذا؟! لأن للذكر مثل حظ الأنثيين! غاضبة كأننا مسؤولون عن ذلك! تحاول منور أن تفسر لها الأسباب والظروف، فترفع ليلى كفيها وتسد أذنيها بسبابتيها: لاأقبل ذلك! أي مبرر يجعل الصبي أفضل مني لأنه صبي؟! ندرس كالصبيان، وسنشتغل مثلهم! ترتعش منور. فليحم الله ضمائر الشباب، كيلا ينهار الكون!‏

بعد ذلك اليوم ستمر سنوات هادئة. ستحمل ليلى بعدها كتبا متنوعة في الصيف. كتبا عن الحلاج، وابن عربي، والخيام، وابن طفيل، وابن سينا، وابن رشد، والشعراء الصعاليك وعن ثورة الزنج. بعد اوجيني غرانديه، ومدام بوفاري، والبؤساء، والجريمة والعقاب، والمقامر، وبطل من هذا الزمان، والمعطف، وآنا كارنينا. وستسألها منور: لماذا كل هذه الكتب؟ وسترد: استعرتها من مديحة وغادة. وستقول منور: لكن الأدب ليس اختصاصك! وسترد ليلى: يجب أن يقرأ هذه الكتب المثقف الجامعي!‏

لكن ليلى عادت في تلك الأيام من المدرسة وهي تخفي سرا. أكلت مسرعة مع أنها تحب البرك وتستمتع بها عادة. جلست إلى مكتبها وانصرفت إلى نسخ قصيدة طويلة. يجب أن تعيد القصيدة غدا إلى زميلتها! هكذا انتشرت "بهيرة" عبد المعين الملوحي، في مدارس بلاد الشام! وصلت من دمشق إلى بيروت وعمان وإربد وحفظها قيس. نسخها الطلاب بأيديهم! نسخت ليلى مطلع القصيدة مبهورة بجرأة الشاعر:‏

فرغ الاله وجنده من قتل زوجتي الصغيرة‏

وتجمعوا يتضاحكون وقد توارت في حفيرة‏

نسخت بخط واضح صفحة. وكادت تبكي وهي تنقل عذاب شابين:‏

نادته، والآلام تنهشها، حنانك ياحبيبي‏

نادته، تحسب في اسمه الميمون أدوية الطبيب‏

ارتعشت ليلى. طبعا، الحق معه في الجنون:‏

أحبيبتي خرف الاله ومات من زمن بعيد‏

فعلام تعبده البهائم بالركوع وبالسجود‏

تنقلت ليلى مسرعة بين أبيات القصيدة الطويلة. قرأت، قفزت، عادت إلى النسخ:‏

لو ذاق ربك لذة الدنيا وأفراح الحياة‏

لو ذاق طعم القبلة الاولى على شفتي فتاة‏

لو كان يفهم ثورة الأحرار في دنيا العبيد‏

هدموا السجون وشيدوا مستقبل الشعب السعيد‏

لو ذاق هذا لم يكن يرضى بقتل الكون ظلما‏

لكنه ماذاقه.. لكنه .. ماكان يوما‏

ليلى سعيدة لأنها تشارك زميلاتها بالتمرد وهي تحفظ القصيدة وتنسخها. يلمسها الشباب في تقلبه واندفاعه وجرأته. لايتمرد الشاعر فقط على الاله بل يتمرد على يأسه. يتدفق الشباب في الحزن نفسه! لايوجد باب مغلق! هذه الحياة هي الحقيقة والأصل! تنسخ في إتقان:‏

أبهيرتي لاتزعمي أن قد عرفت الحق بعدي‏

أنا صنته وبذلت في تعليمه عرقي وجهدي‏

أبهيرتي ماالحق تحت الأرض أو بعد الممات‏

الحق فوق الأرض في الإنسان في هذي الحياة‏

تنهض ليلى من كرسيها وتمشي إلى النافذة، وتنظر نحو السماء. وتشعر بحب جارف للحياة، برغبة في أن تعيش وتحب وتمشي وترحل وتدرس وتنط إلى السنوات القادمة وتعبرها... إلى الحياة.. بعد سنوات، عندما ستنشغل بدروس الطب سيدهشها أنها حفظت تلك القصيدة.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 03:00 AM
.
رن الهاتف. زميلتها غادة. هي أيضا تنسخ القصيدة. إلى أين وصلتِ؟ أنا وصلت إلى نهايتها:‏

ونظل رغم الداء رغم الموت نفرح بالوجود‏

ونظل رغم الداء رغم الموت نحلم بالخلود‏

في تلك الأيام، جلس قيس تحت شجرة الزيتون ونسخ القصيدة. من مثله يفهم غضب الشاعر على المحبوبة التي تركته:‏

لاتزعمي أن الهوى لم يستطع للموت دفعا‏

الحب منتصر فهل أحببتني؟ أو كنت أفعى‏

موتي فمالك في فؤادي غير جرح سوف يشفى‏

المارد الجبار لايأسى لميت مات ضعفا‏

من مثل قيس الذي يسجل كل ثنية في حياته ويستعيدها في المساء، قادر على فهم الشاعر الذي يستعيد سعادته مع المحبوبة المفقودة:‏

.. الغرفة الزرقاء في هضبات إهدن لاتبالي‏

ساءلتها عنا وعن أسرار هاتيك الليالي‏

فوجدتها خرساء مدت في غباء ساعديها‏

كالمومس العمياء من تسمع تخله رنا إليها‏

ينط قيس إلى القوة التي يطلقها الحزن:‏

أبهيرتي إني لأسمع صرخة في أرض شعبي‏

أنا واجد في بعثه سلواي بعد ممات حبي‏

عندما ستتذكر ليلى بعد سنوات تلك القصيدة التي تناقلتها التلميذات كالأسرار ستنظر في شفقة إلى الكلمات التي حفظتها. وستقول لغادة ومديحة: كم يشرّد الغضب الروح! لكن غادة ستذكّرها: علمتنا تلك القصيدة كلمات جديدة. فرحنا بها لأنها كانت خارج سياق القصائد التي ندرسها. وكان ذلك لنا حرية عظيمة!‏

طوال سنة سكنت مديحة في بيت قريب من بيت ليلى. فصارت تمر بها صباحا وتمشيان معا إلى المدرسة. ماأمتع أن تكونا جارتين وفي المدرسة نفسها، وأن تكون المدرسة على بعد دقائق من المشي بين بيوت وبساتين وأرصفة عريضة ناعمة يفوح عليها زهر الزنزلخت! تمر مديحة ببيت ليلى، تتلفت في الشارع الخالي وتصفّر كالصبيان فتخرج ليلى، وتمشيان وكل منهما تضم إلى صدرها كتبها. خيل إليهما أنهما اختارتا قرابة لاتعتمد الدم والعشيرة. كأن الزمن يوهم الفتيات والشباب بأن العلاقة العميقة هي علاقة التفاهم والاختيار لاعلاقة الدم والعشيرة.‏

كانت غرفة الصف التي تدرسان فيها تلك السنة ممتعة: غرفة "الطيارة" في بيت عربي في طريق الصالحية، حولها مساحة مظللة بدالية تطل على أرض الدار الواسعة، يعبر من درابزينها الضوء ويرمي على الأرض البيضاء ظلال زخارفه. في ذلك الصف في تلك السنة سألت معلمة اللغة الإنكليزية طالباتها ماذا يتمنين أن يكن؟ ورأت أن يكتبن ذلك على أوراق بيضاء دون أن يذكرن أسماءهن. لماذا؟ كي يتعلمن التعبير في صراحة، ويصغن رغباتهن باللغة الإنكليزية. كانت الأجوبة متنوعة، قرأتها المعلمة عليهن ثم أحرقت أمامهن الأوراق. كانت ورقة واحدة منها فقط تبوح بأن صاحبتها تتمنى الزواج من رجل وسيم وغني تشيّد معه أسرة في بيت واسع. أما الأوراق الباقية فعرضت كلها أمنيات بالدراسة العليا، تتزوج صاحباتها بعد التخرج من الجامعة، وبعد علاقة حب وتفاهم ومعرفة. أعلنت ورقة واحدة منها أن صاحبتها تتمنى أن تعيش محبوبة ومحترمة في سلام.‏

صرفت التلميذات ساعة في الكتابة، وصرفن ساعة في الاستماع إلى ماكتبن. قطعت القراءة ضحكاتهن ودهشتهن. وخشيت المعلمة أن يصل صوت الصخب والضحك إلى المديرة المتجهمة في الطابق الأول، فكانت تهدئهن بين ورقة وأخرى. وفوجئت المعلمة بقطع الكاتو كأن التلميذات يحتفلن بذلك الدرس المتميز. وأدهشها أن الكاتو وصل إلى الصف دون أن يفتح باب. فاعترفت التلميذات بأنهن يحتفظن بحبل يدلينه إلى الطريق فيضع بائع الكاتو مقابل المدرسة ماطلبنه في سلة يربطها بالحبل ويهزه فتعرف التلميذات أن السلة جاهزة فيسحبنها!‏

ستتذكر ليلى ومديحة تلك السنة كأحلى سنوات المدرسة، وستذكر إحداهما الأخرى بها بعد خلافهما في الموقف من الوحدة. في تلك السنة كادت مديحة تخرق ماكتبته في ورقتها. أعجب رجل بها وطلب الزواج منها. ونقلت ذلك الخبر لليلى. زار أستاذ في الجامعة أمها التي عرفها خلال العمل في الوزارة. دق الباب ففتحت مديحة الباب. كانت تقمط شعرها بإشارب وعرقها يكاد يسيل على وجهها، وفي يدها الممسحة. أحرجها اللقاء لأنها في قيافة غير مناسبة. وسحره اللقاء لأنه دخل إلى عالم حميم لايراه الغريب. ولأنه رأى شابة نضرة متفانية في شغل البيت. قبلته مديحة مبهورة بأستاذ أنيق وسيم، ونسيت ماكتبته في ورقة الأمنيات المحروقة.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 03:01 AM
.
بدأت ليلى تتفرج على الملابس التي تشتريها مديحة من بيروت. طبعا، تقصد العرائس بيروت! في عائلة مديحة ليس الزواج معقدا. تزوجت أختها زميلها في الجامعة، وأكملا دراستهما معا. لكن مديحة التي كانت حالمة ورقيقة يومذاك اكتشفت كذبة صغيرة أو كبيرة كذبها عليها خطيبها فتركته فورا. حضرت ليلى جمع الملابس والهدايا لإعادتها إلى الخطيب. ورافقت مديحة في أيام الفراق الصعبة. يسّر ذلك أنهما انشغلتا بالامتحانات. فهل كانت مديحة تشكرها عندما أهدتها كتابا أنيقا طبعت فيه رباعيات الخيام بالإنكليزية والفارسية مع منمنمات ملونة لكل قصيدة؟ اشترته مديحة من بيروت. نشر الكتاب ترجمة فيتزجيرالد، فياللكتاب الثمين! احتفلتا بالكتاب على الشرفة وشربتا الكاكاو بفنجانين أبيضين كبيرين، وكانت أغنية فيروز "سمرا ياأم عيون وساع والتنورة النيلية" تتسرب من الراديو، ومديحة تلبس تنورة سوداء مؤطرة بقماش نيلي، والبساتين تتلامح من الشرفة. ماأوسع الدنيا يامديحة! خسرتِ رجلا كيلا تحترق أمنيتك التي كتبتها في الورقة!‏

سحر الخيام ليلى في تلك السنة. قرأته بالانكليزية! كانت معلمتها في المدرسة خريجة الجامعة الأمريكية في بيروت، لاتلتزم بالبرامج المقررة، فتقدم لطالباتها روايات إميلي برونتي وجين اوستن. صعبة؟ استخدمن القاموس ولنفسر الصعب معا! قرأت مديحة وليلى مرتفعات وذرينغ وغيرها من الروايات، وقالتا هذا هو برنامجنا المدرسي. وغلب حبهما المعلمة صعوبة النصوص.‏

انصرفت ليلى إلى الخيام. في أول العمر يسحر حب الحياة في الرباعيات. لم تكن ليلى ذاقت الخمر، فبدت الخمر رمزا من رموز حب الحياة. المستقبل ملء الفؤاد، لذلك بدت اللامبالاة به في الرباعيات رمزا إلى تقديس البرهة الحاضرة. حفظت رباعيتين أحبتهما. وسيدهشها بعد عقود أن تعرف أن قيسا أحبهما أيضا! فقرأهما لها بعد أربعين سنة وهو يروي لها أن الخيام ساعده في إبهار البوليفية ماروتسيلا، زميلته في دراسة اللغة. وسيبدأ في قراءة الرباعية في اللقاء الذي سيجمعهما مع غادة ومديحة وعمر وستكملها عنه فيشعران بأنهما يستعيدان زمنا قديما:‏

Ah, my beloved, fill the cup that clears‏

To-day of past Regrets and future fears‏

To-morrow? -why, Tomorrow I may be‏

myself with Yesterday,s sev,n thousand years‏

* * * *‏

Ah, fill the cup: -what boots it to repeat‏

How time is slipping underneath our feet:‏

Unborn tomorrow, and dead yesterday,‏

Why fret about them if to-day be sweat!‏

ينبش كل زمن شعراءه وينشد قصائده. فلماذا استخرجت الخمسينيات الخيام؟ فغنته أم كلثوم وترجم ترجمات جديدة؟ كيف جاورت الرباعيات نشيد الشابي "إذا الشعب يوما أراد الحياة"؟ كم أغنى الخيام حياة بشر فجعلها براقة ممتعة ومطربة! ملك مديحة زمنا أكثر مما ملك ليلى. تأملته فيلسوفا وذواقة. وأضفى على تلك السنوات من صباها فتنة. كان الدفاع عن الوطن الذي اندفع إليه الشباب يفترض الصحو، المشروع والبرنامج. وكانت الأحزاب كلها، ذات برامج تغطي السنوات القادمة. حام على ضفافها المنحازون إلى القومية العربية والاشتراكية العربية والماركسية وحللوا العصور الانسانية واستشفوا أشكال المجتمع القادمة. وذلك كله بعيد عن عمر الخيام! لماذا إذن سحر الخيام الكهول والشباب وجر إليه مديحة وليلى وغادة وقيسا وعمرا؟ فتنهم تناسق البنية الفنية، وإنسانية الرؤية الفلسفية، وحب الحياة والحزن عليها، وأسئلة الإنسان الخالدة! ومايحفّ بالتراث الإنساني من أنفاس أجيال وصدى عصور. سيحمي ذلك ليلى وعمرا يوم تضيّق السياسة الفن فتجعله كأنه صوتها فقط، أداتها وخادمها. وسيهرع عمر عندئذ، مع أنه طبيب، إلى سعة الفن ووظائفه الكبرى في تربية الشعور بالجمال والذوق وشفافية الروح ونقاء الضمير وصفاء الأخلاق. وسيحرس ذلك التمردَ السري التراثُ الانساني الرفيع الذي استطاع الحياة خلال العصور ليسند روح الإنسان!‏

مع ذلك لم تستسلم ليلى لرؤية الخيام كما استسلم لها قيس ومديحة. رأت من الخيام فقط الفنان، محب الحياة، وذواقتها. والشعر المطرب. نعم للفن خصوصية! ليس الفن فكرا فقط كالفلسفة. الفن للمتعة، للطرب، لتذوق الجمال! لذلك بقي عمر الخيام بينها وبين رفيقتها مديحة متعة سرية. من أشيائهما الشخصية، رفيق مقطع من العمر. قد يعود في عمر آخر لكنه لن يكون بمثل ذلك السحر.‏

حاولت مديحة أن تجد نسخة أخرى من رباعيات الخيام التي أهدتها لليلى. لكنها لم تجد مثلها في مكتبات بيروت. لماذا تمنت أن تحتفظ بمثيلة تلك الطبعة؟ لأن فيها أثر زمن؟ أم لأن ترجمة أحمد رامي والصافي النجفي مختلفة عنها؟ استعارتها مديحة من ليلى: أسبوعا فقط! لكن ليلى نسيت الكتاب في تلك الأيام، وتفادت مديحة بعد موقفها من الوحدة. وصارت أقرب من غادة. فبقي الخيام عند مديحة يوم سافرت ليلى في بعثة إلى موسكو دون أن تودع صديقتها القديمة. ولم تعرف إلا بعد عودتها أن الخيام صودر من بيت مديحة. عبأت سيارة من السيارات الستّ التي طوقت بيت مديحة، كتبها. هل استقر الخيام في إضبارة مديحة كمقطع من الحياة يخبر عن صاحبته؟ هل قرأه هناك أحد، أم انشغل من تناوله بالمنمنمات وقصها صورا يلصقها على سيارة أو مكتب؟ وإذا قرأه هل مسه سحر الخيام، أم كان فقط كالمنقب عن المعلومات والأسرار؟ في الساعة التي صودر فيها الخيام يومذاك كانت مديحة تعبر الحدود إلى لبنان.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 03:02 AM
.
ستردد ليلى فيما بعد: ماأحلى أيام المدرسة، وكم مرت مسرعة! وكانت السنوات الأخيرة أحلاها، لأن ليلى ورفيقاتها اقتربن من المعلمات، وزرنهن في بيوتهن. ستتزوج واحدة فقط من صف ليلى قبيل البكالوريا، وستنتسب بقية الفتيات العشرين إلى كليات العلوم والآداب والطب. سيكن قلة في صفوف أكثريتها ذكور، وسيلزمهن ذلك بأن يتفوقن. لكن الجامعة لن تقطع علاقتهن بمعلمات المدرسة.‏

وكانت رشيقة، أستاذة التاريخ، أقرب المعلمات إلى الطالبات. تتجاوز الكتاب المدرسي المقرر وتتحدث بلغة صافية كمن يروي حكاية، عن الأمة العربية المظلومة: لاتضيعوا ياأولاد في التفاصيل كأن كلا منها منفصل عن الآخر. بل افهموا الأحداث في سياقها الذي يجري إلى هدف. واستنتجوا محورها المركزي. تساءلوا ماهو جوهر الأحداث منذ بداية القرن حتى اليوم، وماهي القوى التي رسمتها والمصالح التي دافعت عنها؟ كانت رشيقة تفصّل في المعاهدات الاستعمارية التي قسّمت الوطن العربي. وتقرأ على طالباتها قرار الأمم المتحدة الذي اتفق فيه الغرب والشرق على اختراع بلد لاعلاقة له بدول المنطقة وشعبها. وتقول إن المهاجرين الصهيونيين غرباء عن المنطقة لأنهم من اليهود الخزر. وتعبر عن دهشتها لأن الاتحاد السوفييتي وافق على التقسيم واعترف بإسرائيل بعد إعلانها، مع أنها قاعدة للغرب الاستعماري! تساءلوا إذن عن مراكز النفوذ التي يحتلها اليهود في الشرق والغرب! ماالحل؟ تجمّع الوطنيين في تنظيم يخلّص الوطن من الإقطاعية والرأسمالية ويبني الاشتراكية العربية، ويوحد الوطن المجزأ ليصبح قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية. لم تنجز أحزاب البورجوازية برنامج التحرر الوطني الاقتصادي والثقافي والسياسي، بعد إنجازها الاستقلال. لذلك يجب أن تنجزه تجمعات أو قوى أخرى!‏

كان درس الأستاذة رشيقة ممتعا لأنه متصل بالواقع، ومليء بالأحلام. كانت تمازح تلميذاتها، وتدعوهن إلى بيتها, وتنظم لهن أحيانا رحلات إلى الغوطة. كانت امرأة فريدة. تلبس ملابس طويلة حتى الأرض كأنها من عصر مضى، وتطلق شعرها في ضفيرة ثخينة تصل إلى خصرها. ولم تكن تلبس أحذية بكعوب أبدا. وبدا أنها يمكن أن تصبح رياضية لو صرفت بعض الوقت في الرياضة. لكن وقتها كان مكرسا للكتب ومناقشة مؤلفيها واستقبال السياسيين أو زيارتهم.‏

في الرحلة التي اشتركت فيها ليلى وغادة التقت الطالبات بالأستاذة رشيقة قرب الباب الشرقي في السادسة صباحا. فحدثتهن رشيقة عنه وعن سور دمشق والعلاقة بين المسلمين والمسيحيين: "هم عرب البلاد الأصليين". ثم مشين في طريق الغوطة إلى خرابو. قالت لهن: أتعرفن أن حلم فخري البارودي في أيام الدولة العربية كان تأسيس مدرسة زراعية تعلّم أصول الزراعة الحديثة؟ كان الطريق ملكهن لاتقطعه أحيانا غير دواب محملة بالخضار متجهة إلى أسواق المدينة. قالت: انظرن إلى هؤلاء الفلاحين! هم المنتجون، لكنهم لايملكون الأرض التي يعملون فيها! ركضت الأستاذة رشيقة وسابقت تلميذاتها تحت أشجار الجوز التي تظلل الطريق في خرابو. سبقتهن واستدارت إليهن وانتظرتهن. قالت: أتعرفن يابنات أن المهاجرين اليهود يفرضون التدريب الرياضي! ذلك جزء من التدريب العسكري الذي يؤهلهم للحرب علينا! يجب ألا تهملن الرياضة. انتسبن إلى نادي الفتيان أو إلى النادي الغساني. العبن في الملعب البلدي! لاتتصورن أن إسرائيل ستكتفي بالقطعة التي احتلتها من فلسطين! حدثني الأستاذ أكرم الحوراني عن وحشية الاحتلال اليهودي التي خبرها بنفسه خلال الحرب في فلسطين. أنتن من الجيل الذي يجب أن يرد ذلك الخطر. وستكون سورية دائما في خطر. لأنها قلب العروبة النابض. هنا شنق شهداء أيار، وهنا قال يوسف العظمة لن يدخل المحتلون إلى دمشق دون مقاومة! وهنا استكمل نور الدين الشهيد توحيد الإمارات العربية وأسس الشروط لتحرير القدس وطرد الفرنجة!‏

كانت الأستاذة رشيقة تتوهج عندما تتحدث. فيحمر خداها وتتألق عيناها. فتقنع المستمع إليها بصدقها وتُعديه باندفاعها. وكانت بالمقدار نفسه تظهر الحماسة للخلاص من التخلف الذي تعاني منه المرأة. وتقول هذا نتيجة الاستعمار والوضع الذي يلائم الإقطاع. فالمرأة العربية شاركت الرجل في الحرب، وأنشدت الشعر، وكانت تصلي في المساجد مع الرجل وتناقش الخلفاء، وكانت تدير صالونات أدبية. تذكرن أن غزالة الحرورية كانت تحارب دولة! وأن سكينة كانت تحاور المفكرين!‏

سحرت الطالبات بساطة رشيقة وصدقها. وشعرن لأول مرة بأنهن أفراد في مجموعة، وأن لهن دورا في مصير الوطن العربي كله. أصبح الحلم بالحب والزواج مقطعا يواكب حياة واسعة. وصارت المهنة نفسها وسط تلك السعة. لكن الحق في الحب واختيار الزوج بدا من شروط أن تكون المرأة ندا. مع احترام رضا الوالدين. قرأت رشيقة بعض قصائد نزار قباني وأثنت على لغته البسيطة التي تقرب الناس من الشعر، وارتقائه بالعواطف الذي أذلها المغنون السوقيون! بدا نزار قباني من التفتح الذي تحمست له رشيقة.‏

هل انتقلت طالباتها بعد البكالوريا إلى الجامعة لأنها حدثتهن عن العلم كواجب نحو النفس ونحو المجتمع، وخاصة للنساء؟ أم كانت رشيقة نفسها من مزاج عام رفع قيمة العلم والعمل، وأغرى ببناء وطن متنور يتفتح فيه الإنسان!‏

شاركت ليلى الطالبات في زيارة الأستاذة رشيقة في بيتها. وشربت معهن الشاي وتفرجت على مكتبة أستاذتها. كانت المكتبة تغطي جدارا كاملا، مع أن رشيقة قالت إنها لاتحب الاحتفاظ بالكتب، وتمارس توزيعها كي يقرأها غيرها. هذه المكتبة إذن بعض ماكان لديها! عرضت رشيقة على الطالبات أن يخترن مايحلو لهن منها. فأخذت غادة روايات دستويفسكي التي ترجمها سامي الدروبي وروايات غوركي التي نشرتها دار اليقظة. واختارت ليلى ديوان عمر أبي ريشة. شربت ليلى الشاي مع زميلاتها وذاقت الكاتو الذي حضرته رشيقة لطالباتها. لم تكرر ليلى الزيارة إلا مرات قليلة صادفت خلالها رجال الأدب والسياسة الذين تنشر الجرائد أسماءهم. لكن غادة وبعض التلميذات بقين يترددن عليها. ثم صرن يحضرن اجتماعات في مكتب حزب البعث في الشهداء. وصارت ليلى تراهن فيما بعد في صدر مظاهرات الجامعة. وستتساءل: هل كسبت غادة من رشيقة فيما بعد بعض الكتب التي استخدمتها في مناقشة مديحة؟‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 03:04 AM
.
قالت غادة: سأزور زوجة أكرم الحوراني. تعالي معي! ورافقتها ليلى. سترى بيت الرجل الذي تتحدث البلد عنه، وستعرف زوجته! كانت رشيقة قد حدثت غادة عنه منذ بداية تقاربهما. كان أكرم الحوراني قد عرف في شبابه بيروت ودمشق وفلسطين. درس في معهد الحقوق في دمشق وانتسب إلى الحزب القومي السوري مجذوبا بعلمانيته وتنظيمه ومشروع وحدة سورية. وتركه بعد سنتين وترأس حزب الشباب في حماة فسند الفلاحين ضد الإقطاعيين. كان من شعارات ذلك الحزب "هاتوا القفة والكريك لنعش الآغا والبيك". حمل الحوراني مزاج الحموي الزكرت، ونقله إلى مستوى سياسي. دافع عن الفلاحين بالقوة، فكسب سمعة لن يبددها انصرافه إلى مشروع سياسي واسع. في سنة 1941 هبّ لنجدة الضباط الثوار ضد الإنكليز في العراق، وجرّ معه ضباطا سوريين. فعاد بعمق عربي في مشروعه. محملا بتجربة الرد الاستعماري الوحشي على الضباط الذين أرادوا حياد العراق بين المتحاربين في الحرب العالمية الثانية. فانتخبته حماة نائبا في البارلمان سنة 43 وهاجم العشائر والإقطاع. ثم دخل إلى فلسطين مع المتطوعين واشترك في مقاومة الصهيونيين. وقوى هذا المسار علاقاته بالضباط الجدد في كلية حمص العسكرية.‏

كان الضباط الذين ساهموا في الانقلابات قد حاربوا في فلسطين قبيل خسارتها. فكان عجز الجيوش العربية عن الحرب من أسباب الانقلابات التي عصفت بمصر وسورية. فهل كان الحوراني يتصور أن المساهمة فيها تحقق مشروعه بسرعة؟ مع ذلك كان يتقدم في تنظيم الشباب. وكان أعضاء حزب الاشتراكي العربي في سنة 1950 أكثر من عشرة آلاف. في سنة 1952 وحد حزبه مع حزب البعث، حزب ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار. كانت رشيقة قد استمعت إلى ميشيل عفلق وتابعته. بدا لها أنه يصوغ النظرية. لكن الحوراني هو رجل العمل، رجل الواقع والجماهير. أحدهما رجل المدرسة الفكرية والآخر رجل السياسة. أحدهما ينغمس في الانتخابات النيابية ويمارس ماتفتحه له من اتصالات ونشاط وقرارات، والآخر يرى أن اللعبة البارلمانية يجب ألا تشغل عن المشروع الواسع. بدا لها أن الحوراني يفهم بدقة دور الجيوش في العالم الثالث ويفيد من ذلك الدور. ولايبالي بأن يقال عنه إنه من أنصار "الاستعجال". يجب تركيز العمل في قطاعي التعليم والجيش فهما القطاعان الحاسمان في القرار. وستتبين رشيقة فيما بعد أن ملاحظاتها لمست الاختلاف الذي أثر في مسار الحياة العامة في سورية والعراق. لم يتردد الحوراني في الاعتماد على الانقلاب العسكري، مع أنه سيرفض فيما بعد نفوذ العسكريين. لكن الرزاز سيسمي ذلك خطوة في الظلام تلغي دور المنظمات الشعبية والعمل الشعبي. وستقرأ في الأيام الصعبة فيما بعد قوله "خطر الحكم العسكري يزداد حين تضعف القوة الشعبية". وستتأمل رأيه في ضرورة أن تحكم القيادة الحزبية المدنية المنظمة الحزبية العسكرية. ساقت الحماسة والأحلام رشيقة وبهرت بها تلميذاتها. كان الانتباه يومذاك مسددا إلى حلف بغداد الذي سيغير أسماءه فيصبح حلف السنتو، ويصبح فراغ ايزنهاور. وإلى حشد الأصوات لقائمة الاشتراكيين في انتخابات حرة. وتأسيس منظمات قوية مثقفة.‏

كانت غادة تعتد بأنها أصبحت ضيفة أليفة في بيت أكرم الحوراني. فالتفاهم ألغى الفرق في سنوات العمر. وصارت تطل على جانب آخر في علاقة السياسي بزوجته. وتعرف القدَر الذي يحرمهم من المتع العادية. قالت نزيهة ضاحكة مرة: قصصت شعري وعدت مزهوة من صالون الحلاق. كان أكرم مستعجلا فصادفته قرب الباب. سألته ماذا تلاحظ؟ نظر إلي وقال إنه لم يلاحظ شيئا غير عادي. سألته ألا يعجبك شعري القصير؟ سألني وهل كان طويلا؟ لكن نزيهة حملت واجبات السياسي المعقدة. بدت لغادة ربة بيت، وسيدة أنيقة جميلة، ومعلمة تحب مهنتها، وحاضنة أزمات عامة، ورحالة تتنقل مع زوجها إلى حيث سيقدر له أن يرحل راغبا ومضطرا. ولن تلتقي بها إلا بعد عقود وهي مريضة تقاوم السرطان في شجاعة. وستتبين العينين الحلوتين الخضراوين، وبريقهما الأخاذ، والابتسامة الساحرة نفسها، والذكاء. لكنها ستتبين الحكمة التي كنزتها نزيهة من السنوات الطويلة الصعبة.‏

كان يسعد غادة خلال الدراسة في الجامعة أن تصطحب معها إلى بيت نزيهة بعض زميلاتها أحيانا. مشت مع ليلى في طريق تحف به بساتين الصالحية. وبعد ربع ساعة فقط وصلتا إلى بناء جديد في عين الكرش. استقبلتهما شابة خضراء العينين، حلوة، لطيفة. كانت معلمتهما القديمة رشيقة في انتظارهما عندها. وأظهرت فرحها بلقاء ليلى بعد غياب طويل. تأملت ليلى نزيهة الحمصي، زوجة السياسي الذي انتخب نائبا في البارلمان في أيام الاحتلال الفرنسي، ورحل إلى العراق لنجدة ثورة الكيلاني، وتطوع في حرب فلسطين، وكتب البيان الأول في انقلاب حسني الزعيم. ولم يغب عن انقلاب الحناوي والشيشكلي. وهاهو الآن في المجلس النيابي السوري رئيس مجموعة ذات رأي حاسم.‏

خمنت ليلى أن غادة تجاوزت مرحلة فحص المجموعة التي تلتقي بها عند رشيقة. فقد عرضت آراءها لمنور خلال الغداء. اشتراكيتنا ليست شيوعية ياخالتي! لأنها مفصّلة للواقع العربي. يفيدنا الاطلاع على كتب الماركسيين لنفهم شرط الثورات وظروفها. الماركسية مصدر مهم من مصادرنا. تجربة تيتو مصدر آخر، وكذلك الصين والهند. لكن نظرتنا مؤسسة على واقع بلادنا. وليست لنا مرجعية خارجية تفرض علينا قرارها كما تفرض على الشيوعيين. لذلك نختلف عنهم في أمر آخر هو الموقف من فلسطين. فقد قبلوا قرار التقسيم لأن الاتحاد السوفييتي قبله. مع أن الأمة العربية تعرف أن المستوطنين اليهود غرباء فرضهم الانتداب البريطاني ثم احتلوا بالقوة مايتجاوز حتى حدود التقسيم!‏

استمعت منور إلى غادة في حنان. تأملت حماستها التي تنقل أحداثا لم تعرفها لكنها تصدق ماروي لها عنها. وأثار شفقتها اندفاع غادة إلى مصير تستعد فيه لأية تضحية تطلب منها. متى اجتازت هذه الصبية حدود أسرتها وأصبحت وسط هيئة في سعة خريطة تمتد من الخليج إلى المحيط؟ هل تجهل منور التي عاشت أيام الانتداب أن الأسرة البعيدة عن الأحداث العامة قد تحمي أفرادها، لكن الفرد الذي يصبح عضوا في منظمة عامة يوسع قدره بها! قالت لها: عرفت عكا ويافا اللتين لاتعرفينهما! مدينتان عربيتان. فمن يستطيع أن يقبل التقسيم الذي وضعهما في خريطة يهود غرباء! وهل تعرفين من اولئك المستوطنون؟ أنا عرفت بعضهم! كان الواحد منهم يشتري السمكة في طبرية ويضعها في عبّه!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 03:05 AM
.
في ذلك الغداء الطويل الذي قدمت منور فيه ورق العنب والكوسا المحشي المطبوخ مع الجانرك والشرحات والعصاعيص، استمعت إلى غادة. تركتها تقول مافي قلبها. ثم قالت لها: موفقة! لكن ليلى ابنة شهيد قتل في الجليل. ولذلك يجب ألا تنحاز إلى حزب ولو كان برنامجه تحرير الوطن العربي من التخلف والإقطاع، كما قلتِ، وبناء الاشتراكية التي تمنع الاستغلال، كما قلتِ! يفيد ليلى أن تلتقي بأشخاص متنوعين، وأن تفهم البلاد التي قاوم أبوها فيها الاحتلال، وأنجد فيها جياع الحرب العالمية، واستشهد ليرد المستوطنين اليهود عنها! لكنها يجب ألا تنحاز لحزب من الأحزاب التي تنظمكم في الجامعة!‏

لم تعترض ليلى على كلام منور. لأنهما تحدثتا عن ذلك مرات. فالإخلاص لذكرى أبيها أمر لايناقش. والإخلاص له يعني أن تكون مثله، مع المجموعة لامع قسم منها. ولكنها لم تخمن أنها ستميز، فيما بعد، سعة انحياز عواطفها وفكرها من ضيق التزام الأحزاب المقيد بالولاء لبرنامج وترتيب تنظيمي! وستقنع نفسها بأنها كطبيبة لايمكن أن تميز مريضا من آخر. وستؤكد ذلك وهي تسعف الجرحى في حرب تشرين!‏

وقت أخبرت أمها بأنها ستزور زوجة أكرم الحوراني مع غادة. سألتها منور: ستحضرين اجتماعا هناك؟ لا، سنلتقي بها وستكون السيدة رشيقة هناك. لايغيب عن منور أن الشباب يلبون حاجة روحية بالانتساب إلى الأحزاب الوطنية. يحتاجون إلى مشروع واسع يسددون حيويتهم فيه، ويحملون منها هدفا كبيرا وقضية عامة. يكتشفون الحرارة في عمل المجموعة، ويستقوون بأنهم منها. ويتبينون مافي أنفسهم من القوى ويتعودون التنظيم. ألم تعرف منور ذلك بعد عملها في الهلال الأحمر؟ ألم تجد فيه خلاصا من وحدتها وهواجسها؟ ألم تتبين فيه قوة الروح والجسم التي ظنتها خبت بعد مقتل ابنها وزوجها؟‏

كم بدا الوطن لليلى جميلا خلال الحديث عنه في بيت الحوراني! كم بدت الأحلام نقية وقريبة! لاشيء يمكن أن يمنع وحدة الأمة العربية المجزأة في أقطار باتفاقيات استعمارية. وحدة الأمة قدر يجب أن يحمل تنفيذه شباب مؤمن بقدرة الأمة العربية وحيويتها. أما الاشتراكية فستكون عربية نابعة من حاجات محلية عربية. تتمايز البلاد العربية بسبب التجزئة، لكن التصميم يمكن أن يزيل الفروق بينها. مع ذلك بدا كل ذلك غائما متداخلا في الحلم. لكن الحقيقة المتوهجة أن الأشخاص الذين التقت بهم ليلى مخلصون وصادقون ومتحمسون.‏

وكانت نزيهة الحمصي، فوق ذلك، صافية الوجه، أنيسة، جميلة، هادئة، متفائلة، تبدو سعيدة وابتسامتها ساحرة. قدمت للفتاتين سكاكر وقهوة. وتحدثت مع صديقتها رشيقة عن كثافة الاجتماعات التي تحرمها من اللقاء بزوجها تقريبا. لكنها لم تكن تشكو. بل بدت كمن يروي واقعا لايدينه بل يعتز به.‏

سألت منور ابنتها: أعجبتك زوجة أكرم الحوراني؟ ردت: نعم، كثيرا! لايحسد الإنسان المتعب المشغول. لكني غبطتها! قالت منور: لكن تذكري مكانك! لاتستسلمي لإغراء أي حزب! لاأقول لك ذلك لأني أخاف عليك. بل لأن الأحزاب التي ترينها متفقة اليوم قد تختلف غدا. وابنة الشهيد يجب ألا تنغمس في المنافسة أو في الصراع بين الجماعات والأحزاب!‏

ستكون ليلى شاهدا على حوار بين مديحة وغادة. وستسألهما: هذا تنافس أم صراع؟ وسترد مديحة: بل اختلاف في إطار التجمع! قالت غادة: تطبقون على بلادنا نظرية مجردة. تتحدثون عن بروليتاريا غير موجودة، وعن فلاحين لم نعرف مثلهم إلا في الأفلام والكتب. الاطلاع على نتاج الفكر السوفييتي ضروري لاستكمال ثقافة أي مواطن. لكننا لن نقتلع من هويتنا. تفرجي، تتحدثون عن الواقعية الاشتراكية وفي بلادنا لايزال الفلاح يمشي أمام زوجته والرجل يمكن أن يطرد زوجته من البيت! نحن نستقي من أية نظرية اشتراكية في العالم. نستفيد من أسلوب ماركس العلمي في تحليل القوى الفاعلة في المجتمع وسياق حركة التاريخ والمراحل التاريخية. نأخذ بهذه المقدمات كوسيلة علمية. أنتم تنقلون صورة التطبيق السوفييتي للاشتراكية كصيغة مقدسة! ردت مديحة في هدوء: حاجات الإنسان واحدة، أكان أبيض أم أسود أم أصفر. والماء يغلي في الدرجة مئة! فقالت غادة: لكن العرب يعيشون في ظروف معينة ياحبيبتي! والتاريخ يبين أنكم التفتم إلى الصراع الطبقي عندما كانت الثورة على الاستعمار هي المسألة في الوطن العربي. وأكبر أخطائكم أنكم رأيتم أن مقاومة الصهيونية حركة رجعية تقودها الرجعية العربية، وأن وحدة المصلحة تجمع بين البروليتاريا العربية واليهودية. وعندما غيرتم نظرتكم لم يكن ذلك التغيير نابعا منكم بل بسبب قرارات المؤتمر العشرين في الاتحاد السوفييتي وانتباه السوفييت إلى حركات التحرر القومية والحق في تعدد الطرق إلى الاشتراكية. أضيف إلى ذلك أننا نختلف معكم في مسألة الحرية والحق في التعبير وتنوع التنظيم. تحددونها أنتم بالطبقة ونراها نحن متصلة بحق الإنسان في التجمع والتعبير. ياغادة! أنت التي تتوهمين أن الإنسان يعيش خارج شروط الزمان والمكان! لذلك فالحرية عندك مطلقة خارج الطبقات. والأمة عندك كتلة واحدة ثابتة لاأغنياء وفقراء فيها. والعالم لديك معسكر واحد يستوي فيه المعسكر الاشتراكي الذي يساعدنا والمعسكر الرأسمالي الذي يعادينا! ستقول لهما ليلى وهي تتركهما غارقتين في الحوار: سأنصرف لأعدّ الاحتفال باتفاقكما! وسترد غادة مداعبة: هذا خلاف في إطار الاتفاق!‏


في السنة الاولى من الدراسة في الجامعة التقت ليلى وغادة ومديحة بعمر. سبقت غادة زميلتيها في معرفته. قدمه لها رفاقها: عمر بطل من أبطالنا، صمد في سجون الشيشكلي. خيل إليها أن عمرا ارتبك فقال: لاتصدقيهم! أنا طالب في كلية الطب خسر أكثر من سنة من الدراسة ويحاول أن يعوّضها! وشعرت غادة بضيقه بريش الطاووس الذي يزينونه به. وكم بدا لها لطيفا ودمثا!

أتى عمر من الحسكة في شمال سورية ليدرس الطب. ومنذ وصل تسرب كسواقي الماء في دمشق. استأجر غرفة في زقاق الصخر، ثم انتقل إلى غرفة في الشعلان دلّه إليها طالب أردني. قال له أبوه: ادرس، لكن مع الدراسة اعرف الدنيا! في العاصمة رجال السياسة وموظفو الدولة! عش، صر رجلا ياابني، ولاتفكر في المصروف، بل في العمر الذي يهرب فلايبقى لك إلا ماتكسبه منه! يزرع أبوه القمح، ويرسل قطعان الخرفان مع الرعيان إلى البادية، والدنيا في خير.

غيارى الراوي
01-03-2009, 03:06 AM
.
لم يخطر لأبيه أن عمرا سيبدأ نضجه في السجن. وجد عمر نفسه بين طلاب يرفضون اللعب بالقوانين وحكم الفرد، ويتوجسون من اتصالات سرية أمريكية لتوطين اللاجئين الفلسطينيين. دون مؤسسات ديمقراطية يمكن أن يقرر كل شيء في السرّ! التنازل عن فلسطين التي حارب فيها الحوراني والمالكي والشيشكلي نفسه، وقتل في سبيلها القسام وسعيد العاص ومئات المتطوعين العرب؟ ذلك من الكبائر! قال عمر لزملائه الطلاب أنا معكم! لن ينتسب إلى أي حزب فيقيد نفسه بنظامه وأوامره ويحاسب على كلمة زائدة وكلمة ناقصة. لكنه لايوافق على إلغاء الأحزاب. لم يعتقل، لكنه لايوافق على اعتقال الناس، بل يتمنى أن تكون السجون حتى للمجرمين من زجاج شفاف. مرّ خلال نزهته في شارع بغداد ببيت الشيشكلي. بيت بسيط. لمح مقابله على الرصيف الآخر بيتا تبدو من نوافذه وفي شرفاته فتيات جميلات. ذهل. رجع فرآهن مرة أخرى. تساءل: لإفساد الضباط بمكافآت صغيرة؟ مكان للعمل ومقابله مكان للراحة؟

صرخ عمر مع زملائه الطلاب: تسقط الديكتاتورية، يسقط الإرهاب! ووجد نفسه معتقلا مع مجموعة منهم. اكتشف خلال الاعتقال مهانة الإنسان في السجن. لم يتحمل بعنفوانه الريفي أن يضربه جندي ويقول له ياكلب. فأضرب عن الطعام. وعندئذ تلقى أول دروس السجن: لايجوز الإضراب عن الطعام إلا بعد الاتفاق على برنامج يوافق عليه المعتقلون ويستطيعون الدفاع عنه. هل ندمّر أجسامنا بإضراب عن الطعام لاهدف له؟ كرامة الإنسان؟ من حسنات اعتقالنا أن نطّلع على معاملة المواطنين الفقراء الذين لاسند لهم! هل سمعت نحيب تلك الأسرة التي سجنت مع أطفالها؟ التحقيق ضرب وفلقة وسياط! هل رأيت المحامين الذين حلقت شعورهم؟ في سجن تدمر ضباط معتقلون، أيضا! أفاد عمر من خبرة السياسيين في السجن، لكنه بقي حرا دون ولاء لحزب!

يوم نقل مع الطلاب المعتقلين بشاحنة عسكرية مغلقة إلى تدمر، رأى تسليم المعتقلين واستلامهم في المخافر كأنهم بضاعة. من هذا الذي خفف عنهم في عتمة الشاحنة بحكايا مضحكة وقال لهم احتفلوا، فلو لم تكونوا مهمين لما شحنوكم إلى الصحراء؟! في تدمر صُلب عمر وضرب. وهناك بدا له أن كرامته في عناده فحاول ألا يصرخ من الألم. حتى نصحه أحد المعتقلين: بل يجب أن تصرخ كيلا تزيد من حقدهم عليك. لكنه ظل دهشا من اندفاع الجلادين الذين ضربوه: كأن بيني وبينهم أحقاد! كأني أكلت مال أبيهم!

انتهى الاعتقال بمسرحية. بعد الاستفتاء الذي جعل الشيشكلي رئيس جمهورية استقبل، كمنتصر، الطلاب المعتقلين واعتذر لهم. لكن مارآه عمر في السجن كان أكثر عمقا من مسرحية العفو. وبدا له أن زمن الشيشكلي انتهى. اجتمع السياسيون في أيلول سنة 953 في مؤتمر في حمص برئاسة هاشم الأتاسي واتفقوا على استعادة الديمقراطية والدستور. وفي بداية السنة الجامعية كان الطلاب جاهزين للإضرابات، وجروا إليها المدارس الثانوية. كانت قوات الشيشكلي تقصف جبل العرب كأنما لتستبق تمردا فيه. وأنجز الشيشكلي قائمة لتسريح الضباط البعثيين والمعارضين. كان الوقت ملائما لإبعاده، ويبدو أن الحوراني نبّه الضباط إلى ضرورة أن يستبقوا التسريح. فأعلن الضابط مصطفى حمدون العصيان من إذاعة حلب في 24 شباط ودعا القطعات العسكرية إلى مساندته. فانضمت إليه بمن فيها من المستقلين وحزب الشعب، ومنها القوات التي كانت في جبل العرب. نزل عمر مع المتظاهرين الذين سندوا الضباط المتمردين في حلب. واحتل مع الناس محطة الإذاعة.

هل كانت سطوة القوة تغطي هشاشة النظام؟! سقط الشيشكلي في سهولة! وفهم الحقيقة فتفادى المقاومة الخاسرة وكتب استقالة متزنة: "حقنا لدماء الشعب الذي أحبه، والجيش الذي أفتديه، والوطن العربي الذي أردت أن أخدمه بتجرد وإخلاص، أقدم استقالتي من رئاسة الجمهورية السورية إلى الشعب السوري العزيز الذي انتخبني ومنحني ثقته الغالية، راجيا أن يكون ذلك خدمة لبلادي وأن يحقق وحدتها ومنعتها، ويأخذ بيدها إلى قمة المجد والرفعة". تذكر عمر أن القوتلي لم يقدم استقالته لحسني للزعيم بل قدمها للشعب السوري! لكن أية رفعة وأي مجد حيث يهان الإنسان ويضرب ويعذب؟ من وهب فردا أو مجموعة الوصاية على الناس ليختار لهم مايظن أنه مجد وسعادة؟

يوم دخل عمر قاعة المحاضرات بعد السجن استقبله أساتذته وزملاؤه بالتصفيق. واستقبلوه بالتصفيق عندما دخل إلى المكتبة. عزّوه في مرح: صرت مثل ناظم القدسي! ستقول أمك يوم تخطب لك: "مستقيم، من السجن إلى القصر ومن القصر إلى السجن"! لكن هل ألزمته حفاوتهم بمتابعة الأحداث كبطل من أبطالها؟ كانت قاعة المكتبة تهدأ بعد الساعة العاشرة مساء فلايبقى فيها غير الغرباء عن دمشق. وكان هؤلاء الطلاب يخترعون لأنفسهم محطات من الراحة فيأتي أحدهم ببور كاز كأنه يريد أن يحضّر الشاي فيعترض آخر ويدافع عنه ثالث وينعقد حوار مرح. خلال تلك المحطات دفعوا عمرا إلى الوقوف على الكرسي ليلقي كلمة. سعل، واصطنع الجد، ثم شكرهم على تتويجه بالزعامة. لكنه أكد لهم أنه لايرغب في انتزاعها من "الدوتشي"، طالب الحقوق، الذي يرفعون له الأذرع تحية كلما مرّ بهم. وقال في نهاية كلمته المرحة: ضاعت مني أشهر من الدروس. يجب أن أتصوف كي ألحقكم يازملائي الغالين!

لكنه وجد نفسه يحتفي بأول انتخابات حرة في خريف سنة 954 ويغضب على تفريق الضباط المسرحين الذين أعيدوا إلى الجيش، في قطعات بعيدة، مع أن لهم الفضل في سقوط الشيشكلي. قال: ليس ذلك مسألة وطنية فقط، بل مسألة عدالة! فأثنى عليه البعثيون، لكنه ذكّرهم في مرح: إذا مشيت على هذا الرصيف فامشوا على الرصيف الآخر! الدراسة!

لاحظ عمر أنه بعد السجن لم يعد يتحمل البقاء في غرفته، ولايطيق الستائر المسدلة، ولايغلق الباب على نفسه إلا وقت النوم. وينهض أحيانا وسط الليل ضيّق الصدر. داوى نفسه بالمشي. وكم يحلو المشي في دمشق! سحرته دمشق منذ نزل فيها. وبدت له بعد السجن أكثر فتنة. كانت مدينة صغيرة بيضاء وسط غوطة هائلة من الأشجار المثمرة، تنعم بأنهارها التي تتسلق جبليّ الربوة، يتدفق فيها بردى قويا وهادرا، يغمر في الشتاء ساحة المرجة وتصبح مياه أنهاره شلالات تتقافز على الطريق تحت المقاهي في الربوة. كانت بعض البيوت الجديدة قد بدأت تخرج إلى بساتين أبي رمانة في الغرب، وإلى بساتين "ماوراء الدور" في عين الكرش على ضفة شارع بغداد. لكن البساتين كانت تمتد متصلة من شارع بغداد حتى قاسيون. وكانت البساتين تمتد خلف بيت فخري البارودي في كيوان، كثيفة حتى قاسيون. فيرتعش عمر من البرد في عزّ الصيف عندما يمرّ من هناك. بهرت عمرا السبلان المنتشرة في أنحاء دمشق. هذه مدينة لايمكن أن يعطش فيها الإنسان! ينحني في أية حارة على سبيل الماء ويغرف منه بيديه! مدينة سعيدة بمائها، بالتناسب بين سكانها وعمارتها وبساتينها. مدينة تشبع من خضارها وفواكهها وترسل مايفيض عنها إلى ما حولها. أهلها مثال الرقة والتهذيب. ذاق فيها عمر طعاما لم يذق مثله في حياته، وعرف فيها أنواعا من الشراب لم يتصور أن توجد مثل نكهتها. كان زملاؤه الدمشقيون يحتفون به فيدعونه أحيانا إلى الغداء في بيوتهم فيتبين في الطعام الأناقة والنكهة والعبق. صار يرى الشاهد على الحضارة في الطعام والصوت واللهجة والملابس والحركة، ويقول: ذلك لايكتسب إلا في قرون وعصور! وبدا له أن دمشق بدّلته فتساءل مازحا: تدمشقتُ؟

غيارى الراوي
01-03-2009, 03:07 AM
.
كان في السنة الثالثة من كلية الطب عندما رأى طالبة جديدة ذكّرته بالغزلان التي ألفها في الشمال. كان يحدّث زميله عن حضارة دمشق التي اكتشفها. فقال لنفسه وهو ينظر إلى الشابة: هاهي! مرت به دون أن تراه. وعرف فيما بعد أن اسمها ليلى وأنها انتسبت إلى كلية الطب. فطمأن نفسه: سأجد من يقدّمني إليها! لكنه لم يخمّن أن أصحابه سيستعجلون ذلك فيقدمونه لها مرات ثم سيقدم نفسه لها في المكتبة مداعبا، وأن غادة ستجمعهما في شرفة الضيوف في المجلس النيابي، وأنه سيكون قريبا من ليلى في تلك السنة نفسها!

بدت له دمشق في تلك السنوات رخيّة وارفة. يمد يده ويتناول منها مايشاء. من يأكل في مطعم سقراط في جسر فيكتوريا ومطعم الريّس في بوابة الصالحية وبريمو في البارلمان؟ موظفون، صحفيون، كتاب، وسياسيون! وكان عمر حرا، يختار مقامه ومساره. لاعشيرة نعه ولاأهل، وفي الشباب المنتصر من يشعر بالوحدة! كأنما كان السجن له بوابة إلى صداقة الرجال. وبصحبتهم عرف البلد. جلس معهم في المقاهي، واستمع إلى المناقشات السياسية، وخرج في النزهات، وتذوق الشوارع في الليل. كم مرة مشى في شارع بغداد بعد منتصف الليل حتى وصل إلى قصر البللور في باب توما! كم مرة ركب عربة الخيل من الربوة إلى دمشق مفتونا بايقاع حوافر الخيل على الطريق! وكم مرة مشى تحت شجر الجوز في شارع الربوة مالئا جيبيه بثمار الجوز التي جمعها من الرصيف المزدوج تحت الأشجار!

ركب عمر الترام مع مجموعة من أصحابه من المرجة ووصل إلى دوما! كان الترام ممتلئا بالناس. فتناول الكمساري المال وناول "البيليتات" لأصحابها فوق رؤوس الركاب. طاشت السكة من شريط الكهرباء، فنزل الكمساري وأعادها إلى مجراها. ومد الجالسون رؤوسهم من النوافذ وراقبوه وهو يعدّل وضعها بالحبل ثم يربط الحبل في مكانه. وكأنما احتفل السائق بذلك فصار يضغط بقدمه جرس الترام في ايقاع يعلن أن النزهة بدأت. تدفقت على عمر سعادة بتلك التفاصيل. كان مع أصحابه في مؤخرة الترام فأحاط بما يعبره من البساتين التي بدأت بعد القصاع. قطع جوبر وعربين وزملكا وحرستا ونزل في محطة مسيجة بالورد الجوري. مشى كالناس يبحث عن بستان مناسب. الغوطة في أيام زهر المشمش بساتين خضراء وأشجار بيضاء. والسواقي تعبر أشجار الجوز على حوافّ البساتين وتتسرب حصصا مرة إلى هنا ومرة إلى هناك. غرّدت الشحارير، وعبرت السماء أسراب من السنونو، وقاقت الغربان. كان الهواء منعشا نظيفا والشمس دافئة. توقف عمر: هنا! اختار البستان المناسب. جلس أصحابه على كتف ساقية. نظَموا اللحم في الأسياخ. قدم لهم البستاني حصيرا يجلسون عليه. وقدم لهم الماء والملح الذي نسوه. سيخيل إلى عمر أنه أحب أصدقاءه أكثر من قبل، وأنه اقترب من ليلى، وهو مستلق على البساط تحت شجرة مشمش مزهرة، تتساقط منها عليه تويجات بيضاء مع النسيم. ولكن هل كان يدري أنه سيكون أحد ثلاثة رجال أحبوها وحملوا الشقاء والسعادة من ذلك الحب؟

في أول الصيف قبيل الامتحانات، كان عمر يختار مع أصحابه مقاهي القصاع ليدرس مستمتعا بهدوئها. يجلس تحت أشجار مقهى "جناين الورد" أو في مقهى "السلوى". من يفتقده في النهار يطلبه هناك! وقت عرف قيسا صار يتغدى معه أحيانا في مطعم الريّس، ويتعشى مثله في مطعم بريمو في البارلمان. لكن بقيت لعمر مساربه الخاصة. ففي بعض الأماسي يفضل قصر البللور في باب توما. وبعد الظهر يجلس أحيانا في مقهى الكمال المكشوف. يختار أحيانا المطاعم الصغيرة خلف السرايا، ويعبر خمّارة فريدي على شاطئ بردى، ومشرب المنتدى، والكوكب، ثم مطعم سقراط، والصفا، و"لوازيز". وأحيانا يستهويه البرج الفضي أو مطعم الشموع الجديدان في الصالحية. ويعجبه أحيانا أن يتناول الشاورما من "الصدّيق" في بناء المنزل في المرجة، فالشاورما فيه طيبة ونظيفة مثل اللحم المشوي عند أواديس في باب توما!

لكن من ير عمرا جالسا في مقهى الهافانا يظنه من زبائنه. فضّله على مقهى البرازيل حيث يلتقي الزعماء السياسيون وقادة اللاجئين السياسيين الأردنيين والعراقيين. لذلك رمى عمر نفسه في الحوار بين جماعة البرازيل وجماعة الهافانا. وكان مصير مقهى البرازيل حدَثا. لم يخطر لأحد أن ذلك بداية تغيير مدينة صغيرة مستقرة لاشبيه لها. احتل دكان "للنيشان" مكان مقهى يجمع السياسيين، فغيّر هيأته ورواده. وسيحتل مخزن مكان مطعم "لوازيز" بجانب الهافانا. وسيقول عمر فيما بعد: في تلك الأيام كانت دمشق ماتزال غنية تستطيع أن تنفق الكثير من ملامحها!

قيل لعمر عندما وصل إلى الهافانا في طريقه إلى الجامعة: لم يتحمل مقهى البرازيل السياسيين فأفلس. صار دكانا "للنيشان"! سأل مرحا: مامصير الزعماء؟ وانشغل مع رواد الهافانا بمراثي "البرازيل". نشرت المقالات والقصائد التي كتبت على طاولاته، وعلق الرواد عليها، وكتبوا الرد. ونفدت الجرائد التي تابعت المتبارين.

اجتمع عمر وأصحابه حول رجل قرأ عليهم مقالته، وقاطعوه بالتعليق. قرأ: كان لنا مكان واحد نفضل أن نلتقي فيه ونرفع الصوت المباح وغير المباح، أن نرمي في ساحته أشلاء الدول وبقايا الحكومات، أن نمضغ فيه السياسيين من عيار الكيخيا إلى عيار أبي طوق. وكانت كراسيه مثل سحاحير هايدبارك وكل مناضده كمشرحة الجامعة، وكل حيطانه في الصمم كآذان المديون أمام إلحاح الدائنين. كان مقهى لكنه كبرلمان. كان مقهى لكنه كدار الندوة. وكانت أحاديثنا تجمع في قلبه بين فيضي الأتاسي الحمصي الشعبي الفرنسي البيان، وخليل كلاس الحموي الواضح المنطق..

غيارى الراوي
01-03-2009, 03:08 AM
.
جلس قرب عمر في الهافانا رجل من أصحابه، سحب قلمه من جيبه كأنه يستل سيفا وطلب ورقة، فقصّ له عمر ورقة من دفتره، وشهد مولد القصيدة واشترك في تصحيحها. قال الرجل: اسمعوا، أرفع باسم رواد مقهى الهافانا قصيدتي إلى اللاجئين إلينا من البرازيل:

يامرحبا، ألف تأهيل وتسهيل

باللاجئين زبونات البرازيل

تفضلوا إنكم من أهل شارعنا

زين الكلاحيس جيران الزناكيل

إنا سمعنا بأمجاد لكم سلفت

في الزندقات وفي نصب الأحابيل

لاتخجلوا وادخلوا أهلا بلا طلب

أو قدموا طلبا لكن بلا بُول

مقابل عمر واحد من اولئك "اللاجئين". أشرق وجهه وهو يستمع إلى القصيدة. قال طربا: وقعت البقرة فكثرت السكاكين!

في اليوم التالي حمل عمر جريدة الفيحاء ودخل الهافانا. وسعّوا له مكانا إلى طاولة عامرة بالجالسين. وضع الجريدة على الطاولة وقال: اسمعوا! كان قد أحاط بالقلم الأحمر قصيدة بتوقيع سليم سلامة. واستمع إليه الجالسون في شوق.

نفسي فداؤك عج لي بالبرازيل

وقبّل الأرض فيها أي تقبيل

واسأل جوانبها السوداء مافعلت

أيدي الزمان بهاتيك الدراكيل

كانوا ملوكا على الفنجان يجمعهم

نشر الإشاعات أو بث الأضاليل

لم يرحموا أحدا من ظلمهم أبدا

ولم يراعوا حقوقا للجرانيل

جار الزمان عليهم ثم فرّقهم

تحت الكواكب تفريق البهاليل

قال عمر: لن يسكت البرازيليون! سيشهرون الرمح وينزلون إلى الساحة! وكان على حق. ردوا بتوقيع بديع الزمان.

قف بالطلول وقل يادمعتي سيلي

أخنى الزمان على مقهى البرازيل

كأن أركانه لم تحو ندوتنا

ولاتضارب فيه القال بالقيل

ولاسقانا خليل فيه قهوته

ملوطة بشعير الهند والفول

تلك الموائد كم حيكت بجانبها

مقالب وأعدت من أحابيل

مقلاية الحق في أرجائها نصبت

لكل منتفخ بالعرض والطول

قالوا تدسون، قلنا ذاك ديدننا

إن ساد في الناس أصحاب الأباطيل

تحارب الظلم والطغيان ألسننا

إذا تقاعس كتاب الجرانيل

الشامتون بنا لادرّ درّهم

من ساسة الحكم أو أهل الرساميل

بدا الجو منعشا عندما خرج عمر من الهافانا. أحقا يسعده أن يشترك في تلك المعركة الأدبية؟ نعم، نعم! مشى راضيا على الدنيا. أين سيتعشى الليلة؟ لم يقرر بعد. لكنه مشى في اتجاه طريق الصالحية. سيتذكر عندما يستعيد ذلك اليوم بعد عقود أن حواره مع ليلى استغرق الطريق كله. قال لنفسه: تبدو ليلى وهي تتلفت كأنها تستطلع جوهر ماتراه! وأنت؟ ماجوهر ذلك الحوار الذي استسلمت له؟ ورد على نفسه: المتعة! سعيد! نعم، ولكن ماالجوهر، ياعمر؟ آه، كأن ليلى عدتني! أعيش مستمتعا بالحوار بين الهافانا والبرازيل! يكفي ذلك! لكنه عاد يتساءل: ماالجوهر؟ الجوهر أن المدينة للطبقة الوسطى! يستطيع أي إنسان فيها أن يدخل إلى أي مكان يشاء فيشعر بأنه يملك البلد! ماأكثر المقاهي والمطاعم في دمشق، مكشوفة في البساتين، أو مغطاة. يتحادث فيها الناس عن كل مايخطر لهم دون خوف. يتناولون أي حدث وأي شخص كمن يمارس حقا. يجلس الوزراء والسياسيون في المقاهي كأي عابر! ألم تلاحظ أن بعض الناس يقصدهم هنا؟ البال خلي! والعلاقة حية بالمكان، ولو كان في مساحة مقهى البرازيل! المثقفون وجه البلد! هذه التجمعات سمة الزمن! وهل انتبهت إلى القرب من شعر القدماء، وسهولة النظم؟ لكن هذا الجيل ينتهي. نحن ياعمر لانستطيع ذلك!

لم تكن ليلى موجودة مع عمر يومذاك، ولم يرو لها شيئا عن غرقه تلك الأيام في الحوار بين رواد الهافانا ورواد البرازيل. لكنه استمتع بأن يتصورها ماشية معه إلى طريق الصالحية، لذلك عبر مطعم البرج الفضي ومطعم الريّس ومقهى الكرنك ولم يتوقف. نعم، ممتع أن يتصور ليلى إلى جانبه ويسمع صوتها فيتمنى ألا ينتهي الطريق!

سيقول عمر بعد عقود لم تكن تلك السنوات لمقاومة حلف بغداد والحلف المركزي، والتضامن مع بور سعيد والأردن، وحفر الخنادق والتدريب على السلاح في جبال المزة، فقط! كانت سنوات النزهات والأفراح، سنوات الحوار بين أهل البرازيل وأهل الهافانا. سنوات معرض دمشق الدولي والحفلات الفنية والترجمة والكتب. السنوات التي أصبح فيها صوت ليلى دائم الحضور في سمع عمر. وتساءل هل يستطيع أن يعود إلى بلدته الصغيرة في الشمال، ويترك دمشق؟ وكان يقصد: هل أستطيع أن أبتعد عن ليلى؟

ألم يبالغ عمر عندما وزن تلك السنوات بالذهب؟ لم يمر يوم في هدوء منذ سقط الشيشكلي، فلماذا شعر بأنها أيام انتصار؟ لا، لم يبالغ! لأن الناس كانوا مندفعين في تلك الأحداث ولاأحد منهم يتفرج عليها من الرصيف! لأن الناس كانوا يؤمنون بأنهم قوة وحَكَم وليسوا رعية، كما سيشعرون فيما بعد! لأنهم لم يبايعوا مجموعة بالحق في أن تقرر لهم مصيرهم بل اندفعوا إلى صياغته بأنفسهم!

غيارى الراوي
01-03-2009, 03:09 AM
.
قال فوزي لعمر: محظوظ ياعمر! من تحت الدلف إلى تحت المزراب! لم يمض على خروجك من السجن زمنا كافيا للراحة! ولم يمض على التحرر من الشيشكلي زمنا كافيا تستريح فيه البلاد! قد يحدث عدوان على سوريا أو مصر! رد عمر مداعبا: نحن هنا! ولكن كيف عرفت؟ العدوان المحدود أمر عادي. وهل توقف؟ لكن كم تتلاحق الأحداث! في 28 شباط 1955 احتلت إسرائيل العوجا المنزوعة السلاح وعجزت مصر عن الرد. وصلت الأسلحة التشيكية في 27 أيلول 1955 وفي تشرين الثاني 1955 أقر المجلس النيابي السوري اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر، وردت مصر القوات الإسرائيلية التي هاجمت موقعا مصريا في منطقة صبحة بين سيناء والنقب. في ليلة 22- 23 تشرين الأول 1955 دخلت قوة إسرائيلية مع أسلحة ثقيلة كيلومترا في الأراضي السورية وقطعت الطريق الموازي لخط الحدود بين جسر بنات يعقوب والبطيحة. في الاصطدام قتل ضابط وجنديان سوريون وأسر خمسة سوريين. وفي 22 تشرين الأول وصلت عشر قطع بحرية من الأسطول السادس إلى بيروت. فهل العدوان إسرائيلي فقط؟!‏

أعلن في تشرين الثاني 1955 أسبوع التسلح في سوريا. فطرقت غادة الأبواب. وفاجأتها عواطف النساء! خلعن خواتمهن وأساورهن أمامها دون تردد وقمنها لها. قالت لها أمها: في زمن جدتك تبرعت النساء بحليهن للأسطول العثماني. خذي خاتمي.. كنت سأقدمه لك ذات يوم! قدمت ليلى سوارها المطعم بالياقوت وطوقها الذهبي. وقالت لأمها: بلدنا في خطر الآن! فردت منور: الآن؟ متى لم يكن في خطر ياحبيبتي؟! وقال فوزي لعمر: قد يدفع إلى العدوان على سورية أن التمثيل الديبلوماسي مع الاتحاد السوفييتي رفع إلى سفارة. وأن مرشح الجبهة الشعبية التقدمية في حمص، أحمد الحاج يونس، نجح. وصدّق المجلس النيابي الاتفاقية السورية البولونية. فسأله عمر مداعبا: انتزعتم حمص من اليمين "العفن"؟!‏

في ليلة 11 - 12 كانون الأول 1955 هاجمت إسرائيل مخافر الجيش السوري الأمامية في منطقة بحيرة طبرية وقتلت 25 سوريا منهم ثلاثة ملازمين. كلهم شباب! ووصل فجأة تمبلر رئيس أركان حرب القوات البريطانية إلى عمان ليربط الأردن بحلف بغداد، بعد زيارة عامر قائد القوات السورية المصرية المشتركة إلى المراكز الأمامية في الأردن، مع ضباط سوريين. ملأت المظاهرات شوارع الأردن. واستقالت حكومة سعيد المفتي احتجاجا على زيارة تمبلر. جاءت حكومة هزاع المجالي وقابلت المتظاهرين بالرصاص فسقط جرحى وقتلى. واستقال هزاع المجالي. حمل المتظاهرون صور رجاء أبو عماشة التي قتلها رصاص الإنكليز في القدس. ورُفعت الصورة نفسها في مظاهرات دمشق وحلب تضامنا مع الأردن. استقالت حكومة ابراهيم هاشم وشكل سمير الرفاعي في 9 كانون الثاني حكومة، وتعهد بألا يدخل أي حلف. لكن الاعتقالات استمرت، واستمرت المظاهرات. مُنع مؤتمر الهيئات الوطنية فطلب المتظاهرون حل البارلمان، وانتخابات حرة، وتنظيف الجيش من الانكليز. فأعلن غلوب حالة الطوارئ. هجم المتظاهرون على مراكز النقطة الرابعة والمفوضيات الأمريكية والإنكليزية والتركية. وأنزلوا العلم الأمريكي في القدس وأحرقوه. وطاردتهم قوات البادية.‏

اشترك عمر في تنظيم مظاهرة جامعية، فدعا أصحابه الطلاب المستقلين إليها. وكان ذلك مناسبة من المناسبات التي اقترب بها من ليلى. استوقفها قرب قاعة المحاضرات وقال: في الأردن الآن مظاهرات كبيرة. أضربت نقابة المحامين في دمشق تضامنا مع المحامين الأردنيين المعتقلين. وسيتظاهر طلاب الجامعة تضامنا معهم. ألا تشتركين في هذا العمل الوطني؟ وقفت حائرة: سيضيع يوم آخر! قال عمر: سيضيع علي أيضا! لكني لست المذنب! غلوب وتمبلر هما المذنبان! ابتسمت ليلى واستدارت معه. كانت تحب الصفوف الخلفية فتجرها غادة إلى الصفوف الأمامية. فتبطئ خطواتها وتتراجع إلى الصف الثالث أو الرابع. مشت المظاهرة إلى البارلمان. قفز إلى سور المجلس النيابي طالب وخطب في المظاهرة، ثم تحدث طالب آخر. بعد القصيدة التي ألقيت في رجاء أبو عماشة عادت ليلى إلى الجامعة، ولحقها عمر. ماأحلى الشوارع بعد المظاهرة! فاترة وهادئة، لايكاد يعبرها غير الشباب الراجعين من المظاهرة. قال عمر: هدفهم الآن ياليلى ضم الأردن إلى حلف بغداد، ثم ضم لبنان، وحصار سوريا ثم كسرها. أنزلت بريطانيا قوات جديدة في الأردن لتمنع المدّ الشعبي! في الأردن انتفاضة وطنية حقيقية. تقع في ذلك السياق فظائع غلوب. حكى عمر عن بعضها: دخلت الشرطة إلى بيت فواز الروسان عضو محكمة التمييز العليا تطلب أخاه. فقال إذا كنتم تروّعون أسرتي وأنا عضو محكمة فماذا تفعلون بالمواطنين العاديين؟ يحكم غلوب الأردن. بأمره أبقي فلاح في الرمثا تحت المطر طول الليل فمات. اعتقل رئيس بلدية الرمثا والمجلس البلدي لأن سيارة عسكرية أحرقت في البلد. بأمره ضرب الضابط المتوحش كريشان قيسا في إربد، بقضيب من الحديد على رأسه. قتل بالرصاص على المتظاهرين ثلاثة طلاب رجاء واحدة منهم. لاحظت ليلى أن الطالبات في مقدمة المظاهرة فخورات بموتها وبطولتها! نعم، ياليلى! ماأعجب أن يكون الموت بوابة الحب العام!‏

ماالعمل؟ أدان المندوب السوفييتي في مجلس الأمن عدوان إسرائيل على سورية. واحتج الشقيري مندوب سوريا على المساعدة الأمريكية لإسرائيل وطلب عقوبات اقتصادية عليها! لكن الصراع الآن على الأردن، وفيه. يجب أن نمنع ضم الأردن إلى حلف بغداد. سألته ليلى: كيف؟ رد: نتضامن مع إخوتنا، ونقدم المساعدة البديلة عن المساعدة البريطانية! حزب الشعب، المشترك في الوزارة السورية، مع حلف بغداد روحيا. لكن الحكومة لاتستطيع أن تتجاهل مزاج الشارع ومزاج الجيش. لابد أن يعبّر بيان الحكومة عن ذلك. سأحضر جلسة المجلس لأستمع إليه. سألته: هل هذه المظاهرات في دمشق ضغط على الحكومة السورية، إذن؟ ردّ: أوسع من ذلك! التعبير العاطفي تعبير عن موقف وطني يقوي إخوتنا في الأردن! خلال ذلك نقول لحزب الشعب الذي لايريد أن يغضب العراق والإنكليز، نحن هنا! مُنع الأردنيون اللاجئون إلى سوريا من الوصول إلى دمشق. تركوهم في درعا. فاتصلنا بوزير الداخلية، كي يسمح لهم بالوصول إلى دمشق. الجيش يسند الوطنيين. سألها عمر فجأة: هل أقول كلمات موزونة أم ترين أني "أهبش" فكرة من هنا وأخرى من هناك؟ التفتت إليه: لا! بل تضع التفاصيل في سياق. وتقدم لي معلومات أجهلها! احمر. لو تعرف كم يقاوم ارتباكه عندما يتحدث إليها! يشعر بأنه ينشر ريش الطاووس كي تُعجب به، ويخشى من انتباهها إلى ذلك! قال: أخشى أن أكون أسير لغة أدّاها غيري مئات المرات! لاتوجد كلمات شعرية للتعبير عن الأحداث! سألته: ولماذا تحتاج لغة شعرية للتعبير عنها؟ فلتبقها لقصائدك! لو تدري ليلى كم أوجعته! ذكّرته بما يهمله!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 03:10 AM
.
استمع عمر في ذلك المساء من شرفة الزوار في مجلس النواب إلى بيان الغزي. لم يجد كرسيا فارغا فبقي واقفا. قال الغزي: "الأردن جزء من الوطن العربي، كما أنه في الوقت نفسه جزء من الوطن السوري نريد له الخير والاستقلال التام.. الأردن مرتبط بدستور ومجلس وحكومة وأوضاع شرعية لتلك المنظمات.. نحن لانتدخل في أموره الداخلية. لكن واجبنا القومي أن نقدّم إلى الأردن الشقيق المساعدة والمعونة التي تمكنه في ظل حكم نيابي شرعي صحيح من أن يتخلص من القيود التي تحد سلطاته الشرعية. وقد تشاورت هذه الحكومة مع الحكومتين الشقيقتين مصر والسعودية في أمر تقديم المساعدة المالية للأردن. وبعد المشاورات التي بدأت بعد الحوادث الاولى في الأردن وانتهت اليوم، قدّمت الحكومات الثلاث مذكرة رسمية إلى الأردن جاء فيها أن الحكومات الثلاث ترغب في أن تتشاور مع الحكومة الأردنية في الطريقة التي تقدّم بها الدول العربية المساعدة والمعونة للأردن.. أما المساعدة الأخوية التي علينا أن نقدّمها نحو أبنائنا وإخواننا من أبناء الأردن الشقيق الذين جاؤونا مستغيثين، فقد فتحنا لهم أبواب بلدنا وحدودنا وقدّمنا وسنقدّم إليهم كل المساعدات التي يفرضها علينا واجب الإخاء".‏

مشى عمر بعد الجلسة مع فوزي. سأله عمر: مارأيك في البيان؟ ردّ: لبق! طلبت الهيئات الوطنية الأردنية ولجان التوجيه الوطني في نابلس من الملك أن يسعى إلى المساعدة العربية بدل الأجنبية! جوهر البيان الوزاري أنه يقترح تلك المساعدة العربية!‏

كانت الجلسة فرصة لعمر للحديث مع ليلى. روى لها ماسمعه في الجلسة. ابتسمت: كأنك كنت تعرف مافي البيان! لكن الفرق بيننا وبينه واسع. هو يتحدث عن أوضاع دستورية في بلد شقيق، وعن إمكانيات المساعدة استنادا إلى ذلك. ونحن الطلاب نبدأ من أن تقسيم البلاد العربية غير شرعي، ولا حدود لمساعدة عربي لآخر. أين يبدأ التدخل وأين تبدأ المساعدة؟ تحب ليلى أن توجز ماتراه في نتائج! ردّ عمر لها الابتسامة وقال: يختلف موقف طلاب غير مسؤولين، عن موقف سياسي يجب أن تكون كلماته في شكل قانوني. نؤمن بأننا شعب واحد! لانمارس إذن التدخل! لكن بيان الغزي يتضمن احترام حدود سايكس بيكو، واحترام عواطف الجيش والشعب.‏

بعد أيام نظم اجتماع في دار نقابات العمال تحدث فيه الخطباء عن الغضب الشعبي، والغرامات الجماعية، ومنع التجول، وإطلاق الرصاص على المتظاهرين، وجرائم "أبو حنيك" وباتريك مدير المباحث البريطاني! ثم قرئ بيان جبهة النضال العربي، وبيان تضامن المجتمعين مع الأردن. وسافر عمر إلى حمص ليشترك في اجتماع للتضامن مع الأردن. قال: في بلد الأتاسي الذي عرقل دخول الأردنيين إلى دمشق! وعاد ليحضر اجتماعا في سينما بلقيس لدعم الأردن ألقى فيه سليمان العيسى قصيدة وتكلم فيه الدكتور عبد الرحمن شقير الذي وصل من الأردن، وقرئ فيه بيان المجتمعين الذين طلبوا تنظيف الجيش الأردني من البريطانيين.‏

انساقت غادة في الاجتماعات وبقيت ليلى على ضفتها. بدت غادة سعيدة مؤمنة بأن التضامن سيثمر. يجب أن يحكم الناس الذين يجتمعون ويقاومون الأحلاف، قدر بلادها! لكنها بالغت في دور النخبة، فسخر منها عمر: كل هؤلاء الآلاف نخبة؟ أين الشعب إذن؟ كانت غادة كمن يسبح في انتصار، فلم تتساءل يومذاك لماذا قدر أن تبدأ حياة أجيال وتنتهي وهم يقاومون حلفا أو عدوانا أو خطرا ما! وأن يقتل الشباب، أو يكون السجن مرحلة في حياتهم! لماذا ستتمنى الفتيات أن يكن كرجاء أبو عماشة المقتولة في القدس، أو كجميلة بو حيرد، وينسين أمنيات الحياة الواسعة!‏

في ذلك التوهج لم تفكر غادة وعمر وليلى ومديحة وفوزي بأن المشاريع التي ترمى للبلاد تهدر الوقت وتبدّد القوى. وبأن المقاومة تستنفد أجيالا. هاهو بيان ثلاثي أمريكي انكليزي فرنسي يهدد بإرسال جيوش إلى المنطقة لتمنع الحرب بين العرب واسرائيل! فتردّ عليه وزارة الخارجية السوفيتية ببيان: دخول جيوش إلى منطقة الشرق الأدنى والأوسط يناقض مصلحة السلام، ولايمكن أن يقف الاتحاد السوفييتي لامباليا. قال عمر: هل يستغرب أن تمتلئ روح جيلنا بالكره للغرب وبالامتنان للشرق؟ مزاج جيلنا فقط؟ لا! مزاج بلدنا! فرض الغرب المعركة علينا. خذي اقرئي بيان خالد العظم! يجيب عنا جميعا! تناولت ليلى منه الورقة وقفزت بين الجمل: "قد يكون تهديد اسرائيل حقيقة أو لدفع العرب إلى صلح مع اليهود.. يجب الاستعداد لمقاومة الاعتداء.. لولا أمريكا ومساعداتها لما استطاعت اسرائيل التهديد.. اسرائيل مدينة بوجودها لأمريكا وحلفائها.. اجتماع واشنطن بين أمريكا وانكلترا للتدخل في الشرق الأوسط، جرّوا إليه الفرنسيين.. لاأحد له الحق في تقرير مصير العرب غيرنا.. إذا أراد الغربيون الذين اجتمعوا في واشنطن توفير السلام هنا فعليهم أن يكفوا عن تسليح الصهيونيين. الروس بعيدو نظر لأنهم يرون أن استقلال العرب أضمن لمصلحتهم من اسرائيل.. بيان السوفييت أمس واضح وقوي ويجب أن نقوي صلاتنا بهم. محادثاتي مع مولوتوف صريحة، لسنا شيوعيين ولانعتبر النظام الشيوعي النظام المثالي لسوريا، لكننا نقبل التعاون النزيه. أجوبة مولوتوف صريحة. لايعملون على التدخل في الشؤون الداخلية وفي نظامنا.. الغربيون يثيرون المخاوف من الشيوعية ويطلبون منا مكافحتها ولايجوز أن ننفذ ذلك".‏

حشود، مشاريع، أحلاف، مؤامرات، انقلابات، اعتقالات واضطهاد. تدمير القوة البشرية. يُستنفد السياسيون والضباط الوطنيون والشباب. لو كانت الحرب التي تبيد هذه الشعوب ممكنة الآن لرتبوها. وكل ذلك لأجل موقع جغرافي وآبار نفط! ماأرخص البشر!‏

هل تعرفين ياليلى أن دالاس، وزير الخارجية الأمريكية، صاحب مكتب سيلفيان آند كرومويل، مدير شركة أميريكان اوف كندا، قريب من شركة الفواكه؟ افهمي إذن لماذا أعلن في مؤتمر الحزب الجمهوري في آب 1956: حلف بغداد يحمي الموارد البترولية العظيمة التي تتعلق بها القوة الصناعية والعسكرية في العالم الحر.. الحرمة الإقليمية لاسرائيل هدف من أهم أهداف السياسة الخارجية الأمريكية..!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 03:11 AM
.
هل مرّت لحظات نظر فيها عمر إلى حياته في أسى؟ هل أحس هو الذي عرف القسوة في سجن تدمر بالحزن على الحياة التي تهشّم، فملأه الشجن؟ تدمّر حياة الشباب، لكن هذه الأجيال ترى هذه السنوات عمرها الجميل! وسينشد الشعراء السين وسوف، ويقول عمر في ثقة: طابع زمننا نهضة آسيا وإفريقية!‏

شاركت ليلى وعمر وغادة ومديحة وفوزي في مظاهرات التضامن مع الأردن قبل أن يسمح لقيس بالوصول إلى دمشق من درعا. نظم عمر وفدا من طلاب الجامعة حمل فواكه وحلويات وزهورا إلى الأردنيين الذين وصلوا إلى درعا، والتقى هناك بقيس.‏

عندما سمح وزير الداخلية لقيس بالوصول إلى دمشق زار عمرا في الجامعة. وهناك رأى ليلى. وفي تلك الأيام ألقى قصيدة في بيت عربي في حي الميدان وكانت ليلى من الطلاب الذين حضروا ذلك الاحتفال.‏

سيفكر عمر فيما بعد بالزمن. ويتساءل لماذا نمدّ لحظة كأنها سنة، ونستبقيها في ذكرياتنا كومض ساطع يضيء ماحولها، ونختصر أشهرا ونشطبها من عمرنا. وسيتذكر في السجن الفسحة المشمسة والظليلة التي كانت تمتد بين الدروس في حديقة الجامعة، وفي الطريق من الجامعة. وسيعترف لنفسه بأن ليلى كانت وسط تلك الفسحة كوردة دمشقية.‏

لم تفت عمرا نظرة قيس إلى ليلى. عندما تركت ليلى النادي مع غادة ومديحة قال قيس لعمر: شربنا القهوة، فلنمش في الحديقة! ويوم رآها تلعب كرة الطاولة في نادي الجامعة قال له: سجل لنا دورا! لكنه تنازل عن الدّور وقت خرجت ليلى من الصالة. وعندما رآها تخرج من الجامعة ودّعه مسرعا، ولمحه عمر من خلال حاجز الحديقة يمشي على بعد أمتار خلفها. ويوم كانت ليلى أمامهما ظل قيس معلّق النظر بها وهي تمشي على ضفة النهر تحت أشجار الكينا وتعبر المتحف والتكية وكازينو دمشق الدولي، حتى شدّه عمر في اتجاه الهافانا. هل يسحر قيسا رسغ قدميها، شكل ساقيها، رجفة شعرها، سرعة لفتتها؟ لكن قيسا لايعرف مايجمع ليلى بالغزال! عمر الذي ألف الغزلان في بلده، يعرف ذلك!‏

كان عمر في الصف الثالث عندما انتسبت ليلى إلى الجامعة. رآها أول مرة أمام لوحة في الممر تنقل أوقات محاضراتها. فعاد راجعا في الممر نفسه، ورآها تطوي دفترها وتمشي إلى الحديقة. وقف عند باب الكلية وتأملها من بعد. فبانت له قامتها الرشيقة، وبدا له أنه عرف روحها من ملابسها البسيطة، وخفيها المقطّعين، وحركاتها. قال لنفسه: ليس بينها وبين العالم قفل وباب. قد يستطيع أي طالب أن يكلمها، لكن الوصول إلى صداقتها صعب. في الأيام التالية بحث عنها، وتعمد أن يمشي في الحديقة في الاتجاه المعاكس، ليتأمل وجهها. بهره صفاء عينيها، وقال لنفسه: عصيّة على الغش! وتسرب إلى روحه وجع هادئ، وشعر بالشفقة عليها.‏

لمحها جالسة في المكتبة في صباح مبكر ولاأحد حولها. وضع كتبه على الطاولة مقابلها وسألها: هل المقعد محجوز؟ رأى دهشتها. المقاعد كلها فارغة! هزّت رأسها فقال: شكرا. اسمي عمر، من كلية الطب! قالت: اسمي ليلى! حرص ألا يرفع عينيه إليها. لكنه لم يقرأ الصفحات التي قلّبها بل فكر في القرار الذي وضعه لنفسه والتزم به. لن يرتبط بفتاة قبل عشر سنوات على الأقل! ولن يحبس نفسه في صَدَفة الحب!‏

بدأ من واقع يفرض ذلك. أمامه سنوات الدراسة ثم سنوات الاختصاص، والسفر الذي يفترض أن يكون فيه خفيفا دون زوجة وأولاد. وحفر لقراره أساسا بعد السجن في تدمر. وجد عالما واسعا لاتستطيع المرأة أن ترافقه فيه. استطاب لقاء الرجال في المقاهي. والمشي بعد منتصف الليل. ودعوة زملائه إلى المطاعم. والسهر واكتشاف المدينة. وبدا له أنه يمكن أن يعشق مدينة أو زمنا، فليس العشق فقط للنساء. نعم، ماأعذب أن يشعر بأنه يملك نفسه! يبدو أن ثلاث سنوات من الحرية بعيدا عن أهله جعلته يألف عادات الأعزب! لن يتخلى عن الرغبة في العشاء في مطعم الريّس وحده أحيانا، ثم المشي في شارع بغداد مستسلما لرعشة من البرد قرب اللاييك، مغمورا بالظلمة بعدها حتى تنسكب عليه أنوار باب توما. كان قراره يعني أيضا أن يتحاشى السياسة. تكاثر عليه زملاؤه: أيعقل أن تتحمل السجن والصلب والضرب، ثم تعتزل العمل السياسي؟ ردّ: الدراسة! لكن انتبهوا، لم أمتهن العمل السياسي كي أعتزله! لست طالبا في كلية الحقوق ملء جيوبي الوقت! وقت الحاجة ستجدوني معكم!‏

هل تصفح عمر قراره وهو يقلّب كتابه جالسا مقابل ليلى المستغرقة في دروسها؟ استمتع بأسى خفيف كالضباب الذي فاجأه مرة في الصحراء. ستكون ليلى من الدنيا الحلوة التي تسعده بهواها! سأل نفسه ساخرا: هل يجب أن نلتهم كل مانحبه، ومنها هذه الشابة الهفهافة؟ سيكون صديقها المخلص! فهم أنه لن يمنع شعوره بالأسى وهو يبقي نفسه على بعد خطوات منها. لكنه مصمم على تنفيذ ماألزم نفسه به.‏

عرف عمر أوقات محاضرات ليلى فصار يعبر الممر أمام قاعات الدرس كأن ذلك صدفة. فحص حرارة سلامها، وقاس فيه الودّ. بحث عنها في الحديقة وراقبها من بعد. صار كمن لديه زهرة يتأملها ويراقب لونها ويفكر حتى في نومه بها. هل كان يقدّر أن الشعور بالسعادة لن يحرجه يوم سيصادفها في يوم مشمس جالسة وحدها على مقعد في الحديقة فيجلس قربها؟ وأنه، بالرغم من أساه، سيرى نفسه محظوظا لأنها استشفت أنه يرغب في صداقتها فقط لافي حبها؟‏

ستعرّفه غادة بها دون أن يطلب منها ذلك. وستدهشه ببراءتها عندما ستسأله كيف سجن في أيام الشيشكلي، وهل يستطيع أشخاص أن يضربوا شابا لايعرفونه مع أنه لم يسئ إليهم؟ ستطلب منه أن يصفهم لها! وستسأله كيف استطاعوا أن يصلبوه! وسيشكر الحظ الذي جعله يقع في سجن تدمر كي يحدثها عن تلك الأيام ويتأمل ملامحها وهي تتابع كلامه. ستخصّه بأن تمشي إليه إذا رأته وأن تتوقف لتحييه. وسيرافقها مرات من الجامعة حتى أول الشارع الذي يوصل إلى بيتها. وسيكتشف عطشها إلى أخ وأب ويتبين أن المفقودين يتركون مكانهم فارغا مهما ابتعدوا. وسيلمح دموعا مقهورة يوم يسألها ماذا تتذكر من أخيها. وسيلمح غضبها على نفسها لأن الطفولة لم تسمح لها بأن تميز ماتتذكره مما تحتفظ به الصور. ستقول له دامعة العينين كأنها تلوم نفسها أو تطلب لنفسها العذر: كنت صغيرة! سيكتشف أن الحزن الذي دفنته هي وأمها بقي جاهزا ليتدفق في نبع صاف من الدموع. قالت له كأنها تهرب من حزنها: كنت طفلة عندما مشيت في مظاهرة ضد احتلال فلسطين ورأيت شكري القوتلي! في ذلك اليوم سيعِد عمر نفسه بألا يترك ليلى أبدا! وبأن تختار هي العلاقة التي تريدها به!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 03:12 AM
.
في ذلك الصيف خرج مع أصحابه في الفجر إلى البادية واستمتع بالمدى الذي لاينقطع فيه النظر. تنفس في عمق الهواء النديّ. وفكر في ليلى. فيها صفاء الفلاة النقية ورشاقة الغزلان. تنفس في عمق الهواء والضوء. هل حلم في تلك اللحظة بأن يتزوج ليلى؟ قال مرة وهو يحدثها عن العالم الثالث: يعيش شبابنا على موائد أهلهم زمنا طويلا، فهل يجرؤ طالب على القول لفتاة يحبها هل تتزوجينني؟ مع ذلك سيبقى وفيا لذلك الحلم البعيد!‏

كانت سيارات الصيادين الهواة تقتحم يومذاك البادية وتصيد الغزلان بالرشاشات دون رحمة. وصارت الكبّة بلحم الغزال طبقا فاخرا! وسينقرض الغزال السوري بتلك الوحشية. مع أن الصبي الغزال كان أسطورة يومذاك. فروي أن غزالة أرضعته وعاش مع الغزلان في البادية حتى صادفه أحد اولئك الصيادين وأتى به إلى المدينة. هل يستطيع عمر أن يطلب من الصيادين المتوحشين أن يستخدموا البندقية على الأقل كي يوفروا للغزال المسكين فرصة للهرب ويهبوا أنفسهم بعض الفروسية؟ رأى غزلانا مقتولة في سيارة، وغزالا حيا ربطت ساقاه الدقيقتان بحبل. فسمع صراخ قلبه. رجا الصياد: أريده! بكم تبيعه؟ عرض الرجل الغزال أمام عمر: لاجرح ولاندبة! سليم! أخذه عمر وعاد إلى دمشق.‏

خابر ليلى: دلّيني إلى بيتك. العنوان الدقيق! أحمل لك هدية من البادية. ضايقها الطريق، ويجب أن تصل حالا! ضايقها الطريق؟! نعم، نعم، أرجوك، العنوان بسرعة!‏

فتحت ليلى الباب ورأت أمامها عمرا يحمل بين ذراعيه غزالا. شهقت، وضعت يدها على صدرها، أغمضت عينيها وفتحتهما: غزال؟! تناولته منه وارتبكت وهي تحمله: ماأحلاه! وضعته على الأرض. ورأت عينيه الحزينتين! ربتت على رأسه وعنقه. وخيل إليها أنها رأت دموعا في عينيه. جائع أم حزين؟ ماذا أطعمه؟ تلفّت الغزال غريبا، ومشى خطوات. ياعمر، كيف سيعيش دون فضاء؟ أين سيركض؟ في تلك اللحظة فهم عمر أن هديته حملت إلى ليلى الأسى. كأنه أتى إليها بما يذكّرها بالصيادين الذين يطاردون الغزلان ويبيدونهم بالرشاشات، وبغربة البشر الذين يقتلعون من بيئتهم، وبالأطفال المشردين، وباليتامى المحرومين من أمهاتهم.‏

تفرجت منور على عمر وليلى والغزال. ولم ينتبه أحد إلى أطياف ابتسامتها. تركتهما وحضّرت كؤوس التوت الشامي الممزوج بالثلج المدقوق، وصحن لوز للغزال. كسب عمر دعوة أم ليلى إلى الغداء. وبعد الغداء فهم أنه كسب معرفة منور. هل قال لنفسه: ماأعجب كل ذلك! أنا الذي لاأطمع في حب ليلى عرفت أمها وبيتها وصرت صديقها، ومن يطمع في حبها مايزال بعيدا؟! في بقية ذلك الصيف ظل يخابرها كل يوم، يسأل عن الغزال وتحدثه في تفصيل عنه كأنه إنسان.. يحب السكر، يأكل اللوز، يألفني، أفيق في الليل أحيانا لأطمئن عليه. لكنه ياعمر دون فضاء! عند جيراني مزرعة لكني أخاف أن أتركه وديعة فيها. قد يأكلونه!‏

في الصباح الباكر خرجت ليلى مع الغزال إلى الشارع. وأحزنها أنه لم يهرب منها. نسي الحرية؟ ركض وعاد إليها. بقيت تروي نزهاتها لعمر حتى خابرها ذات مساء وردّت أمها على التلفون. همست: ليلى تبكي. خرجت مع الغزال ورجعت دونه. يبدو أن الغزال خاف فتزحلق على الأرض ومرت فوقه سيارة.‏

هل يستطيع قيس أن يرى في ليلى مايراه فيها عمر؟ فليحبها قيس! ولتشبع ليلى من الحب! تستحق أن يعشقها الشباب كلهم! لايغار عليها؟ لا، مابينه وبين ليلى صداقة لايستطيع أن يفكّها أحد!‏

كان عمر يمشي مع قيس عندما صادفا ليلى. كانت تحيط عنقها بإشارب عليه رسم تتداخل فيه الوجوه بالطيور. قال عمر: ليلى، هذا قيس! خيل إليه أنها تساءلت في سخرية: قيس؟! التفت إلى قيس: ليلى! قالت: لكني لست مثل ليلى القديمة، ياأستاذ قيس! عدّ قيس فورا ثلاثة جروح: سمّته أستاذا، وسخرت من ليلى القديمة، ولم تتذكر أنها استمعت إليه في سنة ماضية يلقي شعرا عن حلف بغداد في اجتماع في بيت عربي في حي الميدان! قال عمر لنفسه: لم يعط التعارف صورة صادقة للمتعارفين! اقترح: أدعوكما إلى فنجان كاكاو في النادي!‏

حول الطاولة عادت عينا ليلى صافيتين. وانسابت بسيطة في الحديث. قال قيس لنفسه: يشف قلبها في نظرتها. لاستائر ولاحجاب! ولكن هل هذا يقرّبها؟ فهم أن الطريق إليها طويل وصعب. هو الذي لم يتعود الصبر، هو الذي تسعى إليه النساء، سينتظرها حتى تشعر به؟ لوى غروره: يوم رأيتها أول مرة قلت، هذه الصبية لي مهما طال الزمان!‏

تركهما قيس دون رغبة ليسلم على شاب من بلده. فقال عمر: ياليلى، من يتذكر عندما يراك ليلى القديمة؟! ردّت في هدوء: لكني أحببتها بمقدار مالمتها! بهرني قيس بهواه. وأدهشني أنها لم تختره. يجب أن تقرأه ياعمر لتتبين روحه الشفافة وحضارته. لم يخجل بحبه. ولم يدمّر زواج ليلى هواه. من يستطيع في عصرنا أن يكون مثله! قرأته بعد موت الغزال! ياليلى، تدفعينني إلى قراءة شعر قيس؟! ياعمر، دون ذلك حياتنا صغيرة! يكشف التعبير مساحات جديدة للشعور! اقرأه ياعمر، اقرأه! نحن طلاب الطب يجب أن نقرأ الأدب! كيف طاوعك قلبك على هجر الشعر؟ ياليلى، بدا لي أن نصف أهل الريف شعراء، لذلك هربت من الزحمة!‏

ظل عمر يستمتع باستعادة أول مرة رأى فيها ليلى، وأول مرة تحدث إليها، وأول مرة قُدمت إليه، وأول مرة دعاها فيها إلى فنجان كاكاو في نادي الجامعة، وأول مرة مشى معها طريق الجامعة. استسلم لرسوم خياله قبل أن يصبح من جيران مقعدها في المكتبة، ويصبح ممن يمشي قربها في المظاهرات، ويرافقها أحيانا في الطريق إلى بيتها. ستقف أمام لوحة الدروس في الممر فيقترب منها ويسألها: في كليتنا؟ ستطلب كأسا من الكاكاو في نادي الجامعة فيتناوله من أعلى الرف لأنه أطول منها ويوصله إليها! سيشتري منديلا شفافا كالذي تعقده على قبة قميصها الأبيض ويسألها: هذا لك؟ وجدته على كرسي الحديقة!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 03:14 AM
.
ويالحظه! عرّفته بها غادة ثم مديحة ثم فوزي ثم آخرون. تكرر التقديم نفسه تقريبا: ياليلى، هذا عمر، الذي اعتقل في سجن المزة ثم في سجن تدمر! وهذه ليلى، ابنة أحد شهداء حرب فلسطين! وكانت ليلى تهز رأسها، فيتذكر عمر الغزال مرة أخرى. صار يتبادل الابتسامة معها كلما قدمها أحدهم إليه، وتشاركه التواطؤ وكأنها لاتريد أن تخيّب من يقدم أحدهما إلى الآخر. وأمتعته تلك اللعبة. رآها جالسة في المكتبة في صباح مبكر ولاأحد حولها. كان يلزمه وقت ليكبح خفقان قلبه، لكنه خشي أن يضيع فرصة وحدتها حول طاولة خالية. وقف قربها: صباح الخير! رفعت إليه وجهها متسائلة، قال لها: اسمي عمر، من كلية الطب، سجنت في سجن المزة، ثم في سجن تدمر. كسب ضحكتها: اسمي ليلى، من كلية الطب، ابنة أحد شهداء فلسطين!‏

رآها أمامه مع غادة. كان واقفا في الحديقة يستمتع بالشمس بين محاضرة وأخرى ويتذكر كيف عرفها، عندما مرت الشابتان. توقفت غادة: مرحبا ياعمر! لدي بطاقات من أكرم الحوراني لجلسة المجلس النيابي. جلسة مهمة، مارأيك في أن نحضرها؟ انتظر عمر جواب ليلى. سأل وهو يتناول بطاقته: تصلين وحدك ياغادة أم تريدين أن أرافقكما؟ ضحكت: نصل وحدنا إلى أي مكان! ابتسم. اعتداد الشباب، أم اعتداد من لم يذق خيبة؟! لن يبوح عمر أبدا بأنه كان في ذلك اليوم مضطرا إلى مراجعة دروسه، ولم يكن يرغب حتى بنزهة.‏

كان خالد العظم وزير الخارجية قد أعلن أن ممثلي إنكلترا وأمريكا وتركيا أبدوا الرغبة في تحسين "علاقتنا" باسرائيل. وأن سوريا ترفض المساعدات لأن تلك المساعدات تقيّد الاستقلال. وكانت اسرائيل قد اعتدت على الجيش المصري في غزة. وتركيا حشدت حشودا على الحدود السورية بعد توقيع حلف بغداد. والسفير الأمريكي جيمس موس سلّم لوزير الخارجية السوري مذكرة تطلب الدخول في حلف بغداد. وصدر بيان الحكومة السوفيتية في تأييد سيادة سوريا. ستكون جلسة المجلس عن السياسة الخارجية مهمة، إذن! تابع عمر جلسات المجلس كمن يهوى معرفة خفايا الأحداث. لكنه وقت رافق ليلى وغادة إلى الجلسة التي تحدث فيها خالد العظم عن السياسة الخارجية، فهم مقدار انصرافه إلى مايسميه زملاؤه سياسة ويسميه عملا وطنيا. وبدا له أن ليلى تنتبه إلى الجانب الإنساني فقط!‏

في الطريق حكت غادة لليلى عن عمر: تعرفين طبعا أنه ليس عضوا في حزبنا أو غيره. وأنهم زادوا في تعذيبه في تدمر لأنهم توهموا أنه يخفي تنظيما سريا لايعرفونه. عمر شجاع وشهم. علته أنه لايقبل التنظيم الحزبي ولايفهم ضرورته! كيف تحركين شعبا دون تنظيم؟! سألتها ليلى: ستنظمين الشعب كله؟ ردّت: لا، لكن عمرا ثمين. لأنه محبوب وذكي وقادر على جذب الناس! من حظنا أنه صديقنا! قالت ليلى: على كل حال، الفضيلة أن يحاول حزب كسب رجل جيد! هل كانت ليلى تعي أن الجملة التي رمتها ببساطة تمسّ علاقة المنظمات بالأفراد، الولاء والفصل والتشهير، وتقسيم الأحزاب واستبعاد نخبتها في العقود القادمة؟ قالت مداعبة: لاتحاولي أن تنظميني ياغادة، لأني ألتزم بقرار منور! لن أحاول ياليلى، ولايمنع هذا أني أراك منا! ابتسمت ليلى: لعل مديحة أيضا تراني من جماعتها! انتفضت غادة: لا، هناك تقسيم فلسطين الذي لايغفر! وهناك حلول قاسية باردة لاتبالي بما يمسّ القلب والوجدان! نحن لايمكن أن نهمل أبدا الطموح العربي!‏

كان يطمئن غادة أن بيت ليلى مفروش بطقم من الخشب المطعم بالصدف، على دواوينه بسط عربية، على جدرانه صور في إطارات من الموزاييك والخشب المحفور. وأن ليلى تهوى المناديل الحريرية الحلبية. قتل أبو ليلى في الجليل، فهل يمكن أن تترك أصولها الوطنية وتقبل فكرا مستوردا؟ ردّت ليلى: مديحة طيبة ومخلصة!‏

كانت ليلى تتأمل السقف والجدران عندما لمحت غادة عمرا في شرفة الزوار. الكراسي مشغولة كلها، لكنه حجز لهما كرسيين إلى جانبه. كاد يشعر بالدوار وليلى تجلس قربه! أغمض عينيه لحظة مستسلما لرفيف قلبه. وأمتعه أن يتصور نفسه راسبا في امتحاناته منتظرا ليلى ثلاث سنوات كي تصبح في صفه في كلية الطب. شعر بها وهي تصغي في فضول. وتابع على وجهها الدهشة والانتباه.‏

لم تكن ليلى وحدها المهتمة بالحوار. وقف الجالسون في المقاعد الخلفية في الشرفة. تحدث خالد العظم عن السياسة الخارجية. وكان صوت الإبرة يسمع في المجلس! خيل لليلى أنها الآن تفهم بلدها. وتعرف أيامه الماضية التي لم تنظر إلى جنباتها. يقدّم لها هذا الرجل الزمن الذي عاشته ولم تعرفه، والزمن الذي لايريدها أن تعيشه. كأنه يلمس منابت الاعتداد الوطني في بلاده. قال خالد العظم: "سوريا تعتز بأنها أول بلد عربي حقق استقلاله وسيادته خالصين من كل شائبة، ومن الطبيعي أن تحافظ حكومتنا على هذا الاستقلال.. إن حكومتنا ترى من بديهيات واجبات الدول العربية الدفاع عن أرض العرب ضد كل عدوان، وهي ترى في الوقت نفسه أن عدونا الأول إنما هو الصهيونية الباغية التي احتلت جزءا من وطننا العربي المقدس. ولذلك فإنها ستتجه في سياستها الخارجية إلى مصادقة كل دولة ترعى صداقتنا وحاجاتنا وتقف إلى جانب قضايانا القومية المشروعة ولاسيما قضية فلسطين"..‏

استمعت ليلى إلى خالد العظم مبهورة وراضية. وسجلت في دفترها بعض كلمات. تحدث العظم عن جهده لإقامة ميثاق عربي يوحّد الشؤون السياسية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، ويضع الهيكل لوحدة عربية متحررة للراغبين فيه. وبيّن أزمة الجامعة العربية لأن العراق فاجأ الحكومات العربية برغبته في التوقيع على حلف عسكري مع تركيا. "ورغم جهودنا لم يثمر اقتراح التريث فوقع الحلف". وتحدث عن مقابلة سفير أميركا رئيس الوزراء بحضور العظم. قال العظم: "إن أمريكا رحبت بالحلف علنا كخطوة لإنشاء منظمة دفاع حقيقي يمكن أن تضم ايران والباكستان وبعض الدول العربية. وبعد التوقيع تستطيع البلاد الواقعة وراء الخط الشمالي أن تنضم إلى هذه المنظمة الدفاعية.. وتحسين العلاقات العربية الإسرائيلية ضروري لمساهمة أمريكا في الدفاع عن الشرق الأوسط. لأن ميثاق الضمان الجماعي العربي لايفي، في رأي أمريكا، بحاجة المنطقة إلى منظمة دفاع فعالة".‏

مرت عتمة على وجه ليلى. لمحها عمر بطرف عينيه. قال العظم: "لذلك يجب رفض الحلف، ليس فقط دفاعا عن الاستقلال بل أيضا لضرورة السعي إلى الوحدة العربية ورفض أية تسوية مع اسرائيل مهما كان نوعها". وبيّن أن المنظمة الدفاعية المقترحة تشطر العرب إلى شطرين، الهلال الخصيب، وشطر آخر فيه مصر والسعودية واليمن والإمارات. مصر تؤيد موقف سوريا. وصل موفد من مصر وانتهت المداولات ببيان مشترك سوري مصري في الثاني من آذار وهو نقطة انطلاق تدعو العرب إليها. وقد وافق مجلسكم الكريم أن تجهد حكومتنا للسير بالدول العربية نحو الوحدة. لذلك كانت الرحلة التي قمت بها مع الصاغ صلاح سالم إلى المملكة الأردنية الهاشمية فالمملكة العربية السعودية فلبنان، ثم إلى العراق فمصر. لعرض الأسس والمبادئ على الدول العربية. تريّث الأردن مع عطفه على المشروع، وتحمس الملك سعود له. ثم فوجئنا بإذاعة حلف بغداد وانضمام إنكلترا إليه. وجهت تركيا مذكرة قاسية إلى وزارة الخارجية السورية مدّعية بأن البيان المشترك الثلاثي، أي مشروع الميثاق العربي، موجه ضدها وأجبنا الجواب اللازم وتأزم الوضع بين البلدين.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:26 AM
.
تابعت ليلى حلما رائعا: مجلس دائم لدول الميثاق، خطوط عامة للسياسة الخارجية، سوق واحدة، حرية التنقل دون سمات، قيادة عسكرية عليا مركزها دمشق! نظر عمر إليها. تطير على أحلام خالد العظم؟ همست لعمر: يعني نعود كما كان أهلنا في أول القرن. يركبون القطار في الصباح ويصلون في اليوم نفسه إلى حيفا! فتح عينيه: إلى حيفا؟! قال العظم: ستمس آثار هذا الميثاق عند تطبيقه الأسس السياسية والمالية والاقتصادية والعسكرية في حياة معظم أبناء الأمة العربية، فتقتضي الزيادة بالتمحيص والدقة والبحث.‏

بدت ليلى سعيدة. ياغادة، هذه الحكومة تهب الراحة. أشعر بأني قوية! قال عمر مداعبا: طبعا، خالد العظم معك! قالت في جد: سعيدة بالزمن! من سمعتهم، في مستوى الزمن. استعدت بكلمات العظم شهداء أيار، شكري العسلي، ورجال الثورة السورية الذين تحدثني منور عنهم. الزمن مضيء، هنا، عند ممثليه! هل يقول لها عمر: تمهلي ياليلى فليس كل من يعلن رأيه أمامك يعلنه وراء ظهرك؟! لا، فليترك لها مساحة الحلم!‏

حدثها مرة عن سمة الزمن. وهي التي تحدثه الآن عنها! قال لنفسه: حكمك ياليلى صحيح في هذه البرهة من التوازن بين القوى. لكن المحمولين على الموجة قد يعودون إلى مشروعهم. بين السياسيين والعسكريين اتفاق وصراع. يدعم العسكريون الوطنيون السياسيين الوطنيين. أثق بوطنية العسكريين لكني لاأثق بحكمتهم! وهناك آخرون قد لاأثق بهم أبدا!‏

لم يكدّر ذلك رضا ليلى. سألها عمر وهو يرافقها مع غادة في الطريق إلى بيتها: أعجبتك الجلسة؟ قالت: أعجبتني الغيرة على الوطن! أعجبتني الصراحة. قد تصبح المعلومات التي سمعناها معروفة ذات يوم، كوثائق التاريخ. لكن الريادة مأثرة. وياللذوق! قال عمر: أمسكتِ بالجوهر ياليلى! ضحكت: حقا؟ في تلك اللحظة سحرته بجدها وضحكتها وفطنتها. سحره أنها انتبهت إلى التفاصيل وفهمت روحها. لكن عمرا لم يستسلم لانبهار ليلى بتلك الجلسة من جلسات المجلس النيابي. لأنه حضر جلسات قبلها، وتأمل القوى السياسية خلال تلك الجلسات، وقاس مساحة التلاقي بينها. ولمس أيضا الفواصل الدقيقة التي تفرقها. كان قد التقى في المقاهي بالكيخيا واليان والعسلي واستمع إليهم. كم لديهم خبرة في صياغة الكلمات! ياللذكاء! ولكن ياللمهارة في البحث عن الزعامة والمصلحة الخاصة! بدا له أنهم لايستطيعون الحياة إلا كزعماء! لاتعرف ليلى هؤلاء السياسيين، ولاتقدّر أنهم قوة تواجه الجيش دون صراحة، وأن العظم ليس القوة الحاسمة بين المجموعات السياسية. لذلك شعر بالشفقة على ليلى. ومع ذلك قال لنفسه عندما استمع إلى تقرير اللجنة الخارجية الذي وافق عليه المجلس بالإجماع: سوريا الآن مركز الحلم! وأطربه أن يقرأ في ذلك الصباح برقيات وصلت من نابلس تؤيد موقف سوريا من الأحلاف! لم تفهم ليلى لماذا هزّ عمر رأسه كالحكيم الكهل. كان يهمس لنفسه: هل تصبح هذه البلاد في أمان قبل أن ينضب منها النفط؟!‏

سمعت غادة تقرير اللجنة الخارجية الذي وافق عليه المجلس بالإجماع، فعرفته قبل أن تقرأه عليها منور فيما بعد: "اتفقت جميع الأحزاب والهيئات مع الحكومة بأن تقف البلاد موقفا موحدا في وجه الضغط الذي تستهدف له سوريا اليوم، وفي مقاومة كل تدخل أجنبي يرمي إلى الحد من سيادة سوريا وحريتها في رسم سيادتها".‏

قالت منور لليلى في تلك الأيام: جارتنا مهتمة بك! روت لي "صادفت ليلى في أول الطريق مع شاب وسيم فهل سنحتفل قريبا بخطبتها"؟ توهج وجه ليلى يومذاك: لاتفهم جارتك ياأمي إلا نوعا واحدا من العلاقات بين النساء والرجال! مسكينة! كان معي عمر!‏


أرسلت غادة ماجمعته من القسائم بالبريد. كأنها إذا أخّرتها إلى اليوم التالي أبطأت نجاة جميلة بو حيرد من الإعدام. لكنها خلال ذلك انشغلت بعاطفة خشيت أن تسميها الحب. وكانت تجد نفسها أمامها مواربة كلما اقتربت من البيت. وتقابلها في المساء أمام نافذتها المفتوحة عليه. ولكن هاهي أخيرا تعترف بأنها محبوبة ومحبة، وتبحث عن إنسان يشاركها فرحها! فهل تنقل إلى ليلى قلقها العذب، واكتشافها الوجع والأشواق ورفيف القلب، فتثبتها بكلمات وتصبح مسؤولة عنها؟ بدت غادة لليلى حتى اليوم بعيدة عن الهوى، مشغولة مرة بزيارة زوجة أكرم الحوراني ومرة بمحاضرة أو لقاء في مقر حزبها. فكيف تظهر أمامها الآن عاشقة كأية فتاة؟

هل تستطيع أن تروي لليلى ماحدث منذ البداية؟ ألن تعاتبها ليلى: أخفيت ذلك كله عني؟ كانت تسمع صوت المطر وهي تدرس. بدا لها فجأة أنه أصبح قويا فلماذا تحرم نفسها من الفرجة عليه؟ فتحت النافذة فتدفقت عليها رطوبة أرعشتها، ومع ذلك أبقت أزرار كنزتها مفتوحة. لم تر من النافذة غير ظلام الشتاء، وومض برق بعيد. أغلقت النافذة ورتبت جلستها على مقعد مقابله مقعد آخر مدت ساقيها عليه، ووضعت كأس الشاي على الطاولة قربها. جلسة مريحة تؤهلها للسهر إلى منتصف الليل. كانت تجزئ التحضير للامتحانات القادمة. وغرقت في دروسها.‏

رسم لهب المدفأة على الجدار أشكالا برتقالية. وهمهم إبريق الماء فوق المدفأة. كأنما نامت الدنيا على ايقاع المطر وبقيت غادة وحدها صاحية مع المدفأة! ستنجز هذا الجزء الصغير من الدروس وتستسلم هي أيضا للنوم الذي سيأتيها مسرعا! كان السكون مذهلا، يوشيه صوت سيول المطر على جانبي الطريق. قفزت مرة أخرى فوق مسند المقعدين ومشت إلى النافذة. وعندئذ ومض ضوء النافذة في الجهة المقابلة. بقيت الأبنية كلها معتمة إلا نافذتها ونافذة الضابط الوسيم الذي انتقل إلى هذا الحي مع أسرته منذ أشهر. بدا ذلك ممتعا. هل نحرس الحي معا؟ وقفا صامتين يشعر أحدهما بالآخر ويرى إطاره المعتم فقط. تمنت غادة عندئذ أن تمشي تحت المطر مع رجل يحمل مظلة يتدافعان تحتها. لا، فليغلقاها ليبتلا بالمطر! ولتغمر هذه السيول الصغيرة أقدامهما، وليتوقفا قرب بائع الكستناء ليستدفئا بالجمر! من يمكن أن يكون ذلك الرجل غير هذا الضابط الرشيق كالرمح؟ كانت قد صادفته مرات وسيارة الجيب العسكرية تنزله أمام بيته، وهي راجعة من الجامعة. وخيل إليها أنه في المرة الأخيرة ابتسم لها وأحنى رأسه في تحية لم يلاحظها غيرها.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:27 AM
.
هل فهم من وقفتها مقابله في العتمة أنها قَبِلَته؟ سمعت صفيرا ناعما وكتمت ابتسامتها. يصفّر لحن أغنية كارم محمود عن الساكنة مقابله ويدعوها إليه! أية رسالة أكثر وضوحا من هذه الرسالة المحملة بالوجد والشوق؟ سمعت الصفير الرقيق نفسه وهي تطفئ الضوء. يودعها به! غفت بسرعة وأفاقت مبكرة قبل جرس المنبه. لعلها ستراه وهو ينتظر السيارة العسكرية التي ستنقله إلى عمله! كانت في الساعة السابعة ممشطة الشعر، صاحية، تلبس معطفها وتقف قرب النافذة كأنها تنتظر صديقة سترافقها إلى المدرسة. رأت الشوق في نظرته وخيل إليها أنها لمحت طيف تحية فأسدلت نظرتها إلى الأرض وانشغلت بهدير قلبها. بدا لكل منهما أنهما تبادلا حديثا طويلا في لحظة. وكأنه اعترف لها بأنه سهر كثيرا من الليالي معها وهي تدرس، وتفرج عليها وهي ترتب غرفتها أو تغير ماء الكأس للورد، أو تحضّر ملابس الصباح. وخشيت أن يكون رآها في قميص النوم أو رآها وهي تبحث أمام المرآة عن شكل يناسب شعرها الطويل. وخمنت أن أغاني فيروز التي كانت تنساب من نافذته موجهة إليها. كلّف فيروز بنقل كلمات وأشواق لايجسر على البوح بها!‏

بعد تلك الليلة صارت الدراسة ممتعة. بدا لها أن الضابط الوسيم يحرسها. وكانت دائما تطمئن عليه في الصباح. ثم اختفى فجأة. استمعت غادة إلى الراديو الذي أذاع أن إسرائيل هاجمت في كانون الأول سنة 1955 المخافر السورية وقتلت ضباطا وجنودا سوريين. هل يغمى على القلب؟ أغمي على قلبها! هل جارها بين القتلى؟ مرت أيام طويلة ثقيلة. لم تعرف غادة مصيره إلا عندما قالت لها أمها: عينك على الباب. إذا أتت أختي نادني من بيت جيراننا الجدد، مقابلنا! ابنهم في الجبهة والواجب أن نطمئن عليهم!‏

زغرد قلبها؟ عرفت مكانه وفهمت سبب غيابه! همست لنفسها: ياربي، ياربي، سق خالتي! أرجوك ياربي، أرجوك! لم تكد خالتها تقرع الجرس حتى تركتها أمام الباب المفتوح وقطعت الشارع راكضة. وقفت على الدرج لتسكت صخب قلبها. فتحت أخته الباب فرأت أمامها شابة متوهجة الوجه، مرتبكة. سألتها غادة: هل يمكن أن أنادي أمي؟ تفضلي ياروحي، تفضلي! من الباب؟ مستحيل! ادخلي! ودخلت غادة وهي تحاول بالرغم من خجلها أن تلتقط كل تفصيل في بيت الضابط. سجاد الأرض، والصور المعلقة على الجدران، والمقاعد المغلفة بالكتان الأبيض، والطاولات الموزاييك، وآنية ماء الورد الفضية في زوايا الخزانة الموزاييك، والثريا ذات الزنابق، وصورته بملابس الضابط ونجومه. ماأحلى ابتسامته فيها! هل سمعت النساء اللواتي ملأن مقاعد الصالون خفقان قلبها؟ رحّبن بها كما ترحب النساء بصبية ينتظرن الفرح بها، فزاد ارتباكها. قرب الباب قالت لها أخته: زورينا! الباب مقابل الباب ومع ذلك لم تسلّمي بعد علينا!‏

رأته غادة عندما عاد من الجبهة. كم اسمرّ وجهه بالرغم من الشتاء! هل بدا حزينا بالرغم من فرحه بلقائها؟ سلّم عليها ووجدت نفسها ترد التحية. ولاحظ كل منهما أن وجهها احمر وأن احمراره أربكها. بدا راغبا في أن يطيل وقفته، لكن أخته وقفت في الشرفة المشمسة، وابتعدت سيارة الجيب العسكرية. سلّمت أخته عليها ودعتها بالإشارة إلى زيارتها. وهزّت غادة رأسها كمن يقول: فيما بعد. تساءلت عندما صعد محمود إلى بيته ووقف في منتصف الدرج لحظة ليتأملها، كيف لم يخطر لها أنه قد يموت في الجبهة برصاصة إسرائيلية؟! في ذلك المساء صادفته واقفا مع أخته وأمه في الشرفة، بالرغم من البرد. نادتها أخته: تعالي! هنئينا بسلامة الغائب! ومشت إلى الباب لتفتحه في انتظارها!‏

لم تستطع غادة الرفض مع أنها مرتبكة. هتفت لنفسها: ياربي، أبعد هذا الاحمرار! ولماذا الاضطراب؟ كأني لاأتحدث مع زملائي في الجامعة! أو كأني طفلة! ومن هؤلاء؟ جيران، الزيارة بينهم ممكنة! سمعت سخرية ناعمة من نفسها: الفتاة الشجاعة التي ظنت أنها ممن يحملون الوطن، تعجز عن لقاء جارها؟ افتحي عينيك واكتمي مافي قلبك! أحبي أو اكرهي لكن اضبطي عواطفك باتزانك! تذكري أنك مسؤولة عن هوية سياسية كشابة بعثية تحمل الحلم بتوحيد الأمة العربية ورد الأخطار عن الأرض العربية، واستنهاض شعب عظيم ابن حضارة عظيمة!‏

هل هدأتها النصائح؟ لاحظ محمود اضطرابها واحمرارها. وفتنته بخجلها. ولاحظ أنها حاولت أن تغلب ارتباكها وتبدو متزنة شجاعة. وبدت له تلك النضارة تعويضا عن أيام الجبهة المتعبة المتوترة.‏

ستتذكر غادة بعد سنوات طويلة ذلك اللقاء، بعد أن يهبها العمر فضيلة التأمل. وستستعيد تفاصيله وتتذوقه في هدوء كأنها ترشف القهوة في فجر ليس فيه سواها. وستتساءل كيف نضيق بالزمن ونستعجله أحيانا، والزمن يمضي خاطفا كما مضى في ذلك اليوم؟ أعتمت الدنيا يومذاك وهي تستمع إليه. أجابته في سرعة عن دروسها في الجامعة، ثم استمعت إليه. كان خيالها يرسم مايرويه، فرأت خيمته التي علق فيها بيتا من الشعر كان يتردد من الإذاعة دائما: "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر". سيحمل محمود معه الورقة التي كتب عليها ذلك البيت طول عمره لكنه سيفهمه في أشكال متنوعة. وسيستوقف ذلك الشعر زياد الحريري قائد اللواء السادس في أيام الانفصال ويقربه منه. هل كنت أعزي نفسي ببيت الشعر؟ كنت أرى على ضفة بحيرة طبرية المقابلة المحتلين الإسرائيليين ينعمون بالكهرباء والطرقات والسيارات والمسابح، وكنا في مواقعنا نستخدم البغال والحمير، وننقل الماء من الينابيع، ونأكل المعلبات، وتشاركنا الفئران أرزاقنا، ونقتل العقارب والحيات. كنا ننفي إلى الجبهة من نغضب عليه! هل يروي لها أمام أهله أنه سهّل الاغتسال على الجنود، وأتى لهم بالماء الإضافي، ليخلصهم من القمل؟ وأنه استنهضهم بالرياضة والألعاب؟ لابد من جهد خارق كيلا تكون الجبهة انتظارا مملا للصدام، أو حراسة تثير الغيظ والسأم! رأت غادة أمامها شخصا رقيق القلب، كأنه شاعر! واسع الرؤية كأنه سياسي! قال لها إن الفلاة فاتنة، حتى البرد فيها ليس كبرد المدن. توهم الإنسان بأنه يعود إلى علاقته بالدنيا. يتذكر رائحة الخشب المحروق ومتعة مراقبة النار ويفهم لماذا عبدها الإنسان. هل كان يخفي حزنه؟ طارت ذات ليلة خيمته. وبلله المطر المفاجئ. وطارت ألواح التوتياء التي تحمي المؤونة فهرعنا لنجمعها ونحمي بها ماسلم من أرزاقنا.‏

نعم، حولنا حقول الألغام التي زرعناها. ويجب ألا تخطئ فرسه فتنفلت إلى وسطها! ويجب ألا يطمئن إلى الهدوء! ففي ليلة هادئة ساجية خطف العدو ملازما وقتلوا جنديين. كان عسكره يراقب حركة الملازم ومساره. فنصبوا له كمينا صادوه فيه. ويبدو أنه كان موقنا بأنه في أرض صديقة فغاب عنه أن العدو قد يتسلل إليها. أمرتُ فريقا من الاستطلاع بأن يتسلل إلى الأرض المحتلة ويأتيني بأسرى. كان قراري بعيدا عن ردة الفعل. فالعسكري يجب أن يتفادى العمل دون دراسة دقيقة.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:28 AM
.
سمعتِ عن الحادث! في 10/12/55 أسر الإسرائيليون مجموعة من السوريين قرب البطيحة، وبدأ القصف. من بحيرة طبرية قصفت الزوارق الحربية الإسرائيلية المخافر الأمامية السورية. تسمي إسرائيل جيشها جيش الدفاع، وأسميه جيش العدوان! اجتاح الإسرائيليون المخافر السورية في قطاعات الجبهة وقتلوا ثلاثة ملازمين من قادة السرايا. كان الليل مظلما، والمعركة شرسة. عرف محمود من الهاتف العسكري أن المعارك شملت الجبهة من الشمال إلى الجنوب. استمرت المعركة حتى الصباح. وأتت القوات الدولية لتعاين ماحدث. رأيتُ دماء الإسرائيليين على شاطئ طبرية. نقل شهداؤنا إلى دمشق ليشيعوا فيها. رجال شجعان استشهدوا فوق رشاشاتهم. فجر الإسرائيليون حتى بلوكوز النقطة الطبية. بعد المعركة سحبنا جنودنا إلى الخلف وأخذ آخرون مكانهم. وانتقلنا إلى المنصورة.‏

في الاجتماع الذي حضرته غادة في مقر حزبها تحدث المتكلمون يومذاك عن سبب العدوان الإسرائيلي: سببه أن في سورية مجلس نيابي منتخب فيه مجموعة قوية من رفاقنا النواب الاشتراكيين، وأن الجيش يدعم السياسة الوطنية، وأن مظاهرات الشارع تكبح الرجعية! وأن السجون فارغة من المعتقلين السياسيين! سببه أن سورية تختار سياستها الخارجية في حرية وتتقارب مع البلاد الاشتراكية وتسعى إلى صفقات السلاح منها دون شروط، وتفك الحصار الغربي عنها وتسعى إلى تأسيس اقتصاد مستقل! إسرائيل وسيلة التهديد الغربي! إسرائيل خنجر مغروس في الجسد العربي، يفصل المشرق عن المغرب، ويفرض على الوطن استهلاك ماله في التسلح! اعرفوا أن كل مايطلق حرية المواطن وكرامته يقوي الشعب ويجعله خطرا على إسرائيل المحتلة. العدوان ضغط على سورية التي ترفض القواعد والأحلاف العسكرية. هتفت غادة في نهاية الاجتماع في حماسة: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة. كادت عيناها تدمعان. وانسابت على الأحلام باستعادة أمجاد العرب التي تقرأ عنها في كتب التاريخ! أحلام؟ أي واقع لم يكن حلما؟ لايوجد مستحيل إذا اجتمع الناس في قوة منظمة ذات برنامج وأهداف! هل كان تحرير الصين، التي تحتلها دولة عظمى ويكسر شعبها الأفيون، غير حلم؟‏

كانت تلك الصبية تحمل الايمان والحماسة التي جعلت جميلة بو حيرد تحمي أسرار جماعتها وتصمد في التعذيب. وجعلت الضابط محمودا يندفع في تأسيس مادمره الإسرائيليون في العدوان. في سنة 962 عندما سيعود إلى الجبهة ويفاجأ بأن الجنود يعانون من القمل، سيشتري لهم من راتبه الصابون، وسيولم لهم ولائم من صيد الحجل. وسيستقبل زياد الحريري في الجبهة ثم سينزل معه ليقلب حكومة الانفصال.‏

سبقت العدوان الإسرائيلي على المخافر السورية أحداث كثيرة. بدأ بعضها قبل أن ينتقل محمود وأهله إلى حارة غادة. سمعت غادة قبل أشهر من الراديو حديثا عن مذكرة أمريكية رفضتها سورية. رأى مندريس أن رد سوريا على المذكرة عدائي. وهاهي غادة تتبين أن المذكرة ليست ورقة تطوى بل سياسة! وستحكم تلك السياسة والرد عليها مسار السنوات القادمة.‏

دعت ليلى زميلتها غادة إلى الغداء. طلبت من منور أن تطبخ لبنيّة لأن غادة تحب لبنيّة منور مع الطرخون! راقبت منور الشابتين. تجدان دائما مايضحكهما. ياللشباب! لم تطل جلستها معهما إلا وقت الشاي بعد الغداء. وعم يمكن أن يتحدث السوريون اليوم؟! تنفد الجرائد من السوق، ويحمل حتى الرعاة راديو ترانزيستور! كان عدد من الجرائد قرب منور. قالت لغادة: اقرئي ياحبيبتي! طلبت المذكرة الأمريكية من الحكومة السورية ألا تتخذ قرارات تعارض الحلف التركي العراقي، ريثما يأتي يوم انضمام سوريا إليه. لايخجلون من الإعلان أن هذا الحلف نواة منظمة دفاعية تشمل الشرق الأوسط، فيها إسرائيل! الجامعة العربية، والضمان الجماعي العربي؟ لايمكن الاعتماد عليهما للدفاع عن الشرق الأوسط! ولاأسلحة إلا لمن ينضم إلى الحلف! يجمعنا حلف مع إسرائيل؟! حلف مع عدونا؟! أين سُفك دم بهاء؟ من سفكه؟ ولماذا؟ إسرائيل عدوتنا فإياكم ياصغار أن تنسوا ذلك! وتذكروا دائما أنها محمية! قال خالد العظم: اشترطت أمريكا وإنكلترا تحسين علاقتنا بإسرائيل. أرأيتِ يابنتي من يحتضن إسرائيل ويرضعها من دمنا وكرامتنا؟ اعتدت إسرائيل أمس على الجيش المصري في غزة، فسند مندوب الاتحاد السوفييتي مصر في مجلس الأمن واتهم كبير المراقبين بيرنز بالتستر على إسرائيل. فهل ذاك عدونا وهل حليفتنا إسرائيل؟!‏

تسألين ياغادة كيف يرد بلد صغير مثل سوريا؟ احمي، يابنتي، أولا عقلك وضميرك. وتساءلي من عدوي! ضد أي عدو يوجه الحلف إذن؟ الاتحاد السوفييتي ليس خطرا علينا! هو في حاله ونحن في حالنا! الخطر علينا إسرائيل والتدخل الغربي! لم يستعمرنا الروس بل الغربيون! بعد ذلك فكري هل الرد يناسب التدخل الأمريكي!‏

راحت حكومة حزب الشعب، وأتت حكومة العسلي العظم وأخذت الثقة على أساس الالتزام برفض الأحلاف العسكرية! أيد السعوديون واليمنيون البيان السوري المصري ضد الأحلاف. هل هذا يكفي؟ أعلن خالد العظم، وزير الخارجية، أننا نعتمد على جيشنا ومواردنا فقط. فللمساعدة العسكرية شروط لانقبلها. لاتنامي ياغادة على الثقة بحقك. لكن الدنيا تنهض من غفوتها! الشعوب مخيفة بما تخزن من قوة قد لاتتبينها هي نفسها. الشعب قوة إذا كان مسددا في مشروع صحيح. فالشعب أيضا قد يكون غوغاء! يفرحني أن التهديد الأمريكي لم ينشر الخوف. بل العكس! اقرئي! وافق المجلس النيابي بالإجماع على قرار اللجنة الخارجية: "اتفقت جميع الأحزاب والهيئات مع الحكومة بأن تقف البلاد موقفا موحدا في وجه الضغط الذي يستهدف سوريا اليوم وفي مقاومة كل تدخل أجنبي يرمي إلى الحد من سيادة سوريا وحريتها في رسم سياستها".‏

هل تقرأ شابة مثل غادة ماتنقب عنه منور في الصحف؟ هل تستطيع في عمرها أن ترسم من التفاصيل لوحة سياسية واسعة؟ ستقول غادة لنفسها بعد سنوات: كم علمتني وأفادتني أم ليلى! نسيت ماأحاطته بخطوط حمراء في الجرائد لكنها حفظته وفسرته به ماأتى بعده من الأحداث! تضامنت يومذاك نابلس، التي تسمى جبل النار، مع سوريا! ونشرت الصحف برقيات وعرائض من نواب وصحفيين ومحامين لبنانيين يتضامنون مع الحكومة السورية! كتبت جريدة النصر: "لم يعد أحد يقبل لغة السيد والمسود.. حتى الماو ماو". وكتبت جريدة بردى وجريدة الكفاح عن علاقة تركيا بإسرائيل. لكن حسني البرازي كتب في جريدة الناس: تقول الحكومة إنها تحرص على سلامة البلاد، فهل يمكنها رد العدوان بالجيوش المصرية أو السعودية وكلاهما أعجز من أن يدفع عن نفسه العاديات؟ وضعت منور يومذاك إطارا بالحبر حول بيان عمدة الإذاعة الذي نشرته جريدة البناء في 23 آذار. "سياسة الحياد عدا كونها نظرية لاتتحقق في بلادنا في حال حرب عالمية، لاتعالج التجزئة والعوامل الأجنبية التي تغذيها. فهي إذن سياسة لاتخدم أهدافنا القومية.. الشيوعية عدو أكيد أما المعسكر الشيوعي فالانحياز إلى جانبه في الصراع العالمي لايؤمن لنا مصلحة قومية.. إن حل مشاكلنا القومية والقضاء على أوضاع التجزئة أمر لايتم إلا بأحد طريقين: التفاهم مع الغرب أو الصراع المسلح ضده. والظرف الحاضر هو أنسب الظروف للتفاهم مع الغرب".‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:29 AM
.
هذا الكلام غير مقبول! الحذر إذن واجب! تتآمر الحكومات العربية المحيطة بسورية عليها. لكن الشارع العربي غير ذلك. مظاهرات في الأردن. ومظاهرة كبرى في بيروت ضد حلف مندريس السعيد اصطدمت أمام مخفر البسطة بالشرطة. وفي دمشق أصدر ملتقى مندوبي الأقطار العربية بيانا عن التدخل الاستعماري والأحلاف. وذكر أن هدف الحلف هو الصلح بين الدول العربية وإسرائيل بجمعها في كتلة عسكرية تشمل منطقة الشرق الوسط. وأن الاتفاق الإنكليزي العراقي الأخير صكّ عبودية يبيح استعمال مطارات العراق. أكد الملتقى حق اللاجئين في العودة إلى وطنهم. انتبهي إلى هذا ياغادة! لأن الأمريكيين يحملون مشروع توطين اللاجئين! وتذكري أنهم عرضوه على الشيشكلي!‏

تساءلت ليلى: لماذا توجه كلامها إلى غادة؟ لأنها تنتسب إلى حزب؟ لأن منور تخمّن أن غادة تستطيع أن تؤثر في مجموعة؟ أم تستشف أنها ستكون شخصية مهمة في حزبها؟ هل تظن منور أن غادة وحدها موجودة أمامها؟ تقيد منور ابنتها بحرمة أنها ابنة شهيد لايجوز أن تنحاز إلى حزب! ألم تقل لغادة يوم عرفت أنها دعت ليلى إلى زيارة زوجة أكرم الحوراني: ياغادة، ابنة الشهيد للبلد كله. لاتنحاز إلى حزب فتنال عداوة حزب آخر! توسع معرفة الناس العقل والرؤية، وتستطيع ليلى أن تزور من تشاء، شرط ألا تجرفها الحماسة لأحد! قالت غادة لمنور يومذاك ماقرب بينهما: ياخالتي، كان يجب أن تعرفي أكرم الحوراني. يشبهك! يشعر مثلك بخطر إسرائيل ويرى مصير فلسطين متصلا بمصيرنا جميعا. هو مثلك يشعر بالخطر الغربي علينا. ويقدر دور المعسكر الاشتراكي ويرى أننا يمكن أن نستوحيه لكننا لسنا ملزمين باعتماد أوامره أو توصياته!‏

في تلك الأيام كانت منور مهتمة بمؤتمر باندونغ. وكثرت زيارات غادة إليها. كأنها تطلب معلومات لاوقت لديها للبحث عنها، ورؤية تكمل ماتسمعه في مقر حزبها. أدهش ليلى وهي تراقبهما أنهما لاتملان من الكلام عن أمور جافة. من يعقّد حياة البشر فيضطرهم إلى هدر الوقت في السياسة؟ قالت منور: يأتينا العدوان من آخر الدنيا فلم لايأتينا الأصدقاء من آسيا وإفريقية؟! في أيار قابل وزير العراق المفوض رئيس الوزراء السوري وسلمه مذكرة من الحكومة العراقية عن رأيها في ميثاق الضمان الجماعي العربي. ورد وزير الخارجية السوري: تستند سياسة سوريا إلى مصالحها، ويخططها ممثلو الأمة في المجلس النيابي! سند بولغانين سورية فقال في مؤتمر الدول الاوروبية في فرصوفيا إن الاتحاد السوفييتي لايمكن أن يقف مكتوف الأيدي أمام الضغط الاستعماري على سوريا ومصر والبلاد العربية لإرغامها على الانضمام إلى الكتل العسكرية.‏

في 18 نيسان عقد مؤتمر مؤتمر الشعوب الآسيوية والإفريقية في باندونغ وتألق فيه العرب. حضره عبد الناصر وخالد العظم ونهرو وشوإن لاي وسوكارنو. تحدث خالد العظم عن حق الدول الصغيرة في السيادة. وقال إن إسرائيل جيب من جيوب الاستعمار وحصن من حصونه على أبواب آسيا. قرر المؤتمر: تأييد حق الشعب الفلسطيني وإلغاء الاستعمار، واستخدام الذرة لأجل السلام، وعدم الانحياز. نشرت صورة الأمير فيصل آل سعود بين زوجة شوإن لاي وابنة نهرو وخلفهما نهرو وشوإن لاي.‏

في هذا التوهج عقد في سورية مؤتمر لنقابات العمال، ومؤتمر لطلبة سورية، وعقدت اتفاقية بين مصر وبولونيا، وعرض فيلم عن جامعة موسكو في كلية التربية قدمه كامل عياد. ودعت رابطة العلماء بدمشق إلى إتلاف السلاح الذري وشجبت الأحلاف. واستنكر مؤتمر دلهي، الذي حضره معروف الدواليبي وعبد الكريم زهور وحسان مريود، الأحلاف وسياسة إسرائيل وأيد حقوق اللاجئين في وطنهم. وندد الكاتب الأمريكي جون شتاينبك بأساليب السلطات الأمريكية في اتهام الأبرياء. واستنكر اللبنانيون في مؤتمر وطني البيان التركي اللبناني وتصريح شمعون بأنه سيتعاون مع العالم الحر. وأذاع مجلس السوفييت الأعلى بيانا إلى شعوب وبارلمانات العالم يؤكد أن علاقته مع الدول الصغرى والكبرى على أساس المساواة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وفي نيسان أذيع نص بيان الحكومة السوفيتية عن تأييد سوريا والبلدان العربية، وذكر أن الطلب الأمريكي من سورية أن تنضم إلى الحلف التركي العراقي أتى بشكل إنذار، وأنه يغطي الخطر الاستعماري بالخطر السوفييتي. ولايمكن أن يقف الاتحاد السوفييتي كالمتفرج من إقامة الكتل العسكرية على حدوده مما لاينطبق مثلا على الولايات المتحدة البعيدة.. سوف يؤيد الاتحاد السوفييتي دفاع هذه البلاد عن استقلالها. "سيدافع عن حرية دول الشرقين الأدنى والأوسط واستقلالها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية".‏

ستتذكر ليلى تلك الأيام فيما بعد، وستبتسم وهي تستحضر منور. كادت تكرر لها ماقالته منور لنفيسة ذات يوم: يناسبك أن تكوني قائدة حزب! لماذا خيل لمنور يومذاك أنها مكلفة بأن تصحح البيان السوفييتي! قالت لمديحة: هذه البلاد أرض عربية. والبلاد المهددة بلاد عربية! لم نسمها نحن شرقا أوسط أو شرقا أدنى! ايقاع تلك الأسماء غريب على الأذن العربية، يامديحة! فهل يتفادى أصدقاؤك هذه الصيغ الغريبة عنا في المستقبل؟ أخشى أن تكون إسرائيل مدسوسة وسطها! ضحكت مديحة: ياخالتي أنا معك! لكني لاأستطيع أن أصل إلى الحكومة السوفيتية! المهم روح البيان! المهم أثره!‏

صحيح يامديحة، صحيح! لكن تعلمي أن تفحصي حتى الكلمات العذبة! تثقف الأحداث الناس؟ نعم! لم تستطع منور أن تنسى أن الشيوعيين العرب وافقوا على التقسيم. وأن الاتحاد السوفييتي وهو دولة كبيرة تميز الخطأ من الصواب، كان يجب أن يرفض التقسيم لاأن يعترف بإسرائيل. رأت سعاد بعينيها المستوطنين الروس والأسلحة التشيكية. ألم يحاول المستوطنون اليساريون أن يوهموا العرب بأن الصراع ضد الأغنياء والرجعيين العرب لاضد الاستيطان؟! لكن الدنيا تغيرت. بيان الحكومة السوفيتية ثمين! وأسلحته ثمينة! وماذنب هذه الصبية التي كانت طفلة يوم وافق الشيوعيون على تقسيم فلسطين كيلا يخالفوا قرار الاتحاد السوفييتي؟! كانت منور تحفظ قصاصة تركها بهاء بين أوراقه مع قرار التقسيم الذي فجع العرب كتب فيها: "أكمل التقسيم وعد بلفور ونفذه. وأنجز ماسهر عليه الانتداب في فلسطين". لم يبال بهاء بتصويت الولايات المتحدة على التقسيم، لكنه رأى أن الاتحاد السوفييتي كان يستطيع أن يستعمل الفيتو. وقدّر أن الصهيونية أثرت في قراره. وأثر أنه لايريد الصدام بحلفائه الذين شاركوه في الحرب على النازية. حفظ بهاء كلمة أندريه غروميكو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 أيار :1947 المصالح المشروعة للشعب اليهودي وللشعب العربي يمكن أن تؤخذ بعين الاعتبار إذا أقيمت دولة مستقلة ثنائية القومية عربية ويهودية. مثل هذه الدولة تمنح حقوقا متساوية لمواطنيها من اليهود والعرب وتضمن تعاون الشعبين على أساس المصالح المشتركة. ومع ذلك فإذا ماتبين أن مثل هذا الحل لايمكن تحقيقه في الواقع العملي بسبب تدهور وسوء العلاقات اليهودية العربية فإن هناك بديلا آخر علينا أن ندرسه وهو تقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين تتمتع كل منهما بحكم ذاتي إحداهما يهودية والأخرى عربية.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:30 AM
.
كتب بهاء ملاحظة ربطها بتلك الأوراق: ليت التقسيم راعى الواقع العملي! ترك للعرب وهم مليون وثلاثمائة وسبعة وعشرين ألفا 43% من فلسطين ووهب اليهود وهم ستمائة وثمانية آلاف 57% من الأراضي. وهبهم مدنا عربية خالصة مثل عكا ويافا! وتجاهل أنهم مستوطنون غرباء!‏

سجلت منور الأحداث، كما كانت نفيسة تسجلها في أيام الثورة السورية، لتراقب تسلسلها. هل كانت تشعر بأنها تكمل مذكرات بهاء في الجليل؟ كادت تعرض أوراقها بعد العدوان على المخافر السورية على غادة وتقول لها: مكان المذكرة الأمريكية في هذا السياق! صفقة سلاح تشيكوسلوفاكية لسورية سنة 54. اجتماع فاضل الجمالي في لبنان بشوكت شقير رئيس أركان الجيش السوري في تموز. اتفاق سورية مع السوفييت على صفقة سلاح سنة 55. إعلان وزير خارجية السوفييت أنه يسند سوريا أمام التهديد الأمريكي. حلف عسكري، ولو رمزي، مع مصر في تشرين الأول سنة 955. الاعتداء على السوريين في طبرية في كانون الأول سنة 955. هل كانت منور تتصور أنها تمسك بجوهر الأحداث وهي تسجلها، وتستطيع أن تغير مسارها؟ هل وضعت إشارة حمراء على لقاء شوكت شقير بفاضل الجمالي متوقعة له دورا ما في حضن الجيش؟ بعد عقود سيسجل مقاتل في جنوب لبنان الأحداث في مفكرته، كما سجلتها منور، وكما سجلها بهاء المقتول في الجليل. وستنقل مفكرته إلى أهله بعد مقتله، كما نقلت مفكرة بهاء إلى منور. لكن أهله لن يفهموا الرموز التي تمتد من تلك الجمل الموجزة. وسيخيل لأمه أنه ترك بقيتها بين صخور قلعة الشقيف الشاهقة. ولن تفهم لماذا سجل ابنها إشارات إلى أحداث كتبت عنها الجرائد! لأن أمثاله يقفون على الشفرة الدقيقة بين الحياة والموت، فيتركون بقية الكلمات في المدى، متمنين أن يستكملوا الموجزات التي سجلوها إذا بقوا أحياء!‏

لم تعرض منور على غادة أوراقها! قالت فقط: ياغادة افهمي الأمور في تسلسلها! الجوهر أن سورية تختار حلفاءها وتعرف أعداءها وتحرر نفسها من أسر الغرب ولاتصالح إسرائيل!‏

أسعد غادة أن تستمع إلى أم ليلى في تلك الأيام. "هذا كلام امرأة استشهد زوجها في الجليل". خارج النافذة فاح عبق الربيع. وجمح غصن شجرة لوز بزهره الأبيض. بالرغم من المذكرة الأمريكية، بالرغم من تهديد مندريس، بدت الدنيا رائعة الجمال، والربيع يدعو الفتاتين إلى الفضاء خارج البيت. مشتا على ضفة البساتين التي تمتد حتى قاسيون، تفرجتا على فلاح يشق مجرى للماء من الساقية، رفعتا نظرهما إلى الغيوم الوردية والرمادية التي زينت السماء. بدتا سعيدتين. لاتحتاجان غير النجاح في الجامعة وحب رجل وسيم ومخلص! وجدته غادة، فهل تجده ليلى؟!‏

في أحلى أيام نيسان قتل عدنان المالكي في الملعب البلدي قرب شجرات الكينا الباسقة، خلال مباراة بكرة القدم! انتحر قاتله، وبدأت مطاردة الحزب القومي السوري. فرأى عمر وهو يدخل إلى الجامعة طلابا بعثيين يضربون طالبا ويطردونه من الجامعة.‏

كان عدنان المالكي يعارض حلف بغداد وحلف الدفاع المشترك. تعاطف مع ثورة الكيلاني في العراق سنة 41 وشارك في المقاومة الوطنية السورية سنة 945. وكان من الضباط الذين حاربوا في الجليل، واحتل موقعا مهما يشرف على مستعمرة مشمار هايردن في منطقة كعوش التي احتلها قبل فترة قصيرة الفدائيون الشراكسة بقيادة العقيد محمود بنيان. ورد في الفجر هجوما مضادا يهدف إلى استعادة التل. فسمي تل أبو الريش تل المالكي. وأصيب المالكي في تلك المعارك بجرح في رأسه. اعتقل بعد دورته الدراسية في فرنسا واتهم بتحضير تمرد على الشيشكلي. وسجن مع الضباط المتهمين بذلك في سجن المزة العسكري وفي سجن تدمر. خرج المالكي من السجن بعد تمرد عبد الغني قنوت في حلب الذي رفدته القطعات العسكرية في الوسط والجنوب، واجتماع السياسيين في مؤتمر حمص معلنين ضرورة الحياة الدستورية وسقوط الشيشكلي. وصار الرجل الذي يُجمع عليه الضباط الوطنيين. كان غسان جديد مقابله، مركز تجمع الضباط القوميين السوريين. وحاول تنظيم استنفار في حمص. لكن المالكي رأى محاسبته لاتسريحه. فسرحه قائد الجيش. اتهم المالكي بتسريحه ليبرر التحريض على قتله. هل نقلت زوجة الملحق الأمريكي للمالكي تحذيرا أم تهديدا وقت نصحته بأن يبتعد عن سورية؟ كان سيسافر إلى خطيبته في صيدا يوم الجمعة، لكن السفير المصري ألح عليه ليحضر مباراة كرة القدم. فهل كان ذلك مشاركة في قتله؟ هل التقط البريطانيون فقط جناح عبد المسيح في الحزب القومي السوري ورسموا اغتيال المالكي؟‏

قتله يونس عبد الرحيم يوم الجمعة في 22 نيسان سنة 1955 وانتحر. بعد المحاكمة العلنية أعدم ضابطا الصف المشاركان في الاغتيال وطورد الحزب السوري القومي. وسيطلب أسد الأشقر فيما بعد محاكمة عبد المسيح حزبيا لمسؤوليته عن قتل المالكي وعما لحق بالحزب من ضرر. وستحاكمه محكمة حزبية في سنة 957 في لبنان.‏

وقف أعضاء البارلمان السوري حدادا على المالكي. ورفع الحصانة عن حنا الكسواني نائب القوميين السوريين، واتهمهم بالصلة بالمستعمرين. ونشرت الجرائد صور تشييع المالكي الذي صلي عليه في الأموي. وكتبت الجرائد الصينية والروسية عن اغتياله.‏

في أول نيسان كانت بريطانيا قد وقعت اتفاقية مع العراق بدلا من المعاهدة العراقية البريطانية، وانضمت إلى حلف بغداد الذي عارضته سورية. يجب إذن الخلاص من الضباط البعثيين لتغيير السياسة السورية! وكان شقير قد أبعد أكثرهم إلى الأطراف، مع أنهم كانوا القوة العسكرية التي أسقطت الشيشكلي. سيستفاد من السياسيين في المؤامرات التي ستعصف بالسنوات القادمة وستنشر الصحف أسماء غسان جديد وابراهيم الحسيني والشيشكلي وهايل سرور ومنير العجلاني وميخائيل اليان وغيرهم.‏

عندما استعادت غادة فيما بعد اغتيال المالكي بدا لها أنه يجسد أخطار تلك الأيام، وارتعشت: كان يمكن أن يقتل محمود بالطريقة نفسها! كان محمود أكثر منها وعيا عندما فهم أن الرصاص الذي قتل المالكي موجه إليه أيضا! كان يمكن أن يمس قتل المالكي، الذي رأته غادة حدثا عاما، حياتها ومصيرها. فهل صرفها حب محمود عن الخشية من موته؟ وهل كان يمكنها أن تخمن أن الموت لن يأتي إلا وقت ظنت أن محبوبها محصن ضده!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:31 AM
.
ستتداخل حياة غادة في حياة الضابط محمود كجذعي شجرة تين التف أحدهما على الآخر وكبرا معا. ذات يوم قصدت بنات الصف سينما دنيا. حجزن صفا كاملا. التفتت غادة فوجدته خلفها بين مجموعة من زملائه الضباط. لاحظ أنها احمرت حتى كاد وجهها يصبح كالشوندر. وتظاهرت بأنها لم تره. لم تفهم شيئا من الفيلم. وبدت لها مشاهد الحب فيه محرجة. احتمت بزميلاتها عندما خرجت إلى الطريق. وعندما شعرت بأنه اختفى أسرعت إلى البيت. لكنها فوجئت به قرب السبع بحرات. وجدته مقابلها تماما. أحنت له رأسها في تهذيب كأنها تراه الآن فقط. خطر له أن يؤدي لها التحية العسكرية وابتسم. قال: هل أرسل أهلي إلى أهلك أم نتحدث كما يتحدث أشخاص متنورون متعلمون؟ آه، يكاد خداها يشتعلان! بقيت واقفة. قال: على بعد خطوات في طريق الصالحية "غرفة الشاي". هل أستطيع أن أدعوك إليها؟ ياللكارثة! وحدها معه في "غرفة الشاي"؟ قال: يرتادها طلاب الجامعة والمثقفون. ابتسم: لايمكن أن أدعوك إلى مقهى الهافانا! ابتسمت ومشت معه وهي تسمع دقات قلبها وتدعو الله ألا تصادف شخصا تعرفه.‏

قدمها أمامه إلى الطابق العلوي. وأطل على طريق الصالحية ليبعد الدوار الذي أحس به وهو يرى قامتها الممشوقة على السلم. ماأحلى عمر العشرين! قال لها: سيسعدني أن تقبلي الزواج مني. لست غنيا. لكن راتبي جيد.. خمسمائة ليرة. ويسهل علي أن أستأجر بيتا. سيؤلمني أن يطلبك أهلي من أهلك قبل أن أقول لك إنك تعجبينني.. بل أكثر! تلفت حوله. كانا وحدهما في تلك اللحظة في المقهى. قال: أحبك! خيل إليها أن قلبها تجمد وأنها ستقع على الأرض! عندما سمع خطوات النادل يصعد السلم سألها: هل أطلب لك شوكولامو؟ وقال مداعبا: سيملأون به كأسا كبيرة يضعون لك فيها ملعقة طويلة. ستسليك الملعقة! كأنه خمّن أنها ستداري ارتباكها بتحريك الملعقة!‏

شعرت بأن السعادة تصيب بالدوار. وحاولت أن تكبح فرحها به، بوسامته، بحبه الذي انهمر من نظرته، من حركة يديه التي قربت لها الكأس وقدمت لها المنديل. وكم كانت كفه جميلة! همست لنفسها: يصعب حتى على الرجل أن يلجم حبه! لن يثقل عليهما أهله. أمه من أوائل المعلمات في دمشق، من اللواتي نزلن إلى ساحة المرجة وأعلن سفورهن وكان يحيط بزميلاتها يومذاك رجال الكتلة الوطنية. لها راتب تقاعدي. وأخته معلمة لها راتب أيضا. وهما تحبانها. بل هما متحمستان لزواجه منها حماسته نفسها! قالت له: لكني لن أتزوج قبل أن أنهي دراستي الجامعية! ابتسم: لن أؤخرك عن الدراسة إذا قبلت أن نتزوج خلالها! لا، لا! لاأريد أن أنشغل عن الدراسة! إذن نعلن الخطبة كي أستطيع أن أدعوك إلى السينما دون أن أجرّ زملائي معي، وكي أستطيع أن أجلس إلى جانبك ولاأبحث عن مقعد خلفك! زاد ارتباكها ببوحه! قال: ونستطيع أن نطمئن ونحن جالسين في غرفة الشاي! وأستطيع أن أخبرك بأني استدعيت إلى الجبهة! وجدت نفسها في جو رخيّ. ياله من رجل لطيف يدثرها بالمخمل! سألها وهي تدوّر الملعقة في الكأس: هل أعرف جوابك الآن أم بعد أيام؟ سأقبل أي حل يبقينا معا! إذا رغبتِ سأنتظرك حتى تنهي دراستك في الجامعة. لكني سأقترح أن نتزوج بعد سنة!‏

أراد أن يوصلها إلى السبع بحرات: واجبي أن أعيدك إلى المكان الذي أخذتك منه! لا، لا! ودعته وهرولت لتبقى وحيدة مع سعادتها واضطرابها. هرعت إلى بيت ليلى وباحت لها بأنها جلست وحدها مع رجل في مقهى لأول مرة في حياتها. وأن ذلك الرجل يريد أن يتزوجها. تداخلت أسرارها في غرفة ليلى، وفاحت في الغرفة كالورد. تلفتت فجأة وسألت ليلى: عندكم رائحة بخور! ابتسمت ليلى: لا! أنت بخّرت البيت كله! سألتها: هل تظنين ياليلى أنه صادق في أن يتركني أكمل دراستي إذا تزوجته؟ لم تنتظر جوابها وانغمرت بأحلامها. تأملتها ليلى. هذه الشابة التي تكبرها في العمر والمعرفة، وتنقل لها الأخبار السياسية الخفية، تضطرب هكذا من الحب؟ رأت ليلى لأول مرة هيجان الحب والخجل منه، السعادة به والرغبة في الهرب منه. لماذا ياربي؟ وقيس غنى حبه للفلاة والناس؟ هل ارتباك الفتاة منه قدر أم فضيلة؟ لم تقل بثينة كلمة عن جميل، ولم تقل ليلى كلمة عن قيس، فسمعنا صوت جميل وقيس فقط. هل هذه فضيلة كتمان السر والترفع عن البوح للناس بكنوز القلب؟ أم هذا حبس قدّر على الفتيات بالقسر؟ تساءلت وأجابت نفسها: لن أبوح بالحب للناس إذا أحببت! سيكون ذلك سري وكنزي، لن أرفع أحدا ليطل عليه! ولامنور؟ ولامنور!‏

ستتزوج غادة خلال دراستها في الجامعة. سيراها الضابط محمود وهي تندفع إلى قصر الضيافة والدمع في عينيها، تريد أن ترى "بطل العروبة" عبد الناصر، وسيكون هناك معه، وسيحميها من الزحمة. لكنهما سيختلفان بعد الوحدة لأن عبد الناصر فرض حل الأحزاب، فحل حزبها نفسه. ستمر أيام سيئة تقتلع روحها. ستشعر بالوحدة الباردة وهي مع محمود، حبيبها، بعد اتفاقهما ألا يتحدثا عن الوحدة أو الانفصال. لكنها فيما بعد ستحمل الكارثة وحدها! سيكون زوجها الضابط من جماعة جاسم علوان التي تمردت مع مدرسة الإشارة. لن يبوح لها بسره قبل التمرد، محترما اتفاقهما. ولن تبوح له بأنها تجتمع مع أعضاء حزبها الذي يحاول أن يستعيد تماسكه. ستسمع صوت الرصاص والرشاشات، وسترى في التلفزيون نزع الرتب عن بعض الضباط قبل إعدامهم. ولن تعرف إلا بعد ذلك أن زوجها مع المتمردين!‏

لم يخطر لليلى أنها ستكون بعد أيام شاهدة على غضب عمر! صادفته واقفا قرب باب كلية الحقوق، ظهره إلى الحديقة وأمامه فوزي ومديحة. لم ينتبه إليها أحد منهم. فوقفت مع غادة تراقبهم على بعد خطوات. بدت كالغريبة لكن غادة كانت تخمّن مايجري. همست لها: تتحدث الجامعة كلها اليوم عن طرد سليمان من حزبه، والتشهير به في جريدتهم!‏

علا صوت عمر: لولا سليمان من يعرفكم في الجامعة؟ لاتقولوا لي إنه خائن وعميل! أعرفه، كنت معه في تدمر. عُلق من ذراعيه، صُلب، وضُرب أكثر مما ضُربت. وكان بعد التعذيب حلو الحديث، يشجعنا نحن الذين نصغره في العمر. هل تعرفون أنه يداوي عند أساتذته اللاجئين السياسيين العراقيين والأرنيين؟ هل تعرفون أن أساتذته يحترمونه ويقدرونه، وأن الدكتور بشير داوى لأجله قيسا عندما وصل مسلولا من معتقل الجفر في الأردن؟ أنت يافوزي تعرف أنه وطني وصادق! وأنت يامديحة تعرفين ذلك. فلماذا تسكتان على الكذب والخطأ؟ حتى يأتيكما الدور وتطردان مثله؟‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:32 AM
.
حاول فوزي أن يشد عمرا من ذراعه ليبعده عن المدخل. فكل من يمرّ يسمع جملة فتنتشر الفضيحة. رفض عمر أن يترك مكانه. أردتم التشهير بالرجل متوهمين أنكم قادرون على سحق من يخالفكم، فلماذا تخافون الفضيحة؟ لم تتعلموا من طرد نجاة حسن مع أنكم فقدتم به رجلا من أركان مجتمع دمشق، تفترض مصلحتكم كسبه لا إبعاده! لم تفهموا حتى الآن أنه ربح نفسه وخسرتموه، وهاأنتم تضيفون إليه سليمان! ماذنب سليمان؟ أنه انتقد أشخاصا في القيادة؟ هل قيادتكم آلهة لايأتيها الباطل؟ نادوه واسألوه رأيه وناقشوه! العمى! لاحق لكم في الكلام عن الديمقراطية والحرية أبدا! لديكم جلادون أكثر مما لدى أية سلطة فاشية. من حظ سورية أنكم لاتحكمونها!‏

تلفتت مديحة. هذه مصيبة! نعم هذه فضيحة! فالطلاب يحترمون سليمان ويحبونه. قالت لها غادة فيما بعد: مانشرتموه في جريدتكم تشهير على الطريقة السوفيتية! ينقل أصحابك حتى هذه الطرق البالية في معاملة الناس! لكن يبدو أنكم لم تسمعوا بعد بالمؤتمر العشرين! سأعطيك جريدة البعث التي نشرت تقرير خروشوف السري! يامديحة ياحبيبتي، جربي أن تفهميهم ضرورة أن يخرجوا من حارة ركن الدين والقصاع ليفهموا دمشق! عندما يفهمونها سيعرفون أن دماثة خالد العظم تفتح بوابات الناس وليس الحسام المهند الذي يرفعه الجهلة الذين لم يغادروا حارتهم! ردّت مديحة: لاتحكمي على حزب إلا من سياسته. لاتحكمي عليه من التفاصيل العابرة! غضبت غادة: البشر تفاصيل عابرة؟ الأفراد حشرات؟ هذا يقع في نظريتك عن الفرد والجماعة! فما أهمية اولئك المفكرين الذين رميوا في معسكرات الاعتقال السوفيتية؟ أفراد لاقيمة لهم! سأعطيك مجلة فرنسية يحررها أراغون نشرت صورة حقيقية قديمة، وصورة بعد تزييفها بحذف بعض الأشخاص المغضوب عليهم منها! هكذا توثّقون التاريخ يامديحة!‏

تدخلت ليلى لتخفف عن مديحة. هؤلاء وطنيون يشاركونكم في مظاهراتكم ضد الأحلاف. لكن غادة مصيبة في أمر لم توضحه. ضمير دمشق! تحدثوا بلغة تلمس ضمير دمشق. فالشعارات الصحيحة لاتقرب وحدها الناس. لغة البطش لاتقرب الناس بل تبعدهم! قالت غادة: ولغة التهويل والضجة لن تخترع لكم جماهير خاصة. تعرفين ياحبيبتي مديحة أن البلاد تمشي الآن مع تجمع الأحزاب. لكن فكري ماذا يبقى لكل منها إذا رجعت إلى مكاتبها؟ قال عمر ساخرا: أصحاب مديحة يزنون قوتهم بإضافة الاتحاد السوفييتي إليهم! فما حاجتهم إلى رجل شجاع محبوب مثل سليمان؟!‏

هل تبوح مديحة لهم بأنها حاولت أن توضح لأحد المسؤولين أن طرد سليمان سيثير ضجة في الجامعة؟ كان يزهو أمامها بأنه من أصول عمّالية، ويعلّمها أن قيادة الطبقة العاملة ضرورة وشرط لبناء الاشتراكية. استند على قدمه اليسرى وقال لها: يارفيقة مديحة، تعرف القيادة أكثر منك ومني مايجب. لو لم تر ضرورة طرده لما قررت ذلك. وأين النكبة في ذلك؟ ماأهمية الفرد في مسار التاريخ؟ تصنع التاريخ الجموع، الشعوب! أنا وأنت ذرات عابرة، قيمتنا بما نقدمه لكفاح الطبقة العاملة! تأملته مديحة وقالت بينها وبين نفسها: رجل أميّ! اشترت كتابا عن حياة كارل ماركس من مكتبة التنبكجي وقرأته في ليلة. تأملت ثقافة ماركس. وبدأت تمسك بأول الاستنتاجات التي سيتراكم كثير منها فيما بعد. تساءلت هل صدفة أن كبار الثوريين في العالم مثقفون؟ دون ثقافة كيف يستطيع قائد أن يحيط بنظره مساحات الكون الواسعة وأن يحلّلها ويخمّن قوانينها ومسارها؟ دون ثقافة واسعة ورهافة إنسانية كيف يمكن أن يستشف، وأن يكون مسؤولا عن قرارات قد تجرف مجموعات وأزمنة؟ هل كانت مديحة تتنبأ دون قصد، بأن مرحلة تاريخية ستسفك، وأن أحلاما نضرة ستدمر، وأن أخاديد ستنفتح باسم الغيرة على الوطن؟ هل تظن أن ماتستنتجه شروط لقادة ثوريين فقط، أم لقادة وطنيين أيضا؟ كانت العدالة مبهرة لمن في عمرها. وكانت ترى أن رفاقها في الجامعة يكرسون لها أنفسهم في وجد. فوزي ميسور، بل غني، وقد يكون من النادرين الذين يلبسون قمصانا ثمينة ويتزينون بربطات عنق غالية. لكنه يشغل نفسه بتنظيم المظاهرات. هل تهمس له بما تشعر الآن به: ليست النظرية أو المشروع فقط هي المهمة، بل حمّالوه؟‏

بعد عقود، ستقول لفوزي: يحمل أكثر النظريات تطورا في الكون، أكثر الناس تخلفا! تَفترض احترام عقل الإنسان ويلغونه، تَشترط شراكة المجموعة ويرفضونها. ولايستطيع العقلاء الجدّيون أن يغيروا ذلك! ليس الشعب الفلسطيني العظيم فقط منكوبا بقيادة متخلفة. نحن مثله! والمصيبة أن قمة الهرم تضيق لتصبح عائلة صغيرة! ينتظر الناس من العناية الإلهية أن تخلّصهم ممن نكبوا بهم، لأن الزعماء صاروا قدَرا والانتخاب ألغي؟ سيكون فوزي قد أمضى سنوات في السجن. وانساق سنوات في الخلافات الداخلية. وقد بدأ بخطوة صحيحة وصل بها إلى ماسمته مديحة أخطاء. سيكون من المجموعة التي طلبت استقلال الحزب عن الاتحاد السوفييتي بقراره وسياسته، متذكرا خطأ قرار التقسيم. وطلبت انتخابات حقيقية في مؤتمر ديمقراطي لاتفرض فيه القيادة نفسها. لن ينجح وستبدأ أول الانقسامات، وسيرطّب قلوب أصحابه أن انقسامات مشابهة حدثت في الأحزاب السورية والعربية. لكن أحدا لن يتساءل كما تساءلت مديحة: أيعقل أن يتخلف هؤلاء المتخاصمون عن الشعور بحاجة الزمن إلى لغة جديدة ورؤية واسعة؟ أيعقل ألا يفهموا الخطر الذي يجرف المنطقة كلها فينصرفوا إلى خصامهم وغيرتهم على مناصبهم، ويتزاحمون على مراكز القادة التي لاتتسع لهم جميعا؟ ألا يفهمون أنهم صاروا عبئا على البعثيين بدلا من أن يكونوا سندا لهم؟ لن يكون فوزي يومذاك قريبا من مديحة. لكن عمرا سيواسيها ويحاول أن يبين لها أن همومها الشخصية همّ عام. فالزمن فرّق المجموعات وبعثر الأصدقاء. سيقول لها: يقع هذا في سياق الأحداث! يستكمل الانهيار! كشف سقوط الاتحاد السوفييتي هشاشة الأحزاب التي كانت تأتمّ به. ألا تذكرين قول منور لك: لاتضيفي قوة الاتحاد السوفييتي إلى قوتك! كم كانت دقيقة في نبوءتها! عندما سقطت الخيمة تخبطت القوى التي تستظل بها. لم يتخبط أصحابك فقط، بل مجموعات سياسية أخرى. لكن الوطنيين الذين يستندون إلى عراقة تقاليدهم استطاعوا أن يقفوا على أقدامهم وأن يناوروا كيلا يسقطوا تحت القوة الوحشية التي تجتاح العالم. أما اولئك فبدوا عراة، ولن يستعيدوا قوتهم إلا بانتفاضة يرمون في نارها أخطاءهم السياسية والأخلاقية. يامديحة، ماهو سبب بعد الناس عن السياسيين اليوم، لاعن السياسة؟ سببه أن الأخلاق بعيدة عن سلوك السياسي، كأنها مستقلة عن السياسة. ماذا يقول الناس؟ يقولون إن هؤلاء يسجدون في سبيل استبقاء سيارة مرسيدس وسائق على أبوابهم! يقولون أصبح العمل الوطني مهنة لاتطوعا، أصبح نوعا من اقتسام الوظائف والمراكز والامتيازات! والشاطر من صعد على السياسة إلى مشاريع اقتصادية وحسابات مالية! هل تصادفين أحدا من السياسيين ماشيا في الطريق كما كنا نصادف الوزراء والنواب في الخمسينيات؟ أبدا! بينهم وبين الناس حجّاب وسائقون وزجاج السيارة القاتم! لذلك لم تعد القوى السياسية التي عرفناها في الخمسينيات ذات وزن اليوم، لم تعد قوى مستقلة ذات رأي واجتهاد، بل صارت موظفين ببغاوات. كانت صاحبة مشاريع سياسية، وصارت صاحبة مشاريع استثمارية. هل يمكن أن يخطر لك أن أحد اولئك طلب حصصا مستثناة من الدَور لتوظيف جماعته من العاطلين عن العمل؟ لكن لاتفقدي يامديحة الثقة بالأفراد. فلعلنا لم نعرف سابقا مثل هذا الوعي في الوطن العربي. يتابع الناس أخبار الفضائيات ويقابلون إحداها بالأخرى ليعرفوا الحقائق. يختارون مايستمعون إليه. لم يعودوا ينتظرون البشير لينقل إليهم الخبر الخاص والتحليل المنزَل. ولم تعد توجد أسرار خاصة تنقل إليهم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ومخابراته. صار الأفراد يعرفون أكثر مما يعرف قادتهم، ويخمّنون ويحللون ويستنتجون. صاروا أكثر كفاءة في قراءة الأحداث مما كنا قبل عقود. وياللأسى لأن القيادات السياسية لاتفيد من ذلك بل تتجاهله! لكن انتبهي! بعد الانهيارات لم يعد الناس ملزمين بالاستماع إلى رجل لايقدّم رؤية جديدة! لم يعودوا ملزمين بتسجيل حضورهم في اجتماع يتحدث فيه أو بالتصفيق له! هل أرهقتك يامديحة بالمجردات؟ أبدا ياعمر، فأنت تتحدث عن حياتنا. عن الأحلام التي غرقت في الدماء. ولم يغرقها أعداؤنا فقط، بل أغرقها الوطنيون بجهلهم، والجهلاء بجلافتهم، والزعماء الأنانيون الذين ضحوا بأحزابهم في سبيل امتيازاتهم وأولادهم. قال لي أحدهم في شيخوخته كمن يبوح لي بكلمة صدق يريد أن يستبقيها: من حظنا أننا لم نكن في الحكم وإلا لنصب أحدنا المشانق للآخر. وتساءلت فيما بعد عندما اكتشفت روح جلاد في بعض اولئك، هل كان يفهمهم إلى هذا الحدّ من قرب؟! كان يومذاك يقف في المطل على انهيارات كبرى يعرف أكثر من غيره مداها المدمّر. فنقد بداياته، وروى لي أنه صادف فخري البارودي في طريق الصالحية فاستوقفه البارودي وقال له: الله يسامحك، أتسمينا عملاء استعمار؟! لكن من ورثوه استخدموا التهم نفسها ليحتموا ممن يبحث كفاءتهم! يامديحة انتبهي، لاتسقطي في الصغائر التي يجرونك إليها! دعيهم هناك يستمتعون بها. ياعمر، هل أستطيع أن أنجو من حقدهم وانتقامهم لأني أترفع على الصغائر التي لايعفّون عن خنق من يخالفهم بها؟ لاتشعري بأنك وحيدة، يامديحة! فالناس عادة يسندون المعتدى عليه!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:32 AM
.
أعلن العدد التالي من جريدة الحزب يومذاك طرد زوجة سليمان. كانت مديرة دار نشر في بيروت. هجرت أهلها المغتربين في إفريقية ورجعت محمولة على جناحي رومانسية جعلتها مستعدة للجوع في سبيل مشروع ثقافي طليعي. غنت في وجد الأغاني الثورية في جبال قريتها مع إخوتها ورفاقها قرب أشجار التوت وأفران فكّ الشرانق. كانت تحلم معهم بأن تؤسس مجتمعا عادلا عظيما لم يعرف الشرق مثله بعد! وستهرع "الجماهير" وراءها لتنفّذ ذلك المشروع! ثم تركتهم إلى بيروت. صادفها سليمان في دار النشر وقد وضعت كومة من البزر تسدّ بها جوعها. فقد قررت لنفسها أجرا رمزيا لتوفر المال للدار. ورآها توزع الكتب بنفسها وتحملها وتنزلها وترفعها كي توفر أجر عامل. وماأهمية ذلك والشباب يحمل الأرض؟ اقترح سليمان على مديحة أن ترافقه إلى بيروت مع مجموعة من رفاقه كي يزوروها. ورأتها مديحة. شابة فاتنة الشخصية، حلوة. تحمست المجموعة لزواج سليمان منها. وأتت العروس أخيرا إلى دمشق.‏

فماذا كان يمكن أن يقول فوزي ومديحة في ذلك اليوم؟ يدافعان عن التشهير بزوجة سليمان؟ رماهما عمر بنظرات غاضبة ولم يسلّم عليهما. لحقاه. قال غاضبا: لن أدهش إذا شهّرتم بأمه وأبيه وإخوته وأجداده فالرعاع يتناولون عادة الأب والأم والزوجة بالشتائم! أنزلتم أخلاق السياسي إلى مستوى الغوغاء والنّوَر!‏

زار عمر سليمان في المساء. ورأى دموع ذلك الرجل الذي لم تُبكه سياط الجلادين في سجن تدمر. كانت زوجته تهون عليه الغدر. وعرف عمر في اليوم التالي أن أساتذة سليمان نقلوه إلى المستشفى. سيعاني من انهيار عصبي. وعندئذ سيقول النقابي الذي دافع عن طرد سليمان: في الحقيقة، كان سليمان مجنونا ولم يكن من الممكن أن يتحمل الحزب مسؤولية أخطائه. وستسأله مديحة: وماهي أخطاؤه؟ وسيردّ: تعرفها القيادة، وماكل مايعرف يقال حرصا على الأمن الحزبي.‏

لماذا تحمل ذلك المسؤول اعتراض مديحة؟ كي يجد الفرصة للإعلان عن حبه؟ سيقول لها إن عواطفه نحوها "تطورت" وإنه يطلبها للزواج. وستشعر بالغثيان. هنا أيضا "تطورت"؟ ستتحاشاه، ولن تراه إلا يوم يلجأ إليها كي تؤويه وتصله بمن يهرّبه في بداية الاعتقالات في أيام الوحدة.‏

تمنى عمر لو لم تره ليلى غاضبا ولم تسمع ذلك الحوار عن سليمان. كأنه يحرص على أن تجهل هذا الجانب الفجّ والظالم من الحياة! ألأنه يتمنى ألا تفقد صفاء الروح؟ لام نفسه: كأني أتمنى لها الجهل بما يمكن أن يعرفه آخر. وهذه إشارة إلى تصور يريد المرأة هفهافة وضاحكة وغبية! فراقِب نفسك ياعمر!

قال لنفسه: لاتوجد الأفكار مستقلة عن أصحابها! لكنه يتمنى أن تميز ليلى بين الناس المتنوعين الذين تحملهم الانتصارات على موجها! سيحاول أن يكون حاضرا في البرهة الضرورية. لكنه سيلاحظ أن نظرة ليلى النضرة تلتقط الخطأ وتدوران حوله! وسيقول لنفسه: في فطرتها عدالة تنجيها من عواطف العشيرة المتضامنة في الصواب والخطأ. منطقها متزن وعدالتها حازمة!

بعد اغتيال عدنان المالكي رأى كمدها. دخلت إلى الجامعة فرأت طلابا يرفسون طالبا ويرمونه خارج الجامعة. جفلت، غيّرت طريقها ومشت إلى عمر الواقف على باب النادي: لماذا يضربونه؟ ردّ: لأنه قومي سوري! اتهم القوميون السوريون بقتل عدنان المالكي. سألته: هذا الشاب اغتاله؟ قال: لا. لكنه من حزب القاتل! قالت: ينفذ في الحرم الجامعي مايترك للقضاء؟ ارتبك عمر: يعتقل القوميون السوريون للتحقيق! ردّت: تعلمنا أن كل متهم بريء حتى يثبت القضاء أنه مذنب! لذلك تخيفني هذه الطريقة في معاملة الإنسان! ياعمر لماذا لم تتدخل وتمنع ضرب إنسان؟ تلفّت عمر وقادها إلى النادي: لنشرب الشاي!

حاول ألا يسمعها أحد. تفور البلد كلها غضبا على الذين اغتالوا المالكي. تستهدف الجريمة سوريا! عدنان المالكي صمام الأمان في الجيش. اغتاله يونس عبد الرحيم، الرقيب في الشرطة العسكرية في الملعب البلدي وانتحر. أدانت العرائض والمظاهرات في سورية ولبنان والأردن قتل المالكي. وكرس المجلس النيابي جلسة لبحث اغتياله ورفع الحصانة عن حنا الكسواني نائب القوميين السوريين. الظروف التي اغتيل فيها المالكي: حشود تركية على الحدود السورية، عدوان إسرائيلي على القوات المصرية في غزة، الضغط على سوريا لتدخل الحلف التركي العراقي. كشف رئيس الحكومة اتصال قادة القوميين السوريين بالمستعمرين لقلب الحكم. وشهد رئيس الأركان على محاولة غسان جديد تنظيم انقلاب وفشل الاستنفار في حمص وقطنا. وعرض الاتهام في المحكمة رسالة هشام شرابي إلى جورج عبد المسيح عن مشروع أمريكي لتنظيم الدفاع عن الشرق الأوسط يؤهل له انقلاب في سورية، ووساطة شارل مالك كي تعتمد أمريكا على الحزب لينفذ ذلك. نشرت جريدة الرأي العام أن زوجة الملحق العسكري الأمريكي ستيفنسون حذرت عدنان المالكي من الخطر على حياته ونصحته بأن ينتقل إلى الخارج. بعد نشر الخبر نقل ستيفنسون في 24 ساعة.

قال عمر وهما يشربان الشاي في النادي: من يسمع غضبك ياليلى يمكن أن يتصور أنك تدافعين عن اغتياله. التفتت إليه: إذا كان من يسمعني عاقلا يفهم أن من يرفض ضرب طالب في الجامعة لايقبل الاغتيال! أطرق عمر. في السياسة جانب آخر! ليست السياسة فقط الدفاع عن الوطن. بل القدرة على ضرب الخصم. قالت: لاأتحمل ياعمر قتل إنسان أو ضربه! ياليلى لسنا الذين نضرب أو نقتل. نحن الضحايا التي تُقتل وتُضرب! تحمل الأفكار مجموعات سياسية قد تتفق في مشروع وقد تختلف. نتمنى أن تجتمع هذه المجموعات في مشروع وطني فالمرحلة الحالية ليست مرحلة تفصيل أنماط من المجتمع والاقتصاد، بل مرحلة مقاومة الأحلاف. أنا معكِ، يجب أن يحاكم القضاء فقط المتهمين. لسنا مكلفين بمهمات القضاء. لكني أريدكِ أن تفهمي الواقع. اقرئي بيان عمدة الإذاعة في جريدة البناء في 23 آذار، قبل اغتيال المالكي: "سياسة الحياد عدا عن كونها نظرية لاتتحقق في بلادنا في حال حرب عالمية، لاتعالج التجزئة والعوامل الأجنبية التي تغذيها، فهي إذن سياسة لاتخدم أهدافنا القومية.. الشيوعية عدو أكيد أما المعسكر الشيوعي فالانحياز إلى جانبه في الصراع العالمي لايؤمن لنا مصلحة قومية.. إن حل مشاكلنا القومية والقضاء على أوضاع التجزئة أمر لايتم إلا بأحد طريقين: التفاهم مع الغرب أو الصراع المسلح ضده. والظرف الحاضر هو أنسب الظروف للتفاهم مع الغرب". نُشر ذلك في جريدة مع أنه يعارض الاتجاه العام للحكومة والكتل النيابية ومزاج الشارع. لاأشك في دور جورج عبد المسيح في اغتيال المالكي. لكن يجب أن نقدس العدالة فلا يلاحق إلا المشبوه! جيراني شباب قوميون سوريون أختلف معهم في الرأي. لكني أعرف أنهم لايمكن أن يقتلوا إنسانا. لذلك يحزنني اعتقالهم.

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:33 AM
.
وقفت ليلى أمام مسألة الحياة: أين الفاصل بين حدود الفكر وبين مجاله في العمل؟ وكيف نميز المتهم من البريء؟ لكن عمرا تذكر فيما بعد حوارهما، وقال: حس العدالة عند ليلى كان صحيحا، والخطأ الذي ارتكب بمطاردة جميع القوميين السوريين والتغاضي عن تعذيبهم في السجن، مهد للاعتقالات الأخرى فيما بعد ولشرعية التعذيب في السجون كطريقة في معاملة الخصم. وسيتذكر عمر وهو في السجن مارواه له جاره القومي السوري: جورج عبد المسيح خائن وعميل. لكن ماذنبي أنا؟ عمري فقط تسعة عشر عاما! ضربوني. دخلوا الزنزانة في منتصف الليل وقالوا لي جهز نفسك للإعدام. ثم رجعوا وقالوا ضاحكين: أجّلنا إعدامكم! لكن المحقق كان ضابطا نبيلا. قال لي: لاتُجب إلا بمقدار السؤال! وسيتساءل عمر في السجن هل أخفى عن ليلى مارواه له جاره خوفا على روحها من الجرح؟!

نسجت مناقشات ليلى وعمر وهما يدوران في حديقة الجامعة في شمس الشتاء، أو يشربان الشاي في نادي الجامعة، أو يمشيان في الطريق إلى بيتها، صداقة ممتعة بينهما. فردّدت ليلى في أحيان بينها وبين نفسها: هذا أبقى وأعمق من حب رجل وامرأة! وردّد عمر: هي قريبة مني أكثر مما يمكن أن تكون قريبة مني أية امرأة! بحثا معا الحياة والمستقبل. وروى كل منهما حاجة الآخر إلى من يسمع حديثه عن الهواجس والأسئلة التي يبوح بها فقط لنفسه. قالت له مرة: ياعمر لايعجبني الذين يقدمون كأنهم حملة رايات الفكر المتنور. أستطيع أن أميز لك منهم الصادق، والدعي! مثلا يدافع عن اللغة الفصحى من يستعمل العامية، ويدافع البليغ في الفصحى عن العامية! لم أتحمل قراءة دفاع أحدهم عن التقدم والتحرر. بدا لي مثقلا بالتخلف. لغته، وصياغته من زمن مات. كأنه ربي في كتّاب! من يثقله التخلف لايستطيع أن يستضيء بفكر جديد. ذلك غير من يعود إلى التراث باحثا عن الفن الرفيع. أعرف ياليلى! في السجن اكتشفت مناضلين يتخلفون عن الرجعيين وعن الرجال التقليديين في نظرتهم إلى المرأة. سألته: كيف تجتمع رؤية رجعية مع أرقى أفكار العصر؟ الحق معها! رفعت الغطاء الشفاف عن المتخلف والدعيّ! قال ياليلى: تحمل الانتصارات أشخاصا من بيئات ومستويات ثقافية متنوعة إلى الصفوف الأمامية. ويفترض أن يثقفوا أنفسهم. أظن أن صفاء الفطرة هو الذي يقرر مساراتهم فيما بعد. لاتستعجلي الحكم عليهم. اتركيه للزمان! سيولد ذات يوم آخرون يبدأون من مستوى آخر. وسيكونون أفضل منا. الآن، ليس لدينا أفضل من هؤلاء. لايمكن أن نرفضهم لأنهم ليسوا في قامة الأفكار التي يعبرون عنها! قالت: آمل ألا يغلقوا الطريق أمام من هو أفضل منهم! قال: حقا، يحدث ذلك في التاريخ.

في يوم مشمس من الشتاء فتحت غادة لعمر مشروعا: قراءة التاريخ العربي! سألها عمر: تريدين أن تثقفينا أم أن تجرينا إلى الحلم باستعادة أمجاد الأمة العربية؟ كانت تقرأ المتنبي. وافقت ليلى على المشروع: ديوانه في مكتبة ابي! سأقرأ فيه هذه الليلى! سألها: لديك وقت؟! أجابت: سأجد الوقت! وعندما لمحها من نافذة المكتبة تقرأ قصَدها. انحنى وهمس: ياليلى، الربيع مدهش في الخارج، فلنأخذ بعض وقت المتنبي!

في ذلك المساء دعته ليتعشى في بيتها. لم يسمع ضجة صحون حتى خيل إليه أن الدعوة وهم. ثم ظهرت أمها: تفضل! جلس إلى طاولة صفت عليها أطباق بيضاء على غطاء فستقي. بدا المنديل الفستقي قرب الصحن كفراشة من فراشات الربيع. شعر بنبل وجبة الطعام. قدمت منور أطباقا قليلة طبختها في ذوق. وضعت كل حبة من حبات اللحم في داوود باشا كأنها تضع جوهرة على بياض الصحن. مقابله على خزانة قديمة من الخشب حزمة من ريش الطاووس في إناء قديم من الفضة. وفناجين الشاي اليابانية مصفوفة في الخزانة خلف الزجاج. كأنه في بيت أمير! ولكن ياللبساطة أينما تلفّت!

لمح الفرح في عيني منور منذ استقبلته. لمس دلالها له. كم تحب ليلى! لكنه فهم أيضا أن في قلبها أسى لاشواطئ له. وانتبه إلى حذرها وهي تكلم ليلى. أتكون ليلى قريبة منه أكثر من قربها من أمها؟ عندما رفعت منور نظرتها عن صحنها صادفت عيني عمر، وفي لحظة كالبرق بدا أن كلا منهما فهم الآخر. نظر عمر بعد ذلك إلى ليلى وقال لها في نفسه: إياك ياليلى أن تهملي هذه المرأة الرائعة! إياك أن تربي في قلبك الوحش الذي يأكل من يحبه! ردّت ليلى له نظرة بريئة. فكر: يكسر الطفل أثمن الآنية وهو لايدرك مايفعل! هل تعيشين مع أم وحيدة وتزيدين في وحدتها؟! التفت إلى منور وحادثها. لم يبدّد فرحها بالحديث معه، توازنها. أعجبه اعتدادها المتزن بنفسها. وخمّن أن ذلك الاعتداد ليس هبة بل كسب أخذته من الحياة التي عبرتها، من انتصارها على أحزان الحرب العالمية الاولى وعلى موت أقربائها. عرف أنها تتابع محطات الإذاعة وتقارن تناقضاتها، وتقرأ الجرائد أحيانا. تحاول أن تستشف المستقبل الذي ستعيش فيه ليلى؟ لاتنجّم في الفنجان، لاتقرأ أوراق اللعب، بل تقرأ الأحداث! فهل تقدّرين ياليلى كم أمك متقدمة؟ تستحضر الماضي المليء بالأشخاص في وحدتها، لكنها تخرج منه إلى جيرانها ومعارفها. خمّن أنها مركز التجمع حيثما كانت. قدّمتهما عليها في بداية العشاء، لكنها في نهايته أصبحت مركز الحديث. وراقب عمر رشاقتها وقامتها عندما مشت إلى المطبخ. قال: محظوظة ياليلى بأمك! ابتسمت ليلى: هل تبادل؟ لم يبتسم، وشعرت ليلى بغلطتها فتنهدت. نعم، لايقدّر الإنسان ياليلى مالديه! لايقدّره إلا عندما يفقده! لكنك ياعمر لاتفهم أن الحب يظهر أحيانا في شكل نزق ومتكبر أو أحمق! أعرف أني أشبه أمي. أصطنع البعد عنها من شدة الحب والشفقة! في قلبي وحش؟ ربما! كالوحش الذي كان في قلب أمي عندما كانت شابة تريد أن تتحرر من أمها! حدثتَني عن الشبكة المعقدة في السياسة، فهل شبكة العواطف أقل تعقيدا منها؟

عادت منور بالفواكه. منعت ليلى من وضع الصحون: عمر ضيفي اليوم! فليكن ضيفك في المرة القادمة! شكرها عمر وفهم أن بيت ليلى مفتوح له، وشعر بالرغبة في أن يعرف أم ليلى. قال: هل تستقبلينني ياخالتي إذا أتيت دون دعوة ليلى؟ تساءلت ليلى: دوني؟ ردت منور: صديق ليلى مثل ابني!

عندما زار عمر منور فيما بعد، أخرجت له فناجين الشاي اليابانية الباقية من يوم مولد ليلى وقدمت له بها الشاي. كرّمته. فلمس بأصابعه رسوم الملابس اليابانية في امتنان. وتخيل ليلى وهي تنظر إلى من حولها في الغرفة بعد مولدها. رسم لنفسه عينين واسعتين وأهدابا طويلة ونظرة تستطلع ماحولها. وشم عبق الياسمين الذي عرش على درابزين غرفتها. رأى القمر الذي يغمر ناموسيتها. رآها تحرق أصابعها وهي تغمسها في الطنجرة لتعرف مافيها. رآها تشم الورد واحدة، واحدة في أحواض البيت. مشى في حارتها وسهر معها على السطح واستمع معها إلى الغناء في ليلة مقمرة. في زياراته إلى أم ليلى تفرج عمر على صور ليلى وهي طفلة ذات شريطة على رأسها، رآها في البساتين، في المدرسة، رأى ضحكتها السعيدة في رحلة مدرسية، لاحظ الإشارب الملون الذي وضعته على طقم نيلي، ورآها في الثلج كجنية جميلة. مرّ الربيع والخريف، نزل المطر وهطل الثلج وهي أمامه تكبر محلولة الشعر ومربوطة الشعر، قصيرة الشعر وطويلة الشعر. لم تعرف ليلى أن أمها كشفت له طفولتها وصباها. لكنه لم يكتشف ليلى فقط. عرف حب الأم الذي يحفظ دقائق الابنة وملمسها وعبقها والشامة الصغيرة بين نهديها، ويقبل المكان الذي تبعده إليه الابنة المبهورة بأنها كبرت.

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:34 AM
.
سيكتم عمر زياراته إلى بيت ليلى. وستبدو له واحات ظليلة. وستكون تلك اللقاءات بليلى ومنور على ضفة أحداث عاصفة، ناجية من أعاصيرها. وكأن الثلاثة اتفقوا على ألا يمسّوا مايشغلهم في النهار. وكأنما كان عمر يعلق على المشجب قرب الباب الحماسة والغضب، عندما يدخل إلى بيت ليلى. ويجلس إلى طاولة العشاء هادئا مستمتعا بالطعام والذوق وبالنظرة الواسعة إلى عالم لايوجد في هذه اللحظة فقط، بل يمتد قبلها وبعدها.

في النهار يستسلم لحرارة اليوم. يتساءل هل يجمع التفاصيل ليزيد من هواجسه. ويجيب نفسه: كي أفهم هذه اللحظة لابد من الذاكرة! كي لاأراها دون أن أتذكر ماقبلها ولأضعها في سياقها!

شرب فنجان كاكاو في نادي الجامعة وحيدا في آخر المساء. كان مرهقا بدروس اليوم. وبدا له التفكير في التفاصيل السياسية راحة منها. قال لنفسه: سجّل ياعمر أن بن غوريون قال في سنة 1946 "إذا وافقت بريطانيا على إنشاء دولة يهودية في فلسطين فنحن نضمن أن تكون هذه الدولة قاعدة ضد روسيا". وعندما اتفقت مصر على صفقة الأسلحة التشيكية قال بن غوريون: "يجب أن يسقط النظام في مصر قبل أن تصل الأسلحة الروسية". في 11 أيار سنة 1953 قال تشرتشل إنه يريد أن تكون اسرائيل أقوى دولة في الشرق الأوسط. وسيسجل عمر فيما بعد: في 6 آذار سنة 1957 قال إيزنهاور في مؤتمره الصحفي: أقيمت اسرائيل لتبقى. يجب اعتبار ذلك حقيقة تاريخية. أوضحتُ هذا لجميع الزعماء العرب الذين تحدثتُ معهم، ومنهم الملك سعود. وقلتُ لهم إن عليهم أن يعتادوا العيش مع إسرائيل.

تأمل عمر الإصرار على فرض إسرائيل وفرض خضوع العرب لها. وقال: هناك مشكلتنا! فيالعنصرية اولئك الذين يحتاجون نفطنا وأسواقنا! لكن الحقيقة لن تكون كما يفرضها الغرب علينا! الحقيقة أن في مصر وسوريا أسلحة روسية! والحقيقة أن الدولتين وقعتا اتفاقيات تجارية مع البلاد الاشتراكية! والحقيقة أننا ضد الأحلاف العسكرية! لم يلغ التهديد الطموح العربي إلى العدالة الاجتماعية. بل نجحت في الانتخابات في الأردن قائمة النابلسي. وهناك اتفاقية الدفاع المشترك، المصرية السورية السعودية. فوق ذلك وقعت اتفاقية ثقافية سورية أردنية. وتسلل الفدائيون من غزة للرد على عدوان اسرائيل على القوات المصرية. يحمل العرب الترانزيستور ويستمعون إلى الأخبار والبيانات. قتل الملحق العسكري المصري في عمان وضابط المخابرات في غزة بطردين مفخخين. لكن تلك الاغتيالات لن تقلع الطموح العربي إلى الحرية. لابد لهم إذن من عملية كبرى! ولكن هل يمكن ألا تردّ الشعوب عليها؟ هاهي البلاد تغلي في انتظار حدث كبير! كان يخيل لعمر، في مثل تلك اللحظات التي يجلس فيها وحيدا ويستعيد التفاصيل ويصفّها في سياق، أنه يتوقع مايليها. فيكاد يخابر في الليل أصحابه ليحذّرهم من حرب أو اغتيال.

سحب دالاس تمويل السد العالي فأعلن عبد الناصر في 26 تموز تأميم القنال. وهاهي سنة 1956 تشتعل! خلال خطاب عبد الناصر كانت المجموعات المصرية تحتل مؤسسات القنال. انتهت آلام عقود من الزمان؟! كان محمد علي على حق يوم رفض مشروع القنال فقال: لاأريد بوسفورا آخر!

جمّدت إنكلترا أرصدة مصر. وانعقد مؤتمر الدول البحرية في 16 آب. فأضرب ملايين العمال العرب تضامنا مع مصر. حرضت شركة القنال المرشدين كيلا يعملوا في شركة مؤممة. فتطوع مرشدون سوفييت ويوغوسلاف ويونان وأمريكيون. استخدم شبيلوف وزير الخارجية السوفييتي الفيتو ضد التوصيات الإنكليزية الفرنسية التي تقسر مصر على السماح للإسرائيليين بعبور القنال.

قال عمر: الزمن! يجب أن يعترفوا بأنه تغيّر! خذي ياليلى، اقرئي ماكتبته مجلة فايننشال: "أصبح التأميم موضة العصر. يبدو أن تأميم القنال سيتبعه تأميم شاي سيلان ونحاس روديسيا ومطاط الملايو"! لمَ لا؟ لماذا لاتردّ الشعوب الظلم؟ تأخذ شركة السويس 71% من الأرباح. تملك الاحتكارات الأمريكية 60% من بترول الشرق الأوسط. ويعبر القنال 46% من مجموع صادرات العالم من البترول. لذلك اقترح دالاس تدويل قنال السويس وفصلها عن مصر. لابد من عملية كبيرة إذن لكسر النهضة العربية فهي ليست مشروع نخبة سياسية فقط، بل مشروع جماهير تطلب ثرواتها الوطنية وتعي أنها يمكن أن تستند إلى البلاد الإشتراكية كقوة دولية. أعتقد أن عدوانا واسعا سيحدث لمنع الأسلحة الروسية ومشروع التنمية، ولفرض دولةٍ إسرائيلية قوية! انتبهي ياليلى إلى ماقاله ايزنهاور: "يحتاج العرب طاقة إسرائيل الصناعية، وإسرائيل لاتستطيع أن تعيش معزولة لاتتاجر مع أحد غير اوروبا والولايات المتحدة". في هذا المنعطف ستأخذ أمريكا مكانها في المنطقة كقوة استعمارية بديلة عن بريطانيا وفرنسا!

يتذكر عمر ماقاله عازوري في بداية القرن: سيحكم الصراع بين الصهيونية والعرب قدر المنطقة. ويصله بما قاله ايزنهاور بعد نصف قرن. ياليلى، لماذا يقرر ايزنهاور أن إسرائيل هي الصناعية لانحن؟ لأنه يريدنا أسواقا وعمالا لها وله! عندنا الثروة النفطية، عندنا الأرض والقوة العاملة، فلماذا لانكون نحن البلاد المنتجة؟ لانحتاج إسرائيل! هي المغروسة في أرض عربية بالقوة، تحتاج العرب! نحن لانحتاجها أبدا! ولماذا تكون وسيط الغرب؟!

تبع عمر الإشارات، لذلك أكد لليلى: سيحدث عدوان! فردّت: يبدو أن العدوان خبزنا منذ كنا أطفالا! أجاب كالخبير: لا! هذه المرة سيحدث عدوان كبير! وستقول له ليلى فيما بعد: نبوءتك صحيحة! ضع عمامة خضراء على رأسك، واشعل البخور كالمنجّمين! وستضحك غادة: سأقف أنا وليلى على بابك لتقنين زوارك. ولن تكون مديحة وفوزي معنا لأنهما لايؤمنان بالتنجيم!

وصلت إلى الملحق العسكري المصري في استنبول والملحق العسكري في باريز معلومات عن الغزو. وسيكشف أحمد حمروش وخالد محي الدين فيما بعد أن هنري كورييل، سلّم للمصريين المعلومات التي وصلته عن الغزو. ففي 22 تشرين الأول اجتمع في سيفر، قرب باريز، بن غوريون وموشي دايان وسلوين لويد وغي موليه واتفقوا على خطة عسكرية: قصف المطارات وتدمير الدفاع الجوي. الإنزال المظلي. إنذار مصر وإسرائيل لتبتعدا عن القنال. احتلال القنال. لكن عبد الناصر استبعد مغامرة إنكليزية فرنسية، ولم يتوقع غزوا إسرائيليا.

في 29 تشرين الأول نزل المظليون الإسرائيليون في ممر متلا. فسحب عبد الناصر الجيش من سيناء إلى القنال. بدأت الحرب! وسُلم السفيران المصريان في باريز ولندن إنذارا لمصر وإسرائيل، يطلب الانسحاب من القنال خلال 12 ساعة، وإلا نزلت في القنال قوات إنكليزية وفرنسية.

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:35 AM
.
قال عمر في اجتماع الطلاب: الهدف احتلال القنال، وحرق حركة التحرر العربية! سنتطوع في المقاومة الشعبية! اللقاء في الملعب البلدي! في تلك اللحظة نزلت المظاهرات إلى الشوارع في المدن العربية، وصرخت: لن يمرّوا!

في الملعب البلدي خلف الجامعة، رأت ليلى نفسها وسط طالبات من صفوف متنوعة من كليات الجامعة. هاهو العدوان يهبها الشعور بأنها مسؤولة عن ردّه. ليلى تستطيع أن تقاتل؟ لمَ لا! ماأيسر ذلك عندما يؤمن المواطن بأنه قوة حاسمة! سألتها نفيسة: هل ستردّون الغزاة؟! نعم، ياعمتي! كل مواطن عربي يشعر بذلك! ياليلى، ليتني في عمر يسمح لي بالنزول إلى مرجة الحشيش لأتدرب كالناس على الرمي! ابتسمت منور: ياعمتي، يمكن أن تفيديهم من خبرتك في نقل السلاح!

في 30 تشرين الأول دخلت قوات سورية إلى الأردن مستندة إلى اتفاقية الدفاع المشترك ضد عدوان إسرائيلي. وقابل وفد من الضباط السوريين سفير مصر محمود رياض وبلّغه: قرر الجيش دخول الأردن. من الضفة الغربية سنشتبك مع إسرائيل فنخفف الضغط عن مصر! سنقطع أنابيب النفط الأنكلو عراقية! لكن عبد الناصر رفض توسيع الحرب.

ستتذكر ليلى بعد عقود توهج عمر في تلك الأيام. كان كقائد في جبهة وكشاعر في فلاة. قال: نتوقع إنزالا في اللاذقية. لكن الإنزال لن يواجه جيشا فقط، فأمامه شعب! ولن يمرّوا! كان طوال أيام العدوان على مصر يخرج في الليل مع الطلاب، حاملا سطل دهان، ويكتب على الجدران: لن يمروا! وكان يحرس في الليل، وقت مناوبته، مع مجموعات الطلاب، الطرقات والساحات. وكانت ليلى ترفع رأسها إلى السماء وتتساءل هل يجرؤون حقا على الإنزال؟ فيقول لها عمر: نعم، قد يحدث إنزال! كانت تلتقي بعمر لقاءات خاطفة كثيرة يكمل فيها كل منهما بقية حديثه في اللقاء السابق. رأته على بعد أمتار منها خلال توزيع الطلاب على مجموعات لإطلاق الرصاص ورمي القنابل في جبل المزة. ولاحظ أن جلد كفها قد كشط حيث تمسك البندقية، وخمّن أن كتفها تؤلمها من ارتداد الرشاش عليه. لكنها تجاهلت ذلك واستسلمت لدهشتها: كم أصبحنا منظمين ودقيقين! كم أصبحنا سريعين!

قُصفت محطة القاهرة فأذاعت دمشق وعمان: هنا القاهرة! رفعت ليلى كفها إلى عينيها ومسحت دموعها. لو تستطيع أن تذهب إلى القنال! طمأنها عمر: لاتقلقي! القوتلي في موسكو. بحث العدوان مع بولغانين وجوكوف وخروشوف. وطلب مساعدة السوفييت. وسيساعدون مصر! يقود الوطنيون المقاومة الشعبية في مدن القنال. وزعت الأسلحة هناك على الناس. تشترك مجموعات من الضباط المتطوعين في العمليات! قطعت سوريا والسعودية العلاقات بإنكلترا وفرنسا، وقطعت الأردن والعراق العلاقات بفرنسا. في باريز ولندن مظاهرات كبيرة تحتج على التدخل في مصر!

في ذلك اليوم فجر جول جمّال بطوربيده أكبر المدمرات الفرنسية؟ في المظاهرة التي مشت فيها ليلى وعمر ومديحة وفوزي من الجامعة إلى ساحة المرجة هتف أحد الطلاب الزجالين: "ركب الزورق جول جمّال، شق عباب البحر وطار، أطلق علْ مركب طوربيد، قطّع من خصمه الأوصال". أبهذه السرعة ألّف الأهزوجة؟ وبسرعة انتشرت من مظاهرة إلى أخرى حتى ضاع اسم مؤلفها!

في الخامس من تشرين الثاني كان المظليون الإنكليز والفرنسيون قد نزلوا في بور سعيد وفي بور فؤاد. وكان المصريون قد أغلقوا القنال بسفينة. وكتب الشاعر كمال عبد الحليم نشيدا غنته فايدة كامل وردّده الناس في البلاد العربية:

دع سمائي فسمائي محرقة

دع قنالي فمياهي مغرقة

واحذر الأرض فأرضي صاعقة

دع سمائي دع قنالي

ردد الأولاد في الشارع الذي يسكن فيه عمر: هذه أرضي أنا، وأبي ضحى هنا، وأبي قال لنا، مزّقوا أعداءنا.. واستمع عمر إلى أم كلثوم تغني: والله زمان ياسلاحي.

كاد عمر يقول لليلى عندما رآها ببذلة خاكية تحت شجر الكينا قرب الجامعة، ماأحلى هذه الأيام! لكنه قال: في الأيام الصعبة، في الأزمات الكبرى، في الحروب ليست المأساة فقط مايحدث، بل ألا يشعر المواطن بأنه فعّال. إذا أطلقت طاقاته سجّل أن تلك الأيام الصعبة أيام عظيمة من حياته. وأنه نقل حياته المفردة، إلى مساحة كبرى عامة. الخطر والخطأ أن يكون السياسيون فقط محاور فعالة، وأن يوظفوا هم فقط حياتهم في مسار عام. إذا حدث ذلك فلايمكن أن ينجح مشروع اقتصادي أو سياسي.

تلفتت ليلى. هل كانت المدينة عزيزة عليها كما هي الآن؟ هل كانت هي نفسها، وصديقاتها، وجيرانها، وعمر وغادة ومديحة، كما هم الآن؟ بعد أن حرسوا الطرقات وهتفوا في المظاهرات، ورصدوا السماء، وسهروا قرب الراديو وتنقلوا بين المحطات، وتلقوا الأناشيد وانتظروا البيانات؟

- ياليلى أحرقت طائرات مصر على الأرض. لم يحارب الجيش في سيناء. وانسحب من مدن القنال. الهزيمة العسكرية حقيقة. ويفترض أن تبحث وأن يحاسب المسؤول عنها. لكن البطولات الفردية والمقاومة الشعبية هي التي لن يمحوها الزمن. في الأمم المتحدة استخدمت إنكلترا وفرنسا الفيتو ضد مشروع أمريكي ومشروع سوفييتي. فنقلت القضية إلى الجمعية العمومية. صدرت توصية بانسحاب الجيوش الأجنبية لكن الحرب مستمرة. لاينتظر الناس الرحمة من الأمم المتحدة. يقاومون الغزو. الشارع حيّ. ينظّم المقاومة في بور سعيد المعتقلون الوطنيون الذين أفرج عنهم. قال الضباط لشمس بدران: الحل الوحيد هو أن يدخل المتطوعون الوطنيون بور سعيد! صمت عمر فجأة. التفتت إليه ليلى. سألته بعينيها: ماالخبر؟ قال: رفض رئيس المباحث العامة في بور سعيد أن يتلف السجلات قبل انسحابه، فتناولها الانكليز الذين نزلوا في المدينة! استند إلى تلك السجلات ضابط المخابرات الإنكليزي ويليامز الذي اشتغل عشرين سنة في مصر، وأجاد العربية كأنه مصري وعرف مدن القنال، ليعتقل الوطنيين! لكن مجموعة من طلاب الجامعة قتلته! لندع هذا الآن! نداء مصر إلى العالم وطلبها متطوعين مؤثر وفعال. تطوع الضباط والجنود السوفييت. لابد من قوة كبرى ترد القوى المعتدية. لابد من تدخل سوفييتي!

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:36 AM
.
أذاعت محطات الراديو إنذار بولغانين في الخامس من تشرين الثاني إلى غي موليه وايدن وبن غوريون. واستمع عمر في مقهى الحجاز إلى إنذار بولغانين. هنأ الناس بعضهم بعضا. انتقل الإنذار بالترانزيستور إلى المراعي والقرى. واستمع الناس في المقاهي العربية إلى إنذار بولغانين. كان تمرد المجر قد انتهى بعد طلب كادار تدخل الجيش السوفييتي في الرابع من تشرين الثاني. فقال عمر: من حركة السوفييت في المجر يفهم الغرب أن الإنذار جدّي!

صدح الراديو. لاصوت إلا صوت المذيع يكرر قراءة الإنذار. تداخلت عواطف الجالسين في المقهى. فرح، تشفّ، انتباه، انتصار، شماتة! ستخرجون مهزومين! أمامكم قوة أكبر منكم! استقويتم علينا فهاتوا الآن شجاعتكم! ولمن هذا الكلام ياشباب؟ لتلك الرؤوس الكبيرة!

قرأ المذيع: "يجب أن أقول لكم بكل صراحة أن الحرب التي باشرتها فرنسا وانكلترا مع استخدام اسرائيل ضد الدولة المصرية، مشحونة بالعواقب الفادحة الخطرة على السلام الشامل... ماذا يكون موقف فرنسا لو هاجمتها دول أخرى تملك وسائل رهيبة حديثة؟.. الحكومة السوفيتية مصممة كل التصميم على اللجوء إلى القوة لسحق المعتدين وإعادة السلام إلى الشرق".

أرسل صبري العسلي رسالة شكر إلى الحكومة السوفيتية.. وصفق الجالسون في المقهى بعد الرسالة. لكن تشفّيهم الأكبر من إنكلترا. بدا لهم أن الإنذار إلى حكومة إنكلترا أشد منه إلى فرنسا. أعطاهم المذيع لحظة يعلقون فيها بسرعة، وبدأ يقرأ بلهجة فخمة إنذار بولغانين إلى إنكلترا: "هذه الحرب عمليا حرب عدوانية ولصوصية ضد الشعوب العربية لتصفية استقلالها الوطني.. ماموقف انكلترا نفسها لو هاجمتها دول أقوى منها تملك جميع أسلحة الدمار الحديثة؟ هذه البلدان قد تستطيع الآن عدم إرسال قواتها البحرية أو الجوبة نحو الشواطئ البريطانية، ولكنها تستطيع استخدام وسائل أخرى كالقذائف الموجهة مثلا.. نأمل أن تستنتجوا مما سبق قوله مايلزم".

ياشباب، ستكون رسالة بولغانين إلى بن غوريون في حجمه تماما. اسمعوا الإنذار لإسرائيل. وجود إسرائيل نفسه معرض للزوال. سحب السفير السوفييتي من تل أبيب. "نأمل أن تتفهم حكومة إسرائيل وأن تقدر الإنذار كما ينبغي". نعم، يقول بصراحة: الإنذار!

نقل عمر لليلى جو المقهى، وحماسة الناس للإنذار. قال: قرروا أن العدوان انتهى! ردت: صحيح! انتهى! في السادس من تشرين الثاني أوقف الإنكليز القتال! لكن المقاومة الشعبية استمرت، وساهم القنصل السوفييتي في بور سعيد في نقل الأسلحة والمنشورات والأشخاص إلى بور سعيد.

استعاد عمر وليلى الأحداث السريعة. طالبت الدورة الاستثنائية للجمعية العامة بوقف القتال وخروج الجيوش من أراضي مصر. ومع ذلك اتسعت الحرب، وقصفت مدن القنال. اعتمدت توصية الجمعية العمومية للأمم المتحدة مشروع كتلة الدول الآسيوية الإفريقية: سحب قوات إسرائيل وإنكلترا وفرنسا. رفضت أمريكا الاشتراك مع الاتحاد السوفييتي لتنفيذ القرار فأعلن الاتحاد السوفييتي أنه سينفذ وحده مهمة سحق المعتدين، وأذاع ذلك راديو موسكو ودمشق والقاهرة والقدس.

قالت غادة: كم كانت هذه الأيام مليئة! وقالت مديحة: صحيح. لكنها انتهت على خير. ولولا إنذار الاتحاد السوفييتي لما انسحب الغزاة! فردّت غادة: لولا المقاومة العربية لما كان الإنذار! هزّ فوزي رأسه منبها مديحة: لولا تضامن الشعوب العربية، والمقاومة المصرية، وأداء عبد الناصر السياسي، لما اهتز العالم من الغزو! قدّر عمر في تلك البرهة كم كان متوترا وصاحيا وكم نام قليلا. وفهم أن مسار حياته الشخصية جرى بعيدا عنه. كانت قمة انتصاره يوم قطع راديو موسكو برنامجه ليذيع نداء الحكومة المصرية إلى دول العالم طالبة مساعدتها بالمتطوعين والسلاح: في هذه اللحظات الحاسمة تناشد مصر العون بالمتطوعين والأسلحة.. ومادام العدوان على مصر مستمرا في إقليمها متحديا قرار الأمم المتحدة فإن مصر ستستمر في القتال بكل عزم وإصرار ضد قوى الشر. وأذاع راديو موسكو أن ضباطا سوفييتيين سجلوا أسماءهم في السفارة المصرية في موسكو متطوعين.

هل سمعت ليلى همس عمر مع نفسه فقالت له: لاحياة شخصية في هذه المنطقة ياعمر! سواء وعينا ذلك أم لا! أم كانت تشاركه الشعور نفسه؟ ماأقربها إليه في هذه اللحظة! نظر إليها وتبين أن الشمس لوحت وجهها، وأن جبينها ثبّت لون الشمس. بل بدا له أن القميص ترك خطا أسمر على رقبتها.

بعد إنذار بولغانين استبعد خطر الإنزال في سوريا. لكن الناس سهروا قرب الراديو. وأمتع عمرا أنه كان يكمل الاستماع إلى الخبر وهو يمشي في الشارع بين بيت وبيت. وكان صوت الراديو مرتفعا كأنما يخشى أصحابه أن تفوتهم مفاجأة.

كان عمر في تلك الأيام يخابر ليلى وغادة كلما سمع خبرا جديدا. اتصل بليلى مرة:

- ليلى اسمعي الراديو!

- سأسمعه!

- اتصلي بغادة واطلبي منها أن تسمع الأخبار الآن!

في الثامنة مساء عقد همرشولد مؤتمرا صحفيا. أعلن: "وافقت فرنسا وإنكلترا على وقف إطلاق النار". وافقت على مقررات الجمعية العامة 64 دولة وعارضتها الدول المعتدية الثلاث واستراليا ونيوزيلاندا. القرارات: وقف إطلاق النار. سحب القوات الإنكليزية والفرنسية من مصر. حرية الملاحة في القنال. أن توقف الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة تموين دول الشرق الأوسط بالسلاح.

- ياعمر، حق الملاحة لإسرائيل؟!

- المهم الآن سحب القوات الأجنبية!.. نعم ياليلى! يجب أن تفكر مصر في بنيتها العسكرية والسياسية! قبلت مصر قوات طوارئ دولية على حدودها مع إسرائيل. وفتح مضائق تيران للملاحة الإسرائيلية. والمراقبة الدولية في شرم الشيخ. وتحديد الأسلحة في الضفة الشرقية. لكن كل ذلك يمكن أن يطوى إذا أصبح العرب أقوياء! سقطت حكومتا فرنسا وإنكلترا!

انسحبت إسرائيل في آذار. ونسفت خلال انسحابها الطرق وآبار النفط وآبار الماء! ولكن ماذا حدث في كفر قاسم خلال الاحتلال الإسرائيلي! يالهول المذبحة!

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:37 AM
.
في تلك الأيام لم يشك قيس، كما شك عمر، في أنه يملك القدر! كان يؤمن بأن العلاقات الاجتماعية والإنسانية تتقدم من مرحلة تاريخية إلى مرحلة ترتفع عليها! مع أنه كان يعيش في تلك اللحظة على الحدّ بين الحرية والسجن، لأن الأردن كان في تلك اللحظة بين قوة المظاهرات التي اندفع فيها الشعب مكتشفا عنفوانه، وقوة النفوذ البريطاني. كانت خطوط التقسيم في الخريطة العربية قد بهتت في اللحظة التي أعلن فيها عبد الناصر تأميم قناة السويس ثم احتلت القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية أرضا مصرية. تدفق العراقيون في الشوارع بالرغم من الرصاص، فرموا حطبة أوقدت همّة الضباط الأحرار لاستكمال الثورة القادمة على الملكية في العراق. كانت تلك اللحظة من أيام الذروة التي تحتل فيها الشعوب الشوارع، لكنها تدرك أن صراعها متصل بقوى دولية لذلك تبقى قرب الراديو.
بعد عقدين من السنوات سيوجد في البلاد العربية كثير ممن يتقنون اللغة الروسية. سيضعون إبرة الراديو على محطة موسكو ويستمعون إلى ماتذيعه ويترجمونه مباشرة للمسؤولين الذين يطلبون المعلومات. وبعد ثلاثة عقود سيتنقل أي مواطن عربي بين الفضائيات ولو لم يفهم لغتها، باحثا عن الحقيقة في الصورة، أو مقاطعا المعلومات والأخبار ليستنتج المضمر. لكن العرب انتظروا قبيل العدوان الثلاثي على مصر ماسيقوله الاتحاد السوفييتي الذي يجهلون لغته. وبدا قيس كمن يعرف موقف تلك الدولة العظمى بطريقة خاصة!‏

قال لمن حوله في مقهى الكمال في إربد: منذ تأميم قنال السويس وانسحاب المرشدين الأجانب من قناة السويس بدت الحرب على الباب! لكن المعتدين لن يخرجوا منتصرين! موقف الاتحاد السوفييتي واضح! لن يسمح بهزيمة مصر! قدم الاتحاد السوفييتي لمصر مرشدين. وحذر مؤتمر المستفيدين من قنال السويس، ليمنع قرارات ضد مصر. وزار شبيلوف سوريا مع ابنته واستقبل في سوق الحميدية بحماسة وترحاب. وافق الحاضرون على كلام قيس. كانوا يستمعون إلى نشرات الأخبار يوميا، لكن يبدو أن لدى قيس معلومات أخرى!‏

كان المشير عبد الحكيم عامر قد زار الأردن بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك، ردا لزيارة فوزي الملقي واللواء علي أبو نوار في نهاية تشرين الأول. في يوم 29 تشرين الأول حذرت الولايات المتحدة مصر من عدوان سيقع في ذلك اليوم. وبدأ العدوان الإسرائيلي. في 30 تشرين الأول قال قيس للجالسين في مقهى الكمال: نزول المظليين في ممر متلا بداية حرب أكثر سعة مما يبدو! وعندئذ أذيع الإنذار الفرنسي الانكليزي إلى مصر وإسرائيل لوقف إطلاق النار. فقال: ذلك تمهيد لاستعادة قناة السويس بالقوة!‏

شكل الجيش السوري مجموعة من القوات السورية، لواء مشاة ولواء مدرعات وثلاثة أفراج مدفعية دخلت إلى الأردن في 31 تشرين الأول، رئيس أركانها أحمد عبد الكريم. تنفذ اتفاقية الدفاع المشترك. بدا أنها قد تخفف الضغط على مصر باشتباك مع الإسرائيليين في الضفة الغربية! لكن عبد الناصر رفض توسيع الحرب.‏

خلف القوات السورية في دمشق، اكتشفت مؤامرة عراقية، مشروعها قلب الحكومة السورية خلال العدوان الثلاثي على مصر. وسيحاكم هايل سرور، وعدنان الأتاسي، وميخائيل اليان، في محكمة رئيسها عفيف البزرة! أما فيضي الأتاسي فسيهرب إلى بيروت!‏

وستزيد تلك الأخبار في الحماسة للمقاومة الشعبية. وقتذاك تدرب الشباب على السلاح في الملعب البلدي في دمشق، وفي تلال المزة. ووزع السلاح على أفراد المقاومة الشعبية. وحفرت الخنادق. "إذا نزل العدو من السماء بالمظلات سنصيده! نتوقع أن يمتد العدوان! والإنزال في اللاذقية متوقع! الهجوم التركي في الشمال متوقع! لكن الغزاة لن يمروا"! تدرب الناس في الحدائق العامة على الرمي. حرست ليلى بندقيتها ونظفتها. ورافقت زميلاتها إلى جبل المزة للتدريب على رمي القنابل وإطلاق الرصاص. وحفر عمر وفوزي مع زملائهما الخنادق.‏

عندما عبرت القوات السورية الحدود إلى الأردن أصبحت قاعدة المفرق البريطانية وراءها. المفرق على الحدود السورية، وقد تُقطع الطريق بين القوة السورية وقاعدتها في سوريا. ناقش أحمد عبد الكريم مع البزرة الذي رافقه إلى الحدود الأردنية خطر أن تبقى قاعدة المفرق خلفه. اجتمعا مع أبي نوار. ذكر قائد لواء المدرعات طعمة العودة الله أن الطائرات البريطانية طارت فوق الرتل السوري منذ دخوله الأردن حتى وصوله عمان. لم يهتم أبو نوار بالملاحظة. ونبّه إلى المعاهدة بين الأردن وبريطانيا. في اليوم التالي قبلت الأردن القوات العراقية بقيادة عبد الكريم قاسم التي دخلت وتمركزت في المفرق. طلب أحمد عبد الكريم وضباطه الاجتماع بالحكومة الأردنية. فاجتمعوا في مكتب وزير الخارجية عبد الله الريماوي مع وزراء منهم شفيق رشيدات. أكد هؤلاء أنهم لايستبعدون أن يـتآمر الانكليز مع قوات المفرق لضرب القوات السورية. فاقترح السوريون نقل قواتهم إلى محور جسر الشيخ حسين - إربد ـ المفرق ـ درعا. ونفذوا ذلك فورا وطوّقوا قاعدة المفرق. وأصبحت لهم قاعدة في ضاحية إربد.‏

عرف أحمد عبد الكريم أن أحد ضباطه زميل قديم من زملاء عبد الكريم قاسم، يعمل في الجيش السوري منذ تصفية ثورة العقداء الأربعة في العراق سنة 41. فاجتمع به مع عفيف البزرة وطعمة العودة الله وطلبوا منه الاتصال بعبد الكريم قاسم. عاد رسولهم وقال إن قاسم ومعاونه عبد السلام عارف وطنيان ينويان الانقلاب على نظام بغداد. اجتمعوا بهما. وعرفوا من عبد الكريم قاسم أن مؤامرة تنظّم في سورية بأسلحة عراقية. وافق الجيش السوري على ضم العراقيين إليه إذا فشل تمردهم.‏

اطمأن السوريون! لن تضربهم القوات العراقية في الظهر، وفي الجيش العراقي ضباط وطنيون! لكن تلزم السوريين معلومات عن قاعدة المفرق البريطانية! تلزمهم مساعدة الوطنيين الأردنيين! طرق الباب على قيس ضابط سوري طويل وسيم عرّفه بنفسه: أنا مروان السباعي مسؤول استخبارات القوات السورية في الأردن! هل يمكن أن نتحادث؟ من القوات السورية؟ أهلا وسهلا! لاضرورة للمقدمات! الوضع في المنطقة ينذر بحرب شاملة. قد تخفف سورية الضغط عن مصر بالضفة الغربية. انكلترا تعتدي على مصر وهنا في المفرق قاعدة انكليزية! سأله قيس: المطلوب؟ أجاب: معلومات دقيقة عن قاعدة المفرق! تعرف الاستخبارات السورية نفوذكم في النقابات. عمال قاعدة المفرق منظمون في نقابة. وقيس مسؤول عن منطقة واسعة مركزها إربد، منها منظمات المفرق! قال قيس: أنا موافق. ولكن يجب أن أستشير منظمتي. في سرعة بُحث الطلب السوري. وفي سرعة عاد مروان السباعي ليعرف الجواب. قال له قيس: سيجمع أصحابنا المعلومات الدقيقة وسنقدمها لكم كعمل وطني، بشرط! ماهو؟ ألا تعرضوا مالا على أي شخص نصلكم به. وإلا انقطع بيننا الاتصال! أكرر، يقوم رفاقنا بهذا العمل لأنه ضرورة وطنية!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:38 AM
.
جمع أصحاب قيس في قاعدة المفرق المعلومات الكاملة عن القاعدة. رسموا أمكنة الطائرات والورشات والمكاتب، وسجلوا الأرقام. وسلّم مسؤول في المفرق تلك المعلومات الثمينة لمروان السباعي. عرض مروان السباعي مالا على الشاب الذي سلّمه المعلومات. ووصل الخبر إلى قيس في اليوم نفسه. قال قيس لمروان السباعي:‏

- خرقت الشرط، ولامجال للتعاون بيننا بعد الآن! هل تعجزون حقا عن فهم أن العمل الوطني طوعي لانطلب المكافأة المالية عليه؟ أي مال يساوي الخطر الذي عرض الشباب أنفسهم له؟ أم تبحثون عن عملاء؟‏

- أعترف لك بأني خرقت الاتفاق! لكني أعدك بألا يتكرر ذلك!‏

- سأصدقك هذه المرة وأعتبر وعدك كلمة شرف!‏

دعا متصرف إربد، محمد نزال العربوطي القريب من البعثيين، وحكمت مهيار قائد المنطقة، ممثلي الأحزاب إلى اجتماع في المتصرفية. خريس البعثي، حشيشو القومي السوري، ممثل الإخوان المسلمين، ممثل الوطني الاشتراكي، ممثل القوميين العرب، وقيسا. قال حكمت مهيار، قائد المنطقة: قد تتسع الحرب ضد مصر. يتوقع الأردن أن تمتد الحرب من مدن قنال السويس إليه. دعونا ممثلي الأحزاب كي ينظموا الدفاع المدني ويساهموا فيه. قال قيس: الاجتماع ضروري. لكني أعلن احتجاجي على حضور ممثل القوميين السوريين! في سوريا الشقيقة أدين القوميون السوريون بقتل عدنان المالكي. وبيّنت المحاكمات في دمشق علاقة جورج عبد المسيح بالجهات الغربية. فكيف نوفق بين مقاومة العدوان الغربي وبين وجود من تآمر على الجيش السوري لحساب أمريكا! ردّ خريس بحدة: القوميون السوريون أكثر وطنية منكم، لأنهم ضد الصهيونية. أنتم وافقتم على التقسيم! مرة أخرى قرار تقسيم فلسطين الذي وافق عليه الشيوعيون العرب! قيس غير موافق عليه! دمّرت الموافقة على قرار التقسيم الحزب الشيوعي العراقي بعد نهضة الوثبة. ودفعت إلى حرق مكتب الحزب الشيوعي السوري. رأي قيس: الموافقة خطأ! ولسنا ملزمين بما رآه الاتحاد السوفييتي حلا ممكنا في وضع الأنظمة العربية يومذاك! ردّ قيس: من يحمل المشروع الأمريكي لايمكن أن يكون ضد الصهيونية! الصهيونية هي التي تفيد من قتل ضابط وطني كعدنان المالكي. كان جورج عبد المسيح يخطط لقلب النظام الوطني في سوريا! سأله خريس: تسمح لنفسك بأن تتميز عمن وافق على تقسيم فلسطين، ولاتسمح لحشيشو بالتميز عن جورج عبد المسيح؟!‏

تدخل الحاضرون. صبوا ماء فوق النار. لكنهم أقروا بقاء حشيشو. لايدان القوميون السوريون كلهم بذنب جورج عبد المسيح. نعود إلى الهدف الذي جمعنا! قد تنتشر الحرب خارج مصر. نتوقع أن تصل من مدن القنال إلينا. يجب أن نتعاون. كلنا مهددون! لن تميز الغارات المحتملة شخصا من آخر! اتفق المجتمعون على تنظيم دوريات حراسة ليلا ونهارا تساعد المواطنين إذا حدثت غارات عدوة أو إنزال. وطلب قائد المنطقة أن تقدم الأحزاب مجموعة من أعضائها لتنظم الدفاع المدني في مناطق يتفق عليها. قال مهيار: ونرجو أن تعطونا قوائم بأسماء أعضائكم في تلك المجموعات. قال قيس لنفسه: قوائم في بلد فيه نفوذ بريطاني؟ توجد اليوم حكومة النابلسي الوطنية، ولكن من سيوجد في مكانها غدا؟ قال: لن نقدم قوائم بأسماء مجموعاتنا، فقد نبدل الأشخاص، خلال العمل. لكننا سنلتزم بعددهم. وسنكون مسؤولين عن أداء تلك المجموعات في المناطق التي تقرر لها. ماذا يستطيع حكمت مهيار أن يقول؟ يعرف قيسا ولافائدة من الإلحاح! يريد العنب ولن يقاتل الناطور! قال: فليكن! قسّمت المدينة إلى مناطق ووزعت فيها المسؤوليات.‏

كأنما أراح المجتمعين أن ينجزوا مهماتهم فانصرفوا إلى الحديث عن الوضع العربي. فرصة نادرة أن يجتمع في مكان واحد هؤلاء الرجال الذين ينشغلون بالقضايا نفسها، حتى ليتساءل من يراقبهم عن سبب خلافهم. تساءلوا: هل ستمتد الحرب؟ وإلى أين؟ فقال قيس: الغزو مستمر، لكن الاتحاد السوفييتي لن يسمح بهزيمة مصر! سأله حكمت مهيار: تعني أن الاتحاد السوفييتي سيتدخل؟ قال قيس في ثقة: سيتدخل!‏

في أية منطقة أو مكتب لايعصف الغضب؟ مهيار مثل قيس، ذاهل من استهانة دول كبرى بالقوانين الدولية! كأن لاحدود ولاسيادة وطنية ولاأمم متحدة! تحتاج الأزمنة المتوترة من يثقب الظلمة بنظره، ويعلن مابعدها! البشير، حامل الراية، المتنبئ؟ لايحلم قيس! يقرأ الزمن. يدخل المعسكر الاشتراكي في الحياة الدولية بقوة، ويهمّه أن يثبت العالم الثالث في هذه المنطقة على حدوده! أمس دخل الجيش السوفييتي بودابست بطلب من كادار وانتهى التمرد. وهنا لن يسمح الاتحاد السوفييتي بعودة الاحتلال الغربي إلى مصر! ظلمة كثيفة، وضع معقد، انسحب الجيش المصري من سيناء ومن مدن القنال، والإنزال حقيقة. لكن المقاومة الشعبية أيضا حقيقة! من الموهوب باستشفاف المستقبل في هذه الظلمة؟ قال قيس في ثقة: سيفشل هذا العدوان! لن يبقى الفرنسيون والإنكليز في مصر! سأله حكمت مهيار: واثق من ذلك؟ ردّ: نعم، سيتدخل الاتحاد السوفييتي! لن يسمح باحتلال مصر! لكنه عندما وصل إلى بيته تساءل لماذا يبدو مهيار خائفا أكثر مني؟‏

منذ الإنزال في ممر متلا، ثم الإنزال في القنال عاش العرب مع الراديو. تابعوا المقاومة في بور سعيد. واستقووا بغضبهم. في النهار حملوا الراديو الترانزيستور. وفي المساء تحلقوا حول الراديو في المقاهي الشعبية. في النهار تدربت ليلى وغادة ومديحة مع طلاب الجامعة في جبل المزة على إطلاق الرصاص. وتدربن على رمي القنابل اليدوية. واهترأ جلد أيدي الطلاب من حفر الخنادق لكنهم خجلوا من ربط جروحهم. وحمل بعضهم سطل دهان وكتبوا على جدران الشوارع: لن يمروا!‏

كان قيس جالسا في مقهى الكمال في إربد ومن الراديو المرفوع على رفّ في صدر المقهى تنطلق أغنية: دع سمائي فسمائي محرقة، دع مياهي فمياهي مغرقة... قطع المذيع الأغنية فجأة وأعلن: وجّه الاتحاد السوفييتي إلى حكومات.... وبدأ يقرأ الإنذار إلى ايدن وغي موليه وبن غوريون. يهدد بولغانين بضرب عواصم المعتدين بالصواريخ ذات الرؤوس النووية، وبمحو إسرائيل من الخريطة. وقف الجالسون في المقهى وصفقوا. تبادلوا التهاني. قبّل بعضهم قيسا. وشعر قيس بالاعتزاز والطرب. كم تغير الزمان! نعم، كم تغير! تحادث الناس في حماسة عن الإنذار، شمتوا في الإنكليز والفرنسيين: ليرونا الآن بطولتهم! قوة عظمى تطلب منهم الانسحاب فورا وإلا..! مرت عشر دقائق وقيس نشوان. عندئذ دخل إلى المقهى ضابط، بحث بنظره عن قيس، ثم اتجه إليه مباشرة وقال له في أدب: تطلبك قيادة المنطقة! حكمت بك يريدك .. لم أجدك في بيتك فقصدتك هنا.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:39 AM
.
نهض قيس، عبر المقهى في اعتداد كأنه هو الذي صاغ الإنذار. ومشى أمام الضابط إلى قيادة المنطقة. في انتظاره حكمت مهيار! "أهلا، أهلا!". قدم له مقعدا. ثم سأله كمن يطلب منه أن يبوح بسر: أسألك بالله، كنت تعرف أن الاتحاد السوفييتي سيوجه إنذارا؟ سؤالي مني فقط، وجوابك لي فقط! ابتسم قيس: عرفتُ ذلك لأني أثق بأن الاتحاد السوفييتي لن يسكت على العدوان على مصر في هذه الظروف. دافعت مصر عن أرضها الوطنية فتركت له الفرصة ليتدخل. عندما نحدد عدونا ونقاومه نترك الفرصة لأصدقائنا كي يساعدونا على ردّه. لكني لم أعرف ذلك بطريقة أخرى! نظر إليه حكمت مهيار مبتسما: أقسم لك بأن ماتقوله سيبقى عندي ولن أبوح به لأحد! ياحكمت بك! فتّشتم بيتي مرات وتبيّنتم أنه لايوجد لدي لاسلكي! أنت تعرف أن ليس عندي حتى تلفون! قال مهيار: لكنك كنت واثقا من تدخل الاتحاد السوفييتي! ردّ قيس: من يشتغل مع بريطانيا يمكن أن يتلقى منها الأوامر. علاقتي بالاتحاد السوفييتي لاتقاس بهذا المعيار. نظر حكمت مهيار إلى قيس وهزّ رأسه. أيمكن ألا تكون لدى قيس معلومات خاصة؟! فسّر له قيس: لنفكر في وضع مجموعة عدم الانحياز لو لم يتدخل الاتحاد السوفييتي وانتصر المحتلون! هل يسمح بهزيمتها؟ أليس من مصلحته أن يسند العالم الثالث الذي يدافع عن استقلاله؟‏

بالرغم من الإنذار استمر التدريب على السلاح يومذاك. تجمعت طالبات الجامعة في مرجة الحشيش في دمشق. صفّهم رقيب في الجيش صفوفا. القصيرات في الصفوف الأمامية، والطويلات في الخلفية. ليلى في الوسط. وزّعت عليهن بنادق جديدة. لاينفي الموقف أن تبتسم ليلى وتتهامس مع صديقتها! صاح الرقيب: لستن في الجامعة! ولستن في بيوت أمهاتكن! هذا جيش! مفهوم؟! سكتت ليلى وزميلتها وابتسمت الفتيات. الشمس محرقة لكن الرقيب أبقاهن واقفات كالتماثيل. همست ليلى لنفسها: هذا لن يفيد في ردّ الإنزال! المهم أن نتعلم استعمال البندقية! مشى الرقيب بجوارهن وتفقدهن. استمتع بسطوته. همست غادة لزميلتها عندما ابتعد: لم يكن يحلم بأن يوقفنا هكذا تحت رحمته، ولو في المنام! ارتد الرقيب إلى الخلف: من يثرثر؟ من لايتحمل الوقفة خمس دقائق صامتا تحت الشمس لن يتحمل الرمي! تذكرت غادة أيام المدرسة، الهمس في الصف، والتظاهر بالإصغاء كلما التفتت المعلمة. همست مديحة عندما ابتعد الرقيب: ليس صحيحا ماقلته ياسيادة.. الرقيب!‏

ركبت الفتيات شاحنات عسكرية نقلتهن إلى جبل المزة. سبقتهن إلى هناك مجموعات كثيرة من الفتيان والفتيات. صف الرقيب مجموعة ليلى ثم أمرها: انبطحن! فانبطحن على الأرض كما علّمهن. أسندن البندقية إلى أكتافهن كما علّمهن. استندن على المرفق إلى التراب كما علّمهن. مر وصحح أوضاعهن. أشار إلى الدريئات، وبين كيف يجب التسديد وأين. وبدأن بالرمي. دوى الرصاص. تجربة عظيمة! تجربة جديدة! انهضن الآن وافحصن دريئاتكن! مرّ قرب كل واحدة وأحصى الإصابات! دريئتك أنت نظيفة تماما؟ أين أطلقت الرصاص؟ في الهواء؟ ستنتصرين على العدو؟ سيقتلك قبل أن تصوبي إليه! همست ليلى لزميلتها ذات الدريئة النظيفة كأنها تتقمص مكان الرقيب: افهمي أننا لانطلب منك الجرأة، نطلب الدفاع عن النفس! قالت لها زميلتها: سأصحبك كي تدافعي عني في الليلة الظلماء! اقترب الرقيب من دريئة ليلى: ممتاز! رصاصاتها كلها في مركز الدريئة! لكن الرقيب لايريد أن يثني عليها، لأنه يعرف أنها تهمس كلما ابتعد. قال: يبدو أن زميلاتك سدّدن إلى دريئتك! كبحت ليلى ابتسامتها، لكن هل تستطيع أن تكبح بريق عينيها؟‏

نقلهن الرقيب إلى مكان قريب. صفّهن خلف حواجز ترابية. تنقل والقنبلة اليدوية في يده. بيّن كيف يفكّ منها الأمان. بيّن كيف ترمى بعيدا. كرّر الحركة. أخرج واحدة منهن من الصف، وضع القنبلة في يدها وطلب منها أن تعيد حركة الرمي. طلب أخرى. تردد برهة ثم طلب ليلى. خطت إليه وتناولت القنبلة وكررت الحركة. قال لها: ممتاز! ثم تراجع وقال: لابأس! ابتسمت ليلى وغمزت غادة وهي تعود إلى مكانها! بيّن الرقيب الخطر عليهن إذا لم ينبطحن فورا خلف الستار الترابي بعد رمي القنبلة، بيّن الخطر إذا خفن فرمينها قربهن! يجب أن يقدّرن الزمن بالشعرة! قال لهن دون أن يبيّن سبب حرمانهن من رضاه: مدلّلات، ومباشرة إلى الرمي والقنابل اليدوية؟! آه، لايعرف أننا لعبنا بالطابة في باحات المدرسة وكنا ماهرات في رميها من أول الباحة إلى آخرها! لايعرف أن الطابة لعبتنا المفضلة في الطفولة والشباب! لكن غادة تعرف أن ذراع حنان هشة في رمي الكرة. قالت لها: اسمعي، ارمها بعيدا، قدر قوتك! ليس هذا وقت الموت! لاحظت أن حنان مرتبكة. خفق قلب غادة، همست لرفيقاتها انبطحن فورا وقت ترمي حنان القنبلة! هل يحتجن نصيحتها؟ ألم يكن معا في المدرسة! رمت حنان القنبلة قريبا من الساتر الترابي. لكننا نجونا يابنات! قال الرقيب: هكذا تقتلين نفسك ولاتقتلين عدوك! لم يقترب من غادة. تركها حتى أصبح المستحيل إهمالها. "أرنا شطارتك الآن"! همست لنفسها: طبعا سأريك شطارتي! رمت القنبلة بكل قوتها، بعيدا، بعيدا! اقترب منها الرقيب وقال: هكذا تتجاوزين عدوك! ترمين خلفه! قالت له: رميت حيث تصورت العدو! قال: تتصورينه بعيدا جدا! وتجاوزها!‏

في المساء لاحظت ليلى أن الشمس خطت على رقبتها حدود القميص. وأن لون جبينها يختلف عن لون منبت شعرها. وأن جلد كفها احمر وانتفخ. ستربط يدها كيلا يسخر منها الرقيب، كما سخرت من زميلاتها اللواتي تعودن المشي بالكعب العالي فاختلت مشيتهن دونه خلال التدريب!‏

بعد أربعة عقود سيتصفح قيس مع عفيف، القومي السوري، تلك الأيام من خمسينيات القرن العشرين. وسيروي عفيف لقيس كيف حاول اغتياله: قررنا تصفيتك! بعد أسابيع من ذلك البوح سيمشي قيس في جنازة عفيف وسيبكي عليه. هل كان ذلك الاعتراف رغبة في راحة الضمير؟ أم مهّد له الزمان؟ لم يكن الخلاف بين قيس وبين عفيف خلافا بين شابين متحمسين جامحين فقط. كان خلافا بين اتجاهات التقت فيما بعد وأنضجها الزمن. فاجتمع الأعداء القدماء أمام موت واحد أيام حصار بيروت واحتلال جنوب لبنان. وعلّقت في بيوت خصوم الأمس صورة الشهيدة ثناء محيدلي.‏

كان كلاهما من صفورية، خرجا منها في يوم واحد، وقت احتلها الإسرائيليون سنة 1948. وجمع أبويهما ماهو أكثر من الصداقة. وعندما فرقت السياسة ما بين قيس وعفيف، رأى الأبوان ذلك من اندفاع الشباب الذي سيعيده الزمن إلى سكّة العقل.‏

في تلك الأيام من سنة 1956 وصلت رسالة إلى قيس: "جورج عبد المسيح موجود في بيت حشيشو. بلّغ القوات السورية"! جورج عبد المسيح متهم بتنظيم اغتيال عدنان المالكي، والدعوة إلى حلف بغداد. وسيتهمه حزبه فيما بعد بأنه رتّب الاجتماع الحاسم في بيت جولييت المير ليسلّمها للشرطة. حاكمت سوريا قادة القوميين السوريين بتهمة التنسيق مع الغرب. هل كان الالتباس بين مشروع الهلال الخصيب ووحدة بلاد الشام، فقط؟ وحدة عربية بين بلد متحرر كسوريا وبين بلد مقيد بحلف بغداد؟! هل يجوز الانحياز إلى الأحلاف العسكرية؟!‏

قابل قيس مروان السباعي، في مقر القوات السورية الموجودة في شرق إربد، وأوصل له الخبر. لكن قبل أن تطوّق مجموعة من القوات سورية بيت حشيشو، اختفى عبد المسيح. لاأسرار في بلد صغير!‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:40 AM
.
قرر عفيف عقاب قيس! رتب خطة دقيقة: تطوق مجموعة مسلحة بالعصي والسكاكين بيت قيس ليلا وتنتظر عودته، تخطفه وتقيده، تضعه في كيس، يراقب ذلك من بعد سائق سيارة أبي عفيف الرابض في نهاية الطريق فيتقدم بالسيارة، يوضع الكيس في صندوق السيارة وينقل إلى الشونة، وهناك يرمى في البركة.‏

في ذلك اليوم استدعي قيس إلى الرمثا، وبقي هناك حتى اليوم التالي. كانت المجموعة المكلفة بخطفه قد أحاطت بيته في انتظاره. بيت قيس قرب مضافة شيخ الجبل. في منتصف الليل خرج من المضافة أحد الساهرين فيها منصرفا إلى بيته فرأى مجموعة من الشباب مسلحة بالعصي تجوب الطريق. رجع إلى المضافة وأعلن: الحارة مطوقة أو مراقبة! ليسوا عسكريين! شباب! خرج الرجال من المضافة فهرب الشباب. لكن الرجال أمسكوا بأحدهم: صبي من عشيرة شيخ الجبل. أدخلوه إلى المضافة: احك بالتي هي أحسن! تردّد ثم حكى عن خطة لخطف قيس. في تلك الليلة ذهب رجل من المضافة إلى بيت أبي قيس وقال له: أنت حذّر ابنك، ونحن سنقوم باللازم.‏

في اليوم التالي جلس عفيف العفيفي أمام البركة التي كان يفترض أن يرمى فيها قيس. فشلت الحملة أمس لكنها ستنجح يوما ما! كان عفيف يراقب العمل في شركة الباصات التي يملكها أبوه بين إربد والشونة. عفيف شاب غني مدلل، وزعيم. لكن مقابله منظمة نقابية كبيرة من العمال الزراعيين في الشونة. وصلهم الخبر عن محاولة خطف قيس وهو مايزال في الرمثا. اجتمعوا وقرروا تأديب عفيف دون أن يستشيروا أحدا. إذا كانت الدولة لاتمنع الاعتداء على قيس سنمنعه نحن! فليفهم أن لحمنا مرّ! وليخمّن مصيره إذا كرر حملته! كان عفيف جالسا في المقهى قرب البركة، فتقدمت مجموعة منهم، حملته مع كرسيه ورمته في البركة.‏

وصل قيس إلى بيته في مساء اليوم التالي. فتلقاه أبوه: يجب أن نذهب فورا إلى قيادة المنطقة. خير يابا؟ طلبوك! خرج قيس مع أبيه إلى هناك. وجدا أبا عفيف جالسا قرب قائد المنطقة والغرفة ملأى بالرجال. قال أبو عفيف لقيس معاتبا: ولو، ياقيس! وصلت بيننا إلى الدم؟! عم يتكلم أبو عفيف؟ لم يفهمه قيس. سأله: كيف تصل بيننا إلى القتل ياعمي؟ قال أبو قيس: خير ياأبا عفيف؟ عفيف مثل ابني! قال أبو عفيف لقيس: لاتعرف؟ سأله قيس: أعرف ماذا ياعمي؟ لن أقسم لك. لكني لاأعرف عم تتكلم. حكى أبو عفيف أن أصحاب قيس رموا ابنه في البركة في الصباح. لم يفهم قيس لماذا فعل أصحابه ذلك. قال: هذا أسلوب لاأوافق عليه! عندئذ روى أبو قيس ماجرى في ليلة الأمس حول المضافة. دهش قيس، وتفرج الحاضرون على دهشته. حاولوا خطفي؟ قال أبو عفيف: حاولوا خطفك وقتلك؟! لم أعرف ياابني. وهل أوافق على مسّ شعرة في رأسك؟ احكوا لي القصة كلها، احكوا..‏

قال أحد الحاضرين: واحدة بواحدة. والبادئ أظلم! الحمد لله، لاهذه نجحت ولا تلك. يورطنا أولادنا في المشاكل. لاتوجد سياسة ياأولاد دون هذا القتال بينكم؟! لاتتجاوزوا الكلام.. تقاتلوا بالكلام ماشئتم ولكن دون دم! فليفرد كل واحد منكم ماعنده، لكن لاتستعملوا الأيدي. هل يليق بعفيف أن يرسل أصحابه حاملين العصي كعصابة ويخطط استخدام سيارة من سياراتي؟ حساب عفيف معي!‏

وصلت أخبار محاولة خطف قيس إلى قائد المنطقة في وقتها. ثم وصلت أخبار الانتقام من عفيف. ولكن من يعتقل؟ مجموعة من الشباب؟ ستقوم عليه الدنيا. أبو عفيف وأبو قيس صديقان. سيفرض الأهل الصلح ويبقى هو خارج المائدة. لن يتورط في هذه القصة. ستحل بالتفاهم! وهذه الأوقات ليست للاعتقالات!‏

لكن تلك الأوقات لم تكن طويلة. لم يتجاوز عمر حكومة النابلسي الأشهر. وقع انقلاب الملك على الحكومة في نيسان سنة 1957. بدت المظاهرات والاحتفالات التي تصدّرها البعثيون والقوميون والشيوعيون مبررا لخوف الملك من انقلاب اجتماعي على الطريقة المصرية. احتل الناس الذين كان يُظن أنهم مسالمون الشوارع! وحملوا الأحزاب التي كان يُظن أنها في الهامش الظليل! وظهر في الجيش ضباط تجرفهم حماسة الشارع العربي! فاضطرب بلد كان الإنكليز يعتقدون أنه مستقر! هل أثمر تحذير كميل شمعون وهمسه للملك؟ هل أوهمت الهبّة ضد الأحلاف والتضامن مع مصر أن المسألة تسليم القيادة العربية لناصر وجرف الممالك؟ في الأردن فرقة عسكرية سورية، ومقابلها فرقة عسكرية عراقية! فإلى متى تقبل إسرائيل وأصحابها ذلك؟‏

كان الكونغرس قد وافق في التاسع من آذار سنة 1957 على مبدا أيزنهاور. فشرّع بشكل ديمقراطي التدخل في البلاد العربية. فوصل مبعوثون أمريكيون ليحذّروا الحكومات العربية من النفوذ السوفييتي وينبّهوها إلى خطر سورية التي تقبل المساعدات العسكرية والفنية السوفيتية. رأى مبدأ أيزنهاور أن المنطقة العربية تعاني من الفراغ بعد هزيمة الفرنسيين والبريطانيين في السويس، ولابد أن تملأ الولايات المتحدة ذلك الفراغ. وكان مووز سفير الولايات المتحدة في سورية قد عبّر عن قلقه من نجاح البعثيين في الانتخابات الفرعية للمجلس النيابي، ومن اتجاه المجلس نحو "اليسار". أيدت حكومتا العراق ولبنان مبدأ أيزنهاور. لكن الشعوب العربية تظاهرت ضده وأنشدت "دالاس يادالاس، يابو الدسائس، مابيخوفنا الأسطول السادس". وبيّن بعض المسؤولين العرب أن التدخل في سورية غير مسوّغ وأن العرب يرون الخطر على العرب من إسرائيل لامن الاتحاد السوفييتي. أذاع الراديو السوري: الأمة العربية هي التي تملأ الفراغ. وأعلن إحسان الجابري، رئيس لجنة الشؤون الخارجية السورية في مجلس النواب السوري، أن: مبدأ أيزنهاور لن يحمي سوى المصالح الغربية واحتكار الغرب نفط الشرق الأوسط، ولايحترم طموحات شعوب المنطقة.‏

وجه الملك رسالة إلى سليمان النابلسي أعلن فيها قلقه من "المدّ الشيوعي"، وأقال حكومته. فقال قيس: هذا ليس بعيدا عن الضغوط الأمريكية على حكومات المنطقة العربية! سيبدأ تطبيق مبدأ ايزنهاور! وقتذاك أعلنت الولايات المتحدة: "استقلال الأردن ووحدة أراضيه أمر حيوي" للأمن القومي الأمريكي، واتجه الأسطول السادس إلى المنطقة. فوصلت إلى قيس تعليمات: لاتبق في بيتك! فهجره قبل الانقلاب وسكن مع أبي قاسم.‏

طلب الملك سحب الفرقة السورية الموجودة في الأردن. لماذا؟ هذه ضمانة فهل نسينا اجتياح إسرائيل سيناء؟ اتصل القوتلي بالملك مرات فلم يجبه. وعندما أجابه أعلن له أن قراره مسألة داخلية!

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:41 AM
.
في ذلك اليوم اجتمع طلاب الجامعة البعثيين في مقر الحزب في دمشق قلقين على الأردن. فقيل لهم اهدأوا، صلاح البيطار الآن في القصر الجمهوري يتباحث مع القوتلي، والقوتلي يتصل بالملك حسين. وسيأتيكم بالخبر اليقين عندما يرجع. كان زميلهم أبو العباس قد سافر إلى نابلس ليعرف الحقيقة بنفسه وسيعود في ذلك المساء. انتظر الطلاب ساعات ثم قرروا أن يجلوا عن مقر الحزب وينتظروا أبا العباس في مقهى من المقاهي. أتى أبو العباس متأخرا. ماالخبر ياأبا العباس؟ كان متفائلا! ماذا يستطيع الملك أن يفعل؟! رأيت بعيني لوحة طويلة عريضة في نابلس كتب عليها: كراج جمال عبد الناصر. لا يجسر أحد على نزعها من مكانها! ومثلها كثير! ضحك الطلاب، لكن ماالعمل؟ سيراقبون الأحداث في الأيام التالية! ماذا يستطيعون أن يعملوا؟! لاتقولوا ذلك! فالجامعة مركز يسند حكومة أو يهزّ عرشا!‏

كان قيس منذ ثلاثة أسابيع سجينا في بيت سري في إربد مع أبي قاسم. تفادى القرب من النافذة. وتفادى تحريك ستارة. أصبحت حاسة السمع صلته بالعالم، وفقد الصلات الأخرى المتنوعة، صلة القدمين بالشوارع، والعيون بالفضاء، والجسم بالبرد والحر. فقد ملامسة الناس بالمصافحة. ولمس الخضار والفواكه في الدكان. والاستمتاع بواجهات باعة الحلوى. وتذكر هبات الحياة المتنوعة: الروائح التي كانت تهفّ عليه وهو يعبر البساتين والبيوت، عبق التراب بعد المطر، ألوان الحشائش والزهور، ألوان السماء الفاتنة، حركة الضوء في أوقات النهار وفي الفصول، نعمة انسياب الليل والنهار والشروق والغروب. كم تبدو الحياة باهتة دون حركة الإنسان في الأرض! هل دافع قيس عن نفسه فحشد الذكريات حوله وملأ بها البيت الذي أغلقه على نفسه كسجن؟ استعاد قريته البعيدة، ارتوى من ماء القسطل ومشى في سهل البطّوف. لمس شجر التين في طفولته. وسمع أغنيات أسمهان من "الفونوغراف". تذكر دمشق وليلى. ثم هرول إلى التفكير في الأحداث، وحلّلها مرة أخرى، وحاول أن يستشف نتائجها. لم يتساءل هل أنا على صواب أم على خطأ الآن. بل بدأ من ايمان متين بموقفه. لكنه شعر وهو يستعيد ماضيه القريب بأنه كمن يعزّل بيته قبيل الشتاء! يغسل جدرانه وأرضه ثم يرتب فرشه في مساحة نظيفة!‏

سيقول قيس فيما بعد لأصحابه: كنت في ذلك البيت السري في إربد كأني في انتظار القدر! تنفست في عمق وقت فتحت الراديو فسمعت إعلان الأحكام العرفية ومنع التجول في صباح 7 نيسان. أليست مواجهة المصيبة أيسر من انتظارها! سمح للناس بالتجول بين الساعة الثالثة والخامسة لشراء إفطارهم في رمضان. فتش قيس جيوبه فوجد أربعين قرشا. ووجد مع أبي قاسم أكثر منها بقليل. كان أبو قاسم غير معروف في مراكز الشرطة، مع أنه كان على رأس الدبكات وقت إلغاء المعاهدة الأردنية البريطانية، ومشى في الشوارع وراء حَمَلة المشاعل في الليل وفي مقدمة الاحتفالات والمهرجانات. ولكن من لم يساهم في تلك الأفراح؟! قال له قيس: تعرف أبي، فاذهب إلى دكانه في فترة التجول. مخزن الحبوب على بعد عشر دقائق من هنا! قل له إني موجود معك وسيعطيك مالا ومؤونة! خرج أبو قاسم ورجع بخمسة دنانير وبعض الحبوب، وبالصحف الأردنية الصادرة في ذلك اليوم ومنها صحيفة "الدعوة" التي يصدرها الإخوان المسلمون. فتحها قيس على عرضها. ماهذا؟ في صفحتها الاولى بخط أحمر وحروف كبيرة: هؤلاء هم الشيوعيون والبعثيون الخونة! في الصفحة الأولى ثلاثة إطارات. في الإطار الأول صورة فوتوغرافية غير واضحة كتب تحتها: الخائن خالد بكداش في موسكو مع سكرتير الحزب الشيوعي الإسرائيلي. وفي الإطار الثاني صورة رسالة كتب تحتها: رسالة الخائن أكرم الحوراني إلى الجنرال كاترو. وفي الإطار الثالث: قصيدة الخائن قيس..‏

طوى قيس الجريدة دون كلمة. وطبخ أبو قاسم مجدّرة من البرغل الموجود في البيت ومن العدس الذي أتى به من دكان أبي قيس. أكلا صامتين. قال أبو قاسم: كان يجب أن أشتري لبنا نشربه مع المجدّرة! لم يجبه قيس. مايزال مشغول البال بما نشرته الجريدة، مع أنه يثق بأن الناس الذين قادهم في المظاهرات ضد الأحلاف يعرفونه، ولايمكن أن يصدّقوا أنه كتب تلك الكلمات!‏

شرب قيس فنجان الشاي، وقال لأبي قاسم: تعال ياأبا قاسم نتحدث الآن! الصورة الأولى فيها غبش، وتحتاج الى خبير يظهر إن كانت حقيقية. إذا كانت حقيقية فهي تسجل أن قائد حزب اجتمع مع قائد حزب آخر، ولذلك الاجتماع أسباب هو المسؤول عن الدفاع عنها. مع أني أعرف أن ميكونيس روسي أبيض، معاد للثورة! وستبين الأيام صحة رأي قيس يوم يؤيد ميكونيس العدوان على سورية ومصر والأردن في حزيران. وسيصبح ابن موشيه سنيه، افرايم سنيه، الذي كان سكرتير الشبيبة الشيوعية، وزير الصحة في حكومة بيرتز! وسيقول موشي دايان في تأبين ميكونيس: سيأتي اليوم الذي ستعرف فيه الحركة الصهيونية أية خدمات كبرى قدمها هذا الرجل لها! قال قيس: يشترط الموقف الصحيح من اليسار الصهيوني، وعينا. المسألة هل نصدّق هذا اليسار أم نفهم أن الصهيونية واحدة ذات وجوه وألوان!‏

أما رسالة الحوراني إلى الجنرال كاترو فقد تكون مزوّرة مع أن الحوراني لم يكن وقتذاك اشتراكيا. فإذا كانت صحيحة فيجب أن تُفهم في سياقها وزمنها لأن الرجل حارب المحتلين الفرنسيين. أما هذه القصيدة المنشورة فهي قصيدتي حقا، وأنا الذي كتبتها! والحق مع من يتهمني، لأني أقول فيها لرجل يؤكد ضرورة عودة اللاجئين إلى وطنهم: خسئت! فينهض عرفان ويقبلني ويقول لي: هذه قصيدة تنضح بالأممية! وسأروي لك كيف حدث ذلك!‏

في سنة 1954 جرت انتخابات نيابية زوّرت بشكل واضح. وكانت جماعتي تدعم في إربد رجلا وطنيا هو أحد المحامين الذين دافعوا عن عرفان عندما اعتقل وحوكم في سنة 1952. زوّرت الانتخابات بطريقة فظة. وعندما بدا التزوير وأفلت الغضب والصراخ في الساعة الحادية عشرة ليلا، جاء رجال الشرطة، ضربوني وسحبوني من مركز الفرز في البلدية إلى السجن. كانت المسافة بين البلدية وبين السجن لاتزيد عن عشرة أمتار. وفي الفجر نقلوني الى الجفر بالسيارة. فالتقيت بعرفان للمرة الثانية.‏

في هذه المرة تعرفت بيعقوب. كان فراشي بجانب فراشه، ومقابلي فراش الدكتور عبد الرحيم بدر. لاتعرفه؟ رجل محبوب، واسع الثقافة، طبيب وأديب وناقد كتب كتابا في الفلك عنوانه الكون الأحدب، وهو الذي نبهني إلى روايات الكاتب الايطالي إغناسيو سيلوني الذي كتب فنتيمارا، والخبز والنبيذ، والبذرة تحت الثلج.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:42 AM
.
هل عمّق الاعتقال الثاني شعوري بأن عرفان لايجسد المثل التي حلمت بها، وأن ظله أطول منه؟ ومع ذلك ألم أستر عن نفسي مخالفة الإجماع يومذاك لأن تلك المخالفة تساوي جريمة؟ ألم أحاول أن أقنع نفسي بأني كنت مخطئا في حدسي؟ أقام عرفان صلة جيدة بأحد ضباط المعسكر، فأمّن له الصلة بخارج الجفر. صار الضابط ينقل الرسائل من عرفان وإليه. وقد وصل مقال كتبه عرفان عنوانه "نهرو كلب حماية المصالح الاستعمارية في الهند". كانت آسية قد بدأت تنهض ومعسكر عدم الانحياز يتلامح ولنهرو مكانة مهمة في تلك المساحات، وكان موقفه من العرب جيدا. لذلك تأملنا المقال بدهشة وتساءلنا هل هذا خطأ أم هو نتيجة غربة القائد عن الأحداث؟ لابد أن العزلة منعت ذلك القائد من متابعة حركة الدنيا! ولم ينشر المقال الذي كتبه عرفان.‏

في تلك الفترة ولد مشروع جديد لتوطين اللاجئين في البلاد العربية. وأتى أحمد الشقيري يدعو لتثبيت حق اللاجئين الفلسطينيين في وطنهم. قوبل هذا الرجل باحتجاجات بتحريض من الشيوعيين، وقيل لي إن الشقيري ضُرب في منطقة أريحا بالبندورة والحجارة، واتهم بأنه يدعو إلى تحرير فلسطين من المستوطنين ورميهم في البحر! فكّر ياأبا قاسم معي الآن، هل كان موقفنا صحيحا يومذاك من رجل يدعو إلى عودة اللاجئين إلى أرضهم، أم كان موقف الشقيري هو الصحيح! كتبتُ يومذاك في المعتقل، برومانسية "ثورية"، قصيدة بدأتها: قل للمبشر بالرجوع خسئت من متآمر.. سنعود لكن لاعلى أشلاء شعب آخر!‏

في الجفر كان المعتقلون في برّاكات والمحكومون في برّاكات أخرى وبينهما شريط فقط. وكانت إدارة السجن تسمح للمحكومين بأن يتغدوا مع المعتقلين يوم الجمعة. فكانت أيام الجمعة لقاءات ثقافية يلقى فيها الشعر والنثر وما يترجمه بعضنا.‏

قرأت تلك القصيدة في اجتماعنا يوم الجمعة بعد الغداء في الجفر. كانت أقدام المحكومين مقيدة بالسلاسل، فوقف عرفان ورفع قيوده بيديه وقبّلني أمام الجميع. وقال: هذه قصيدة تنضح بالأممية، وتشبه القصيدة التي حيى غوته بها نابوليون عندما هزم جيوش بروسيا.‏

كنت شابا فتيا فكان تقدير قائد الحزب لي وعناقه وساما جديدا أضافه إلى أوسمته السابقة. لكني بعد سنوات تبينت ضحالة مفهوم عرفان عن الأممية وبساطة فكره. سرق اوكراني أو بولوني بيتي في فلسطين، فهل أعترف بما اغتصبه وأقول للشقيري خسئت؟! من حظي أن هذه القصيدة لم تنشر. يبدو أن جريدة "الدعوة" أخذتها ممن حفظها! وهذا درس يبيّن للسياسي أنه لايستطيع أن يرمي كلماته ثم يعتذر عنها! فسيحاسب على كل مقطع من حياته وعلى سياقها!‏

"خسئت من متآمر، سأعود ولكن ليس على، أشلاء شعب آخر"؟ هكذا أكون سقطت في قرار التقسيم الذي اعترف للمستوطنين الذين وصلوا إلى فلسطين قادمين من أنحاء الأرض، بأنهم شعب! وأخالف العناصر التي تكوّن الشعوب في عصور بتاريخ وثقافة وبنية روحية وأرض! ويحتفي بخطئي قائد حزب علنا فيقول لي "قصيدة تنضح بالأممية"! وأقول عنها الآن: غباء، وخيانة!‏

فهم أبو قاسم أن قيسا يتحدث إليه كمن يتحدث إلى نفسه. فهذه الأمور لاتبحث بهذه البساطة، في مثل هذا الوقت، والبلاد مشلولة بالأحكام العرفية، ورقبة قيس مشدودة بحبل من طرفين! قد تودي هذه الكلمات بصاحبها قبل أن تمسك به الشرطة! استنهض ذلك شهامة أبي قاسم. وتعلّم درسا من هذا الشاب الذي يماثله في العمر تقريبا، كان السوريون الرسميون أقدر على فهمه: في مسألة العلاقة بالصهيونية وإسرائيل كن مبدئيا وإياك أن تتأرجح أبدا! فهنا مقتل السياسي أو شرفه! لولا ذلك لما تزلف الحكام إلى شعوبهم بإدعاء أنهم أعداء إسرائيل!‏

تجوّل أبو قاسم بين محطات الإذاعة وخفّض صوت الراديو. يحفظ أوقات نشرات الأخبار في المحطات العربية كلها. لكن هل يقدّر الحرّ أهمية الراديو كما يقدرها الآن هذان الرجلان المختفيان في بيت لاترفع ستائره؟ سأله أبو قاسم: مارأيك في فنجان شاي؟ كان يريد أن يعرف مقطعا آخر من حياة قيس. ولم يبخل قيس عليه به! وكأنه كان ينقّب في شكه ويقينه.‏

أول مرة اعتقلت وضعوني في سجن إربد. كان ذلك في سنة 1951. بعدها اشتغلت فترة قصيرة جدا في عمان، في دائرة المياه والأراضي. وعشت في عمان. كنا أربعة في مجموعة: فائز ، وأنا، وعامل في محمصة اسمه خليل لاجئ من اللد، ومحمد.‏

ذات يوم اتفقت مع العامل خليل على اللقاء في مكان معين ليناولني حصتي من النشرة لأوزعها. نزلت من مكان عملي في جبل اللويبدة في عمان ومشيت إلى سينما الزهراء. عند المفرق هناك كان سيعطيني رزمة الجرائد. ورأيته. جاء على دراجة، سلمني الرزمة واختفى. كان يفترض أن أنزل على الدرج إلى شارع الملك طلال. لكن الشرطة كانت تننظرني على بعد خطوات من مكان الموعد. أمسكوا بي والرزمة في يدي كما هي، وأخذوني إلى قيادة شرطة عمان. لم أضرب، لم يمسني أحد. أرسلت بالسيارة في الليلة نفسها إلى معتقل الجفر. لماذا لم أقدّم إلى المحاكمة مع أن الدليل الذي يحكم علي به خمس عشرة سنة موجود، حسب قانون المكافحة؟ استنتجنا في المعتقل أني لم أقدم للمحاكمة كي يستر الخائن فيبقى في مكانه في الداخل.‏

هكذا وصلت الى الجفر أول مرة. لم أخفِ عن نفسي أني كنت سعيدا باللقاء بالقائد عرفان الذي اعتقل يوم دوهمت المطبعة التي كان فيها مع اثنين من القياديين وعامل مطبعة وقدموا الى المحاكمة. صدر الحكم عليه يومذاك بالسجن عشر سنوات وعلى الآخرين بسبع سنوات وثلاث سنوات ونقل عرفان إلى الجفر.‏

وصلت إلى الجفر إذن كمعتقل لاكمحكوم. وبحثت جماعتي ظروف اعتقالي وسبب استبعاد محاكمتي. اعتقلت في زمن حكومة توفيق أبو الهدى. وكان في الجفر خمسون أو ستون معتقلا. سيسجل بعض المعتقلين في مصر والأردن والعراق فيما بعد مذكراتهم. وستبدو أيام الاعتقال مركزا في حياتهم. سيكسب بعضهم منها الحكمة والتأمل. ولن تتفادى مذكرات يعقوب تسجيل مايخسره المعتقل كإنسان من علاقات بزوجته وأولاده، مع ماخسره في ذلك المقطع من عمره. لكن المعتقل لن يهب التواضع للمتكبر بل سيزيده غطرسة. كان المحكومون مع عرفان رشيد، وعبد الله عامل المطبعة ، وجابر الذي سيهاجر الى بورتوريكو بعد خروجه من السجن سنة 1967، وعبد العزيز الذي سيبقى فترة طويلة قائدا. سيكبر ولدا يعقوب بعيدا عنه، وستصرف زوجته سلوى شبابها في العناية بهما. وستتحمل أحيانا قسوة الصهيونيين الحاكمين في البلاد الاشتراكية. سترى جارتها الايرانية تتزوج من رجل ألماني مقدّرة أن زوجها المعتقل في ايران لن يخرج من السجن حيا. وستنفر منها لأنها لم تخلص للمحبوب. ولن يكون لدى سلوى غير صورة صغيرة تضعها خلف زجاج خزانتها لتذكّر ولديها بأبيهما المعتقل في الجفر.‏

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:44 AM
.
نظم المعتقلون والمحكومون في الجفر أنفسهم في حلقات يناقشون فيها الوضع السياسي في الأردن والعالم العربي، وقرأوا مايكتبه عرفان في كراسات يتداولونها. قرأ قيس في إحدى الكراسات يومذاك دراسة عن تاريخ حركة التحرر الوطني الفلسطيني. قرأها مرة أخرى وأرِق في تلك الليلة. لم أستطع ياأبا قاسم أن أهضم ماكتبه عرفان! ذكر أن منظمات يهودية مثل شتيرن ساهمت بطرد الاستعمار البريطاني من فلسطين. من يجهل أن الانتداب نفّذ ماالتزم به في وعد بلفور فيسّر الهجرة الصهيونية ونقل الأراضي إلى المستوطنين، وسهّل تنظيم قوة عسكرية يهودية؟! نعرف كيف انسحب البريطانيون من كل منطقة في فلسطين ولمن سلّموها! وجدت نفسي أمام الأوهام التي نشرها اليسار الصهيوني ونقلها عرفان! لكن هل بقي عربي يجهل جرائم شتيرن؟! ربما بدأت من هناك بذرة الخلافات بيني وبين عرفان. لكن ماذا طمر ذلك؟ تقديس القائد وتنزيهه عن الخطأ، صموده في المعتقل؟ تحفّ بالقائد هالة من الثقة والاعتداد فتستر مايلتقطه حدسك، وتؤجل التفكير فيه. ويبقى خلافك معه في السر، ينتظر اليوم الذي يظهر فيه الخيط الأبيض من الخيط الأسود.‏

ذات جمعة احتفل المعتقلون والمحكومون بعيد ميلاد عرفان، وقرأت قصيدة كتبتها لتلك المناسبة. لاأستطيع أن أتذكر بيتا من تلك القصيدة. كأني ضيّعت المكان الذي طمرتها فيه! أذكر أنه أعجب بها فقام وعانقني وقبّلني وشكرني. في أيام تلك الرومانسية كانت قبلة القائد وساما من بطل وطني. فمرّت فترة لقبوني فيها بالمدلّل. مدلّل؟ اعتقلت قبل تشكيل المنظمة وكانت قصائدي على لسان الناس، ليس لأنها تحف فنية وإنما لأنها قريبة من قلوبهم. ومايزال أبناء جيلي حتى اليوم يحفظونها. قصائد لاتوجد عندي حتى أني فكرت بنشر إعلان أطلب فيه ممن يحفظها أن يرسلها إلي.‏

خلال اعتقالي، مات ستالين في آذار سنة 1953. كان ستالين وقتذاك يعني انتصار الاشتراكية في الحرب العالمية الثانية! اجتمعنا في يوم الجمعة، يوم لقاء المحكومين بالمعتقلين، في احتفال تأبين، وألقيت القصيدة التي كتبتها عن ستالين. كان الطقس باردا جدا في ذلك المعتقل الصحراوي، وكل منا يلتفّ ببطانيته. ألقيت القصيدة فقام عرفان وعانقني وقبّلني. وكان ذلك وساما آخر يعلق عليّ! كنت أستطيع أن أتيه بأوسمتي حتى يسمع رنينها في عمان! لكني تبيّنت أن الولاء للقائد لاللمبدأ هو الثمن الذي يدفع عادة. نعم، الولاء لشخص! وكأنما المسالة ليست حقا وباطلا أو صوابا وخطأ، بل هات وخذ! قلت لنفسي هذا ليس صالونا اجتماعيا بل مكان وطني، وليس ملكا شخصيا حتى لقائد حزب. الجميع سواسية أمام معيار الحق والباطل! هل كنت مخطئا ياصديقي أبا قاسم؟ سأله أبو قاسم: لماذا تعذّب نفسك؟ أفد من هذا السجن الاختياري ونم! ماأبعده عن النوم! هل يكفينا السكّر؟ فلنشرب إذن كأسا أخرى من الشاي! بقيتُ يومذاك أربعة أشهر في الجفر انتهت بالعفو العام باعتباري غير محكوم. استقالت يومذاك وزارة توفيق أبو الهدى وأتى فوزي الملقي وكان قريبا من الحركة الوطنية فشكل الحكومة وكان فيها شفيق رشيد وزير العدل فصدر عفو عن المعتقلين غير المحكومين فخرجت. لكني في تلك المدة القصيرة من الاعتقال أخذت السل الرئوي، وبدأت أنزف، فذهبت لأتداوى في دمشق. تناولني سليمان وكان قد خرج من السجن في تدمر. أخذني إلى أستاذه بشير. وضعت في غرفة في آخر الممر في الطابق الثاني في مستشفى الغرباء، تطل على مآذن التكية الرشيقة وعلى النخل والأشجار. وكان يعودني مع صديقه فوزي، طالب الطب، وأصحابه الأطباء كل يوم!‏

سيقول عمر لليلى فيما بعد وهما يتابعان عملية سناء محيدلي التي فجرت نفسها في المحتلين: ألا تلاحظين أن لكل زمن روحه وايقاعه؟ طوى القوميون السوريون صفحة غسان جديد وعبد المسيح. قلبوا صفحة الخمسينيات وانغمسوا في المقاومة في جنوب لبنان. يبدو أننا الآن بعد عقود مرت، نستطيع أن نضع التفاصيل في لوحة الزمن. كنا يومذاك ندافع عن وطن مهدد بحرب وإنزال واغتيالات وتدخل عربي. ولم نتهيب ذلك! كان كل منا يشعر بالمسؤولية عن الوطن، لأنه لم يبايع مجموعة سياسية بتلك المهمة وينحسر عن واجباته الوطنية!

في يوم دافئ من أيام تشرين المشمسة قبل عقود، تناول عمر جريدة الفيحاء من دكان الجرائد مقابل التجهيز وانساب نازلا في طريق مرصوف بالحجارة السوداء عابرا أشجار الكينا في كازينو دمشق الدولي. كم يحب هذه الأشجار الباسقة! عرفها منذ انتسب إلى الجامعة. وستظل حتى نهاية القرن العشرين واقفة ممشوقة حتى يقصها فندق الفصول الأربعة ليقيم كتلته الغليظة فوق بيوت زقاق الصخر كلها وفوق حديقة كازينو دمشق الدولي كلها.

رأى عمر طلابا يتصفحون الجرائد مثله. يتابعون محاكمات القوميين السوريين. كانت لديه نصف ساعة فقط قبل المحاضرة. فقرأ مطالعة الرئيس محمد الجراح، مساعد النائب العام لدى المحكمة العسكرية الموقتة، في قضية اغتيال عدنان المالكي. كانت المفاجأة رسائل هشام الشرابي إلى عصام المحايري. بدت في الصور صفوف من الناس الذين حضروا المحاكمة. وفي وسطهم رشيقة، معلمة التاريخ، تحيط رقبتها بمنديل أسود علامة الحداد على عدنان المالكي. قرأ عمر الرسائل التي عرضها الجراح!

"الرجاء إعلامنا عن عنوان خاص بدمشق لاستعماله في المستقبل، أو إذا أردتم سنداوم على الرسائل بواسطة بيروت.. هذا التقرير سري في غاية الخطورة مستقى من مصدر موثوق به مطلع على دخائل السياستين العربية الأمريكية، وعلى اتصال وثيق بالمراجع العليا المسؤولة في أمريكا والعالم العربي.. يجب أن يلقى عناية فائقة منكم.. نظرا لتعاقب الحوادث الآن على مسرح شرقي الأردن. 1 - الوضع في الشرق الأوسط على مفترق طرق أكثر من أي وقت مضى، والحكومة الأمريكية عازمة عزما أكيدا على تنظيم الدفاع عن الشرق الأوسط وسدّ الثغرة فيه مهما كان الأمر، وخطتها في ذلك ربط العراق أولا بحلف مع تركيا، كما جرى أخيرا، ومن ثم الأردن والجمهورية السورية ولبنان. 2- بموجب هذه الخطة ينفصل العالم العربي إلى منطقتين شمالية وهي الهلال الخصيب، وجنوبية هي مصر والسعودية. 3- لبنان والأردن راغبتان في الانضمام إلى الحلف العراقي التركي والمسألة مسألة وقت. 4- تبقى الجمهورية السورية وهي في وضعها الحالي عاجزة عن اتخاذ موقف حازم تجاه هذه القضية. وبالنظر لحالة الجمهورية السورية الحاضرة فالاتجاه يسير نحو إشراك الأردن ولبنان بالحلف العراقي التركي تاركا الجمهورية السورية في حالة عزلة من المنتظر أن ينشأ عنها نوع من الانقلاب الداخلي يكون بحكم الضرورة مؤيدا لموقف الدول السورية الثلاث الأخير المشار إليه أعلاه.

غيارى الراوي
01-03-2009, 04:45 AM
.

السياسة الأمريكية منصرفة انصرافا عنيدا إلى تهيئة الجو لحدوث ذلك النوع من الانقلاب الداخلي في الجمهورية السورية. ومن الواضح أن السياسة الأمريكية هذه تلاقي صعوبة كبرى بالنظر لخلو المسرح السياسي في الجمهورية السورية من أحزاب أو هيئات أو أشخاص ترى فيهم إمكانية قيام انقلاب ايجابي خلاق. هنا ينبغي السؤال الخطير التالي: هل يمكن إقناع الحكومة الأميركية بإمكان الثقة في الحزب وحده لإقامة حكم يستطيع كبح جماح السياسة السلبية الغوغائية في الجمهورية السورية، واتباع سياسة ايجابية منسجمة وموحدة لسائر دويلات الهلال الخصيب. للإجابة على هذا السؤال هناك الملاحظتان التاليتان: أ- السياسة المتبعة في الوقت الحاضر في الجمهورية السورية، أي السياسة المعارضة للشيوعية والغرب في الوقت نفسه، هي أساس البلبلة السياسية القائمة في الحقل الخارجي. والسبب في ذلك أن الحياد في الصراع العالمي القائم، لاسيما في منطقة كمنطقتنا، هو موقف غير واقعي مناقض للسير التصاعدي في سبيل البقاء ومضيع للمصلحة القومية. ب- إذا كان الأمر كذلك فعلى الحزب أن يتخذ موقفا صريحا واضحا يتّصف علنا: 1- بمقاومة الشيوعية. 2- بالاستعداد للتعاون مع الغرب بشروط تؤمن وتضمن المصلحة القومية العليا. 3- على ضوء هاتين الملاحظتين الرئيسيتين يكون الحزب في موقف يخوّل التفاوض على أساس أن الحزب وحده مهيء لإقامة حكم ايجابي قوي. وهذا يطلب مايلي: أ- الاتصال فورا بالمراجع الأميركية. ب- لتحقيق هذا الاتصال ونجاحه يقتضي على الحزب التقرير والقيام بما يلي:1- أن يقرر الحزب ويعلن في الجمهورية السورية السياسة الخارجية المبينة في الفقرة ب. 2- أن يقرر الحزب ويعلن في الجمهورية السورية السياسة الداخلية على برنامج عملي واضح للإصلاح الاجتماعي الاقتصادي الشامي. 3- أن يقرر الحزب ويعلن في الجمهورية السورية في بيان رسمي مسار الأوضاع المتعاقبة منذ العهد الاستقلالي وفشلها ومعارضته لها ودعوة الشعب للالتفاف بشكل صارم من أجل الخروج من هذه الحالة.

لكي يضمن الحزب تنفيذ خطته المشار إليها يقتضي على الحكومة الأمريكية أن تستخدم جميع الوسائل لمساعدة الحزب على الوصول إلى الحكم وتمدّه بالمساعدة المادية وتتعهد بالاعتراف بالأوضاع الجديدة عند قيامها.

رسالة. سري. مجيء الأمين عصام ضروري كموفد رسمي من الحركة.. أعطي هنا إشعار لمنحه الفيزا. ضرورة أن يطلع الأمين عصام على التفاصيل ويزوّد بالتعليمات.. أقترح نشر عزمكم على إرسال موفد يزور المهاجر الأميركية لتغطية سفره الذي سيُعرف..

رسالة. طلب اتصال الأمين عصام بمستر براور الضابط السياسي في السفارة الأمريكية والطلب منه شخصيا فيزا.. حسب إرشادات مستر فرانغ ألين. إذا حصل أي تأخير فأبرقوا: أحمد لم يصل. وإذا تم الأمر: أحمد سيصل بتاريخ..

لم تحضر رشيقة، معلمة التاريخ التي رعت ليلى وغادة، المحاكمة للتشفّي، بل أتت لتتابع الحقائق. أتت لأن عدنان المالكي سحرها بوطنيته وتفاؤله. تابعت سجنه في أيام الشيشكلي وتعذيب أخيه، ورأته بطلا. بدت لها المؤامرة واضحة وكاملة. وتحدثت عن ذلك لغادة! قتل عدنان المالكي مقطع منها. التهمة واضحة لها، هي التي تؤمن بوحدة الوطن العربي: فصل العالم العربي إلى منطقتين.. تمزيقه.. ربطه بأحلاف. وتحضير انقلاب على الحكومة والجيش. لأول مرة اجتمع مجلس العمد والمجلس الأعلى لدراسة تقرير هشام وخرجوا بقرارهم: إرسال عصام المحايري إلى أمريكا.. عرفوا أن دولة أجنبية تنوي التدخل في بلادهم ورحبوا بذلك! قال عصام المحايري إنه زار شارل مالك الذي ذكر له أن أمريكا ستجعل سورية غواتيمالا ثانية إذا ظلت على جمودها. صدر البيان الثلاثي تلبية لملاحظات هشام. استعجلهم جورج عبد المسيح النظر في مشروع الاتفاق بين الدول السورية الأربع وطلب دراسته وإقراره قبل فوات الأوان! حضرت أميركا إليهم بشخصية شارل مالك ولاضرورة لسفر المحايري!

قرأ عمر يومذاك في انتباه مااستمعت إليه رشيقة، وماقرأته منور ونفيسة ومديحة في ذلك اليوم. قبل الظهر نفدت الجرائد التي عرضت المحاكمة. على مقعد في حديقة الجامعة أكمل عمر قراءة مطالعة النائب العام: سقط الحزب في الجولة الاولى في الانتخابات النيابية. تلفن غسان جديد من حمص إلى حسين الحكيم في دمشق باسم حسن الحكيم، وطلب منه هو والرفاق أن يكونوا حاضرين. ضبطنا المخابرة ودهشنا، لأن حسن الحكيم رئيس وزراء.. عجبتْ رئاسة الأركان. أيكون فشل حسن الحكيم في الانتخابات دفعه للاتصال بالعسكريين؟ انتبه موظفو الشعبة الثانية إلى أن المقصود هو المقدم حسين الحكيم فراقبوا بيته. كان مضاء لكن المجتمعين كانوا قد انصرفوا. طلبت رئاسة الأركان تبليغ غسان جديد ضرورة أن يقابل الزعيم رئيس الأركان ليفسر سبب غيابه عن مركزه دون إذن. انتظرته الشرطة العسكرية عند جسر تورا لتبلغه بالأمر. لكنه كان قد احتاط فأرسل زوجته بالسيارة العسكرية في الساعة الرابعة صباحا وأشاع أن الشرطة العسكرية رابطت لاغتياله واتهم بذلك أكرم ديري وعدنان المالكي. اجتمع حسين الحكيم بالمقدم زهر الدين وقال له قد تتعرض لمثل ذلك غدا. فاتجه هذا إلى فوجه ليستنفره. وخرج حسين الحكيم إلى كراجات حمص فصادف زياد الساعاتي الضابط المجند الذي قال له فلنأخذ وحدنا سيارة إلى حمص. في الطريق فرّط حسين الحكيم بكلمات مثل الحالة ستنقلب في هذين اليومين. وفي حمص رفض حسين الحكيم دعوة زياد للعشاء لعجلته. فقدر زياد أن أمرا خطيرا يرتب واتصل برئيس الشعبة الثانية وأخبره أن استنفارا سيقع في قطنا والقنيطرة. فنقل معين عرنوق الخبر إلى رئيس الأركان العامة محمود شوكت. واتصل زياد بالعقيد شحم في القنيطرة وبلغه بهواجسه. فاتصل شحم بمراجعه وأرسل الضابط رشيد البارودي من الشعبة الثانية إلى حمص للمراقبة. رافق العقيد شوكت غسان جديد ومنعا الخروج والدخول إلا بأمر غسان. اتصلت ثكنة حمص بالقطع الأخرى وانكشف الأمر! وشكا غسان في تقريره للحزب من: تسرع حسين الحكيم، وحماقة زهر الدين..

استدعت رئاسة الأركان العامة غسان جديد إلى دمشق لسؤاله عما حدث. فطلب رأي قيادته في الحزب.. أرسل عيسى سلامه ليبلغ الحزب بأنه استدعي لأنه قومي يقف في وجه البعثيين وتدخلهم في الجيش، وبأنه يفكر بالاعتصام في حمص. وطلب رأي الحزب. فرأى جورج عبد المسيح أن الهدف القضاء على الحزب لاعلى غسان جديد لأن الحزب بضباطه عرقل محاولات البعثيين، والأولى أن نعتصم جميعا مع غسان. ورأى عصام المحايري أنه لايجوز أن يدفع الحزب كله إلى المغامرة. فقيل ليست المسألة اعتقال غسان وإنما اغتياله. فقال المحايري غسان شخص والحزب قضية لايجوز أن يضحى بها.

هكذا فشلت محاولة الانقلاب ونقل غسان إلى دمشق فحقد على المالكي. قال نقلوني إلى وظيفة رقيب، والمالكي له يوم! وصار يداوم في جريدة البناء ويحرر فيها باسم مستعار.

غيارى الراوي
01-17-2009, 12:58 AM
.
وصل عمر إلى المدرّج متأخرا. جلس في الصف الأخير، وظل يطل على الجريدة التي وضعها على حضنه. ماأوضح الأمر! ولكن كيف استطاع هؤلاء أن يتآمروا على وطنهم! واجهت سورية بعد الانتخابات النيابية مسألة الأحلاف. ورفضت الارتباط بها. لامصلحة للشعوب العربية في أن تكون طرفا في حرب! لكن العراق جنح إلى غير ذلك. كتب العميد سعيد تقي الدين إلى المجلس الأعلى عن مقابلته سعيد القزاز وزير الداخلية في العراق: حاول العراقيون القيام بحركة في دمشق بواسطة الشخصيات والأحزاب، ودفعوا مبالغ لقاء ذلك ففشلوا فاعتمدوا على حركة داخل الجيش.. قال سعيد تقي الدين: ناهضنا دائما زعامة مصر للعالم العربي. وأما زعامة العراق، فهي نصر لنا، فالعراق بعض بلادنا. وختم رسالته بضرورة كتابة مقال افتتاحي عن نوري السعيد. واتصل عصام المحايري بالملحق العسكري العراقي السامرائي وطلب دخول جريدته إلى العراق. بلغ جورج عبد المسيح برسالة في 8 شباط سنة 1955 المجلس الأعلى قرار إرسال وفد إلى العراق للاتصال بساسته مثل نوري السعيد لأن الظرف الطارئ يوجب ذلك..

في ذلك المساء زارت غادة ورفيقاتها معلمتهن رشيقة. نظرت رشيقة إليهن وشعرت بالشفقة عليهن. من يطاوعه قلبه فيثير الفتن ويشوش حياة هؤلاء الصبايا؟ روت لهن كما تروي حكاية أن قتل المالكي مقطع فقط من مؤامرة. قَدَر بعض الأشخاص أن يتصل مصيرهم بمصير الوطن! سحر غادة دائما صفاء وجه رشيقة عندما تتحدث عن الوطن. وأصغت إليها وهي تغبط من يتصل موته بوطنه! هل تستطيع أن تكون من اولئك؟هل حلمت بمثل ذلك المصير وهي تجمع توقيعات للإفراج عن جميلة بو حيرد، وترسلها إلى الأمم المتحدة، وتتظاهر مطالبة بالحرية للجزائر؟ كم غبطت تلك الفتاة التي برق اسمها في البيوت العربية!

قالت لهن رشيقة: أسقطت المدفعية السورية طائرة إسرائيلية قرب بانياس، اخترقت أجواءنا. وردت القوات المصرية هجوما اسرائيليا بالدبابات. فاستدعى جورج آلن مساعد الخارجية الأميركية كلا من أحمد حسين سفير مصر في واشنطن وأبا ايبان سفير إسرائيل وسلمهما مذكرتين متشابهتين. اتهمت الحكومة الأميركية الطرفين بخرق الهدنة! هكذا تساوي أمريكا بين المعتدي والمعتدى عليه في الظاهر، لكنها تسند دائما إسرائيل المعتدية! في هذه الظروف افهمن الانتخابات في حمص! صرح عبد الهادي معصراني بأن المقعد النيابي الذي فرغ بموت سليمان المعصراني هو للحزب الوطني. لكن حزب الشعب لم يقم وزنا للقيم الأخلاقية فأراد أخذ المقعد. وعندما رأى الحزب الوطني أن المدينة ستنقسم أيد مرشح الجبهة الشعبية أحمد الحاج يونس.

انتهى لقاء الفتيات برشيقة متأخرا. قالت غادة لهن في الطريق: ضاع علينا فيلم سينما الأهرام، نهر لاعودة منه! مارلين مونرو وروبرت ميتشوم! قالت رفيقتها: لم يضع! لدينا الغد! أحب روبرت ميتشوم جدا، جدا! ضحكت أخرى: أنا أحب كلارك غيبل! هل تذكرنه في ذهب مع الريح؟ يأخذ العقل!

استدعي الرئيس مصطفى رام حمداني ليؤدي شهادته في مقتل المالكي. فكشف أن أحد عناصره نقل له أن الرقيب يونس عبد الرحيم من الشرطة العسكرية سيقتل المالكي. التقى برئيس الشرطة العسكرية أكرم ديري، ورئيس الأركان شوكت شقير وطلب نقل الرقيب إلى حلب. فرفض أكرم ديري لأن حمداني يتدخل في شعبة يشرف عليها. فحمّلهما المسؤولية عن حياة المالكي وترك الأركان وطلب أن يرسل إلى مصر للدراسة. أبعد شوكت شقير بعد شهادة حمداني. ولكن هل يعيد ذلك الحياة للمالكي؟ هل يعلّم قتله أن الصغائر طريق إلى الكبائر؟

لم تهب تلك الأيام فقط عمرا مابدا له فيما بعد حكمة وخبرة. كبر قبلها في السجن في تدمر، وجرب في السجن صبره الروحي والجسدي على التعذيب. استقبله الشيشكلي يومذاك مع أصحابه المعتقلين، صافحهم واعتذر لهم. فاستنتج عمر: خصوصية سورية! واستنتج أيضا أنه الجانب الذي سينتصر مهما طال الزمان.

لكنه كسب من السجن نقيضين: ثقة بأنه يستطيع أن يتحمل الضرب والصلب! ويقينا بأن روحه فقدت السلام. نعم، فقد عمر متعة الوهم ونضارة البال الخالي من الهمّ، فعزّى نفسه: ثمن الحكمة! لم يعد ينصرف إلى الموجود المرئي، بل صار يخمّن مابعده من احتمالات. هل التقط المأساة في قوة السياسيين الوطنيين؟ يعيشون في محور الأحداث ويوجهون الممكن، فيخيل إليهم أنهم يصوغون القدر، لكنهم في تلك القمم يرون متع الحياة كالصغائر ويفقدون مذاقها! لذلك ظل عمر يتأمل البراءة في عيني ليلى، وتدهشته نظرتها التي تنبهر بأشجار الكينا على طريق الجامعة والنهر الذي يجري تحتها، وفرحها بشمس الشتاء ونسمة الربيع الباردة، كأن كل ذلك يحدث أول مرة ولن يتكرر. ووضع لنفسه مهمة أن يحميها من الحكمة التي أفقدته الشباب.

بدا له أنه بأحاديثه يكشف لها الخيوط التي تنسج مصيره ومصيرها، وكان كمن يأتمنها على اكتشافات سرية، ويقدم لها أدوية تتقوى بها. لكنها ستبوح له فيما بعد بأن كلامه يشبه كلام فوزي، وأنه يتناول الموضوعات نفسها، وأحيانا المعلومات نفسها. وسيعترف لها: ذلك لأن المسائل نفسها كانت تشغلنا، ولأن مواقفنا كانت وقتذاك واحدة منها!

قال لها يومذاك: انسحب الغزاة لأن زمنا جديدا بدأ في سورية وفي المنطقة العربية وفي آسيا! وبدا عمر كمن يقبض عليها. "تفرجي، كنا نظن أن الأردن سيبقى أسير الخبراء البريطانيين في جيشه، وأن غلوب سيظل الحاكم الفعلي فيه. فأزيح غلوب وفي الأردن الآن صراع كبير". فسّر لها ملامح الزمن التي استنتجها. وبهرته كلماته كما بهرتها. لماذا كان يسرد عليها تفاصيل لاتعرفها أو لاتبالي بها؟ كي يرسم من المنمنمات أفقا مفتوحا؟ أم كي يميز نفسه أمامها من آخرين فيكسبها؟ انتصر الاتحاد السوفييتي على النازية. ولد معسكر اشتراكي فرض علاقات عالمية جديدة. ماتزال أمريكا نفسها تحمل آثار الصراع الكبير في الحرب العالمية الثانية. هذا الزمن كالربيع الذي يفتح الأزهار. يتفتح الشرق. ينشئ السوفييت مصانع تعدين في الهند، توقّع مصر اتفاقية تجارية مع بولونيا، واتفاقية مع الاتحاد السوفييتي ومع الصين، فتصدر القطن والفواكه وتستورد الآلات. يتحدث سياسيو آسيا عن العلاقات الاقتصادية المتكافئة وأثرها في تنمية الثروة الوطنية. هذا معنى مؤتمر باندونغ الذي اشتركت فيه سوريا بوفد رسمي كبير. مقررات باندونغ في 18 نيسان 1955 تعبر عن طموح آسيا، وبرنامجها. مقررات مؤتمر باندونغ تعني إلغاء الاستعمار والتدخل. قال خالد العظم في مؤتمر باندونغ اسرائيل جيب من جيوب الاستعمار. وتحدث عن حق الدول الصغرى في البقاء والسيادة. في باندونغ هاجم نهرو الحلف الأطلسي. يعترف نهرو بالصين الشعبية فقط! في الهند استقبالات شعبية لبولغانين وخروشوف. سوكارنو يقول لابد من مساهمة الاشتراكيين في الحكومة. سمة هذا الزمن ياليلى أن الستار الحديدي الذي منع بلاد آسيا أحدها عن الآخر وحجبها عن البلاد الاشتراكية انهار. وسيتقوى أحدهما بالآخر. في العالم حركة. اجتماعات مجلس السلم العالمي، النقابات، الطلاب، مؤتمر السلام في برلين، مؤتمر هلسنكي للسلام، مهرجان الشباب في فارصوفيا، مؤتمر دلهي. أيد مؤتمر دلهي حقوق اللاجئين واستنكر سياسة اسرائيل. في منصة الرئاسة في مؤتمر هلسنكي لبنانيون وسوريون ومصري. من الشخصيات العربية التي حضرت مؤتمر هلسنكي عبد القادر التل رئيس المجلس النيابي الأردني السابق، المطران نيفن سابا من لبنان. وفد سوريا إلى مؤتمر هلسنكي 27 شخصا منهم النائب صالح عقيل. الوفد السوري إلى مؤتمر دلهي معروف الدواليبي ونظيم الموصلي ونواب سوريون. نخرج إلى الدنيا كبلاد مستقلة. يلتمس العرب القوة العالمية التي يمكن أن تسندهم، ويكسرون حصار الغرب: وفد نقابي سوري إلى الصين. وفد بارلماني سوري إلى الاتحاد السوفييتي من 16 نائبا يمثلون الكتل النيابية، يستقبل في حفاوة، ويلتقي ببولغانين. منهم علي بوظو وناظم القدسي ومحمد المبارك. الوزير المصري الباقوري يتحدث عن زيارته الصين. وفد من الأطباء المصريين برئاسة وكيل وزير الصحة، ووفد من الصحفيين المصريين في موسكو. من ذلك الفوران: التلاقي الوطني الشعبي العربي في دمشق في آخر آذار، احتفالات بيوم العمال، بيوم الجلاء، مؤتمر النقابات السوري، مؤتمر فلاحي الصقيلبية، اجتماعات ومظاهرات في ذكرى اسكندرون وتقسيم فلسطين ووعد بلفور. ومئة ألف توقيع على نداء مجلس السلم العالمي لتحريم الأسلحة الذرية. سلطان باشا الأطرش يؤيد نداء السلام. المجلس النيابي السوري يوافق على مذكرة اللجنة الخارجية ضد حلف بغداد. رابطة العلماء ضد الحلف. نابلس ضد الحلف. مؤتمر الخريجين العرب في القدس يستنكر الأحلاف. برقيات من لبنان ضد الحلف. لبنان يضرب احتجاجا على زيارة جلال بايار. أقام رئيس وفد الصين الشعبية حفل استقبال على شرف الوفود العربية في مؤتمر دلهي. استقبل مولوتوف سفيرنا وأكد الثبات على تأييد سوريا. وسط هذه الانتصارات نقل سياسي اسمه عرفان من معتقل الجفر الصحراوي إلى مستشفى عمان!

غيارى الراوي
01-17-2009, 12:59 AM
.
أحقا لم تفهمه ليلى؟ في هذه الاكتشافات نضارة تسحره. قد لاأكتب الشعر الآن، ياليلى، لكن لعلني لاأبتعد عنه. لعلني صرت أكثر شعورا بالمسؤولية التي تجعلني أتهيب كتابته الآن! لم أنصرف عنه، بل ربما أسلك دروبا طويلة إليه وأنا أنشغل بهذه الدنيا الجديدة! أنتبه كالناس إلى الأفلام والمطبوعات السوفياتية وأرى أنها تؤثر فينا. فيها تعبير فني آخر، وموضوعات أخرى. فيها هوى الحياة. سحرتني قصة راقصة باليه شلت وعميت فصارت نحاتة! يقدم هذا النمط من الثقافة أبطالا انتصروا على الضعف واليأس! هذا نمط من الفن يعبر عن منتصرين. لذلك يتفادى رسم القلق الإنساني والحيرة واليأس وأسئلة الإنسان الكبرى عن الموت والحياة والخلود التي شغلت الأساطير الكبرى في حضارة بلاد مابين النهرين والحضارة السورية، وستظل تشغل البشر. لكننا الآن على كل حال متفرجون! دون كفاءات تبدع مايناسب طريقنا السياسي. مختصونا القلة أبناء أغنياء درسوا في الغرب الحقوق أو الطب. تحتاج التنمية والمقاومة الوطنية خبرات فنية وعلمية أخرى لايمكن أن تهيئها إلا البلاد الاشتراكية. في الفكر نحتاج العمق والأصالة. الدراسة والمعرفة ثم الإبداع! ينقصنا هذا. لذلك بدت لي قصيدة عبد الوهاب البياتي "إلى ابني" مستوحاة من قصيدة ناظم حكمت إلى ابني محمد! البرنامج السياسي سهل ياليلى، لكن التعبير عنه بفكر وفن وبناء اقتصادي أصيل، صعب. نحتاج الزمن! ومن يملك الزمن ياليلى؟ الزمن هو مالن يتركوه لنا! الصراع عليه!

التفتت ليلى إليه. يرى مالاتراه؟! الزمن ملء يديها! الزمن مستقبل لاشاطئ له! نظر إليها عمر وقال لنفسه: ماأنضر من لم يشعر بالظلم! قال: ياليلى، لم أهجر الشعر! أقرأ كل ليلة ولو صفحة من شعر النابغة والمتنبي والحلاج والأحنف. ولعل تلك البلاغة الرائعة الرفيعة تحبطني الآن! يحزنني أننا نفقد سطوة الشعر على الحياة. وأية حياة يمكن أن تكون مهذبة، وأي شعور يمكن أن يكون راقيا عميقا إذا لم يربّه الشعر! أظن أن كارثتنا الكبرى أننا فقدنا ديوان العرب! ويدهشك أن الوطنيين يساهمون في هذا أكثر من غيرهم! لأنهم يقدمون بآلة الدعاية التي يبيحها لهم الزمن، شعراء ملتزمين بالقضايا الوطنية لكن مأبعدهم عن الشعر العربي العظيم! يقول أحدهم:

لنا النصر ياأخت فاستبشري

ألم يضح الصبح للمبصر

جحافلنا تملأ الخافقين

طلائع للجحفل الأكبر


ويقول آخر:

إني أحب قضيتي، حب الحياة، في العمق مني في دمي، تنساب مثل الظل في شمس الغداة.

وينشد ثالث قصيدة عن العمال، وقصيدة للأطفال. لكني ياليلى لن أنقل هذه القصائد البسيطة المباشرة على ورقة. قصصت قصيدة أخرى تهمني، سأرسلها ذات يوم لمن اختارها قلبي.

خرجت ليلى من الجدّ إلى المرح. سألته ضاحكة: أية قصيدة؟ أخرج من جيبه ورقة مقصوصة من جريدة وعرضها لها دون أن يفك أصابعه عنها. قرأت العنوان: طلب زواج. ضحكت: تسمح لي بأن أقرأها قبل تلك المحظوظة؟ أفلت عمر أصابعه عن الورقة. لايخطر لليلى أنها قد تكون هي! تناولت ليلى الورقة وقرأت:

أنا يارفيقة مثلما قال لك الوسطاء عني، لاأمن لااطمئنان لاأطياف أيام رغيدة، ستظل تعبث بي رياح الظلم عاصفة كؤودة، فلربما حكموا علي وليس ذلك بالبعيد، بالسجن أعواما طوال، ولربما كان المآل، إلى الرصاص أو الحبال.

سألته: من صاحب تلك القصيدة؟ ردّ: قيس! قالت: تستطيع أن تكتب أحلى منها! ألم تحدث مديحة عن النقل والأصالة؟ لست مثل قيس فكيف تستعير كلامه؟ هزّ رأسه. لو يستطيع أن يقول لها آه ياليلى، تصيبن بحجرك الحقيقة! لكن هل أجرؤ على صياغة قصيدة في المحبوبة! تمنيت أن تنتبهي إلى عنوان القصيدة!

عمر على حق! لم تجد ليلى في تلك القصائد كلها قوة شعر المتنبي الذي حفظته في المدرسة، ولاقوة كلمات المعري الذي درسته في الصيف مع معلمتها. لم ترفع ليلى نظرها إلى عمر. كم أنت إذن حزين ياعمر، رغم كل مارويته عن الانتصارات! قلبك ليس من صوان كقلوب السياسيين الذين وصفتَهم! قالت له كالمراهقين الذين يعدون بصداقة أبدية: ياعمر، سأكون رسولتك إلى تلك المحظوظة، وسأحدثها عنك! التفت عنها إلى الأفق الذي صفا بعد مطر الأمس. هل أفرحته؟ وعدته بقرب الصديق الوفي، وحرمته من الحلم بما أبعد منه!

نعم، التقطت ليلى أساه. بالرغم من الانتصارات التي تحدث عنها، بالرغم من سمة الزمن، يشعر بأن البرهة الحاضرة وحدها هي الحقيقية. يحمي روحه من الايمان بأن االغد "مطوب" له. يزن الخلل في الجبهات الموجودة بين الضباط وبين السياسيين. يزن موقع البلاد العربية وثرواتها. يستعيد ماقاله عازوري في أول القرن عن الصراع بين العرب والصهيونية. ويشعر بالقلق. ويقول لنفسه يجب أن ندافع عن البرهة الحاضرة، عن المشروع، دون أي وهم بأننا لن نهزم. لايستطيع أن يبوح بذلك لأحد. فهل يجهل أن التفاؤل موقف فكري؟ يتذكر أحيانا الذين عذبوه في سجن تدمر. كانوا أبناء بلده. لم يتصور أنهم يمكن أن يوجدوا، مع أنهم كانوا موجودين! لذلك يبعد التفاؤل الغرّ عن نفسه. ويقول: الدفاع عن اليوم! الغد موضوع صراع بيننا وبين الآخر، والآخر ليس خارجيا فقط! لكني ياليلى لاأستطيع أن أقلقك بهذه الهواجس!

عندما كان عمر يحكي لليلى عن استنتاجاته، ويتألق أمامها باكتشافاته كان يبدو لنفسه كأنه يعرض ريش الطاووس. لكنه كان يتبين أمامها خلال ذلك مافكر فيه، وقدرته على صياغته. ويستدفئ ببراءتها ونضارتها، بالأوهام التي تعبئ عينيها، بايمانها بالدنيا دون تحفظ. كم يخاف على تلك البراءة! ليته يستطيع أن يرسم حدودا لاتُخترق بين المعرفة وبين الهموم! بين شباب النضارة وبين كهولة الحكمة!

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:00 AM
.
سرح أبو القاسم في ذكرياته، هو أيضا. رجع إلى فلسطين. هل ينقّب هو أيضا في الأحداث ويقلب الترتيب المعتمد الذي وضعت فيه؟ هاهو في سنة 1943 يرى حركة عمالية أسسها العمل في ثكنات الجيش الانكليزي. لن يناقش من يسأله: وهل تنشأ طبقة عمالية في حضن ورشات موقتة إنكليزية! فهذا هو التحليل المعتمد! كان بعض الضباط الإنكليز ماركسيا فنقل أفكاره إلى مأموريه، ورأى أن ذلك مساهمة في نشر الوعي بين الفلسطينيين. كان فهمي، الذي أصبح قائدا فيما بعد، عامل مطبخ في إحدى الثكنات، والضابط الانكليزي المشرف عليه من اولئك الماركسيين.

أما عرفان الذي تحدث عنه قيس فمن الناصرة. كان في سنة 1936 قائد فصيل في الخليل وبيت لحم. قرّبه الحاج أمين الحسيني ليؤكد وحدة المسلمين والمسيحيين في الانتفاضة على الإنكليز. اعتقل فيما بعد في عمان وأفرج عنه في أيام حكومة النابلسي. يتذكره أبو القاسم ويضيف إلى صفاته التي لم يتحدث عنها قيس ولعه بالاستعراض. ويقول لنفسه: هو ابن طريقة في السلوك يبدو أنها كانت سائدة في الاتحاد السوفييتي. يحب أن يُرهب من حوله ويفترض أن يعلنوا الولاء له. وإلا فهم ضده. يذكر أبو القاسم أن عرفان كان يعارض تأسيس حزب فلسطيني. دعي الطرفان يومذاك إلى الاتحاد السوفييتي لحل المشكلة. فتكتم عرفان على الدعوة وسافر وحده، وفسر المسألة للسوفييت كما يريد، وأخذ موافقتهم على ألا يشكل حزب فلسطيني! وماالسبب في انفصال الحزب الأردني عن الفلسطيني؟ السبب أن في هذا يهودا وذلك يعزله عن الجماهير العربية، صاحبة الأرض! فهل يضيف أبو القاسم هذه المعلومات لقيس؟ بعد ثورة سنة 36 لجأ عرفان إلى العراق. فهل أفاد من الحركة الوطنية الناضجة هناك، أم أضاف تلك التجربة إلى أمجاده الشخصية التي استند إليها ليقهر خصومه؟‏

حمل الروح الوطنية إلى تلك المجموعات، نبيه الذي درس في كلية الطب في دمشق، ويعقوب الذي درس في الجامعة الأمريكية في بيروت. فهل يبوح أبو القاسم بما يقوله بينه وبين نفسه: لولا انقلاب الأوضاع لكانا مقابل عرفان.‏

جمع أبو القاسم حوادث حياته من ذلك الصراع. وسجل مظاهرة نابلس الكبرى التي نظمتها عصبة العمل الفلسطيني ضد ضم الضفة إلى الأردن، واستشهد فيها روحي الكيلاني. أمر الملك يومذاك بأن يأتوه بالمتظاهرين تجرّهم أذيال الخيل! كانت الخيل من خلف المتظاهرين، وأمامهم النهر. طلب الشهيد نقطة ماء فمنعوها عنه. وكأنما تكررت حكاية المصلوبين على أسوار دمشق الذين كانوا يرجون قطرة الماء فلايجسر المشفقون عليهم أن يقدموها لهم.‏

قلّب أبو القاسم صفحات حياته، لكنه لم يتبين أنه يقلب صفحات عامة وأنه دون حياة خاصة. في سنة 1949 علّم أبو القاسم في عجلون. وفي سنة 1950 انتقل إلى الفحيص قرب عمان وتعرف فيها بأستاذ أردني قادم من لبنان. ودار معه بعرائض ضد القنبلة الذرية فالمطلوب كان يومذاك جمع ملايين التوقيعات على تلك العرائض من العالم لإحراج الغرب. ولاقى أسئلة الناس: مادخلنا بالقنبلة الذرية؟ هات لنا شيئا ضد إسرائيل فنوقع عليه! اندفع اولئك الناس معه في المظاهرات ضد حلف بغداد، ولتعريب الجيش الأردني. وهاهو يستعيد انتخابات 1956 فيراها كاحتفال شعبي. نجح الوطنيون وأصبح النابلسي رئيسا للحكومة، وأسس الحزب الوطني الاشتراكي. يالتلك الأيام المجيدة! الاتفاقية التي جمعت بعد حرب السويس مصر وسورية والسعودية والأردن، المساعدة العربية للأردن بدلا من المساعدة البريطانية، أبو نوار والضباط الأحرار بدلا من غلوب والضباط الإنكليز. عاشت تلك الحكومة الوطنية سبعة أشهر تقريبا! أقال الملك الحكومة، وسجن النواب. شملت الاعتقالات الضفة والأردن. وقيل إن عدد المعتقلين بلغ الآلاف.‏

لماذا لم يقاوم أبو نوار والضباط الأحرار ذلك الانقلاب؟ ألم يروا هبّة الشعب ويفهموا أن الشارع وطني، وكثيرا من رجال الجيش وطنيون؟ ألم يروا في سنة 1956 المظاهرة التي احتفت بتعريب الجيش؟ في نابلس حمل الناس سيارة الملك على الأكتاف! كانوا يشكرونه لأنه لبى طلبهم فأقال غلوب. واستقبل قوات سعودية وسورية وعراقية في الأردن.‏

لكن أبا القاسم سيساهم فيما بعد في مغامرة فاشلة. سيلبس ملابس عسكرية ويركب سيارة عسكرية، ويحاول أن ينظم انتفاضة مسلحة، قبل انسحاب القوات السورية من الأردن. وسيتوهم أنه ضيع فرصة إسقاط النظام الملكي، لأنه كان يملك شرطيّ النجاح: الجيش الوطني والمدّ الجماهيري. ولن يفكر في محيط تلك الانتفاضة! وسيتابع المغامرة من دمشق بعد الوحدة. فيساهم في مشروع "ثورة مسلحة" بمجموعات تتدرب على السلاح وتتسرب إلى الأردن. ولن يفكر في أن تلك المغامرة التي استندت إلى ولاء اولئك الأشخاص ونبلهم لعبت بمصائرهم.‏

سيعود أبو القاسم بعد حرب حزيران إلى الأرض المحتلة. سيمشي ست ساعات مع زوجته، وابنه على ظهره. سيقطع النهر حيث الماء إلى الركبة. لكن الاسرائيليين سيلتقطونه وسيعيدونه من الغور الشمالي. في المرة الثانية سيحاول العبور من المكان الذي جرت فيه فيما بعد معركة الكرامة، من الغور الجنوبي، مع أن النهر هناك عميق حتى أعلى الصدر. وسينجح في الوصول إلى الضفة وسيبقى فيها حتى حرب تشرين. وسيبعده الإسرائيليون عن وطنه سنة 1973 في ذكرى إعلان حقوق الانسان. سيمشي مع المبعدين ساعتين وسيلتقطهم المخفر الأردني، ثم سيستقبلهم مدير المخابرات، ثم مسؤول آخر ثم الملك. وسيتمنون: ليت الحكومة الأردنية لم توافق على استقبالنا. وسيرتبون مظاهرة إعلامية مع وكالات الأنباء في عودتهم إلى الجسر ويعطلون حركة السير. لكن الأوامر ستنفذ بإعادتهم قسرا.‏

سينزلون ضيوفا في فندق من الدرجة الأول. ثم سيسافرون إلى دمشق حيث سيلتقون بالسفراء العرب، وبرئيس الجمهورية مدة أربع ساعات ونصف. وسيستقر قسم منهم في دمشق، ويرحل الآخرون إلى لبنان.‏

هكذا طوي مقطع من حياة قيس وبدأ آخر بسقوط حكومة النابلسي. كان قيس قد عاد من سورية بعد طرد غلوب واستمتع بالفترة الذهبية التي تسمى فترة المدّ الشعبي. يومذاك استلم علي أبو نوار قيادة الجيش، في 24 أيار سنة 1956، الضابط الذي حارب في فلسطين، عضو لجنة الهدنة في رودس، ياور الملك. وشكلت قيادة عسكرية مشتركة سورية مصرية أردنية. وبدأ التحضير للانتخابات. وخلال الانتخابات حدث عدوان على قلقيلية في 10 تشرين الأول. وصل اللواء عامر لتفقد القيادة المشتركة. وأسقطت اسرائيل الطائرة المرافقة له في طريقه إلى دمشق. بعد زيارة عامر والاعتداء على قلقيلية طلب علي أبو نوار من الملحق العسكري المصري أن تتوقف الأعمال الفدائية من الأردن إلا بعد إذن السلطة الأردنية. في الانتخابات رشح في إربد فائز صديق قيس، لكنه لم ينجح. لكن التجمع الوطني فاز في الانتخابات وشكلت وزارة النابلسي في 17 تشرين الأول سنة 1956. في كانون الأول سنة 1957 قبل النابلسي مساعدة مصرية سورية سعودية بدلا من المعونة البريطانية. وفي آذار أعلن نهاية المعاهدة البريطانية الأردنية.‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:01 AM
.
كان ذلك هو الزمن الذهبي. لم يسجن فيه قيس! ولم يلتق به أبو صالح، مدير السجن، حتى في الطريق. سأل عنه أباه فأجابه أبو قيس: وأنا أيضا لاأراه! في ذلك الزمن الذهبي وصلت ست باصات من الجامعة السورية، استقبلها النواب الأردنيون في عمان والقدس ونابلس، ألقيت الكلمات وقصائد الشعر، وحُملت الأكاليل إلى قبر رجاء أبو عماشة. وفي نابلس قُدمت صواني الكنافة النابلسية للضيوف، وألقت فدوى طوقان قصيدة. زار الطلاب أسواق القدس العتيقة، تفرجوا على جدار وأسلاك بين القدس الشرقية والغربية، وتأوهوا: الاحتلال! زاروا المسجد الأقصى، ووقفوا لتلتقط لهم صور تظهر فيها قبة الصخرة المذهبة. لم يوفق قيس في لقاء أصحابه! وصل إلى عمان عندما أصبحوا في القدس، ووصل إلى القدس عندما انتقلوا إلى بيت لحم.‏

في نيسان سنة 1957 انتهى ذلك الزمن الذهبي عندما أعلن الملك عن مؤامرة نظمها علي أبو نوار، وعزله. أقيل النابلسي وشكلت حكومة سمير الرفاعي. أعلن أيزنهاور أن الشيوعية العالمية تهدد استقلال الأردن الحيوي لمصالح أمريكا، وتحرك الأسطول السادس إلى المنطقة. وبدأ أبو صالح ينتظر عودة قيس إلى السجن.‏

لكن قيسا لم يعد إلى السجن. لبس ملابس ضابط سوري، ونقلته معها القوات السورية المنسحبة من الأردن. فوصل إلى دمشق في يوم ميلاده. والتقى بصاحبه الجامعي فهد في مقهى الكرنك. خلال ساعة استأجر غرفة في الحبوبي، ومشى مع فهد ليقابل عرفان. "استدعيناك لنرسلك في الوفد الذي سيمثلنا في مهرجان موسكو للشباب في هذا الصيف. لكن جدّت أمور جعلتنا نريدك لأمر آخر أهم من ذلك. اكتب لنا أسماء من تثق فيهم، وتثق بأنهم يستطيعون أن يكلفوا بمهمة. واسترح حتى نطلبك".‏

سجل قيس في رأس من يثق فيهم صديقه فائز، زوج هند. طافت ذاكرته في القرى والمدن من جرش إلى قرى إربد، لينتقي أشجع أصحابه وأفضلهم. هل كان يدري أنه يقدّمهم إلى المعتقلات؟ كان ينفذ أمر القيادة! وكان احترام السرّ لايسمح له بالسؤال لماذا!‏

في ذلك الصباح نزف دما. فقصد صديقه نبيه. أخذه نبيه إلى الدكتور بشير. فحصه، وصور رئتيه، وقرر له أن يدخل المستشفى: هل تتصورون أنكم يمكن أن تنتصروا على الاستعمار والرجعية والتبعية دون صحة؟! كيف تهملون صحتكم إلى هذا الحد؟! حجز له الدكتور بشير في المستشفى الوطني غرفة في آخر الممر في الطابق الثاني. الغرفة نفسها التي نزل فيها يوم أتى إلى دمشق بعد سجنه في الجفر. يطل منها على شارع الجامعة والتكية السليمانية ومدى أخضر من بساتين دمشق يصل إلى جبل قاسيون. وتعنى به ممرضة حلوة من صافيتا اسمها ازدهار.‏

كان المستشفى بناء من طراز عثماني دمشقي، سقفه من القرميد، في أعلى واجهته لوحة بالتركية المكتوبة بالعربية تسجل سنة إنشائه في أيام السلطان عبد الحميد، ستنتزع بعد عقود وقت الترميم. أمام بوابته المركزية المغلقة، بين درجين يلتقيان في الأعلى، لوحة من الحجر منقوشة بالتركية المكتوبة بأحرف عربية فوق سبيل ماء. كم من الغرباء قبل قيس عبروا هذا المستشفى بعيدين عن بلادهم الممتدة في طول الامبراطورية العثمانية وعرضها! كم منهم مات ودفن في قبور غريبة! كان المستشفى إلى زمن قريب يسمى مستشفى "الغرباء". لعل قيسا كان أكثر عابريه حظا، بأصدقائه الأطباء الذين يعنون به، وبممرضته ازدهار. لكن قيسا لن يشعر بطيف الجنود الذين ماتوا فيه غرباء عن مدنهم البعيدة. أما ليلى فستبدو كمن لايرى إلا ظاهر ذلك البناء الجميل، المحاط بحديقة وأشجار. وستوحي لمن يرافقها وهي تعبره بأنها تراه مقطعا من شارع الجامعة، تمرّ به معجبة بالنخيل الذي يتقدمه، جاهلة ماضمّه من تعاسة. ولن يخمّن أحد أن الألم ينسلّ إلى قلبها كلما مرت بالمستشفى، مع أنها لم ترافق أمها لترى فيه معتصما آخر مرة مغطى بشرشف مبقع بالدم. ويوم يعرف عمر من منور كيف قتل معتصم وأين رأته منور آخر مرة، سيخيل إليه أنه يلمح غصة ليلى وهي تمرّ بذلك المستشفى. لكنها ستلتفت إليه صافية الوجه وتقول كمن يردّ عليه: أشعر بأني أملك هذا المكان كله كما تملكه هذه النخلة! وسيفهم أنها تغلب أساها بتلك الحكمة! وسيشفق عليها لأنه سيتبين أنها لاتستطيع أن تمرّ بذلك المستشفى أبدا دون أن تلتفت إليه كمن يبحث عن طيف عزيز. وسيتساءل بعد عقود هل تقصد ليلى ذلك المكان في المساء كي تستمع إلى صخب العصافير التي تعشش في شجر الكينا في حديقة المتحف، ولأنها تحب الهدوء في باحة التكية، أم لأنها تحاول أن تعيش ساعات بين الأطياف!‏

طوال شهر تجول قيس في الممر الطويل، أطل من النافذة، استقبل الدكتور بشير وصديقه نبيه، رسم معهما صورة الحاضر والمستقبل القريب. وانتظر خطوات ازدهار. كانت تلوح له من آخر الممر بثيابها البيضاء رشيقة وأنيسة. وخيل إليه أنه أحبها. وفهمت هي أنها تستهويه. فمشت معه في حديقة المستشفى المتصلة بحديقة كلية طب الأسنان. توقف أمام مدخل الكلية. فسألته ازدهار: تعرف أحدا هنا؟ لا! هل تصور أنه سيلمح نعمت ذات القامة السويدية التي حدثه عنها مرة صاحبه فهد؟ خيل إليه أنها يجب أن تكون واقفة هنا في انتظار حبيبها، كما تقف هذه الأشجار وهذا البناء! نظر إلى حديقة الجامعة المقابلة التي تلامحت له عن بعد. أيمكن أن يصادف ليلى؟! كانت نافذة غرفته تحيط بمئذنتي التكية الرشيقتين، وبمدفن آخر أحفاد سلاطين عثمان فيها، وتعبر أشجار المتحف الوطني، وتصل حتى قاسيون، لكنه لم يلمح ليلى أبدا في أية مرة رصد فيها طريق الجامعة. خيل إليه ذات مساء أنه رآها وسمع صخب قلبه في أذنيه. ثم تبين وهمه. وعزّى نفسه: سيبحث عنها وقت يتحرر من المستشفى.‏

سأل قيس الدكتور بشير: سأشفى تماما؟ ستشفى. لكني لن أغشك. ستظل هذه نقطة ضعفك! أشار الدكتور إلى صدره. فابتسم قيس. نعم، يادكتور! هنا مركز ضعفي! وأشار إلى قلبه. ردّ بشير: لاتغشني وتغش نفسك! انتبه إلى رئتيك، وإياك أن تدخن! وضع نبيه على الطاولة الصحف التي حملها لقيس، وكيسا فيه فواكه، وهزّ رأسه يائسا: قيس يترك السيجارة؟ مستحيل! فاحت في الغرفة رائحة تفاح تنفسها قيس في متعة: تفاح الشام! لكني كمن انتقل من الحدود إلى المستشفى دون أن يرى الشام!‏

نعم، كم الشهر طويل لشاب محبوس في رقعة محدودة ولو كان سياجها الشجر! وكم هو قصير بين الناس في المدينة! لكن الشهر مرّ أخيرا! خرج قيس من المستشفى. ونسي أنه كان ينزف، ونسي ذلك أصحابه أيضا.‏

انساب في الحياة في دمشق. كتب مقالة يومية لإذاعة سرية موجهة إلى الأردن. أكل في المطاعم. زار الجامعة وبحث عن ليلى. سهر حتى الثانية بعد منتصف الليل. شرب ودخن. جلس في مقهى الكرنك في النهار وقابل القادمين من بلده. وأخيرا استدعي إلى بيت "سري". وصل إذن بعض الذين سجل أسماءهم لعرفان! والهدف تنظيمهم وتدريبهم وإعادتهم إلى الأردن ليقوموا فيه بثورة مسلحة. هل فوجئ قيس بذلك المشروع؟ كاد يصرخ: عرفان مجنون! لكن هل يستطيع ذلك؟‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:02 AM
.
وجد نفسه بين الشباب الذين رشح أسماءهم لعرفان، يخرج مثلهم في مجموعات صغيرة كل صباح إلى مواقف في طريق الربوة، تمرّ بهم سيارات عسكرية فتلمّهم وتوصلهم إلى المزة. هناك يتدربون على رمي القنابل واستعمال السلاح. رمي، زحف، استراحة واستعداد.. طوال أسابيع التدريب منعوا بعد عودتهم من الرمي من الخروج من البيوت التي أسكنوا فيها. بعد نهاية التدريب عاد قيس إلى غرفته في الحبوبي في انتظار "الثورة المسلحة"! وعرف أن مجموعات أخرى وصلت إلى دمشق!‏

لم تعجبه غرفته. من مقهى الكرنك الذي ينقسم إلى جناح للاجئين السياسيين العراقيين، وجناح للاجئين السياسيين الأردنيين، خرج مع طارق العراقي إلى بيت الأرملة. قال لها طارق: رفيقنا قيس! مثلي لكنه أردني! رأى قيس الغرفة التي سيقيم فيها. قرب الباب، في أول ممر يصل إلى أرض دار صغيرة فيها بركة ماء وشجرة مشمش هندي. غرفة واسعة تطل على الطريق بنافذتين، فيها سرير وديوان وخزانة وطاولة. لايحلم بأكثر من ذلك! سيعرف فيما بعد أن عبد القادر اسماعيل، الذي سيعدم في قصر النهاية في سنة 1963، أقام ذات سنة في تلك الغرفة!‏

كان يجب أن يسجل قيس في وزارة الداخلية كلاجئ سياسي، ويأخذ راتبا. لكنه تفادى ذلك بالعمل في الإذاعة السرية الموجهة إلى الأردن. فكتب مقالة يومية يسجلها في الصباح في بناء في المهاجرين يعمل فيه عصام حماد ومحسن أبو ميزر، وينقل منه الشريط ليبث من حوران. ثمن كل مقالة خمس عشرة ليرة. مبلغ ممتاز! يستطيع قيس أن يعيش في سعة. فيتغدى في مطعم الريّس في بوابة الصالحية، ويتعشى في مطعم سقراط في جسر فيكتوريا، أو بريمو في البارلمان. سينفق على النساء اللواتي سيعرفهن، سيدعوهن إلى مقاهي دمر والقصاع، وسيدلّلهن بهداياه. وسيبدو منفاه أكثر سعة ومتعة من بلده. وكم دمشق حلوة! ومع ذلك كان يجب أن ينتظر "الثورة المسلحة" التي لايؤمن بها!‏

عندما وصل قيس إلى دمشق كان محملا ببعض المغامرات السرّية، وذكريات الحب الذي يومض كالبرق وينزل كالصاعقة في أيام الصبا. وكان قد ذاق اللوعة في الهوى. كان ذلك قبل الخطأ الذي تحدث عنه في رسالته.‏

في الأيام التي سميت أيام المدّ الشعبي، كان مشغولا طوال اليوم. لكنه لم يكن يفرّط بمتع ضرورية، منها العلاقة بالنساء. وكان يحب أن يصوغ بذوقه مايتداوله أصحابه ببساطة. لولا تلك الصياغة ماالفرق بين الإنسان والقطة أو العصفور؟! نفذ ماقاله له أبوه ذات يوم: "خذ هذا المال وانفقه! اعرف الحياة"! وكان أبوه يقصد يومذاك: اعرف النساء! لكن قيسا لم يصل كلام أبيه بصيغه المعقدة عندما قال لصاحبه: بالنساء نصل إلى عمق اجتماعي لايمكن أن نلمسه دونهن! نتعلم كل شيء من النساء. لكن النساء البريئات جاهلات. أما الساقطات فيطّلعن على أرواح رجال متنوعين، ويدخلن إلى أسرار الشرائح الاجتماعية. وسّع قيس صياغته فيما بعد عندما انتقل إلى دمشق وبيروت وبغداد، ثم من قارة إلى قارة، فصار يقول: اللغة تحت ملابس المرأة!‏

في الأيام التي سميت أيام المدّ الشعبي، كان يجلس مع صاحبه في المقهى، عندما دخل من الباب الرجل الذي يمرّ بالمقهى ليؤمن للراغبين امرأة. فسأل قيس صاحبه: مارأيك؟ ونادى الرجل واتفق معه. أين؟ متى؟ ينتظره في البستان قرب.. على كتف.. قبل.. بعد!.. المكان موصوف في دقة! وإن يكن في الهواء الطلق، تحت الأشجار! ماأبعد صياغات قيس عن هذا المستوى الشعبي! لابأس! يجب أن يلبّي الرجل حاجته! ألا يأكل الجائع، ويشرب العطشان؟ متى شعر قيس بهذا الجوع؟ وقت رأى امرأة جميلة أو مكتنزة في الشارع؟ وقت كان جالسا في اجتماع وفتحت الباب امرأة قدمت القهوة؟ وقت وقف قرب نافذته ولمح في البيت المقابل شابة تزهو بصباها وتغري به من بُعد؟‏

ذهب مع صاحبه إلى الموعد. فليكن! رجلان يرويان حاجة بهذه الطريقة كيلا تسجل عليهما مآخذ تحسب على قوى سياسية! بعد لحظة وصل إلى البستان رجل يحمل على ظهره امرأة. دهشا! هل هي مقعدة؟ أم يدلّلها قبل أن يسلّمها إليهما؟ لن يسألاه ولن يعرفا الحقيقة أبدا! تناول الرجل المال، ترك لهما زوجته، وغاب خلف سياج الصبار. من منهما أولا، قيس أم صاحبه؟ قدّم أحدهما الآخر، كما يقدّم الرجل صديقه وقت الدخول من الباب إلى المضافة أو إلى زيارة ما: تفضل، أنت أولا! الفرق بين مايأخذه الأول ومايجده الثاني ثانوي هنا. لايهتمان بالتفاصيل. المهم أن ينتهي كل ذلك بسرعة! ابتعد قيس عن صاحبه إلى المرأة الملقاة تحت الشجرة. ثم أخذ صاحبه مكانه تحت تلك الشجرة نفسها. انتهى ذلك بسرعة. بحثا عن زوج المرأة خلف سياج الصبار. ووهبه قيسا مالا إضافيا. مسكين! سيعطي هذا الزوج بعض ماأخذه للوسيط الذي يقصد المقهى بحثا عن زبائن!‏

قال قيس: ياللفقر! وبعد خطوات لم يعد أي منهما يتذكر ملامح تلك المرأة. ولم يخطر لأي منهما أنه ساهم في تجارة البؤس. بل بدا أمام نفسه كمن يدفع صدقة لشحاذ أو يستخدم شابة ستستخدم عند غيره إذا لم يقبلها في بيته. يربح تاجر القمح على حساب الفلاح، يأخذ صاحب المطحنة أجره من تاجر الطحين، ويضيف تاجر المفرّق أتعابه إلى ثمن كيلو الطحين، يحسب أجر مخزنه ويحسب الربح الحلال ويتجاوزه في أيام القحط إلى مايفرضه العرض والطلب. هذه السلسلة ليست طويلة هنا! هنا سمسار وزوج وزوجة. ولكن ماذا يصل من تلك القروش إلى المرأة؟‏

فكر قيس بما يتجاوز ذلك بعد عودته إلى البيت. ماذا يمكن أن يحدث لو ضبط هناك؟ لو عرف من يقتفي أثري أني ذاهب إلى امرأة، والتقط لي صورة وأنا معها تحت شجرة ثم دفع الزوج إلى اتهامي بالاعتداء عليها! هال قيس الأمر واحتشدت حوله العفاريت. مع أنه كان في تلك الأيام كثير الحركة، كثير العمل، يحمل المدينة وقراها على كتفيه، ولم يكن لديه متسع للهواجس. ماالعمل إذن؟‏

نفذ قيس مبادئ التنظيم كما جاءت في الكتب الثورية، وكما نقلت إليه. "الانتقاد الذاتي" ضرورة! سيعرض خطأه ويستمع إلى مناقشة تتقصى أسبابه، ليمنع تكراره فيحمي الفرد والمجموعة. "خلال الانتقاد الذاتي، أيها الأعزاء، يثقف الإنسان نفسه، ويثقف المجموعة. نأتي إلى المنظمات حاملين معنا أوساخ مجتمعنا. في المنظمة نعيد تثقيف أنفسنا ونقوّمها بالفكر الثوري"!‏

طبق قيس ذلك على نفسه يومذاك! جلس وكتب رسالة طويلة وصف فيها انزلاقه إلى رجل المقهى، وخروجه إلى الموعد في البستان، ولقاءه بالمرأة المسكينة، واشتراكه مع رفيقه باستغلال بؤسها. "لكني يجب أن أوضح أننا لم نتصل بالمرأة معا في وقت واحد"! مع ذلك، لم يستغل قيس بؤس المرأة، فقط، بل تهاون في "اليقظة الثورية" التي تفترض انتباهه إلى الأخطار الممكنة في علاقة تحت السماء! في نهاية الرسالة طلب قيس من اللجنة التي وجه إليها رسالته، أن تنزل مرتبته وتسحب منه المسؤولية لأنه لايستحق ذلك الشرف!‏

نفذ قيس مهماته في دقة وحماسة طوال أسابيع وهو ينتظر البديل الذي سيأخذ منه مكانه. لكن الردّ على رسالته لم يصل، ولم يأت البديل عنه! قال لنفسه سأنتظر أسبوعا آخر! التقى صدفة بفهمي فطلبه لحديث خاص وخرجا معا. لم تجيبوني على رسالتي! أية رسالة؟ الرسالة التي انتقدت فيها نفسي! ضحك فهمي: هل ترى من المناسب أن تشغل القيادة بأمور تتعلق بجسمك؟ انس الرسالة!

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:03 AM
.
بين قيس وبين هذا الرجل سنوات العمر، والخبرة، ومايبيحه مركز القائد من معرفة الأسرار وتحليل الأحداث، والصلة بالمنظمات الأخرى وبالسياسيين الآخرين، والصلة بدولة عظمى وماتكشفه من معلومات تجمعها بأجهزتها المتنوعة فتحيط بالوضع العالمي أكثر من إحاطة منظمة محلية به، وتقدم النصح أو الآراء التي تؤهلها لها تجربتها الغنية الطويلة والآلام التي عبرتها!هذه القيادة التي تشترك مع دولة عظمى في الايمان بنظرية واحدة قرأت رسالة قيس، ووضعتها جانبا! يجب أن يفهم إذن أنه لم يخطئ!‏

في دمشق نضجت واقعية قيس وبددت حتى قداسة عرفان. من تفاصيل تلك الواقعية أن السياسيين في الأحزاب الطليعية وغير الطليعية، يمكن أن يمارسوا مايمارسه رجال بلادهم. لايدان أحد على ذلك! في دمشق التي لم يكن قيس يعرف مساربها، قال لرفيقه فهد الذي استقبله يوم وصل الى مقهى الكرنك وأوصله إلى عرفان: أريد امرأة! رافقه ذلك المقيم في دمشق، الخبير بالبيوت المناسبة، إلى بيت في الشعلان. طرق الباب طرقات معينة ففتحته امرأة كهلة. وضّح الشاب لقيس: في البيت نساء متزوجات وعذراوات، يداومن ساعات يوميا. لكل منهن ثمن يناسبها. حاسب "الحاجة"، واختر امرأة من النساء المصفوفات في الصالة!‏

في بيت الشعلان انطلق قيس على هواه. لم يكن يحب أن يحبس نفسه بوقت محدد! فحاسب "الحاجة" بما تقدّره لذلك. وهناك بدأ يصوغ عاداته في المقدمات الطويلة، والحديث مع النساء عن حياتهن.‏

في تلك المياه الراكدة جرى في مجرى خاص. وصار يدفع للمرأة التي تطربه فوق مادفع "للحاجة": لكِ! كان في سعة يفيض منها على النساء اللواتي يستهوينه. يعرف أنه لايلمس الروح، وأن الحب مفقود هناك، ولكن في الزوايا المعتمة قد توجد المودّة. يمكن الاستلطاف على الأقل في هذه العلاقة التي تقرب بين اثنين أكثر مايكون القرب وهما متباعدان أكثر مايكون البعد! لذلك نفر قيس من صاحبه يوم ارتفعت الأصوات، فلبس ثيابه وخرج ليعرف الخبر. فوجد صاحبه يتشاجر في الغرفة الأخرى مع المرأة التي اختارها! رفيقك يدعي أنه.. يريد مرتين بثمن مرة! هدّأ قيس المرأة و"الحاجة". انصرف صاحبه وحاسب قيس عنه الحاجة والمرأة.‏

تنضج البيوت السرية الرجل! تنضجه النساء حتى في حضيضهن! ألا يكشفن له العلاقات الإنسانية والاجتماعية المعقدة؟ العلاقات بالأزواج الذين يقتّرون عليهن أو يحتاجوهن؟ الرغبات المقموعة، الأوضاع المزيفة والرياء والنزوات؟ من النساء من ينتظرها زوجها. ومنهن من سيصادفها قيس مع زوجها في مخزن كامرأة وفيّة. منهن شابة فقيرة كان أحد أصدقاء قيس يحبها ويحلم بأن يخطبها عندما يتخرج من الجامعة فيجرؤ على طلبها من أهلها. كانت تأتي إلى بيت الشعلان أياما فقط. أتى مرة إلى ذلك البيت فقالت له "الحاجة": سأقدم لك عذراء شرط أن تحترم عذريتها! وقبل الشرط. فوجئ بحبيبته. صعق وفقد منذ ذلك اليوم توازنه العصبي. هذا عالم سرّي لا يظهر في الشوارع والمقاهي، لكنه موجود خلفها، متصل بها ومستنبت منها!‏

سيصبح قيس في ذلك البيت ضيفا مرغوبا به، كريما ورقيقا. مع أنه كان في تلك الأيام يعرف نساء يرافقنه إلى البساتين والمقاهي. لكن المتع معهن كانت سريعة، حذرة. في بيت الشعلان كان يطلب مايريده في الوقت الذي يريده! ويوهم نفسه بأنه ينصرف بذلك عن هواه وعن أشواقه إلى ليلى العصية.‏

في الليل فقط سيحاسب نفسه وهو يمشي في الشوارع الهادئة المقفرة. ترويك نساء بيت الشعلان؟ الحب فقط يروي، ياقيس! ولديك لايجتمع الحب بالعلاقة. ليست لديك المرأة التي تفخر بها، وتحبها، وتهبك العلاقة الكاملة! وهناك فقط يكون الريّ، ياقيس! لذلك ستسوح هائما من امرأة إلى أخرى! لا، ليس ذلك! بل، "لم يزدني الحب إلا عطشا"! الفرق كبير بين عطش لايرتوي من المحبوب، وبين عطش لايرويه عدد من النساء غير المحبوبات! كم سنة ستلوب ياقيس في أنحاء المدن والغابات والنساء! كلما توغلت فيها ستشعر بالوحدة والظمأ! ستنتقل من صيد الى آخر، وعندما تخلو إلى نفسك ستشعر بأن انتصاراتك هزائم لأنها ليست ماأردته حقا، وليست ماكان يليق بك!‏

سيوسع لقيس غياب المهمات، والوقت الطويل الذي يرهق المنفيين، والمال، الانشغال بالنساء. وسيبيح له ذلك الاعتراف العام بحقوق للرجال لامثيل لها للنساء. فالرجل فقط يشعر بالحاجة التي تخنقه إلى المرأة. تعيق تلك الحاجة، إذا لم ترو، عمله وتفكيره، فتؤثر على نشاط المجموعة! "لذلك توجد البيوت العمومية. فالحاجات لم تعد كما كانت في زمنها القديم مربوطة بالطقوس المقدسة. أنزلها تطور العلاقات الاقتصادية إلى حقيقتها المعاصرة: بضاعة. وبما أنها أصبحت تتصل بالمنظومات الأخلاقية والطبقية فهي بضاعة سرّية موضوعها الجنس الآخر الذي جعله التطور سلعة. نعم، نعم! في المجتمع الطبقي المرأة سلعة، والجمال سلعة، يأخذها القادر على دفع ثمنها. نحن، سياسيين وغير سياسيين، نعيش وسط علاقات اجتماعية معينة ولو لم نكن موافقين عليها. منها البيوت السرّية التي يقصدها الرجال مهما كانت مبادؤهم الفكرية! خلافنا معك ياقيس، هو أننا نأتيها وقت الحاجة، بينما توغل أنت فيها وتستمتع بها"!‏

سيضيف قيس إلى فتنة سيرته ودقته في تحليل الأحداث، أنه ضحية قيادته، التي تتابعه حتى في علاقاته بالبيوت السرّية. ولاتفهم مزاجه الشعري الذي يغلّفه الأسى، ولاتدرك سحر أحاديثه الممتعة عن بيئة يعرفها ويحفظ أمثالها ونكاتها ويفهم جوهرها. لن يقدّر عرفان أبدا أن قيسا قريب إلى قلب محدثه، وأنه يكسب من يتصل بهم وهذا هو المهمّ.‏

نعم، لم يفهمه عرفان لكن أصحابه السوريين سيفهمونه. هذا شاعر يباح له مالايباح لغيره! بعد الاجتماع الذي دعي إليه قيس وعرض فيه النقابي آخر رحلاته إلى البلاد الاشتراكية، انصرف المستمعون وبقي قيس والنقابي وحدهما. قال النقابي لقيس: والآن سنعطي للنفس حقها! وخرجا معا إلى البيت العمومي في المزة. يقرّب الرجل من الآخر أن يذهبا معا إلى النساء! يصوغ لهما ذلك العالم المباح للرجل جوا حميما يستمتعان بسرّيته! وقفا أمام بناء من ثلاثة طوابق. قال النقابي: هنا! لعل هذا البناء كان ثكنة عسكرية. ياقيس، ماذا يفعل الرجل في مجتمع مغلق متخلف؟ لو كنا في بلد اوروبي لاختلف الأمر. أما هنا فنحن الآن كمن يدخل إلى المرحاض. أغلق عينيك، ثم اخرج منه!

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:04 AM
.
اختار قيس شابة شقراء. واستسلم لمقدمات طويلة فيها أحاديث وطعام وشراب. مستمتعا بأن ذلك غير مألوف هناك. لذلك ستخصه الشقراء بيوم عطلتها. وسيلتقي بها في المدينة. وستضع صورته في خزانتها فيصل الخبر إلى عرفان: أوقع قيس حتى العاهرات في هواه! طبعا ستحبه تلك الشابة! وسيضيف إلى صياغاته: إذا أحبت المومس كان حبها نقيا وجارفا وعميقا. لأنها بعد من عرفت من الرجال اختارت رجلا هوته!‏

رجع قيس متأخرا في تلك الليلة، عابقا بالساعة التي أمضاها مع شقراء المزة. سعيدا بأنه رسم في حياتها نقطة ضوء. فهاهو رجل يلاطفها ويستمع إليها وينتبه إلى جسمها ووجهها ولن يخجل بالمشي معها في الطريق. يراها! يأتيها متأنيا ولايمضي عنها مسرعا!‏

بحث النقابي عن قيس في اليوم التالي. ليطلب منه ألا يبوح بأنهما ذهبا إلى بيت المزة! كان قد قال لنفسه بعد خروجه من هناك: إلى متى؟ وقرر أن يخطب مديحة. وكان لديه موعد معها. بعد نهاية الاجتماع رجاها أن تبقى، وباح لها بعد صمت ثقيل: المشكلة أن العلاقة بيننا تتطور بالنسبة لي! أتمنى طبعا الزواج منك. دهشت مديحة. يالهذه الطريقة في البوح! يكاد يستعمل كلمات التحليل النظري والسياسي !أنساه العمل الدنيا الموجودة خارج اجتماعاته! ماأبعده عن فوزي! قالت له: المشكلة أني لاأريد علاقة أخرى خارج الاجتماعات!‏

سيلتقي بها النقابي فيما بعد، يوم سيتهمها رضا بأنها تحمي الشابة التي "جمّدها". سيبدو النقابي من القضاة في تلك المحاكمة. وسيستمع إلى ردّها. وسينهي فرج الله المحاكمة بشهادة مديحة التي تثير الشكّ في رضا. وسيسندها فوزي فيما بعد فيقول: يراقب البيت الوحيد الذي حدثت رضا عنه كبيت يمكن أن يكون مفيدا إذا جدّ الجد!‏

صار قيس يتردد وحده على البيت العمومي في المزة. في كل طابق ممر على جانبه غرف مرقّمة. والطوابق مصنفة. في الأول المومسات الرخيصات. وفي الطابق الأخير الجميلات والشابات. أمام الغرف يجلس الرجال منتظرين دورهم في الدخول إليها. بعضهم لايبالي إلا بدوره. وبعضهم ينتظر خروج النساء من الغرف بعد كل "زبون" كي يفحصهن فيختار من تعجبه.‏

على باب البناء رجل تناول من قيس رسم الدخول. صعد قيس إلى الطابق الأخير. في الطابق امرأة خلف طاولة، تدخن أرجيلة. أمامها الكراسي التي يجلس عليها الرجال. جلس قيس على كرسي بين المنتظرين. فُتح باب خرج منه رجل. ناوله خادم منشفة ليمسح نفسه. أكمل الرجل تثبيت أزرار بنطاله وحاسب المرأة ذات الأرجيلة وانصرف. وخرجت بعده شابة إلى حمام في الممر لتطهّر نفسها بالبرمنغنات، وعادت إلى غرفتها. فنهض إليها رجل ممن ينتظرونها وأغلق الباب خلفه. لكل امرأة سعر يناسب فتوتها وجمالها والراغبين بها. لها راتب ونسبة مما يجنى منها يوميا. أتى شاب يحمل القهوة والشاي وبعض الفطائر التي طلبها المنتظرون. لن يطلب قيس منه شيئا الآن! لن يكتفي قيس بالربع الساعة المقررة! وسيحمل الشاب الطعام والشراب للمرأة التي يختارها قيس ويتحدث معها، يستطلع حياتها، يمازحها. وبعد ذلك يقبل عليها. يصرف ساعة على الأقل عندها. تشتغل النساء من السابعة مساء تقريبا حتى الساعة الرابعة صباحا. بعد الرابعة يمكن أن يبقى رجل عندها. لهذه "الأنغاجيه" سعر خاص. لكن قيسا لايريد ذلك!‏

منذ رأى قيس الشابة الشقراء تعبر الممر إلى الحمام صار لايقصد سواها، وينتظر دوره إليها أحيانا. عبّر لها مرة عن ضيقه بالانتظار. فقالت له: نسيت أين أنت؟ لكنها احتضنت تلك الإشارة. وطلبت منه صورته ووضعتها في صدر خزانتها. فهاهي كالنساء الحرائر، محبوبة ومحبة! حكت لقيس قصتها: هربت من زوج مسن وظالم أرغمها أهلها على الزواج منه. سمع قيس مايشبه تلك القصة من أخريات. لايهمه إن كانت صادقة أم لا. تعجبه الشابة. ويشعر بأنها تميل إليه. لذلك صار يلتقي بها أحيانا في المدينة في يوم عطلتها الأسبوعية.‏

جلس قيس، بعد أن ودعها، في مقهى الكرنك، في بوابة الصالحية. استرخى على مقعده في تلك الفسحة المكشوفة قرب سوقساروجا، كمن يحاول أن يقطف غفوة قبل أن يجتمع حوله أصحابه، وترك قهوته تبرد. هل يخفي اعتداده بسحره الذي يبهر سوزان في بيت الشعلان والشقراء الشابة في البيت العمومي في المزة؟ لن يخفي ابتسامته وقت يقول له أحد أصحابه: أوقعت في غرامك ياقيس حتى المومسات؟ رأيت صورتك في البيت العمومي في المزة! ستكون لدى قيس فوق ذلك فتيات لايستطيع أن يتجاوز معهن حدا معينا من العلاقة، ومتزوجات يعطينه أنفسهن! لكنه يتمنى ليلى التي تبعده كلما اقترب منها، فيسجل أنه لم يقصد فتاة أو امرأة إلا لأن ليلى مشغولة عنه، منساقة في سذاجتها. ويقول لنفسه: أقصدهن لأجد الريّ عندهن من الظمأ عندها!‏

استعرض زيارته بيت المزة منذ جلس منتظرا دوره، حتى خرج من هناك. لاتملك الفتاة المقصودة أن ترفض رجلا! تقدّر له ربع ساعة تقريبا، وتفتح الباب لمن يليه. في بيت الشعلان هذا البيع والشراء مموه بالاختيار. تحدد النساء ساعات وسنوات عملهن، ويعدن يوميا إلى أزواجهن وأسرهن. يروين رغبة مجنونة أو حاجة إلى المال، ويبقى ذلك سرا تعرفه فئة قليلة من المحتمين بالكتمان. لكن بيت المزة المراقب صحيا أكثر أمانا. ألا يبالي قيس بذلك، أم يعتمد على نظافة دمشق؟‏

جلس قيس في المقهى كمن يغفو. سمع تحية الممثل تيسير السعدي نجم المسرحيات الإذاعية. وطلب له القهوة. كان قيس مبهورا بدمشق التي يفوح منها الياسمين ويحلو فيها المشي بعد منتصف الليل، وتتناثر فيها المقاهي المكشوفة قرب الصالحية وفي شارع بغداد، والمشارب الصغيرة في ساحة المرجة وعلى شاطئ بردى. لكنه عندما استمع إلى السعدي شعر بأنه لم يلحق سحر دمشق.‏

حكى له السعدي عن المدينة التي لم يعرفها قيس. كانت فيها المقاهي الأخرى! تعرف الآن مقهى السلوى وجناين الورد، والروضة، ومقهى الكمال، والحجاز! أنا أعرف اللونابارك الذي احتفل فيه أنصار السلم بسقوط ديان بيان فو، وغنت فيه ماري جبران. ومقهى الفاروق. والمقهى المكشوف في الصالحية الذي كنا نأكل فيه البوظة ونتفرج في حديقته على أفلام شارل بواييه. ومسرح زهرة دمشق الذي تحيط به في الطابق الأول شرفة واسعة نجلس فيها لندخن أرجيلة. والمقهى الذي كان على كتف بردى قبل فندق فيكتوريا. ومقاهي سوق التبن. في فندق داماسكوس بالاس في أول البحصة تجلس وتأكل وتشرب. وأي فندق كان ذاك! في مكان سينما العباسية كان هناك مقهى مكشوف يطل على بردى. وكانت في دمشق مسارح كثيرة! في مكان سينما أمير في بوابة الصالحية كان يوجد مسرح ذو ألواج، مثّلتُ فيه.‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:04 AM
.
حكى تيسير لقيس كيف جمع المال لمسرحيته. نظّمنا حفلة صباحية للنساء! قصدت السنانية التي علمني أخي الطريق إليها يوم قال لي: لاحظت أنك بدأت تزوغ، لذلك سآخذك إلى مكان مأمون! واصطحبني إلى نساء السنانية. كانت المقاهي والبيوت العمومية والمراقص تمتد من باب الجابية إلى مقبرة الباب الصغير. انغمرت في جو مسرحي تفور فيه الأضواء. لكل امرأة هناك قصة. يحدث أحيانا شجار، فتخرج امرأة إلى الرجل الذي ضايقها وتقول له: نبيع أعراضنا، ولاأغلى من العرض، فهل تهيننا وتظلمنا؟ جعل الله أختك وأمك مثلنا! تحكي كل منهن قصة وصولها إلى السنانية.. برجل أحبها وغشها، فخافت من أهلها خوفا دفعها إلى الهرب من بيتها، بفقرها وحاجتها. دنيا مسرحية أحلم بأن أكتب مرة عنها! هناك كنت تستطيع أن تطلب امرأة إلى الرقص في مقهى من المقاهي، تصحح ربطة عنقك وتنحني لها، ترقص معها ثم تعيدها إلى مكانها وتطلب لها كأسا. كانت في السنانية نساء من بلاد العرب ومن أنحاء الأرض. في النهار زرت أحد البيوت التي ألفتها فأحببت النهار فيها أيضا. رأيت النساء مجتمعات في أرض الدار، واحدة تدق الكبة والثانية تقرّصها، والثالثة تقليها أو تشويها. وفي مكان آخر يشوى اللحم. عالم فوار بليله وبنهاره. إلى هناك اتجهت كي أبيع بطاقات الحفلة النسائية لمسرحيتي! طرقت باب المرأة التي دلّوني إليها. كانت تحكم عدة بيوت في المنطقة. شرحت لها الأمر وقلت لها أريد أن أبيعك بطاقات الشرف. قالت لي: تكرم! لاتخف، سنأتي مثل الحرائر! نادت رجلا وأمرته: وزع البطاقات على فلانة وفلانة وفلانة، صاحبات البيوت، وقل لهن أن تدفع كل واحدة منهن ليرة ذهبية. عاد الرجل وقدم لها المال في صرّة ناولتني إياها. رأيت نساء السنانية في يوم الحفلة الصباحية دون ماكياج، بأكمام طويلة وملاءات. وأذهلني يومذاك أن نساء دمشق، "الحرائر الحقيقيات"، أتين بالماكياج والديكولتيه تحت الملاءات!‏

آه، ضاع كل ذلك على قيس لأنه ولد متأخرا بضع سنوات! قارن البيوت التي يزورها بالعالم الملون الصاخب الذي وصفه له تيسير، فشعر بالخيبة. قال له تيسير: أغلقت الحكومة الوطنية تلك البيوت بعد الاستقلال. كنت يومئذ عند أنور البابا في السراي حيث يعمل موظفا، وهناك صادفت نساء بملاءات يلطمن خدودهن صائحات: ماذا نعمل؟ كيف نعيش؟ خربتم بيوتنا! كن نساء السنانية!‏

خبا البيت العمومي في المزة وبدا لقيس كالمخزن الذي تشترى فيه المتع في سرعة دون بهرج. وتضاءلت مقدمات قيس التي يخترعها بشراب وطعام من البوفيه! وضاع بيت الشعلان في العتمة. ومع ذلك سيذهب قيس إلى تلك النساء. هناك يستطيع الرجل أن يطلق أهواءه دون حساب ودون التزام!‏

كان يسعد قيسا أن ليلى بعيدة عن ذلك العالم الملون. وأنه سيقطعه كالخيّال بالطول والعرض، وسينقطع عنه يوم يتزوجها. حلم بأنه سيروي لها عندئذ مافيه وسيرسم لها ألوانه لتعرف العالم الذي تجهله. لم يخطر له أنها بفضل عمر تسللت مع غادة ومديحة إلى البيوت التي ارتادها وراقبت معهما مهانة النساء ومصائرهن الحزينة التي لونت للرجال عالما مبهجا. من جرّ عمرا إلى ذلك الحديث؟ مديحة بمبادئها التي ترفض بيع المرأة وتدين المجتمع الذي يجعلها سلعة؟ أم غادة التي قالت إن المجتمع الذي يسلب المرأة حقها في جسمها، أكان ذلك بزواج تقهر عليه أم ببيع جسدها، مجتمع ظالم تغيب منه العدالة الاجتماعية، ولابد من إصلاحه باشتراكية عربية؟ بدا للفتيات أن حبس النساء وقهرهن على بيع أنفسهن في البيت العمومي في المزة ظلم مرفوض ومن الواجب إغلاق ذلك البيت! ففسر لهن عمر أن إغلاقه لايحل مشكلة، فالبيوت السرّية موجودة مع أنها لاتعتمد القهر. والنساء يقصدنها بأنفسهن. قال: هذه مؤسسة اقتصادية فيها مدراء وعمال! لم يخطر له أن ليلى ستسأله: أنتم الذين تعون هذا، لماذا تذهبون إلى البيوت التي تستثمر فيها النساء؟ أليس من يرتادها شريك في أكل لحم امرأة مقهورة؟ بماذا يردّ على ليلى؟ قال: ربما يريد بعضنا البرهان على أنه نضج. ولعل بعضنا يلبي حاجته إلى القرب من المرأة!‏

لكن عمرا الحريص على رأي ليلى فيه، يعرف أنه لن يستطيع أن يقنعها بجمل طيّارة. روى لها وحدها، فيما بعد، تجربته بصراحة. بعد خروجه من سجن تدمر دعاه صديقه إلى بيت في الشعلان. هل يقول لليلى إن المرأة مكافأة على صبره في السجن، وأنها جنة وحديقة وظلال أراد له صديقه أن يستمتع بها؟ بدأ من الدقات على الباب التي اصطلح عليها في بيت الشعلان. البيت صالة تجلس فيها امرأة في الخمسين من العمر على مقعد قرب الباب، وتجلس فيها ثلاث أو أربع نساء بملابس لايمكن الخروج بمثلها إلى الشارع. يختار أحدنا واحدة ويدخل معها إلى غرفة. يدفع للحجة عشر ليرات، وذلك مبلغ كبير طبعا. لكن عمرا لايستطيع أن يتذكر الفتاة التي اختارها هناك. تركها وأسرع خارجا من البيت. وباح لصديقه بأنه ارتبك وفشل! تأملت ليلى عمرا واحترمت صراحته. هل تقول له إن تلك العلاقات تهين مجموعة من جنسها؟ تمسكت ليلى بمدينتها الفاضلة التي لادعارة فيها، ولكل امرأة فيها عمل اختصت به. وأكدت مديحة أن الاشتراكية حل لمشاكل المجتمع ومشاكل الإنسان كلها. لم تبين مديحة تفاصيل الطريق إليها. لكنها تؤمن بأنها ستكون عادلة وجميلة. المهم فيها أن النساء لن يكن مضطرات إلى الدعارة. بدأت غادة من حق الإنسان في الحرية، كفرد وكمجموعة. قالت: أتصور أن العلاقة بين الرجل والمرأة أكثر العلاقات الإنسانية شفافية، لذلك يبدو لي أن القرب الإجباري بأي رجل أكثر العقوبات قسوة!‏

لن يبوح عمر لقيس أبدا بالحديث الممتع والمتوتر الذي شغل الفتيات. كان قيس يسميهن عندما يسأل عمرا عنهن: "ليلى وأخواتها". كم بدت الفتيات لعمر بريئات ونقيات! وكم كن بعيدات عن الحقائق الجارحة! كان يجب أن تمضي سنوات كثيرة.. كان يجب أن تكمل غادة تجربة زواجها، وأن تغترب ليلى ومديحة وعمر، وأن يجتمعوا بقيس بعد عقود كي يتحدثوا عن العلاقات الإنسانية المعقدة، والدعارة المجانية التي يوصل إليها غياب القضية الكبرى والاطمئنان إلى الأمان في المسائل الاجتماعية الأساسية، وبُعد الشباب عن مكان رحب يستوعب فورانهم، وغياب المبادئ والآلهة، والمبالغة في حق النساء في العلاقات الجنسية.‏

لكن ليلى ستلمس ذلك العالم بأطراف أصابعها وتسحبها مسرعة. ستراقب في الجامعة جارتها فاليا التي كانت في أيام الحرب طفلة يتيمة، وأصبحت طالبة تختص في الجراحة العصبية، وتستلم عشية تخرجها عشرات العروض من الجامعات والمؤسسات التي تقترح عليها العمل فيها وتعرض لها شروطها. وستزهو بذلك وتستقبل في كل ليلة سبت شابا جديدا. وستتساءل ليلى: هل تبحث فاليا هكذا عمن ستستبقيه ذات يوم زوجا! بعد عقود، عندما ستزور ليلى وغادة ومديحة وعمر قيسا، ستلمح ليلى أطياف أفلام البورنو في حديث قيس. وسيدهشها أن يزهو بأنه أنفق مئات الدولارات على تلك الأفلام وعرضها لزوجته. فتتساءل هل نضبت العاطفة بينهما فالتمساها بالأفلام، أم ساق قيس علاقته إلى هناك ليطمر جفوة بينها وبينه؟ ستقف ليلى على العتبة غير مبهورة، وقيس يحكي عن تشوتشولينا. وستسأله: من هي؟ فينظر إليها دهشا من جهلها: لم تسمعي بها؟! فينجدها عمر: وأنا أيضا لاأعرف تلك المحروسة! فيفسر لهما قيس: امرأة جميلة من بطلات أفلام البورنو المشهورات تدخل أفعى الكوبرا في رحمها! رشحت نفسها للانتخابات الايطالية وانتخبت نائبة في البارلمان. زارت بودابست واستقبلت فيها استقبالا حافلا. وقامت صديقتها المجرية بعد تلك الزيارة بحملة كي ترخص بيوت الدعارة في المجر. ونشرت الصحف تصريحها: العاهرات موجودات، ويجب أن يصنفن وتصنف البيوت التي يعملن فيها! قالت غادة: واكب هذا السقوط الأخلاقي، سقوط المعسكر الاشتراكي! نهبت حتى مراكز الرقيق العالمية النساء من البلاد الاشتراكية. تستطيع، ياقيس، أن تصادفهن في ملاهي دمشق! رأيتهن في أول الليل في طريقهن إلى الطاحونة الحمراء. قال قيس: في شوارع بودابست الآن أجهزة للراغب بمشاهدة فيلم بورنو. ومجلات بورنو محلية تباع علنا. ابتعدت ليلى قليلا، فاحصة قيسا. هل يدين سقوط الاشتراكية أم السقوط الأخلاقي الذي كان قيس واحدا ممن استمتع بأفلامه ونسائه؟ أبعدت نظرتها عنه. لاتريد أن تشعر بأن ذلك العالم موجود حقا! لاتريد أن تلمح تلك السلع التي تدمر الروح! في الخطوة الاولى ربما يغريك ذلك العالم بالتعرف إليه، ثم يشد قدمك لتغرق فيه! في منظومتها الروحية لايقبل الجنس دون حب. قالت: ليس الجنس حاجة إلا في المستويات الدنيا من التطور البشري! لذلك لايغريني التفنن في عرض الجنس. ذلك خطر لأنه ينتزع الشباب من إغراء القيم الكبرى إلى إغراء المتع الصغرى. نظر قيس إليها. تجهل ليلى عالما كاملا يستخدم فنون الطباعة والتصوير والسينما، فكيف تدينه ببساطة! لكنه شعر في أعماق روحه بالرضا. بقيت ليلى كما تركها! لم تته في الأدغال التي غمرته بضوئها وظلمتها! صفق جانب في قلبه لأنها محصنة بروحها، ووعد نفسه بكنوزها: ستكون لي، ولن أخرج من غاباتها ومروجها! نظرت إليه ليلى مشفقة لأنه عبَر تلك المغريات وضيّع فيها وقته، فأكلت جزءا من عمره. لن تبالي بأنه كان باحثا فيه عنها، وقت سيؤكد لها ذلك. وسترى أنه هدر هناك ماكان يجب أن يسدده في مشروع رفيع! وستسأله: أحقا لم تشعر ياقيس بأن العمر خاطف لايكفي لما نتمناه؟ وسيجيبها بالدموع: أكان يجب أن تضعي إصبعك ياليلى في الجرح وتحركيه؟ ولن يعيش غير سنتين بعد لقائهما.‏
بعد التدريب على السلاح في المزة، تفرقت المجموعات التي أعدت للثورة المسلحة في بيوت "سرّية". وكان يفترض ألا تعرف إحداها مكان إقامة المجموعات الأخرى. كان قيس وحده محظوظا بالغرفة التي اختارها له طارق العراقي.

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:05 AM
.
لم يخطر لقيس أن ذلك البيت من البيوت التي يأوي إليها فرج الله أحيانا. كان يمكن ألا يصادفه قيس أبدا. لكن الأرملة قالت لقيس ذات مساء: عندي ضيف يحب أن يراك! فخرج من غرفته، عبر الممر إلى أرض الدار، ورأى رجلا مربوعا أبيض يجلس قرب البركة. بدا له أنيسا وديعا. تحدث معه الرجل وسأله عن بلده وعمله. وقال له إنه يستمع أحيانا إلى التعليقات التي يذيعها بصوته في الإذاعة السرية الموجهة إلى الأردن. وسأله: ولكن هل يسمعها الناس هناك؟ لم يستطع قيس أن يجيبه. وروى له أن الاعتقالات شاملة. اعتقل قوميون عرب وقوميون سوريون وفلسطينيون والضباط الأحرار وضباط مستقلون، واعتقل جماعة النابلسي ومستقلون وطنيون. اكتظ حتى الجفر بالمعتقلين. وحدّثه قيس عن قانون الطوارئ البريطاني الذي أبدعته حكومة الانتداب. يطبق في الأردن وفي الأرض الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل. بهذا القانون يمكن أن يسجن إداريا أي شخص دون محاكمة، وأن يجدّد اعتقاله إلى ماشاء الله. هدف الاعتقالات تدمير المنظمات، ومحو أيام الانتفاضة العظيمة من الذاكرة، واقتلاع الحلم بمثلها. وصف قيس أيام الفوران التي امتلأت فيها الشوارع بالمتظاهرين ضد حلف بغداد وتمبلر، وقال في ثقة: اشترك في المظاهرات ضباط الجيش والشرطة والشعب والموظفون. وذكر له أن المتظاهرين كسروا لوحات الحدود بين سورية والأردن معلنين أن الأردن جزء من سورية، وأن توهج حركة التحرر الوطني يبيح وحدته معها. ابتسم فرج الله: لن يسمح للأردن بأن يتجاوز حدوده! ولن تتغير الخرائط الراهنة إلا بمشروع استعماري جديد أو بمشروع عربي قوي!‏

صار قيس ينتظر المصادفة التي يلتقي فيها بفرج الله. وسيتذكر قيس فيما بعد المرات التي خرج فيها إلى "بريمو" في الصالحية ليشتري بعض البيرة ويشرباها معا. هل قرّبه من فرج الله اتفاقهما في الرأي؟ ولطف هذا الرجل ودماثته وصدقه! لم يعرف قيس من هو ذلك الرجل، لكنه خمّن أنه قائد سياسي مهمّ. ذات ليلة نسي قيس باب غرفته مفتوحا، وغفا. فشعر بيد تعيد الغطاء فوقه، ولمح فرج الله، فكاد يبكي. هذا الرجل الذي يعود متأخرا، متعبا، ينتبه إلى الغطاء الذي سقط عني أنا الشاب؟ شعر بأنه وجد أبا ومعلّما. استقوى به، واستمتع بسعادة أنه عرف أحد القياديين الذين يهبون السند لمن يثقون به.‏

لكنه يوم عرف في مقهى الكرنك أن صديقه فائز اعتقل، لم يكن يتوقع أن يلتقي بفرج الله. عاد إلى غرفته حزينا، وكان مستسلما لغضبه على نفسه لأنه اقترح اسم صديقه العزيز بين أسماء من يثق فيهم! ولأنه لم يبح له عندما أتى إلى دمشق وتدرب على السلاح معه بأنه لايؤمن بمغامرة الثورة المسلحة! بل بدا كمن يستر ذلك بالتدريب معه. قال لنفسه: ساهمتُ في الغش! وسترتُ الخطأ بالسّرية التي تمنع أن نبحث ماقررته القيادة وتمنعنا من مناقشته! وتساءل كيف يُطلب من أشخاص أن يغامروا بحياتهم ليحرروا بلدهم، وهم غير أحرار في مناقشة القرار الذي يرميهم في السجن أو الموت؟ كيف نقبل جميعا ذلك؟‏

عاد ومعه الجريدة التي وصلته إلى مقهى الكرنك. نشر فيها اعتراف الشهود بمسوؤلية قيس عن تحضير الثورة المسلحة، وعن نقل السلاح إلى المغاور والحواكير. والحكم عليه غيابيا بالسجن المؤبد. لايبالي بذلك فهو في أمان في دمشق. لكن أخبار مافي المعتقلات من التعذيب والإذلال وكسر الروح والجسد، هزّته. فتفاصيلها تتصل بأشخاص يعرفهم، أكل وشرب معهم وسهر معهم وأوى أحيانا إلى بيوتهم.‏

جرفت الاعتقالات الضفة الغربية وملأت المسكوبية وسجن القلعة في القدس وسجن اللّد بالبعثيين والشيوعيين والقوميين والمستقلين، كما امتلأ بهم سجن المحطة وسجن العبدلي في عمان، والسجن العسكري في الزرقاء، وسجن إربد. وأضيفت خيام جديدة إلى معتقل الجفر الصحراوي ليستوعب المعتقلين الجدد. وضع في الزنزانة التي تتسع لأربعة أشخاص عشرون شخصا. صاد الأمن حتى الطلاب الذين اشتركوا في مظاهرات التضامن مع مصر أيام حرب السويس، وفي المظاهرات الوطنية أيام حكومة النابلسي. لكن الجديد هو حملة التعذيب الشاملة. كاد قيس يبكي عندما نقل له أن جسم أحد الطلاب أحرق قطعة قطعة خلال التحقيق. وأن ذلك الطالب نقل وهو يحتضر إلى منطقة جبلية ورمي من مرتفع فيها! خَبِر قيس الضرب في السجن وعرف معتقل الجفر الصحراوي. لكن التعذيب الذي يحدث الآن غير ذلك. ليس هدفه عزل بعض الأشخاص وتخويف الآخرين منهم. بل تدمير بنية المعتقلين الجسدية والروحية. تفكيك البنية التنظيمية. قنص الضعف واستثماره في نذالة، وتخريب صحة المعتقلين المتماسكين. لم تنج النساء من الاعتقالات والإهانة والتعذيب، وخاصة الفلسطينيات. وعذبن في معتقلات الرجال. فهل هذا تخطيط محلي نقي؟ يحدث ذلك على بعد أمتار من إسرائيل!‏

جلس قيس مع عفاريته. أغلق الباب على نفسه ولم يشعل الضوء. عدّ على أصابعه همومه: الفتنة المسلحة، اعتقال فائز، حمقي أمام الضابط، الإذاعة! لكنه رمى ذلك وقال: لو كانت ليلى معي لتفاديت الخطأ وواجهت القدر!‏

نعم، حياتك ياقيس تافهة، ومهدورة! أهواؤك جامحة وانتصاراتك صغيرة! تغمس نفسك في المغامرات لأنك فاشل في حبك، عاجز عن جذب فتاتك المحبوبة! لاتقل لا، بل اعترف بأخطائك! واجه قيس عفاريته: لم ألمس امرأة بالرغم عنها. ولم أقل لامرأة إنها الوحيدة لدي ولم أطلب الزواج منها لأصل إليها! لم أطلب غير ليلى! هي التي ترفضك ياقيس، لكنك لن تقرّبها بجولاتك بين النساء! هل تنتقم منها ياقيس، أم من نفسك؟ لكنها ليست سبب ظلمتك الليلة!‏

شعر بحرقة في عينيه. تمنى في تلك اللحظة أن يكون كالرجال المستقرين في بيت، تقابله امرأة تزين شعرها كالشاميات بوردة من ورد أرض الدار، ويهرع إليه أولاد يتخاطفون مايحمله لهم. تذكر المرأة التي استقبلت أباه في طفولته حول بركة ماء في بيت دمشقي، خلية البال، مزينة، سعيدة، تعرف كيف تدلّل الرجل فتجعله كالطفل وهو يظن نفسه سيدا عظيما، ففهم الفرق بينها وبين أمه. تمنى أن يغمض عينيه ويجد لنفسه مثل تلك الأسرة! لا، لماذا تخفي ياقيس لوعتك؟ لاتستطيع أن تتخيل زوجة غير ليلى! لتلك المرأة التي توهمت أنها تستقبلك، ملامحها وقدها. لاأطفال لاإنس ولاجان فهي وحدها التي تملأ إطار الباب الذي فتحته بحلمك! وسترى! ستفسد صورتها حياتك، فلن تستسلم لفرح لايقتحمه طيفها، وستتوهمها دائما مقابلك! انتفض قيس: لا! لن تستعبدني امرأة ولو كانت الست بدور!‏

فتح نافذته. هاهي عادلة مقابله تنتظر إشارة منه لتنزل إلى الطريق وتلتقي به في آخر الحارة! يراقبها بزجاج نافذته الموارب وتراقبه به. لها الطريق في العتمة إلى بساتين المزرعة. يجلسان هناك تحت الشجر. ولها "غرفة الشاي" في الصالحية حيث يدعوها إلى بوظة. ولأخرى مقاهي الربوة وبساتينها. وللثالثة بساتين المالكي. وقد يدعوها إلى فيلم في سينما دنيا في وقت لايمكن أن يصادفا فيه ليلى في الطريق. يمشيان أيضا في سوق الحميدية ليشتري لها ماتستحليه. لايمكن أن تتقاطع واحدة من فتياته مع أخرى! ليلى؟ بعيدة في مدارها!‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:06 AM
.
يالبؤسه! بل يالغضبه! كل ما يمكن أن يملأ نهاره بالعمل السياسي صار وقتا فائضا تبعثره النساء! يغرق ويطفو في ألوانهن ليسلو ليلى التي تبقيه معلقا على شجرة، تتفرج عليه وتتحدث إليه من بعد لكنها لاتنزله إلى الأرض!‏

ذات يوم قالت له عادلة في ضغينه: رأيتك تمشي مع مجموعة من الشباب ووجهك إلى فتاة منهم حتى أنك لم تلاحظني! في ذلك اليوم اقترحت أن تذهب معه إلى بساتين المزرعة وقبّلته. أسقطتها الغيرة، ولو كان أبا لقال لابنته انتبهي، إياك أن تندفعي بالغيرة وإلا لبّيت حتى مالم يطلب منك! هاهي واقفة في انتظارك ياقيس، فابتعد كيلا ترى طيفك في زجاج النافذة! آه، في قلبه عطش قاهر. يخيل إليه أحيانا أن المرأة تطفئه ويتبين بعد خروجه من بيوت النساء أن مابه شجن لايعزيه شيء عنه.‏

خرج من البيت. مشى إلى مطعم "بريمو" في البارلمان، جلس وشرب كأس بيرة. ثم عاد مقهورا. فليعترف لنفسه بأن أحداث اليوم كانت ثقيلة عليه وأن ليلى ليست السبب في حزنه! في مقهى الكرنك اكتشف اليوم أن الضابط الذي كان يخفّ إلى طاولته طوال الأسابيع الماضية كلاجئ سياسي من الضباط الأحرار، اختفى. رجع إلى عمان، وحمل الأخبار كلها معه! وسيعرف قيس فيما بعد أنه كان ذا رتبة رفيعة في المخابرات، وأنه سيُرسل إلى مصر في مهمة، وسيعود ليكون نائبا لرئيس المؤسسة نفسها.‏

استعاد قيس أحاديثه معه وبدأ يفسرها تفسيرا جديدا. تجول بنظرته في المقهى. وقال: ليس هو الذكي بل نحن الأغبياء! كل من يهرب من البلد يأتي إلى هنا! هذا المقهى هو العنوان المعتمد! وهنا تتحدثون في صراحة كأنكم لن تعودوا إلى مدنكم إلا وقت التحرير العظيم! وأنا مثلكم، وقعت في الثقة بأن الصديق فقط يصل إلينا!‏

خرج من المقهى غاضبا على نفسه. وقصد البيت العمومي في المزة. انتظر صاحبته الشقراء حتى فرغت من زوارها، لكنه لم يبق زمنا طويلا معها على عادته. تناول من الرجل الواقف على بابها منشفة ومسح نفسه. ومشى إلى "الحجة" الجالسة في الممر تدخن الأرجيلة وقال لها: أريد فلانة! دفع الثمن ودخل إليها. خرج من غرفتها ومشت هي لتغتسل، وعاد هو إلى "الحجة" ذات الأرجيلة: أريد فلانة! زار ثلاث صبايا وخرج من البيت العمومي وهو يشعر بالقرف من نفسه. مشى طريق الربوة كله كما كان يمشيه مع صديقه يحيى يوم لجأ مع أهله إلى دمشق بعد النكبة. تنفس في عمق الهواء المنعش النظيف. تنفس الهدوء وأشجار الجوز الكثيفة. وخيل إليه أن ليلى تمشي أمامه براقة ومبهرة، متميزة بالمشية والقدّ والعنفوان. هي التي لاتظهر له الحب، لاتبالي به، ولايسحرها عشقه، وتجهل العالم الذي ينغمس فيه، متعالية عليه؟ يجب أن يقهر كبرياءها وهو يتمنى أن يستبقيه! يجذبه إليها ماينقصه، ماتكمله فيه، مايناقضه. لذلك لم يسمح لعدالة بأن تمسها بكلمة فقال لها: إياك!‏

يحتاج ليلى الآن، لكنه لن يمرّ ببابها وهو يحمل هذا القلق والوسخ! لم يقصدها في الجامعة أبدا وهو يحمل أثر امرأة! بل كان يستحم ويفرك جلده بقوة كأنه يزيل أثر اليوم السابق عنه كلما فكر بأنه قد يراها. قد يتركها إليهن ليبرد ماتشعله في روحه. لكنه لن يرتكب أبدا إثم أن تفوح منه امرأة أخرى أمامها!‏

لا، لن يبحث عن ظلها في هذا الليل الذي يخنقه! بل يحتاج أن يرى ليلى كما يحتاج المخنوق الهواء! مابك ياقيس؟ ليست ليلى وجعك الليلة! يؤلمك أن يختفي فجأة الضابط الذي جلستَ معه إلى طاولة واحدة وأنستَ إليه؟ ماأعجب أن يكون مواطنك، وماأعجب أن تستهويك دماثته وثقافته وتكون خصمه!‏

اغتسل. سكب كثيرا من الماء على نفسه. وخرج هائما في المدينة! كان يقول لنفسه كلما مشى في الصالحية أو شارع بغداد أو طريق الربوة: كم دمشق صغيرة وجميلة! كم هي نظيفة وأنيسة! كم ليلها حلو ومقاهيها المكشوفة رائقة! فلماذا لايشعر الآن بالراحة؟! وجد نفسه يعبر نافذة ليلى. تأمل ظلام غرفتها! وعاد إلى البيت.‏

جلس قرب البركة. ليت فرج الله يأتي الليلة! ليته! كم مر من الليل؟ في الساعة الثانية بعد منتصف الليل فتح فرج الله الباب. سمع قيس المفتاح يدور في هدوء في القفل. يالرقته! يخشى أن يوقظ النائمين! يمشي على رؤوس أصابعه في الممر. رأى فرج الله قيسا جالسا في الباحة حول البركة. من ظهره لاحظ توتره. كان فرج الله يتمنى أن يخلع ملابسه ويغفو. لكنه توقف قرب قيس كأن الليل في أوله. هذا شاب لم يتجاوز الثالثة والعشرين يحمل هموما أكبر منه، والشاب يشعر عادة بهمومه في حدة. لكن مقتل القادة ألا يصغوا إلى الشباب وألا يفتتنوا بصدقهم. فرج الله يستطيع أن يحب في صفاء الشباب الذين يستحقون حبه، ويستمتع ببوحهم الفوار كأنه نسيم عذب في يوم متعب.‏

سأله: لم تنم بعد ياقيس؟! خير؟ لم يلاحظ قيس تعب فرج الله! وقف وبه رغبة في أن يعانقه كما يعانق طفل أمه. فهم فرج الله أن قيسا يحتاجه. قال: دقيقة! ثم عاد وجلس حول البركة.‏

كشف له قيس همومه من أطرافها. الضابط؟ ذلك يحدث أحيانا! لذلك نحتاج أن نتعود ضبط الكلام! باح قيس بهم آخر: روى له أن الشاب الذي يشتغل معه في الإذاعة السرية الموجهة إلى الأردن قال له: يريد البيطار أن يراك، فلاتناقشه مهما قال لك! لماذا يُطلب من صاحب الحق الرضا بما لايقبله ضميره! قال له البيطار: هل تظن أن الإذاعة ملك شخصي لك؟! فردّ قيس: ومتى كنت أظنها ملكا شخصيا؟ هل الغضب على التدخل الأمريكي عواطف شخصية؟ قامت الدنيا بينهما، وخرج قيس دون أن يحييه. استمع فرج الله إلى قيس في هدوء. قال: هذه خسارة مادية لك. لكن موقفك صحيح!‏

لماذا تفادى قيس أن يبدأ الحديث لفرج الله عما يؤلمه؟ لماذا حام طول النهار حول وجعه العميق ولم يواجهه؟ ألأنه يتصل بموقف يجب أن يحاسب عليه عرفان وسيفتتح صراعا معه؟ شعر فرج الله بأن قيسا لم يبح له بعد بهمّه الحقيقي. خير ياقيس؟ ماذا بعد؟ مسح قيس دمعتين. وحكى له عن اعتقال رفيقه المحبوب فائز. ليس مابينه وبين فائز رفقة الفكر فقط. بينهما العشرة، السهر معا، ذلك المقهى الذي كانا فيه معا في عمان عندما بكى قيس فجأة وقت سمع أذان المغرب في رمضان. فائز ابن مدينته، جاره. بينهما هند زوجته الجميلة، ابنة عمه التي تحتفي بقيس كلما زار صاحبه، وابنهما الطفل الذي يمد ذراعيه لقيس ويرمي نفسه عليه. رشح قيس فائزا وقت طلبت أسماء من يثق بهم ويمكن أن يؤتمنوا على مهمة. فهل كان قيس يخمّن أن الذين رشحهم سيستدعون إلى دمشق ويدربون على السلاح، ليعودوا ويشعلوا ثورة مسلحة؟ نُقل قيس مع بعضهم إلى بيت من البيوت التي استؤجرت لهم، وقف مثلهم كل يوم في طريق الربوة في انتظار السيارات إلى المزة، تدرب على التسديد ورمي القنابل والزحف. بعد ثلاثة أسابيع تقريبا صاروا يعادون إلى البلد. فتنشر الجرائد أخبارا عن مفرقعات كألعاب الأطفال وقنابل بعضها ينفجر وبعضها لاينفجر، وأسماء المعتقلين الذين التقطوا على الحدود، والأسلحة التي صودرت منهم. لايوافق قيس على الثورة المسلحة. قال: للثورات شروط غير موجودة! ليس هذا زمانها ولامكانها! ردّت عليه القيادة: سمعنا رأيك، شكرا. وكأنه لم يقل شيئا! وهاهو اسم فائز بين المعتقلين. هل خمّن قيس مصير فائز المرّ، أنه سيقتل حبيبته، وأنه سيلتقي به بعد عقود من الزمن وكل منهما قد شاب وسيعقدان اتفاقا هادئا وحزينا: أن يؤبّن أحدهما الآخر الذي سيعيش بعده؟‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:07 AM
.
حدّث قيس فرج الله عن هواجسه. روى له أن أحد أبناء عمه ابراهيم الذي بقي في دمشق منذ 1948 زاره. أغلق الباب وقال له: ياابن عمي، يوجد خائن من ربعكم. انتبه! ولاتبح لأحد بأني زرتك ونبهتك! نعم، دود الخلّ منه وفيه! في هذا الصراع لاتوجد فروسية! وهاهو قيس يكتشف أيضا أن أحد الضباط الذين كانوا يجلسون في مقهى الكرنك قد اختفى وظهر برتبة كبيرة في عمان! وصلت الأخبار عن الثورة المسلحة من مصادر متنوعة، إذن!‏

لاتبدو في ملامح فرج الله عادة إلا الوداعة الأنيسة والرصانة. لكن قيسا لمح دهشته. سأله في هدوء: وهل جماعتكم مشاركة في العمل المسلح؟ نعم مشاركة! مشاركة؟! تؤكد المعلومات لدينا غير ذلك! معلوماتكم غير صحيحة! أنا أحد من طُلب منهم أن يرشحوا الأشخاص الذين استدعاهم عرفان. وصل اولئك الأشخاص، عشنا مجموعات في بيوت مغلقة لانخرج منها إلا للتدريب. تدربنا على السلاح في جبال المزة، ثم أعيدت وجبات منهم إلى البلد لينفذوا الثورة المسلحة. اعتقل بعضهم على الحدود مباشرة، واعتقل بعضهم من بيته. كأنما كانوا ينتظرونهم هناك! أنت متأكد مما تقول، ياقيس؟ نعم! إذن اذهب إلى عرفان وقل له إن فرج الله يريد أن يراه. كاد قيس يهبّ واقفا عندما سمع الاسم. هذا هو فرج الله؟! قيس محظوظ بمعرفته، دون أن يدري!‏

في اليوم التالي ذهب قيس إلى بيت عرفان في الجسر الأبيض، وبلّغه الرسالة. سأله عرفان: من فرج الله؟ ذلك الذي في الشونة؟ لا! فرج الله القائد! وكيف عرفته؟ ياللسؤال! كبح قيس غيظه. كأنه لايستحق أن يعرف فرج الله! سأله: ألم يقل لك ماذا يريد؟ لا! بلّغه إذن: غدا في العاشرة مساء.‏

في الحادية عشرة كان قيس ينتظر فرج الله أمام مقبرة الدحداح في شارع بغداد. مشيا معا خطوات. لايستطيع قيس أن يقرأ تعبيرا على وجه فرج الله. قال فقط: معلوماتك صحيحة، ياقيس. والآن، عليك أن تضبط أعصابك!‏

وجد قيس رجلين من مرافقي عرفان ينتظرانه في أرض الدار: يريدك عرفان! في الصالون باب من الزجاج يفصل صالتين. فتحه عرفان. كان بالبيجاما. لم يرد تحية قيس. قال: هل تعرف مخلص عمرو؟ يعرفه! قائد من قادة عصبة التحرر الوطني في فلسطين، مثقف، انفصل عن العصبة لأنه عارض تقسيم فلسطين. وسيقتل بالتعذيب في الستينيات في سجن المحطة في عمان. ردّ قيس: لم أره، لكني سمعت عنه. قال عرفان: "سأسخطك" كما "سخطت" مخلص عمرو! كبح قيس غضبه لكنه لم ينفذ نصيحة فرج الله. سأل: قل لي، أنت الأمين العام لحزب أم رئيس مخفر؟ زاد غضب عرفان: أنا أسألك، هل أنت عضو في منظمة أم جاسوس عليها؟ ردّ قيس: أنا عضو في منظمة خدمتها أكثر منك. يوم اعتقلتَ أنت كان فيها مئات فقط. ويوم تركتُها أنا كانت تعد بالآلاف. لم يتذكر عرفان ماسيرويه آخرون بعد عقود من السنين لأولادهم: كنا نركض إلى المظاهرة لنسمع قيسا! هتفت مرة أخت رئيس الوزراء في إحدى المظاهرات: تسقط الحكومة، وليعش قيس! فرفض أخوها أن يتدخل ليطلقها من السجن، وقال لأهله: فليحررها قيس! ألم يسمع عرفان أن قيسا جذب أبناء بلده ومنهم قوميون سوريون وبهائيون وإخوان مسلمون؟ قال: أنت نقلتَ أسرار المنظمة إلى الآخرين! ردّ قيس: أسرار مكشوفة للسراج، مكتومة عن قائد عربي محترم؟ أنت قدمتَ لأشقائنا معلومات كاذبة، وأنا قدمتُ الحقيقة! كاد عرفان يصرخ: انتهت المقابلة!‏

خرج قيس من بيت عرفان وهو يشعر بأنه هدم الجسور خلفه وأمامه. وأن حكم عرفان عليه قد وقع. لن يرحمه أبدا! أوجز بينه وبين نفسه ماكان يخشى أن يوجزه: عرفان يتعاون مع السراج، وينغمس في مغامرة الثورة المسلحة! لكن الحقائق لاتأتي بالسعادة. سيكون قيس وحيدا. يحشد الصراع مع العدو الخارجي الأصحاب والإعجاب. لكن الصراع مع قائد مكلّل بالأساطير يخيف الأصحاب ويبعد الأصدقاء. قد يصبح كل من يصادق قيس مشبوها! ولن يجسر من يعرف الحقيقة على الدفاع عنها كيلا يكون وحيدا في الغربة! لاأهل هنا ولاعشيرة، والقائد هو الذي يهبك حتى حقك في البقاء في المنفى. لكن قيسا لن يهادن القائد المنتصر! وليس خائفا. يستند إلى فرج الله والسوريين! لم يخمّن أن انقلابا سيجرف حصونه!‏

شعر قيس بأنه خفيف. استعاد القوة التي كان يشعر بها وهو مسدد إلى اجتماع أو مظاهرة، يوم كان يتوهم أنه يقرر القدر أو يتحداه. هل يوقظ فرج الله خير مافيه؟ قال منتعشا: يجب أن تشرب بيره! سأغيب برهة فقط! كان فرج الله راغبا في النوم. لكن هل يخيّب قيسا الذي يريد أن يداويه من الرمل! سأله قيس: لماذا طردتم الياس مرقص؟ هذا مثقف! قال فرج الله: هل تظن أن من السهل أن نفقد مثقفا؟ ذلك مؤلم! ذلك مثل هدر ثروة تعبتَ في جمعها! صمت فرج الله زمنا. ثم قال لقيس مفكرا: العامل خليل الحرّ مسؤول مجموعة من المثقفين أحد أعضائها الياس مرقص! هل تتصور هذا الوضع؟! ضرب قيس جبينه بكفه وفهم فرج الله الإشارة لكنه لم يقل شيئا.‏

اعتقل فائز، صديق قيس العزيز، عندما رجع من سورية لينفذ "الثورة المسلحة" مع مجموعات المخلصين المؤتمنين على الأسرار الذين سجل قيس أسماءهم لعرفان. لم يكن لديه الوقت لاستخدام السلاح الذي سرّبته مجموعات أخرى وخبأته في المغاور والبساتين. وجدت مجموعته من "الثوار" من ينتظرهم عند الحدود. غضب فائز. لاحرمة لابن عشيرة كبيرة، لابن رجل من كبار رجال بلاد الشام سند ثورة فلسطين سنة 36 والثورة السورية واستقبل أحمد مريود في بيته؟ لاتسألنا، بل تساءل هل من اختارك للثورة المسلحة احترم ذلك؟‏

بقيت زوجته الجميلة هند وحدها مع طفلها. وأصبحت صلة المنظمة بقيادتها في سورية. هل فكر من انتقاها بظروفها الصعبة، أم استوقفته فقط شهامتها؟ تفرش دمها على كفها وهي تحمل الأخبار والأسئلة في طريق السفر، وتعود بالأوامر والتوجيهات! فهي في خطر عندما تتلقى الأخبار ممن جمعها، وفي خطر لأنها تحفظها، وفي خطر عندما تعبر بها الحدود، وفي خطر عندما تحمل ماتعود به، وفي خطر عندما تلتقي بالأشخاص الذين يجب أن تلتقي بهم! ومع ذلك لاتبالي بتلك الأخطار كلها. لاتمشي محملة بذاكرتها كما يمشي قطار بحمولته، بل تمشي كإنسان حيّ يعرف ضرورة مهمته. وتمشي كامرأة خليّة البال لاتثير الانتباه إلى مهمتها. تقدّر أنها استمرار زوجها المحبوب، لكنها تشعر بأنها ضرورة أخرى. وتتفتح كإنسان يكتشف نفسه في الخطر. في المرة الأولى فعلت ذلك لأجل زوجها. لكنها تذوقت الخطر وعرفت أن مافعلته أوسع من زوجها. تعلمت دقة الملاحظة والتوجس وهي تعبر الحدود في الذهاب وفي الإياب. وتعودت أن تتوقع الاعتقال، بالرغم من اعتمادها على حصانة المرأة وحصانة العشيرة. لذلك بقيت حذرة حتى في دمشق، فلم تلتق بالأشخاص الذين يجب أن تلتقي بهم مباشرة بل سلكت أطول الطرقات وأبعدها عن الهدف.‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:08 AM
.
أصبح عملها يفترض أن تترك ابنها الصغير أحيانا، وأن تنقله معها أحيانا. فتتحمل ضيقه بالطريق، أو ضيقه ببعده عنها، وتتحمل قلق الأم ولهفتها. "قدّر ذلك علينا! لم نختره ياحبيبي، لكننا لانرفضه"! كانت تستقبل أصدقاء زوجها في بيتها في أيام الحرية. لكنها لم تعد، وهم في السجن أو المنفى، المرأة التي قدمت لهم القهوة وسمعت نتفا من أحاديثهم وابتعدت عن الغرفة التي يجلسون فيها كي يكونوا أحرارا. أصبحت من الأشخاص الذين يعدّون لهم الخلاص. "لنتحمل ياصغيري"! تعلمت أن تكون جاهزة عندما تُطلب كعسكري يضع ثيابه قرب سريره. لايستلزم خروجها من البيت إلا دقائق! الطعام لديها دائما جاهز لأيام. والثياب دائما جاهزة نظيفة ومكوية، ثيابها وثياب الولد. الشراشف والمناشف للبيت جاهزة، والبيت دائما نظيف! جاهزة فقط للسفر؟ وجاهزة للاعتقال! لاتؤمن برحابة الشرق! للنساء وضع خاص، حقا. ولكن هل يمنع ذلك غيابها بعض أيام كي يستجوبوها ويستخرجوا ماتعرفه، وماتفعله؟! هل منعت حرمة المرأة من اعتقال صفيّة التي هتفت في المظاهرة "عاش قيس ولتسقط الحكومة"، فأغضبت أخاها وزير الداخلية فقال: فلتبق في السجن حتى يخرجها قيس منه! تخمّن أنهم لن يقصدوها في البيت. بل سيلتقطونها من الطريق، فتبدو غائبة كأنها مستمرة في السفر. وعندما ينتشر الخبر يكونوا قد حاولوا أن يعرفوا مايريدونه، ويكون عليها أن تقاومهم ولو وصل الموت. المهم ألا يكون معها طفلها! المهم ألا يرى الطفل مايجب ألا يراه!‏

ينظرون إليها في إعجاب وتقدير في دمشق. لم تعد ناقلة أخبار وأوامر وتوجيهات، فقط! يتبدل الإنسان في المهمات. في سفرة واحدة كسبت من الخبرة أكثر مما يكسبه الإنسان في سنوات رائقة. بالرغم من حركتها في السر، أصبحت تعرف كثيرا من الناس. تزن من تراه بميزان الصائغ الدقيق، وتصدر حكمها عليه في سرعة. لاوقت! يجب أن يكون حكمها صحيحا وإلا خرجت من ذلك المسار كله، وأصبحت على الأقل معتقلة في البيت. إذا أخطأت في خطوة واحدة فقط فقدت حريتها الفاتنة، اللازمة لمجموعة، وفقدت سحر أن تجري في المجرى الذي اكتشفته. بيقظتها، وانتباهها، وحكمها السليم تحمي مجموعة، وتحمي نفسها وتبقى حيث اختارت أن تكون.‏

كانت تصنع حتى البراءة في نظرتها. وكانت تصنع الغباء أو مايظهر أنها امرأة عادية، عادية! لكنها لم تستطع أن تخفي جمالها. قامتها الممشوقة، ظهرها المستقيم، وطلعتها. تضيق بذلك؟ ربما تضيق بجمالها وهي تزهو به. "لاتقلقي ياهند، فالرجال الذين يرونك لا يخطر لهم أنك محملة بالشوك. لمثلك يسجد المحب، مثلك للدلال، للهدايا، للملابس الجميلة، مثلك يتصدر السهرات، ويتأمله رجل يتحسر من بُعد. بمثلك يحلم رجل يحملك معه إذا حضر أو ابتعد!‏

هل التقت هند بذلك المقاول في السيارة التي نقلتها في طريق العودة؟ تعطلت سيارته، وعندئذ مرت السيارة التي تركبها. في السيارة مكان فارغ! في الخلف إلى جانبها. ذهل عندما رآها. قرر أن سيارته تعطلت كي يصادفها. صعقته عندما نظر إليها وبصعوبة تمالك نفسه ولم يظهر أن تنفسه اضطرب. لم يملك نفسه فظل يلتفت نحوها. تصنّع أنه ينظر عبر النافذة التي تنظر منها. لكنها فهمت أنه يتفرج عليها. وفهم أنها فهمته. ورأى أن وجهها احمر. ودهشت هي لذلك. لم يكن غريبا أن يتفرج عليها رجل. كان العكس هو الغريب. لكن هذا الرجل كان غير اولئك الذين تعبرهم. كان لابد من أن تنتبه إليه لأنهم التقطوه من الطريق، لأنه كان واقفا مادا ذراعه يطلب النجدة. ثم التقطت خصلة بيضاء وسط شعره. وفي الطريق لاحظت خاتمه السميك الذهبي الذي نقش عليه حرف. لم يكن خاتما من هذه الأيام. لذلك سألته عنه فيما بعد أول ماسألت، فروى لها أنه خاتم أبيه، نقله إلى يده عندما مات الأب.‏

رأى الرجل في إصبعها خاتم الزواج. وتعمدت أن تمدّ يدها ليلاحظه، كما تمدّها كلما شعرت بأن رجلا يطيل إليها النظر أكثر من المقبول، المعتاد، الذي لاتستطيع أن تمنعه لأنه صلاة للجمال. كانت قد أدّت مهمتها وعادت خفيفة نشيطة. ولم تكن تحمل مهمات في طريق العودة. لاشيء. ربما لو كانت محمّلة بأوامر لما نجح ذلك الرجل في شد انتباهها إليه. ولما لاحظت حتى خاتمه السميك وخصلة شعره البيضاء. لكنها كانت خفيفة منصرفة إلى نفسها في طريق العودة. وكانت مستريحة لأنها أدّت مايجب أن تؤدّيه في كمال.‏

كان من حظ فائز أن يتزوج تلك الجميلة. ابنة عمه تفضّل على الغريبة. ولم يخطئ. لأنها حملت واجبها كزوجة وتبنّته.‏

بعد سنة خرج فائز من السجن. طارت هند من الفرح عندما رأت زوجها يملأ الباب. أرادت أن ترتمي عليه لكنها لاحظت أنه جفل. فليسترح. ولكن كيف خرج من السجن؟ ستسأله فيما بعد! لاتعرف أن العدو يحاسب الرجل على الولاء السياسي لكنه ينحني له احتراما إذا دافع عن شرفه فيفتح له حتى البوابات للقتل. لم يكن فائز راغبا في الكلام فقالت لنفسها يغيّر السجن الإنسان ويشعره بالغربة حتى عن أهله. لاحظت أنه تفادى الانتباه إلى حفاوتها به، وإلى سرعتها في تحضير العشاء له، لكنها التقطت نظرة طويلة إليها أنهاها بأن أغلق جفنيه كمن يرغب في غفوة. تركته ينام وحده في تلك الليلة. وعندما قال لها في اليوم التالي سنخرج إلى الصيد ظنت أنه يريد الفلاة والهواء النظيف والسعة والبعد عن الناس. لم يرغب في أن تتعب نفسها بتحضير الطعام، فستجد هناك عند الفلاحين خبز التنور واللبن والجبن والكشك!‏

امتحنها، وهي تمشي أمامه في أراضي أبيه، بخطوتها ورائحتها، بفرحها، ببريق عينيها، وقرر أنها ليست كما تركها. قال لنفسه: لماذا لاتسألها؟ لماذا تحكم عليها دون أن تسمح لها بالدفاع عن نفسها؟ وردّ في حزم: لا! لن يترك مجالا للدموع والكذب! لايريد مساحة للشفقة! ماقيل عنها صار حقيقة لاتمحى إلا بقتلها! لن يستطيع أن يستعيد مكانه بين الناس مرفوع الرأس إلا بغسل "العار"!‏

توغلا بين أشجار الزيتون التي مشى فيها مرة سعيد وقدري مع سليمان باشا. وعبرها أحمد مريود وثوار بلاد الشام، ثم المتطوعون السوريون في ثورة فلسطين. هل ظنت أنه يمازحها عندما ناداها فالتفتت إليه ورأته يصوب البندقية إلى صدرها؟ أم فهمت في ومضة سبب خروجه من السجن، وتجهمه، ونظرته القاسية، وخروجهما إلى أراضي أبيه للصيد؟ سمع الطلقات القاتلة، واقترب منها. ركع قربها ولمس وجهها الدافئ. هل كانت تنظر إليه في عتب؟ بقي راكعا بجانبها زمنا لم يستطع أبدا أن يحسبه. ثم استلقى على الأرض إلى جانبها وأغمض عينيه وأبقى كفها في كفه حتى بردت. وفي تلك اللحظة فهم أنه أطلق الرصاص على قلبه.‏

لم يتحدث أحد أبدا معه عن موت هند. ولم يعزّه أحد بها. ولم يسأله أحد كيف خرجتَ من السجن. لكن قيسا قال له عندما التقى به بعد عقود: مشيت في حياتك مسافات واسعة، وكدت تحمل سلاح الثورة المسلحة، فهل عجزت عن قطع خطوة تبعدك عن الحلول القديمة؟ فردّ فائز: هند ابنة عمي فهل كان يمكن أن أطلقها؟ كان مايزال يتهمها بهواها. لكنه لم يسأل قيسا: ألم تفهم أني متّ بذلك الرصاص؟ هل الميت من يرمى عليه التراب، أم الحيّ الذي فقد مذاق الطعام والنوم وفقد القدرة على الغضب والرضا والفرح والحزن؟ انتهت الليالي التي كان يستطيع فيها النوم الهنيء. وسيظل إلى آخر أيامه يهبّ من نومه لاهثا والعرق يسيل من طرفي وجهه! كان يعود دائما إلى تلك اللحظة. ويتساءل لماذا لم يصرخ عصفور، ولم تهتز شجرة، ولم ينزلق حجر. لماذا امتد الصمت الثقيل حتى الليل، ولم يسأله أحد بعده لماذا وكيف؟ هزّ قيس رأسه: يبدو أننا معا أمام أزمنة تمتد آلاف السنوات قبلنا. هل تصورنا ذات يوم أننا سنشيد مجتمعا جديدا لاشيء قبله، كأنه مرسوم على الورق؟!‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:09 AM
.
لم يذكرها أحد أمامه غير قيس. لكنه عرف أن أصحابه كانوا يشعرون بأنها حاضرة، كأنها ستفتح الباب وستقدم لهم القهوة، وستجلس على ذاك الكرسي الذي يتفادون الجلوس عليه لأنه كان مكانها. من يستطيع أن ينساها؟ كانت باسلة وشجاعة، جميلة، حلوة المبسم، دمثة، ترحب بالضيوف كأنهم أهل. ولعلها تمنت في لحظة الموت أن يسألها أحد: هل ماقيل عنك حقيقة أم وهم!‏

لو بقي محمد، صديق قيس وفائز في عمان لاعتقل معه. لكنه في أمان. أتى من الكويت في العطلة، وبحث عن قيس في مقهى الكرنك. وجده قيس مقابله: أنتَ هنا؟ وصلتُ اليوم من الكويت! تعانقا. كان محمد يعبر الأرض المحتلة بين غزة والضفة الغربية متسللا في وطنه! ثم عاش في عمان. ثم رحل ليعمل في الكويت. وهاهو ميسور قادر على دعوة أصحابه إلى المطاعم! لم يفسد روحه المال، ومايزال يقلقه مصير أصحابه ويتساءل كيف يمكن أن يساعدهم. أما هؤلاء الذين يعيشون آمنين في دمشق فسيدلّلهم بالدعوات إلى الغداء والعشاء. ولننس الأيام التي كان محمد يقنن فيها مصروفه!‏

اختار قيس مقهى السلوى، في آخر شارع بغداد، حيث تلامس المدينة الغوطة الشرقية! هناك يبدأ شارع حلب من شارع بغداد ويتابع طريقه بين أشجار الحور إلى حمص وتدمر وبغداد، وتعبره سيارات شركة نيرن المغلقة المجهزة لعبور الصحراء بين سوريا والعراق. يتوقف المارون للفرجة على المسافرين الذين تبدو أطيافهم من نوافذها العالية. ويتابع شارع القصاع طريقه بين آخر البيوت إلى الغوطة. يمرّ فيه الترامواي إلى دوما عابرا جوبر وزملكا وحرستا وعربين، مخلفا بيوت القصاع إلى البساتين. يمدّ الشباب أيديهم من نوافذه فتمسّ أشجار المشمش. ويدقّ السائق بقدمه جرس الترامواي في نغمة تعلن الأفراح بالغوطة. ويتوقف الترامواي في المحطات المسيجة بشجيرات الورد الجوري.‏

كان قيس مفتونا بمقاهي البساتين في القصاع، التي مهدت أرضها ورشّت بالرمل الأحمر وزرع فيها الورد وتباعدت الطاولات تحت أشجارها. كان يزور أحيانا مقهى جناين الورد الذي يلتقي فيه طلاب الجامعة ليدرسوا أيام الامتحانات، ويجلس فيه فوزي وزملاؤه، وتمرّ به مديحة أحيانا مع زميلاتها. كان مقهى جناين الورد وسط شجيرات الورد، مستظلا بالشجر. يتداخل في هدوئه أحيانا رنين جرس الترامواي. ويغشاه هواء منعش مرشوش بعبق البيلسان.‏

كان قيس يعبر في طريق القصاع فتيات دون أكمام. ومجموعات من الشابات والشباب يمشون إلى النادي الغساني أو نادي أبولون. فيبدو له أن دمشق تتفتح بين البساتين. تمشي في الصالحية أيضا فتيات مزهوات بشعورهن الطويلة والقصيرة وبرشاقتهن إلى جانب أمهات يغطين رؤوسهن بإشاربات أو مناديل سوداء لايسدلنها على الوجوه. ويجد نفسه بين تلميذات وطالبات جامعيات، وموظفات في الشركات ودوائر الدولة، ومعلمات. يستمتع بالمشي في طريق الصالحية ويقول لنفسه: وجه دمشق إلى الأيام الآتية!‏

اختار قيس للسهرة مقهى السلوى. كان يفضله على مقهى جناين الورد. كم الجلسة فيه رخيّة تحت سماء الصيف وظلال الأشجار! تهبّ الرطوبة من البساتين القريبة ومن الأشجار على الجالسين. وكان مقهى السلوى ساحرا في تلك الليلة! تتناول الأيدي من الصحون الصغيرة الفستق والمكدوس والنخاعات واللسانات والتبولة والمتبلات وأنواع الزيتون، وترفع باليد الأخرى كأس البيرة. صفّت صحون المازة في ذوق، ومرّ النادل خفيفا يسأل: يلزمكم شيء؟ الطعام طيب ورخيص. والأغنية التي تنطلق من الراديو ليست صاخبة، يسمعها الحاضرون إذا أنصتوا إليها، وينصرفون إلى أحاديثهم. يرمون نظرة في فضول إلى الجالسين حول الطاولات الأخرى، ثم ينشغلون بمن معهم، متناثرين في مكان رحب. ماذا يبتكر قيس لنفسه في ليل رائق، في بلد آمن يحكم مصيره! رفضت مجموعة الضباط التي تمسك بالجيش، ورفض السياسيون الأحلاف الأجنبية! وكشفوا المؤامرات! فليستمتع هؤلاء الجالسون في المقهى بالأمان! هل يوجد بعض اولئك الضباط أو السياسيين بين الساهرين في مقهى السلوى؟ تلفّت قيس. نعم! بعضهم هناك!‏

بقيت لقيس من مساراته الطويلة كتابة مقالة يومية واحدة للإذاعة بعد أن خسر المقالة الأخرى التي كان يكتبها لإذاعة سرّية موجهة إلى الأردن يشرف عليها البيطار. وكان ينجزها بسرعة. في الصباح جلس في مقهى الكرنك حيث يتلاقى اللاجئون السياسيون العراقيون والأردنيون، تألق في الكلام، وبهر مستمعيه بأفكاره وتحليله. حركته بين أشخاص محدودين. لاوطن ولامهمات! الثورة المسلحة التي أوهمت بقلب نظام ونصب آخر مكانه فشلت وانتهت! والله يعلم متى يستطيع قيس العودة إلى الوطن! تابع في الصباح بقية المحاكمات في عمان. وتساءل هل كانت التعليمات لمن يعتقل أن يرمي المسؤولية على قيس لينجو من التعذيب والتحقيق ومن البوح بالأسماء الحقيقية! "من نظمك في النضال المسلح؟ قيس! من سلمك السلاح؟ قيس! من استدعاك؟ قيس! من كلفك بالمهمة؟ قيس! أين خبأت السلاح؟ حيث أشار قيس". وكانت الكهوف التي خبئ فيها السلاح في أرض تحمل اسمه صدفة! فهل كثير أن يحكم عليه بالإعدام؟! من الرحمة استبدل الحكم بالسجن المؤبد وبالتجريد من الجنسية!‏

في دمشق لاعمل يستنفد طاقته التي غطت في الأمس منطقة واسعة! وهو فوق ذلك مستبعد من الدائرة الأولى! ولكن ماهي مهمات القيادة نفسها في المنفى؟! يوم كان فتيا التهب حبا بفتاة جميلة. وكان يلتقي بها عند حاجز بيته. سبق أميرا إليها ولكن هل كان يستطيع أن يحتفظ بها؟ لاأمل في اللقاء بين طبقتين! امتصت جموحه فيما بعد القراءة بحثا عن مغزى الحياة. ثم احتواه العمل السياسي. فأين يصرف اندفاع الشباب الآن؟ أمامه النهار والليل، وشبابه الفوار! فليتسرب في حياة مدينة ممتدة منفتحة، تعيش أياما جميلة، وتسهر الليل مطمئنة. ماأجمل ليل دمشق! امش فيه بعد أن ينتصف، في شوارع نظيفة لاسيارات فيها. سترتعش من البرد في الصيف وأنت تمر بالبساتين في شارع بغداد وفي المزرعة وعلى تخوم أبي رمانة والروضة. يمتد شارع بيروت بين بساتين النيربين ومرجة الحشيش وعلى ضفتيه أشجار الجوز الكثيفة. امش في الليل حتى القصاع واشرب الليمون المثلّج أو اجلس في مقهى البللور. امش إلى آخر المهاجرين، آخر الخط، وتفرج مع جموع الناس من هناك على دمشق المستلقية تحت القمر! وفي النهار امش في شوارع يعبرها قليل من الباصات وتندر فيها السيارات. لم الركوب؟ المشي نزهة، الأرصفة عريضة ذات شجر وارف، وأنت تقطع الشارع في أمان. من يركب الباص؟ ماأيسر الوصول إلى أي مكان!‏

كانت نهى بين المدعوين إلى سهرة محمد. يعرفها قيس منذ كان في إربد. كان يلتقي بأصحابه في بيت أخيها. لاحظ أنها تصغي إليه معجبة. وعند الوداع تضغط بأصابعها يده. تنتظر أن يخطو إليها الخطوة الحاسمة. لم يستعجل ذلك. تركه للمصادفة والقدر. استمتع بإعجابها به. لجأت نهى مع أخيها إلى دمشق مثل قيس. تزوجت بسرعة وسكنت في بيت قريب من البيت الذي يسكنه. لكنه حتى هذه البرهة لم يقصدها في بيتها. اكتفى باللقاء بأخيها في مقهى الكرنك.‏

نهض إلى المغاسل. أراد أن يستمتع بالمشي خطوات على الأرض المعبدة بالرمل الأصفر. أن يمر تحت الأشجار ويلقي نظرة إلى الطاولات الأخرى ويشعر بسعة المكان. عندما عاد إلى مكانه حول الطاولة مس قدما فرفع طرف غطاء الطاولة ليعرف صاحبها ويعتذر له، فلقيته ابتسامة نهى. فهم أنها قدمها فانحنى وجلس. واستمرت السهرة. لمَ الوقت إذا لم يكن للتألق في الحديث، للوجد والفرح بالشباب الذي يعيش هنا على سجيته واهما بأنه يصنع القدر، وأن الهزيمة موقتة! كان قيس شابا ساحرا برشاقته، بغربته، بأسنانه الناصعة، بنظرة عينيه. يزيد في سحره أنه عبر المعتقل والسجن! حول نهى أشخاص حفظوا قصائده. فكيف لاتهواه؟ وهو؟ وراءه الشعراء العرب، أبو نواس والخيّام والشرق الذي يرتعش من الوجد في نسيم الليل الرطب وتحت القمر. وراءه الشوق الشرقي العريق إلى الحب العاصف، والغزل بالمرأة! وماذا يناسب مثل هذا الليل الساجي في أول العمر غير الحب؟ ليت في جيبه صورة حبيبته لتدفئه كالجمرة في المنقل! مرّ ببيتها قبل أن يأتي إلى مقهى السلوى، وعبر إليه سياج الزيزفون والبساتين. وسيمرّ به في العودة. ستكون قد غفت في هذا الليل. ويستطيع إذا تسلق الحاجز أن يطل على نافذتها. هل درست دروسها واستقبلت صاحباتها ثم غفت في فراشها قرب النافذة؟ لتنم وهو ساهر يرفل في المساء مع نساءٍ عيونهن عليه!‏

بعد منتصف الليل تحركت المجموعة وسبقته خارجة من المقهى، ونزلت الدرجات إلى الشارع. تأخرت نهى حتى صارت قربه. همست: غدا في العاشرة في حديقة السبكي!‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:10 AM
.
حديقة السبكي على بعد خطوات من بيتها وعلى بعد خطوات من بيته. بستان واسع لم يأخذ بعد شكل الحديقة. يعبره نهر يسبح فيه البط. فيه بقايا مرج وعلى تخومه البساتين. وجدها تنتظره. ياللهفة اللقاء الأول! يالزهو الرجل المرغوب الذي تسعى إليه امرأة حلوة! إلى أين؟ استخفتهما الرغبة المتوهجة. وصلا إلى الربوة، عبرا جسرا صغيرا فوق بردى ومشيا على الضفة الأخرى بين شجر الحور، اختارا مكانا كثيف الشجر بين فروع بردى التي تتسلق الجبل. وهناك اكتشف بياضها. نعم هناك! تحت السماء بين الأنهار والأشجار، وبردى وفروعه بينهما وبين الطريق العام! تساءل، هل يخطر لليلى مثل هذا اللقاء؟ سترتعش حتى من خيال يصور لها ذلك! هناك بكت نهى، بكت من قلبها، فارتعش. سألها: مابك؟ قالت: لأني أذوق الحب لأول مرة في عمري.‏

كانت رحلة طلاب الجامعة إلى عين الخضراء بعد ذلك. أغرى بها ورق الشجر النضر، والتبولة التي ستكون جاهزة هناك، وبردى الذي يتدفق على بعد أمتار من الفيجة قويا وصافيا، والشباب. جمعت الرحلة ليلى ومديحة وفوزي وغادة وعمرا. تفرجوا على الصخور المذهلة على جانب، وعلى الوادي الذي يجري فيه بردى من الجانب الآخر. في مثل هذه اللحظات لايسعف غير الرسم. ليت ليلى تستطيع أن ترسم روح تلك الصخور التي لاتزال تحفظ كهوفا مقصوصة بدقة! وروح ذلك الوادي المزيّن بشجر الحور على ضفاف بردى! والتكية التي تتوقف قربها الرحلات المدرسية والجامعية دائما، ذاهلة من اللقاء بين الصخور والماء!‏

وقف الباص في الطريق الضيق أمام المغارة التي ألفتها ليلى منذ رافقت أمها إلى هناك أول مرة ذات ربيع. للرحلة مسؤول يُتعب رأسه بتنظيم السفر والعودة وحركة الباص، ولمن بقي المتعة! قطع الطلاب الطريق إلى المقهى الذي ينساب فيه النبع شفافا رائقا على الحصى. قال فوزي: ياللمصادفة! رأى قيسا جالسا مع محمد وبعض الرجال إلى طاولة في المقهى. وقف قيس دهشا. ومشى إلى أصحابه الذين تناثروا في المقهى نفسه، وانصرفت مجموعة، منها ليلى، إلى النبع. همس محمد متابعا نظرة قيس: أتلك هي ليلى؟ ولم يكن في حاجة إلى ذلك التساؤل فقد رأى كيف نهض قيس وهو يقول لمرافقيه: يوجد هنا توت سياج! يتذكر بلده؟ قال له محمد: قم تفرج عليه! ولم يقصد قيس توت السياج بل قصد ليلى.‏

وقف يتأملها وهي تمدّ يدها إلى الماء البارد الصافي وتحرّكها فيه. بقيت هائمة في الماء زمنا. ثم نهضت فرأت قيسا أمامها. تقيمُ هنا، أم كنتَ معنا في الباص؟! ياللؤم! أقيمُ هنا؟! أتيتُ قبلكم، واولئك أصحابي معي! وضعت غادة ذراعها في ذراع ليلى وجرّتها إلى النهر. كان يتدفق سريعا وقويا. لابد أنه بارد تنشق البطيخة إذا وضعت فيه! ألا ترين تلك السلة التي صفّت فيها القناني وربطت إلى الشجرة وسط الماء؟‏

انصرفت ليلى إلى أصحابها، ووجد قيس نفسه ضائعا فرجع إلى أصحابه. لكنه غيّر مكانه فجعل وجهه إلى الطاولة التي جلست ليلى إليها. كيف مرّ الوقت وهو موزع بين جماعته وجماعة ليلى؟ فاح اللحم المشوي، وارتفعت رقائق الدخان، وأخرجت طناجر التبولة التي حضّرها الطلاب. حمل فوزي صحنا منها إلى قيس: ذق! تركت ليلى مكانها مع غادة ومشتا وحدهما خارج المقهى ولم يجسر قيس على اللحاق بهما. مشتا على سكة القطار بين أشجار باسقة لاترى منها الشمس. ثم حادتا عنها إلى الضفة ووقفتا على جذع شجرة ثخين ينحني نحو النهر. قالت غادة: ليلى لاتتحركي! سآخذ لك صورة! فأمالت ليلى رأسها على الشجرة وابتسمت. نعم، هكذا! ستكون الصورة حلوة! هاتي الكاميرا ياغادة لألتقط لك صورة! خذي! وضعت غادة يدها على خصرها، وأعطت وجهها كله إلى الكاميرا مستندة إلى جذع الشجرة. الضوء قليل جدا، الضوء أخضر ياغادة فهل ستنجح الصور؟!‏

تركتا النهر وصعدتا إلى الجبل خلف المقهى وتسلقتا الصخور. كان صوت الطلاب فقط يشوش الهدوء الممتد على الجبال والوادي. ماأحلى الدنيا ياليلى! وماأعجب ألا ننتبه إليها إلا في رحلة أو نزهة، مع أنها حولنا دائما، وهي هناك كلما أطللنا من النافذة! فلنعِد أنفسنا بأن نبتعد كل أسبوع عن البيوت كي نتحرر من ضيقها! لعلنا نستعيد ماشعر به الإنسان القديم الذي عاش وسط الطبيعة ونضارتها وألوانها!‏

عندما رجعتا كانت أسياخ اللحم المشوي توزع ويفرغها الطلاب برغيف الخبز كل في صحنه. رأى قيس ليلى تكتفي بسيخ واحد، وتشرب اللبن. وقال لنفسه: تعبّر الطريقة التي يتناول فيها الإنسان طعامه عن روحه! تتذوق ليلى لقمتها، وتتذوق ماترشفه. أما ذاك الشاب فيبتلع طعامه كأنه يريد أن يملأ معدته! عندما تركت ليلى الطلاب وخرجت مع عمر وفوزي ومديحة وغادة لحقهم. دعا فوزي قيسا عندما رآه قربه: تعال، امش معنا!‏

مشوا أولا على هامش الخط الحديدي مستمتعين بخطوات واسعة على عوارض السكة الحديدية. ثم رأى ليلى تصعد إلى السكة وتنشر ذراعيها وتمشي متوازنة.. ثم تنزلهما ولايختل توازنها. دعت غادة لتسير موازية لها على السكة وأمسكت كل منهما بيد الأخرى، فأسرع وصعد إلى السكة ومدّ ذراعه. يالقيس! ضحكوا. لكنه مشى مع ليلى وهما يمدان ذراعيهما فوق السكة وليلى سعيدة تحت الأشجار الباسقة. ضحكت على مسمع النهر وظلت تمشي. قالت سعيدة: سأصل إلى بيروت! ليتني أصل الآن إلى بيروت!‏

لن ينسى قيس أبدا تلك النزهة المغسولة بنور أشجار الجوز الباسقة الخضراء، وبصخب مياه بردى على جذوع الأشجار! هل بدا له أن لكل مقطع من الزمن نكهته وعبقه، وأن لاتشابه بين الأيام؟ بقيت ليلى تسير على السكة وتخلّف عنها فسقط. ضحكت وظلت تسير حتى شعرت بأنها صارت وحدها فتركت السكة، ورأته يتقدم الجميع وراءها. صفقت: ربحتُ! هل يقول لها إنها كسبت مالم يخطر ببالها؟ كأنها مزقت نجاحه بالأمس مع نهى! وأظهرت له أن الروح قد تمتلئ وترتوي دون القرب بين جسمين!‏

ونهى ياقيس؟ يوم عاد مع نهى من ضفة بردى في ذلك اليوم كان مزهوا. وتسلل إلى العلاقات السرية بين زوجين، اكتشف أنانية الرجل الذي يتناول المرأة كأنها صحن طعام جاهز ليأكله. وتعلم إبهار المرأة بتعبدها في هدوء. استمتع بتفتحها كالوردة ورقة، ورقة. ورأى كيف يصبح الرجل معبودا بحب المرأة. اكتشف ذلك الفن وهو يمارسه فكانت كل خطوة فيه توصله إلى خطوة بعدها. استمتع بمعرفة المرأة، باستنشاق عبيرها، بملمس بشرتها، بتأمل عنقها وصدرها وخصرها. وعلّمها كيف تكتشفه وتعنى به. هل كان مابينه وبين نهى حبا؟ لابد أنه كان نوعا من الحب! ماذا يسمي العودة إليها مرات؟ بينهما معرفته وجهله! بالرغم من علاقاته بالنساء كان يظن أن الطفل لايولد إلا من الحب بين رجل وامرأة. فسألها عندما اكتشف غياب الحب بينها وبين زوجها: كيف ولدت طفلتك إذن؟ آه ياللجاهل، بالرغم من تلك الفنون في الحب! عرفت نهى أنه يحب ليلى! من لايعرف ذلك! لكن مافائدة حب لايُخمد لوعته؟ تسقط فنونه المبهرة عند عتبة بابها فيقف أعزل مجردا من زهوه! هل سيكفيه طوال أربعين سنة عبق الصابون الذي هبّ منها يوم عانقها أمام مخزن في بيروت! سيظل ملمس بشرتها الحارة عالقا على جلده طوال ذلك الزمن. وسيتضور وهو يتحرك مع نهى حرا طليقا، وكل حركة منه منتظرة. وسيتساءل بعد سياحته في العالم الواسع، بعد أن فهم أن الرجل لايستطيع أن يصوغ حتى امرأته، بعد أن فهم أن الأرض التي زها فيها وصرف فيها عمره ليست بلاده، ألم يكن ذلك كله هوى ضائعا؟ ولكن أكان يمكن أن تصغي ليلى إليه يومذاك وتفهم رغبته فيها؟ أكان يجب أن يمضي ذلك الزمن كله كي تفهمه؟ يقول مالك حداد: أكان يجب أن نجرب تلك الآلام كلها كي نفهم مافهمناه فيما بعد؟ وهو؟ أكان يجب أن ينجز أخطاءه ومغامراته كلها، كي يفهم أنه مع ليلى فقط يمكن أن يكون كما يتمنى؟‏

ستلاحظ صاحبة البيت العلاقة بينه وبين نهى، فتخزها بكلماتها: نساء اليوم يتركن بيوتهن ويلحقن الرجال! ولن يعلّق قيس على ذلك. لكنه سيقول لها يوم يعرف أن مديحة وفوزي وعمرا وليلى سيزورونه: سأستقبل زوارا أعزاء علي. إذا آذيت أحدهم بكلمة واحدة لن أبقى في بيتك دقيقة واحدة! ستدخل ليلى مع أصدقائها إلى أرض الدار فيرون صاحبة البيت ونهى وقيسا حول البركة. يالحظ قيس السيء! بعد انتظار طويل جاءت زيارة ليلى هكذا! جلست ليلى مع زملائها وتفرجت على شجرة المشمش الهندي. بدت له كمن يزور أرضا عامة، مركزا ثقافيا! ولم يخطر لها أن تتسلل إلى العلاقات المعقدة بين الأشخاص الذين جلست إليهم! ماالذي كان يشغلها؟ آه، كأنها تملك المدينة والدنيا!

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:11 AM
.
ستلتقي نهى بقيس بعد أربعة عقود. ستخابره وسيدعوها إلى المطعم. سمنت، لكنها تعنى بوجهها وملابسها. ستحدثه عن أولادها وزوجها المتوفى. ثم ستبوح له: مارأيك في أن نضع خبزتك على جبنتي ونعيش بقية حياتنا معا! لدي مايكفينا من المال! انسابت في المطعم أغنية فيروز التي حملها له أحد زواره العرب وسمعها فأثارت فيه الشجن، وأعادته إلى يوم بعيد، يوم سمعت المرأة التي كانت معه في ذلك اليوم لغة لاتفهمها، ومع ذلك شعرت بأساه وفهمت بالحسّ مالم تفهمه باللغة. وخمّنت أن الأغنية تذكره بزمن بعيد وأمكنة عزيزة. نهض قيس يومذاك ورقص وحده على ايقاع الأغنية. وهاهي الأغنية نفسها هنا بعد عقود! وهما اثنان فقط من الثلاثة: هو ونهى، لكن الغائب الحقيقي هو الزمن! يندر الهوى الذي تحتضنه الروح، ويعمّر خارج زمانه ومكانه فيصبح جزءا من القلب ومن نسيج الروح! لو عانق قيس مئات النساء فلن يعرّف إلا بليلى المحجوبة عنه، ليلى التي أنشدها في فلاة البادية. وسيعتبر كل مامرّ به عارضا طارئا كأنه من البحث عن الهوى المفقود، عن السلوى، أو من حقوق الرجال في معرفة الحياة. كأن المرأة البعيدة عن الحب هي الطريق إلى معرفة الحب!‏

هاهو مع نهى في مطعم يستعيدان الزمن القديم. فليكن! ماأجمل الذكرى! من المطعم اتصل بابن صديقه العزيز، وطلب منه مفتاح شقته. هل أنتظرك في الشقة ياعمي، أم أترك لك المفتاح تحت سجادة الباب؟ دخل مع نهى إلى غرفة النوم. نقلت الفراش إلى الأرض. خلعت ثيابها ونشرت نفسها لتتلقاه. أقبل نحوها كأنه يستعيد الفتى الذي تركه على ضفة بردى في الربوة. في تلك اللحظة، وهي تراه قادما إليها بقامته انتبهت إلى مايجب ألا تنتبه وقتذاك إليه. قالت له في حنان: أنت غير محظوظ ياقيس! مسّه حنانها فسألها: لماذا؟ قالت: لو كنت محظوظا لتزوجت ليلى! أتعرف أنك تناسبها؟! يالخطئها! ربما لم يبال بما قالته لو سمعه قبل أربعين سنة! لكنها الآن تعلن له مافقده. ابتعد عنها. طار السحر. حاول أن يستعيد نفسه. وحاولت أن تساعده. لافائدة! لبس ثيابه! فليعترف بأن ليلى حبيبته وأنه لم يعد قادرا على بذل نفسه إلا في ذلك الحب! لايعرف متى يمكن أن يلتقي بها أو كيف. لكنه مؤمن بأنهما سيلتقيان ذات يوم. هل فهم في تلك اللحظة أن الجنس دون حب، دون ثقافة، دون حياة روحية غنية وتفاهم رائع، فساد ولو كان شرعيا بالزواج؟ لم يستطع في تلك اللحظة أن يصوغ ذلك في تعبير موجز لأنه يكون رمى سنين من عمره. رضي بما أقنع به نفسه بأن المرأة عنصر مهم في حياته. تبيّن في يوم متأخر أن كل لهفة لغير حبيبته كانت مهدورة من روحه. وسيجد الصياغة المقبولة: معها كل شيء مختلف، ودونها لايوجد حب. ماكان قبلها كان كرصف الدرب إليها. لكنه لن يفكر بأن ماضاع منه هو أيامه الجميلة، أيام انتصاراته ونجاحه، أيام نزهاته وقوته وأسفاره، غاباته ولياليه، صداقاته وجولاته. ومابقي هو مساحة صغيرة فقط في عالم لم تعد سماؤه واسعة.‏

عرض عليه صديقه صورا! احزر أين كان هذا؟ ياللشباب! في الصورة قيس وحوله نساء يعانقنه! وصل صديقه يومذاك من عمان، فذهبا إلى ملهى الطاحونة الحمراء. كان الملهى في بوابة الصالحية، قبوا دون نوافذ، تنزل بدرجات إليه. يستقدم فرقا راقصة، ويسلط عليهن أضواء ملونة، وتبدأ السهرة فيه بعد منتصف الليل. كانت الفرقة يومذاك مجموعة من نساء يونانيات. وكان مكاريوس قضية يحملها العرب. هل كتب ريتسوس يومذاك قصيدته القرنفلة الحمراء عن البطل الذي قاوم الاحتلال الإنكليزي! لم يصل الشعر والشاعر يومذاك كما وصل كزانتزاكي فيما بعد! وصل مكاريوس! دعا قيس مع صاحبه الفتيات إلى طاولتهما، وشربن معه، وأحطن به. وكان هناك مصور يسجل للرجال تلك الانتصارات. نساء في حضن رجال. نساء يعانقن رجالا. نساء ينهمرن على رجل! انظروا، أنا المرغوب المحبوب! أكان يومذاك قادما من عند نهى أم من عند عدالة؟ حدث ذلك في تلك الأيام نفسها. لماذا كان يظل بعد كل امرأة يستزيد بأخرى؟ لايرتوي إنسان إلا بذروة إنسانية تصغر بعدها جميع الذرى. بحب لايترك فسحة لحب آخر. هل فهم منذ البداية أن حبه الحقيقي فريد، لكنه بعيد. ولذلك كان يهرب منه. حبي الذي ضيعته زمنا...‏

قال لصديقه: لكن هذه "مستمسكات"! كيف لم ينتبه في جموحه إلى تلك الصور؟ كان مشغولا برفع الكؤوس: "فيفا مكاريوس" هناك في "علبة الليل"! ياللجنون! لو نُشرت تلك الصور لما كانت هناك حاجة للحكم عليه بالسجن المؤبد وبالتجريد من الجنسية! كان يكفي أن تنشر في جريدة: "تفضلوا، هذا هو المناضل الذي يعترف أصحابه "الثوار" بأنه مسؤول عن نقل الأسلحة وتخطيط الثورة المسلحة وقلب نظام الحكم في البلاد"! "فيفا مكاريوس"! أكان ذلك معقولا؟! ولكن أليس ذلك لأن للرجل مساحات مباحة لايدان فيها مهما فعل، هي تلك المساحات التي يجتمع فيها المتعادون والمتناقضون والمتقاتلون، ويتماثلون فيها؟!‏

لاتجلد نفسك! ألم ترافق النقابي الصلب، إلى البيت العمومي في المزة؟ يُعترف للرجال بحاجات يجب أن يلبّوها! لا أسخر! لكني لاأعترف بذلك! لاتجلد نفسك! أنت بالرغم من فرادتك ابن هؤلاء. وابن زمنك. لو لم يظلموك لتدفقتَ في مسارك نهرا هادرا عريضا. لكنهم سلبوك المكان والزمان. طاردك طرفان متعاديان، معا! وطاردك زمنك. في هذه البلاد يمكن أن تهدر نفسك في دهاليز الحب السرّية. ولكن ممنوع أن تسكب نفسك في هوى يدفع بلادك إلى الحضارة. أنت شخص وضع على الدريئة لأنه متميز وجذاب وذكي. لم تحبك النساء فقط. أحبك الرجال. وضع مارد الخير في القمقم في هذه البلاد، وترك مارد الشر حرا. وبعدك وضعت منظمات وحركات وتجمعات على الدريئة نفسها. قتال شوارع، صراع إخوة وحلفاء، صراع بلاد شقيقة، قتال متنافسين.. وليفنوا هناك! من فني، من قتل، من استشهد، من طرد من الأحزاب، من قتل في السجون، من فتت في الزنزانات؟ الأشرار وغير الموهوبين، التافهون واللصوص؟ أبدا، أبدا! لاتجلد نفسك! جلدوك، فهل ساعدتهم فبددت نفسك؟!‏
ستسجل الوثائق التي سيفرج عنها بعد عقود أن السفير الأمريكي في دمشق، جيمس مووز، من السفراء الذين اهتموا بقلب النظام السياسي في سورية في السنوات الخمسين. كان ايزنهاور قد عبّر عن مصالح شركات النفط التي ترى النفط العربي مصالح ستراتيجية أمريكية. سورية طريق النفط إلى البحر الأبيض المتوسط، ولا يقبل أن تكون متميزة عن الأنظمة المجاورة فتهدد تلك المصالح. أسقط نظام مصدق، ويمكن إذن إسقاط النظام السوري!

كان نشاط مووز والملحق العسكري في السفارة الأمريكية وأفراد المخابرات المركزية، الزوار والمقيمين، في ذلك السياق. بيّن مووز في مذكراته إلى الخارجية الأمريكية أن سورية تتجه إلى اليسار، ويعني ذلك أنها ستدور في "الفلك السوفييتي". افتتاح جناح الصين الشعبية في معرض دمشق الدولي من الإشارات إلى ذلك. وكان شارل مالك، وزير الخارجية اللبناني، يؤكد في لقاءاته بالمسؤولين الأمريكيين "خطر الشيوعية" على سورية ويتمنى انقلابا أمريكيا يغير الحكومة السورية. ونوري السعيد يعرض تدخل الجيش العراقي في سورية.‏

في ذلك المجرى حدث العدوان الإسرائيلي على المخافر السورية، وقتل المالكي، وحدثت الاتصالات بقيادة القوميين السوريين، وبميخائيل اليان، وبالشيشكلي. عدّلت بعض تلك الخطط، وفشل بعضها، لكن احتمال الانقلاب المناسب بقي ممكنا. مع ذلك سيسجل السوريون السنوات الخمسين كمقطع من الزمن عرفوا فيه المنافسة الحرة في الانتخابات، والمؤسسات الدستورية، وحريات الأحزاب، وتنوع الصحف. وسيقول عمر ساخرا بعد سنوات، عندما يتذكر الحفلات الفنية التي حضرها في معرض دمشق الدولي: يبدو أن مديحة كانت خطرا على سورية لأنها أمّنت لنا بطاقات لحفلات المعرض! ويبدو أن مووز لم يكن راغبا في أن نتفرج على جناح الصين الشعبية وأن نرى أفلاما سوفيتية! فهل رأيتِ ياليلى أكثر استبدادا من الأمريكيين؟!‏

كان معرض دمشق الدولي فرصة لمديحة تزهو فيها بما أنجزته البلاد الاشتراكية. حتى قال لها عمر: يامديحة، لاتستعيري قوتك من معسكر عالمي كبير ذي وزن اقتصادي وسياسي وعسكري! فهمت أنه قصد أن يثير غضبها وردّت عليه: بل أضيف قوته إلى قوتي، لأنه يسند بلدي! وفي الثقافة أراه مركز رؤية وفنون أخرى! لم نعد محجوزين للغرب، ياعمر! ردّ عمر في جد: صحيح يامديحة! يوسّع هذا مساحة الحرية لنا. لكني أخشى الذين لاينظرون إلى البلاد الاشتراكية كأحرار بل كعبيد!‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:12 AM
.
تمنى عمر أن يلمس رأس مديحة ويحدثها كأب رحيم. بدت له نقية الروح، صادقة. يجب ألا تجرحها خيبة. فهل يستطيع أن يقسو عليها بتأملاته؟ بل سيقدّمها لها كهدية تستدعيها وقت تريد. لذلك امتد بينهما حوار طويل. يامديحة هذه دول عظمى ذات مؤسسات عبرت الخطأ لتصل إلى الصواب. صارت الأفكار الإنسانية الكبرى فيها واقعا مجسدا في علوم وفنون وسياسة ذات هوية محلية. المسألة لنا، ونحن في بلاد فيها أهواء واتجاهات ومرحلة أخرى من التطور، كيف نجعل الأفكار الإنسانية أصيلة، متصلة بهويتنا الوطنية. يزيد صعوبة ذلك أنكم دون مؤسسات قوية، وأنكم بدأتم كحماليّ أفكار غربية، وكأنكم تريدون أن تفصّلوا مجتمعا لها لاأن أن تفصّلوها لمجتمع عربي حيّ. أعتقد أن الموافقة على قرار تقسيم فلسطين كان أكثر من كارثة لكم. لأنها سمحت للناس بأن يتصوروا أنكم ممثلو الاتحاد السوفييتي هنا بينما يفترض أن تكونوا ممثلي وطنكم هناك. لاأتهمكم. بل أقدر أن تلك المسائل صعبة. فالأفكار لايملكها بلد معين ولا يملكها من استنتجها أو صاغها. لم يولد طموح الإنسان إلى العدالة بماركس، بل وصل إلينا بمسار طويل من العلوم والفلسفة التي ساهم فيها العرب وعبّرت عن معاناة البشر. الأصالة إذن هي المسألة! هي فهم الحياة في مكان وزمان، وفهمها في سياق التاريخ! ولايستطيع ذلك إلا الموهوب بجذوره العميقة في وطنه، وبفهم حاجاته والإخلاص له في تصوف. مع ثقته بأنه يملك الأرض كلها، ومع ايمانه بحقه في كل تقدم إنساني فكري أو علمي. وبأنه حرّ لاتستعبده حتى المنظومة الفكرية التي اختارها. لأنه يفهم أنها ليست ثابتة جامدة. وأنها مسددة لخدمة الناس لالكي يعبدوها. يامديحة، ماأيسر أن نصبح وجوديين يرددون صيغ سارتر، أو أن ننشد "اللامنتمي"، أو أن نكون بوهيميين! فذلك يعني أن نتناول ملابس خاطها آخرون لقاماتهم لالقاماتنا. ألم تلاحظي أن المسيح في إفريقية أسود؟ لبست المسيحية لون البلاد التي انتشرت فيها. ألم تلاحظي، بالرغم من صعوبة ترجمة الشعر، أن بابلو نيرودا قدّم للأفكار الإنسانية روحا أمريكية لاتينية؟ المسألة إذن أننا مسؤولون عن إغناء رصيد الأفكار، بأصالتنا وإبداعنا. المسألة أن نفهم أنها رؤية وليست صيغا مغلقة، بل بوابات للاجتهاد وإمكانية للحرية.‏

استمعت إليه مديحة. كم يشعر بعمق بقيمة الحرية! هل هذا ثمرة تأملاته خلال سجنه في تدمر؟ انتبهت مديحة إلى الحنان في صوته. كم يجب أن تقرأ كي تعرف مايعرفه! ومع ذلك يجري شعورها بعيدا عن وصاياه. لن تحجب عن روحها ماتستمتع به في المعرض. لكنها ستفكر فيما بعد بما قاله!‏

هكذا أمّنت مديحة لعمر وغادة، وأحيانا لليلى وفوزي بطاقات للحفلات الفنية في معرض دمشق الدولي. هذه فرقة فنية سوفياتية، وتلك فرقة بلغارية للرقص والغناء! ولاتنسوا فيروز! تفرجوا على راقصة الباليه ايرينا تيخوميرنوفا! سمعوا أغنيات بلغارية شعبية. رأوا ملابس الفلاحين الزاهية ورقصات صانع الفخار، وعيد القرية. قالت مديحة في اعتزاز: فرح وحب وعمل. والإنسان هو المحور! الفن الذي نراه ثمرة مؤسسات فنية وطراز في الحياة. ينفق المجتمع على المجموعات الفنية، لتربي روح الإنسان وذوقه! هذه هي الاشتراكية! في هذه الأيام يزور وفد من المجمع العلمي العربي في دمشق الاتحاد السوفييتي ويطّلع على المؤسسات العلمية ويرى المخطوطات العربية. نقيم صلات جديدة بعالم كان محرّما علينا! لم يخترق ذلك العالم الستار الحديدي، بل نحن الذين اخترقنا الحاجز المرفوع حولنا!‏

صفقت مديحة للمغنية البلغارية التي غنت: آه يازين! وخرجت في الليل الساحر عابرة مدينة المعرض. سورية مطوقة.. لكن المجلس النيابي السوري وطلاب الجامعة السورية والناس رفضوا الأحلاف العسكرية. ولبنان أيضا يقاومها. قتل الطالب حسان أبو اسماعيل في المظاهرات هناك. ترتب في لبنان انتخابات لمجلس يقبل حلف بغداد. لكن ذلك لن يحدث! أين سيستقر الأردن؟ هل سيساهم في تطويق سورية؟ لا، سيقاوم الشعب الأردني ذلك! تحتفل سوريا بمقاومتها. هذه الحفلات الفنية التي تفرجت عليها مديحة أكثر من حفلات فنية عادية. هي احتفال بعالم يتفتح ويتحدى المشروع الاستعماري.‏

نعم، المعرض احتفال! في الجناح الصيني فيلم صيني. وفي الجناح الهنغاري فيلم هنغاري. الصوت سيء، والترجمة موجزة. لكن مديحة تأملت الفن المختلف عما ألفته. أمس تفرجت على معرض الفن السوفييتي في المتحف الوطني قرب الجامعة. كم مرة زارته بين 26 أيلول و16 تشرين الأول؟ تغمض عينيها وتستحضر لوحة "مرسوم السلام" للرسام اوسينيف.. امرأة تحمل طفلا، بحار، وجندي، وناس يقفون قرب لوحة الإعلان عن المرسوم. طفل لايبالي بشيء. وجوه حية، وعواطف. في لوحة أخرى طفل أمام كتبه، وأصحابه ينادونه من النافذة ويغرونه باللعب! في المعرض رسوم الفنانين لقصص الكتاب الروس غوركي وتشيخوف وتولستوي. افتتح المعرض وزير المعارف مأمون الكزبري. حضر الافتتاح رئيس الوزراء والوزراء ومئات الناس. لذلك قال الوزير المفوض السوفييتي: حدث كبير.. لأول مرة في تاريخ سورية تعرض لوحات أساتذة الفن السوفييتي، وتقدم صورة عن تطور الفنون السوفيتية التي تستند إلى تقاليد الفن الوطني وتعبر عن حياة الشعب! استوقفت مديحة كلمة تقاليد. هل تصورت أن الجديد يجب أن يبدأ من صفحة بيضاء؟ يصححون لها خطأها! التقاليد عمق الشعب! ولكن في كل زمن يتغير إنتاج الإنسان. المهم أن يجمع المعاصرون ضوء العصور! نعم، تنقب مديحة عن الأفكار، تصححها، تتعلم، وترسخ ماتؤمن به! قالت لنفسها: غدا سأزور معرض الفن السوفييتي مرة أخرى مع ليلى قبل أن ينتقل إلى بيروت! يرافق المعرض فنانان سوفيتيان، سألهما أحد الصحفيين: هل أنتم أحرار في التعبير؟ ردا: لاإبداع دون حرية!‏

غرقت مديحة سعيدة في زمنها. تكتشف الكتاب الكلاسيكيين الروس. تبحث عن مقالات ماركس عن الفن. تقرأ آراء محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس في الواقعية الجديدة. تقرأ أبحاث حسين مروة عن التراث. تتابع المعركة بين أنصار نزار قباني وخصومه "التقدميين" بعد قصيدته "خبز وحشيش وقمر". وتفكر عند كل فقرة: صحيح؟ خطأ؟ ولكن هل لديها أساس ثقافي يبيح لها الحكم؟‏

ماهذا؟ يزور أحد الأجنحة نواب ووزراء! يمشون إلى مسرح المعرض. في الفرقة السوفيتية عازفة كمان، وراقصة باليه ستؤدي مقطعا من بحيرة البجع. سيحضرون ذلك العرض، إذن! لابد أنهم قرأوا مقالة الصحفي الذي كتب أن حليمة ناصروفا غنت "حوّل ياغنام"، وأن ألاّ سولينكوفا غنت "ياغزيل يابو العبا"! استوقفت مديحة دهشة الصحفي: كلمة فنان محترمة في الاتحاد السوفييتي وليست في معناها هنا: أرتيست! ضحك عمر وقال لمديحة: لابد أنه يرتاد ملهى الطاحونة الحمراء وملهى شهرزاد حيث ترقص "الأرتيستات" ويسألهن: أنغاجيه؟‏

عبرت مديحة دروب المعرض المضاءة المغمورة بأغنيات فيروز. مرت قرب النوافير التي سكبت عليها الأنوار. كم مرة فحصت الكتب والأسطوانات السوفيتية واللبنانية حتى صار صاحب الكشك يعرفها ويحييها؟ مشت كالمنتصرة. يسهر الناس مثلها. يستمتعون بليل دمشق الرطب وبالمشي في شوارع نظيفة هادئة يمنع رمي القمامة فيها ويجمعها زبال يقرع لهم جرسه. في مقهى الهافانا يجلس أحمد الصافي النجفي ويلقي شعره على الشباب من زملاء مديحة. ويدخن وصفي القرنفلي الأرجيلة ويحضّر قصيدته التي سيرد بها على قصيدة نزار قباني "خبز وحشيش وقمر". يمر هناك ميشيل عفلق والحوراني والسياسيون الموجودون في الوزارة الآن وغير الموجودين فيها. لكل منهم طاولته في الهافانا أو في مطعم سقراط أو الصفا أو بردى أو مشرب فريدي. يتوقف ميشيل كرشة وجاك وردة في المكتبة العمومية مقابل الهافانا ويختاران فراشي الرسم والألوان وكتب الفن. هذا كتاب عن بيسّارو في واجهتها! في الجمعية السورية للفنون حاضر نظيم الموصلي عن شاعر بولوني، وفي منتدى سكينة ألقى شكيب الجابري مقطعا من روايته الجديدة أفاميا، وقرأت إلفت الإدلبي قصة من قصصها الشامية. وفي الندوة الثقافية النسائية احتفي بوداد سكاكيني العائدة من مصر! مشت مديحة كالمنتصرة. لم تجلس هي في برلين إلى طاولة بابلو نيرودا، وأمادو، وناظم حكمت، وآنا سيغرز، وأراغون وشولوخوف، لكن هذه النخبة في العالم تكتب الأدب الذي تهواه مديحة! مشت كالمنتصرة. نشر سارتر مسرحية نكراسوف التي يكشف فيها من يعادي اليساريين. وأعطيت جائزة نوبل للروائي لاكسينيس، من ريكيافيك. انتقد رئيس الأكاديمية السويدية اتجاهه الماركسي لكنه قدّر أسلوبه ومنحه الجائزة! يهبّ على الدنيا نسيم تشعر به مديحة على بشرتها!‏

وصل إلى سورية ميثاق كتّاب مصر الذين كان بعضهم في السجون المصرية. كتبوا إلى عبد الناصر: باسم الكتاب من مختلف الاتجاهات والآراء والمذاهب الأدبية نعلن إجماعنا على تأييد بيان الرئيس جمال عبد الناصر الذي أكد فيه رفض مصر للتدخل الأجنبي في شؤوننا الداخلية، وحرصها على سياستها الاستقلالية وحريتها في التبادل التجاري وعلى المشاركة في حماية السلام. وقع الميثاق طه حسين، عبد الرحمن الشرقاوي، عبد القدوس، السباعي..‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:13 AM
.
أغلقت في مصر مجلة الغد. وانطفأت مجلة الرسالة. وكتب يوسف السباعي: "حملة الأدب في سبيل الحياة إرهاب ويجب أن نحاربها بحملة إرهاب أخرى. أيها الزملاء هلموا وابدأوا الحملة الجديدة لإنقاذ الأدب"! لكن كتاب مصر وفنانيها يستنكرون حلف بغداد: طه حسين، سلامه موسى، نجيب محفوظ، ألفريد فرج، الشرقاوي، بهاء الدين، عبد القدوس، السباعي، عودة، عوض. تنهض آسيا وإفريقية. يدعو الكتاب السوفييت إلى مؤتمر لكتاب آسيا وافريقية. وتتألق الهند واندونيسيا وسيلان، وسورية ومصر. سورية الصغيرة ذات اسم في العالم. هل تمشي مديحة سعيدة بذلك أم بليل دمشق والمعرض؟‏

عبرت مديحة مقهى الهافانا و"كبانية" الترامواي، ثم عبرت مقهى الكرنك. على بابه وقف رجلان يبحثان عن قيس. هاهو قيس! تعال، سترافقنا إلى بيت الشيخ محمد الأشمر، زعيم حي الميدان، أحد رجال الثورة السورية الذي يدعوه الرجعيون الشيخ الأحمر! لكن هل يجسرون على أكثر من ذلك؟ رياح العالم ليست مواتية لهم، بل لنا!‏

كانت مديحة قد ابتعدت عندما خرج الثلاثة من المقهى. مشوا إلى ساحة المرجة. منها سيركبون الترام إلى الميدان ليبلّغوا الشيخ الأشمر أنه منح جائزة ستالين للسلام. سورية هي التي مُنحت الجائزة!‏

وصلت مديحة إلى البيت متأخرة. كانت أمها تستمع إلى الراديو. سألتها: أعجبتك الفرقة الفنية البلغارية؟ أعجبتني ياأمي، أعجبتني! تفرجي عليها غدا! سألتها: تعشيت؟ نعم، أكلت مع زملائي في مطعم المعرض. دخلت مديحة إلى غرفتها. كانت تتمنى أن يكون فوزي بين زملائها الذين زاروا أجنحة المعرض وحضروا الأمسية الفنية! لكنه دائما مشغول. يعجبها أنه يقرأ كثيرا. وهي أيضا يجب أن تثقف نفسها! على طرف طاولتها كتب: الحرس الفتي لفادييف، شارع السردين المعلب لشتاينبك، فارس الأمل لجورج أمادو، الشيخ والبحر لهيمنغواي، الفولاذ سقيناه، مصير إنسان،المعطف، قصة رجل حقيقي، بطل من هذا الزمان، ترجمات تولستوي ودستويفسكي وتورغينف وتشيخوف، تحت أعواد المشنقة ليوليوس فوتشيك، هنري أليغ والجزائر، كارل ماركس لهنري لوفافر، عرس الدم للوركا، في الثقافة المصرية لمحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، كم يجب أن تقرأ لتعرف الدنيا، وكم هذه الكتب ممتعة! فوق ذلك ستحضر الأفلام السوفيتية، مدرسة جديدة مذهلة بإتقانها ومهارتها وصدقها. قرأت اليوم قصيدة البياتي وأنشدتها كأنها من انتصاراتها:‏

عيني في عينيك ياوطن العقيدة والكفاح‏

والنار في قلبي وفي يدي السلاح‏

أحمي حدودك من صغار النحل‏

ياوطن الأقاح.‏

لماذا تساءلت: صغار النحل؟ النحل رمز الخير والدأب! لكن من ينقد البياتي في هذه الأيام؟ في كل عدد من الثقافة الوطنية له قصيدة! بعد سنوات ستتساءل مديحة دون أن تشعر بأنها ترتكب إثما: كيف يكتب شاعر عشرين قصيدة من برلين في أسبوع؟ وستضحك في موسكو مع زملائها من قصيدته عن "المرأة التي هجرتني مع أول رجل ابتسم لها"!‏

جلست إلى الطاولة، وقرأت مرة أخرى قصة عبد الله عبد الشريطة الخضراء التي نشرتها الثقافة الوطنية. أغلقت المجلة واستعادت القصة. نعم، يمكن أن تهب حياتها كيلا يكون البؤس قدر صبيّة! أليس مدهشا أن يهب الإنسان في بساطة حياته والعمر ممتد، وأن يتردد وذبالة العمر فقط أمامه؟‏

لم تستطع مديحة أن تغلق قلبها على أفراحها. فخابرت ليلى وتحدثت معها نصف ساعة عما رأته في المعرض وماخطر لها. سمعت أمها ضحكتها وهمسها. وفي بيت ليلى التفتت منور إلى ليلى وأدهشها أن ابنتها تستطيع أن تضيع نصف ساعة في الكلام مع رفيقتها مع أنهما لابد أن تلتقيا غدا صباحا. وقالت لنفسها: ماأحلى الشباب الذي يتصور أن العمر لاينفد!‏

في تلك الليلة كانت منور ساهرة تشتغل بالخيطان والإبرة غطاء لطاولة لم يطلبه أحد منها. وتتساءل هل ستعجب ليلى ذات يوم بشغلها وتضعه على طاولة في بيتها؟ لديها من القطع الصغيرة عشرات، خبأتها لليلى. اقترحت عليها واحدة منها فقالت لها ليلى: أين أضعها؟ لامكان لها في غرفتي! فبلعت منور خيبتها. ذات يوم قد تبدّل الدنيا ذوق ليلى. قد يصبح شغل الإبرة موضة كما كان في شباب منور!‏

ولكن هل كانت منور تصنع فقط أشكالا جميلة قد تستعمل ذات يوم؟ كانت تقتل قلقها على ليلى! حول هذه البنت زملاء شباب، لكنها لاتفهم أنها يجب أن تختار واحدا! لاتفهم أن الزمن يمضي كالومض وهي مشغولة عنه. لو أنها تحب شابا من هؤلاء وتتزوجه وتنجب ولدا! فكرت منور بالأبناء الذين يتزوجون ليرضوا آباءهم. بالأبناء الذين يضحون ليفرحوا أمهاتهم. لا، لاتقبل منور ذلك! لكنها تتمنى أن تكون كجاراتها اللواتي يحملن أحفادهن ويستقبلن أزواج بناتهن! ماالذي دفعها إلى تلك الأفكار؟ أن ليلى تأخرت عند رفيقتها غادة وستعود في الليل وحدها، بينما كان يمكن أن تعود مع الرجل الذي يحبها؟ يامنور، هل تؤمنين بأن الرجل حامي المرأة وحارسها، أنتِ التي رفضت حراسة بهاء؟‏

عندما دخلت ليلى إلى البيت في ذلك المساء امتلأ بروح صاخبة. فتحت ليلى أبوابا وأغلقت أخرى. تدفق الماء في الحنفيات. فتحت البراد في المطبخ وأطلت: ماذا لدينا؟ ضحكت دون أن تضحك وسرى في الغرف وهجها. طارت هواجس منور! لكن هاهي ليلى تدخل إلى غرفتها وتغلق بابها ولاتخرج إلا لتردّ على تلفون مديحة. سمعتها تعلن لها: اسمعي، غدا لدي وقت. سأزور المعرض مع غادة! إذا أردتِ الحقينا!‏

كان معرض دمشق الدولي كحديقة ينساب فيها صوت فيروز عن خريف دمشق الذهبي وقت يقطف العنب والتين. كتب صحفي لبناني يومذاك عن المعرض: المعرض مهرجان. بنات دمشق يلبسن أزهى ملابسهن ويأتين إلى المعرض. يقصد الشباب المعرض ليتفرجوا على النساء الجميلات. الطاولات مشغولة في مقهى عازار، وقد لاتجد حتى طاولة في الخلف. على ضفة بردى أجنحة المعرض، أعلام تخفق، أنوار، نوافير، وصوت فيروز. نشر نداء الكتاب العرب إلى كتاب العالم: "تتعرض بلادنا سورية لخطر عدوان مبيت"! مشروع ايزنهاور وحلف بغداد. لكن المعرض عيد، بالرغم من الخطر!‏

مشت ليلى مع غادة في المعرض. في الجو رطوبة نيربين دمشق، وأشجاره المكتظة حتى الربوة ودمر. المعرض مساحات من العشب بينها أجنحة دول ومقاه ومسرح. ناس يتجولون بين الأجنحة، أنس دون زحمة. صوت فيروز يسري رائقا عذبا. فيروز رفيقة السنوات الخمسين، ونشيدها. يأتي الزوار من لبنان ومن المدن السورية. من له في دمشق قريب ينزل عنده. يتبين الزائر أن الطبقة الوسطى هي السائدة. لها المقاهي والمعرض. قامات مرتبة، نظيفة، مستريحة، بسيطة الملابس. يتوجس الناس من عدوان، لكن يبدو أنهم هم الذين يقررون قدَرهم.‏

مشت ليلى مع غادة. استوقفهما مصور فوقفتا له في مرح أمام نافورة ماء وابتسمتا. هل شعرت ليلى بأن المكان الذي تمشي فيه هو مرجة الحشيش التي تفرجت فيها على أول عيد للجلاء، واستقبل فيها أهل الشام أول طائرة نزلت في دمشق في بدايات القرن العشرين؟ على بعد أمتار كان نور الدين الشهيد يلعب البولو، وكانت الخيول المريضة تكلأ في هذا الوقف حتى تموت. هل تشم ليلى نفسا من التاريخ يهبها الشعور بأنها قوية وخالدة؟ هنا حضرنا ياغادة تأبين عدنان المالكي واستمعنا مع كثير من طلاب الجامعة إلى قصيدة الجواهري:‏

خلفت غاشية الخنوع ورائي * * * وأتيت أقبس جمرة الشهداء‏

وهنا بدأت ليلى مع زميلاتها في الجامعة التدريب على السلاح في المقاومة الشعبية أيام العدوان على السويس.

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:14 AM
.
تفرجت ليلى مع غادة على معرض للفن السوفييتي في المتحف الوطني على بعد خطوة من الجامعة. وحضرتا خلال الأسبوع أفلام "غرام بعد الظهر" و "إجازة في روما". كم أعجبتهما اودري هيبورن النحيلة ذات القميص الأبيض، وبريجيت باردو الفاتنة! مشت الشابتان، قامتان أقرب إلى النحول كقامة اودري، بساطة في الملابس ورشاقة، تعبير بريء وصريح، أحلام بالحب ورومانسية، وثورة على الغنى. الالتزام بالوطن لهما اختيار لاأمر! المَثَل: جميلة بو حيرد ورجاء أبو عماشة! ياللشباب!‏

عبرتا مقهى المعرض وتوقفتا أمام كشك يبيع الكتب والأسطوانات. انتقت ليلى كتاب تشريح، وأسطوانات. واختارت غادة بعض الكتب. انظري ياغادة! هذه كتب تهمّ مديحة! فارس الأمل لجورج أمادو، دور الأفكار التقدمية في تطور المجتمع لكوستانتينوف! البؤساء لفيكتور هوغو، الأرض لعبد الرحمن الشرقاوي، أرخص ليالي ليوسف إدريس، أفول القمر لجون شتاينبك. ماأرخص الكتب! من خمسين قرشا إلى ليرتين!‏

في ذلك اليوم كانت الأرملة التي يسكن قيس في بيتها قد دعت فتاة مع أسرتها إلى المعرض. صبية لم تنه المدرسة بعد، حلوة العينين، ممتلئة القامة، بطيئة الخطوة. لابد أن تعجب الفتاة وأهلها بقيس ولابد أن يعجب قيس بالفتاة! من لايحب عنفوانه وروحه القلقة! تنظرالأرملة إليه, هي نفسها، ولاتدري هل تحب فيه رجلا تمنته ولم تجده، أم ابنا لم ترزق به. تُعنى به، تقدم له الفطور وتغسل ثيابه. حقها إذن أن تخطب له فتاة مناسبة!‏

وقت مرت ليلى بالمقهى كان قيس قد سحر الفتاة وأسرتها بكرمه وحديثه، وكانت الفتاة قد انتبهت إلى رشاقته وسمرته وكبريائه. بهرتها أسطورته. لايسحر الفتيات في هذه الأيام الغنيّ، بل المنفيّ! ولم يكن حولها أي رجل آخر. فعادت مع أهلها وهي تتمنى أن يسألوها هل تقبلينه.‏

هل كان قيس يستمتع بإعجاب الفتاة به وبرضا أهلها عندما مرّت ليلى بالمقهى؟ دار رأسه من نضارة الفتاة ومن رضا أهلها به. لكن بقي في قلبه فراغ واسع! كأنه واقف على جرف! مرت ليلى أمامه مع صديقتها. ياللمصادفة! كأن ليلى لاتريده أن يهنأ بالوهم! راقبها وهي تعبر المقهى مشغولة بالدنيا، ابتسامتها على عرض وجهها، كأنها تملك الحياة القادمة والماضية! انزلقت مع صديقتها إلى النوافير وأغنيات فيروز وضفة بردى في الليل الرائق. لو يستطيع أن يمسك بها! شعر بشوق جارف إليها، لن تطفئه أية واحدة من الفتيات اللواتي يقصدهن. لكنه لن يعترف بذلك إلا بعد أن يستنفد عمره.‏

في المقهى نفسه جلس زياد مع أصحابه على بعد خطوات من قيس. نهض عندما عبرته ليلى وتبعها خطوات من بعيد. رآها مشغولة بالأسطوانات والكتب فرجع إلى أصحابه. لو يستطيع أن يحمل عنها الأسطوانات التي اشترتها! هل ستنتبه ليلى إليه ذات يوم كما تنتبه إلى زملائها؟ كان زياد يقصد الجامعة أحيانا ليرى ليلى وهي تدورمرات في الحديقة مع أصحابها بين الدروس. يبحث عنها في النادي ويجلس إلى طاولة يتأملها منها. يميز النظرة العاشقة إليها. يعرف محبيها الذين لاتعرفهم هي نفسها. قال له أحد الإخوان المسلمين من أصحابه: ليتها تتزوجني! فكاد يرد عليه مداعبا: صرنا اثنين! نهضت ليلى إليه مرة عندما رأته في النادي وهمست له: لماذا لايلمع شعرك يابريانتين، مع أنك تعجب زميلتي غادة؟ ردّ هامسا: لأنها ليست الشابة التي أريد أن أعجبها! هزّت ليلى رأسها ساخرة: لن يفيدك الخبث! فرأى ذلك مداعبة بين أقرباء، وقال لنفسه: سأنتظرها!‏

لاحظ زياد أن قيسا عبس كأن ليلى سلبته أفراحه بعبورها المقهى. فابتسم وأمتعه أن يحادثه بينه وبين نفسه: أنت أيضا تريدها؟ ياقيس، فلنترك ليلى سعيدة بصديقاتها ومدينتها وزمنها! لايمكن أن يملأ رجل فقط حياتها! الدراسة والعمل، والأصدقاء هم الذين يملأونها! صحيح، لاحياة دون حب، ياقيس! لكن الحياة ليست الحب! هناك سيكون فرحها وشقاؤها. لكن انتبهي ياليلى، يسهل أن تحكمي حياة محدودة ترتبينها. لكن الحياة الكبرى يحكمها الزمان! فهل تسلّمين مصيرك لرياحها؟‏

مشت ليلى وغادة في شوارع الليل. أمان. قد يرمي شاب لهما كلمة غزل لكنه لايجرؤ على أكثر من ذلك. لو فعل لردّه المارون. يعرف الناس بعضهم بعضا في مدينة صغيرة.‏

ودّعت ليلى صديقتها ومشت وحدها. وصلت إلى شارع محفوف بالأشجار. ستعبره طوال دراستها في الجامعة كما عبرته طوال دراستها في المدرسة الثانوية. أطربها الهدوء وفوانيس الطريق. وهاهي على باب بيتها!‏

كأن ليلى نفضت عن قيس لحظة الوهم التي استمتع بالاستسلام لها. لن يخطب الفتاة التي قدمتها الأرملة، ولن يخطو خطوة أخرى نحو أهلها. لكنه استعذب تلك الساعات في المقهى، وبدا كالطاووس الجميل الذي نشر ألوانه الزاهية الفاتنة. فلماذا مرّت ليلى في تلك اللحظة؟ كأنها سكبت عليه سطل ماء بارد! نهض من المقهى، واندفع إلى بيتها. رآه مظلما. دار حوله: لاضوء! تقدم إلى مدخل البناء حذرا، وجد غرفة صغيرة في طرفها عدادات الماء. ماأصغرها! ومع ذلك قرر أن يختبئ في انتظار ليلى. خاف أن يهدأ غضبه قبل أن تصل. كوّم نفسه وانتظرها. أين تتجولين ياليلى حتى الآن؟ كان يعدّل وضعه عندما سمع ضجة الجيران. دخلوا إلى البناء. سمع الرجل حركته فقال لزوجته: ماهذا؟ ردت: لابد أنها قطة! مع ذلك اقترب من الغرفة الصغيرة فتكوّر قيس، وانطوى، وانثنى. ابتعد الجار لكن قيسا ظل يسمع دقات قلبه. وبدا له أنه سمع حفيف أحد أضلاعه. وبقي ينتظر ليلى محتضنا ألما في ضلعه سيلازمه العمر.‏

وصلت ليلى أخيرا! هذه خطواتها. قفزت على الدرجات فخرج قيس من مخبئه. جفلت. كيف؟ لماذا؟ أغلق الطريق عليها. بدأت تغضب: كان يمكن أن تزورنا كالناس المهذبين! ماذا جرى؟ تسأله هذه الظالمة ماذا جرى؟ أخرج من جيبه زجاجة ويسكي مبسطة وشربها دفعة واحدة أمامها. أذهلها؟ هل تنتحر؟ هل تظن أن هذا يحبب بك؟ ابتعد، ابتعد قبل أن أكرهك! كيف تركها تدخل بيتها في خفة؟ أضاءت النور. بهذه البساطة تفلت منه ولايقول لها إنها دمرت أفراحه في هذا المساء؟ ياللمتكبرة! اقترب من بابها ونظر من ثقب المفتاح. خيل إليه أنها تدور سعيدة. تطير ولايستطيع أبدا أن يمسك بها! طرق الباب. لم تفتحه. طرقه مرة أخرى، ثم طرقه بعنف. فتحت غاضبة. لن أقول لك مرحبا إذا لم تنصرف حالا، حالا! كانت مستسلمة لما تركه المساء عليها من عبق ورطوبة، فلماذا يفسد سحر هذا المساء؟ كانت تريد أن تغفو على ذلك. لامكان لعواطف أخرى هذه الليلة! لم تأت بعد ليالي الأرق الطويلة!‏

ابتعد قيس غاضبا. ولام نفسه لأنه اختبأ في غرفة الدرج الصغيرة وجعل نفسه في حجم قطة، هو الذي سيبدو دائما لمحبوباته في قامة شاهقة. شعر بعطش. لأنه شرب الويسكي دفعة واحدة؟ لا، لا! سيظل العطش يلازمه كأنه يريد في الدنيا شيئا لايطاله! فبالرغم من علاقاته بالنساء اللواتي لن يستطيع أن يحصيهن سيشعر دائما بأنه لم يأخذ الحب الذي تمناه!‏

ملأت أذنيه كلمات ليلى: ابتعد عني! ابتعد! لكنه استعاد ملمسها المخملي وهي تدفعه عنها، واستنشق رائحة طفل عابق بالصابون والحليب، وهفّت عليه رائحة بشرتها التي تفوح بالياسمين. وسيستعيد في السنوات الطويلة التي سيفقدها فيها ذلك العبق، وسيبدو له أن رائحتها لاتشبه رائحة أية امرأة أخرى. سيشم كلما تذكرها رائحة الياسمين. هل يتصل بذلك اليوم الالتباس بين صورة بقيت في ذاكرة قيس، صورة طفل نصف عار رفعه جندي راجع من الحرب العالمية الثانية فوق رأسه في فيلم، وبين ليلى التي حلم قيس بأن يرفعها على يديه كذلك الطفل؟‏

رجعت منور في ذلك اليوم متأخرة بعد اجتماع طويل في الهلال الأحمر. وكانت قبل الاجتماع قد ساعدت المرضى، ونظّمت استقبالهم عند الأطباء، وأعطتهم أدوية مجانية. وبحثت مع الطبيب: كيف نؤمن لهم الأدوية التي ليست لدينا؟ لابد من التفكير في قائمة طويلة من الأطباء المحسنين ومن الأصحاب والأصدقاء. إذا لم تحمل الدولة همّ هؤلاء الفقراء فلابد أن يحمله مواطنوهم! وهل ننتظر مساعدة الدولة حتى يموت هؤلاء المساكين؟‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:15 AM
.
يوم أمر جميل مردم بإطلاق الرصاص على المتظاهرين وكان منهم معتصم، ابنها، حملت نساء الهلال الأحمر الجرحى إلى المستشفى. قالت منور لنفسها فيما بعد: لابد أنهن هن اللواتي نقلنه إلى المستشفى الوطني حيث رأته آخر مرة! ألم يكن ذلك أيضا مادفعها إلى هذه المنظمة الإنسانية؟ وجدت منور في الهلال الأحمر نساء العائلات الدمشقية. قالت لها ابنة الحسيبي: مهمة هذه المنظمة في بلاد الدنيا أن تستقبل أحزان الناس، ومهمتها في بلادنا أن تستقبل فوق ذلك أحزان الوطن، وإلا فما ضرورتها؟ هكذا استقبلت اللاجئين الذين سرق الصهيونيون بيوتهم وأراضيهم ومدنهم وثرواتهم وهجّروهم من فلسطين! وزعت عليهم الحليب والحلاوة والزيتون. وجمعت لهم تبرعات من أصحاب المعامل.‏

منذ بدأت منور عملها معهم، كانت المساعدة العينية هي المفضلة لها. فقابلت أصحاب معامل الحلاوة وطلبت منهم التبرع للاجئين، وقدمت لهم وصولات ذات أرقام متسلسلة وقّعت عليها باسم الهلال الأحمر. لم يتردد أصحاب المعامل في التبرع. صادفت تاجرا واحدا قال لها: كان يجب أن يبقوا في بلادهم ويدافعوا عنها! طار عقلها: فلسطين ليست لسكانها فقط. فلسطين بلد عربي! ولنا فلسطين جنوب سورية! فهل تطوعتَ للدفاع عنها؟! انتبه الرجل عندئذ إلى أنها في ملابس سوداء. وحاول أن يعتذر فنهضت من مكتبه: لن أشرّفك بالتبرع لفلسطين! انشغلت بغيره فنقلت أكواما من الشراشف القطنية المحجّرة البيضاء، سجلتها النساء ووزعنها.‏

استقر اللاجئون فيما بعد. لكن منور عادت إلى العمل في الهلال الأحمر بعد مرضها ووجدت دنيا واسعة تحتاج عملها وتتضاءل فيها مصيبتها الشخصية. في بعض الأحيان خيل إليها أنها تصل المحسنين بالمحتاجين الذين لايعلنون عن أنفسهم. ويوم ستتذكر عملها في الهلال الأحمر ستجد أنه تغير بما يناسب الأحداث، وأنه أبقاها في وسطها موصولة بضحايا المأساة. كان الصمت من سمات ذلك العمل الإنساني، بالرغم من أنه يخفّ في الأحداث إلى الضحايا. فلا يعلن إلا عندما تكون المساعدة لبلد عربي يعاني من زلزال أو وباء. لكن منور لن تكون حية يوم تواجه المؤسسات الإنسانية مصيبة واسعة تتجاوز طاقتها على المساعدة: آلاف البيوت التي هدمها الإسرائيليون في رفح ودير البلح وجنين وغزة، وسيارات الإسعاف التي طحنوها بدبابتهم أو أصابوها برصاصهم، والمدارس التي هدموها بصواريخهم، والمستشفيات التي تحتاج أدوات طبية وأدوية. ولن تكون منور حية يوم يقصف المحتلون الأمريكيون الفلوجة بالطائرات الحربية، ويحتلون المستشفيات في النجف، ويحاصرون بعقوبة، فتحزم مؤسسات الهلال الأحمر المساعدات الطبية لهم في انتظار الإذن الأمريكي الذي لم يأتِ أبدا..‏

ولم تكن في اليوم التالي أقل تعبا. وشغلها أنها لم تطبخ طعاما متنوعا يغري ليلى بالأكل مع أن ليلى كانت تحضّر امتحانات المادة التي أجّلتها إلى أيلول. كانت عائدة من زيارة الفقراء الذين طلبوا مساعدة طبية وأدوية. وخيل إليها وهي تمشي في شمس الخريف أنها تكرر الجزء الأخير من حياة جنة خاتون التي رعت الفقراء في مطلع القرن العشرين. فتساءلت: كيف بقي هذا البؤس أكثر من نصف قرن بعد موت تلك الجدة التي كانت تصلي الفجر في الأموي، فتبعت حفيداتها خطاها؟! أيعقل أن يتقدم البؤس وينحسر الرفاه؟ من يأخذ إذن اليسر الذي نسمع الحديث عنه والتبجح به؟‏

كانت منور متعبة، وليلى تؤدي في الجامعة امتحانا، ويفترض أن تجد غداءها وقت تعود. جلست منور لتستريح قبل أن تطبخ الفول الذي الذي أعدته ليلة الأمس. كانت تلتزم بأن يكون الغداء دائما جاهزا والصحون على الطاولة والسلطة حاضرة، قبل أن تعود ليلى من الجامعة. ولم تكن تدري هل تلتزم بذلك لأجل ليلى أم لتحفظ عادة قديمة تذكرها ببهاء وتوهمها بأن الحياة تستمر كما تركها. حلمت خلال تلك اللحظات بأن ليلى ستكون الطبيبة التي ستلجأ إليها منور لتنجد فقراء ليس لديهم أجر الطبيب. وبأن ليلى ستؤمن لهم بنفوذها الدواء. في تلك اللحظة وصلت ليلى مع رفيقتها مديحة. وكان يفرح منور أي ضيف تأتي به ليلى. ألايقدم ذلك سعادة لها ويضيف صوتا إلى البيت. لكنها تقول لنفسها: كان يمكن أن تخبرني ليلى فأضيف طبقا آخر! هذه عادتها! تفاجئني دائما بأصدقائها!‏

اعتذرت منور: ياصبايا، لم أحضّر غير فول مقلّى وفتوشا وعجّة. كنت مناوبة في الهلال الأحمر! وروت شيئا عن الفقراء الذين وزعتهم على الأطباء، ورجت أطباء آخرين لايعملون في الهلال الأحمر أن يساعدوهم. لماذا تحدثت عن عملها وعادتها الصمت والتكتم عليه؟ كي تعتذر عن غداء سريع؟ قالت لها مديحة: خسارة ياخالتي، هذا جهد ضائع! كأنك ترمين تعبك في الشارع، لأنه لايثمر. رفعت منور حاجبيها دهشة: لايثمر؟ خسارة لمن ياابنتي؟ لي، ليس خسارة! لم أشكُ منه أبدا! ولماذا هو جهد ضائع إذا كان مفيدا لمن يتلقاه؟ ياخالتي، قصدتُ أنه لايغير الأوضاع الاجتماعية. لايغير حياة الفقراء. بل يساهم في تخديرهم بالمساعدات التي تقدمونها لهم. أنت ياخالتي تنفذين، دون قصد، مشروع الطبقة الغنية المستغلة التي تحتاج تخدير الفقراء وتخفي بوجهكم الإنساني وجهها القبيح. لذلك تتصدق عليهم بمساعدات لاتغير وضعهم. وهكذا تضحك عليكم وعليهم!‏

فوجئت منور بلغة غريبة عنها. بقيت لحظة صامتة تتأمل مديحة. سألتها: من أين أتيت بهذه الأفكار، ياحبيبتي؟ في بلادنا تخفف الزكاة من ألم الفقير وتعينه. وتشعر القادرين بالتزامهم بغير القادرين. كان الأغنياء يضعون أكياس الرز والبرغل والقمح أمام أبواب الفقراء ويختفون قبل أن يفتح صاحب البيت بابه فيعرفهم. هذه حضارة ياابنتي، وهذه عواطف إنسانية يجب أن نفهمها! يبدو لي أني أحد الوسطاء الذين يوصلون تلك المعونات للناس. ياخالتي، المهم تبديل الوضع الاجتماعي، نسف النظام الاجتماعي. هذا فقط سيقلب حياة الناس التي لا تقلبها أبدا معونات طيّارة! يامديحة، ومن سيبدل الوضع الاجتماعي، من غير شر؟ نحن ياخالتي! نحن! الطليعة! أنتم من، يامديحة؟ ومادور الأجيال التي كانت قبلكم؟ تلك بورجوازية، ياخالتي! بورجوازية تعاونت مع الاستعمار أو هادنته. لولا الفلاحون والعمال والمثقفون لما كان الاستقلال. اسمعي يامديحة، لاتكتبي التاريخ على هواك! لم تكوني ولدتِ عندما تصدّرت البورجوازية معركة الاستقلال، وسجن فخري البارودي، ونفي رجال الاستقلال إلى أرواد والحسكة. من انتصر لثورة العقداء الأربعة في العراق؟ أنتم؟ من تطوع وقاتل الصهيونيين في فلسطين؟ ومن رأى أن الحرب في فلسطين حرب أهلية، ولم يفهم أنها حرب بين شعب عربي واستعمار صهيوني؟!‏

جلست منور إلى الطاولة مع ليلى ومديحة، لكنها لم تكمل طعامها. مع أنها كتمت غضبها كما يكتم غضبه إنسان عاقل أمام طفل جاهل. قالت لليلى: كنت جائعة وقت عدت فأكلت قليلا قبل أن تأتي! سأحضّر قهوتي وأسجل بعض الملاحظات على العمل الذي أنجزناه اليوم.‏

لم يخف على ليلى غضب منور. ومع ذلك لم تتدخل في حوار أمها مع مديحة. لكنها لامت مديحة بعد انصراف منور: كيف تقولين تلك الكلمات السخيفة لإنسان يهب وقته وقوّته لعمل إنساني؟ شعرت مديحة بأنها آلمت منور لكنها لم تشعر بأنها أخطأت. قالت: هذه ليست كلماتي بل كلام ثوار معروفين وفلاسفة مشهورين. كيف ترددينها يامديحة دون أن تفكري فيها وتفحصيها؟ فسرت لك منور ببساطة شيئا عن الزكاة ومسؤولية الناس عن الناس وأعجبني كلامها. قالت مديحة: هذه أساليب قديمة في البحث عن دواء لايشفي من الظلم الاجتماعي. مايجب هو أن نبحث عن دواء جذري للتناقض الطبقي بين الأغنياء والفقراء. وهذا لايمكن إلا بالثورة على الاستغلال الذي تمارسه البروجوازية. اف، يامديحة! الأفكار عندك دون روح! كأنك ببغاء زميلتنا قمر! ياليلى، هذه معايير عامة للمجتمعات البشرية، ولاعيب في تكرارها! أتعرفين ماذا يعبئ الأفكار بالروح يامديحة؟ هواء بلدها، عبق ترابه، شعراؤه وتاريخه. أنت ترين الأمور في مستوى اللغة المجردة فقط. عواطفك حلوة لكني أشعر بأنها غريبة عني. لابد من طريقة ما تقربها من الناس! ولماذا تظهرين كأنك تفكرين عن الناس وتقررين لهم مايجب أن يعملوه؟ ملأت منور حياتها بالعمل في الهلال الأحمر. وهاأنت تقولين لها ببساطة: خسارة! كأنك تقولين لها خسرتِ عمرك! حدثتني منور طوال سنوات عن الناس الذين ساعدتهم. كانوا بدلا من أبي وأخي، وكانت لهم بدلا منهما. وأرضاها ذلك. فكري بما فعلتِ! قلتِ لامرأة ساعدت الجياع في لبنان أيام الحرب العالمية، وقدمت لهم خبزها وقت كانت النساء يبعن بناتهن برغيف، ثم فقدت زوجها في الجليل، وفقدت ابنها دفاعا عن فلسطين، قلتِ لها خسارة! ومن أنت يامديحة؟ طالبة لم تقدم بعد لبلادها شيئا!

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:17 AM
.
خجلت مديحة. لكن بدا لها أن ليلى أيضا لا تفهمها. كيف يمكن أن تفسر لهما أن ماتريده لمجتمعها هو العدالة التي يتساوى فيها الناس؟ لايعيش الناس خارج بيت ليلى كما تعيش هي وأمها! لاتستطيع مديحة، شخصيا، أن تقتل الغني لأنه غني، ولكن ألا يجب أن يعاقب التجار الذين يستغلون الأزمات ويحتكرون قوت الناس؟ ألم يتملق التجار حسني الزعيم والشيشكلي لحماية تجارتهم؟ المهم عندهم المال، أما المهم عند مديحة فهم البشر! لكن من هم الأغنياء؟ التجار أم الصناعيون؟ أصحاب الشركة الخماسية، الذين ينتجون القمصان القطنية الطرية، والشراشف القطنية البيضاء المريحة، وقماش المقاعد والستائر الأنيق، والدامسكو السوري المشهور؟ ماذا تفعل بصناع الأغباني الفاخر الذي يشتريه السياح والغرباء والزوار العرب ولابد أن يكون لدى المرأة الدمشقية شيء منه؟ ستؤممهم؟ ستوزع على العمال أموالهم؟ من سيدير تلك المعامل بمهارة كمهارتهم ويستطيع أن يسوّق بضائعها مثلهم؟ هل سترمي مديحة خبرتهم في الصناعة والتسويق؟ لعلها لمست بخفة ماسيلعب بالجزء الأخير من القرن العشرين فيرفع شرائح اجتماعية ويمزق أخرى، ويحشد مجموعات المنتجين ويشعرها بأنها مالكة وطنها وقدرها، ويؤسس فئات طفيلية وفئات جلفة عالقة بها.‏

لكن مديحة رجعت يومذاك إلى بيتها بأمرين تفكر فيهما. أحقا لم تقدم بعد لبلادها شيئا، لأنها ماتزال شابة؟ ألم تُفشل بالمظاهرات التي مشت فيها والعرائض التي جمعت التوقيعات عليها والاجتماعات التي حضرتها وبالتدريب في المقاومة الشعبية، حلف بغداد ومشروع الهلال الخصيب والمؤامرات على سورية، وتحرض الروح الشعبية على المقاومة؟ والأمر الثاني هو فلسطين. تعرف أن أي سوري لايقبل تقسيم فلسطين. وأن أي عربي يعرف أن المستوطنين احتلوا فلسطين تحت جناح الانتداب البريطاني. تعرف أن أي عربي يفهم أن وعد بلفور وهب أرضا عربية لايملكها لغرباء اوروبيين لاعلاقة لهم بها. ألم تمش في المظاهرات مع التلاميذ في ذكرى وعد بلفور كل سنة؟ لاتقبل أبدا موافقة الاتحاد السوفييتي على تقسيم فلسطين وموافقة الشيوعيين على تلك الجريمة! لكنها لن تجسر أن تسأل: لماذا؟ ولن تقول يجب الاعتراف بذلك الخطأ علنا! وسيبقى في ذاكرتها أن النقابي الذي دعت عمرا إلى اجتماع به اتهم أهل فلسطين بأنهم خونة فثار عليه عمر. ستمر سنوات طويلة قبل أن تكتشف ماسببته الموافقة على التقسيم من خلافات خسر فيها من لم يوافق على القرار السوفييتي، وعرف قوة النفوذ الصهيوني هناك، واستشف أن الصهيونية ستفتت المعسكر الاشتراكي ثم تلغيه. لكن غادة هي التي ستحمل لمديحة بعد عقود كلمة كتبها فرج الله وثبّتها أكرم الحوراني في مذكراته: "الديمقراطية الحقيقية تبرأ من الصهيونية.. الفلاح العربي والإقطاعي العربي حين يكافح الصهيونية ويدافع عن أرضه ووطنه هو أقرب إلى الديمقراطية والاشتراكية من أي صهيوني أو أي نصير للصهيونية ولو انتسب إلى أكبر الأحزاب الديمقراطية والاشتراكية في اوروبا وأمريكا". لكن غادة ومديحة لن تقدّرا أن ذلك المقطع الذي نشر في بيروت سيدفع قيسا إلى تأمل طويل. سيعيده إلى خلافه مع عرفان، وسيرى أن فرج الله كان يرد عليه وعلى من يماثله، ويسند رئيف خوري الذي أبعد لأنه رفض التقسيم. وسيبدو له أن فرج الله ينتقد النفوذ الصهيوني الذي تبيّنه قيس في البلاد الاشتراكية. وسيتساءل لماذا كتم الآخرون ذلك وباح به فرج الله؟ وسيقول كالحكيم العجوز: تجد الحقائق من يكشفها ومن يدافع عنها ولو بعد أزمنة طويلة. وسينتبه إلى أن الصهيونية كانت موضع خلاف بين اليساريين العرب يوم توهم بعضهم أن المستوطنين القادمين من روسيا اشتراكيين ولذلك هم أقرب إليهم من الإقطاعي العربي. أكدت ذلك الاتجاه بيانات اولئك الاشتراكيين الروس الذين وزعوها في مظاهرة في أول أيار في يافا فأشعلوا الصدام في المدينة العربية. وسيصنف ذلك، مع اكتشافات أخرى بينت له أن جابوتنسكي الصهيوني تدرب في الجيش الأحمر وتصور أنه يمكن أن يجعله حصانه. سيرى قيس أن "التاريخ يعيد نفسه" بشخصيات عربية تدافع عن إسرائيل باسم الديمقراطية فترى العرب ضحايا أنظمتهم وضحايا إسرائيل معا. وأن الديمقراطي الإسرائيلي كالديمقراطي العربي يواجه النظام الإسرائيلي والأنظمة العربية معا! مهملين مايسمى استعمارا واستيطانا!‏

عرفت غادة يومذاك الحوار الذي جرى بين مديحة ومنور. ويوم تغدت عند ليلى قصدت أن تكرر لمنور أمام مديحة كلام أكرم الحوراني: "أدّت البورجوازية السورية بنشاطها الاقتصادي والتجاري والصناعي والاجتماعي والوطني والعربي خدمة للقضية السورية والعربية لاتقدّر بثمن. فهي التي قادت النضال الوطني في مواجهة الانتداب الفرنسي، وكان لها الفضل في تحقيق الاستقلال وجلاء الجيوش الأجنبية عن سورية". ومع ذلك تصورت مديحة وغادة يومذاك أن هدف المؤامرات على سورية استبعاد اليسار. ولم تقدّرا أن تدمير البنية السياسية والاقتصادية السورية التي تكنز الخبرة والتجارب هو الهدف. وأن البورجوازية تقع وسط تلك الأخطار. وسيتذكر أحمد عبد الكريم فيما بعد أنه سمع غولدا مائير، خلال تأميم المعامل السورية، تحمل على البورجوازية السورية لأنها معادية لإسرائيل. وستكون من الأخطاء التي سيتبينها السياسيون متأخرين تصفية البورجوازية الوطنية وتأميم المعامل الصغيرة وتهشيم البنية التي كان يمكن أن تسند الاقتصاد الوطني والقطاع العام. وسيتبينون أن دمارها فتح المجال لطفيلية جشعة استغلت مراكزها السياسية وسحقت الطبقة المتوسطة، ولم تؤسس مشاريع اقتصادية مستقلة بل كانت شريكة مشاريع خارجية وهرّبت أموالها خارج بلادها.‏

استمعت مديحة إلى غادة وقالت لها: أعترف لك بأن الجبهة القومية الآن حاجة وطنية. ضحكت غادة: رضيتِ عن البورجوازية أخيرا؟ نسيتِ أنكم سميتم فخري البارودي بورجوازيا عميل استعمار! علّتك يامديحة أنك لاتشعرين بقوة الروح التي تجمع العرب من الخليج إلى المحيط. تطبقين قوانين الاقتصاد بجلافة على الحياة، كأن البشر آلات تحتاج الزيت والمدير فقط. تهملين الروح التي جعلتنا ننشد "بلاد العرب أوطاني" في بلاد الشام. وننشد في المظاهرات "ياظلام السجن"، النشيد الذي أنشده المقاومون الفلسطينيون في سجون الاحتلال البريطاني في فلسطين! تجهلين هذا الإرث الطويل الذي تكنزه الروح العربية! ألم يجمعنا المتنبي والمعري وشوقي؟‏

نظرت مديحة إلى غادة كما ينظر الكبير إلى الصغير: اسمعي ياغادة! أنت مخلصة وطيبة. لكنك بورجوازية صغيرة لاتستطيع أن تحيط بحركة المجتمعات العظيمة. ستكونين مضطرة كشخص من الطبقة الوسطى إلى الاختيار، فيما بعد. فإما أن تصبحي من القلة التي ستصعد إلى الطبقة العليا، أو أن تصبحي من الأكثرية التي ستهبط إلى أسفل! لكن الفرز بدأ في السياسيين لديكم. صلاح البيطار غاب في أمريكا وكاد ينسى العودة! وهاهو بعد عودته ينظّر لتغيير الموقف من الولايات المتحدة ويرمي على العرب سبب جهل الغرب بقضايانا! كأن المسألة عواطف لامصالح! وكأنه يريد أن يبعد سورية عن الاتفاق والتنسيق مع الاتحاد السوفييتي! اسمعي يامديحة! لاتتنبئي بمستقبلي كأنك بصّارة برّاجة! أما صلاح البيطار فلست مسؤولة عنه وقد لاأوافق على تلوّنه. لكن أرجوك لاتتحدثي عن الاتحاد السوفييتي كأنك تملكين العلاقة به! ليس في مصلحتك أو مصلحته أن تظهري كجزء منه. نحن كبلد نريد العلاقة به. ألم تلاحظي أن اليمين كله رحب بالاتفاقية مع السوفيت، فصوّت في المجلس النيابي على الاتفاقية الشاملة معه؟ بل تحدّث اليمين عن خيبته في ألمانيا التي انحنت للضغط الأمريكي فمنعت قرض البنوك الألمانية لسورية، وعن تراجع الغرب عن بناء سد الفرات.‏

تابعت منور حوار غادة ومديحة. وقالت ماستتذكره غادة ومديحة فيما بعد: ستصحح الحياة الأفكار التي ينثرها الإنسان في بساطة. قد يوفق المحظوظ فيستشف الحقائق دون خسارة. لكن ثمن الحقائق التي تكتشفها المجتمعات باهظ. أتمنى لكن يابناتي ألا تدفعن ثمنها الغالي! لكن تذكرن أن الإنسان قد لايجد في سهولة صديقا وفيا! لاتفرّطن بما تربيه أجمل أيام العمر، أيام صباكن! لاتتركن خلافكن على فكرة يدمر الصداقة!‏


متى بدأت مديحة تشعر بأنها قريبة من فوزي؟ يوم عانت من جمع التواقيع على عريضة تطلب منع التجارب الذرية والقنابل النووية؟ قالت لفوزي يومذاك: تفرج! شطبت بعض النساء توقيعاتهن! وسألني بعض من اقترحت عليهم العريضة: ماعلاقتنا بالقنبلة الذرية؟ عندما يتضامن الغربيون معنا ضد المحتلين الإسرائيليين سنتضامن معهم ضد التجارب الذرية. وقال لي آخرون: لو قدمتِ لنا عريضة ضد احتلال فلسطين لوقعنا لك عليها! باح لها فوزي يومذاك: المهم عند أصحابنا أولا أن تمشي العريضة في الشارع ويألف الناس طرح هذه القضية العالمية. وثانيا أن نبين لمجلس السلم العالمي أننا جمعنا آلاف التواقيع وسجلنا مكانة عالمية! خشيت مديحة أن تميز السخرية من الجد في كلامه. ولم تستطع أن تقول له اعفني في المرة القادمة من مثل هذه المهمة!

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:17 AM
.
موّهت علاقتها به كزميل أنه ممثل هيئات عليا يغلفها الغموض بالقداسة. ولاحظت أن فوزي متحرر من الصيغ اليابسة. فعندما اقترح دراسة كتاب "تاريخ الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي"، بدا كمن يبلّغ بأمر لايقنعه. سألته مديحة بعد أن خرجا من ذلك الاجتماع: لماذا لاندرس مثلا شيئا من تاريخ سورية؟ ردّ: ولماذا لانناقش مثلا الوحدة العربية والمواقف منها؟ أو مانتصوره لحل مشكلة فلسطين؟ فهمت أنها لمست تساؤلا يلوب في روحه. وستتبين فيما بعد أن فوزي كان أقدر منها على التساؤل لأنه حلقة تنقل تعليماتٍ مؤسسةً على ثوابت مستقرة مهما تباينت الظروف المحلية، وعلى أسلوب عمل معتمد عالميا. وكان يصعب أن تحرّك في مرونة. من التعليمات دراسة كتاب ستالين عن المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، وكتابه عن اللغة. ودراسة كتاب أسس الماركسية اللينينية.

ولماذا يامديحة؟ كي نبدأ من منظومة كاملة. فنعتمد أن الماركسية اللينية هي القادرة وحدها على تفسير العالم وفهمه. وأن الحزب الذي يتبناها هو حزب الطبقة العاملة والفلاحين الوحيد ولاحزب آخر معه. وكل مجموعة تعارضه هي تحريفية يجب أن تقمع وأن يشهّر بها. والتشهير دون رحمة من وسائل الدفاع الشرعي الذي تفترضه المسؤولية. من المسلّمات التي لاتناقش، إذن، أن أحزاب الاشتراكية الديمقراطية أحزاب خائنة. وفي هذا السياق تفسر التصفيات التي اعتمدها ستالين والقيادة السوفيتية، وتعتبر حكما عادلا على المنشقين ولو كان ذلك بتصفيتهم الجسدية. وبما أن الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي قائد بلد الاشتراكية الأول فهو قائد عالمي تعتمد آراؤه وقراراته في المستوى المحلي. وتلتزم الأحزاب المحلية بالدفاع عنه بشكل مطلق لأنه سند حركات العمال والفلاحين والاشتراكية في العالم كله. لو سألتني رأيي لقلت لك إن كل مسألة من هذه المسائل تستحق أن تناقش في ظروف العالم الجديدة. فهل يحق للاتحاد السوفييتي أن يغير رأيه في البورجوازيات الوطنية ولايحق لنا التفكير في مايتجاوز ذلك؟ وكيف نتبنى القمع كأسلوب في تصفية الخصم هناك ونحن في بلاد تطلب الحرية ويجب أن تؤسّس عليها مستقبلها؟! وكيف ندرس تاريخ حزب بعيد عنا جغرافيا، ونهمل ثنايا تاريخنا المجهولة؟

ستعرف مديحة فيما بعد أنها بقيت على شاطئ النشاط العام الذي وضعها مع فئات متنوعة في مجرى حركة التحرر الوطني. وستعرف أن فوزي لم ينظر إلى تلك التعليمات ببساطة، بل فحصها مبكرا، ورأى ضرورة أن يستنبط أي حزب محلي سياسته من واقعه وحاجاته. وأمسك كدليل على ذلك اعتراف الأحزاب الشيوعية بتقسيم فلسطين. "موافقة الاتحاد السوفييتي على التقسيم، مشكلته! نحن كعرب لايمكن أن نتبنى ذلك الخطأ! لاتقولوا لي إن التقسيم حلّ استدعاه الواقع! ففي الواقع لم يكن اليهود أكثرية في فلسطين، ومع ذلك أعطاهم التقسيم مدنا عربية صافية ومناطق زراعية خصبة! خريطة التقسيم عنصرية استعمارية أول من اقترحها في أيام الانتداب لجنة بريطانية. يجب أن نعلن ذلك! ولو أكد سياق الأحداث أن الهدف لم يكن تثبيت دولة فلسطينية على أساس التقسيم. وتذكروا أن التقسيم وهب الاحتلال والاستيطان غطاء دوليا"! ظل فوزي خصما غاضبا يدين الموافقة على التقسيم ويرى ضرورة الاعلان عن خطأ الاتحاد السوفييتي يومذاك، وكل عربي وافق على القرار السوفييتي مخطئ! لذلك يجب ألا يدان من هاجم مكتب الحزب، ويجب ألا يعتبر شهيدا من قتل في المكتب! سيقال إن فوزي تبحّر في تقرير خروشوف السري إلى المؤتمر العشرين، الذي نشرته جريدة البعث. وسيروى أنه قال "ماتزال عبادة الفرد مرضا يهب القداسة والعصمة لأفراد ويمنع نقدهم. هذه التربية أفسدت القياديين وعلمتهم أن القاعدة خادمة لهم".

سيقول فوزي، بعد عقود، إن قوة المنظمة سددت أحيانا لتقتص من أشخاص تميزوا بكبرياء منعهم من العبودية. ولم يوافقوا على تنزيه القائد كأنه قديس، وفكروا بضوابط تمنعه من أن يرعى أسرته في مروج القاعدة، ويفيد من موقعه السياسي ليجني المكاسب ويوزع الوظائف، ويضيع الحدود بين مال الحزب وماله الشخصي. لذلك سيتهم فوزي بأنه صاغ أفكاره المنحرفة من علاقاته ببعض العراقيين الذين حكوا له عن حادثة واقعية: رفض فهد وهو في السجن اعتراف الاتحاد السوفييتي بتقسيم فلسطين. وأرسل رسالة إلى حزبه يحذره فيها من الاعتراف بالتقسيم. وذكر بأن اليهود ليسوا قومية، وأن ميثاق الحزب سجل أنه ضد الصهيونية. لكن قيادة الحزب خارج السجن لم تصغِ إليه! سينتهي فوزي بعد عقود إلى اقتراح يطلب استقلال الحزب عن أية قرارات خارجية. وسيكون من المجموعات الاولى المتهمة بالانشقاق. لكنه سيكون أول من يوضح أن إلغاء المعسكر الاشتراكي خيانة عظمى، كسرت التوازن العالمي ورجحت العدوان الإسرائيلي في الصراع العربي الصهيوني.

استمعت مديحة في الاجتماع الأسبوعي إلى فوزي. كان جدول أعمال الاجتماع الاستعداد لمهرجان موسكو. تحدث فوزي عن تلك المناسبة التي ستخرج فيها موسكو من أسوارها، وستنطلق فيها سورية خارج حدودها. ترى اللجنة التحضيرية أن يمثل وفد سورية اتجاهاتها الفكرية والسياسية والشعبية. سيكون وفدا قويا في مستوى الأخطار والمسائل الموضوعة أمامنا كبلد عربي مهدد بعدوان إسرائيلي أمريكي، وكمركز مقاومة وطنية يتقدم حركة التحرر العربية. سيكون في الوفد أعضاء في البارلمان، وفريق فني يقدم رقصات وأغاني شعبية، وفريق رياضي، وشخصيات سياسية وأدبية منهم فخري البارودي، وطلاب مستقلون، وممثلو أحزاب. مهمتنا أن ننتقي الطلاب المناسبين للمهرجان. يامديحة، أنت المسؤولة عن انتقاء الطالبات المناسبات!

احمر وجه مديحة وقتذاك. هل تستطيع أن تتحمل هذه المسؤولية؟ هل هذا اختبار في ترجيح الحكمة على الهوى؟ جربت مديحة حتى ذلك اليوم دعوة الطلاب إلى اجتماعات عامة، كالاجتماع الذي تحدث فيه النقابي. أو الدعوة إلى احتفالات بمناسبات وطنية كعيد الجلاء. فهل يؤهّلها هذا لمهمة معقدة مثل هذه؟

لم ينتظر فوزي يومذاك رأيها في أن تقبل أو ترفض المهمة. لكنه لم يُظهر لها أنها أمر. قال لها وهما يخرجان من الاجتماع: انتقاء طلاب وفد سورية إلى مهرجان الشباب يتصل بالدفاع عن الوطن في هذه اللحظة. وأعتقد أنه يقع في هواك يامديحة! سألته مديحة: متى تريد أسماء المقترحين للوفد؟ ردّ: خلال أسبوع!

يالهذه المهمة التي سيحاسبها عليها ضميرها! فالسفر امتياز يقدم شخصا على آخر! المسؤولية إذن سلطة. فهل انتبهت مديحة إلى مافي المسؤولية من قوة تقرر قدرا؟ وإلى حدّها الخطر الذي لايلجمه إلا الضمير؟ لم تفكر مديحة في السلطة التي تكسر حامليها وضحاياها أو تنقذهم. فأسطورة الحسن والحسين تبهرها، ورجاء حسن مَثَل قريب، كجميلة بو حيرد، وكالقسام الذي سعى إلى فلسطين وكان أول شهداء الثورة، ويوسف العظمة قبلهم. وكان الثوار الذين رأتهم في "التراجيديا المتفائلة" وفي "الطلقة الواحدة والأربعين" يسحرونها. المسؤولية لمديحة كما هي لاولئك! ليست البحث عن الوجاهة والمنفعة، بل أن تسبق الآخرين بالتضحية!

مشت مديحة مع فوزي خطوات. وانتبهت إلى ربطة عنقه الطائشة. يحب ربطات العنق الأنيقة! ومنها يبدو أنه ميسور وكان يمكن أن يستسلم للدعة والغنى، فأبوه المحامي يؤمن له أكثر مما يحتاجه كطالب في الجامعة، حتى قيل: لم يبق غير أن يشتري له منذ الآن مكتبا وسيارة! قالت لنفسها: ليس جميلا، لكنه وسيم، وأنيق. ودّعته ومشت إلى نادي الجامعة. رأت ليلى تجلس مع غادة. فتساءلت هل خطر لها أنهما مناسبتان للوفد لأنهما صديقتاها أم لأنهما تستحقان ذلك؟ وأجابت: بل ذلك حقهما! ومشت إليهما. قالت لها غادة: سأستشير رفاقي! وقالت لها ليلى: سأفكر في ذلك! نهضت ليلى. لاتطيق الجلوس الطويل! كان قيس يجلس مع عمر إلى طاولة قريبة، فاقترح عليه أن يمشيا في الحديقة. تأمل ليلى من بعد. كانت تلبس بلوزا أبيض ترفع قبته. قال لنفسه كأنها اودري هيبورن في فيلم غرام بعد الظهر. مشى خلفها مع عمر، وتأمل كعبيها، وكاحلها، ورشاقتها، وشعرها الذي يتأرجح مع خطوتها. راقبه عمر، ثم جره إلى حديقة كلية الطب.

كان قيس قد استدعي كي يرسل إلى مهرجان موسكو. ثم بدا مفيدا في أمر أكثر أهمية: الثورة المسلحة. فاستبقي. لكنه لن يشترك في ذاك ولافي هذه! لن يسافر مع العرب الذين سيسافرون من دمشق إلى اللاذقية! سيركبون الباخرة "جيورجيا" إلى اوديسا دونه، ويأخذون منها القطار إلى موسكو.

تعلمت مديحة وزميلاتها الدبكة في بيت الفرقة الفنية السورية في جادة البارلمان، وقاست الثياب الوطنية التي ستظهر بها وقت الحاجة. رتبت في محفظتها الطقم الذي ستلبسه في افتتاح المهرجان. الوداع! لم تقبّل مديحة أمها. لايحتاج غياب أسبوعين إلى وداع. حبست أمها دموعها وهي تتأمل ظهر مديحة: الأسبوعان للشباب برهة. لنا ماأطولهما! لكن من يستطيع أن يحبس أولاده!

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:18 AM
.
الطريق حتى حمص أرض قاحلة. لكن الجبال فاتنة. بعد حمص اخضرت الأرض. فتفرجت مديحة على الأشجار والجبال البعيدة. هناك لبنان! وعندما بدا البحر قالت للسائق: لنقف قليلا! قفزت من السيارة ونشرت ذراعيها، وتنفست هواء البحر وسعته الزرقاء، وملأ البحر عينيها. تذكرت الرحلة المدرسية التي سهرت فيها في اللاذقية مع زميلاتها حول أستاذ الموسيقى وهو يعزف لهن على الكمان سيريناد شوبرت.

في أواخر تموز سنة 1957 أبحرت الباخرة بالوفد السوري إلى مهرجان الشباب السادس في موسكو. كان في الوفد أكثر من أربعمئة وخمسين شخصا. من رصيف الميناء المزدحم صعدت مديحة إلى السفينة. كيف تعبّر عن هذا الشعور الذي يتداخل فيه الفرح بالاضطراب بهواء البحر الرطب بتأرجح السفينة؟ رأت فوزي أمامها:

- مديحة أحتاجك قليلا!

- هواء البحر مذهل!

تأمل فرحها النضر. ماأحلاها في هذا الثوب الأبيض! تكاد تطير كحمامة! أية أفراح ستصخب إذن عندما تنطلق الباخرة؟ قال لها:

- انتظري! لم نبحر بعد! سنبقى الليلة في الباخرة!

تجمع الوفد أخيرا! وصل الفنانون، والرسامون، والسياسيون، والطلاب، ومجموعة من الإذاعة السورية! جلست مديحة في صالون السفينة مع لجنة التنظيم، إلى جانب فوزي. وزع الأمكنة على الوفد. هذه أخت أحد الضباط..! هذه بورجوازية..! هذه قريبة الوزير..! اقترحت ليلى تعديلات تجمع الأصدقاء وتباعد بين المتنافرين. وأنتِ يامديحة؟ بقي لمديحة سرير في الدرجة الثالثة. نزلت السلم الضيق إلى قمرتها. آه، سرداب فيه نافذة مستديرة يتأرجح البحر فيها! لن أنام هنا! صعدت إلى سطح السفينة وتمددت على كرسي. داعب هواء البحر وجهها. النجوم والبحر القاتم، وهدير السفينة، دنيا مدهشة! لو تستطيع أن تفتح لها كل ثنية في روحها!

لم يهدأ فوزي. ومنذ أشهر لم يهدأ. تخرج سوريا إلى لقاء عالمي، وهي محاصرة ومهددة. النجاح الأول: الوفد! لايرى فوزي الحشو فيه، بل ينتبه إلى تنوعه، وشخصياته الثقافية والسياسية والفنية. تنظيم هذه المجموعة هو المهمة الثانية. تحريكها هو المهمة الثالثة! ولذلك تلزم الوفد لجنة تنظيم دقيقة وصبورة. يحلّ فوزي المشكلات الصغيرة دون أن يهمل المركزية. ويحاول ألا يُصدم من اكتشاف الطبائع. يشعر بأنه المضيف، فهل مديحة مثله؟ لاتهدأ مديحة في النهار. كأن مهمتها أن يكون كل من تعرفه راضيا! من وضع لك يامديحة تلك المهمة المستحيلة؟ لاتدرك بعد أن من الناس من يفسده الدلال! يامديحة، لاأحب هذا الأكل! وماهذا الكافيار الأحمر؟ هذا طعام فاخر! لاأحبه، يجب أن يجهزوا لي طعاما غيره! ماأكثر المشاكل الصغيرة! يدهشها أن يطلق بعض الناس أنفسهم على سجيتها كأنهم في بيت أهلهم! لاضوابط ولاحكمة! يستوقفها فوزي: مديحة، لاتبعثري نفسك! تشكو له: لايحبون الكافيار! فيرد: استمتعي به أنت وانتبهي إلى البحر! تنتبه إلى أبوّته وتلتقط نظرته إليها. تغمض عينيها وتقول لنفسها: مع أنه أكبر مني بسنوات قليلة!

وقفت قرب حاجز الباخرة وانصرفت إلى البحر. يالعمقه! صرخت: حوت! ماأجمله! نظر إليها فوزي. وقال لنفسه لأول مرة: أنت الجميلة يامديحة! تأمل عينيها، وتابع نظرتها. وملأه هوى حزين. أسند ظهره إلى جدار الممر وهو ينظر إليها، ورسمها على الورق. هل هي هذه الخطوط؟ من يستطيع أن يرسم روحها المتوهجة، وبراءتها! من بُعد رآها تنزل لتتفرج على آلات الباخرة، تضع يديها على أذنيها من الضجة، تتحدث مع البحارة بالإشارة. في الليل مرّ ليطمئن عليها. فاكتشف أن بعض الفنانين يدخنون في مقدمة السفينة. لم تعجبه الرائحة. تحدث معهم وحلّ المشكلة! لكنه بقي قريبا من مديحة حتى الفجر. بأي فرح فتحت عينيها ونطّت إلى طرف السفينة: البوسفور! لمحت أشخاصا يمشون في طريق كالشريط الضيق. لوحت لهم مع أنهم لايرونها! هذه تركيا التي تهددنا؟ تركيا أخرى، ماأحلاها! لابد أن أجدادنا مروا من هذا المضيق، ولعلهم مشوا في تلك الطرقات! قال فوزي: نعم، أية خسارة في أن يقطّع ذلك التجمع الشرقي الذي كان اسمه الدولة العثمانية، فتبقى منابع الفرات في مكان ومجراه في مكان!

أتيح لفوزي أن يعنى بمديحة عندما طرحها دوار البحر على الكرسي الذي لزمته في مقدمة السفينة. لاحظ دوارها منذ بدأ، وقال لها أسندي رأسك! حمل لها كأسا من عصير الليمون وحبوبا ضد دوار البحر. لاتقلقي، كل من في السفينة تقريبا مثلك! البحر الأسود! وأنتَ؟ أنا؟ لاحق لي في المرض! يجب أن أسند السفينة! ضحكت: تسند السفينة في البحر؟!

أي استقبال في اوديسا! لايعرفنا هؤلاء الناس ومع ذلك تفرج على الحب! بكت فتيات عانقن مديحة، غرست فتاة بروشا من الكهرمان على قميصها. وقف شباب لتلتقط لهم صور معها. وضعوا بين ذراعيها باقات من الزهر. تعلمت كلمات: مير، دروجبا، وتفاهمت بهاتين الكلمتين مع الناس. مكانها في القطار السرير العلوي. ربطت خصرها بالشرشف كيلا تقع! لكن هل تنام والمحطات تمتلئ بالناس طول الطريق! يقف القطار فتنزل لتتناول الزهور والدموع والعناق والأغنيات. في القطار تعرفت إلى شاب روسي يدرس اللغة العربية ويرافق الوفد. اسمه ايغور سيمانتوفسكي. رأته يبكي في إحدى المحطات. يبكي؟ شدت يديه، وقررت أنه صديقها لأنه يحب العرب! هل تنبأت بأنه سيصبح سكرتيرا أول في السفارة السوفيتية في دمشق، ثم سيصفّى فيرمى من نافذة بيته في موسكو ويقال إنه انتحر! لاأحد يعرف بعدُ الغيب! المشروع الحي الآن، أفق واسع لمديحة ولهذا الروسي الذي يدرس اللغة العربية. وكل ماتراه مديحة الآن يؤكد ماتؤمن به: تربي الإشتراكية الإنسان بحب الشعوب الأخرى! لكن مديحة لاتلاحظ الخطر في براءة شعب تعوّد أن يصدّق ماتقوله له قيادته!

في موسكو قال لها فوزي: لاتغيبي عني! فجلست قربه ولجنة التنظيم توزع الغرف. اقترحت مديحة تعديلات. وتكررت المشكلة: لاأريد هذه الغرفة! تبرعت مديحة بمكانها. شدها فوزي من يدها: أنتِ مثلهم، عضوة في الوفد! وتذكري، عندكِ غدا مقابلة في اللجنة المركزية للكومسمول!

المهرجان ليل ونهار متصلان. فليكن! لدينا الوقت للنوم في بلدنا! لقاءات ثقافية. حفلات فنية. دبكت مديحة في الشوارع والحدائق، تفرجت على الباليه، زارت حديقة غوركي والمتحف الزراعي والكريمل ومتحف بوشكين ومتحف تريتياكوف. لبست خفا من اللبّاد فوق حذائها كيلا تتلف أرض القصور! "في مسرح هذا القصر كان يغني الأقنان". تسربت إلى بيوت الكتاب القدماء. رأت الطاولات التي كتبوا عليها، والأسرة التي ناموا فيها، والصحون التي أكلوا منها! انحنت لحرمة التاريخ. قال من كان معها في حدائق المدينة، وفي باخرة في نهر موسكو، وفي قاعات القصور: سنعود ثانية! هيهات، لايعود الزمان إلى الوراء! وكان سليمان العيسى يهزج كالشباب: "أرضي مع الزنبق، مع السوسن، تُنبت الثوار... بين الرايات المنتصرة، تخفق رايتنا"! وعلى مسرح في حديقة تغني مجموعة من السوريين أغنية فيروز: البنت الشلبية. وقف فوزي قرب الشاعر أبي سلمى ونقل كلماته: "البنت العربية، خلقت ثورية، وبعيونها بيلمع ياماما لحن الحرية. بنعيش أحرار، بنموت ثوار، آمالنا كبار، ورفاقنا كتار. هلشدوا ايدنا، في بور سعيدنا، كيف ماتلفتنا ياماما إلهم تحية. تحيا الجزائر والشعب الثائر، مابننسى يافا ياماما، يافا عربية. تحت التفاحة قلنا بصراحة، مبدأ أميركا ياماما مبدأ وقاحة. تحت القناطر بولغانين ناطر وحامل بايدو ياماما مشعل حرية". أراد فوزي أن يتناول من أبي سلمى الأغنية ليعطيها للمجموعة؟ سبقته! بدأ الشباب يغنونها! ضحكت مديحة: لم أنشد في حياتي كما أنشدت هنا! عندما يصعب التفاهم بالكلمات يغني الشباب بلغات متنوعة: "ينشد السلم شباب كالأسود، ودنا البغضاء تطوى، لن تعود". تزاحم السوريون حول ناظم حكمت، وألبسوه كوفية. دمعت عيناه فهرعت طبيبته خائفة على قلبه من هيجان الحب.

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:19 AM
.
ترجع مديحة من الاحتفالات في الساعة الثانية بعد منتصف الليل. فتصحو الطالبة الجالسة عند باب المطعم وتتناول منها بطاقتها. الطلاب الذين تبرعوا بالخدمة موجودون دائما، والطعام دائما يملأ الرفوف. تتناول الصحون وتحملها على صينية وتجلس إلى طاولة ما على أرض مبتلة بالمطر. لاتلتقي ببعض زملائها إلا في المطعم. في المهرجان اكتشفت مديحة الفرق بينها وبين زملائها الشباب. هي مشغولة بالاحتفالات وهم مشغولون بالفتيات! فوزي ليس مثلهم. يعرف برنامج مديحة وينتظرها ليطمئن عليها. يافوزي، أنت تشتغل فقط! يرخي نظرته. لو يستطيع أن يقول لها لست غبيا، لكني لاأريد أخرى! نعم، هاهو يتبين في صخب المهرجان أنه يحب مديحة!

كانت مديحة تعجبه ببساطتها وصدقها وعينيها السوداوين وشعرها الفاحم. لكنه لم يرها من قبل كما رآها في المهرجان! لحقتها نظرته عندما مشت في ستاد لينين مع الوفد. إلى أين تنظر؟ إلى المدرّج المليء بالناس، إلى السماء التي أطلقت فيها مئات من طيور الحمام، إلى الوفود التي تدخل من الطرف الآخر؟ من المدرّج تفرجت بعد ذلك على العرض الرياضي الفني. وراقب فوزي موجات الفرح على وجهها ورأسها مرفوع إلى الحمام الذي يرفّ فوق الملعب. شعر بوجع يضغط قلبه. هل فاجأه هذا الحب لأنه شعر بالحرية في بلد غريب؟ هل يستطيع أن يحب مديحة أكثر مما يحبها الآن؟

في الليل نزل المطر، ولبست مديحة جاكيتا أبيض من القطن انسدل عليه شعرها الأسود، وبدت فيه حلوة ورائقة. اقترح شاب على فوزي: تعالوا نتصور مع الفتيات الروسيات! فرح فوزي بالاقتراح ووقف خلف مديحة، إلى جانب صديقه الذي يلبس العباءة. سيحتفظ بهذه الصورة كأنه يمسك بسنوات عمره الجميلة! وستذكّره الصورة بذلك اليوم الذي لم يتكرر. ضاعت المجموعة بعد التصوير. ووجد نفسه مع مديحة وحدهما. كانا في حديقة، وأمامهما نهر موسكو. وصلت إليهما أغنية "ليالي موسكو" التي ستتردد سنوات كأنها نشيد أفراح تلك الأيام. كانت مديحة أمامه على مرتفع بسيط. كأن عاصفة هزّته وعجز عن الثبات مقابلها. مدّ ذراعيه حول مديحة وضمها بينهما. شعر بأن تنفسها توقف. لم تتحرك لحظة طويلة. ثم التفتت إليه وملء عينيها سؤال ودهشة. كبح روحه وهزّ رأسه. أمسك كفها ورفعها إلى صدره وضمها في حنان. ابتسمت مطمئنة إليه. يجب أن يثبت صفاء نيته بوعد! لكنه كمن ضيّع صوته. رفع كف مديحة إلى رقبته كأنه أراد أن تلمس الكلمات التي يكتمها. نظرت إليه في حنان. تعرف أنه صادق ومستقيم وأنه لايمكن أن يغشها. هزّ رأسه وشبك ذراعيه حولها. نظرت هي إلى النهر وانصرفت إلى الأغنية. وعندما التفتت ليعودا وضعت ذراعها في ذراعه. وجد الجرأة عندما ابتعدت نظرتها عنه فقال: سأكتب لك مالم أستطع أقوله. أنا جبان! مشيا صامتين. وكانت تلتفت إليه بين خطوة وأخرى سعيدة ودهشة، فتشعر بأن وجهه احمر. قرر أن يتحدث حديثا آخر. قال: في موسكو الآن خالد العظم ووفد سوري رسمي سيعقد اتفاقية كبرى. زار خالد العظم ألمانيا الغربية. ولم توافق على توظيف رؤوس أموالها في مشاريع سورية، ولم توافق على زيادة ماتستورده من القمح السوري. تشترك في الحصار! انتقل العظم إلى براغ فاستقبل استقبالا رسميا مع الوفد العسكري السوري. هنا في موسكو طلب مساعدة عسكرية واقتصادية، واقترح مشاريع إنمائية. تباحث مع كوسيغين. حضر الجلسات بولغانين مع أن ذلك يخرق البروتوكول. وقّعت اتفاقية كبرى، استيراد وتصدير، مدّ خطوط حديدية، بناء سدود ومصانع. في الاحتفال الأخير عزفت الفرقة الفنية السورية التي تصحبنا إلى المهرجان، ورفع خالد العظم نخب الجيش السوفييتي. قال العظم: يهم السوفييت أن نكون أقوياء لنقاوم الاستعمار. لم يعرضوا علينا أي حلف معهم، ولم يتدخلوا في شؤوننا الداخلية. نحن متفقون معهم في هذا. ستغير الاتفاقية سوريا، يامديحة. بعد تنفيذها لن نبالي بالحصار! مصانع، سدود، طرقات، سكك حديدية..

نظرت مديحة إليه. كم يبدو جريئا وهو يتحدث عن أمر عام. وكم هو جبان وقت يحتاج التعبير عن قلبه! فهل سيمضي العمر معه بالرسائل أم سيتعلم النطق؟ قررت أن تهديه بعض الروايات وبعض كتب الشعر. لعله يتعلم منها البوح بالحب! قال لها في اعتداد: ستكون سوريا في خير!

في تلك الليلة أعطاها ورقة طويت طيات كثيرة، كأنها رسالة حزبية سرية، وانصرف متفاديا أن يرى أثرها على ملامحها. فتحت الورقة طيّة إثر طيّة، وقرأت كلمة واحدة مكتوبة مرات كثيرة: أحبك! لاقته بابتسامة في الصباح، وأبقت كفه في كفها وهي تقول له: هل كان المعلمون يعاقبونك بتكرار كلمة في صفحة؟ تريد الجواب على رسالتك؟ هزّت رأسها موافقة، وفهم أنها أجابته دون كلام. بعد الغداء سألها: هل أستطيع أن أزور أهلك بعد عودتنا؟ فهزّت رأسها. تكلمه بالإشارة؟ كانت متكئة على حاجز الحديقة وكم تمنى أن يضع ذراعه حول كتفها! قالت نرجئ زيارتك إلى أهلي حتى نثق بما نشعر به ولانخجل من الكلام عنه! من كان يخمّن أنها ستضيع الوقت الذي يمكن أن يجمعهما معا!

خرجت مديحة من الدموع، ملأت جيبها بالعناوين، ضمت الزهور، وصعدت إلى الباخرة وصدرها مزين بالشعارات. في الممر كان فوزي واقفا مع كاتب ينظر إلى البحر. قال الكاتب لفوزي: أتمنى أن تقلب عاصفة هذه الباخرة لأرى كيف يغير الرعب وجوه هؤلاء الناس! استمع فوزي إليه صامتا. كان فوزي معتزا بما أنجزه الوفد، وسعيدا بقربه من مديحة. اكتشف عالما لايعرفه. ويعود بروح غنية. فكيف يتمنى هذا الكاتب لهؤلاء الناس العاصفة؟! رماه فوزي من قلبه! لاتقولوا لي إنه "تقدمي"، ولاتكلفوني بالاتصال به! قال لي صديقه: سأكتب في مقالتي إن كاتبنا الكبير سافر إلى المهرجان مع شخصيات روايته! شعرتُ بالقرف منهما معا! يامديحة تفادي الأدباء! أشارت مديحة بيدها إلى امرأة تكتب على دفتر في حضنها: وداد سكاكيني! تكتب عن الرياضيين السوفييت الذين "حاكوا الزهور والنوافير في يوم الافتتاح في ستاد لينين"! قالت لي، أعجبتها المرأة السوفيتية لأنها مثقفة، ذكية، محصنة أخلاقيا! لماذا يجب أن أخاف الكتّاب جميعا يافوزي!

مشت مديحة مع فوزي إلى مقدمة السفينة. عبرتهما الفتاة الشقراء المنتصرة التي أخذت الرجل المتزن من فتاته السمراء! في أول الرحلة كان مع السمراء وفي نهايتها أصبح للشقراء! راقبت مديحة الكمد والحزن. وقالت لنفسها: لن أسمح للحب بأن يذلّني! قال فوزي وهو ينظر إلى البحر: أنت رائعة يامديحة، لكن لاتكوني سريعة في الحكم على الناس! هل خمّن ماتفكر فيه؟ قالت: يافوزي، قد يتناثر الحب أو يخبو. لكن هل سنبقى أصدقاء حتى نهاية العمر؟ ردّ في ثقة: حتى نهاية العمر! وقال أيضا مالم تسمعه مديحة: سأحبك حتى نهاية العمر! ولم يكن يقدّم ذلك لها بل كان يكرّم به نفسه. هل كان يدرك أن الحب خاطف كالومض ولن تكون له فرص أخرى في حياته؟

مدّت مديحة لأمها هديتها: صينية صغيرة من الفضة. ولم تنتبه إلى أنها لم تجد شيئا في مخزن موسكو الكبير يمكن أن يهدى. قالت لها أمها: سمعت صوتك من راديو موسكو. حكيت مع طلاب آخرين عن المهرجان. وجدتِ ياأمي المحطة؟ كم تبدل الزمان! احكي لي يامديحة، موسكو حلوة؟ نظيفة جدا، خضراء، متاحف وثقافة، محطات المترو كالمتحف، جامعة موسكو كبرج من الرخام والحجر وسط حدائق واسعة. لكن موسكو واسعة وجديدة. دمشق أجمل. في موسكو فهمتُ كم دمشق جميلة وثمينة. فهمت أني لاأحبها لأنها مدينتي فقط، بل لأنها حلوة! لكن اسأليني ياأمي عن الناس!

قدّمت مديحة لمنور هدية من موسكو: غطاء طاولة أبيض مطرزا بألوان مبهجة. عانقتها منور: ياحبيبتي كان عندك وقت لتشتري هدايا؟! وبدا لها ذلك اعتذارا عن جلافتها. أجلستها منور مقابلها وطلبت أن تحدثها عن ذلك العالم البعيد الذي رأته مديحة. بدت مديحة سعيدة. فكادت منور تقول لها: ستتسع الدنيا يامديحة كلما تجولتِ فيها، وستكونين أكثر عدلا وثقافة! أغلقت ليلى بعد ذلك باب غرفتها وتحدثت مع مديحة حديثا آخر. كانت أفراح مديحة تتجاوز أفراح الرحلة التي امتدت أسبوعين. "يبدو ياليلى أني أحب فوزي وأنه يحبني"!

تأمل فوزي صور المهرجان. مديحة قرب حاجز الباخرة. مديحة مع رفيقاتها على سطح الباخرة. مديحة في ستاد لينين رافعة ذراعها تحيي الطيور والمتفرجين.. مديحة! وضع الصور في ظرف. لها! يجتمع اليوم في سهرة في نادي الشرق، الطلاب الذين حضروا المهرجان.

جلس فوزي مقابل مديحة. يملأ بها عينيه! لكِ هذه الصور، ولكم نسخ منها فيما بعد! تكلموا كلهم في وقت واحد. الذكريات! لايسمع الواحد إلا من إلى جانبه! اصمتوا كي تسمعوا قصيدة ابراهيم: وداعا ياموسكو!

بلع ابراهيم ريقه فقرّبت مديحة له كأس ماء. أنشد حييا: نشر الملاح في اليمّ الشراعا، قبل أن أملأ عيني شعاعا، إنني أكره أن أهتف ياموسكو وداعا، فاعذريني إن أنا لم أرفع المنديل يوم السفر، هكذا عمر تلاقينا كعمر الزهر، لست أدري كيف مرت فرحتي النشوى كلمح البصر..

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:20 AM
.

في إحدى الصور التقط فوزي الفتاة التي تودع ابراهيم. كانت تبكي. فتح المهرجان لابراهيم دنيا لن يغلقها. سيسعى إلى منحة من المنح التي ستقدم لسوريا، سيختص وسيتزوج من فتاة ألمانية تشبه تلك التي ودعته!

سألته مديحة: هل تنكسر القصيدة لو حذفتَ "إنني" فقلتَ في بساطة أكره ياموسكو..؟ وقالت لنفسها شيئا آخر: البلاد الغريبة تعني لرجالنا الحب! تعني البياض والشقرة، واليسر في العلاقة بالمرأة! فيها لايجف ريق الرجل كي يلمس يد المحبوبة! هل لمحت المسارات التي سيتوه فيها قيس لاجئا من حب ليلى؟

اسمعوا ياشباب! زميل قيس، اسماعيل عبد الرحمن، حضر المهرجان! اسمعوا! وكان في غابات مقلتيك دمع، ذكرني حبيبتي بيومنا الأخير، في الساحة الحمراء، في لجة المحيط.. والسماء، كالقبة البيضاء، قرميدها أجنحة تدف في حبور، أنجمها زهور، جوقتها هدير، صداقة.. سلام، صداقة .. سلام....قصيدتي كتبتها بدمعي المرقرق السخين، فلتغفري صديقتي لحبك الأنين، فقلبه ملوّع حزين!

فتحت مديحة مجلة وأشارت لفوزي: أضف إلى ماسمعناه الليلة قصيدة نصوح فاخوري "موسكوفية". كتبها في موسكو خلال المهرجان: في دمي ألف سؤال، أين ضاعت في الزحام، عبر موسيقى الزحام، عينها الخضراء في كل رواح، عين ساشا الموسكوفية، عينها البكر الصبية..

أعاد فوزي المجلة لمديحة. ماذا تقصد؟ قالت له: يوجد إذن غزل صرف، نقبله إذا قاله أصحابنا ونرفضه إذا قاله نزار قباني! التفت إليها: عم تبحثين يامديحة؟ نظرت إليه: عن الحقيقة! قال لها: يبدو أننا، أنت وأنا، يامديحة نختار الطرق الطويلة! وقال لنفسه: لو أستطيع أن أردكِ عن الطرق التي لاعودة منها!

لن تنهي مديحة هذه الأمسية الحلوة التي جمعتها بفوزي، في حوار كئيب! روت له مداعبة: حكى لي صاحبنا النقابي أن شاعرا سوفيتيا كتب ديوان غزل بحبيبته. فقال ستالين عندما رأى الديوان، كان يجب أن تطبع منه نسختان فقط، واحدة للشاعر وأخرى لحبيبته! التقط فوزي دعابتها وهمس: كان أخونا النقابي يثقفك، لكنك لم تقدري جهده! كان فوزي، هو أيضا، راغبا في أن ينهي الأمسية بالمرح. فأنشد لمديحة همسا قصيدة غزل متداولة في السخرية، لم تسمعها مديحة بعد:

عيناك مطرقةٌ، وأنفك منجـلٌ

والبعـدُ عنك موقفٌ تكتيكـي

والخصرُ فيك منظمٌ ومؤدلـجٌ

لـم يرتبط بموقفٍ أمريكـي

أعطت أم غادة ابنتها القسيمة التي طبعت عليها صورة جميلة بو حيرد: خذي! عليها توقيعي. وهذه هي القسائم التي وقعتها نساء الجيران. وهذا ثمن الطوابع.

رافقت ليلى ومديحة غادة إلى مركز البريد المركزي الجديد، وأرسلن القسائم إلى الأمم المتحدة. جميلة بو حيرد مسألة إنسانية وعربية، وتعبير عن المقاومة المسلحة الجزائرية، عن روح السنوات الخمسين من القرن العشرين! جميلة بو حيرد أسطورة ومَثَل للشابات. يزيد في سحرها مايروى عنها من التفاصيل. في الصورة تحمل جميلة علبة، وتمشي مرسلة الشعر. لم تتجاوز العشرين من عمرها. في عمر الكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان، التي اشتهرت بروايتها "صباح الخير أيها الحزن" وسحرت بها الشباب. كتبت ساغان: كيف أقبل أن تعدم جميلة وحقها في الحياة أكثر من حقي! سيطلق العالم جميلة من سجنها، وستسجل غادة ومديحة بذلك انتصارهما! لكنهما لن تقابلا تلك الشابة الهشة الجسم التي ستزور دمشق بعد تحرير الجزائر. بل سيستقبلها خالد العظم! وستروي إحداهما للأخرى فيما بعد أن جميلة تزوجت من محاميها الفرنسي فيرجيس الذي سيعرف بالدفاع عن الوطنيين في العالم.

بدأت الثورة المسلحة الجزائرية في تشرين الثاني سنة 1954 وستستمر حتى الاستقلال في 5 تموز سنة 1962 وتملأ بأساطير المقاومة حياة جيل غادة وليلى. وسيسمعن فيها صوت زمن جديد لم يعد يقبل الاستعمار واستعباد الشعوب، وسيفخرن بأن ذلك زمنهن! بدا أن التراجع إلى مرحلة متخلفة من التاريخ الإنساني مستحيلا. لذلك لم يخمّن أبدا أنهن سيعشن زمن الانهيار والهزائم الكبرى في نهاية القرن! وانصرفن إلى ماأنضجته الأحداث من القصائد والكتب، وإلى ماجلته من قدرة الإنسان العادي على الصبر والبطولة. وتناولت الشابات في شغف القصائد التي تسربت من سجون الجزائر. كتب الشاعر مفيد زكريا في سنة 1955 في سجن بربروس في الزنزانة رقم 69 نشيد الجزائر، فأنشدته غادة ومديحة وليلى. فأصبح مثل "بلاد العرب أوطاني" الذي كتبه ذات يوم فخري البارودي، نشيد العرب من المحيط إلى الخليج. دمعت عينا الشابات عندما عزفته فرقة موسيقية جامعية وأنشدن:

قسما بالنازلات الماحقات
والدماء الزاكيات الدافقات

والبنود اللامعات الخافقات
في الجبال الشامخات الشاهقات

نحن ثرنا فحياة أو ممات
وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

فاشهدوا..

وسيطربهن أن تبثه الإذاعات العربية فيسمعنه وهن ماشيات في الطريق.

كان الشاعر مفيد زكريا قد رأى في سجن بربروس تنفيذ الأحكام بالإعدام في المقاومين الجزائريين. خرجت قصاصة ورق من ذلك السجن وتنقلت حتى وصلت إلى دمشق وقرأتها الشابات. كتب مفيد زكريا فيها عن الشهيد أحمد زبانه الذي نفذ فيه الحكم بالإعدام في سجن بربروس في تموز سنة 1955:

قام يختال كالمسيح وئيدا
يتهادى نشوان يتلو النشيدا

شامخا أنفه جلالا وتيها
رافعا رأسه يناجي الخلودا

وامتطى مذبح البطولة معرا
جا ووافى السماء يرجو المزيدا
.......
صرخة ترتجف العوالم منها
ونداء مضى يهز الوجودا

اشنقوني فلست أخشى حبالا
واصلبوني فلست أخشى حديدا

واقض ياموت في ماأنت قاض
أنا راض إن عاش شعبي سعيدا

أنا إن مت فالجزائر تحيا
حرة مستقلة لن تبيدا

وكتبت جريدة عربية أن جميلة بو عزة أنشدت في زنزانتها في السجن شعر مالك حداد الذي كتبه بالفرنسية: "أيحتاج الانسان أن يدفع كل هذا الثمن ليفهم؟

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:21 AM
.
أيحتاج لكل هؤلاء المعلمين ليتلقى هذا الدرس"؟

طوت مديحة الجريدة وقالت: لكن المقاومة المسلحة الجزائرية ليست فقط للعرب بل للعالم! اسمعوا قصيدة رثاء الجزائر! ثبتها الشاعر الاسكتلندي توماس كامبل الذي زار الجزائر وبقي فيها ثلاث سنوات، لشاعر مجهول:

ابكِ معي على مجدنا الذي ضاع

وأسلحتِنا وأعلامِنا التي ذهبت

فهؤلاء الأعداء نشروا أعلامهم على القلاع

حيث خلعوا أقفال خزائننا

وعيوننا تشاهد ذلك وتسبح في الدموع

بينما عيونهم تلمع وهم يحصون ذهبنا

.........

رمونا من حدائقنا ومنازلنا

سائلين بلا رحمة، قطعة من خبز

أبطالنا أصبحوا معزولين

أواه: هل أجد ثرى أدفن فيه رأسي الوحيد

حيث ينام أجدادي

فأنا لاأستطيع بعد اليوم أن أرفع عيني إلى الشمس!

قالت غادة: لاتؤدي هذه القصيدة تمرد الجزائر. فالحزن لايمكن أن يغلب الغضب والقهر! ياغادة، أردت أن أقول فقط إن البطولة والمآسي على أرض الجزائر تهزّ العالم اليوم. يوقظ العرب هناك ضمير العالم! تنهدت غادة: كم مرة يجب علينا أن نهزه ليفيق؟ احتل الإسرائيليون فلسطين والعالم يتفرج على ذلك حتى دون دموع!
هل زادت الاتفاقيات التي وقعها خالد العظم مع الاتحاد السوفييتي من التوهج؟ بدا أن الطلاب الذين اشتركوا في مهرجان موسكو حملوا معهم أكياسا من الأحلام. وكأنهم عادوا إلى بحار السندباد. الحق مع العرب الذين اتسعوا بالرحلات في الدنيا منذ صنعوا سفن الفينيقيين حتى ركبوا سفن ابن ماجد إلى الهند! هدف حصار سورية أن يمنع عنا القمح والسلاح؟ بل هدفه أن يقطع صلتنا بالدنيا! لذلك ستتفق ليلى ومديحة وغادة، بالرغم مما سيختلفن فيه، على جملة صغيرة: لافرح شخصي دون فرح عام!

كان الأسبوع مدهشا! تفرجت ليلى على فيلم "الطلقة 41" وعلى فيلم عطيل. وعلى فيلم الرز المرّ. وأعجبتها كيم نوفاك في فيلم بيكنيك. ملأت بالأفلام بعد الظهر طوال أسبوع. في طريقها إلى بيت غادة التي سترافقها إلى السينما صادفت أستاذ الجامعة أمجد الطرابلسي جالسا في مدخل بيته. مرّت في البرهة التي حملت فيها زوجته كأسين من شراب التوت الشامي ووضعتهما على الطاولة أمامه. ابتسمت ليلى للأستاذ. زوجته فرنسية ومع ذلك تعرف مذاق التوت الشامي بعد الظهر! كان ذلك تفصيلا من تفاصيل الحياة التي تسعدها. كأنما يقدم لها كأس التوت الشامي بلونه الرائع! لم يخطر لها أن المهرجان الأدبي الجامعي الذي جرتها إليه مديحة وغادة سيفسد مزاجها في ذلك المساء!‏

امتلأت قاعة واسعة في كلية الحقوق بالمستمعين. نظمت المهرجان المجموعة الثقافية في الجامعة. غرقت القاعة في الصمت وقت القراءة، وفي الضجة وقت التعليقات عليها. ارتفعت أيدي الطلاب الذين يطلبون المناقشة، ونطّ أصحابها في رشاقة إلى المنبر ليعرضوا آراءهم! ياللشباب الفوار! لايحسب أحد أن آراءه ستسّجل في ملفه!‏

سمعت ليلى اسمها في قصيدة. تقصدها؟ أنشدها طالب عيناه عليها. تلفتت. نعم، لها! اضطربت لكنها جمّدت ملامحها. وتساءلت هل وفقت في ألا تحمرّ؟ ولاحظت أن مديحة وغادة قلقتان أيضا. هل تنسحب من القاعة؟ ردّت على نفسها: إياك! تجاهليه! وثبّتتها كف غادة التي ضغطت كفها.‏

وقف عمر قرب باب القاعة. كان راجعا من لقاء جمع الطلاب الذين ينظمون المظاهرات الجامعية عادة. تحدثوا عن الوحدة وكانت المناقشة طويلة وقاسية. ستفرق أكثرهم الأحداث، وسيندمون على حماستهم، وسيقول بعضهم فيما بعد: أتينا بالدبّ إلى كرمنا! وسيتذكرون في أسى ذلك الاجتماع الذي جرفتهم فيه الحماسة وأغضب فيه بعضهم بعضا. سيقول أحدهم لعمر فيما بعد: كنتَ أعقل منا، وأبعد نظرا! وسيردّ عمر: لو تقدم لي بدلا من هذا الاعتراف هدية صغيرة! وسيسأله زميله القديم: على عيني، اختر ماتريد! فيقول عمر: اجمع لي من أصحابك ثلاث سنوات من الشباب! فليتبرع كل منكم بأشهر مثلا! بعد ذلك الاجتماع اجتاز عمر الممرات الطويلة إلى قاعة الحقوق ليطلّ على المهرجان الثقافي. سمع ذلك المقطع من القصيدة ورأى وجه ليلى يحمرّ. ولاحظ أن غادة أمسكت بيدها. كيف يخفّ إلى نجدتها؟ ماذا يستطيع أمام شاب يبوح علنا بحبه؟‏

رآها في نهاية المهرجان تنفلت من القاعة كأنها تتحرر من قفص. عند باب الجامعة أمسكت بها غادة التي ركضت خلفها، وجرّتها إلى معرض اللوحات في النادي. افتتح اليوم، تعالي! لنبتعد عن صخب المهرجان!‏

تنقلت ليلى مع غادة بين اللوحات التي رسمها الطلاب. ماهذا؟ أنتِ، رأسك، شعرك، كتفاك، أنتِ على مقعد المكتبة.. رسمك مواربة! توهج وجه ليلى. تركت غادة وخرجت مسرعة. لقيها عمر على باب النادي: ليلى، انتظري! مشى معها: طلبوا مني أن أوصل لك رسالة! ماهي؟ قال: طلب مني زميلك في الصف أن أبلغك أنه يحبك ويريد.. التفتت ليلى إلى عمر غاضبة: أنت أيضا ياعمر؟ ألا يكفي هذا في يوم واحد؟! أدهشتها خيبة عمر. فهدأت غضبها، وصمت عمر فسمعا صوت خطواتهما. سألته: ذاك الذي يجلس دائما مواربا في المدرّج؟! أم ذاك الذي يجلس مواربا في المكتبة؟! قل له كيلا تجرحه، إن مايحس به سحابة صيف! ياعمر أكاد أختنق اليوم من الحب! اعتراف بالحب من منبر يشهد عليه ألف شخص! وفوق ذلك لوحة معروضة في النادي! ماهذا الحب الذي يسلك دروبا معقدة؟! يخجل من البوح مباشرة، ولايخجل من الإعلان أمام حشد! أتمنى أن أعيش زمنا في مجتمع آخر ليست فيه عواطف معقدة! لابد أن أكمل دراستي في بلد اوروبي لهذا السبب أيضا! تأملها عمر. ليته يستطيع أن يقول لها ياليلى، لو كان ذلك البوح لفتاة أخرى لما طربتُ له!‏

هل أربك عمرا أن يطلب مساعدته في الوصول إلى ليلى محبّ؟ بل استمع إلى زميلها مستمتعا بلهفته. لأنه تحدث عن ليلى في وجد. ولأنه يخمّن جوابها. ولأن ذلك أبعده عن المناقشة التي بقيت جروحها عليه بعد اجتماع الطلاب. قال عمر في هدوء: شبابنا مساكين ياليلى! لايستطيعون أن يسلكوا طريقا قصيرة إلى الفتاة التي يحبونها! نظر إليها كمن يكتشف عاطفة جديدة من عواطفها. ليلى شابة، تظن الزمن لها، ولاتستعجل حتى الحب! قال في هدوء: لاتطردي من قلبك الرحمة ياليلى، أبدا! لاتضيقي بالناس ولو كانوا محبين لاترغبين فيهم! أكان يمكن أن تخمّن أنها بالرغم من كثرة المحبين لن تجد حبيبا تعيش معه؟!‏

كان عمر بعد المناقشة التي غرق فيها قبل المهرجان الأدبي يحتاج الوحدة. لكنه لن يترك ليلى مضطربة. ماذا حدث ياليلى؟ ارفعي عينيك وانظري إلى ماحولك! لأول مرة يراها عمر بين الغضب والكآبة. سألها: يزعجك أن أوصلك إلى بيتك؟ مشيا صامتين. سبب الشجن أنها محبوبة؟ نستمع ياليلى إلى الكلام، ونرى ماحولنا، نجيب ونحاور، لكن بيننا وبين أنفسنا حوار آخر سري. فماذا كان حديثك مع نفسك؟ أين توقف، وإلى ماذا انتبهتِ؟ هل أسرعتِ إلى المستقبل فخفتِ؟ أم عدتِ إلى الماضي فالتقطتِ فيه خيبة ما؟‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:22 AM
.
قبل المهرجان الأدبي كان عمر يناقش زملاءه. الوحدة حديث الناس! لكن ماموقفنا نحن الطلاب؟! نحن قادرون على التفكير في هدوء، وعلى قياس الفرق بين الوحدة والاتحاد. لماذا يجب أن تكون اتحادا لاوحدة؟ لأن لكل من مصر وسورية ظروف خاصة. في سورية حريات وأحزاب، تجمع قومي في المجلس النيابي، جيش يقوده تجمع الضباط، يدعم الاتجاه الوطني. سوريا مرتبطة باتفاقية اقتصادية كبيرة مع الاتحاد السوفييتي. سوريا تمنع إسرائيل من تحويل المياه العربية. موازنة الجيش في سوريا 55% وفي مصر 17% الحريات مقننة في مصر، والنظام رئاسي يلغي دور المؤسسات الدستورية. الاستفتاء ليس انتخابات! لكن عمرا واجه عواطف وحماسة تسوق إلى الوحدة. يفهم أن تأميم قنال السويس، وبناء السد العالي، وتسليح الجيش من البلاد الاشتراكية، وخطابات عبد الناصر الملتهبة، مقدمات تسهّل اختيار الوحدة. يقول في سره: ياللجهل! لكنه يتبين أيضا أن كلا من القوى السياسية التي كانت متآلفة في جبهة تتصور أن الوحدة ستخلّصها من منافسيها وتقدم لها ساحة خالية منهم. وجد عمر نفسه يختلف مع أصحابه الذين سجنوا معه في تدمر. قال لهم: سينفذ باسم الوحدة مالم تنجح فيه المؤامرات على سورية! عبد الناصر ليس رجلا وطنيا فقط، بل رئيس ذو صلاحيات لايقيدها الدستور كما يقيد الدستور في سورية الرئيس! كأن عمرا كفر! من يجسر على المسّ بعبد الناصر؟ كادوا يضربونه! قال: ياإخوتي، يازملائي، ياعيوني، لم أشتم الرجل، ولم أقل إنه غير وطني بل قلت إن سلطاته غير مقيدة! فهل نعود إلى أزمنة الحاكم الذي يستمد سلطته من الإله لامن الشعب لذلك لاتجوز مناقشته؟‏

كانت الصورة الخفية على ليلى مكشوفة لعمر. تتصل السفارة المصرية بالسياسيين السوريين، وتؤكد لكل منهم أنها تعتمد عليه فقط فتثيره على حلفائه وزملائه. وتحرّض السياسيين على الضباط وتعدهم بأنها ستبعد الجيش عن السياسة. لاتؤسّس الوحدة على احترام التمايز بين البلدين، وعلى مؤسسات دستورية، بل على الثقة بعبد الناصر. لم تحدد مسؤوليات نواب الرئيس والمجالس. واضح أن السلطة العليا ستكون للمصريين. عبد المحسن أبو النور يثير السياسيين السوريين واحدا على الآخر ويخرّب الضباط. من الضباط الذين يفرقهم عبد الناصر؟ الضباط الذين تماسكوا أمام حلف بغداد والحشود التركية والأسطول السادس، وسندوا الديمقراطية، وسندوا بور سعيد، وسعوا إلى صفقات الأسلحة السوفيتية في صمت وأخذوها في صمت، وأفشلوا مؤامرة ستون الأمريكية. بدا كأن هدف الانقلاب: الخلاص من الشيوعية! والحقيقة: الخلاص من الجيش الوطني والسياسيين الوطنيين الذين اتفقوا مع عبد الناصر على الوحدة! هذا مايفعله ناصر! ينفذ مافشل فيه ستون! لايقدّر أن العواطف الوطنية هي التي أوصلت سوريا إلى الوحدة. سيقول عبد الناصر: أنقذت الوحدة سورية من الإفلاس. وسيقول زكريا محي الدين: في سورية تشكل الشيوعية خطرا، أما في مصر فهي مشكلة فقط فنحن نعرف جميع الشيوعيين. وسيقول عبد الناصر فيما بعد: عملنا الوحدة كي نخلص سورية من الشيوعية. فأين كلمة خالد العظم في الرد على المذكرة الأمريكية: ليس الخطر علينا من الشيوعية والاتحاد السوفييتي بل من إسرائيل! كان يجب أن يقول عمر لزملائه الذين حاوروه: هذه حجج أمريكية، لتصفية اتجاه سورية الوطني! لتصفية الجيش والصحافة في سوريا، ولجم سوريا بعد فشل الأحلاف! لمنع تنفيذ الاتفاقية الكبيرة مع الاتحاد السوفييتي! في ظروف المدّ الوطني لاتؤخذ سوريا من اليمين. تؤخذ فقط من اليسار، باسم الوطن. يستطيع عبد الناصر برصيده الوطني أن يغيّر البنية السياسية والعسكرية السورية. ويطبق مافعل في مصر حيث صفى الضباط ذوي الرأي المستقل واليساريين وفرق بعضهم في الوظائف المدنية وسجن بعضهم وطارد الأحزاب. لكن هل يستطيع عمر أن يعلن ذلك كله؟ قال: تذكّروا أن ايزنهاور قال إن النفط العربي مصلحة استراتيجية أمريكية. وإن سورية معبر النفط إلى البحر الأبيض المتوسط وتخومه. لذلك يجب ألا تكون منطقة نفوذ سوفيتية، أي يجب ألا تقيم علاقات متكافئة بالاتحاد السوفييتي! تذكّروا أن مووز، السفير الأمريكي، كان قلقا من اتجاه سورية الوطني!‏

كان قلبه ثقيلا. قدَر السياسي الصراع بين الحقيقة التي يعرفها، وبين مايستوعبه الزمن من التعبير عنها! يحكي السياسي الكلمات المناسبة للزمن! الكلمات الضرورية فقط! لأن الزمن قاضيه ومحكمته. لايجوز أن ينشر تفاصيل الحقائق، أو أن يعرض هواجسه. مع أن الأزمنة التي تتقدم بعده وتستطيع أن تستوعبها تحاسبه لأنه لم يقل الحقيقة كاملة. لكن عمرا ليس رجل سياسة، بل مواطن يتابع الحقائق ويشعر بحقه في أن يكون ذا موقف مما يمس مصير وطنه. لايستمتع بأمجاد السياسيين، ولايلتزم بما يصمتون عليه من الحقائق، ولايضيع في التنافس الذي يشغلهم. لكنه يتحمل أخطاءهم! لايقاسمهم غنائمهم، لكنه يشاركهم في خسائرهم! لذلك لايستطيع أن يقول الآن: حاول الإخوان المسلمون اغتيال عبد الناصر لأنهم لم يوافقوا على اتفاقية الجلاء. لايستطيع أن يقول إن اتفاقية الجلاء اعترفت بحق الانكليز في العودة إلى القنال في حالة حرب. لايستطيع أن يقول إن نتيجة العدوان على بور سعيد هزيمة عسكرية بينت أن الجيش المصري لم يحارب إلا كبطولات فردية ومبادرات فردية، وأنه فقد طيرانه على الأرض. مجموعات المقاومة الشعبية في بورسعيد التي قادها الوطنيون وبعض الضباط كأفراد هي التي حاربت المحتلين. لايستطيع أن يقول إن إسرائيل كسبت الحق في الملاحة بعد العدوان! لايستطيع أن يبوح بالحقائق التي يعرفها حتى تنضج ثمارها المرّة. لايستطيع أن يقول إن اعتماد عبد الناصر على المؤامرات لتفريق الوطنيين والسياسيين في سوريا ليس سياسة وطنية. يركز حديثه على الفرق في الظروف الموضوعية بين سوريا ومصر، وعلى ضرورة المؤسسات الديمقراطية والمساواة في الحقوق كي تكون الوحدة سليمة وجذابة. ينبّه إلى ضرورة الديمقراطية. ويذهله أن الأطراف التي يطمئنها عبد الناصر إلى دورها ضد الأخرى، تؤمن بأنها ستملك البلد إذا ضربت حلفاءها!‏

ترك عمر تلك المناقشة في قاعة من قاعات الجامعة مؤمنا بأن الأيام القادمة صعبة. وقال لنفسه عندما وقف عند باب قاعة كلية الحقوق، واستمع إلى قصيدة الغزل بليلى: قد يكون هذا الاجتماع آخر اجتماعات المجموعة الثقافية! سيلغى هذا النوع من التجمعات الحرة! على الباب أمسك به زميل ليلى كمن يمسك بمنقذ. فابتسم في مرارة: أنا منقذ، الآن؟! قال له زميلها: أرجوك ياعمر. أنت صديقها. وطلب منه أن يوصل لها اعترافه بالحب ورغبته بالزواج منها. قال عمر في نفسه: أغبطه على راحة البال! يفكر بالزواج، والبلد كلها على كف عفريت!‏

قال عمر لليلى مبتعدا عن المحبين والحب: ياليلى، أفيدي إذن من المنحة، وانصرفي إلى الاختصاص الذي تختارينه! ماذا خطر له كي يتذكر المنح والاختصاص؟ التفتت إليه متسائلة فهز رأسه. وفهمت أنه قال ذلك بعد حديث طويل مع نفسه. هل كان يخمن أن الكلمات التي قالها في الاجتماع بأصحابه في قاعة من قاعات الجامعة ستسجل كدليل على أنه ضد الوحدة العربية والقومية العربية؟‏

كانت ليلى تفكر في المنح التي عرضها الاتحاد السوفييتي للدراسة. وأرضاها أن تلتقي أمنيتها باقتراح عمر. سألته: تشجعني إذن على الاشتراك في مسابقة انتقاء المبعوثين؟ رد: نعم ياليلى، هذه فرصة علمية جيدة!‏

وسيحتفي عمر بنجاح ليلى في امتحانات البعثة إلى الاتحاد السوفييتي. وسيقول لنفسه: لعلها آخر بعثة يختار أعضاؤها بمسابقة عامة! وستبتعد ليلى عن العواصف التي ستجرف سورية في تلك السنوات! سألها: اخترت الموضوع الذي ستختصين فيه؟ نعم، ياعمر: كسور العظام! جسم الإنسان وحدة متناسقة، لكني ماأزال أتذكر وصايا المعلمات لنا: اجلسن جيدا كي يستقيم عمودكن الفقري! فأكاد أراه يقوم بهيكله العظمي!‏

مشيا زمنا صامتين. ثم قال: في هذه البلاد المتقلبة يلزمك عمل يطعمك الخبز، عمل لايستطيع أحد أن يسلبه منك! أنا سعيد لأنك اخترتِ الطب! وسعيد لأني اخترتُ الطب!‏

هل استطاعت غادة ومديحة وليلى أن يحجبن عن عمر تفاصيل حياتهن، فبقين في حرملك جديد؟ قال لنفسه: ذلك يشبه "غرفة الطالبات" في نادي الجامعة. لهن غرفة لاأدري ماذا يفعلن فيها، وللطلاب المدى خارجها. هكذا هي الأمور في الحقيقة! لكنه راقبهن وخيل إليه أن كلا من غادة ومديحة تحاول أن تكسب ليلى. قال لها: نصيحتي، إياك! أترين هؤلاء الذين يطلبون الحريات والديمقراطية؟ هؤلاء أول من يكسرها في أحزابهم! سليمان مثل من الضحايا! ابتسمت ليلى: كأنك أمي! قال: الأفكار عظيمة، لكنها تحتاج إلى حمّالين في مستواها! ابقي في المدار، لاتتجاوزيه! سألته: سجنتَ في تدمر، فهل كنتَ في المدار؟ ياليلى، لست مسؤولا عن ظنون جماعة الشيشكلي! لازلتُ في المدار! أنا مع الجميع في المشروع الوطني. وأختلف معهم جميعا في التفاصيل. أقدّر مثلا تضحيات كل منهم وبطولاته التي يتجاهلها الآخر! كانوا معا في السجن أيام الشيشكلي، ومع ذلك لايتحدث أحد منهم إلا عن بطولته كأنه الوحيد الذي كان هناك! وتذكري أننا في كلية الطب، ولاوقت! لي هذه النصيحة، ياعمر؟ وأنتَ؟!‏

هل قال ذلك لأنه ضيع مساء الأمس في اجتماع بنقابي آخر عائد من بلد اشتراكي؟ استمع إلى الرجل في انتباه. لكنه لم يستطع أن يتذكر من كلامه إلا "ستراتيجية، تكتيك". وبعض جمل أخرى تتهم المثقفين بأنهم مترددون ثرثارون لايعتمد عليهم. والطبقة الوسطى بأنها مذبذبة. لذلك لايقوم المجتمع إلا على العمال والفلاحين! لم يكن جذابا. سأله عمر جادا وساخرا عن الحياة في البلد الاشتراكي الذي زاره. فردّ: أتمنى لبلادنا مثل تلك الجنة! حلّ المجتمع الاشتراكي مشاكل الناس! تناول النقابي من جيبه ورقة قرأ منها عدد المختصين في الهندسة والعلوم. فتذكر عمر تقرير خروشوف السري إلى المؤتمر العشرين الذي نشرته جريدة البعث. يبدو أن التقرير لم يصل بعد إلى هذا النقابي! بعد اللقاء سألت مديحة عمرا: أعجبك الاجتماع؟ لمسه صدقها وقال: عظيم! لكني تصورت أن مجتمعنا يكاد يسقط لأنه دون أعمدة! يعني دون طبقة عمال قوية! وحيرني أن تكون الولايات المتحدة، وهي قائمة على العمال، بلدا استعماريا! يبدو أن صاحبكم لايعرف أن الطبقة الوسطى صمام أمان في المجتمع. ومنها في سورية أعضاء الأحزاب الوطنية! هل من ترسلونهم إلى المؤتمرات أذكياء مثل هذا النقابي؟!‏

استمعت ليلى إلى نصيحة عمر. وفهمت غيرته عليها. لاتجهل أنه يضيّع أحيانا وقته في لقاء بجماعة وفي اجتماع بأخرى كأنه يتقصى التفاصيل! يجذب عمر ليلى بهدوئه وحكمته. يرى الحدث بماضيه ومستقبله. لذلك ميّزته من غادة ومديحة. الاثنتان ساحرتان بعواطفهما. كل منهما مستعدة للموت في سبيل مشروعها. تحلم مديحة بأن تصبح سورية اشتراكية كالاتحاد السوفييتي. لاأغنياء فيها ولافقراء. صناعية، ذات معاهد علمية. فيها العلم والصحة والعمل والسكن حق كل إنسان. فيسألها عمر مداعبا: لو تفسرين لي معضلة من كل حسب عمله ولكل حسب حاجته. ثم يقول لها: الاتفاقية التي وقعها خالد العظم مع الاتحاد السوفييتي تحقق إذن الاشتراكية! وكان يداعب غادة بأسئلة مثلها عن الاشتراكية العربية. لكن عندما "ستسلق" الوحدة، كما قال عمر، سيثير الحوار بينهم الحذر وأحيانا الغضب سواء كتموه أم أعلنوه. وسيقترح عمر: لنتفق على ألا نضحي بصداقتنا. فقد تبدو أفكارنا ومواقفنا الآن ثابتة إلى الأبد، لكنها لن تبقى هكذا! هل أقنع المستمعين إليه يومذاك؟ سيدهشه أن يلاحظ نظرات تحمل الحقد، ونظرات تتوعد بالانتقام. وسيتساءل أحقا لم يبدأ بعد الصراع بين حلفاء الأمس وأصدقاء الأمس؟ وستقف ليلى وقتذاك إلى جانبه. هل لاحظتْ يومذاك الحقد عليه؟ ألذلك قالت له: فلنكن ياعمر متفرجين!‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:23 AM
.
كان وفد مجلس الأمة المصري قد زار المجلس النيابي السوري في تشرين الثاني سنة 1957، وترأس السادات الجلسة. وكان وفد من المجلس النيابي السوري قد زار مصر في 31 كانون الأول سنة 1957 وقرر المجلس اتحادا فيدراليا بين مصر وسوريا. لماذا تغير ذلك فجأة؟! قرر الضباط وحدة فورية، كاملة. اجتمعوا في مكتب البزرة وأرسلوا وفدا إلى عبد الناصر. ولم يخبروا بسفرهم حتى وزير الدفاع خالد العظم ورئيس الجمهورية شكري القوتلي!‏

بدا كل من يبحث الوحدة خائنا! لو قال عمر: حزب الشعب أراد الوحدة ليتخلص من الضباط، وأراد البعثيون الوحدة ليتخلصوا من حزب الشعب، وأراد الضباط الوحدة ليتخلصوا من المؤامرات الأمريكية ومن السياسيين.. لقيل له تخون قضية العرب الكبرى، وتتحدى عواطف الناس! صحيح! لكن من أطلق تلك العواطف؟ اسكت! في جميع الأزمنة قد يجد الصادقون أنفسهم وحيدين!‏

- ينظم السفير محمود رياض، وكمال رفعت والمخابرات، وعبد المحسن أبو النور، مراكز لهم في سورية. لايفهمون أن الوطنية هي التي دفعت السوريين إلى مصر! اشترط عبد الناصر حل الأحزاب وإبعاد الجيش عن السياسة. لأنه لايفهم أن سورية مسيّسة دائما. وأن الأحزاب تعبر عن اتجاهات لايلغيها قرار.‏

- لايستنتج الضباط الذين ركضوا إلى عبد الناصر في منتصف الليل أنهم سيطيرون؟‏

- قال عفيف البزرة: نحن ضمانة!‏

- ضمانة؟ هل سيبقون في أمكنتهم؟‏

قالت مديحة: هدف الوحدة التخلص من الشيوعيين. لأن مشروعهم التحرر والعدالة، والجبهة الوطنية الواسعة. لايفهم عبد الناصر المستنقع الذي يندفع إليه. ردت عليها غادة: لستم أقوياء كي تكونوا خطرا يجب التخلص منه. لم تستطيعوا أن تُنجحوا نائبا واحدا في الانتخابات التكميلية! الوحدة يامديحة حلم عربي لم يخترعه جيلنا، بل ورثه! تظاهرنا ضد عبد الناصر عندما خنق الحريات في مصر. وكنا ضد الوحدة مع عراق نوري السعيد! لكن تأميم قنال السويس وتسليح الجيش وسياسة عدم الانحياز أسست الشروط للوحدة مع مصر! لاتحتكري الوحدة ياغادة! لم يخترع شعار الوحدة حزب معين، بل ولد من الواقع الموضوعي. لكن الغيور على الوحدة، والراغب في استمرارها يفكر في تأسيسها على قاعدة متينة. ظروف سورية مختلفة عن ظروف مصر. مستوى دخل الفرد في سورية أفضل من مستوى الدخل في مصر. في سورية مجلس نيابي وانتخابات وأحزاب وصحف. وفي مصر حكم فردي وقمع. كان يجب أن يُحترم هذا التمايز. يامديحة، لاتتصوري أننا لانعرف هذه الحقائق. لكن ثقتنا عميقة بناصر، والوحدة أثمن من أن تقف أمامها عراقيل ولو كانت منظمتنا الحزبية! هذا كلام عاطفي، ياغادة. أما أن هدف الوحدة تخليص سورية من الشيوعية فقد أذاعه أمس راديو دمشق. وقال ذلك أيضا عبد اللطيف البغدادي.‏

شعر عمر بالشفقة على غادة ومديحة. لن تقنع إحداهما الأخرى. لو يقول لهما إن المشروع هو صرف السنوات القادمة بعيدا عن مواجهة خطر إسرائيل! لو يذكرهما بالمذكرة الأمريكية التي طلبت من سورية أن تنضم إلى حلف فيه إسرائيل للدفاع عن الشرق الأوسط ضد خطر الشيوعية والاتحاد السوفييتي! وبردّ صلاح الدين البيطار يومذاك: الخطر علينا إسرائيل، أما الخطر من الشيوعية والاتحاد السوفييتي فغير موجود! سيتساءل عمر في السجن، فيما بعد، ألا تنفّذ هذه الحملة التي يندفع فيها عبد الناصر، المذكرة الأمريكية التي رفضتها سورية قبل الوحدة؟! ولن تكون مديحة وغادة أمامه وقتذاك ليتابع معهما الحوار!‏

كان الضباط قد رجعوا وبلّغوا السياسيين باتفاقهم، وسافر القوتلي وبعض الوزراء وعقدوا ميثاق الوحدة: دولة واحدة، مجلس واحد، علم واحد.. واجتمع المجلس النيابي وأقر الوحدة دون مناقشة. وحضر رشدي الكيخيا، الذي كان قد استقال من المجلس، جلسة 5 شباط التي وافق فيها المجلس على الوحدة محتفيا بأن الوحدة ستخلصه من الجيش! انتهى التجمع النيابي السوري، وأيام الديمقراطية! انتهت مرحلة وبدأت أخرى! الأمس هو اتفاقيات خالد العظم مع الاتحاد السوفييتي على تصنيع سوريا بأربعين مشروع كبير. والتسلح من البلاد الاشتراكية. والحريات. والمقاومة الشعبية وحفر الخنادق. لليوم أهزوجة أخرى: "بدنا الوحدة باكر باكر، مع الأسمر عبد الناصر"! ماأغرب أن تطوي الأحداث العامة صفحات من الحياة الشخصية!‏

في 21 شباط جرى الاستفتاء على الوحدة وعلى رئيس الجمهورية. نتيجة الاستفتاء 98%. استعملت الهويات مرات. لم يدقق أحد إحصاء الأصوات. لكن حماسة الشارع إرهاب يمنع أن تقول الحقيقة. في 24 شباط وصل عبد الناصر إلى سورية. احتشد الناس أمام قصر الضيافة. وكانت منهم غادة. على الشرفة وقف السراج قرب عبد الناصر. من بعيد عرض على الناس شيكا قيل إن الملك سعود حاول به رشوة السراج. فهتف الناس وصخبوا. وقف عمر في طرف الساحة. تساءل: أيمكن أن يستمر هذا الفرح الذي يغلي الآن؟ من يستشف المستقبل لايستطيع أن يبوح بما يعرفه! خطب عبد الناصر واستمع إليه عمر. هل مهارة ناصر في الحديث إلى الناس هي التي تسحرهم؟ بل مايستند إليه! تأميم القنال، والمقاومة في السويس، وصفقات الأسلحة من السوفييت، ومؤتمر باندونغ! قال لنفسه: سأقرأ خطابه في هدوء! وصل لبنانيون ليسمعوا عبد الناصر ويباركوا بالوحدة. وشعر عمر بأن في الجماهير مالايجسر على البوح به الآن حتى لنفسه. يعتد السياسيون الوطنيون بالجماهير ويستندون إلى الشارع؟ الجماهير ليست الشعب المقدس فقط! قد تكون الجماهير قطيعا من الغوغاء! وقد تعطل الحماسة فكرها! تنهد عمر: انتهى زمن وبدأ آخر، فلماذا لاتتبدل الجماهير أيضا من حال إلى أخرى؟‏

بعد عقود سيكتب أحد الشهود: في الاجتماع في مكتب البزرة قال ضابط: لو طلب مني ناصر أن أقصف حلب لقصفتها. فقاطعه أحمد عبد الكريم: أنا لن أقصفها! أهكذا تغيّب الحماسة العقل وتلغي الوجدان؟ أليست هذه هي الغوغائية التي قصدها عمر؟ لن يكتشف السياسيون أن الدراسة والعقل والحكمة يجب أن تحكم القرارات، إلا بعد خراب البصرة! لايمكن أن تُحرَق المراحل التاريخية والظروف الموضوعية دون أن يحترق الناس!‏

سرّح أربعة وتسعون ضابطا. ووضعت تنقلات ضباط آخرين على أساس تقرير عبد المحسن أبو النور لعبد الحكيم عامر. فرفض البزرة التنقلات واصطدم بعبد الحكيم عامر. اتهمه عامر بأنه يضع عشرين ضابطا شيوعيا في مراكز قيادية. عشرين؟! في اليوم التالي قرأ البزرة في الصحف استقالته! انتهى دور الضباط الذين فرضوا الوحدة!‏

بعد جلسة المجلس النيابي التي وقع فيها النواب على الوحدة جلس قيس في مقهى الكرنك. قال رأيه: الاتحاد الفيديرالي هو الطريق السليم، لاالوحدة الفورية! ردّ عليه المحامي نجيب: يكفيكم خزيا أنكم ضد الوحدة! ردّ قيس: يكفي هذه الوحدة خزيا أن رشدي الكيخيا حضر جلسة المجلس النيابي التي وافقت عليها! هل يفهم قيس أن ماقاله في مستوى الكفر؟!‏

استدعى عرفان قيسا: وصلت إلينا ثرثرتك. انتبه! إذا استمر كلامك الطائش فستبقى في سجن المزة حتى تحرير الأردن! أجاب قيس: سيسعدني أن أكون في سجن المزة إذا تمكنتَ أنتَ من تحرير الأردن! إلى من يستند قيس؟!‏

في تلك الليلة تحدث قيس مع فرج الله زمنا. شبه سوريا بولاية كيرالا الهندية. سورية الآن رمز! يجب أن يبقى في الأرض العربية مكان للحلم! قال له فرج الله: قم، اكتب ماقلته! بعد سنوات طويلة سيجد العرب وبعض الغربيين جنوب لبنان مكانا للحلم! وخلال الانتفاضة ستصبح فلسطين مكان الحلم! وفي لحظة غزو العراق ستبدو المقاومة العراقية مكان الحلم!‏

قطعت الأفراح بثورة العراق في 14 تموز تلك العتمة! سمعت ليلى صوت عمر في التلفون: ياليلى، في العراق ثورة قلبت الملكية! تركت ليلى السماعة ونادت أمها: منور! سقط نوري السعيد وعبد الإله والملك! نعم، سقط الذين عانت سورية من مشروعهم للوحدة! أية هزة زلزلت الغرب! استدعى كميل شمعون السفير الأمريكي. يبدو أنه وافق على التدخل الأمريكي أو أنه طلبه. خائف من ثورة العراق! في لبنان الآن إنزال أمريكي! وفي الأردن إنزال بريطاني!‏

في المساء استقبلت ليلى وأمها عمرا. كم تبدو هذه الأشهر سريعة وعاصفة! قال عمر: مع ذلك لاتزال الأحلام تملأ الجو! سألته ليلى: البيضاء أم السوداء؟ قال: يراقبون جميعا الأحداث في العراق، وينتظرون مصير الإنزال في لبنان! نظر إلى صورة أبي ليلى وإلى صورة أخيها. ولمح صورة ليلى وهي صغيرة، وإناء زهر فيه كثير من الزنبق الأبيض الذي عبق في الصالة. لماذا يتأمل مايراه من بيت ليلى كالمسافر؟‏

- هذا فقط ماتريد أن تقوله لي ياعمر؟ في فمك كلام آخر!‏

- ياليلى، كنت أفكر بأن العلم السوري لم يعد موجودا!‏

لم يقل لها إنه يتوقع كارثة لم تحلم بمثلها الأحلاف! لماذا يقلقها بنبوءة شخصية! قال: احتج الاتحاد السوفييتي على نزول القوات الأمريكية في لبنان. وهذا مهم لأنه قوة عالمية. وأعلن فؤاد شهاب أنه إذا انتخب رئيسا سيطلب خروجها. وستبقى القوات الأمريكية في لبنان أربعة أشهر.‏

قالت ليلى لمنور: يصعب السفر إلى العراق. فلماذا لانسافر يومين إلى لبنان؟ سألها عمر: والإنزال؟ تدخلت منور: تفكر ليلى في لبنان ولاتنتبه إلى أننا لم نقدم لك ماتشربه! عندي شراب الرمان. طيب، حضّرته بنفسي. وحضّرت لك ياعمر كنافة بالجبن أعرف أنك تحبها، مع أن الطقس حار!‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:23 AM
.
قال عمر لنفسه: ستؤخّر ثورة تموز في العراق دمج سورية في مصر! وقد تغيّر مجرى الوحدة نفسها! لكن هل يمحو ذلك الخيبة التي شعر بها وهو يستمع إلى خطاب عبد الناصر في ساحة قصر الضيافة في دمشق؟! جرحته دموع غادة التي سالت على خديها وهي تصغي إلى عبد الناصر. وأغاظه هيجان الناس. بدا كحجر وحيد بارد وسط تلك الجموع. ولم يستطع الانسحاب في سهولة. هل كان وحده على صواب وذلك الخلق كله مخطئ؟! لذلك سيعود إلى ذلك الخطاب ويقرأه في هدوء مرات. وسيثبت لنفسه أنه على حق! ولكن من كان يستطيع يومذاك أن يناقش الأسس التي يفترض أن تبنى عليها وحدة بين بلدين لكل منهما مساره الخاص؟ من كان يمكن أن يقبل ملاحظات خالد العظم الهادئة ومشروعه لوحدة واسعة وجذابة؟ سيقلّب عمر خطابات عبد الناصر فيما بعد. وسيتساءل لماذا سحرت العرب. وسيرى أنها كلمات عادية استخدمت الحماسة واعتمدت التكرار. وسيلوم نفسه لأنه صفق لها ذلت يوم. لكنه بعد ذلك بسنوات سيتصفحها مرة أخرى. وسيقول لنفسه: سمع العرب لأول مرة من رئيس عربي دعوة علنية إلى مقاومة دول كبرى استعمارية، وإعلانه أنها لاتخيف الشعوب! خاطبهم كأمة من الخليج إلى المحيط، تملك أرضا واحدة لهم ثرواتها! لم يكونوا مخطئين إذن في حماستهم له! لأنه أنعش ماتعلموه في الكتب: أنهم أمة ذات أمجاد، سطا عليها الانتداب والاحتلال وهدّدها بأشكال جديدة من العبودية! ستبدو له جمل عبد الناصر بسيطة وصيغه ساذجة وهو يقلّبها. لكنه سيتساءل هل يتصور الزعماء في ذروة قوتهم أن كلماتهم تذوب في الفضاء، ولن يفحصها جيل آخر بعدهم؟ وهل يجوز أن يعتمد الزعماء استثارة الناس بالعواطف وتنويم العقول؟ سيكره عمر "إن" وسيحاول ألا يستخدمها في رسائله. وسيحاول ألا يستخدم المترادفات في كلامه. وسيوجز جمله. وستقول له ليلى: لايفهم من يستمع إليك مافي قلبك! وعندئذ سيذكر لها أنه يحتفظ ببعض خطابات عبد الناصر التي تتصل بأحداث حياته، كأنها أوراق شخصية. وسيذكر لها أنه لم يعد يطيق التكرار والتفصيل والمترادفات. وسيتساءل دهشا كيف صفقت تلك الحشود العربية لخطابات بسيطة يمكن أن تختصر ببعض الجمل. وستقول له ليلى: تذكّر أن تراها متصلة بأهواء زمنها!‏

كانت الأوراق التي نشرها أمام ليلى صفراء. فقالت له: كم هي قديمة! فردّ: مرت عليها عقود، هي عمرنا! تصفحتها ليلى ولم تكن راغبة في قراءة كل جملة منها، ثم وجدت أنها تقرأها. ورآها تهزّ رأسها. هل يريد عمر أن يصور أن تلك السنوات كانت سطحية وباهتة؟ رفعت رأسها إليه: ياعمر، كانت تلك السنوات متوهجة وغنية. لكن التعبير عنها يحتاج صفاء الروح والكفاءة. وربما يحتاج أيضا الجرأة والعدالة. أسّست تلك السنوات ما عاشته المنطقة فيما بعد، وكانت حاسمة! ولعلها كانت التمهيد لهزيمة حزيران القاسية وللصحو الحادّ بعدها! عندما قرأتُ مقاطع من تاريخ روسيا في أيام القيصرية شعرت بالغيرة. رأيت تحليلا ودراسات طويلة عريضة تتناول سنوات محدودة. نعبر أغنى منها في بلادنا لكننا لانجد لها صورة دقيقة تحيط بها! ياليلى، ربما يحتاج الناس الأمان والتأمل. فلننتظرهم! قلّبت ليلى الخطابات. وسمعت الهدير الذي كانت الإذاعة تردده مرات كل يوم!‏

"سنحطم أساطيل العدوان التي تحاصر بيروت، وسنحطم طائرات أمريكا وبريطانيا التي تحلق فوق أراضينا. إنهم يريدون تغيير سير الزمن ولكن الزمن لن ترتد عقاربه الى الوراء! إن التاريخ يسير الى الأمام وسيدوس الشعب العربي بأقدامه على الاستعمار وأعوان الاستعمار. سينتصر الشعب العربي في المعركة وسيتحرر لبنان والأردن كما تحرر العراق".‏

لكن عمرا سيخصّ بانتباهه خطاب عبد الناصر في دمشق مساء يوم 18 تموز سنة 1958 الذي أبكى غادة، وسيقدّمه لليلى. لأنه نقّب فيه، ولم يره إلا متصلا بترتيب العلاقة بعبد السلام عارف وحقن غروره وسذاجته ليقفز إلى قيادة العراق. كان ذلك الخطاب من الأوراق التي يحتفظ بها عمر ليثبّت أحداث حياته ويفسرها. وليؤكد لنفسه أنه لم يخطئ في موقفه من الأحداث التي سرقت سنوات من عمره. كان يكتشف نتائج متنوعة في كل مرة يستعيد فيها ذلك المقطع من حياته. من تلك النتائج أن الارتجال علّة. وأن التصفيق قد يكون مصيدة. وأن المترادفات والتكرار تستخف بالعقل. كم بدت كلمات عبد الناصر بعيدة عن الواقع بعد عدوان حزيران! أين الزحف المقدس وأين الانتصارات؟ وأين اولئك الذين قامر بهم ناصر فعلقوا على المشانق وخسرهم العرب؟ هل يجوز التدخل بالقوة في بلد عربي لأننا أمة واحدة؟ وماهي نتيجة ذلك؟‏

"الحمد لله، الحمد لله فإن الزحف المقدس الذي صممت عليه الأمة العربية يسير قدما الى الأمام من نصر الى نصر.. أيها الإخوة لقد كافح العرب طويلا من أجل أن يحققوا لبلادهم الحرية والاستقلال، كافحوا ضد الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي، كافحوا كفاحا مريرا ورغم الظلم ورغم الاستبداد ورغم الاستشهاد لم يهنوا ولم يضعفوا ولكنهم آلوا على أنفسهم أن يستمروا في زحفهم المقدس يحملون مشعل الحرية حتى يحرروا بلادهم في كل بلد من بلاد الوطن العربي، في دمشق وفي بغداد في بيروت وفي عمان في القاهرة وفي الجزائر وفي كل مكان صمم العرب، رغم الظلم ورغم الاستبداد ورغم الاستشهاد ورغم القتل والتعذيب على أن يستمروا في زحفهم المقدس. وأنا بينكم اليوم أيها الإخوة وأشعر بفرحكم وأشعر بأنكم تشكرون الله ونشكر الله معكم لأننا نرى اليوم الى جانبنا إخوانا لنا يحملون مشعل الحرية في طريق زحفنا المقدس. لقد قاوم شعب العراق دائما ولم يهن ولم يضعف ولم ييأس كما قاوم كل شعب عربي.‏

قاوم شعب العراق واستشهد من استشهد وقتل من قتل ولكنه لم ييأس وقاوم حتى انتصر في زحفه المقدس ورفع معكم ومع الأمة العربية كلها شعلة الحرية. إننا اليوم أيها الإخوة أقوى مما كنا. إننا اليوم أيها الإخوة أثبت مما كنا. إننا اليوم نشعر أن راية الحرية تعلو وتعلو وترتفع. راية الحرية التي هزمت الظلم والتي هزمت الاستعمار والتي هزمت الدول الكبرى تعلو وترتفع. راية الحرية التي حطمت العدوان وبقيت وانتهى العدوان. إننا اليوم هنا في هذا المكان كافح الآباء وكافحتم فنشعر اليوم بالحرية، وصبرتم واستشهدتم ولكم إخوة في القاهرة قاتلوا وكافحوا واستشهدوا ولكن راية الحرية ترفرف على القاهرة. ولكم إخوة في بغداد قاتلوا وكافحوا واستشهدوا وعذبوا ولكن راية الحرية ترتفع اليوم في بغداد. وهناك إخوة لكم يكافحون في الجزائر يكافحون ويموتون في سبيل العزة وفي سبيل الاستقلال. وبعون الله ستنتصر الجزائر وسترتفع راية الحرية وسترتفع راية الاستقلال. ولكم إخوة أيها الإخوة في عمان وفي بيروت يكافحون من أجل حريتهم ويكافحون من أجل استقلالهم وسترتفع راية الحرية في عمان وسترتفع راية الحرية في بيروت كما ارتفعت في كل بلد من أرجاء العالم العربي. أيها الاخوة إن القومية العربية قد انطلقت من عقالها إن الشعب العربي يثق بنفسه ويثق بوطنه. إن الشعب العربي يثق بحقه في الحرية والحياة وأنا اليوم أيها الإخوة المواطنون أتجه إلى إخوانكم في العراق وأقول لهم إننا معكم أيها الإخوة وإن معركتنا واحدة لأننا شعب واحد وإننا أمة واحدة. إننا معكم أيها الإخوة وكنا ننظر إليكم في الماضي وأنتم تقاتلون وأنتم تكافحون وكنا معكم بالقلوب إننا معكم أيها الإخوة لأننا شعب واحد ولأننا أمة واحدة إننا معكم في الكفاح إننا معكم في الجهاد ... أيها الإخوة إن القومية العربية التي انطلقت لايمثلها رجل واحد ولاتمثلها حفنة من الناس لايمثلها جمال عبد الناصر ولايمثلها أي شخص آخر ولكنها أنتم كل فرد منكم، من منكم كان يسمع منذ أيام عن عبد الكريم قاسم من منكم أيها الإخوة كان يسمع منذ أيام عن عبد الكريم قاسم أو عن عبد السلام عارف إن عبد الكريم قاسم يمثل هذا الشعب يمثلكم أنتم يمثل المواطن العربي يمثل القومية العربية، إن عبد السلام عارف يمثل هذا الشعب المكافح يمثل هذا الشعب الذي قاتل يمثل هذا الشعب الذي صمم على الحرية وصمم على أن ينتصر، إن كل فرد من هؤلاء الضباط ومن هؤلاء الجنود، إن كل فرد منهم يمثل القومية العربية ويمثل العزة العربية، إن كل فرد منكم يمثل القومية العربية ويمثل العزة العربية، إن شعلة القومية ستبقى أبد الدهر مرتفعة لأنها لاتنحصر في شخص واحد هو جمال عبد الناصر...أيها الإخوة إنني أعلن باسمكم من هذا المكان أننا جميعا سنحمل السلاح لندافع عن شعلة الحرية التي انتصرت في العراق، إننا جميعا سنحمل السلاح لندافع عن استقلالنا وسندافع عن النصر الذي حققناه، إننا جميعا أيها الإخوة سنحمل السلاح لندافع عن القومية العربية.. اليوم يقولون إن هناك تدخلا من الجمهورية العربية المتحدة في لبنان وإنهم لهذا يحتلون لبنان ليدافعوا عن لبنان ويقولون أيضا بأن هناك تدخلا من الجمهورية العربية المتحدة في عمان وإنهم لهذا يحتلون عمان. إن هذا أيها الإخوة هو الاستهتار بكل القيم الأخلاقية وبكل المبادئ، إن هذا هو الاحتلال إن هذا هو الاستعمار إن أمريكا التي قاومت بريطانيا منذ عشرات السنين لتحصل على استقلالها ولتقضي على الاستعمار وتشيد الولايات المتحدة المستقلة كيف تنسى تاريخها كيف تنسى نفسها وتقوم اليوم بهذا الدور الاستعماري وتحتل لبنان وتهدد الجمهورية العربية المتحدة. إن أمريكا أبلغتنا بالأمس أننا، أن الجمهورية العربية المتحدة تعتبر مسؤولة عن أمن الجنود الأمريكيين في لبنان وأنا لاأعرف كيف يذكرون لبنان ويحتلوه ونحن نعتبر مسؤولين عن حماية الاحتلال. لقد قاوم الشعب دائما الاحتلال وانتصر الشعب إن الشعب العربي سيقاوم الاحتلال في كل بلد وفي كل مكان ... أيها الإخوة المواطنون لنتجه إلى المستقبل بعزيمة وايمان.. إننا اليوم نشعر أن إخوتنا في العراق قد تحرروا.. نستطيع أن نكون قوة كبرى ونستطيع أن نهدم الطغاة ونستطيع أن نهدم العدوان، وأنا أقول لإخوتكم في بغداد إننا معكم أيها الإخوة جميعا إننا نحمل السلاح مثلكم أيها الإخوة وإن دماءنا معكم كل قطرة من دمائنا والله يوفق الأمة العربية جمعاء والسلام عليكم ورحمة الله".‏

كان سقوط الملكية في العراق فرحة كبرى، رآها عمر في المقاهي والجامعة وفي حفاوة الناس بالثورة. وشعر بأن الوحدة المصرية السورية وضعت أمام ظروف جديدة تتحدى أسسها. كانت ثورة العراق ثورة حقيقية ألغت قوى سياسية وأتت بأخرى. تذكّر عمر حكاية ساخرة. قيل لملك العراق لماذا لاتنشئ جامعة في بغداد؟ فقال: لأن بريطانيا لم توافق. قيل له: أنت الملك! رد :أنا موظف في حكومة بريطانيا بدرجة ملك! وروي أن زملاء الملك كانوا يشكون له مايعاني منه العراق فكان يشاركهم حزنهم ويبكي معهم. لذلك شعر عمر بالشفقة على ملك العراق، لكنه كان يكره الوصي ونوري السعيد. ويرى أنهما مسؤولان عن قتل صلاح الدين الصباغ وزملائه الضباط! وهاهو عبد الإله قد قتل مع الملك في القصر. واكتشف نوري السعيد متخفيا بملاءة نسائية هاربا حتى من بيت صاحبه الاستربادي، محاولا أن يصل إلى السفارة الأمريكية. قتل وسحل ودفن في أبي غريب، ثم أخرج الناس مابقي من جثته وسحلوها. هل كان عمر يتصور أنه سيرى في حياته عراقيين يجلسون علنا حول حاكم أمريكي في العراق كمجلس يحكم العراق، والجنود الأمريكيون يقصفون المدن العراقية ويعذبون العراقيين في المعتقلات، والموساد يشارك في التحقيق مع المعتقلين، والشركات الإسرائيلية توهب الحقوق في العراق؟ سيتذكّر عمر بعد عقود الحكاية الساخرة عن ملك العراق، وسيقول: كم كان الملك المسكين يتقدم على هؤلاء الذين لايعترفون بأن الطائرات الحربية التي تقصف البيوت العراقية في بغداد والفلوجة والنجف والقائم والرمادي طائرات احتلال، بل يرونها دون خجل طائرات حلفاء!‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:25 AM
.
يوم قالت لها أمها: يامديحة، السياسة غدارة! لاتغرقي فيها! ردت دهشة: سياسة؟ هذا دفاع عن الوطن! وكرر فوزي الجواب نفسه لأبيه فطمأنه: لاأتخيل نفسي في منصب سياسي أكسب منه راتبا! الدفاع عن الوطن ليس سياسة بل فروسية، وواجب. فهل كانا واهمين؟ لم يكن ضباط الجيش الذين قرروا وحدة بين سوريا ومصر دون شروط، أقل منهما بساطة!‏

لذلك كانت خيبتهما كخيبة المحب! انثنت مديحة على نفسها في البيت متألمة عندما هاجم عبد الناصر الشيوعيين في خطاب رنان. ليس ذلك بيانا على ورقة، أو قرارا رسميا، بل تحريض في اجتماع حاشد! فهل حدث مثل ذلك في العالم بعد الاجتماعات الكبرى التي سيقت فيها المجموعات إلى حرق الكتب والحرب؟!‏

في تلك الأيام لاحظ فوزي مكاتب المخابرات التي أنشئت بعد التوقيع على الوحدة. وقال لنفسه: لم تنفّذ الاتفاقية مع الاتحاد السوفييتي لتصنيع سوريا، لكن أنشئت هذه المؤسسات التي لم تكن موجودة في بلدنا! ثم شغلت ثورة العراق الجميع. حاول عبد السلام عارف أن يتقدم على عبد الكريم قاسم كأنه صانع ثورة تموز ومرجعها، واسترسل في خطابات تعلن أن الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة قريبة. فانتقل إلى الشارع الصراع بين الوحدة والاتحاد الفيديرالي، وبدأ في العراق الصدام الدامي بين القوميين وبين الشيوعيين. أوجز فوزي لمديحة: ماذا يغري العراق بالوحدة مع سورية ومصر؟ التآمر حتى على صناع الوحدة، إبعاد عفيف البزرة ونثر الضباط البعثيين في وظائف مدنية؟ حلّ الأحزاب وتأسيس أجهزة المخابرات؟ قالت له مديحة وهي تخجل من الهبوط إلى تفصيل شخصي: صادفت أمس أحد الطلاب وأنا مع زميلاتي في "غرفة الشاي". أخرج ورقة وقلما، نظر إلي وبدأ يكتب.. قصد أن يظهر أنه يكتب تقريرا إلى جهة ما. قال فوزي: يامديحة، لاتدهشي إذا صار الأخ يتجسس على أخيه! مايحزنني يافوزي أن غادة تتفاداني! وأن ليلى تبدو باردة، تسلّم علي لكنها لاتتوقف لتتحدث إلي. ردّ: توحي لي المقدمات بأن البعثيين سيعتقلون ويطاردون! وظيفة نائب رئيس الجمهورية التي أعطيت للحوراني تبعده عن جماهيره التي يستقوي بها، وستضعفه. ذات يوم، ستعود غادة وليلى إليك!‏

في ذلك اليوم قال عمر لفوزي: لستم المقصودين, فلستم قوة. مع أنكم لم تقدّروا الظروف فأردتم انتخابات بلدية تصورتم أنكم ستسجلون فيها تفوقكم، فأغضبتم حلفاءكم. المقصود هو إلغاء الاندفاع الوطني، إلغاء شعور الفرد بأنه يفكر تفكيرا مستقلا وأن رأيه مهم ومطلوب! المقصود أن يفكر شخص واحد، وربما مجموعة أفراد، عن الناس! سيصبح الناس متفرجين مصفقين! وستشتاق حتى إلى جريدة بردى أو الفيحاء! هذه هي الكارثة! لكن أصحابنا لاينتبهون إليها. يتصور كل منهم أنه سيتخلص من الحزب المنافس، وسيبقى بعده! وستتحقق نبوءة عمر. سيهاجم عبد الناصر بعد سنة في خطاب رنان حزب البعث!‏

ألقى عبد الناصر خطابا في 23 كانون الأول في بور سعيد. وأذيع خطابه مرات في اليوم طوال الأسبوع الأخير من السنة. استمعت مديحة إليه جالسة في غرفتها قرب راديو زيتي صغير. "..وحينما طغت القومية العربية وحينما ارتفعت إرادة الشعب العربي وقامت الجمهورية العربية المتحدة وكان الحماس الجارف والشعور الفياض، انزوى أعداء القومية العربية وأعداء الوحدة العربية، انزوى الاستغلاليون وانزوى الانتهازيون لأنهم يعلمون أن هذا الشعب سيحطم رؤوسهم. ولكنهم الآن خرجوا من جحورهم.. وتحالفت الرجعية مع الصهيونية، التقوا جميعا ضد القومية العربية والتقوا جميعا ضد الوحدة العربية. وآسف أن أقول إن هذه العناصر التي ظهرت إنما لم تكن قد استطاعت أن تواجه الشعب قبل الآن ولكنها تريد أن تخدع الشعب وتنشر بينه البلبلة وتنشر بينه الإشاعات حتى يكون مطية للاستعمار أو لأعوان الاستعمار أو للصهيونية. ولن نستطيع أن نحارب الصهيونية وأن نحارب الاستعمار إذا كنا نحارب أنفسنا. ولكن الحزب الشيوعي في سوريا رفض هذا وأعلن أنه لايقبل أن يتحد مع الأمة في وحدة قومية وفي اتحاد قومي ورفض أن تكون الأمة أمة واحدة تحارب أعداء القومية العربية وأعداء الوحدة العربية. بل رفض أيضا القومية العربية والوحدة العربية وأعلن بعض أفراده في الأسبوع الماضي أنهم ينادون بالانفصال وينادون بألا تكون هناك وحدة عربية أو قومية عربية. إن هذه هي الدعوة للصهيونية. لكي تنفذ بين أرجاء القومية العربية وتعود تستغل بلادنا.."‏

بدا لفوزي أن مرحلة تطوى وتبدأ أخرى بديلة. كانت مصر من قادة دول عدم الانحياز. جمعت العرب بتأميم قنال السويس ومقاومة الغزو الثلاثي. بهرت العرب بالتأميم والقطاع العام والإصلاح الزراعي. فكيف تنحرف من توحيد العرب لمواجهة تدخل خارجي إلى تقسيمهم في نزاع عربي؟ كيف يكذب رئيس دولة ليحرض على مواطنين! بدا نص الخطاب لفوزي ضعيفا هشا، لكنه شعر بأن الحماسة الوطنية تمنع رؤية تلك الحقيقة! ينفّذ إذن المشروع الأمريكي الذي ردّه خالد العظم قبل سنوات يوم قال يريدنا الغرب أن نحارب الشيوعية، ليست تلك قضيتنا، فعدونا إسرائيل!‏

بدأ فوزي يمزق رسائل أهله وأصدقائه. مزق الصور التي تجمعه بآخرين من زملائه. أمسك برهة بصورته مع مديحة وأصدقائهما في مهرجان موسكو. وخيل إليه أنه يشعر بحريق في عينيه. إذا مزق الصورة هل ستنجو النسخة الثانية في بيت مديحة؟ أشعلها. وكان الراديو خلال ذلك يكرر الخطاب! قال لنفسه: يحضّرون إذن حملة كبيرة. ألذلك طلب منه أصحابه أن يستأجر بيوتا تستخدم وقت الضرورة؟ لن يكون ممن يستخدمها!‏

استمعت مديحة إلى خطاب عبد الناصر مرات. نظرت إليها أمها: قلت لك السياسة غدارة! خفضت مديحة صوت الراديو وانحنت عليه. هذا هو رجل القنال؟! يبدع همجية في سحق الخصم الفكري ويطلق الغوغاء! يشوش الرموز ويدمر الروح! سيكون خطابه التالي خطأ سياسيا أيضا! سيهاجم عبد الكريم قاسم وسيقول إن إنذار الاتحاد السوفييتي وقت العدوان على بور سعيد جاء متأخرا، جاء بعد قرار الأمم المتحدة وقف العدوان وبعد تضامن دول العالم مع مصر! فيعرّي بلاده من سند عالمي، ويشوّه الحقيقة التاريخية! سيتحدث عن المؤامرات الشيوعية على الوحدة ويتهم الشيوعيين بأنهم عملاء، ويستغني عن قوى سياسية سندته! لكن مديحة لن تكون يومذاك في بلدها. فوزي هو الذي سيعذب في ذلك اليوم!‏

خابر فوزي مديحة وقال لها: لاتأتي إلى الجامعة! التقى بها في عتمة المساء. واختار لسيرهما الشوارع البعيدة في أبي رمانة. قال: ليتك تسافرين، يامديحة، إلى بيروت غدا إذا استطعت! سألته: صرنا مطاردين؟ هز رأسه. سألته: وأنت؟ هز كتفيه. وبدا لها أنه يتخذ قرارا صعبا، لكنها لم تتصور أن قراره يتصل بها. بدت الشوارع التي كانت تمشي فيها خلية البال، خطرة. وضعت يدها على صدرها. كأن روحها انشقت! كأنما فصلت سكين الأمس عن تلك اللحظة! قال فوزي: إذا جمع عبد الناصر ذات يوم خطاباته في كتاب لترسم صورة له، هل سيكون منها هذا الخطاب؟! للسياسي المتزن خط ينظم مشروعه كله! الآن يظهر عبد الناصر الذي استبعد زملاءه الضباط الأحرار. كانوا مجموعة من شباب يساريين وإخوان مسلمين ومن مصر الفتاة ومستقلين، تمردوا على الفساد ونكبة فلسطين. فاستصفى منهم من يدين له. أبعد من نفذ انقلاب يوليو. وقبل في سنة 1953 مشروع جونستون لمياه الأردن بينما رفض السوريون التحويل ومنعوه بالقوة. حتى لبنان رفض مشروع جونستون لمياه الحاصباني لأنه يبدأ من شراكة إسرائيل في المياه العربية! قالت مديحة: لماذا رأينا الوجه المضيء للقمر فقط وتجاهلنا الوجه الآخر، والآن يحدث العكس؟!‏

نظرت إليه. كان مجروحا وعاجزا كأنه أمام كارثة لايستطيع ردّها. قال: عبد الناصر سياسي دون قلب. كان الشيوعيون المصريون في السجون يوم سافر إلى باندونغ في نيسان 1955 فأرسلوا له من السجن برقية يحيّون فيها موقفه من الاستعمار! قالت: لكنهم شيع وفيهم يهود، قدّم المشبوه منهم مايدان به المخلص. وهل تظن أن الجمهور العربي يقبل كورييل ولو كان في قمة الإخلاص لمصر؟ على كل حال، لو كنتُ مكانهم لما أرسلتُ له برقية! لايقاوم الفكر بالسجون!‏

قال فوزي: تلك تفاصيل. لكن لاأحد مؤهل اليوم للاستماع إلى الحقيقة، ولالإعلانها. كأنما ينتظر السياسي الثمار المرّة ليبوح بالحقيقة كلها! يجب أن تقع الكارثة كي يصحو الواهمون! لكن الدمار حدث ولاشيء يعيد زمنا ضاع. يستمر عمر الأوطان أيضا من السنة التي وصل إليها! هل كان فوزي يقدّر أن بعض الذين قاوموا الإنزال في بور سعيد سيقتلون في السجن. وسيعذب في مصر الطالب الذي نظم التضامن مع الأردن سنة 1957، سيعذب يوم أطلق الإتحاد السوفييتي مركبة فضائية؟ وفي غزة ستعتقل صهباء البربري، وهي في الثامنة عشرة، وسينقل الذين اعتقلوا في غزة إلى سجن الواحات ومنهم الشاعر معين بسيسو، وسيبقون فيه سنة ونصفا مع الكلاب المتوحشة. وستبقى إنجي أفلاطون، أكبر رسامة عربية، طوال تلك السنوات في السجن. رجع الضباط الذين أرسلوا إلى الولايات المتحدة سنة 1956 خلال مقاومة العدوان الثلاثي، ليختصوا في مكافحة الشيوعية! ومنهم مصيلحي مستشار الرئيس لمكافحة الشيوعية! فمن سيحاسب على مايحدث في سجون مصر وسورية؟ انتهى زمن المقاومة الوطنية! انتهى زمن وحدة الشارع العربي! كان فوزي غاضبا: بدأت مرحلة تاريخية! مرحلة تفكك القوى الوطنية، والمطاردة والاعتقال والتقارير! لن يسفح الدم في المظاهرات برصاص أجنبي، بل في سجون عربية. هذا هو الزمن الذي افتتحه عبد الناصر الذي أطلق مخابراته على الأردن ولبنان والعراق فألغى التحالف السياسي ووضع مكانه الارتباط بالأجهزة وأموالها!‏

تساءلت مديحة: من سيدفع ثمن الزمن الضائع؟ ردّ: الشعوب، دائما! لكن الأشخاص قد يدفعون الثمن أيضا! يامديحة، ليتك تسافرين إلى بيروت! سألته وهي تنصرف: سنلتقي؟ قال: سأتصل بك وقت يمكن ذلك. التلفونات مراقبة، والشوارع مراقبة! احذري السيارات ذات الأرقام الديبلوماسية والأرقام العربية!‏

هل تذكّر فوزي في ذلك الأسبوع الأخير قبل الاعتقالات، أن زكريا محي الدين أمر ضباطا باقتحام السجن الذي يعتقل فيه الإخوان المسلمون فقتلوا 27 رجلا منهم، لكن فوزي لم يبال بذلك ولم يقل يومذاك الفكر يواجه بالفكر؟! لم يقدّر أن اولئك الضباط سيهاجمون آخرين بالخبرة التي كسبوها من تعذيب من سبقهم! هل سيتذكّر أنه نسي خلال حماسته وهو يستمع إلى خطابات عبد الناصر أيام تأميم القنال، أن خميس والبقري شنقا لأنهما قادا إضراب عمال النسيج في كفر الدوار سنة 1952؟ يافوزي، لو رفضتَ ورفض الناس التعذيب مهما كان نوع ضحاياه، لما أصبح أسلوبا شرعيا تمرّ تحته جميع الاتجاهات الفكرية! قال لنفسه: نعم! كم تأخر الصحو! لكن فوزي لم يتأخر في الاتصال بمديحة ليعلن لها أنه يعفيها من الارتباط به، ومن انتظاره! وأثنى على نفسه لأنه فعل ذلك في الوقت المناسب.‏

في آخر ليلة في السنة فتح عينيه على ضجة. رأى حوله عشرين رجلا أو أكثر. اعتقلوه ونقلوه إلى سجن المزة. وصادف هناك كثيرا من المعتقلين. وفي اليوم نفسه وصل رئيس البنك الدولي إلى مصر يعرض قرضا. وأعلن دالاس مساعدة لمصر: 12 مليون دولار والإذن ببيع القمح لها بالنقد المصري. ثمن دماء الشباب في سجون مصر وسوريا، ثمن الضباط الذين أصبحوا متقاعدين في عز الشباب، والمؤسسات السياسية والصحفية والاقتصادية التي فككتها الوحدة! أما السنوات التي ستضيع قبل حرب حزيران فسيكون هدية لم يحلم الأمريكيون بأن تقدم لهم وشوارع البلاد تحتفل بذلك!‏

لكن الزمن محاسب عات، لايميز بين ضحايا الأخطاء وبين صناعها. سيدفع العرب كلهم الثمن في سنة 1967 فهل كان حيا يومذاك الضابط الذي قال لأحمد عبد الكريم في اجتماع قيادة الجيش: لم يخلق بعد من يضع الشروط لعبد الناصر؟ وإذا ندم، هل سيعيد ندمه الزمن والأجيال الممزقة التي خسرتها البلاد وهي في عزّ التفتح؟‏

كانت مديحة منصرفة إلى فجيعتها بما كانت متحمسة له ومنساقة فيه، العواطف والاندفاع إلى التضامن مع مصر، أيام المقاومة الشعبية والرمي في المزة، والحلم بالوحدة العربية الموزونة! وكان فوزي وقتئذ يستعيد ومضات من الأمس.. قرر مجلس النواب السوري في 6 تشرين الأول سنة 1955 تأييد مصر في صفقة السلاح من تشيكوسلوفاكيا و"استنكر الضجة التي أثارتها بعض الحكومات حول هذه القضية الداخلية" واعتبرها تدخلا في الشؤون الداخلية! تجاوزت الحكومة السورية والمجلس مناورات حزب الشعب، ووقع مشروع الدفاع المشترك بين مصر وسوريا! وظل نشيد السوريين الذي ألفه فخري البارودي: بلادي العرب أوطاني! لكن عبد الناصر قال للصحفي كرانجيا إن "سبب الوحدة وجود مؤامرة شيوعية للسيطرة على سوريا لذلك عجّلنا بالوحدة. استفادت المؤامرة الشيوعية من الأزمة التركية السورية"! أزمة؟ تسللت دوريات تركية إلى سوريا، قطع نهر جعجع، وصل الأسطول السادس إلى المياه قرب سوريا. وزعت الأسلحة يومذاك على الناس دون تمييز، وحفرت الخنادق، وحرست المقاومة الشعبية الجسور والطرقات. ماعلاقة الشيوعية بتلك الأيام المتوهجة؟ لم يخطر للمسؤولين الأتراك يومذاك أن عبد الناصر سينفّذ التحذير التركي! لم يخطر لدالاس أن صيغه في تسمية الخطر ستستعمل نفسها، وتستر مؤامراته على سوريا! هزجت المظاهرات أيام المقاومة الشعبية: "دالاس يادالاس، يابو الدسائس، مابيخوفنا الأسطول السادس". فهل كان الخطر وهما والمقاومة هواجس؟‏

صحيح إذن أن الوحدة ليست مفاجأة لأمريكا. بل برضاها لتتخلص من اتجاه سوريا الوطني وتحذفها. قال عفيف البزرة: نحن ضمانة! وياللسذاجة! طار البزرة وأصحابه الضباط! وسيكتب أحد شهود تلك الفترة: دمّر ناصر القوى الوطنية السورية التي ردّت المؤامرات، وفرّق رفاق السلاح ومجموعة الضباط. أخذهم من وطنيتهم ومن ايمانهم بالوحدة!‏

من سيحاسب فوزي بثلاث سنوات من عمره سيتركها في السجن؟ من ستحاسب مديحة بالمرارة وليالي الأرق؟ تتصل القوة والضعف بايمان الإنسان بالمشروع الذي قرره لحياته. لكن من سيلاحظ ندوب الجروح!‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:26 AM
.
برق رضا في الأزمة. من كان يعرف اسمه غير جماعته؟ فهل أشار ذلك إلى نمط من السياسيين الذين يمضون حياتهم في عمل مغلق في أحزابهم، ويصعدون فيها إلى القمة دون أن يسجل لهم مكان في الحياة العامة؟ كان رضا مسؤول القيادة الذي تصبّ على يديه المعلومات عن المنظمات في دمشق كلها. ويستطيع أن يحضر أي اجتماع في دمشق ويعرف أسماء الحاضرين فيه. لم يخطر لفوزي أنه قد يلتقي به في السجن! لكنه سيعرف يومذاك فقط أن رضا أبعد في سنة 1942 ثم أعيدت إليه مسؤولياته. التقى به فوزي أول مرة في سنة 1954 وقيل له: رضا مسؤول دمشق، عد إليه في كل ماتحتاجه!

رأت مديحة رضا أول مرة في اجتماع. جلس في صدر القاعة وتحدث. خيل إليها أن كلامه دون قلب. ولم يعجبها صوته. همست لنفسها: "لاأحب عينيه! زائغتان"! لكنها أخمدت نفورها منه: "لابد أن تكون فيه مؤهلات يعرفها من رفعه إلى مقام مسؤول عن عاصمة"!‏

لاحظت مديحة فيما بعد أن عينه على مهى. رجل في الستين تلعب عينه على شابة في السابعة عشرة؟! راقبته وقررت أن مهى في حمايتها! بعد اجتماع من تلك الاجتماعات قالت لها مهى: خطبني! لاأريده! ردت مديحة: لست ملزمة بقبوله!‏

يوم قرر رضا فصل مهى، قابلته مديحة بملء عينيها: ماالسبب؟! كانت مهى تقف في الممر منتظرة أن تُرمى لها أية مهمة. لمحت مديحة دموعها. ورأت كيف ينفذ قرار ظالم ويتحمس له منفذوه. وضعت صاحبة البيت ساقا على أخرى، في الغرفة التي التقت بها برضا. دخنت سيجارة وشربت معه القهوة. ومهى تنتظر في الصالة تلك "الصدقة". راقبت مديحة ذلك غاضبة. وزاد غضبها أن الظلم باسم المجموعة! وبدا لها في تلك اللحظة أن التدخين وشرب القهوة في غرف مغلقة طقوس سياسية. قالت لرضا: هذا قرار فردي ظالم! فانحازت صاحبة البيت إليه: أنا معه! كادت مديحة تصرخ: ومن أنتِ؟ سيدة صالون! ثم تأملتها وفهمت أمرا آخر: هذه المرأة مركز الثقل! تستقبل مسؤولا وتودع آخر، تقدم القهوة والسيجارات وتظهر هدوء الداهية الحكيمة! فينظر إليها السياسي ويوصي الحاضرين: تعلّموا منها! فتتساءل مديحة: ماذا نتعلم؟ أن ندفن قلوبنا ونظهر عواطف أخرى؟! أن نتملق الأعلى وننفّذ التنكيل بالأدنى؟ ياللسياسة التافهة! كم مرة سيقدّر لمديحة أن تصادف النساء اللواتي يقفزن إلى صدر المجالس بمكرهن وقربهن من صاحب النفوذ، وستسميهن "المتسلقات"؟! اتفقت السيدة مع رضا: ستخطب له شابة صغيرة شقراء رصدها وعرف بيتها. قدمت له القهوة مرة أخرى ومعها سيجارة. قالت مديحة: هذا ظلم! تتحداه مديحة؟ سيطاردها!‏

كلّفها بعمل ليست مؤهلة له: أن تستأجر بيتا! رأى فوزي ارتباكها فساعدها في السر. طلب منها رضا خمس مرات أن تغيّر الاتفاق مع صاحبه. وغيّره فوزي. كتمت غضبها! الصبر! واليوم ماذا يريد؟ أعطاها ورقة مطوية ملصقة: رسالة يجب أن تصل إلى بيروت الآن! في بيروت إنزال أمريكي وصدامات بعد ثورة العراق. مع ذلك يجب أن تذهبي! خاطت الرسالة في ملابسها وركبت من السنجقدار سيارة إلى بيروت. بحثت عن العنوان. هنا! ماهذا العنوان الذي اقترحه رضا؟ ملتصق بموقع مسلح! استعدت للهرب. ناداها المسلح. اختفت خافقة القلب في زقاق. وصلت إلى فندق في ساحة البرج. بدا لها الفندق آمنا. ومع ذلك جرّت السرير وأسندت به الباب. لعلع الرصاص فأرقت حتى الفجر. أف، مرت الليلة! في الصباح مشت إلى العنوان الاحتياطي. قالوا لها هناك: يعرف رضا أننا سنكون اليوم في دمشق فلماذا خاطر بك؟ وضعت مديحة هذا التفصيل في سجلّها السري. لكنها لن تذكر لأحد ما جرى. كم من الأخطاء والجرائم ستستر باسم حماية الأسرار؟!‏

في الاجتماع لامها رضا دون سبب: يجب أن تتخلصي من تربيتك وعاداتك وأفكارك لتصبحي ثورية! هل تسأله: تريد صفحات بيضاء لتكتب عليها ماتشاء؟ ومن أنتَ وماهي كفاءتك؟ قدّم فتاة ذات مكياج كثيف: سترافقك إلى المنظمات لتستلمها منك! آه، فهمت! يقدّم فتاة لاتؤتمن، ويخطب صبية في السادسة عشرة أو السابعة عشرة يزوجها أهلها من عجوز، ويريد أن يعرف المنظمات التي لايعرفها! لاأثق فيه! تقلبت في الليل. ماأصعب ألا يكون الإنسان مستريحا بين أصحابه! فلتعتمد على حدسها! قررت: هو المخطئ! وسأشكوه! أتى فرج الله لبقا، رقيقا. ماالمشكلة؟ سألها عن التفاصيل فروتها له. هل قطّب؟ قال: معك الحق! في تلك الليلة نامت بملء عينيها.‏

لكن رضا بقي مكانه. وهمست شابة لمديحة: استدعاني رضا ومشينا ذهابا وإيابا أمام المكتب الخاص الذي أسسته المخابرات في شارع بغداد، حتى أكمل حديثه. لاأعرف لماذا جرّني إلى آخر الدنيا. كان يمكن أن يقول هنا ماقاله هناك! وضعت ليلى كفها على رأسها: عرضك لهم!‏

من أي همّ تهرب مديحة؟ الخارج والداخل معا! شعرت بأنها محاصرة ووحيدة. تتحاشاها غادة، زميلتها في المدرسة والجامعة! وهنا، هذا الرجل الذي تشك فيه! رفعت عينيها وغالبت الدموع. بقي فوزي، فهل تحدثه عما يتجاوز صلاحياته وتخرق قاعدة ذهبية؟ بدا هو نفسه قلقا وحزينا. حدثها عن زيارته إلى محمد الأشمر. قال له الأشمر: ياابني، الدهر دولاب، يوم معك ويوم عليك! رفع عينيه ولمحت ليلى دموعا يغالبها. قال: يبدو يامديحة أن سورية تقاد إلى المذبح! أتساءل الآن عمن اغتال عدنان المالكي! رجل من رجال غسان جديد وجورج عبد المسيح، أم نظمت اغتياله سفارة عربية وسفارة أجنبية وشخصيات سورية ومخابرات كبرى؟! ألم يكن ذلك لترتيب الجيش؟ نُقل إلي أن السراج قال في لقاء خاص: لدينا بعض أفراد منكم! فردّوا: ليس لديكم أحد من المراتب العليا! هتفت مديحة: بل لديه! أدهشته فحدق فيها. قالت: أظن أن السراج صادق يافوزي! أعتقد أن رضا يتعاون مع مؤسسة أمنية! ويبدو أن الإنزال في لبنان شغل الجميع ووجّههم إلى التعاون لنقل الأسلحة إلى المقاومة اللبنانية، فضاعت الطاسة وقتذاك!‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:26 AM
.
بعد خطاب ناصر الذي أعلن فيه أنه يترك الشيوعيين للشوارع كي تؤدبهم، قال فرج الله أمام مديحة: تفادوا الشوارع المطروقة! صارت شوارع المدينة التي تحبها ممنوعة؟ كانت تحب شارع الصالحية الذي تتمخطر فيه الصبايا بعد الظهر، ويبحث فيه الرجال عن خطيبة! تساءلت بينها وبين نفسها: هل ينفع الحذر ودمشق كلها مكشوفة لرضا؟ صارت تعبر طريق الصالحية، إذا اضطرت، مسرعة! لكن ياللمصادفة! أمامها رضا مع شابة صغيرة شقراء، جاكيته على كتفه، يمشي مطمئنا مسترخيا. تلكأت مديحة. رأته يدخل إلى غرفة الشاي! يقصد مكانا عاما وسط المدينة، والإذاعة تردد خطاب عبد الناصر سنتركهم للشوارع؟! سمعت دقات قلبها: هذا الرجل يخون أهله! ولكن من تخبر؟ جفلت فجأة: لماذا جمع رضا أوراقا يسجل فيها كل شاب اسمه وموجزا عن حياته؟ أيمكن أن يطلب أحد مثل تلك الأوراق الآن؟!‏

كان الراديو مايزال يكرر خطاب عبد الناصر عندما وصلت إلى البيت. هل القصد أن يشلّ التكرار العقل؟ واضح أنه يستعدي الشارع. ألايفترض أن يوفق القائد بين المتخاصمين لاأن يشعل النار وسطهم؟ سمعت صوت عمر في التلفون. ياللشهم! يطمئن عليها. تحتاجين مساعدة؟ لايستطيع أحد لأحد مساعدة في هذه الأيام! اتصل بها قبل أن يسافر إلى خالته في بيروت ليمضي عطلة رأس السنة!‏

في ليلة رأس سنة 1959 اعتقل رجال المباحث مئات الرجال، ومنهم فوزي، ونقلوهم إلى سجن المزة. كان التحقيق مع المدنيين في النهار، ومع العسكريين في الليل. لمعت يومذاك أسماء عبد الحميد السراج، عبد الوهاب الخطيب، نعسان زكار، شتيوي سيفو، مفرزة سامي جمعة في الطلياني، المكتب الخاص. كان بعض اولئك من الضباط الوطنيين الذين برقوا في السنوات السابقة وقت كشفوا المؤامرات العراقية والأمريكية على سورية. فأصبحت لهم مهمات أخرى: صاروا محققين يطلبون الأسماء والأمكنة! يريدون أن يساعدهم فوزي في تفكيك البنية التنظيمية ولو بكلمة؟ بدا ذلك لفوزي عدوانا عليه. من أية أعماق نبش "المنيّة ولاالدنيّة"! والدنيّة هي الانهيار الروحي الذي يبيح انتصار الخصم. نعم، ليس هدف الحوار الذي يبدأ به التحقيق في السجن إقناع الخصم، بل كسره وإعلان الانتصار عليه! لذلك استعد فوزي للضرب، والكهرباء، وقلع الأظافر، والتعليق من اليدين! لكنه تساءل مجروحا: متى أجادوا ذلك؟ ونحن ننظم المظاهرات ونتدرب في المقاومة الشعبية على الدفاع عن الوطن! آه، نسيت أن القوميين السوريين سجنوا وعذبوا ووضعوا في أكياس مغلقة مع قطط وضربوا معها!‏

ولكن من هذا؟ استدعي فوزي إلى التحقيق بعد الظهر. ليس هذا أوان التحقيق مع المدنيين! أدخل إلى المحققين العسكريين. رأى أمامه الضابط الذي رافق مجموعته في المقاومة الشعبية. تعرف هذا الرجل؟ طبعا أعرفه! ضابط مجموعتنا في المقاومة الشعبية! اعترف بأنك نظّمته في جماعتكم! لم أنظّم أحدا من العسكريين! بل نظّمته، وأدى قسم الانتساب على القرآن أمامك! شر البلية مايضحك! قسم على القرآن للانتساب إلى حزب ليس الدين من مرجعياته؟‏

ذات مساء وهو جريح على الأرض، قال لنفسه: أكثر من القرد مامسخ الله! المنفردة ذقناها، والكهرباء عرفناها.. المنيّة ولاالدنيّة! أراد أن يبتسم لكن جسمه كان داميا. من أضاف إلى وجعه هذا النقيق؟! أضيف إلى زنزانته مرافق قائد. كان هذا الرجل يجيز الدخول إلى بيت قائد أو يمنعه. ماهذا؟ سمعه يقول كأنه يتحدث في نومه: انتهى كل شيء، فلماذا العناد؟ هرب الكبار وانهار بعضهم فلماذا نتحمل نحن العذاب؟ لافائدة! تمنى فوزي أن يلتفت لكن جسمه لم يطعه. قال لنفسه: هذا الرجل مكلف بتفكيك الروح! نعم، يجرح القرف الروح، فيتمنى الإنسان الهرب من كل شيء! ولكن ياللأحمق الذي لايفهم أني الآن أدافع عن كرامتي الشخصية! ولن أقدّم لمن ضربني جائزة! قال له في الصباح: تستعجل الخروج من السجن؟ أنا نقيضك. لاأنوي الخروج منه! في هذه الظروف، الحياة في السجن أكثر راحة من الحياة خارجه!‏

ولكن ليت فوزي يستطيع أن يكسر ضيق المكان وسجن الزمان، بعمل ما ولو كان شك الخرز! سيتذكر الكتب التي قرأها وسيرويها. وسيحرر مع أصحابه مجلة غير مكتوبة ويمرّنهم على يقظة الذاكرة. أصغر الأعمال مقاومة عظيمة!‏

سيقلق الاحتجاج على الاعتقالات عبد الناصر. فيصبح القرار الخلاص من المعتقلين! لن تكون المعلومات مهمة. بل سيكون هدف التحقيق: التوبة! سينقل فوزي إلى طابق في المدينة تركت للمعتقلين فيه قصدا بعض الحرية. وسيوضع مع أصحابه في غرفة. سيقول لهم المحقق: اكتبوا "بيانات استنكار"! انقلوها من بيانات أدبائكم المعروفين! وسيخرج المحقق من الغرفة. سيعبر الممر أمامهم الكاتب سعيد ويتوقف أمام الباب: مرحبا ياشباب! وسيسأله فوزي ساخرا: ياأستاذ، كيف نكتب بيان استنكار كالذي صغتَه أنت؟ وسيردّ سعيد غاضبا: لست مستشارا في كتابة مثل تلك البيانات القذرة! لكن أحد الشعراء سيغرد قصيدة في المدح والندم!‏

سيُستقدم أهل المعتقلين. زوجاتكم وآباؤكم وأولادكم. هل تتذكرونهم؟ هل فكرتم فيهم؟! رميتموهم لأجل جماعتكم! ياللنذالة! يعتمدون على دموع الأهل وحنان الأمهات! على قهر القوة الروحية التي تضم الدموع بالأجفان! الآن تسمحون لهم بزيارتنا؟! لاتضعفونا أيها الأهل المحبوبون! احمونا! لاتظهروا حزنكم على السجين! في ذلك اليوم ستعصب عيون بعض المعتقلين وينقلون إلى سجن اللاذقية. سيعرفونها من صوت البحر. إذا متنا أو قتلنا هل سيخمّن أصحابنا وأهلنا مصيرنا؟ هل سنرمى في البحر؟ سيصل عندئذ خبر صغير إلى فوزي: استقال الوزراء البعثيون، واستقال الوزراء المستقلون. يطلب السجانون منكم التوبة لأن الحملة العالمية لتحريركم تتسع.‏

كان يجب أن يخمّن فوزي منذ البداية علاقة التعذيب بما يحدث خارج السجن. ألم يضربوا في تشف يوم فشلت فتنة الشواف في العراق؟! تساءل مرات: هل سيبقى عبد الناصر حيا ليستنتج أن حركة التحرر العربية ستدفع ثمن الصدام الذي أشعله بعيدا عن الصراع المركزي بين العرب وإسرائيل؟‏

كان شعار البعثيين في المظاهرات يبدو لفوزي ساذجا: "شعب واحد، ألم واحد، أمل واحد". يشعر فوزي الآن بأن تلك البساطة معبرة! لاخلاف سوى أنه يرى الشعب فئتين، والبلد بلدين. في كل أمة أمتان! فقراء وأغنياء! سيجمع تعسف الضباط المصريين، الأغنياء والفقراء معا. وسيفهم السوريون المندفعون بعاطفتهم الوطنية إلى الوحدة أنه غُرر بهم. لن يكرر أحد بعد اليوم غلطة القوتلي الذي قال: "هذا يوم عظيم من أيام أمتنا"..‏

كم سنة ستمر حتى تعرف مديحة كيف عاش فوزي في السجن؟ بعد اعتقاله طرق بابها صاحب البيت الذي قرأ فيه قيس مرة شعره عن حلف بغداد. همس: ارحلي فورا إلى بيروت! وانصرف. فخرجت من البيت دون أن تقول كلمة. إلى بيروت! لاتزال الحدود دون قوائم بأسماء المطلوبين. يطل الدركي من نافذة السيارة وينظر إلى الأشخاص والهويات وتمرّ السيارة في أمان.‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:27 AM
.
يوم استدعي رضا ليقنع فوزي، كان الخبر قد نقل إلى فوزي: انتبه! انهار رضا وصار يستخدم في التحقيق! قال له رضا: لافائدة من المقاومة! لاتدمر مستقبلك فناصر مستقر هنا إلى الأبد! صاحب الجريدة نفسه أعلن توبته، فلماذا تتحمل أنت التعذيب؟ هل توقع رضا أن تكسره المفاجأة، فيبرر لنفسه انهياره بانهيار مسؤولين أهم منه؟ أو أن يدمره التنقل بين الحوار الأملس والضرب الوحشي؟ تسخّر ثمار علم النفس! قال فوزي لنفسه: المقاومة اختيار! سأله رضا: أين قائمة الأسماء التي أخفيتَها؟ ردّ: مزقتها وأحرقتها! قال رضا: يوم سألتك عنها قلت لي حفرتُ الحائط، وضعتُها فيه وطيّنته! رتّب فوزي جوابه: صحيح! لكني بعد خطاب عبد الناصر رأيت أن وجودها مؤذ لذلك أخرجتها وأحرقتها! يطلب القائمة بأسماء المتطوعين في المقاومة الشعبية. وُضعت خطوط تحت أسماء الحزبيين فيها. ووضعت إشارات إلى أصدقائهم. ألحّ رضا: لم تحرقها! رد فوزي في بلادة: أمامك البيوت، انبش حيطانها كلها!‏

يوم اعتقل فوزي مع مئات من الرجال كان عمر يحتفل برأس السنة مع خالته في بيروت! قرأ أخبار الاعتقالات في الجرائد، وتساءل هل يبقى في بيروت أم سيكون غيابه دليلا إلى "جريمة"؟ عاد إلى الجامعة وروّعه غياب زملائه. التقى بغادة فسألها: مارأيك؟ تلفتت. هل هي خائفة، مع أن أكرم الحوراني نائب رئيس الجمهورية؟ قالت له: في قلبي لست موافقة على الاعتقالات. ولست موافقة على حلّ حزبي. لكن يبدو أن ذلك تضحية في سبيل قضية كبرى هي الوحدة. تقولين ياغادة ذلك مقتنعة به، أم تلتزمين بقرار؟! لست موافقة على اعتقال زملائي، أبدا! ليس السجن مكانا للحوار، بل مكان لكسر الإنسان!‏

عرف عمر أن ليلى التي نجحت في امتحانات البعثة إلى روسيا، سافرت في غيابه. وعرف أن مديحة سافرت إلى بيروت. وأن قيسا رحل أيضا. انقلبت الدنيا في أيام وكانت الشهور تمر دون أن تغير خطاً في وجه أحد! مرّ بمقهى الهافانا وبدا له أن الهواء نفسه تغير في المقهى. ماهذه النظرات المتوجسة أو الحاقدة؟ ماهذه الوجوه الحذرة؟ هل النادل بقي نادلا أم صار مكلفا بمراقبة الرواد والتقاط كلمة من هنا وكلمة من هناك؟ ومن هؤلاء الندّل الجدد الذين يفحصونه؟ شرب فنجان القهوة وخرج. يبدو ياعمر أن السجن صار أكثر رحمة من المدينة! مشى في تلك الليلة في حارات الشعلان، اشترى من بائع الجرائد في الصالحية مقابل القنطرة بعض الفستق، وأكله وهو يمشي في شارع بغداد. التفت فجأة كمن شعر بأن شخصا يراقبه. وخيل إليه أن شابا توقف عندما لاحظ أن عمرا التفت. أيعقل أن تنقلب مدينة بمثل هذه السرعة؟ يبدو أن كل شيء كان يحضّر وأنا مشغول عنه!‏

استعاد هرولة القادة العسكريين إلى القاهرة في الليل، دون أن يستأذنوا رئيس وزرائهم ووزير دفاعهم، ليبلّغوا عبد الناصر بأنهم اعتمدوا وحدة اندماجية. وشروط عبد الناصر: حلّ الأحزاب، وقطع اتصال اولئك العسكريين أنفسهم بالجيش، ورئيس واحد ومجلس واحد وجيش واحد، واستفتاء على الرئيس يجعله أقوى من الأحزاب ومن ضباط الجيش الذين طلبوه! ماالحاجة إلى تلك السرعة التي جعلتهم يرحلون في الليل ويكلفون النفوري بأن يبلّغ مذكرتهم إلى العسلي والعظم؟ لم يكلّف البيطار بالموافقة على الوحدة بل بالاستطلاع، فإذا به يلتقي بالضباط وبناصر ويعود وقد وافق على الوحدة. خلال أيام سُلقت الوحدة سلقا، فهرع القوتلي والوزراء في 31 كانون الأول إلى مصر، وصادق البارلمان السوري في 5 شباط على الوحدة، وجرى الاستفتاء في 21 شباط، وكان السؤال في ورقة الاستفتاء هل توافق على عبد الناصر رئيسا! فهل الاستفتاء انتخاب؟ تذكر عمر تلك المهزلة التي تنقل فيها أشخاص من صندوق إلى آخر ونثروا فيها موافقتهم! استعاد ملاحظات خالد العظم على مشروع الدستور الموقت، وعلى سلطات رئيس الجمهورية المطلقة في قانون الطوارئ. وانهيار النظام البرلماني وتعدد الأحزاب في سورية. وهاهي البداية! لم يوافق البزرة على التنقلات التي قررها عامر في الجيش فأعلنت استقالته في الصحف قبل أن يعرفها. ورمي في مجلس التخطيط الأعلى الوهمي. ستصبح سورية سوقا لمصر وسيكون ذلك مثلا سيئا على الوحدة بين بلدين! ستطوى اتفاقية العظم مع الاتحاد السوفييتي التي كانت ستؤسس اقتصادا سوريا قويا وخطوطا حديدية ومصانع. قال لنفسه: أحسنت ليلى بالسفر! وأحسنت مديحة بالانسحاب من دمشق! وأحسن قيس بالرحيل!‏

سيعرف عمر فيما بعد أن مديحة لمحته جالسا في سيارة عائدة إلى دمشق. كانت في جانب من الطريق، وكان هو في الجانب الآخر. لكنها تفادت أن يراها. محظوظة يامديحة! في بيروت قصدت أولا العنوان الاحتياطي القديم. وباحت لمن قابلته بشكوكها في رضا. يريد أن يعرف المنظمات التي قيل لنا حافظوا عليها! سأل فوزي عن البيوت التي استأجرها لتكون سرية. من إلحاحه باح له ببيت واحد. ففتشت المباحث ذلك البيت. والآن يتجول مطمئنا وسعيدا. بعد ذلك، قصدت مديحة بيت صديقتها جورية في الغبيري.‏

بعد ملاحظات مديحة، استدعي رضا إلى لبنان. فسلّم نفسه، وقُدم للمعتقلين كأنه انهار في السجن. وسيسجل المشرف على مفرزة الطلياني في مذكراته فيما بعد، أن رضا صار يُستحضر وقت الحاجة ليحقق مع أعضاء المنظمات التي كان مسؤولا عنها. وسيبدو في تلك المذكرات أنه انهار خوفا على زوجته الصغيرة من الوحدة! وسيستر ذلك الحقائق التي عرفها من عرف رضا في ذلك المقطع من الزمن. وسيهمس معتقل لفوزي: خسارة! غامرنا كي نوصل له سيجارة!‏

اعتقل عمر ونقل إلى سجن المزة. لماذا سجنتَ في أيام الشيشكلي؟ لستَ حزبيا فلماذا بقيت في تدمر كالحزبيين؟ لماذا رفضتَ أن تكتب تعهدا أو اعتذارا؟ ياأخي، لاحق للمستقل أن يكون ذا رأي ويرفض أن يُقهر على غيره؟ من يفهم هنا الشهامة والرجولة والاعتداد بالنفس! من يفهم الطبع العربي الأصيل الذي ورثه عمر من أجداده!‏

رأى عمر شخصيات ذلك المقطع من الزمن: عبد الوهاب الخطيب، زكار، وغيرهما. هل تصور أنهم رحبوا به ترحيبا خاصا؟! كرر لهم: لست عضوا في حزب ولا صاحب منظمة! أنا مستقل، مستقل! هل يُمنع أن يكون المواطن مستقلا؟ تتشاطر علينا! من بقي حتى اليوم الأخير في سجن تدمر لايمكن أن يكون مستقلا! بل هو سياسي سري خطر! قال عمر لنفسه: الموت! ورتب نفسه لذلك. واستقبل الضرب، والكهرباء، وقلع الأظافر، والتعليق من اليدين!‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:28 AM
.
تنبأ عمر بأنه سيبقى في سجن المزة حتى اليوم الأخير من حياته أو من حياة الوحدة. لم يلتق برضا، لكنه التقى بمن باح رضا بأسمائهم ومهماتهم. وضع أمام عمر رجل خيل لعمر أنه التقى به من قبل. قال له: لماذا تتحمل أنت التعذيب مع أنك لست حزبيا ولاناقة لك ولاجمل؟! تذكر عمر الكتاب الذي استعاره من مديحة. وقال شكرا يايوليوس فوتشيك! هاأنا مثلك "تحت أعواد المشنقة"! توقع أن يحملوه إلى خارج السجن ليرى كيف تسير الحياة كأنها لاتبالي بعذابه وغيابه. وقرر: باق هنا كيوسف العظمة في ميسلون! وفي ذلك المساء وهو على بطانية على الأرض، قال لنفسه: ليلى نجت!‏

سأله المحقق: من أصدقاؤك الذين تسترهم؟ ردّ: وهل يستطيع أحد أن يحمي أحدا بعد أن خان المعلم تلاميذه؟ ابتسم المحقق: تقصد الذين خانوا أحزابهم؟ اسمع! دلني أحد هؤلاء الأبطال حتى إلى الحفرة التي وضعوا فيها سجلاتهم السرية! ياللهول، يستمتعون بأن يعرضوا أمامه أنهم كسروا روح إنسان ورموه عظاما! والآن يجربون الانتصار على عمر ليفقد زملاؤه ثقتهم في شرفه وشجاعته! لمن سيهدون هذه الانتصارات العظيمة؟! من سيفيد منها ذات يوم، ومن ينتظرها؟ يدمّر مواطن عربي بأيد عربية! فهل يجهل السياسيون هول ذلك؟! سينقب عمر بعد سنوات عن السبب الذي جعل عبد الناصر يسقط في العداوة للشيوعية والاتحاد السوفييتي ويعتقل الوطنيين المستقلين باسم تلك العداوة! سيتساءل هل خيل إليه أنه يقرّب الأمريكيين من مشروع آخر إذا اتفق معهم في هذا المشروع! وسيتساءل كيف لم يكتشف أنه انساق في الصراع بين قوى سياسية عربية وبلاد عربية فضيع سنوات كانت تحضّر إسرائيل فيها سلاحها النووي! وكيف لم يتبين أن اللقاء مستحيل بمشروع أمريكي دموي! لم يكن في الجيش شيوعي واحد مهم. وعجز الشيوعيون عن رفع مرشح إلى البرلمان لا تسنده قوى أخرى. لم يأخذوا للغفري غير ثمانية آلاف صوت. فلماذا أُظهروا كأنهم خطر وأزيح الخطر الإسرائيلي الحقيقي؟! كيف لم ينتبه عبد الناصر إلى خطر الخصام العربي العربي، وخسارته هو نفسه من تصفية ثورة العراق؟! لن يكون عبد الناصر حيا عندما سيبدو العراق مرة أخرى كأنه مركز الخطر، ليُسوغ احتلاله ونهبه! لكن عمرا سيعيش أيام احتلال العراق الدامية الثقيلة. وسيرى كيف ستبدو المقاومة الفلسطينية إرهابا ليُسوغ قتل الأطفال ونسف آلاف البيوت ونهب مياه فلسطين وأراضيها!‏

مرت شهور في الزنازين الضيقة. لم يخرج أحد إلى الشمس! تمنى المعتقلون الأشغال الشاقة ليروا الشمس! قال عمر: فلنتعلم! تذكر الكتب التي قرأها ودرسها. حدث المعتقلين عن أعراض الأمراض وعلاجها، وتبين جهلهم بالمعلومات البسيطة التي يفترض أن يعرفها الإنسان ليعنى بصحته.‏

عندما نُقل المعتقلون إلى القواويش احتفى عمر بها: ماأوسعها! لكن إقامته فيها انقطعت. أقلق الاحتجاج على الاعتقالات عبد الناصر ويبدو أنه قرر الخلاص من المعتقلين! المهم: أن يعلنوا توبتهم عن العمل السياسي! نقل عمر مع بعض المعتقلين إلى اللاذقية ليعذبوا تعذيبا يصعب تحمله. لم يطلب منهم شيء، ولم يسألوا عن شيء. ضربوا في تشف. فخمّنوا: حدث أمر ما في الخارج! ماذا حدث؟ بالرغم من العزل وصلتهم مجموعة من الرسائل: فشلت فتنة الشواف في العراق، ثم استقال الوزراء البعثيون والوزراء المستقلون! تساءل عمر، كما تساءل فوزي، هل سيبقى عبد الناصر حيا ليستنتج أن حركة التحرر العربية ستدفع ثمن الصدام الذي أشعله بين الوطنيين؟ تحمل التعذيب، وأعيد معصوب العينين على الطريق الطويل مع الصفوة التي تحملته.‏

رجع الوزراء السوريون المستقيلون إلى دمشق. وسيروي الوزراء والحوراني نائب الرئيس، أنهم كانوا دون عمل. وأن عبد الناصر لم يبال بآرائهم. وأنه عاملهم كتلاميذ. حدث الانفجار عندما اعترضوا على مشروع جونستون لتحويل نهر الأردن. المياه وأرض الجولان مسألة لامساومة فيها. طلب وايزمن مياه جبل الشيخ في مؤتمر سان ريمو، قبل أن توجد إسرائيل. ولعب المفاوضون البريطانيون بالحدود، وجرت التنازلات الفرنسية عن أجزاء من فلسطين. هناك حيث الماء تلتقي الأراضي اللبنانية والسورية والفلسطينية. سلبت إسرائيل سبع قرى لبنانية لأجل المياه، وجرت المعارك بين السوريين واليهود في حرب فلسطين في ذلك الشريط الغني بالمياه. هناك دخل السوريون مستعمرة مشمار هايردن وجرت معارك دجانيا وسمخ. عند الجيش السوري تعليمات واضحة: يمنع تحويل مجرى الأردن! عندما بدأت إسرائيل في سنة 1953 بتحويل مجرى الأردن في المنطقة المجردة من السلاح قصفها السوريون. وفي سنة 1955 جرت معارك طبرية. وظل السوريون يقصفون الجرارات الإسرائيلية في الأرض المنزوعة السلاح بعد الهدنة. دمرت إسرائيل خلال ذلك قرى عربية وهجّرت سكانها. واعتدت أربع عشرة مرة في الشهر على الأقل على الأرض المنزوعة السلاح. فهل يسمح السوريون بالتحويل في سنة 1959؟ عين إسرائيل على بحيرة طبرية، ونهر بانياس، والحاصباني، واليرموك! وقد ردّ السوريون مشروعات متنوعة اقترحت شراكة إسرائيل في مياه جبل الشيخ. لذلك قال الحوراني: رفضت سوريا مشروع جونستون. فردّ عليه عبد الناصر: منع إسرائيل من تحويل الروافد يعني الحرب، وقد تقصف دمشق! فتدخل النفوري: لاتخاف دمشق القصف! ماذا بقي إذن غير أن يستقيل الوزراء البعثيون ويلحقهم غير البعثيين. سيقول السادات: "يقيمون الدنيا مشان شوية ميه"! شوية ميه؟! ماأجهله! ألم يسمع بطمع الصهيونية بمياه جبل الشيخ قبل اختلاق دولة إسرائيل؟ ألا يفهم أن السوريين ثبّتوا دائما أن إسرائيل ليست وريثة دولة الانتداب في فلسطين؟! تلك المياه حقوق وطنية سورية لبنانية فلسطينية! بتلك المياه تنوي إسرائيل أن تستقدم مهاجرين جددا، يعني مسلحين جددا!‏

أكمل مشروع الاتحاد القومي ذلك الانهيار. فالمشروع ظهر جاهزا دون ملاحظات السوريين عليه. فبدا الاتحاد القومي مثل سوق يجمع الأبيض والأسود. وفوق ذلك أسقط البعثيون في انتخابات المرشحين له.‏

في 23 كانون الأول سنة 959 هاجم عبد الناصر في بور سعيد الحزبية والحزبيين وكان يقصد البعثيين. وأعلن أن العمل السياسي خارج الاتحاد القومي تخريب، من يقترفه عميل وخائن! فاجتمع بعد الخطاب الوزراء السوريون لصياغة مذكرة لعبد الناصر. ثم قرر الوزراء البعثيون وحدهم الاستقالة. فاستقال في 31 كانون الأول 1959 أربع وزراء سوريين. وقبل عبد الناصر استقالتهم. نشرت الاستقالات في الصحف، وفقد عبد الناصر حماسة البعثيين وسندهم العاطفي والتنظيمي. ومع ذلك أعلن ناصر للوزراء الباقين أن للوزراء حدودا لن يسمح بتجاوزها ومن لم يعجبه ذلك فليستقل! فأعلنت في أيار سنة 1960 استقالة بقية الوزراء السوريين. وقفز ناصر في 14 شباط سنة 960 إلى اللاذقية وهاجم في خطاباته الرجعية والحزبية ووصل إلى الحدود العراقية.‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:29 AM
.
في السجن عرف عمر أن عبد الحكيم عامر يحكم سوريا. ورويت له القصص عن سلوك الضباط المصريين والسفارة المصرية، والتهريب من لبنان، والاعتداء على بنات المدارس، وعلى الحريات. وسمع أسماء الذين قتلوا في السجن. وعرف أن فرج الله نفخ وقتل بالتعذيب وأذيب بالأسيد. وفوق ذلك كله تدخل عبد الناصر في العراق، وأثار القوميين على عبد الكريم قاسم! فأي زمن ضاع! وأية قوى بددت!‏

سيقرأ عمر فيما بعد ماكتبه خروشوف لعبد الناصر في نيسان سنة 1959: التدخل في شؤون البلاد العربية خطر جدا، ولن يؤدي إلى الوحدة، بل العكس. تجذب الجمهورية العربية الآخرين إذا أصبحت مثلا ببنائها الاقتصادي ونظامها الحكومي! لكن الوزراء السوريين سيكتبون عن تلك الأيام فيما بعد كشهود عاشوا الأحلام والخيبة.‏

سيضيف عمر إلى ذلك، يوم يخرج من السجن ويتبين أن الأشخاص اذين تركهم عندما اعتقل قد تناثروا، أكانوا أصدقاء أم شخصيات سياسية: هذا هو المشروع الذي نفّذ! ويوم ستصل إلى السوريين أخبار سفك الدم في العراق سيقول: وهذا هو بقيته! انتهى الآن ماكنتُ أحلم بأنه قد يكون جبهة شرقية تواجه إسرائيل!‏

وقت كانت مديحة تمشي بين شجر الرمان والمشمش الهندي مع جورية، كان زملاؤها في السجن. ألذلك بكت في حرارة فجأة؟ "أنا هنا حرة، وهم هناك معتقلون"! سألتها جورية: هل تستطيعين أن تقدّمي لهم شيئا ترددت في تقديمه؟! لن يطول هذا الليل! بل سيطول ياجورية! تسنده سمعة عبد الناصر!‏

وكانت على حق. تبيّن عمر قبيل اعتقاله الفرق بين ماسيسميه سجون عبد الناصر وسجون الشيشكلي. فالاعتقال كان يهب الرجل سمعة الوطني الجريء ويحيطه بعناية أصحابه وجيرانه، وزهوهم بمعرفته. خصص عمر أياما للتهنئة بعد عودته من تدمر، وتبين أن الأخبار عما جرى له في السجن منتشرة بين أهله وجيرانه، لذلك استقبل كبطل شجاع. إلى ذلك لم يكن الاعتقال في سجون الشيشكلي أو غيره يطول. بينما حشد الناسَ صخبُ الإعلام قبل الاعتقالات في زمن عبد الناصر، وهيأتهم خطاباته نفسها لاعتقال المغضوب عليهم ومراقبتهم. فبدا المعتقل كخائن يجوز حتى قتله. واتصل ذلك، أيضا، بأحداث العراق. ولم يعرف الداخل إلى السجن لايعرف متى يمكن أن يخرج منه. ولم يجسر أحد على الوساطة له أو السؤال عنه، كأن البلاد كلها كانت ضده.‏

فحص عمر تلك المقدمات قبل اعتقاله وقال لنفسه: هذه المرة ليست مثل تلك. ومع ذلك لم يخطر له الهرب. وأين المفر؟ ثم وجد نفسه في السجن بين المعتقلين ولاقى معهم االمعاملة التي عرفها في أيام الشيشكلي: الأصوات التي تصرخ وسط الليل طالبة الرحمة، وتعد بالاعتراف بكل شيء. وضجة الصحون المعدنية، وفتح الأبواب وإغلاقها في الصباح. والحرمان من النزهة في باحة السجن. والشتائم والرعب من جواسيس السجانين بين المعتقلين. ورهبة الانتظار، والتساؤل: ماهي أنواع التعذيب، وهل سأصبر على الضرب والكهرباء والحرق والوحدة في الزنزانة؟‏

لكن عمرا شعر بالخيبة والقرف وهو يتأمل السجانين الذين صادفهم في سجن المزة. أينشغل هؤلاء بتعذيب مواطنيهم وإسرائيل على الحدود تنتظر اللحظة المناسبة لتضرب الجلادين والضحايا معا؟ وإلى متى يهان الإنسان ويعذب كي يستسلم لخصمه ويعترف بانتصاره عليه؟ لايبدل إنسان ايمانه بالقهر. لكنه يمكن أن يسقط في حضن خصمه ويموّه هزيمته واندفاعه في خدمة الخصم والتجسس له، بنبش أخطاء رفاقه القدماء، وبالوهم بأنه لولا الاعتقال لكان انفصل عنهم، لكن وياللحظ، حدث الاعتقال الملعون قبل تلك اللحظة! نعم، قد يحدث ذلك، لكن لاأحد يبدل ايمانه بالضرب. بل يفترض أن تثير الإهانة غضب المعتقل وتعمق موقفه من خصمه.‏

كان عمر وسط تلك التأملات عندما فتح باب الزنزانة في صخب ونودي باسمه. مشى بين العسكر، وفوجئ في الممر بصفعة قوية على نقرته تبعتها رفسة على ظهره. كأن النار اشتعلت في مكان تلك الرفسة، ولم يعد قادرا على المشي. آه، ياغبي ادرس جسم الإنسان قبل أن ترفسه! جرّه الجنود حتى وجد نفسه مقابل ضابط وسيم. أشار للعسكر بكفه فابتعدوا. فهم عمر أنهم تعودوا إشاراته. تمنى أن يسأل الضابط: ألم تملّوا هذه المسرحيات؟ وجمع قواه. قصد الضابط أن يتصفح أوراقا على الطاولة. وتساءل عمر بينه وبين نفسه: ولماذا الطاولة؟ لتضفي شرعية على وضع غير شرعي؟! قال الضابط في هدوء: أرى أنك قديم في العمل السياسي! اعتقلتَ في أيام الشيشكلي، ووصلتَ إلى تدمر! لماذا خيل لعمر أنه يمكن أن يحاوره؟ يُستحسن ألا يكثر المعتقل من الكلام. لكن عمر يخزن تجربة ولايبالي بتلك القاعدة. ردّ: لاأخفي أبدا أني ضد الأحلاف العسكرية، وأني مشيت في المظاهرات الوطنية. لم أرشح نفسي للاعتقال في أيام الشيشكلي. بل وجدت نفسي، كما أجدها الآن، في السجن دون سبب منطقي! قال الضابط في جفاف: نحن الذين نقرر السبب لاأنت! لكن بما أنك طالب في كلية الطب وأنا أحترم الثقافة، قلت لنفسي فلأضحّ بمعالجة قضيته! اعتبر هذا رحمة أو احتراما للثقافة! أطلب منك فقط أن تسجل أسماء من تعرفهم! تأمله عمر. ألا يملّون من هذا الأسلوب؟! قال: سئلت في أيام الشيشكلي هذا السؤال نفسه. ولابد أنهم سجلوا جوابي فيمكن الاستئناس به! أنا غير حزبي، ويفترض أن يكون ذلك مسجلا في الأوراق! وقف الضابط فجأة في غضب، فهبّ من طرفي الغرفة شخصان لم ينتبه إليهما عمر لكنه خمّن أنهما لابد أن يكونا موجودين مع آخرين. عادا إلى مكانيهما في الظلمة بإشارة من يد الضابط. قال: لانشعر بالخطر، ولانحتاج إلى اعتراف إضافي، فلدينا أكوام منها. لكن افرض أن هذه المقابلة مناسبة لإنقاذ طالب ذكي يتفادى أن يدمر مستقبله. ولماذا نمنعه من تصحيح سلوكه! لايحتاج عبد الناصر لمن يشهد له بالوطنية! أمم قنال السويس وسيبني لمصر السد العالي. جذوره في بلاده. لكن فكر أنت بأعداء الوطن.. بالشيوعية الدولية التي خلقت منظمات تنفذ أوامرها. منظمات غريبة عن بلادنا، تضخ روح النقمة والتمرد في شعوب طيبة. وتريد أن ترسم للعرب نمط مجتمع لايتصل ببيئتنا وعاداتنا. تفرج على هذه البيانات! حتى لغتكم غريبة. ألم تلاحظ أن حزبكم كردي، أما القلة من أبناء العائلات التي لعبتم بعقلها فتبتزون أموالها وتستفيدون منها الوجاهة! من أين أوامركم؟ أليست من خارج الوطن؟ موافقتكم على تقسيم فلسطين عار لايمحى. والآن أنتم ضد الوحدة التي حلم بها العرب. تبثون في الشارع نداء التخريب والهدم. نعم، عقيدتكم هدامة، عقيدة إلحاد وإفساد، تخرج جيلا لايؤمن بدين أو قومية، ولايؤمن بتاريخ أو تراث. تربي جيلا كافرا بأمته وحكامه وأنظمته، بماضيه وحاضره، كافرا بتقاليد المجتمع. مثلكم الأعلى الاتحاد السوفييتي والبلاد الاشتراكية. فقل لي أين الاجتهاد في هذه الاشتراكية المستوردة؟ ليتكم تناولتم نظرية غربية وأبدعتم فيها! شغلكم أن تصرعونا بأقوال لينين وستالين! ويالبؤسكم! بيّن خروشوف في تقريره السري إلى المؤتمر العشرين حقيقة الجنّة التي تنشرون الحلم بها!‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:30 AM
.
كان عمر يحدق في الضابط ويتساءل: ألم يشترط عبد الناصر ألا يتدخل الضباط في السياسة؟ كل ماقاله هذا الضابط سياسة! سأله الضابط: لماذا لاتجيب؟ ردّ عمر في هدوء: لأن ماقلته لايمكن أن يكون موجها إلي. فأنا كما بينت لك لاأنتمي إلى حزب من الأحزاب. طبعا، ماقلتَه يمكن أن يناقش فهو يلمس علاقة الجمهوريات الحديثة بالحريات، والفرق بين حق البشر في استلهام التجارب الإنسانية وبين النقل الغبي. كما أنك لمستَ مسألة مهمة هي كيف ستكون الاشتراكية العربية، وهل نؤسسها على الأحقاد أم على فهم العالم. وأنا معك في الموقف من تقسيم فلسطين فلست أعترف بأي حق للمستوطنين الغرباء في أرض فلسطين العربية، ولو وافقت على ذلك أمم الأرض! كان الضابط قد ضيّق عينيه وهو يتفرج على عمر. ماهذا الخطاب؟ هل يحوّل عمر هذه الغرفة إلى مكان للحوار ويجعلني مساويا له، مع أني ضابط معروف وهو معتقل متهم ؟! وقف الضابط فهبّ الرجلان من الظلمة. بقي واقفا: لم نستدعك لنحاورك. بل لنطلب منك أولا أن تسجل أسماء أصحابك ومسؤولياتهم. وثانيا أن تستنكر أعمالهم الهدامة وموقفهم من الوحدة. ماأسرع ماأنهى الضابط التمثيلية! ردّ عمر: لاأستطيع أن أفيدكم بالجواب على السؤالين. لأني كما بيّنت لست منتميا لحزب. وبما أنك ذكرت تقرير خروشوف هل لي أن أسالك لماذا نكرر القهر الذي ننتقده في بلد بعيد في سنوات بعيدة؟! ضرب الضابط الطاولة ضربة قوية: إذن ترفض المساعدة التي عرضتها عليك!‏

خرج من الغرفة وترك عمرا للرجلين، وأتى آخرون. حاول عمر أن يحمي رأسه ثم تذكر أنهم يقصدون العضو الذي يحاول المعتقل أن يحميه. فاستسلم محاولا ألا يصرخ من الألم. أغمي عليه وسكبوا الماء عليه ليفيق، وضربوه مرة أخرى.. كرروا مايعرفه: الحرق بالسيجارات، التعليق من الذراعين، الفلقة حتى تتورم القدمان. ثم جرّوه على الأرض في الممرات حتى الزنزانة، وغطّوه بالشتائم.‏

استعاد تجربته الماضية. لايستطيع المعتقل أن يمنع نفسه من العتب لأن هؤلاء الفقراء الذين لامصلحة لهم في تعذيبه، أدوات غبية تنفذ الضرب والقتل. وبما أنه يقيس الناس بنفسه فلم يستطع أبدا أن يفهم كيف يموت الضمير إلى هذا الحدّ الوحشي. تساءل حتى يوم اعتقل في أيام الشيشكلي عن الرحمة التي يربي بها القرآن الإنسان ويجعلها بوابة واسعة تحمي الضحايا من الانتقام، وتستبعد الحقد عن الحكم عليهم. وكان على أساس تجربته في أيام الشيشكلي، يحذَر دعاة الأفكار والمشروعات الكبرى الذين يسوّغون بها مذابح خصومهم. ألم يموّه القتل في التاريخ بأهداف عظيمة وطنية أو إنسانية، في سبيل أمجاد، أو آمال عامة؟! ألم يحتل اليهود فلسطين باسم الأرض الموعودة ووطن الشعب المختار، وينفذوا المذابح والجرائم التي غطت مشروع الاستيطان والاتفاقات الاستعمارية؟‏

شعر بيد تمسح الدم عنه، وبصوت يواسيه. وحاول رجل أن يضحكه بنكتة. أراد أن يقول خلال ضباب الإغماء : المهم ألا تستخدم جروحي لترويعكم. هل أصيبت عينه حتى أنه لايستطيع فتحها؟ تذكّر مارواه له قيس ومارواه لاجئون سياسيون عراقيون عن تعذيبهم. ماأغرب أن تتفق أنظمة متخاصمة في معاملة المعتقلين!‏

في "المقابلة" الثانية اعتذر منه الضابط: يبدو أنهم قسوا كثيرا عليك. تذكّر أني فضلت أن أكون أنا الذي يتعامل معك! كانت آثار الضرب ماتزال ظاهرة على جسم عمر ووجهه، ولم يكن يستطيع أن يفتح عينه اليسرى كلها. فهزّ الضابط رأسه أسفا: أما كنتَ في غنى عن ذلك؟! تأمله عمر وقال في نفسه: أعرف هذه المسرحية أيضا! فمن أين سيبدأ الضابط الآن؟ فاجأه: يبدو أن صديقتك ليلى ذات علاقة خاصة بقيس! أترى كيف يغدر هؤلاء بأصدقائهم! ومع ذلك تدافع عنهم بصمتك! التهب عمر، واندفع القرف حتى حلقه. قال: خلال اعتقالي في أيام الشيشكلي لم يبحث معي أحد خلال التحقيق، أي أمر شخصي، بالرغم من الصلب والضرب. فهل نتقدم على زمن مضى أم نتخلف عن زمن سميناه زمن الديكتاتوريات العسكرية؟ توقع عمر أن يغضب الضابط. وغضب حقا، لكنه لم يشأ أن ينهي دوره بسرعة. قال: أردت أن أنبهك إلى خيانة صديقك، وأكشف لك مالاتعرفه وأعرفه بحكم وظيفتي! هاأنت ترى كم نتعاون معك! أقدم لك معلومات لم تطلبها حرصا على مصلحتك، مع أنك تحجب عني المعلومات التي أطلبها. قال عمر: لكني لاأبالي بالإشارات التي سمعتها. ولا أطلب مثلها.‏

تمنى أن يقول للضابط وقت رآه في المرة الثالثة مع ضابطين آخرين عن يمينه ويساره: هل هذا الوضع طبيعي؟ معتقل خلفه رجلان ينتظران الإشارة لضربه وكسر عظامه، ومقابله ثلاثة محققين؟ هل نحن متكافئون كي تقنعوني بنظرياتكم في المجتمع وبسياستكم الداخلية والخارجية؟ وكي أقبل أنكم تركتم مكانكم في التجمع الوطني وصرتم محققين في سجن، لتدافعوا عن الوطن؟‏

توقع مايعرف أنه أشد من التعذيب. فعندما يتحمل المعتقل الحدّ الأعلى من القسوة لايبقى غير قتله، أو أسلوب آخر: الزنزانة المنفردة. نقل إليها عمر وبقي فيها أربعين يوما. لم يكلمه حتى العسكري الذي يرمي له الطعام. ولم تصله ورقة تدس تحت الباب. ولم يسمع همسة إنسان يمر بزنزانته. كأنه في قبر! قاوم تلك الوحدة باستعادة الحياة. تذكّر السماء الفسيحة، والغيوم التي وشّتها في يوم الجمعة الحزينة. فاجأته تلك الغيوم بلونها الرمادي المزرقّ وبأطرافها البرتقالية المتوهجة. وشعر بنسمة باردة كان يلاحظها عشية سبت النور. ونزل رذاذ قليل منعش. وخيل إليه أن البرق ومض فوق الكنائس. عندما أتى إلى دمشق سكن في ملحق على السطح في بناء نظيف في وسط دمشق، يطل على حديقة مزروعة بشجر النارنج والليمون. كان المرور بها متعة له. كانت السماء تمتد حوله حتى الأفق وتتيح له أن يستمتع بغيومها في الربيع والخريف. أذهله اللقاء بدمشق يوم أتى من مدينته في شمال سورية ليدرس في الجامعة. خيل إليه أنها مدينة الجنّة. مدينة صغيرة نظيفة مقاهيها في البساتين، ذات مطاعم كثيرة نظيفة ورخيصة، محاطة بغوطة خضراء، يدقّ الكناسون أجراسهم فيها فيسلّمهم أهلها القمامة. تشطف شوارعها وتكنس ثلاث مرات في اليوم. أزقة حاراتها أكثر نظافة من شوارعها. في نيسان تزهر فيها البنفشا وتكلل البيوت وتنفر من الحدائق، ويزهر الياسمين الأصفر والهرجاية الملونة والأقحوان البرتقالي والمارغريت الأبيض ويفوح زهر الليمون فيتوقف عمر قرب الحديقة ويملأ صدره بالعبق. وينتظر فيها مطر نيسان والعطر الذي ينشره في جو المدينة. تجول عمر في تلك المدينة مسحورا بليلها وفجرها وحتى بوهن ظهيرتها الفاترة ولسعة شمسها. وساح أيضا في بلدته. فتذكّر أنه كان يستلقي على السطح في بيته فتغمره سماء عميقة ملأى بالنجوم. ويسمع غناء الصبايا والشباب الذين يتنزهون في ليالي القمر في أطراف البلدة. ويتأمل المشتري الذي صار يسمى الكوكب الأحمر. كم كان يحذبه ببريقه! كان كالعلامة إلى طرقات سماوية! مثل "لمبة" الكهرباء المعلّقة على باب بيت عمر، التي بدت له مرة كمنارة في ميناء. لم يجد يومذاك سيارة أو دابة توصله إلى أهله فقطع أرضا مظلمة يضيّع الغريب فيها اتجاهه، وعندما لمح "اللمبة" شعر بأنه وصل، وصارت خطواته أكثر خفة كأنه محمل بشوق العائد من غربة طويلة. تذكّر عمر الأعياد التي احتفل بها في بلده، عيد الغطاس وعيد الصليب وعيد الفصح الشرقي والفصح الغربي، والشعانين. وعيد الأضحى وعيد الفطر وعيد الجلاء التي احتفل بها في دمشق. كأنه رسم على جدران زنزانته الدنيا التي عرفها في مختلف الأزمنة. وقال لنفسه: كم الإنسان محظوظ بالذاكرة!‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:31 AM
.
ومع ذلك كانت الذاكرة تستعيد في سرعة الأيام التي مرت في بطء. وبدت أيام الزنزانة طويلة. فوضع عمر أسئلة لنفسه وأجاب عليها. وعبر امتحانات الألوان في الذاكرة. فتذكّر لون الثوب الذي كانت تلبسه ليلى أول مرة رآها فيها. ومن تلك الألوان انساق في دروب فرعية فاستمتع بحب غريب خيل إليه أنه اكتشفه. جمع الأحاديث وفحص الكلمات، واستعاد النظرات والضحكات، وبدا له أنه يفهم مالم ينتبه إليه. شعر بهدير بردى قرب عين الفيجة، ولمس الماء في عين الخضراء كما لمسته ليلى، وخيل إليه أنه تبيّن برودته. استعاد ذلك المقطع من الطريق الذي يبدو فيه وادي بردى في الأسفل، فيتوقف في المطل عليه من يقصد عين الخضراء. مارس النزهات فركب الباص إلى التكية، ونزل قرب الصخور الآسرة، واستعاد دهشته وهو يستمتع بها وبمغاورها وباللقاء الفاتن بين الجبل الأجرد الصخري وبين الوادي الذي تتكاتف فيه أشجار الحور حول بردى. لدى سجانيه أسلحة وجدران دون نوافذ وزنزانات صغيرة تعيد المسجون إلى وضع وحشي. لديهم محققون وعسكر. مقابل ذلك لدي الروح! لكن ألا تطلب هي أيضا أن أحميها؟ سأحميها بالحياة النضرة البعيدة، وبالحب! غفا على جنبه. وتفادى أن يتساءل لماذا لم يعد يستمتع بالنوم على ظهره منذ رفسه الجندي، ولماذا يشعر بألم كالغصّة.‏

هل اعترف لنفسه بأن التفكير في ليلى واستعادة ملامحها وحركتها وصوتها ساعده في مقاومة الوحدة؟ هل اعترف لنفسه في تلك الأربعين يوما الطويلة بأنه يحب ليلى؟ استمتع باعترافه. لكنه أكد لنفسه: ذلك الحب لايتعلق برضاها ورفضها، ذلك الحب لي بيني وبين نفسي. خطر له أن تكون أحبت شابا ما خلال دراستها، أو ستحبه. وكان ذلك من مجموعة الأسئلة التي وضعها لنفسه، وأجاب عليها: لن يغير ذلك علاقتي بها! لن يؤثر زواجها على صداقتنا! لكنه عندما تساءل هل يكون ذلك المحبوب أجنبيا، استبعد ذلك. لايمكن أن تهجر ليلى بلدها، ولن يلتحق رجل بزوجته!‏

أعطته الثقة بأنه سيلتقي بليلى قوة في الزنزانة. وبدت كسرّ من أسراره. كاد يبتسم عندما عاد إلى القاووش ويعلن لمستقبليه: اكتشفت أني عاشق! لكنه سيبقي الأربعين يوما سرا مكتوما لن يبوح به حتى لليلى. لن يحدثها أبدا عن التعذيب. وسينظر إلى زواره المحتفين ببطولته متعجبا من طلبهم أن يحكي لهم كيف عذب وكيف قاوم السجانين. يهتمون بالبطولة، وربما يطلبون أن يدلّهم إلى درس يفيدون منه، لأنهم لايستبعدون أن يمروا بتجربة السجن في بلاد تتقلب بين سنة وأخرى. لكنه لايتوقف عند البطولة. بل يفكر في مهانة الإنسان الذي يعذبه أبناء بلده، والمحتلون على بعد كيلومترات من عاصمة الوطن. ويتساءل لماذا يشعر الجلادون بأنهم محصنون. سيتصفح عمر فيما بعد أوراق محاكمة قتلة فرج الله. وسيذهله أن يسجل فيها أن القتلة "قاموا بواجبهم المهني". وبما أنهم لم يقتلوه بدافع شخصي، تمتنع إدانتهم بجريمة القتل. هكذا إذن يُحمى التعذيب في السجون كأسلوب في معاملة الخصم الفكري والسياسي! لا! بل يجب أن يحاكم القتلة والجلادون علنا كي يفهم الآمرون والمأمورون أنهم مسؤولون عن سلوكهم، وأن القانون يحدد صلاحياتهم، وليس لأحد مهما سمت منزلته أن يطلب منهم خرق القانون.‏

سيتابع عمر بعد خروجه من السجن في أيام الانفصال، أفراح المعتقلين بصمودهم. كأنه شهادة لهم على ثلاث سنوات من السجن تبيّنوا بعدها أمراضهم. سينشغل عمر بدروس الطب، ويؤدي الامتحانات، وسيكتب رسالة إلى ليلى يذكر لها فيها أنه قد يسافر ليختص في أمراض القلب.‏
كانت سيارات المباحث قد حملت مئات المعتقلين إلى السجون في ليلة رأس سنة 1959. في شهر شباط من تلك السنة فتح قيس عينيه فرأى رجال المخابرات في غرفته، حول سريره فهبّ واقفا. فهم أنهم نزلوا من السطح! فكر بفرج الله. لا، ليس هنا! ولايبدو أنهم يعرفون أنه يمرّ بهذا البيت! فحصوا الغرفة. تناول أحدهم الأوراق التي كتبها قيس قبل أن ينام. قرأها وقال ساخرا: قصيدة عن بغداد؟ ردّ قيس: وهل تتوقع أن أكتب عن تل أبيب؟! أمره الرجل: البس ملابسك! كان الرجال الباقون يجمعون الكتب التي وجدوها. وأخذوها مع قيس.

كانت الحارة غارقة وقتذاك في الليل. أركبوا قيسا سيارة أحاطوا به فيها، وتبعتها سيارة أخرى. مجانين! يخشون أن يهرب؟! إلى أين؟! وقفوا في شارع بغداد مقابل مقبرة الدحداح. تركوه في ممر ليشعر بأنه في انتظار مصير مجهول. فهمس لنفسه: أنا مواطن عربي لاحق لهم في اعتقالي. هل يجسرون على تسليمي للأردن؟ وقرر: قد يطلبون مني فقط أن أغادر سورية. وعندئذ سأرحل إلى لبنان ومنها إلى العراق. أغلقت أبواب وفتحت أبواب، ثم أدخلوه إلى الضابط زكي. أمامه قصيدة قيس عن بغداد والكتب التي صادروها من غرفته. قال له الضابط في خشونة: تناضل الأمة العربية من أجل وحدتها، وستحققها! أنت وجماعتك تقفون ضد هذا الطموح الوطني! ماذا يسمى ذلك؟ من في هذه الصورة معك؟ رأى قيس صورة التقطت له من بعد في المعرض. يتجسسون عليه؟ قال: اسألوا من التقط الصورة! أنتَ هنا لتجيب على الأسئلة! يبدو أنك لم تفهم بعد أين أنتَ! أعرفُ تماما! وهذا الكتاب؟ الخيام أم الحلاج أم أبو فراس! يهتم مثلكم إذن بهم! تقرأون التراث العربي؟! فتح الصفحة الاولى من الكتاب. هدية من ليلى؟ من هي؟! ارتعش قلب قيس. لو سمع كلمة أخرى عن ليلى هل يستطيع أن يضبط نفسه! وهذا الكتاب؟ ديوان المتنبي. هدية من غادة! من هي غادة؟ هل يقول له قيس: غادة رفيقتكم؟! سجلوا الأصدقاء والأقرباء إذن! قرر قيس ألا يجيب إلا بأقل الكلمات. قال له الضابط: أنت لاجئ سياسي تتدخل في الشؤون الداخلية للجمهورية العربية المتحدة! فماذا تستنتج في الأوضاع الراهنة؟! يالهذا السؤال الذي نبّهه إلى خيارين: أن يرحل أو أن يعتقل! تنهد: أين فخري البارودي و"بلاد العرب أوطاني"؟!‏

تركوه في الصباح. مشى إلى مسكنه. عرف أن الاعتقالات في رأس السنة تناولت سورية كلها وأن مئات الأشخاص نقلوا إلى سجن المزة. وسمع من الراديو أخبارا عن اعتقالات مماثلة في مصر. بلّغته الأرملة التي يسكن في بيتها: يقول لك أخونا، اترك دمشق إلى بيروت اليوم قبل الغد! ياللرجل الرحيم! فكّر بي كما يفكر أب بابنه! بعد الظهر زاره شاب من بلده بلّغه: ارحل إلى بيروت. عرفان في بغداد منذ أسابيع! أوصته الأرملة: خذ ثيابك الضرورية فقط، سأنقل لك بقيتها فيما بعد. احفظ عنوان أقربائي في بيروت وانزل في بيتهم!‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:32 AM
.
خرج دون حقيبة. وجد سيارة في السنجقدار يصيح سائقها: راكب واحد إلى بيروت! دفع خمس ليرات وركب فيها. بعد نصف ساعة عبر الحدود بجواز سفره. وقفت السيارة في شتورا، اشترى كالركاب عروسة اللبنة المشهورة من مقصف بديعة مصابني، أكلها وهو يمشي خطوات هنا وخطوات هناك. شعر ببرودة الهواء. تنفس بعمق وقال لنفسه: الحرية! ولابد أن ألتقي بليلى!‏

أوصلته السيارة إلى ساحة البرج في بيروت. وانتقل بتاكسي إلى ضاحية الحدث. استقبله أخو الأرملة فاتحا ذراعيه. ستنزل عندنا، وسنصلك بمن تحتاج أن تتصل به. أم العبد، مدّي لنا السفرة!‏

انشغلت أم العبد بفرك الكبّة النيئة وهو يتحدث مع قيس ويطلان على بيروت والبحر والصنوبر. ومدت له سفرة لبنانية بصحونها الكثيرة. مع ذلك ماعندكم أسطوانات فيروز! لدى قيس مجموعة كاملة سيتركها لهم عندما توصلها له الأرملة! يستطيع أن يتحرك في أمان في الحدث، وأن يمشي في غابات الصنوبر. لاتزال الحدث مجموعة من البيوت تمتد بينها وبين بيروت بساتين الموز والمشمش الهندي والبرتقال، وحولها أشجار الصنوبر. قال لنفسه وهو يستمع إلى صوت فيروز من الراديو وينشر نظره على الصنوبر: ليت ليلى هنا! ليلى؟ تناول صورتها من جيبه، نظر إليها ثم خبأها. ماتزال ابتسامتها تظهر في عينيها أكثر مما تظهر حول فمها. وماتزال شفتها السفلى شفة طفلة.‏

كانت ليلى قد نزلت إلى بيروت قبله مع أمها. ستشتري بعض الملابس الدافئة قبل سفرها، وستزوران زوجة عارف ابراهيم، صديق أبيها. وستتذكر منور حياتها في لبنان وتستعيدها مع أصدقائها. وصلتا في ساعة من دمشق إلى بيروت. وحطتا في بيت عارف. شربت منور القهوة مع زوجته وهي تطل على البحر. وانشغلت ليلى بابنتها. ثم نزلن إلى أسواق بيروت. مشين بين الأبنية الحجرية الوردية والواجهات المزخرفة، تفرجن على الأقمشة والملابس الجاهزة. كأننا ياليلى في اوروبا! من هذه الأسواق تشتري عرائس بلاد الشام ثيابهن. ومنها اشترت خالتك سعاد ثوب عرسها ورافقناها من بيروت إلى الناصرة! كانت "الموضة" يومذاك زهر البرتقال المحبوك قلائد أو المنثور على أطراف الأكمام والثوب. ماذا يميز بيروت من دمشق؟ لماذا تتحرك منور وليلى في خفة؟ يبدو حتى الهواء رقيقا ورخيا. كأن بيروت المفتوحة على البحر فسحة الهواء لدمشق المغلقة بقاسيون!‏

عدن يحملن أكياسا كبيرة أنيقة من الورق. وفحصن تلك الملابس مرة أخرى. هذا معطف دافئ لكنه خفيف الوزن، عالي القبة! وهذه كنزات من الصوف، أحلاها كنزة بلون زهر الرمان! وتلك قفازات من الفرو، معها قبعة من الفرو الأبيض! تفرجي على نفسك في المرآة، ياليلى! ماأجملك! "نصفي خلقة ونصفي خرقة"؟ بل "الحاجة بلبّاسها"! لكن أرجوك ياابنتي، لاتتزوجي من أجنبي! ابقي فوق تراب بلدك! ماأبعد الزواج! لاتفكّري يامنور بما لن يحدث قبل عشر سنوات! آه، هذا الجيل لايفهم أن للزواج أوان وللحمل والولادة وقت!‏

تركت ليلى أكياسها وخرجت مع ابنة عارف. مشتا بين بساتين البرتقال والموز، عبرتا حرش الصنوبر. وصلتا إلى الزيتونة، مرّتا بفندق سان جورج وصارتا على الكورنيش والبحر إلى يمينهما! لحقت ليلى الموج وسحرها لون قلب الموجة، وتذكّرت قيسا وعمرا! لم تكن قد عرفت أن الأول رحل من دمشق وأن الثاني اعتقل. كأنما تقطعت العلاقات بين الزملاء في الأشهر الأخيرة، وشغلها هي أيضا سفرها. وانصرفت إلى أفراحها بالنسيم والموج والمشي على كورنيش بيروت.‏

كانت منور تروي لزوجة عارف أن ليلى عادت من رحلة المدرسة إلى لبنان حاملة سلّة صغيرة من المشمش الهندي، يوم كانت تلميذة في الصف الأول. فتناول بهاء السلّة منها يومذاك ورفعها كما كان يرفعها وهي صغيرة حتى تكاد تلامس الثريا. "حملت لنا هدية من لبنان"؟! كأنها أتت له بمجوهرات الست بدور! ويوم نظّمت معلمة ليلى رحلة أخرى لتلميذاتها إلى لبنان حملت لي ليلى باقة من الزهور البرية. ولم يكن بهاء وقتذاك حيا فوضعنا الباقة على طاولة الأكل مقابل الكرسي الذي كان يجلس فيه!‏

مشت ليلى مع رفيقتها على شاطئ بيروت ووجههما إلى البحر. تأملتا الموج وهو يتقدم ويتداخل ويسفح الزبد. غاصتا في ألوان البحر. ماأكثر درجات اللون النيلي والأخضر! استسلمت ليلى لسحر اللون الذي سمّته "لون قلب الموجة". بعد فندق سان جورج والزيتونة والجامعة الأمريكية وصلتا إلى رأس بيروت. خيل إليها أن الماء عند الروشة يشدها، فقالت لرفيقتها كفى، واستدارتا راجعتين.‏

ماأجمل بيروت! وماأحلى الاستعداد للسفر إلى بلاد غريبة! لكن ليلى ابنة وحيدة لأم قتل زوجها وابنها. كيف ستعيش منور دونها يوم تسافر؟ لمن ستعصر البرتقال؟ ولمن ستحضّر الغداء؟ من ستنتظر عند الظهر وفي المساء، ومن ستودع في الصباح؟ كانت كل منهما لاتظهر تعلّقها بالأخرى، لكن كلا منهما تعوّض عن ذلك بوجودهما في بيت واحد. خطر لليلى أن ابن خالتها زيادا سيكون بديلا عنها. وعلّقت أملها عليه. وابتسمت وهي تتذكر كم أضحكها "البريانتين" الذي لمّع به شعره يوم كان فتى.‏

بعد عودة ليلى إلى دمشق قال قيس لمضيفيه في الحدث أشتهي أن أنزل إلى شاطئ بيروت! نبهوه: إياك أن تتجول! تمتلئ بيروت بالسوريين والعرب الهاربين من سورية، وترصدهم المباحث! مع ذلك نزل قيس إلى شاطئ بيروت. مشى على الكورنيش حيث رافق ليلى في تلك الرحلة الجامعية الفريدة. تفرج على الموج. ومشى حتى هبطت العتمة. وقف قرب المخزن حيث عانقها. أغمض عينيه وودعها هناك. كانت الأشجار قاتمة، والبحر قاتما، والطرقات التي عبرها قاتمة. هنا دفعت ليلى ذراعيه عنها، وهزّت رأسها يمينا ويسارا. شعر بجسمها الرشيق الأهيف وببشرتها الناعمة كالمخمل، وأحبها كالمجنون وقتذاك. فاح عليه منها العبق الذي سيظل يذكره عقودا من الزمن. أغمض عينيه ليمسك بذلك العطر. سيعانق فتيات ونساء كثيرات، لكنه لن ينسى أبدا ذلك العناق الخاطف المجنون قرب المخزن، ولن ينسى أنه استعاده وسط عتمة الشاطئ، في مساء بارد، وهو وحيد لايدري في أي اتجاه ستحمله الريح. سيتعود أن يغمض عينيه ليستعيد عبق ليلى في مدنه المتنوعة. وسيردد: هي الثابتة وكل ماعداها عابر وموقت.‏

وصل ابراهيم إلى قيس في الحدث وبلّغه: بيروت ليست آمنة، ارحل إلى بغداد! سيؤمن لك اللبنانيون بطاقة الطائرة! تقاسم الأغنياء اللبنانيون مشردي بلاد الشام! أنزلوا السوريين في بيوتهم، واشتروا بطاقات السفر لمن يرحلون إلى البلاد الاشتراكية. أنفق قيس ما بقي لديه من مال على الدخان. وأكل من سفرة اللبنانيين. فكّر بالمال العربي الذي يجري بعيدا عن الشعوب كأنه أموال شخصية. تذكّر المجوهرات التي يُثقل وصفها كتب السيرة التاريخية، تزين بها العروش أحيانا، وتزين بها الجياد المدللة أحيانا، ويحملها الأمراء معهم إلى المعارك من خوفهم عليها كالخوف على الروح. أين تلك الكنوز، وأين الأموال التي تتخم البنوك الغربية، وهؤلاء المثقفون الهاربون ينتظرون أن تطعمهم الأسر اللبنانية؟ هل فرض القدر أن يحمل الأمراء كنوزهم، ويحمل الناس بعضهم بعضا؟‏

قدمه الياس إلى شابة: هذه جورية! جاءت لك ببطاقة الطائرة إلى بغداد. وسيرافقك زوجها إلى المطار! من يعرف بعد أن مديحة ستنزل في بيت جورية في بيروت وأنها سترافقها أيضا إلى المطار! سألته جورية: متى تسافر؟ ردّ: على أول طائرة!‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:33 AM
.
ماأسهل السفر على شاب دون حقيبة! رافقه زوج جورية صاحب دار النشر، إلى الطائرة. نزل ضيفا في فندق في شارع الرشيد في بغداد. وقصد شركة خانقين للنفط حيث يعمل صديقه عوني. تريد أن أؤمن لك عملا في الشركة؟ لا، شكرا ياعوني! التقيت بسمارة، أستاذي في صفورية، ودعاني إلى العشاء. أوصلت لي ابنته مسؤولة قسم اللغة الإنكليزية في إذاعة بغداد، رغبة سليم الفخري مدير الإذاعة بأن يراني لأعمل معه. تعرفه؟ طبعا، ضابط من الضباط الذين ساهموا في ثورة تموز! ينتظرني غدا!‏

قال سليم الفخري لقيس: أقترح عليك خمسة برامج: عن الجزائر وفلسطين واليمن... ونريد برنامجا سياسيا ساخرا. لمعت فكرة في بال قيس: برنامج "اضحك مع الأخبار". هل قدّر قيس أن ذلك البرنامج سيكون ذا شعبية في جهة، وسيثير العداوة في جهة، وسيسبب هربه من العراق؟! سينغمس قيس بذلك البرنامج في الصراع الذي سماه صراعا بين أجنحة حركة التحرر الوطني، بديلا عن الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. سيكشف به الجانب المأساوي المضحك في التطرف الذي سيوصل حركة التحرر إلى الكارثة ويمهد لاحتلال أراضي ثلاثة بلاد عربية دُمرت قواها وعلاقاتها قبل الحرب.‏

عاش قيس في بغداد بين عمله في الإذاعة ومسكنه في بيت غنية، وبعض بيوت أصدقائه ومكاتبهم، والمقاهي والبارات التي اختارها. لم يكن من هواة الفرجة على المدن. وكانت المرتفعات تسبب له الدوار. فلم يعرف من بغداد إلا مساراته المختارة فيها. ولم يخرج منها إلى مدينة أخرى. انكب على إعداد برامجه، وهل خمسة برامج في الأسبوع عمل قليل؟!‏

كان دخل قيس جيدا جدا من تلك البرامج. فساعد أبناء بلده الذين لم يجدوا عملا. نُقل ذلك إلى عرفان فقال: لو كنا راغبين بمساعدتهم لرشحناهم للعمل! يبدو أن قيسا صار يحتل مكان القيادة، ويجهز تنظيما خاصا به!‏

وهبت برامج قيس الإذاعية فوق المال قوة معنوية. كان يشعر بها عندما يطلب أشخاص وضباط اللقاء به. واختبرها يوم استنجد به سمارة، أستاذه في صفورية. اعتقل ابنه الدكتور حلمي المختص في شؤون النفط، في كركوك بتهمة التجسس لبريطانيا. وماأيسر التهمة بالتجسس وقتل الرجل بسكين أو حبل أو رصاصة! اتصل قيس بعبد القادر اسماعيل، أحد العراقيين الذين عرفهم في دمشق وسكن أياما معه في بيت الأرملة. أرسل عبد القادر، الذي سيُقتل فيما بعد في قصر النهاية، أبا الدكتور حلمي إلى المقدم عمر الفاروق رئيس مكتب عبد الكريم قاسم، الذي سيُقتل هو أيضا فيما بعد في شباط. كانت الساعة الواحدة صباحا. لكن الأمر لايؤجل فقد يُعدم الرجل في محكمة شعبية! استقبله المقدم عمر الفاروق ووعده بأن يعطيه غدا صباحا جوابا قاطعا عن مصير الدكتور حلمي. وفي اليوم التالي اتصل بقيس وقال له: الدكتور حي، موجود في سجن أبو غريب وتستطيع أخته وأبوه زيارته حتى يتم التحقيق معه.‏

بعد أقل من أسبوع أطلق سراحه. ووصل الخبر إلى عرفان فقال: يتدخل قيس في الشؤون العراقية كأنه قائد! وصل نفوذه إلى فك حبل المشنقة عن عنق جاسوس! لن أسكت على ذلك!‏

لجأ نمط جديد من السوريين إلى لبنان، بعد الاعتقالات في سورية. وفتح اللبنانيون لهم بيوتهم، واقتسموهم. وصل أيضا الأردنيون الذين كانوا لاجئين في دمشق. نصحهم مضيفوهم: كونوا حذرين! مخابرات عبد الناصر تبحث في بيروت عنكم. وتذكروا كميل شمعون وأنواع من النفوذ الأخرى. ولاتنسوا الناصريين في لبنان، الذين يتحمسون للوحدة السورية المصرية مع أنهم يرفضون أن ينضم لبنان إليها. أمس سلّم الأمن اللبناني بعض الأردنيين إلى بلدهم. ولانستبعد الخطف. لذلك قنّنوا حركتكم. لايغرّنكم أن الصحف حرة، تكتب عن الاعتقالات في سوريا وتنتقد أسلوب الوحدة!‏

نزلت مديحة في بيت صديقتها جورية. وخصتها جورية بغرفة تطل على بستان ليمون، فيها مكتبة وضعت خلف زجاجها صور طفولتها وزواجها وصورة تجمعها بمديحة وبعض الروسيات في مهرجان موسكو. كان البيت أحد بيوت متناثرة وسط البساتين في الغبيري. الطريق إليه معبد بين الأشجار كأنه للمشاة، يعبره إلى جورة الشياح وبرج البراجنة والمريجة، ومن الجهة الأخرى إلى الحدث وسط أشجار الليمون والنخل والرمان والمشمش الهندي. ويوصل جورية إلى بيت زينب الذي يطل في برج البراجنة على بساتين وبيوت من طابقين سيقتل بعض أصحابها في القصف الإسرائيلي أيام الاجتياح. وسيتغير المكان نفسه أكثر مما تغير أصحابه في سنوات الحرب الأهلية.‏

في مكتبة جورية مسرحيات شكسبير باللغة الإنكليزية، ومؤلفات توفيق الحكيم وروايات نجيب محفوظ، والكتب لتي ترجمها زوجها أو نشرها، وغيرها. انصرفت مديحة إلى قراءتها. محظوظة يامديحة بغرفة المكتبة التي خصتك بها جورية! تنزلين في بيت مثقف ميسور! فتذكري فوزي واشكريه لأنه يسّر لك ذات يوم معرفة جورية خلال المهرجان. هاأنت هنا حرة في بيروت وهو سجين في دمشق!‏

قالت مديحة لجورية: فلنخرج من البيت! وخرجتا معا. عبرتا الطريق بين البساتين. ولمع شعر جورية الذهبي في الشمس وهما تمشيان بين البيوت الصغيرة والأشجار. اجتازتا الحرش لتصلا إلى جورة الشياح. لكن تلك المساحات محدودة. قالت جورية سنذهب إلى أمكنة أخرى، يامديحة. تعالي معي!‏

كانت جورية تتعلم قيادة السيارة، فركبت معها مديحة. وسمعت صراخ زوجها كلما عصت جورية دروسه، وراقبت العلاقة الطريفة بينهما، فالصراخ لايعني الغضب والخصام بل حب رجل يكبر زوجته بعشرين سنة ويعنى بها. نقلا مديحة خلال تلك الدروس إلى أنحاء لبنان وقدما لها أصحابهما. وصلوا إلى النبطية وصور وصيدا. في النبطية أكلوا كبّة نيئة في فسحة أمام بيت أهل جورية. كان البرد شديدا "يقص المسمار" كما يقال. مدّت جورية ذراعها: هناك إسرائيل! ولم تكن إسرائيل قد تقدمت لتقطف ثمرة الخلافات العربية فتجتاح ثلاثة بلاد عربية، ثم لتجتاح جنوب لبنان بعد أول اتفاقية عربية إسرائيلية أخرجت مصر من الصراع!‏

لاتدفئ جورية بيتها. فما أقصر الشتاء في بيروت! ظلت مديحة مرتدية جاكيتها الصوفي، تسمع المطر الغزيز وهي تقرأ شكسبير. ثم ترى السماء صاحية والشمس تتوهج وتشم عبق البساتين بعد المطر الغزير. كيف تتحمل الجلوس، والشباب للحياة تحت السماء! تعالي نمشي! تعالي، سأعرفك بأسرة من أصدقائي! تمشيان في الطريق المعبد بين البساتين صاعدتين إلى الحدث. ويفوح عليهما زهر أشجار المشمش الهندي وورق الليمون ويعطّر زهر الليمون الهواء. وهناك مقابلهما الجبل المغطى بالأحراش. ماأجمل لبنان! بحر وجبل وصنوبر. شاطئ دافئ وثلج جبلي. تفاح وليمون وبرتقال وموز. وماأجمل الناس! يطلون من نوافذهم وأبوابهم، يتكلمون في يسر، يتحدثون ويختلفون غير هيابين الإعلان عن آرائهم. وفيروز تغني عن القرية والجبل وحلاوة اللقاء في المساء، وعن الضوء الذي يتسلل من الأشجار، وعن الغيوم التي تلمس الذرى و"غطيطة" الجبال. كم يتميز لبنان من سورية وهو على بعد خطوة، وكم يتصل بها!‏

هاهو الحدث! ضاحية مسيحية، فيها الجيران مهما تباينوا في الولاءات جيران. طرقت جورية بيت ميشيل. واستقبلهما رجل وامرأة شابة. جلسوا في المطل على الحرش الذي يمتد حتى مطار خلدة. سألت المرأة الشابة ضيفتيها: تقطفان الزعتر البري معي من الحرش؟ كان ذلك تكريما لهما بعادة لبنانية. جمعن الزعتر ذا الوريقات الدقيقة من تحت أشجار الصنوبر. ووصل إليهن صوت فيروز من شرفة البيت ينساب كأنه نشيد وطني في بلاد جميلة.‏

أعلن ميشيل لمديحة: لست مثل أخي الياس! لاأحب السياسة! تركتها له، فلنر مايمكن أن يكسب منها غير وجع الرأس! يشغل ميشيل جمال النساء وجني المال. فهل كان يقدر أنه سيستضيف فرج الله كرجل دمث؟ وسيجلس مع صاحبه رئيس الأمن في الغرفة الأخرى يلعبان الطاولة، وفرج الله في البيت نفسه؟! وأن رضا سيمر به، وسيتحادث الثلاثة معا؟‏

لايعني حذره من السياسة أنه يجهل الحقائق أو أنه دون علاقات بالسياسيين. يقرأ الجرائد ويعرف تفاصيل الأخبار غير المنشورة من أصحابه في الأمن وفي التجارة. لذلك سيقول لفرج الله وهما وحدهما: أعرف الخفايا أكثر منك. لذلك أنصحك: لاتذهب إلى سورية! لن يسمع فرج الله نصيحته وسيقتل في سجن في دمشق! وسيأتي رضا بعد ذلك إلى ميشيل ويقول له: هل تقبلني ضيفا؟ فيردّ: لاأقبل من خان رفاقه!‏

غيارى الراوي
01-17-2009, 01:35 AM
.
ستحمي ميشيل في أيام الحرب الأهلية سمعته. وبها سيستطيع أن يساعد سليما، جاره المسلم. سيعرف أن الشباب قرروا اعتقاله. فيسرع إليه: اترك كل شيء وتعال لعندي! سينقله مع أسرته إلى بيته: اسمع! قد تراهم من نافذتي ينهبون بيتك ويحرقونه فإياك أن تتحرك! بعد خمسة أيام سيهربه بسيارته مع أسرته إلى البترون، ويعطيه مالا يدبر به نفسه. وسيصل سليم إلى طرابلس. وعندما سيبدو له أن "الأحوال هدأت" سيركب سيارة مع ركاب آخرين ليعود إلى بيته. وسيقتل عند حاجز قرب بيروت.‏

لكن ميشيل لن يستطيع حماية بيت أخيه. سيسمع في الليل أصواتا وسيخرج إلى الشرفة. وسيرى شبابا حول بيت أخيه. سيصرخون عندما يرونه: ميشيل، ادخل إلى بيتك! وسيأمرون الجيران بمكبر الصوت بأن يغلقوا عليهم نوافذهم وأبوابهم. سيراقبهم ميشيل من خص النافذة المظلمة وسيراهم ينهبون البيت ثم يحرقونه. وعندما سيأتي الناس ليطفئوا الحريق سيكونون بين من يطفئون الحريق!‏

امتد أمام مديحة وجورية حرش من أشجار الصنوبر حتى خلدة. لكن ميشيل، محب النساء والمال والطرب، سيرى خلال الحرب الأهلية قص تلك الأشجار وبناء أبنية مرتفعة متلاصقة دون رخصة. وستحمي ذلك المليشيات وتأخذ الأتاوة. وسيختفي الحرش.‏

عبرت مديحة وجورية أشجار الزيتون. كم يحب اللبنانيون زيت الزيتون! في أطباق المازة اللبنانية زيت الزيتون، في المكدوس، فوق الكبّة النيئة، في اللبنة، وفي أنواع الزيتون العابقة بنكهة الزعتر والليمون. اجتازتا أشجار المشمش الهندي. وقدّمت جورية ليلى لزينب! جمعهن الشباب والطباع التي تجعلنا نهتف إذا رأينا شخصا: هذا مثلنا! يوم عرفتهما مديحة كانتا قد عبرتا في أول فتوتهما احتلال المارينز الذين نزلوا في بيروت بعد ثورة تموز في العراق. فحكتا لها عن تلك الأيام.‏

كلفتهما المقاومة في بيروت بتوزيع المنشورات في الضاحية الجنوبية، وبمقدار من التموين تأتيان به منها. فنظمت الشابتان البيوت التي تجمعان منها طناجر الأكل يوميا! طبخت النساء أطيب الطعام، كأنهن يحضّرنه لوليمة. وحملت الشابتان تلك الطناجر طازجة دافئة إلى المقاومين المسلحين في بيروت. اكتشفتا الطرقات الآمنة والطرقات الخطرة. لكن من يجسر أن يوقفهما! لو سئلنا لمن كل هذا الطعام بم نرد؟ نقول: عندنا عرس! وإذا غضبنا سنقول: ماشأنكم؟ نحن في بلدنا!‏

سألهما مسؤول في المقاومة: ممن الطعام اليوم؟ سردتا الأسماء. بينها عائلة قومي سوري. جفل: كيف تقبلان منها طعاما؟ كان بين القوميين السوريين وبين الفصائل الوطنية خصام يومذاك. لم تستشهد بعد سناء محيدلي ولم يجتمع القوميون السوريون بعد مع المقاومة الوطنية. ألا يجوز إذن أن تكلف تلك العائلة بتسميم المقاومين؟ تثق جورية وزينب بالعائلة التي تبرعت بالطعام. "رجتنا عدة مرات أن نعين لها دورا". ومع ذلك لم تأخذا منها الطعام إلا بعد أن رجتهما: فلتسمحا لنا بهذه المساهمة في مقاومة المارينز! قالتا له: سنذوق نحن الطعام. فإذا كان فيه سم حميناكم منه. رد الرجل: وهل نفرط بكما؟! لكنهما ذاقتاه في السر. راقبت كل منهما الأخرى. هل تبدو عليهما إشارات الموت؟! ماكان يمكن أن تقبل إحداهما أن تجرب الأخرى وحدها الطعام!‏

عادتا بأكياس من المنشورات، وسلكتا في الليل دروب الضاحية بين البساتين. فوجئتا بمجموعة من المارينز في أيديها كشافات. انسلتا إلى بستان واختفتا فيه. هل تسمع إحداهما تنفس الأخرى؟ طال الوقت! هل يتنزه المارينز في الليل؟ خطر لزينب أنها تريد أن تسعل. مصيبة! كم يجب أن يكون الإنسان معافى سليما كي يستطيع الهدوء! ابتعد المارينز. انتظرت الفتاتان الهدوء والظلام. نهضتا. خبأتا المنشورات وسط أغصان جافة. حفظتا المكان وخرجتا. في الصباح ستعودان لتخرجا الكنز، وستوزعانه على البيوت!‏

لكن جورية فوجئت بالمارينز أمامها على الطريق إلى بيتها. هنا رأيتهم أمامي، يامديحة. فبدأت أصرخ: خرجت ابنتي من البيت ولم تعد حتى الآن! صرخت وبدا كأني سألطم وجهي. هل فهم المارينز إشاراتي، أم خشيوا من صراخي؟ تركوني أمر!‏

لايعرف المارينز "ملف" جورية. يوم عادت من مهرجان موسكو تجولت في لبنان لتحكي عما رأته. وجدت مناسبة تجمع النساء لتحدثهن عن بلاد أخرى وتحلم بالاشتراكية. كان الاجتماع في راشيا الوادي. رافقتها ماري المستعدة لأية مساعدة شرط أن تبقى بعيدة عن الشرطة والدرك. نزلتا في بيت مضياف واجتمعتا بالنساء. تحدثت جورية عن بلاد كل مافيها جميل وسليم! كأنها جنة على الأرض! استقبلونا في اوديسا كأننا نحمل لهم المنّ والسلوى! وحضرنا احتفالا في قاعة فخمة. ثم ركبنا القطار إلى موسكو. وأي قطار! نظيف، شراشف أسرته بيضاء نظيفة. مررنا بالمحطات ونحن نيام في أسرتنا. فإذا بالناس ينتظرونا في المحطات في عزّ الليل. فهمنا أنهم يهتفون صداقة، سلام، دروجبا مير. كانوا ينزعون مناديلهم وحليهم ويقدمونها لنا علامة الصداقة. بكوا وهم يقبلوننا. طيبون حتى السذاجة. زيّنوا صدرونا بإشارات فصرنا كمارشالات في الحروب العظمى. موسكو نظيفة مثل الفلّ. لاتجسر أن ترمي فيها ورقة. لم أرهم أنيقين مثل أهل بيروت. لكن لهم الحق في السكن والتعليم والعمل والدواء! رسمت جورية الحدائق والحفلات، الباليه واللقاءات. الطعام والنظافة والتهذيب. كان الاجتماع حماسيا عاطفيا. نامت متأخرة. لكن ماري أصغت لحدسها فنهضت مبكرة: اسمعي ياجورية، لن أبقى في هذا البيت! لابد أن الخبر شاع بعد ذلك الاجتماع! هل تستطيع جورية أن تُسكت حدس ماري؟ الله معك! خرجت ماري إلى موقف الباص. وعادت جورية إلى النوم في تلك الغرفة الزجاجية المحاطة بالحديقة من جوانبها. أفاقت هي أيضا بالحدس. شعرت بعيون تراقبها. ورأت الزجاج محاطا برجال فصرخت متظاهرة بأنها تحتج لأنها بقميص النوم. وركضت إلى الحمام لتلبس ثيابها. تخلصت من أوراقها. فليدخلوا الآن! كيف يحق لكم أن تراقبوا امرأة نائمة؟! ألا توجد حرمات؟! كانت ماري قد اعتقلت من الطريق! لكن المحامين أبدعوا في الدفاع عن النساء. لبنان! حكم شمعون من جهة، وتقاليد الحرية من جهة. كرّ وفرّ!‏

يوم قدمت جورية مديحة إلى زينب كانت زينب تتصل بقرية الحولة في جنوب لبنان. تمشي في طريق على طرفيه أراض مزروعة. من جانب فلاحون لبنانيون، ومن جانب إسرائيليون يزرعون أرضا لبنانية. اجتمعت بأهل القرية. ورجعت بانتسابات النساء إلى جمعيتها النسائية. وضعت الأوراق في كيس وركبت سيارة عائدة إلى بيروت. في الطريق أوقفت السيارة دورية إسرائيلية. قرصنة! لن تنزل زينب من السيارة! توقفها في بلدها دورية عدوة؟ تجاوزت إسرائيل حتى حدود الأرض التي احتلتها من لبنان! فتح عسكري إسرائيلي باب السيارة. فضغطت الكيس بين قدميها. عندما سارت السيارة فهمت غلطتها. ماكان يجب أن تسجل الأسماء! فلتحفظها. ليست المصيبة أن تنسى اسما بل أن تكشف اسما! لكن ماأفدح أن ترى بنفسها عدوانا على أرض بلادها!‏