المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في مهبّ الشعر- مقالات و دراسات - د. نزار بريك هنيدي


جليلة ماجد
06-13-2006, 09:48 PM
الإهــداء



إلى سَدَنةِ الحلمِ البشري
وحرّاس الجوهرِ الإنساني



نزار

جليلة ماجد
06-13-2006, 09:49 PM
هذه الأوراق..


ليس الشعر وسيلة للتعبير عما يجيش في النفس الإنسانية من انفعالات ومشاعر، في مواجهتها الدائمة مع مظاهر العالم الخارجي وأحداثه، فحسب. بل هو طريقة لممارسة الحياة، ومفتاح للدخول إلى أعماقها، ومشعل لإضاءة دهاليزها المعتمة، وجسر لوصل ما انقطع من وشائج بين الإنسان وبين أشياء الوجود، منذ أن ظهر الإنسان ككائن مستقل في هذا العالم.
ولا شكّ أن هذه الرؤية للشعر، هي وحدها التي تستطيع تفسير ذلك التلازم العجيب بين وجود الإنسان، وبين ممارسته لهذا الفن السحري. فمن المثير فعلاً أن تاريخ الشعر مرتبط بتاريخ البشرية، ارتباطاً صميمياً، لا نكاد نلحظ ما يماثله إلاّ مع الحقائق الكبرى للوجود. فمنذ أن كان الإنسان، كان الشعر. وحيثما وُجِدَ الإنسان، وُجِدَ الشعرُ. لا يستثنى من ذلك عصر من العصور، قديمها أو حديثها، ولا مكان من الأمكنة، سواء كان ذلك المكان في مراكز الحضارات الكبرى، أم في أعماق الغابات، أم على سواحل البحر أو ضفاف الأنهار، أم في قلب الصحراء.
وانطلاقاً من هذه الحقيقة، يمكن القول إن الشعر هو أحد خصائص الوجود البشري، أو أحد تجلّيات الجوهر الإنساني الأصيل. مما يعني أنه لا يمكن لنا تخيّل استمرار الوجود البشري، والمحافظة على أصالة الجوهر الإنساني، إذا انتفى الشعر من الوجود.
ولا ريبَ عندي في أن ما نراه اليوم من محاولات لتهميش الشعر، والحدّ من فاعلية الشعراء، عبر تضييق المجالات الحيوية اللازمة للتفاعل بينهم وبين جمهورهم من جهة، والترويج للرداءة والزيف والسخف على حساب الشعر الحقيقي من جهة أخرى، وعبر إشاعة مقولة (موت الشعر) و (انتهاء عصر الشعراء)، لا يصبّ في النهاية، إلا في طاحونة القوى التي تسعى إلى إيقاف التاريخ عند حدود مصالحها، وتعمل على تجريد الإنسان من جوهره الأصيل لتعيد بناءه وفق أهوائها ورغباتها، ولتحوله إلى دمية لا جذور لها ولا تاريخ ولا جغرافيا، ولا إرادة ولا أحلام ولا تطلعات ولا أحاسيس ولا مشاعر. دمية لا تتحرك إلا بمشيئة أسيادها، ولا تستجيب إلا للإشارات الصادرة عنهم، ولا تعمل إلا لخدمتهم وخدمة مشروعهم الجهنمي الذي يسعون من ورائه إلى تنصيب أنفسهم آلهة في هذا العالم!.

جليلة ماجد
06-13-2006, 09:49 PM
وفي عالم كهذا، يستعيد الشعراء دورهم الرئيس، كسدنة للحلم البشري، وحرّاس للجوهر الإنساني. وتصبح الحاجة ملحّة لإعادة إثارة الاهتمام بالشعر وشؤونه وقضاياه. وهذا هو الدور الذي تطمح هذه الأوراق المتواضعة، أن تقوم به، بأي شكل من الأشكال.
وقد حاولت في هذه الأوراق، أن أتأمل عدداً من القضايا المتعلقة بطبيعة الشعر ودوره. فأدليت بدلوي في عدد من المسائل التي ما فتئت مطروحة على بساط البحث، منذ أن بدأ الشعراء والنقّاد والفلاسفة يجتهدون في سبر أغوار هذا الفن، الذي لا يفوق حضوره وفاعليته في التاريخ البشري، سوى نفوره من القواعد والقوانين، ورفضه الاستسلام لمباضع التشريح، وتمنّعه أمام محاولات الخوض في خصوصيّة علاقاته مع المدارات المتعددة التي تشكّل مجاله الحيوي. ولذلك فإن جميع المسائل المتعلقة بالشعر ستبقى قابلة للبحث والتأمل، ولن يكون بوسع أحد الادعاء بأن ما يطرحه هو القول الفصل أو الأخير.
وقد تحدثت عن علاقة الشعر بالمتلقي، والشعر والزمن، والشعر والفلسفة. وبحثت في موسيقا الشعر، وشعرية القصيدة القصيرة. ثم عرضت لخطاب العشق في الأدب العالمي المعاصر. وتبينت المآل الذي آل إليه الأدب والشعر على أيدي الحركة الصهيونية في صراع الوجود الذي تخوضه معها أمتنا العربية. وفي المقابل، أعدت التذكير بقصيدة عمرها سبعون عاماً، للشاعر العربي الفلسطيني إبراهيم طوقان، يردّ فيها على مزاعم واحد من الشعراء الصهاينة منذ بدايات الهجمة الصهيونية الشرسة. وانتقلت بعدها إلى تقديم قراءة لقصيدة لا تقل عنها عمراً، هي قصيدة (المواكب) لجبران، والتي كان لا بد لها من أن تدفعنا إلى دراسة الكتاب الذي يمثّل ذروة الإبداع الجبراني، وهو كتاب (النبي). ولا غرابة أن تقودنا دراسة جبران، كرائد من روّاد النهضة الأدبية العربية، إلى بحث بذور الحداثة عند (عرار) شاعر الأردن، ومن ثمّ الانتقال إلى الجيل الأول من شعراء الحداثة الشعرية العربية، لتقديم شهادة حول تراث عبد الوهاب البياتي الذي أصبح في ذمّة الزمن، وإلى الجيل الثاني لتقديم تحيّة وداع إلى الشاعر محمد عمران، من خلال دراسة قصيدته (مديح من أهوى).

جليلة ماجد
06-13-2006, 09:49 PM
ولكي يكتمل المشهد، كان لا بدّ من التعريج على التجارب الشعرية الشابّة، ممثلة في شاعرين: أحدهما من الجولان السوري المحتل، هو معتز أبو صالح، لما يعكسه ديوانه (الجدار) من صمود أهلنا في الجولان المحتل، ونضالهم في سبيل عودتهم إلى وطنهم الأم. وثانيهما من جمهورية مصر العربية، هو شريف الشافعي، لما تحمله تجربته من جدّة وطرافة تجلّت في مزجه الأشكال الأدبية جميعها في نص واحد بلغ زهاء ألف صفحة.
كما أضفت إلى هذه الأوراق، ثلاثة عروض سريعة لثلاثة من الكتب المهمّة. الأول من النقد العالمي، وهو كتاب (قصيدة النثر من بودلير إلى العصر الحاضر) لسوزان برنار، وذلك لما حظي به هذا الكتاب من أهميّة وفاعلية في حركة الحداثة الشعرية العربية. أما الثاني فمن النقد التراثي العربي، وهو كتاب (دلائل الإعجاز) لعبد القاهر الجرجاني، ليس لأنه من أهم الكتب التراثية التي تناولت مسألة الشعرية فحسب، بل لتأكيد أن الأسس الشعرية التي قامت عليها حركة الحداثة الشعرية ليست منقطعة الجذور عمّا توصّل إليه الفكر النقدي في تراثنا العربي. أما الكتاب الثالث فمن النقد العربي الحديث، وهو كتاب (مدائن الوهم) للدكتور عبد الواحد لؤلؤة، لأنه يمثّل محاولة طيّبة وجادة يجدر الاقتداء بها، لغربلة ذلك الركام من الكتابات التي أُنتِجَتْ باسم الشعر خلال العقود الأخيرة.
وفي الختام، يهمني أن أؤكد، كما أكدت في كتابي السابق (صوت الجوهر) الذي صدر عام 1999، أنني في هذه الأوراق، لا أتقمّص شخصيّة الناقد ولا المنظّر أو الباحث الأدبي، فأنا أعتبر نفسي شاعراً أولاً وأخيراً. وجميع ما كتبته من مقالات ودراسات، أو عبّرت عنه من آراء وتأملات، لا يعدو كونه هوامش على تجربتي الشعرية. فمن الطبيعي للشاعر الذي يشكّل الشعر همّه الحياتي الأول، أن يهتمّ بجميع القضايا المرتبطة بفنه، بدءاً من تفحّص أدواته ودراسة العناصر التي تتحكّم بأدائه الفني والبحث في العوامل التي تتدخّل في علاقته مع المتلقي، ومروراً برصد الإحداثيات التي تحدّد فضاءات حياته وفكره وإبداعه. ووصولاً إلى تسجيل انطباعاته عن التجارب الشعرية السابقة على تجربته، أو المتزامنة معها، واختبار المقولات النظرية والرؤى النقدية المطروحة على الساحة الشعرية.
وغاية ما أتمناه لهذه الأوراق، أن تكون في مهبّ الشعر حقاً، لا في مهبّ الريح..

دمشق في 5/2/2003.

د. نزار بريك هنيدي




جليلة ماجد
06-13-2006, 09:50 PM
الشعر والتلقي


يمثل الشعر ظاهرة من أعجب ظواهر النشاط الإنساني وأكثرها تعقيداً، وأشدها نفوراً من التعريف والتحديد. ذلك أن الغموض لا يقتصر على مفهوم الشعر نفسه فحسب، بل يتعداه إلى جميع العلاقات التي تربطه بالإحداثيات الأخرى التي تشكل المشهد العام للحقل الذي يتجسد فيه حضوره، ويمارس من خلاله فاعليته، بالرغم من أن مفهومي الحضور والفاعلية يبدوان ملتبسين أيضاً.
وهذا ما طرح بقوة على جميع الفلاسفة والمفكرين مشكلة تعريف الشعر ومشاكل تحديد دوره وعلاقاته وارتباطاته بالإنسان وبالوجود. وبالرغم من أننا لا نعرف فيلسوفاً أو مفكراً واحداً غابت عن نظرياته مسائل الشعر، إلا أن أحداً لم يتوصل إلى القول الفصل أو الإجابة النهائية، وما زالت مسائل الشعر مطروحة للبحث والاجتهاد كما كانت عبر التاريخ الطويل.
وإذا تجاوزنا مسألة تعريف الشعر وتحديد دوره، فإن أعقد المسائل الأخرى التي تطرح نفسها على بساط التأمل هي مسألة علاقة الشعر بالمتلقي. ذلك أنه بالرغم من الغموض الأصلي الذي يكتنف هذه العلاقة بسبب تواشجها مع مفاهيم غامضة بدورها مثل مفهوم الشعر ودوره ومفهوم المتلقي، فإن عدداً من المقولات التي طرحتها بعض النظريات وشاعت بين الناس، زادت الأمر تعقيداً على تعقيد.
فمقولة (الشعر للشعر أو الفن للفن) ونقيضتها مقولة (الشعر الجماهيري) لم تعملا إلا على طمس المسألة الأساس، وتشويهها، وحرف الأنظار عن جوهرها.
فالمقولة الأولى (الشعر للشعر) تلغي وجود المتلقي، وتحصر العملية الشعرية في قطبين لا ثالث لهما، هما الشاعر والقصيدة. وتختصر وظيفة الشعر في كونه نوعاً من الخلاص الفردي، أو نوعاً من الممارسات الشخصية التي ينشد منها الشاعر أن تعود عليه بالغبطة والرضا، أو يتوخّى منها أن تجعله أكثر صفاءً وأشدَّ قدرة على تفسير ما يدور حوله، أو أن تكون طقوساً يتقرّب بها من أسرار الوجود والكون والحياة.

جليلة ماجد
06-13-2006, 09:51 PM
وبالرغم من أهمية كل ما سبق، ومن كونه يلامس فعلاً جوانب هامة من طبيعة الإبداع الشعري، إلا أنه ـ في حقيقة الأمر ـ لا يكفي لتفسير الأهمية الخاصة التي يتمتع بها هذا الفن في جميع المجتمعات البشرية. إذ إن القائلين بهذه المقولة يتجاهلون قضيتين رئيستين:
تتجلى أولاهما في كون الشعر يستخدم اللغة كأساس لبنيته، واللغة بطبيعتها وأصلها وسيط بين متخاطبين ووسيلة للتواصل بينهما. صحيح أن للغة وظائف لا تتطلب مخاطباً خارجياً، مثل التفكير، فنحن نفكّر بوساطة اللغة، أو الحوار الداخلي (المونولوج)، ولكننا يمكن أن نعتبر الذات نفسها في هذه الحالة مخاطباً، إذن فإن هذا المخاطب الذي يستلزمه استخدام اللغة، سواء كان حقيقيّاً أو متخيّلاً، أو كان هو الذات نفسها، فإنه في جميع الأحوال يشكل متلقياً ما، وبذلك تعود المعادلة إلى أقطابها الثلاثة: الشاعر والقصيدة والمتلقي.
وتتجلى القضيّة الثانية في إن اقتصار فاعلية الشعر على الشعراء أنفسهم لا يكفي لتفسير الحضور الطاغي للشعر عبر تاريخ المجتمعات الإنسانية المختلفة، إذ لا بد من أن يكون لهذه الفاعلية إشعاعات تلفح بوهجها شرائح هامة من المجموع العام للبشر الذين يشكلون مجتمعاً ما، لأن هذا المجتمع هو الحاضنة الوحيدة التي يمكن أن توفّر للفن الشعري المكانة المتميّزة التي يشغلها في الحضارات المتعددة، وتضمن له استمراريته منذ أقدم العصور إلى اليوم. وبذلك فإن مقولة (الشعر للشعر)، بالرغم من جاذبيتها، تبقى قاصرة لأنها لا ترى سوى جانب واحد هو العلاقة بين الشاعر والقصيدة، وتتجاهل وجود الطرف الثالث (المتلقي) الذي لا تكتمل المعادلة بدونه.
ولكن المقولة الأخرى (الشعر الجماهيري) ليست بأحسن حالاً، لا سيّما إذا أخذناها بالمعنى المسطح الذي روّجت له بعض الحركات السياسية. ولنلاحظ منذ البداية أن مصطلح (جماهيري) هو مصطلح سياسي بالأصل.
تفترض هذه المقولة أن للشعر دوراً سياسياً واجتماعياً مباشراً، ولذلك فإن عليه أن يصل إلى الجماهير العريضة، والطبقات الدنيا منها بشكل خاص، لأنها هي التي تعاني الظلم والاضطهاد، ومن ثمّ فإن على الشعر أن يرفع من درجة وعيها، ويحرضها على الثورة والتغيير، وإن أي خلل أو تقصير في استقبال هذه الجماهير للقصيدة، تقع مسؤوليته بالكامل على الشاعر الذي عجز عن التواصل معها.

جليلة ماجد
06-13-2006, 09:51 PM
وبالرغم مما قد تنضوي عليه هذه المقولة من موقف سياسي ثوري، وتطلع إنساني نبيل، وحلم بمجتمع أكثر عدلاً وتقدماً، إلا أنه لا بد لمناقشتها من ملاحظة الأمور التالية:
1ـ تؤكد لنا دراسة التاريخ، أن ا لشعر لم يكن (جماهيرياً) بالمعنى الذي سبق ذكره، في أي يوم من الأيام. وما الفكرة الشائعة عن (الماضي الذهبي) للشعر سوى أسطورة خلقها الشعراء أنفسهم، ولعله من الطريف أن الشاعر (أوفيد) الذي عاش ما بين عامي (43ق.م)
و(18م) أي معاصراً لفجر التاريخ الميلادي الرسمي قد صرَّح في كتابه (فن الهوى) بشكواه التي تنضح بالمرارة من أنه جاء متأخراً كثيراً عن العصر الذي كان فيه الناس يستجيبون للشعر ويحتفلون به!!
2ـ إن استقراء واقع علاقة الجمهور بالشعر في عصرنا الحاضر، تبيّن أن الفارق في الانتشار بين أكثر الشعراء (شعبيةً) وبين أكثرهم إمعاناً في خصوصية تجربته الفنية، يكاد يكون مهملاً بمقياس علم الرياضيات! ففي وطن عربي يزيد عد سكانه عن المائتي مليون، لا يطبع من أ عمال أكثر الشعراء شعبية إلا حوالي عشرة آلاف نسخة في أحسن الأحوال، أي أن هناك (199990000) مواطناً عربياً لا يقتنون أعماله! وإذا افترضنا أن الشاعر الآخر يطبع ثلاثة آلاف نسخة، فيكون عدد الذين ا يقتنون أعماله (199997000) مواطناً، ومن الواضح أن الفارق بين الرقمين الأخيرين هو فارق مهمل فعلاً بلغة الرياضيات.! وإذا احتجّ بعضهم بأن النسخة الواحدة قد يقرؤها عدد من القراء، فإن ذلك لن يغيّر من المعادلة كثيراً.

جليلة ماجد
06-13-2006, 09:52 PM
3ـ وبالطبع، فإن المعادلة السابقة لا تنطبق على الشعر وحده، فالفنون الأخرى ليست بأحسن حالاً، ولنلاحظ أن عملاق الرواية العربية (نجيب محفوظ) الحائز على جائزة (نوبل) لا يطبع أكثر من عشرة آلاف نسخة من أية رواية جديدة له، وقل مثل ذلك في الفن التشكيلي أو المسرح. بل يبدو أن جميع أوجه النشاط الإنساني الفنية والفكرية والعلمية تخضع للحالة نفسها أيضاً.
وهكذا، فإن أول ما يجب علينا استخلاصه مما سبق، هو أن مفهوم (الإجماع الجماهيري) لا يمكن لـه البتة أن يكون صالحاً للاستعمال في المجالات الفنية والفكرية وعلى رأسها (الشعر). ولذلك فإن السؤال الرقمي عن عدد قراء الشعر (أي هل هم قلة أو كثرة، لا معنى لـه، لأن هؤلاء القراء، وسواء كانوا قلة أو كثرة، فهم رأس المجتمع وقلبه، إنهم نواته المفكرة والفاعلة) ـ على حد قول الشاعر أوكتافيو باث ـ وفي السياق نفسه أيضاً لا بدّ من التذكير بمقولة الشاعر (ت. س. إليوت): (قليلاً ما يهمنا أن يكون لشاعر جمهور كبير من المستمعين في عصره، إن ما يهمنا هو أن يكون له دائماً على الأقل، جمهور قليل من المستمعين في كل جيل). ولا يعني ذلك أبداً التنكر للجمهور العريض، ولكنه يعني أن العمل على توسيع رقعة متلقي الشعر، وتوصيل التأثير الذي يمكن للشعر أن يمارسه على المجتمع، هو من مسؤولية مؤسسات وهيئات متعددة: تربوية وتعليمية وثقافية وإعلامية وسياسية. ألم يقل (مايا كوفسكي) ذات يوم: إن الشعر لا يولد جماهيرياً، بل يصبح جماهيرياً بعد جهود كثيرة.

جليلة ماجد
06-13-2006, 09:53 PM
ولكن ذلك لا يعفينا من محاولة الإجابة عن السؤال التالي: مَن هم الذين يشكلون (متلقي الشعر) إذن؟ ذلك أن إجابات متعددة سوف تواجهنا، فهناك فئة تقصر ما تقصده بالمتلقين على الجمهور الذي يحضر الأمسيات الشعرية، وتقيس فاعلية القصيدة بمدى تفاعلها مع جمهور القاعة، أو بشكل أدق، بمدى التصفيق الذي يستدره الشاعر من القاعة.
ومن الواضح أن هذه الفئة ما زالت واقعة تحت تأثير الإرث الشفاهي للقصيدة العربية، مع ما يستلزمه من قدرة على إثارة الانفعالات المباشرة، والتوصيل السريع للفكرة، ووقوع الحضور تحت سيطرة الاستجابة الجماعية. ومن الواضح أن هذه الطريقة في التلقي، إذا كانت مناسبة لبعض أنواع الشعر التحريضي، أو الشعر الذي يدغدغ العواطف المشتركة للناس، إلا أنها بالتأكيد لا تناسب الشعر (الأكثر شعرية) الذي يتوجه إلى الجوهر فيغرف من الجوانيات ويقطف من القصيّات ويحاول مقاربة الأسرار الكبرى، وملامسة نار المكابدة الأصيلة.
وهناك من يقرُّ بالتطوّر الذي فرض نفسه على تلقي الشعر، وحوّله من المجال الشفاهي المسموع ذي الطبيعة الجماعية، إلى مجال القراءة الفردية. ولكن هل يستطيع أي قارئ أن يكون متلقياً حقيقيّاً للنص الشعري؟
بالتأكيد لا. إذ إن قراءة الشعر تختلف في طبيعتها عن قراءة النثر العادي، ففي حين لا يتطلب النص النثري من قارئه سوى استقبال المعنى الواحد الذي تحدده الكلمات بدلالاتها الواضحة التي اعتاد عليها الناس من خلال استخدامها اليومي، فإن النص الشعري يتطلب من القارئ أن يخوض مغامرة إبداعية يستحضر فيها كل تجاربه ومعارفه السابقة، ويستنفر مستقبلاته الحسية والشعرية، ليتلقى الطيف الواسع من المعاني والانفعالات، التي تشع من الكلمات المرتبطة بعلاقات دلالية وإيقاعية ونحوية جديدة، تتفاعل مع كل ما تختزنه ذاكرة المتلقي من إيحاءات خاصة، متولدة من تجارب سابقة لـ مع هذه الكلمات، وتتناغم مع معطيات المناخ العام للنص، وما يثيره بناؤه التخييلي من مشاعر تهيئ المتلقي لسبر أغوار المعنى أو الرؤيا أو الحالة الشعورية التي يحملها النص.
وبالتأكيد فإن القارئ المؤهل لخوض هذه التجربة الإبداعية في قراءة الشعر لا بدّ له ـ كما يقول الشاعر الكبير صلاح ستيتية ـ (من أن توفّرُ لديه تقنية خاصة مرتبطة بحساسيته وبواقعه الإنساني والحياتي وبتجاربه مع الكلام وأبعاد الكلمات لكي يصبح هو أيضاً على قدر من الشفافية والطهارة الداخلية يتيح له أن يلج عالم الشاعر)
هذا هو المتلقي الحقيقي للشعر، الذي يستطيع أن يحوّل قراءته للقصيدة إلى تجربة حقيقية، ذلك أن (الأدب تجربة وليس موضوعاً) كما يقول (ستانلي فش) الذي يضيف: إن المعنى ليس شيئاً يستخلصه المرء من قصيدة ما، كاستخلاص الجوزة من قشرتها، إنما هو تجربة المرء في أثناء القراءة.


***

جليلة ماجد
06-13-2006, 09:53 PM
الشعر والزمن


ربما كان المظهر الأكثر وضوحاً، من مظاهر معاناة الإنسان الوجودية، هو ما يتمثّل في معاناته مع الزمن. فالزمن هو التحدي الأكبر الذي ما فتئ يلقي بظله الكثيف على هواجس الروح وتطلعات النفس ونشاطات الجسد، منذ أن بدأ الإنسان يدرك وجوده في هذا العالم.
ومع بدء وعي الإنسان لسطوة الزمن القاهرة، بدأ في ابتكار الوسائل التي تكفل له تحقيق أي نوع من أنواع الانتصار ـ حتى ولو كان رمزياً ـ في هذا الصراع المحتم. فآمن بالعقائد، وتقرّب من السماء، أو قرّب السماء إليه، وبنى الأوابد الراسخة، وصنع لنفسه تماثيل من الحجارة التي لا يبليها الزمن. إلا أن الوسيلة الأكثر شفافية كانت في لجوئه إلى الشعر، ذلك الفن الذي يستطيع أن يخترق الزمن، فيبقى حيّاً عبر العصور. وإذا كان لا بد لجسد الشاعر من أن يغيب تحت التراب، فإن أنفاسه وزفراته، أحلامه وأحاسيسه، ستبقى ترفرف في أثير الزمن، محمولة على جناحي هذا الطائر الجميل: الشعر.
ويبدو أن ثقة الإنسان بقدرة الشعر على مقاومة الزمن، كانت دائماً أكبر من ثقته بالصروح الهائلة التي بناها من الصخور والأحجار. فالمصريون القدامى الذين شيّدوا الأهرام لتكون حصونهم الشامخة التي تحفظ لهم البقاء وتشكل معراجهم نحو الخلود، أي نحو الهزيمة المطلقة للزمن، لم يأنسوا تماماً إلى مناعة أهرامهم، فعملوا على ترصيع جدرانها بالأناشيد والأشعار التي تمثل السلاح الأمضى في معركة البقاء. وهذه الأناشيد هي ما أُطلِقَتْ عليها تسمية (متون الأهرام)(1) وتعود في غالب الظن إلى الملك الأخير من الأسرة الخامسة ثم الملوك الأربعة الأول من الأسرة السادسة، وقد حكموا قرابة قرن ونصف القرن تبتدئ من حوالي سنة 2625 وتنتهي سنة 2475 قبل الميلاد. والدراسة المتأنّية لهذه المتون تبين بجلاء أن الهاجس الأكبر الذي يسيطر عليها هو هاجس الإفلات من قبضة الزمن والاستحواذ على الأبدية. فالفصل 257 من المتون يقول (إن مدى حياة الملوك هو الأبدية وحدوده هي الخلود) و(إن الملك هو ذلك الذي يظهر، ومن قد ظهر، ومن بقي، ومن يبقى). فإذا كان الهدف الأخير للزمن هو أن يلقي بالبشر إلى هاوية الفناء، فإن مقارعته تكمن في الرغبة بالتجدد الدائم والبقاء الأبدي، ولما كان ذلك ليس في يد البشر، فإن (المتون) تنسب إلى الملك هذه القدرة التي تضعه فوق الزمن، إذ يقول سطر آخر (لأن الملك في قبضته الأمر، والأبدية قد قيّدت إليه).

جليلة ماجد
06-13-2006, 09:54 PM
وإذا تركنا مصر الفرعونية، وتوجهنا إلى (نينوى) حيث وجد ضمن أنقاض مكتبة الملك (آشور بانيبال) النص الأخير لملحمة (جلجامش)(2). الملحمة الأولى في التاريخ البشري والذي يعزى نصها الأخير إلى كاهن بابلي عاش حوالي سنة 1100 قبل الميلاد، لوجدنا أن الغرض الرئيس للملحمة هو البحث عن النبتة العجائبية التي تبطل مفعول الزمن فتعيد الإنسان إلى شبابه وتضمن له الخلود، فعندما يقول جلجامش لصديقه (أنكيدو) في اللوح الثالث:
(الآلهة هم الخالدون في مرتع شمش
أما البشر فأيامهم معدودة
وقبض الريح كل ما يفعلون)
فهو إنما يعبّر عن الحس المأساوي الذي كان يختلج في نفوس البشر تجاه مصيرهم الذي يحدده لهم الزمن، ذلك أن أيامهم معدودة، وكل ما يفعلونه لا معنى له ما دام سينتهي بهم إلى النهاية المحتومة، وليس من انتصار على الزمن سوى للآلهة التي تمتلك الخلود. ومن هنا تبدو عبثية مسعى جلجامش الذي يقول له (شمش):
(إلى أين تمضي يا جلجامش
وأين تسعى بك قدماك؟
الحياة التي تبحث عنها لن تجدها)
وفي مقطع من أكثر مقاطع الملحمة تجسيداً للمعاناة البشرية مع الزمن، يظهر الزمن كعدو لدود للإنسان، فهو يدرك البيوت بالفناء، ويصيب المواثيق بالبلى، ويأتي على ميراث الأخوة، ولا يبقي شيئاً على حاله، وفي هذا المقطع يقول (أوتنابشتيم):
(هل نشيد بيوتاً لا يدركها الفناء؟
وهل نعقد ميثاقاً لا يصيبه البلى؟
هل يقتسم الأخوة ميراثهم ليبقى دهراً؟
وهل ينزرع الحقد في الأرض دواماً؟
وهل يخرج اليعسوب من شرنقته
ليدير وجهه للشمس طوالا
فمنذ الأزل لا تظهر الأمور ثباتاً
في البدء اجتمع (الأنوناكي) الآلهة العظام
وزعوا الحياة والموت
ولم يكشفوا لحي عن يومه الموقوت.
إن الزمن يتربص بنا أنى توجهنا، ليدبّ البلى في أطرافنا، ويرسل الموت إلى حجرة نومنا، ومهما بحثنا فإن الموت، الذي يجرّنا إليه الزمن جرّاً، سيواجهنا في كل مكان. لذلك يقول جلجامش:
(أواه أوتنابشتيم. ماذا أفعل؟ أين أسير؟
لقد تسلل البلى إلى أطرافي
وسكنت المنية حجرة نومي
وحيثما قلبت وجهي أجد الموت.)
وفي الهند، تطالعنا ملحمة (المهابهاراتا) الذي يصفها (ولهلم فون همبولت) بأنها (أجمل قصيدة فلسفية في أي لغة من لغات العالم). ورغم أننا لا نعلم على وجه اليقين التاريخ الذي وضعت فيه، إلا أنه من المرجح أنها تعود إلى ألف سنة قبل الميلاد. وفي هذه الملحمة أيضاً يبرز صراع الزمن كمحور تدور حولـه جميع التفاصيل، بل تصرح الملحمة على لسان (بهيشما) بالخوف من الزمن الذي يلقي بما نجنيه إلى الزوال، ويحيل الصعود إلى هبوط، والاتحاد إلى فراق، والحياة إلى موت(3):
(واعلم أن كل ما تجنيه إلى زوال
كل شيء إلى فساد، والصاعد إلى هبوط
والاتحاد إلى فراق، والحياة إلى موات
في جمع الثروة عناء لا ينقطع
وفي حراستها جهد متصل
وفي سرقتها تعاسة لا حد لها
كما في إنفاقها إرهاق لا مثيل له)
وتنتهي الملحمة بالإقرار بفاعلية الزمن الذي لا يجعل اللذة تدوم، ولا يجعل الألم أبدياً، وليس من سبيل إلى مواجهته إلا عبر الإيمان بخلود الروح:
(لا اللذة تدوم
ولا الألم أبدي
الروح وحدها خالدة)

جليلة ماجد
06-13-2006, 09:54 PM
وإذا انتقلنا إلى أواخر القرن التاسع قبل الميلاد، حيث يرجح أن الشاعر الإغريقي (هوميروس) قد عاش، لوجدنا أن ملحمته الإلياذة توصف بأنها (ملحمة الخلود وقصيدة الزمان). ورغم أن (الإلياذة) تدور حول أحداث حرب طروادة التي دامت أكثر من عشر سنوات من القرن الثاني عشر قبل الميلاد، إلا أن هوميروس اكتفى بأن يتغنى بأحداث الشهرين الأخيرين من العام العاشر، ليصوّر لنا مدى الشعور الطاغي بوطأة الخوف من الزمن عند أبطاله، فهاهو ذا البطل (هكتور) العظيم يخشى الزمن الذي لا بدّ أنه سيدمر مدينته المقدسة (طروادة) ويفني شعبه، ولذلك فهو لا يفكر إلا في المستقبل، أي في ما سيفعله الزمن. يقول (هكتور) لزوجته (أندروماخيا)(4): (إنني أعلم وأحس في نفسي وفي قلبي بأنه سيأتي يوم تدمر فيه طروادة المقدسة، ويهلك برياموس ويفني شعبه، ولكني لا أفكر إلا في المستقبل). ويدرك (هيكتور) أن قضاء الزمن لا مفر منه، فيقول لزوجته (لا تحزني من أجلي، فلن يسوقني إلى الموت رجل قط، إذا لم تشأ الأقدار، لكن إذا حكم القضاء، فلا مفر منه). أما في ملحمة هوميروس الأخرى (الأوديسة) فتتجلى المكابدة الإنسانية مع الزمن في المفارقة الحادة بين عذاب الانتظار الطويل الذي تعانيه (بينلوبي)، وبين المخاطر والأهوال التي يواجهها (أوديسوس) في رحلة عودته، حيث يظهر أن الزمن، في الحالتين، هو الفاعل الرئيس في دراما الحياة.
وفي الصين: في عام 571 قبل الميلاد ولد (لاوتسي) مؤسس (التاوية) وواضع كتابها المقدس (تاو ـ تي ـ كنج) وفي الأنشودة الأولى من الكتاب يقرّ المؤلف بعجز الإنسان عن الوصول إلى ما هو أبدي، فالإنسان محكوم بالزمن الذي لا يتيح له معرفة طريق الأبدية، ولا التسمي باسم الأبد(5):
(لو كان في استطاعتنا أن ندل على الطريق
ما كان هو الطريق الأبدي
لو كان في استطاعتنا أن نسمي الاسم
لما كان هو الاسم الأبدي)
ولكن (لاوتسي) يجد الخلود في الأنوثة الحافلة بالأسرار، روح الوادي أو جنية الوادي، ولذلك يحث الإنسان على الاغتراف منها لمقاومة الجفاف الذي يهددنا به الزمن:
(خالدة هي روح الوادي
هكذا تسمى الأنوثة الحافلة بالأسرار
بوابة الأنوثة الحافلة بالأسرار
هي جذر السماء والأرض
ثابتة في ضمائرنا
كأنها ستدوم أبداً
اغترف منها كما تشاء
ولن تجفَّ أبداً.)

جليلة ماجد
06-13-2006, 09:55 PM
وفي العصر نفسه الذي عاش فيه (لاوتسي)، كان (زارادشت) في بلاد فارس يكتب أناشيده أو ترانيمه المعروفة باسم (الجاثات: جمع جاثا)، وهي الأناشيد التي يجمع الدارسون على نسبتها إلى زارادشت دون غيرها من محتويات كتاب (الأفستا) المقدس. وفي هذه الترانيم لا يرى زارادشت أي طريق للتغلب على الزمن واكتساب الخلود غير طريق التقرب من الرب الحكيم، والإكثار من الأعمال والكلمات التي ترضيه، فيسبغ علينا عطاياه السخية، وفي مقدمتها الخلود والكمال(6):
(بكثرة الأعمال والكلمات والتسبيح
سوف تمنح أيها الرب الحكيم
الخلود والكمال لمعطيها
دعنا أيها الرب نشارك في عطاياك السخية)
فإذا كان الزمن يعمل على تهديهم أسباب الحياة، فإن مقاومته المثلى لا تكون إلا عبر التجديد المستمر لشروط الوجود، ولا يملك أحد القدرة على هذا التجديد سوى الرب الحكيم، لذلك يتضرع زارادشت إلى ربه بهذا الدعاء:
(علمني أيها الرب الحكيم، أفضل الكلمات والأفعال
من خلال هيمنة ملكوتك
أنت من تجعل الوجود مجدّداً حقاً طبقاً لمشيئتك)
وفي ترنيمة أخرى، يؤكد زارادشت رغبته الرئيسة في تجنب ما يخبئه الزمن لنا من ضعف وغياب، لذلك فإنه لا يطلب سوى القوة والدوام:
لعل الرب الحكيم الذي يحكم بمشيئته
يمنح كلاً منا ما يشتهيه
أنا أرغب في القوة والدوام
وبالرغم من الخشوع الشديد الذي يغلف ابتهالات زارادشت، إلا أنه لا يتورع عن التأكيد لربه أنه يعبده ويسبّحه من أجل أن يضمن له نعمته في الكمال والخلود إلى الأبد:
(عبادتي لك أيها الرب الحكيم
وكلمات التسبيح التي أوجهها إليك كحق
لتضمن لي نعمتمك: الكمال والخلود إلى الأبد).
أما الشاعر (أوفيد) الذي ولد في مدينة (سولمونه) شرقي روما سنة 43 قبل الميلاد، والذي يعد آخر الشعراء الأوغسطيين، فقد وجد حلاً آخر لمشكلة الزمن، يتجلى في فكرته عن (التحولات) أو (مسخ الكائنات). فإذا كان الزمن قادراً على أن يبلي الجسد، فإن الروح تستطيع تغيير جسدها والانتقال من واحد بال إلى آخر جديد. وهو يفرد مساحات من كتابه الجميل والهام الذي عنونه بالاسم
نفسه: (التحولات أو الميتا مورفوزس) لتأمل مشكلة الزمن، ومما يقوله في هذا الصدد(7): (الزمن نفسه يمضي منساباً وكأنه النهر بل أسرع، لأن ساعة الزمن العجلى لا تستطيع أن تتوقف ولو شاءت: فكما تدفع الموجةُ الموجةُ أمامها وتأخذ مكانها، فكذلك الساعات تهرب الواحدة من الأخرى، وتطارد هذه تلك في تجدّد بلا تلبث، ويصبح ما حدث منذ قليل بعيداً، ثم يحدث ما لم يكن قد حدث من قبل. وليست كل برهة من الزمن إلا خلقاً جديداً... وكذلك تتغير أجسادنا نفسها، ولا تكون في الغد مثل ما كانت عليه بالأمس، ولا مثل ما هي عليه اليوم... إيه أيها الزمن، إنك تلتهم كل شيء ولا تشبع، وكذلك أنت أيتها الشيخوخة الغيورة، تطحنين كل شيء بأنيابك وتنتهين به إلى الموت). وبعد ذلك يبسط (أوفيد) نظريته في (التحولات) فيقول: (إن السماء وكل ما تحتها يتغيّر، وكذلك الأرض وما تضمه، ونحن كذلك جزء من الكون لأننا لسنا أجساداً فحسب، بل نحن كذلك أرواح مجنحة تستطيع أن تجد لها مأوى في أجساد الحيوانات المفترسة أو الأليفة).

جليلة ماجد
06-15-2006, 01:28 AM
ولعل أجمل ما يكثّف نزوع الإنسان إلى تجاوز الزمن، والإيمان بقدرة الشعر على الصمود في وجهه، هو ذلك المقطع الباهر الذي يختتم به الشاعر (أوفيد) كتابه هذا حين يقول: (ها أنذا قد فرغت من كتابي، هذا الكتاب الذي تعجز غضبة جوبيتر الجبار عن أن تمحو أثره، وتعجز النار والحديد، بل وأنياب الزمن العاصف عن أن تطمس كلماته. ولتضع الأقدار، ما شاءت، خاتمة لحياتي، فهي لا تملك إلا جسدي، أما أنبل ما في ذاتي فسينطلق خالداً فوق مسرى النجوم والأفلاك، وسيبقى اسمي مشرقاً ما بقي الدهر. وأنى ينبسط سلطان الدولة الرومانية، فلسوف تردد ألسنة الناس شعري، وإن صدق حدس الشعراء فلسوف أخلد باقياً على مر العصور علماً خفاقاً شهيراً.)
وإذا التفتنا إلى تراثنا الشعري العربي، ولا سيما في برهته الأولى في العصر الجاهلي، لوجدناه قد اختار البؤرة التي تتركز فيها معاناته للزمن، ليجعلها مبتدأً ومنطلقاً لكل قصائده. فما المطلع الطللي الذي لا تستوي القصيدة الجاهلية إلا به، سوى تعبير عن عمق إحساس الجاهلي بالزمن، وتوقه إلى احتواء حركته. وفي ذلك يقول (أدونيس)(8): (الرسم أو الطلل تجلّ مادي لحركة الزمن، وهذا التجلي علامة محسوسة على تفتت الوجود. لكن الشاعر يرفض القبول بهذا التفتت، مع أنه مفروض عليه. هكذا يقيم علاقة شعرية بين الزمن، بوصفه مطلقاً، وحياته، بوصفها زمناً نسبياً. منسوجون بالزمن، نحن البشر، لكننا قادرون على نسجه أيضاً، وهو يلحّ على هذه القدرة الإنسانية، وتتجلى هذه القدرة بالإبداع، أي بالشعر، بمعناه الواسع، فعلاً وكتابة).
وهكذا، يمكن لنا أن نفهم لماذا كان الشعر رفيق الوجود الإنساني منذ أن كان الإنسان، وفي أي بقعة من بقاع الأرض سكن، سواء في حاضرات المدن الكبرى، أو في أقصى الصحارى، أو أشد الأدغال عزلة. ذلك أن الشعر هو السلاح الأمضى الذي ركن إليه الإنسان في مواجهته المستمرة لتصاريف الزمن. إلى درجة يصح معها القول بأن تاريخ الشعر، ما هو في الحقيقة، غير التاريخ الرمزي لصراع البشرية مع الزمن.

الهوامش
(1) الأدب المصري القديم ـ سليم حسن ـ مطبوعات كتاب اليوم ـ القاهرة 1990 الجزء الثاني ـ ص76.
(2) جلجامش ـ فراس السواح ـ دار سومر ـ 1987.
(3) المهابهاراتا ـ ترجمة عبد الإله الملاح ـ دمشق ـ 1991 ص274.
(4) الإلياذة ـ كتب غيرت الفكر الإنساني ـ الجزء الثالث ـ أحمد محمد النشواتي ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ ص25.
(5) تاو ـ تي ـ كنج ـ كتاب الطريق والفضيلة ـ لاوتسي ـ ترجمة عبد الغفار مكاوي ـ سجل العرب ـ القاهرة 1967.
(6) ترانيم زارادشت ـ ترجمة فيليب عطية ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1992.
(7) مسخ الكائنات ـ الشاعر أوفيد ـ ترجمة ثروت عكاشة ـ الطبعة الثالثة ـ القاهرة ـ 1992 ص319.
(8) كلام البدايات ـ أدونيس ـ دار الأدب ـ 1989 ص82.


***

جليلة ماجد
06-15-2006, 01:29 AM
الشعر والفلسفة


ليس من قبيل المصادفة، أن يتلازم الترويج لمقولة موت الشعر، مع مقولة نهاية عصر الفلسفة. في ظل اختزال الثقافة المعاصرة إلى ركض محموم وراء المعلومات التي تتدفق كل يوم دون أن يتاح لها الانتظام في دارة فكرية معينة، أو رؤيا شاملة تعمل على توظيفها لتحقيق قدر أكبر من التوافق بين متطلبات إنسانية الإنسان، وبين ما يحيط به من عناصر طبيعية، وأنظمة كونية، كانت ـ وما تزال ـ تشكل التحدي الأكبر أمام الوجود الإنساني.
وفي الحقيقة، فإن المتأمل في طبيعة الثقافة التي ينتجها التقدم التقني اليوم، يلاحظ أنها تتعامل مع الإنسان كما لو أنه آلة أو حاسوب لا يحتاج سوى أن يتم تلقيمه بالمعلومات، دون الأخذ بعين الاعتبار أياً من احتياجاته الروحية أو النفسية، ودون النظر إلى موروثه الثقافي أو التاريخي، ودون الاهتمام بالفروقات الشخصية التي تميز كل فرد عن غيره، أو كل شعب عن سواه. والأهم من ذلك كله، دون وضع أي تصوّر للمآل الذي سيؤول إليه مصير الإنسان.

جليلة ماجد
06-15-2006, 01:29 AM
ومما لا ريب فيه أن إنتاج المعلومات بهذه الغزارة الهائلة التي نشهدها اليوم، هو إنجاز كبير للعقل البشري، لا سيما وقد اقترن بتطوير وسائل الاتصال التي تعمل على سرعة تعميم وانتشار هذه المعلومات بشكل لم يسبق للتاريخ البشري أن عرفه من قبل. وهذا هو السبب الذي يجعل الكثيرين من الناس يعتقدون أن المجتمع البشري يحقق اليوم طفرة في التقدم والتطور. فقد استطاع العلم أخيراً أن يحل عدداً كبيراً من ألغاز الطبيعة ويقترب أكثر من أسرار الجسد البشري، وقدّر له أن يتوغل في مجاهل لم تكن تخطر على بال في أي عصر سابق. ولكن ذلك كله لم يجعل الإنسان أكثر سعادة مما مضى، ولا أكثر قدرة على التكيّف مع العالم من حوله، ولم يساعد على إطلاق طاقاته الهائلة المحبوسة في أعماقه. كما لم يمكنه من الاقتراب من تحقيق حلمه الأزلي في العدالة والحرية. وليس أدلّ على ذلك أكثر من هذا الشعور بالخواء واليأس الذي نلمسه في آداب الشعوب المعاصرة، وكذلك الازدياد المفرط في حالات الكآبة والعزلة والجنون والانتحار التي أصبحت من أهم علامات المجتمعات الحديثة. مما يعيد إلى الأذهان تلك الصيحة التي أطلقها الفيلسوف (كيركجارد) ذات يوم: (إن الرغبة في المعرفة قد أنستنا معنى الوجود)(1).

جليلة ماجد
06-15-2006, 01:30 AM
وإذا كان لا بدّ للمرء من أن يتساءل عن سبب إخفاق كل هذا التقدم العلمي والتقني في جعل حياة الإنسان أكثر غنى وجمالاً، فإنه يمكن الاجتهاد بأن الحضارة الحديثة إنما تسعى على قدم واحدة بعد أن أهملت أو عطّلت قدمها الأخرى. وبذلك لا يمكن لهذا السعي إلا أن يكون مضطرباً ومشوّشاً إلى درجة يخطئ معها سبيله المفترض، ويحيد عنه إلى اتجاهات قد تؤذي طموحات الإنسانية أكثر من أن تقترب من تحقيقها. فلا يمكن لتقدم الحضارة أن يكون متوازناً وفعّالاً إلا إذا سارت على قدمين: تعمل القدم الأولى على مراكمة أكبر قدر ممكن من المعلومات والاكتشافات والتقنيات، بوساطة ما اصطلحنا على تسميتها بالعلوم البحتة والعلوم التطبيقية. أما القدم الثانية فتعمل على تنظيم ذلك الركام واستخلاص رحيقه الأصيل لدمجه في منظومة تتوافق مع الاستبصارات التي تشكل نسقاً آخر للمعرفة التي يتم استجلاؤها عبر الطاقات الأكثر خصوصية لدى الإنسان والأكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات وجوده في هذا العالم. ولا يمكن إنجاز مثل هذه المهمة المركبة والمعقدة إلا بوساطة ما يمكن لنا الاصطلاح على تسميته بالوعي. أما أبرز المصادر التي يستقي منها الوعي عوامل تكونه ونموّه فهي الفلسفة من جهة، والفنون وعلى رأسها الشعر، من جهة أخرى.
ومما لا شكّ فيه أن الحديث عن اقتران الشعر بالفلسفة كمصدرين رئيسين للوعي، سوف يثير حفيظة الكثير من الناس الذين تعوّدوا أن يفصلوا فصلاً حاداً بينهما، وكيف لا يكون ذلك، وهم يعتقدون أنهم يعرفون الفلسفة التي تمثل في نظرهم التعبير الأكمل عن الجهد العقلي المنظم الذي لا يتعامل إلا مع الحقائق، ولا يعنى سوى باليقين، ولا يستخدم إلا البراهين، بينما يختلفون في تعريف الشعر الذي لا يمثل لهم سوى تهويمات خيال، ومشاعر غامضة؟
وفي الحقيقة، فإذا كان تعريف الشعر عصيّاً حقاً، فإن الفلسفة ليست أحسن حالاً. فإذا أمعنا النظر في غالبية التعريفات التي وضعت للفلسفة عبر التاريخ، وجدنا أنها تكاد تنتمي إلى مملكة الشعر، أكثر من انتمائها إلى مملكة الدقة والتحديد. فهناك من يعرّف الفلسفة بأنها (جهد يهدف إلى التركيب الكلي). وآخر يرى أنها (محاولة لمعرفة الروح). ويقول (لوسين) إن الفلسفة هي وصف التجربة، بينما يعرف (ميرلو بونتي) الفيلسوف بامتلاكه تذوق البداهة ومعنى الالتباس في آن واحد. أما (لوكاتش) فيعتبر الفلسفة مجرد رؤى للعالم، و(شاتليه) يعتبرها مشروع خطاب. لذلك يقول فريناند ألكييه في كتابه (معنى الفلسفة)(2): (ما من تعريف دقيق للفلسفة في وسعه منذ البداية أن يؤخذ به، وعلى ذلك فإننا مرغمون على القيام ببحثنا بالاعتماد على صيغة مشاعر غامضة). ويخلص الفيلسوف ألكييه إلى القول: (إن الفلسفة الحقيقية، بحكم ذلك، تبدو موعوداً بها، أكثر مما هي مضمون محدد.).

جليلة ماجد
06-15-2006, 01:30 AM
ولنعاود التأمل في التعريفات السابقة، ألا تنتمي فعلاً إلى مملكة الشعر أكثر من انتمائها إلى أي شيء آخر.؟ أليس الشعر أيضاً جهد يهدف إلى التركيب الكلي، ومحاولة لمعرفة الروح، ومشروع خطاب؟ أليس الشاعر هو من يتميز بامتلاكه تذوق البداهة ومعنى الالتباس في الوقت نفسه. ثم أليست (صيغة المشاعر الغامضة) عبارة مقطوفة لتوّها من شجرة الشعر؟ وأليست القصيدة هي التي نبدو موعودين بها أبداً؟!.
ولا يقف الأمر عند حدّ التعريف فقط، بل يبدو أن للفلسفة وللشعر في الأصل منبع واحد. فأفلاطون نفسه يقول: (إن منبع الفلسفة هو الدهشة) ويقول أرسطو: (إلى الدهشة التي اعترت الناس يعزى أنهم يبدأون الآن كما بدأوا أول مرة في التفلسف). ومَن ذا يماري في أن الدهشة هي المنبع الأصيل لكل شعر حقيقي أيضاً؟.
وإذا كان الفيلسوف الألماني (كارل يسبرز) يقول: (من طبيعة الفلسفة ذاتها ـ وهي متميزة في ذلك عن العلوم ـ أنها لا بد أن تستغني في أي شكلٍ من أشكالها عن الاعتراف بها اعترافاً ينعقد عليه الإجماع)(3) أليست هذه هي حال طبيعة الشعر أيضاً التي تنبذ من مفرداتها كل ما له علاقة بالإجماع؟ وعن هدف الفلسفة يقول يسبرز: (ليس اليقين الذي تطمح إليه يقيناً موضوعياً من النوع العلمي، ذلك اليقين الذي يعتبر سواء بالنسبة لكل عقل، وإنما هو يقين باطني يشارك فيه الإنسان بكيانه كله. وبينما يتناول العلم دائماً موضوعات معينة لا يستغني عن معرفتها الناس جميعاً بحال من الأحوال، فإن الفلسفة تعالج الوجود بأسره، ذلك الوجود الذي يعني الإنسان بوصفه إنساناً، كما أنها تهتم بحقيقة ما أن تتكشف لها حتى تؤثر فينا تأثيراً أعمق من أية معرفة علمية.). ويقيني أن الكلام السابق لا ينطبق على شيء قدر انطباقه على الشعر الذي يسعى إلى اليقين الباطني ويعالج الوجود بما هو فضاء لوجود الإنسان بوصفه إنساناً، لذلك فإن الحقيقة الشعرية هي التي تتغلغل في أعماقنا لتؤثر فينا أعمق من أية معرفة علمية. وليس ذلك فقط، بل إن (يسبرز) نفسه يقول: (أن جوهر الفلسفة ليس هو امتلاك الحقيقة، بل البحث عن الحقيقة) وهذا هو عين جوهر الشعر، الذي يتجلى في مكابدة (الرحيل الدائم) وليس في ادعاء (الوصول)، ذلك أن الوصول هو نهاية، والنهاية موت، والشعر منذور للحياة وليس للموت، أي منذور للرحيل وليس للوصول، كما عبّرت عن ذلك شعراً في قصيدة لي عنوانها (الرحيل نحو الصفر)(4).

جليلة ماجد
06-15-2006, 01:31 AM
بيد أن هذه الحالة من السير نحو الحقيقة ـ كما يقول يسبرز ـ (تحتوي في داخلها على إمكانية الرضا العميق، بل إنها تحتوي حقاً في بعض لحظات النشوة على إمكانية الكمال. بيد أن هذا الكمال لا يستقر إطلاقاً في معرفة قابلة للصياغة، وفي المعتقدات وفي قوانين الإيمان، وإنما في الاستيعاب التاريخي لماهية الإنسان التي يتكشف فيها الوجود نفسه. وفهم هذه الحقيقة في موقف الإنسان الراهن هو هدف الجهد الفلسفي.)(5). ودون أي شعور بالحرج أو التردد يمكن لي أن أكمل عبارة (يسبرز) السابقة فأقول (وهدف الجهد الشعري أيضاً).!
وعند هذه النقطة، أجد نفسي ملزماً بالتوقف قليلاً، لأوضح الالتباس الذي يمكن أن يرد إلى بعض الأذهان فأقول إنني أتحدث عن الشعر بمفهومه المطلق، ولا يعنيني هنا ما اصطلح على تسميته بـ (الشعر الفلسفي). ذلك أن هذا الاصطلاح أطلق على بعض القصائد التي حاولت أن تشرح مذهباً فلسفياً ما، أو التي تتضمّن (حكمة أو فكرة أو تأملاً في أحوال الإنسان أو الوجود). وبهذا الشكل فإن تلك القصائد لا تشكل ـ في نظري ـ سوى نظم لتلك المذاهب أو الأفكار، ومن ثم فهي مستبعدة من دائرة الشعر الذي أقصده في هذه المقالة. وإنما أتحدث عن قدرة الشعر من خلال طبيعته الشعرية الخاصة على الغوص إلى أعماق الأسرار الكبرى في الكون والحياة.
وربما كان أرسطو أول من انتبه إلى هذه الطاقة الفلسفية الكامنة في طبيعة الشعر نفسها حين قال: (إن الشعر أكثر تفلسفاً وأهم من التاريخ لأن الشاعر يتعامل مع الكليات)(6) فالشعر بطبيعته ينطوي على الكشف ـ كما يقول غوته ـ لأنه حين يتناول الجزء المفرد في طابعه الحي إنما يستبصر في الوقت نفسه استبصاراً ضمنياً بالكلي الفعال المبدع في كل شيء حي(7) وكما يقول (كولردج) فإن الشاعر هو فيلسوف على نحو ضمني غير صريح. أما شيللي فيقول: (إن الشعراء فلاسفة بلغوا أسمى درجة من القوة، وأن الشعر هو مركز كل معرفة ومحيطها). وربما كان خير سبيل لفهم عبارة شيللي السابقة هو أن نعود إلى ذلك النص الهام الذي وضعه الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، وقرأ فيه شعر (هلدرلن) مستنبطاً الحقائق الوجودية الكبرى التي تضمنتها قصائد هذا الشاعر. يقول هيدغر(8): إن الشعر تأسيس للكينونة عن طريق الكلام، و (قول الشاعر) تأسيس، ليس فحسب على معنى البذل والعطاء الحر، بل كذلك على معنى أنه يرسي الوجود الإنساني على أساس متين... وأن نقيم على نحو شعري معناه أن نبقى في حضرة الآلهة، وأن نعاني مجاورة الأشياء في لبابها وماهيتها... إن الشعر هو الأساس الذي يسند التاريخ، ولذلك فهو ليس مظهراً من مظاهر الثقافة، وليس من باب أولى (تعبيراً) عن (روح ثقافة) ما... الشعر موقظ لظهور الحلم وما وراء الواقع، في مواجهة الواقع الصاخب الملموس الذي نعتقد أننا مطمئنون إليه. ومع ذلك فإن ما يقوله الشاعر وما يفترضه موجوداً هو الواقع... ويضيف هيدغر: أما في الشعر، فالإنسان يركز ذاته على وجوده الإنساني، ويصل هناك إلى الطمأنينة، لا إلى تلك الطمأنينة الوهمية المتولدة من البطالة وفراغ الفكر، بل إلى تلك الطمأنينة الضافية التي يصحبها نشاط في جميع القوى والعلاقات(9).

جليلة ماجد
06-15-2006, 01:32 AM
أما الفيلسوف المعاصر هانز جورج غادامير فيقول في كتابه (تجلي الجميل): إنه ليبدو لي أمر لا جدال فيه أن اللغة الشعرية تتمتع بصلة خاصة فريدة بالحقيقة(10).
ويتساءل غادامير: من ذا الذي يريد أن يفصل بين الشعر والفلسفة؟ ويقول: مع ذلك فإن هذا القرب والبعد، هذا التوتر الخصب بين الشعر والفلسفة، من العسير أن ننظر إليه على أنه مشكلة خاصة بتاريخنا القريب أو حديث العهد، لأنه توتر قد صاحب دائماً مسار الفكر الغربي(11)
كما أن هناك فلاسفة يعتبرون الشعر أسبق في مقاربة الحقيقة من الفلسفة، ذلك أن (ما يقوله ويعيشه الفلاسفة، قد عاشه الشعراء وعبروا عنه) على حد تعبير الفيلسوف فريناند ألكييه(12) الذي يقول أيضاً: (إن الشعر في أعلى مستوياته، ليس بخلق، ولكنه اكتشاف ووحي، وعودة إلى حقائق أساسية، ورد واستبعاد لكل المظاهر، لكي نعود إلى الوجود، وتهديم للعالم المصنوع بعاداتنا، طموحاً للكشف عن عالم أكثر صحة، بحيث يمكن الخوف من أن تصبح الفلسفة هي التي تنسى مهمتها، في الحين الذي يظل فيه الشعر وفياً لمهمته)(13).
إن إغراق الإنسان المعاصر اليوم بسيل المعلومات التي تتدفق دون ناظم ودون وعي حقيقي بالوسائل التي تكفل استخدامها فيما يلبي حاجات وطموحات الإنسانية، ليس إلا طريقة جديدة تستخدمها القوى المهيمنة لتزيد من إحكام قبضتها على العالم. بعد أن حولت (المعلومات) إلى (سلعة) من السلع التي ترمي بها إلى مستهلكين لا يحق لهم التصرف بها إلا وفق رغبات المنتج نفسه، وذلك بغية ضمان عدم استخدامها في أي مشروع يمكن أن يعمل على تحرير الشعوب والأفراد وتحقيق الحلم الأزلي في العدالة والحرية. وإذا كانت القوى التي تستغل الإنسان فيما مضى تعمل على قهر واستعباد مجموعات أو طبقات أو قوميات معينة، فإنها اليوم (وباسم العلم يقع التطلع لا إلى إبادة هذه المجموعة أو تلك من الأفراد، ولكن إلى إنتاج الإنسان الآلي بالجملة) كما يقول الشاعر (أوكتافيو باث)(14)، بل إن الروائي ألدوس هكسلي يؤكد (لقد أصبحت العبودية التكنولوجية واقعاً مرئياً).
ولذلك، فإن المقولات التي يتم ترويجها اليوم عن موت الفلسفة وموت الشعر، ما هي إلا من قبيل إخلاء الساحة للقوى التي تفرض هذه العبودية، من خلال العمل على تجريد الإنسان المعاصر من أهم مصدرين من مصادر الوعي الذي يمكن له أن يرسم مستقبلاً جديداً للبشرية، لا يلغي الجوهر الإنساني الأصيل، بل يعمل على استعادة ألقه وإذكاء توهجه الدائم.

**


هوامش
(1) نصوص مختارة من التراث الوجودي ـ ترجمة فؤاد كامل ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ 1987 صفحة 6.
(2) فريناند ألكييه ـ معنى الفلسفة ـ ترجمة حافظ الجمالي ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999 ـ ص15.
(3) كارل يسبرز ـ نصوص مختارة من التراث الوجودي ـ سبق ذكره صفحة (14).
(4) الرحيل نحو الصفر ـ نزار بريك هنيدي ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ 1998 ـ صفحة 62.
(5) نصوص مختارة من التراث الوجودي ـ سبق ذكره ـ صفحة 65.
(6) شعر وفكر ـ الدكتور عبد الغفار مكاوي ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ 1995 ـ الصفحة 62.
(7) المرجع السابق ص67.
(8) مباهج الفكر الإنساني ـ نصوص أساسية من الفكر العالمي ـ العماد أول مصطفى طلاس ـ دار طلاس ـ 2000.
(9) المرجع السابق ـ صفحة 624.
(10) تجلي الجميل ـ هانز غادامير ـ ترجمة سعيد توفيق ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة 1997 صفحة 224.
(11) المرجع السابق صفحة 224.
(12) معنى الفلسفة: سبق ذكره ـ صفحة 237.
(13) المرجع السابق ـ الصفحة 242.
(14) اللهب المزدوج ـ أوكتافيو باث ـ ترجمة المهدي أخريف ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة 1998 صفحة 199.

***

جليلة ماجد
06-15-2006, 01:32 AM
الشعر والموسيقا


ربما كانت العبارة الشائعة التي تُشَبِّهُ النثر بالمشي، والشعر بالرقص، هي أبلغ ما قيل في التمييز بين النثر والشعر. فهذه العبارة البسيطة تكتنز من الدلالات الموحية ما يجعلها مدخلاً مناسباً للحديث في أهم خصائص الفن الشعري. فإذا كان المشي نشاطاً عادياً مشتركاً بين عامة الناس، يؤدّونه بشكل عفوي في حياتهم اليومية، فإن الرقص نشاط استثنائي يتقصده الراقص قصداً ويهيء له الطقس المناسب في الزمان والمكان. وإذا كانت حركات المشي تلقائية، فإن الرقص يحتاج إلى مهارات وملكات خاصة (فطرية ومكتسبة). وفي حين أن المشي في العادة وسيلة لبلوغ غاية ذات طبيعة منفعية مباشرة، فإن الرقص غاية في ذاته، أو أنه محاولة لبلوغ ما يتعذّر بلوغه عبر الوسائل المألوفة المشتركة بين الناس جميعهم.
ولا أريد أن أسترسل في استقصاء الدلالات الكثيرة التي تمنحنا إياها تلك العبارة البليغة، لأعدد من خلالها مزايا الفن الشعري وأوجه الخلاف بينه وبين النثر العادي، فذلك ليس غايتنا في هذه المقالة. وإنما أريد استثمار تشبيه الشعر بالرقص، لأدلف إلى علاقة الشعر بالموسيقا، وأبين ما أعتقده بخصوص هذه المسألة التي باتت تمثل واحدة من أهم المسائل المطروحة على بساط البحث والتأمل في الدراسات الشعرية المعاصرة.

جليلة ماجد
06-15-2006, 01:33 AM
فكما لا يمكن لأحد أن يتصوّر الرقص بلا موسيقا، فكذلك لا يمكن للشعر أن يكون دون موسيقا، وهذه الحقيقة يقررها تاريخ الشعر منذ أقدم عصوره. فليس من قبيل المصادفة أن الإيقاع هو القاسم المشترك بين النصوص الشعرية التي أنتجتها البشرية، على الرغم من التباعد الجغرافي واختلاف شروط الحياة وتباين المستوى الحضاري بين مراكزها المختلفة من الإغريق ومصر الفرعونية إلى الصين القديمة والهند وفارس وجزيرة العرب وأدغال إفريقيا والقارة الأمريكية.
وإذا كان الشعر القديم قد اعتمد الإيقاع الكمي الذي تجلى في البحور والأوزان، فإنه بذلك يشابه الرقص القديم الذي كان يعتمد على الإيقاع الذي تضبطه الآلات المختلفة. وكما هو واضح في حالة الرقص، فإن ما نقصده بالموسيقا لا يقتصر على الإيقاع الخارجي، بل تنبعث الموسيقا من جميع حركات الجسد الراقص في توازنها وتكرارها وانسجامها مع الحالة الانفعالية والشعورية. وكذلك هو حال الشعر، الذي لا يشكل البحر العروضي بالنسبة له سوى طبقة خارجية لا يصح أن ننسب إليها كل موسيقا القصيدة، ذلك أن هذه الموسيقا تتجلى أيضاً –وربما أساساً- في انسجام الحروف، وتوازن أصوات الكلمات، وفي إيقاع الجمل وتجاورها وتكرارها، وفي الحالة النغمية العامة التي يبثها النص بمجمله. وهذه الحالة النغمية وثيقة الصلة بالصور التخييلية والرؤيا الاستشرافية والمناخ العام للنص الشعري.
ويبدو جليَّاً أن الموسيقا ليست عنصراً تمّت إضافته إلى الأداء الراقص. بل هي أحد المكوّنات البنيوية لحالة الرقص نفسها. صحيح أن الراقص يمكن أن يتخلى عن الإيقاع الخارجي الذي تضبطه الآلة، ولكن جسده نفسه يكون مشبعاً بالموسيقا فتنتظم حركاته وفق نغم ينضح من حالته الشعورية. بل إن هذا النغم الداخلي هو الذي يحرض الراقص ويدفعه إلى التعبير عنه بأدائه. هذا الأداء الذي يتحدد شكله وفقاً للنغم نفسه ويكون تجلياً له. وهكذا تكون وظيفة الرقص أن يخرج النغم من أعماق الراقص، ويجسده في بنية فنية تستطيع نقله إلى المتلقين الذين يشاهدون العرض. لذلك ترى المشاهد يتلقى النغم الذي يطفح به الجسد الراقص، ويعيد إنتاجه سواء بتمايل جسده أو حركات قدميه أو أصابعه أو بدندنات يهمس بها منتشياً بسحر الفن الذي يتلقاه.

جليلة ماجد
06-15-2006, 01:34 AM
وفي الحقيقة، فإن الكلام السابق نفسه ينطبق على الشعر، فالموسيقا هي عنصر تكويني أساس في بنية القصيدة أيضاً. بل إن القصيدة (كما يقول ت. س. إليوت)(1) قد تميل إلى تحقيق ذاتها أولاً باعتبارها إيقاعاً مستقلاً قبل أن تصل إلى التعبير بالكلمات. فالإيقاع سابق على اللغة، وهناك الكثير من الدلائل التي تجعلنا نتخيّل أن الإنسان البدائي قد استخدم الإيقاعات المختلفة كإشارات تعبّر عن انفعالاته قبل أن يتوصل إلى اختراع الكلمات. ولا ريب في أنه ربط الإيقاع بالمعنى استناداً إلى تأثره بإيقاعات الطبيعة من حوله. بالإضافة إلى الإيقاعات التي كانت تعتمل في داخله وهو يواجه المواقف المختلفة. وفي اعتقادي أن الشاعر يعاني القصيدة كنغم أولاً. ذلك أن هذا النغم الذي ينبثق من أعماق الشاعر ويملأ وجدانه هو التعبير الأولي عن المشاعر التي تجيش في نفسه حيال المحرض (الداخلي أو الخارجي) الذي استثارها قبل أن يكتسي بالكلمات، وقبل أن يكتمل المعنى. ذلك أن الموسيقا التي تنبع من النغم الأولي الذي وصفناه هي التي تعمل على تشكيل المعنى بطريقة أو بأخرى. وهو ما كان يؤكده الشاعر والناقد الإنكليزي الفذ (كولردج)(2) الذي كان يؤمن بأن الوزن أو الموسيقا جزء لا يتجزأ من الإنتاج الشعري، وكان في تحليله للنماذج الشعرية المختلفة يوضح كيف يؤكد الوزن المعنى، وكيف تؤثر العاطفة في الوزن والنغم، بل كيف يعبر النغم عن شخصية المتكلم. ولم يكن يعتبر الوزن قالباً خارجياً جامداً يفرض على التجربة فرضاً، وإنما كان يعتقد أن الوزن والتجربة الشعرية بشتى عناصرها يولدان معاً في نفس اللحظة. ولا بد لنا في هذا المجال من تذكر نظريته حول مصدر الوزن التي تحدث عنها في كتابه (سيرة أدبية)(3) حيث يقول: الوزن في نظري مصدره التوازن في العقل نتيجة الجهد التلقائي الذي يسعى إلى السيطرة على العاطفة الفائرة.. وبما أن عناصر الوزن مدينة بوجودها إلى حالة من الانفعال الزائد ينبغي للوزن ذاته أن يكون مصحوباً بلغة الانفعال الطبيعية، وإذا كان للوزن في ذاته تأثير بمفرده، فإنه ينزع إلى زيادة الحيوية والحساسية في المشاعر العامة وفي الانتباه.
وكما في حالة الرقص، فإن الوزن الذي يتجلى في البحور العروضية ليس وحده ما يصنع موسيقا القصيدة، إنه (ضابط إيقاع) إذا صحّ التعبير. أما الموسيقا الحقيقية للنص الشعري فإنها متضمنة عضوياً في بنية النص ذاته، متواشجة مع المناخ العام للنص والرؤيا التي يوحي بها ومتضافرة مع الصور التخييلية ومع البناء النحوي ومع العلاقات الداخلية القائمة بين الكلمات المتجاورة والجمل والمقاطع المتتابعة.

جليلة ماجد
06-15-2006, 01:35 AM
ولما كانت هذه الفكرة صعبة القبول من قبل بعض المتعصّبين للوزن الكلاسيكي، فلا بأس من أن نوضحها بالمثال التالي الذي يبيّن لنا الاختلاف الجذري لموسيقا بيتين من الوزن العروضي نفسه، مما يعني أن البحر الواحد قادر على بث تنويعات لا نهائية من الموسيقا. ولو كان البحر هو المجسد الوحيد للموسيقا الشعرية لكنا وجدنا للبحر الواحد موسيقا واحدة وهو ما يتناقض مع أي استقراء لعلاقة الموسيقا بالبحر العروضي.
لنصغِ جيداً أولاً إلى هذا البيت المعروف من أشهر قصيدة في التراث العربي هي معلقة امرئ القيس المنظومة على البحر الطويل:
وليلِ كموجِ البحرِ أرخى سدوله
عليَّ، بأنواع الهموم ليبتلي
حيث ينقل إلينا البيت ثقل الليل الذي يعانيه الشاعر، والذي يمر عليه ببطء شديد حتى كأنه لن ينجلي أبداً. لذلك جاءت موسيقا البيت شديدة البطء أيضاً، فالمقاطع الصوتية متطاولة، والوقفات ثقيلة لا يكاد اللسان يتجاوزها إلا بصعوبة (لاحظ الوقفة بين اللام المنوّنة في ليلٍ وبين الكاف التي تليها في كموج، والوقفة بين الألف المقصورة في أرخى والسين التي تليها في سدوله) ولاحظ أيضاً ثقل الحروف المتتابعة في تفعيلة [رأرخى]. وهذه الموسيقا البطيئة ليست ناجمة فقط عن تواصلنا مع المعنى أو الصورة الشعرية، بل هي متضمنة عضوياً في البنية الصوتية للجمل والكلمات والحروف التي يتألف منها البيت، بحيث أن المرء يعجز فعلاً عن قراءته قراءة سريعة. وليحاول القارئ أن يجرب ذلك بنفسه ليكتشف أن لسانه لن يستجيب للسرعة وسيمر بطيئاً على الكلمات ويتوقف قسراً أمام الوقفات الثقيلة في البيت.

جليلة ماجد
06-15-2006, 01:35 AM
ولكننا إذا انتقلنا إلى بيت ثان من القصيدة نفسها (ومن البحر نفسه طبعاً وهو الطويل) حيث ينقل لنا الشاعر بإعجاز نادر السرعة الهائلة التي يتحرك بها حصانه فيقول:
مكرٍ مفرٍ مقبلٍ مدبرٍ معاً
كجلمود صخرٍ حطّه السيل من علِ
سنجد أن موسيقا البيت تندفع بسرعة لا تقل عن سرعة الحصان الذي تصوره. وأن القارئ نفسه يكاد لا يستطيع التوقف ليلتقط أنفاسه وهو ينطق البيت دفعة واحدة. ذلك أن الوقفات التي كانت إجبارية في البيت الأول أصبحت هنا عبارة من منزلقات شديدة الانحدار لا تتيح للمرء أن يتمهّل عندها بل تدفعه دفعاً إلى المقطع الصوتي التالي، وهو ما يمكن لأي قارئ أن يتحقق منه بنفسه.
ما الذي جعل موسيقا البيتين مختلفين إلى حد التناقض وهما منظومان على البحر نفسه؟ هذا هو ما نقصده بالموسيقا الداخلية، التي ينكر بعض أنصار الوزن الكلاسيكي وجودها أصلاً. وهذه هي الموسيقا التي يقصدها (لامبورون) في كتابه (أسس النقد) حين يقول: توجد موسيقى داخلية في الشعر، وهي أوسع من الوزن والنظم المجردين، وإن هذه الموسيقا الداخلية يشخصها جانبان مهمان، هما اختيار الكلمات وترتيبها من جهة، ثم المشاكلة بين أصوات هذه الكلمات والمعاني التي تدل عليها من جهة أخرى. وفي هذا المجال أيضاً يقول (ت. س. إليوت) في مقالته الشهيرة (موسيقا الشعر)(4): إن القصيدة الموسيقية هي القصيدة التي لها نمط موسيقي من الأصوات، ونمط موسيقي من المعاني الثانوية للكلمات التي تؤلفها، وإن هذين النمطين هما شيء واحد ولا ينفصلان. ويقول إن موسيقا الكلمة تنبع من علاقتها بالكلمات السابقة عليها والتالية بعدها مباشرة، وبصورة غير محددة من علاقتها بسائر سياقها ومن علاقة أخرى هي تلك العلاقة القائمة بين معناها المباشر في ذلك السياق وبين كل المعاني الأخرى التي سبق أن كانت لها في سياقات أخرى. كما أن تنافر الأصوات بل تنافر الألحان لهما مكانهما، كما يجب أن يوجد تماماً في القصيدة مهما كان طولها مواقف انتقال بين الفقرات الأعظم أو الأدنى حدة لإعطاء إيقاع يمثل الانفعال المتموج الذي هو أمر جوهري للبنية الموسيقية لمجمل القصيدة. ويتحدث إليوت عن موسيقا الأخيلة بمقدار ما هي موسيقا الصوت ويؤكد: (إن موسيقا الشعر ليست شيئاً يوجد مستقلاً عن المعنى).

جليلة ماجد
06-15-2006, 01:36 AM
ولكن الاعتراض الأساس الذي يحتجّ به بعض الباحثين يقوم على أن النثر لـه موسيقاه الداخلية أيضاً، ولا سيما في لغة مثل لغتنا العربية، حيث الإيقاع سمة واضحة من سمات تصويت الكلمات وتركيب الجمل. وهذا صحيح بالطبع، ولكن بالعودة إلى المثل الذي جعلناه مستندنا المرجعي في هذه المقالة، وهو تشبيه النثر بالمشي، والشعر بالرقص، نجد أن للمشي أيضاً إيقاعه، بل إن مشي بعض الحسناوات قد ينضوي على موسيقا حقيقية تأسر الألباب أحياناً‍! ومع ذلك فإن أي إنسان يستطيع التمييز بالبديهة بين إيقاع المشي وإيقاع الرقص، ولا يمكن أبداً الخلط بينهما، دون السؤال عن الأساس النظري لاختلاف كل منهما عن الآخر.
وهذه هي حالة النثر والشعر أيضاً. وفي الحقيقة، فإن الناس في العصور السابقة كانوا يميّزون بالبداهة نفسها بين النثر والشعر، ولم يكن ذلك بسبب وجود الوزن التقليدي (البحر) كما سيجيب بعضهم، بدليل أن النثر المكتوب على البحر التقليدي لم يكن يخدع أحداً، وكان الناس يكتشفون بسهولة أنه مجرد نثر منظوم ويسمونه كذلك رغم وجود الوزن (ألفية ابن مالك مثلاً وغيرها من المنظومات التعليمية). ولذلك اكتفى الفارابي وابن سينا بأن يعتبرا اقتران الوزن بالتخييل الشعري أو المحاكاة، مميزاً للشعر(5). أما في العصر الحديث، الذي شهد ظهور الكثير من التجارب الشعرية (الحقيقية أو الزائفة) وبسبب من طبيعة العصر نفسه فقد اختلطت الأمور وغامت المعايير وتوارت البداهة أو كادت، مما أدى إلى طرح مسألة التمييز النظري بين وظيفة الإيقاع في النثر ووظيفته في الشعر بقوة على بساط البحث. فلجأ المنظّرون والنقاد والمشتغلون بنظريات الأدب وعلوم اللسانيات إلى اجتراح مغامرات باسلة حقاً لتفسير الاختلاف البنيوي في طبيعة موسيقا الشعر نسبة إلى النثر. وما على المغرمين بالدراسات النظرية المعقدة سوى مراجعة كتاب (يوري لوتمان)(6) المعنون بـ (تحليل النص الشعري: بنية القصيدة) أو كتاب (جان كوهين)(7) المشهور (بنية اللغة الشعرية) أوغيرهما لاستجلاء الجهد النظري المبذول في ذلك، والذي يصعب استعراضه في هذه العجالة. مما يجعلني هنا أكتفي بالقول إن مثال المشي والرقص قادر على الإيحاء بتفاصيل وخفايا قد تعجز الدراسات المجردة عن تفسيرها بسهولة. وأرى أن تفعيل البداهة وتنمية الحس المرهف والذوق السليم هو الحكم الفصل في هذا المجال. ولم لا نقبل بذلك مع أن الموسيقيين جميعهم يعوّلون على (الأذن الموسيقية السليمة) أكثر بكثير مما يعوّلون على الدراسات النظرية الفجّة؟

جليلة ماجد
06-15-2006, 01:37 AM
ومهما يكن من أمر، فإن الهدف الرئيس لكل هذه الأبحاث في موسيقا الشعر هو الوصول إلى جواب عن السؤال التالي: ما دام الوزن لا يشكل سوى طبقة خارجية من طبقات موسيقا القصيدة، أو (ناظم إيقاع) لها، وما دام الأساس هو الموسيقا الداخلية للنص الشعري التي تنبع من الرؤيا والأخيلة وتفاعل الكلمات والجمل، ألا يعني ذلك إمكانية إبداع قصيدة حقيقية دون وزن؟ سأسارع –من ناحيتي- إلى الإجابة بـ (نعم). فالإمكانية النظرية لكتابة قصيدة دون وزن موجودة فعلاً. تماماً كما هي موجودة إمكانية أداء رقصة دون موسيقا، ولا أشك في أن (الرقص الصامت) يشكل ذروة فنية سامقة، لا يمكن أن يؤديها إلا راقص خارق البراعة وبالغ المهارة وطافح بالمكنونات الروحية وممتلئ بالمقوّمات الجمالية. ولكن كم راقصاً يمتلك فعلاً ما يؤهله لأداء مثل هذه الرقصة الباهرة بنجاح؟ بل كم مرة يستطيع هذا الراقص نفسه أن يجترح هذه المعجزة؟
لا شكَّ عندي في أن الأمر نفسه ينطبق على الشعر، فقصيدة النثر الناجحة معجزة حقيقية. ولكن كم قصيدة نثر من هذا الركام الهائل الذي تطالعنا به الدواوين والمجلات والصحف كل يوم، يمكن لنا أن نعتبرها معجزة فنيّة؟ سأجنّب نفسي تبعات الإجابة على سؤال بمثل هذه الخطورة، وأستعير الإجابة من كتاب (بنية اللغة الشعرية) لـ (جان كوهين) نفسه، وكما هو معروف تماماً فإن جان كوهين ليس تقليدياً وليس رجعياً أو سلفياً أو متخلفاً، بل هو واحد من أهمّ منظري الحداثة الشعرية في العالم، وكتابه (بنية اللغة الشعرية) هو حجر الأساس في جميع دراسات الشعرية الحديثة.
يتحدث (جان كوهين)(8) عن ندرة القصيدة النثرية فيقول: برغم النجاح الذي لا مراء فيه، فقد بقيت استثناءً في أدبنا، فمن منا لم يحلم –كما يقول بودلير- في أيام طموحه بمعجزة نثر شعري موسيقي دون إيقاع ودون قافية، فيه من النعومة والشدة ما يجعله يتلاءم مع الحركات الغنائية للنفس ومع تموج الأحلام وقفزات الوعي؟ وقد حقق بودلير هذا الطموح بكتابة مقطوعاته النثرية ولكن من يماري في أن بودلير الأعظم هو ذلك الذي كتب (أزهار الشر). ويتابع (جان كوهين) قوله: إن الفن الكامل هو الذي يستغل كل أدواته، والقصيدة النثرية بإهمالها للمقومات الصوتية للغة تبدو دائماً، كما لو كانت شعراً أبتر.

جليلة ماجد
06-15-2006, 01:38 AM
ومع ذلك، تمتلئ الساحة الشعرية العربية اليوم بضوضاء من يعتبرون أن الوزن بحد ذاته قديم، وأن كل شعر موزون، لا بد له من أن يكون قديماً- تقليدياً. وربما كان أبلغ من جادل أصحاب هذا الرأي هو أدونيس نفسه، صاحب التأثير الأكبر في حركة الحداثة الشعرية العربية، وأول من أشاع مصطلح (قصيدة النثر) في الساحة العربية، حيث يقول في سيرته الشعرية الثقافية (ها أنت أيها الوقت)(9): (كنا نجيبهم استناداً إلى مراجعهم ذاتها. نسألهم أولاً: هل أنتم ضد الوزن بإطلاق في اللغات كلها، أم أنكم ضده في اللغة العربية وحدها؟ إن كنتم ضده بإطلاق فأنتم تنكرون مرجعيتكم ذاتها. كأنكم تستمدون معرفتكم من مصادر تجهلونها تماماً‍! إذ ليس في الغرب شاعر حديث واحد، ذو قيمة، رفض الوزن أو أنكره. بل إن بين مؤسسي الحداثة الشعرية الغربية من رفض الكتابة الشعرية إلا وزناً، مثل (مالارميه). وأهم ما كتبه (بودلير) كان موزوناً (أزهار الشر) ونصف شعر (رامبو) موزون. وتلك هي الحال بالنسبة إلى جول لافورغ الذي يصفه إليوت بأنه المجدّد الأكبر، تقنياً، بعد بودلير. والأمر نفسه بالنسبة إلى شعراء الحداثة مع اللغة الإنكليزية، ولن أسمّي إلا الكبار: ييتس، وعزرا باوند، وإليوت- الأكثر تأثيراً في الحداثة الشعرية العربية. أما إذا كنتم ضد الوزن في اللغة العربية وحدها –والكلام ما زال لأدونيس نفسه- فإن عداءكم هذا يضمر عداءً لأشياء أخرى غير الوزن وغير الشعر، ولا تعود المسألة هنا شعرية أو وزنية، بحصر المعنى، وإنّما تصبح مسألة أخرى).
وأخيراً، لا أجد بداً في النهاية من التأكيد على إيماني بمشروعية (قصيدة النثر) كحالة خاصة من الكتابة الشعرية، تماماً مثل مشروعية (الرقص الصامت) كحالة من حالات فن الرقص. وقد كتبت الكثير سابقاً في دفاعي عن حقها في الوجود ضد التقليديين المتعصبين الذين لا يعترفون بها أصلاً. ولكن الأصوات التي تتعالى اليوم وتعتبر أنّ (قصيدة النثر) هي الممثل الشرعي الوحيد للحداثة الشعرية العربية، وترشحها لتكون الشكل الأوحد لشعر المستقبل، وتصف كل شعر يستخدم (التفعيلة) بأنه تقليدي أو رجعي، هذه الأصوات تثير دهشتي فعلاً. فإذا كانت (قصيدة النثر) ما زالت استثناءً في موطن الحداثة نفسه كما يقول (جان كوهين) فمن أين استقت تلك الأصوات يقينها المطلق بأن ساحة الحداثة الشعرية العربية لا تتسع إلا لها؟.

**
هوامش:
(1) ت. س. إليوت –في الشعر والشعراء- ترجمة محمد جديد- دار كنعان- صفحة 42.
(2) كولردج –الدكتور محمد مصطفى بدوي- دار المعارف بمصر- 1988- صفحة 89.
(3) كولردج –المرجع السابق- صفحة 174.
(4) اليوت –المرجع السابق- صفحة 35.
(5) د. جابر عصفور- مفهوم الشعر- الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1995- صفحة 192.
(6) يوري لوتمان- تحليل النص الشعري: بنية القصيدة – دكتور محمد فتوح أحمد- دار المعارف بمصر 1995.
(7) جان كوهين –بنية اللغة الشعرية- محمد الولي ومحمد العمري- دار توبقال للنشر- 1986.
(8) كوهين- المرجع السابق ص 51.
(9) أدونيس –ها أنت أيها الوقت- دار الآداب- لبنان- 1993- صفحة 165.

***

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:02 PM
شعريّة القصيدة القصيرة


يلاحظ المتتبع لحركة الشعر العربي المعاصر، زيادة ملموسة في الاهتمام بالقصيدة القصيرة، حتى بتنا نرى مجموعات شعرية تخصص بكاملها لهذا اللون من الشعر، الذي أخذ تسميات مختلفة، مثل: قصائد قصيرة – ومضات- إشراقات- قصاصات- بطاقات- منمنمات، وغيرها.
وبالرغم من أن الشعر العربي في عصوره السابقة، عرف القصيدة ذات الأبيات القليلة، أو حتى البيت المفرد، كما عرف ظواهر مثل المقطّعات، أو الموشحات القصيرة، أو القصائد المكتوبة في الأصل من أجل الغناء. إلا أن المرء بوسعه أن يفسّر زيادة الاهتمام بالقصيدة القصيرة في عصرنا الراهن استناداً إلى مجموعة من العوامل. ربما كان في طليعتها طبيعة العصر نفسه، الذي يميل إلى السرعة، ويفضّل الأشياء الخفيفة والصغيرة. بالإضافة إلى انتشار ظاهرة المهرجانات الشعرية التي تحشر عدداً من الشعراء يتجاوز السبعة أو العشرة أحياناً، في فترة زمنية لا تتجاوز الساعتين، مع ما تفرضه هذه المهرجانات من انتقال قسري من مناخ شاعر إلى مناخ آخر يختلف عنه تماماً، مما جعل بعض الشعراء يفضلون القصيدة القصيرة التي تجذب انتباه المستمعين. كما أنه لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه التأثر بظاهرة القصيدة القصيرة في آداب الشعوب الأخرى، لا سيما بعد أن كثرت الترجمات لقصائد الهايكو والتانكا اليابانية وكذلك قصائد يوجين غيفلك ويانيس ريتسوس القصيرة وغيرها.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:03 PM
ومهما يكن من أمر، فإن الانشغال النظري بقضية الطول والقصر في الشعر، يعود إلى المراحل المبكرة من الفكر النقدي الذي بحث في الأسس النظرية للفن الشعري. فهذا ابن رشد في تلخيصه لكتاب أرسطو في الشعر يقول: (والأنقص من الأشعار والأقصر هي المتقدمة بالزمان لأن الطباع أسهل وقوعاً عليها أولاً. والأقصر هي التي تكون من مقاطع أقل والأنقص هي التي تكون من نغمات أقل أيضاً)(1). كما يضيف ابن رشد في موضع آخر من الكتاب نفسه قوله: (ومن الشعراء من يجيد القول في القصائد المطولة، ومنهم من يجيد الأشعار القصار والقصائد القصيرة وهي التي تسمى عندنا المقطعات، والسبب في ذلك أنه لما كان الشاعر المجيد هو الذي يصف كل شيء بخواصه وعلى كنهه وكانت هذه الأشياء تختلف بالكثرة والقلة في شيء من الأشياء الموصوفة، وجب أن يكون التخييل الفاضل هو الذي لا يتجاوز خواص الشيء ولا حقيقته. فمن الناس من قد اعتاد أو من فطرته معدّة نحو تخييل الأشياء القليلة الخواص. فهؤلاء تجود أشعارهم في المقطعات ولا تجود في القصائد. ومن الشعراء من هو على ضد هؤلاء وهم المقصّدون –كالمتنبي وحبيب- وهم الذين اعتادوا القول في الأشياء الكثيرة الخواص أو هم بفطرهم معدّون لمحاكاتها، أو اجتمع لهم الأمران جميعاً(2).
ويتّضح من المقبوسين السابقين أن ابن رشد في تلخيصه لكتاب أرسطو يقرر أن القصيدة القصيرة أقرب إلى الطباع وأسهل في الوقوع عليها، وهي تستمد شرعيتها من اختلاف موضوعها عن موضوع القصيدة الطويلة، فهي تختص بتخييل الأشياء القليلة الخواص التي لا يجوز تناولها في قصيدة طويلة لأن وصف الشاعر المجيد يجب أن يكون على كنه الموضوع ولا يتجاوز خواصه ولا حقيقته.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:04 PM
ويتجلى الموقف الثاني في الإعلاء من شأن القصيدة الطويلة على حساب القصيدة القصيرة، واعتبار القدرة على كتابة المطولات هي المعيار الذي تقاس به موهبة الشاعر. وهو الموقف الذي يعبر عنه بصراحة هربرت ريد في كتابه (طبيعة الشعر) حيث يعتبر أن التصورات الملحمية الكبرى هي التي نقيس بها عظمة الشعراء(4) ويخصّ الشاعر القادر على نظم القصيدة الطويلة بلقب (شاعر مفلّق) بينما لا يطلق على شاعر القصيدة القصيرة أكثر من اسم (شعرور)‍‍!. يقول هربرت ريد بالحرف الواحد: (يمكننا أن نقول تقريباً إن الاختلاف بين شاعر مفلق وشعرور إنما هو القدرة على نظم قصيدة طويلة نظماً ناضجاً، ولست قادراً على التفكير بأي شاعر يجازف المرء بتسميته (عظيماً) في الوقت الذي يتألف فيه عمله الشعري من مقطعات قصار ليس غير(5).
وبغضّ النظر عن حكم القيمة، فإن المسألة التي تطرح نفسها هي ماذا يميّز القصيدة القصيرة من الطويلة؟ وهل القياس الكمي لطول القصيدة وعدد أبياتها وسطورها هو المعيار الوحيد للتفريق بينهما؟
أما ابن رشد فيرجع الاختلاف بينهما إلى اختلاف الموضوع الذي يناسب كلاً منهما، كما رأينا في المقبوس السابق، ذلك أنه (وجب أن يكون التخييل الفاضل هو الذي لا يتجاوز خواص الشيء ولا حقيقته(6). كما أن (هربرت ريد) يؤكد أن الاختلاف بين القصيدة القصيرة والقصيدة الطويلة ليس اختلافاً في الطول بقدر ما هو اختلاف في الجوهر. ويضيف (إن الاختلاف يعتمد على مسألة الغنائية، فنحن غالباً ما ندعو القصيدة القصيرة قصيدة غنائية، وتعني هذه أساساً قصيدة قصيرة إلى القدر الذي يكفي لأن تعدّ للموسيقى وتغنّى ابتغاء إمتاع سريع). ويحدد هربرت ريد القصيدة القصيرة بوصفها (القصيدة التي تجسد موقفاً عاطفياً مفرداً أو بسيطاً، القصيدة التي تعبر مباشرة عن حال ذهنية مسترسلة أو إلهام. أما القصيدة الطويلة فهي القصيدة التي توحّد من خلال البراعة عدداً أو كثيراً من مثل هذه الأمزجة العاطفية. على الرغم من أن البراعة ههنا قد تنطوي على فكرة مهيمنة مفردة، يمكن أن تكون هي نفسها وحدة عاطفية(7).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:04 PM
وربما كان الدكتور عز الدين إسماعيل أول ناقد عربي في العصر الحديث يناقش قضية (القصيدة القصيرة) وتميزها عن القصيدة الطويلة، وإن كان لم يخرج عن الإطار العام لمفهوم هربرت ريد الذي عرضناه منذ قليل(8). وبالرغم من أن الدكتور علي الشرع قدم عام 1987 دراسة مهمة عن بنية القصيدة القصيرة في شعر أدونيس(9) استطاع من خلالها أن يسلّط الضوء على التقنيات التي يعتمدها أدونيس في كتابته للقصيدة القصيرة، إلا أنه مع ذلك لم يقدم تعريفاً خاصاً محدداً وواضحاً للقصيدة القصيرة وما يميزها عن القصيدة الطويلة. بل وربما أمكن للقارئ المتفحص أن يلمس ميله إلى مفهوم إدغار آلان بو الذي يعتبر القصيدة الطويلة مجموعة من القصائد القصيرة (راجع الصفحة 56 من كتابه المذكور).
ومهما يكن من أمر، وكما هو شأن أي قضية من قضايا الفن الشعري، التي لا يمكن لأحد الإدعاء أن ما يعتقده هو القول النهائي الجامع المانع الذي يقفل باب الاجتهاد بعده، فإن المجال يتسع لأن يدلي كل شاعر وكل ناقد بدلوه، ويقدم مفهومه الشخصي الذي ينبع من تجربته في الكتابة أو من مقاربته ودراسته وتذوقه للنصوص الشعرية. وفي هذا الإطار تندرج محاولتي لتقديم مفهومي الشخصي عن القصيدة القصيرة أو (المنمنمة) كما أسميّها (لأن هذه التسمية تبعدنا عن الإشكال المتعلق بالقياس الكمي لطول القصيدة، كما أنها تنمّ عن غناها بالعناصر الفنية، وتشير إلى الشغل الفني المركز الذي تتطلبه كتابتها).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:04 PM
ففي حوار أجرته معي جريدة (الكفاح العربي) ونشر بتاريخ 4/11/1998 قلت إنّ (المنمنمة) هي (طموح إلى تقديم نص صاف يعتمد على مجموعة من العناصر والتقنيات الفنية التي تتضافر لتكوين بنية خاصة يتم فيها تفعيل الوظائف الشعرية كافة في طاقتها القصوى وضمن أشد ما يمكن من تكثيف، دون أن يفقد النص شفافيته وحيويته. ويتم ذلك من خلال مجموعة من الشبكات التي تنتظم فيها جميع عناصر النص اللغوية والتخييلية والصوتية والإيقاعية بحيث تتكامل أدوارها لتتوهج جميعها في بؤرة المشهد الشعري، وبالطبع فإن ذلك لا يتم بالاقتصار على التقاط اللحظة الشعرية، بل لا بدّ من الشغل الفني المركز الذي يوجّهه الحس الجمالي من جهة، والخبرة والوعي الفني من جهة أخرى، ومن هنا كانت لفظة (المنمنمات) أصح ما تكون لتسمية هذه النصوص(10)
ويبدو جليَّاً افتراق هذا المفهوم عن مقولة ابن رشد، إذ لم تعد القصيدة القصيرة أو المنمنمة شكلاً فطرياً بسيطاً ملازماً لتخييل الأشياء القليلة الخواص كما يقول ابن رشد، بل أصبحت وفقاً لهذا المفهوم بنية شعرية مركّبة قادرة على الإيحاء بالمعادل الموضوعي لكثير من المواقف الشعرية المعقدة. وفي الوقت نفسه يتضح تجاوز هذا المفهوم لما قال به هربرت ريد، إذ إن الاختلاف بين القصيدتين القصيرة والطويلة لم يعد يعتمد على مسألة الغنائية التي تجسد موقفاً عاطفياً مفرداً أو بسيطاً، ولم يعد يكفي أن تكون القصيدة القصيرة معدة للموسيقى أو لابتغاء الإمتاع السريع، ذلك أن الغوص في الطبقات التي تتألف منها أصبح يتطلب من المتلقي الكثير من الخبرة والدربة والمخزون الثقافي والحياتي والإحساس والذوق المرهف ليتمكن من إعادة إنتاج المعنى الذي لا يتكامل إلا بفعل تضافر جميع العناصر اللغوية والتخييلية والصوتية التي تشكل القصيدة. كما أن البراعة لم تعد تقتصر على قدرة الشاعر على توحيد عدد من الأمزجة العاطفية في القصيدة الطويلة، بل أصبحت البراعة تتجلى في قدرة شاعر القصيدة القصيرة على تفعيل الوظائف الشعرية كافة في طاقتها القصوى وضمن أشد ما يمكن من تكثيف من خلال الشغل الفني المركز الذي يوجّهه الحس الجمالي العالي والخبرة الطويلة والوعي الفني الفائق. وكل ذلك لا يمكن أن يتوفر بالطبع للشاعر الصغير أو (الشعرور) على حد تسمية هربرت ريد، وإنما لا بد من أن يكون من نجح في كتابة هذه القصيدة القصيرة شاعراً حقيقياً قد يتاح له أن يكون (عظيماً) أو (مفلقاً) بالدرجة نفسها التي تتاح لشاعر القصيدة الطويلة.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:05 PM
وبغية وضع هذا المفهوم للقصيدة القصيرة على المحكّ التطبيقي، سنحاول تحليل قصيدة قصيرة للشاعر اليمني أحمد ضيف الله العواضي من مجموعته الشعرية التي أطلق عليها تسمية (قصائد قصيرة)(11) والتي خصصها بكاملها –كما هو واضح من العنوان- لهذا الشكل من الكتابة الشعرية. والقصيدة التي اخترناها تحمل عنوان (النظام العالمي الجديد) وهي مؤلفة من عشرة سطور فقط. تقول القصيدة:
(الإشارة خضراء،
والوقت منقبض في الفضا
طار سرب القطا
فرأى أمماً في البعيد،
دمها مالحٌ ويداها وَعيد!
الإشارة صفراء.
مرَّ السلام المخبّأ في الشاحنات الحديد.

الإشارة سوداء!
مَرَّ جنود الخرافة في كلّ زينتهم،
وحشوا في بنادقهم طلقات النظام الجديد)(12).
ومنذ البداية، نلاحظ أن الموضوع الذي تدور حوله القصيدة، والذي يتجلى بوضوح ومباشرة في العنوان (النظام العالمي الجديد) ليس من (الأشياء القليلة الخواص) حسب تعبير (ابن رشد). كما أنه ليس موضوعاً غنائياً يجسد موقفاً عاطفياً بسيطاً حسب مقولة (هربرت ريد).
وإنما هو موضوع في غاية التشابك والتعقيد. بل ربما كان من أخطر المسائل المطروحة على بساط البحث الفكري والفلسفي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة.
وإذا باشرنا النظر في القصيدة نفسها، فإن أول ما نكتشفه أن القصيدة مقسمة إلى ثلاثة مقاطع بوساطة شبكة من الإشارات الملونة (الخضراء والصفراء والسوداء)، التي تحتل كل إشارة منها سطراً مستقلاً معزولاً عن بقية القصيدة، بحيث تبدو هذه الإشارات وكأنها شبكة خارجية أسقطت على جسد القصيدة. وإن احتلال هذه الشبكة لثلث حجم القصيدة تقريباً (ثلاثة سطور من عشرة) يوّلد فينا الإحساس بمدى ثقل وطأة هذه الشبكة. ومما لا شكّ فيه أن هذه الإشارات الملونة تستدعي مباشرة إلى أذهاننا صورة إشارات المرور بما تعنيه من تحكّم صارم بأية حركة تتم في أي اتجاه من الاتجاهات، وبما تمثله من سطوة للسلطة التي تعتبر أية مخالفة لأوامرها خروجاً على القانون يستوجب المساءلة والعقاب.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:05 PM
ولننتبه الآن إلى ألوان هذه الإشارات التي جاءت في القصيدة وفق الترتيب التالي (الخضراء ثم الصفراء وأخيراً السوداء). فقد افتتح الشاعر قصيدته بالإشارة الخضراء بما تعنيه من حرية الحركة، وبما يوحي به اللون الأخضر من حيوية وطبيعيّة ونضارة، ليقول إن الزمن قبل النظام العالمي الجديد، ورغم كل مآسيه ومنغّصاته، يبقى أكثر حياة مما يخطط له هذا النظام الجديد الذي سوف يصبغ العالم بسواد قاتم من الظلام والقهر والعبودية. ولنلاحظ أن ترتيب الألوان في القصيدة جاء عكس ما يقول به أرباب النظام العالمي الجديد، الذين يدّعون أن نظامهم هو الذي سينقل بالعالم من حالة التوقف والجمود والموات إلى حالة الحرية والازدهار، وبذلك فإن ترتيب الألوان وحده يحمل موقف الشاعر بكل صراحة ووضوح.
وبالإضافة إلى ذلك، واستناداً إلى ما هو معروف بتقنية كسر أفق التوقع عند القارئ، نجد أن القارئ يتوقع أن تكون ألوان الإشارات كما هي في الواقع (خضراء وصفراء وحمراء). إلا أن الشاعر كسر هذا التوقع عند الإشارة الثالثة فقال: الإشارة سوداء، مما يعني أن مسيرة النظام العالمي الجديد لا تسير بشكل طبيعي بل هي تتجه إلى هاوية مظلمة.
كما أن التغييب المقصود للون الأحمر عن مكانه الطبيعي في الإشارة الثالثة سوف ينبّه القارئ مباشرة إليه وسيستدعي إيحاءات الأحمر كافة إلى مخيلته، مما يجعل منه (الغائب الحاضر). وربما كان من أول تداعيات اللون الأحمر، إيحاؤه بالحرية من خلال العلاقة القائمة بينه وبينها في أذهاننا (وللحرية الحمراء باب)، ولذلك فإن غيابه عن مكانه الطبيعي في القصيدة إشارة إلى غياب الحرية عن المآل الذي سيؤول إليه العالم في ظل النظام العالمي الجديد. كما أن ارتباط اللون الأحمر بالثورة على القهر والظلم يشي بالرغبة الدفينة عند الشاعر في الثورة على هذا النظام. وهذا مثال جيّد على أن الشاعر الحقيقي لا يطلق الطاقات الشعرية للعناصر الحاضرة فقط، بل إنه قادر على استغلال الغياب أيضاً فيقوم بتفعيل العناصر الغائبة وتوظيفها في منح النص مزيداً من الإشعاعات الإيحائية التي يتكامل بها المعنى العام للنص الشعري.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:06 PM
وإذا رفعنا الآن شبكة الإشارات التي تجثم على القصيدة، وجدنا أن كل مقطع يبقى معزولاً عن المقطعين الآخرين. ذلك أن مساحة من البياض بقدر سطر كامل تفصل بين كل مقطعين، بحيث يبدو جسد القصيدة مقطّع الأوصال، وكأني به يرمز إلى المجتمع البشري الذي يعمل النظام العالمي الجديد (ممثلاً بشبكة الإشارات) على تقطيع أوصاله.
مما يشير إلى أن مساحات البياض على الصفحة أيضاً ليست مجانية، بل يمكن استغلالها لتقديم المزيد من التفاصيل إلى المعنى العام.
وإذا أمعنا النظر في كل من هذه المقاطع على حدة، وجدنا أن المقطع الأول هو أطولها وأغناها بالصور، ذلك أنه يستغرق أربعة سطور مقابل سطر واحد للمقطع الثاني وسطرين للثالث.
كما أنه يتضمن عدداً من الصور مقابل صورة واحدة لكل من المقطعين التاليين. وهذا يعني أن المقطع الأول يمثل المشهد الأكثر حياة. ومن البدهي إن الأكثر حياة لا يعني انعدام المنغصات والسلبيات، فذلك مناقض لواقع الحال، فالعالم قبل النظام العالمي الجديد ليس مثالياً بل هو يعجّ بأسباب الألم والحزن والقهر. ولذلك قال الشاعر في هذا المقطع إن الوقت منقبض، ولكنه منقبض في الفضاء، حيث ما زال بإمكان سرب القطا أن يطير ويستشرف المستقبل، وإن كان هذا المستقبل لا يبدو مطمئناً، بل إنه ينبئ عن أمم قادمة ليس فيها ما يمت بصلة إلى الجوهر الإنساني. بل إنّ دمها المالح الذي يذكر بملوحة الصدأ الذي يعتري الأجسام المعدنية، أو ملوحة الأسيد الفاسد الذي ينضح من (البطاريات) الجافة، قد يوحي أن تلك الأمم لم تعد سوى (روبوتات) آلية يحركها النظام العالمي الجديد وفق رغباته وأهوائه، لا سيما أن يديها لا تصلح لأي من الوظائف البشرية النبيلة المنوطة بالأيدي، بل إن وظيفتها الوحيدة هي التهديد والوعيد.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:06 PM
وفي ذروة هذا الترقب المتوتر، الذي يشبه توتر السائقين الواقفين أمام الإشارة الصفراء، يأتي الوعد من القطب الأوحد الذي يعمل على إحكام سيطرته على الكرة الأرضية. فيزعم أنه سيأتي بالسلام والخلاص، ولكن سلامه محمول على آلته العسكرية، ومشروط بقبول الخضوع لهيمنته وسطوته. ولمّا كان عابرو الشارع لا يملكون تغيير الإشارة الضوئية، فإن العالم سينزلق (في المقطع الثالث) تحت أقدام أرباب النظام العالمي الجديد، الذين سيختالون ببنادقهم المحشوة بالطلقات التي يوجهونها نحو كل مناحي الحياة البشرية.
وبالرغم من أن المآل الذي يصوّره المقطع الثالث يأتي كنتيجة مباشرة للانجرار وراء وعد القطب الأوحد الذي تجلى في المقطع الثاني، إلا أن الشاعر يؤكد ذلك أيضاً باستخدام تقنية جديدة هي تكرار فعل (مرّ) في مطلع كل من المقطعين، مما يعني أن فعل (مرّ) الثاني ملازم لفعل (مرّ) الأول وهو نتيجة طبيعية له. وربما كان لإضمار اللون الأحمر الغائب عن مكانه الطبيعي في الإشارة الثالثة، دوره في تحريض مخيّلة القارئ على الرغبة في الثورة على ذلك المآل الأسود، وإيقاظ نزوعه الفطري نحو الحرية الحمراء ما دام لها باب بكل يد مضرجة يدقُّ.
والآن، هل انتهينا من سبر أغوار هذه القصيدة، واكتشاف الآليات المتعددة التي تعمل بها عناصرها المختلفة وتتكامل لإطلاق شعريتها؟ بالتأكيد لا، ذلك أن هذه القصيدة القصيرة التي تتألف من عشرة سطور، تحتاج إلى عشرات الصفحات لدراسة عوامل الشعرية فيها وتقصّي المعاني الجزئية المتعددة التي تتضمنها.
فما زال أمامنا الكثير من العناصر التي لم نتحدث عنها، مثل اختيار الألفاظ وتوزيعها بين مجموعتين، تغلب على المجموعة الأولى منها الألفاظ الموحية بالحياة والحرية والانطلاق (الفضاء- طار- سرب القطا- رأى- أمم- البعيد) وهي التي حرّكت المقطع الأول. بينما غلبت على المجموعة الثانية الألفاظ الخاصة بالخوف والقمع (المخبأ- الشاحنات الحديد- جنود- حشوا- بنادق- طلقات) وهي التي ألقت بظلالها الكثيفة على المقطعين الثاني والثالث. كذلك لا بد من وقفة متأنية مع صور القصيدة وتبيين إيحاءاتها المختلفة مثل صورة الوقت المنقبض في الفضاء وهي صورة غنية فعلاً، ففيها تداخل غير عادي للزمان (الوقت) في المكان (الفضاء) مما يجعلها قادرة على الإشعاع بمعان متعددة يحتاج استقصاؤها إلى مساحة ليست بالقليلة. وكذلك فإن اختيار الشاعر لمشهد طيران سرب القطا للتعبير عن استشراف المستقبل، دون غيره من الوسائل التي كانت متاحة له للتعبير عن الموقف نفسه، قد يوحي بمعنى إضافي يتجلى في انحياز الشاعر إلى الطبيعة البكر ونفوره من الحياة العصرية التي فصمت الإنسان عن محيطه الأصلي.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:06 PM
وهناك عنصر شديد الأهمية أيضاً لم نتطرق له حتى الآن، وهو عنصر الموسيقا والإيقاع. وهو أيضاً يحتاج إلى بحث مستقل للوقوف على خصائصه وعلى دوره في إشاعة المناخ العام للقصيدة، الذي يتيح للإيحاءات المختلفة أن تنمو وتتكامل في مخيّلة المتلقي. وحسبنا هنا أن نشير إلى ما تشيعه تفعيلة (فاعلن) من شعور طاغ بالأسى يلف القصيدة بمجملها، وكذلك ما تولّده القافية الممدودة في (الفضا، والقطا) في المقطع الأول، من مشاعر الحنين والشجن ومن الإحساس بالامتداد وبالعمق. وكذلك ما تتركه القافية الساكنة الوحيدة في نهاية كل من المقطعين الثاني والثالث من تأثير يعزّز اليقين بأن النظام العالمي الجديد يدفع العالم دفعاً في اتجاه وحيد إلى الهاوية المحتّمة.
وبعد. هل كان يمكن أن يتوفر لهذه القصيدة القصيرة، كلُّ هذا البنيان المتماسك المحكم، الذي تتفعّل فيه جميع العناصر اللغوية والتخييلية والإيقاعية، لتعالج قضية متشابكة معقدة، في أشد ما يمكن من تكثيف، لو لم يكن الشاعر متمتعاً بموهبة شعرية حقيقية، وممتلكاً لحس فني مرهف، ووعي جماليّ فائق، وخبرة متمرسة، مكّنته من تركيز شغله الفني دون التضحية بشفافية القصيدة وحيويتها؟ وألا يؤكد ذلك صحة ما ذهبنا إليه في مفهومنا عن شعرية القصيدة القصيرة؟.

**
الهوامش:
(1) ابن رشد –تلخيص كتاب الشعر- الهيئة المصرية العامة للكتاب –1987-ص65.
(2) المصدر السابق- صفحة 105
(3) سوزان برنار- قصيدة النثر- الجزء الأول- دار شرقيات- 1998-ص36.
(4) هربرت ريد –طبيعة الشعر- وزارة الثقافة السورية- 1997-ص58.
(5) المصدر السابق- صفحة 59.
(6) ابن رشد –تلخيص كتاب الشعر- سبق ذكره- صفحة 105
(7) هربرت ريد –طبيعة الشعر- سبق ذكره- صفحة 60
(8) الدكتور عز الدين إسماعيل- الشعر العربي المعاصر- دار العودة- بيروت
(9) الدكتور علي الشرع –بنية القصيدة القصيرة في شعر أدونيس- اتحاد الكتاب العرب بدمشق 1987
(10) جريدة الكفاح العربي –العدد 2123- حوار مع الشاعر- تاريخ 4/11/1998
(11) أحمد العواضي- قصائد قصيرة- دار أزمنة- عمان- 200.
(12) المصدر السابق – صفحة 14

***

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:07 PM
خطاب العشق

في الأدب العالمي المعاصر


يحتل خطاب العشق مكانة متميزة في الأدب العالمي المعاصر. وإذا كان من نافل القول أن الحب يشكل المادة الأولى التي ينهل منها الشعراء أعذب الصور وأشجى الأنغام، ويستمدّ منها الروائيون والمسرحيون أهم مواضيع أعمالهم وأكثرها غنى وحيوية، منذ أن كان الشعر وكان الأدب. إلا أن الظاهرة التي أعنيها هنا هي قيام عدد من مشاهير الشعراء والروائيين والنقّاد في العالم بتخصيص كتب بكاملها للتأمل في مسألة الحب، ودراسة أحواله المختلفة، وتقصّي علاقته بالنفس البشرية وبالسلوك والمصير، وتأثيره في الإبداع الأدبي والفني. وكذلك الإدلاء بشهاداتهم حول تجاربهم الشخصية وكشف أغوار حياتهم العاطفية.
وفي الحقيقة، فإن هذه الظاهرة ليست جديدة تماماً، فقد عرفنا في التاريخ الأدبي عدداً من الكتب المماثلة، وإن كانت قليلة ومتفرقة. وربّما كان أولها كتاب (فن الهوى) الذي وضعه الشاعر (أوفيد) منذ ألفي عام، وكذلك كتاب الحب الهندي (كاماسوترا)، وكتب الحب العربية.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:07 PM
فمن الجدير بالذكر أن لأجدادنا العرب مكانة متفرّدة في هذا النوع من التأليف، فقد أعطوا العالم عدداً من كتب الحب التي استطاعت اختراق الثقافة الغربية وبقيت تشكل المرجع الرئيس في بابها طوال عصور عديدة، وما زالت تلعب دورها المؤثر الكبير حتى يومنا هذا. وعلى رأس هذه الكتب كتاب (الزهرة) لأبي داود و(طوق الحمامة) لابن حزم، و (الروض العاطر في نزهة الخاطر) للشيخ النفزاوي. وربما كان خير دليل على ذلك أن التأثر الجليَّ والواضح بهذه الكتب يشكل قاسماً مشتركاً بين جميع مؤلفات الحب الحديثة التي نتناولها في هذا البحث، بالإضافة إلى عامل مشترك آخر، لا يخلو من الطرافة، يتجلى في كون هذه المؤلفات قد كتبها أصحابها في أواخر أعمارهم، بعد أن حققوا الكثير من الشهرة الأدبية العالمية، وبعد أن تجاوزوا سنّ الشباب والنضج أيضاً! وقد يذهب المرء في تفسير ذلك إلى أن الكتابة في الحب وشؤونه تحتاج إلى تراكم التجارب الحياتية والخبرات المعرفية. إلا أنه قد يكون للمسألة وجه آخر يتجلى في شعور الأديب بلا جدوى المجد الأدبي الذي أفنى أيامه في بنائه، واكتشافه المتأخر بأن الحب وحده هو المعنى الجوهري للوجود، والبهجة الكبرى للحياة، فراح يتأمل ما أضاع، في مغامرة تعويضيّة، تتيح له العودة إلى تجربة الحب، ولو على الورق!.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:07 PM
ومهما يكن من أمر، فإن دراسة هذه المؤلفات تتيح لنا أن نصنفها في ثلاث مقاربات متباينة بعض الشيء، بحسب طريقة تناولها لموضوع الحب، والمنظور الذي تتخذه حياله، والغرض الذي يضعه الكاتب نصب عينيه. وكذلك بحسب شخصية الكاتب والفن الإبداعي الذي يمارسه. ويمكن لنا أن نجمل الملامح الهامة لكل من هذه المقاربات فيما يلي:
1-المقاربة الأولى:
ويمكن لي أن أسميّها: المقاربة الاسترجاعية الاستقرائية. إذ يقوم المؤلف باسترجاع نصوص العشق التي رسخت في ذاكرته خلال عمله الطويل في قراءة ودراسة الأدب العالمي في عصوره المختلفة، ويتخذ منها مادةً البحثٍ يستقرئ فيه الأبعاد العاطفية والجمالية واللغوية التي انضوت عليها تلك النصوص، في محاولة لإعادة إحيائها وتفعيل وظائفها، دون أن يخفي العامل الذاتي الذي يتمثل في حنينه المستثار إلى التجربة العشقية، وتداخل مفردات خطابه النظري مع محطات حياته الشخصية.
ومن أهم الكتب التي تمثل هذا الاتجاه في المقاربة كتاب (رولان
بارت)(1) الذي يحمل عنوان (شذرات من خطاب في العشق) الذي ترجمته إلى العربية الدكتورة إلهام سليم حطيط والأستاذ حبيب حطيط، وصدر عام 2000 ضمن سلسلة (إبداعات عالمية) التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت.
و (رولان بارت) من أشهر منظّري البنيوية واللسانية، ولد عام 1915، وله عدد من المؤلفات التي أصبحت حجر الزاوية في الدراسات النقدية واللسانية الفرنسية الحديثة ومن أشهرها (الكتابة في درجة الصفر) و (لذة النص) و (إمبراطورية الأدلة). أما كتابه (شذرات من خطاب في العشق) فقد كتبه في آخر حياته، أي قبل ثلاث سنوات فقط من وفاته عام 1980.
وفي هذا الكتاب، قام بارت بجمع عدد كبير من شذرات ما قيل في العشق من مصادر متنوعة، أهمها أفلاطون وغوته ونيتشه والفلسفة البوذية وأشعار الهايكو اليابانية وكذلك من ابن حزم صاحب (طوق الحمامة)، بالإضافة إلى أحاديثه مع الأصدقاء ومن تجارب حياته الشخصية.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:08 PM
ويقوم منهجه في الكتاب على استرجاع كلمة أو صورة أو شذرة من المصادر السابقة، ثم يضعها في (إضبارة العشق) مستعملاً صوريّة خطاب العشق بدلاً من وصفه كما يقول، ومعيداً لهذا الخطاب شخصيته الأساسية أي (الأنا) للعرض لا للتحليل. ومن هذه الصور: الغياب، الانتظار، التوله المفاجئ، الألم، التماهي، أحبك، كم كانت السماء زرقاء، الجسد، القلب، الحنان، الانتحار، الحقيقة، النميمة. ثم يدرسها محاولاً الغوص إلى الدلالات الخفية والمشاعر العميقة التي تتبطن خطاب العشق، وزفرات العشاق.
2-المقاربة الثانية:
ويمكن تسميتها مقاربة الحنين والإثارة، إذ ترتكز على الإحساس الصريح والواضح بالحنين إلى أيام الصبا والشباب التي لم يتم استغلالها كما ينبغي. لذلك لا بد من البحث المحموم عن الوسائل التي تعين على استثارة الحواس واستعادة الحيوية لتدارك ما فات. وفي سبيل ذلك يتم تحريض الذاكرة واستنفار المعارف والخبرات، ودراسة عادات الشعوب وتقاليدها لاستخلاص الوصفات السرية التي تستخدم لإثارة الرغبة.
ومن الأمثلة على هذا النمط من المقاربات كتاب (أفروديت)(2) التي كتبته الروائية التشيلية المعروفة (إيزابيل الليندي) بعد أن تجاوزت الخمسين من العمر، وقد ترجمه رفعت عطفة وصدر عن دار ورد في دمشق عام 2000. ولإيزابيل الليندي عدد من الروايات التي ترجمت إلى معظم لغات العالم وجعلت منها أهم كاتبات أمريكا اللاتينية وأكثرهن شهرة، ومن أهمها (ابنة الحظ) و (بيت الأرواح) و (باولا) و (عن الحب والظلال).
تقدّم الليندي لكتابها بمدخل واضح الدلالة تقول فيه: حين تغيب الشمس ويميل المرء طبيعياً للتأمل، تصير الخمسون سنة مثل آخر ساعات المساء. ومع ذلك فالغروب في حالتي يدفعني للخطيئة، وربما لهذا السبب في خمسينيتي أتفكر بعلاقتي بالطعام والإيروسية. نزعة الجسد أكثر ما يغويني، على الرغم، وتلك هي المسألة، من أنه ليس أكثر شيء مارسته. ثم تقول بصراحة مطلقة: أندم على الحميات، الصحون اللذيذة التي رفضتها بطلاناً، كما أحزن على فرص ممارسة الحب التي تركتها تفوتني لانشغالي بأعمال عالقة، أو لفضيلة متشددة.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:08 PM
وعن سبب إقدامها على تأليف هذا الكتاب تقول: أريد الاستمرار بالتمتع بما تسمح به قواي وحسن مزاجي، ومن هنا جاءت فكرة هذا الكتاب الذي هو رحلة دون خريطة عبر مناطق الذاكرة الحسيّة. وهي تعرّف (الأفروديتي) بأنه أية خلاصة أو نشاط يثير الرغبة بالحب، بعضها يملك ركيزة علمية ومعظمها يعمل بدافع الخيال. وتعلن غاية كتابها: أرمي في هذه الصفحات إلى أن أقدّم، بأفضل ما عرفت، وصفاً لأكثر الأفروديتيات شيوعاً.
وتتوالى فصول الكتاب متضمنة عدداً كبيراً من وصفات تحضير الأطعمة ذات التأثير المهيج أو الأفروديتي بحيث يبدو الكتاب وكأنه كتاب تعليم فن الطبخ، ولكنه الطبخ الخاص بإثارة الشهوة الجنسية.
بالإضافة على مجموعة من الحكايات والنوادر والأشعار التي استقتها المؤلفة من قراءاتها في آداب شعوب العالم، ومنها الأدب العربي ممثلاً بشكل خاص بألف ليلة وليلة وكتاب الروض العاطر للنفزاوي. كما ضمّ الكتاب مجموعة من اللوحات الفنية اختارها الفنان روبرت شكتر، وتقول المؤلفة إنها كانت تنوي أن تضيف إلى كتابها قرصاً يضم تسجيلات لمقطوعات موسيقية ذات تأثير أفروديتي أيضاً..! وخلال ذلك كله تقدم المؤلفة لوحات من حياتها الشخصية المتعلقة بالحب والجنس، كما تصف لنا تجارب قامت بها على عدد من المتطوعين الذين دعتهم لدراسة تأثير (أفروديتياتها) عليهم. وتغري القارئ بقولها: إذا استطاعت هذه الصحون أن تفعل هذا الفعل في عجائز مثلنا، فما الذي لا تستطيعه معك.؟!

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:09 PM
-المقاربة الثالثة:
وهي مقاربة التأمل والكشف والإبداع، وهي مقاربة تبحث في الأساس الوجودي للحب كمفهوم يجسد البعد الأسمى لعلاقة الإنسان بالعالم، ويعطي الحياة معناها الأقصى. وفي سبيل ذلك يتم سبر أغوار التجارب البشرية المختلفة عبر التاريخ، وتبيين الثابت والمتحول في فهم وممارسة الحب في العصور المختلفة وعند الشعوب المتباينة. وتحديد الفاصل بين الحب والجنس والنشوة، وربط جوهر التجربة العشقية بموقف الإنسان من العالم والطبيعة والوجود. واستقصاء التشابك المعقد بين الحب والإبداع.
وربما كان خير مثال على هذا الاتجاه كتاب (اللهب المزدوج)(3) للشاعر المشهور (أوكتافيو باث)، وهو الكتاب الذي ألفه في سنوات عمره الأخيرة وصدر بلغته الأصلية عام 1993، كما قام بترجمته إلى العربية الأستاذ المهدي اخريف، وصدرت الترجمة عام 1998 ضمن المشروع القومي للترجمة الذي يقوم به المجلس الأعلى للثقافة في مصر.
ومما هو معروف أن (أوكتافيو باث) واحد من أهم شعراء القرن العشرين، ولد في مدينة مكسيكو سيتي عام 1914، وأصدر عدداً كبيراً من المجموعات الشعرية التي ترجم معظمها إلى مختلف لغات العالم، ومنها (قمر بري- تحت ظلك الوضاء- بذور النشيد- السفح الشرقي- حجر الشمس- وغيرها) كما أصدر عدداً من الكتب النظرية والنقدية والفكرية، من أهمها (القوس والقيثارة- الصوت الآخر- اللهب المزدوج- متاهة الوحدة).
وعن سبب قيامه بتأليف كتاب (اللهب المزدوج) الذي نحن بصدده، يقول: (أليس من المضحك قليلاً أن أكتب في نهاية أيامي كتاباً عن الحب، أم أن الأمر يتعلق بوداع أو وصية؟.. مرت أسابيع عديدة من التردد، فجأة، ذات صبيحة بدأت الكتابة بيأس فرحان. وبقدر ما كنت أتقدم، كانت أفكار جديدة تتولد.
كنت أنوي كتابة بحث من مئة صفحة لكن النص كان يتمدد أكثر فأكثر بتلقائية عاتية حتى كفَّ عن التدفق، فركت عيني: لقد ألفت كتاباً).
يعتبر أوكتافيو باث إن الجنس هو النار الأصلية البدائية التي ترفع اللهب الأحمر للإيروسية، وهذه بدورها تسند وترفع لهباً آخر أزرق مرتعشاً هو لهب الحب. فالإيروسية والحب هما (اللهب المزدوج) للحياة. حسب تعبيره.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:09 PM
وكما هو واضح فإن المؤلف يميّز بين الحب، في مدلوله الخاص، وبين الإيروسية والجنس، بالرغم من العلاقة الحميمة بين هذه المجالات الثلاثة، فالجنس هو أقدم هذه المظاهر الثلاثة، هو المنبع الأصلي، أما الإيروسية والحب فشكلان مشتقان من الغريزة الجنسية: تبلّرات، تصعيدات، انحرافات، وتكثيفات تحول الجنس وتغيره. إن الجنس كما في حالة الدوائر المتمركزة هو مركز وقطب هذه الهندسة العاطفية. أما الإيروسية فهي جنس محوّل من لدن التخيل والإرادة، فالإيروسية مقصورة على الإنسان وحده، وهي تتميز بالتنوع اللا نهائي للأوضاع والطرائق التي تظهر بها في جميع العصور وجميع المناطق، الإيروسية ابتكار وتنوع مستمر، أما الجنس فهو نفسه دائماً. تتجسد الإيروسية في شكلين رمزيين: شكل المتدين المتوحد وشكل الشخص الإباحي، وبالرغم من كونهما متعارضين لكنهما متحدان في الحركة ذاتها: كلاهما ينفي وظيفة التناسل وكلاهما يمثل محاولة للخلاص أو الانعتاق الشخصي في عالم منهار وفاسد.
أما عاطفة الحب فتمثل استثناء داخل ذلك الاستثناء الأكبر الذي هو الإيروسية في مقابل الجنس. فمنطقة الحب فضاء ممغنط باللقاء بين شخصين، وفيها تتقاطع الإمكانات الموضوعية والذاتية، إذ إن فكرة اللقاء تتطلب بدورها شرطين متعارضين: فالجاذبية التي يشعر بها العاشقان هي فعل لا إرادي، يؤكد من مغناطيسية سرية قادرة على كل شيء، وهي في الوقت نفسه اصطفاء، جبرية واختيار.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:09 PM
ويميز المؤلف أيضاً بين الشعور بالحب، وبين فكرة الحب المتبناة من لدن مجتمع وعصر معينين. فالحب هو الميل السري العاطفي نحو شخص واحد فقط، أي أنه تحويل لـ (الموضوع الإيروتيكي) إلى فاعل حر وفريد، إلا أنه لا بد من القبول بوجود إيديولوجيات متعددة للحب في مختلف الحضارات. فإذا كانت فلسفة الحب في الغرب، منذ البداية، مدركة خارج الدين الرسمي، وأحياناً في مواجهته، فإنَّ الحب في الشرق قد كان معيشاً ومفكراً فيه داخل الدين، ولربّما أمكن اعتباره خطيئة، لا مروقاً، أما في الغرب فقد انتشر الحب دائماً في مقابل الدين، وخارجه، وحتى ضده. الحب الغربي وليد الفلسفة والإحساس الشعري الذي يحيل كل ما يلمسه إلى صور. إن الإدانة الصارمة للذة الجنسية والدعوة إلى العفة كطريق إلى الفضيلة والسعادة هما النتيجة الطبيعية للفصل الأفلاطوني بين الجسد والروح، والذي يبدو مغالياً في قطيعته.
تتوالى فصول الكتاب بعد ذلك لتدرس تاريخ الحب منذ تجلياته الأولى قبل التاريخ، عبر استقراء النصوص الشعرية والأدبية بشكل رئيس، ذلك أن ما قاله الشعراء والمسرحيون والروائيون عن الحب ليس أقل جمالاً وعمقاً من تأملات الفلسفة، بل أصح وأكثر تطابقاً مع الواقع الإنساني والبسيكولوجي في جل الأحيان على حد تعبير المؤلف.
ففي العصر الإغريقي نجد أن جل القصائد الإغريقية هي قصائد ايروتيكية أكثر مما هي قصائد حب. كما أننا لا نجد في المسرح الإغريقي حوارات عن الحب بالمعنى الذي نجده عند شكسبير مثلاً، ولذلك يجب المضي، من أجل العثور على بعض التمثيلات والتنبؤات لما سيكون عليه الحب عندنا إلى الاسكندرية وروما. حيث تعتبر قصيدة (الساحرة) لثيوقريط التي كتبت في الربع الأول من القرن الثاني ق. م من أولى القصائد الكبرى عن الحب. وهي ما زالت اليوم بعد مضي أكثر من ألفي عام محتفظة بكامل شحنتها العاطفية. ويقول المؤلف إن ثيوقريط لم يكن باستطاعته أن يكتب قصيدته هذه في أثينا أفلاطون، ليس فقط بسبب بغض الأثينيين للنساء، وإنما بسبب وضعية المرأة في اليونان القديمة. أما في العهد الاسكندري الذي يملك أكثر من وجه شبه مع عصرنا، فقد حدثت ثورة غير مرئية، فالنساء المحبوسات في غرف الحريم قد خرجن إلى الهواء الطلق وبرزن على سطح المجتمع، واغتنت حياة الطبقة الوسطى في المدينة بأهوائها الصغيرة والكبيرة، بمآزقها وحسها الاجتماعي وحماقاتها. كما أن المدينة القديمة نفسها تغيرت فانفتحت على الخارج، وتبادلت الأفكار والأشخاص والعادات والمعتقدات. وهكذا فإن ما قبل تاريخ الحب في الغرب ماثل في مدينتين كبيرتين: الاسكندرية وروما. ومع أن العصر الأوغسطي كان عصر الشعر اللاتيني العظيم، شعر فرجيل وهوراس وأوفيد، إلا أن قصائدهم كانت تنويعات متقنة على الموضوعات التقليدية الإيروسية مشربة بالأبيقورية، ومع ذلك فثمة شاعر أقل مستوى بكثير هو (بروبرسيو) الذي عاش بين 47 ق. م و 15 ق. م عرف كيف ينقل بعمق الأحزان والأفراح الكبرى للحب في قصيدته عن (سنتيا). ولكن موقف بروبرسيو وشعراء آخرين كان تحدياً للمجتمع وقوانينه.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:10 PM
وبالانتقال إلى فرنسا في القرن الثاني عشر، نجد الحب، وقد ظهر أخيراً، لا كهذيان فردي، أو استثناء أو ضلال بل كمثل أعلى لحياة عليا، فقد ظهر (الحب الغزل) أو المهذب، الذي كان تطلعاً مضمراً لذلك المجتمع الذي سيشكل فيما بعد الإبداعات الكبرى للحضارة الغربية، ويخص المؤلف بالذكر إبداعين اثنين: الشعر الغنائي، وفكرة الحب باعتبارها أسلوباً للعيش. ويؤكد أوكتافيوباث مقولة (روني نيلي) في أن التأثير المبكر والأعمق والحاسم هو تأثير أسبانيا المسلمة، فمعظم العلماء يعترفون بتبني الشعراء البروفنساليين لشكلين شعريين شعبيين عربيين أندلسيين هما الزجل والموشح. كما أن الشعراء البروفنساليين تبنوا التقليد العربي، فقلبوا العلاقة التقليدية بين الجنسين، فنادوا المرأة سيدتهم وأقروا بأنهم خدامها، وهذا التحول مثّل ثورة حقيقية في المجتمع بتأثير إسبانيا الإسلامية.
وفي الإيروسية فإن أرفع أنواع الحب كان هو الحب الطاهر، ويستشهد أوكتافيو باث بكتاب (الزهرة) لمحمد بن داود، حيث يولد الحب عنده من النظر إلى جسد جميل، ثم يتدرج من الجسماني إلى الروحاني. وبعد قرن على ذلك سيكتب الفيلسوف والشاعر ابن حزم، أحد وجوه الأندلس الأكثر جاذبية، كتابه (طوق الحمامة) المترجم إلى جميع اللغات الأوربية تقريباً، ويقول المؤلف أنه صادف بدوره صدى آخر لابن حزم لا عند الشعراء البروفنساليين فحسب، ولكن عند دانتي أيضاً. لقد كان الحب بالنسبة للبروفنساليين الذين ساروا على نهج ابن حزم والإيروسية العربية، ثمرة لمجتمع مطهر، لم يكن عاطفة تراجيدية، رغم مكابدات المحبين وأحزانهم، لأن الغبطة غايته النهائية، أي تلك السعادة الناتجة عن اتحاد اللذة بالتأمل، والعالم الطبيعي بالروحي، وهذا ما يجعل التجربة الصوفية أيضاً كالتجربة الجنسية: انصهار لحظي للمتعارضات، التوتر والارتخاء، التوكيد والنفي، الوجود خارج الذات والاجتماع مع فرد بعينه في حضن طبيعة رضية. لذلك من الطبيعي أن يستخدم الشعراء المتصوفون والإيروتيكيون لغة متماثلة. إذ لا توجد صيغ كثيرة للتعبير عما لا يمكن التعبير عنه. فقصائدنا الصوفية مشبعة بالإيروسية، وأشعارنا في الحب مشبعة بالتدين. ويستنتج المؤلف أن التصور الغربي للحب يبرز وجود تشابه مع التصور العربي والفارسي أكبر وأعمق من التشابه المحتمل مع مثيلهما في الهند والشرق الأقصى، ذلك أن كلا التصورين: الغربي والإسلامي، اشتقاق، أو مروق بالأصح، عن ديانتين توحيديتين كلتاهما تشترك في الإيمان بروح متفردة خالدة.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:10 PM
وبعد مرور ثمانية قرون على الشعراء البروفنساليين، أو (الحب الغزل) يتساءل أوكتافيو باث: هل تغير النموذج الذي قدمه لنا هؤلاء الشعراء؟ ويجيب أن تاريخ الآداب الأوربية والأمريكية إنما هو تاريخ تحولات الحب، وما يثير الدهشة هو استمرارية وثبات فكرتنا عن الحب، لا تغيراته وتنويعاته. فقد بقيت العناصر الجوهرية للحب على قيد الحياة منذ ثمانية قرون، في نفس الوقت الذي ظلت العلاقات بينها في حالة تغير لا ينقطع منتجة تركيبات جديدة كل مرة. والعناصر الجوهرية لفكرة الحب هي: التفرد، فالحب فردي، أو بالأحرى شخصي جواني. والحرية فالحب يخترق الممنوعات. ومفارقة السيطرة والخضوع، ثم الاتحاد القابل للفصل بين متضادين: الروح والجسد. أما الجمال، ففضلاً عن كونه معرفة شخصية، فهو لا يلعب إلا دوراً ثانوياً في جاذبية الحب التي هي أعمق بكثير، ولم يتم بعد التوصل إلى تفسيرها بشكل تام، ذلك سر مبهم تتدخل فيه كيمياء خفية تنتقل من حرارة الجلد إلى التماعة النظرة، من صلابة النهدين إلى طعم الشفتين. فالجاذبية مركب ذو طبيعة مرهفة تختلف باختلاف كل حالة وهي مكونة من خلائط حيوانية وأنماط روحية، من تجارب طفولية ومن أشباح تسكن أحلامنا. الحب ليس رغبة في الجمال بل تشوفاً للاكتمال. والحب هو أحد ردود الفعل التي اخترعها الإنسان ليحدق في الموت وجهاً لوجه!.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:11 PM
وعندما يصل أوكتافيو باث في رحلته عبر تاريخ الحب، إلى العصر الحاضر. الذي يصفه بأنه عصر التبسيط والفظاظة، والذي انتهى بعد سقوطه في وثنية الأنظمة الأيديولوجية، إلى عبادة الأشياء. يتساءل: أي مكان للحب في عالم كعالمنا هذا؟ ففي هذا العصر تمثل مصادرة الإيروسية والحب على يد سلطات المال وجهاً واحداً فقط من غروب شمس الحب، أما الوجه الآخر فهو تبخّر مكونه الجوهري: الشخص (الفرد)، والوجهان معاً يكملان ويفتحان منظوراً للمستقبل المحتمل لمجتمعاتنا هو البربرية التكنولوجية. فإلى جانب الأضرار الاقتصادية والسياسية التي أصابت المجتمعات العصرية، هناك أيضاً أضرار أخلاقية وروحية. بعضها يهدّد أساس مجتمعاتنا برمتها: أي فكرة الشخص الإنساني. تلك الفكرة التي كانت منبع الحريات السياسية والثقافية، كما كانت خالقة أحد الاختراعات الإنسانية الكبرى: الحب.
ويؤكد أوكتافيو باث أن الإصلاح السياسي والاجتماعي للديموقراطية الليبرالية الرأسمالية يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع إصلاح آخر للفكر المعاصر لا يقل إلحاحاً واستعجالاً، وإن الحوار بين العلم والفلسفة والشعر يمكن أن يكون مقدمة لإعادة تشكيل وحدة الثقافة، ومقدمة أيضاً لانبعاث جديد للشخص الإنساني الذي هو المنبع والحجر الأساس للحضارة. ولكي نتمكن من تجديد الحب، حسب مطلب الشعراء، ينبغي أن نخترع الإنسان من جديد.
لقد سمحت لنفسي أن أقف الوقفة الأكبر مع كتاب (اللهب المزدوج) لأنه الأكثر غنى والأشد عمقاً. فالمقارنة بين المقاربات الثلاث تكشف لنا بجلاء ووضوح أن المقاربة الأولى كانت ذات طابع وصفي برّاني، تناولت موضوع الحب من خلال وسيط هو الشذرات الأدبية المختارة. والمقاربة الثانية كانت شخصية وذات طابع عملي تجريبي لم تهدف إلى التفكير بجوهر الحب بقدر ما كانت تعمل على إثارة الرغبة في ممارسته. أما المقاربة الثالثة فهي وحدها التي سعت إلى الغوص إلى أعماق تجربة الحب وتمييز الحدود بين الحب والجنس والإيروسية وكشف العلاقات الغامضة فيما بينها وكذلك البحث في علاقتها بالوجود الإنساني، واهتمت بدراسة العوامل التي آلت بالحب إلى ما هو عليه اليوم في ظل الحصار الذي تفرضه الأنظمة المعاصرة على كل ما يتصل بالجوهر الإنساني الأصيل.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:11 PM
وليس من قبيل المصادفة أن يكون مؤلف الكتاب الذي يمثل المقاربة الأولى هو فيلسوف وناقد كبير (رولان بارت) وأن يكون كتاب المقاربة الثانية لروائية من أشهر روائيي العالم المعاصر (إيزابيل الليندي)، بينما الكتاب الذي يمثل المقاربة الثالثة لشاعر هو (أوكتافيو باث). ذلك أن الشعر يبرهن مرة أخرى أنه الأكثر قدرة على الغوص إلى الأعماق، والخوض في التفاصيل، وإدراك الكليّات، واستحضار النائيات، واستشراف الآفاق. وما ذلك إلا لأن الشاعر –أولاً وأخيراً- هو الصوت الحقيقي للجوهر الإنساني!.


***

الهوامش:
1- رولان بارت: شذرات من خطاب في العشق، ترجمة إلهام حطيط وحبيب حطيط. المجلس الفضي للثقافة والفنون والآداب في الكويت، سلسلة إبداعات عالمية. عام 2000.
2- إيزابيل الليندي: أفروديت. ترجمة : رفعت عطفة- دار ورد- دمشق- عام 2000.
3- أوكتافيو باث: اللهب المزدوج- ترجمة المهدي أخريف. القاهرة. المشروع القومي للترجمة- المجلس الأعلى للثقافة في مصر- عام 1988.

***

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:11 PM
الأدب الصهيوني

وصراع الوجود


لم تكن الوحشية والهمجية والرعونة التي أظهرها العدو الصهيوني، بحكامه وجيشه ومستوطنيه، تجاه شعبنا العربي الفلسطيني بأطفاله وشيوخه ونسائه، وبأرضه وممتلكاته ومقدساته، خلال انتفاضة الأقصى المباركة، بمفاجئة أو مستغربة. ذلك لأنها جاءت لتؤكّد من جديد الطبيعة العنصرية البشعة لهذا العدو، ولتوجّه صفعة قاسية لكل من توهّم أنه يمكن لهذا الوحش الضاري أن يلبس قناع من يسعى إلى السلام، أو من يقبل بالعيش المشترك.
ذلك أن الحقيقة الناصعة التي تفرض نفسها دائماً، بالرغم من محاولات تجاهلها أو تناسيها من قبل بعض الحكام العرب، وبعض المثقفين الذين باعوا أنفسهم لشيطان النظام العالمي الجديد، هي إن صراعنا مع هذا العدو هو صراع وجود. وإن أي خطاب أو سلوك يتجاهل هذه الحقيقة، لا يمكن له إلا أن يصبّ في طاحونة المؤامرات التي ما فتئت الأجهزة المعادية تحوكها لتضليل شعبنا العربي، وتضليل الرأي العام في العالم.
ولعله من المستهجن حقاً، أن يلجأ الخطاب الرسمي العربي إلى الالتفاف حول هذه الحقيقة وتغييبها، في الحين الذي ما انفكت فيه الصهيونية العالمية عن التشدق بإعلانها وترديدها، منذ نشأتها وحتى هذا اليوم، ليس على ألسنة قادتها السياسيين والعسكريين فحسب، بل –وهذا هو الأخطر- في جميع الكتابات والأعمال التي تشكل ما يسمى أدباً وفناً صهيونياً.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:12 PM
ذلك أن الحركة الصهيونية اكتشفت منذ البداية أهمية الأدب كسلاح لا غنى عنه في مشروعها العنصري الاستعماري فراحت توظفه لخدمة أغراضها وتحقيق مآربها، مستخدمة جميع الطرق والوسائل التي تمكنها من ذلك مهما بلغت من دناءة وبشاعة وانحطاط، فلجأت إلى إرهاب الكتاب الغربيين الذين يظهرون حقيقة الشخصية اليهودية الشريرة والعدوانية كما فعلت مع الروائي المشهور (تشارلز ديكنز) مؤلف رواية (أوليفر تويست) والكاتب المسرحي (هاينز) مؤلف مسرحية (ابنة الكاهن) وكذلك مع (جورج إليوت) وغيرهم ممن رفضوا تصوير اليهود كشعب الله المختار. كما سيطرت المؤسسات الصهيونية على عدد كبير من الهيئات الأدبية والجوائز العالمية ووسائل الإعلام واشترت الصحف والمجلات وأسست الجمعيات والنوادي الأدبية بغية تجنيد الكتّاب الصهاينة للترويج لمقولاتها العنصرية التي ترتكز على تصوير اليهود كشعب مضطهد مظلوم لا خلاص له إلا من خلال المشروع الصهيوني، وكذلك تشويه صورة العربي وتقديمه إلى العالم ككائن منحط لا علاقة له بالإنسانية بل هو عالة عليها ويجب القضاء عليه والتخلص منه، وبذلك نشأ ما يسمى الأدب الصهيوني الذي لا يمكن فصله أبداً عن الأيديولوجية الصهيونية التي كانت محرضة على نشوئه وموجهة لتياراته حتى أن الكاتب الصهيوني (يهوذا عميحاي) يؤكد ذلك حين يقول (لا يمكن إلا أن نكتب الشعر السياسي، وشعر الحب أيضاً عندنا سياسي)(1)

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:12 PM
ولا يمكن لأي دارس لمجمل النتاج الأدبي الصهيوني إلا أن يلاحظ تمحوره حول فكرة رئيسة هي إذكاء روح الكراهية تجاه العرب والدعوة إلى التخلص منهم ليتمكن (شعب الله المختار) من بناء دولته التي ستفرض نورها المزعوم على العالم. ولا ينطبق ذلك فقط على الشعر والقصة والرواية، بل يتجلى بشكل سافر في الأدب الموجه للأطفال، بغية ترسيخ المفهوم الصهيوني العنصري في الوجدان الثقافي والديني والسياسي والاجتماعي للأجيال اليهودية الجديدة.
وقد استقرأت الباحثة العربية المصرية (سناء عبد اللطيف) في بحثها (الاتجاهات الأيديولوجية الصهيونية في أدب الأطفال العبري في إسرائيل)(2) المقولات الرئيسة لأدب الأطفال الصهيوني فوجدتها تنحصر في التركيز على المعاناة اليهودية عبر العصور والدعوة للهجرة إلى فلسطين، وترسيخ مفاهيم العقيدة اليهودية التوراتية، وتثبيت ما يزعمون أنه الحق الديني والتاريخي لليهود في فلسطين، وترسيخ مقولة تفوق العقلية اليهودية، وتدعيم الإحساس بحتمية الحروب من أجل ضمان الوجود البيولوجي الإسرائيلي واستثارة الروح العسكرية وإحياء تقاليد العنف عند الأطفال، وإثارة الشعور الدائم بالتهديد الخارجي المقرون بمشاعر العداء نحو غير اليهود، وتنمية مشاعر الكراهية تجاه الشخصية العربية التي يتم إضفاء جميع الصفات السلبية عليها كالخيانة والكذب والدهاء والوقاحة والوحشية والجبن وحب المال والتملق والنفاق والخبث، كما يوصف العربي دائماً بأنه قاتل وسارق ومخرب ومتسلل وقذر وذو ملامح تثير الرعب.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:13 PM
وإذا كانت هذه هي صورة الشخصية العربية التي يرسخها الصهاينة في عقول أطفالهم، فإن الكتاب الصهاينة ما فتئوا يعملون على تأكيد هذه الصورة وتأجيج مشاعر الحقد تجاه العرب منذ نشوء الحركة الصهيونية حتى اليوم. فمنذ عام 1891 كتب (آحاد هعام) (العرب رجال صحراء، أناس جهلة لا يرون ولا يفهمون ما يجري حولهم.. ويقول أن العرب جميعاً متوحشون، يعيشون مثل الحيوانات)(3) ويقول (ج. كوهين) إن العربي مجرد مخلوق غريب، يرتدي جلباباً ممزقاً وغطاء قذراً للرأس وتلتف زوجته بثوب أبيض ويسير أطفاله حفاة، إنه ليس قذراً فحسب، بل هو أيضاً لص، وكاذب وكسول وعدواني) أما (موشيه سيملانسكي المشهوري بالخواجا موسى (1874-1953) فيذكر في سيرته الشخصية أنه عندما قابل العرب لأول مرة في طريقه من يافا إلى مستعمرة (ريشون لتسبون) شعر بالقلق والغضب وقال (ماذا يفعل هؤلاء العرب هنا.. إنهم همجيون.. يرتكبون القتل من أجل ما يريدونه ولا يستطيعون تحقيقه)(4) أما الروائي (عاموس عوز) فيصف العرب في قصته (البدو الرحل والثعبان) بقوله: (إنهم يسرقون ثمار الفاكهة غير الناضجة التي في البساتين، ويفتحون الحنفيات ويسرقون الأكوام المهجورة، ويسرقون حظائر الدجاج، وينتفون ريش الطيور..)
كما يفرغ الروائي (شموئيل يوسف عجنون) في روايته (الأمس الأول) كل ما في جعبته من شتائم ونعوت قذرة على العرب فيقول أنهم (لا كرامة لهم وأنهم قتلة وهم سبب خراب (أرض إسرائيل)، مزعجون، وقذرون، يخشون اليهود، يكرهون الحضارة، يشبهون الكلاب في جلستهم..)(5) ولا أدري كيف يمكن لكتابة تحتوي على كل هذا القدر من الإسفاف والانحطاط ومشاعر الحقد والكراهية، أن تسمى أدباً، بل وأن ينال صاحبها جائزة نوبل عام 1966؟. ولنا إذن أن نستنتج المعايير التي تمنح على أساسها مثل هذه الجوائز، والأهداف التي تعمل من أجلها، والأجهزة التي تكمن خلفها.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:13 PM
ويبلغ التعبير عن النزعة العنصرية ذروته في الشعر الصهيوني، فإذا كانا الشعر هو المرآة التي تعكس فحوى الوجدان الجمعي للجماعة التي ينتمي إليها الشاعر، فإن الشعر الصهيوني خير معبّر عما تجيش به نفوس الصهاينة من مشاعر استعلاء على كل البشر باعتبارهم شعب الله المختار، بل كثيراً ما يأخذهم الزهو إلى درجة الاستعلاء على إلههم نفسه الذي يصورونه خاضعاً لمشيئتهم ومنفذاً لمآربهم. وفي الوقت نفسه يفيض شعرهم بأبشع أنواع الكراهية للعرب والتحريض على طردهم وقتلهم، ووصل الأمر ببعضهم إلى حد المطالبة بطرد أي يهودي لا يعمل على قتل العرب، ذلك أن اليهودي الذي يرفض أن يكون صهيونياً حقيقياً هو خائن في نظرهم ويجب طرده أيضاً كما تقول قصيدة نشرت في ملحق جريدة (يديعوت أحرونوت)(6):
أطردوا كل الخونة
من البلاد اليهودية
لا نريد هنا
إلا كل صهيوني حقيقي
يصرخ أمام الملأ
يهودا والسامرة لنا
ولا أعرف في التاريخ البشري برمته أبشع من المآل الذي آل إليه الشعر على أيدي الشعراء الصهاينة. فالشعر على مرّ العصور هو صوت الجوهر الإنساني النبيل الذي يتغنى بأسمى المشاعر الإنسانية، ويسبغ الخير والحب والجمال على موجودات الطبيعة جميعها. ولذلك كانت الطفولة دائماً صنواً للشعر، فهي رمز الحياة ورمز الصفاء والنقاء والتجدد، والأطفال جميعهم وفي الشعر العالمي كله هم ملائكة البراءة وطيور الفرح، وبراعم الوجود، ولا أعرف شعراً آخر في التاريخ تحوّل فيه الأطفال إلى متهمين وإرهابيين وملعونين سوى هذا الذي اجترحته الصهيونية، فأي شعر هذا الذي يدعو إلى قتل الأطفال وإبادتهم، ويتلذذ بوعيده لهم بأنهم سينامون محطمي العظام، كما في هذه القصيدة لـ (أفريم سيدوم) والتي نشرتها جريدة (معاريف) الإسرائيلية بتاريخ 15/6/1982(7):
(يا أطفال صور وصيدا
إني أتهمكم.. ألعنكم
لأنكم مخربون..
إرهابيون صغار..
إني أتهمكم.. ألعنكم
ستنامون محطمي العظام
في الحقول.. في الطرقات
لا تسألوا لماذا
فإنه العقاب
والآن حان وقت عقابكم..)
فأي شعر هذا الذي يتخذ من الأطفال موضوعاً يصبّ فيه قائله كل ما تفيض به نفسه المريضة من وحشية وسادية وعنصرية وعداء للمثل الإنسانية جميعها، وأي شعب هذا الذي ينجب مثل هؤلاء الشعراء ويتلقى ما يكتبونه، بل ويتمتعون به، باعتبار أن الغاية الرئيسة للشعر والفن هو المتعة الجمالية؟

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:14 PM
ولا يقتصر الشعر الصهيوني على العداء للأطفال والدعوة إلى إبادتهم، بل هو يجعل من النساء والأمهات والحوامل والشيوخ المسنين أيضاً هدفاً للعقاب وللقتل. إنه يعلن إذن بمباشرة وصراحة كاملتين حرب الإبادة على كل ما هو عربي، ليس في الجيل الحالي فحسب، بل وفي الأجيال القادمة أيضاً، إذ أن دعوته لقتل الحوامل أيضاً هي دعوة لقتل الجيل الذي لم يخلق بعد:
(كل النساء في صيدا وصور
كل الأمهات
كل الحوامل
كل المسنين
وكل الأرامل
ها نحن قادمون لنعاقبكم
لنقتصَّ منكم
هذا هو ما يختزنه العقل الباطن للصهاينة، وهذا هو ما تنضح به نفوسهم، فهل يكون من المستغرب إذن أن نرى الجنود الصهاينة وهم يقتلون بدم بارد، وأمام شاشات التلفزة، الطفل محمد الدرة وهو في حضن أبيه؟ وهل يكون من غير المتوقع أن يستخدم جيش الاحتلال كل ما بحوزته من أسلحة التدمير الفتاكة لمواجهة شعبنا الأعزل إلا من إرادته وعزيمته وإصراره على المقاومة والتحرير؟ وهل يكون من المغالاة أن نؤكّد أنَّ صراعنا مع هذا العدو الهمجي هو صراع وجود بكل ما للكلمة من معنى؟
هوامش:
(1) في الشعر العبري والصهيوني المعاصر ـ صالح العياري ـ ص88.
(2) الاتجاهات الأيديولوجية في أدب الأطفال العبري في إسرائيل ـ سناء عبد اللطيف ـ عالم الفكر ـ المجلد 24 ـ العدد3.
(3) الشخصية العربية في القصة العبرية ـ د. محمود صميدة ـ مجلة عالم الفكر المجلد الرابع والعشرون ـ العدد الثالث.
(4) المرجع السابق صفحة 99.
(5) الأدب الصهيوني وتضليل الرأي العام ـ فؤاد سليم أبو زريق ـ اتحاد الكتاب العرب ـ ص84.
(6) في الشعر العبري والصهيوني المعاصر ـ ص194.
(7) المرجع السابق صفحة 180.

***

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:14 PM
قصيدة عمرها سبعون عاماً


للشعر ميّزة هامة، يكاد يتفوّق بها على أوجه النشاطات الإنسانية الأخرى، وهي أن فاعليته لا تقتصر على زمن ولادته، وإنما يمكن للقصيدة أن تبقى مشعّة ومؤثرة مهما طال الزمن، طالما أنها تعبّر عن حقيقة نبيلة، وموقف إنساني أصيل.
ورغم أن القصيدة قد تدخل في حالة كمون، فتغوص في أعماق الذاكرة، متوارية خلف ركام من الأحاسيس والمشاعر التي تولّدها التجارب الحياتية والحسية والجمالية اللاحقة، إلا أنه يمكن أحياناً أن تنطلق شرارة ما، بتحريض من عامل موضوعي أو ذاتي، ومن مصدر خارجي أو داخلي، فإذا بها تنبعث من جديد، لتفرض نفسها بكامل بهائها على وجدان الناس، وتعود إلى ممارسة دورها، تماماً مثل أية قصيدة جديدة.
وفي هذه الأيام، التي تبلغ فيها معاناة شعبنا العربي مع وحشيّة العدو الصهيوني وهمجيّته، ذروة حادة، مع انتفاضة الأقصى المباركة، بعد أن سقطت جميع الأوهام التي روّج لها المتخاذلون ودعاة التطبيع، وتمزّقت كافة الأقنعة التي حاول العدو من خلالها إخفاء وجهه العنصري الهمجي القبيح، واكتشف العالم من جديد حقيقة هذه الدولة الصهيونية المزعومة، التي لم تكن، ولا يمكن أن تكون، سوى المآل الذي آلت إليه العصابات الصهيونية بعد أن تجمّع شذّاذ الآفاق من مختلف أنحاء العالم، ليطردوا شعبنا العربي الفلسطيني من أرضه، ويرتكبوا بحقه أبشع أنواع المذابح التي لم تعرفها البشرية عبر تاريخها الطويل.
في هذه الأيام، لا بد من أن تعود لتتوهّج في أعماقنا، تلك القصائد التي واكب بها شعراؤنا العرب، بدايات الهجمة الصهيونية الشرسة، وفي مقدمتها قصيدة شاعر فلسطين (إبراهيم طوقان) التي كتبها في 14/ أيلول/ 1929 والتي يردّ فيها على قصيدة للشاعر الصهيوني (رئوبين) ويفنّد مزاعمه.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:15 PM
وإبراهيم طوقان ـ على حد قول الناقد إحسان عباس ـ أكبر شاعر أنجبته فلسطين حتى أواخر العقد الرابع من القرن العشرين. ويضيف الناقد الكبير: (ربما نسي الشعراء المحدثون أن إبراهيم رائد من روّادهم، لقد جرأهم بالتنويع في داخل القصيدة الكبيرة على تنويعات من نوع جديد، ومن خلال البساطة المنفردة بوضوحها والتي شاءها مجالاً للشعر فتح لهم الباب إلى خلق دهاليز الغموض، وعن طريق الالتزام بقضية وطنه أعطاهم درساً عميقاً في أن الارتباط بقضية الشعب لا بدّ أن يتم أولاً على مستوى التعبير الدارج المؤثر الموحي، الذي يعي أن الشعر مطهر ضروري لتصفية المبتذل والمألوف).
وقد ولد الشاعر إبراهيم طوقان عام 1905 في مدينة نابلس بفلسطين، وتلقى دروسه الابتدائية في نابلس على يد أساتذة درسوا في الأزهر وتأثّروا في مصر بالنهضة الأدبية والشعرية، ثم التحق بالجامعة الأمريكية في بيروت وتخرج منها عام 1929، وعمل في الصحافة والتدريس، ثم أشرف على القسم العربي في إذاعة القدس، ودرّس في دار المعلمين الريفية في العراق، وعاد منها ليدخل أحد المشافي في القدس بسبب مرضه لتوافيه المنية عام 1941 وهو بعد في ريعان الشباب.
وقد رافق إبراهيم طوقان بقصائده آمال وآلام شعبه منذ أن كانت فلسطين ترزح تحت نير الانتداب الإنكليزي، ووقف كثيراً من شعره على التنبيه إلى خطورة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتحذير قومه من خطر بيع الأراضي لهم، وصبَّ جام غضبه على عصبة السماسرة الذين قاموا بذلك، كما ندّد بالزعماء الذين اكتفوا بتقديم (البيانات) و (الاحتجاجات) دون أن يباشروا في النضال الحقيقي للدفاع عن فلسطين ضد ما يتربص بها من مؤامرات وفجائع. وكما قالت عنه أخته الشاعرة المعروفة (فدوى طوقان): (ما كان إبراهيم ليفوز بلقب شاعر الوطن، وشاعر فلسطين، لو لم يسجل قضية بلاده في شعره القوي، الذي يمتاز بذلك الطابع الفلسطيني الخاص، ولو لم تنعكس في ذلك الشعر أصدق صورة لهذا الوطن في هذا العهد).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:15 PM
وحين نشر الشاعر (رئوبين) قصيدة في جريدة (دوار هايوم) اليهودية، سمّاها (أنشودة النصر) وأتى فيها على ذكر أحداث فلسطين مشيداً باليهود وشجاعتهم، ومعرّضاً بالعرب (أبناء هاجر وإسماعيل) وزارياً بهم وواصفاً إياهم بأنهم متوحشون ولصوص وقطاع طرق وأهل خيانة وغدر، نظم الشاعر إبراهيم طوقان قصيدة يردّ فيها على الشاعر الصهيوني ويفنّد مزاعمه.
فإن كان الشاعر الصهيوني يعيب على العرب نسبهم وأنهم أبناء هاجر وإسماعيل، فإن شاعرنا يفخر بهذا النسب، وبهذه الأمة التي كان منها النبي الكريم، ويعتزّ بأن تاريخ الأمة العربية لم ينقطع ولم يتمزق كما حدث لليهود الذين سبتهم بابل، وتفرقوا في أنحاء الأرض ليذوبوا في أقوامها وليضيع نسبهم إلى الأبد، ذلك أن اليهود الحاليين ليس لهم صلة رحم بأولئك اليهود القدامى، وإنما هم أفراد من قوميات مختلفة اعتنقوا الدين اليهودي. لقد تشتت اليهود وتلاشى أصلهم، بينما امتلأت كتب التاريخ بالصفحات الناصعة التي سطرها العرب وهم يحملون مشعل الحضارة للإنسانية جمعاء:
هاجرٌ أمنا ولودٌ رؤومُ
لا حسودٌ، ولا عجوز مقيمُ
هاجرٌ أمنا ومنها أبو العرب ـ
ومنها ذاك النبي الكريم
نسبٌ لم يضع ولا مزقته
بابل أيها اللقيط اللئيم
وشاعرنا لا يتجنّى على تاريخ اليهود، ولا يفتئت عليه في شيء، فالتوراة نفسها تطفح بأخبارهم المشينة، وتفصح عن أخلاقهم الذميمة، لذلك فهو يذكّر الشاعر الصهيوني بما ورد في كتابهم المقدس نفسه، ألم يبع (يهوذا) ابنه (يوسف) ليؤكد أن عبودية اليهود هي للمال وحده منذ أقدم عصورهم؟ ألم يكفر اليهود الأوائل بنعم الله إلى أن ضاق بهم ذرعاً نبيّهم (موسى) نفسه؟ ألا يشهد (التيه) على آثام هذا الشعب منذ الخروج، ألم يتنكّروا لألواح موسى ويحطموها؟. إن التاريخ يزخر بأخبارهم العجيبة الغريبة التي تكفي لوسمهم بالعار إلى أبد الآبدين:
يا يهوديُ كيف علمك بالتوراة ـ
قل لي، أم فاتك التعليم
بين أسفارها خلائق عنكم
مبتداها، ومنتهاها، ذميم
يشهد (التيه) أنكم شعب إسرائيل ـ
شعبٌ، منذ الخروج، أثيمُ
يشهد (العجل) أن ألواح موسى
يوم زغتم أصابها التحطيمُ
وبطون التاريخ فيها عجيب
وغريب بعاركم موسومُ
ولا يعني ذلك أن إبراهيم طوقان يهاجم الدين اليهودي، كدين أو كمعتقد. ذلك أن النبي (موسى)، كغيره من أنبياء الله، قد جاء بالحق، وسطّر تعاليمه في الألواح، وأكّد عليها في الوصايا العشر.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:16 PM
إلا أن اليهود لم يلتزموا بجوهر هذا الدين، بل حطّموا الألواح، ونبذوا الوصايا، ونقضوا أحكامها، فإذا كانت الوصية الأولى تطلب من اليهود عدم اتخاذ آلهة أخرى سوى الرب، فقد أداروا ظهورهم للرب واتخذوا من المال إلهاً. وإذا نصّت الوصايا على تقديس يوم (السبت) فقد جعلوا منه يوماً للمكر والغدر. وإذا قالت الوصايا (لا تقتل، لا تزن، لا تسرق) فإنهم أباحوا القتل وعمموا الفسق والفجور وأمعنوا في النهب والسلب. وبالرغم من وضوح الأمر في الوصية التي تقول (لا تشته بيت قريبك)، فقد دأب اليهود على هضم حق الجوار، واستباحة البيوت والأعراض. لذلك لا يمكن لهؤلاء الذين تنكروا لوصايا نبيهم، وزوّروا تعاليمه، وملأوا الأرض فساداً وجوراً، أن يكون لهم أية علاقة بالدين الحقيقي. فاستحقوا غضب الله الذي شتّتهم وأبادهم:
أي (رئوبين) أين ألواح موسى
والوصايا، فكلهنّ قويمُ
هن عشر نبذتموها جميعاً
ورتعتم في الغيّ وهو وخيمُ
ونقضتم أحكامها فإذا المال ـ
مقام الإله فيكم يقومُ
وإذا السبت فيه مكرٌ وغدرٌ
أين فيه التقديس والتعظيم
وعكستم آياتها فإذا القتل ـ
مباحٌ والفسق فيكم عميمُ
وهضمتم حقَّ الجوار وصحتم:
"أيها الناس حقنا مهضومُ"
حسبكم لا يبارك الله فيكم
أن شيطان بغيكم لرجيم
أي رئوبين أي شعب تنادي
إنّ رباً أباده لحكيمُ
ويتساءل الشاعر كيف يمكن لشعب من هذا النوع، تنكر لكل القيم والشرائع، وعاث في الأرض فساداً، أن يجمع ويلمّ شتاته ليبني دولته المزعومة؟ خاصة أن هذا الشعب لم يبق منه ما يربطه باليهود الأوائل سوى التذرع بقشرة الدين دون جوهره، إن ذلك لأمر مخالف لكل سنن التاريخ، ولن يشفع في ذلك وعد بلفور المشؤوم ولا غيره.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:18 PM
يا يهوديّ هل سمعت بشعب
ضلَّ حتى في كل قطر يهيمُ
وغريب من الغرائب أن يجمع ـ
شملاً شتاته محتومُ
غضب الله ما يزال عليكم
وعد بلفور دونه مهزومُ
ثم يرسم إبراهيم طوقان مشهداً يؤكد أن الجبن والخساسة والهمجية والوحشية وشهوة قتل الأطفال وسفك دماء الأبرياء هي مقومات الشخصية الصهيونية، التي لم تتغير، ولن تتغير، مهما طال الزمن. فالصهيوني جبان يخشى المواجهة، ويختبئ خلف الشبابيك، يتربّص بالأطفال العزّل ليقصفهم بأعتى أنواع الأسلحة، ثم يصرخ بوقاحة نادرة، ليوهم العالم أنه المظلوم والمعتدى عليه:
نادِ أبطالك الذين تواروا
في الشبابيكِ، إنهم لقرومُ
يرقبون الأطفال منا فإن لا
حوا، رموهم، فهالك وكليمُ
نادهم يقذفوا القنابل واصرخ
"شعب صهيون أعزلٌ مظلومُ"
إن هذا المشهد الذي يرسمه إبراهيم طوقان عام 1929، أي منذ أكثر من سبعين عاماً، يتكرر اليوم بحرفيته، فتبدو الأبيات وكأنها تصف همجية العدو في مواجهة قتل أطفال انتفاضة الأقصى المباركة في عام 2000. فهاهم الصهاينة الجبناء يتصيّدون الأطفال العرب بأسلحتهم الثقيلة، ويرمون الأحياء الآمنة بالقنابل والصواريخ، ثم يطلبون من الشعب العربي الفلسطيني الأعزل أن يوقف العنف. ومن المثير للسخرية والاشمئزاز فعلاً أن كثيراً من وسائل الإعلام الغربية، بل والهيئات العالمية أيضاً وعلى رأسها هيئة الأمم، ترضخ للدعاية الصهيونية الوقحة، وتحمّل الضحية المسؤولية، وتغض الطرف عن المذابح التي يرتكبها العدو يوميّاً بحق شعبنا المناضل، بينما تثور ثائرتها إذا جرح صهيوني واحد بحجر من يد طفل دمّر بيته وقُتل أبوه أمام عينيه.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:18 PM
لذلك، فإن شاعر فلسطين إبراهيم طوقان يعلن منذ سبعين عاماً، أنه لا يمكن لأي شكل من أشكال السلام أن يقوم مع هؤلاء الصهاينة:
لبن الأرض فاض سماً زعافاً
ودماً، فانزلوا بها وأقيموا
واشربوه ملء البطون هنيئاً
هكذا تشرب الذئاب الهيمُ
يا يهودي لا عليك سلامٌ
وإذا شئت لا عليك شلومُ
وكم كان حرياً بالزعماء العرب أن يعوا هذا الدرس جيداً، فهاهي ذي التجارب العديدة تثبت أن أي شكل من أشكال السعي نحو السلام مع هذا العدو، لا يمكن أن يخلصه من نزعته العنصرية العدوانية المجرمة. وإذا كانت أجيال عربية برمتها قد تربت على نشيد (موطني الجلال والجمال، السناء والبهاء، في رباك) الذي كتبه شاعر فلسطين إبراهيم طوقان، ورددت في المدارس والساحات والشوارع أبياته الخالدة (موطني الشباب لن يكلَّ ـ همّه أن تستقلّ ـ أو يبيد. نستقي من الردى ـ ولن نكون للعدى ـ كالعبيد)، فما أجدر هذه الأجيال اليوم أن تردّد قصيدته التي يردّ بها على (رئوبين) مفنّداً مزاعم الصهاينة، وكاشفاً حقيقتهم البشعة، في هذه القصيدة التي عمرها أكثر من سبعين عاماً، لكنها تبدو كأنها مكتوبة اليوم فعلاً.
***

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:19 PM
مواكب جبران

وعالم الغاب الفاضل


لا شكَّ أن القصيدة، مثلها مثل أي عمل فني، لا تكتسب وجودها الحي إلا من خلال العلاقة الخاصة التي يقيمها المتلقي معها. فمن غير هذه العلاقة، تبقى القصيدة مجرَّد خطوط ونقاط سوداء على ورق أبيض، أو مجرّد اهتزازات صوتية هائمة في الأثير. ولن تكتسب هذه الخطوط والنقاط أو الأصوات أية دلالة أو فاعلية، حتى يلتقطها المتلقي، وينفخ فيها الحياة، من خلال التفاعل الذي يقيمه بينها، و بين خبراته السابقة، وتجاربه الخاصة، ومكنوناته الوجدانية، وتوجّهاته الفكرية. وبما أن هذه الخبرات والتجارب والمكنونات والتوجّهات، تختلف بالضرورة بين قارئ وآخر، بحكم الطبيعة الإنسانية نفسها، فإن أية قراءة لأية قصيدة (أو عمل فني) هي قراءة مشروعة طالما أنها تتناغم مع المستقبلات الحسيّة والعاطفية والفكرية للمتلقي، وتلبي حاجاته الروحية والجمالية. ولا شرط لصحَّة أية قراءة سوى أن تكون متماسكة، ومنسجمة مع نفسها، ومتآلفة مع معطيات النص ومكوّناته البنيوية. وبهذا الشكل فإن أية قراءة جديدة لا تلغي القراءات السابقة، وإنما تتكامل معها لتمنح النص مزيداً من الحيويّة ومن القدرة على البقاء.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:19 PM
من هذا المنظور، سأقوم فيما يلي بتقديم قراءتي الخاصة لقصيدة جبران المشهورة (المواكب). فمن المعروف أن جبران قد كتب عدداً قليلاً من القصائد القصيرة التي اعتمد فيها الشكل الكلاسيكي من حيث التزامه بالوزن والقافية. إلا أن هذه القصائد بقيت متفرقة حتى جمعها الناشر (صاحب مكتبة العرب في مصر) بين ما جمعه من كتابات جبران في الكتاب الذي أصدره بعنوان (البدائع والطرائف)، والذي يقال أن جبران لم يكن له رأي في صدوره(1).. لذلك يمكن اعتبار قصيدة (المواكب) القصيدة الطويلة الوحيدة التي نظمها جبران على بحور الشعر التقليدية ونشرها في كتاب مستقل عام 1919.
وقد قال جبران عنها في رسالة كتبها إلى إميل زيدان: {أما (المواكب) كقصيدة، فحلم رأيته في الغابة ولما رمت إبرازه وجدتني كحفّار يحاول صنع تمثال من ضباب البحر. ماذا يا ترى يفعل الشاعر بأحلامه وليس لديه ما يبنيها سوى الألفاظ والأوزان، وهي سلاسل وقيود؟)(2)
كما يتضح اهتمام جبران الخاص بها من خلال إصداره لها على نفقته الخاصة، في طبعة أنيقة مزيّنة بمجموعة من الرسوم المعبّرة.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:19 PM
والقصيدة طويلة تتألف من مائتين وثلاثة أبيات، وهي مبنية على نظام المقاطع، حيث تبدأ بمقطع من البحر البسيط، يليه مقطع مؤلف من أربعة أبيات من مجزوء الرمل، ثم مقطع يتألف من بيتين من مجزوء الرمل أيضاً ولكن بقافية ذات روي مختلف عن قافية المقطع الذي يسبقه. ثم تتوالى المقاطع بالترتيب نفسه، حتى تنتهي في مقطع من البحر البسيط الذي بدأت به.
ولا شكَّ بأن هذا التعاقب بين المقاطع، هو الذي أوحى بفكرة وجود حوار بين صوتين داخل القصيدة عند أصحاب القراءات المتعددة التي حظيت بها (المواكب) منذ صدورها. فالشاعر (نسيب عريضة) يعتبر المقاطع المكتوبة على وزن البسيط صوت شيخ حكيم، بينما مقاطع مجزوء الرمل صوت شاب حالم، وما القصيدة سوى حوار بينهما(3). أما (ميخائيل نعيمة) فيعتبر الصوتين تيّارين يجريان في اتجاهين متعاكسين، وهما ليسا سوى صدى النزاع الداخلي في نفس جبران ما بين إيمانه بفطرة الإنسان الإلهية وبين ما كان يبصره في حياة الناس من بشاعة ووجع وتشويش.(4)
أما القراءة التي أقدمها هنا، فتقوم على رفض فكرة الصوتين المتمايزين (صوت الشيخ وصوت الشاب)، وهي الفكرة التي سيطرت على أذهان النقّاد والقراء بعد أن قال بها الشاعر (نسيب عريضة) في مقدمته. ذلك أن القراءة المعمّقة للأبيات المكتوبة على وزن الرمل، والأبيات المكتوبة على مجزوء الوافر، تبيّن بجلاء أنها تصدر عن متكلّم واحد، هو الشاعر نفسه، في حالتين متباينتين، لكنهما تتكاملان ولا تتناقضان. فالشاعر الذي يلاحظ بؤس الواقع، ويدين ما يحفل به من تناقضات ومثالب وشرور، هو نفسه الذي يبشّر بعالم أكثر نبلاً وعدالة وجمالاً. وليس في ذلك أي تناقض بطبيعة الحال. مما يعني أن هذين التيارين لا يجريان في اتجاهين متعاكسين، كما يقول (ميخائيل نعيمة)، بل هما يجريان في اتجاه واحد، لأن الرؤية التي توجّههما هي نفسها في الحالتين، بالرغم مما يعتريها من تلوينات لا تخرج عن كونها تلوينات النفس البشرية ذاتها.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:20 PM
وهذا لا يعني أيضاً أن يكون ذلك تعبيراً عن صراع داخلي في نفس الشاعر كما يقول (نعيمة). فالصراع الداخلي يفترض وجود موقفين متناقضين يشعر المرء بالحيرة أمامهما ويعجز عن حسم أمره وتبني واحد منهما. وهذا لا يمثّل حقيقة ما تقول به القصيدة في جميع أبياتها، سواء منها المنظومة على الرمل، أو على مجزوء الوافر. ذلك أن موقف الشاعر هو نفسه في الحالتين، ولا وجود للحالة المضادة التي تفترض قبول الواقع كما هو، والدفاع عنه. فالقصيدة بأبياتها جميعها تحمل موقفاً منسجماً ومتماسكاً، وتصدر عن رؤية واحدة.
ترى القراء التي أقدمها قصيدةَ (المواكب)، كعمل مركّب من ثلاث حركات متداخلة. وتجب الإشارة هنا إلى أن الحركة الثالثة يتم تجاهلها عادة في القراءات السابقة، ودمجها مع الحركة الثانية حتى تتوافق مع مقولة الصوتين الاثنين، بالرغم من تمايز الحركتين الواضح من حيث الشكل والمضمون. فبالرغم من كون الحركتين من مجزوء الوافر، إلا أن الحركة الثانية تتألف في كل مقطع من أربعة أبيات لها قافية موحدة، ويبدأ كل مقطع منها بعبارة (ليس في الغابات). أما مقاطع الحركة الثالثة جميعها فتتألف من بيتين اثنين بقافية خاصة تختلف في رويّها عن قافية مقطع الحركة الثانية الذي يسبقها، ولكل مقطع منها بنية موحدة، حيث تؤلف عبارة (أعطني الناي وغنّ) صدرَ البيت الأول، وتؤلف عبارة (وأنين الناي يبقى) صدرَ البيت الثاني، وذلك بشكل دائم في القصيدة كلها. مما يعطي الحركة الثالثة بنية متميّزة، ووجوداً مستقلاً.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:20 PM
الحركة الأولى:
تمثّل الحركة الأولى من القصيدة، رؤية جبران للواقع بكل ما فيه من تناقضات وبؤس وقهر وظلم وابتعاد عن الجوهر الإنساني الأصيل. فالناس في هذا الواقع مجبولون على الشر، وهم لا يفعلون الخير إلا إذا كانوا مكرهين عليه:
الخير في الناس مصنوعُ إذا جبروا
والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا

يستوي في ذلك العالِم العَلَمُ والسيّد الوقرُ. لقد ابتعد الناس عن سر الألوهية في نفوسهم، وغرقوا في تفاهات الدنيا من أحزان وأفراح واهية، وحوّلوا الماء المقدّس الذي يمدّهم بأسباب الحياة إلى خمرة تنسيهم الغاية السامية لوجودهم:
والسر في النفس، حزن النفس يستُرُه
فإن تولى فبالأفراح يستترُ

لذاك قد حوّلوا نهر الحياة إلى
أكواب وهم إذا طافوا بها خدروا

فإذا كان البشر قد وجدوا على الأرض كي يجسّدوا رسالة الألوهية، باعتبار أن نفوسهم ليست سوى بضعة من الذات الإلهية، حسب المفهوم الجبراني الذي ما فتئ يكرره في كتاباته، فإن أرض الواقع ليست سوى حانة، لا تليق بغير الذين لا همّ لهم سوى تجرّع كؤوس الوهم:
فالأرض خمّارة والدهر صاحبها وليس يرضى بها غير الألى سكروا
وحتى هؤلاء الذين يتظاهرون بالصلاة ويرتدون رداء الدين، ليس فيهم من الإيمان شيء غير طمعهم بالثواب، وخوفهم من العقاب، فالدين بالنسبة لهم ليس سوى تجارة يبتغون منها الربح ويتقون بها الخسارة:
فالقوم لولا عقاب البعث ما عبدوا
رباً، ولولا الثواب المرتجى كفروا

لقد غاب العدل عن الأرض، وساد منطق القوّة، وبات صاحب العلم والحكمة منبوذاً من أهله وغريباً عن وطنه. أما الحرّ فقد سجن نفسه بين نوازعه وأفكاره، وأصبح عبداً لشريعته وتعصّبه:
والحرّ في الأرض يبني من منازعه
سجناً له وهولا يدري فيؤتسر

وفي هذا الواقع صار اللطف قناعاً للخبث والمراوغة والنذالة، والظرف تمويهاً للجهل والتبجّح، والشموخ غطاءً للغرور والادعاء.
وإذا كان الحبّ رمز السموّ الإنساني، فإنه لم يعد سوى متعة سريعة مبتذلة تقود الأجساد إلى الفراش، بدل أن تقود الأرواح إلى منازل الرفعة والعلو:
والحب إن قادَتِ الأجسام موكبه
إلى فراش من الأغراض ينتحر

وإذا وجدتَ من مَلَكَ عليه الحب فؤاده ووجدانه، وسما به عن الشؤون المادية الرخيصة، اعتبره الناس مجنوناً، وصار عرضة للتندّر والسخرية.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:21 PM
لأن أهل هذا الزمان يجهلون أن المجد الحقيقي هو لأصحاب القلوب المحبّة العاشقة، وليس لأصحاب القوّة والنفوذ. فهذا ذو القرنين لم يبق من فتوحاته شيء سوى ذكرى ما سفكه من دماء في مجازره الرهيبة، أما قيس بن الملوّح فما زال قبلة ونبراساً للعاشقين:
قد كان في قلب ذي القرنين مجزرة
وفي حشاشة قيسٍ هيكلٌ وقرُ

ففي انتصارات هذا غلبة خفيت
وفي انكسارات هذا الفوز والظفر

ويؤكّد جبران على مفاهيمه التي سبق لنا التعرّف عليها في كتبه السابقة. فالحب في اعتقاده هو حبّ الروح:
والحبّ في الروح لا في الجسم نعرفه
كالخمر للوحي لا للسكر ينعصر

والسعادة كامنة في السعي إلى الوصول إليها، وليست في الوصول نفسه، لأنها من عالم المثال وليست من عالم الواقع، وإذا صارت جسداً ينتمي إلى هذا الواقع ملّها البشر وخرجت عن كونها سعادة:
وما السعادة في الدنيا سوى شبح
يرجى، فإن صار جسماً مله البشر

أما غاية الوجود، فهي مضمرة في سرّ الروح، والروح باقية لا تتلاشى ولا تموت لأنها جزء من الروح الكلي الخالد:
وغاية الروح طيّ الروح قد خفيت
فلا المظاهر تبديها ولا الصور

وما الجسد بالنسبة إلى الروح إلا بمثابة الرحم بالنسبة للجنين. واليوم الذي تفارق الروح فيه الجسد، هو يوم الولادة الحقيقيّة لها. فالموت للإنسان الحقيقي الذي يحافظ على جوهر الألوهية الكامنة فيه، هو بداية الحياة الخالدة:
والجسم للروح رحم تستكن به
حتى البلوغ فتستعلي وينغمرُ

أما الذين تنكّروا لجوهر ألوهيتهم، وانغمسوا في متاهات الواقع الماديّة، فهؤلاء قد اختاروا نهايتهم في هذه الأرض، ولذلك ليس لهم أن يحلّقوا في فضاء الروح، وليس لهم أن يبلغوا عالَم الخلود:
والموت في الأرض لابن الأرض خاتمة
وللأثيري فهو البدء والظفر

فالموت كالبحر من خفّت عناصره
يجتازه، وأخو الأثقال ينحدر

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:21 PM
الحركة الثانية:
وَصَفَ جبران في الحركة الأولى عالم الواقع كما يراه. وهو عالم لا يليق بأن يعيش فيه الإنسان الذي يحمل روح الألوهية، لذلك كان لا بدّ له من التبشير بعالم جديد، تزول فيه المتناقضات، ويختفي منه الظلم والقبح والألم، ولا يبقى فيه إلا كل ما يتناغم مع متطلبات الإنسانية الحقة، وما يتوافق مع وحدة الوجود.
وإذا كان (أفلاطون) قد دعا إلى إنشاء (الجمهورية الفاضلة) و (توماس مور) قد تخيّل إقامة (المدينة الفاضلة)، فإن جبران يدعو إلى ما يمكن أن نسميه (عالم الغاب الفاضل).
وقد يقول قائل: إن فكرة التبشير بـ (عالم فاضل) في الغاب على غرار (جمهورية أفلاطون) أو (المدينة الفاضلة)، هي من قبيل تحميل النص ما لا يحتمله، لأن دعوة جبران إلى حياة الغاب ليست أكثر من صدى لما عرفناه عند الرومانسيين من دعوة للعودة إلى حياة الطبيعة البسيطة، كردّة فعل على ما حملته المدنيّة والحضارة الحديثة من قيم ماديّة استهلاكية، وهو الرأي الذي تتبنّاه القراءات السابقة للقصيدة في مجملها.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:21 PM
إلا أنني أستند في قراءتي هذه إلى الأمور التالية:
1ـ عنوان القصيدة: إن عنوان القصيدة (المواكب) يدل على مسيرة المواكب البشرية التي تتقدّم نحو الهدف الأسمى للوجود الإنساني. ولا يمكن لهذا الهدف الأسمى إلا أن يكون رؤيا مثالية لم يعرف لها الإنسان تحققاً واقعياً عندما كان يحيا بين أحضان الطبيعة قبل ظهور المدنيات والحضارات.
2ـ السياق العام للقصيدة: فلو كان جبران يقصد العودة الرومانسية إلى حياة الريف والفطرة والطبيعة، لانصبّ غضبه في الحركة الأولى من القصيدة، على حياة المدينة وقيم الحضارة الحديثة. إلا أن ثورة جبران، ترفض الواقع برمته، فهو يذكر (الحياة) و (الأرض) و (الناس) بشكل مطلق، كما هو واضح تماماً في القصيدة.
3ـ إن الأوصاف التي يسبغها جبران في الحركة الثانية من القصيدة، على عالم الغاب الذي يتخيّله، لا تتطابق مع أوصاف عالم الطبيعة الواقعي. ففي الطبيعة يوجد القويّ والضعيف، ويوجد الراعي والقطيع، والجميل والقبيح، وغير ذلك من التناقضات، التي ينفي جبران وجودها في عالمه المثالي. ولذلك فإن (عالم الغاب) الذي يدعو إليه هو عالم مثالي متخيّل، لا علاقة له بحياة الريف أو الطبيعة التي يدعو إليها الرومانسيون في العادة.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:22 PM
4ـ هناك بيتان مفعمان بالدلالة يوردهما جبران في حركته الثانية وهما:
كيف يرجو الغاب جزءاً
وعلى الكل حصل

وبما السعي بغاب
أملاً وهو الأمل

وإن القراءة المتمعنة للبيتين تبيّن لنا أن (الغاب) هو موضوع للرجاء أو الأمل، وعندما يبلغه الإنسان لن يعود بحاجة إلى أن يرجو شيئاً آخر، لأنه في ذلك العالم المثالي سيكون قد حصل على كل شيء. ومن الجليّ تماماً أن هذا الكلام لا علاقة له البتة بعالم الطبيعة الواقعي، وإنما بعالم فاضل مثالي لم يبلغه الإنسان حتى اليوم، وربما لن يبلغه أبداً.
5ـ في خاتمة القصيدة، يقول جبران:
لكن هو الدهر في نفسي له أرب
فكلما رمت غاباً قام يعتذرُ

وهو بيت شديد الدلالة أيضاً، وتجب قراءته بدقة بالغة. ولننتبه إلى الصيغة التي يورد جبران فيها كلمة (الغاب): (رمت غاباً) فهذه الصيغة اللغوية تؤكد أن (الغاب) هو (شيء) يرامُ، أو شيء برسم الحلم أو التطلع أو الرجاء، وليس شيئاً موجوداً في الواقع. ولو كان يقصد العودة إلى الحياة في عالم الغاب الواقعي، لكان عليه أن يقول (فكلما أردت العيش في الغاب)، وشتّان ما بين دلالتي العبارتين. ويؤكد البيت نفسه الدلالة الأولى، فالمعنى العام له أن الإنسان كان يحاول دائماً أن يبني عالمه الفاضل، إلا أن الدهر، لمآرب لا نعرفها، كان يقف حائلاً دون تحقيق ذلك. وهو ما لا يترك مجالاً للشك بأن جبران يتحدث عن عالم فاضل مثالي في (الغاب)، وليس عن العودة إلى حياة الفطرة والطبيعة، على طريقة الرومانسيين.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:22 PM
وفي الحقيقة، فإن إصرار جبران على أن يكون (الغاب) مسرح عالمه المثالي، ورفضه لـ (جمهورية أفلاطون) ونفوره من (مدينة توماس مور الفاضلة)، ليس غريباً ولا مفاجئاً، بل هو النتيجة الطبيعيّة لمذهب جبران الفكري والفلسفي ورؤيته للإنسان والوجود. فجمهوريّة أفلاطون لا تلغي التمايز بين البشر، بل هي تعزّزه وتشرّع بقاءه، وهو ما يتنافى تماماً مع رؤية جبران. وفي حين يطرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته، فإن جبران يرى في الشاعر المثال الأعلى للإنسان الكامل. وفي الوقت نفسه، لا يمكن لجبران قبول فكرة إقامة المجتمع الفاضل في (المدينة) كما تخيّلها (توماس مور)، لأن المدينة في نظره هي رمز انحراف البشريّة عن مسارها الفطري كما كان يعبّر عن ذلك في كتبه السابقة. بينما (الغاب) هو الأصل، والأصل عنده هو الخير والمحبة والعدل والجمال.
وعلى كل حال، فإن الحركة الثانية من القصيدة، تبيّن لنا ملامح ومعالم (عالم الغاب الفاضل) الذي يحلم به جبران كهدف نهائي لمسيرة البشرية. ففي هذا العالم تنتفي الفروق الطبقيّة بين البشر، وتزول إلى الأبد ثنائية السيّد والعبيد، أو القائد والتابعين، أو الحاكم والمحكومين، إذ لن يكون فيه أي مبرّر لوجود أية سلطة من أي نوع:
ليس في الغابات راع
لا ولا فيها القطيع

فسكاّن عالم الغاب لا يشعرون بأي حزن، ولا تنتابهم أية هموم، فليس ثمة ما يعكّر صفوهم الأبدي. ولذلك فهم لا يعرفون السكْرَ أو التخدير لأن المباهج التي يعيشونها أبهى مما يمكن أن يتصوّره الوهم أو يرسمه الخيال:
ليس في الغابات حزن
لا ولا فيها الهموم

وفي عالم كهذا، لا وجود لأي دين. ذلك أن مجرّد وجود دين ما سيقسم الناس إلى مؤمنين وكافرين، وهذا ما يتنافى أصلاً مع المجتمع الفاضل الذي لا يفرّق البتة بين مواطنيه:
ليس في الغابات دين
لا ولا الكفر القبيح

فإذا البلبل غنى
لم يقل هذا الصحيح

وللسبب نفسه أيضاً، فلا وجود في عالم الغاب لمفهوم (العدل). فالحاجة إلى العدل تظهر حين يستولي أحد على حق من حقوق الآخر، فيقوم (العدل) على إعطاء كل ذي حق حقه. ولكن في هذا العالم ا لمثالي لا يوجد من يعتدي على غيره، ولا توجد أية خلافات أو صراعات بين أفراده، ولذلك فهم لا يعرفون معنى لمصطلح (العدل) كما لا يعرفون معنى (الثواب) أو (العقاب) لأنه لا يوجد بينهم من يتفوّق على غيره أو يقصّر عنه في أداء الأعمال الصالحة:
ليس في الغابات عدل
لا ولا فيها العقاب

وبطبيعة الحال، لن يكون في هذا العالم قوي ولا ضعيف، فالقوّة والضعف من مصطلحات عالم الواقع الذي تفرض فيه القوّة مصالحها. كما لن يكون فيه عليم أو جهول، فالناس جميعهم يتساوون في امتلاك أسمى المعارف وأعلى العلوم، كما يتساوون في اللطف والظرف والملاحة والذكاء، لذلك لن يكون بينهم من يركض وراء الأمجاد الزائفة، فلا مجد في المجتمع الفاضل غير مجد العاشقين:
ليس في الغابات ذكر
غير ذكر العاشقين

فالهوى الفضّاح يدعى
عندنا الفتح المبين

وإذا كان الناس في عالم الواقع يحتاجون إلى الأمل والرجاء كي يستمدّوا القوة على تحمّل الصعوبات والمشاق التي يواجهونها، ففي عالم الغاب لا معنى للأمل، فبماذا يأمل من حصل على كل شيء؟:
ليس في الغاب رجاء
لا ولا فيه المللْ

كيف يرجو الغاب جزءاً
وعلى الكل حصلْ

وبما السعي بغاب
أملاً، وهو الأملْ؟

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:23 PM
إن حياة (الغاب) هي حياة العطاء الدائم والولادة المتجدّدة، لذلك لا وجود لـ (العقم) فيها. كما لا وجود للهرم أو للموت، فهي حياة الشباب الدائم، والخلود الأبدي. إنها الحياة التي تتجلى فيها (وحدة الوجود) بأبهى صورها، فلا فرق بين روح وجسد، ولا فرق بين عنصر من عناصر الطبيعة وبين آخر:
لم أجد في الغاب فرقاً
بين نفس وجسد

فالهوا ماء تهادى
والندى ماء ركد

فجميع موجودات الكون من أصل واحد، وما الأشكال المختلفة التي تتخذها سوى حالات من التحوّل الخلاق الدائم، وفي هذا التحوّل يكمن سر الوجود.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:23 PM
الحركة الثالثة:
إذا كانت الحركة الأولى من القصيدة تمثّل عالم الواقع، والحركة الثانية تمثّل عالم المثال (عالم الغاب الفاضل)، فإن الحركة الثالثة تمثّل الطريق التي اختارها جبران لتعبر به من العالم الأول: عالم المادة والبؤس والمتناقضات، إلى العالم الثاني: عالم النور والغبطة ووحدة الوجود.
ومن الطبيعي بالنسبة إلى شاعر فنّان مثل جبران، ألا تكون هذه الطريق شيئاً آخر غير الفن. فالفنّ وحده من نسلم أنفسنا إلى أمواجه، ونستودع قلوبنا في أعماقه، فيحملنا إلى ما وراء المادة، ويرينا ما تكنّه عوالم الغيب، كما قال جبران في كتابه الأول (الموسيقا).(5)
وقد رأينا كيف اختار جبران في ذلك الكتاب أن يكنّي عن الفن بشكل عام بمفردة من مفرداته وهي (الموسيقا)، من باب الحديث عن المجموع بصيغة المفرد، أو عن (الكل) بصيغة (الجزء) بعد أن قال: (والموسيقا كالشعر والتصوير، تمثل حالات الإنسان المختلفة، وترسم أشباح أطوار القلب، وتوضّح أخيلة ميول النفس، وتصوغ ما يجول في الخاطر، وتصف أجمل مشتهيات الجسد)(6). وهو ما سيلجأ إليه في قصيدته هذه أيضاً، فالغناء هو رمز للفنون جميعها، وهو كناية عن الفنّ بالمطلق، الفن الذي يعتبره جبران طريقاً إلى الخلاص، ومعبراً إلى عالم المثال: (عالم الغاب الفاضل).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:23 PM
الفنّ هو التجلّي الأسمى للنفس البشرية في توقها الدائم إلى العلوّ والكمال، إنه صوت الجوهر الإنساني، أو صوت (الألوهيّة) الكامنة في الإنسان، ولذلك فهو الذي يتحكّم بنشاط العقل ويرعى العقول:
أعطني الناي وغنّ
فالغنا يرعى العقول

وأنين الناي أبقى
من مجيد وذليل

وأمام الفن تزول المحن، وتتذلل الصعاب، لأنه خير شراب يمكن له أن يروي النفوس العطشى إلى النور. كما أنه خير صلاة تتوسّل بها الروح التقرّب من أصلها الأزلي الخالد:
أعطني الناي وغنّ
فالغنا خير الصلاة

وأنين الناي يبقى
بعد أن تفنى الحياة

الفن هو أمان القلوب، وقوة النفس، وهو خير علم، لأن المعرفة الحقيقيّة هي معرفة الحدس والكشف والرؤيا، وهي المعرفة التي لا يمكن تحصيلها إلا بالفن. ولذلك فكل مجد غير مجد الفن وهم وضلال. الفن هو اللطف والظرف، وهو الحب الصحيح، والجنون المبدع... هو نار ونور، وهو جسم وروح، وهو سر الخلود:
أعطني الناي وغنّ
فالغنا سر الخلود

وأنين الناي يبقى
بعد أن يفنى الوجود

إن العمل الفنّي، سواء كان قصيدة أو لوحة أو أغنية، أكثر قدرة على البقاء من كل الأمجاد الأخرى التي يجترحها الإنسان. فهو وحده الباقي بعد أن يفنى الزمن نفسه. فبعد أن تزول الأرض بتضاريسها من أودية وهضاب وجبال، وتفنى الشموس، وتنطفئ النجوم، ويختفي الزنيم والجليل، كما يختفي القوي والضعيف، والرقيق والكثيف، والجميل والمليح، والحصيف والرصين، أي بعد أن تفنى الحياة بأشكالها جميعها، ويفنى الوجود، لا يبقى سوى العمل الفني الإبداعي، لأنه شوق النفس الذي لا يدانيه الفتور، إلى الالتحام بالأصل الخالق المبدع:
أعطني الناي وغنّ
فالغنا نار ونور

وأنين الناي شوق
لا يدانيه الفتور

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:24 PM
وما دام الفن وحده الباقي، فهو الطريق الوحيدة للخلاص من براثن الواقع، والدخول في عالم (الغاب الفاضل). وكل طريق غيره ليس سوى وهم وهباء. لذلك عليك أن تنسى جميع ما قيل من نظريات وأفكار وشرائع، وتترك أشياء الواقع الماديّة، وتنفر من مباهجه الزائلة، بالفعل لا بالقول، وتؤمن بالغاب الفاضل كهدف أسمى، لأن إيمانك هذا سيحوّل لك الواقع، عن طريق الفن، إلى جنّة حقيقيّة، تتحمّم فيها بالعطر، وتتنشّف بالنور، ويصير الفجر بين يديك خمراً تشربه في كؤوس من أثير.
تخلَّ عن حاجاتك الوضيعة من طعام وشراب، وانسَ الماضي، وكن زاهداً فيما يمكن أن تجنيه من منافع مادية، وافترش العشبَ، والتحف الفضاء، واترك الزحام والجدال والضجيج والخصام، فكلها من أشياء الواقع الفاني، الذي لا يقود إلا إلى الموت:
ليت شعري أي نفع
في اجتماع وزحام

وجدال وضجيج
واحتجاجٍ وخصام

كلها أنفاق خلدٍ
وخيوط العنكبوت

والذي يحيا بعجز
فهو في بطء يموت

انس الداء والدواء، ولا تخش الموت، فلا موت في عالم المثال. وحلق في فضاء الفن، فضاء النغم واللون والخيال، فضاء الحلم، فضاء الروح، في عالم الغاب الفاضل، عالم الحقيقة المطلقة، حيث الخلود الأبدي، والسعادة الدائمة.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:24 PM
خاتمة القصيدة:
يختم جبران قصيدته بثلاثة أبيات من الحركة الأولى التي ابتدأت بها، ليغلق الدائرة، ويعود إلى عالم الواقع من جديد. وكأنه كان في حلم استيقظ منه أخيراً، ولنتذكر ما قاله جبران لأميل زيدان: (أما المواكب كقصيدة، فحلم رأيته في الغابة)، أو كأنه اكتشف أن عالم الغاب الذي بشّر به ما هو إلا هدف مستحيل، لأنه ليس سوى نسيج خيال، وأضغاث رؤى، وأن الفنّ إذا استطاع أن يمنح النفس البشرية بعض الغبطة والسلام الداخلي، فإنه عاجز عن التغيير الفعليّ المباشر في عالم الواقع.
لذلك يقول جبران في أسى أنه لو قدّر له أن يتحكّم في سيرورة الأيام لفرض عالمه الفاضل عليها، إلا أن الدهر لا يسمح له بذلك، فكلما همّ الإنسان بِبناء المجتمع المثالي، حالت المقادير دون تحقيق ذلك الهدف:
العيش في الغاب والأيام لو نظمت
في قبضتي لغدت في الغاب تنتثرُ

لكن هو الدهر في نفسي له أرب
فكلما رمت غاباً قام يعتذر

وللتقادير سبل لا تغيرها
والناس في عجزهم عن قصدهم قصروا

وهكذا يعلن جبران أخيراً، في نبرة يأس وتسليم مأساوية، أن لا سبيل إلى تغيير القضاء، وأن الناس يبقون عاجزين عن تحقيق حلمهم الأزلي، في مجتمع فاضل لا يعرف غير الخير والحق والجمال.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:24 PM
أهمية قصيدة (المواكب):
منذ صدور قصيدة (المواكب) عام 1919، اختلف النقاد في تقدير أهميتها وفي تحديد مكانتها، سواء بالنسبة إلى حركة التجديد في الشعر العربي، أو بالنسبة إلى أعمال جبران الأخرى. فقد ثار عدد من النقّاد الكبار مثل (العقّاد) و (عمر فروخ) على ما في القصيدة من تعليميّة ومباشرة، ونثريّة بلغت حد (الهلهلة) أحياناً(7). كما رأى (ميخائيل نعيمة) أن جبران يجهد نفسه كثيراً ليروّض اللغة والوزن والقافية ويحاول ان يخفي إجهاده، ولكن العياء لا يلبث أن يبدو عليه(8). أما (راجي عشقوتي) أستاذ الأدب والبيان في مدرسة الحكمة، فيتساءل: متى كبا جواد شعره، ويجيب: حدث ذلك في كتابه (المواكب) وقد أغراه شيطان تقليد العاديين من شعراء التراث، فسقط. ويضيف: جبران في قصيدة المواكب كتب الوضوح والسهولة والمعادلات الشعرية الحسابية، تبدأ الفكرة بكذا، وتنتهي بكذا، سالكة الخط المستقيم، تحرمنا من أي سفر روحي وتأملي معها(9). كما أكّدت الدكتورة (نازك سابا يارد) أن شاعرية جبران تجلّت في أجمل حلاها في نثره، لا في القصائد القليلة التي كتبها، وأشهرها (المواكب). فمضمونها فلسفي، والغالب عليها هو الأسلوب الوعظي المباشر، والإرشاد العقلي الجاف... وحين استخدم الصور ليوضّح أفكاره ويقنعنا بها، طغى فيها عنصر الواقع على عنصر الخيال الشعري، ففقدت القصيدة الكثير من رونق الشعر(10).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:25 PM
وبالرغم من كل ما سبق، فإن أهمية قصيدة المواكب، من وجهة نظري، تكمن في الأمور التالية:
1ـ الغرض والموضوع. لم يكن من الشائع أن يخصص شاعر عربي قصيدة كاملة لموضوع ذي طابع تأمّلي فكري فلسفي، لا سيّما في أوائل القرن العشرين، حيث كان الشعراء ما زالوا يدورون في فلك الأغراض الشعرية التقليدية. ولذلك فإن قصيدة المواكب تعتبر محاولة جريئة يقتحم بها الشعر أرضاً ليس من المألوف دخوله إليها.
2ـ الرؤيا: إن الرؤيا التي تحملها القصيدة بإيجاز شديد، هي أن الفنّ يمكن أن يكون طريقاً للخلاص من بؤس الواقع، وللتوجه نحو العالم الفاضل، الذي لن يكون فاضلاً حتى تزول منه جميع المتناقضات وتتجلى فيه وحدة الوجود بأبهى صورها. ولا شكّ أن هذه الرؤيا جديدة على الشعر العربي.
3ـ البناء الفنّي: بنى جبران قصيدته على التداخل بين ثلاث حركات، لكل حركة منها بنيته المتميّزة على صعيدي الشكل والمضمون معاً، واستخدم من أجل ذلك بحرين عروضيين مختلفين، كما ميّز بحر الحركة الثالثة عن الثانية بتغيير القافية. ولا شكّ أن هذا النظام في بناء القصيدة جديد ومبتكر في الشعر العربي، وهو يعكس وعياً مبكراً عند جبران لأهمية الوحدة العضوية بين الشكل والمضمون، حيث يستوجب مضمون كل حركة، شكلاً خاصاً به، داخل القصيدة الواحدة.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:25 PM
4ـ الشذرات الجمالية، التصويرية والتعبيرية: بالرغم من جميع ما قيل حول النثرية والمباشرة والتكلّف في لغة القصيدة، وطغيان العقل على العاطفة والخيال فيها، فإن القصيدة لا تخلو من الشذرات الجمالية التصويرية والتعبيرية، التي حلّق فيها جبران في فضاء الإبداع. ومن أمثلة ذلك قوله:
فالأرض خمّارة والدهر صاحبها
وليس يرضى بها غير الألى سكروا

فتشبيه الأرض بالخمارة التي يديرها الدهر، والناس القانعين بها بالسكارى، هو تشبيه لم يسبقه إليه أحد، ويعبِّرُ بأبلغ ما يكون التعبير عن رؤيته للدهر والأرض والناس. كما إن البيت الذي يقول فيه:
فإن ترفعت عن رغد وعن كدر
جاورت ظلّ الذي حارت به الفكر

يعبّر عن فكرة من أسمى الأفكار الصوفية، ببساطة وطلاوة لا تتأتى إلا لشاعر مطبوع. أما بيته القائل:
وفي الزرازير جبن وهي طائرة
وفي البزاة شموخ وهي تحتضر

فيغلّف الحكمة في صورة بديعة مبتكرة محكمة البنيان اللغوي، تذكرنا مباشرة بأبيات الحكمة عند المتنبي. ومثل ذلك قوله:
وما السعادة في الدنيا سوى شبح
يرجى فإن صار جسماً ملّه البشر

كما أن تشبيه الجسم بالرحم التي تحتضن الروح، والقول بأن يوم الموت ما هو غير عهد المخاض الذي تولد به الروح ولادتها الحقيقية، هو تعبير شعري بامتياز:
والجسم للروح رحم تستكن به حتى البلوغ فتستعلي وينغمر

فهي الجنين وما يوم الحمام سوى عهد المخاض فلا سقط ولا عسر

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:26 PM
إلا أن أغلى ما يبلغه جبران من التخييل الخلاق والتعبير المبدع والشاعرية الفذة يتجلى في الأبيات التي يعبّر بها عن وحدة الوجود:
فالهوا ماء تهادى
والندى ماء ركد

والشذا زهر تمادى
والثرى زهر جمد

وظلال الحور حور
ظن ليلا فرقد

ولا يضاهي هذه الأبيات عذوبة وسحراً وجمالاً، سوى تلك الأبيات التي أنجز فيها جبران أجمل وأعمق تعبير يحسده عليه الرومانسيون الذين يتوقون إلى الاتحاد بعناصر الطبيعة البكر:
هل تخذت الغاب مثلي
منزلاً دون القصور

فتتبعت السواقي
وتسلقت الصخور

هل تحمّمت بعطر
وتنشّفت بنور

وشربت الفجر خمراً في كؤوس من أثير

هل جلست العصر مثلي
بين جفنات العنب

والعناقيد تدلت
كثريات الذهب

هل فرشت العشب ليلاً
وتلحفت الفضا

زاهداً فيما سيأتي
ناسياً ما قد مضى

وأخيراً، فإن قدرة القصيدة على قبول القراءات المتجدّدة لها، حتى اليوم، هي وحدها علامة هامة على مقدار ما تختزن من شعريّة وحيويّة واستجابة للحاجات الحسيّة والجمالية والانفعالية في النفس البشرية.
**
الهوامش:
(1) ميخائيل نعيمة ـ مقدمة المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران العربية ـ دار صادر ـ بيروت ـ صفحة (28).
(2) جوزيف الخوري طوق ـ رسائل متفرقة لجبران خليل جبران ـ المجلد الخامس والعشرون من موسوعة جبران خليل حبران ـ دار نوبليس ـ بيروت ـ 1997 ـ صفحة 54.
(3) المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران العربية ـ المقدمة صفحة (21).
(4) المرجع السابق. صفحة (21).
(5) كتاب (الموسيقا) لجبران ـ في المجموعة الكاملة ـ صفحة (43).
(6) المرجع السابق ـ صفحة (40).
(7) الدكتورة نازك سابا يارد ـ مقدمة كتاب المواكب لجبران ـ مؤسسة بحسون للنشر ـ بيروت 1992 ـ صفحة (31).
(8) ميخائيل نعيمة ـ مقدمة الأعمال العربية لجبران ـ دار صادر ـ صفحة (22).
(9) راجي عشقوتي مقالة بعنوان جبران شاعر بنثره لا بشعره ـ ضمها المجلد 16 من موسوعة جبران ـ دار نوبليس ـ 1977 ـ بيروت ـ ص 56و60.
(10) د. نازك سابا يارد ـ مقدمة كتاب المواكب مؤسسة بحسون ـ صفحة (31).


***

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:26 PM
نبي جبران

من يوحنا المجنون إلى المصطفى


لم يعرف العصر الحديث كتاباً لمؤلف عربي، لقي من الذيوع والانتشار ما لا قاه كتاب (النبي) لجبران، منذ صدوره باللغة الإنكليزية عام 1923، حتى اليوم. ففي عام 1924، قال الأستاذ فرانكلين في خطبة له في مجمع الأدباء في ديترويت مشيغن: (فالنبي، مع أنه طبع للمرة الأولى منذ أقل من خمسة عشر شهراً ـ في سبتمبر سنة 1923 ـ فقد أعيد طبعه ثلاث مرات في هذه المدة القصيرة، مما يدل على شدة إقبال جمهور المتأدبين من الأمريكيين والإنكليز على مطالعته)(1).
وفي عام 1926 أرسل جبران رسالة إلى الأرشمنديت أنطونيوس بشير قال فيها: (كل ما أستطيع أن أقوله لك الآن في الكتاب الصغير، الذي هو جزء من حشاشتي، أنه قد بلغ الطبعة العاشرة بالإنكليزية، وأنه قد ترجم إلى عشر لغات أوربية وإلى اليابانية والهندستانية من اللغات الشرقية ـ والحبل على الجرار ـ وأما رأي القوم في الكتيب من وودرو ولسون إلى أكبر شاعر إنكليزي، إلى أشهر كاتب فرنسي، إلى غاندي الهندي، إلى العامل البسيط، إلى الزوجة والأم، فمما لم أنتظره أو أتخيله قط. ولذلك أجد نفسي خجولاً في بعض الأحايين أمام عطف الناس وكرمهم)(2).
وفي آب عام 1957 بيعت النسخة المليون من الكتاب في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها(3) ومنذ ذلك الحين يقرأ الأمريكيون نصف مليون نسخة من (النبي) كل ثلاث سنوات.(4) وقد ترجم الكتاب إلى أكثر من أربعين لغة. وتتوالى صدور طبعاته الجديدة في أنحاء العالم حتى اليوم. وللتدليل على ذلك نورد الفقرة التالية من مقالة حديثة للكاتب الصيني (الدكتور تشينغ قوه) أستاذ مساعد جامعة الدراسات الأجنبية في بكين إذ يقول: (بالإضافة إلى ألف ليلة وليلة، كان للقراء الصينيين احتكاك بالأدب العربي الحديث أيضاً، وذلك من خلال أعمال جبران خليل جبران. وكان الأديب الشهير (ماو دون) أول صيني عرّف جبران إلى الصينيين، حيث ترجم عن الإنكليزية خمس قصائد نثرية في كتاب (السابق) ونشرها في مجلة أدبية عام 1923، ثم قام مترجم آخر بنقل (المجنون) إلى الصينية ونشره عام 1929. وفي عام 1931 ظهرت الترجمة الرائعة لـ (النبي) التي قامت بها الأديبة المشهورة (بينغ شين) وكتبت في مقدمة الكتاب أنها أغرمت بالحكمة الشرقية الفائقة واللغة الشاعرية العجيبة في هذا الكتاب الصغير. ولحسن حظ القراء الصينيين أن تقوم أشهر أديبة صينية بترجمة أروع عمل أدبي لجبران. فلا غرابة أن شاعت هذه الترجمة في الصين وأعيدت طباعتها مرات كثيرة من يوم صدورها حتى الآن.)(5) .

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:26 PM
ويبدو أن العقد الأخير من القرن العشرين قد شهد إقبالاً شديداً على قراءة (النبي) مما جعل دور النشر العالمية تعيد طباعته عدداً من المرات، فبين يدي الآن طبعة أنيقة منه صدرت في نيودلهي في الهند عام 1993، ومما هو مثبت في الصفحة الرابعة نفهم أن الدار قد أعادت طباعته مرتين في العام نفسه(6) وهو ما يؤكده الكاتب الصيني تشينغ قوه أيضاً حين يقول: (ومع حلول التسعينات، شهدت ترجمة الأدب العربي في الصين ظاهرتين ساخنتين، إحداهما إقبال القراء على قراءة جبران خليل جبران، فظهرت ترجمات كثيرة لمؤلفاته.. ارتفعت منزلة جبران في الصين إلى مشارف عمالقة الأدب العالميين، وصار خير من يجسّد إنجازات الأدب العربي المعاصر. ففي استفتاء أجرته صحيفة (القراءة الصينية) على القراء، يأتي كتاب (النبي) ضمن مائة أروع عمل أدبي وصيني في القرن العشرين)(7).
وفي اللغة العربية، كان أول من قام بتعريب كتاب (النبي) هو الأرشمنديت أنطونيوس بشير عام 1926، وتلاه ميخائيل نعيمة عام 1956، وفي عام 1966 ظهرت ترجمة ثروت عكاشة، ثم يوسف الخال عام 1968، ثم نويل عبد الأحد عام 1993. ولا شك أن تعدد الترجمات يعود إلى ثراء الكتاب وقابليته للقراءات المتعددة، فكل ترجمة هي قراءة في المآل الأخير، وكذلك إلى لغته الشعرية العالية التي تجعل من المستحيل نقله إلى لغة أخرى دون أن يفقد الكثير من إيحاءاته ومعانيه التي لا تقولها الألفاظ وحدها، وإنما تفوح من الصور التخييلية والتراكيب اللغوية والنغم والإيقاع وغيرها من الخصائص الشعرية، التي تمكّن النص من حمل ما ينوء بحمله في الحالة التي يؤول إليها بعد الترجمة، مهما كانت هذه الترجمة أمينة ودقيقة. وهو الأمر الذي أدركه جميع من قاموا بتعريب الكتاب. فالأرشمنديت أنطونيوس بشير في مقدمة ترجمته، يلفت نظر القراء إلى أن (جبران يصوّر فكره قبل أن يعبّر عنه بالألفاظ، لأنه من نوابغ المصورين، لذلك فليعن القارئ بدرس صورة كل فكرةٍ من أفكار المؤلف قبل أن يدرس الألفاظ التي تعبّر عنها)(8).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:27 PM
أما (ميخائيل نعيمة) فقد قال في مقدمة ترجمته للكتاب: (وترجمة كتاب من طراز النبي ليست من السهولة في شيء. بل إنها من المشقة بمكان. فالكتاب يزخر بالتلوين الشعري، والإيقاع الموسيقي، والإيماءات الرمزية، والاستعارات المبتكرة، إلى جانب ما فيه من تصوير الأفكار والأحاسيس المبهمة تصويراً أقل ما يقال فيه أنه ليس مألوفاً. ولا أقول إن جبران كان يتعمّد الإبهام. بل كان يعتقد أن من الأفكار والأحاسيس ما يتعذّر نقله إلا بالتلميح وإلا بالرموز.. إلا أن المترجم، إذا فاته نقل تلك اللطائف كما وردت في الأصل، فيجب أن لا يفوته التدليل عليها في الترجمة..)(9).
وبالرغم من أن الأستاذ (نويل عبد الأحد) يعترف لنعيمة بأنه (أقرب المترجمين إلى جبران، كما أن كفاءته لا يأتيها الباطل من أمامها أو ورائها)
(10) إلا أنه يرى (أن نعيمة اهتمّ بمعاني الكلمات القاموسية لا بدلالاتها كإشارات ورموز وعلامات)(11) ويدلّل على رأيه ذلك بأن يورد عدداً كبيراً من عبارات الكتاب في الأصل الإنكليزي مبيناً عدم كفاءة ترجمة نعيمة في نقل مغزاها الحقيقي، مما دفعه، بعد ما اكتشفه وما جمعه من ملاحظات عبر معاودته قراءة النبي، وترجماته المختلفة، إلى القيام بترجمة جديدة يتوخّى منها الذهاب إلى جوهر الفكر الجبراني في (النبي)، حسب قوله.(12) .
كما قال ثروت عكاشة في مقدمة الطبعة الثالثة من ترجمته للكتاب: (وإني إذ أقدمه إلى قراء العربية في طبعته الثالثة لا أقول إني قدمته صورة من طبعتيه الأولى والثانية، بل لقد عنّ لي في مواضع منه رأي في الترجمة وجدته أولى فبدلته على النحو الذي بدا لي أصلح من سابقه.. وما أستطيع أن أختم كلمتي دون الاعتراف بفضل النقاد الذين أعانني نقدهم على إعادة فقرات لتخرج أكثر استقامة وأكثر قدرة على الوفاء بالمعنى)(13).
ولا شك أن ذلك كله يؤكد القدرة المحدودة للترجمة في نقل كل ما يتضمّنه الكتاب وما يفوح من لغته ورموزه وتخييلاته وإيقاعاته من الإيحاءات والصور والمعاني، وهو ما قصده (ميخائيل نعيمة) حين تمنى لو أن جبران تولى ترجمة مؤلفاته الإنكليزية ـ أو النبي في الأقل ـ بأسلوبه الذي تفرّد به بين كتاب العربية. إلا أنه آثر أن يترك أمر الترجمة لغيره.(14)

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:27 PM
ولا شكّ أن (ماري هاسكل) قد لعبت دوراً مهماً في مساعدة جبران على صياغة فصول كتاب (النبي) باللغة الإنكليزية، فقد كانت تعليقاتها عليه فصلاً فصلاً ومرحلة مرحلة، على جانب كبير من الأهمية، لذلك يقول لها في إحدى رسائله (لا يستطيع أحد أن يكتب النبي بدونك أنت)(15)
كما يبدو من الرسائل المتبادلة بينهما، أن جبران بدأ كتابة مسوّدات عدد من فصول النبي باللغة العربية، فهو يقول لها في رسالة تعود إلى عام 1919 أنه (عثر على قطعة شعرية كان قد كتبها وله من العمر ستة عشر عاماً، هي الجنين الذي أضحى الآن "النبي"). ووصف لها فحواها: جمع من الناس في نزل يتحدثون عن أشياء كثيرة مختلفة ـ واحد منهم بشكل خاص يختلف مع الباقين ـ ويعطي فلسفته عن الطعام وعن الأشياء المختلفة. ثم ينصرفون ويتفرقون، وألبث أنا مع الرجل كيما أستدرجه لإبداء آرائه. ونخرج ونتمشى في الحقول، ونقابل جمعاً من الفلاحين، ويدلي لهم بمواعظ صغيرة. ترين أن الفكرة التي عندي الآن في (النبي) موجودة هناك)(16)
ويقول لها في رسالة أخرى: (أنه صرف سني حياته السبع والثلاثين جميعها ليضع ذلك الكتاب، ويقول أن كيانه كله متضمن الآن في "النبي") وإن هذا سيكون حياته إلى أن ينتهي (إن كل ما فعلته قد انتهى الآن بالنسبة لي، ولم يكن سوى تلمذة بالنسبة لهذا الكتاب) ويكرر أنه كان ينشد النبي منذ كان
في الرابعة عشرة أو السادسة عشرة، وأنه الآن فقط يراه ويعي ما فيه من حقائق(17).
وإذا كان (النبي) قد صدر بلغته الإنكليزية عام 1923، فقد بدأ جبران كتابته قبل ذلك بأحد عشر عاماً، حسب ما ترويه (ماري هاسكل) في نبذة من مذكراتها التي تعود إلى حزيران عام 1912، إذ تقول (اليوم كتب خليل السطر الأول، أو الفكرة الأولى بالأحرى، لإله الجزيرة ـ وتقول موضحة في الهامش: المصطفى في (النبي) ـ وتضيف: ذلك أنه قرّر نهائياً أن يجعل هذا المنفي البروميثي إله جزيرة بدلاً من إله جبل، وتقول إن جبران فسّر ذلك بقوله: (باستطاعتي أن أضع جبلاً في الجزيرة، ولكن ليس في استطاعتي أن أضع جزيرة على الجبل. والجزيرة تفتح إمكانات كثيرة، خاصة إذا كانت قريبة إلى اليابسة بحيث يمكن مشاهدة مدينة منها). وتؤكد ماري هاسكل اهتمام جبران الكبير الذي كان يوليه لهذا الكتاب بالذات فتقول: (هذا هو الكتاب الذي يقصده عندما يقول: كتابي). وتضيف أنه يحتفظ ببعض الأناشيد والقصائد النثرية التي يكتبها مفردة، إذا كانت مناسبة، كيما يدرجها في الكتاب ويضعها على لسان المنفي.(18)

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:28 PM
ومن المثير في المقبوس السابق، أن جبران يستخدم مصطلح (القصائد النثرية) منذ ذلك الوقت المبكّر من بدايات القرن العشرين (عام 1912)، مما يدلل بوضوح على وعيه التام بأن ما يكتبه في (النبي) هو قصائد نثر. وفي الحقيقة فإن استخدامه لهذا المصطلح لم يقتصر على ما كتبه بالإنكليزية في (النبي) فحسب، بل يستخدمه أيضاً ليصف كتاباته العربية أيضاً. ففي رسالة إلى (ماري هاسكل) مؤرخة في خريف 1913 يقول لها (أن مجموعة من بواكير قصائده النثرية ستصدر بعد ثلاثة أسابيع أو أربعة)(19) وقد صدر كتاب (دمعة وابتسامة عام 1914، مما يعني أنه كان يقصد النصوص التي تضمنها ذلك الكتاب. وهو ما يؤكد توفر مبدأ (القصدية) الذي اعتبرته (سوزان برنار) شرطاً رئيساً من الشروط التي لا بد من توفرها للنص، كي نعتبره (قصيدة نثر). وقد ناقشنا هذه المسألة في مقدمتنا لكتاب (دمعة وابتسامة)(20) وفاتنا حينها أن نذكر استخدام جبران للمصطلح بعينه (قصائد نثر) في وصف تلك النصوص. وإذ نشير إلى ذلك هنا فلكي نعزز البراهين التي تؤكد صحة ما ذهبنا إليه في اعتبار جبران رائداً حقيقياً من رواد قصيدة النثر في الأدب العربي المعاصر.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:28 PM
وقد بلغ تأثير (النبي) على شخصية جبران وفكره ووجدانه حداً اختلط معه الأمر على جبران نفسه فلم يعد يدري إذا كان هو قد وضع (النبي) أو أن النبي وضعه. بل راح يجزم أن (النبي) هو الذي ألّفه قبل أن يفكّر بتأليفه، وهو الذي أملى عليه ميوله ومنازعه، كما قال في رسالة له إلى (مي زيادة) بتاريخ 9 تشرين الثاني 1919: (ماذا عسى أقول لك عن هذا النبي؟ هو ولادتي الثانية ومعموديتي الأولى. هو الفكرة الوحيدة التي تجعلني حرياً بالوقوف أمام وجه الشمس. ولقد وضعني هذا النبي قبل أن أحاول وضعه، وألّفني قبل أن أفكر بتأليفه، وسيّرني صامتاً وراءه سبعة آلاف فرسخ قبل أن يقف ليملي عليّ ميوله ومنازعه.)(21)
ويقول لها في رسالة أخرى عام 1923 أي في عام صدور النبي: (إنما النبي يا مي أول حرف من كلمة.. توهّمت في الماضي أن هذه الكلمة لي وفيّ ومني، لذلك لم أستطع تهجئة أول حرف من حروفها، وكان عدم استطاعتي سبب مرضي، بل وكان سبب ألم وحرقة في روحي. وبعد ذلك شاء الله وفتح أذنيّ فسمعت الناس يلفظون هذا الحرف الأول. شاء الله وفتح شفتيَّ فردّدت لفظ الحرف: ردّدته مبتهجاً فرحاً لأنني عرفت للمرة الأولى أن الناس هم كل شيء وأنني بذاتي المنفصلة لست شيئاً. وأنت أعرف الناس بما كان في ذلك من الحرية والراحة والطمأنينة، أنت أعرف الناس بشعور من وجد نفسه فجأة خارج حبس ذاتيته المحدودة)(22)

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:29 PM
وتبيّن لنا أقوال جبران في رسائله التي عرضنا مقبوسات منها، أن افتتان جبران بفكرة (النبوّة)، وتوقه إلى تمثّل شخصيّة (النبي)، تعود إلى سنيّ حياته الباكرة، وهو الأمر الذي يمكن لنا أن نتتبع ظهوراته المتعددة في كتاباته السابقة على صدور (النبي).
فمنذ كتابه الأول (الموسيقا) الذي صدر عام 1905، نرى جبران يستخدم صيغة الخطاب النبوي الذي لا يليق بغير الأنبياء والمرسلين، كما في هذا المقطع: (كرّموا يا سكّان الأرض كهنتها وكاهناتها، وعيّدوا لذكر خدّامها، وشيّدوا لهم التماثيل. صلّي أيتها الأمم وسلّمي على أورفيوس وداود والموصلي... كبّر أيها الكون الألى بثّوا في سمائك أنفسهم وملؤوا الهواء أرواحاً لطيفة، وعلموا الإنسان أن يرى بسمعه، ويسمع بقلبه. آمين.)(23)
ولا شك أن جبران عندما كتب هذا المقطع، كان يتخيّل نفسه نبياً أو معلماً يقف وسط حشد من أتباعه ومريديه، ليلقي عليهم تعاليمه ووصاياه.
وفي كتابه الثاني (عرائس المروج – 1906) نلتقي شخصية (يوحنا المجنون) التي يسبغ عليها جبران عدداً من خصائص (النبوّة). فالاسم نفسه يذكّرنا بـ (يوحنا المعمدان). وهو (يتألّم مع الإله الإنسان بالجسد، ويتمجّد معه بالروح)(24) ونفسه حرة، وعواطفه مستأمنة بجوار يسوع الناصري(25) لأن نفسه وعواطفه تنتمي إلى المملكة ذاتها التي ينتمي إليها يسوع. وعندما يتكلّم ففي صوته قوّة علْوية(26) لأن ما ينطق به ليس سوى الكلام الذي وضعه الله على شفتيه، مثله مثل جميع الأنبياء والمرسلين. وهو يستخدم التحذير والوعيد على طريقة الأنبياء حين يخاطبون الخطاة والظالمين: (ويل وألف ويل لكم أيها الخاضعون لأصنام مطامعكم، الساترون بالأثواب السوداء اسوداد مكروهاتكم، المحركون بالصلاة شفاهكم وقلوبكم جامدة كالصخور، الراكعون بتذلل أمام المذابح ونفوسكم متمرّدة على الله)(27) ومثل كل الأنبياء، يراه الناس غريباً مستوحداً، يتلفّظ بكلمات غريبة، وينادي أخيلة الظلمة، ويناجي السكون. نفسه منسلخة عن المدارك الحسيّة، وعاقلته منجذبة إلى عالم بعيد، مما يجعل الناس يعتبرونه مجنوناً، أو يقرنونه بالعرّافين والمشعوذين. كما ورد على لسان أبيه الذي شهد أمام الحاكم بجنونه قائلاً: (طالما سمعته يهذي في وحدته يا سيدي، ويتكلّم عن أشياء غريبة لا حقيقة لها، فكم سهر الليالي مناجياً السكون بألفاظ مجهولة، منادياً أخيلة الظلمة بأصوات مخيفة تقارن تعازيم العرّافين المشعوذين. سل فتيان الحي يا سيدي، فقد جالسوه وعرفوا انجذاب عاقلته إلى عالم بعيد، فكانوا يخاطبونه فلا يجيب، وإن تكلّم جاءت أقواله ملتبسة لا علاقة لها بأحاديثهم. سل أمه فهي أدرى الناس بانسلاخ نفسه عن المدارك الحسيّة، فقد شاهدته مرات ناظراً إلى الأفق بعينين زجاجيتين جامدتين، وسمعته يتكلّم بشغف عن الأشجار والجداول والزهور والنجوم، مثلما يتكلّم الأطفال عن صغائر الأمور. سل رهبان الدير، فقد خاصمهم بالأمس محتقراً تنسّكهم وتعبدهم، كافراً بقداسة معيشتهم. وهو مجنون يا سيدي)(28)

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:29 PM
إلا أن شخصية (يوحنا المجنون) لم تكن قادرة على التجسيد الكامل لمفهوم (النبي) الذي يسيطر على تفكير جبران ووجدانه، لا سيّما بعد أن انتهى وحيداً، ناظراً بعينين دامعتين نحو القرى والمزارع المنتشرة على كتفي الوادي، مردداً الكلمات التي تفصح عن انكساره، بالقدر نفسه التي تعلن فيه ثقته بحتمية طلوع الشمس: (أنتم كثار وأنا وحدي، فقولوا عني ما شئتم، وافعلوا بي ما أردتم، فالذئاب تفترس النعجة في ظلمة الليل، ولكن آثار دمائها تبقى على حصباء الوادي حتى يجيء الفجر وتطلع الشمس)(29)
ولذلك كان لا بدّ لجبران أن يبدع شخصية أخرى، أشدّ تماسكاً، وأكثر اقتراباً من الصورة التي رسمها في ذهنه، للنبي الذي يثور على الواقع الفاسد، ويرفض الشرائع المزيفة، ويؤسس لمفاهيم جديدة، تنفذ إلى قلوب الناس وعقولهم، وتعمل على تحريرهم وبث روح المحبة والسلام فيهم. فكانت شخصية (خليل الكافر) التي شغلت أكثر من نصف كتابه الثالث (الأرواح المتمردة) الذي صدر عام 1908.
وقد جعل من خليل راعياً، فقد كان جميع الأنبياء رعاة. وجعله مطروداً من قبل الذين يدّعون تمثيلهم لله على الأرض. مثلما كان الأنبياء مرفوضين من قبل الرجال المتمسّكين بالشرائع السابقة عليهم والمتحالفين مع السلطة المستبدّة والأغنياء الظالمين. وقد سمّاه أهل قريته (كافراً) (لأنهم يحسبون عدو الرهبان كافراً بالله وقديسيه)(30) تماماً كما كان الناس يتّهمون كل نبي جديد، بالكفر والهرطقة. وبالرغم من أن (خليل الكافر) كان يعمل على بث تعاليمه بقوة، ويجابه خصومه بجرأة، ويظل رأسه مرفوعاً أمام الزوبعة، فإن نفسه كانت تطفح بالمحبة والتسامح حتى في مواجهة أعدائه، فإذا كان المسيح قد قال: (اغفر لهم يا أبت فإنهم لا يعلمون) فإن خليلاً يقوم لعملاء الشيخ عبّاس: (أنا أشفق عليكم أيها الرجال، لأنكم آلة قوية عمياء في يد مبصر ضعيف يظلمكم ويسحق الضعفاء بسواعدكم)(31) بل إن جبران لا يني يؤكد عناصر الشبه بين بطله وبين المسيح كلما سنحت الفرصة لذلكم: (فاتبعتهم راحيل ومريم، ونظير بنات أورشليم عندما اتبعن يسوع إلى الجلجلة، سارتا خلف خليل نحو منزل الشيخ عباس)(32) ومثلما يعتبر كل نبي أن رسالته تتجاوز الحدود الضيقة لقومه ووطنه، يقول خليل (الفقراء والمساكين المظلومين هم أهلي وعشيرتي، وهذه البلاد الواسعة هي مسقط رأسي)(33) وكما كان على الأنبياء أن يتحمّلوا كل أصناف العذاب والقهر في سبيل تبليغ دعوتهم، يقول خليل (قد احتملت السجن والجوع والعطش من أجل الحقيقة الجارحة التي رأيتها مكتوبة بالدماء على وجوهكم)(34).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:29 PM
إلا أن التطوّر الحاسم الذي شهدته شخصية (خليل الكافر) بالمقارنة مع شخصية سلفه (يوحنا المجنون)، يتجلى في نقطتين شديدتي الأهمية. الأولى منها هي إدراك خليل أن رسالته من منشأ إلهي، فهي مشيئة ربّانية، إذ يقول للجموع التي تستمع إليه: (لأني بإظهاري لكم حقيقة ما يحسبه الظالمون جرماً هائلاً، قد تممت مشيئة بارئي وبارئكم)(35).
أما النقطة الثانية فهي النجاح الذي حققه في تغيير الواقع، والانتصار على الظالمين والفاسدين، وتحقيق العدالة، وبث الفرح والطمأنينة والسلام في نفوس البشر. وذلك بفضل قدرة كلماته وحدها، بفعل ما تنضوي عليه من قوة علْوية تشابه العاصفة بعزمها والنسيم برقتها، وبفعل ما في صوته الجهوري من نغمة سحرية تضطرب لها قلوب الرجال الناظرين إليه بإعجاب يشبه استغراب الأعمى إذا ما أبصر فجأة، وتهتزّ لحلاوتها نفوس النساء المحدقات إليه بأعين طافحة بالدموع(36).
ولا شكّ أن هذه القوة العلوية، وهذه النغمة السحرية، هي من خصائص كلام الأنبياء. وفي الحقيقة، فإن جبران يصرّح في مواضع عديدة من النص، بالطبيعة (النبوية) لشخصية خليل. فهو يقول عنه: (فوقف وقفة نبي يسمع صراخ الأجيال)(37) كما يصفه قائلاً: (فكأنه أصبح منهم في تلك الساعة بمنزلة الروح من الجسد)(38) فهو يسكب سرائر روحه في قلوب أولئك القرويين، محدثاً إياهم في كل يوم عن غوامض حقوقهم وواجباتهم.. جاعلاً بين عواطفه صلة قوية شبيهة بالنواميس الأزلية التي تقيد الأجرام بعضها ببعض، فكانوا يصغون إليه بفرح يضارع بهجة الحقول الظمآنة بانهطال المطر، ويردّدون كلامه في خلوتهم ملبسين نسمات مقاصده أجساداً من محبتهم(39).
ولا شكّ أن هذه العلاقة بين خليل وأهل قريته تتطابق تماماً مع العلاقة التي سوف نراها بين (المصطفى) وأهل مدينة (أورفليس) في كتاب (النبي). وفي خاتمة قصة (خليل الكافر) التي يجعلها جبران بعد نصف قرن من الحادثة، يتعمّد جبران أن لا يحدثنا عن موت خليل، فهو نبي عاد إلى السماء، حيث يجب أن يكون الأنبياء. ولذلك يختتم النص بواحد من سكان القرية (إن سأله عن خليل يرفع يده إلى العلاء قائلاً: هناك يسكن خليلنا الصالح، أما تاريخ حياته فقد كتبه آباؤنا بأحرف من شعاع على صفحات قلوبنا، فلن تمحوه الأيام والليالي)(40).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:30 PM
وعندما صدر كتاب (دمعة وابتسامة) عام 1914، بدا جبران وكأنه قد ضاق ذرعاً بإخفاء صوت النبوّة الذي يصرخ في أعماقه، من خلال تحويل هذا الصوت إلى شخصيّات قصصية مثل يوحنا المجنون وخليل الكافر. ولذلك آثر أن يصرّح بصوت النبوي، قائلاً في خاتمة الكتاب: (جئت لأقول كلمة، وسأقولها)(41) ولا شكّ أنه كان بذلك يتمثّل افتتاحية إنجيل يوحنا: (في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله). وهكذا يحدّد جبران غاية وجوده، فهو نبي جاء يحمل رسالة يبلغها إلى الناس، وهذه الرسالة هي الكلمة، الكلمة التي كانت في البدء، الكلمة/ الله. وبما أنه نبي، فهو قادر على السماع من وراء جدران الحاضر، والرؤية من وراء المستقبل، كما قال في نص (نظرة إلى الآتي) في الكتاب نفسه(42) وليس ذلك غريباً، فالشاعر، في مفهومه، نبي حقيقي: (حلقة تصل بين هذا العالم والآتي.. ملك بعثته الآلهة ليعلم الناس الإلهيات. نور ساطع لا تغلبه ظلمة ولا يخفيه مكيال، ملأته زيتاً عشتروت آلهة الحب وأشعله أبولون إله الموسيقى)(43).
لذلك عمد جبران إلى صياغة رسالته النبوية (كلمته التي جاء ليقولها) شعراً، في الحركة الثانية من قصيدته الطويلة (المواكب) التي بشّر فيها بعالم تزول منه المتناقضات، وتتوحّد فيه الأضداد، ولا يبقى فيه مجد سوى مجد الحبّ والمحبين(44). وسنرى أن هذا العالم سيشكّل الأساس التي ستقوم عليه رؤيا (نبي أورفليس) فيما بعد.
ويبدو أن جبران، وهو المؤمن أشد الإيمان بأن (الكلمة) التي يحملها ذات منشأ علوي إلهي، كان يتوقّع أن تفعل كلمته فعلها، فتنفذ إلى نفوس الناس، الذين سيتحلّقّون حوله، منادين به نبيَّاً، وعاملين معه على تغيير الواقع الذي يعيشونه، ليصبح مطابقاً للعالم الفاضل الذي نادى به، مثلما كان شأن بطله (خليل الكافر). إلا أن السلبية التي قوبلت بها كتاباته، بل والحملات الشرسة التي شنّها عليه عتاة المحافظين من الكتّاب والنقّاد ورجال الدين، أصابته بحالة شديدة من الإحباط واليأس، تجلّت في كتابه (العواصف) الذي صدر عام 1920. فقد وصفه الناس بالكفر والإلحاد، وطالبوا بنبذ تعاليمه وحرق كتبه، تماماً كما هو الحال مع أي نبي يحمل رسالة جديدة(45).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:30 PM
لذلك كان لا بد أن تنتابه نوبة حادة من السخط على الناس جميعهم، لأنهم برفضهم لكلمته، يكشفون عن عدائهم للآلهة التي وضعت كلمتها على شفتيه، فراح يقرّعهم أفظع تقريع، ويعلن كرهه واحتقاره لهم: (أنا أكرهكم يا بني أمي لأنكم تكرهون المجد والعظمة. أنا أحتقركم لأنكم تحتقرون نفوسكم. أنا عدوكم لأنكم أعداء الآلهة ولكنكم لا تعلمون)(46).
وهكذا راحت صورة (النبي) تتغيّر عند جبران، فلم يعد النبي ذلك الرجل الذي يتوجّه إلى الناس ويتقرّب منهم ليبثّهم تعاليمه، بل هو من يعتكف الناس ويبتعد عنهم، كما هي حال شخصية (يوسف الفخري) في نص (العاصفة). فيوسف اعتزل في صومعته (هارباً من الناس وشرائعهم وتعاليمهم وتقاليدهم وأفكارهم وضجتهم وعويلهم)(47) وهو يجد أن كل أعمال الناس باطلة، ما عدا يقظته الروحية، وما هذه اليقظة الروحية سوى تلقيّه للوحي الإلهي، أو للنبوة. يقول يوسف الفخري: نعم باطلة هي أعمال الإنسان وباطلة هي تلك المقاصد والمرامي والمنازع والأماني، وباطل كل شيء على الأرض. وليس بين أباطيل الحياة سوى أمر واحد خليق بحبّ النفس وشوقها وهيامها، ليس هناك غير شيء واحد.. هي يقظة في أعماق النفس. هي فكرة تفاجئ وجدان الإنسان على حين غفلة وتفتح بصيرته فيرى الحياة مكتنفة بالأنغام، محاطة بالهالات، منتصبة كبرجٍ من النور بين الأرض واللانهاية،.. هي يد خفية قد أزالت الغشاء عن عيني وأنا في وسط الاجتماع بين أهلي وأصحابي ومواطني، فوقفت منذهلاً مدهوشاً قائلاً في نفسي: ما هذه الوجوه وما شأن هؤلاء الناظرين إليّ، وكيف عرفتهم، وأين لقيتهم، ولماذا أقيم بينهم، بل لماذا أجالسهم وأحادثهم؟ هل أنا غريب بينهم، أم هم الغرباء في ديار بنتها الحياة لي وأسلمتني مفاتيحها؟)(48).
ولا يخفي جبران صفة (النبوّة) عن يوسف فخري، بل هو يصرّح بها على لسانه عندما يجعله منكراً لجميع الشرائع والأديان القائمة بين الناس، ومع ذلك يتحدّث عن (دينه). فهو صاحب دين جديد إذن، أي هو نبي. فهو يقول: (أما التنسك، وهو قهر الجسد وإماتة رغائبه، فمسألة لا مكان لها في ديني)(49).
وتحت تأثير هذه النوبة من اليأس الشديد والسخط العارم، وربما بتأثير من (نيّشه) أيضاً، بلغ التطرف بجبران حداً دفعه إلى جعل (نبيه) لا ينكر البشر فحسب، بل ينكر (الله) نفسه. وعندما ينكر (النبي) ربه، يصبح (ربّ نفسه)، ومن ثم يصبح (إلهاً). ولذلك يتخذ تسمية (الإله المجنون)، في نص من أكثر نصوص جبران تطرفاً وقسوة وقتامة، هو نص (حفار القبور). وفيه يقول النبي الذي صار (إلهاً مجنوناً): (في الصباح أجدّف على الشمس، وعند الظهيرة ألعن البشر، وفي المساء أسخر بالطبيعة، وفي الليل أركع أمام نفسي وأعبدها)(50).
ولكن جبران سرعان ما ينتبه إلى أنه بذلك قد أفرغ (النبوّة) من كل معانيها. فما مبرّر وجود (النبي) إذا كان كافراً بربّه، وحاقداً على البشر، ومنصرفاً عنهم؟ لذلك يقول على لسان (المجنون) (وهو واحد من تجليّات النبي أيضاً) في كتاب (المجنون) الذي صدر بالإنكليزية عام 1918: (ولكن لمَ أنا ههنا يا رب؟ لِمَ أنا ههنا وأنا ثمرة عجراء لم تنل بعد شهوتها من النماء، وعاصفة صمّاء هوجاء لا شرقاً تبتغي ولا غرباً، وذرة هائمة تائهة من كوكب
محترق ثائر؟ لمَ أنا ههنا؟ لمَ أنا ههنا يا إله النفوس الضائعة، أيها الضائع بين الآلهة؟)(51).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:31 PM
ويتذكر جبران أن جميع الأنبياء عانوا من تجاهل مواطنيهم وسلبيتهم أشد من معاناته، ولاقوا من العذاب والهوان على أيديهم، ما لا يقاس بعذابه، بل من الأنبياء من قتله أصحابه، وصلبه مواطنوه، وهذا هو قدر النبي الذي لا يسعى إلى غاية ذاتية، ولا يرغب في مجد شخصي، بل جاء ليجعل أيام الناس أبهى، ولياليهم أسعد. لذلك يقول المجنون: (فأنا لا أكفّر عن ذنب، ولا أسعى إلى تضحية، ولا أرغب في مجد، وليس لي ما أصفح عنه. ولكنني قد عطشت فسألتكم دمي شراباً. وهل من شراب يبرد غلة المجنون سوى دمه؟ أجل! وكنت سجيناً في ظلمة أيامكم ولياليكم فالتمست سبيلاً يؤدي بي إلى أيام أبهى من أيامكم وليال أسعد من لياليكم. وها أنا ذا ماض الآن إلى حيث مضى كثيرون ممن صلبوا قبلي..)(52).
وهكذا بدأت فقاقيع الغرور تنطفئ عند نبي جبران، الذي صار اسمه الآن (السابق)، كما انطفأت فقاقيع غرور الملك الناسك في كتاب السابق الذي صدر عام 1920(53) ورأى أنه في اعتزاله للعالم لن يكون أفضل حالاً من تلك الصحيفة البيضاء التي آثرت أن تبقى نقية طاهرة إلى الأبد دون أن تدع الظلمة تدنو منها أو تسمح للأقذار بملامستها، فظلت بيضاء كالثلج، نقيّة طاهرة، ولكن.. فارغة!(54).
وأدرك أخيراً أنه لا يمكن له أن يحقق ذاته الحرة الطليقة بمعزل عن الناس. إذ إن رسالته النبوية لن تتحقّق إلا إذا أصبح جميع الناس أحراراً طلقاء. فالذات الحرّة الطليقة، التي هي بضعة من الذات الكليّة، لا يمكن أن تعرف غير المحبّة. أما كراهية الناس، والتعالي عليهم، فمن خصائص الذوات المستعبدة الزائلة. كما أدرك أن نسر روحه لا يستطيع أن يحلّق طائراً أمام وجه الشمس، وجه الحقيقة المطلقة، قبل أن تتمكن فراخه من الطيران واللحاق به، مثلما يقول في واحدة من أعذب قصائده النثرية بعنوان (وراء وحدتي):
أجل، كيف أكون ذاتي الحرّة الطليقة
قبل أن أثأر لنفسي فأذبح جميع ذواتي المستعبدة،
أو قبل أن يصير جميع الناس أحراراً طلقاء؟
إذ كيف تطير أوراقي مترنمة فوق الريح
قبل أن تذوي جذوري في ظلام الأرض؟
بل كيف يحلّق نسر روحي طائراً أمام وجه الشمس
قبل أن تترك فراخي عشّها الذي بنيته لها بعرق وجهي؟(55)
وهكذا عاد جبران إلى نفسه، كرسول محبة، متراجعاً عما صدر عنه في نوبة نزق حادة، من إعلان نفوره من البشر، وكراهيته لهم. بل راح يبرّر ذلك الإعلان بأنه لم يكن يعني ما قاله تماماً، فهو ما فتئ يحب البشر جميعهم، على اختلاف أصنافهم ومشاربهم، وبالرغم من كل ما لاقاه منهم، ولكنه رأى أن يخفي محبته تلك وراء برقع من الكراهية، كوسيلة تمكّنه من تحريضهم على سماع ما يريد قوله لهم، فقال على لسان السابق: (أما أنا فكنت أقول في قلبي: لا بأس في ذلك فإني سأحبهم أكثر وأكثر. ولكني سوف أسدل على محبتي ستاراً من البغض، وأستر عطفي بشديد كرهي)(56).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:31 PM
ولكنه الآن قد اكتشف عقم تلك الوسيلة، فقوة المحبة تكمن في إعلانها صريحة عارية، مهما كان موقف الآخرين منها ولذلك فهو يشعر بالندم الشديد على ما بدر منه: (وبعد أن فرغ السابق من كلامه غطى وجهه بيديه وبكى بكاء مرَّاً لأنه أدرك في قلبه أن المحبة المحتقرة في عريها لأعظم من المحبة التي تنشد الظفر في تسترها وتنكرها، وخجل إذ ذاك من ذاته. ثم رفع رأسه بغتة، وكأنه أفاق من نوم عميق، وبسط ذراعيه قائلاً: ها قد ولى الليل، ونحن أولاد الليل يجب أن نموت عندما يأتي الفجر متوكئاً على التلال، وستبعث من رمادنا محبة أقوى من محبتنا، وستضحك في نور الشمس)(57) وبذلك يضع السابق الأساس الذي ستقوم عليه شريعة نبي أورفليس وهي (المحبة الخالدة).
ولكن جبران، وقبل أن يصدر كتاب (النبي)، سيعمد إلى رسم شخصية جديدة على شكل أنثى هذه المرّة، هي (آمنة العلوية)، ليسبغ عليها صفات النبوّة، وليضع على لسانها أيضاً مجموعة هامة من الأفكار التي سيبلورها (النبي) بعد ذلك بعامين. ففي عام 1921 كتب نصاً شديد الأهمية بعنوان (إرم ذات العماد)، وهو متضمن في كتاب (البدائع والطرائف) الذي صدر عام 1923. وفيه نلتقي بشخصية غريبة هي (آمنة العلوية) التي تملأ روحها كل مكان، أما جسدها فيسير متجولاً بين التلول والأودية(58).
وقد ولدت في صدر الله، أما جسدها فولد بجوار دمشق، وقد أوحت إليها روح والدها أن تطلق راحلتها وتسير في البادية، حتى دخلت المدينة المقدسة المخفية (إرم ذات العماد). وبعد خمسة أعوام ظهرت في الموصل، وراحت تسير بين الناس وتقف بحلقات العلماء والأئمة متكلمة عن الأمور الربانية وواصفة ما شاهدته في مدينة الله. وراحت تتنقّل بين المدن وتثير ما سكن في نفوس الناس وتشعل ما خمد في وجدانهم، فيلتفّون حولها ويصغون إلى محاضراتها وأحاديث اختباراتها العجيبة مجذوبين بعوامل قوية سحرية، حتى طلبت نفسها العزلة، فانصرفت عن كل شيء سوى التعمّق في الأسرار الربانية(59).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:32 PM
ولكنها مع ذلك بقيت تستقبل من يرفعه الإخلاص عن حب الاستطلاع إلى الرغبة في الحق، لتجيبه عما في قلبه من أسئلة. وسنلاحظ فيما بعد، أن جبران بنى كتابه (النبي) على إجابات المصطفى عن الأسئلة التي يوجهها إليه أبناء (أورفليس) كما كانت آمنة العلوية تجيب عن أسئلة زائريها. شارحة بذلك الأسس التي تقوم عليها رؤيتها للحياة والوجود، وأهم هذه الأسس الإيمان بوحدة الوجود (كل ما في الوجود كائن في باطنك، وكل ما في باطنك موجود في الوجود. وليس هناك من حد فاصل بين أقرب الأشياء وأقصاها، أو بين أعلاها وأخفضها، أو بين أصغرها وأعظمها)(60) وكذلك وحدة الأديان، لأنها جميعها ذات هدف واحد (قل لا إله إلا الله ولا شيء إلا الله وكن مسيحياً(61) وتعدد طرق الوصول إلى الحقيقة: (ولكن مهما تباينت الأساليب فمحجة جميع البذور تظل واحدة، وتلك المحجة هي الوقوف أمام وجه الشمس)(62) والإيمان بالخلود (ليس لحياتك نهاية، فأنت باق ببقاء كل شيء)(63) والإيمان بالتقمّص والعود الأبدي (إذا أغمضت بصرك وفتحت بصيرتك رأيت بداية الوجود ونهايته، تلك النهاية التي تصبر بدورها بداية وتلك البداية التي تتحول إلى نهاية(64) والإيمان بالتشوّق وسيلة إلى معرفة جوهر الحياة: (يستطيع كل إنسان أن يتشوّق ثم يتشوّق ثم يتشوّق حتى ينزع الشوق نقاب الظواهر عن بصره فيشاهد إذ ذاك ذاته، ومن ير ذاته يرَ جوهر الحياة المجرد)(65) وسنرى أن هذه الأسس جميعها ستكون حاضرة بقوة في ما سيقوله (المصطفى) لأهل (أورفليس) في كتاب النبي، الذي سيصدر بعد عامين من كتابة جبران (إرم ذات العماد).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:32 PM
وهكذا يتّضح لنا أن (نبي) جبران لم يكن له أن يظهر على الصورة المتكاملة التي نراها في كتاب (النبي)، لولا مروره في تلك المراحل جميعها، بدءاً بـ(يوحنا المجنون)، وانتهاءً بـ(آمنة العلوية). وكأن تلك المراحل لم تكن سوى تعبير عن الأدوار المتعاقبة التي (تقمّص) فيها النبي تلك الشخصيات المتعددة والتي كانت ذاته خلالها تتنامى وتقترب من تحقيق (ذاتها العظمى) حسب المبدأ الجبراني في التقمّص.
فجبران يشبّه ذات الإنسان بالجدول الصغير، الذي يدور دورات متعددة، تمثل الحيوات المتعاقبة، وفي كل دورة يحمل المزيد من الخبرات، ويكتسب الجديد من المعارف، ويكتشف ما بقي خافياً من الأسرار، وتصفو مياهه وتشفّ ليصبح قادراً على النفاذ إلى جوهر الوجود، ومن ثم يغدو مؤهلاً للعودة إلى الالتحام بالبحر العظيم، الذي يمثل الذات الكونية الأزلية الخالدة، حيث تجد الذات الإنسانية سلامها الشامل وحريتها الحقيقية. ولذلك يقول النبي في الفصل الأول من الكتاب: (أنت أيها البحر العظيم الذي فيك وحدك يجد النهر والجدول سلامهما وحريتهما. فاعلم أن هذا الجدول لن يدور إلا دورة واحدة بعد، لن يسمع أحد خريره على هذا المعبر بعد اليوم، وحينئذ آتي إليك، نقطة طليقة إلى أوقيانوس طليق).
وفي الحقيقة، فإن فكرة (الذات العظمى) هي واحدة من الركيزتين الرئيستين اللتين تقوم عليهما رؤية النبي. فالكتاب بمجمله مبني على مفهوم (الذات العظمى) ومفهوم (وحدة الوجود)، بعد أن جَدَلهما جبران في ضفيرة واحدة، يمكن أن نعيد إليها جميع الأفكار والتعاليم التي يلقنها النبي لأهل مدينة (أورفليس)، قبل أن يهمَّ بمغادرتها.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:33 PM
فقد ظلّ النبي، الذي يسميّه جبران بالمصطفى، ويصفه بالمختار الحبيب، يترقّب عودة السفينة التي ستعود به إلى موطنه الأصلي بعد أن أمضى اثنتي عشرة سنة في مدينة (أورفليس). وما هذه السفينة غير الموت، الذي لا يعني النهاية أبداً، بل هو الولادة المتجددة التي تنقل ذات الإنسان من طور إلى طور. وبما أن المصطفى كاد يكمل دورات حياته، فإن سفينة الموت هذه ستعيد ذاته إلى موطنها الأصلي، الذي هو الذات الكلية الخالدة التي تتوق كل الموجودات إلى العودة للالتحام فيها، وهذا هو التفسير الذي يجعلنا نفهم قول المصطفى: (بيد أنني لا أستطيع أن أبطئ في سفري. فإن البحر الذي يدعو كل الأشياء إليه يستدعيني، فيجب عليّ أن أركب سفينتي وأسير في الحال إلى قلبه. ولو أقمت الليلة ههنا، فإنني، مع أن ساعات الليل ملتهبة، أجمد وأتبلور وأتقيّد بقيود الأرض الثقيلة). فما يقوله المصطفى في المقبوس السابق يعني أن الموت بالنسبة له هو البدء الحقيقي للحياة، وهو الظفر ببلوغ الذات العليا، أما التشبّث بقيود الأرض فلن يفضي به إلا إلى الفناء في الأرض الفانية.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:33 PM
وهو ما ينسجم مع ما قاله جبران سابقاً في قصيدته المواكب:
والموت في الأرض لابن الأرض خاتمة

وللأثيري فهو البدء والظفر

ومن يعانق في أحلامه سَحَراً

يبقَ، ومن نام كل الليل يندثرُ

ومن يلازم ترياً حال يقظته

يعانق الترب حتى تخمد الزهرُ


فالموت كالبحر، من خفّت عناصره

يجتازه، وأخو الأثقال ينحدرُ(66)


كما أن البيت الأخير من مقطع المواكب السابق، هو الذي يتيح لنا فهم القول التالي للمصطفى: (فإن الصوت لا يستطيع أن يحمل اللسان والشفتين اللواتي تسلحن بجناحيه. ولذلك فهو وحده يخترق حجب الفضاء. أجل، والنسر، يا صاح لا يحمل عشه بل يطير وحده محلقاً في عنان السماء). فسفينة الموت لا تنقل سوى الذات الشفافة التي استطاعت أن تتخلّص من الكثافة المادية للواقع، وليس هذا هو حال ذوات الأفراد الآخرين الذين عاش النبي بينهم، وأحبهم وأحبوه، ولذلك يقول النبي: (وإنني أودّ لو يتاح لي أن يصحبني جميع الذين هنا. ولكن أنى يكون لي ذلك؟) ولذلك يشعر النبي أنه لن يبرح هذه الأرض حتى تسيل الدماء من جراح روحه، فقد تفرقت أجزاء روحه في الشوارع، وما زال أبناء حنينه يمشون عراة بين التلال. فكيف يفارقهم من غير أن يثقل كاهله ويضغط روحه؟.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:33 PM
فالنبي يدرك تماماً أن ذاته الحرة الطليقة لا يمكن لها أن تكتمل بمعزل عن ذوات الأفراد الآخرين، أو قبل أن تلتحق ذوات الناس جميعاً بالذات الشاملة الخالدة. فما دام يؤمن أن البشرية بأكملها ليست سوى شجرة واحدة، فإن أوراقها لا يمكن لها أن تطير مترنمة فوق الريح، إذا ظلت جذورها متشبثة بظلام الأرض. كما أن النسر لا يمكن له أن يحلّق أمام وجه الشمس، قبل أن يتأكد من أن فراخه قد اكتسبت من القوة والمعرفة ما يؤهلها للانطلاق من العش الذي بناه لها من عرق وجهه. وهو ما سبق للنبي، أو لجبران، أن قاله على لسان (السابق) في الكتاب الذي صدر قبل (النبي):
إذ كيف تطير أوراقي مترنمة فوق الريح
قبل أن تذوي جذوري في ظلام الأرض؟
بل كيف يحلّق نسر روحي طائراً أمام وجه الشمس
قبل أن تترك فراخي عشّها الذي بنيتهُ لها بعرق وجهي؟(67)
وهذا هو سر تلك الكآبة الصمّاء التي فاجأت المصطفى لحظة هبوطه عن التلة حيث رأى سفينته تمخر عباب البحر مغمورة بالضباب. ومما زاد من هذه الكآبة إدراكه أن رحيله ذلك دون عودة. مما يعني أنه لن يتاح له أن يلتقي ثانية بأبناء المدينة الذين عاش بينهم في هذه الحياة. فذات الإنسان حين تنتقل بالموت من حياة إلى أخرى، لا يمكن لها العودة مرة ثانية إلى المرحلة التي غادرتها. وبذلك نفهم أن معتقد (التقمّص) عند جبران ينضوي على الإيمان بالمسيرة المتصاعدة للذات البشرية، فكل حياة جديدة ترتقي معها الذات وتسمو وتقترب أكثر من تحقيق ذاتها العظمى التي تعود إلى الذات الشاملة. وليست هناك إمكانية للتقهقر أو الانحدار نحو مرحلة أدنى. ولذلك يقول النبي: (فليس ما أفارقه بالثوب الذي أنزعه عني اليوم ثم أرتديه غداً، بل هو بشرة أمزقها بيدي. كلا، وليس فكراً أخلفه ورائي، بل هو قلب جمّلته مجاعتي وجعله عطشي رقيقاً خفوقاً).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:34 PM
وبالرغم من شوقه العظيم الذي يترقب هبوب الريح لتبحر به سفينته في تلك الرحلة التي لن يرافقه فيها أحد، فإن المحبة التي يكنّها لأهل المدينة جعلته يتمنى أن يتنفس مرة واحدة بعد، في جوها الهادئ، وأن يبعث بنظرة عطف إلى الوراء. فالنبوّة لا تكتمل إذا لم يتحوّل قلب النبي إلى شجرة كثيرة الأثمار يقطف منها ويعطي الناس، وإذا لم تفض رغباته كالينبوع فيملأ كؤوسهم. وإذا كان يوم انتقاله إلى العالم الأرفع، هو يوم الحصاد الذي يجني فيه ثمار ما فعل في حيواته السابقة، فإن عليه أن يبذر بذوره في حقول الآخرين ليساعدهم على نمو ذواتهم وتساميها لتبلغ ما بلغه هو من الخلاص. فهذه هي الساعة التي يجدر بالنبي فيها أن يرفع مصباحه على منارته ليهتدي جميع البشر.
ومثل كل الأنبياء والمرسلين، فإن النور الذي سيشعّ من مصباحه، لا يصدر عنه، وإنما يصدر عن الذات الإلهية، الذات الكلية الخالدة. فما النبي سوى قيثارة لا تصدر الأنغام إلا إذا لامستها يد القدير، أو مزمار أجوف لا معنى له إذا لم تمر به أنفاس الخالق. فالنبي إذن حامل لرسالة إلهية، وعليه أن يبلّغ هذه الرسالة إلى الآخرين الذين لا يعتبرونه غريباً عنهم، بل يرونه قسيم أرواحهم الحبيب. وإذا كانوا لم يعبّروا عن محبتهم له قبل ساعة الفراق، فلأن محبتهم تقنّعت بالصمت. وهكذا خرجت امرأة عرافة من المقدس، سماها جبران (المطرة)، وكانت أول من آمن به لتناديه بقولها: (يا نبي الله) ولتطلب منه أن يعطي الناس من الحق الذي عنده، ويكشف لهم مكنوناتهم، ويخبرهم بكل ما ظهر له من أسرار الحياة، كي تبقى تعاليمه خالدة على ممر العصور. فيجيب النبي: (يا أبناء أورفليس، بماذا أحدثكم إن لم أظهر لكم ما يختلج في نفوسكم وتتحرك به ضمائركم حتى في هذه الساعة؟).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:35 PM
فلا يمكن إدراك المعرفة إذن إلا بالشوق. والشوق من تجليات المحبة. فطريق المعرفة إذن هي المحبة. وهو ما يؤكدهُ المصطفى إذ يقول (كل هذا تصنعه المحبة بكم لكي تدركوا أسرار قلوبكم. فتصبحوا بهذا الإدراك جزءاً من قلب الحياة). ولذلك كان سؤال المطرة الأول للنبي عن (المحبة). فالمحبة هي المفتاح الحقيقي لشريعة (النبي)، وهي المحور الذي تدور حوله أفكاره وتعاليمه جميعها. فهي تضم الناس إلى قلبها كأغمار الحنطة، وتدرسهم على بيادرها لتظهر حقيقتهم العارية، وتغربلهم لكي تحرّرهم مما علق بهم من قشور زائلة، وتطحنهم لكي تجعلهم أنقياء كالثلج، وتعجنهم بدموعها حتى يلينوا ويشفّوا ويصبحوا مؤهلين للالتحاق بالذات العلوية الخالدة.
وما دام المآل الأخير للذوات البشرية جميعها هو العودة إلى الذات الكلية التي تجمع الوجود كله في وحدة واحدة، فقد كان من الطبيعي أن يخاطب النبي الزوجين قائلاً: (قد ولدتم معاً، وستظلون معاً إلى الأبد. وستكونون معاً عندما تبدّد أيامكم أجنحة الموت البيضاء. أجل وستكونون معاً حتى في سكون تذكارات الله.) ومع ذلك يرفض جبران أن تسيطر ذات المحب على ذات محبوبه، فتعمل على إلغائها أو فنائها. لأن كل ذات مقدسة باعتبارها جزءاً من الذات الإلهية. لذلك يضيف النبي: (غنوا وارقصوا معاً، وكونوا فرحين أبداً. ولكن فليكن كل منكم وحده، كما أن أوتار القيثارة يقوم كل واحد منها وحده ولكنها جميعاً تخرج نغماً واحداً). وهو ما يتفق مع ما سيقوله النبي في فصل التعليم حين يؤكد أنه (كما أن لكل منكم مقاماً منفرداً في معرفة الله إياه، هكذا يجب عليه أن يكون منفرداً في معرفته لله وفي إدراكه لأسرار الأرض). ولنلاحظ أيضاً أن جبران يصف أجنحة الموت بالبياض لا السواد، انسجاماً مع فكرته الرئيسة التي لا ترى في الموت نهاية الكائن، بل ترى فيه معبراً إلى حياة أكثر رفعة وسمواً.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:35 PM
وحينما تستقبل الحياة مولوداً جديداً، فإنه يأتي عن طريق أبويه، ولكن ليس منهم. فالأبوان ليسا أكثر من قوس تستخدمه الحياة لترمي به المواليد كسهام حيّة. وما ذلك إلا لأن ذات المولود هي بضعة من الذات الشاملة الموجودة منذ الأزل، ولذلك فإن ولادة الطفل لا تعني خلقاً له. فنفسه كانت تعيش في أجساد أخرى خلال حيواتها السابقة، وبالولادة تكون قد انتقلت من جسد قديم إلى جسد جديد، أو من مرحلة إلى مرحلة أعلى.
وهذا ما يفسّر قول النبي:
إن أولادكم ليسوا أولاداً لكم.
إنهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها، بكم يأتون إلى العالم ولكن ليس منكم..
وإن لكم أن تجاهدوا لكي تصيروا مثلهم
ولكنكم عبثاً تحاولون أن تجعلوهم مثلكم
لأن الحياة لا ترجع إلى الوراء. ولا تلذ لها الإقامة في منزل الأمس.
واستناداً إلى مفهومي (الذات العظمى) و(وحدة الوجود) يمكن لنا أن نفهم مواقف النبي من مجمل القضايا التي يسأله عنها أهل (أورفليس). فالعطاء مثلاً ليس خصيصة من خصائص الرجل الذي يملك ثروة يعطي الآخرين منها. لأن الأفراد جميعهم أجزاء من الذات العظمى، وموجودات الحياة كلها وحدة واحدة. لذلك فإن الحياة هي التي تعطي للحياة، أما الفرد الذي يفخر بأن فعل العطاء قد صدر منه، فما هو في الحقيقة غير شاهد بسيط على عطاء الحياة. وللسبب نفسه لا ينبغي لمن يتناول العطاء والإحسان أن يتظاهر بثقل واجب معرفة الجميل. فالرجل الذي استحق عطية الحياة يستحق أن يقبل أي شيء، (والذي استحق أن يشرب من أوقيانوس الحياة يستحق أن يملأ كأسه من جدولك الصغير). أما المأكل والمشرب فهما في الحقيقة من تجليات وحدة الوجود. لأن دم الذبيحة يتحد مع دم الآكل في عصارة أعدّت منذ الأزل غذاء لشجرة السماء. والتفاحة التي ينهشها الآكل بأسنانه تزرع بذورها في جسده، لتزهر براعمها في قلبه ويتصاعد عبيرها مع أنفاسه.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:36 PM
وبمفهوم وحدة الوجود يصبح من اليسير علينا استيعاب المفهوم الجديد عن العمل الذي يقول به النبي. فالعمل ليس لعنة لا بد للإنسان أن يقبل بها من أجل تحصيل مستلزمات حياته، ولا تنبع ضرورته من قدرته على تحقيق حضور الفرد في مجتمعه فحسب، بل هو في الأساس مجاراة لعناصر الحياة، التي تنتمي إلى الوحدة ذاتها التي ينتمي إليها الإنسان. ذلك أن العمل والحركة من الصفات الجوهرية لجميع الموجودات. والذي لا يعمل غريب عن فصول الأرض، وهائم لا يسير في موكب الحياة السائرة بعظمة وجلال في فضاء اللانهاية إلى غير المتناهي. والعمل وسيلة إلى فتح أعماق الحياة، والدنو من أسرارها.
وإذا لم ترافق الحركة الحياة كانت في حقيقتها ظلمة حالكة، كما أن الحركة نفسها تكون عمياء إذا لم ترافقها المعرفة، والمعرفة تكون عقيمة إذا لم يرافقها العمل، والعمل يكون باطلاً إن لم يقترن بالمحبة. فالعمل هو الصورة الظاهرة للمحبة الكاملة، وما دامت المحبة هي التي تعمل على إعداد الذات البشرية لتلتحق بأصلها في الذات الشاملة الخالدة، فإن العمل في حقيقته هو التعبير عن التوق الإنساني إلى الاتحاد بهذه الذات الكلية العظمى.
وبوحدة الوجود أيضاً تزول الفروق بين الأضداد، وتصبح وجوهاً مختلفة لحقيقة واحدة، فما الفرح سوى الترح ساخراً، لأنهما توأمان لا ينفصلان، والناس يتحركون بينهما أبداً، ولا تقف حركتهم إلا عند من كان فارغاً في أعماقه. ولا تناقض بين العقل والهوى، فهما دفّة النفس وشراعها وهي سائرة في بحر العالم. أما الألم فما هو سوى انكسار القشرة التي تغلف الإدراك، ولذا لا يمكن لأحد أن يعرف معنى الحياة قبل أن تحطم الآلام قشوره. وليس المستقبل على طرف نقيض من الماضي. فالزمان، كالمحبة، لا ينقسم ولا يستقصى. وما الأمس سوى ذكرى اليوم، وليس الغد سوى حلم اليوم. وهذه نقلة على وحدة الوجود يضيفها النبي لتشمل الزمان أيضاً في ما يمكن أن نسميه (وحدة الزمان).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:36 PM
ويبلغ التعبير عن وحدة الأضداد حده الأقصى حين يعتبر النبي أن الشر هو بعينه الخير المتألم آلاماً مبرحة من تعطشه ومجاعته. فلا وجود للشر في الأصل عند الإنسان. فالإنسان إذا كان واحداً مع ذاته، فهو صالح. أما إذا لم يكن واحداً مع ذاته فهو ليس بالشرير. وهذه هي النتيجة الحتمية التي يتوقعها المرء من مفهوم جبران عن الذات الجبّارة. فما دامت ذات كل فرد تسعى في مآلها الأخير إلى العودة إلى أصلها في الذات العظمى الخالدة، فلا يمكن أن تنضوي في أعماقها على ما يتنافى مع صفات وقيم هذه الذات. فالخير في الإنسان هو حنينه إلى ذاته الجبّارة، كما يقول النبي، وهذا الحنين في الناس جميعاً، غير أنه يختلف في الشدة والقوة لا غير. فهو يشبه سيلاً جارفاً يجري بقوة منحدراً إلى البحر عند بعض الناس، بينما عند غيرهم يشبه جدولاً صغيراً يريق ماءه في الزوايا والمنعرجات، فيطول به الزمان قبل أن يصل إلى الشاطئ.
والإنسان الحقيقي، هو الذي يعي ذاته الإلهية، فيمشي محدقاً إلى الشمس بأجفان غير مرتعشة دون أن تقيّده الشرائع البشرية. لأن الذين يعترفون بتلك الشرائع ينسون أصلهم الإلهي، ويولون الشمس ظهورهم وينحنون مطأطئي الرؤوس لكي يستقصوا ظلالهم على الأرض. والذي يعي ذاته الحقة، يدرك حريته الحقيقية، ولذلك يقول النبي: و(ماذا يجدر بكم طرحه عنكم لكي تصيروا أحراراً سوى كسر صغيرة رثة من ذاتكم البالية) فإذا كانت هذه الكِسَرُ شريعة جائرة وجب نسخها، وإذا كان طاغية، فيجب أولاً أن يتحطّم عرشه القائم في أعماقكم، لأنه ما كان لطاغية أن يحكمكم لولا أنكم قبلتهم بالطغيان والعار قاعدة لكبريائكم، لذلك فإن طريق الحرية يبدأ من استئصال جرثومة الخوف المغروسة في صميم قلوبكم. وكل من يقيّد سلوكه وتصرفه بقيود الفلسفة والتقليد إنما يحبس نفسه ليغرّد في قفص من حديد، لأن أنشودة الحرية لا يمكن أن تخرج من بين العوارض والقضبان.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:37 PM
وما عظمة الإنسان إلا بالكائن غير المحدود الذي فيه، ففي داخل كل إنسان يقبع إنسان عظيم يشكل حقيقته الجوهرية. وهذا الإنسان العظيم مثل السنديانة الجبّارة المغطاة ببراعم التفاح الجميلة. فقدرته تقيد الإنسان بالأرض، وشذاه يرفعه إلى الأعالي، وفي عزمه وصبره على العواصف يكمن الخلود. فالبشرية جميعها تشكّل سلسلة واحدة، لذلك يكون الناس ضعفاء مثل أضعف حلقة فيها، ولكنهم في الوقت نفسه، أقوياء مثل أقوى حلقة في سلسلتهم. فالناس ليسوا محصورين في سجون أجسادهم، وليسوا مقيّدين بجدران بيوتهم وحدود حقولهم، لأن الذات الخفية التي تمثّل حقيقتهم هي روح حرة طليقة تغلف الأرض وتركب دقائق الأثير. إنها نسمة من روح الله. ولذلك يعلمنا النبي أن ننادي الله في صلواتنا بالقول: (ربنا وإلهنا، يا ذاتنا المجنحة). ويعلمنا أيضاً أنه يكفي لنعرف ربنا أن نتأمّل ما حولنا فنحده لاعباً مع أولادنا، وماضياً في السحاب، وباسطاً ذراعيه في البرق، ونازلاً إلى الأرض مع الأمطار، ومبتسماً بثغور الأزهار، وناهضاً ومحركاً يديه بالأشجار.
ولمّا كان الناس ما زالوا غافلين عن حقيقة ذاتهم الإلهية، فقد جاء النبي ليظهر لهم بألفاظه ما هو مكنون في أعماقهم، فما المعرفة اللفظية سوى ظل للمعرفة غير اللفظية. وإذا بدت الكلمات غامضة على الأفهام، فما ذلك إلا لأن الغموض والسديم هما بداءة كل شيء ونهايته. ولو استطاع الناس أن ينظروا مجاري اللهاث فيهم لما احتاجوا إلى النظر إلى أي شيء آخر. ولو استطاعوا أن يسمعوا مناجاة أحلامهم لما بقيت فيهم رغبة إلى سماع أي صوت في العالم. ومع ذلك يبشّر النبي أهل مدينته قبل رحيله عنهم، أن الحجاب المسدول على عيونهم سترفعه اليد التي حاكته، وأن الطين الذي يسدّ آذانهم ستنتزعه الأصابع التي جبلته، وحينئذ سيبصرون ويسمعون، وسيعرفون المقاصد الخفية في كل شيء، وسيباركون الظلمة كما يباركون النور. لأن الظلمة والنور ما هما غير صفتين لذات واحدة. هي الذات الوحيدة التي تضمّ إليها كل ما في الكون، الذات العظمى، أو الذات الشاملة العليا الخالدة.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:38 PM
وعندما شعر المصطفى أنه أكمل تبليغ رسالته إلى أهل (أورفليس)، شعر أن ذاته التي سَمَت واتسعت، لم تعد تطيق التأخر عن الانضمام إلى جوقة المنشدين في البحر الأعظم. وما هؤلاء المنشدين سوى الأنبياء الذين سبقوه إلى العودة إلى الذات العظمى، الذات الإلهية. فقد وصل جدوله إلى البحر، وأتيح للأم العظيمة أن تضمّ ابنها إلى صدرها مرة ثانية. ولما كان من عادة البشر أن ينسوا تعاليم أنبيائهم بعد أن يغادروهم، فإن المصطفى يقول لهم: (ولكن إذا تلاشى صوتي في آذانكم وزالت محبتي من قلوبكم فحينئذ آتي إليكم سريعاً.. فإن كنت قد خاطبتكم اليوم بالحق الصريح، فإن هذا الحق سيظهر ذاته لكم في ذلك اليوم بصوت أنقى من صوته اليوم، وبكلمات أقرب إلى أفكاركم من كلماته اليوم). وما ذلك إلا لأن البشر حينها سيكونون قد ارتقوا درجة أعلى في سلّم دورة الحياة. وعندها يصبح جميع الناس مثل (المطرة) التي كانت أول من آمن بالنبي، وأكثر الناس قرباً منه. لذلك نراها بعد رحيل النبي وتفرّق الجمع، قد ظلت وحدها واقفة على شاطئ البحر (شاطئ الذات الكونية الخالدة) تردّد كلمات المصطفى الأخيرة.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:38 PM
لقد توخيّت في هذا العرض، أن أبيّن صلة كتاب (النبي) بمؤلفات جبران السابقة عليه، لتأكيد أن (نزعة النبوّة) كانت متأصّلة في نفسه منذ بداياته الأولى، وأن الرسالة التي يحملها كانت تنمو نموّاً طبيعيّاً من كتاب إلى آخر، ومن مرحلة إلى أخرى. ولذلك يمكن للمرء أن يقول باطمئنان كبير، إن جبران لم يكتب (النبي) بسبب تأثره المباشر بكتاب نيتشه (هكذا تكلّم زارادشت) كما يذهب عدد من المؤلفين. فقد سبق لجبران أن وقع تحت سيطرة نيتشه في عدد من النصوص التي ضمّها كتاب (العواصف)، لكنه سرعان ما خرج عليه، وناقضه، لأن أفكاره لا تنسجم مع الخط العام للفكر الجبراني. وعندما بلغ جبران ذروة نضجه الفكري والفني في كتاب (النبي) نجد أنه لم يأخذ من كتاب (هكذا تكلم زارادشت) سوى شكله الخارجي، الذي يتجلّى في وضع الأفكار والمقولات على لسان نبي يحمل من الصفات والملكات ما يجعله مختلفاً عن الآخرين. وفي غير ذلك فإن كتاب (النبي) شديد الاختلاف عن كتاب نيتشه، بل ويبدو مناقضاً له تماماً.
فالعصب الرئيس لكتاب نيتشه هو السخط على الناس العاديين، الذين يجب أن يموتوا ليفسحوا المجال لنشوء (الإنسان المتفوق) أو (السوبرمان). فالقوي وحده من يستحق الحياة. لذلك يقول نيتشه على لسان زارادشت: (ما أكثر المنذرين بالموت! والعالم مليء بمن تجب دعوتهم إلى الإعراض عن الحياة. إن الأرض مكتظة بالدخلاء وقد أفسدوا الحياة(71).
ويقول أيضاً: (إن الإنسان المتفوّق قبلة أنظاري وعواطفي، وما أهتم للإنسان ولا للقريب ولا للفقير ولا للمحزون ولا لخيار الناس.. اعتلوا فوق هؤلاء الناس يا أخوتي)(72).
ويقول: (.. وعليهم أيضاً أن ينقذوا من لا يصلحون للحياة بالقضاء عليهم دون إمهال)(73).
ويضيف: (إذا ما رأيتم متداعياً إلى السقوط فادفعوه بأيديكم وأجهزوا عليه)(74).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:39 PM
أما نبي جبران فإن العصب الرئيس لرسالته هو التبشير بالمحبة، والتأكيد على أن جميع البشر يحملون ذواتاً إلهية تشكل بمجموعها ذاتاً خالدة واحدة، ولذلك لا فرق بين قوي وضعيف، ولا بين صالح وطالح، ولا بين برئ ومذنب، (لأنهم يقفون معاً أمام وجه الشمس، كما أن الخيط الأبيض والخيط الأسود ينسجان معاً في نول واحد). بل إن (الإنسان الكامل) أو (الإنسان المتفوق) أو (النبي نفسه)، لا يمكن له أن يبلغ الكمال فعلاً ويحقّق ذاته العظمى إلا إذا أصبح البشر جميعاً، بضعفائهم وأقويائهم، كاملين أيضاً. ومن الواضح أن جبران في ذلك يناقض نيتشه تماماً، بل يبدو وكأنه يرد عليه رداً مباشراً.
وفي الوقت الذي يبشّر فيه نبي جبران بالسلام والمحبة، ويجعل الهدف الأسمى للوجود بلوغ مرحلة السلام الأبدي فإن (زارادشت) نيتشه يبرّر المعارك والحروب قائلاً: (إذا كنت ترى المعارك والحروب شروراً فاعلم يا أخي أنها شروط لا بدّ منها)(75).
وإذا كان النبي يؤكد على المساواة بين البشر، باعتبارهم جميعاً أجزاء من الذات الإلهية، فإن نيتشه يقول على لسان زارادشت: (أما المساواة أمام الله فما لنا ولها ما دام هذا الإله قد مات! ولكن العامة كائنة ونحن نأبى المساواة أمامها، فاعرضوا عن العامة أيها الرجال الراقون، وابتعدوا عن ساحاتها.)(76).
بالإضافة إلى ذلك كله فهناك تناقض شديد الدلالة أيضاً بين (زارادشت) نيشته وبين (نبي) جبران، فالأول ينطلق من مقولة (موت الله) فيقول: (إن الإله قد مات)(77) بينما تخاطب (المطرة) النبي عند جبران بقولها: (يا نبي الله). ويؤكد النبي أيضاً أن رسالته قد وضعها الله على شفتيه، فما هو سوى مزمار أجوف، لا معنى له لولا أن مرّت به أنفاس الله.
كما وجد بعض الباحثين في فكرة (العود الأبدي) عند نيتشه، تشابهاً مع عقيدة التقمّص عند جبران، مما زاد من قناعتهم بالتشابه بين الكتابين. وفي الحقيقة فإن بين الفكرتين تناقضاً كبيراً أيضاً. فنيتشه يقول بالعودة إلى الحياة السابقة نفسها، دون أن يعتريها أي تغير أو تطور، كما يتضح من العبارة التالية من كتابه (هكذا تكلم زارادشت): (سأعود بعودة هذه الشمس وهذه الأرض ومعي هذا النسر وهذا الأفعوان، سأعود لا لحياة جديدة ولا لحياة أفضل ولا لحياة مشابهة، بل إنني سأعود أبداً إلى هذه الحياة بعينها إجمالاً وتفصيلاً فأقول أيضاً بعودة جميع الأشياء تكراراً وأبداً)(78).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:39 PM
ويقول: (الكل يذهب والكل يرجع وعجلة الكون تدور إلى الأبد)(79) ويضيف: (وأسفاه إن الإنسان سيعود، سيعود الإنسان الصغير دوراً فدوراً إلى الأبد)(80).
أما عند جبران، فكل دورة حياتية تمثل مرحلة أرقى تسمو بها الذات البشرية حتى تبلغ في نهاية المطاف ذاتها العظمى، التي هي جزء من الذات الكلية الخالدة الواحدة، كما رأينا خلال عرضنا السابق للكتاب. وشتان بين الفكرتين، ففكرة نيتشه تؤول في النهاية إلى المذهب الآلي، كما يقول (آبل ريي Abel Rey)، (فالعالم في رأي ذلك المذهب آلة عمياء، من شأنها أن تمر بنفس الحالات مرات لا متناهية)(81).
أما التقمّص عند جبران فهو وسيلة للتطهر والتسامي وإدراك أسرار الحياة وبلوغ الذات العظمى التي فيها وحدها تتحقق الحرية الكاملة والسلام الخالد.
ولا شكّ أن جميع ما سبق، يتيح لنا القول بثقة مطلقة، إن المكان الطبيعي الذي يجب أن نضع فيه كتاب (النبي) هو تماماً مقابل كتاب (هكذا تكلم زارادشت)، وليس إلى جانبه على الإطلاق. فهو الكتاب الذي يعبّر عن الجوهر الإنسان المتسامي، مقابل كتاب نيتشه الذي لا يعبّر عن شيء قدر تعبيره عن سقوط الحضارة الغربية، واضمحلال كل ما له علاقة بالجوهر الإنساني فيها.
وقد تحدّث بعض الباحثين أيضاً، عن تأثير الشاعر الإنكليزي (وليم بليك) والفيلسوف الاستعلائي الأمريكي (رالف والدو أميرسون) في فكر جبران عامة، وفي كتاب (النبي) بشكل خاص. وفي الحقيقة فإن هناك الكثير من الأفكار التي يلتقي فيها جبران مع (بليك). ذلك أن المحور الرئيس لفكر بليك وفنه يدور حول تحرير النفس البشرية من أصفاد العالم المادي، والإيمان بالحدس كطريق إلى المعرفة، واعتبار الرؤيا الشعرية نوعاً من النبوءة، ونفي وجود الشر، أو التأكيد على وحدة الخير والشر(82).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:41 PM
وقد مجَّد (بليك) الحب الذي يمتزج بكل الأشياء في ديوانه (أغاني البراءة)، أما في (كتاب ثل) فيؤكد أن الموت يعني ولادة جديدة. وفي عمله النثري (زواج الفردوس والجحيم) ينكر حقيقة المادة، كما ينكر شرعية أية سلطة، وفي ديوانه (أغاني الخبرة) يحتج على الشرائع والقوانين التي تكبت قدرات وحرية الإنسان، ويعظّم روح المحبة، وفي كتابه (الأربعة زواس) يعيد رسم صورة المسيح كابن للإنسان، أما في أعماله الرمزية الأخيرة (ملتون) و(أورشليم) فيتحدث عن العالم السرمدي الحقيقي الذي لا يكون العالم الواقعي بالنسبة له سوى مجرد ظل، فحياة الخيال هي حياة الخلود لأنها الصدى الإلهي الذي سنذهب إليه جميعاً بعد موت أجسادنا(83).
أما (أميرسون) فقد كان يرى أيضاً أن العالم المادي ليس سوى وهم يحجب الحقيقة المطلقة، وإن سعادة الإنسان تكمن في تنمية حسه الروحي حتى لا يعود يرى غير الله جوهراً متغلغلاً في كل مادة، فيدرك في لحظة الكشف الكامل وحدة الوجود، وأميرسون يقول أيضاً بأن سنة الوجود هي الحركة. وهو يؤمن بالنقص. كما أنه يستخدم مصطلحاً هو (الروح الأعلى) يكاد يطابق مصطلح جبران (الذات العظمى)، وهو يرمز إلى الروح الأعلى ببحر الحياة، كما يرمز إلى الذات الفردية بالجدول الفردي، كما نرى في كتاب النبي حين يرمز جبران إلى ذات الفرد بالجدول، وإلى الذات العظمى بالبحر الأعظم(84).
وفي الحقيقة، فإنه لا بدّ لنا من التذكير بما سبق وقلناه أثناء عرضنا لكتاب (النبي) من أن المقولات والأفكار التي يتضمّنها بمجملها، إنما تتفرع عن جذرين رئيسين يتمثلان في فكرة (وحدة الوجود) وفكرة (الذات العظمى). ومما لا شكّ فيه أن هاتين الفكرتين ليستا جديدتين، ولا تنتميان إلى مفكّر واحد أو شاعر واحد بحيث يمكن القول أن جبران قد أخذ عنه. ذلك أن المرء بوسعه أن يعيد الفكرتين إلى تيّار فلسفي عام بدأ مع الفلسفة اليونانية القديمة، والأفلاطونية الجديدة، ومعتقدات الهندوسية والبوذية، وتطور على أيدي المتصوفة العرب والرومانسيين الأوربيين والفلاسفة المثاليين، والحركات التيوزفية التي كانت منتشرة في أمريكا وقت صدور (النبي).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:41 PM
ولذلك يمكن لنا أن نستنتج أن ما نراه من تشابه بين أفكار ومقولات جبران، وبين ما قاله عدد من الشعراء والفلاسفة، لا يعود إلى منطق التأثر والتأثير، قدر ما يعود إلى أنهم جميعهم يسبحون في التيّار نفسه.
ومهما يكن من أمر، فإن كتاب (النبي) لجبران، يجب ألاّ ينظر إليه ككتاب فكري أو فلسفي مجرد، وإنما ككتاب شعري بالدرجة الأولى. فجبران شاعر أولاً وأخيراً. وفي اعتقادي أن شعرية الكتاب هي التي أتاحت له أن يتبوّأ هذه المنزلة المتفردة عند الجمهور الواسع والمتنوّع من القراء في مختلف بقاع الأرض. وهي التي كفلت له الحياة والبقاء حتى يومنا هذا.
**
هوامش:
(1)-فرانكلين – خطبة له وضعت كمقدمة لكتاب (النبي) الذي نقله إلى العربية الأرشمندريت أنطونيوس.بشير –المطبعة العصرية- القاهرة-الطبعة الثانية-سنة 1934-الصفحة 29.
(2)-كتاب (النبي) نقله إلى العربية الأرشمندريت أنطونيوس بشير –المطبعة العصرية- القاهرة- الطبعة الثانية- سنة 1934- صفحة 29.
(3)-خليل حاوي –جبران خليل جبران- دار العلم للملايين – بيروت –سنة 1982-صفحة 256.
(4)-جوزيف الخوري طوق –جبران في ذكرى غرويه الخمسينية –موسوعة جبران-دار توبليس-بيروت-المجلد 18-صفحة 52.
(5)-د.تشينغ قوه –مقال بعنوان: الأدب العربي في الصين- مجلة الآداب الأجنبية- دمشق- العدد 111-صيف عام 2002- صفحة 14.
(6)-The prophet-kahlil gibran-publishers distibutore ltd-new delhi-1993
(7)-د.تشنيغ قوه –مجلة الآداب الأجنبية –العدد 111-دمشق صيف 2002-الصفحة 17.
(8)-أنطونيوس بشير –مقدمة ترجمته لكتاب النبي- المطبعة العصرية-القاهرة-الطبعة الثانية-سنة1934-صفحة 13.
(9)-ميخائيل نعيمة –مقدمة ترجمته لكتاب النبي –مؤسسة نوفل- بيروت- صفحة 10.
(10)-نويل عبد الأحد-النبي لجبران في صياغة جديدة – المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت-1933-الصفحة 20.
(11)-المرجع السابق –صفحة 8.
(12)-نويل عبد الأحد –مرجع سابق- صفحة 20.
(13)-ثروت عكاشة –مقدمة ترجمته لكتاب النبي –دمشق-دار طلاس-2000-صفحة 63.
(14)-ميخائيل نعيمة –المرجع السابق- صفحة 9.
(15)-ماذا بين جبران وماري هاسكل –رسائل وذكريات- موسوعة جبران –دار نوبليس- بيروت-1997-المجلد الثالث والعشرون- صفحة 46.
(16)-توفيق صايغ –أضواء جديدة على جبران- دار رياض الريس- الطبعة الثانية-لندن-1990-صفحة 285.
(17)-توفيق صايغ –سبق ذكره- صفحة 286.
(18)-توفيق صايغ –سبق ذكره- صفحة 285.
(19)-توفيق صايغ-سبق ذكره-صفحة 284.
(20)-نزار بريك هنيدي –مقدمة كتاب دمعة وابتسامة لجبران- مؤسسة علاء الدين- دمشق- 2002- صفحة 44 وما بعد.
(21)-ماذا بين جبران ومي زيادة –رسائل وذكريات-موسوعة جبران-دار نوبليس-بيروت-1997 المجلد 22- صفحة 57.
(22)-ماذا بين جبران ومي زيادة –سبق ذكره- صفحة 121.
(23)-جبران –الموسيقا- مؤسسة علاء الدين- دمشق-2002-صفحة 54.
(24)-جبران –عرائس المروج-مؤسسة علاء الدين- دمشق –2002-صفحة 73.
(25)-عرائس المروج صفحة 78.
(26)-جبران- عرائس المروج-صفحة 77.
(27)-جبران –عرائس المروج – صفحة 76.
(28)-جبران –عرائس المروج- صفحة 84.
(29)-جبران –عرائس المروج- صفحة 85.
(30)-جبران –الأرواح المتمردة- مؤسسة علاء الدين-دمشق-2002-صفحة 113.
(31)-جبران-الأرواح المتمردة- صفحة 119.
(32)-جبران-الأرواح المتمردة- صفحة 119.
(33)-جبران –الأرواح المتمردة- صفحة 121.
(34)-جبران –الأرواح المتمردة-صفحة 125.
(35)-جبران –الأرواح المتمردة- صفحة 133.
(36)-جبران –الأرواح المتمردة- صفحة 133.
(37)-جبران –الأرواح المتمردة- صفحة 139.
(38)-جبران –الأرواح المتمردة- صفحة 142.
(39)-جبران –الأرواح المتمردة- صفحة 143.
(40)-جبران –الأرواح المتمردة- صفحة 145.
(41)-جبران –دمعة وابتسامة- مؤسسة رسلان علاء الدين- دمشق- 2002-
صفحة 204.
(42)-جبران –دمعة وابتسامة- صفحة 118.
(43)-جبران –دمعة وابتسامة- صفحة 160.
(44)-جبران –المواكب- مؤسسة علاء الدين- دمشق- 2002.
(45)-جبران –العواصف- مؤسسة علاء الدين- دمشق-2002-صفحة 103.
(46)-جبران –العواصف- 2002- صفحة 87.
(47)-جبران –العواصف- صفحة 155.
(48)-جبران –العواصف- صفحة 161.
(49)-جبران –العواصف- صفحة 155.
(50)-جبران –العواصف- صفحة 56.
(51)-جبران –المجنون- مؤسسة علاء الدين- دمشق –2002-صفحة 103.
(52)-جبران –المجنون- صفحة 92.
(53)-جبران –السابق- مؤسسة علاء الدين- دمشق- 2002- الصفحة 56.
(54)-جبران –السابق- صفحة 81.
(55)-جبران –السابق- صفحة 90.
(56)-جبران –السابق- صفحة 94.
(57)-جبران –السابق- صفحة 96.
(58)-جبران –البدائع والطرائف- مؤسسة علاء الدين- دمشق- 2002- صفحة 141.
(59)-جبران –البدائع والطرائف- صفحة 145.
(60)-جبران –البدائع والطرائف- صفحة 150.
(61)-جبران –البدائع- صفحة 151.
(62)-جبران –البدائع- صفحة 151.
(63)-جبران –البدائع- صفحة 151.
(64)-جبران –البدائع- صفحة 149.
(65)-جبران –البدائع- صفحة 150.
(66)-جبران –المواكب – مؤسسة علاء الدين- دمشق-2002-صفحة 89.
(67)-جبران –السابق- صفحة 90.
(68)-جبران –البدائع والطرائف- مؤسسة علاء الدين-دمشق-2002-صفحة.
(69)-جبران –البدائع والطرائف- مؤسسة علاء الدين- دمشق-2002- صفحة.
(70)-جبران –البدائع والطرائف- مؤسسة علاء الدين- دمشق-2002-صفحة.
(71)-نيتشه- هكذا تكلم زارادشت- ترجمة فليكس فارس- دار القلم- بيروت- صفحة 69.
(72)-المرجع السابق-صفحة 314.
(73)-المرجع السابق –صفحة 8.
(74)-المرجع السابق –صفحة 239.
(75)-نيتشه- المرجع السابق- صفحة 60.
(76)-نيتشه- المرجع السابق- صفحة 313.
(77)-المرجع السابق –صفحة 32.
(78)-نيتشه – هكذا تكلم زارادشت –ترجمة فليكس فارس، صفحة 252.
(79)-المرجع السابق-صفحة 249.
(80)-المرجع السابق –صفحة 251.
(81)-الدكتور فؤاد زكريا –نيتشه- دار المعارف بمصر- الطبعة الثالثة-1991-صفحة141.
(82)-إيفور إيفانس- مجمل تاريخ الأدب الإنجليزي –ترجمة زاخر غبريال- الهيئة المصرية العامة للكتاب 1996-صفحة 40.
(83)-الرومانتيكية في الأدب الإنجليزي –ترجمة عبد الوهاب مسيري ومحمد علي زيد- سلسلة الألف كتاب-القاهرة-مؤسسة سجل العرب 1964- صفحة 215.
(84)-نازك سابا يارد-مقدمة كتاب النبي- مؤسسة بحسون- بيروت 1992-صفحة 30.


***

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:42 PM
بذور الحداثة

عند عَرار: شاعر الأردن



أولاً: مقدمة:
حركة الحداثة والشعر العربي في الأردن:

من ناقل القول أن حركة الحداثة الشعرية العربية، لم تكن طفرة مفاجئة حلّت بالشعر العربي عند منتصف القرن العشرين، ولم تكن رغبة عابرة لشاعر، أو لمجموعة من الشعراء، كما أنها لم تكن حكراً على قطر واحد دون غيره من أقطار الناطقين بالضاد. ومما يجب التوكيد عليه أيضاً أن حركة الحداثة لم تكن استجابة للمؤثرات الخارجية فقط –كما يحلو لعدد من الدارسين تصويرها- بل كانت في الأساس حاجة موضوعية تمليها التغيرات التي طرأت على حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما أنها جاءت كضرورة ملحّة لمتابعة الإنجازات الجمالية والفنيّة التجديدية التي حاولها شعراؤنا المجددون العظام منذ بشار وأبي نواس ومسلم، وصولاً إلى أبي تمّام والمتنبي وشعراء الصوفية. هذه الإنجازات التي ضاقت بها السبل في عصور الانحطاط, ولم تلقَ الكثير من العناية عند شعراء الإحياء في مطلع عصر النهضة، فكان عليها أن تنتظر ظهور شعراء المهجر كالريحاني وجبران، وظهور مدرسة أبولو الرومانسية ولا سيما إبراهيم ناجي وعلي محمود طه، ثم المدرسة اللبنانية كصلاح لبكي وأبي شبكة وسعيد عقل، ثم لتحقق خطوتها الحاسمة على أيدي السياب ونازك الملائكة والبياتي، ولتسير بعدها كالنهر الهادر، الذي طال انحباسه وراء سدود التقليد والارتهان إلى الماضي، ولتحاول ردم الفجوة الكبيرة التي باتت تفصل بين الأساليب التعبيرية القديمة وبين تعقيد الأحاسيس والمشاعر التي تجيش في نفس الشاعر وتبحث عن معادلها الفني واللغوي القادر على نقلها بكل شحنتها الانفعالية ومخزونها المعرفي إلى المتلقي.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:43 PM
ومن الطبيعي، أن الشعر العربي في الساحة الأردنيّة لم يكن بمعزل عن رياح الحداثة التي بدأت تعصف في حقول الشعر العربي المعاصر، وربمّا كان للعوامل الثلاثة التالية أثر كبير في تحضير الساحة الشعرية الأردنية للتفاعل مع المعطيات الجديدة التي طرحتها حركة الحداثة العربية:
1-وجود بذور التحديث الشعري عند شعراء الأردن الروّاد ولا سيمّا عند الشاعر عرار (مصطفى وهبي التل).
2-التغيرات السريعة التي أصابت بنية المجتمع الأردني، ولا سيما بعد نكبة 1948، ونزوح مئات الآلاف من أبناء فلسطين إلى الضفة الغربية وشرق الأردن، وإعلان قيام المملكة الأردنية الهاشمية بضفتيها الشرقية والغربية عام 1950، وما تلا ذلك من انتشار للأفكار الجديدة، وانعكاس هذه الأفكار على مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية(1).
3-إن التكوين الشعري لعدد كبير من شعراء الأجيال التالية في الأردن، بدأ خلال تواجدهم في العواصم الثقافية المجاورة ولا سيما دمشق وبيروت، ممّا هيّأ لهم مناخاً ممتازاً للتأثّر والتفاعل مع حركة الحداثة الشعرية العربية، كما أن التواجد (المستمر أو المنقطع) لعدد من رواد الحداثة على الساحة الأردنية ساهم بشكل فاعل في توجيه التجارب الشعرية الأردنية الشابة نحو الاستفادة من المنجزات الشعرية الحداثية.

وسنقتصر في هذا البحث على استجلاء العامل الأول، في محاولة لتقصّي بذور الحداثة الشعرية عند شاعر الأردن الرائد مصطفى وهبي التل (عرار)، ولكن قبل ذلك، لا بدّ لنا من وقفة قصيرة أمام مصطلح الحداثة نفسه، ولا بدّ من التعريج على الأسس التي صاغها منظّرو الحداثة الشعرية العربية فيما بعد، كمنطلقات رئيسة لهذه الحركة التي نبحث عن بذورها.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:44 PM
ثانياً: مصطلح الحداثة،

ومنطلقات الحداثة الشعرية العربية:

مما لا شكّ فيه أن مصطلح (الحداثة) إشكاليّ متعددُ الدلالات، إذ إن الحداثة ليست مذهباً أدبياً كالرومانسية والرمزية والسوريالية. فللمذهب الأدبي بعض السمات والقوانين التي تجمع هذا الأديب إلى ذاك ضمن دائرة واحدة، أما الحداثة فمتنوّعة مختلفة من بلد إلى بلد ومن أديب إلى آخر، ولذلك يقول (جان بوديارد) (بما أن الحداثة ليست مفهوماً للتحليل، فليس هناك قوانين للحداثة، وليس هناك سوى ملامح الحداثة، ليس هناك نظرية، وإنما منطق للحداثة)(2).
ومن الطبيعي أن تكون الحداثة الشعرية العربية قد بدأت من خلال مجموعة من التجارب الشعرية التي حاول أصحابها أن يكونوا أكثر صدقاً في إصغائهم لصوت العصر، وأكثر أمانة في التعبير عن مكابداتهم الحياتية والشعورية، ولم تنتظم هذه التجارب في رؤية نظرية واضحة إلا فيما بعد، على يد عدد من الروّاد الذين حاولوا صياغة عدد من الأسس التي تصلح لأن تكون ملامح عامة لحركة الحداثة الشعرية العربية.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:44 PM
وإذا كان المجال هنا لا يتسع لاستعراض جميع البيانات المتعلقة بهذا الموضوع، فلا بأس علينا من أن نتوقف عند بيان واحد، ربّما يكون هو الأشد أهميّة من حيث وضوحه ودقّته وتأثيره الفاعل في الحركة الشعرية العربية، وهو بيان (يوسف الخال)، وغرضنا من ذلك أن نستقرئ مدى صلاحيّة عوامل التجديد التي سوف ندرسها في شعر عرار، لأن تكون بذوراً حقيقيّة للحداثة في الشعر الأردني.
يرهن الشاعر يوسف الخال قيام الشعر الطليعي التجريبي بالأسس
التالية(3):
1-التعبير عن التجربة الحياتية على حقيقتها، كما يعيها الشاعر بجميع كيانه، أي بعقله وقلبه معاً.
2-استخدام الصورة الحيّة من وصفية أو ذهنية.
3-إبدال التعابير والمفردات القديمة التي استنزفت حيويتها، بتعابير ومفردات جديدة مستمدّة من صميم التجربة، ومن حياة الشعب.
4-تطوير الإيقاع الشعري وصقله على ضوء المضامين الجديدة.
5-الاعتماد في بناء القصيدة على وحدة التجربة والجو العاطفي العام، لا على التتابع العقلي والتسلسل المنطقي.
6-الإنسان، في ألمه وفرحه، خطيئته وتوبته، حريته وعبوديته، حقارته وعظمته، حياته وموته، هو الموضوع الأول والأخير.
7-وعي التراث الروحي –العقلي العربي وفهمه على حقيقته.
8-الغوص إلى أعماق التراث الروحي –العقلي الأوربي، وفهمه والتفاعل معه.
9-الإفادة من التجارب الشعرية التي حقّقها أدباء العالم.
10-الامتزاج بروح الشعب. فالشعب مورد حياة لا ينضب.
هذه هي أسس الحداثة الشعرية كما صاغها يوسف الخال في بيانه المشهور، عام 1956، وإن جميع بيانات الحداثة الأخرى تكاد لا تخرج عن الإطار العام لهذه الأسس، التي لم تأتِ من فراغ، وإنما من البذور الكثيرة التي كانت تنتش في قصائد عدد كبير من شعراء النصف الأول للقرن العشرين، ومنهم شاعر الأردن (عرار) مصطفى وهبي التل.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:45 PM
ثالثاً: بذور الحداثة
في الشعر العربي في الأردن:

من المتفق عليه أن الشاعر مصطفى وهبي التل (عرار) المولود عام 1899، والمتوفى عام 1949 هو الشاعر الرائد الذي يمثّل الشعر العربي في الأردن خلال النصف الأول من القرن العشرين. وقد ترك لنا هذا الشاعر الفذّ سيرة حياة حافلة تنبض بالمواقف الشعرية من الحياة والوجود، وديواناً هاماً وسمه بعنوان (عشيات وادي اليابس)، ويمكن للدارس المتفحّص أن يعثر على كثير من بذور الحداثة الشعرية في هذا الديوان. وفي الحقيقة، فإن الأردن بحدوده الحالية، كما يقول الناقد سليمان الأزرعي(4) لم يعرف حركة أدبية بمعنى الكلمة، حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وظهور الانتداب البريطاني بعيد الحرب، وذلك لاستمرار الوضع الذي خلفه الأتراك خلال حكمهم لهذه البلاد قروناً طويلة، مما أدى إلى تفشّي الجهل وانعدام المتعلمين انعداماً يكاد يكون كاملاً، واختفت الفنون الأدبية خلال هذه الفترة واقتصر الأدب تقريباً على أشعار البادية التي نُظمَت باللهجة العامية والتي تدور أكثر مواضيعها حول أمور بدوية كالكرم والشجاعة والقحط، إلى أن ظهر عَرار (مصطفى وهبي التل) فكان أول شاعر متميّز في الساحة الأردنية، وأصبح أكبر محطة أدبية في التاريخ الأدبي للأردن.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:45 PM
ويمكننا أن نجمل بذور الحداثة عند هذا الشاعر الكبير في النقاط التالية:
1-مواقفه من الحياة الوجود:
كانت نفس الشاعر عرار –شأنه شأن أي شاعر أصيل- تجيش بمشاعر الرفض لما يمور به المجتمع من حوله من مظاهر الظلم والقسوة والحرمان وتسلّط الأجانب على مقدرّات بلده، وطغيان ذوي السلطة والمال، وتفشّي أنماط السلوك المادية التي تحاصر إنسانية الإنسان وجوهره النبيل. لذلك كان لا بدَّ له من الانحياز إلى جانب الفقراء والمستضعفين. إلا أن هؤلاء لم يكونوا في وضع يؤهّلهم لحمل رؤيا الشاعر، والنضال في سبيل تجسيدها على أرض الواقع، مما جعل الشاعر يتمرّدُ على مجتمعه برمّته ويبحث عن مجتمع آخر يمكن أن يكون أقلَّ فساداً وأكثر قرباً من نموذجه اليوتوبيّ المتخيّل، فاختار الغَجَرَ لينضمّ إليهم، ويعيش في كنفهم.
إلا أن عراراً لم يفقد اتصاله بالشعب لحظة واحدة، بل ظلَّ يحكي آلام الفلاحين الذين يئنون تحت وطأة المرابين وجشع التجار وتسلط العسكر الإنجليز، مما جعل حياته لا تعرف الاستقرار.. فمن سجن إلى سجن، ومن منفى إلى منفى. لكن الخمرة دمّرته فارتمى وحيداً يلفظ أنفاسه الأخيرة ويهزأ باستقلال بلاده الكوتوني(5) لذلك كان عرار –على حد قول الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي(6)- من أول الذين امتلأ شعرهم بإرهاصات وجودية أصيلة، بحيث اقترن طلب اللذة لا بالإباحية والمجون، ولكن بتحرير الروح وتأكيد وجود الإنسان بجوهر الحياة نفسه.
وتذهب الدكتورة الخضراء الجيوسي إلى أبعد من ذلك، فتقول: لعله كان أول شاعر عربي حديث اخترع نماذج عليا في الشعر وجعلها رموزاً لقضايا حيوية، جعل نموذجاً أعلى من (الهبر) وهو شيخ غجري عرفه وصادقه واعتبره رمزاً للإنسان البسيط الفقير المنبوذ المضطهد، وهاجم بأسلوبه المليء بالدعابة والسخرية، تلك القوى الاجتماعية المعادية التي تألبت على جعل حياة هؤلاء المعذبين في الأرض تعسة وخائبة المسعى، وكان نموذجه الأعلى الثاني هو (الشيخ عبود)، وقد جعله الشاعر رمزاً للتزمّت الديني. وتضيف الدكتورة الجيوسي قولها: ليت (التل) كان صانعاً أمهر، لكان لشعره فعالية السحر الخالص بما حمله من ثورة وجودية نابعة من التجربة الداخلية الخالصة وتدعو إلى تحرير الإنسان.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:46 PM
2-الاقتراب من لغة الحياة اليومية:
ربما كان المأخذ الرئيس على عدد كبير من الشعراء التقليديين، أنهم لم يقدّموا لنا في شعرهم غير إعادة إنتاج المعاني والصور والبنى اللغوية التي دَرَجَ عليها شعرنا العربي التراثي، مستخدمين اللغة نفسها التي كان يستعملها شعراء العصور الماضية بجزالة ألفاظها ورصانة تراكيبها وصخب إيقاعها، مترفّعين عن لغة الحياة اليوميّة التي تدور من حولهم، ومتناسين أن عدداً كبيراً من المفردات قد خرجت من الاستعمال العادي اليومي، وأن مفرداتٍ أخرى قد شاع استخدامها، واكتسبت دلالات وإيحاءات جديدة، ومتجاهلين للتغيرات التي طرأت على الذوق والحس والوجدان العربي في مواجهة ظروف الحياة المستجدّة. وهكذا ابتعد شعرهم عن لغة التعامل العام، وتقوقع في صَدَفةِ الماضي، مما أوجب –كما يقول الدكتور محمد النويهي(7)- أن تقوم في الشعر ثورة تعيده إلى اللحاق بركب اللغة الطبيعية التي تنمو دائماً وتتّغير في مفرداتها وتراكيبها وفي نطقها ونبراتها.
وفي يقيني، إن حركة الحداثة العربية ما كان لها أن تنطلق إلا من هذا المهاد الذي قوامه تجديد اللغة الشعرية بحيث تقترب من اللغة الحيّة التي تعيش على شفاه الناس، بل إن الشاعر ت.س إليوت، الذي يعبّر واحداً من أكبر سدنة الحداثة الشعرية في العالم يقول(8): إن هناك قانوناً واحداً من قوانين الطبيعة هو أكثر قوة من أيّ من التيارات أو المؤثرات المتغيّرة القادمة من الخارج أو من الماضي، وهو القانون الذي يقضي بألا يتيهُ الشعر مفرطاً في البعد عن لغة الحياة اليوميّة العاديّة التي نستعملها ونسمعها، وسواء أكان الشعر قائماً على النبرة أو على المقطع الصوتي، وعلى القافية أو دونها، ومحافظاً على الشكل أو حرّاً، فإنه لا يطيق فقدان اتصاله بلغة التعامل العام المتغيّرة.
وفي الحقيقة، فإن أيَّ متصفّح لديوان عرار (عشيّات وادي اليابس) لا يمكن له إلا أن يلاحظ أن لغة هذا الشاعر تمتحُ مباشرة من معين اللغة الحيّة التي تعيش على أفواه الناس، لا من حيث ابتعادها عن استخدام المفردات التراثيّة المعجميّة التي خرجت من الاستعمال اليومي فحسب، بل في هجرها للطرق القديمة في صياغة الجملة وتركيب البنية التعبيريّة التي كان يعتبرها التقليديون شرطاً رئيساً من شروط الجزالة والفخامة في اللغة الشعرية. لذلك جاءت لغة عرار عابقة بالحميميّة والشفافيّة والعذوبة، ونابضة بمعاناته الشخصيّة الحقيقيّة مع معطيات واقعه الحي، وقادرة على النفاذ بكل سهولة ويسر إلى آذان وقلوب المستمعين والقارئين.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:46 PM
فها هو ذا الشاعر يفتتح قصيدته التي تحمل عنوان الديوان نفسه بهذا المقطع(9):
إنَّ الزمانَ، ولا أقولُ زماني
بين الطوابعِ والرسومِ رماني

وأحالَ لَذّاتي وساوسَ حاسبٍ
يهذي بضرب ثلاثةٍ بثمانِ

ولا أعرفُ كيف كان يمكن لأي شاعر تقليدي أن يُعَبِّرَ عن هذا الموقف بلغته الكلاسيكيّة الفخمة والرصينة، ويحتفظ في الوقت نفسه بكل هذه الحرارة والرشاقة والزخم الإيحائي الذي ينضح من أبيات عرار، بل كيف يمكن أن تؤدّى هذه اللوعة الممزوجة بالسخرية المرّة التي تنضوي عليها صورة الشاعر الذي رماه الزمن بين الرسوم والطوابع، أو ترسم هذه الصورة التي تفيض بالحيوية للحاسب الذي يهذي بضرب ثلاثة بثمان؟.
في هذين البيتين الصغيرين يؤكد عرار صدق القانون الذي ينادي به شاعر الحداثة الكبير (ت.س.اليوت)، ويبرهن في الوقت نفسه على براعته في التقاط الصورة الموحية من تفاصيل الحياة العاديّة، ومهارته في بناء المعادل اللغوي لها باستخدام لغة الناس اليوميّة. وليس هذا فقط، بل اسمعْه وهو يصوغ جملته الشعرية بالصياغة نفسها التي يستعملها الناس في حديثهم اليومي، ويضمّنها قصيدته حاملة كل ما ارتبط بها من شحنة انفعالية حارّة وصادقة وموحية:
أهكذا حتى ولا مرحبا
لله أشكو قلبكِ القلّبا

إلا أن شغف الشاعر بلغة الناس اليوميّة، الذي وصل إلى حد استخدامه لعدد من المفردات العاميّة، جعله يضحّي أحياناً بالكثير من عوامل التوهّج الشعري، مكتفياً بما تؤدّيه عباراتهُ الشعبيّة من سخرية حادّة وتهكمٍ لاذع:
يا مدّعي عام اللواء وأنت من فَهِمَ القضيّةْ
الهبرُ جاءَكَ للسلامِ فكيف تمنعه التحيّةْ؟
ألأن كسوته ممزّقة.. وهيأته رزيةْ؟؟
قد صدَّه جنديك الفظّ الغليظ بلا رويةْ
وأبى عليه أن يراكَ، فجاء ممتعضاً إليَّ
يشكو الذي لاقاه من شطط بدار العادليةْ
ويقول إنَّ زيارة الحكّام، لا كانت، بليّةْ
فاسرعْ وكفّرْ، يا هداكَ الله، عن تلك الخطيّةْ
وادخله حالاً للمقام وفزْ بطلعته البهيّةْ
ودعِ المراسمَ والرسومَ لمن عقولهم (شويّةْ)
فالهَبرُ مثلي ثم مثلك أردنيُّ التابعيّةْ

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:47 PM
-التجديد في الإيقاع:
من الطبيعي أن يكون الشاعر مصطفى وهبي التل (عرار)، وقد توجّه نحو استعمال لغة الحياة اليومية، قد شعر بوطأة الإيقاع الرتيب الذي تولّده الأوزان التقليديّة، والذي يخلق حالةً من التنافر بينه وبين إيقاع العصر الذي يعيشه، واللغة التي يستعملها، والمشاعر التي تجيش في صدره، لذلك نراه يبتعد عن البحور الفخمة ذات الإيقاع الثقيل أو المتطاول، ويؤثر عليها البحور الخفيفة أو السريعة، وقد يعمد في كثير من الأحيان إلى التشطير والتجزيء كما في قصيدته (عبود):
لقائلٍ من هو يا عربيدُ
هذا الذي بذكره تشيدُ
وباسمهِ تُبْرَمُ القصيدُ
أمترفٌ معاشه رغيدُ
وقومه غرٌّ أباة صيدُ
أم شاعرٌ أم كاتب مجيدُ؟
أو في قصيدته (مزاد):
أدرها أيها الساقي
بلا قلقٍ وإقلاقِ

وقل للسادن المسؤول
عن نخبي وأعلاقي

ألا مَنْ يشتري كتبي
ومن يبتاع أوراقي

بباطيةٍ من الصهباء
يرهق حملُها الساقي

كما يحاول أن يقتفي أثر الموشّحات وهي شكل من أشكال التجديد في الإيقاع سَبَقَ أن عرفها شعرنا العربي، كما في قصيدته (راهب الحانة):
راهبُ الحانةِ إني
قيس لمياء دنانِكْ

فمرِ الأكوابَ تدني
شفتي من ثغر حانكْ

علّه يفترُّ ثغري

إذ أرى في كأس خمري

رغم أحداث الزمانِ

لتباشير الأماني

بابتساماتِ حنانكْ

ضوء فجرِ

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:47 PM
ويبدو أن ذلك كله لم يكن كافياً بالنسبة إلى شاعرنا، لذلك عمد إلى البحث عن تشكيلات أخرى يوزّع فيها التفعيلات والقافية توزيعاً جديداً أكثر ملاءمة لإيقاع عصره وإيقاع روحه، لذلك نراه يكتب قصيدتين مثبتتين في ديوانه، الأولى بعنوان (متى) وهي مؤرّخة في 8 تشرين الثاني 1942، والثانية بعنوان (يا حلوة النظرة) وهي مؤرّخة في 28 كانون الثاني 1942، وكلتاهما ينتهج الشاعر فيهما ما اصطلحنا على تسميته فيما بعد بقصيدة التفعيلة، أو الشعر الحر وفق تسمية نازك الملائكة، ففي القصيدة الأولى (متى) يقول الشاعر(10):
متى يا حلوةَ النظرات والبسمات والإيماء والخَطْرِ
متى أملي على الآلام والحدثان والدهر
أحاديث الهوى العذري؟
متى؟
مَنْ لي بأن أدري!
متى عن فتنة الكحلِ
وسحر الأعين النجلِ
وقد أرهقها يا حلوة النظراتِ تزويقا
فجاءت فوق ما يرجوه معنى الحسن تحقيقا
سيجلو الجؤذر الوسنان للإنسان
سر النظرة الحلوة
وما فيها من النشوه
وما في النظرة الشزْرة والتقطيب من سحرِ،
متى..؟
يا ليتني أدري!
وفي القصيدة الثانية، التي عنونها بـ (يا حلوة النظرة)، يقول(11):
يا حلوة النظرة
كم مرّة نظرتكِ الحالمهْ
أصمت على غرّة
سهماً من السحرِ
طاش ولكن الرؤى النائمه
في فجوة الصدرِ
تلقفته بيدٍ ناعمه
ولم تكن تدري
بأن قلبي هو، يا ظالمه
صريع تلك النظرة الحالمه.
وإذا كان الكثير من الباحثين ما زالوا يؤرخون لبداية قصيدة التفعيلة، باليوم الذي نشرت فيه نازك الملائكة قصيدتها المعروفة (الكوليرا)، جرياً وراء قول نازك في كتابها (قضايا الشعر المعاصر)(12): (كانت أول قصيدة حرة الوزن تنشر قصيدتي المعنونة الكوليرا، نظمتها يوم 27/10/1947 وأرسلتها إلى بيروت فنشرتها مجلة العروبة في عددها الصادر في أول كانون الأول 1947)، وإذا كانت نازك قد أصرّت على حقها في نسب الأسبقية إلى نفسها لأن نشر قصيدتها سبق صدور ديوان السياب (أزهار ذابلة) الذي تضمّن قصيدة حرّة الوزن عنوانها (هل كان حبّاً) بخمسة عشر يوماً فقط(13)، فإن عراراً في قصيدته (متى) المؤرخة في 8 تشرين الثاني 1942 يكون قد سبق نازك بأكثر من خمس سنوات كاملة، وهو الأمر الذي تنبّهت إليه نازك الملائكة نفسها فاضطرت إلى استدراكه في مقدمّة الطبعة الخامسة لكتابها حيث تقول(14): (لم أكن يوم أقررت هذا الحكم أدري أن هناك شعراً حرّاً قد نُظِمَ في العالم العربي قبل سنة 1947 سنة نظمي لقصيدة (الكوليرا). ثم فوجئت بعد ذلك بأن هناك قصائد حرة معدودة قد ظهرت في المجلات الأدبية والكتب منذ سنة 1932، وهو أمر عرفته من كتابات الباحثين والمعلقين لأنني لم أقرأ بعد تلك القصائد في مصادرها. وإذا أسماء غير قليلة ترد في هذا المجال منها اسم علي أحمد باكثير ومحمد فريد أبي حديد ومحمود حسن إسماعيل وعرار شاعر الأردن).

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:47 PM
وهكذا نرى أن مصطفى وهبي التل (عرار) بموهبته الخلاقة، وصدقه مع نفسه ومع روح عصره، وبانحيازه إلى الفقراء والمستضعفين، وثورته على الطغاة المستبدين سواء كانوا من الأجانب المستعمرين، أو من أبناء جلدته الحكام والمتسلّطين، وبموافقة من الحياة والوجود، واقترابه من لغة الشعب الحيّة، ومحاولاته الرائدة في تجديد الإيقاع الشعري، قد استطاع بحق، أن يغرس بذوراً خصبةً للحداثة الشعرية في الساحة الأردنية.
وقد احتل عرار موقعاً كبيراً في قلوب الشعب، كما يقول الناقد الأردني الدكتور سليمان الأزرعي(15)، كما فتح عيونهم على أجمل الأشعار العالمية كرباعيات الخيام التي ترجمها ونشرها في مجلة (منيرفا) اللبنانية، عدد تشرين الأول 1925، وظل عرار نموذجاً يحتذى لدى الكثير من جيل الشعراء المتأخرين في الأردن حتى أيامنا هذه.


**
الهوامش:
(1)-د.سليمان الأزرعي، دراسات في الشعر الأردني الحديث، اتحاد الكتاب العرب بدمشق 1994، صفحة (1).
(2)-د.خليل موسى بالحداثة في حركة الشعر العربي المعاصر، دمشق، 1991، صفحة (6).
(3)-يوسف الخال، الحداثة في الشعر، دار الطليعة، بيروت 1978، صفحة (34).
(4)-د.سليمان الأوزعي، الشاعر القتيل، اتحاد الكتاب العرب بدمشق 1983، صفحة (21).
(5)-المرجع السابق، صفحة (25).
(6)-د.سلمى الخضراء الجيوسي، الشعر العربي تطوره ومستقبله، مجلة عالم الفكر، المجلد الرابع، العدد الثاني 1973 صفحة (20).
(7)-د.محمد النويهي، قضية الشعر الجديد، دار الفكر، الطبعة الثانية 1971، صفحة (41).
(8)-ت.س. اليوت، في الشعر والشعراء، ترجمة محمد جديد، دار كنعان، دمشق 1991، صفحة (29).
(9)-مصطفى وهبي التل، عشيات وادي اليابس، الأهلية للنشر، عمان 1993، صفحة (1)، والمقاطع الأخرى مأخوذة من المرجع نفسه.
(10)-المرجع السابق، صفحة (132).
(11)-المرجع السابق (181).
(12)-نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، دار العلم للملايين، الطبعة السادسة، بيروت، 1981، صفحة (35).
(13)-المرجع السابق، صفحة (36).
(14)-المرجع السابق، مقدمة الطبعة الخامسة، صفحة (14).
(15)-د.سليمان الأزرعي، الشاعر القتيل، اتحاد الكتاب العرب بدمشق، 1983،
صفحة(25).


***

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:48 PM
تراث البياتي

في ذمّة الزمن


قيل الكثير في عبد الوهاب البياتي خلال حياته، وسيقال عنه الكثير بعد رحيله، وتباينت الآراء في أهمية إنتاجه الإبداعي وهو يملأ المشهد الشعري العربي حيويةً وصخباً، كما ستتباينُ بعد صمته الأخير. ويبدو أن ذلك هو قدر الشعر، وقدر الشعراء، على امتداد العصور، وفي مختلف الحضارات.
فتاريخ الشعر لم يعرف شاعراً واحداً استطاع أن ينتزع إجماع معاصريه على الاعتراف بشاعريته، وتقدير إنجازاته الفنيّة ودوره في الحركة الإبداعية. ويبدو أن ذلك متروك لغربال الزمن وحده، الذي يرفع عن العيون حجاب المعاصرة، فالمعاصرة حجاب كما يقول المتصوّفة، ويزيل غبار المعارك اليومية والصراعات الصغيرة، ذات الأساس غير الأدبي غالباً، والتي تثار من حول الشاعر في حياته، أو يثيرها هو، لأن هذه المعارك والصراعات شكل من أشكال التجلي السلوكي لشخصية الشاعر، أياً كان هذا الشاعر، لا لأن الشخصية الشاعرة عدوانية بطبعها، ولكن لتميّز هذه الشخصية بالرغبة في المواجهة والمجابهة وتأكيد حضورها الوجودي في عالم صقيعيٍّ يهمّش الشاعر ويضرب من حوله كل صنوف الحصار.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:48 PM
تعود علاقتي بشعر البياتي إلى بدايات تفتحي الشعري في السبعينيات، حيث وقعت تحت سطوة قصيدته (عين الشمس أو تحولات محي الدين بن عربي في ترجمان الأشواق) والتي مازلت أعتبرها واحدة من عيون الشعر العربي المعاصر، والتي كانت بوّابة دلفت منها إلى عالم محي الدين بن عربي، ومن يومها وأنا أتابع كل ما يكتبه البياتي، فأفرح أحياناً لوقوعي على قصائد تقارب في مستواها الفني تلك القصيدة، وأصاب أحياناً كثيرة بخيبة الأمل، شأني في ذلك مثل شأني مع جميع الشعراء الذين أقرأ لهم، فلا يوجد شاعر واحد استطاع أن يبهرني في جميع ما كتبه. ويبدو أن هذا هو الطبيعي في علاقة أي قارئ مع أي شاعر، مهما كان ذلك الشاعر.
إلى أن بدأت علاقتي الشخصية مع البياتي يوم قدَّمتني له السيدة سعاد دباح في صالونها الرحب (الفينيق) أثناء زيارتي إلى عمّان ضمن وفد اتحاد الكتاب العرب، ويومها قدّمت إليه نسخاً من مجموعاتي الشعرية ظاناً أنه لن يقرأها، لكنني فوجئت عند حضوره إلى دمشق أنه يسال عني بإلحاح ليحدثّني طويلاً عن انطباعاته الجميلة وملاحظاته الذكية، ولأكشف فيه قارئاً متمعّناً وناقداً متبصّراً، ومتابعاً دؤوباً لتفاصيل الحركة الشعرية العربية، على غير ما عهدناه من شعرائنا الكبار، أو الذين يظنّون أنفسهم كباراً.
وتوطّدت علاقتي الشخصية به خلال إقامته الأخيرة في دمشق، وتعددت لقاءاتنا الطويلة، وتشعَّبت حواراتنا الغنية، وشاركت معه في ندوة عن تجربته الشعرية في المركز الثقافي العربي بدمشق قبل شهر واحد من رحيله إلى أن كان مساء الجمعة السابقة على رحيله بثلاثة أيام، فإذا به يتصل بي ويلحُّ في دعوتي إلى (المريديان) لنقضي معاً تلك الأمسية التي أرادها أن تكون أمسية الوداع الأخير.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:48 PM
وإذا كان المرء لا يمكن أن يضيف الكثير إلى ما قيل في علم من أعلام الشعر العربي الحديث، ورائد من روّاده مثل عبد الوهاب البياتي، إلا أن ما تمكن الإشارة إليه أن أهمية عبد الوهاب البياتي لا تنبع من موقعه الريادي كواحد من ثلاثة أعلام بدأت بهم حركة الشعر العربي الحديث منذ أواسط هذا القرن، ولا من غنى وتنوع المواضيع التي عالجها في شعره، ولا من القيمة الفنية لإنتاجه الشعري فحسب. فأنا أعتقد أن أهميته تتجلى أساساً في مسألتين رئيستين:
أولاهما قدرته على أن يبقى في صدارة المشهد الشعري العربي، وأن يملأ السمع والبصر خلال نصف قرن بكامله، اقترن فيه اسمه مع أسماء كبار شعراء القرن مثل ناظم حكمت ورافائيل البرتي، وحظي إنتاجه بعدد كبير من البحوث والدراسات والرسائل الجامعية في الوطن العربي وفي العالم.
وثانيتهما تتجلى في مدى تأثيره على حركة الشعر العربي الحديث، فمما لا شكَّ فيه أن البياتي استطاع أن يترك تأثيرات هامة على عدد كبير من الشعراء الذين جايلوه، أو الذين جاءوا بعده، ومازال تأثيره واضحاً حتى عند الأجيال الجديدة من الشعراء العرب. وهذه ميزة لم يتمتع بها سوى قلة من الشعراء العرب المبدعين الكبار.
وإذا جاز لي أن أمثّل جيلي من الشعراء، فإنه يمكن لي أن أعدّد بعض معالم تجربة البياتي التي تركت آثارها على تجاربنا الحياتية والشعرية فيما يلي:
1-ربما كان أهم ما تعلمناه من البياتي هو ضرورة ألا يدين الشاعر إلا بالشعر وحده، فالشاعر الحق هو من ينذر حياته كلها في سبيل الاقتراب من وهج نار الشعر الخالدة، التي هي نار الجوهر الإنساني الأصيل. وإن ارتهان الشاعر لأي جماعة أو سلطة أو منظومة فكريّةٍ مغلقة لا بد أن يشوّش قدرته على استقبال الإشارات السرية التي يطلقها هذا الجوهر الإنساني الخالص، والتي يجب أن تشكل وحدها مدار اهتمام الشاعر.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:49 PM
-ومما تعلمناه من البياتي أيضاً أن الحداثة لا يمكن لها أن تكون قفزة في الفراغ.
والشاعر الحديث لا يمكن له أن يكون منقطعاً عن جذوره التراثية. وربما كانت تجربة البياتي من أسطع الأمثلة على الاستفادة من المخزون الجمالي التراثي وتوظيفه في بنى شعرية حداثية.
3-كما تعلمنا من البياتي أيضاً ضرورة أن يكون الشاعر منفتحاً على التجارب الشعرية العالمية، محاوراً إياها، ومكتشفاً لخصوصياتها، ومستفيداً من إنجازاتها، دون أن يقع فريسة الانبهار الأعمى أو الاستلاب أمامها.
4-من الأمور الهامّة التي يعلمنا إياها البياتي أيضاً أن الشاعر الحقيقي لا يتعصَّبُ لشكل فني ضد آخر، لأن الشعريّة الحقّة يمكن أن تتجلى في أي شكل فني. فبالرغم من أن البياتي كان من طليعة الشعراء الذي ثاروا على سيطرة الشكل العمودي الكلاسيكي، إلا أنه بقي، بعد نصف قرن من ثورته، يستخدم هذا الشكل عندما يشعر بضرورة استخدامه لتوفير الأداء الأجمل والأمثل لقصيدته، وهاهو أيضاً يخوض غمار (قصيدة النثر) في مجموعته الأخيرة (نصوص شرقية). وإن موقف البياتي من مسألة الأشكال الشعرية يعكس فهماً عميقاً وأصيلاً للشعرية، وهو موقف جدير بأن يحتذى من قبل جميع المهتمين بالشعر وقضاياه.
5-ومن المفاهيم الرئيسة التي رسَّخها البياتي مفهوم الشعر الرؤيوي، فالشعر رؤيا، والقصيدة لم تعد مجرَّد وصف خارجي، أو تعبير عن الانفعالات الآنية والمشاعر المباشرة، وإنما أصبحت القصيدة عالماً متكاملاً يجسد رؤيا الشاعر وموقفه من الحياة والوجود.
6-ولا بد من الإشارة إلى مجموعة من الإنجازات الفنية التي مارس البياتي من خلالها تأثيراً كبيراً على الأجيال الجديدة من الشعراء. وربما كان في طليعة هذه الإنجازات تطوير البنية الإيقاعية الموسيقية للعمل الشعري، وأسطرة الشخصيات الشعرية، بالإضافة إلى تقنية الحوار الداخلي، وقصيدة الأصوات المتعددة، واستخدام الأقنعة التي لم يبرع شاعر عربي في استخدامها مثل عبد الوهاب البياتي.
7-ولا بدَّ لي أخيراً، أن أضيف إلى هذه الشهادة، أن البياتي كان مصرّاً على أن يعلّمنا حتّى آخر لحظة في حياته، فقبل ثلاثة أيام فقط من رحيله، اتصل بي ليدعوني إلى جلسة هادئة في (المريديان) ويهديني فيها آخر مجموعة صدرت له وهي (نصوص شرقية) وكان فرحه بها مشوباً بالقلق، مثل فرح أي شاعر شاب تصدر له مجموعته الأولى. لذلك كان متلّهفاً لاستطلاع انطباعات الآخرين عنها. وبذلك كان يلّقننا درسه الأخير، وهو أن الشاعر الحقيقي يبقى مسكوناً بالقلق الإبداعي حتى آخر لحظة في حياته، وحتى لو كان هذا الشاعر هو عبد الوهاب البياتي.
والآن، وقد رحل البياتي، فقد أودع تراثه الإبداعي بين يدي الزمن، الذي هو الناقد الحقيقي، والحَكَم الأخير.

***

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:50 PM
قصيدة ما بعد الغياب

قراءة في قصيدة (مديح من أهوى)

لمحمد عمران


ليس الشعر مجرد ظل من ظلال الحياة، وليس مجرد انعكاس في مرآة الكلمات للأحوال التي يكابدها الشاعر خلال فترة وجوده المادي على هذه الأرض. فلو كان الشعر كذلك لانتهى مع انتهاء حياة الشاعر، مثلما تختفي الظلال عند اختفاء الأصل المادي الذي تصدر عنه.
ولكن الحقيقة التي ندركها جيداً، إن القصائد تعيش بقوتها الحيوية الذاتية بعد موت أصحابها، ولولا ذلك لما كنا نتفاعل اليوم مع قصائد هيوميروس وفيرجيل وأوفيد ودانتي وامرئ القيس والمتنبي. مما يؤكد أن الشعر كائن مستقل لا تسري عليه القوانين العادية، لأنه ليس شيئاً ملحقاً بالحياة، بل هوندٌّ حقيقيٌ لها، الشعر صنو الحياة، أو صنو الوجود نفسه. وهذا ما تؤكده قصيدة (مديح من أهوى، لمحمد عمران، التي لم تنشر في كتاب. إلاّ بعد أن غاب الشاعر. بل وتبدو في قراءتنا لها وكأنها رسالة نوراينة يرسلها الشاعر من تحت التراب الذي أوى إليه جسده في غيابه الأخير، ليقدم لنا خلاصة ما استبصره من أحوال عشقه الذي أفنى حياته جميعها في محرابه.
ولا بد لي من التذكير بأن ما سأقدمه فيما يلي ليس سوى قراءتي الشخصية لهذه القصيدة. التي لا تتطابق بالضرورة مع قراءة أي متلق آخر لها. فما يجب التوكيد عليه باستمرار أن التعدد الدلالي هو ما يشكل خصوصية النص الأدبي، وإن القراءة المثلى هي التي تنزاح عن القراءات السابقة التي كرست للنص دلالات معينة. وإذا كان النص الأدبي بالتعريف هو: ما تنقرئ فيه الكتابة، وتنكتب فيه القراءة باستمرار، فإن ما يفعله القارئ بالنص لا يتوقف على النص وحده.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:50 PM
ومع ذلك فإن أية قراءة لا يمكن لها أن تكون سابحة في الفراغ، بل لا بد لها من الارتكاز إلى مجموعة من الركائز المتضمنة في النص. فالقراءة محفورة على النص (كما يقول بعض أصحاب نظرية التلقي) وباشتغالها تعيد كتابته مما يعني أن النص نفسه يحتوي على بذور تحوله. وبذلك فإن القراءة الجيدة هي التي تستطيع البرهنة على شرعية علاقتها بالنص من خلال شدّ فضاءاتها إلى الإشارات المبثوثة في النص نفسه. وهو ما سأحاوله في قراءتي التالية لقصيدة (مديح من أهوى):
يعلن الشاعر منذ مطلع القصيدة أنه عاشق، دون أن يصرّح لنا بموضوع عشقه:
من أين يبدأ عاشق بمديح من يهوى؟
فهو عاشق بالتأكيد إذن، وكل عاشق يمدح معشوقته بضرورة العشق نفسه، وهو ليس بحاجة لأن يقدم تبريراً لمديحه، ذلك أن أحداً لا يلوم العاشق، ولا يسأله تفسيراً لما يقوله في مدح حبيبته. فلماذا يبدو الشاعر مرتبكاً إذن، ولماذا يعلن حيرته في اختبار نقطة البداية التي يبدأ منها مديحه؟ يبدو أن الشاعر يدرك تماماً أن هذه الأسئلة ستدور في ذهن القارئ لذلك نراه يسارع إلى تقديم تفسرين لارتباكه: الأول منهما يتعلق بالمعشوقة نفسها، أما الثاني فينبع من طبيعة الزمن الذي ينشئ الشاعر مديحه فيه:
(من أين يدخل في تفاصيل الغموض أو الوضوح
في جسمها المكنون
ما دامت أظلتها تفيض على المديحِ
والوقت من وَجدٍ ترابيٍ
ومن نجوى)
فجسم المعشوقة مكنون، أي أنه لا يمتلك أبعاداً فيزيائية محددة، فهو مكنون كما العطر في الوردة، أو الروح في الجسد، أو الشعر في الكلام. ويضيف الشاعر أن جسم حبيبته يتألف من تفاصيل الغموض والوضوح التي تنجدل مع بعضها لتشكل هيأته العصيّة على أية محاولة لتحديد كنهها أو سبر غورها. بمعنى آخر، فإن جسم حبيبته لا يمكن تقييده في وصف معين، بل ولا يمكن مقاربته، إلا من خلال ظلاله التي تكفي لأن تغدق على الشاعر كل ألوان البهجة والدهشة والرضا، ولذلك فإن ما يسعى الشاعر إلى مديحها هي تلك الأظلة التي تفيض على المديح نفسه.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:51 PM
وإذا أعدنا الآن ترتيب الإشارات التي تضمنها قول الشاعر وجدنا أن حبيبته التي يحار في كيفية مدحها لا تمتلك جسماً فيزيائياً محدداً، يتكون من لحم ودم، وإنما يتكون من تفاصيل الغموض والوضوح، وهي تمارس سطوتها على العاشق من خلال ظلالها البهية التي لا يمكن لأي مديحٍ أن يستوعبها. وهكذا يبدو جلياً أن الشاعر لا يتحدث عن أنثى من البشر، كما لا يتحدث عن شيء مادي له وجوده المجسد، وإنما يتحدث عن القصيدة. القصيدة ذات الجسم المكنون في اللغة، والمجدول من تفاصيل الغموض والوضوح، والتي نتواصل معها من خلال أظلتها التي تفيض على المديح..
أما الوقت الذي يتحدث فيه الشاعر، فهو وقت من وجد ترابي، ومن نجوى. لماذا استحضر الشاعر لفظة التراب ليصف بها الوجد؟ وكيف يكون الوجد ترابياً؟ ألا يوحي هذا التركيب لنا بأن الشاعر يتحدث فعلاً من تحت التراب الذي أوى إليه جسده؟ ألا تبدو القصيدة إذن وكأنها طالعة من القبر الذي إذا استطاع أن يخمد جسد الشاعر فإنه لم يستطع إسكات صوت شعره الذي لا يستكين للموت، والذي لا يأبه لوحشة الصمت، فيبقى محلقاً في آفاق الحياة ليهدي قلب الشاعر، ويظلل بالنعمى يديه. وألا تتطابق هذه القراءة مع حقيقة أننا نتلقى القصيدة بعد أن غاب الشاعر؟ وهل كان الشاعر نفسه يعرف أن قصيدته هذه لن تنشر إلا بعد موته كما حدث فعلاً؟ وألا يؤكد ذلك أن الشعر وحده هو من يفتح بوابة الخلود، ويعين في وحشة الصمت، ويشدّ ما انهدَّ من أجزاء الروح؟:
الحمد للشعر. استعنت بوجهه، فأعانني
في وحشة الصمت الجريح
وهدى خطى قلبي إليكِ، حبيبتي
فأظلت النعمى يدي
الحمد للوقت الذي استمهلته
حتى تجيء يداك من غيب إلي
فأشد في أفقيهما
ما انهد من أجزاء روحي
مدي ظلال يدين
من ياقوتك العالي علي
الآن تلبسني وألبسها الظلال
الآن ماء الشعر يشرب ماء روحي
إنها حالة التوحد الكامل مع القصيدة حيث يمتزج ماؤها مع ماء الروح، فتنبثق نار الخلود التي تتحدى الموت والفناء.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:51 PM
وكأني بالشاعر قد أشفق علينا من محاولة تعرفنا إلى معشوقته، فصرح لنا في المقطع الثالث بأن أنثاه التي يمدحها ما هي إلا القصيدة فقال:
قلبي على قلب القصيدة
إنها الأنثى التي جاءت من الغيب الجميل.
وماذا يبقى للشاعر إذن بعد أن لبسته القصيدة ولبس ظلالها، وبعد أن توحدت روحه مع ماء الشعر؟
ماذا غير شعور الغبطة والرضا بعد أن أنهى أحزانه وتفرّغ لمدِّ موائد قلبه التي تستضيف الله، واهب النعمى ومانح الخلود، وتستضيف الموت، بعد أن تصالح معه، لأنه لم يعد قادراً على تهديد روحه، فسكن إليه، وشاركه كأسه، بل وتوحد معه أيضاً فراح كل منهما يشرب الأخر صرفاً:
أتممت نعمة أحزاني. فهل فرح
لأستضيف؟ أنا قلب موائده
مقامة. من ضيوفي الله. قاسمني
خبزي ونام. وضيفي الموت يسكن في
كأسي. فأشربه صرفاً ويشربني
وعندما يتوحد الشاعر مع القصيدة، فإن التحول الكيميائي الذي يطرأ على خلاياه وحواسه يجعل منه كائناً نورانياً شفافاً يمتلك قدرات خارقة، يتمكن معها من رؤية الكون وقد استكان إلى دفء القصيدة فراحت الأرض بجلالها ترمي معاطفها عليها، والسماء تجند يواقيتها الخضر لتحرس معصميها، والنجوم تتعلق بذيل ثوبها، والطيور تحوم على يديها. ويصبح امتلاك القصيدة امتلاكاً للعالم بأسره، بسواحله وجروده العالقات على الجبال، وبشمسه التي تشع بغبطة الذهب المذاب. ومن هنا تنبع تلك الحيرة التي اعترت الشاعر في مطلع القصيدة، إذ كيف يمدح القصيدة واصفاً لكل تلك التحولات التي أجرتها عليه دون أن يتهمه الآخرون بالكذب أو الجنون؟ ذلك أن الذين لم يحترقوا بنار الشعر لن يستطيعوا إدراك ما أدركه الشاعر ولا رؤية ما رآه:
لو قلت:
قلب الأرض ينبض ملء قلبك
لن يصدقني أحد
لو قلت:
وجهك غيمة
وأنا أرى أمطاره السمراء تهطل
لن يصدقني أحد
لو قلت:
في عينيك نهر صنوبر يجري
وإني جالس في ضفتيه،
لن يصدقني أحد
لو قلت:
جسمك كوكبٌ
وأنا أشير إلى سناه
لن يصدقني أحد
لو قلت:
"أنت"ِ
ولم أضف وصفاً لوصفك
لن يصدقني أحد
ماذا أقول لكي يصدقني الذين رأوك
في قلبي
وقالوا:
لا أحد!؟
وفي نقلة أخرى يسعى الشاعر إلى تقديم مفهومه عن الشعر ورؤيته الخاصة لتكوين القصيدة، لذلك ينتقل من سؤاله الذي بدأ به: من أين يبدأ عاشق بمديحٍ من يهوى، إلى سؤال أكثر تحديداً:
من أين يقرا عاشق تكوين من يهوى؟
ولا بد لي من التذكير قبل الدخول في ثنايا هذا المقطع المركزي من أنه لا يمكن لنا فتح أبوابه إلا في ضوء العبارتين المفتاحيتين اللتين سبق للشاعر وضعهما في أيدينا، وهما الطبيعة المائية للشعر من جهة (الآن ماء الشعر يشرب ماء روحي)، والتماهي بين القصيدة وبين الأنثى (قلبي على قلب القصيدة، إنها الأنثى التي جاءت من الغيب الجميل) من جهة أخرى.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:52 PM
يجترح الشاعر في هذا المقطع سيرة تكوين جديدة يفترض فيها أنه في البدء لم يكن غير الماء، وكان الماء يسيل منّتشياً بذاته، حتى أراد أن يخلق شبيه نشوته، فكانت أنثى الماء. وأنثى الماء هذه، وفقاً للعبارتين المفتاحيتين اللتين أشرت إليهما، ما هي إلا القصيدة، التي هي صنو الوجود نفسه، أو هي التجلي الأصل لنشوة الخلق الأولى، ففي البدء كان الشعر، ومنذ بداية الخلق تجري القصيدة في هيولى الوقت وتمنح الخصب للأشياء، فيمتلئ المكان بنسغها، وتفيض أرجاء الزمان.
ولكن القصيدة، مثلها مثل سرّ الوجود نفسه، تبقى عصية على الإدراك والتفسير. صحيح أن الجميع ينتظرونها، ولكن انتظارها مثل انتظار ظهور الإمام بعد غيبته، لذلك ليس علينا سوى تلقي فيوض عطاياها، وهذه الفيوض وحدها معجزة حقيقية لا تقل عن معجزة ظهور نبي يخلخل قناعاتنا ومفاهيمنا ليمنحنا رؤيا جديدة تسطع من خلالها الأشياء بوهج لم نشعر بمثله من قبل.
وإذا كان الشعر غامضاً، وهو كذلك يحكم طبيعته نفسها، وبحكم أنه آت من نبع الأسرار الأولى، فهو شخص الغموض كما يقول الشاعر. إلا أنه أليف وقريب إلى النفوس المشتاقة التي تستطيع كشف غلالته لتراه شخصاً للوضوح الساطع الذي يُخَيَّلُ معه للمتلقي أنه قادر على التحكم به وسكبه مثلما يسكب الماء من الإناء. ولكن هذا الشعور ليس سوى أثر من آثار النشوة التي تفعل فعلها في المتذوق أو في الواقف في الحضرة، ذلك أن الشعر من اللطف حتى كأن إناء النور يمسكه، ومن الجبروت حتى كأنه قامة اللهب.
ومثل أي مقدّس، فإن للتواصل مع الشعر طقوسه الخاصة في تتطلب أول ما تتطلب الإيمان به وبدوره وفاعليته، والاستعداد للمثول الخاشع بين يديه، وتهيئة النفس لتقبل إشاراته، فالشعر يخاطب مريديه بالإشارة. لذلك لا بد لك إذا أردت أن تنال شيئاً من فيوض عطاياه إلا أن تذهب إليه، وتآنسه على جبله، مثلما آنس موسى ربّه على الجبل، بعد أن ترمي بكل أدرانك، وتزيل عن عينيك الحجب التي تمنعك من رؤية الحقائق الساطعة وتعيد إلى نفسك شفافيتها الأصلية.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:52 PM
شخص الغموض،
فإن تكشف غلالته
شخص الوضوح
فإن تسكبه ينسكب
لطف كأن إناء النور يمسكه
فإن تقصر كانت قامة اللهبِ
هو الإشارة،
آنسه على جبل
واخلع بواديه ما تشكو
من الحجبِ
وعندها فقط سوف تدنو القطوفُ إليك، فتتمنى لو كان لك أفق من الأيدي لتحضنها، وألف فم لتحملها إلى كل اللغات. وستشعر عندها كم هو عار هذا الكوكب الذي تحيا عليه من غير الشعر فتتمنى لو كان لك شجر من الكلمات لتظلله بها فيغدو الطين ياقوتاً ويتوق جسدك إلى الاتحاد بأصل الوجود وماء الحياة.
وفي تلك اللحظة الخارقة، التي تفيض فيها عليك غبطة التماهي مع الحالة الشعرية، وتمتلئ نفسك بالشعر إلى درجة يبدأ معها يسيل من حنجرتك:
إني امتلأت بكِ
امنحي ماء القصيدة أن يسيلَ،
فإن حنجرتي غريقه.
في تلك اللحظة سوف تكتشف أن حضورك الحقيقي هو داخل الشعر، أما وجودك خارج الشعر فليس سوى غياب. وأن نهر الحياة الذي كنت تظنه يجري في جسدك، كان غافياً ينتظر أن تلفحه شمس الشعر ليجري.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:53 PM
وجسدك الذي كنت تظن أنه صار حقلاً أجرد رحلت عنه الطيور، سوف يستعيد ألقه وبهاءه، لأن الطيور تبيت على مداخله بانتظار هبوب نسمات الشعر لتعلن عودة الربيع. وهكذا، ففي حضرة الشعر سوف تستيقظ حواسك كلها، وسوف تنضو عنك غبار السنين، فتسترجع نشوتك البكر في حبك الأول، وتسترجع بهاء طفولتك، وسيرقص قلبك مفعماً بالفتوة وكأن الشظايا لم تجرّحه يوماً، وستتذوق طعماً جديداً للماء والهواء. ستجتاز جميع هزائمك وخساراتك الكبيرة والصغيرة، وستنعم بالنقاء والصفاء كما لو أنك مازلت في مهدك الموشى، وكأنك لم تقترب أبداً من الجدث الذي يتربص بك.
هذا هو وقت القصيدة إذن، وقت الصلاة في محراب الحب والجمال، حيث يجيء العشب وتجيء الأزهار، ويجيء غيم موشاة مطارفه وتجيء الأسرار، وفي هذا المهرجان تشتعل شموع الدم، ويوقّد بخّور الروح على مجامر الفرح، ويكتشف الجسد فجأة أن لديه خزائن من النعمى، يتعتق فيها الخمر والخبز وتتعتَّقُ الأيام، ويتوحد فيها النور والنار.
هذه هي التجربة التي أفنى محمد عمران عمره ليعيشها. وهذه هي لحظة وصاله مع معشوقته التي حار كيف يمدحها، ذلك أن كل ما وصفه لنا ليس سوى أثر احتراقه بظلالها التي تفيض على المديح. ومع اكتمال القصيدة، ومع اقترابه من ختام رحلة الحياة، لم يبق له إلا أن يقول:
اليوم تكتمل القصيدة، ها دنوت من الختام
سبحان من أعطى يدي قلباً
لتنبض في يدك
سبحان من أبقى مدى لغدي
ليسكن في غدكْ
سبحان من رفع الصلاة إلى فمي
لأقيمها في معبدك
سبحان من خلق الكلاَم،
فإن اسمك في الكلامْ
ولأن وجهك من رضى
سبحان من بَسَطَ الرضى
ولأن طبعكِ من غمامْ
سميتك الوقت الجميلَ،
وقلت قولي في مديحكِ،
والسلام.

جليلة ماجد
06-15-2006, 02:53 PM
لقد عاش محمد عمران حياة حافلة، جاب خلالها الكثير من أصقاع الشعر وأدغاله، ومدّ أيامه ولائم لاستضافة ربة الشعر، التي راوغته كثيراً، فكانت تلبي دعوته حيناً، وتخلف وعودها معه أحياناً. فشابه أقرانه من الشعراء في مواضع، واختلف عنهم في مواضع أخرى، وسبقهم حيناً، وسبقوه أحياناً. وعانى كثيراً ليخرج من إهاب بعض الأصوات التي وقع تحت هيمنتها في فترة من الفترات، ولا سيما صوت (أدونيس). ولكنه بقي وفياً لهمه الأول والوحيد (الشعر) فصال وجال في محرابه، فاغتنت مسيرته الشعرية بالكثير من التجارب الناجحة والفاشلة، شأنه في ذلك شأن أي شاعر حقيقي.

***

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:07 PM
شاعر من الجولان


هنا صوت يأتينا من الجولان المحتل، حاملاً عبق الأرض التي طال انتظارها للفجر الذي تعود فيه إلى أمها، بعد أن انتُزِعَتْ من بين أحضانها. صوت يخترق الجدار الذي وضعه المحتل الغاصب ليعزل الورد عن حقلها، ويفصل الحمامة عن سربها، ويفصم النبضة عن القلب، وينزع الهدب من العين، ويِئدَ القبلة في الشفتين.
صوت لا يهدف إلى إيقاظ الذاكرة فينا، فجرح ذاكرتنا لم يزل ينزُّ غضباً وتصميماً على استعادة أرضنا السليبة، ولا يتوخى أن يثير فينا الحنين إلى أهلنا الصامدين، فطيور الشوق لم تتوقف أبداً عن نقر أفئدتنا وإثارة أشجاننا، ولا يعمل على أن يشحذ همنا لنحشد كل ما بوسعنا لمواجهة العدو الغاشم، فما كنا لندّخر جهداً في هذا السبيل، وإنما يأتي هذا الصوت ليؤكد انتماء أهل هذه المنطقة إلى الأمة التي ما فتئ الشعر ديوانها الخالد، وما فتئت قادرة على إنجاب شعرائها الذين يواصلون مسيرة أجدادهم في صهر معاناة أمتهم وآلامها وتطلعاتها في نار المشاعر المتوهجة والتخييل المبدع والنغم الموحي لتتحوّل إلى قصائد تعزِّزُ إنسانية الإنسان وتتحدى أعداء الخير والحق والجمال وتنتصب شواهد وعلامات على دروب التاريخ.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:08 PM
فمنذ الصفحة الأولى، يعلن معتز أبو صالح أنه صوت الجولان، فالجولان بالنسبة له بمثابة الأم والأب، لذلك فهو يقرنه بهما عندما يفتتح مجموعته بهذا الإهداء المعبّر: (إلى أمي وأبي وجولاني، رأيت الوحي في وجوهكم).
وعندما يسِمُ مجموعته بكاملها بعنوان (الجدار) فهو يشيرُ إلى أن قضيته الكبرى تنطلق من معاناته من وجود هذا الجدار الذي وضعه المحتل بين الجولان وبين الوطن الأم:



يا أيها الجدارْ
عشرون عاماً قد مَضَتْ
وبين أضلاعك مرساتي كَبَتْ
عشرون عاماً قد مضتْ
عقارب الزمان تمشي
عَبَثاً تمشي
فمرجاني يَجفُّ في جوى البحارْ.
فها هو قد مضى أكثر من عشرين عاماً على حرب حزيران التي اغتصب فيها العدو أرض الجولان وسلخها عن جسد الوطن، وهاهو الزمان يمرُّ دون أن يحمل معه بشارة الخلاص، ودون أن يتصدَّعَ هذا الجدار الذي بات (حارساً للكفن) فأُهرقت الأحلام وذَوَت الحروف وجفَّ المرجان الذي يتوق إلى العودة إلى أحضان البحر. والشاعر يعرف جيّداً أن الحياة لا يمكن لها أن تستعيد سيرورتها إلا بعد زوال هذا الجدار، لذلك يناشد الزمان أن يمشي إلى حيث لم يكن هناك جدار، كي يستطيع أن يلتقي بتوأمه الذي انخلع عنه، وكي تستطيع أمه أن تحبَلَ من جديد:
يا أيها الزمانْ
فلتمشِ
إلى حيث خَلَعتُ توأمي
عد.. عد
لكي تحبلَ أمي بأخي ثانيةً
يا أيها الزمان
عد
إلى هناك
حيث لم يكن جدار.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:08 PM
وهكذا فإن أقصى فضاءات حلم الشاعر أصبحت تتلخص في أن يتمكَّن من ممارسة أبسط أشكال الحياة الطبيعية التي حجبها عنه ذلك الجدار:


أن أشرب الشاي صباحاً وأخي
أن أستعيد طابة العمر من البئر
التي حَجَبتَ عنها قمري
أن أوقظ الحمام
أيها الجدارْ.
وفي قصيدة أخرى يرسم لنا الشاعر صورة مفعمة بالأسى للمشهد الذي تتجلى فيه المعاناة التي يكابدها أهلنا في الجولان في أعمق وأقسى حالاتها، وذلك عندما يتقابل أفراد الأسرة الواحدة على التل الذي يفصل بين أرض الجولان وأرض الوطن ليتبادلوا الكلام عبر مكبّرات الصوت برعاية عناصر الأمم المتحدة (ال: UN). فعلى أرض الوطن الواحد لا يتمكن الأشقاء والأبناء والأمهات من مخاطبة بعضهم إلا عن بعد وبحراسة الغرباء:
فعلى تلّ الصيحات
نقفُ
وجوار ال (يو –إن) هم يقفون
بفيء علم
به شوق ممزوج بألم

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:09 PM
ومما يزيد من وطأة المأساة على قلب الشاعر، أن هذا المشهد يتكرر على مرأى ومسمع من العالم الذي يتبجّح بالتقدم والتمدن والإنسانية –ويشير الشاعر بشكل خاص إلى الصحافيين والضيوف الأوربيين –دون أن يحرِّك فيهم هذا المشهد المغرق في المأساوية أية مشاعر إنسانية، مما يدفع الشاعر إلى التعريض بالمفارقة الحادة بين موقف الشاعر الغربي الذي يتباكى على تساقط ورق شجرة عَبَثَت بها حشرة ضئيلة، وبين صمته المخزي أمام انتهاك العدو الصهيوني لكل قدسية الإنسان، وإذا كان الشاعر الغربي يندسُّ في أحشاء شجرة ليهجو حشرة في الجو، فإن شاعرنا يبكي لحماً يكسو منه ما تبقى من وجو للإنسان:

في الجولان
ما زالت تُفتحُ صالة أحزان
يا ذا الصحفي
والضيف الأوربي
تريان هنا الماضي
في حاضر جولان
ها شاعركم
يندسُّ بأحشاء الشجرة
يبكي ورقا، يهجو حشره
في الجو
أما نحن
فشاعرنا يبكي لحماً
يكسو منه شبحاً فينا
ليضيق قليلاً ثوب الإنسان.
وبالرغم من فجائعية هذا اللقاء الذي يجمع الأهل على (تل الصيحات)، إلا أنه يبقى حلماً عند سكان الجولان وعند ذويهم في الوطن، لأنه المنفذ الوحيد المتاح لهم للتواصل فيما بينهم. هذا التواصل الذي يشعل في نفس كل من الطرفين الحلم بتجاوز المدى الضيّق الذي يكاد لا يتسع لرجع الصدى، نحو الأفق الذي يلغي انشطار الروح ويعيدها إلى الجسد الواحد، جسد الوطن، أو فالموت في سبيله، لأن الموت في سبيل الوطن يتحوَّلُ إلى نجمة تضيء المكان:
ونطيرُ
كسربِ حمامْ
هم ونحن نطيرُ
ويرفُعنا حُلمانْ
من مدى ضيّقٍ
لا مكان لرجع الصدى
واسع كفضاء الردى
هم ونحن نطير
لكي ترقد الروح
في جسدٍ واحدٍ
ربما
وطن
نجمةٌ
قد تضيء بأي مكان.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:09 PM
ومع أن هذا اللقاء قد لا يمتد إلى أكثر من لحظات قصيرة، إلا أنها لحظات تختصر العمر كله، العمر الذي تذؤِبهُ ومضة الفرح فيتقاذفه ضوء الفجر وعتمة الليل ويدوخ الزمان. ففي ظلام البعد تسطع بارقة تنفخ الحياة في الكلمات وتخرجها من قبور الحناجر لينادي الابن أباه ويتقرّى الأب ملامح ابنه، ويبحث الأخ عن أخيه، ويبرز من بين الجموع وجه فتاة فيندلع الشرر من فؤاد على الجانب الآخر يكاد يضنيه الفراق فيصرخ: أنتِ، ويدوخ الجَنان، ويحلّق الواقفون على الطرفين على أجنحة الحلم، ويفترشون دموعهم سجّادةً يصلّون عليها، فالشام كعبة للقادمين من الأرض المحتلة، والجولان كعبة للقادمين من الوطن الأم:
هم ونحن نطيرُ
ويرفعنا حلمانْ
نلتقي!
نفرشُ الدمع سجّادةً
ونصلي
فجولان كعبتهم
وشآمٌ لنا كعبة
رّبنا
هل تجوز صلاةٌ إذا
تتقاسمها قبلتان...

إنه موقف من أكثر المواقف الإنسانية تأثيراً، يلتقطه ابن الجولان (معتز أبو صالح) بشفافية فذّة، وشاعرية موّهجة، ليقدمه لنا في واحدة من أجمل قصائد هذا الديوان.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:09 PM
وعندما يعلن الشاعر بلسان أهل الجولان جميعهم أن (الشآم لنا كعبة) فإنه يؤكد شعرّياً ما أكده الجولانيون على أرض الواقع بنضالاتهم العنيدة ومواقفهم الصلبة ورفضهم القاطع لمحاولات العدو طمس هويتهم الوطنية وسلخهم عن انتمائهم العربي السوري، فليس سوى دمشق من تستحق أن تشخص إليها العيون، وتفرش لها الدموع:
وعندما ناقوس حزني
في المدى يدقُّ
يحتقنُ الفضاءُ بالدموعِ
قد أبحثُ عن برقٍ
يقود مقلتي
فأشكر الجدار
إذ تشوقُني دمشقُ
دمشقُ
يا دمشق
ومَنْ سواكِ الدمعَ يستحقُّ.
وبالرغم من أن هذه المجموعة تضمّ عدداً من القصائد الأخرى التي تتضمن مواقف في الحب والحياة والوجود وتأملات في الطبيعة والنفس البشرية، إلا أنها جاءت أقل حرارة وتوهجا، وأضعف في مستواها الفني من النصوص التي استلهمت خصوصية المعاناة التي يكابدها أهل الجولان والتي أوردنا بعضاً من مقاطعها فيما سبق.
وإذا كان هدفنا الرئيس من عرضنا لهذه المجموعة هو الاحتفاء بهذه النفحات التي هبّت علينا من أرضنا السليبة، وتوجيه التحية من خلال ذلك إلى أهلنا الصامدين فيها، إلا أن ذلك لا يعفينا من إلقاء نظرة نقدية فنية على النصوص التي بين أيدينا، ولو بشكل سريع وموجز.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:10 PM
فمما لا شكَّ فيه أن هذه المجموعة تستمدَّ مزيتها الخاصة من مجموعة من العوامل التي توافرت للشاعر فاستطاع بوساطتها أن يحلّق بعدد من نصوصه ليدخل بها ملكوت الشعر، ومن أهم هذه العوامل جسامة القضية الوطنية التي ينطلق منها الشاعر وعمق التجربة المأساوية التي يعبّر عنها، ومهارته في بناء المعادل الفني القادر على حمل وهج هذه التجربة وبثها في نفس المتلقي، وذلك من خلال رهافته في التقاط المشهد المؤثر (مثل مشهد لقاء الأهل على تل الصيحات والفتاة التي تظهر من بين الجموع، والأب الذي يتقرّى محيّا ابنه في قصيدة "لقاء خارج الجولان "وكذلك الحوار المؤثر بين الابن وأبيه في قصيدة "لماذا أبي" وقل مثل ذلك في اللحظتين اللتين شكّل منهما مناخ مقطوعتيه (لحظة –1- ولحظة –2-)، وأيضاً من خلال توظيف التعابير اللغوية الحيّة (مثل: ليتكم ما رأينا ترون، نومة الكهف، فلتعد للأفاعي ضناها)، وكذلك من خلال إغناء الفضاء التخييلي للنصوص بالصور الشعرية الموحية (مثل: لحقتكم سماء تمعدن فيها الغضب، رحيل يدثّرني بعصاه، عنقود أفكارك يحمرّ وصحن الأرض ضيق، يمشي على متن النهار، وغيرها)
ولا بد أيضاً من ذكر الدور الذي لعبته ثقافة الشاعر التي أتاحت له أن يستخدم التراث الشعبي والموروث الثقافي والديني والأساطير العالمية في عدد من الإحالات الذكية التي ساهمت في رفد ينابيع المعنى في النصوص.
أما المآخذ التي لا بدّ لنا من الإشارة إليها فتتجلى أساساً في ضعف تملك الشاعر للغته التملك الفني الكافي لتطويعها وفق متطلبات الحالة الشعرية، لذلك كانت تطفح على لغته في الكثير من المقاطع النتوءات والزيادات التي تشوّه تدفقها (فالنتوء واضح في جملة: فيلبس الجدران قد تمسي سميكة، وأيضاً في جملة: بفيء علم به يشوق ممزوج بألم)، بالإضافة إلى الانقطاعات الكثيرة التي كانت تعتور البناء الإيقاعي دون أن يكون لها أي مبّرر فني، وعلى صعيد البناء التخييلي للنصوص، وبالرغم من أن الشاعر يمتلك خيالاً خصباً أتاح له أن يقدم لنا مجموعة من الصور الجديدة والجميلة، إلا أنه اتكأ في أحيان كثيرة على الاستعارات المألوفة والتعابير الجاهزة التي بدت معها بعض المقاطع باهتة وباردة.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:10 PM
وإذا أضفنا إلى ذلك كله عدم قدرة الشاعر على إخفاء الأصداء الكثيرة التي تركتها محاولاته لتقليد الشعراء الآخرين، أدركنا أن تجربته ما زال ينتظرها الكثير من الاحتراق بنار الشعر حتى تنبعث صافية ومتوهجة، وتحتل مكانها المتفرد على خارطة التجارب الشعرية العربية الحديثة.
وبعد، فقد شهد الشعر العربي المعاصر مجموعة من الظواهر الشعرية التي ارتبطت بالأحداث التاريخية الكبرى التي عَصَفت بأمتنا العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، فشهدنا ظاهرة (شعراء الأرض المحتلة) وظاهرة (شعراء الجنوب اللبناني)، فهل تكون مجموعة (الجدار) للشاعر معتز أبو صالح مقدمة لظاهرة (شعراء الجولان).


***

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:11 PM
الشافعي يدلق ألوانه


عندما قدّم لي كتابه (الألوان ترتعد بشراهة) الذي يتضمّن قصيدة واحد تمتدّ على أكثر من ألف صفحة من القطع الصغير، كتب لي الشاعر شريف الشافعي في الإهداء: (هي علبة ألواني الموسيقية، دَلَقتها –عن عمد –يدُ الطفل العابثة)، وقد صدر الكتاب ضمن السلسلة الأدبية التي يصدرها مركز الحضارة العربية في القاهرة، عام 1999، وجاء على الغلاف: قصيدة شعرية.
وللحق، فإن ذلك الإهداء يصلح تماماً ليكون مدخلاً إلى هذا العمل، فهو يتضمَّنُ جميع الخصائص الرئيسة التي تقوم عليها بنية النص الذي بين أيدينا. بلى لعله من المدهش أن نلاحظ كيف تجسدُ كل كلمة من كلمات هذه العبارة الصغيرة التي كتبها الشافعي في إهدائه، أحد مقوّمات هذا النص، وتعبّر عن سمة من سماته، بحيث يمكن لهذه العبارة التي لا تتجاوز سطراً واحداً أن تختصر الكتاب الذي ينوف عن الألف من الصفحات، وذلك على نحو طريف ومدهش في الوقت نفسه، كما سنرى فيما يلي:
أولاً:
تتجلى الخصيصة الأولى من خصائص هذا النص، في كونه (علبة) –كما تقول الكلمة الأولى في الإهداء، فالنص علبة فعلاً لأنه يضمّ جميع أشكال الكتابة تقريباً، فهو يبدأ بمقطع طويل من (شعر التفعيلة):
كائنات تذوب/
ويصطدم النجم
في آخر امرأة بالوريدِ
أقوم
من الوردة الساحلية.. واليودِ
كي: كائنات تعود
ثمَّ يتحول النص مباشرة إلى شكل (قصيدة النثر)، فيقول:
هنالك
حيث يحلم صبيٌّ مكتحل العينين
بأن يتفتت..
شرط أن تتفتت الحصوات المدببة
في مرارته...

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:11 PM
ثمّ يورد الشاعر في الهامش مقطعاً سردّياً عادياً ينتهج نهج الحكاية الشعبية، بل إنه يبرع في محاكاة بنية الحكاية وأسلوبها، إلى درجة توهمك أنه يقصّ عليك فعلاً إحدى الحكايات التي تتناقلها شفاه أهل القرى والأرياف:
(ذات ليلة نزل رجل ريفي يرتدي جلباباً مهترئاً من على حماره، وصفع الصبي على قفاه، ناهياً إياه عن معاودة هذه الألعاب الخطرة. احتبست أنفاس الصبي تماماً واستند إلى العمود الذي خرجت أسلاكه (الخالية من الكهرباء) مثل أحشاء بطن مبقورة، وعندئذ تصادف مرور امرأة في الشاعر الضيق، لها بعض ملامح أمه، أو هكذا تخيّلها، جعلت تداعبه، وتهدئ من روعه..)
وما أن يعود الشاعر إلى شكل (قصيدة النثر) بضع صفحات، حتى يفاجئك بأبيات شعرية خليلية متكاملة مثل هذا البيت:
أيا راحلاً، قبل يوم الرحيل

تركت الجحيم –لتصلى سقَرْ

إذا شئت أن تستردَّ الحياة

وترجع فوق الثرى، فانتحرْ

وليس مصدر المفاجأة هنا هو سرعة التنقل بين قصيدة النثر وشعر التفعيلة والبيت الخليلي، بل إن المفاجأة الحقيقية تكمن في قدرة الشاعر على تحميل البيت الكلاسيكي بالكثير من عوامل التوهج والدهشة، إلى درجة أزعم معها إنني أعجبت ببعض أبياته أكثر بكثير من بعض القصائد المطوّلة التي يدبجّها الشعراء التقليديون، خذ مثلاً هذين البيتين:
رياحُكِ سوف تكنسني لألقى

مصيراً، بات يطلبه الترابُ

ولسنا كائنين بغير حظٍ

ولكنَّ الحضور هو الغيابُ

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:11 PM
ثم لا يلبث النص أن يلجا إلى لغة السرد العادية فيقول مثلاً:
(علم الأب أن الولد الأول سيعيش طويلاً،
وسيرتقي سلم الرفعة تدريجيّاً..
وأن الولد الثاني
سيكون له في –عمره القصير –شأن عظيمٌ،
ومنزلة كبيرة بين الناس....)
ويضّمن الكاتب نصّه عدداً من المقاطع التي يقلّد فيها الأساليب المتنوعة لكتابة القصة القصيرة، كما يلجأ إلى أسلوب الحوار المسرحي، في كثير من الأحيان، كما في هذا المقطع:
=أحبّكَ..
كم.
=كثيراً...
كيف.؟
= في حذرٍ..
-إذن سينام هذا الحب في ثلاجة الموتى
=أراك مغالطاً..
-بل واقعياً!
وليس ذلك فقط، بل إن شريف الشافعي الذي يبدو مصرّاً على توظيف كافة أشكال الكتابة المعروفة، يذهب خطوة أخرى شديدة الجرأة، حين يورد مشهداً كاملاً يلتهم أكثر من اثنتي عشرة صفحة، مكتوباً على الطريقة الخاصة بسيناريو الدراما التلفزيونية، ليس من خلال الحوار الذي اختار له اللهجة العاميّة المألوفة في المسلسلات، فقط، وليس من خلال تحديده لديكور المشهد وملابس الممثلين، وتعيينه شروط التصوير (داخلي /نهاري)، فحسب، بل من خلال إمعانه في تقليد الطريقة التي يقسم بها كتّاب السيناريو الصفحة بحيث يجعلها عمودين: العمود الأيمن يتضمن الحوار بين الشخصيّات، بينما يتضمن الأيسر المؤثرات الصوتية والتعليمات المتعلقة بحركة الممثلين، بحيث توهمك الصفحة أنها مأخوذة فعلاً من سيناريو حقيقي.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:12 PM
ولا يفوت الشافعي أيضاً أن يضمّن مقاطع من سيرته الذاتية (لم أكن أطمئن، صدقيني، إلى زيت كبد الحوت، وأنا في العاشرة، إنما اضطررت إلى تناول جرعات مكثفة منه لإصابتي بالتهاب في الكبد..) أو أن يروي لنا عدداً من الأحلام التي راودته، وأحياناً يقلّد أسلوب الحكم والأمثال الشعبية (حسن الظنّ مرحاض عمومي، إذا ما دخل المرء إليه –استوطنت في ثوبه الأدران)، ويلجأ أحياناً أخرى إلى أسلوب الأساطير، فيخلق مدائن أسطورية مثل مدينه (يعطش)، وشخصيات ذات ملامح أسطورية (مثل: ورد، وبشرى، وكاميليا، وسلوى، وزين العابدين، وفاطمة وغيرها) كما يقلّد في كثير من الأحيان أسلوب النص القرآني:
(فلا الشمس لها أن تسبق الزورق
في السعي من الشرق إلى الغرب
ولا الليل له
أن يسبق الضوء الذي تأتي به سلوى)
وهكذا نرى كيف جعل الشافعي من نصّه (علبة) فعلاً تضمّ جميع أشكال الكتابة المعروفة من البيت الشعري الكلاسيكي إلى شعر التفعيلة وقصيدة النثر وإلى فنون السرد المختلفة من السيرة والحكمة والحكاية والقصة القصيرة والأساطير والأحلام والحوار المسرحي والسيناريو التلفزيوني أو السينمائي، بحيث تختلط هذه الأشكال جميعها وتتشابك بالرغم من تقسيم النص إلى متون وهوامش، هذا التقسيم الذي لا يقوم على أي أساس منطقي، إذ أن الهامش يمكن أن يكون متناً أحياناً، كما أن المتن نفسه يمكن أن يكون هامشاً في أحيان أخرى، لذلك يبدو هذا التقسيم لعبة أخرى من الألعاب التي تزيد من التداخل بين عناصر النص المختلفة، ومن ثم تزيد من غناه وتنوعه.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:12 PM
ولا بدّ لنا في هذا المجال أيضاً، من ملاحظة أن النصّ لا ينبني على موضوع محدد، أو حالة معينة، بل يعرّج على جميع المواضيع والمواقف التي مرّت في حياة الشاعر، أو استوطنت ذاكرته من خلال المعارف التي كونت وعيه وثقافته، سواء كانت هذه المعارف أدبية أو تاريخية أو دينية أو علمية. كما أن النص لا يتمحور حول رؤيا واحدة، إذ تتعدد الرؤى التي تنبثق عن مقاطعه المتعددة بحيث يمكن لها أن تصل إلى حد التناقض أحياناً، لذلك فقد قسم نصّه إلى عدد كبير من المتون والهوامش ومساحات البياض، كما استخدم جميع الأشكال المختلفة للحروف الطباعية بأحجامها المتعددة، بحيث أصبح النص فعلاً (علبة) كبيرة تتكدَّس فيها كل تلك المحتويات.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:12 PM
ثانياً:
أما الخصيصة الثانية من الخصائص التي تقوم على أساسها بنية هذا النص، فيمكن لنا أن نستشفّها من عبارة (الألوان الموسيقية المدلوقة) التي وردت في جملة الإهداء التي سبق ذكرها، ففي هذه العبارة يتضح مدى شغف الشاعر بتماهي الأشياء بعضها ببعض، إلى درجة تمحي معها الفروقات الموضوعية بين الموجودات، وتتداخل صفاتها، فتصبح الألوان موسيقا، وتكتسب الأنغام ألواناً مرئية، بل تنتقل الانطباعات البصرية اللونية التي اتحدت مع الانطباعات السمعية النغمية، من حالتها غير المتجسدّة إلى حالة جرمية حقيقية ذات طبيعة محدّدة هي الطبيعة السائلة التي يمكن للشاعر أن يدلقها دلقاً، كما يدلق أي سائل آخر من سوائل الطبيعة، إلا أن الشافعي سرعان ما يعلن تبرّمه من هذه الحالة السائلة لموسيقاه، وتوقه إلى استمرار طقس التحوّل فيقول في الصفحة 62 من الكتاب: (أترقب في قلق التحول الكيميائي الثاني لموسيقاي: من الحالة السائلة إلى الحالة الصلبة).
ولا بد هنا من التنويه إلى أن الأمر في نص (الشافعي) يتجاوز ما قال به (رامبو) والشعراء الرمزيون وما عُرِفَ في الدراسات الأدبية بمصطلح (تراسل الحواس). فتراسل الحواس يعني نقل إدراك المادة من الحاسة المتخصصة بها إلى حاسة أخرى، كأن ننقل إدراك اللون مثلاً من حاسة البصر إلى حاسة الذوق فنقول: تذوقت اللون، أو شممت الصوت، وما إلى ذلك، أو أن نضفي على الأشياء صفات جديدة لم تكن بها ويتم تحسسها بحواس لم نعتد أن نستخدمها في هذا الموضع، كأن نجعل للأزهار موسيقا، ولتغريد الطيور ألواناً، أما في نص (الألوان ترتعد بشراهة) فإن الشاعر يدفع باللعبة إلى أقصى حد لها، حيث يتم تحرير جواهر الأشياء من طبائعها الثابتة، لتكتسب القدرة على التغير والتحول وإعادة التشكّل في أية حالة من الحالات.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:13 PM
ويكن للمرء أن يقف على مدلول هذا الكلام من خلال أية صفحة من صفحات الكتاب، بدءاً من العنوان نفسه (الألوان ترتعد بشراهة) حيث جعل الألوان من لحم ودم وأعصاب ترتعد، كما وصف ارتعادها بالشراهة، وهي صفة منتزعة من حقل دلالي آخر. كما أنه في مطلع النص جعل الكائنات تذوب، وجعل النجم يصطدم بالوريد، ووحّد ما بين طبيعة الفحم وطبيعة الدورة الدموية، وجعل منهما معطفين، كما ربط صوت الطواحين بخيط الطباشير الذي يعلّقه في بطن أمه! وعندما يضحك أبوه لا يجد ما يعبّر عن حالته إلا حالة انصهار الدهون في الثديين، أو عجين الفطائر! وإذا ما تذكرنا محور الاختيار الشهير الذي وصفه (رومان ياكوبسون) أدركنا أن جميع مفردات هذا المحور تصلح لأن يتناولها شريف الشافعي ويزّج بها في أية جملة من جمل نصّه غير عابئ أبداً بمعناها المعجمي الأصلي، وغير مكترث بالدور الذي ستلعبه في تلك الجملة، انظر مثلاً هذا المقطع:
(جاء الغدير:
على إصبع واحد
وثمان وتسعين أنثى
وجئتُ على ريشة
لا يبللها غير ماء الحنين إلى أوّل الشيء
جئت،
وهذا الرخام تلبّسني:
فأصاب المثانة بالبرد،
والقلب بالورد...)
أو هذا المقطع:
ما بال جمجمتي –
تطير كالكالسيوم الرخو،
تحملها أكياس دهن –
كأجراس البلوغ؟


ولن أسوق المزيد من الأمثلة، لأن القارئ بإمكانه العودة إلى أية صفحة من صفحات الكتاب ويرى كيف جَبَلَ الشافعي الأشياء بعضها ببعض، وصهرها في بوتقة واحدة، بحيث أرجعها جميعها إلى جوهر واحد. وكأني بالشاعر يؤمن بأن المخلوقات على اختلافها، ما هي إلا تجليات متعددة لأصل واحد أزلي وأبدي، مما يقرّبه كثيراً من مذهب الشيخ الأكبر ابن عربي في وحدة الوجود.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:13 PM
ثالثاً:
أما الخصيصة الثالثة من خصائص هذا النص، فيمكن لنا أن نستخلصها من فعل (دلق) الوارد في الإهداء نفسه. فدلق المواد يعني رميها بطريقة عشوائية، وبالفعل، فإن الشاعر يبدو هنا وكأنه يقوم بدلق أحاسيسه ومشاعره وأحلامه وراؤه، وتجاربه المختلفة مع الأشياء والكلمات والمعارف والنصوص، دون أي ناظم ينتظمها، أو ترتيب يجمعها. وبذلك يمكن لنا أن نتخيّل الشاعر، وكأنه أراد أن يفرغ كلَّ ما في داخله، مرة واحدة، على الورق، ليعطينا هذا النص، وليتركنا نتجوّل بحرية بين ألفاظه وإيقاعاته. نتوقف مرة أمام استعارة موحية، ونشهق مرة أمام صورة مدهشة، نغامر باكتشاف معنى عبارة أحياناً، ونخفق في فضّ بكارة مقطع كامل أحياناً أخرى، نسترجع ذكرى مدفونة في أعماق ذاكرتنا وقد أيقظتها شذرة نغمية، ونرسم وجوهاً لشخصيات أوحت بها إلينا حواريات مقتضبة غامضة. نعايش أحلاماً نتوهم أننا حلمنا بها ذات يوم، ونتخيّل أماكن نعتقد أننا مررنا بها، وتجارب كما لو أننا خضناها، ومسرّات كأننا نتذوّقها من جديد، وأحزان كأننا لم نبارحها قط. كل ذلك دون ترتيب مسبق، ودون أي ناظم منطقي، لأن الشاعر تركنا وحدنا في متاهته، ولم يرسم لنا أياً من الإشارات التي من شأنها أن ترشدنا نحو الطريق الذي يتوجب علينا اتباعه للوصول إلى غاية معينة، أو لجعل تطوافنا مبرمجاً، بحيث تشكل كل مرحلة منه إضافة ذات معنى تضاف إلى ما سبق لنا أن راكمناه، مما قد يساهم في تبديد بعض الغموض الذي يحيط بنا، أو في تنامي رؤيا معينة تتركب من مجموع الشذرات التي يتشكل منها النص، أو –على الأقل –نشعر معها بأننا نتوغّل قدماً في مغامرتنا التذوقية.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:14 PM
رابعاً:
إلا أن هذه الحالة التي تم وضعنا فيها إزاء هذا النص، لم تأت بالمصادفة، ولم تكن نتيجة خالٍ ما، اعتور البنية الفنية، كما أنها ليست نتيجة لقصور أدوات الشاعر في التوصيل، إذ إن كلمة –عن عمد –التي يصرّح بها الشاعر في إهدائه المذكور، تؤكد القصدية الواعية التي اعتمدها الشاعر مسبقاً في بناء نصه وفقاً لهذا الشكل بالذات، فالقصدية، أو العمدية، هي الخصيصة الرابعة من خصائص نص الشافعي إذن. وهو لا يخفي قصدَّيته في نصه، بل يذكّر القارئ بها بين الحنين والآخر فيقول مثلاً:
ومازلت أقصّ عليكِ القصص
قصاراً
حتى لا يعلق في ذهنك –
منها شيءٌ
ففي هذا المقطع (الذي يتكرر كثيراً داخل النص) يؤكد الشاعر أنه لا يتوخى من وراء ما يكتبه التبشير برؤيا محددة، ولا الترويج لفكرة، ولا عرض تجربة للإفادة منها، ولا نسج حكاية للإنتفاع بمغزاها. ولا يصنع بناءً فنياً يثير المتعة أو البهجة، ولا يخلق عوالم من شأنها أن تطلق الخيال أو تحرض على التأمل. إنه لا يريد شيئاً من ذلك، بل هو يدلق فعلاً جميع مخبوءات عالمه الداخلي في هذه العلبة وهو يعرف أنه لن يعلق منها في ذهن المتلقي شيء. ويشير في مقطع آخر إلى أن ما يقوله ليس سوى كلام خال من المعنى يدلقه من أباريق الطفولة:
هنا:
أباريق الطفولة نصف فارغة،
ونصف مليئة..
بكلامي الخالي من المعنى/
وبالرغم من أن الشاعر يصف كلامه نفسه بأنه خال من المعنى، ويسميّه (ثرثرة) أو (هذياناً) أيضاً، إلا أن هنالك ما يمنح الشرعية لهذا الكلام، وما يجعل من الثرثرة (عنباً) ومن الهذيان (نبيذاً) على حدّ قوله:


هنالك
(أنتَ) منبعث من (أنتَ)،
لكي تجعل الثرثرة عنباً
والهذيان نبيذاً.
إذن، فإن ما يعطي قيمة لهذه الثرثرة، وما يبرر هذا الهذيان، إنما هو (الصدق الفني) الذي يجعل الكلمات تنبعث من الذات لتشكّل معادلاً موضوعياً صادقاً لها، فالنص هو (أنت) لأنه منبعث منك، ويعبّر تماماً عنك، وفي هذه الحالة وحدها تشتعل الكلمات، وتخرج من مستنقع الثرثرة والهذيان، لتدخل ملكوت الشعر، أليس الشعر هو أن تخلق من الكلمات بنية فنية تعادل عالمك الداخلي الجيّاش بالعواطف والمشاعر، حتى ولو كانت هذه العواطف غامضة، وتلك المشاعر متناقضة، طالما أنك صادق في نقلها، وماهر في بثّها من خلال جمرة الإبداع المتوهجة.؟

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:15 PM
خامساً:
أما الخصيصة الخامسة فيمكن لنا أن نستخلصها من الوصف الذي أطلقه الشاعر على يده التي دلقت علبة ألوانه الموسيقية، بأنها (يد الطفل العابثة). ففي هذا الوصف يصرّح الشافعي بمذهبه الفني، وبموقفه من الحياة والوجود. فالفن بالنسبة إليه ليس سوى لعبة نعبث من خلالها بموجودات العالم، لا عبث اللهو الفارغ، وإنما العبث الذي يكشف الحقيقة أو الذي يتطلع إلى اكتشافها، إذ إن الطفل هو رمز الكشف عن الحقيقة الأصلية بما يمتلكه من بصيرة صافية لم يعلق بها بعد الغَبَشُ الذي يزيف الرؤية والرؤيا، (هل تتذكرون ملابس الإمبراطور؟) لذلك فإن يد الطفل العابثة هي القادرة على زعزعة الركود، وإزاحة الركام، وتحرير الحقيقة من أغلال مصالح المتسلطين، وأكاذيب المنتفعين، وفلسفات التبرير والتضليل. إن الفن والشعر هو طريق الحقيقة، أما كتب الفلسفة فلن نحصد منها غير الدخان، كما يقول الشاعر:
كان صديقي
كتاب فلسفة،
صار صديقي
دخان غليون/
ولكن الأخطر من ذلك، إن الحياة ـ في ظل هذا الخراب الذي ينشره طغيان النزعة المادية الاستهلاكية، وتهميش الروح، وإقصاء قيم الحق والخير والجمال ـ، تبدو هي نفسها عبثية بلا معنى، أو بلا جدوى، لذلك يصرخ الشاعر/ الطفل:
أي معنى للأكواخ،
للجرانيت
للنمل،
للنواعير،
لسلالة البدو
لالتصاق الخفافيش ـ
بوجوه أهل القرية في الأساطير..،
أي صواب ـ
في تبييض الأواني النحاسية
أية حكمة في نتف مقدونس الإبطين
وترويض الثيران الوحشية ـ
في الأجساد؟

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:15 PM
ما معنى كل ذلك في زمن يسد الآفاق أمام أية رغبة في المقاومة، وأي تطلع نحو التغيير، ويطفئ أية بارقة يمكن لها أن تبعث الأمل في النفوس؟. زمن سيطر فيه على العالم قطب واحد، يتحكّم فيه، كما يتحكّم المايسترو بحركات أعضاء فرقته، وتشوهت فيه جميع القيم وتهافتت فيه كل الشعارات، فاختلط الكفاح الأحمر بالبارود الملوث، واختلط النضال الأخضر بطنين الأجنحة القذرة:
ما معنى:
أن يختلط الكفاح الأحمر بالبارود الملوث..
في خريطة واحدة يعرضها أساتذة الجامعة على طلابهم؟!
ما معنى
أن يختلط النضال الأخضر بطنين الأجنحة القذرة..
في نوتة موسيقية واحدة
يوزّع المايسترو عدة نسخ منها على أعضاء فرقته؟!..
في زمن كهذا، يغدو من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالغربة، وأن يعتقد أن غربته هذه هي قدر أزلي وأبدي مفروض عليه منذ (لا بداية)الزمن، إلى (لا نهايته):
أشعر أنني غريب كنملة فوق ظهر فيل،
أو كفيل فوق ظهر صحراء عملاقة تمشي على أربع..
من (لا بداية) الزمن إلى (لا نهايته).
ويؤكد الشاعر في مقطع آخر، أن غربته تلك ليست مجرد شعور مَرَضي ينتابه بين الحين والآخر، فالعالم الموحش الذي يصوغه اليوم أرباب رأس المال العالمي، يستلب جوهر الإنسان، بحيث ينفيه عن الوجود الحقيقي، ويحوله إلى دمية مجردة:
أنت حبيبتي بالتأكيد،
ولذلك لم تندهشي..
حينما أخبرتك
بحقيقة أنني غير موجود في الواقع،
وأنني مجرد دمية..
تظهر بصفة غير دورية في المسرح الأسود،
أو في حلقات إلى(مابت شو)

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:15 PM
ألا أن الشافعي، بالرغم من كل هذه السوداوية التي يراها في الواقع، وبالرغم من كل هذه العبثية التي تتمظهر فيها سيرورة العالم، لا يعدم برهة صفاء تنتابه، فيرى من خلالها المشهد على حقيقته، ويدرك أن هذا الخراب سببه أعداء الإنسان الذين يستأثرون بالهواء الطلق، ويزجّون بالفقراء والشعراء والعشاق في زنزانة الخيبة والحقد:
لماذا يقف:
الجواسيس،
وعبدة الروتين،
والسوس،
وأعضاء مجلسَي الدولةِ،
وخطباء المساجد غير المؤهلين،
ورؤساء تحرير الصحف القومية،
والمومساتُ،
والعرّافون،
وعصابات التهريب،
لماذا يقفون في الهواء الطلق..
ويقعد:
الفقراءُ،
والشعراءَ
والمتبتّلون..
في زنزانة الخيبة والحقد؟..
وعندما يتضح المشهد، تنضج الرؤيا، فيبشّر الشاعر بالمخاض الشهيّ، ويدعو إلى الرفض الذي سوف تنبت من تربته مملكة يتوّجها الحب:
ستنبت في تربة الرفض مملكة،
نحن تاجا خليفتها،
والبلاط الذي فوقه..
يدخل الشعبُ،
والشَغَبُ الحيوي،
فلا تحسبي حمرة الماء حزناً
فذلك لون المخاض الشهيِّ،
وأراني هنا مضطراً إلى توضيح مسألة قد تلتّبس على القارئ بعض الشيء، إذ إن ترتيب المقبوسات التي سقتها في هذه الفقرة، قد يوحي أن الشاعر يريد أن يبثَّ رسالة محدَّدة، يفتتحها بإعلانه السخط على الواقع الراهن الذي ينيخ بكلكله على الإنسان المعاصر، فيسلبه جوهره، ويهشّم روحه، ويجعله يكابد الشعور بالاغتراب، ويحيله إلى مجرد دمية يحركها الآخرون، ويضمّنها تشخيصه لهذه الحالة بإرجاعها إلى سيطرة أرباب رأس المال، وقمع المتسلطين، وهيمنة سدنة القطب الواحد، ويختتمها بالدعوة إلى التمرّد، والتبشير بعالم جديد لا يتوجّه سوى الحب وحده. إلا أن المسألة ليست بهذه البساطة، فالمقاطع السابقة لم تأتِ متتالية، أو منتظمة في سياق واحد، وإنما بعثرها الشاعر، كما بعثر غيرها، من مكونات علبته التي دلقها دلقاً على صفحات كتابه، بحيث أصبح حال القارئ الذي يبحث عنها، ليعيد تركيبها، يشبه حال من يبحث عن قطع لعبة (الصورة المجزأة)، في ركام الأشياء التي حطمتها (يد الطفل العابثة).

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:16 PM
وأخيراً:
بقي عليَّ أن أسجل ملاحظتين اثنتين، تتعلق الأولى منهما بإصرار الشاعر على تحديد جنس عمله هذا بـ(قصيدة شعرية) كما جاء على الغلاف. وأعتقد أننا لا يمكن أن نبرّر هذه التسمية إلا إذا اعتمدنا الرأي القائل باشتقاق كلمة (قصيدة) من (القصد)، بمعنى أن الشاعر تقصّد أن يكتب عمله وفق هذا الشكل الذي تختلط فيه أشكال الكتابة الشعرية والنثرية جميعها. وأنا أعتبر أن التسمية الأكثر ملائمة لهذا العمل هي تسميته بـ(النص)، وفي هذه الحالة يمكن أن نضيف صفة الشعرية فنقول إنه نص شعري، أما إضافة صفة (شعرية) إلى (قصيدة) كما هو وارد على الغلاف، فاعتقد أنه لا يوجد ما يبرّره على الإطلاق.
أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالنازع التجريبي الذي دفع بالشاعر إلى كتابة نصّه على هذا الشكل. فمما لا شكَّ فيه أن شريف الشافعي قد خاض في هذا العمل تجربة إبداعية متميّزة، بالرغم من أننا قد عرفنا في أدبنا العربي الحديث عدداً من التجارب المشابهة التي تقوم على كتابة نص مطّول يقدّم فيه الشاعر جماع رؤيته العامة للحياة والوجود. وعلى رأس هذه التجارب كتاب أدونيس (مفرد بصيغة الجمع)، وللحق، فإن المرء لابدَّ لـه من أن يلاحظ أن نصّ أدونيس يتضمّن العنصر الرئيس الذي يفتقد إليه نص الشافعي، وهو عنصر الترابط والانسجام الذي يجعل من النص وحدة متكاملة تهيّءُ للقارئ مناخاً نفسياً يؤهله لالتقاط مقومات الرؤية الجمالية والحسية والفكرية المبثوثة بين ثنايا النص. أما عند الشافعي فيبدو النص مركّباً من مجموعة غير متجانسة من النصوص الصغيرة التي ألصقها الشاعر ببعضها لصقاً، أو دلقها دلقاً، بالرغم من تنافر مناخاتها أحياناً مما يشي بأنها كتبت أصلاً في فترات زمنية متباعدة. بل ربّما كان بعضها مشروعاً لنصّ مستقل أضافه الشاعر فيما بعد إلى عمله هذا. ومما يندرج في هذا المجال أيضاً ما يلاحظه المرء من إصرار الشاعر المسبّق على أن يتجاوز نصه الألف من الصفحات، مما أجبره على التكرار غير المبرر في أحيان كثيرة، وكذلك على نشر مساحات البياض بشكل غير مقنع في العديد من صفحات الكتاب.
ومهما يكن من أمر، فإن نص (الألوان ترتعد بشراهة) يبقى تجربة شعرية متميّزة وجديرة بالقراءة والاحتفاء، لاسيّما أن النص حقّق ما أراده صاحبه فكان فعلاً (علبة ألوان موسيقية دلقتها، عن عمد، يد الطفل العابثة).!.


***

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:16 PM
قصيدة النثر

لسوزان برنار


لكتاب (قصيدة النثر منذ بودلير إلى الوقت الراهن) لسوزان برنار تاريخ عربي، وفاعلية مؤكدة في الشعرية العربية منذ صدور طبعته الأولى عام 1958 في باريس. بل ربما كانت فاعليته عربياً أعمق وأفدح من فاعليته فرنسياً في مجاله الحيوي الأصلي بالرغم من عدم صدور ترجمة له حتى الآن!..
هكذا يستهلُّ الشاعر رفعت سلام مقدمته للترجمة العربية لهذا الكتاب، التي قامت بها راوية صادق وصدر الجزء الأول منها مؤخراً عن دار شرقيات في القاهرة.
وبالرغم من أن الإشارة العربية الأولى إلى الكتاب كانت في مقال لأدونيس بعنوان (في قصيدة النثر) نشر في العدد 14 من مجلة (شعر) عام 1960، إلا أن الكتاب لم يترجم كاملاً إلى اللغة العربية حتى صدور هذه الترجمة التي بين أيدينا، (إذ أن الترجمة التي صدرت عام 1993، عن دار المأمون في بغداد لا تمثل سوى مختارات عشوائية منه لا تساوي أكثر من عشر مساحته الكلية).

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:17 PM
وفي الحقيقة، فإن المرء لابدَّ له من أن يتوقف أمام المقدمة الهامة التي كتبها رفعت سلام وتصدرت الطبعة العربية هذه بحيث يمكن اعتبارها جزءاً لا يتجزأ منها، ذلك أن سلاّم استعرض فيها تاريخ الفاعلية العربية لتأثير كتاب سوزان برنار في حركة الحداثة الشعرية العربية بدءاً من النصين الأساسين الذين أصبحا مرجعاً للأفكار الشائعة عن قصيدة النثر لدى الأجيال التالية، وهما مقال أدونيس السابق الذكر الذي اعتمد بصورة مطلقة على ما كتبته سوزان برنار في مقدمتها دون أية إضافة حقيقية، ومقدمة أنسي الحاج لديوانه (لن) التي كرر فيها ما قاله أدونيس في استعادة حرفية لمفاهيم ومصطلحات سوزان برنار. لذلك فإن فاعلية سوزان برنار في الشعرية العربية الحديثة كانت ـ على حد تعبير سلام ـ فاعلية بالوساطة عبر جماعة شعر أولاً، ثم من خلال أدونيس ثانياً، ولأنها كذلك فهي فاعلية منقوصة ومجتزأة، لأن أداة الفاعلية (التي هي الكتاب نفسه) لم يسمح لها بالحضور الذاتي المباشر والمكتمل، وإنما انحصر دورها في استخدامها الموجه وفي توظيفها من قبل الجماعة وبعض شعرائها، وهو توظيف اختصرها إلى بعض أفكار لا تخرج عن الصفحات الأولى، وهي فاعلية ملتبسة ـ من بعد ـ لاختلاطها بفاعلية أدونيس الشعرية والثقافية (ص10).

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:17 PM
ثم يستعرض الشاعر رفعت سلام تاريخ قصيدة النثر في الساحة الشعرية المصرية التي اخترقت التواطؤ على تجاهلها، من قبل التيارات الثقافية المسيطرة لتصدر أول مجموعة مصرية لقصيدة النثر بعنوان (مدخل إلى الحدائق الطاغورية) لعزت عامر عام 1971، ولتتواصل بعدها الإصدارات بحيث تصبح قصيدة النثر أمراً واقعاً في الشعر المصري وركناً أساسياً من الواقع الشعري، لا يقبل الوأد أو النفي باعتبارها أحد توجهات جيل شعري، ولعلها تندرج ضمن تحرير الخيال الشعري ـ الذي انطلق إليه الجيل ـ من المبادئ والقوانين المطلقة الجامدة.وافتتاح أفق شعري بلا محرمات أو ممنوعات بحيث يصبح كل شيء موضع شك وتساؤل واحتمال (ص20).
ورغم أنني أتفق مع الشاعر رفعت سلام في أنه مامن مفاضلة بين (التفعيلي) و(النثري) في ذاتهما المجردتين، ومامن أحكام قيمة. وكذلك في اعتباره قصيدة النثر أحد توجهات الجيل الشعري (وليس توجهه الأوحد أو الأفضل) وباعتبارها ركناً أساسياً من الواقع الشعري (وليست الركن الأسمى أو الأعلى) كما يرشح أحياناً من الضجيج العالي الذي يفتعله بعض من يكتبون قصيدة النثر، فإن لهجة الأسى التي تفوح من المقدمة شاكية من الصراع المرير التي خاضته وتخوضه قصيدة النثر في الواقع الثقافي الراهن يجب أن لا تترك لدينا الانطباع بأن الأشكال الأخرى من القصيدة العربية الحديثة تعيش وضعاً أفضل، ذلك أن الشعر الحقيقيّ برمته يخوض هذا الصراع المرير لمجرد كونه شعراً حقيقياً. والشعر الحقيقي قد نجده في (قصيدة التفعيلة) كما قد نجده في (قصيدة النثر). أما القصائد التي تركن إلى القبول والرضا والطمأنينة فلا أظنّ أن لديها الكثير مما يربطها بالقلق الإبداعي الأصيل الذي لا يمكن للقصيدة الحقيقية أن تخرج إلا من معطفه.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:17 PM
ومهما يكن من أمر ، فإن مقدمة رفعت سلام لهذا الكتاب تمثل وثيقة حقيقية عن تاريخية قصيدة النثر العربية بشكل عام، وفي الساحة المصرية بشكل خاص، وتشكل توطئة مناسبة للدخول إلى كتاب سوزان برنار.
أما الكتاب نفسه (في الجزء الأول الذي بين يدينا) فيتألف من مدخل، ولمحة تاريخية وأربعة فصول.
تنطلق المؤلفة ـ في المدخل ـ من إقرارها بصعوبة مسألة قصيدة النثر، إذ إنه ربما لم يتعرض أي شكل شعري لمفهوم الشعر ذاته، بمثل الحدة التي طرحتها قصيدة النثر. فرغم الإقرار بأن الشعر لا يكمن في أي شكل محدد سلفاً، إلا أن القبض على (الجوهر الشعري) وتحديده بمجموعة من القوانين والمواصفات لا زال أمراً خارج حدود التنظير، وما زالت الصعوبة قائمة فيما يتعلق بتعيين الحدود بين قصيدة النثر، والنثر الشعري. ولذلك تؤكد المؤلفة منذ البداية على استبعاد (جميع قصائد النثر غير القصدية) (ص34). بحيث يصبح الشرط الأول من شروط قصيدة النثر هو القصدية أو الإبداع الواعي، بمعنى ألا نقبل تحت عنوان قصائد نثر إلا أعمالاً اعترف مؤلفوها أنهم أرادوا أن تكون كذلك (ص34). (والتساؤل الذي يخطر في بالي حيال هذا الشرط هو أن محمد الماغوط صرّح علناً أنه لم يقصد كتابة قصيدة نثر، وأنه لم يكن يعتبر ما يكتبه شعراً في الأصل، فهل يكفي هذا لنخرج أعماله من دائرة (قصيدة النثر) بالرغم من أن الجميع يتفقون على اعتباره واحداً من أهم رواد قصيدة النثر العربية؟).
ثم تؤكد المؤلفة على المبدأ المزدوج لقصيدة النثر الذي يتجلى في نزعتها التدميرية والفوضوية المتوافقة مع استخدام النثر، ونزعتها البنائية والفنية المتوافقة مع الانتظام في قصيدة. ذلك أن قصيدة النثر قد نشأت من التمرد على قوانين الوزن والعروض، وأحياناً، على القوانين العادية للغة، لكن كل تمرد على القوانين الموجودة مجبر ـ فيما لو أراد تقديم عمل أدبي قابل للاستمرار ـ على أن يحل محل هذه القوانين قوانين أخرى خشية الوصول إلى ماهو غير عضوي وفاقد للشكل. وهي في الواقع ضرورة خاصة بالشعر تلك التي تتمثل في التوصل إلى إبداع شكل ما، أو ـ بعبارة أخرى ـ التعبير عن العالم الغامض الذي يحمله الشاعر في داخله وتنظيمه، فلن يستطيع الشاعر ـ حتى من أجل التعبير عن التمرد والفوضى ـ إلا أن يستخدم اللغة، وأن يمنحها القوانين(ص35).

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:18 PM
إن قصيدة النثر تذهب إلى ماهو أبعد من اللغة، وهي تستخدم اللغة، وتحطم الشكل وهي تخلق أشكالاً، وتهرب من الأدب، وهاهي ذي تصبح نوعاً أدبياً خاضعاً للتصنيف. وهذا التناقض الداخلي أو التعارض الأساسي هو ما يمنحها طابع الفن الإيكاري (نسبة إلى إيكاروس في الأسطورة اليونانية).
لكن الأمر ـ كما تقول المؤلفة ـ لا يتعلق حتى هذه اللحظة إلاَّ بإعمال مفهوم (القصيدة) لتحديد الموضوع، فإذا كان لمصطلح النثر معنى محدد تماماً، فإنه أكثر صعوبة بكثير الاتفاق على كلمة (قصيدة)، لذلك توضح المؤلفة الشروط المحددة الواجب تطبيقها عند الحديث عن قصيدة النثر بما يلي:
1 ـ وجود الإرادة الواعية للانتظام في قصيدة.
2 ـ أن تشكل كلاً عضوياً مستقلاً، بما يسمح بتمييزها عن النثر الشعري، فمهما بلغت القصيدة من درجة التعقيد، ورغم حريتها الظاهرية، إلا أنها لابدَّ أن تشكل كلاً وعالماً مغلقاً، خشية فقدان صفتها كقصيدة.
3 ـ المجانية: بمعنى أن القصيدة لا تفترض لنفسها أية غاية خارج نفسها، لا سردية، ولا برهانية، وإذا ما أمكنها استخدام عناصر روائية، ووصفية، فذلك بشرط أن تتسامى بها وتوظفها في كل واحد، ولأهداف شعرية خالصة. وتضيف المؤلفة لتحديد فكرة المجانية فكرة أخرى هي (اللازمنية) بمعنى أن القصيدة لا تتقدّم نحو هدف ما، ولا تطرح سلسلة من الأفعال المتتالية، لكنها تُفرَضُ على القارئ (كشيء)، ككتلة لا زمنية.
4 ـ الإيجاز: فعلى قصيدة النثر ـ أكثر من أية قصيدة عروضية ـ أن تتجنب الاستطرادات الأخلاقية أو أية استطرادات أخرى والإسهابات التفسيرية، فعلى قصيدة النثر تنطبق بصرامة مقولة (بو) الشهيرة (لا وجود لقصيدة طويلة)، فالحديث عن قصيدة طويلة هو تناقض مطلق في المصطلحات، على حد تعبير المؤلفة التي تصوغ طرحها في مبدأ حازم، إن قصيدة النثر الحديثة موجزة تماماً.
هذه هي القوانين الرئيسة التي تحكم مفهوم (قصيدة النثر) كما طرحتها سوزان برنار في مدخل كتابها، وبالرغم من هذه القوانين قد سبق عرضها في المقالات العربية التي تحدثت عن قصيدة النثر بدءاً من مقال أدونيس الشهير في مجلة شعر (ربيع 1960)، وما تلاه من بيانات ومقدمات لم تخرج عن كونها نقلاً حرفياً مباشراً من هذا المدخل بالتحديد (ذلك أن غالبية أصحاب هذه المقالات كما يبدو كانوا يتوقفون عند هذا المدخل دون الكتاب بمجمله) إلا أن المرء لابدَّ له أن يطرح اليوم السؤال التالي: ترى كم قصيدة من هذا الركام الكبير من قصائد النثر العربية التي كتبت منذ عام 1960 وإلى اليوم تنطبق عليها هذه القوانين أو الشروط؟

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:18 PM
وبعد المدخل، تنتقل المؤلفة إلى اللمحة التاريخية التي تدرس فيها قصيدة النثر قبل بودلير فتقول إنه بالرغم من أن النثر الشعري وقصيدة النثر مجالان أدبيان متمايزان، إلا أن النثر الشعري كان أول مظهر للتمرد ضد القواعد القائمة والطغيان الشكلي الذي مهد لظهور قصيدة النثر، فمنذ نهاية القرن الثامن عشر أصبح تاريخ الشعر الفرنسي هو تاريخ استعادة بطيئة للمعنى على حساب الصوت، وللجملة على حساب الوزن.
ثم تتحدث المؤلفة عن التأثير الحاسم الذي لعبته ترجمات الشعر من اللغات الأخرى إلى اللغة الفرنسية، إذ أن نجاح عدد من الترجمات في نقل جماليات الشعر الأجنبي أثبت أن القافية و الوزن ليسا كل شيء في القصيدة، وأن اختيار الموضوع والغنائية والصور وبناء القصيدة ووحدة الانطباع هي كلها عناصر قادرة على إثارة الصدمة الشعرية الغامضة.
(أليست مفارقة طريفة أن تعتبر سوزان برنار تأثر الشعراء الفرنسيين بالشعر المترجم إلى لغتهم عاملاً رئيساً من عوامل نشوء قصيدة النثر في فرنسا، بينما يعتبر الأمر نفسه تهمة كبيرة يوجهها التقليديون إلى شعراء قصيدة النثر العربية، الذين يسقط في أيديهم فيتخبطون ـ بدورهم ـ ويحاولون نفي التهمة بشتى الوسائل وكأنها عار لابد من التنصّل منه؟!).
وتتابع المؤلفة بحثها في عوامل نشوء قصيدة النثر عبر اللمحة التاريخية فتتحدث عن تحرير اللغة والتجديد الشعري فيما قبل الرومانتيكية حيث يتساءل (روسو) في إحدى كراساته: كيف يمكن أن تكون شاعر نثر؟.. ثم تنتقل إلى بداية القرن التاسع عشر مع (شاتوبريان) الذي أبدى نزوعاً غريباً لجمع الانطباعات والتفاصيل الوصفية في مقاطع تقترب من قصيدة النثر، ثم تجيء (مدام دوستايل) لتؤكد على إمكانيات النثر المتعددة، ومع فجر الرومانتيكية يتم البحث عن شكل أكثر ملائمة مع الطموحات الجديدة في اتجاهين: فمن ناحية ثمة ميل يتزايد إلى الآداب الأجنبية وخاصة الأناشيد والأغنيات الشعبية التي تعددت ترجماتها، وثمة من ناحية أخرى رغبة ثورية تسعى إلى تغيير شكل الشعر ولغته، مما يجعل (فيكتور هوجو) يقول: ليمض الشاعر حيثما يريد، وليفعل ما يحلو له، فذلك قانونه. وسواء أكتب نثراً أم شعراً، نحت الرخام أم صبَّ أعماله بالبرونز، فذلك رائع، فالشاعر حر. (ص63).

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:18 PM
وفي عام 1827 تم العثور على قالب قصيدة النثر، إنه قالب النشيد الغنائي ذي المقاطع الموجزة تماماً والمحكمة البنيان، وذلك على يدي (آلويزيوس برتران) صاحب (جاسبار الليلي) الذي تعتبره المؤلفة المبدع الحقيقي لقصيدة النثر باعتبارها نوعاً أدبياً (ص 69). وتناقش المؤلفة بالتفصيل تقنية برتران: التكوين والإيقاع والصوتيات وجماليات الإيحاء، قبل أن تنتقل إلى الحديث عن المرحلة اللاحقة من الرومانتيكية إلى بودلير، فتتحدث عن (لامنيه) والأسلوب التوراتي. ثم (موريس دي جيران) والأسطورة، ثم عن قصيدة النثر في ظل الامبراطورية الثانية.
وبعد هذه اللمحة التاريخية الموسعة تعقد المؤلفة فصلاً عن (بودلير) والغنائية الحديثة فتناقش مفهوم القصيدة الحديثة وتأثير (سانت ـ بوف)، وتبحث في إنجاز بودلير الشعري وتقسم النثر البودليري الشعري إلى ثلاثة أنماط من الجمل تتوافق مع حركات الروح الغنائية، وتموجات أحلام اليقظة، وانتفاضات الوعي، كما تبحث في الأنساق الأسلوبية والإيقاعية لتخلص إلى حساب بودلير الختامي: جدة وأهمية المحاولة، والإخفاقات وأسبابها ثم تحدد ميراث بودلير.
وتنتقل بعد ذلك إلى الفصل الخاص برامبو وخلق لغة شعرية جديدة فتبحث في مهمة الرائي واستكشاف المجهول والبحث عن لغة، وعن الرؤيا في القصيدة والتخلي عن الاندفاقات الصوفية وعن غرائبية الأسلوب، ثم تناقش صيغة (الإشراقات) والشعر الفوضوي والعالم المعاد خلقه من خلال الدفقة الإبداعية والتركيبة الرامبوية، وتختتم الفصل بمكانة رامبو في تاريخ قصيدة النثر، ذلك أن مكانته ليست مرموقة فحسب، بل أيضاً مركزية وفريدة في نوعها، وذلك لسببين: أولاً لأنه كان أول من أكد بقوة على علاقة الضرورة بين الصيغة الشعرية الجديدة وبين البحث عن المجهول الذي يجعل من القصيدة الحديثة محاولة ميتافيزيقية أكثر من كونها شكلاً فنياً، ثم لأنه أراد أن يصبح هو نفسه (سارق النار) وأن يقدم نموذجاً لقصيدة النثر، مكتمل الأصالة في المفهوم والتقنية، امتد تأثيره إلى الشعر التالي كله.
أما الفصل الثالث فتخصّصه المؤلفة لـ(لوتريامون) والشعر الجنوني فتناقش ما تسميه الجنون الفعّال وكيف يتحول الشعر إلى فعل تحريري، وتتحدث عن الأسلوب والإيقاع والنزعات الغنائية والفانتازية والعنصر المخادع والثراء المجازي وتخلص إلى تأثير لوتريامون على الجيل الثاني من الرمزيين وعلى السورياليين وعلى قصيدة النثر.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:19 PM
والفصل الرابع مخصص لـ(مالارميه) وميتافيزيقا اللغة حيث تبحث المؤلفة في المرحلة الصافية لـ(مالارميه)، وتكوين المذهب الجمالي من خلال بحث الأزمة الميتافيزيقية والخلاص بالجمال و تأثير النظرية الهيجلية، ثم دور اللغة في البحث عن المطلق، واللغة الشعرية والصراع ضد الصدفة، كما تدرس رموز العدم الباذخة واللغة الرمزية وتقنية الإصاتات في (إيجتور)، وتكوين التركيبة اللغوية لـ(مالارميه) من حيث النزوع إلى التجرد والنزوع إلى التركيز والنزوع إلى إعادة بناء الجملة، ثم تصل إلى اكتمال المذهب المالارمي في (رمية نرد) و تخلص إلى معنى وقيمة المحاولة المالارمية، والمكانة المنفردة لـ(مالارميه) في تاريخ قصيدة النثر، ودوره في انتشار النوع.
وإذا كنا قد مررنا سريعاً على محتويات هذه الفصول الأربعة، فذلك لأنه لا يمكن لأي عرض أن يختزل الغنى المعرفي والدقة التحليلية التي يزخر بها كل فصل منها، كما لا يمكن نقل الإثارة والمتعة والجمال الذي يشع منها، وغاية ما أرجوه هنا هو تحريض جميع الشعراء والنقاد والقراء سواء كانوا من أنصار قصيدة النثر أم لم يكونوا ـ على قراءة هذا الكتاب الذي يعتبر حجر الزاوية في الدراسات الشعرية الحديثة وفي حركة قصيدة النثر.

***

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:19 PM
نظرية الشعر

في كتاب دلائل الإعجاز


بالرغم من أن كتاب (دلائل الإعجاز) لعبد القاهر الجرجاني قد حظي بعدد كبير من الدراسات والمراجعات في العصر الحديث، إلا أن الحاجة ما زالت ماسّة ـ كما أعتقد ـ إلى تسليط مزيد من الأضواء عليه، لا لاكتشاف ما بقي مخبوءاً من أسراره فحسب، بل ـ وفي المقام الأول ـ لتشجيع الأجيال الشابة من الشعراء والنقاد ودارسي الأدب على قراءته والنهل من معينه، وكذلك للتوجه إلى عدد من النقاد والأدباء الذين ما زالوا يحتمون بالتراث لمهاجمة بعض المقولات الشعرية الحديثة ووصمها بأنها مستوردة من الغرب وتخالف ما عرفه التراث النقدي العربي، وذلك بغية تحريضهم على قراءته ليدركوا أن كثيراً من المقولات النظرية الشعرية التي يهاجمونها، قد سبق للنقد العربي التراثي أن توصّل إليها على يد هذا الناقد العربي الفذّ الذي استطاع أن يضع أسس نظرية جمالية في الفن الشعري تميّز الشعر عن النثر بخصائص بنيوية أعمق من الوزن والقافية، وتتعرض لأدق المسائل التي ما زالت مدار شغل النقاد والمنظّرين حتى يومنا هذا.
ومن الطريف أن نلاحظ أن كثيراً من النتائج التي يثبتها الجرجاني تكاد تتطابق مع عدد من مقولات نظريات الشعرية الحديثة التي عرفناها مع رومان ياكوبسون ورولان بارت وجان كوهين وغيرهم، وهذا ما سنحاول الإشارة إليه في هذه العجالة التي لا تطمح إلى أن تكون أكثر من إضاءة سريعة على ما يتضمنّه هذا الكتاب من أفكار تصلح لأن تكون عناصر في نظرية متكاملة عن الفن الشعري.
والجرجاني هو عبد القاهر أبو بكر بن عبد الرحمن بن محمد، وكان ابناً لأسرة رقيقة الحال فلم تعن بتسجيل يوم ولادته الذي بقي مجهولاً، أما وفاته فقد كانت عام 471 للهجرة. وبالرغم من أن عبد القاهر لم يغادر مدينته (جرجان)، إلا أنه تتلمذ على الكتب، وقد غلب عليه ولعه بالنحو إلى جانب ثقافته الدينية إلى درجة لقب معها (بالنحوي)، وقد ألف عبد القاهر الجرجاني في النحو والصرف والبلاغة وفي تفسير القرآن والعروض والمختارات الشعرية، إلا أن أهم آثاره على الإطلاق هما كتاباه (أسرار البلاغة)، و(دلائل الإعجاز)، والثاني هو الكتاب الذي نتناوله اليوم، والنسخة التي بين أيدينا راجعها وصحّحها الإمام الشيخ محمد عبدو ونشرها محمد رشيد رضا، ومطبوعة في دار المعرفة في بيروت.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:20 PM
وفي هذا الكتاب يضع المؤلف أسس علم المعاني، ويسبر غور الفصاحة والبلاغة ليبين أسسها ويضع نواظمها، وهو ينطلق في بحثه من (أننا إذا كنا نعلم أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن هي أنه كان على حد من الفصاحة تقصّر عنه قوى البشر، كان محالاً أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب وعنوان الأدب) (صفحة 7). كما يقول.
ولذلك فهو يستهل كتابه بفصل هام يبيّن فيه دور الشعر وأهمية الاشتغال به، ويردّ فيه رداً مفحماً على من زَهِدَ في روايته وحفظه وذمّ الاشتغال بعلمه، ويؤكد أن الرسول العربي كان يسمع الشعر ويستنشده ويستحسنه بل ويأمر به أيضاً، وبذلك يصحّح الجرجاني الفكرة الشائعة التي تزعم أن الإسلام وقف ضد الشعر وأدان الشعراء.
ثم يعقد الجرجاني بعد ذلك فصلاً في البلاغة والفصاحة ويؤكد أن البلاغة ماهي غير (أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصحّ لتأديته، ويختار له اللفظ الذي هو أخصّ به وأكشف عنه وأتمّ له، وأحرى بأن يكسبه نبلاً ويظهر فيه مزية) (صفحة 35). وهو ينكر أن يكون هنالك لفظة فصيحة وأخرى غير فصيحة، وإنما تصبح الكلمة فصيحة باعتبار مكانها من النظم وحسن ملائمة معناها لمعاني جاراتها وفضل مؤانستها لأخواتها (ص36). وبهذا المعنى فلا توجد لفظة شعرية وأخرى غير شعرية، وإنما تصبح اللفظة شعرية حسب مكانها من النظم، ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر(ص38). وليس النظم هو توالي الألفاظ في النطق بل هو تناسق دلالتها وتلاقي معانيها. وإن العلم بمواقع المعاني في النفس، علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق(ص44).

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:20 PM
ثم ينتقل المؤلف إلى الحديث عن الكناية والمجاز، ويقول إن الكناية أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع من التصريح، وإن للاستعارة مزية وفضلاً، وإن المجاز أبداً أبلغ من الحقيقة.(ص55).
وهو يعرّف المجاز بأنه كل لفظ نقل عن موضوعه (ص53). ونلاحظ هنا أن الجرجاني يلامس مصطلح (الانزياح) الذي قال به أصحاب نظريات الشعرية الحديثة، وبذلك يكون الجرجاني هو أول من تحدث عن الانزياح وسمّاه: نقل اللفظ عن موضوعه، كما يسمّيه في موضع آخر (الإمالة) وهو أن يميل اللفظ عن معناه الذي وضع له في الأصل.
ويؤكد الجرجاني على غلط من قدّم الشعر بمعناه وأقلّ الاحتفال باللفظ ويقول إنه ينبغي إذا فضّلنا بيتاً على بيت من أجل معناه أن لا يكون تفضيلاً له من حيث هو شعر وكلام، (ص197). إذ إن سبيل الكلام هو سبيل التصوير والصياغة، وإن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار فكما أن محالاً إذا أردت النظر في صوغ الخاتم وفي جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع عليه العمل وتلك الصنعة، كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه (ص197)، كما أنه لا سبيل أن تجيء إلى معنى بيت من الشعر فتؤديه بعبارة أخرى، إذ إنه إذا تغيّر النظم فلابدَّ حينئذٍ من أن يتغيَّر المعنى. وإن صور المعاني لا تتغير بنقلها من لفظ إلى لفظ حتى يكون هناك اتساع ومجاز وحتى لا يراد من الألفاظ ظواهر ما وضعت له في اللغة، ولكن يشار بمعانيها إلى معان أخر(ص204).
بعد ذلك يتحدث الجرجاني عن تقسيم الكلام إلى ضربين، ضرب تصل منه إلى الغرض بدلالة لفظه وحده، (وهو ما يمكن أن نسميّه لغة النثر)، وضرب آخر لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكنه يحيلك إلى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل (ص202)، (وهذا الضرب من الكلام يقابل ما نسميه اليوم اللغة الشعرية). وبذلك يكون الجرجاني قد استطاع التمييز بين لغة النثر العادية، ولغة الشعر، هذا التمييز الذي يكمن في أساس ثورة الشعر الحديث على نمط الشعر التقليدي.
ثم يتوصّل الجرجاني إلى مصطلحه المشهور (معنى المعنى)، حيث يقول إن المعنى هو المفهوم من ظاهر اللفظ، أما معنى المعنى فهو أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر (ص203).

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:20 PM
ثم يطرح الجرجاني مسألة شديدة الأهمية حين يؤكد أنه لا يكون هناك كلام شعري حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصنعة وليس للوزن مدخل في ذلك (ص278). أي أن الجرجاني اكتشف عنصراً هاماً من عناصر البناء الشعري سوف تؤكد عليه سوزان برنار في العصر الحديث وهو قصد الشاعر إلى التعبير الفني بالصورة والصنعة، بالإضافة إلى اكتشافه الخطير بأن الوزن ليس هو ما يجعل الكلام شعراً بل يمكن للكلام أن يكون شعراً بغير الوزن فليس بالوزن ماكان الكلام كلاماً ولا به كان كلام خيراً من كلام(ص364). على حد قوله، لأن الوزن ليس هو من الفصاحة والبلاغة في شيء، إذ لو كان له مدخل فيهما لكان يجب في كل قصيدتين اتفقتا في الوزن أن تتفقا في الفصاحة والبلاغة.
وهذا ما يؤكد ضيق أفق بعض نقادنا المعاصرين الذين يعتبرون الخروج عن الوزن خروجاً عن الشعرية، ويستندون في ذلك إلى دعواهم بالحفاظ على التراث، فهذا عبد القادر الجرجاني يطلُّ علينا من تراثنا العربي ليؤكد على أن الوزن لا مدخل له في الشعرية.
أما عن موضوع الغموض، وهو من التهم التي يوجهها الذين يدّعون الغيرة على التراث إلى شعر الحداثة، فلعله من المفيد أن نعيدهم إلى كلام الجرجاني حول هذا الموضوع حيث يقول: إنك كلما زدت التشبيه إخفاءً ازدادت الاستعارة حسناً، ويكون الكلام أعجب من كلام لأن عمله أدق، وطريقه أغمض، ووجه المشابهة فيه أغرب (ص7). كما يقول: إن ترك الذكْر قد يكون أفصح من الذكْرِ، والصمت عن الإفادة أزيد من الإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بياناً إذا لم تبنْ. (ص112).

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:21 PM
بقيت مسألة هامة لابدَّ من الإشارة إليها، فإذا كان النقد الحديث في العالم اليوم مشغولاً ببحث مسألة التلقي، ودور المتلقي الإيجابي في التفاعل مع النص الأدبي، مما يعتبر من أحدث القضايا التي تدور حولها الأبحاث النقدية المعاصرة، فإنه سيكون من المفاجئ أن نعرف أن عبد القاهر الجرجاني قد تحدث عن المتلقي ودوره في كتابه هذا، إذ إن الجرجاني يقول: إن من عادة قوم ممن يتعاطى التفسير بغير علم أن توهموا أبداً في الألفاظ الموضوعة على المجاز والتمثيل أنها على ظواهرها فيفسدوا المعنى بذلك ويبطلوا الغرض ويمنعوا أنفسهم العلم بموضع البلاغة وبمكان الشرف (ص236). إذن على المتلقي (ويسمّيه الجرجاني المفسّر)، أن يكون على قدر من العلم وأن لا يفسّر الكلام على ظاهره بل أن يدرك معنى المعنى ويتأمل مسائل المجاز والتمثيل حتى يستطيع تلقي العمل الأدبي.
وأخيراً، فمن نافل القول أن عجالة كهذه لا يمكن لها الإحاطة بجميع جوانب هذا الكتاب، الذي ربما كان من أهم الكتب التي تناولت مسألة الشعرية في النقد التراثي العربي، إلا أنه حسبنا أن نكون قد استطعنا التحريض على قراءته لنتأكد من أن الأطروحات الشعرية الحديثة ليست منقطعة الجذور عما توصل إليه الفكر النقدي العربي ممثلاً في أهمّ رموزه: عبد القاهر الجرجاني.


***

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:21 PM
مدائن الوهم

وطبقات الشعراء المعاصرين


بعد أن أصبحت سماء الشعر مباحة(أو مستباحة) لكل من جهل أو تجاهل أن (الشعر صعب وطويل سلّمه)، بات من الملحّ أن يقوم أهل المعرفة والاختصاص، من المشهود لهم بالذوق السليم والخبرة الطويلة، بقول كلمتهم، وأداء واجبهم تجاه ما تعجّ به الساحة الأدبية من كتابات، اختلط فيها الغث بالسمين، أو تغلّب فيها الغثّ على السمين، حتى صارت الأعمال الرديئة تتصدّر وسائط النشر، وتترأس المهرجانات والندوات والمؤتمرات، وتستولي على ما يسمونه (الجوائز الأدبية)، بينما تركن الكتابات الحقيقية في الظل، لأن مبدعيها يربأون بأنفسهم عن الخوض في تلك المستنقعات التي تتطلب من الخبرة بأساليب التزلف والتقرّب والعلاقات العامة، أضعاف ما تتطلبه من الخبرة الأدبية والجمالية أو من الموهبة الأصيلة.
في هذا السياق، يأتي كتاب الدكتور عبد الواحد لؤلؤة (مدائن الوهم: شعر الحداثة والشتات). ولذلك فإن الكتاب جدير بالاحتفاء والتقدير، مهما كانت نقاط الخلاف معه (وهي ليست بالقليلة، إذ إنني بالفعل أخالف أستاذنا الرأي في عدد من النقاط التي طرحها في كتابه، بدءاً من مفهومه للحداثة الشعرية، ورؤيته للفرق بين الشعر الحر وبين قصيدة النثر، ووصولاً إلى قراءتي المختلفة لعدد من النصوص التي شملتها دراسته). إلا أن هذا الخلاف في نظري هو مما يزيد من أهمية الكتاب، لأنه خلاف مع العارف الخبير الذي يسّند في آرائه إلى قاعدة راسخة من المعرفة ومن الذوق المدرّب المصقول. ولمّا كانت أذواق الناس، وتمثّلهم للخبرات والمعارف لا تتطابق بالضرورة، بحكم التنوّع الإنساني نفسه، فإن مثل هذا الاختلاف هو الأمر الطبيعي والمنطقي ولاسيما في مجال الأدب والفن. ولولا ذلك لما اغتنى الفن وتنوّع ولما تميّز شاعر أو فنان من غيره، ولما تطوّر النقد الأدبي وظهرت مدارسه المختلفة. وبالتأكيد فإن مثل هذا الخلاف لا علاقة له البتة مع ما يطرحه الأدعياء والجاهلون من آراء اعتباطية لا سند لها من ثقافة أو خبرة.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:21 PM
يتضمّن الكتاب خمسة فصول، غلب الطابع النظري على الفصلين الأولين منهما. فالفصل الأول (كلام في الحداثة) يقدم تاريخاً موجزاً لحركة الحداثة الشعرية في الغرب منذ أوائل القرن العشرين. أما الفصل الثاني (الحديث المعاد المكرور عن الشعر الحر والمنثور)، فيحاول التأريخ لظاهرة الحداثة في الشعر العربي وعرض عدد من تجلياتها ونماذجها. وبالرغم من أن هذين الفصلين يطرحان عدداً من المسائل التي يمكن أن تكون مثاراً للجدال والنقاش، إلا أن ضيق المجال في هذه العجالة يجعلني أنتقل مباشرة إلى الفصول التالية، لأستعرض ما تضمّنّه من النقد التطبيقي الذي بتّنا اليوم بأمس الحاجة إليه من أجل تمييز الغث من السمين، وفصل الحبّ عن الزوان، الذي كاد يغطي ساحة الشعر العربي الحديث.
فقد خصّص المؤلف فصلين كاملين لدراسة المجموعات الشعرية التي أصدرتها دار رياض الريس ومجلة الناقد، وبالرغم من محدودية مجال البحث الذي قصره الباحث على هذه المجموعات التي لا تمثّل بالضرورة الإنتاج الشعري العربي برمته، إلا أن (شيئاً خير من لا شيء)، لاسيما وأن الإحاطة الشاملة بالمشهد الشعري العربي بات اليوم ضرباً من المستحيل. لذلك كان لابد لأي باحث من اختيار عدد محدود من الأعمال لدراستها وحسناً فعل الدكتور عبد الواحد لؤلؤة باختياره لمجموعات (الناقد) الشعرية، فلا يخفى ماكان لهذه المجلة من شأن في الساحة الثقافية العربية، كما لا تخفى المكانة التي ما زالت تحتلها دار رياض الريس بين دور النشر العربية، مما يجعل أي شاعر يمتلئ زهواً لمجرد صدور ديوانه عن هذه الدار، معتبراً ذلك اعترافاً بموهبته وتكريساً لشاعريته، لاسيما إذا كان ممن قد حصلوا على الجائزة التي أنشأتها الدار باسم (جائزة يوسف الخال للشعر)، وعاشت ثلاث دورات (1988 ـ 1990 ـ 1992). وكان من حصيلتها هذا العدد من المجموعات الشعرية التي يتناولها الباحث بالدراسة في هذا الكتاب.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:22 PM
يقول المؤلف إن الشعر في مجموعات الناقد هذه يصطنع الحداثة في وجوه عديدة، لكن أغلبها من الغثّ وأقلها من السمين، وخيرها أقل من شرها، ويتساءل: من سيقرأ هذا الشعر، أو أغلبه، بعد عشرة أعوام؟.. كما يتساءل بعد الغوص أكثر من مرة في هذه المجموعات الست والثلاثين: أين المعنى في هذا (الكلام) وبعضه موزون، أو مقفّى، وبعضه قد جمع الحسنيين؟ بل أين الإيقاع، وقد تساهلنا في أمر حضور الوزن، وأين الصور المتجاذبة المتنافرة في أغلب هذا التوليف (وصف الحكي)؟. ثم ينتقل المؤلف ليستعرض مظاهر الحداثة في هذه المجموعات، فيجد أن (الصورية) تمثل أبرز معالم الحداثة فيها، غير أن بعض أمثلة هذه (الصورية) لا ترتفع كثيراً عن مستوى الوصف الذي عرفه الشعر في جميع اللغات، وأغرق فيه الشعراء العرب في أمثلة عديدة، أما (صورية) الحداثة كما قدمها (باوند) و(إليوت) فهي تعني التعبير بالصورة عن الفكرة، وهي مالم يلمسها الباحث إلا عند قلة من شعراء (الناقد) ممن توافروا على دراسة شعراء الحداثة الأوروبية، بدرجة أو بأخرى، مثل الشاعر العراقي (صلاح نيازي) وكذلك الشاعر اللبناني (يحيى حسن جابر) الذي يقدم في كتابه (بحيرة المصل) أمثلة صورية بارعة بأسلوب الشعر الحر، حيث ينقل شعره صوراً شديدة البروز بعيدة التأثير لأنها تأتي بلغة بسيطة ومباشرة تكاد تكون طفولية، وهي لذلك مذهلة في صدقها، حسب تعبير الباحث. كذلك يجد المؤلف صورية من نوع آخر توحي بالهدوء واللا شيئية في مجموعة (ليل) للإماراتي (خالد بدر) حيث تضفي اللغة الحميمية، بإشاراتها الهامسة، على هذه الصورة ألقاً ينسيك الحاجة إلى الوزن والقافية، وتقدم مثالاً على قدرة الشعر الحر أن يوصل المشاعر إلى القارئ بالهمس والإيماء.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:22 PM
ويجد المؤلف أيضاً مثالاً آخر على صورية بارعة في شعر السوري (حسين دريش)، ويقول إن الصوريّة لم تكن مستهجنة في شعر الحداثة لأنها ليست بعيدة الصلة بالرمزية والإغراق في الوصف، أما السوريالية فإن الذوق العربي لم يستجب لها كثيراً، وبخاصة في بعض أمثلتها المتطرفة، ومن هذه الأمثلة يورد المؤلف مجموعة (مجاراة الصوت)، الصادرة عام 1988، للشاعر السوري نوري الجراح حيث يجد فيها اصطناعاً لأساليب (أجنبية) في كتابة الشعر، قد لا تجد من يسوّغها كثيراً بين القراء العرب. وهو يشكّ بوجود من يريد العودة إلى قراءة هذه النصوص بعد الفراغ منها، إذا كان لذوّاقة الشعر ما يكفي من الصبر لإكمال قراءة المجموعة، حسب تعبيره.
ويتساءل المؤلف: هل من الضروري التزام الشطط لاصطناع مذهب مستورد في الأدب والفن، باسم التجديد والحداثة؟... ومع ذلك فهناك أمثلة أخرى من السوريالية، يصفها المؤلف بأنها (سوريالية غير مؤذية) يجدها في مجموعة (العاطل عن الوردة) للشاعر العراقي (باسم خضير المرعبي) حيث يبدو الشاعر متمكناً من حبْك صور غربية مدهشة لا يقبلها المنطق، لكنها تستوقف القارئ ليعيد القراءة ويتخيّل هذه الصور الغريبة.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:22 PM
ويضيف المؤلف: لعل من أبرز مظاهر الحداثة في مجموعات الناقد الشعرية، هذا الخروج على التراث، في صورة الابتعاد عن شعر الشطرين، واصطفاء شعر التفعيلة، ويلاحظ أن الشعراء الذين ازدهر شعرهم في عقد الستينات وما بعده ظلّوا ملتزمين في الغالب بشعر التفعيلة، مع حنين إلى شعر الشطرين، بين وقت وآخر. ومن أبرز هؤلاء الشعراء بلند الحيدري وصلاح نيازي وفوزي كريم إلى جانب العملاقين (محمود درويش، وسميح القاسم)، كما يلاحظ أن شعراء العراق بين مجموعات الناقد هذه أكثر التزاماً بشعر التفعيلة، وقليل منهم من اصطنع الشعر الحر، على خلاف غيرهم من شعراء الأقطار العربية.
ومن الأمثلة الجيدة على قصيدة النثر مجموعة (زول أمير شرقي)، للشاعر السوري (عبد اللطيف خطاب). ومن أمثلة الغموض اللا مجدي، والسوريالية الوقف على أصحابها دون غيرهم، مجموعة من الشعر الحر للشاعر العراقي (خالد المعالي) بعنوان (عيون فكرت بنا)، حيث يعجب المرء من هذه القدرة على رصف كلمات تخفق في إيصال أي معنى، إلى جانب افتقارها إلى أي إيقاع أو جاذبية موسيقية. لذلك لا يكاد المرء يصدق أن كلاماً مثل هذا يجد طريقه إلى النشر في مجموعة شعرية باسم الحداثة، عدا عن الأغلاط اللغوية حيث أن مجموعة شعرية من مئة وخمس وخمسين صفحة، لا تكاد تخلو صفحة منها من غلطة لغوية أو أكثر، نحواً صرفاً أو اشتقاقاً، وهو أمر لا يمكن التساهل فيه على حد تعبير المؤلف، الذي يؤكد (أن من لا يحسن كتابة الشعر الموزون لا يحسن كتابة الشعر الحر أو المنثور)، وليس هذا رأي أصحاب الحداثة في الغرب وحسب، مثل (باوند) و(إليوت)، بل ثمة كثير من الأدلة على ذلك في شعر المعاصرين من أبرز شعراء العربية بدءاً من نزار قباني، ومروراً بشعر أدونيس و الدكتورة سعاد الصباح وعدد آخر غير قليل من المعاصرين.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:23 PM
ومع ذلك يشير المؤلف إلى مجموعات من الشعر الحر قابلة للقراءة لأنها تقع بين المباشرة و الغموض الشفيف ـ على حد قوله ـ مثل مجموعة (السلطان يرجم امرأة حبلى بالبحر). للشاعرة الإماراتية ظبية خميس، ومجموعة (ذكر الورد) للشاعر السورية سنية صالح، حيث يكون بمقدور الشعر الحر، في هذه الأمثلة الجيدة، أن يعبّر عن المشاعر الذاتية بمباشرة مقبولة، ورمزية شفيفة، إلى جانب التعبير عن مشاعر الآخرين من البشر، وبظلال سياسية خفيفة.. كما يشير المؤلف إلى قصيدة طويلة بعنوان (العراق) للشاعر أنور الغساني ليقول: هنا مرة أخرى يثبت الشعر الحر، في يد الشاعر الموهوب، قدرة على التعبير عن أدق المشاعر تجاه الحياة والبشر.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:23 PM
ولعل أطرف ما في الكتاب، وأشدّه أهمية أيضاً، هو لجوء المؤلف في الفصل الأخير، إلى تصنيف شعراء المجموعات التي أصدرتها مجلة الناقد ودار رياض الريس، وفق التصنيف التراثي الشائع الذي يقول:
الشعراء فاعلمن أربعة
فشاعر يجري ولا يجرى معه
وشاعر ينشد وسط المعمعه
وشاعر من حقه أن تسمعه
وشاعر من حقك أن تصفعه
ففي الطبقة الأولى يضع الشاعرين محمود درويش وسميح القاسم كشاعرين لا يشق لهما غبار، ويبدو أنه لا ثالث لهما في سماء الشعر الفلسطيني حسب تعبير المؤلف.
فمحمود درويش يكشف عن قدرة لغوية فذّة، وحساسية تجاه المحسنات اللفظية والبلاغية، وعن وعي بالتراث عميق. ولا تقتصر مظاهر الحداثة في شعر محمود درويش على تطويع القافية في شعر التفعيلة، بل نجد محاولة معاصرة في استعمال المحسنات اللفظية والتلاعب بمواقع المفردات، مما يجعل التراث في صناعة الشعر حاضراً في الأذهان، لذلك فشعر محمود درويش، كما يرى المؤلف، يرضي أصحاب الحداثة، كما يرضي أصحاب التراث، وهو ما يرجوه محبّ الشعر العربي الذي لا يريد للشعر أن يتقوقع.
وعن سميح القاسم يقول المؤلف: كما وجدنا في شعر محمود درويش، تكون مظاهر الحداثة في الشكل الشعري هنا كذلك مقصورة على شعر التفعيلة، مع حضور شعر الشطرين، ولو بنسبة ضئيلة. ولا وجود للشعر الحر هنا، وكأن الشاعرين وجدا في شعر التفعيلة كفاية من حداثة في الشكل، مع الإبقاء الشديد على إيقاع التفعيلة وبروز القافية.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:23 PM
وفي الحقيقة فإن ملاحظة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة هذه ليست دقيقة تماماً. فمحمود درويش جرّب كتابة الشعر الحر أو قصيدة النثر (انظر ديوان أحبك أو لا أحبك)، كما جربها سميح القاسم (انظر ديوانيه: الجانب المعتم من التفاحة، الجانب المضيء من القلب. والحب كما يشتهي الموت)، ويبدو أن إصرار عدد من النقاد والكتاب على هذه الملاحظة يعود إلى عدم اطلاعهم الكافي على التجربة الكاملة للشاعرين، أو إلى الرغبة في عدم الاعتراف بأن قصيدة النثر قد أوقعت في حبائلها شاعرين من هذا الحجم.
أما شعراء الطبقة الثانية (شاعر ينشد وسط المعمعه)، فيذكر المؤلف منهم الشاعر العراقي بلند الحيدري، والبحريني قاسم حداد.
وعن الطبقة الثالثة يقول: ثمة أكثر من (شاعر من حقه أن تسمعه). أما كم مرة تريد أن تسمعه وتعود إلى قراءة شعره، فتلك مسألة يقررها ذوق القارئ ومدى تقبله لهذا الشعر، والملاحظ في أغلب الأمثلة في هذه المجموعات (الطبقة الثالثة) أنها تلتزم أسلوب الشعر الحر بمعناه الدقيق، مع ميل شديد إلى النثرية وغياب الشحنة الشعرية، إلى جانب عدد من الأمثلة التي تلتزم شعر التفعيلة.
ومن شعراء هذه الطبقة يذكر المؤلف الشاعر خالد يوسف جابر في مجموعته (بحثاً عن المهب). والشاعر الإماراتي (خالد بدر) في مجموعته (ليل). والشارع السوري (بندر عبد الحميد) في مجموعته (الضحك والكارثة). والشاعر الأردني (أمجد ناصر) في مجموعة (وصول الغرباء) والعراقي (رعد مشتت) في مجموعة (السجين السياسي). وعن هذه الطبقة يقول المؤلف: ليس من السهل القول إن الشعر في هذه المجموعات يشجع القارئ دائماً على معاودة قراءته. لكنك تجد في كل مجموعة عدداً لا بأس به من القصائد يرتفع عن مستويات النثر، ويحوّم في تخوم الشعرية. فإذا استطعت التخلي عن مقاييس أفضل ما كتب من شعر عرفته استطعت الرجوع إلى قراءة هذه المختارات.
وعن الطبقة الرابعة يقول المؤلف: ربما كان الراجز القديم على شيء من القسوة إذ أعطاك الحق أن (تصفع) شاعراً يقع في المنزلة الرابعة. ولو قدّر لراجز معاصر أن يطلع على مابين يدي من (شعر) يقع دون المنزلة الرابعة بكثير لما اكتفى بالصفع. بل ربما حكم بحرق تلك المجموعات التي تدّعي الشعرية سفاهاً وهي ليست منها ولا قلامة ظفر. ويتساءل المؤلف: كيف جاز للراسخين في علم الشعر وصناعته أن يمنحوا (جائزة يوسف الخال للشعر). لبعض هذه المجموعات. ويضيف في سخرية لاذعة: ففي أي باب يقع هذا الكلام الذي يملأ كثيراً من الصفحات، في مجموعات أصدرها فاعل الخير ومحب البشرية ومشجع المواهب الشعرية غير الواعدة، سليل المجد الصحافي ـ الأدبي، رياض نجيب الريس؟!...

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:24 PM
ويذكر المؤلف عدداً من المجموعات الشعرية التي صدرت عن دار رياض الريس، والتي يستحق أصحابها الصفع، بالرغم من أن بعضها قد نال جائزة يوسف الخال الشعرية!. ومنها مجموعة بعنوان (قصيدة غرام) ليس فيها غير ضعف اللغة وركاكة العبارة واختلال الوزن واضطراب الإيقاع والميوعة العاطفية تجاه الأحداث الوطنية والتاريخية، فلماذا يقال عن هذا كله أنه (شعر) ويراد لنا أن نقرأه؟..
وعن مجموعة (قصائد لأجل الملاك الضائع) يقول المؤلف: ثمة عدد من (حملة الأقلام) يريد الواحد منهم أن نعترف به شاعراً، حتى لو لم يأت بمعنى أو وزن أو قافية، من هؤلاء من يحاكي نوعاً من الشعر الأجنبي يقرأ منه أو عنه بشكل من الأشكال، فيصمم أن يحاكي ذلك النوع من الشعر الأجنبي بلغة عربية تفتقر إلى الكثير من المعرفة بفنونها. لكن الواحد من هؤلاء يصدق ما يقوله هو لنفسه، غير عابئ بالقارئ.
ومع ذلك يقول المؤلف إن كتابة تبعث على الضجر أهون شراً من نقد يفسد الذوق. فعلى غلاف مجموعة (دهاليزي والصيف ذي الوطء) نقرأ عن شعر (يستلهم الروح التراثي والصوغ الحكائي العربي.. شعر تتجلى فيه مقدرة الشاعر على اختراق لغته، أيضاً وأيضاً، وتوليد شعر جميل). وهذه مجانية في القول تقوم على خواء ومجاملة لا مسوّغ لها. ويضيف المؤلف: لا أعرف دنساً أصاب اللغة العربية كما أصابها في هذا (الشعر). ومثل ذلك ما نقرأه في مجموعة أخرى بعنوان (رباعية الفرح) التي يعلن عنها الغلاف بمجانية في القول تطفح عن حدودها: (لغة ذات جنوح صوفي للمكان الذي لا يتبدى عياناً ولا نقع على اسم له.. صوت جارح وروحي يرنّ بالعذاب ويحفل بالترددات والتنوع، يأتي إلى اللغة ويجعلها كائناً عضوياً بارزاً في القصيدة.. شاعر لا يدرج على سابق ولا ينسج على منوال ولا يجد شبهاً له..). ويعلق المؤلف على ذلك بقوله: لا يجد شبهاً له! صحيح! لأن هذا كلام لا يرتفع عن النثرية المتشاعرة إلا في اصطناع السجع الذي لا يبلغ مستوى القافية، فتغيب الشعرية والنثرية والقافية معاً.

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:24 PM
وعن مجموعة (حدث ذات مرة أن) الفائزة بجائزة يوسف الخال للشعر عام 1992 تقول لجنة التحكيم على غلافها إنها (تكافئ شعر الجرأة والقلق، شعر اللحظات السرية والبحث عن قصيدة محرمة). ولذلك يتساءل الدكتور عبد الواحد لؤلؤة ساخراً: هل بعد (شعر القلق والجرأة)، هذا، وشعر (اللحظات السرية) من مزيد يبحث عنه أعضاء لجنة التحكيم الموقرة لكي لا تفسد أذواقنا؟..
وعن مجموعة (مرح الغربة الشرقية) يقول المؤلف: من الظواهر غير الصحية محاولة أفراد قلائل من المشارقة أن يستغربوا لأجل (تعاطي الشعر) بلغة أجنبية، وهم في أغلب الأحوال لا يحسنونها، ولا أمل لهم في إدراك ظلال المعاني فيها، إلا من نشأ منهم في المحيط الأجنبي، فتقولب بقالبهم وتحدّث برطانتهم، فنسي لغته ولم يدرك ظلال معانيها. وإذ يحاول الفرد من هذه القلة أن يكتب شعراً بلغة أجنبية، تراه يحاول إعادة كتابته بلغة عربية فتكون النتيجة كائناً هجيناً، ليس بهذا ولا ذاك.
ويخلص المؤلف في خاتمة دراسته إلى التذكير برأي (ت.س.إليوت): (على من يريد أن يبقى شاعراً بعد الخامسة والعشرين من العمر أن يكتب وهو يحس حضور الشعر، من هوميروس إلى أفضل شاعر معاصر، في جميع اللغات، حضوراً ماثلاً في دمه وفي نخاع العظم منه). ويقول إن هذا الرأي يجب أن يبقى ماثلاً في ذهن كل من يعنيه الشعر.
وفي الحقيقة، فإنك مهما اختلفت مع الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، لا يمكنك إلا أن تحترم آراءه، وتقدّر جرأته، في هذه الخطوة الرائدة التي نأمل أن تكون حافزاً لكل من يعنيه أمر الشعر، للقيام بالمهمة التي باتت شديدة الإلحاح والأهمية، وهي غربلة هذا الركام من الكتابات التي أنتجت باسم الشعر خلال العقود الأخيرة. وإذا كان الدكتور لؤلؤة قد درس المجموعات التي صدرت عن دار رياض الريس، فإن الباحثين الآخرين يمكن لهم أن يتناولوا المجموعات التي أصدرتها اتحادات الكتاب، أو وزارات الثقافة في الأقطار العربية، أو دور النشر الكبيرة الأخرى.
ولا بأس في أن يكون لكل باحث منهجه الخاص ورؤيته الشخصية، مادام منهجه سليماً، ورؤيته منسجمة ومتكاملة، وأحكامه تستند إلى ما يبّررها، فلا أحد يستطيع ادعاء امتلاكه للحقيقة المطلقة، لسبب واحد وبسيط، هو أنه لا وجود في الأصل لهذه الحقيقة المطلقة في مجال الأدب والفن.
***

جليلة ماجد
06-16-2006, 04:25 PM
ثبت ألفبائي
بالمصادر والمراجع


(1) ـ ابن رشد ـ تلخيص كتاب الشعر ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ 1987.
(2) ـ أبو صالح : معتز ـ الجدار (مجموعة شعرية) ـ الجولان المحتل ـ 1998.
(3) ـ أبو زريق، فؤاد ـ الأدب الصهيوني وتضليل الرأي العام ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق.
(4)ـ أوفيد ـ مسخ الكائنات ـ ترجمة ثروت عكاشة ـ الطبعة الثالثة ـ القاهرة ـ 1992.
(5) ـ أدونيس ـ كلام البدايات ـ دار الآداب ـ 1989.
(6) ـ أدونيس ـ ها أنت أيها الوقت ـ دار الآداب ـ لبنان ـ 1993.
(7) ـ الأزرعي: سليمان، دراسات في الشعر الأردني الحديث، اتحاد الكتاب العرب بدمشق، 1994.
(8) ـ الأزرعي: سليمان، الشاعر القتيل، اتحاد الكتاب العرب بدمشق، 1983.
(9) ـ اسماعيل، عز الدين، الشعر العربي المعاصر، دار العودة، بيروت.
(10) ـ ألكييه: فريناند ـ معنى الفلسفة ـ ترجمة حافظ الجمالي ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999.
(11) ـ ألليندي: إيزابيل، أفروديت، ترجمة: رفعت عطفة، دار ورد ـ دمشق 2000.
(12) ـ اليوت: ت.س. في الشعر والشعراء، ترجمة: محمد جديد ـ دار كنعان.
(13) ـ إيفانس: إيفور، مجمل تاريخ الأدب الإنجليزي، ترجمة: زاخر غبريال، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1996.
(14) ـ باث: أوكتافيو ـ اللهب المزدوج ـ ترجمة: المهدي أخريف ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة 1998.
(15) ـ باث: أوكتافيو ـ الشعر ونهايات القرن ـ ترجمة: ممدوح عدوان ـ دار المدى ـ دمشق 1998.
(16) ـ بدوي: مصطفى كولردج ـ دار المعارف بمصر ـ 1988.
(17) ـ بارت: رولان، شذرات من خطاب في العشق ـ ترجمة الدكتورة إلهام سعيد حطيط ـ وحبيب حطيط ـ سلسلة إبداعات عالمية ـ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت ـ 2000.
(18) ـ برنار : سوزان ـ قصيدة النثر ـ الجزء الأول ـ دار شرقيات ـ 1998.
(19) ـ بريك هنيدي: نزار ـ الرحيل نحو الصفر ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ 1998م.
(20) ـ بريك هنيدي: نزار ـ صوت الجوهر ـ دار علاء الدين ـ دمشق ـ 1999.
(21) ـ بريك هنيدي: نزار ـ مقدمة كتاب دمعة وابتسامة لجبران ـ مؤسسة علاء الدين ـ دمشق 2002.
(22) ـ بشير: أنطونيوس ـ مقدمة ترجمة لكتاب النبي ـ المطبعة العصرية ـ القاهرة ـ الطبعة الثانية ـ سنة 1934.
(23) ـ تشينغ قوه ـ مقال بعنوان: الأدب العربي في الصين ـ مجلة الآداب الأجنبية ـ دمشق ـ العدد 111 ـ صيف عام 2002.
(24) ـ التل: مصطفى وهبي (عرار)، عشيات وادي اليابس، الأهلية للنشر، عمان 1993.
(25) ـ جبران: خليل جبران ـ المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران العربية ـ دار صادر ـ بيروت.
(26) ـ جبران: خليل جبران ـ موسوعة جبران خليل جبران (30 مجلداً) ـ دار نوبليس ـ بيروت.
(27) ـ جبران: خليل جبران ـ كتاب (النبي) ـ نقله إلى العربية الأرشمندريت انطونيوس بشير ـ المطبعة العصرية ـ القاهرة ـ الطبعة الثانية ـ سنة 1934.
(28) ـ جبران: خليل جبران ـ الأعمال الكاملة ـ مؤسسة علاء الدين ـ دمشق 2002.
(29) ـ الجرجاني: عبد القاهر ـ دلائل الإعجاز ـ وقف على تصحيح طبعه ووضع حواشيه محمد رشيد رضا ـ دار المعرفة ـ بيروت.
(30) ـ الجيوسي: سلمى الخضراء، الشعر العربي تطوره ومستقبله، مجلة عالم الفكر، المجلد الرابع، العدد الثاني 1973.
(31) ـ حاوي: خليل ـ جبران خليل جبران ـ(إطاره الحضاري وشخصيته وآثاره) ـ دار العلم للملايين ـ بيروت ـ 1982.
(32) ـ حسن: سليم ـ الأدب المصري القديم ـ مطبوعات كتاب اليوم ـ القاهرة 1990.
(33) ـ الخال: يوسف: الحداثة في الشعر، دار الطليعة، بيروت 1978.
(34) ـ الخوري طوق: جوزيف ـ رسائل متفرقة لجبران خليل جبران ـ موسوعة جبران ـ المجلد 25 ـ دار نوبليس ـ بيروت 1997.
(35) ـ الخوري طوق: جوزيف ـ جبران في ذكرى غروبه الخمسينية ـ موسوعة جبران ـ دار نوبليس ـ بيروت ـ المجلد 18.


(36) ـ ريد : هربرت ـ طبيعة الشعر ـ وزارة الثقافة السورية ـ 1997.
(37) ـ زرادشت ـ ترانيم زرادشت ـ ترجمة: فيليب عطية ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1992.
(38) ـ زكريا: فؤاد ـ نيتشه ـ دار المعارف بمصر ـ الطبعة الثالثة 1991.
(39) ـ السواح : فراس ـ جلجامش ـ فراس السواح ـ دار سومر ـ 1987.
(40) ـ ستيتية: صلاح ـ ليل المعنى ـ مواقف في الشعر والوجود ـ حاوره جواد صيداوي ـ دار الفارابي ـ بيروت 1990.
(41)ـ الشافعي ـ شريف ـ الألوان ترتعد بشراهة ـ مركز الحضارة العربية ـ القاهرة ـ 1999.
(42)ـ الشرع: علي ـ بنية القصيدة القصيرة في شعر أدونيس ـ اتحاد الكتاب العرب بدمشق 1987.
(43)ـ صايغ : توفيق: أضواء جديدة على جبران ـ دار رياض الريس ـ الطبعة الثانية ـ لندن ـ 1990.
(44)ـ صميدة: محمود ـ الشخصية العربية في القصة العبرية ـ مجلة عالم الفكر المجلد الرابع والعشرون ـ العدد الثالث.
(45)ـ طلاس: مصطفى ـ مباهج الفكر الإنساني ـ نصوص أساسية من الفكر العالمي ـ دار طلاس ـ 2000.
(46)ـ طوقان: إبراهيم ـ ديوان إبراهيم طوقان ـ المؤسسة العربية للنشر ـ بيروت.
(47)ـ عبد الأحد: نويل ـ النبي لجبران في صياغة جديدة ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ 1933.
(48)ـ عبد اللطيف ـ سناء ـ الاتجاهات الأيديولوجية في أدب الأطفال العبري في إسرائيل ـ عالم الفكر ـ المجلد24 ـ العدد 3.
(49)ـ عشقوتي : راجي ـ مقالة بعنوان جبران شاعر بنثره لا بشعره ـ ضمها المجلد 16 ـ من موسوعة جبران ـ دار نوبليس ـ 1997 ـ بيروت.
(50)ـ عصفور: جابر: مفهوم الشعر ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ 1995.
(51)ـ عكاشة: ثروت ـ مقدمة ترجمته لكتاب النبي ـ دمشق ـ دار طلاس ـ 2000.
(52)ـ العواضي ـ أحمد: قصائد قصيرة ـ دار أزمنة ـ عمان ـ 2000.
(53)ـ العياري: صالح ـ في الشعر العبري والصهيوني المعاصر ـ دار طلاس ـ دمشق.
(54)ـ غادامير: هانز ـ تجلي الجميل ـ ترجمة: سعيد توفيق ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة 1997.
(55)ـ فرانكلين ـ خطبة له وضعت كمقدمة لكتاب (النبي) الذي نقله إلى العربية ا لأرشمندريت أنطونيوس بشير ـ المطبعة العصرية ـ القاهرة ـ الطبعة الثانية ـ سنة 1934.
(56)ـ كوهين: جان ـ بنية اللغة الشعرية ـ محمد الولي ومحمد العمري ـ دار توبقال للنشر ـ 1986.
(57)ـ لاوتسي ـ تاو ـ تي ـ كنج ـ كتاب الطريق والفضيلة ـ ترجمة: عبد الغفار مكاوي ـ سجل العرب ـ القاهرة 1967 .
(58)ـ لؤلؤة عبد الواحد ـ مدائن الوهم: شعر الحداثة والشتات ـ دار رياض الريس للكتب والنشر ـ بيروت ـ 2002.
(59)ـ لوتمان: يوري ـ تحليل النص الشعري: بنية القصيدة ـ دكتور محمد فتوح أحمد ـ دار المعارف بمصر 1995.
(60)ـ المسيري ـ عبد الوهاب، ومحمد علي زايد ـ الرومانتيكية في الأدب الإنجليزي ـ سلسلة الألف كتاب ـ القاهرة ـ مؤسسة سجل العرب 1964.
(61)ـ مكاوي: عبد الغفار ـ شعر وفكر ـ ا لهيئة المصرية العامة للكتاب ـ 1995.
(62)ـ الملائكة: نازك ـ قضايا الشعر المعاصر، دار العلم للملايين، الطبعة السادسة، بيروت 1981.
(63)ـ المهابهاراتا ـ ترجمة عبد الإله الملاح ـ دمشق ـ 1991 ـ ص 274.
(64)ـ موسى: خليل ـ، الحداثة في حركة الشعر العربي المعاصر، دمشق، 1991.
(65)ـ النشواني: محمد أحمد ـ كتب غيرت الفكر الإنساني ـ الجزء الثالث ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة.
(66)ـ نعيمة: ميخائيل: مقدمة المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران العربية ـ دار صادر ـ بيروت.
(67)ـ نعيمة: ميخائيل: مقدمة ترجمته لكتاب النبي ـ مؤسسة نوفل ـ بيروت.
(68)ـ النويهي: محمد، قضية الشعر الجديد، دار الفكر، الطبعة الثانية 1971.
(69)ـ نيتشه، هكذاتكلم زارادشت ـ ترجمة فليكس فارس ـ دار القلم ـ بيروت.
(70)ـ يارد: نازك سابا ـ مقدمة كتاب المواكب لجبران ـ مؤسسة بحسون للنشر ـ بيروت 1992.
(71)ـ يسبرز: كارل ـ نصوص مختارة من التراث الوجودي ـ ترجمة: فؤاد كامل ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ 1987.

***


// انتهى //