المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شيطان على الصليب ( رواية مترجمة ) / نجوجي واثيونغو


غيارى الراوي
07-20-2006, 11:06 AM
.




شيطان على الصليب
Devil On The Cross








Ngugi Wa Thiongo
ترجمة / عبد العزيز عروس




.

غيارى الراوي
07-21-2006, 02:30 PM
الفصـل الأوّل




(1)‏

قال لي بعض الناس في مدينتنا"إيلموروج": إن هذه القصة شائنة ومخجلة جداً، وإنها يجب أن تدفن في دياجير الظلمة الأبدية.‏

وقال آخرون: إنها مصدر للدموع والأحزان، وإنها يجب أن تظل طي الكتمان لكي لا نذرف الدموع مرة ثانية.‏

سألتهم: كيف لنا أن نغطي الحفر في فناء منزلنا بأوراق العشب، معللين لأنفسنا أنه بسبب عدم قدرة عيوننا على رؤية الحفر الآن؛ فإن أطفالنا يستطيعون أن يتبختروا في فناء المنزل كما يشاؤون.‏

سعيد هو الإنسان الذي يستطيع تمييز المطبات في طريقه، لأنه يستطيع بذلك تجنبها.‏

سعيد هو المسافر الذي يستطيع رؤية جذوع الأشجار في طريقه، لأن بمقدوره أن يقلعها أو يمشي حولها بحيث لا تجعله يتعثر في مسيره.‏

إن الشيطان الذي يؤْثر أن يقودنا إلى داخل عمى القلب وصمم العقل، يجب أن يُصلب، كما يجب أن نعنى بأن لا ينزله أتباعه وأعوانه عن الصليب لكي يتابع عمله في بناء جهنم لأبناء الكرة الأرضية.‏

(2)‏

وأنا، حتى أنا، رسول العدالة، شعرت بهذا العبء يرهق كاهلي بادئ الأمر، فقلت: إن غابة القلب لا تنظف تنظيفاً كاملاً من كافة الأشجار. إن أسرار بيت الإنسان يجب أن لا تبلغ أسماع الآخرين وإن"إيلموروج" هي بيتنا.‏

جاءتني والدة"وارينجا" عند بزوغ الفجر، وتوسلت لي والدموع تنهمر من عينيها قائلة: يا"جيكاندي"، إروِ حكاية الطفلة التي أحببتها حباً جماً. ألق الضوء على كل ما حدث، بحيث لا يستطيع أحد إطلاق حكمه إلا بعد معرفة الحقيقة بكاملها. يا"جيكاندي"، اكشف النقاب وعرِّ كل شيء خفي.‏

ترددت بادئ الأمر، وأنا أسأل نفسي: من أنا- الفم الذي أكل نفسه؟ ألا يحكى أن الوعل لا يكره الإنسان الذي يراه بقدر ما يكره الإنسان الذي يصيح لكي ينبه الناس إلى مكان وجوده؟‏

عند ذلك فقط سمعت صرخات الرجاء الصادرة عن أصوات عديدة، يا"جيكاندي"، يا رسول العدالة، اكشف النقاب عن كل ما يقبع مخفياً في الظلام.‏

بقيت بعد ذلك سبعة أيام صائماً، دون طعام أو شراب، لأن فؤادي تقرح كثيراً من تلك الأصوات المتوسلة. ومع ذلك سألت نفسي هل يمكن أن يكون ما أراه أضغاث أحلام دون أساس مادي، أو أن يكون ما أسمعه مجرد أصداء للصمت والسكينة؟ من أنا، الفم الذي أكل نفسه؟ ألا يحكى أن الوعل يحمل كراهية أكبر لمن يكشف مكان وجوده بالصراخ؟‏

وبعد أن مرت الأيام السبعة، اهتزت الأرض ووشم البرق السماء بضيائه وبهائه، ورُفعت أنا إلى أعلى، وحُملت إلى سطح المنزل، وعرضت علي أشياء كثيرة، وسمعت صوتاً كأنه قصف رعد هائل يلومني ويذكرني: من قال لك إن تلك النبوءة لك وحدك، تستأثر بها بمفردك. لماذا تسلح نفسك باعتذارات واهية فارغة؟ إن تفعل ذلك، لن تتخلص أبد الدهر من الدموع وصيحات الاستغاثة.‏

وفي اللحظة التي سكت فيها الصوت، أُلقي القبض علي، رُفعت إلى أعلى ثم طرحت داخل رماد الموقد. تناولت الرماد، ولطخت وجهي وساقي به ثم صرخت:‏

إنني أقبل‏

إنني أقبل‏

أسكتوا صرخات القلب‏

كفكفوا دموع الفؤاد....‏

الحكاية هي ما رأيته أنا، رسول العدالة، بأم عيني، وما سمعته بأذني حين حُملت على قمة سطح المنزل...،‏

لقد قبلت. لقد قبلت.‏

إن صوت الشعب هو صوت الله.‏

ذلك هو ما دعاني للقبول. ذلك هو ما دعاني للقبول‏

ولكن لماذا أتسكع على مهل على ضفة النهر؟‏

لكي أستحم ينبغي أن أخلع كل ثيابي‏

ولكي أسبح ينبغي أن أغطس في النهر‏

الأمر جيد بهذا الشكل‏

فتعال، تعال يا صديقي،‏

تعال ولنحاكم الأمور معاً‏

تعال ولنحاكم الأمور معاً الآن‏

تعال ولنحاكم الأمور معاً فيما يتعلق،‏

بـ"جاكينتا وارينجا" قبل أن يصدر الحكم على أبنائنا.‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 02:33 PM
الفصــل الثاني




(1)‏

ظهر الشيطان "لجاكينتا وارينجا" في يوم أحد في مضمار"الجولف" ببلدة"إيلموروج" بمقاطعة"ايسيسيري" وقال لها - تريثي! إنني اشتق؟.. الحكاية. إن مشاكل وارينجا لم تبدأ في"إيلموروج". دعنا نقتفي آثار خطونا من جديد....‏

لقد جرَّ النحس وجرت المشاكل أذيالها وراء وارينجا قبل مغادرة"نيروبي" بزمن طويل، حيث كانت تعمل سكرتيرة(في الضرب على الآلة الكاتبة والاختزال) في مكاتب شركة البناء والإنشاء في شارع"توم مبويا" قرب بناء الأرشيف الوطني.‏

النحس والبلاء أسرع من أسرع الأرواح، والمشكلة تفرِّخ مشكلة أخرى. في صباح يوم الجمعة، فُصلت وارينجا عن عملها بسبب رفضها عرض رئيسها"بوس كيهارا"، المدير الإداري للشركة. وفي ذلك المساء هجرها حبيبها"جون كيموانا" بعد أن اتهمها بأنها خليلة"بوس كيهارا".‏

وفي صباح السبت زارها صاحب البيت الذي تسكن فيه، في حي"أوفافاجريشو" في"نيروبي" حيث كانت تستأجر غرفة(أهو منزل أم عش للطيور؟ فأرض الغرفة محفرة، والجدران متشققة والسقف تدلف ماء) قال صاحب البيت: إنه سيزيد الأجرة، رفضت وارينجا أن تدفع له أكثر. طلب منها أن تترك البيت فوراً. وفي تلك اللحظة، اعترضت على ذلك وقالت: إنهم يجب أن يرجعوا بالموضوع إلى محكمة الأجور. استقل صاحب المنزل سيارته من طراز"مرسيدس بنز" وساقها وانطلق.‏

وقبل أن ترمش وارينجا بعينيها، كان قد عاد مع ثلاثة سفاحين يرتدون النظارات الشمسية. وقف صاحب المنزل على مسافة قريبة من"وارينجا"، وذراعاه على خاصرتيه وهو يؤنبها ويوبخها: ها أحضرت لك محكمتك. أُلقيت أشياؤها خارج الغرفة، وأقفلت الغرفة بقفل جديد. ثم ألقى أحد زبانيته؟.. ورقة كتب عليها:‏

نحن ملائكة الشيطان: رجال أعمال خصوصيون‏

قومي بأوهى حركة لنقل هذه القضية للسلطات‏

ونحن سنصدر تذكرة فردية ننقلك بها إلى‏

ملكوت الله أو ملكوت الشيطان- تذكرة ذهاب فقط إلى الجنة أو إلى جهنم.‏

ثم استقل الجميع سيارة"المرسيدس بنز" وتواروا عن الأنظار.‏

حملقت وارينجا في الورقة لحظة، ثم دستها في حقيبة يدها.‏

جلست على صندوق وأمسكت رأسها بيديها متسائلة: لماذا دائماً أنا من بين عباد الله جميعاً؟ أي ربٍ شتمت تناولت مرآة صغيرة من حقيبتها وراحت تفحص وجهها بحيرة وذهول، وهي تقلِّب في ذهنها مشاكلها جميعاً. وجدت أنها مكمن الخطأ، فأخذت تلعن النهار الذي ولدت فيه؛ وسألت نفسها: ياوارينجا المسكينة، بمن ستلوذين الآن؟‏

عند هذا فقط قررت أن ترجع إلى ذويها. وقفت وجمعت أشياءها معاً، ثم كدستها في غرفة المدخل المجاورة التي تخص"مكامبا" وشرعت تضع الترتيبات من أجل الرحلة، ومرجل من المتاعب يغلي في ذهنها.‏

كانت"وارينجا" مقتنعة بأن مظهرها هو السبب الأساسي لكل مشاكلها. كانت في كل مرة تنظر إلى نفسها بالمرآة تعتقد أنها قبيحة جداً. أما ما كانت تمقته كثيراً فهو سوادها، ولذلك كانت تشوه جسدها بمبيضات البشرة من نوع"آمبي" و"سنو فابر" متناسية المقولة: إن من يولد أسود لن يصير أبيض بصورة من الصور. كان جسدها الآن مغطى ببقع فاتحة وداكنة مثل الدجاج الحبشي. كان شعرها مقصوفاً وقد تحول إلى لون فرو الجلد، لأنه سُرح بالأمشاط الحديدية الساخنة. وكانت من ناحية أخرى تكره أسنانها، فقد كانت ملطخة قليلاً؛ إذ لم تكن بيضاء كما كانت تتمنى. كانت في أكثر الأحيان تحاول إخفاءها، ونادراً ما كانت تضحك ملء شدقيها. وإذا ما ضحكت عن طريق الخطأ وتذكرت أسنانها فيما بعد، فإنها تلوذ بالصمت فجأة أو تغطي شفتيها بيدها.‏

كان الرجال يضايقونها عندما ينادونها"وارينجا"، أيتها المرأة الغاضبة، بسبب شفتيها اللتين كانتا دائماً مطبقتين.‏

أما عندما تكون"وارينجا" سعيدة وتنسى قلقها بالنسبة لتلاشي بياض أسنانها أو قلقها بالنسبة لسواد بشرتها، وتضحك من أعماق قلبها فقد كان ضحكها يستميل الناس تماماً. كان صوتها ناعماً كزيت العطر. وكانت عيناها تسطعان مثل النجوم في الليل. كان جسدها وليمة لأعين الناظرين. وفي أغلب الأحيان، عندما كانت تمشي في الطريق من دون وعي ذاتي، كان نهداها يتأرجحان طرباً مثل ثمرتين ناضجتين تتأرجحان مع الريح. فتوقف الرجال في مسيرهم.‏

لم تكن تستطيع تقييم روعة جسدها الحقة. كانت تتوق إلى تغيير ذاتها في سعي دائب وراء جمال الأخريات. وكانت غالباً ما تخفق في ارتداء ثياب تنسجم مع جسدها. كانت تندفع لتقليد الأخريات في طريقة لبسهن، وكانت الموضة هي التي تتحكم في اختيار ملابسها، بغض النظر عن ملاءمة ذلك للون بشرتها أو لشكل جسمها.‏

وكانت أحياناً تشوه قوامها وهي تحاول تقليد مشية فتاة أخرى. لقد نسيت القول المأثور: "تقليد الآخرين يفقد الضفدع كفليه".‏

لقد شكل الشك- الذاتي الملحاح والشفقة- الذاتية الساحقة العبء الذي تحمله"وارينجا" ذلك السبت. وهي تسير عبر شوارع"نيروبي" باتجاه أحد مواقف الحافلات للحاق"بالماتاتو" التي ستقلها إلى موطن ذويها في"إيلموروج".‏

وحتى بعد مضي أيام عدة، وبعد أن تغيرت حياتها على منوال لم تكن تحلم به مطلقاً، كانت وارينجا عاجزة عن أن تشرح بوضوح كيف رتبت أمر سيرها على طول"طريق النهر" وأن تجتاز شارع"رونالد نجالا"، بحيث تجد نفسها واقفة على طرف شارع"ريس كورس" أو مضمار السباق، بين كنيسة القديس"بطرس كليفرز" وبين محل ماكينات الخياطة عند موقف باص فندق"كاكا".‏

أقبل باص مدينة داخلي متسارعاً باتجاهها. أغمضت"وارينجا" عينيها. ارتعش جسدها. ابتلعت كتلة وطفق قلبها يدق كأنه يدق لإيقاع الصلاة: في أوقات الشدة، لا تنظر، يا أبتاه، إلى الطريق الآخر؛ لا تخف وجهك عني في وقت الدموع هذا.... الآن... تلقاني....‏

وفجأة سمعت"وارينجا صوتاً في رأسها: لماذا تحاولين قتل نفسك مرة ثانية؟ من أخبرك أن عملك على الأرض قد اكتمل؟ ومن أخبرك أن عمرك انتهى؟‏

فتحت"وارينجا" عينيها على عجل. جالت بطرفها ذات اليمين وذات الشمال. فلم تستطع أن ترى صاحب الصوت وشعرت الآن بالرعشات تتصاعد من أصابع قدميها إلى قمة رأسها وهي تستذكر ما كانت على وشك أن تفعله.‏

وسرعان ما أحست بالدوار. أخذت"نيروبي" بأهلها، ومبانيها، وأشجارها وسياراتها وشوارعها تدور كالدوامة أمام عينيها. انسدت أذناها. انقطع الضجيج كله عندما غطت المنطقة في صمت كبير. تراخت ساقاها عند الركبتين، وانحطت قوتها من المفصلين، فشعرت كأنها تفقد وعيها وتوازنها. ولكنها وهي على وشك السقوط، شعرت بشخص يمسك بها من ذراعها الأيمن لكي يساعدها.‏

كنت على وشك السقوط، قال لها الرجل الذي يمسك بها. تعالي واجلسي في ظل المبنى. ابتعدي عن الشمس.‏

لم تكن"وارينجا" بحال تسمح لها برفض أوامر محدثها أو حتى استطلاع شخصيته. تركت نفسها تساق إلى درج صالون لحلاقة الشعر. كان باب الصالون مغلقاً، جلست وارينجا على الدرجة الثانية. أمسكت رأسها بجمع يديها، بينما كانت أصابعها تلامس شحمتي أذنيها. اتكأت على الحائط خلفها. وعلى حين غرة هجرها آخر ما تبقى من قوتها، فزحفت إلى أعماق الظلمة. خيم الصمت، سمعت بعد ذلك أصواتاً صافرة، ثم أصواتاً غير صافرة: فقد بدت وكأنها أصوات تغني بعيداً، لحناً حمل صوت أغنية على متن الريح تقول:‏

إنني أندب جسدي الخاص‏

الجسد الذي أعطاني إياه الرب، صاحب القوة والقدرة‏

وأسأل نفسي: حين سيوارونني الثرى،‏

من الذي سيشاركني قبري...؟‏

ثم تحول الصوت فلم يعد أغنية، ولم تعد الكلمات مفهومة. لقد تحللت إلى تنافر في النغمات، إلى نبع من رغبة وزبد وضوضاء لا معنى لها.‏

راود وارينجا الآن ومن جديد كابوس ألفته منذ كانت تتردد على كنيسة"الحديقة المقدسة" وهي طالبة في ثانوية"ناكورو".‏

كان أول ما شاهدته هو الظلام، ظلام متناثر عن أحد الجوانب لكي يميط اللثام عن صليب، معلق في الهواء. ثم شاهدت جمهرة من الناس يلبسون الأسمال البالية ويسيرون في النور، يدفعون الشيطان نحو الصليب. كان الشيطان يرتدي بذلة من الحرير وكان يحمل عكازاً على شكل مظلة مطوية.‏

كان على رأسه سبعة قرون وسبعة أبواق لإطلاق ألحان شيطانية في الثناء والتمجيد. كان للشيطان زوج من الأفواه، واحد على جبينه، وآخر عند مؤخرة رأسه، كان بطنه متدلياً وكأنه على وشك أن يلد كافة شرور العالم.‏

كان جلده أحمر اللون وكأنه جلد خنزير. أخذ يرتجف قرب الصليب، وحوَّل عينيه نحو الظلام كأنهما كانتا تلفحان بالنور. أخذ ينوح وهو يتوسل للناس أن لا يصلبوه، مقسماً أنه وأتباعه سوف لا يبنون جهنم ثانية لأهل الكرة الأرضية.‏

غير أن الناس صاحوا بصوت واحد: إننا نعرف الآن أسرار كافة الأردية التي تخفي وتموه مكرك وخبثك. إنك ترتكب جريمتك ثم تلبس أثواب الشفقة، وتذهب لتمسح الدموع عن وجوه الأيتام والأرامل. إنك تسرق الطعام من خزائن الناس في منتصف الليل، ثم تزور الضحايا عند الفجر وأنت ترتدي أثواب المحبة والإحسان وتقدم لهم قرعة مليئة بالحبوب التي سرقتها. إنك تشجع الدعارة لمجرد إشباع شهواتك، وبعدها ترتدي أثواب الصلاح وتحض الناس على التوبة، وعلى اتباعك لكي تريهم دروب الصفاء والخلاص. إنك تستولي على ثروة الناس، ثم ترتدي أثواب الصداقة لتعلمهم المشاركة في ملاحقة الوغد الذي سلبهم ثروتهم.‏

في ذلك المكان وفي تلك اللحظة صلب الناس الشيطان على الصليب ثم ابتعدوا وهم ينشدون أغاني النصر.‏

وبعد ثلاثة أيام، جاء آخرون يرتدون البدلات وعقد الرقبة، ممن لم يبرحوا جدار الظلمة، وأنزلوا الشيطان عن الصليب. ركعوا أمامه وصلوا له بأصوات مرتفعة، يرجونه إعطاءهم قسماً من أثواب مكره. بدأت بطونهم تتورم، ووقفوا، ثم ساروا نحو"وارينجا" يضحكون عليها ويمسدون بطونهم الكبيرة، البطون التي ورثت الآن شرور هذا العالم كلها.....‏

أجفلت"وارينجا"، وحدقت إلى ما حولها، فأحست وكأن عقلها قد أخذ يعود إليها بعد أن غادرها في رحلة بعيدة. رأت أنها لم تزل في شارع"ريس كورس" وأنها لا تزال على موقف باص فندق"كاكا" قرب كنيسة القديس بطرس كليفرز"، وأن الأصوات التي كانت تسمعها ليست سوى هدير محركات سيارات. فسألت نفسها: كيف وصلت إلى هذا المكان؟ أية ريح حملتني إليه؟ إنني أتذكر ركوب الباص/78/ القادم من "أوفافا جيريشو". لقد مر عبر"القدس" و"باهاتي" وانعطف إلى شارع"جوجو"، مروراً بمحطة باصات مقاطعة ماكاكو.... و.. آه... نعم... وكنت أنا في طريقي إلى الجامعة، لأرى"جون كيموانا"، حبيبي، للمحة واحدة أخيرة، ونزلت من الباص عند موقف الباصات خارج مبنى الأرشيف الوطني، بالقرب من محلات تنظيف"الزهرة البيضاء". مشيت في شارع"توم مبويا" وعبر مسجد"كونجا". عبرت حدائق"جيفانجي" مروراً"بفندق الحديقة"، ووقفت عند منعطف شارعي"هاري ثوكو" و"الجامعة"، أمام مركز الشرطة العام. هل كان ذلك هو المكان الذي رجعت منه؟ إذ إنني عندما نظرت إلى مباني الجامعة، ولا سيما إلى مباني كلية الهندسة، تذكرت أحلام شبابي، حين كنت في المدرسة في إعدادية"باهاريتي" وثانوية"باكورو" وتذكرت كيف سحقت أحلامي وديست في الغبار من قبل العجوز الغني من"نجوريكا". حين اندمجت تلك الذكريات مع الأفكار المتعلقة"بجون كيموانا" الذي تركني الليلة الماضية أغوص حتى ركبتي في مستنقع المشاكل، شعرت فجأة أن دماغي وقلبي يحترقان ألماً، وتبدى لي أن غضبي يخنقني.... والآن، ماذا فعلت بعد ذلك؟ أين ذهبت؟ آه! يا إلهي. أين حقيبة يدي؟ أين تركتها؟ وأين سأجد أجرة السفر إلى"أيلموروج"؟‏

مرة ثانية، حدقت"وارينجا" إلى ما حولها. عندئذ فقط وقعت عيناها على عيني الرجل الذي أمسك بها من يدها اليمنى والذي جعلها تجلس على أدراج قاعة التدليك.‏

ها هي، ها هي حقيبة يدك، قال الرجل وهو يمد يده لكي يعطيها حقيبة سوداء مزينة على أحد جانبيها بقطعة من جلد حمار الوحش المدبوغ.‏

تناولت"وارينجا"، وهي لا تزال جالسة، حقيبة يدها منه. رمقته بنظرة سريعة متسائلة. كانت بنيته فتية، رغم أن وجهه كان ينم عن النضوج والكبر. وكان يعلو رأسه مقدار من الشعر الأسود الفاحم كما تعلو ذقنه لحية تشبه شعر جدي الماعز. كانت عيناه السوداوان تشرقان بنور حكمة ومعرفة ترى أشياء كثيرة مخبأة في مكان بعيد.... وكان يرتدي بنطالاً من"الجينز" الخاكي وسترة جلدية رمادية. كما كان يحمل تحت ذراعه حقيبة جلدية سوداء. وبعد ذلك شرح كيف حصل على حقيبة وارينجا.‏

أنت رميتها في"ريفر رود" بالقرب من"حجرة الشاي"، عند موقف سيارات"نيري" و"مورانغ" وأنا التقطها لك ولحقت بك. لقد كنت محظوظة جداً هذا اليوم- إذ كان من السهل تماماً أن تدهسي.‏

كنت تجتازين الشوارع وتتفادين السيارات المارة مثل رجل أعمى يدخن الأفيون وهو مشحون بالشجاعة الطائشة المتهورة. لقد لحقت بك بينما كنت تترنحين فوق الحاجز الحجري على طرف الطريق. أمسكت بك من يدك وأخذتك إلى مكان ظليل، ومنذ تلك اللحظة حتى الآن وأنا أقف إلى جانبك دون أي عمل أقوم به، أنتظر عودتك من البلاد التي نقلتك إليها تجارب القلب.‏

كيف عرفت أنني كنت بعيدة جداً؟ سألته"وارينجا"؟‏

من وجهك، ومن عينيك وشفتيك. أجاب الفتى الشاب.‏

إنني مرتاحة جداً لاستعادة حقيبة يدي. قالت"وارينجا". لم أكن أعرف أنني رميتها. ولا أملك حتى نصف"بنس" من النقود في جيبي.‏

قال لها الفتى: افتحي حقيبتك وتأكدي من أن أشيائك كلها موجودة فيها لاسيما النقود.‏

فقالت وكأنها ترثي لحالها لم يكن بداخلها مزيد من النقود.‏

على الرغم من ذلك، من الأفضل أن تتأكدي. ألا تعرفين أن اللص الذي يسرق خمسة وعشرين"سنتاً" يشنق عادة؟‏

فتحت"وارينجا" الحقيبة اليدوية، ونظرت بداخلها دون اكتراث ثم قالت: كل شيء في مكانه. سؤال كان يزعجها. هل هذا هو الرجل الذي تدخل صوته عندما كانت على وشك أن ترمي نفسها في الطريق؟ كيف سبر أغوار أفكارها؟ كيف عرف أن هذه ليست المرة الأولى التي حاولت قتل نفسها فيها؟ سألته: هل أنت هو الرجل الذي كلمني قبل أن أغيب عن وعيي تماماً؟‏

هز الفتى رأسه وقال: لقد وصلت وأنت على وشك السقوط. هل أنت مريضة؟‏

لا، أجابت"وارينجا" بسرعة. إنني متعبة فقط، جسداً وروحاً، من "نيروبي".‏

أنت على حق في تعبك، قال لها الفتى. إن"نيروبي" شاسعة واسعة، عديمة الحيوية وفاسدة عفنة. اقترب الشاب من"وارينجا" واستند على الحائط وتابع يقول: ولكن ليست"نيروبي" وحدها هي التي تبتلى على هذا النحو.‏

الشيء نفسه صحيح تماماً بالنسبة لجميع المدن في أي بلد تخلص حديثاً من نير الاستعمار. إن هذه البلدان تجد أن من العسير عليها دفع الفقر عنها لسبب بسيط هو أنها أخذت على عاتقها تعلم طريقة إدارة اقتصادياتها من الخبراء الأمريكيين. ولذلك تم تعليمهم مبدأ المصلحة الذاتية ونظامها، كما تعلموا بأن عليهم أن ينسوا الأغاني القديمة التي تمجِّد فكرة المصلحة المشتركة. لقد تعلموا أغاني جديدة وترانيم جديدة تمجد حيازة المال. ذلك هو السبب في أن نيروبي تعلم الآن:‏

الاعوجاج للمستقيمين‏

والخسة والوضاعة لأصحاب الكياسة واللطف‏

والكراهية للمحبين‏

والشر لأهل الخير.‏

كما تدعو أغنية- الرقص اليوم إلى:‏

إن من ينقر لا ينقر لسواه‏

إن من يقرص لا يقرص لغيره‏

إن من يرتحل لا يرتحل لسواه‏

فأين هو الباحث الذي يبحث لسواه؟‏

قلِّبي هذه المسائل في ذهنك، وسلي نفسك: ذلك النوع من الأغاني إلى أين سيودي بنا؟ أي نوع من القلوب يتربى فينا؟ هل هو النوع الذي يدفعنا للانقلاب على أعقابنا من الضحك عندما نراقب أطفالنا يحسمون الأمر في معركة مع الكلاب والقطط من أجل بقايا الطعام في سلال المهملات؟‏

العاقل يمكن أن يتعلم الحكمة أيضاً.‏

ولذلك دعيني أقول لك:‏

قال"جيكوكو": إن الكلام تمهيد للمحبة‏

وإن اليوم الحاضر هو كنز المستقبل‏

والغد حصاد ما نزرعه اليوم‏

ولذلك دعينا نقول لأنفسنا:‏

النواح والأنين، من تراه ربح منهما؟‏

غيِّروا البذور، لأن لايقطينة تحوي بذوراً من أكثر من نوع واحد!‏

غيروا الخطوة، فالأغنية لها أكثر من إيقاع واحد!‏

إن رقصة"مومبوكو" في هذه الأيام تتألف من خطوتين ودورة.‏

خلد الفتى فجأة إلى الصمت ولكن صوته وكلماته كانا يرنان في أذن وارينجا.‏



لم تفهم وارينجا كل الأشياء التي ألمح لها الشاب بلغته الملغزة. ولكنها استطاعت أن تشعر من نقطة إلى أخرى أن كلماته تبلغ مستوى الأفكار التي راودتها في وقت من الأوقات. تنهدت وقالت: كانت كلماتك تخفي معاني شتى. غير أن ما تقوله صحيح تماماً. لقد تجاوزت هذه المشاكل حدود التحمل والصبر. من ذا الذي لا يرحب بالتغيير في سبيل الهروب منها؟‏

شعرت"وارينجا"، وهي تتحدث، بلسانها يرتخي. راحت تتكلم وكأنها ترفع حملاً ثقيلاً عن قلبها. تحدثت بصوت معتدل، ليس حاداً ولا مكتوماً، ليس لاهثاً ولا مثأثئاً، كان صوتاً، مشبعاً بالألم والأسى والدموع.‏

(2)‏

"خذ فتاة مثلي"، قالت"وارينجا" وهي تمعن النظر ببقعة واحدة وكأنها تكلم نفسها. أو خذ أية فتاة أخرى في"نيروبي". دعنا نسميها"ماهواكاريندي". ثم دعنا نفترض أنها ولدت في قرية أو في قلب الريف. ولنفترض أن ثقافتها محدودة.‏

بل دعنا نفترض أنها حصلت على الشهادة الثانوية، وانتقلت إلى مدرسة عليا. دعنا حتى نفترض أن المدرسة مدرسة جيدة على غير شاكلة مدارس"هارامب" التي يدفع فيها الفقراء مبلغاً لا بأس به من المال، حتى ولو لم تفخر الصفوف بالمدرسين.‏

قبل أن تصل إلى الصف الثاني، تكون"كاريندي" قد حصلت عليه. إنها حامل، من هو المسؤول؟‏

لنقل إنه أحد الطلاب. وهذا الطالب لا يملك سنتاً واحداً باسمه.‏

كانت صداقتهما تتمثل في تبادل إعارة الروايات التي كتبها"جيمس هادني" و"تشارلس مانجوا" أو ديفيد مايلو. كما كانت صداقتهما تتمثل في ترديد بعض الأغنيات من تسجيلات"جيم ريفز" أو"د. ك" أو "لورنس ندولو". إلى أين تتوجهين الآن يا كاريندي؟‏

يمكننا من ناحية أخرى أن نتصور أن الرجل المسؤول عن الحمل هو متسكع من القرية وهذا المتسكع عاطل عن العمل. إنه لا يملك مكاناً يريح عليه رأسه.‏

لقد عزز علاقتهما عزف"الجيتار" ورقصات المساء في القرية. وكانت علاقتهما الغرامية تمارس في أكواخ مستعارة أو في بساتين مكشوفة بعد حلول الظلام. يا"كاريندي" الصغيرة، إلى أين ستتجهين؟ الطفل بحاجة لطعام وملابس.‏

ربما كان للمتسكع عمل في المدينة، غير أن راتبه لا يتعدى خمس شلينات في الشهر. لقد قوي حبهما وتعزز بأفلام"بروس لي" و"جيمس بوند"- بخمس دقائق في فندق رخيص أو في طريقهما إلى البيت بسيارة أجرة. من سيمسح دموع كاريندي الآن؟‏

ثم لنقل إن والد الصبي رجل غني. أليس ذلك النوع من العلاقات الغرامية هو السائد في هذه الأيام؟ الغني له زوجة. والمسألة هي مسألة علاقة في سيارة"مرسيدس بنز" يوم الأحد. كانت العلاقة الغرامية تدعم بمبالغ صغيرة من الأموال النقدية مما تلقته"كاريندي" كمصروف جيب قبل العودة إلى المدرسة. كما أنها تعزز بشراب قوي يرتشفانه في الفنادق على مسافة بعيدة عن القرية.‏

وسواء كان طالباً، أو متسكعاً أو غنياً-لا تتغير الاستجابة- عندما تخبرهم"كاريندي" عن وضعها. ماذا! من تدعين أنه مسؤول عن الحمل؟ أنا؟ كيف لفقت ذلك؟ هيا وضايقي شخصاً آخر بأوهامك، يا"كاريندي"، يا ذات الفخذين الرخوين، يا"كاريندي" العشر سنتات. بوسعك أن تبكي حتى تملأ دموعك -براميل الزيت- فذلك لا يشكل فارقاً أو اختلافاً. يا"كاريندي"، إنك لا تستطيعين أن تحملي ممن هب ودب، ثم تلقين ما تلدين على بابي لمجرد أنني غازلتك في يوم من الأيام!.‏

لنقل إن"كاريندي" لا تحتاج إلى لسان مستعار. إنها تقف هناك، بذراعين حول الخصر ثم تتهجم على حييب الأمس. هل تحسين أنك السكر ذاته؟ إنني أفضل احتساء الشاي دون سكر. هل تتصورين أنك سيارة باص؟ إنني أفضل السير على الأقدام. هل تظنين أنك منزل؟ إنني أوثر النوم في العراء، أو هل تحسبين أنك السرير نفسه؟ إنني أختار أرض الغرفة. لقد فقدت ثقتي بأصحاب الألسنة الحريرية ممن يعيشون عالات على المومسات. ولكن"كاريندي" تحاول مواجهة الأمور بشجاعة رغم أن قلبها في داخلها يستشيط حنقاً وغضباً.‏

لنفترض أن"كاريندي" ترفض تناول العقاقير الطبية. إن من المرعب بمكان أن يخرج الأطفال من أرحام أمهاتهم جثثاً ميتة. أما"كاريندي" فتحصل على الطفلة، وهي لا ترميها في المرحاض ولا تتركها على طرف الطريق أو في الحافلة. كما أنها لا تضعها في الغابة أو في سلة المهملات. تلقي"كاريندي" على كاهل أمها أو جدتها عبء تربية هذه الطفلة، التي جاءت إلى هذا العالم رغم الحقيقة الدامغة التي تفيد بأن أبويها لم يرحبا بها ولم يستعدا لوصولها. غير أن أمها وجدتها تحذرانها من أن تجعل هذا الأمر عادة دائمة: "حاذري من الآن فصاعداً، يا"كاريندي". تذكري أن للرجال إبراً تلسع، إبراً مزعجة وفاسدة، مما لا يبرح سمها لحم ضحاياه.‏

الآن فقط، تعرف"كاريندي" حق المعرفة أن ما من أحد يتوب نيابة عن ذنوب الآخرين. ليس ثمة إنسان يندم على الذهاب بقدر ما يندم على العودة. الابتسام لك لا يعني أنك محبوب. ولذلك فإن"كاريندي" تعض شفتيها عضاً مبرحاً وتعود إلى المدرسة وتحصل على شهادتها، وهي شهادة تبين أنها نجحت في اللغة الإنكليزية أو السواحلية والدين.‏

إلى هنا وكل شيء على ما يرام.‏

غير أنه ليس للمشاكل أجنحة تطير بها إلى مكان ناءٍ وبعيد. ويترتب على والدي"كاريندي" الآن من جديد تفتيش جيوبهما. ويسحبان من تلك الجيوب القروش التي كانا يدخرانها، والتي تمثل العصا الموضوعة جانباً احتياطاً من مقابلة فأر بصورة غير متوقعة- وقد ظهر الآن مثل ذلك الفأر. إنهم يدرجون بسرعة إسم"كاريندي" في معهد نيروبي لتعلم السكرتارية لكي تتعلم الضرب على الآلة الكاتبة والاختزال. وفي نهاية تسعة شهور تصبح كاريندي ضاربة آلة كاتبة مجتهدة، بمعدل خمس وثلاثين كلمة في الدقيقة، كما أصبحت خبيرة في الاختزال- إذ حققت سرعة ثمانين كلمة في الدقيقة الواحدة. إن لغة العين مختلفة عن لغة الأذن. لقد حصلت كاريندي على شهادتي"بيتمان" في الضرب على الآلة والاختزال وامتلكت هاتين المهارتين.‏

وتمضي الآن"كاريندي" متسكعة في شتى أرجاء نيروبي بحثاً عن وظيفة. تدخل وهي مسلحة بمهارات"بيتمان" مكتباً إثر مكتب. تجد في أحد المكاتب السيد"بوس" وهو يتمدد في كرسيه طلباً للراحة والاطمئنان. يعاين"كاريندي" من قمة رأسها إلى أخمص قدميها ويخاطبها قائلاً: ماذا تريدين؟ هل تريدين عملاً؟ لا بأس، ولكنني منشغل جداً في هذه اللحظة. سأقابلك الساعة الخامسة. وتنتظر"كاريندي" الساعة الخامسة على أحر من الجمر. تندفع إلى المكتب لاهثة. يبتسم لها السيد"بوس" الآن، ويقدم لها كرسياً، ثم يسألها عن اسمها، الاسم الذي سميت به عند الولادة واسمها الإنكليزي المكتسب، ثم يستفسر عن الأشياء التي تزعجها، وينصت لأجوبتها بصبر وحذر. وبعد ذلك يقرع السيد"بوس" على المقعد باصبعه أو بالقلم وهو يقول: آه، يا"كاريندي"، ليس من السهل في هذه الأيام الحصول على الوظيفة ولكن فتاة مثلك.... سيكون من العسير إيجاد شيء ما تعملينه. ولكن قضية كهذه يصعب إنهاؤها في المكتب يا"كاريندي". دعينا نذهب سوية إلى ملهى الحب الحديث ودعينا نبيت معاً كي نناقش الأمر بصورة مسهبة كاملة. ولكن كاريندي تتذكر إبر اللسع السامة في السنوات السابقة. إن من يرى مرة يتعلم، ومن شرب من قربة يستطيع تعيين حجمها. ولذلك ترفض"كاريندي" كافة الدعوات إلى الفنادق المصممة لتبادل الحب، سواء كانت تقليدية أو حديثة. وفي اليوم التالي كانت"كاريندي" لا تزال تمشط المدينة بحثاً عن العمل.‏

تدخل"كاريندي" مكتباً آخر. وتلتقي هناك بسيد"بوس" آخر. الابتسامات نفسها، والأسئلة نفسها، كما أن موعد اللقاء واحد، والهدف المنشود هو فخذا"كاريندي". لقد صار فندق الحب الحديث والمبيت هما مكتب الاستخدام الرئيسي بالنسبة للفتيات. كما صار فخذا المرأة الموائد التي توقع عليها العقود. فتاة بكر تغرق مرة في بحر من الحب والحلاوة. إن بلدنا الحديث كينيا، على كل حال، يغني لـ"كاريندي": أيتها الأخت، إن قضية الأحمق تستغرق وقتاً طويلاً للحل. كما أن كل جلسة من جلسات المحكمة تبدأ بالاحتفال. يا أخت"كاريندي"، ليس ثمة أحد يلعق يداً فارغة. اعتني بي وأنا سأعتني بك. إن المشاكل الحديثة تحل بواسطة الفخذين. إن على من يرغب بالنوم أن يكون متحمساً لتسوية الفراش.‏

إن كاريندي عازمة على عدم إعداد الفراش. إنها تفضل أن تترك المشكلة بلا حل. هذا وبما أن الله ليس آكل أو ثمالي حقاً، فإن كاريندي ستحصل على عمل دون أن يكون عليها أن تزور أي فندق سعياً وراء الحب الحديث. إن السيد"بوس كيهارا" هو المدير الإداري للمؤسسة. وهو في متنصف العمر وله زوجة وعدة أطفال. وفضلاً عن ذلك، إنه عضو في اللجنة التي تدير"كنيسة الفردوس.." هذا وإن "كاريندي" تؤدي واجبات مكتبها بكل دقة.‏

وقبل انقضاء شهر واحد، تجد"كاريندي" لنفسها عشيقاً شاباً. وهذا الفتى طالب في الجامعة ويحمل أفكاراً حديثة وتقدمية. وعندما تعترف له"كاريندي" بأن عندها طفل صغير في البيت، يسكتها العاشق بقبلات الحب ويقول لها: إن الطفل ليس نمراً، قادراً على إيذاء الناس. ثم إن الولادة بحد ذاتها دليل على أنك لست بغلاً شموساً. لدى سماع ذلك تبكي"كاريندي" بدموع السعادة والمسرة. عندها وفي ذلك المكان تقسم على الإخلاص قسماً صادراً عن أعماق قلبها بقولها: بما أنني محظوظة جداً وبحثت فوجدت عشيقي، وهو فتى ذو أفكار حديثة، فها أنا، "كاريندي" أقسم بأنني لن أغضبه أبداً أو أخالفه الرأي في أية قضية. إذا صرخ بوجهي، سألوذ بالصمت. سوف أغض طرفي له بكل بساطة مثل نمر خجول أو مثل سنبلة بالغة وديعة. وسوف أساعده في توفير لقمة العيش لكي يتمكن من إنهاء دراسته دون مشاكل أو تأخير ولكي نستطيع معاً بناء منزل له جذور ثابتة، ثم إنني لن أنظر من قريب أو بعيد إلى شخص آخر.‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 02:34 PM
كانت الفتيات الأخريات، صديقات"كاريندي" يحسدنها، ويقدمن آيات النصح لها: "يا كاريندي من الأفضل لك تغيير أساليبك. إن البذور داخل القرع ليست جميعاً من نوع واحد". وتجيب"كاريندي": إن الطفلة القلقة تغادر البيت بحثاً عن اللحم مثلما تكون الشاة وهي على وشك الذبح. غير أن الفتيات الأخريات يقلن لها: أيتها الصديقة، هذه هي كينيا الحديثة. ينبغي على كل واحد أن يدخر شيئاً لسد حاجات المستقبل. ومن يدخر قليلاً من الطعام لن يعاني من الجوع مطلقاً. تجيبهن"كاريندي": إن تناول مزيد من الطعام يخرب المعدة. ويقلن لها بسخرية وتهكم: إن الغذاء المحدود غذاء روتيني. ترفض ذلك"كاريندي" وتقول لهم: إن استعرت عقداً ربما تضيّع عقدك.‏

الآن، وبينما تفكر"كاريندي" في أن حياتها تجري بصورة لطيفة جداً، يبدأ السيد"كيهارا" بسبر واستطلاع رأيها بكلمات مختارة بكل دقة وحذر.‏

يحضر في يوم من الأيام إلى مكتبها. ويقف بجانب آلتها الكاتبة، متظاهراً بأنه يفحص الأوراق التي أنجزت طباعتها ؟.. يحدثها بالقول: بالمناسبة، يا"كاريندي"، ما هي مشاريعك بالنسبة للعطلة الأسبوعية؟ أريد منك مرافقتي بسفرة صغيرة فما رأيك بذلك؟ ترفض"كاريندي" ذلك بأدب. فالرفض المحاط بالتهذيب لا يولد مشاعر سيئة. يتريث"بوس كيهارا" على أمل أن تستسلم"كاريندي" في النهاية، في العجلة الندامة وبعد شهر واحد، نراه يبادر الحديث معها من جديد في المكتب قائلاً: يا"كاريندي"، توجد هذا المساء حفلة كوكتيل في نادي الفردوس، وتغلف"كاريندي" رفضها بعبارات مهذبة من جديد.‏

إن"كامو نجوني" شخصية في أغنية"كيكومو" الشعبية التي تدور حول فتاة صبية يريدها والدها أن تتزوج من"وايجوكو"، وهو رجل عجوز ثري ذو صدر يملؤه الشعر، بينما تفضل هي اختيارها الخاص، وهو شاب مسكين فقير يدعى"كامونجوني".‏

هذا ويأزف اليوم الذي يحاكم فيه"بوس كيهارا" الموضوع على الشكل التالي: إن الصياد الذي يطارد طريدته خلسة ببطء وروية قد يخيفها فتبتعد عنه آخر المطاف. كما أن التسول يستدعي القيام بتكتيكات متبدلة باستمرار الاستحمام يستدعي خلع الألبسة كلها، لذلك فإنه يواجه "كاريندي" بشجاعة قائلاً: بالمنسابة، يا"كاريندي"، إن عندي عملاً كبيراً يحتاج للتنضيد بسرعة. أريدك أن تبقي في المكتب بعد الساعة الخامسة. وسوف تدفع لك المؤسسة أجراً إضافياً.‏

تنتظر كاريندي. أزفت الساعة الخامسة. السيد"بوس كيهارا" في مكتبه يكتب مسودة الرسائل. دقت الساعة السادسة. الجميع ذهبوا إلى بيوتهم. يدعو"بوس كيهارا" كاريندي. يطلب منها الجلوس لكي يتسنى له محادثتها.. وبعد دقيقة واحدة أو دقيقتين، ينهض السيد"كيهارا" ويجلس على طرف مقعده. يبتسم بخبث ومكر. تجد كاريندي الآن صوتها ولسانها فتقول: من فضلك، يا سيد بوس، إملِ عليَّ الرسائل الآن. لقد كنت أخطط للخروج من البيت هذا المساء، والدنيا تشتد ظلمة.‏

"لا تقلقي، يا كاريندي. إذا تأخر الوقت، فسوف أقلك بسيارتي إلى البيت.‏

أشكرك، ولكني لا أريد حقاً إزعاجك بذلك. أجابته"كاريندي" بهدوء ورصانة، لكي تخفي تهيجها وتوترها.‏

أوه، لن يكون في ذلك أي إزعاج. وباستطاعتي أن أتصل هاتفياً بالبيت لكي أعلم سائقي الخاص بلقائك ونقلك إلى البيت.‏

إنني أتمتع في التنقل بالحافلة فرجاءً أين الرسائل؟ ينحني السيد"كيهارا" قليلاً قليلاً نحو"كاريندي"، يرتسم على وجهه نور خاص يشع في عينيه ويخفض صوته قائلاً: يا عزيزتي"كاريندي"، إن رسائلي رسائل يمليها الفؤاد.‏

عن ظهر قلب.‏

هل قلت ذلك؟ تسأله كاريندي بسرعة، وهي تتظاهر أنها لا تفهم مضامين كلماته. هل من العقل والحكمة بالنسبة لك أن تملي مثل هذه الرسائل على أحد الموظفين؟ أليس من الأفضل لك أن تدقها على الآلة الكاتبة بنفسك، بحيث لا يقرأ أسرار فؤادك شخص غير معني بها؟‏

يا"كاريندي" الجميلة، يا وردة فؤادي، لا يستطيع أحد سواك طباعتها فأنا أريد إرسالها إلى عنوان قلبك، لكي تقرأها عينا فؤادك، ولكي تحفظ بعد ذلك داخله ويختم عليها هناك إلى أبد الآبدين. وأنت عندما تتلقين الرسائل، أضرع إليك أن لا تكتبي عليها يعاد للمرسل. يا عزيزتي، يا وردة قلبي. لاحظي كيف أن حبي لك جعلني ضعيفاً تجاهك،‏

سيد"بوس" يا سيدي أرجوك. تحاول"كاريندي" أن تنبس بكلمة واحدة، يرتعب جزء منها وهي ترى كيف كان"كيهارا" يلهث. غير أن جزءاً آخر منها يشعر بالميل إلى الضحك وهي تدرس تناقض الكلمات التي تصدر متعثرة من فم"بوس كيهارا" إضافة إلى البقعة الصلعاء الباهية المتألقة على رأسه. كانت كاريندي تبحث عن كلمات تجعل هذا العجوز يشعر بالخجل والعار فقالت: لنفترض أن زوجتك تسمعك وأنت تنطق بهذه الكلمات! ماذا ستفعل؟.‏

لا شأن لها فالمرء لا يستخدم عطراً عديم الرائحة عندما يذهب للرقص. رجاءً ، يا"كاريندي"، يا ثمرة قلبي الصغيرة، اسمعيني بدقة لأنني سأحكي لك أشياء جميلة. سوف أستأجر لك منزلاً في حي"فوراها" أو في وسط المدينة. في شارع"كينياتا"، أو في أي جزء آخر من المدينة. اختاري أية شقة أو منزل ترغبين. إنني سأزين المكان بالأثاث والسجاجيد، والفرش والستائر من باريس ولندن وبرلين وروما ونيويورك وطوكيو واستوكهولم أو من هونغ كونغ. سيكون أثاثاً وحاجات منزلية مستوردة. وسوف أشتري لك ألبسة، لأنني أريد لك ارتداء أحدث الأزياء من شارع الأكسفورد في لندن أو من محلات راقية في باريس. أما أحذية العقب العالي وأحذية الدرج فستأتي من روما في إيطاليا. حين تخرجين بتلك الأحذية التي تسمونها أنتم"بلا هدف- فلماذا يترتب علي أن أعجل"؟ أريد من كل إنسان في"نيروبي" أن يدور ويصفِّر من الحسد والغيرة وهو يقول: تلك هي خليلة"بوس كيهارا" السكرية. وإذا ما دامت هذه المسرات، وإن استطعت جعلي سعيداً متمتعاً بكل مباهج الدنيا، فسوف أشتري لك سلة صغيرة من أجل السوق والتسوق، أو من أجل مشاوير المتعة يوم الأحد- وإني أعتقد أن سيارة من طراز"ألفاروميو" هي السيارة التي تناسب عروساً مثلك. يا"كاريندي"، يا تفاحتي الصغيرة، ويا برتقالتي، يا وردة فؤادي، هيا إلي وقولي: وداعاً أيها الفقر.‏

كانت"كاريندي" الآن تحبس ضحكها بصعوبة كبيرة فقالت له: يا سيد"بوس"، أرجوك، وهل يمكنني أن أسأل سؤالاً؟‏

اسألي ألف سؤال وسؤال.‏

هل تقول: إنك سوف تتزوجني؟‏

آه، لماذا تتظاهرين أنك لا تفهمين الطريقة التي تجري بها الأمور؟ ألا ترين.... يا تفاحة قلبي الصغيرة، كوني لي الآن، كوني خليلتي وحبيبتي.‏

لا. لا أرغب بتاتاً بعلاقات غرامية مع رؤسائي!‏

ماذا تخشين، يا تفاحتي الصغيرة؟‏

ثم إني لا أرغب في تحطيم منزلك. والعقد المستعار قد يجعل الإنسان يفقد عقده الخاص.‏

ألم أقل لك: إن الإنسان لا يذهب إلى الرقص معطراً بعطر قديم عديم الرائحة؟ كاريندي، يا عقدي الجديد، يا غرسة البندورة التي تنمو على التربة الغنية لمنزل مهجور! ممَّ تخافين؟ وما خطبك؟‏

إني أعشق شاباً اسمه"كامونجوني".‏

ها! يا كاريندي، لا تجعليني أضحك، هل أنت حقاً من الطراز القديم؟ هل تتحدثين عن واحد من الصبية الذين يتظاهرون أنهم رجال؟ وهل تم ختان أولئك الصبية؟‏

إن حبة البطاطا التي يقتلعها المرء لنفسه لا تكون ملطخة بالوحل. كما أن قصب السكر الذي يقتلعه المرء ليس له أطراف غير ناضجة. وإن أولئك الذين يحبهم الإنسان لا يتحولون. والفتى الذي تدعي أنه غير مختون هو حبيبي المختار.‏

اسمعي يا"كاريندي". سأحكي لك شيئاً، يقول ذلك"بوس كيهارا" وهو يلهث. يبتعد عن الطاولة ويقترب كثيراً من"كاريندي". إن مسألة الاختيار في هذه الأيام بين"وايجوكو"، الرجل ذو الصدر الممتلئ بالشعر و"كانجوكو" العاشق الشاب، لم تعد مسألة سارية. فقد تمت حلاقة صدر"وايجوكو" المملوء بالشعر بواسطة المال... ولكن بما أن من الصحيح تماماً أن القلب لا يجوع إلا إزاء من اختاره، فإنني لن أشدد على قضية كونك خليلتي. لقد رفضت منزلاً جميلاً، كما رفضت ثياباً باهظة الكلفة، ورفضت حمل سلة التسوق: لا بأس. كما تشائين، ولكن اسمحي لي بطلب واحد فقط. لا ترفضيني.‏

ألست عضواً في"كنيسة الفردوس"؟ هل تقرأ الإنجيل دائماً؟ عندما تذهب إلى البيت، اقرأ إنجيل"رومانس"، الفصل الثالث عشر، والسطر الرابع عشر: إياك أن تعقد عقوداً من أجل لحم البشر، وتنصاع لتحقيق الشهوة والشبق الجنسي من جراء ذلك....‏

ولكن في الكتاب نفسه كتب: اطلب وسوف يعطى لك، فتش وسوف تجد، اقرع الباب فيفتح لك: لأن كل من يطلب ينال، ومن يفتش يجد، ومن يقرع الباب يفتح له.... يا ثمرتي الصغيرة، يا حبيبتي، لسنا بحاجة حتى لإزعاج أنفسنا بالمجاملة. إن أرض هذا المكتب مناسبة. ولو كانت هذه المكاتب تحكي، فإنها ستحكي قصصاً كثيرة. إن الأرض الإسمنتية الناعمة تشكل فراشاً خيالياً. إنه يجعل الظهر وكافة عظام الحبل الشوكي مستقيمة من الأسفل وحتى الرقبة.‏

لا أريد جعل ظهري مستقيماً! ردت"كاريندي" بحدة، وهي لم تعد تخفي غيظها وغضبها.‏

يحاول"بوس كيهارا" معانقة كاريندي وتطويقها بذراعيه الآن. ويكاد الاثنان يسقطان عن الكرسي. تنهض"كاريندي" وتعلِّق حقيبتها اليدوية على أحد كتفيها وتبتعد عنه إلى الوراء، ولكن"بوس كيهارا" يصل إليها. يدوران حول بعضهما في المكتب وكأنهما يرقصان رقصة الصياد والطريدة. لقد تخلى"بوس كيهارا" عن كل تظاهر بالشرف والكرامة.‏

ينقض"بوس كيهارا" فجأة على كاريندي، تمسك إحدى يديه بخصرها بينما تحاول اليد الأخرى تلمس جسدها. أما كاريندي فتحاول التملص من قبضة الرجل، وهي في الوقت نفسه تضرب بقبضتي يدها على صدره كما تحاول عبثاً فتح حقيبتها اليدوية لكي تستل منها مطواتها التي تحملها بصورة طبيعية. كان صوت أنفاسهما الثقيلة يملأ المكتب. تشعر"كاريندي" أنها على وشك أن تغلب. وفجأة تنسى أن هذا هو رئيسها ورب عملها وتصيح بصوت مرتفع: إذا لم تتركني أذهب، فسأصرخ طلباً للنجدة.‏

يتوقف"بوس كيهارا". يتذكر زوجه وأولاده. يتذكر أنه في أيام الأحد غالباً ما يكون الشخص الذي يقرأ الإنجيل في مذبح كنيسة الفردوس، وأنه من حين لحين يتحدث في حفلات الزفاف وهو يوجه النصيحة للعروسين عن حاجة الأبوين والأطفال للعيش في كنف المحبة والانسجام؛ إنه يتذكر هذه الأشياء كلها في آن واحد. يتصور ازدراء البلاد كلها إذا اتهم باغتصاب سكرتيرته. تنطفئ النار لديه فجأة، وتخبو حماسته. يرفع يديه عن"كاريندي" يتناول منديلاً من جيبه ليمسح عرقه. يوجه نظراته لـ"كاريندي". يحاول أن يقول شيئاً، ثم يتوقف. إنه يحاول أن يجد الكلمات لكي ينقذ ماء وجهه. ويحاول أن يضحك، لكن الضحك يخونه ومن أجل أن يقول شيئاً نراه يسأل، هل يعني ذلك يا"كاريندي" أن لا أحد في البيت يداعبك ويغازلك؟ على أية حال، لا تتوصلي إلى استنتاجات متسرعة. لم يكن هذا سوى مزاح بين والد وابنته. اذهبي إلى البيت الآن. من الأفضل أن تضربي الرسائل على الآلة الكاتبة غداً.‏

تذهب كاريندي إلى البيت، وهي لا تزال تفكر بالمزاح بين الأب وابنته. لكم كانت تعرف ذلك المزاح بصورة جيدة. إنه مزاح بين نمر كاسر وعنزة ضعيفة.‏

تأتي"كاريندي" إلى العمل في الصباح كعادتها. تتأخر مدة خمس دقائق. وتجد أن"بوس كيهارا" قد وصل قبلها. يطلبها"كيهارا" إلى مكتبه. تدخل"كاريندي" المكتب. ينتابها قليل من الحرج وهي تسترجع في ذاكرتها المشادة بينهما في الليلة الماضية، غير أن"بوس كيهارا" لا يرفع عينيه عن الجريدة اليومية،‏

يا آنسة كاريندي، يبدو في الأيام الأخيرة وكأنك سيدة نفسك.‏

آسفة يا سيدي. فقد تأخر الباص.‏

يرفع"بوس كيهارا" نظره عن الجريدة. ويستند إلى الوراء في كرسيه. يوجه نظرة مليئة بالمرارة إلى"كاريندي".‏

لماذا لا تعترفين أن المشكلة تكمن بالمشاوير التي بقدمها لك الصبية الصغار؟ يا آنسة"كاريندي" يبدو وكأنك لا تهتمين كثيراً بالعمل. أشعر وكأن علي أن أدعك تتبعين دوافع قلبك. سيكون من الأفضل لك الذهاب إلى البيت فينة من الزمان. وإذا شعرت في يوم من الأيام أنك بحاجة للعمل، كما تعمل بقية الفتيات، فأنا لن أغلق الباب. خذي راتب هذا الشهر وراتب الشهر القادم أيضاً بدلاً من الإنذار.‏

لم يعد لدى صديقتنا"كاريندي" عمل الآن. إنها تطوف الشوارع مرة ثانية بحثاً عن عمل. تعود إلى البيت لكي تحزن وتتحسر بصمت. تجلس في غرفتها حتى المساء، منتظرة حبيبها الشاب. يدق قلبها طرباً بإيقاع الفرح والسعادة وهي تتذكر صوت كلمات حبيبها الشاب. الإنسان يهتم بمن يحب. سوف يمنحها حبيبها"كامونجوني" القوة لتحمل هذا الأسى من خلال كلمات الغرام والهيام. يأتي"كامونجوني" بعد طول انتظار إلى البيت.‏

تحكي"كاريندي" كامل قصة"وايجوكو" الذي تمت حلاقة شعر صدره بالمال ليس ثمة حب أكبر من هذا، وهو أن ترفض فتاة معاصرة دراهم"وايجوكو" لأنها تحب"كامونجوني". تختتم"كاريندي" حكايتها، إنها تنتظر منه تنهيدة عاطفية. إنها تتوقع أن يغمرها بالقبل التي تغسل عنها دموعها ولكن لا.‏

إن"كامونجوني" هو الشخص الذي يخفض عينيه مثل النمر الخجول أو مثل سنبلة مليئة محنية. غير أن حافزه هو حافز النفاق والرياء، يلقي محاضرة على"كاريندي". يعلن أنه يعرف حق المعرفة أنها تلوَّت في فراش"وايجوكو كيهارا"، وأن كيهارا ليس أول شخص ينال من فخذيها، وأن فتاة رشفت مباهج المال لا تستطيع البتة التوقف عن الشراب والارتشاف، إن من يستطعم شيئاً يكتسب ميلاً وولعاً بالاستطعام. الحرباء تظل دائماً حرباء. إن فتاة تعودت على الذهاب مع رجال من عمر والدها وهي لم تزل في المدرسة، وإلى حد إنجاب أطفال وهي لم تزل تلميذة، كيف لها أن تتوقف؟ أخبريني هذا، يا"كاريندي"، يا ذات الفخذين الرخوين، لو سمحت"لوايجوكو" أن يمسح سخامه عن فخذيك، فهل تأتين لتحكي ذلك لي؟ لا. إنك تنسجين هذا النسيج لمجرد أن"وايجوكو" رفض أن يتركك تواصلين صناعة سريره في الفنادق من أجل الغرام الحديث.‏

تلوذ"كاريندي" بالسكوت.‏

تنساب الدموع على وجنتيها، ولا تعمل على مسحها. يشتعل الغيظ والمرارة في فؤادها.‏

تسأل كاريندي نفسها أسئلة كثيرة دونما أجوبة. لقد توقفت البقرة الأصيلة عن إعطاء الحليب، فهل لم تعد تصلح لغير الذبح الآن؟‏

بالنسبة لـ"كاريندي"، احترق السيف من طرفيه، لقد عادت إلى حيث بدأت. وهكذا قل لي، قل لي يا من أمسكت بيدي لكي تحميني من السقوط ثانية، هل يعني ذلك أن"كاريندات"كينيا الحديثة لهن عضو واحد فقط؟ من سيمنع"كاريندي" من الطواف في الشوارع وكأنها أخت"قايين" الأسطوري؟‏

ذلك لأن"كاريندي" قررت اليوم أنها لا تعرف الفارق بين:‏

أن تستقيم وأن تنحني،‏

أن تبتلع وأن تبصق،‏

أن تصعد وأن تهبط،‏

أن تروح وأن تغدو.‏

نعم، فمن هذا اليوم لن يكون بمقدورها التمييز بين:‏

المعوج والمستقيم،‏

الأحمق والحكيم،‏

الظلام والنور،‏

الضحك والدموع،‏

جهنم والجنة‏

وبين مملكة الشياطين وملكوت الله.‏

من قال إنَ في حياة الإنسان على الأرض يومين فقط؟ يومين من‏

العسل والأسيد‏

والضحك والدموع‏

والولادة والموت.‏

وبالنسبة"لكاريندات" كينيا الحديثة، أليس كل يوم مساوياً تماماً لبقية الأيام؟ لأن اليوم الذي ولدن به هو عين اليوم الذي يدفن فيه كل عضو من أجسادهن باستثناء عضو واحد- ولذلك يبقين بعضو واحد فقط. فمتى ستجفف"كاريندات" كينيا الحديثة الدموع عن وجوههن؟ ومتى سيكتشفن الضحك في حياتهن؟‏

(3)‏

عندما فرغت"وارينجا" من حكايتها، نظرت إلى الأعلى لكي تدرس وجه الفتى. ثم أطرقت ونظرت إلى شارع"ريسكورس"، فلاحظت أن الناس لا يزالون يتمشون منهمكين بأعمالهم وأن السيارات لا تزال تنعق وهي تجتاز بعضها بعضاً وأنه لم يطرأ على"نيروبي" أي تغيير منذ اللحظة التي طردت فيها من بيتها في"أوفافاجريشو".‏

في تلك اللحظة بدأت أجراس كنيسة القديس"بطرس كليفرز" تدق، تذكِّر الناس بصلاة التبشير قبل الغروب. اتجهت وارينجا مع الفتى نحو دقات الأجراس. لكأن الأجراس نفسها كانت تغنّي، وسمعت وارينجا الكلمات التالية:‏

تعالوا، تعالوا‏

تشبثوا بمحراثكم‏

ولا تنظروا إلى الوراء‏

تعالوا، تعالوا....‏

سألت"وارينجا" نفسها: إنني دائماً أسمع هذه الأصوات- فأين مصدرها؟ وإلى أين ستقودني؟ وعلى الرغم من أنها لم تدخل الكنيسة منذ عهد بعيد، وجدت نفسها تتمتم كلمات الصلاة:‏

أيتها العذراء المقدسة، مريم، والدة الإله وأمنا،‏

وأنت يا يوسف المقدس‏

وأنت يا ملاكي الحارس،‏

بل يا كل القديسين.‏

صلوا من أجلي‏

بحيث يمكن أن أتخلى‏

عن ذنب الرغبة في إنهاء حياتي‏

قبلما أكمل عمري على الأرض‏

راقبوني واحموني اليوم‏

وفي كل أيام عمري‏

حتى يحين يوم قضائي. آمين.‏

وعندما سكتت أجراس كنيسة"القديس بطرس"، اتجهت"وارينجا" إلى الفتى وقالت: أشكرك لأنك استمعت لي بصبر كبير. إنني أشعر وكأن أحمال قلبي قد خفَّت مثلما كان يحدث لقلبي بعد الاعتراف للكاهن الكاثوليكي.‏

ربما أكون كاهناً لم يرسَّم بعد... ولكنني أنتمي لجماعة تداعت لتأدية الخدمة بسبب فقر أهل كينيا. لقد كانت قصتك، وأقصد قصة"كاريندي"، و"وايجوكو" و"كامونجوجي" طعنة في صميم قلبي، وكأنها رمح مرق فيه. هناك كاريندات لا حصر لهن ولا عد في كينيا، كما تقولين. ولكنني لا أتفق معك في أن أطفالنا لن يعرفوا الضحك أبداً. علينا أن لا نيأس أبداً. فاليأس هو الذنب الذي لا يمكن غفرانه. إنه الذنب الذي لن يغفر لنا عنه من قبل الأمة والأجيال القادمة. أين ستذهبين الآن؟ وما هو اتجاه سيرك؟‏

"إيلموروج".‏

إلى "إيلموروج"؟ هل هي مسقط رأسك؟‏

نعم، "إيلموروج" هي مسقط رأسي. لماذا؟‏

ليس هناك سبب خاص. كنت أسألك فحسب. ولكن الباصات إلى"إيلموروج" لا تقف هنا. إن موقف"كاكا" هذا من أجل الباصات التي تذهب إلى"كياميو" و"ندو مبيري" و"تينج آنج" و"نجيموا" و"إيكونو" و"كاريا إيني" و"جيثو نجوري". أما الناقلات إلى إيلموروج فتتوقف في موقف الناقلات المسافرة إلى"نياكورو" نفسه هناك في موقف"نيامكيما".‏

أعرف. كان ذلك في الحقيقة مقصدي. ولا أعرف أية ريح دفعتني إلى هذا الطرف من الشارع.‏

وقفت"وارينجا"، مثل شخص ينهض مستيقظاً من حلم مهلك في النهار، ثم علقت حقيبتها اليدوية على أحد كتفيها وقالت للفتى، لا بأس، انتبه لنفسك، كانت سعيدة ولكنها خجلة قليلاً.‏

انتبهي لنفسك وأرجو أن لا يصيبك الدوار مرة ثانية.‏

عندما استدارت وارينجا لكي تشق طريقها نحو"نياماكيما"، ناداها الفتى قائلاً: انتظري لحظة....‏

توقفت""كاريندي" ونظرت إلى الوراء وهي تتساءل: هل يمكن أن يكون"كامونجوني" آخر ويظن أنه ظفر بـ"كاريندي" ذات الفخذين الرخوين؟‏

فتح الرجل الحقيبة التي كان يحملها. فتش داخلها، ثم أخرج بطاقة وأعطاها"لوارينجا" وهو يشرح لها: لقد قلت لك: إن قصتك أو حكايتك الرمزية عن"كاريندي" و"وايجوكو" و"كامونجوني" طعنتت فؤادي. إذا كنت ترغبين معرفة المزيد عن الظروف التي تولدِّ"كاريندات" و"وايجوكوات" حديثة فاذهبي إلى المهرجان المسجل على البطاقة عندما تصلين إلى"إيلموروج".‏

ابتعد الرجل عنها وهو يمشي بخطوات مديدة. سارت"وارينجا" في شارع"ريس كوريس" عبر ملحقات محطة"إسو" النفطية، وعبر شارع النهر قدماً إلى"نيا ماكيا". لم تنظر خلفها سوى مرة واحدة. لم أسأل عن اسمه أبداً، راحت تفكر. ربما يكون الاسم على البطاقة التي أعطاها لي. ولكن الرجال كافة، بكل مشاربهم، ليسوا سوى مصاصي دماء ظرفاء. يطلب مني الذهاب إلى مهرجان. وأنا لا أميل إلى الذهاب لأي حفل. لا أريد مزيداً من العلاقات، ولو كانت مع"وايجوكو"، العجوز ذو الصدر المكسو بالشعر أو مع"كامونجوني"، من العشاق الشباب.‏

لم يكن هناك أية عربة في"نياماكيما" على خط السفر إلى"إيلموروج" أو"ناكورو".‏

اتكأت وارينجا على جدار حانوت لبيع البصل والبطاطا بالقرب من ملهى"نياماكيما": وبعد هنيهة ضبطت وارينجا نفسها تتلمس بأصابعها البطاقة التي أعطيت لها. فقد تذكرت أنها لم تقرأها بعد. توقفت ثم أخرجتها من جيبها وفحصتها فحصاً دقيقاً وكان هذا ما قرأته:‏

مهرجان الشيطان‏

تعالوا وشاهدوا بأنفسكم‏

منافسة يرعاها ويكفلها الشيطان‏

من أجل اختيار سبعة خبراء في السرقة واللصوصية‏

مقدار كبير من الجوائز‏

جربوا حظكم‏

منافسة لاختيار أمهر سبعة لصوص في"إيلموروج"‏

عدد وافر من الجوائز‏

عصابة ملائكة الجحيم بين الحضور‏

التوقيع - الشيطان‏

ملك جهنم‏

برعاية عرين اللصوص والسارقين‏

مرتفعات إيلموروج الذهبية.‏

شعرت وارينجا وكأنها طعنت بحد سكين في بطنها. أمعنت النظر فيما حولها، منقلة عينيها من طرف لآخر، أمامها ومن خلفها، لكي تتأكد فيما إذا كان جسدها حقاً في"نياماكيما" أو أنها كانت تحلم مرة أخرى. أخذت الأسئلة تداهم مسامع ذهنها مثل جماعة النحل في حالة التنقل والحركة. ومثلما تترك نحلة واحدة في المؤخرة أحياناً، فإن سؤالاً واحداً بقي ساكناً في ذهن"وارينجا". من هو ذلك الشاب الذي أمسك بيدها؟ وهل يعني ذلك أن حقيبة يدها ردت إليها من قبل لص سارق؟ أخذت ترتجف. تلمست البطاقة مرة أخرى كما استندت على جدار حانوت البصل والبطاطا لكي تحول دون سقوطها إلى الأرض.‏

غير أن قلبها كان يدق بسرعة. مهرجان شيطان في"إيلموروج"! ومنافسة بين اللصوص والسارقين في"إيلموروج"! هل غداً هو يوم الأحد؟ من ذا الذي يعتقد أن مثل هذه المعجزات يمكن أن تقع؟‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 02:41 PM
الفصـل الثالـث




(1)‏

كان موقف"نياماكيما"، مثل مواقف العربات والباصات الكثيرة الأخرى في نيروبي، مكتظاً بالبشر وبالسيارات- بشر قادمون أو ذاهبون من وإلى وادي"جروجان"، حيث يحكى أن المرء لا يخفق هناك في الحصول على قطع تبديل لأية آلية أو لكل أنواع الآليات؛ وبشر قادمون أو ذاهبون من وإلى شارع النهر، الشارع الذي يحكى أن العمال والفلاحين، لا سيما من قدم منهم من المناطق الريفية، يتسوقون منه أيام السبت والأحد. وبعض هؤلاء مجرد ناس يشترون البطاطا والبصل وخضروات"سوكوما ويكي"، بينما يرغب آخرون بزيارة الملاهي والمطاعم للحصول على قارورة من الجعة وملء بطونهم قبل الرجوع إلى بيوتهم في المراكز: كاريوكور، ايستلي، بومواني، شورومويو، باهاتي، مكاندارا، أوفافاجريشو، كاريوبانغ، وداندورا. غير أن الأكثرية مسافرون ينتظرون العربة التي ستسافر إلى نايفاشا، جيلجين، أو لكالون، نياهورورو، ناكورو، روايني، وإيلموروج. أما نياماكيما، عندما يغص المكان بالبشر والسيارات، فإنها تحدث جلبة تعادل سبعة أسواق معاً.‏

لم يكن هناك في ذلك الأحد آليات كثيرة مسافرة إلى"روائيني" و"إيلموروج"، كانت"وارينجا" تتطلع بترقب كلما سمعت قرقعة وهدير ناقلة من الناقلات. ولكنها حين تسمع النداء يوجه إلى المسافرين إلى"ناكورو" أو"نياهورورو" فقط؛ كان قلبها يهبط. وعندما أزفت الساعة السادسة، بدأت وارينجا ترثي لحالها وتصلي بصمت: أيتها العذراء، مريم، يا أم الله، أشفقي علي. فأنا لا أرغب بقضاء ليلة أخرى في نيروبي. ساعديني لكي أجد حافلة، وإن كانت عربة يجرها حمار، أي شيء ينقلني بعيداً عن نيروبي ويأخذني إلى مسقط رأسي في"إيلموروج". المجد للأب والإبن والروح القدس، وكما كان الحال في البدء، سيكون الآن وسيظل أبد الدهر، آمين.‏

لم تكد تنهي صلاتها حتى وصلت ناقلة مسافرة إلى إيلموروج. لكنها عندما نظرت إليها أصيبت بالذعر: هل تم تجميع هذا الناقلة من أكوام الأنقاض في وادي"جورجان"؟ كانت الناقلة قديمة بالتأكيد، غير أن صاحبها حاول جاهداً إخفاء عمرها عن طريق طلاء جانبيها بعدد كبير من الإعلانات التي تجذب العين والعقل: إذا كنت تريد ثرثرة أو شائعات فاركب ناقلة"مواؤرا" من طراز"ماتاتو ماتاتا ماتامو"، دروبك هي دروبي. السرعة الزائدة تفلق حبة البطاطا. إزحف ولكن ابلغ بيتك بأمان.‏

وقبل أن تنتهي من قراءة كافة الإعلانات، شاهدت"وارينجا" السائق يقفز إلى الخارج ويشرع في الإطراء على ناقلته، وهو يجذب الانتباه لها بكلمات وأغان يقصد منها تحويل أعين الناس عن حالتها الصحية العاجزة.‏

ادخل واستقل ناقلة"ماتاتو" من طراز"فوردت" وسوف تجد نفسك في"ليمورو"، ساتلايت، نيفاشا، روائيني، وإيلموروج قبل أن ترمش رمشتين من عينيك. سمعت الفتيان مرة يغنون:‏

لو كان ملكوت الله قريباً‏

سوف آخذكن أيتها العاهرات إلى الإجتماع.‏

الشيء الذي منحكن إياه الرب بالمجان‏

تبعنه الآن بعشرين شليناً.‏

أيها الشباب، اسمحوا لي أن أحكي لكم سراً: صار ملكوت الله قريباً بواسطة ناقلة"مواؤرا" من طراز"ماتاتو ماتاتا ماتامو فوردت". وحتى السفر إلى مملكة الشيطان لا يشكل شيئاً لناقلة"مواؤرا". ادخلوها، ادخلوها. إن"إيلموروج" هنا، وليست أبعد من بعد العين عن الأنف.‏

لدى سماع كلمة شيطان، تعرضت وارينجا مرة ثانية لشعور غريب مخيف. تذكرت دعوتها إلى مهرجان الشيطان والمنافسة التي ستجري بصدد السرقة واللصوصية، فسألت نفسها من جديد: أي نوع من المهرجانات هذا المهرجان؟ ممَّ تتألف المنافسة؟ كان شخصاً طيباً جداً معي- فكيف يمكن له أن يكون شريكاً في عصابة من السارقين واللصوص؟ لماذا لم يسرق حقيبة يدي؟ ولكنها وهي تصغي للكلمات الصادرة عن لسان"مواؤرا"، نسيت العبء الثقيل الذي تحمله في قلبها.‏

أما الآن فكان عشرات من الناس قد خرجوا من الملاهي والخمارات وهم يقفون عند الحاجز الحجري لكي يشاهدوا صاحب الناقلة بأنفسهم، ويحضونه على المواصلة قائلين: نعم، نعم، قل لنا كل شيء.‏

(2)‏

بدا وكأن ناقلة"ماتاتو ماتاتا ماتامو" من طراز"فوردت" المسجلة تحت رقم 333. م. م. م لصاحبها"مواؤرا" هي أول سيارة آلية صنعت في الكرة الأرضية. كان المحرك يئن ويزعق مثل عدة مئات من الفؤوس وهي تضرب وتدك في آن واحد. أما جسم السيارة فكان يهتز مثل قصبة تلعب بها الريح. كما كانت الآلية برمتها تتهادى على الطريق مثلما تتهادى بطة فوق جبل.‏

في الصباح، وقبل تشغيلها، كانت الناقلة تمنح المشاهدين متعة رائعة.‏

كان المحرك يهدر ثم يسعل وكأن قطعة من المعدن علقت بحنجرته، ثم يحدث صريفاً وكأنه مصاب بمرض الربو. وفي مثل هذه الأوقات، كان مواؤرا يفتح غطاء المحرك بصورة درامية، ويتنقل من مكان لآخر، يلمس هذا السلك أو ذاك، ثم يغلق الغطاء بمثل تلك الدرامية قبل أن يعود إلى عجلة القيادة. ثم نراه يضغط برفق على المسرع بقدمه اليمنى، فيبدأ المحرك بالأنين وكأن تدليكاً جرى على بطنه.‏

غير أنه كان للناقلة ضابط اتصال عمومي يتمثل بشخص"مواؤرا". كان الناس يسألونه: يا مواؤرا، هل ترجع هذه السيارة إلى أيام النبي نوح؟ كان مواؤرا يضحك ويهز رأسه، ويستند على السيارة، ثم يحاول بعث النشوة في المشاهدين بالبرهان على أن السيارة من النوعية الممتازة.‏

إنني أقول لكم بصدق وأمانة: ليس ثمة سيارة حديثة يمكن أن تجاري بناء سيارة الفورد. لا تقتصروا على تبيان الفارق الصارخ في هيكل السيارة. ليس الجمال غذاءً. إن المعدن الذي تصنع منه السيارات الحديثة- من طراز بيجو وتويوتا وكانترز بل حتى سيارات فولفو ومرسيدس يتفتت إرباً إرباً بسهولة نقع الورق بمياه الأمطار. ولكن ذلك لا ينطبق على سيارات الفورد، أوه لا! إن معدنها من النوع الذي يحكى بأنه قادر على إحداث ثقوب في السيارات الأخرى. إنني أفضل الاحتفاظ بهذا الطراز القديم. إن الحجر الذي يشتد قسوة بمرور الأيام لا يبلى بمياه المطر. وقد يسبب العقد المستعار فقدان العقد الحقيقي الخاص. النماذج الحديثة ترد من اليابان وفرنسا وألمانيا وأمريكا. إنها تخب بنشاط مدة شهرين من الزمان ثم تتفسخ وتترك طراز"فوردت" في منتصف الطريق تماماً.‏

ومع ذلك كانت غاية مواؤرا هي جمع المال بالسرعة الممكنة في سبيل شراء عربة أكبر يمكنها أن تقل عدداً أكبر من المسافرين، بحيث تصب مبالغ أكبر من المال النقدي بسرعة في جيوبه.‏

كان"مواؤرا" واحداً من الذين يتعبدون في مقام إله المال. اعتاد أن يردد بأنه لا يوجد مكان لا يود زيارته، ولا نهر لا يجتازه، ولا جبل لا يتسلقه، ولا جريمة لا يقترفها في إطاعة مخلصة لرب المال المتوهج.‏

غير أنه بدا وكأن صلواته لا تلفت الانتباه أو لا تلاقي ترحاباً، لأن مواؤرا لم يملك في حياته أية آلية سوى تلك الناقلة التي تركها له أحد الأوروبيين ممن يطلق عليهم اسم"نيانجويكو". ونادراً ما كان مواؤرا يدفن نفسه في الحزن والأسى ويتساءل: هل كنت على الطريق طيلة هذا الوقت، وثمار النجاح تتدلى فوق ناظري هنا، وحين لا يكون علي سوى مدُّ ذراعي لالتقاطها، إذ بي أراها تتراجع إلى مسافة بعيدة بحيث لا أستطيع الوصول إليها وإن وقفت على أصابع قدمي؟‏

يحب"مواؤرا" أن يقول للناس: إن هذه النقود التي جلبها الأوروبيون إلى هنا شر بكاملها، حين نفكر أن النقود هي التي كانت سبباً في صلب"ابن مريم"، رغم أنه كان أول مولود لرب اليهود، فما الذي يمكن قوله بعد؟ أما بالنسبة لي، فأنا أود أن أبيع أمي نفسها عندما أعتقد أنها ستدر علي ثمناً باهظاً! تعوَّد الناس أن يفكروا أن هذا إنما هو تباه لا جدوى منه من رجل أعمال خلي الفؤاد، ثمة شخص واحد فقط كان يعرف أن"مواؤرا" لا يمزح حين يكون الشأن شأناً مادياً، ولكنه لم يرجع مطلقاً ليروي الحكاية. لقد تشاجر مع مواؤرا على خمسة شلينات. رفض الرجل أن يدفع، لا بل إنه وبخ"مواؤرا" بسخرية قائلاً: إنك دائماً تبتز المال مثل خنفساء في الروث الذي يمتص ماء المطر وسوف لا تكسب الثروة على الإطلاق. أما"مواؤرا" فقال له: لقد رفضت أن تدفع خمسة شلينات، رغم أنك تعرف تمام المعرفة أننا اتفقنا على أنك تستأجر السيارة مقابل خمسة وسبعين شليناً، لمجرد أنني نقلت مسافرين آخرين. هل كنت تستأجر مقعداً واحداً أم السيارة بكاملها؟ أتحداك أن تهرب بنقودي. إن"مواؤرا" الذي تراه لم يُشحذ من طرف واحد كالمنجل.‏

لقد وُجد الرجل في صباح أحد الأيام مشنوقاً في بيته. هذا وقد ترك إلى جانب الجثة قطعة ورق حملت الكلمات التالية المكتوبة بخط غير واضح-إياك أن تلعب بأملاك الآخرين. نحن أرواح الشيطان- رجال أعمال خصوصيون.‏

غير أن العمل الذي كان يعرف به"مواؤرا" هو قيادة السيادة من طراز فوردت تحت رقم 333 م. م. م.‏

(3)‏

ثمة قول مأثور مفاده أنه عندما يتعب عصفور طائر، لابد أن يحط على أية شجرة، وعندما لم تشاهد"وارينجا" أية سيارة أخرى مسافرة إلى"إيلموروج"، فإنها دخلت سيارة"مواؤرا". هذا ولما شاهد مواؤرا وارينجا تدخل سيارته، أضاف أشياء زخرفية أخرى لأغانيه وكلماته:‏

أيتها الصبية العذراء، إذا كان عليَّ أن أرجو وألتمس،‏

لا تقولي إنك ستحملين،‏

لأنني كما أعرف فرملة دراجة نارية،‏

هل تتصورين أنني لا أستطيع أن أستخدم الفرامل لك؟‏

توقف عن الكلام، جاش صدره بتنهيدة. ألقى نظرة فاحصة على الناس الذين أحاطوا به الآن. تبسم وهو يضع يديه على وركيه. ثم هز رأسه وقال: إن فرامل المتسكع فرامل مزيفة. ليس هناك فرامل تضاهي فرامل سيارة"ماتاتو ماتاتا ماتامو من طراز فوردت". خرج الناس عن طورهم من الضحك وراحوا يصفرون بصوت مرتفع. تابع مواؤرا إطراءه التماساً للركوب إلى ليمورا، نافاشا، روائيني، وإيلموروج. دعونا نذهب الآن. ولا تنسوا، إن دروبكم هي دروبي.‏

لقد سافر مواؤرا في ذلك السبت جيئة وذهاباً على طريق لمورو- نيروبي دون أن يوفق بما يكفي من الركاب لتسديد ثمن البترول المستهلك. وعندما قرر في وقت متأخر من تلك الظهيرة الذهاب إلى"نياماكيما" ليستطلع إمكانية نقل عدد قليل من المسافرين لكي يدفع ثمن البترول إلى"إيلموروج". لهذا السبب كان الآن يصيح بشدة وبأعلى صوته قائلاً:.... لا تنسوا: هذه بلادكم وهذه سيادتكم. إنسوا كل ما يتعلق بسيارات البيجو التي تقفز وتنط على طول الطريق فتسبب لنسائنا الإجهاض ازحفوا ولكن ابلغوا مرادكم.‏

صعد راكب آخر إلى السيارة. كان يرتدي وزرة خارجية زرقاء اللون مهترئة عند الركبتين والمرفقين. وكان حذاؤه مغطى بغبار الرماد. جلس قبالة"وارينجا". صعد"مواؤرا أيضاً وجلس في كرسي القيادة ودور المحرك قليلاً. ثم غادر السيارة بعد أن ترك المحرك يدور. خرج من السيارة مرة ثانية. شعر وكأن كل شيء سينتهي إلى الصفر. ليس هناك سوى راكبين فقط.‏

راح يتساءل بانفعال: هل سأنتهي حقاً إلى الاحتضار وأنا أثغو ثغاء الغنم؟ ألن تأزف ساعة أكون فيها قادراً على شراء سيارة جديدة مثل الآخرين؟ أما اليوم فأصحاب عربات اليد وعربات الحمير، وشباب الأحذية اللامعة، ممن يشوون الذرة ويبيعون الأرانب والفاكهة وجلود الغنم للسائحين على أرصفة الطرق يحصلون على دراهم أكثر مما أحصل أنا. ماذا سيحل بي في خاتمة المطاف أنا "روبن مواؤرا"؟ إن من الأفضل أن أتوقف عن سفرات الليل هذه. سوف أستأجر غرفة في نيروبي وأذهب إلى ايلموروج صباح غد.‏

ولكنه عندما تذكر الخسارة التي لحقت به فيما يخص ثمن البترول، شعر وكأن سكيناًحادة تشق أحشاءه. كان"مواؤرا" واحداً من أولئك الرجال الذين لا يستطيعون مطلقاً ترك قطعة نقد لامعة تقف في طريقهم- حتى وإن كانت قطعة من خمسة سنتات فقط. إنه يفضل أن يسقط في حفرة وهو يسعى للوصول إليها. ثم قال يحدث نفسه: أنا، هل أضحي باجرة هذين الإثنين؟ لا، ربما قبل الوصول إلى"ليمورو"، سأعثر على ركاب متروكين على الطريق في الليل، أو آخرين ممن ينتظرون بصورة طبيعية الباصات في محطة"موتاراكوا"، وأستطيع جعلهم يركبون سيارتي بالكلمات العذبة المعسولة. وفضلاً عن ذلك، أود في حقيقة الأمر أن أقضي الليل في"إيلموروج" لكي أكون في الغد بين أول المسافرين. إن من يفتش بدقة وعناية لا يخفق في العثور على شيء.‏

انتعش أمله بالثروة في الحال، وأخذ قلبه يدق بشدة، فصاح بحيوية كبيرة: إنكم على وشك أن تتخلفوا. إنكم على وشك أن تفوتكم سيارة"الماتاتو" وأنا خادم لكم. وجهوا أمركم لي بنقلكم إلى ملكوت الله أو مملكة الشياطين! لينتشر السلام! من الأفضل لنا أن ننطلق بعيداً، عليكم أن تصلوا إلى"إيلموروج" لكي لا يتوجب عليكم فيما بعد الاعتماد على الشائعات وتقولات الآخرين. ينبغي أن تكونوا في إيلموروج كي تشاهدوا بأم أعينكم وتسمعوا بآذانكم... فالثراء قد يكون مختبئاً على الطرف الآخر من الأجمة! اسمحوا لهذه السيارة أن تدور بكم حول تلك الأجمة التي تقف الآن بينكم وبين الثروة الطيبة! لقد حانت الساعة... وعلينا أن ننطلق إلى ايلموروج فالحظ الطيب قد ينقلب حظاً عاثراً، والسعد لا يقوم بزيارة مبكرة مرتين على الإطلاق.‏

هل تراه سينطلق أم سيبقينا هنا طيلة الليل مع حكاياته؟ سأل الرجل الذي يرتدي الوزرة الزرقاء.‏

إن سيارة"الماتاتو" مرتع للقيل والقال، والإشاعات والحديث التافه أجابت"وارينجا". صعد"مواؤرا" إلى داخل العربة، دور المحرك وصاح ثم بدأ ينطلق.‏

وفجأة اندفع الجمهور في كل ناحية يصفر صفيراً مرتفعاً ومنخفضاً، إنذاراً للسائق بالتوقف. أوقف مواؤرا السيارة بالفرامل.‏

صعد إلى داخل السيارة شاب يحمل حقيبة ملابس وكان يلهث فانضم إلى"وارينجا" والرجل صاحب الوزرة الزرقاء. وسأل هذا الشاب: هل السيارة ذاهبة إلى ايلموروج؟‏

أجل، أجل، إلى"إيلموروج". قال ذلك"مواؤرا" بمزاج طيب منشرح.‏

آه، كادت تفوتني! قال الشاب صاحب الحقيبة، ولكن أحداً لم يهتم بقوله، فقد مرت فترة صمت وسكوت.‏

هل كنت مع مسافر آخر؟ سأله مواؤرا.‏

لا، أجابه الشاب صاحب الحقيبة.‏

وضح الشاب الحقيبة بين ركبتيه. نظرت إليه وارينجا نظرة سريعة وقصيرة ورأت أن الحقيبة كانت تحمل اسمه وعنوانه أيضاً السيد"جاتويريا"، قسم الدراسات الإفريقية، جامعة نيروبي.‏

في الجامعة! أحست"وارينجا" إحساساً كريهاً مفسداً في بطنها.‏

انطلق"مواؤرا" بركابه الثلاثة، وارينجا، وجاتويريا وصاحب الوزرة الزرقاء. اجتاز موقفي باصات"ماكاكو" والسكة الحديدية دون أن يعثر على أي راكب آخر يحمله بسيارته. ثم ساق سيارته عبر شارع"هيل سيلاسي" ثم انعطف إلى شارع"نجونج". لم يراوده أي أمل في العثور على أي راكب آخر.‏

فتح الشاب الذي يدعى"جاتويريا" حقيبته وأخرج منها ثلاثة كتب هي: "حياة أعظم المؤلفين" للكاتب"هارولد شومبرغ" ثم كتاب"مقدمة لموسيقى كامبا" للكاتب"كافيو" والكتاب الأخير هو"الأدوات الموسيقية للكاتب"جراهام هيسكوب"، وألقى نظرة على كل من هذه الكتب ثم بدأ يقرأ كتاب حياة أعظم المؤلفين.‏

إن الشيء المقسوم لك يظل دائماً ملكك. عندما وصل مواؤرا إلى منعطف"داجوريتي"، بالقرب من المحل العائد"لوانيني كلان"، أوقفته امرأة ترتدي بدلة كتانية فوق ثيابها والبدلة كانت تغطي سلة ليفية تحملها. وكانت حافية القدمين هل إلى"إيلموروج"؟ سألت المرأة.‏

خذي مكانك في الداخل! قال مواؤرا بفرح. هيا ادخلي، يا أماه، فنحن منطلقون. هل هناك شخص آخر؟.‏

لا، قالت المرأة وهي تدخل السيارة. وما إن دخلت حتى وضعت يدها اليسرى حول ذقنها مثل الكوب. ثم تابع"مواؤرا" قيادة السيارة وهو يصفر.‏

وعند موقف باص"سيجونا"، بالقرب من"نادي الجولف"، حظي مواؤرا براكب آخر، بحيث أصبح مجموع الركاب خمسة. كان هذا المسافر يرتدي بذلة رمادية وربطة عنق عليها عينة من الأوراد الحمراء. وكان يحمل بيده اليمنى حقيبة جلدية سوداء مع بطاقة معدنية لامعة. أما عيناه فكانتا مدرعتين بنظارات سوداء قاتمة.‏

شعر مواؤرا أن قلبه ينتفخ. راح يحدث نفسه معزياً: بعد أن نقطع مسافة أبعد ربما أحظى بخمسة ركاب آخرين، فيصبح العدد عشرة ركاب مما يجعلني أحصل على المزيد من أجل البترول.‏

غير أنه عندما وصل إلى"موتاراكو" في"ليمورو"، أطبق عليه الحزن والأسى. لم يجد نفساً واحدة مسافرة نحو الغرب. تملكه من جديد التردد والشك. هل يترتب علي السفر إلى"إيلموروج" من أجل خمسة ركاب فقط؟ أخذ"مواؤرا" يفكر ويتأمل. ألا ينبغي علي أن أكذب وأقول لهم: إن العربة تعطلت وأنه سيترتب علينا أن ننام في"كامبريثو"، ثم نستأنف الرحلة في الغد؟ ولكن صوتاً آخر قال له: يا"مواؤرا"، لا تلبط النعمة. قد تغير النعمة رأيها وأنت نائم. لا تزدري فكة النقود القليلة.‏

وفي بطن الإنسان ينضم قدر من الطعام إلى قدر آخر فتتشكل وجبة كاملة. كما تتجمع البنسات واحداً بعد واحد وتتشكل شلينات كاملة في جيوب قانص المال والأرزاق.‏

دعس"مواؤرا" على المسرع واتجه نحو"إيلموروج" بركابه الخمسة وهم: وارينجا، جاتويريا، صاحب الوزرة الزرقاء والمرأة ذات الرداء الكتاني والسلة وصاحب النظارات السوداء.‏

(4)‏

كانت المرأة صاحبة الرداء الفضفاض أول المتحدثين. وكانت العربة قد اجتازت"نجو يروبي" وهي تقترب من"كينيني" عندما سمجت حنجرتها المرأة وقالت بصوت عالٍ: أيها السائق.‏

ناديني"روبن مواؤرا"، قال لها السائق مداعباً.‏

أيها الصديق، دعني أحكي لك مشكلتي قبل أن نجتاز مسافة بعيدة.‏

ليس عليك سوى أن تطرقي الباب حتى ينفتح. أجابها"مواؤرا" وهو يظن أن المرأة كانت تريد أن تبدأ ذلك النوع من المحادثة التي تعتبر معتادة في سيارة"الماتاتو". ثم أضاف يقول: إن الحكمة المختبئة في القلب لا يمكنها أن تكسب دعوى قانونية على الإطلاق.‏

ذلك هو المغزى، أيها الصديق. ليس في هذا العالم شيء هام وقيم مثل مساعدة الآخرين. إنني أركب سيارتك ولكنني لا أملك حتى بنساً واحداً أعطيه لك أجرة لركوبي. قالت له المرأة بحزن وأسى.‏

ماذا؟ صاح بها"مواؤرا".‏

لا أستطيع دفع الأجرة.‏

ضغط"مواؤرا" على الكابح فجأة. وفتحت الأبواب من الجهة التي كان يجلس فيها صاحب النظارات السوداء. ولولا رد الفعل المنعكس السريع لصاحب الوزرة الزرقاء لما نجا صاحب النظارات السوداء من الوقوع من السيارة على منحدرات"كينيني"، فقد كان هو الذي شاهد الخطر وقفز إلى الأمام كي يمسك بالرجل الآخر.‏

توقف"مواؤرا" على جانب الطريق.‏

لماذا تحاول قتل هذا الرجل؟ وجَّه صاحب الوزرة الزرقاء هذا السؤال إلى مواؤرا. هل رشاك أعداؤه؟ ولم تتيسر لصاحب النظارات السوداء الفرصة لقول أي شيء- سواء لتوبيخ"مواؤرا" أو لتوجيه الشكر لصاحب الوزرة الزرقاء.‏

الذنب كله ذنب هذه المرأة! أجابه"مواؤرا" بسرعة، ثم اتجه للمرأة قائلاً: لا أريد أية مشاحنات بيني وبينك. هذه السيارة لا تسير على البول.‏

عندما نصل إلى"إيلموروج"، لن أخفق في العثور على إنسان يقرضني أجرة السيارة.‏

ليس ثمة شيء مجاني في كينيا. وكينيا ليست تانزانيا أو الصين.‏

أيها العجوز، لم أعش أبداً على عرق الآخرين... ولكنك لو عرفت فقط ما رأيته وما مر بي في نيروبتكم هذه....‏

قطع عليها"مواؤرا" حديثها قائلاً: لا أرغب سماع أية حكايات عن الغيلان التي تأكل الآدميين. ادفعي الأجرة أو اخرجي من السيارة.‏

هل تعني حقاً تركي هنا في القفر؟‏

أيتها المرأة، إن عليك الخروج من السيارة ومتابعة السفر إلى"إيلموروج" مشياً على الأقدام. وإنني أكرر قولي: هذه السيارة لا تسير على البول.‏

إنني لا أقول سوى الحقيقة عندما أذكر أنني حاربت من أجل استقلال هذه البلاد بيدي هاتين. فهل يُفترض أن أقضي الليل هنا أشارك الوحوش في الغابة المظلمة؟ طرحت المرأة هذا السؤال بقلب مثقل، وكأنها تطرح بذلك مشكلة مألوفة بالنسبة لها، ولكنها أخفقت حتى الآن في العثور على جواب لها.‏

في هذه الأيام لا تكافئ البلاد من حررها ولكنها تكافئ من يأتون بعد تحريرها، قال لها مواؤرا. والاستقلال ليس حكايات عن الماضي ولكنه صوت النقود في جيب الإنسان. لا تمزحي معي اخرجي من السيارة أو دعيني أسمع صوت النقود الظريف لكي نتمكن من مواصلة السفر.‏

حل صاحب الوزرة الزرقاء الخلاف بينهما عندما قال: دعنا نواصل مسيرنا أيها السائق. فالحيوان لا يصرخ ألماً إلا إذا كان مجروحاً. سوف أدفع لك الأجرة عنها.‏

رفع الرجل المدعو"جانويريا" صوته قائلاً: أجل، شغل المحرك ودعنا نسير، سوف أساهم أنا أيضاً بدفع بعض السنتات عنها.‏

وأنا أريد أن أساهم أيضاً. قالت وارينجا بسرعة، وهي تستذكر أنها أيضاً كان يمكن أن تكون بلا نقود لدفع الأجرة لو أن حقيبتها فقدت على طريق النهر.‏

نستطيع تقسيم المبلغ على ثلاثة كي نجعل الحمل أخف. الحمل الكبير لا يصبح عبثاً إلا عندما يرفض الناس المشاركة به. قال صاحب الوزرة الزرقاء.‏

شغَّل مواؤرا السيارة وابتعد بها عن"كينيني".‏

واصلوا سفرهم مسافة قصيرة بجو من الصمت والسكوت. ولكن المرأة كسرت ذلك الصمت بكلمات عرفان الجميل.‏

أنا سعيدة جداً. غير أنني لا أجد شيئاً أستطيع القيام به لكي تعرفوا مشاعري إزاء مساعدتكم. إسمي هو"وانجاري". وأنا من مدينة"إيلموروج"، ومن قرية"نجيروكا". عندما نصل إلى"إيلموروج"، سأحاول بطريقة من الطرق الحصول على النقود لتسديدها لكم. ولكنني بللت صدري بشيء من اللعاب. أدعوا لله أن يجعلكم تحرثون دائماً حقولاً خصيبة.‏

لا تهتمي بما سأدفعه أنا، قال صاحب الوزرة الزرقاء. إذا لم نساعد بعضنا بعضاً، فسنغدوا كالوحوش. ذلك هو ما دفعنا أيام"الماو ماو" للقسم التالي: سوف لا أتناول الطعام بمفردي على الإطلاق.‏

ولا بما سأدفعه أنا أيضاً، بل انسيه ولا تفكري به- آسف، وأعني نصيبي من السنتات. قال"جاتويريا". كان جاتويريا هذا دائماً خجلاً من مزج الكلمات الإنكليزية مع كلمات"جيكويو"، وكان يحاول جاهداً أن لا يفعل ذلك. أما بالنسبة لي، فإنني أوافق على ما يقوله هذا الرجل، أضاف"جاتويريا": ولكن ما هو اسمك، لكي أتوقف عن تسميتك هذا الرجل؟ واسمي أنا هو"جاتويريا".‏

وأنا اسمي"موتوري"، أجابه صاحب الوزرة الزرقاء.. إنني عامل، وأختص بالنجارة، النحت على الحجر والسمكرة. أنا سمكري، نجار ونحات- ولكنني أستطيع أن أفعل أي شيء يتطلب استخدام اليدين. فالعمل هو الحياة.‏

وماذا عنك أيتها الصبية؟ سألت"وانجاري" "وارينجا".‏

أنا أُدعي"وارينجا"، "جاكينتا وارينجا" وأنا من"إيلموروج".‏

من أي حي؟ سألتها"وانجاري".‏

من القرية التي تسمى"نجارينديثيا"، بالقرب من"نجيروكا جيروساليم" الحديثة، أجابت"وانجاري".‏

كما تعرف، ما كنت تقوله.... بدأ"جاتويريا" موجهاً كلماته إلى"موتوري". توقف عن الكلام، تنحنح ثم سأله موتوري: هل تستطيع أن تقول لي من فضلك، وأقصد هل تستطيع... توقف مرة أخرى، وكأنه لم يكن يعرف تماماً ماذا يريد أن يسأل. حاول ثانية. هل تستطيع أن تقول بأن فكرة العروة الوثقى لها جذورها في أهداف ومرامي"الماو ماو"؟‏

قال موتوري وهو يضحك قليلاً- العروة الوثقى؟ ألم تسمع بما يغنيه راقصو"نياكينيوا"؟‏

إن العروة الوثقى التي ترونها الآن‏

إن العروة الوثقى التي ترونها الآن‏

ليست من أجل ناشري الأقاويل أو تجار الشائعات.‏

ولذلك ليس من الصالح بالنسبة لي نشر الأقاويل والشائعات بالنسبة لأي شيء له علاقة بالعروة الوثقى الحديثة. العروة الوثقى الحديثة؟ وهم! سوف أسكت، إذ يحكى أن الناس القادمين من بلاد الصمت نجوا مرة من المرات بوساطة الصمت. أما إذا طلب مني أن أقدم النصح والمشورة، فسوف أطلب من راقصي نياكينيوا إنشاد:‏

عروة النقود‏

عروة النقود‏

هي من أجل الأغنياء وأصدقائهم‏

عندما كنا نقاتل من أجل الاستقلال، فإن العروة الوثقى، أو دعنا نسميها الوحدة المنظمة- اتخذت شكلين.. كان هنالك منظمة حراس الوطن والإمبرياليون، كما كان هنالك منظمة الوطنيين بقيادة الماو ماو. وقد تعودت منظمة الوطنيين أن تنشد هذه الكلمات.‏

وجدت حباً كبيراً هناك‏

بين النساء والأطفال.‏

سقطت حبة فاصولياء على الأرض‏

فاقتسمناها فيما بيننا.‏

أما منظمة حراس الوطن والإمبرياليون فقد اعتادت أن تنشد على هذا الشكل:‏

حب الذات وحب التفريط‏

بين خونة البلاد.‏

إن حبة الفاصولياء التي نسرقها من الناس-‏

نجاهد لنرى من يستطيع خطفها كلها‏

أيها الناس، كانت عروة حراس الوطن والإمبرياليين منظمة من شأنها أن تشجع على البهائمية والوحشية: إذ ترى المرء يرمي بالأطفال والمعوقين في النار وهو مندفع طلباً لنفايات ومتروكات الإمبرياليين. أما عروة"الماو ماو" فكانت منظمة من شأنها نشر الفكر الإنساني، لأن أعضاءها تعودوا أن يقدموا حياتهم دفاعاً عن الأطفال والمعوقين. كانت منظمة حراس الوطن تهدف إلى بيع بلادنا للأجانب: بينما كان هدف"الماو ماو حماية بلادنا. وأنت، أيها الفتى! قلت لك: إني لن أتحدث عن العروة الوثقى الحديثة. فلهذه أصحابها الخصوصيون.‏

توقف"موتوري" بغتة. وضرب ذبابة كانت تزحف عبر ردائه الخارجي. خيم الصمت المطبق على السيارة من جديد. تمكن"مواؤرا" من التغلب على منعطفات منحدرات"كينيني" وهو يسوق السيارة باتجاه قاع"وادي رنعت" أخذ الظلام يشتد الآن، فأشعل"مواؤرا" المصابيح الأمامية.‏

راحت"وانجاري" تطقطق بلسانها، ثم تنحنحت وبدأت تتحدث بصوت مشبع بالمرارة. هل تقول: إذا ما سقطت حبة فاصولياء إلى الأرض، فإننا نقتسمها فيما بيننا؟ وأننا أرقنا الدماء بسبب الحركة العظيمة التي كانت لنا، لشعب كينيا، حركة الماو ماو، حركة الشعب، حتى يصبح بوسع أطفالنا أن يأكلوا إلى حد الشبع، وأن يرتدوا الملابس التي تبعد عنهم غائلة البرد وأن يناموا في أسرة خالية من البق؟ وأن على أطفالنا أن يتعلموا فن إنتاج الغلال والثروة لشعبنا؟ أجبني عن هذا السؤال: من غير الأحمق أو الخائن لا يضحي بدمائه الزكية في سبيل تلك الأهداف الماجدة؟ وأنا، هذه الوانجاري التي ترونها أمامكم، كنت طفلة صغيرة آنئذ. غير أن هاتين الساقين حملتا كثيراً من الذخيرة والبنادق لمقاتلينا في الغابة... ولم يعتريني الخوف بتاتاً، حتى عندما كنت أنسل عبر خطوط العدو وحلفائهم حراس الوطن. يا بني قومي، حين أتذكر هذه الأشياء اليوم، يضعف قلبي وأرغب في البكاء! ماذا قلت يا موتوري؟ هل إن تلك العروة الوثقى من أجل الأغنياء وأصدقائهم؟‏

لقد قلت قولاً حسناً.‏

لقد قلت قولاً حسناً.‏

لو كان معي لبن‏

لغسلتك به‏

لا يهم... لا يهم... ولكن، يا بني قومي، إنني لا أفتأ أسأل نفسي: هذه الأموال، آلاف وآلاف من الشلينات التي توهب يوماً بعد يوم- من أية أعماق بحرية ترد؟ الرجل القادر على منح مئات الآلاف يوماً بعد يوم- كم يدخر له ولأولاده؟ والحديقة ذات الغلال اللامحدودة- أي نوع من الحدائق تكون؟ والنبع الذي لا ينضب ماؤه- أي نوع من الينابيع يكون؟ وأصحاب هذا الرجل؛ الأصحاب الذين لا يظهرون للعيان كيما يشاهدوا- من هم؟ وهؤلاء الأصدقاء الذين لا تنكشف أسماؤهم للملأ- من هم؟ وهؤلاء الذين لا يحبذون إعطاء أي شيء إلا تحت غطاء الظلام- من هم؟ غير أن كل عمل سري غامض سينكشف على رؤوس الأشهاد يوماً، وعلى مرأى كامل الناس. إنني أقول لكم ما يلي: عندما كنا نقاتل من أجل الاستقلال، لم تكن النقود هي التي صنعت القتال: بل هو الحب، حب كينيا، بلادنا، هو ما منح شبابنا الشجاعة لمواجهة احتمال الموت الجماعي برصاص العدو- ولا يتركون تراب وطنهم. عندما كنا نقاتل من أجل الاستقلال، لم نكن ننظر إلى الطريقة التي يرتدي فيها الشخص ثيابه أو نقول: هذا يرتدي الأسمال البالية، فيلقى به في غياهب السجن. واقع الحال، هو أن من يرتدي الأسمال يكون في خط الجبهة الأمامي، ولا يعرف الانسحاب والتراجع، أما صاحب عقدة الرقبة فسوف يهرع لالتقاط قبعة الإمبريالي الذي جندلته رصاصات الخط الأمامي وقوات الاحتياط! وعندما تسمعونني أتحدث على هذه الصورة، يا بني قومي، لا تظنوا أنني كنت أشرب الكحول أو أدخن الحشيش. لا، إنني أتحدث بهذه الطريقة من جراء ما مررت به في بلدنا"نيروبي" التي خلفتها ورائي.‏

العروة الوثقى الحديثة.... لا أعرف إلى أين تقودنا، نحن الشعب الكيني.‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 02:44 PM
توقفت"وانجاري". أحس"موتوري" و"وارينجا" و"جاتويري" بالتعاطف بسبب الأسى والمرارة في صوت وانجاري. أما صاحب النظارات السوداء فقد انكمش في زاوية جلوسه. دعس"مواؤرا" على المسرِّع، آملاً أن تزحف بهم السيارة جميعاً بعيداً عن حكاية"وانجاري".‏

قولي لنا: ماذا فعلت لك" نيروبي" حتى أثقلت عليك فؤادك؟ سألها"موتوري".‏

إنني في عجب إذا كان علي أن أصفها مذهلة أو مرعبة إلى درجة تجعل القلب والجسد يرتجفان. ردت"وانجاري" على وجه السرعة.‏

حكت لهم بعد ذلك"وانجاري" عن الأهوال المرة التي تعرضت لها في نيروبي، عاصمة كينيا.‏

تلك النيروبي- حتى الآن لا أعرف أية روح نقلتني من"إيلموروج" إلى نيروبي. هل ثمة زاوية واحدة في الأيام الحاضرة، حتى في الأصقاع البعيدة المترامية من كينيا، يستطيع الفقير الهروب إليها نجاة من الفقر؟ إيلموروج، مومباسا، نيروبي، ناكورو، كيسومو- فالمياه في هذه الأماكن جميعاً صارت مرة لاذعة بالنسبة لنا، نحن الفلاحين والعمال.....‏

قطعة أرضي الصغيرة، بمساحة فدانين، بيعت من قبل"مصرف كينيا للتطوير الاقتصادي" لأنني أخفقت في تسديد قرض أثقل على كاهلي، من أجل تربية أبقار هجينة. كان القرض بمبلغ/5.000/ شلين. اشتريت أعمدة وأسلاك سياج، كما اشتريت بقرة في الشهر السادس من الحمل. استخدمت قسماً من النقود لدفع رسوم تعليم ولدي. ولدت البقرة عجلاً. لم يدر الحليب سوى المبلغ الكافي لتغطية الفوائد الشهرية للمصرف. أصيبت بقرتي بالحمى الصفراء. ولم يصل الطبيب البيطري إلا بعد أن نفقت البقرة ودفنت. ولم أسدد ربع مبلغ الدين..‏

ولذلك عندما بيعت قطعة الأرض، ورأيت أنه لم يبق عندي أرض تحرث وتستثمر، ولا وظيفة في"إيلموروج"، فكرت أن أوجه وجهي نحو عاصمة كينيا بحثاً عن عمل. لماذا؟ لأنه عندما تقترض أموالاً من بلدان أجنبية، فهذه الأموال تصب في بناء"نيروبي" وبقية المدن الكبرى. عندما ينتج الفلاحون الطعام، فإنه يذهب إلى"نيروبي" والمدن الكبيرة الأخرى. أما فيما يتعلق بنا نحن الفلاحين، فإن كافة جهودنا تذهب لتسمين"نيروبي" والمدن الكبرى. لذلك قلت لنفسي وأنا وحيدة في كوخي: لا يمكن أن أفشل في إيجاد عمل في"نيروبي". أستطيع في أسوأ الأحوال أن أنظف المكاتب، أو أغسل أقفية الأطفال. لا يهمني نوع العمل الذي أقوم به، فمن يعطى قطعة من اللحم، لا ينتظر أن يعطى الدهن أيضاً. وربما لن يكون في"نيروبي" أي لصوص أو سارقين مثل أولئك الذين كانوا يزعجون ويقمعون عمال وفلاحي"إيلموروج" في الليل والنهار..‏

وهكذا ربطت بضعة سنتات في ثوبي وانطلقت.‏

حقاً! لم أر في حياتي مثل هذا العدد الكبير من السيارات التي تجري على طريق إسفلتي كالفيضانات في السهول- وأبنية أعلى من"قايين" الأسطوري الذي استطاع أن يلامس الغيوم، كما يقال. إن نيروبي أشبه بحديقة كبيرة من الحجارة، والإسفلت والسيارات. حين رأيت الحوانيت والفنادق والسيارات قلت لنفسي: لقد تطورت كينيانا تطوراً مذهلاً بالحق. ومن المؤكد أنني سأجد عملاً هنا. وهكذا دخلت أول حانوت مررت به.‏

كانت ألوان الألبسة تشع وتأتلق بكافة ألوان قوس قزح. وجدت هندياً يدير الحانوت فسألته عما إذا كان بمقدوري أن أعمل لديه، في كناسة الحانوت. أخبرني أنه لا يريد أحداً للقيام بهذا العمل في حانوته، ثم رجوته أن يسمح لي بتنظيف أوساخ أولاده، فقال، إنه لا يستطيع أن يعطيني ذلك العمل أيضاً. خرجت إلى الشوارع مرة ثانية، أبحث عن العمارات العالية والعالية جداً وحدها. وعندها دخلت أحد الفنادق. كان فندقاً كبيراً، بحجم قمة جبل كينيا. وهناك، على الطاولات لم يكن يجلس غير الأوروبيين. دخلت مكتباً من المكاتب ووجدت به أوروبياً. قال لي: إنه لا توجد أعمال. قلت له: لا فرق عندي أن يكون العمل مسح أحذية البيض، وإن كانوا يربون في تعدادهم عن الجراد. ضحك وقال لي: إن ذلك غير ممكن. وماذا عن غسل مراحيض البيض؟ حتى هنا، كان الجواب سلبياً، وبقيت بلا عمل أشغله.‏

همت بعد ذلك على وجهي من حانوت لآخر، بحثاً عن حانوت يُشغِّل السود. إن عائلة المرء وزمرة- دمه أمران لا يمكن التبرؤ منهما على الإطلاق. ونحن السود، ألسنا جميعاً من فصيلة واحدة وعشيرة واحدة؟ دخلت حانوتاً يبدو كمخزن للحاجات المنزلية وأدوات الحديقة. كانت المجارف والمناجل والمعزقات والأباريق والصحون والمقالي مكومة على الرفوف وكان هناك رجل أسود في الحانوت، طفق قلبي يخفق بالأمل.. حكيت له عن كافة مشاكلي وسألته: هل تصدقها؟ أصابه الانهيار من شدة الضحك! أخبرني أن العمل الوحيد الذي يستطيع تقديمه لي هو نشر ساقيي، وأن النساء ذوات الأجسام الكاملة النمو على خبرة في ذلك العمل. أحسست بعدها بدمعة تسقط على الأرض.‏

طفت الشوارع غير عارفة بما أعمل أو أين أتجه. ثم رأيت فندقاً آخر فدخلته مباشرة. سألت عن المكتب، ووجدت رجلاً أسود اللون، طلبت منه العمل. قال لي: أنت أيتها المرأة، ألم تكوني هنا قبل هنيهة؟ ألم يخبرك الرجل صاحب الفندق بأنه لا توجد أعمال لأمثالكم. هنا أصبت بالصدمة والخوف الكبير. لقد مشيت على شكل دائرة أعادتني إلى الفندق الأول الذي بدأت به سابقاً. هذا وكنت على وشك الرحيل عندما ناداني الرجل مرة أخرى. طلب مني الجلوس على كرسي بينما اتصل هو هاتفياً بمكان كان يعرف أنه لا يخلو أبداً من أعمال لأمثالنا من الناس. دق قلبي فرحاً. لقد جاء الاستقلال بحق إلى بلادنا، انتظرت حظي السعيد بصبر يشبه صبر صائد السمك.‏

أوه، يا بني قومي، ماذا بوسعي أن أقول لكم؟ قبل أن أعطس مرتين، رأيت رجال شرطة يدخلون المكتب. سلمني الرجل الأسود لرجال الشرطة، الذين كانوا سوداً مثلي، وأخبرهم بأنني كنت أراقب الفندق. وعندما استدعي مالك الفندق الأوروبي قال الشيء نفسه وأضاف: إنني قضيت النهار بأكمله أدور حول الفندق بطريقة تدل دون أدنى ريب على نيتي المبيتة بالسرقة. ربت الأوروبي على كتف الرجل الأسود وقال له بصوت يبدو وكأنه يخرج من منخريه: هذا عمل طيب، يا سيد"موجويت"، عمل طيب، أو شيء من هذا القبيل. كان مفتش الشرطة لا يفتأ يقول، أجل، أجل، لعمري إن النساء من شاكلة هذه المرأة هن اللواتي يوظفن من قبل اللصوص والسارقين للتجسس على الحوانيت والفنادق والمصارف.‏

دفعت بعد ذلك إلى داخل سيارة من سيارات الشرطة ونقلت إلى زنزانة. ولكن هل كانت زنزانة أم ملجأً للناموس والقمل والبراغيث والبق؟ نمت في تلك الزنزانة ثلاث ليال متواليات. أنا، وانجاري، التي لم تسرق في عمرها حبة بطاطا واحدة من أي شخص آخر! وانجاري التي وهبت عمرها من أجل بلادها! أنا، وانجاري التي ترونها الآن أمامكن والتي ترتدي حلة من الكتان وتحمل سلة، قضيت ثلاث ليال أختنق برائحة نتن البراز والبول.‏

نقلت بعدئذ إلى محكمة في صباح هذا اليوم بالذات، بتهمة قصد السرقة والطواف حول نيروبي، رغم أنني لست مقيمة في المدينة، دون عمل ودون منزل ودون إذن بذلك. إنهم يسمونه التشرد، أو شيئاً من هذا القبيل. ولكن، يا بني قومي، فكروا: أنا، "وانجاري" الكينية المولد- كيف يمكن أن أكون متشردة في بلدي؟ كيف أتهم بالتشرد في بلدي الخاص؟ لقد أنكرت التهمتين كلتيهما: والبحث عن عمل لا يعد جريمة.‏

كان القاضي أوروبياً، ذا بشرة حمراء مثل لون الخنزير، وكانت جلدة أنفه مسلوخة، مثل جسم السحلية. وكان يلبس نظارات ذات ذراع طويلة.‏

قام صاحب الفندق الأوروبي بدور الشاهد، كما كان السيد"موجويت"، الذي هو واحد من عبدان الأجانب، شاهداً آخر.‏

قال لي القاضي: هل عندك ما تقولينه للمحكمة قبل إصدار قرار الحكم؟ وحتى في هذه اللحظة، لا أستطيع أن أقول أين وجدت الشجاعة التي تملكتني على حين غرة(هل كانت شجاعة أم ألماً؟) فقلت للقاضي: انظر إلي نظرة سليمة. لست أجنبية مثلك. ولست متشردة هنا في كينيا، ولن أكون في يوم من الأيام أجنبية أو متشردة في كينيا هنا. كينيا هي بلدنا. لقد ولدنا هنا. اللّه وهبنا هذه الأرض، وقد افتديناها بدمائنا من أيدي أعدائنا. إنك ترانا اليوم نرتدي الأسمال، ولكننا نحن العمال والفلاحين هم الشعب نفسه الذي كان هنا وهناك حول"كيماثي". والآن، انظر إلي بتمعن مرة ثانية. لست سارقة ولست لصة. إذا أردت معرفة من هم اللصوص والسارقون الحقيقيون، فاتبعني وسوف أريك مخابئهم وكهوفهم في"إيلموروج". أعطني نفراً قليلاً من رجال الشرطة وسوف نلقي القبض الآن فوراً على اللصوص والسارقين، الذين كانوا مصدر إزعاج لنا. لا أعرف شيئاً عن نيروبي والأماكن الأخرى، ولكن اللصوص والسارقين في"إيلموروج"، بلدنا إيلموروج، لا يزعجون أنفسهم حتى في الاختباء.‏

جلست أرضاً.‏

خلع القاضي نظاراته ومسحها بمنديل أحمر اللون. ثم أعادها إلى أنفه المسلوخ، عاينني مرة ثانية. ورحت أقول في قلبي: أجل، انظر إلي بإمعان إذا لم يسبق لك سماع لسان"وانجاري"، الفلاحة ولو أنني كنت لا أزال أعيش ذلك الزمن الآخر، لكنت أنت تنظر إلى سبطانة بندقية، أيها الشيطان، طلب مني أن أكرر ما قلته عن لصوص وسارقي"إيلموروج". فقلت له: حقاً! لماذا أكذب عليك؟ من سيكون أكثر سعادة، أنت أم أنا إذ نسمع أن أولئك اللصوص والسارقين يصرون بأسنانهم في المعتقل؟ أعطني نفراً قليلاً من رجال الشرطة وسوف أريهم أين يسرح اللصوص ويمرحون.‏

وقال القاضي: بما أنني عرضت التعاون مع الشرطة لاجتثاث السرقة واللصوصية من البلاد، فلن تعتقلني المحكمة. سوف يترتب علي دفع غرامة فقط لأنني كنت أسرح حول"نيروبي" دون إذن بذلك وبهذا فإنني أخالف قوانين التشرد.‏

هل تفهمون ذلك؟ إنني أطلب منكم تقليب الموضوع في أذهانكم. هل صحيح أنني أحتاج إلى تصريح من أجل الدخول إلى نيروبي، تماماً كما كان يجري أيام الطوارئ عندما كان مستعبدونا الأوروبيون معتادين على جعلنا نحمل جوازات السفر؟‏

طلب القاضي من رئيس الشرطة اتخاذ التدابير اللازمة لاعتقال كافة اللصوص والسارقين في"إيلموروج". لقد كان تعاوني الجاهز هو الذي أنقذني من دخول السجن ستة أشهر.‏

نقلت من قاعة المحكمة إلى مركز الشرطة أولاً. وكما تلاحظون، بدؤوا يسترضونني بألسنة كأنها الشهد، كما أخذوا يتملقونني. قالوا لي: لو كان كافة المواطنين مثلي يتعاونون مع الشرطة، مثل شتلة البطاطا وشجرتها الداعمة، فإن الدولة بكاملها ستتحرر من السرقة واللصوصية والارتكابات المشابهة ومن يفعل ذلك فسيكون قادراً على التمتع برزقه في سلام وطمأنينة وينام نوماً عميقاً دون أي شيء يعكر ذلك.‏

اتفقنا على أن أعود إلى"إيلموروج"، على نفقتي الخاصة لكي أعرف تماماً متى وأين يجتمع اللصوص والسارقون بصورة طبيعية. وبعدما أجمع تلك المعلومات، سأمضي وأبلغ مركز الشرطة في إيلموروج. إن شرطة نيروبي، من جانبها، سوف تطلع رئيس شرطة"إيلموروج" وهو المدير"جاكونو" عما يجري ويعطونه اسمي بحيث يتم العمل بتقريري في الحال.‏

هكذا تركنا بعضنا. غير أنهم لم يعطوني نصف سنت كأجرة للسفر. وأنا أقول لكم: إن كافة نقودي البالغة/200/ شلين تركت في المحكمة. وتركت أنا لكي أمشي على قدمي إلى"إيلموروج". أما الآن، فلولا أن دفعكم الله بريحه في طريقي، أين يمكن أن أنام هذه الليلة؟ وماذا سآكل؟‏

اليوم، هذا اليوم بالذات، وكما نجلس معاً أنتم وأنا، إذا ما وقع شخص ما من السماوات العلا وطلب مني أن أغني مدائح عروة المال، فسأعطيه كلمتين أو ثلاث كلمات لن ينساها أبد الدهر.....‏

توقفت وانجاري بغتة عن الكلام، وكأن أفكارها لا تزال تتلبث أقبية الشرطة وقاعات المحاكم، والقضاة ورجال الشرطة.‏

أما"وارينجا" فقد تظاهرت، كأنها تفتح حقيبة يدها لإخراج البطاقة التي أعطيت لها في موقف باص"كاكا". هل كانت وانجاري تعرف شيئاً عن مهرجانات الشيطان تكريماً للسرقة واللصوصية في"إيلموروج"؟ السؤال جعل"وارينجا تتوقف. نظرت إلى وانجاري وسألتها بصوت مرتعش قليلاً: قولي لي هل تقولين بصدق إن هنالك أو كاراً وكهوفاً للسارقين واللصوص في إيلموروج؟‏

ماذا؟ وأنت تدعين أنك من"نجيروكا" في "إيلموروج"! من أي حي أنت؟‏

أجابت وانجاري سائلة.‏

إنه... إنني حقاً لا أعرف... أجابت"وارينجا" مترددة.‏

الآن تعرفين الحقيقة. قالت"وانجاري" لوارينجا" ثم لزمت الصمت.‏

(5)‏

لزم المسافرون الآخرون الصمت أيضاً، وكأنهم لا يملكون ما يضيفونه على حكاية وانجاري أو على سؤال"وارينجا". ولكنهم بعد أن قطعوا مسافة قصيرة في صمت، بدأ موتوري حديثاً.‏

هذه البلاد، بلادنا نحن، بلاد حبلى. ولا يعرف إلا الله ماذا ستلد... فتصوروا! إنه مكتوب على أبنائنا نحن العمال أن يتعرضوا لأشعة الشمس، عطاشاً، جياعاً، حفاة عراة يمعنون النظر بالفاكهة التي نضجت على أغصان الأشجار وهم عاجزون عن قطفها حتى لتهدئة بطونهم المطالبة بها. مكتوب عليهم رؤية الطعام يغلي ويتبخر في الآنية، ولكنهم عاجزون عن تغميس طاسة القرع لاغتراف نزر يسير منه! مكتوب عليهم السهر في الليل وهم يحكون لبعضهم بعضاً حكايات عن الأسى والدموع، ويسألون بعضهم بعضاً الألغاز نفسها يوماً بعد يوم: أوه، كم نتمنى الحصول على قطعة من تلك الأشياء!‏

من الموز الناضج! أجابت وانجاري، وكأن"موتوري" سألها لغزاً حقيقياً.‏

أوه، ليتنا نحصل على قطعة من ذلك! قال"موتوري".‏

ماء بارد عذب في كهف يملكه شخص آخر، أجابت"وانجاري"، إجابة ثانية.‏

- يا "وانجاري" حكايتك تبين أن هذه البلاد، بلادنا، كان يجب أن تلد ذرية منذ عهد طويل. كان موتوري يجتر ما قاله من ذي قبل. إن ما تحتاجه الآن هو القابلة، أضاف يقول: أما السؤال فهو: من هو المسؤول عن الحمل؟‏

إنه الشيطان يؤدي رسالته. قال ذلك" روبن مواؤرا" وهو يتدخل في المناقشة دون سابق إنذار.‏

كان مواؤرا محرجاً قليلاً من الحقد والبغضاء اللتين أظهرهما في"كينيني". فمنذ اللحظة التي اتفق فيها"موتوري" و"وارينجا" و"جاتويريا" على دفع أجرة سفر"وانجاري" كان"مواؤرا" يحاول أن يجد مفتاحاً يغير به وجهة الحديث، وأن يبتعد بالموضوع عن"وانجاري" ومشاكلها. أخذ الآن يغني:‏

سوف أقرع قرعة على الشيطان‏

سوف أقرع قرعة على الشيطان‏

سأقول له، دعني وشأني‏

فأنا لا أنتمي لعالم الشياطين.‏

أحست"وارينجا" بكل جسدها يسخن بعد أن استرجعت كافة الأشياء التي حصلت ذلك النهار. سألت نفسها: لماذا يبدو أن أحداث النهار تكرر نفسها؟ أم أن هذا كله مجرد حديث؟‏

نظر"جاتويريا" نظرة خاطفة إلى السائق وكأنه يريد من"مواؤرا" متابعة الأغنية. لقد أزعجت حكاية"وانجاري" "جاتويريا" إزعاجاً كبيراً. جعلته يسأل نفسه مرات ومرات: هل من الممكن حقاً حدوث مثل هذه الأشياء في كينيا الجديدة؟ ثم وقد تذكر وجود قوانين تشرد في كينيا، فإنه صدق حكاية وانجاري. ولكن ما جعله يأمل في مواصلة"مواؤرا" للأغنية كان له صلة بالعبء الذي يحمله في داخله، وبعبء آخر يحمله في حقيبة سفره.‏

تراجع صاحب النظارات السوداء مسافة أبعد منكمشاً في زاوية جلوسه، وكأنه كان يشعر بأنه سيهاجم من قبل الآخرين، فقد كان يظن أنهم معاً.‏

توقف"مواؤرا" فجأة عن الغناء، تاركاً الأغنية معلقة في الجو.‏

سأله موتوري: ماذا! هل قطعت الخيط؟‏

لا، إنني أرمي الخيط لك، أجاب"مواؤرا".‏

قال"موتوري": كنا أنفسنا معتادين على إنشاد الأغنية بهذه الطريقة، أو لعل علي أن أقول: لقد اعتدنا أن ننشد اللحن نفسه بهذه الكلمات:‏

سوف أقرع أقرع البيض‏

سوف أقرع أقرع البيض‏

سأقول لهم: اذهبوا إلى وطنكم الآن.‏

لأن كينيا لا تخص الإمبرياليين!‏

وبينما كان"موتوري" على وشك إنشاد الأشعار التالية، انضمت إليه"وانجاري". راح الاثنان يغنيان الآن بصوتين امتزجا وتناغما بشكل جميل، مثل مزيج من زيوت العطر من نوع واحد.‏

كينيا لا تخصكم، أيها الإمبرياليون!‏

كينيا لا تخصكم، أيها الإمبرياليون!‏

احزموا حقائبكم وارحلوا!‏

فمالك البيت في الطريق إليه!‏

أنهى"موتوري" و"وانجاري" ثنائيتهما معاً، مثل خبراء محترفين في الغناء.‏

قال مواؤرا: بالنسبة لي، لم يكن هناك أغنية لم أرغب إنشادها آنئذ.‏

وحتى الآن، ليس هناك أغنية لا أرغب إنشادها. أنا أقول: هذا العالم دائري، إذا ما مال بذلك الاتجاه، ملت بذلك الاتجاه معه. إن يتعثر، أتعثر معه. إن ينحنِ أنحنِ معه. إن يستقم، أستقم معه,, إن يهدر، أهدر معه. وإذا كان صمتاً، أكون صامتاً أيضاً، أول قانون للضبع يعلن: لا تكن مدققاً في الاختيار، بل ازدرد ما يتوفر. إن أجد نفسي بين أفراد من طائفة"أكورينو"، أصبح واحداً منهم، وعندما أكون بين الناجين، فإنني ناجٍ أيضاً، وعندما أكون مع المسلمين، أعتنق الإسلام، وعندما أكون بين المشركين، أصبح مشركاً أيضاً.‏

قال"جيكويو": إن ما من أحد يستطيع أن يطهو قدرين من الطعام في آن واحد دون أن يحرق محتويات واحد منهما، هكذا ذكر عنه"موتوري". غير أنك، يا"مواؤرا"، تبدو قادراً على طهو ألفي قدر في وقت واحد! فهل أنت بالفعل قادر على مراقبة الطعام في القدور جميعاً، أم أنك تنتهي ببقايا طعام مفحمة؟‏

الفم الذي أكل نفسه! قال"مواؤرا" وضحك. أحس قلبه بالخفة والمرح منذ أن ابتعد الحديث عن"وانجاري" ومشاكلها. يبدو وكأننا نحن سائقي"الماتاتو" وراء صياغة القول المأثور. نحن معروفون بأصواتنا المرتفعة وألسنتنا اللقلاقة. لماذا؟ ذلك لأن صائد السمك لا يعرف بالضبط في أي مكان من النهر يظفر بصيده. إنه يرمي خيطه هنا وهناك. أما بالنسبة لنا، سائقي"الماتاتو"، فإن ألسنتنا هي سناراتنا‏

- لاصطياد النقود؟ قاطعه موتوري.‏

أجل، لاصطياد النقود، وافق مواؤرا على ذلك في الحال. "والناس. أو دعنا نقل: إن ألسنتنا هي طعم للناس وأموالهم.. ذلك لأن المال يأتي عن طريق الناس. ولذلك فإنك إذا ما أعرت اهتماماً كبيراً لما نقوله، قد تضل وتضيع في ضوء النهار البارق. خذ مثلاً على ذلك هذه المرأة هنا. لعلها فكرت مثلاً أنني كنت أقصد فعلاً تركها لكي تنهشها وحوش الغابة. لا، إنني فكرت أن أدخل الرعب إلى قلبها قليلاً فقط. إن علينا في أغلب الأحيان أن نتخذ موقف الغضب لأن هناك مسافرين يحبون غشنا وخداعنا. أنا أحمل بصورة طبيعية حقيبتين، حقيبة للعسل وحقيبة للسموم المرة.‏

للحياة والموت؟ سأل"موتوري" للتأكد، مع نفحة من التهكم في صوته.‏

لقد أصبت عين الحقيقة، أجاب مواؤرا ببساطة، وكأنه لم يلاحظ نفحة التهكم. ما الذي تظن أنه يسمح لنا بالبقاء على قيد الحياة فوق هذه الطرق؟‏

إنني أعترف بأن ما قلته يمكن أن يكون صحيحاً، قال"موتوري"، ثم أضاف عن قصد وهدف: لأننا عندما كنا في"نياماكيما"، كنت تنشد بصوت عال بأنه ليس هناك مكان ترفض أن تقل مسافراً إليه في سعي دائب وراء المال، سواء لفردوس الله أو لجهنم الشيطان، فعلى أي جانب أنت؟‏

جانب الله أم جانب الشيطان؟‏

ذلك هو السؤال، أجاب موتوري.‏

أحسب أني في بيتي على الجانبين كليهما. ألم تذكر قبل هنيهة أنني شخص يطهو قدرين في آن معاً. لقد كُنت مصيباً تماماً في ذلك. ولكنني لا أحب أن أحرق الطعام في أي من القدرين. دعنا نرجع الآن لمسألة الله والشيطان. لم يقع بصري على أي منهما أبداً، ولكن دعنا نقر ونتفق بأنهما كليهماموجودان، وإن كلاً منهما يملك قواه الخاصة. من الصحيح تماماً أنهما كليهما كانا يبحثان عن فئات المؤيدين على الأرض، أصوات الاقتراع المعلقة في قلوب الرجال. ألا ترى إذاً، أن كلاً منهما قادر على تحسين أو تخريب حظوظكم على هذه الأرض؟ ومثلما تجد مرشحين يتنافس بعضهم مع بعض التماساً للأصوات خلال الانتخابات، فهكذا نحن رجال الأعمال، نجري مباراة بين الله والشيطان في مجابهة أحدهما بالآخر، نحن لا نحب إغضاب أي منهما. إننا نصلي لهما كليهما.‏

إنك تتحدث مثل مسافر ضيع دربه. ألم تسمع بما قيل من أن ما من إنسان يمكن أن يخدم سيدين محترمين؟ وحتى المقترع فإنه يعطي صوته لسياسي واحد في النهاية.‏

إن لرجل الأعمال أسياداً عدة. وعليه أن يؤدي الطاعة لهم جميعاً. إن ينادني هذا، أهرع إليه، وإن ينادني ذلك، أهرع إليه أيضاً.‏

خلد كلاهما إلى الصمت. كان مواؤرا يسوق سيارته بحذر لأنه كان متوتراً عصبياً بسبب المنحنيات والمنعطفات على ذاك الطريق. فقد كانت ناقلات النفط والقاطرات المقطورة والشاحنات المحملة بالفحم والبطاطا والخضار تمشي على الطريق بكثافة كبيرة.‏

اجتازوا الطريق المؤدي إلى"بعثة كيجابي الإرسالية"، والكنيسة التي أنشأها السجناء الإيطاليون خلال الحرب العالمية الثانية، وكانوا الآن يهبطون إلى أسفل"وادي الريفت".‏

ضغط"موتوري" على"مواؤرا" بتوجيه سؤال آخر: ألا تؤمن بأي شيء؟ أليس ثمة شيء يعتبره قلبك رديئاً أو جيداً؟‏

كان مواؤرا هادئاً في البداية، وكأنه لم يسمع السؤال بوضوح. ألست أحمل شخصية رجل دين متعصب، شخصية يسوع كمثل على المخلِّص؟ راح يسأل نفسه.‏

انتظر المسافرون الآخرون بصمت إجابة مواؤرا لأنهم من جهتهم كانوا يقلِّبون سؤال"موتوري" في أفئدتهم.‏

كان مواؤرا مدركاً شوق الآخرين لسماع جوابه، سحج حنجرته. إنك تسألني عن معتقداتي، هل ذلك صحيح؟ إن شؤون القلب يصعب سبرها. وقلوب الرجال لا ينفتح بعضها لبعض مثل حفر الخلد. إن شؤون القلب غابة كثيفة، لا يستطيع أي شخص سبر أعماقها. في البداية، اسأل نفسك هذا السؤال: ما هو القلب؟ وأين يسكن ويستقر؟ وهل القلب عضو مصنوع من اللحم، أم هو مجرد همسة؟ مرة عندما كنت طفلاً صغيراً حكت لي جدتي حكاية عن أسد مريض شفي، على أثر التهام قلب حمار، من مرضه وعلته. كنت حزيناً جداً وسألت جدتي: ماذا سيفعل ذلك الحمار عندما يعود يسوع المسيح ويحيي الموتى؟ فقالت لي جدتي: لا تزعجني بالثرثرة، فحمارك لن يبعث من جديد.‏

قد يرجع المرء إلى بيت سبق أن هجره. أول أمس عدت للسؤال نفسه الذي طرحته وأنا طفل عندما قرأت في إحدى الصحف، "تايفاليو"، أنه يمكن في أيامنا الحاضرة نزع القلب من شخص من الأشخاص وزرعه في شخص آخر. يصبح السؤال، هل ذلك الشخص هو الشخص نفسه الذي كان من قبل، أم تراه الآن شخصاً جديداً لأن له قلباً جديداً؟ وحين يحين يوم البعث والنشور، ماذا سيفعل الاثنان عندما يدَّعي الجسدان كلاهما ملكية القلب نفسه؟ فكروا بالقلب الذي تقاسمه الجسدان. افترضوا أن القلب مستقيم، ومطيع، ونظيف. ماذا سيمنع الجسدان من التدافع في طلبه وامتلاكه؟‏

الشكوك والوساوس تغمرني. عندما يتم نقل القلب من جسد إلى جسد آخر، فهل تراه يهاجر بكل استقامة وكمال الجسد الأول أو بكل شروره وأذاه أم تراه ينتحل فساد الجسد الجديد وقبحه؟‏

دعونا الآن نتصور أرضاً مسكونة بالرعايا الأغنياء والفقراء، قد ينغمس الغني بكل صنوف الشر لكنه حين يوشك على الفناء، فإنه يذهب إلى المستشفى ليشتري قلب رجل فقير مستقيم. وهكذا يذهب الغني إلى الفردوس بسبب استقامة وتقوى الرجل الفقير، كما يذهب الفقير إلى جهنم بسبب شرور الغني وآثامه أو لأنه الآن بلا روح! ها! ها! ها!‏

اقتضب"مواؤرا" مونولوجه بالضحك. راح يضحك ويضحك مثل شخص على وشك أن يقول شيئاً هزلياً مضحكاً ولكنه وهو يحاول قوله، يصاب بحمى فكاهته. ثم تابع مواؤرا وهو لا يزال يضحك: أحب أن أبدأ بتجارة القلوب، أن أفتح سوقاً للقلوب البشرية، حانوتاً للقلوب الآدمية، سوقاً مركزية للقلوب الآدمية، بيع دائم... وإنني لأتساءل عن مقدار ما يدره قلب مثل قلبي من نقود؟‏

بهذا، أصيب"مواؤرا" بالانهيار من شدة الضحك.‏

ولكن أي مسافر آخر لم يشاركه الضحك.‏

بمرور هذا الوقت كانوا قد اجتازوا"نير نجير" و"ناروك". كانت محطة الأقمار الصناعية على يسارهم، كما كانت روابي"كيجابي" على يمينهم. أما قمة"لونغ نوت" فكانت أمامهم. وكان الظلام قد لف المنطقة بأكملها. غير أن الأنوار الصادرة عن سيارة"مواؤرا" من طراز فورد.ت. ومن السيارات الأخرى الذاهبة في الاتجاه نفسه أو عكس الاتجاه كانت تضيء ممراً، فاصلة بذلك الظلام إلى نصفين. كان بعض السائقين لا يطفئون أنوارهم، وعندما كانت عينا"مواؤرا" تعميان بهذه الأنوار، كان يقسم بأمه ويستخدم عبارات طويلة لا يجوز ذكرها في شتيمة هؤلاء السائقين. قال مرة: إن إجازات سوق هؤلاء السائقين الذين يحصلون عليها بالشراء إنما تخلق الأخطار على الطريق! ألا تعتقدون في أيامنا هذه أن طفلاً غراً قادر على دس إجازة سوق في جيبه مقابل خمسماية شيلين؟ مع أنه لم ير في حياته مقود سيارة!‏

صار الماء حامضاً! قال له"موتوري".‏

كما صارت قلوب الرجال فارغة! أضافت"وانجاري". ثم أخذ"موتوري" و"وانجاري" يغنيان معاً:‏

تفاقمت المجاعة في بلادنا‏

غير أنها منحت أسماء أخرى‏

حتى لا يكتشف الناس‏

أين أخفي الطعام كله.‏

سيدتان بورجوازيتان‏

التهمتا لحم أبناء الفقراء‏

لم تستطيعا رؤية آدمية الأطفال‏

لأن قلبيهما فارغان.‏

بيوت كثيرة، وفدادين من الأرض،‏

وأكوام من المال المسروق‏

وهذه لا تجلب السلام إلى الشخص‏

لأنها اختلست من الفقراء..‏

ابتعد الآن بنظرك عن الأغنياء‏

وانظر إلى الفقراء والأطفال.‏

إنهم جميعاً يترنحون على الطرقات العامة‏

لأن قلوبهم فارغة.‏

علق"موتوري" قائلاً: الأغنياء يترنحون من فرط ما يأكلون.‏

وأضافت وانجاري: والفقراء لأنهم يتضورون.‏

ثم أنشدا معاً: .... لأن قلوبهم فارغة....‏

ومن جديد سأل"مواؤرا" نفسه: أي نوع من العصبية الدينية أثُقلت كاهلي؟ هل يمكن أن يكونوا جميعاً أعضاء في طائفة"المياه العميقة"؟‏

هل عدت إلى مشكلة القلب البشري؟ سأل"مواؤرا" بلهجة نمت عن ضيقه من كل من"موتوري" و"وانجاري". قلوب، قلوب، قلوب! ما هو القلب؟ هل هو نسمة، هبة ريح، أم صوت؟ لا، ما القلب إلا غيمة عابرة تتحول بوساطة أحلام الإنسان الذي سحقه الفقر المدقع إلى سلم ذهبي يصل إلى فردوس الله أو سلم من جمر شيد لإرشاد أعدائه الهبوط إلى جهنم. أين أجد السوق التي أبيع بها قلبي إلى رجل مجنون أحمق مقابل أي مبلغ من المال يدفعه؟‏

أجاب"موتوري" بسرعة: القلب البشري؟ هل هو نسمة، أم هبة ريح، أم غيمة عابرة؟ هل هو سلم حلم في ذهن شخص فارقه النوم بسبب الفقر المدقع؟ لا! القلب البشري لحم وليس لحماً. إنه يصنع الإنسان ويُصنع من قبل الإنسان. القلب يحمله الجسد وهو بدوره يصبح الجسد. في الإنسان عضو يسمى القلب. وذلك العضو نوع من المحركات التي تضخ الدم في الأوعية والشرايين التي تحمل الغذاء لكافة خلايا الجسم وتزيل الشوائب في كل أنحاء الجسم. إن على هذه الأعضاء أن تعمل سوية لكي تجعل الكائن البشري يرى ويلمس ويسمع ويتذوق ويتحدث ويحرك يديه ويمشي ويبدأ يبني حياته.‏

إن ما يبنيه الإنسان بنفسه هو القلب الآخر. وذلك القلب الآخر هو الإنسانية التي نصوغها بيدنا، يساعدهما على ذلك عينانا وأذنانا وأنوفنا وأفواهنا. القلب الآخر هو من إنتاج أعمالنا وأفعالنا، التي يهديها دربها عقلنا- تلك الأعمال والأفعال التي من شأنها تحديد الطبيعة لجعل الأشياء تلبي حاجاتنا مثل ملجأ يحمينا من المطر، وألبسة تحمينا من البرد والشمس، وغذاء يجعل الجسم ينمو ويكبر بالإضافة إلى حاجات كثيرة أخرى.‏

تلك الإنسانية هي الأخرى حصيلة عمل أيد عديدة معاً، ذلك لأن، كما قال"جيكويو" مرة، الإصبع الواحدة لا تستطيع أن تقتل القملة، كما أن حزمة حطب واحدة لا تستطيع أن تبقي النار مضطرمة آناء الليل كله؛ وأن رجلاً واحداً، مهما بلغت قوته، لا يستطيع أن يبني جسراً عبر أحد الأنهار؛ في حين أن أيدي كثيرة تستطيع أن ترفع حملاً، مهما كان ثقيلاً. إن وحدة عرقنا هي التي تستطيع جعلنا قادرين على تغيير قوانين الطبيعة، وقادرين على تسخيرها لحاجات حياتنا، بدلاً من أن تبقى حياتنا خاضعة لقوانين الطبيعة. وذلك هو ما جعل"جيكويو" يقول أيضاً: تغيروا، لأن البذور في اليقطينة ليست كلها من نوع واحد.‏

تلك الإنسانية، ثمرة عمل أيدينا وعقولنا وهي تناضل سوية لإخضاع الطبيعة، إنما هي ما يميز الكائن البشري عن الحيوان، وما يميز الشجرة وكافة الكائنات في مملكة الطبيعة.‏

أجبني عن هذا: هل ثمة مخلوق آخر قادر على احتباس واستعباد الريح، أو الماء، أو البرق والبخار؟ وقادر على ربط أرجلهم وسواعدهم بالسلاسل والإقفال عليهم، جاعلاً إياهم مساجين راضخين ومطيعين لحاجاته؟ لا، الطبيعة البشرية والطبيعة الحيوانية مختلفتان تماماً. الحيوانات تطأطئ الرأس أمام الطبيعة، يسمحون لها بتوجيههم ذات اليمين وذات اليسار، مثلما يضبط الصبية الصغار النقانق بصورة عرضية في النار. غير أن الكائن البشري يتصارع مع الطبيعة ويكافح لكي يخضعها لإمرته ومشيئته.‏

انظر إلى ثمار العمل المشترك لأيد كثيرة وعديدة: من طرق وسكك حديدية وقطارات وسيارات وأنواع عدة من العجلات التي تتيح للإنسان أن يجري أسرع من الأرنب البري أو أسرع من أسرع حيوانات الغابة؛ وطائرات تمنح الإنسان أجنحة أقوى وأسرع من أجنحة أي طائر في السماء، وقذائف أسرع من الصوت والبرق؛ وسفناً ثقيلة تطفو، بأعجوبة، فوق البحار العميقة دون أن تغوص كما غاص بطرس في بحر الجليل؛ وأجهزة هاتف ومذياع وتلفزيون، وهي مبتكرات من شانها أن تأسر صوت الكائن البشري ومعدنه، بحيث أن صورته وصوته يبقيان على قيد الحياة بعد أن يموت ويدفن ويفنى. أية معجزة يمكن أن تكون أكبر من ذلك؟ انظر إلى المدن التي شيدناها بأيدينا: مومباسا، نيروبي، ناكورو، ايلدوريت، كيتالي، كيسومو، روائيني وإيلموروج. انظر إلى القهوة والشاي وقصب السكر، والقطن، والأرز والفاصولياء والذرة التي أنتجناها من حفنة من البذور. أنظر إلى النار التي حبسناها داخل الأسلاك النحاسية التي تمتد من أنهار روئيرو، وآثي، وساجان، بحيث نستطيع الحصول على شموس وأقمار ونجوم في مدننا وفي منازلنا بعد أن خلدت شمس الطبيعة وقمرها ونجومها إلى النوم. لو أن ثمار ذلك التعاون لم تغتصب من قبل عشيرة الطفيليين، فأين تعتقد أننا سنكون نحن طائفة المنتجين اليوم؟ هل كنا لا نزال نعرف معنى البرد والجوع والعطش والعري؟‏

تلك الإنسانية هي قلب الإنسان لأن قلب الإنسان مرتبط ارتباطاً أزلياً مع نمو طبيعته كإنسان. فهل تستطيع أن تقول لنا ثمن القلب الآن، أيها التاجر الرخيص والأحمق؟‏

كان"موتوري" يلهث قليلاً من جراء حماسة نقاشه والأفكار الدائرة في رأسه. كان في أغلب الأحيان يقلب هذه الأفكار في ذهنه، ولكنه لم يسبق أن رتب تغليفها بالكلمات. كان مندهشاً مع نفسه، لأنه لم يستطع التعرف على مصدر هذه الأفكار الفلسفية.‏

لجأ"مواؤرا" إلى راكبه. قال مخاطباً"موتوري": وفقاً لرؤياك، ليس هناك قلوب طيبة أو قلوب سيئة. إنها جميعاً جزء من إنسانيتنا. إذ تذكر، كنا نتحدث عن الخير والشر. الآن، رؤيتك ورؤيتي متطابقتان. ليس في هذا العالم خير وشر وليس في هذا العالم قلوب طيبة وقلوب شريرة. القلب هو القلب. إن الحديث عن الجنة والنار لا يتعدى كونه جمعاً للحكايات التي من شأنها أن ترعب الأطفال. عم نتناقش ونتجادل؟ دع السلام ينتشر! وليكن هنالك أموال!‏

الجنة والنار؟ حشر"موتوري" نفسه في الحديث من جديد. كلاهما موجود، وهناك اختلاف بينهما، مثلما هناك اختلاف بين الخير والشر، وبين القلب الطيب والقلب السيء. اسمع. إن حيواتنا أرض معركة يجري الاقتتال عليها في حرب دائمة بين القوى التي تأخذ على نفسها تأكيد إنسانيتنا والقوى العازمة على تعريتها، بين القوى التي تكافح لبناء سور حماية حولها والقوى التي تريد جرها إلى الأسفل، بين القوى التي تسعى لصياغتها وتشكيلها، والقوى التي من شأنها تحطيمها، بين القوى التي تهدف لفتح عيوننا وجعلنا نبصر النور ونتطلع إلى الغد، متسائلين عن مستقبل أطفالنا، والقوى التي تريد أن تهدهدنا لإغماض عيوننا، وهي تشجعنا لكي لا نهتم اليوم بغير بطوننا، دون أي تفكير بمستقبل بلادنا.‏

إنها حرب بلا مشاهدين. ذلك لأن كل إنسان جزء من القوى التي يتم تجنيدها من أجل الخلق والبناء، وجعل إنسانيتنا تنمو وتترعرع لتغذية طبيعتنا الإنسانية وخلق فردوسنا الخاص بنا، وبذلك تضطلع بطبيعة الله- وهذه هي قوى طائفة المنتجين؛ أو أن يكون الإنسان جزءاً من قوى التدمير، والتفكيك، وإنهاك البنائين والمبدعين وقمعهم، تلك القوى التي تسعى لكبت إنسانيتنا، وتحويلنا إلى وحوش كاسرة لكي يتسنى لنا خلق جهنمنا الخاصة، وبذلك نضطلع بطبيعة الشيطان- وتلك هي قوى طائفة الطفيليين. هذا وكل قوة من القوتين تبني القلب الذي يعكس طبيعة طائفته. ولذلك يوجد قلبان، القلب الذي بنته طائفة الطفيليين وهو قلب الشر؛ والقلب الذي بنته طائفة المنتجين وهو القلب الطيب.‏

إن أفعالنا هي التي تبين على أي الطرفين نحن وبذلك تبين أي نوع من القلبين نحن نبني. ذلك لأن أيدينا، وأعضاءنا، وأجسادنا، وطاقتنا تشبه سيفاً حاداً. وهذا السيف، في يد المنتج، يستطيع أن يحرث ويجعل الغذاء ينمو، ويستطيع أن يدافع عن الحراث، بحيث أن بركات وثمار عرقهم لا تغتصب منهم! والسيف نفسه، في أيدي الطفيليين، يمكن أن يستخدم لتخريب المحاصيل أو حرمان المنتجين من ثمار صناعتهم.‏

في يدي المنتج يملك سيف النار القدرة على فعل الخير، أما في يدي المتطفل فإن لسيف النار القدرة على فعل الشر. إن أفعال سيف النار تصور الطبيعة الخيرة والشريرة سواء بسواء. والشيء نفسه صحيح بالنسبة لعمل أجسادنا.‏

قال"جيكويو" مرة: لم يكن النمر يعرف كيف ينبش بأظافره، بل تعلم ذلك. هذا صحيح، ولكن النمر كان يملك دائماً المخالب والقدرة على الحفر. فهل تراه يحفر لقتل أطفاله؟ أم تراه يحفر لقتل أعدائه؟‏

ثمة أمر واحد مؤكد. ما تم فعله لا يمكن إلغاؤه. إن أفعالنا هي اللبنات التي نستخدمها لكي نشيد قلباً رديئاً أو قلباً طيباً.‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 02:47 PM
إن القلب يصبح بدوره المرآة التي نستطيع من خلالها أن ننظر إلى أنفسنا وعملنا على هذه الأرض. وإذا كنت لا تريد مرآة تعكس الخير والشر معاً، فليس لك محل هنا على الأرض. عليك أن تكون سريعاً في ذلك: ادفع بقلبك إلى السوق، فتبقى لإنسان. في تلك الأيام التي تعرفونها جميعاً، اعتدنا أن نغني أغنية خاصة. والأغنية تجري على النحو التالي:‏

حتى وإن تتنهد وتنتحب‏

بسبب ذنوبك‏

إلى أن تدخل في خدمة وطنية لمساعدة الوطن‏

لن تجد السلام أبداً مطلقاً.‏

عندما ضللت ولم تستطع رؤية الطريق‏

للحياة.‏

كان الدليل معتاداً على الإشارة للطريق الوحيدة.‏

وحدة الشعب المنظمة.‏

أيها السائق! ثمة طريقان: طريق يقود الناس إلى الموت وطريق يقود الناس إلى الحياة. أرني طريق الموت، أرك طريق الحياة. أرني طريق الحياة، أرك طريق الموت. ذلك لأن الطريقين يلتقيان في أفعال كل إنسان، وهو يبني القلب الذي يريده... يا"مواؤرا"، لقد أخبرتنا قبل هنيهة عن أول قانون من قوانين الضبع، هل ذلك صحيح؟ إنني أسألك: الضبع الذي حاول السير على طريقين في آن واحد- إلى أين انتهى؟ يا"مواؤرا":‏

اختر طريقاً واحداً وتشبث به. بهذا أنهى موتوري كلامه.‏

لقد اخترت طريقي منذ عهد بعيد، أجابه"مواؤرا".‏

أي طريق هو؟ سأله"موتوري".‏

الطريق إلى الموت، أجاب مواؤرا، وهو يضحك قليلاً، وكأنه يمزح. أين تظن أنك تتجه الآن؟ سأل مواؤرا ساخراً. وخيم على السيارة صمت مطبق.‏

(6)‏

سمعت"وارينجا" طنيناً في رأسها، وكأن ناموسة حبست في داخله. كان قلبها يدق مثل قلب شخص قضى النهار كله يدور ويدور حول سياج"ميتجو وابانيا" في"حديقة المدينة" في نيروبي، وهو يبحث عن طريق للهرب والنجاة. لم تتابع المناقشة بين"مواؤرا" و"موتوري" بوضوح، سواء من أين بدأت أو إلام أفضت، ذلك لأنها في وسط الاستماع والإنصات كانت تجد نفسها فجاءة تعود إلى مشاكلها الخاصة: "جون كيموانا"، "بوس كيهارا"، والعمل الذي فقدته، وطردها من منزلها، وانتحارها الذي حاولته، والشاب الذي أمسك بيدها، والدعوة إلى مهرجان الشيطان، والمنافسة بين السرقة واللصوصية- وكل هذا الحديث الآن عن الموت والحياة والروح. فتساءلت: متى سأصل إلى البيت حتى أستطيع أن أريح ذهني وجسدي؟ هل ستنتهي مشاكلي؟ متى بدأت؟ أين؟ ومع من؟‏

تذكرت وارينجا العجوز الثري من"نجوريكا"، "ناكورو"، قبل عهد بعيد، فأحست بأن جسدها كله يمتلئ مرارة.‏

قطع"جاتويريا" أتون سيل أفكار"وارينجا". وقال بصوت عال: أرجوكم، انتظروا لحظة!. نظر إليه"موتوري" و"وانجاري" و"وارينجا" والرجل صاحب النظارات السوداء. أدار"مواؤرا" رأسه قليلاً، ثم نظر ثانية إلى مقود السيارة والطريق.‏

أخفض"جاتويريا" صوته وقال: أرجوكم، اسمحوا لي بسؤال.‏

تردد جاتويريا مثل شخص يتحرق للوصول إلى جوهر مسألة هامة ولكنه غير واثق من أين يبدأ.‏

هيا، وجه سؤالك. قال"مواؤرا" مشجعاً. لا أحد يعتقل بسبب توجيه الأسئلة. آه، ولكن في كينيا هذه الأيام؟ غمغم موتوري بالتساؤل.‏

لا تقلق، راح"مواؤرا" يشجع جاتويريا. عندما تكون في سيارة"مواؤرا" طراز فورد .ت، فأنت في لب الديموقراطية.‏

أوه، نعم، إنك مصيب في ذلك، قالت"وانجاري" مؤيدة. إن السيارات هي المكان الوحيد المتبقي حيث يستطيع الناس مناقشة الأشياء بحرية. في السيارة تستطيع أن تطلق العنان لأفكارك دون أن تلقي نظرة أولية من فوق كتفك لرؤية من يستمع إليك.‏

حين تكون في سيارتي، فأنت داخل سجن أو قبر. ليس ثمة ما لا تستطيع أن تحكيه.‏

إن جدلكم، آسف، إن نقاشكم... عفواً... ثم توقف"جاتويريا" عن الكلام ثانية.‏

كان"جاتويريا" يتكلم لغة"جيكويو" مثل كثير من المثقفين في كينيا- أولئك الذين يتأتئون كالأطفال الصغار حين يتحدثون بلغتهم الوطنية ولكنهم يتحدثون بطلاقة في اللغات الأجنبية. كان الاختلاف الوحيد هو أن"جاتويريا" في أقل الدرجات على معرفة بأن استعباد اللغة هو استعباد للفكر والذهن وليس شيئاً يفتخر به ويعتز. غير أنه في حمأة النقاش كان بوسع"جاتويريا" التحدث بلغته دون توقف، أو تردد أو رجوع إلى اللغة الإنكليزية.‏

يحكى أن الاختلافات في الرأي تولد الكراهية. ولكن حيث يكون هنالك تضارب، تنبت براعم من الحقيقة، قالت ذلك"وانجاري" "لجاتويريا" على سبيل التشجيع.‏

تنحنح"جاتويريا"، ثم حاول الكلام مرة أخرى. "لا أستطيع أن أرى تماماً الاختلاف... آسف، أعني الاختلاف بين موقفيكما.... دعوني أسأل.... آسف، أقصد دعوني أطرح عليكم السؤال. هل تعتقدون أن الله والشيطان موجودان، وأقصد أنهما على قيد الحياة مثلكم ومثلي؟‏

إذا كان الله موجوداً، قال"مواؤرا"، فالشيطان موجود. ولكنني شخصياً لا أعرف.‏

ولكن ماذا عن الإيمان والاعتقاد؟ ماذا تعتقد أنت؟ ألح جاتويريا بالسؤال.‏

أنا؟ أيها الشاب. أنا لا أنتمي لتلك الكنائس التي تنتمي إليها. الشغل هو معبدي والمال هو إلهي. ولكن إذا كان يوجد إله آخر، فلا بأس. إنني في بعض الأحيان أصب قليلاً من الشراب لأجله، حتى لا يفعل بي ما فعله مرة مع"جوب" Job. أنا لا أفحص العالم فحصاً دقيقاً جداً. ألم أقل سابقاً: إن يمل بهذا الاتجاه، فأمِلْ معه. الأرض كروية، وهي تتغير، ذلك هو ما دفع جيكويو إلى القول: إن الشمس لا تشرق بالطريقة التي تغرب فيها. ليس الحذر علامة على الجبن. ليس عندي أسئلة كثيرة أطرحها. أرني أين النقود، وسوف أنقلك إلى هناك.‏

ماذا عنك؟ سأل"جاتويريا" "موتوري" بعد أن فرغ"مواؤرا" من كلامه.‏

أنا؟ إنني أؤمن وأعتقد.‏

ماذا؟‏

أن الله موجود.‏

وتؤمن أنه على قيد الحياة؟‏

أجل.‏

والشيطان؟‏

إنه موجود أيضاً.‏

وهل هو على قيد الحياة أيضاً؟‏

أجل، إنه على قيد الحياة.‏

هل تؤمن حقاً بهذه الأشياء؟‏

نعم! أؤمن بها حقاً.‏

ولكنك لم تر أياً منهما بأم عينيك؟ وجه"مواؤرا" هذا السؤال" لموتوري".‏

كان هذا الشاب يسأل عن الإيمان، أجاب"موتوري". أنا أعتقد أن الله والشيطان صورتان عن أعمالنا في أدمغتنا ونحن نصارع الطبيعة بصورة عامة، ونصارع الطبيعة الإنسانية على وجه الخصوص، في سعينا وراء شيء نأكله أو نرتديه أو نأوي خلفه لكي نتقى حرارة الشمس والبرد والرياح. إن طبيعة الله هي صورة الخير الذي نعمله هنا على الأرض. السؤال المهم هو هذا: ما هي أفعال الشر وما هي أفعال الخير؟ أيها الشاب، إنك تجعلني أكرر الكلمات التي قلتها ورميتها وراء ظهري. ثمة نوعان من بني الإنسان: الإنسان الذي يعيش بوساطة عرق جبينه والإنسان الذي يعيش على عرق الآخرين. هناك يكمن اللغز، ولذلك حل ذلك اللغز وأعطيك قطعة أرض، لأنك على مايبدو على معرفة ودراية بالدراسة والكتب.‏

من عرق وجهك، بدأت"وانجاري" تتكلم وكأنها تقرأ من إنجيل مفتوح أمامها، من عرق وجهك سوف تأكل الخبز، حتى تعود إلى الأرض. أغلقت"وانجاري" الإنجيل الذي كان في ذهنها واتجهت نحو"جاتويريا": ذلك لغز آخر، وعليك حله أيضاً، بحيث نستطيع جميعاً سماع الجواب. وخذ قطعة أرض مني أيضاً.‏

لن آخذ كثيراً من قطع الأرض لأنك من نساء العشيرة، أجاب"جاتويريا" وهو يضحك قليلاً.‏

أوه، إذاً فأنت تتحدث لغة"جيكويو" جيداً وكنت أحسب أنك تعرف لغة"طاب صباحك" فقط. قالت له"وانجاري" بخفة ودعابة.‏

أحس"جاتويريا" أنه مرتاح بشكل من الأشكال.‏

ثم أجاب"جاتويريا": تعودت الاستماع إلى مباريات الألغاز قبل أمد طويل. ولكنني الآن غير قادر على حل أبسط الألغاز. وإذا ما تعين علي التنافس معك، فإنك ستكسبين كل قطع الأرض إلى أن تحصلي على أملاكي بكاملها. ولكن دعينا نرجع إلى أساس الموضوع. إن علي أن أقول: إنني شعرت أن حديثك أحيا الوساوس والصراعات التي كنت أعيشها في داخلي منذ عهد طويل. وأنا أقصد، أن عندي عقدة في قلبي وسوف أكون مسروراً جداً إن تساعديني على فكها أو حلحلتها قليلاً.‏

توقف"جاتويريا" مرة ثانية.‏

أحست"وارينجا" أن صوت"جاتويريا" تغير. شعرت بالخوف فجأة، وكأنها سمعت ذلك الصوت في مكان آخر، قبل أمد طويل، غير أنها لم تستطع تحديد المكان. قررت أن ما أثار الخوف هو رغبة جامحة لمعرفة نوع العقدة التي كانت تزعج جاتويريا.‏

كان الركاب الآخرون جميعاً يجلسون متنبهين، وتواقين لسماع الحكاية. لكأنهم كانوا يخشون أن تكون عقدة"جاتويريا" مشابهة للعقدة التي يحملها كل منهم.‏

سحج"جاتويريا" حنجرته مرة ثانية. نظر إلى"موتوري" وقال: إنك تتحدث وكأنك تعرف أنني جئت من الجامعة، وهذا صحيح، إنني من هناك. إنني واحد من طلاب البحث في الثقافة. إنني طالب بحث صغير في الثقافة الإفريقية. إن ثقافتنا... آسف، أقصد إن ثقافتنا طغت عليها الثقافات الغربية الإمبريالية. ذلك ما نسميه في اللغة الإنكليزية الإمبريالية الثقافية. والإمبريالية الثقافية هي مصدر عبودية العقل والجسد، لعمري إن الإمبريالية الثقافية هي التي تولد العمى والصمم العقلي اللذين يدفعان الناس للسماح للأجانب بتعليمهم ما يفعلونه في بلادهم، وجعل الأجانب آذاناً وأفواهاً لقضاياهم الوطنية، متناسين القول المأثور: إن من يعش في البرية وحده الذي يعرف ماذا تشبه. ومن ثم لا يمكن للأجنبي أن يصبح من قريب أو بعيد المرشد الحقيقي لشعب آخر. وعن جيلنا غنى المنشد:‏

الأصم، الأصم،‏

الأصم هو من لا يستطيع السماع من أجل الوطن!‏

الأعمى، الأعمى،‏

والأعمى هو من لا يستطيع الرؤية من أجل الوطن!‏

دعونا ننظر حولنا الآن. أين هي لغاتنا القومية الآن؟ أين هي الكتب المخطوطة بأبجدية لغاتنا القومية؟ أين هو أدبنا الخاص الآن؟ أين هي حكمة ومعرفة آبائنا الآن؟ وأين هي فلسفة آبائنا الآن؟ إن مراكز الحكمة التي اعتادت حراسة المدخل إلى بيت الأجداد هُدمت على بكرة أبيها، كما سمح لبريق الحكمة أن يخبو ويزول، ورميت المقاعد التي كانت تحيط بموقد النار على كومة قمامة؛ ودمرت مراكز الحراسة؛ كما علق شباب الوطن دروعهم ورماحهم. والمأساة أنه ليس ثمة مكان يمكن أن نذهب إليه لتعلم تاريخ بلادنا. الطفل بلا أبوين ينصحانه ويشيران عليه، ما الذي يمنعه من الوقوع في الخطأ فيعتبر البراز الأجنبي طبقاً وطنياً لذيذاً؟‏

حكاياتنا، ألغازنا، أغانينا، عاداتنا، تقاليدنا وكل شيء بالنسبة لإرثنا القومي قد ضاع بالنسبة لنا.‏

من يستطيع أن يعزف"الجيكاندي" لنا اليوم ومن يقرأ ويفسر الأشعار التي دونت على حبة القرع؟ من يستطيع اليوم أن يعزف"الوانديدي" والكمان ذا الوتر الواحد، فيجعله يبدو مثل صوت شاب يافع يخطب ود حبيبته وهي عائدة من التقاط البازلاء في البساتين، أو وهي تحضر الماء من كهف في الوادي، أو وهي تستخرج الغشاء المغذي من نباتاته، أو وهي تقطِّع قصب السكر في منحدرات الوديان؟ من يستطيع اليوم أن يعزف قيثارة الخيزران، التي يجعل صوتها قلب الشاب اليافع والفتاة العذراء يدقان في انسجام وهما ذاهبان إلى الحقول لإفزاع العصافير من أصابع الجاورس(الدخن)، بينما يصب القمر نوره على الأرض.‏

ذلك هو ما يدفع بعض الناس في الجامعة، من طلاب ومدرسين، لكي يحاولوا الآن اكتشاف أصول ثقافتنا.. هذا ويمكن البحث عن جذور الثقافة القومية الكينية في تقاليد الجنسيات كافة في كينيا فقط.‏

أنا، على سبيل المثال، أعمل في قسم الموسيقا، الذي يهتم بالموسيقا. وبالأدوات الموسيقية واستخداماتها. إنني أدرس الأدوات التراثية بالدرجة الأولى- من طبول وقيثارات وصنوج وخشاخش والأوريكس، والأبواق- وكافة أنواع الأدوات الوترية، مثل القيثار والكمان ذي الوتر الواحد.‏

إنني مؤلف موسيقي أيضاً. وطموحي وحلمي هو تأليف مقطوعة موسيقية من أجل عدد كبير من الأصوات البشرية بمرافقة أوركسترا قوامها كافة أنواع الأدوات القومية: من جلدية وهوائية ووترية ونحاسية. لقد ألفت عدداً من الأغاني. غير أنني لم أجد حتى الآن لحن أو موضوع موسيقى أحلامي. إنني أبحث ليل نهار عن اللحن والموضوع، ولكن دون جدوى.‏

لا يمكنكم أن تعرفوا مدى الألم الذي أحمله في قلبي.‏

في الغالب، عندما أكون بمفردي في كوخ تغطيه الأعشاب ونباتات السرخس أثناء هطول المطر أو عصف الرياح، أو عندما أكون مستلقياً وحدي في الليل والقمر ينير الأرض، أستطيع أن أسمع الأصوات العديدة التي قضت، والأصوات العديدة التي تعيش الآن، والأصوات العديدة التي ستأتي إلى الحياة، وكلها تغني لي همساً. وفي أوقات كهذه، أشعر وكأني على وشك الإمساك باللحن والإيقاع وبموضوع الموسيقى التي كنت دائماً أتحرق لكتابتها, ولكنها تنساق بعيداً، محمولة على أمواج الريح.‏

وفي أوقات أخرى، عندما أستلقي تحت ظلال شجرة وارفة أو أمشي وحيداً في السهول أو بجانب شاطئ البحر، أسمع غالباً بمسامع قلبي الكمان والأبواق يعزفها كورس من الرعاة في السهوب، وصوت طبول البلاد كلها وهي تدعو شباب الوطن للذهاب إلى الحرب، ثم أسمع ألف صنج وخشخيشة يهزها أبطالنا الوطنيون وهم ينشدون أغاني النصر، ثم أصوات النساء وهن يزغردن إطراءً لأبنائهن المنتصرين. وفجأة أسمع صوت البوق الوطني وهو ينفخ زهواً وانتصاراً، إضافة إلى أبواق الأوريكس وآلات أخرى وهي تتجاوب معها طرباً وفرحة. ثم أسمع أصوات وألحان كافة الرجال وكافة الأدوات وهي تنطلق سوية لتنتهي بصوت واحد في عدة أصوات، أو بأصوات عدة في صوت واحد، مثل جوقة من الملائكة الدنيويين وهي تحتفي معتزة بالمآثر البطولية الخاصة بالوطن.‏

وأمسك بالقلم والقرطاس لكي أدون رسالة الأصوات قبل أن تذروها الرياح.‏

يا بني قومي، ماذا بوسعي أن أقول لكم الآن؟‏

هل حلمتم في حياتكم بالفاكهة المعلقة تماماً فوق الرأس وأنتم في حالة عطش كبير تحت شمس لاذعة محرقة خلال شهر مجدب وعندما ترفعون أيديكم لالتقاط الفاكهة من أجل ترطيب لسانكم الظميء، فإذا بالثمرة ترتفع رويداً رويداً بعيداً عن متناول اليد وتختفي في السماء؟ "ها أنا هنا! ها أنا هنا! ولكن بما أنكم رفضتم التقاطي فإنني سأبتعد.... أو لعل ذلك هو ما يبدو أنها تقوله، تعذبكم لمجرد استثارة شهيتكم ورغبتكم. وعلى هذه الصورة تعذب الأصوات والآلات شهيتي.. غير أنني عندما أباشر كتابة الموسيقا وتدوينها، مع الأسف، أرى أن الموسيقا والكمان لم يعد لها وجود هناك.‏

أعزي نفسي بالادعاء أن الأمر سيان: من تراه ربح عن طريق التوجع والأنين؟‏

وأبدأ البحث الكامل الشامل من جديد. إنني شخصياً أسأل سؤالاً طرحته مرات عدة: ماذا بوسعي أن أفعل لكي أؤلف موسيقا قومية حقيقية لبلادنا كينيا، موسيقى تعزفها جوقة قوامها أدوات كافة الجنسيات التي تشكل الأمة الكينية، موسيقى نستطيع نحن، أبناء كينيا، إنشادها بصوت واحد نابع عن أصوات عدة- هارمونيا في تفرع الأصوات وتعددها.‏

قضيت ليالي عدة بلا نوم. إن المؤلف العاجز عن تلمس اللحن والموضوع والإيقاع الخاصة بموسيقاه إنما هو محارة في شكل مخلوق بشري.‏

في غضون سنة أو قرابة ذلك بعد عودتي من الخارج، كنت أشبه بالمزارع الذي يحاول استئصال شجرة صمغ زرقاء بعصا حفر مثلمة ولم أستطع الوصول إلى أسفل الجذر الذي كنت في إثره....‏

لخص"جاتويريا" حكاية بحثه أو سعيه الأزلي. ولم يتكلم أحد.‏

شعرت"وارينجا" بالقلق، ولكنها لم تعرف السبب، هل كان ذلك بفعل كلمات جاتويريا، أم طريقة سرده لحكايته، أم من مجرد صوته في الكلام؟‏

كان صوته يشبه صوت رجل أمضى أياماً عدة وهو يحمل حملاً ثقيلاً من المشاكل العويصة أو أمضى ليالي طويلة من الأرق وهو يصارع الأسئلة التي لا يستطيع إيجاد أجوبة عليها. لماذا ختم قصته عند هذه النقطة؟ راحت وارينجا تسأل نفسها. وما هي العقدة التي كان يريد المساعدة في فكها وحلها.‏

اتجه"جاتويريا" إلى"وارينجا" وكأنه تمكن من قراءة أفكارها. غير أنه قبل التمكن من مواصلة القصة مرة ثانية، أخذ الرجل الذي يلبس النظارات السوداء يتحدث بالإنكليزية قائلاً: إذاً أنت من هيئة التدريس بالجامعة؟‏

أوقع صوت الرجل الذهول لدى بقية الركاب. كانت هذه أول كلماته منذ دخل السيارة عند موقف"سيجونا". فقد ظل قابعاً في ركنه طيلة الرحلة وكأنه كان يخشى من الاغتيال في سيارة"مواؤرا"‏

أجل، أجل، أنا من هيئة البحث. أجابه"جاتويريا" بالإنكليزية.‏

وإذاً فأنت تعرف الأستاذ"نجاريكوما" والأستاذ"جاتوي جايتموبي"؟‏

نعم، الأستاذ"نجاريكوما" في فرع العلوم السياسية، أما الأستاذ"جايتموبي" فهو في قسم التجارة والاقتصاد.‏

وماذا عن الأستاذ"كيمين يوجيني".؟‏

إنه في قسم التاريخ. ولكنه لا يعرف سوى تاريخ أوروبا.‏

والأستاذ"باري كويري"؟‏

إنه في فرع اللغة الإنكليزية- الأدب الإنكليزي، غير أنه يحاضر أحياناً في فرع الفلسفة والدين.‏

أفهم، أفهم، قال الرجل الذي يرتدي النظارات السوداء، بصوت يدل على أنه أكثر اطمئناناً وراحة بال.‏

- انتظر الباقون منه أن يسأل سؤالاً آخر أو أن يضيف شيئاً آخر، لكنه لم يتكلم ثانية، ظهر، من ناحية أخرى، أنه الآن أقل تخوفاً بكثير وأنه جلس مكانه بارتياح أكبر. ثم استأنف جاتويرياً قصته.‏

أقبل النهار الذي اعتقدت أنني سأرى فيه النور على الأقل. إذ إن رجلاً عجوزاً من قرية باهاتي في "ناكورو"..‏

"باهاتي"، هل قلت باهاتي"؟ صرخ "مواؤراً" هل "باهاتي"، باهاتي في ناكورو؟ أجل، أجاب "جاتويريا، ما الأمر؟‏

لا شيء.. لا شيء ذو أهمية. تابع حكايتك. قال "مواؤراً بصوت مضطرب على أية حال، إن رجل "ناكورو"، من قرية باهاتي هو الرجل الذي هداني الطريق. ذهبت إليه وقلت له متوسلاً: أيها الأب، احك لي قصصاً قديمة -قصصاً عن الغيلان والحيوانات. كان صامتاً. نظر إلي، ثم ضحك قليلاً، قال لي: ليس ثمة فارق بين الحكايات القديمة والحديثة. الحكايات حكايات. كل القصص قديمة. وكل القصص حديثة. القصص كلها تخص الغد والمستقبل. والقصص ليست عن الغيلان أو عن الحيوانات أو عن البشر. القصص كلها عن المخلوقات البشرية. أيها الفتى، أنا لا أستطيع فهم نمط التربية التي تتلقونها في هذه الأيام ونمط التعليم الذي ترغبون اكتسابه وراء البحار على مدار سنوات عدة. كم عددها؟ خمس عشرة سنة؟ هل سبق أن علموكم بأن الأدب هو كنز الأمة وذخيرتها؟ إنما الأدب هو الشهد لروح الأمة، يحافظ عليه لكي يتذوقه أبناؤها على مر الأيام، قليلاً في كل حين. لقد قال "جيكويو": إن من يدخر شيئاً لا يجوع بتاتاً. هل تحسب أن "جيكويو" كان أحمق حين قال ذلك؟ إن الأمة التي تتنازل عن أدبها هي أمة باعت روحها وبقيت مجرد محارة. غير أن من الجميل أنك أتيت. قل نعم، وسوف أروي لك القصص التي أتذكرها.‏

كان الوقت مساءً، وبعد آنٍ قصير من حلول الظلام. كان لهب مصباح الصفيح الذي ليس له زجاجة يتماوج مثل علم أحمر اللون مع الريح، فجعل بذلك خيالينا كلينا يلعبان على جدران غرفة العجوز المربعة الشكل.‏

روى العجوز لي أول ما روى عن مزارع فلاح اعتاد أن يحمل الغول على ظهره. غرز الغول أظافره الطويلة في عنق الفلاح وكتفيه. لقد كان الفلاح هو الذي يذهب إلى الحقول للحصول على الطعام، وهو الذي يذهب إلى الوديان لإحضار الماء، وهو الذي يذهب إلى الغابة للحصول على الحطب وهو الذي يقوم بالطبخ أما عمل الغول فهو تناول الطعام لينام فيما بعد على ظهر الفلاح نوماً عميقاً.‏

صار الفلاح أشد هزالاً وأكثر اكتئاباً في نفسه، فيما كان الغول يزداد رفاهاً ونضرة، إلى حد أنه صار مدفوعاً لترتيل التسابيح التي تحض الفلاح على تحمل قسمته ونصيبه على الأرض بجلد وصبر، لأنه سوف يجد راحته فيما بعد في جنان الخلد. وفي يوم من الأيام، ذهب الفلاح إلى أحد العرافين. قال العراف له: إن الحل الوحيد هو أن يغلي شيئاً من الزيت ويصبه على أظافر الغول أثناء نومه العميق. فقال الفلاح: وماذا لو أحرقت عنقي وكتفي؟ قال العراف: لم يتأتّ أبداً شيء حسن عن شروط تامة. امض إلى البيت. ولم ينج الفلاح من موت محقق إلا عندما فعل ما نصح العراف به.‏

كانت الحكاية الثانية عن فتاة، بجمال أسود اللون وفجوات مغرية بين أسنانها كانت تسمى "نيانجيرو كانياراري" لأسباب ثلاثة: كانت سوداء، وكانت جميلة حقاً، كما أنها رفضت طلب الزواج من جميع الشبان في بلدها. ولكنها عندما شاهدت شاباً من بلد أجنبي في يوم من الأيام فقد ادعت على الفور أنه الشاب الذي كانت تنتظره، لحقت به. وهل تعرفون ماذا؟ لقد كان الأجنبي الشاب غولاً من أكلة البشر. ولقد مزّق أطراف نيانجيرو واحداً بعد الآخر والتهمها.‏

أما الحكاية الثالثة فهي الحكاية التي خلّفت ندبة ثابتة في فؤادي كيف سأحكيها لكم؟ إنني أتمنى لو أتمكن من محاكاة أسلوبه في سردها، والطريقة التي كان يرفع ويخفض صوته بها على سبيل المثال. لكن لا، إنني لا أستطيع حتى محاولة ذلك. إن نمط التربية المورث لنا عن طريق البيض قد قص جوانح قدراتنا فتركنا نعرج في سيرنا كالطيور الجريحة. دعوني أحكي لكم بإيجاز الحكاية التي رواها لي العجوز من قرية "باهاتي" بحيث تتمكنون من معرفة أين تكمن العقدة التي تحدثت عنها.‏

بدأ روايته بعدد من الأقوال المأثورة. وأنا لا أستطيع تذكرها جميعاً غير أنها كانت كلها عن الجشع والنزوة. حدثني أنه على الرغم من أن "ريح" الغني ليس له رائحة، وأن الغني سيستغل حتى المعبد المحظور المقدس، ومع ذلك فإن كل شخص ينبغي أن يعرف بأن من اعتاد على الرقص لا يستطيع الآن سوى المراقبة والتفرج بينما يرقص الآخرون، ومن اعتاد القفز فوق النهر لا يستطيع الآن سوى الخوض فيه. إن يملك المرء كثيراً جداً يتشجع على الغرور واتباع النزوات، وإن يملك قليلاً، فليس له إلا التفكير. إن الإفراط في الجشع قد يدفع الإنسان لبيع نفسه بشكل رخيص. "أيها الفتى، اسعَ وراء الرزق ولكن إياك أن تعرض عريك على الله، وإياك أن تحتقر الناس. إن صوت الشعب هو صوت الله" لماذا أقول هذه الأشياء؟‏

قبل عهد طويل جداً عاش عجوز يدعى "ندينجوري". لم يكن "ندينجوري" هذا يملك كثيراً من الأطيان. غير أنه كان يملك روحاً غنية وموهوبة كان محترماً جداً بسبب استبساله كلما هاجم العدو القرية، وبسبب حكمة قلبه ولسانه. لقد حافظ على ثقافة وطنه وتقيّد بكافة الطقوس اللائقة. كان في أحيان كثيرة يضحي بعنزة ويصب قليلاً من الجعة على الأرض من أجل أرواح الخير، وهو يطلب منها تخليصه من الشرور التي ربما تأتت عن عيوبه الخاصة أو دخلت بيت الأجداد من خلال حقد وبغضاء أرواح الشر. لم يكن رجلاً خاملاً كسولاً، بل كان قادراً على تأمين ما يكفي من المطعم والملبس له ولأفراد أسرته. أما مالم يكن يعانيه فهو رغبة جامحة جشعة إزاء قطعان الآخرين أو الأراضي التي تخص عشيرته أو غيرها من العشائر. إن افتقاره للجشع فضلاً عن سخائه الذائع الصيت منعاه من جمع وتكديس الثروة التي كانت تجعل بعض المسنين يرتدون الخواتم على أناملهم ويتركون حراثة الحقول وتربية الماشية للعبيد، والخدم، والعمال والفلاحين وزوجاتهم وأطفالهم، بينما كانوا يومياً يقيمون الحفلات على جعة العسل. "أليدان تبنيان الرجل": هذا هو ما كان يؤمن به "ندينجوري".‏

وذات يوم، هاجم طاعون غريب القرية. دمر الطاعون كافة أملاك "ندينجوري" وأصاب عنزته داخل حظيرتها الخاصة. ماذا بوسع "ندينجوري" أن يفعل الآن؟ فسأل نفسه: لماذا حل بي ذلك، وقد كنت دائماً أضحي للأرواح الخيرة بالماعز وأسكب الجعة لها، لماذا انقلبت ضدي الآن؟ سوف لا أضحي بشيء من أجلها مرة ثانية.‏

في صباح باكر، وقبل انبلاج الفجر، ذهب "ندينجوري" إلى كهف معين تسكنه أرواح الشر. قابلته عند مدخل الكهف روح على شكل غول. كان شعره طويلاً وبلون جلد الخلد وكان منسدلاً حتى الكتفين، مثل شعر البنت كان له زوج من الأفواه، واحد في جبينه والثاني في مؤخرة رأسه. أما الفم الموجود في مؤخرة رأسه فكان مغطى بشعره الطويل، ولم يكن يُرى إلا عندما تعصف الريح وتدفع الشعر جانباً. سألته روح الشر: لماذا حضرت إلى كهفي بيدين خاويتين. هل يحمل الإنسان سلة فارغة إلى السوق إذا كان يرسم لمقايضة سلعه؟ هل تخلت عنك الأرواح التي كنت دائماً تقدم لها الأضاحي؟ هل تظننا لا نحب الأضاحي مع بعض الجعة لغسل اللحم؟‏

رد عليها "ندينجوري" أن الفقر هو الذي جاء به إلى هناك. إن سخاء الفقير يظل رهينة في القلب. ضحكت روح الشر بمكر وقالت: ألم أسمع أنك تملك نفساً غنية؟ ليس ثمة شيء جيد يتأتى عن شروط كاملة. سوف أمنحك الثراء والأنعام، ولكن عليك أن تعطيني روحك، وعليك ألا تضحي مرة ثانية لأرواح الخير، لأن الخير والشر لم يكونا في يوم من الأيام أصحاباً. سأل "ندينجوري" نفسه: ما هي الروح؟ إنها مجرد صوت هامس. ثم قال لروح الشر: خذي روحي. وقالت له روح الشر: لقد استوليت عليها. انصرف الآن. اذهب إلى بيتك وتقيّد بهذه الشروط: أولاً، يجب أن لا تخبر أي شخص بأنك إنسان بلا روح. ثانياً، حين تصل إلى البيت، أمسك بالطفل الذي تحبه حباً جماً، ثم اثقب واحداً من أوردة عنقه، واشرب دمه بكامله حتى يصبح جسده كله جافاً، ثم اطبخ الجسد وكل اللحم. لقد حولتك، يا "ندينجوري"، إلى واحد من أكلة لحوم البشر وشارب لدمائهم. فقال "ندينجوري". ماذا! كيف يمكن أن يكون ذلك؟ هل يتعين علي تدمير جمال أطفالي؟ ثم قالت روح الشر: هل نسيت الآن أنه لم يعد لك روح وأنك بعتها مقابل الثروة والملكية؟ اسمع، من الآن فصاعداً، لن تكون قادراً على رؤية جمال الأطفال، أو جمال النساء أو أي بشر آخرين. ستكون قادراً فقط على رؤية جمال الملكية. اذهب الآن، اذهب إلى البيت. افترس أشباح الناس الآخرين. ذلك هو العمل الذي أوكله إليك حتى ذلك اليوم الذي أحضر به لاصطحابك.‏

منذ ذلك اليوم فصاعداً، بدأ "ندينجوري" يضرط ملكية ويتبرز ملكية، يعطس ملكية وينبش ملكية، ويضحك ملكية ويفكر ملكية ويحلم ملكية ويتحدث ملكية ويتعرق ملكية ويتبول ملكية. صارت الملكية تفر من أيدي الآخرين كيما تحط على راحتي ندينجوري. أخذ الناس يتساءلون عجباً: كيف جرى أن تهرب أملاكنا من بين أناملنا إلى يدي "ندينجوري"؟ والأنكى من ذلك أنه الآن يلبس خواتم حديدية على أصابعه، مما كان يمنعه عن العمل شخصياً.‏

تغيرت شخصية"ندينجوري" وسلوكه صار خسيساً وصار جلفاً متوحشاً. كان دائماً يتورط بقضايا قانونية وهو يستولي على أراضي الآخرين، موسعاً بذلك حدود أملاكه أبعاداً وإبعاداً. هجره أصحابه. وأخذت خسته تنتأ كما تنتأ براعم حبة البطاطا الحلوة. عندما كان الناس يموتون من الجوع، كان "ندينجوري" من أسعد الناس لأنه في مثل هذه الأوقات يكون الناس على استعداد للتخلي عن أملاكهم مثلما يتخلصون من القدور المكسرة.‏

شرع الناس في قريته يسألون أنفسهم: أين ذهب لسانه اللطيف؟ ما هو ذلك الشيء الذي يأكله في منتصف الليل، مثل الساحرة؟ عندما يرى ملكية رجل آخر، يسيل لعاب فمه: وعندما ينال ملكيته هو، يجف فمه بسرعة. انظر الآن كيف يزداد ظله كبراً، بينما تصبح أظلتنا أصغر فأصغر. هل يمكن أن يكون الأمر هو أن أظلته تبتلع أظلتنا، فتجعلنا نتساقط صرعى واحداً إثر واحد؟‏

أرسل وفد من المسنين، رفاق "ندينجوري"، لكي يذكره بأن ما من إنسان يحفر حفرة عميقة في ساحة القرية، لأن أطفاله قد يسقطون فيها قالوا له: يا "ندينجوري"، يا ابن كاهاهامي، استمع لصوت الشعب. ليس في أذنيك شمع -أو إذا كان فيهما ذلك، فخذ كسرة خشب وانزعه.‏

إن صوت القرية هو صوت سلسلة الهضاب، وصوت البلاد، بله صوت الأمة، وهو صوت الشعب. وصوت الشعب، يا ندينجوري، هو صوت الله. نحن هنا لكي نبلغك هذه الرسالة: تجنب أساليب الساحرات والمجرمين اترك نفسك تنبهر بجمال وحسن الملكية، ولسوف تنبهر فقط بروح الشر. ولكنك في عظمة أمتك ترى وجه الله. سعيد هو المرء الذي يدافع عن طيب خاطر عن ظل وطنه، لأنه سوف لا يموت مطلقاً، بل سيعيش اسمه أبد الدهر في قلوب الناس، أما من يبيع ظلال وطنه فهو ملعون لأن اسمه سيظل دائماً ملعوناً من قبل الأجيال القادمة، وعندما يموت سيصبح روحاً شريرة.‏

لم يفعل "ندينجوري" شيئاً سوى أنه ضحك وسأل: ما هي القرية؟ ما هي الأمة؟ ما هو الشعب؟ ارحلوا وقولوا هذا كله لشخص آخر. لماذا أنتم عاجزون عن العناية بأنفسكم وبظلالكم؟ ولماذا أنتم كسولون خاملون إلى درجة أنكم لا تستطيعون حتى الانحناء لنزع برغوث عن أطرافكم السفلى؟ تابعوا كلامكم حتى تمطر الدنيا أو تسقط السماوات -فلن يجدي كلامكم شيئاً إلا أنه سيذهب مع الريح. لاحظوا الآن أن كافة شؤوني في نظام تام كامل. ريح بطني ليس لها رائحة. لماذا؟ دعوني أقل لكم: لأن الملكية هي الخالق العظيم والقاضي العظيم.. الملكية تحول المعصية إلى طاعة، والشر إلى خير، والقبح إلى جمال، والكراهية إلى حب، والجبن إلى شجاعة والرذيلة إلى فضيلة. الملكية تحول السيقان المتقوسة إلى سيقان تخاض المعارك من أجلها من قبل حسناوات الأرض.‏

الملكية تلطف الروائح الكريهة، وتتخلص من العفونة، كما أن جرح الغني لا يحدث صديداً. وريح بطن الغني ليس لها رائحة. عودوا إلى بيوتكم، عودوا إلى أكواخكم وحظائركم التي تسمونها دون خجل بيوتاً، بل عودوا إلى قطع الأرض الضيقة التي لا تتورعون عن تسميتها مزارع. وإذا كنتم لا تستطيعون ذلك، عودوا أدراجكم إلى هنا واعملوا كشغيلة بأجرة يومية في حقولي المتعددة. ليس ثمة ما يمكنكم أن تفعلوه لي أنا، "ندينجوري" ابن "كاهاهامي"، لأنني بلا روح!‏

عندما سمع المسنون ذلك، أصابهم الخوف والذعر، وراحوا ينظرون شزراً بعضهم إلى بعض متسائلين: إذاً، هل كنا نخفي ساحرة في قريتنا؟ وإذاً، هل كنا نؤوي قملة في أجسادنا؟ هذا الرجل سيشرب دماء الشعب كله عن آخرها حتى ينفد الدم كله من الأرض. عندها وفي ذلك المكان، ألقوا القبض عليه، ولفوه بأوراق الموز اليابسة ثم أحرقوه في منزله.‏

منذ ذلك اليوم تخلصت القرية من الشر، وأخذت ظلال الناس تنمو بصورة صحية من جديد. "الأيدي الكثيرة تستطيع رفع أثقل الأحمال".‏

توقف جاتويريا مرة أخرى عن الكلام.‏

كانت السيارة لا تزال تتهادى في سيرها على طول الطريق. كانت بهذا الوقت قد تجاوزت الطريق إلى "ناكورو"، وانعطفت لكي تسلك الطريق الدولي عبر افريقيا الذي يمر عبر "روائيني" و"ايلموروج" خيم صمت مطبق على السيارة، وكل واحد منشغل بأفكاره الخاصة عن الحكاية، وفي شغف لمعرفة المكان الذي تنطبق فيه عقدة جاتويريا. ثم تابع جاتويريا حكايته.‏

- لم تراودني فكرة جديدة إلا بعد سماع تلك الحكاية إذ وجدت موضوعاً جديداً أستطيع الآن أن أحيك حوله أغنية جديدة. ولكن هل كانت الفكرة جديدة حقاً أم كانت الفكرة نفسها التي كنت أبحث دائماً عنها؟ إن ما أرغب فعله الآن هو رواية تلك الحكاية بالموسيقا. إذ ما هو الشيء الذي يمكن أن يبز الحكاية التي رواها لي ذلك العجوز من قرية "باهاتي"؟ أية حكاية تحمل موضوعاً أجمل أو تعلم درساً أكثر أهمية من حكاية رجل يبيع روحه من أجل مغانم دنيوية. لقد أردت أن أقارن "ندينجوري واكاهاهامي مع "يهوذا" في الأدب اليهودي، الذي باع سلام روحه مقابل ثلاثين قطعة من الفضة.‏

كنت أريد أن تكون خلفية الموسيقا قرية معينة من قرانا قبل مجيء الامبريالية البريطانية إلى كينيا. كنت أعتقد أنني سأبدأ بالحديث عن أصول القرية. أردت مجموعة واحدة من الأصوات والأدوات لكي تمثل هجرات الناس الريفية قبل عهد الإقطاع. وسوف تمثل مجموعة أخرى من الأصوات الطرق المختلفة التي كانت القرية تنتج فيها الثروة وتوزعها. أردت مجموعة واحدة من الأصوات تمثل الرعاة، ومجموعة أخرى تمثل الفلاحين، وأخرى تمثل العمال في المعادن وغيرها. سأقدم بعدها حركات أخرى من الأصوات والآلات ترمز للمجاعة والمرض والفقر وبدايات الحكم الإقطاعي. ثم سأقدم حكاية "ندينجوري" ابن كاهاهامي.‏

بدأت تأليف الموسيقا، ونار كبيرة تستعر في داخلي.. ولكنني بعد سطور قليلة شعرت بأن النار تخمد، وترك رماد العمل دون أدنى لهب أو شرارة.‏

لماذا؟ لماذا؟ رحت أصرخ دون أن أعرف من أخاطب.‏

لم أكن في داخلي أؤمن بوجود الغيلان والأرواح، أو أية مخلوقات من غير هذا العالم. وفي ليلة من الليالي اللاحقة سمعت صوتاً خفيفاً يُسرُّ لي الأسباب الحقيقة لخمود النار. كيف تستطيع تأليف الموسيقى وأنت لا تؤمن بوجود موضوع مؤلفك؟‏

إيمان.. إيمان.. أين أستطيع الحصول على الإيمان؟ فالإيمان ليس سلعة تباع في السوق. حاكمت الموضوع في نفسي بالطريقة التالية: في الماضي، وقبل الامبريالية، كان عندنا نظام فئات العمر، ونظام العائلات الموسعة، ونظام العشائر والعشائر الفرعية. كان عندنا في تلك الأيام أنواع شتى من تنظيم الشعب. كان عندنا، مثلاً، منظمة "أوجاما وامواخريكا"، التي هي بالانكليزية الاشتراكية الافريقية. فمن أين جاءنا، إذاً، آكلو البشر وقتلتهم؟ طفق قلبي يدق. ليس للأرواح، سواء كانت شريرة أو خيرة، وجود. وليس هنالك وجود للمخلوقات القادمة من عوالم أخرى. ليس في بلادنا كينيا قتلة أو أكلة للحم البشر، أناس يشربون الدماء ويختطفون أظلة الآخرين، في هذه الأيام، ليس هناك شرب لدم البشر أو أكل للحومهم. كما أن الأرواح والغيلان ومخلوقات العوالم الأخرى اختفت من أمد بعيد.. وأنت يا من تريد تأليف الموسيقا، امتداحاً لبلدك، ابحث عن الأصول والمواضيع في قصص حقيقية!‏

تلك هي الحال التي صرت إليها منذ ذلك التاريخ، حالة قلق يصطرع بها في داخلي ألف سؤال وسؤال..‏

يا بني قومي، يمكنكم أن تتصوروا كيف كنت مندهشاً بالأمس عندما ذهبت إلى مكتبي الخاص بتصنيف الأوراق في الجامعة حيث تحفظ رسائلي فوجدت.. أوه، كيف لي أن أحكي لكم عنه؟ كيف لي أن أزعم بأنني لم أكن أهتز كقصبة في مهب الريح؟ وحتى في هذه اللحظة وأنا أجلس في هذه السيارة، لا أستطيع أن أصدق تماماً دليل عيني..‏

قاطعته "وانجاري"، وهي تتحرق لوعة لمعرفة ما هو الشيء الذي شاهده "جاتويريا" بسؤالها، ما هو الشيء فوق العادي الذي شاهدته وجعلك تنسى وتتوقف عن الكلام مثل الحرباء التي أُرسلت مرة من عند الله للناس ولكنها لم تبلغ الرسالة التي حملتها أبداً بسبب ترددها الطويل.‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 02:49 PM
هناك في مكتب تصنيف أوراقي، أخذ "جاتويرياً" يعجل في سرد قصته، وجدت بطاقة تدعوني إلى مهرجان للشيطان غداً في "إيلموروج" كانت البطاقة تحمل الكلمات التالية. أخرج جاتويريا البطاقة من جيب سترته وقرأ على الملأ:‏

مهرجان الشيطان‏

تعالوا وشاهدوا بأم أعينكم‏

مباراة يكفلها الشيطان‏

لاختيار سبعة خبراء في السرقة اللصوصية‏

مقدار وافر من الجوائز‏

جربوا حظكم‏

منافسة لاختيار أمهر سلعة‏

سارقين ولصوص في ايلموروج‏

الجوائز وافرة!‏

عصابة ملائكة جهنم بين الحضور!‏

التوقيع: ابليس‏

ملك جهنم‏

برعاية عرين السارقين واللصوص‏

مرتفعات إيلموروج الذهبية‏

صرخت "وارينجا" وسقطت على "موتوري" أدار "مواؤرا" رأسه بسرعة. وأخذت السيارة تترنح وتتمايل عبر الطريق.‏

أوقف السيارة! من يحمل مصباحاً؟ صاح "موتوري".‏

ما الخطب؟ ما الخطب؟ سألت وابخاري، ولكن لم يجبها أحد.‏

ليس معي نور كشاف! قال مواؤراً، وهو يوقف السيارة على جانب الطريق الدولية.‏

أنا أحمل بعض أعواد الثقاب، قال "جاتويريا".‏

أعطوني مصباحاً! أشعل عود ثقاب! قال له موتوري، ثم لاذ الجميع بالصمت وكأنهم يقفون بجانب مزار من المزارات.‏

(7)‏

كانت السيارات القادمة من "إيلموروج" والذاهبة إليها تجتاز بعضها بعضاً على الطريق، وهي تضيء من لحظة إلى أخرى سهول "وادي الريفت" غير أن الظلام الذي كان يلف الأرض خلف الأنوار بدا أشد كثافة من أي وقت آخر.. جلس صاحب النظارات السوداء في زاويته دون أية حركة. ولم يفارق مواؤرا مقعده. أما الثلاثة الآخرون فانكبوا على "وارينجا".‏

كان لهب عود الثقاب يضيء لفترة قصيرة وجه وارينجا، ثم يرتعش ويخبو، وبعدها يشعل "جاتويريا" عود ثقاب آخر، ولكنهم عندما شاهدوا "وارينجا" تفتح عينيها، وهي لا تزال تتنفس وقلبها يدق، باشروا الحديث معبرين عن آرائهم المختلفة.‏



أعتقد أن هذه المرأة مريضة، قال "موتوري" لعلها مصابة بالملاريا أو ذات الرئة.‏

إن قلبها يدق بسرعة كبيرة، قال "جاتويريا".‏

يمكن أن يكون مرضها مرض النساء، قال "مواؤراً" هل تصدقون؟ لقد ولدت إحدى النساء في هذه السيارة بالذات في الآونة الأخيرة.‏

لماذا لا تحملوها خارج السيارة للحصول على نفس من الهواء العليل؟ اقترحت عليهم "وانجاري" بسرعة، وكأنها تريد أن تضع حداً لحكاية "مواؤراً" وتعليقه.‏

بعد ذلك أخذت "وارينجا" تتحدث بصوت خافت، وكأن لسانها كان في رحلة طويلة.‏

آسفة، ولكنني شعرت بغتة بدوار شديد. قالت لهم "وارينجا" رجاءً، دعونا ننطلق الآن دعونا نخرج من هذا المكان.‏

عاد كلٌّ إلى مقعده. حاول "مواؤرا" تشغيل السيارة. خرج "موتوري"، "وانجاري"، و"جاتويريا" وصاحب النظارات السوداء من السيارة وأخذوا يدفعونها. بدأ المحرك يزأر معلناً عن عودته للحياة. استقل الجميع السيارة، وسارت بهم مسافة قصيرة، والكل صامتون.‏

عادت "وانجاري" إلى موضوع الدوار الذي أصاب "وارينجا" وسألت: هل كان النقاش الذي كنا نديره هو ما أحدث الوعكة؟‏

أجل، كان له علاقة بذلك.. نعم، الحديث هو السبب.. أجابت وارينجا.‏

هل أفزعك الموضوع؟ سأل موتوري.‏

نعم.. و..لا، قالت "وارينجا" مرتابة.‏

لا تقلقي، قالت لها "وانجاري" تلك الأشياء لم تعد موجودة -لا غيلان، ولا قتلة، ولا أكلة للبشر، لا أرواح شر ولا أرواح خير، ولا شيطان بسبعة قرون. ما هذه كلها سوى اختراعات يقصد منها تخويف الأطفال المتمردين لكي يصلحوا سلوكهم وتشجيع المطيعين منهم على اتباع السراط المستقيم.‏

بدأ "مواؤرا" يصفر بلحن من الألحان، مثل شخص يحمل آراءً مختلفة حول الموضوع، أو يعرف عنه قليلاً أكثر من سواه ولكنه لا يريد الإفصاح عما يخفيه في داخله. ثم بدأ يغني: أيتها العذراء، هل يتعين أن أطلب منك، امنحنيني رغائبي، ولا تكوني بخيلة إزاءها،‏

بحيث أنك حين تكشفين فيما بعد أنك حبلى،‏

لن أنكر أنا المسؤولية.‏

حَسَبْ أن الركاب سيضحكون، وينتقلون إلى موضوعات أخرى مختلفة، ويهجرون الحديث عن قتلة البشر وآكلي لحومهم، وعن الأرواح والشياطين وعن مهرجانات المتنافسين على السرقة واللصوصية. ومع ذلك، أذهلت "وارينجا" الجميع بالعودة إلى الموضوع.‏

"ولكن ماذا لو كانت مثل هذه الأشياء موجودة بالفعل؟ ماذا لو كانت هذه ليست مجرد حكايات تروى للأطفال في العشيات؟ ماذا ستفعلون؟ قولوا لي: ماذا ستفعلون إذا كانت أرواح الشر والخير موجودة حقاً؟ وإذا كان الشيطان موجوداً بالفعل، وإذا ما زار كينيا، وإذا ما كان يرعى الولائم على الأرض ويرتب المباريات من أجل أتباعه الدنيويين؟‏

أنا؟ قفز "مواؤرا" وكأن السؤال كان موجهاً إليه. أنا؟ سأل ثانية، كأنه يريد بذلك أن يتأكد. ولكنه حتى قبل أن يتلقى جواباً، مضى يقول: دعيني أحكي لك، فإني رأيت أشياء غريبة. حسناً، أُسرت ذات يوم من قبل بعض المحتالين في هذه السيارة بالذات. ولكن هل كانوا محتالين أم ثلاثة شبان يرتدون بزات وهمية غريبة؟ التقيتهم في "ركن المزارع" في ليمورو. كان ذلك في المساء وقبل قليل من حلول الظلام. قالوا: إنهم يريدون الذهاب إلى مدينة "كيكويو" من نظرة واحدةً ألقيتها عليهم، حسبت أنني وقعت على ثروة طيبة. دفعت أجرة الركوب. إنني أقول لكم. إنه لدى وصولنا إلى "موناراكوا" بدأت أرى الأشياء من خلال فمي. لقد استلو مسدساً وصوبوه بشكل محكم إلى رأسي، وقالو لي: إذا كنت لا تريد قطعاً معدنية تفتت رأسك إرباً إرباً، فامش بسيارتك نحو غابة "كينيني"، وإياك أن تتجاسر وتنظر إلى الخلف أو إلى الجانب. لا أحد يستطيع القول بأن كل دراهمي إضافة إلى ملابسي أخذت مني! تُركت مثلما ولدت عليه -في عري كامل! ولكنهم لحسن حظي لم يسرقوا مفاتيح السيارة.‏

وفي يوم آخر استأجر هذه السيارة سأئح أمريكي، كان هذا الأمريكي عجوزاً كهلاً. كان وجهه مليئاً بالوديان العميقة. وعلى الجانب الآخر من جلده، كانت طيات الجلد تستلقي على شكل طبقات ملفوفة. غير أنه كان معه فتاة افريقية، صغيرة جداً، بحيث يمكن أن تكون تلميذة مدرسة. جلسا في المؤخرة سقت بهما في كل أرجاء نيروبي لمدة ساعة تقريباً. لم يتحدثا كثيراً. كما أنهما لم يفعلا شيئاً كثيراً أيضاً، كل ما كان العجوز يفعله هو أن يضغط على فخذي الفتاة ويقرصهما، وكانت الفتاة تدلك وجهه -فتضيع أناملها أحياناً في ثنايا طيات جلده. وعندما كانت الفتاة تتظاهر بالشعور بالألم وتصرخ قليلاً، كانت عينا الأمريكي تشعان بالفرح والسعادة. كان اللعاب يسيل على جانبي فمه، وكان يئن ويتأوه وكأن الفعل الشنيع كان يجري. عندما نزلا من السيارة، خارج فندق "نيوستانلي" أخرج الأمريكي قطعة نقود من مئة شلين وأعطاها للفتاة، التي تركته وابتعدت. تخلف السائح الأمريكي في السيارة، معدداً لي فضائل البلد وكأنني أنا مالك كينيا: إن كينيا بلد رائع.. لعبة خيالية متوحشة.. وبعد ذاك نساء خياليات، على جمال صارخ.. فحتى أنا، العجوز الهرم.. أستطيع الحصول على فتاة صغيرة.. لسوف أرجع مع عدد أكبر من السائحين لكي يتفرجوا على لعبة كينيا المتوحشة ونسائها بأنفسهم.. حقاً إنها بلاد جميلة.. استقرار.. تطور.. ثم انصرف هو الآخر إلى داخل الفندق. ولكنه دفع لي مبلغاً لا بأس به من المال.‏

وهكذا فإن هذا العالم مليء بعدد كبير من الأشياء الغريبة. إن الإنسان الذي لا يغترب يعتقد أن أمه وحدها هي التي تطبخ الخضروات البرية.. هل سألتموني ماذا أرغب لو دعيت إلى مهرجان الشيطان؟ سوف أذهب إليه، لأنني لن أشعر بالإكتفاء بما يقوله الآخرون عنه. الإيمان معناه أن ترى وتلمس. إنني "توماً الحديث. فأنا، "مواؤرا"، رأيت الكثير وفعلت الكثير. والآن، اتركيني وحدي أيتها السيدة! فالشمس لا تشرق أبداً بالاتجاه الذي تغرب فيه.. أنهى "مواؤرا" كلامه بنغمة تبدو وكأنها تشير إلى أشياء كثيرة وتخفي أشياء كثيرة أيضاً.‏

وماذا عنك؟ سألت "وارينجا" "موتوري" ماذا ستفعل؟‏

ليس من اليسير الإجابة عن ذلك، أستطيع أن أقول لك. أجاب "موتوري" فقد قال "جيكويو" مرة: لا تنظر إلى الأسفل على قطرة مطر. وليس ثمة ما هو مفزع جداً إلى درجة عدم إمكان مواجهته من قبل الرجال. نحن العمال لا نملك بيتاً، أو قرية، أو حتى بلداً. الكرة الأرضية كلها هي بيتنا، لأن المسألة بالنسبة لنا هي مسألة أين نستطيع أن نجد شخصاً ما يشتري عملنا فنستطيع بذلك كسب قليل من النقود لشراء قليل من الدقيق والخضروات الرخيصة. ولكن سيان، فنحن الذين شيدنا هذه الأرض. كيف، إذاً، يمكن لنا أن نترك أرضنا للشيطان وأرواحه الشريرة وأتباعه ومريديه، بحيث يتمكنون من فعل ما يريدونه بها؟ دعوني أسألكم حل لغز حديث..‏

هل تعتقد أنني أستطيع أن أفرق بين الألغاز الحديثة والألغاز القديمة؟ سألته "وارينجاً.‏

أنا أسير بهذا الاتجاه وبذلك الاتجاه قال موتوري.‏

دروب الصيادين. ردت "وانجاري" "بدلاً من "وارينجا".‏

لا!‏

خذ قطعة أرض!‏

طرق البنائين! أجيبي عن لغز آخر!‏

سوف أفعل!‏

أنا أسير بهذا الاتجاه وبذلك الاتجاه!‏

طرق البنائين.‏

لا، أعطني قطعة أرض‏

هي لك‏

إنها طريق العمال، أجيبي عن لغز آخر‏

سوف أجيب‏

إنني أسير بهذا الاتجاه وبذلك نحو الثورة‏

إنها دروب العمال‏

نعم ولا. إنك مدينة لي بقطعة أرض ولكنني لن آخذ كل شيء لأنك عرفت نصف الجواب‏

أقبل ذلك‏

الجواب الصحيح هو دروب المقاومة. وتلك هي الدروب التي يصنعها العمال. لماذا أقول ذلك؟ لأن تلك المرأة سألتني سؤالاً عسيراً. ولكنه سؤال بسيط أيضاً، لأن الأسئلة الصعبة هي الأسئلة البسيطة.. والأشياء التي تبدو بسيطة هي الأشياء الصعبة. أستطيع الآن أن أقول لكم: إنني لا أعرف عن شيطان أسوأ من رب العمل الذي كنت أعمل لديه. كما تعرفون، أنا نجار، وبناء، وسمكري، ودهان، تلك الأعمال جميعها. كنت في حقيقة الأمر رئيس العمال المسؤول عن الموقع. اعتاد رب عملي الحصول على عقود عمل تساوي عشرات الملايين وأكثر. كان عنده مستشار درج على ملاحقة قضيته في لجنة منح العقود. أما أجور الذين يصنعون مئات الملايين فلم تكن شيئاً يذكر في الواقع -بضع شلينات فقط، مائتين، أو ثلاثمائة، أو خمسمائة لا أكثر. وأنتم تعرفون كيف كانت الأسعار ترتفع، بدأت المشاكل عندما طالبنا بزيادة قدرها خمسون شليناً وطالبنا بأن الأجور يجب أن تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة. هل تعرفون أن بعض الناس لا يدرون أنه عند ارتفاع الأسعار وبقاء الأجور على حالها، فذلك بمثابة تخفيض في الأجور في الحقيقة؟ غير أن أرباح أرباب العمل تزداد بالمعدل نفسه كارتفاع الأسعار -والواقع إن زيادة الأرباح تكون أحياناً أعلى من زيادة الأسعار. وهكذا فعندما يرتفع سعر سلعة من السلع، فإن أرباب العمل يستفيدون من ذلك، أما جموع العمال فتزداد ضنكاً وسوءاً. عندما اتخذنا قراراً بالاضراب، جاء إلينا رب العمل، لاهثاً. تحدث بلسان عذب وقال: إنه سوف يدرس كافة مظالمنا ومطالبنا ويأخذها بعين الاعتبار، وإن علينا جميعاً العودة إلى العمل، وإنه سوف يقدم لنا تقريراً بعد أسبوع، وفي اليوم المحدد لتقديم التقرير، عاد رب العمل، بصحبة رجال شرطة مسلحين بالمسدسات والهراوات والدروع الحديدية. راح رب العمل يتحدث بأسلوب لاذع جداً، مثل رجل تشاجر مع زوجته في الليلة السابقة. قال لنا: إن كافة الإضرابات حظرت بمرسوم رئاسي. ثم أضاف: إن كل متعب من العمل يستطيع الذهاب إلى البيت لأن هناك عدداً كبيراً من العاطلين الذين يبحثون عن عمل. وتم فصل زعماء الإضراب عن عملهم. هل تظنون أننا في كينيا نلتقط النقود عن الأرض؟ أما بالنسبة لك، يا موتوري، لا تحسب نفسك ذكياً جداً. إن سجلك مع "الفرع الخاص" طويل ومعروف ونحن نعرف أنك لست بمفردك. ولذلك تفرقنا. البندقية الواحدة لا يمكن أن تجابه إلا ببندقية أخرى، وليس بأيد خاوية، ذلك ما يجعلكم ترونني أبحث عن العمل هنا وهناك. ومرد ذلك أنني رفضت أجرة العبيد ليس إلا. ليس عليكم إلا تصور العيش على راتب من ثلاثمائة شيلن شهرياً في "نيروبي"!‏

في أية شركة كنت تعمل؟ سألت "وارينجا".‏

"شركة المحارب للإنشاءات"‏

"شركة المحارب للإنشاءات؟" كررت وارينجا السؤال. هل الشركة التي يديرها "بوس كيهارا؟".‏

أجل، ولماذا تسألين؟ لماذا أنت مستغربة سألها "موتوري"‏

-لأنني كنت أعمل لصالح الشركة نفسها‏

-في مكاتب المدينة؟‏

-أجل، وكان "كيهارا" رئيسي. ولكن يا له من رئيس! وأنا اليوم على الطريق أبحث عن عمل آخر‏

-هل أضربت عن العمل أيضاً؟ سألها "جاتويريا".‏

-لا، ولكني أبيت أن أكون خليلته. قالت وارينجا.‏

-لقد أضربت عن العمل دون ريب -أضربت ضد استبداد غرفة نوم الرئيس. قالت "وانجاري"، وكأن السؤال كان موجهاً لها.‏

-هل ترون؟ هل تفهمون الآن؟ سأل "موتوري" بمقدوركم الآن رؤية السبب في عدم استطاعتي بكل بساطة ترك الكرة الأرضية للشيطان يدور فيها ويلف بهذا الاتجاه وبذلك على هواه! مهرجان الشيطان! أود أن أذهب إليه لكي أتحدى الشيطان!‏

اتجهت "وارينجا" نحو "جاتويريا" وسألته: ماذا بالنسبة لك؟ هل تؤمن حقاً بمثل هذا المهرجان؟‏

-إنني ماضٍ إليه، أجابها "جاتويريا" بتؤدة. غداً هو يوم مهرجان الشيطان‏

-هل هو غداً؟ يوم الأحد؟ سألت "وانجاري".‏

-أجل غداً. ويبدأ في الساعة العاشرة‏

-وأنت لست خائفاً؟ سألت "وارينجا".‏

-مم أخاف؟‏

-من الشيطان. أليس مفترضاً أن له سبعة قرون؟‏

ذلك هو بالضبط جوهر العقدة التي كنت أحكي عنها: هل الشيطان موجود أم لا؟ أريد الذهاب إلى هناك لكي أضع حداً لكافة وساوسي وظنوني لكي أتمكن من الاستمرار بتأليفي. فأنا لا أستطيع الاستمرار بذهن مثقل بوساوس ليس لها أول أو آخر. الطمأنينة! المؤلّف بحاجة إلى طمأنينة في فؤاده.‏

-أوه، نعم، لتنعم قلوبنا جميعاً بالسلام والاطمئنان! ردت "وانجاري".‏

-وماذا عنك أنتِ؟ توجهت وارينجا بهذا السؤال إلى "وانجاري".‏

إذاً فأنتِ لا تزالين تطلبين جواباً؟ سألت "وانجاري" وقالت: أما بالنسبة لي، فسواء كنت مدعوة أو غير مدعوة، إنني لو صادفت هذا الشيطان الشهير، فسأعلمه أن لا يضطهد نهائياً البنائين الحقيقيين لهذه الكرة الأرضية!‏

ولكن قولي لي: لماذا تسألين هذه الأسئلة؟ أي عبء يرهق كاهل فؤادك؟‏

كان هذا السؤال نفسه يدور في ذهن الآخرين. أي نوع من النساء كانت هذه المرأة؟ كانت صامتة تماماً بعد مغادرة "نيروبي" ثم صرخت فجأة. وبعد ذلك أغمي عليها. أما الآن، وبعد أن عادت لوعيها، أخذت تطرح أسئلة لا حدود لها.‏

-نعم، لماذا تطرحين السؤال نفسه علينا جميعاً، بالفعل؟ سأل "جاتويريا".‏

فقالت "وارينجا": ذلك لأنني أنا الأخرى أملك عقدة في فؤادي.‏

-عقدة؟ سألها "جاتويريا" و"وابخاري" في آن معاً.‏

لقد تلقيت دعوة مثل دعوتكم، ولا أعرف تماماً كيف وقعت في يدي.‏

ماذا؟ فسري ما تقصدين.‏

أنا أيضاً أملك بطاقة دعوة إلى مهرجان الشيطان في "إيلموروج" غداً. ولقد شاهدت اليوم أشياء غريبة شتى بحيث لا أتمكن الآن من القول فيما إذا كنت أحلم أو كنت مريضة فقط ومصابة بالهذيان. لقد ظهر أمامي رجل في مدينة نيروبي وفي منطقة "كاكا" بالقرب من كنيسة "القديس بطرس". كنت على وشك.. دعوني أقل بكل بساطة: إنني لم أكن أشعر شعوراً طيباً من الناحيتين الفيزيولوجية والنفسية. لقد أعاد لي الرجل هذه الحقيبة بالذات بعد أن وقعت مني في "طريق النهر" دون علمي. غير أن محياه، وعينيه وصوته جعلتني أفتح قلبي له في الحال، فحكيت له قصتي كلها، وحين فرغت من حكايتي شعرت أن قلبي صار أكثر خفة ودعة. عند افتراقنا فقط أعطاني البطاقة. وعندما وصلت إلى "نياماكيما" قرأت ما كتب عليها. وها هي البطاقة معي.‏

أخرجت وارنيجا البطاقة من حقيبة يدها. كانت صورة طبق الأصل عن بطاقة "جاتويريا".‏

ماذا؟ هذه أكثر من نكتة! قالت "وابخاري". إن علينا ألا ننظر لأسفل على قطيرة ماء. ألم أتكلم مع رؤساء الشرطة اليوم بالذات؟ هذا وبحسب هذه البطاقات، فإن السارقين واللصوص يتقاطرون للتجمع من أجل مهرجان الشيطان فليتجمعوا!‏

دمدمت "وانجاري" بصوت هادر كان من ناحية تهديداً ومن ناحية أخرى تنهيداً. ثم بدأت تنشد:‏

تعالوا جميعاً،‏

وشاهدوا المنظر الرائع‏

منظرنا ونحن نطارد الشيطان‏

مع كافة أتباعه ومريديه‏

تعالوا جميعاً!‏

راح "مواؤرا" يصرخ: هي! كم أتمنى لو أن أولئك الأوغاد الذين سلبوا مالي وجردوني من كل شيء سيكونون جميعاً هناك غداً! غير أن صوته كان يحمل أثراً من السخرية والتهكم، وكأنه كان يعرف أشياء يجهلها الآخرون. ثم إن موتوري هو الآخر لم يظهر دهشاً كبيراً إزاء بطاقات الدعوة الموجهة لحفل الشيطان.‏

هدأ "مواؤرا" كما لاذ الجميع الآن بالصمت، وهم على وعي بأن مدينة إيلموروج" لم تعد بعيدة جداً. وراحت سيارة "مواؤرا" تثب وثباً خفيفاً على طول الطريق، وكأنها تقول: السرعة الزائدة تفلق حبة البطاطا، الصبر يجلب الثراء. من الخير أن نصل بسلام. كما أن السفر بسيارة "الماتاتو" أكثر أمناً وسلاماً. هذا ويجب أن تفضّل مدينة "إيلموروج" على كل المدن الأخرى.. إننا في طريقنا لحضور مهرجان الشيطان..‏

(8)‏

عند ذلك فقط فتح صاحب النظارات السوداء فمه، مثل حمار "بلعام" الوارد في الإنجيل وقال: عفوكم!‏

اتجه كافة المسافرين باستثناء "مواؤرا" نحوه لتلقف ما كان يقول. دعوني أر تلك الدعوات، قال مخاطباً "جاتويريا" "وارينجا".‏

أخرج "جاتويريا" بطاقته وأعطاها له. فطلب الرجل من "جاتويريا" أن يشعل عود ثقاب. نظر إلى البطاقة ثم توجه نحو وارينجا وطلب منها: دعيني أر بطاقتك أيضاً.‏

فتحت "وارينجا" حقيبة يدها وأخرجت بطاقتها. رفعتها إلى الأعلى، مع قصاصة الورق التي حصلت عليها ذلك الصباح من ملائكة الشيطان. ورمت قصاصة الورق على قدمي موتوري دون أن تعرف أنها فعلت ذلك. ثم سلمت بطاقة الدعوة لصاحب النظارات السوداء.‏

تفحص الرجل البطاقة بدقة وإمعان، كما قارنها بالبطاقة التي أعطاها له "جاتويريا". فتح بعدئذ حقيبته وأخرج بطاقة أخرى، من حجم بطاقتي "جاتويريا" و"وارينجا" بالتمام والكمال.‏

سلمها "لجاتويريا" وطلب منه النظر إليها بدقة، وقراءتها بصوت عال للآخرين بعدئذ تناولت "وارينجا" علبة الثقاب وأشعلت عوداً "لجاتويريا". وهذا هو ما قرأه:‏

حفل كبير!‏

تعالوا وشاهدوا بأم أعينكم‏

منافسة لانتقاء سبعة خبراء‏

في السرقة الحديثة واللصوصية‏

الجوائز تشتمل على قروض مصرفية‏

وعلى مناصب مدراء‏

لعدد من بيوت المال‏

جربوا مهاراتكم!‏

جربوا حظكم!‏

لربما تحملون إلى البيت تاج‏

السرقة واللصوصية الحديثة!‏

منافسة لاختيار أمهر سبعة‏

سارقين ولصوص حديثين‏

جوائز بقروض مصرفية مكفولة‏

ومناصب مدراء‏

لرابطة واحدة أو عدة روابط‏

من بيوت المال‏

بحضور عصابة ملائكة جهنم!‏

التوقيع: رئيس المراسم‏

برعاية عرين السارقين واللصوص‏

مرتفعات ايلموروج الذهبية‏

هل تلاحظ أي فرق بين هذه البطاقة وبطاقتك؟ سأل الرجل "جاتويريا. إن البطاقة التي أعطيتها لك الآن هي البطاقة الأصلية الموثوقة. أعتقد أنك سوف تلاحظ ولا بد عدم وجود أي ذكر للشيطان أو لإبليس. ثم إسمح لي أن أقول لك شيئاً آخر: إن أغلبية من سيحضرون الاحتفال يؤمنون بالله. أنا، مثلاً، أتردد على كنيسة "المشعل" في "ثوجوتو" كل أحد. وإن الذين طبعوا بطاقات الدعوة المزيفة هم أعداء التطور الحديث إنهم يريدون تخريب الاحتفال فقط.‏

ومن هم هؤلاء الذين يريدون تخريب الاحتفال؟ سأل "جاتويريا".‏

-من هم؟ أظن أنهم طلاب جامعة بالتأكيد. إن مما يليق بأولاد المدارس وحدهم أن يفكروا بهذه الحملة الصبيانية الوسخة ضد المحترمين من الناس.‏

-أما أنا، فلا أرى أي فارق بين البطاقتين! قالت "وانجاري" كيف يمكن للطلاب تخريب سمعة السارقين واللصوص؟‏

عن طريق الزعم بأن هذا هو مهرجان الشيطان. وعن طريق الإدعاء بأنه تم ترتيبه من قبل إبليس، ملك جهنم. وفضلاً عن ذلك، فهم لم يشيروا على بطاقاتهم بأن هذه منافسة في السرقة واللصوصية الحديثة.‏

وأنا من جانبي لم أر الفارق بينهما، قال "موتوري" السرقة هي السرقة واللصوصية هي اللصوصية.‏

بدا أن صاحب النظارات السوداء تأذى وجُرح من موقف كل من "موتوري" و"وانجاري". راح يتحدث وكأنه يعظ الناس الذين فقدوا إيمانهم ودينهم.‏

إسمي هو "مؤيريري" "واموكيراي". أنا لا أستطيع تحمل الأسماء الأوروبية. فلقد تخليت عن إسمي "جون" من عهد قريب. وكما قلت قبل هنيهة، إنني أتجه الآن إلى إيلموروج. إن سيارتي من طراز "بيجو" 504، توقفت في "كيكويو". تركتها خارج فندق "أونديري". وحملني أحد أصدقائي بسيارته إلى "سيجونا". حسبت أنني سأجد ضيوفاً مرموقين مسافرين إلى المنافسة هذا المساء. لم أقابل أحداً. كثير من الضيوف قالوا: إنه سيصلون غداً صباحاً. ولكن بما أن المرء لا يستطيع الاطمئنان تماماً إلى الذين يشربون ويسكرون فقد عقدت العزم على السفر بالحافلة.‏

تعلمت في ثانوية "سيريانا" الثانوية وفي ماكيريري، حين كانت ماكيريري عن حق وحقيق، وليست الجامعة التي هي عليه الآن. درست الاقتصاد في ماكيريري -والاقتصاد هو العلم أو الدراسة التي تبين كيف نخلق الثروة في بلد من البلدان. تخرجت في "أوغندا" بشهادة بكالوريوس في الاقتصاد. لم أتوقف عند هذا الحد. انتسبت إلى جامعتنا هنا. حالفني النجاح وتخرجت بإجازة في علم التجارة. وكانت تلك شهادة بكالوريوس في التجارة. ثم تابعت مسيرتي قدماً وصعوداً في أمريكا، انتسبت لجامعة كبرى تدعى "هارفارد"، وهناك درست كل ما يتعلق بإدارة الأعمال. حصلت على إجازة أخرى، بكالوريوس في إدارة الأعمال. إسمي الكامل هو "مؤيريري وموكيراي، وأحمل إجازة في الاقتصاد من لندن، وإجازة في التجارة من نيروبي، وبكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد. إنني إذ أعدد تلك الشهادات، أراني على ثقة بأن "جاتويريا" يفهم بشكل كامل أهمية ما أقول. كان طموحي في تلك الأيام هو مزاولة التعليم في الجامعة وحتى في هذه الأيام، إن عدداً كبيراً من أساتذة الجامعة أصدقاء لي. غير أنني بحثت عند ذاك فيما حولي فلم أجد إلا نفراً يسيراً جداً من المثقفين الكينيين في الأعمال والتجارة. ولذلك آثرت انتهاج سيرة في حقل التجارة.‏

لماذا قدمت نفسي بمثل هذه الجعجعة؟‏

لقد أصغيت لحديثكم كله، وسمعت كل النقاش وكل الشكوك التي آثارها بعض منكم.‏

لن أخفي شيئاً عنكم. إن نمط حديثكم هذا هو الذي يخرب البلدّ!.. إن لذلك النوع من الحديث جذوراً في الشيوعية. إن المقصود منه هو بعث الحزن والأسى في قلوبنا وجعلنا في قلق دائم. ومثل هذا الكلام قد يحرفنا نحن الشعب الأسود عن السراط المستقيم، وأنتم تعرفون كم نفكر بالله والمسيحية بعمق وإيمان. إن كينيا بلد مسيحي ولذلك نحن مباركون جداً.‏

أول ما أبدأ به، ليس هذا المهرجان مهرجاناً للشيطان، كما أنه لم ينظم من قبل إبليس، لقد رتبت له منظمة السرقة واللصوصية في "إيلموروج"، للاحتفال بزيارة ضيوف أجانب قادمين من إحدى منظمات السارقين واللصوص الحديثين في العالم الغربي، ولا سيما من أمريكا وانكلترا وفرنسا وإيطاليا والسويد واليابان، وإسمها "المنظمة الدولية للسارقين واللصوص".‏

ثانياً، أصبح طلاب جامعاتنا مغرورين جداً، فقد ابتكروا الآن أساليب لدحض السرقة واللصوصية حتى قبل أن يعرفوا ما هي السرقة واللصوصية الحديثة بالفعل. إن هؤلاء الطلاب يذيعون نمط الكلام الذي سمعته تواً من وانجاري وموتوري، وهو أن السرقة واللصوصية يجب أن تنتهي.‏

لذلك أود أن أقول ما يلي: إنني على ثقة تامة أن الناس لا يمكن أن يكونوا متساوين كالأسنان، لقد نبذت الطبيعة البشرية المساواة. وحتى الطبيعة الكونية نفسها نبذت أي هراء عقيم يتعلق بالمساواة. انظروا إلى فردوس الله فقط. الله يتربع على العرش. على الجانب الأيمن يقف ولده الوحيد. وعلى الجانب الأيسر تقف الروح القدس. أما عند قدميه فتجلس الملائكة. وعند أقدام الملائكة يجلس الكهنة والقديسون. عند أقدام الكهنة يجلس التلامذة جميعاً، وهكذا دواليك، يقف نسق تحت نسق حتى نصل إلى نسق المؤمنين هنا على الأرض. وجهنم شيدت بالطريقة نفسها. ليس ملك جهنم هو الذي يصنع النار، ويحضر الحطب أو يقلب الرمم المحترقة. لا، إنه يترك هذا العمل الروتيني لملائكته وأرواحه، ومناظريه، وتلاميذه وخدمه.‏

قاطعه موتوري قائلاً: هل ذهبت إلى الجنة في عمرك؟‏

لا‏

وإلى جهنم.؟‏

لا‏

إذاً، وهذه الصورة التي رسمتها لنا! من أين حصلت عليها؟ هل هي صورة، تشبه ظل الشجرة؟ أين هي الشجرة نفسها؟‏

إن تنظر إلى هذا العالم، فسترى بأم عينيك أن ما أقوله صحيح تماماً. رد عليه "مؤيريري" على وجه السرعة. بعض الناس طويلو القامة وبعضهم قصيرون بعضهم أبيض وبعضهم أسود. بعض الناس يعيشون حياة رغيدة عندما يتعلق الأمر بالثروة، بينما لا يلوي آخرون على شروى نقير ولو عشرة سنتات. بعضهم كسالى، بينما يولد آخرون مجدين مجتهدين. هناك من أصحاب الشأن العظيم بالفطرة، مدراء ثراء طبيعيون وآخرون تافهونأناس مبددون طبيعيون للثروة. بعض الناس يعرف ما هي المدنية، بينما لا يملك آخرون فكرة عنها على الإطلاق. يعرف بعض الناس كيف ينظمون أنفسهم، بينما لا يستطيع آخرون العناية بأنفسهم أبداً. وبعض الناس، وهم الأغلبية، لا يمكن جرهم إلى المجتمع الحديث إلا بحبل حول أعناقهم أو بخيط عبر أنوفهم، بينما آخرون، وهم القلة، إنما يولدون لكي يقوموا بعملية الجر. ثمة نوعان من المخلوقات في كل بلد من البلدان، المدير والمدار، الذي يمسك بزمام الأمور، والذي يشتهي الوصول إلى النفايات، الذي يعطي والذي ينتظر العطاء..‏

أيها السيد، قاطعته "وانجاري" سائلة: ألا تعرف أن ما من شيء يدوم أبد الدهر؟ ألم تسمع ما قاله "جيكويو" منذ أمد مديد: إن من اعتاد على الرقص لا يستطيع الآن سوى مراقبة الآخرين وهم يمارسونه؟ وإن من اعتاد على القفز فوق النهر لا يستطيع الآن سوى تدبير الخب فيه؟ الراعي لا يقبع في بقعة واحدة. تغيروا، لأن بذور حبة القرع ليست جميعاً من نوع واحد.‏

إنني أتحدث عن أشياء درستها دراسة مستفيضة، قال "مؤيريري" "لوانجاري" دعينا نعد إلى مسألة التجارة والاقتصاد ونوجه السؤال التالي لأنفسنا: هل السرقة واللصوصية شيء سييء بصورة دائمة وفي كل مكان ولكل الناس؟‏

صدقيني حين أقول: إن السرقة واللصوصية هما معيار تطور بلد من البلدان. ففي سبيل ازدهار السرقة واللصوصية، لا بد من وجود ما يمكن سرقته. وفي سبيل تمكن المسروقين من اكتساب أموال وأطيان تسرق مع بقاء القليل لهم، فإن عليهم مضاعفة جهدهم للحصول على الثروة. التاريخ يبين لنا أن ما من حضارة نشأت إلا وكان قوامها السرقة واللصوصية؟ وماذا بالنسبة لانكلترا وفرنسا وألمانيا واليابان؟ لعمري إن السرقة وحدها هي التي جعلت من الميسور تطور العالم الغربي. إياكم وخديعة الدعاية الماركسية. إذا ما ألغينا السرقة في بلد من البلدان، عوقنا حركة التقدم والتطور.‏

لذلك سأنتهي بقول ما يلي: إن من المناسب أن تتمركز الثروة في أيدي رجال الوطن الناجحين، الرجال الذين يولدون وهم يملكون القدرة على استخدام الثروة وإدارتها حتى في نومهم. تصوروا فقط ما سيحدث لو سقط بلد من البلدان في أيدي التافهين- من مخربين وكسالى وأشقياء، هؤلاء العجزة الذين يصعب عليهم الإنحناء لنزع البراغيث عن أصابع أرجلهم، وقتل القمل تحت زنانيرهم أو حتى كش البراغيث بالتخويف؟ ألن يكون ذلك أشبه تماماً بإلقاء الجواهر الثمنية للخنازير، التي ستدوس على الجواهر وتخلطها بالوحل ليس إلا؟ قبل أمد بعيد كان راقصو "موكونجوا" يغنون:‏

ينبغي أن يؤخذ جرس الرقص من الضعيف‏

وينبغي أن يمنح للبطل الشهم العظيم‏

السؤال المهم هو: من هم الأبطال الجدد؟ نحن هم الأبطال الجدد -أهل الثروة والمال. نحن من أثبت القدرة على التفوق على السارقين واللصوص الأجانب عندما تحق الحقيقة ويتعلق الأمر بجني المال والأطيان. إن عيوننا مفتوحة بشكل كامل الآن، ونحن قادرون أن نرى بجلاء كامل أن السرقة واللصوصية هما القواعد الحقيقية للتطور والتقدم الحديث. ذلك هو ما يدفعني شخصياً لتعليق أهمية كبيرة على المنافسة في مدينة "إيلموروج" تلك المنافسة التي يجري نقدها وتشويه سمعتها من قبل طلاب الجامعة، وهذا ما يدفعني لأن أسألكم جميعاً حضور المنافسة غداً لكي تشاهدوا بأم أعينكم، وإذا شعر أي منا بالرغبة في دخول المباراة والكشف عن مواهبه، فما عليه إلا القيام بذلك بكامل الحرية. وأنا شخصياً أومن بالمبدأ الديمقراطي الذي يقول: إن من يستطيع السطو يجب أن يسمح له بذلك. أنتم تسمحون لي بالسطو، وأنا أسمح لكم بالسطو أنتم تسطون، وأنا أسطو، وسوف نرى من يتفوق ومن يتقهقر في اللعبة. يجب أن يلتقي القادرون على العض في الهواء الطلق كي يبددوا كافة الشكوك والوساوس إزاء من يملك أشد الأسنان حدة. غير أن علينا جميعاً وضع حد لمسألة تدمير سعادة الآخرين هذه بالأساليب السرية الملتوية. ارموا تلك البطاقات المزيفة التي طبعها طلاب الجامعة، وسوف أزودكم ببطاقات صالحة.‏

توقف "مؤيريري واموكيراي" عن الكلام. أخرج منديلاً من جيبه ومسح وجهه ثم أنفه أما المسافرون الآخرون، فكانوا على هدوء كامل، وكأنهم لا يستطيعون تصديق ما تسمعه آذانهم من شواهد.‏

كانت "وانجاري" أول الخارجين عن حالة الذهول العامة هذه فقالت: من الصحيح تماماً أن الألم في القلب لا يقتل! هل تجرؤ حقاً على تسميتنا تافهين؟ وهل تسمينا نحن العمال والفلاحين بلا خجل وحياء خنازير؟ هل تطلب أننا يجب أن نسلب جواهر أرضنا؟ من تراه يحرث تلك الجواهر؟ ثمة من يبذر ويحصد، وثمة من يأكل ما أنتجه الآخرون- فأيهما هو الكسول؟ وعن أي منهما تنتج أبهى اللآلئ؟‏

أنت! أضاف "موتوري". أنت مثقف ثقافة عالية جداً. ولكن دعني أقلْ لك ما يلي: عندما يسلب السعدان من صغيره، تقدم له لقمة من طعام مقابل ذلك. أما أنتم، أيها الناس، فتذهبون إلى أبعد من ذلك. إنكم تسلبوننا نتاج أيدينا، ولا ترمون لنا حتى النزراليسير. إنكم تسدون النهر فوقنا، بحيث لا تنفذ قطرة ماء واحدة لنا في الأسفل. لا تتاح الفرصة للرب نفسه حتى يعرف مقدار قوة أفخاذكم. لقد سمعت من يقول: إن الأرض تغزل باستمرار ولا تقف عند نقطة واحدة بحد ذاتها. الحياة هي دوران الدم، بينما الموت هو انسداد الدم في الشرايين والأوردة. الحياة هي دقات القلب والموت هو سكونه. نعرف أن الجنين في رحم أمه لا يولد ساكناً ما دام يلعب داخله ويتحرك. إفهم أنت! قد ينبلج الفجر عن جديد لم يكن موجوداً في الليلة السابقة. لا تستخفوا بالجماهير. فما زال جيل "إيريجي" على قيد الحياة متمرداً ثائراً. ماذا قال المغني في ذلك اليوم؟ قال: من الأفضل لكم أيها الناس أن تحذروا- ونحن من خاضوها مع "كيماثي".‏

لم يعر "مؤيريري" اهتماماً كبيراً لثورة "وانجاري" و"موتوري" رفع صوته قليلاً وراح يتحدث وكأنه في المذبح، يوجه الموعظة لحشد من الناس والإنجيل مفتوح أمام ناظريه.‏

لماذا أنتم مندهشون؟ بدأ "مؤيريري واموكيراي" يقول. ألم تقرؤوا كتاب الله، كتاب الحياة الأزلية، الكتاب الذي جلبته لنا البعثات التبشيرية؟ ألم يتنبأ ذلك الانجيل بكل هذه الأشياء؟ أنا أقول: من كانت له عيون، فلير، ومن كانت له آذان، فليسمع..‏

انحنى كل من "وارنيجا" وجاتويريا ومواؤرا" و"موتوري" و"وانجاري" إلى الأمام حتى لا تفوت أياً منهم كلمة واحدة. صارت سيارة "الماتاتو" من طراز "فوردت" مثل الكنيسة، وأصيب المسافرون بالصمم من جراء ضجيج العربة وهي تخب على طول الطريق العامة، تقلهم نحو "إيلموروج"، معقل المنافسة الكبرى في السرقة واللصوصية.‏

سمع "موتوري" حفيف قصاصة من الورق عند قدميه. انكب والتقطها ثم دسها في جيبه وتابع الاستماع.‏

أخفض "مؤيريري" صوته. راح يتكلم بصوت هادئ خفيض، كأنه ينشد تهويدة من شأنها أن تبعث النوم في أرواحهم وعقولهم..‏

.. لأن ملكوت السماء يشبه رجلاً مسافراً إلى بلد بعيد، يستدعي خدمه الخاص، ويسلمهم بضاعته. يهب واحداً منهم خمس مواهب، ويهب الثاني موهبتين، والثالث موهبة واحدة..‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 02:58 PM
الفصـل الرابع





(1)‏

.. لأن مملكة الخداع الأرضي يمكن تشبيهها بحاكم تنبأ بمقدم اليوم الذي سيرمى به فيه خارج‏

أحد البلدان من قبل الجماهير ومن قبل مقاتلي حرب العصابات من أجل الحرية. أصابه القلق‏

والإضطراب وهو يحاول تحديد الطرق اللازمة لحماية جميع الأطيان التي جمعها وكدسها في ذلك‏

البلد إضافة إلى تحديد الطريق لتدعيم حكمه وسيطرته على الرعية بوسائل أخرى. سأل نفسه ما يلي:‏

ماذا سأفعل، وأنا أعرف أن الناس الذين فرضت طغياني واستبدادي عليهم هم الآن على وشك طردي‏

من هذه المزارع والمصانع التي سلبتهم إياها؟ لم أعد قادراً على فلاحة الحقول، ولم أعد قادراً على‏

العمل بيدي، وإذا ما انتظرت حتى أضرب بالهراوات وتطلق علي النيران للخروج من البلد، فإنني‏

سأعيش العمر كله في عار بسبب جميع الحكايات المروعة والتي سردتها لهم عن قوة مدرعاتي‏

وقنابلي التي لا تقهر، ولأنني كنت دائماً أحاول أن أبين لهم بأن العرق الأبيض لا يمكن إطلاقاً التغلب‏

عليه من قبل العرق الأسود. وعندما ينتصر رجال العصابات، ويمسكون بزمام السلطة، لن أستطيع‏

إعادة امتلاك هذه المزارع والمصانع. هذه الشاي، هذا الأرز، هذا القطن، هذه القهوة، هذه الحجارة‏

الكريمة، هذه الفنادق، هذه الحوانيت، هذه المعامل، ثمار عرقهم الغالي هذه، كلها وأكثر منها سوف‏

تضيع مني، ولكنني أعرف الآن ما سأفعل، بحيث أنني حين أعود في نهاية المطاف إلى بلدي من‏

خلال الباب الأمامي، سأكون قادراً على الرجوع إلى هنا من خلال الباب الخلفي، وسوف أستقبل‏

أحسن استقبال، كما سأكون قادراً على بذر بذور تضرب جذوراً أشد وأقوى من البذور التي بذرتها‏

في الماضي.‏

استدعى عبيده الخلص وخدمه قام بتلقينهم كل أنواع الخدع الأرضية التي كان يعرفها، ولا سيما‏

خدعة تعطير السرقة واللصوصية وتجميلها وخدعة دس السم في الدسم وألاعيب شتى لتفريق صفوف‏

العمال والفلاحين من خلال الرشوة والدعوات القلبية والدينية. وعندما فرغ من ذلك، أبلغهم أنه على‏

أهبة الرحيل إلى بيته وراء المحيطات.‏

عندما سمع العبيد والخدم المخلصون أن مولاهم وسيدهم على وشك الرحيل، مزقوا ثيابهم‏

ولطخوا أجسادهم بالرماد، وركعوا على الأرض يبكون ويصرخون: كيف تستطيع الرحيل وتركنا‏

هنا، مجرد أيتام، في حين أنك تعرف حق المعرفة كيف اضطهدنا الجموع وارتكبنا جرائم عديدة‏

باسمك؟ ألم تقسم بأنك سوف لا تغادر هذه البلاد بتاتاً؟ كيف تستطيع الآن تركنا لرحمة الثوار‏

الوطنيين؟‏

فقال لهم المولى، سيدهم: هل إيمانكم قليل وضعيف؟ إياكم وأن تضطرب قلوبكم، إذ إن عليكم أن‏

تثقوا بالله الذي علمتكم معرفته، وعليكم أن تثقوا بي أنا، مبلّغ إرادته ومفسرها، إن عندي عدة طرق‏

لتحقيق رغباتي في هذه الأرض. ولو كان الأمر غير ذلك، لقلت لكم، بحيث يتسنى لكم الوقت للفرار‏

أو لإيجاد الحبال في سبيل شنق أنفسكم قبل أن تقعوا في أيدي الوطنيين. غير أن ما أريده الآن هو‏

إعداد مناصب القيادة من أجلكم، وزيادة القليل على الفتات الذي كنتم تجمعونه عن مائدتي. سوف‏

أعود، فيما بعد، بمبالغ كبيرة من المال ومصارف عديدة، وسوف أحضر لكم أيضاً مزيداً من العربات‏

المدرعة والبنادق والقنابل والطائرات، بحيث أبقى معكم وتبقون معي، لكي نحب بعضنا بعضاً دائماً‏

ونتناول الطعام سوية، أنا أملأ معدتي من أطباق فاخرة مختارة، وأنتم تتلقفون البقايا الثمينة الغالية.‏

ولقد صادف أنه بينما كان الحاكم على وشك العودة إلى بيته في الخارج، جمع مرة ثانية كل‏

خدمه وسلمهم زمام البلاد قائلاً لهم: سوف ينخدع رجال العصابات الوطنيون وسوف تنخدع جماهير‏

البلد الآن، لأنكم جميعاً سود، مثلهم، وسوف ينشدون شاهدوا، إن إخوتنا السود يملكون زمام البلد‏

الآن، شاهدوا، إن أخوتنا السود أنفسهم يملكون دفة التوجيه. هل كنا نقاتل من أجل شيء آخر؟ فدعونا‏

نلق أسلحتنا الآن، ونغني تسابيح المديح لقادتنا السود.‏

ثم وضع ثروته، وأطيانه في عهدتهم لرعايتها بل حتى لزيادتها ومضاعفتها. أعطى واحداً منهم‏

رأس مال قدر 500.000شلن، وأعطى واحداً آخر /200.000/شلن وأعطى ثالثاً /100.000/شلن،‏

لكلٍ بمقدار خدمته وولائه لسيده، وأتباعه لمذهبه، ومشاركته وجهة نظره، وهكذا رحل المولى عن‏

طريق الباب الأمامي.‏

أما الخادم الذي حصل على 500.000شلن، فسرعان ما انطلق وابتاع أشياء بأسعار رخيصة من‏

الفلاحين الزراعيين ثم باعها لعمال المدينة بأسعار أعلى، وبهذه الطريقة حصل على ربح مقداره‏

500.000شلن. كما فعل الخادم الذي نال 200.000شلن الشيء نفسه: إذ إنه اشترى بأسعار رخيصة‏

من المنتجين وباع بأسعار مرتفعة للمستهلكين، وبذلك حقق ربحاً قدره 200.000شلن.‏

وأما الخادم الذي حصل على 100.000شلن فقط، فاعتقد أنه ذكي، وراح يستعرض حياته وحياة‏

أهل البلاد مع حياة السيد الذي رحل لتوه إلى بلد أجنبي. أخذ يحدث نفسه قائلاً: لقد كان هذا السيد‏

والمولى يتبجح دائماً بأنه طور البلد بمساعدة المبلغ الضئيل من المال الذي جاء به، وراح يصرخ:‏

رأس المال! رأس المال! دعوني الآن أرى إذا كان رأس المال سيدر أرباحاً دون أن يغذّى ويسقى‏

بعرق العامل، أو دون شراء عرق الفلاح والعامل بسعر بخس. إذا كان بمقدور رأس المال بحد ذاته‏

أن يعود بالربح، فسوف أعرف معرفة اليقين أن المال هو الذي يطور البلاد. ذهب هذا الخادم ووضع‏

مبلغ الـ 100.000شلن في صفيحة معدنية وغطاها جيداً، ثم حفر حفرة بغرسة موز ودفن الصفيحة‏

في داخلها.‏

حدث بعدئذ أن عاد المولى إلى تلك البلاد قبل انقضاء فترة طويلة، عن طريق الباب الخلفي لكي‏

يلقي نظرة فاحصة على الأموال التي تركها وراءه. استدعى خدمه لكي يقدموا تقريراً عن الأطيان‏

والأموال التي عهد بها لكل منهم.‏

جاء الخادم الذي حصل على مبلغ 500.000شلن وقال: سيدي ومولاي، تركتني برأس مال قدره‏

500.000شلن وأنا ضاعفته. كان السيد مندهشاً حقاً وصاح بأعلى صوته: ربح 100% إنها نسبة‏

أرباح مذهلة. لقد فعلت خيراً أيها الخادم المخلص الطيب. لقد أثبتّ أنه يمكن أن يعهد لك بقليل من‏

الثروة. سوف أعينك الآن مشرفاً على عدة مشاريع. هيا، شارك سيدك سعادته ورخاءه. سوف أعينك‏

مديراً إدارياً للفروع المحلية لمصارفي هنا، كما سأعينك مديراً لعدد من الشركات. من هذا اليوم، لن‏

يرى الناس وجهي كثيراً. فأنت ستمثلني في هذه البلاد.‏

ثم جاء الخادم الذي نال مبلغ 200.000شلن وقال: سيدي ومولاي، لقد تركتني بمبلغ 200.000‏

شلن انظر! لقد عاد رأس مالك بمبلغ 200.000شلن أخرى. تحدث السيد المولى وقال: شيء رائع.‏

هذا لعمري شيء رائع حقاً. نسبة مماثلة من الأرباح المرتفعة! إنها بلد مستقر للاستثمار. لقد فعلت‏

خيراً أيها الخادم الوفي الطيب. لقد أثبتّ أنه يمكن أن يعهد لك بقليل من الثروة. ولذلك سوف أعينك‏

الآن مشرفاً عاماً على عدة مشاريع. شارك سيدك سعادته ورخاءه سوف أعينك مديراً للمبيعات في‏

الفروع المحلية لشركات التأمين، ومديراً للفروع المحلية لصناعاتي، ومديراً لعدة شركات أخرى‏

سأعرفك عليها. وسوف تكسب أنت الآخر أسهماً رمزية قليلة. سأخفي وجهي عن الناس منذ اليوم.‏

سأقف خلف المشاهد، وأنت ستقف على الباب والنوافذ، بحيث يكون وجهك مرئياً دائماً. ستكون أنت‏

كلب حراسة مشاريعي الاستثمارية في بلادكم.‏

مشى الخادم الذي حصل على مبلغ 100.000شلن إلى أمام وقال لسيده: أنت أيها السيد والمولى،‏

واحد من العرق الأبيض، لقد اكتشفت أحابيلك! لقد اكتشفت أيضاً إسمك الحقيقي. إمبريالي، ذلك هو‏

اسمك الحقيقي، وأنت سيد وغد. لماذا؟ لأنك تحصد حيث لا تبذر أبداً. إنك تستولي على أشياء لم‏

تهدر من أجلها قطرة عرق واحدة. لقد نصّبت نفسك موزعاً للأشياء التي لم تساعد من قريب أو بعيد‏

على إنتاجها. لماذا؟ لأنك مالك رأس المال فقط. ولهذا ذهبت ودفنت أموالك في التراب لكي أرى إن‏

كان بوسعها أن تكسب شيئاً إذا لم تُلقّح بعرقي أو عرق سواي من الناس. انظر، ها هو مبلغ الـ‏

100.000شلن العائد لك كما تركته تماماً. إنني أرد لك رأس مالك الآن. قم بعدّه وتأكد من عدم فقدان‏

فلس واحد منه. لقد كان الشيء البارز الأهم هو: إن عرقي وجهدي وفرا لي الطعام الذي آكله، والماء‏

الذي أشربه، والمأوى الذي أخلد به للنوم. ها! سوف لن أسجد بتاتاً مرة ثانية أمام إله رأس المال‏

الذي لا حياة ولا وعي فيه. لن أظل عبداً بعد الآن. لقد فُتِحَت عيناي الآن. وإذا وضعت اليوم يدي‏

بأيدي الآخرين الذين آثروا أن يكونوا أسياداً على عرقهم الخاص، فلن يكون هنالك حد للثراء الذي‏

يمكن إنتاجه لشعبنا وبلادنا.‏

نظر إليه السيد وكثير من القذى يملأ عينيه، وكثير من الألم يعتصر فؤاده ثم خاطبه قائلاً: أنت،‏

أيها الخادم الكسول الرديء الخائن، أيها العضو في جماعة ثورية! ألم يسعك وضع المال في مصرف‏

أو في أيدي من يتاجرون بالمال، بحيث أتمكن عند رجوعي من حصاد بعض الربح والفائدة؟ هل‏

تعرف كم يؤذيني أن أجد بأنك دفنت أموالي في قبر، مثل جثة هامدة؟ من أماط اللثام عن سر إسمي؟‏

من أسدى لك النصح برفضي ونبذي لمجرد أنني أحصد حيث لا أبذر وأربح أشياء لم أهدر عليها‏

قطرة من عرقي؟ من قال لك إن الحصاد والتوفير ليسا عملاً شاقاً؟ لا، إنكم أيها السود قاصرون عن‏

فهم مثل هذه الأفكار الثورية! لا، إنكم أيها السود عاجزون عن رسم واستنباط الأساليب لقطع الحبال‏

التي تربطكم بأسيادكم. لا بد إذاً أن تكون مضللاً من قبل الشيوعيين. لا بد أنك حصلت على تلك‏

الأفكار الهدامة من حزب العمال والفلاحين. نعم، لقد تسمم عقلك بالأفكار الشيوعية. أيتها الشيوعية..‏

لقد أصبحت خطراً حقيقياً على السلام والاستقرار اللذين كانا يوجدان في هذه البلاد سواء بالنسبة لي‏

أو بالنسبة لممثليّ المحليين، حراس أملاكي المحليين. لسوف تشعر الآن بحرارة نار مضطرمة‏

تجعلك تنسى إسمي الحقيقي أبد الآبدين. اعتقلوه، الآن، قبل أن ينشر هذه الأفكار السامة في صفوف‏

بقية العمال والفلاحين، وقبل أن يعلّمهم بأن قوة الوحدة المنظمة أشد فتكاً من كل قنابلي وعرباتي‏

المدرعة! جردوه حتى من النزراليسير الذي يملكه وتوزعوه فيما بينكم. ذلك لأن صاحب الثروة‏

يعطى ويزاد، أما الفقير فيسلب حتى من القليل الذي يملكه احتياطاً. ذلك هو أهم أوامري، فماذا‏

تنتظرون، أيها الناس؟ امضوا وأحضروا الشرطة والجيش لاعتقال هذا الرجل، الذي تحلى بالوقاحة‏

في رفض العبودية. ارموه في المعتقل أو في الظلام الدامس الأبدي بحيث لا تستطيع أسرته أن تجني‏

سوى الدموع وصرير الأستان!‏

حسن! حسن! لقد قمتم أيها الناس بعمل جليل. طبقوا هذه المعاملة نفسها على جميع المتمردين‏

من هذا الطراز، بحيث يخاف بقية العمال خوفاً شديداً من الإضراب طلباً لرفع الأجور أو من امتشاق‏

السيوف لتحطيم حبال العبودية.‏

أما بالنسبة لكم، فمن الآن فصاعداً لن أسميكم عبيداً وخدماً بصورة علنية أنتم الآن أصدقائي بكل‏

صدق وحق. لماذا؟ لأنني حتى بعد أن أعدت إليكم مفاتيح بلدكم، تابعتم تنفيذ أوامري والمحافظة على‏

أملاكي، وجعلتم رأس مالي يدر نسبة من الربح أعلى مما كانت عليه الحال عندما كنت أحمل المفاتيح‏

شخصياً ولذلك لن أسميكم خدماً بعد الآن. فالخادم لا يعرف مرامي وآراء سيده. ولكنني أسميكم‏

أصدقائي لأنكم تعرفون.. ولسوف أظل أجعلكم تعرفون كل مخططاتي لهذه البلاد، وسوف أعطيكم‏

بعضاً مما أكسب، لكي تتوفر لكم القوة والدوافع من أجل تحطيم رؤوس من يتحدثون عن الجماهير‏

بأي مقياس من مقاييس الجدية.‏

يعيش السلام، ويعيش الحب والاتحاد بيني وبين نوابي المحليين! ما هو الشيء السييء جداً في‏

ذلك؟ أنتم تعضون مرتين وأنا أعض أربع مرات. سوف نضلل الجماهير الساذجة. يعيش الاستقرار‏

من أجل التطور! يعيش التطور من أجل الربح! يعيش الأجانب والخبراء المهاجرون!‏

(2)‏

عندما أنهى رئيس المراسم حديثه في الحكايات الرمزية، هبّ جمع السارقين واللصوص الذين‏

تجمعوا في الكهف من أجل المنافسة واقفين وقابلوه بحفاوة بالغة حتى إن تصفيقهم كان شبيهاً بقصف‏

الرعد. صاح بعضهم: "ذلك الحذاء يتناسب تماماً مع القدم.. لاحاجة لأية جوارب، بينما راح آخرون‏

يتجاذبون ويشدون قمصان وأكمام بعضهم بعضاً ويتهامسون: ألم تسمعوا ذلك؟ من له يعطى ويزاد..‏

لقد أصاب رئيس المراسم عين الحقيقة في حديثه عن الوحدة القائمة بيننا وبين الأجانب. هم يأكلون‏

لحم البشر ونحن ننظف العظام.. الكلب الذي يملك عظمة أيسر بكثير من كلب خالي الوفاض.. ولكن‏

لا تخطئوا، ليس سوى عظم عليه قليل من اللّحم.. فتلك هي الاشتراكية الافريقية.. على غير شاكلة‏

اشتراكية "نيريري" وأصدقائه الصينيين، اشتراكية الجسد الخالص، الاشتراكية التي تسعى لمنع‏

الإنسان من التقاط عظمه.. ونحن لا نريد الإتجاهات الصينية في بلدنا، إننا نريد المسيحية..‏

طلب رئيس المراسم منهم الجلوس، وخف الصخب والتصفيق. كان له جسم معلوف جيداً: إذ‏

كانت وجنتاه مستديرتين مثل بطيختين، وعنياه كبيرتان حمراوان، مثل خوختين وكان عنقه ضخماً‏

مثل جذع شجرة "البوباب" الإستوائية. كان بطنه أكبر قليلاً من عنقه. كان له سنّان ذهبيان في فكه‏

الأسفل، وعند الكلام، كان يفتح شفتيه على مصراعيهما لكي تتسنى مشاهدة الأسنان الذهبية. وكان‏

يرتدي بزة حريرية تلمع مع النور، وتبدّل لونها وفقاً لكثافة الضوء وزاوية الحزمة الشعاعية. وقدم‏

لجمهوره ومشاهديه تفاصيل إضافية عن المنافسة.‏

سوف يعتلي كل متسابق المنصة، وسوف يحكي لنا كيف باشر السرقة والنهب وأين باشرهما،‏

كما سيحكي لنا بعد ذلك بإيجاز عن آرائه في كيفية إيصال مهاراتنا في السلب والنهب إلى حد‏

الكمال. أما الأهم من ذلك فهو أن عليه أن يبين لنا إمكانية تطوير شراكتنا مع الأجانب بحيث نعجّل‏

ارتقاءنا إلى جنان البضائع الأجنبية ومباهجها. وأنتم، أيها المستمعون، ستعملون عمل القضاة، ولذلك‏

فإن عليكم أن تصفقوا لكل متحدث حتى تبينوا مقدار ما نالكم من إلهام من جراء وصفه لأحاييله‏

وخدعه الأرضية.‏

إنني الآن، وأنا أتكلم كرئيس لفرع "إيلموروج" في منظمة السرقة واللصوصية الحديثة، أريدكم‏

أن تلاحظوا ما يلي.. إن منافسة هذا اليوم هي المسنُّ الذي نشحذ عليه أنيابنا ومخالبنا لكي نقضم بها‏

ثروات الآخرين في وحدة وسلام. ذلك، كما تعرفون، لأن بيتا فيه مسن عند الباب لا يكون فيه سكين‏

مثلومة.‏

ولذلك فإن على الخاسرين ألا ييأسوا. إن عليهم أيضاً الاستمرار في السلب والنهب، كما إن‏

عليهم أن يتعلموا أحابيل جديدة من الفائزين، فالحكمة يمكن تعليمها للحكماء أيضاً. لم يكن النمر‏

يعرف كيف يفترس بمخالبه حتى تعلم ذلك من الراعي.‏

أما الآن، وقبل أن أجلس، فإنني سأدعو رئيس الوفد الأجنبي من المنظمة الدولية للسارقين‏

واللصوص التي يوجد مقرها، في نيويورك بالولايات المتحدة لكي يتحدث إليكم. وأعتقد أنكم جميعاً‏

تعرفون أننا تقدمنا بطلب للحصول على العضوية الكاملة في منظمة السارقين واللصوص. إن زيارة‏

هذه المنظمة، إضافة إلى التاج والهبات التي أحضروها لنا، هي إيذان بقيام مرحلة تعاون مثمر تماماً،‏

وهناك أحابيل كثيرة يمكن تعلمها منهم. إن علينا ألا نخاف من الإعتراف بحقيقة أننا لا نعرف مثلما‏

يعرف الأجانب، وعلينا ألا نشعر بالعار والمذلة إذ نشرب من مناهل أجنبية في العلم والمعرفة ولذلك‏

دعونا نرش ونبلل صدورنا باللعاب داعين إلى الله أن يغدق بركاته على أعمالنا.‏

قام رئيس المراسم الآن بدعوة زعيم الوفد الأجنبي من السارقين واللصوص إلى المنصة لكي‏

يخاطب جمهور المتنافسين. وكانت الحفاوة التي لقيها رئيس الوفد الأجنبي عندما تسلق الدرج صاعداً‏

إلى المنصة أقوى من قصف الرعد. سحج رئيس الوفد حنجرته قبل بدء الخطاب.‏

كان أحد الرجال الانكليز هو أول من قال: "العصر عصر المال". ونحن الأمريكيون نؤمن‏

بالشيء نفسه: العصر عصر المال؛ ولذلك لن أضيع عليكم وقتكم بفيض من الكلام. إن الحكاية‏

الرمزية التي رواها لنا رئيس المراسم شملت أهم النقاط التي ينبغي ذكرها.‏

لقد جئنا من دول عديدة، بعيدة وكبيرة: من الولايات المتحدة وانكلترا وألمانيا وفرنسا ومن الدول‏

الاسكندنافية، السويد والنروج والدانمارك، ومن إيطاليا واليابان. دعونا نتوقف عن الكلام ونتأمل ذلك.‏

دول مختلفة، ألسنة مختلفة، وألوان جلود مختلفة، وديانات مختلفة- ولكن منظمة واحدة ذات هدف‏

واحدة وعقيدة واحدة هي السرقة.‏

جئناكم كأصدقاء لنا، كما جئنا أيضاً إلى أصدقائنا هم أيضاً كلاب حراسة على استثماراتنا.‏

ونحن عندما نكون بينكم نشعر وكأننا في بيتنا. لقد زرنا مغاور ومخابيء كثيرة يملكها سارقون‏

ولصوص محليون، ونحن في غاية السرور للعمل الذي أنجزتموه أيها الإخوان. وعلى الرغم من‏

حقيقة أنكم بدأتم في مرحلة حديثة متأخرة أساليب السرقة واللصوصية الجديدة، فإنه يبدو أنكم سيطرتم‏

على الأساسيات وأحرزتموها بشكل سريع جداً. وإني لأعتقد أنكم إذا تابعتم هذا المنوال، فستصبحون‏

خبراء حقيقيين في السرقة واللصوصية الحديثة، تماماً مثل أقراننا في العالم الغربي.‏

إن ما نرمي إليه هو اختيار سبعة تلاميذ. وسيصبح هؤلاء ممثلين لممثلينا، سارقون يعلّمون‏

سارقين آخرين، ولصوص يعلّمون لصوصاً آخرين، بل خبراء يعلّمون خبراء آخرين، ذلك لأنه،‏

وكما كان رئيس المراسم يحكي لي، ونحن جالسان معاً على الطاولة، لديكم قول عن وجود أدوات‏

حديدية تستطيع ثقب الحديد ذاته. إن المنافع التي ستصبح من حق هؤلاء التلاميذ السبعة هي ما يلي:‏

ما إن يتم تتويجهم، حتى لا يبقى ثمة باب واحد من أبواب الفروع المحلية لمصارفنا ودور التأمين -‏

أو لنقل الفروع المحلية لكافة بيوتنا المالية، مغلقاً في وجوههم. إن أي إنسان يعرف أي شيء عن‏

السرقة الحديثة يعرف حق المعرفة أن هذه المؤسسات المالية هي التي تحكم كل شيء في الوقت‏

الراهن -سواء كانت صناعات أو ضروباً أخرى من التجارة. إن بيوت المال هذه هي التي تملي‏

توضّع هذه الصناعة أو تلك، وتوسيع هذه الصناعة أو تلك. إنها تملي الملكية والنماء- إنها تحدد فيما‏

إذا كانت صناعة من الصناعات ستشاد من قبل "كاماو" أو من قبل "أونيانجو"، وفيما إذا كانت ستتوسع‏

أو تغلق أبوابها. إن بارونات دور المال هم الأصوات الحاكمة في العالم هذه الأيام. المال يحكم‏

العالم! وهذه الدور هي أيضاً الخزائن الوحيدة الموثوقة لإيداع الموجودات التي سلبها الإنسان من هنا‏

وهناك. سيكون من واجب هؤلاء المريدين السبعة أن يبينوا للسارقين واللصوص الآخرين، لا سيما‏

من لا يملك منهم خبرة أو تجربة، أفضل الطرق في النهب والسلب، وأفضل الطرق في الأكل‏

والشرب والغط في النوم وأفضل الطرق في ترويح الهواء كما يروحه الأغنياء، هذا الترويح الذي‏

تقولون أنتم أيها الأخوة أنه بلا رائحة.‏

أود الآن، وقبل أن أجلس، أن أترككم بكلمات قليلة من الحكمة. ليس ثمة شخص، على ما أعتقد،‏

إلا ويعرف بأن السرقة واللصوصية هي أحجار الزاوية في حضارة أمريكا والعالم الغربي. المال هو‏

القلب الذي ينبض في سبيل الإبقاء على العالم الغربي على طريق التقدم والتطور. وإذا كنتم أيها‏

الأخوة ترغبون في تشييد حضارة عظيمة مثل حضارتنا، فاسجدوا أمام إله المال. لا تلتفتوا لوجوه‏

أطفالكم الجميلة، أو وجوه أبويكم، أو وجوه أخوتكم وأخواتكم، بل التفتوا فقط إلى وجه المال البديع،‏

ولن تضلوا أو تخطئوا أبداً، خير لكم وأجدى أن تشربوا دماء شعبكم وأن تأكلوا لحمه من أن‏

تتراجعوا خطوة واحدة إلى الخلف.‏

لماذا أقول لكم هذا كله؟ السبب هو تجربتنا الخاصة. ذلك هو بالضبط ما فعلناه في أمريكا‏

وأوروبا الغربية. عندما حاول الهنود الحمر حماية ثروتهم ومنعها عنا، أبدناهم بسيف النار وبالمدفع،‏

ولم نبق إلا على نفر قليل منهم، ممن أرغمناهم بعد ذاك على البقاء كشاهد مذكر على تاريخنا وحتى‏

قبل أن نفرغ منهم، اتجهنا نحو قارتكم افريقيا وحملنا منها بضعة ملايين من العبيد، إن دماء أهليكم‏

هي التي رفعت أوروبا وأمريكا إلى المقام الذي تتبؤه الآن. لماذا أخفي هذه الحقيقية عنكم، وأنا أرى‏

أنكم أصدقاء لنا الآن؟ ونحن اليوم، لصوص وسارقون من أمريكا والعالم الغربي واليابان قادرون‏

على التجول في كل أرجاء المعمورة، نغتصب كل شيء رغم أننا، بالطبع، نترك كسرات قليلة‏

لأصدقائنا. لماذا نحن قادرون على فعل ذلك؟‏

السبب هو أن أسلافنا لم يخافوا التخبط بدماء عمالهم وفلاحيهم ودماء عمال البلدان الأخرى. إننا‏

اليوم نؤمن بديموقراطية السرقة واللصوصية، ديموقراطية امتصاص دماء العمال وأكل لحومهم‏

البشرية. وإذا أردتم أن تكونوا مثلنا، أنزلوا حنانكم وشفقتكم عن أغصان الأشجار، ولن يصيبكم‏

الوجل من عمالكم وفلاحيكم ولكنّ عليكم، كما قال رئيس المراسم قوله الحق، أن تحاولوا باديء ذي‏

بدء خداعهم بالكلام المعسول والآن أية صورة استخدمها رئيس المراسم؟ أوه، أجل، إن عليكم أن‏

تتعلموا تغليف السم بأوراق السكر. أما إذا تبين أنهم مشاكسون عنيدون، مثل الخادم الرديء في‏

الحكاية الرمزية، الذي حسب أنه أشد ذكاءً من سيده ومولاه، فإن عليكم عندها سحقهم بالتراب‏

والغبار بمسامير نعالكم.‏

وفي الختام، إن عليكم أن تطوروا حرفة السرقة، وسوف نقدم لكم يد المساعدة للدفاع عنها بكافة‏

الأسلحة الموجودة تحت تصرفنا. تلك هي رسالتي، وليحالفكم السعد جميعاً في أعمالكم.‏

عندما جلس رئيس الوفد الأجنبي، دبت الفوضى بالكهف كله وهو يردد صدى التصفيق العاصف‏

والأصوات. الحذاء ليس بحاجة إلى جوارب! إنه لا يحتاجها! فهو يناسب القدم تماماً! وقد صُنع من‏

أجل تلك القدم. وهذا الأجنبي يعرف حقاً كيف يلائم الأحذية!‏

افتتحت فرقة ملائكة جهنم الغناء بلحن قوي، بينما كان الحضور يتسامرون ويشربون. أخذ نفر‏

منهم يصفعون بعضهم بعضاً على الأكتاف بانفعال واستفزاز، بينما راح آخرون يقبلون عشيقاتهم‏

على الشفتين والأنف والعينين. لم يكن لهذا اللحن وزن إيقاعي مرح. كان اللحن أشبه بالترانيم أو‏

الترتيلات. وبعد بضع دقائق توجه الجميع باتجاه الفرقة وشرعوا جميعاً ينشدون وكأنهم في كنيسة:‏

أخبار طيبة وردت‏

وردت لبلادنا‏

أخبار طيبة وردت‏

عن مخلصنا وفادينا‏

(3)‏

التفتت "وارينجا" نحو "جاتويريا" وسألته: هل من المعقول أن يكون رجال يرتدون مثل هذه‏

الملابس الغالية سارقين ولصوصاً؟‏

رد عليها "جاتويريا" بالقول: في الحقيقة لا أعرف ماذا يجري.‏

إنهم لصوص! بالطبع إنهم لصوص. قالت "وانجاري".‏

إنهم لصوص حديثون، أضاف "موتوري".‏

إن لهؤلاء الأجانب بشرة حمراء جداً، قالت "وارينجا"، وهي تلتفت نحو المكان الذي يجلس فيه‏

اللصوص الأجانب.‏

ألم تسمعوا ما قاله رئيسهم؟ سألت "وانجاري"، ثم قالت هامسة: ذلك لأنهم يشربون دماء أطفالنا‏

وأطفالهم.‏

ولأنهم يغتسلون بها، قال موتوري. لقد كان "جاتويريا"، "وموتوري"، ووارينجا وابخاري‏

ومواؤرا يجلسون على طاولة في مؤخرة الكهف تماماً. فكان على وارينجا، كلما رغبت في الحصول‏

على نظرة نحو هؤلاء الأجانب، أن تمد عنقها.‏

كانت المائدة التي يشغلها الأجانب عند مدخل الكهف على أحد جانبي المنصة. وأمام المنصة‏

تماماً كان هنالك طاولة صغيرة ذات قوائم طويلة فكان كل متحدث يقف وراءها. وعند الزاوية‏

اليسرى من المنصة، في الخلف، كانت فرقة ملائكة جهنم.‏

كان المقعد الذي يشغله رئيس الوفد الأجنبي أعلى قليلاً من بقية المقاعد وكان ثلاثة من الأجانب‏

يجلسون على يمينه، بينما يجلس الثلاثة الآخرون على يساره. لاحظت وارينجا وهي تنعم النظر اليهم‏

أن جلودهم كانت حمراء فعلاً، وأنها تشبه جلود الخنازير أو جلد رجل أسود أحرقه ماء مغلي أو‏

أحرق نفسه برغوة الأسيد. وحتى الشعر على سواعدهم وأعناقهم كان ينتصب بخط مستقيم قائم مثل‏

شعر حمل معمّر. وكان شعر الرأس مائلاً للبني، بلون جلد الخلد. وكان طويلاً جداً يصل إلى أكتافهم‏

كأنه لم يحلق منذ الولادة. كانوا يعتمرون قبعات شبيهة بالتيجان. كما كان كل تاج مزيناً بسبع قطع‏

معدنية لها شكل القرون التي تلمع ببهاء ساطع جداً يكاد يبهر العيون ويعميها. كانت كافة التيجان‏

متشابهة، إلا أن تاج الرئيس أكبر قليلاً من التيجان الأخرى. وكانت أطراف القرون ملوية بحيث‏

تشكل الحرف الأول للبلد الذي حضر كل واحد منه.‏

كان هنالك اختلاف في البزات التي يرتدونها. إذ كانت بزة الرئيس مصنوعة من الدولارات،‏

وبزة الانكليزي من الجنيهات الاسترلينية، والألماني من المارك، والفرنسي من الفرنكات، والإيطالي‏

من الليرات والاسكندنافي من الكرونات، وبزة المندوب الياباني من الينات كما كانت كل بزة مزينة‏

بعدة شارات، أشبه بالشارات التي يرتديها الكشافة وكانت هذه الشارات معدنية، مثل مصابيح‏

الإعلانات الكهربائية، تضيء وتخمد، موضحة الكلمات المنقوشة عليها، كانت كل شارة تحمل شعاراً‏

أو شعارين من قبيل: المصارف العالمية، المصارف التجارية العالمية، مصارف الاستثمار العالمية،‏

مشاريع التأمين لابتلاع الأموال، الديوك الرومية الصناعية للمواد الخام، الصناعات الرخيصة‏

للتصدير إلى الخارج، تجار جلود البشر، قروض للربح، مساعدات بخيوط الحديد، أسلحة للجريمة،‏

مصانع تجميع السيارات من أجل المتع الفارغة في الوطن ومن أجل مزيد من الأرباح في الخارج،‏

كافة المنتجات الجميلة والمحبوبة لكي يبقى الحمقى يرسفون في أغلال العبودية، كونوا عبيداً من أجل‏

الراحة والهناء، تاجروا معي، وشارات كثيرة أخرى من هذا القبيل.‏

كانت المائدة التي يشغلها "جاتويريا" و"وارينجا" و"موتوري" و"وانجاري" و"مواؤرا" على مسافة‏

قليلة من المكان الذي يجلس به "مؤيريري" واموكيراي"، ولذلك لم يكن بوسعهم أن يروا غير قمة‏

رأسه. في الليلة السابقة، وهم في الطريق إلى ايلموروج، قرّ قرار الجميع على الالتقاء في المهرجان‏

ومشاهدة المنافسة بأنفسهم. وكان "مؤيريري واموكيراي" هو الذي أعطاهم بطاقات دعوة أصلية، إذ لا‏

يسمح بدخول أي شخص إلى الكهف دون بطاقة. وهذا ما تم تطبيقه فيما بعد. فعندما التقوا في الساعة‏

العاشرة من صباح ذلك الأحد، وجدوا حراساً عند الباب فطالبهم الحراس إبراز بطاقات الدعوة قبل‏

السماح لهم بدخول الكهف.‏

ولكن هل كان المكان بالفعل كهفاً أم منزلاً، بل واحداً من المنازل الفخمة الفاخرة؟‏

كانت أرض الكهف صقيلة ناعمة، كأنها تُجلى باستمرار- لقد كانت، في الواقع ناعمة جداً بحيث‏

أن من ينظر إلى الأرض يتمكن من رؤية وجهه مصوراً فيها. وكان السقف يلمع بالدهان المطلي.‏

كانت الثريات التي تشبه عناقيد الفواكه البلورية تتدلى من السقف. وكانت العناقيد مزينة بالبيارق‏

الخفاقة الملونة بكافة ألوان قوس قزح، ناهيك عن البالونات، كما كانت البالونات ذات ألوان متعددة،‏

خضراء، وزرقاء، وبنية، وحمراء وبيضاء، وسوداء.‏

كانت النادلات تنتقل من مائدة إلى مائدة، تتلقى طلبات الشراب. لقد كن جميعاً يرتدين ألبسة‏

القطط من الصوف الأسود. وكانت ملابسهن ملائمة تماماً لأبدانهن: إذ كانت تلتصق بكفاف أجساد‏

الفتيات بصورة ضيقة جداً بحيث أن المتطلع من مسافة بعيدة يمكن أن يحسبهن عاريات كما ثبتت‏

على أقفيتهن قطع تجميلية لاصقة لها شكل ذيل الأرنب. وثبتت على صدورهن ثمرتان بلاستيكيتان‏

من الفاكهة. وكل فتاة تضع على رأسها رباطاً كتب عليه باللغة الإنكليزية: "أنا أحبك" لقد ظهرن مثل‏

أشباح من عالم آخر.‏

كانت "وارينجا" تشرب الويسكي مع الصودا، بينما اختار كل من جاتويريا وموتوري ومواؤرا‏

الجعة، في حين أن وانجاري طلبت شراباً خفيفاً هو الفانتا Fanta. لقد دفع جاتويريا وموتوري فاتورة‏

الحساب.‏

لقد كان مهرجاناً بكل معنى الكلمة. وكانت الأوامر ذلك النهار -اشرب حتى الثمالة، أطلق‏

لنفسك العنان عن طريق توزيع الشيكات المصرفية في كل مكان. لقد بعث هذا الإجراء الفرحة لدى‏

معظم المتنافسين، إذ سنحت الآن لكل واحد فرصة عرض ثروته. كان كثيرون منهم يرغبون في‏

طلب مقادير سخية من الشراب- قوارير كبيرة من الويسكي والفودكا والبراندي والجن أو علباً كاملة‏

من الجعة لكل فرد. وكان أمثال هؤلاء يؤثرون عض شفاههم غيظاً وغضباً لو سمعوا بأن على‏

المائدة التي يشغلونها ثمة امرؤ يطلب المسكرات بالجرعة أو بقوارير الجعة الانفرادية. ذلك لأن‏

طلب المسكرات بالجرعة الصغيرة أو طلب الجعة بالقارورة، وهذا أمر متفق عليه بصورة عامة، هو‏

أسلوب شرب البائسين.‏

كان كثيرون منهم يتأبطون سواعد النساء الصبايا- بنات الهوى- اللواتي يتزين بالجواهر النفيسة‏

كأطواق الزمرد والياقوت حول أجيادهن، وخواتم الذهب والفضة على أناملهن.. بدا وكأن النساء‏

الموجودات في الكهف قد لبسن لمعرض أزياء، أو لعرض الحجارة الكريمة، كان الرجال يطلبون‏

لمعشوقاتهن شراب الشمبانيا فقط وهم يتحججون قائلين: خلوا الشمبانيا تجري وتجري مثل جريان‏

نهر "روئيرو" وإذا لم نستطع احتساءها كلها، فسوف نستحم بها.‏

متى سيباشرون؟ سألت "وارينجا" "جاتويريا".‏

إنهم يستعدون أجابها جاتويريا.‏

كانت "وانجاري" تقلّب أشياء كثيرة في ذهنها وتقول لنفسها: أنا سعيدة الحظ جداً. بالأمس فقط‏

أُطلق سراحي بعد أن قلت لرجال الشرطة: إنني سوف أستقصي أوكار كافة اللصوص والسارقين‏

حتى أتمكن من لعب دوري في خدمة الجمهور بصورة عامة. لكأنني كنت أعرف كل شيء عن هذا‏

المهرجان. أي سعد هذا! ما هي إلا أربع وعشرون ساعة ووجدت عرينهم. أليس هؤلاء هم الأوغاد‏

الذين تجمعوا في الكهف هنا مع أصدقائهم القادمين من الخارج؟ لو ألقيت القبض عليهم جميعاً‏

وأودعتهم السجن عن طريق رجال الشرطة، ألن يوضع حد للسرقة واللصوصية في "إيلموروج"،‏

وتتخلص البلاد كلها من أكلة لحم البشر؟ سوف أتريث حتى أسمع ما عندهم من كلام. سأعرف‏

مخططاتهم، بحيث أنني عندما أذهب لإحضار المفتش "جاكونو" وقوته البوليسية، سيكون في جعبتي‏

أدلة وقرائن كثيرة. إنني أرى أن موتوري يراقب كل شيء وينصت لكل كلمة، كأنه لا يريد أن يفوته‏

شيء- وإنني أتساءل عما إذا كان سيساعدني في الشهادة.‏

خطر لها أن تطلب مساعدته، ثم أحجمت عن ذلك، طفق قلبها يدق بإيقاع الأغنية التي أنشدتها‏

في سيارة "مواؤرا" الليلة الماضية.‏

تعالوا جميعاً‏

وشاهدوا المنظر المدهش‏

منظرنا ونحن نطارد الشيطان‏

مع كافة تلامذته ومريديه‏

تعالوا جميعاً!‏

ثم بدأت العصابة تعزف لحناً كونغولياً‏

وفجأة خطرت ببال "موتوري" فكرة فاتجه نحو "مواؤرا" وسأله هامساً: يا "مواؤرا"، ما هي‏

علاقتك بالقتلة الذين يسمون أنفسهم ملائكة الشيطان؟‏

انتفض "مواؤرا" وكأنه وخز بإبرة محمرّة من شدة الحرارة. كيف تعرف؟ كيف تعرف؟ سأل‏

وعيناه مفعمتان بالفزع.‏

ولكن في تلك اللحظة، توقفت الفرقة عن العزف، وتوقف الضجيج كله. وران صمت مطبق على‏

الكهف ووجه الجميع أبصارهم نحو المنصة.‏

كانت المنافسة على وشك الابتداء.‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:02 PM
(4)‏

سار المتنافس الأول بخطى مديدة إلى الأمام وقفز إلى المنصة. نظر اللصوص الآخرون بعضهم‏

إلى بعض بفزع ورعب.‏

كانت البزة التي يرتديها هذا المتسابق تحمل الاسم الذي أعطي له عند التعميد "نابير -ابن‏

العشب- المرتجف" لم يظهر عليها أية علامة على أنها مسّدت أوكويت سابقاً. كان طويل القامة‏

وضامراً. غير أن عينيه كانتا كبيرتين واسعتين تشبهان مصباحين كهربائيين متدليين من شجرة‏

"أوكاليبتوس" طويلة وهزيلة. وكانت ذراعاه طويلتين، يؤرجحهما ذات اليمين وذات اليسار كأنه لا‏

يعرف ماذا يفعل بهما -هل يدسهما في جيوبه، أم يتركهما متصلبتين، مثل جندي يقف في وضع‏

الاستعداد، أم يلفهما مثل رجل في موقف التحدي، لقد جرّب كافة هذه الوضعيات واحدة إثر أخرى.‏

كان يحك رأسه، ويطقطق أصابعه. وفي النهاية استقر على لفهما عبر صدره وندّت عنه ضحكة‏

خفيفة حتى يبعد عن نفسه رهبة المسرح وهو يبدأ قصته.‏

"اسمي هو "ندايا واكاهوريا" إذا كنت أبدو مضطرباً ومحرجاً، فذلك لأني غير معتاد على‏

الوقوف أمام مثل هذا الجمع الحاشد. غير أن هاتين اليدين اللتين تنظرون إليهما.. ومد يديه لكي يتيح‏

للجمهور رؤية راحتيه وأصابعه.. هاتين اليدين اللتين ترونهما متعودتين على الإندساس في جيوب‏

الآخرين. لو تزحلقت هذه الأصابع الطويلة داخل جيوبكم، فإنني أوكد لكم بأنكم لن تحسوا بها. لا‏

أظن أن في هذه المنطقة كلها لصاً واحداً يطلب مني أن أتنحى جانباً لكي يعلمني كيف اختطف‏

جزادين النساء في السوق، أو في الحافلات أو كيف أصيد دجاج الناس في القرى.‏

ولكن بحق الله في السماء- بل وأيم الحق والحقيقة- إنني أسرق لأنني جائع، ولأنني احتاج إلى‏

ملابس، ولأنني عاطل عن العمل ولأنني لا أملك مكاناً ألقي عليه رأسي الصغير هذا في الليل.‏

مع ذلك، ولكي أثبت أنني موهوب بالسرقة، دعوني أقدم لكم تصويراً حياً موجزاً عن الطريقة‏

التي أسرق فيها الدجاج في القرى.. تبدى وكأن رهبة المسرح لديه أخذت تتلاشى فراح الآن يقص‏

كيف يثقب ثقوباً في حبات القمح ويربطها معاً بخيط من النايلون ثم يلقي بحبات القمح للدجاج وهو لا‏

يزال يمسك بأحد طرفي الخيط ويغني مشجعاً الدجاج بذلك على النحو التالي: كورو كورو كورو..‏

كورو كورو كورو.. كورو كورو كورو.. هناك وآنذاك راح "ندايا"، وهو ينحني منكباً على المنصة،‏

يلوح بذراعيه يمنة ويساراً، كأنما يشاهد دجاجاً حقيقياً أمامه، يصيح لها: كورو كورو كورو، كورو‏

كورو كورو.. غير أنه قبل أن يتم قصته، بدأ بعض الضيوف يتذمرون ويصرخون، بينما راح‏

آخرون يصفرون لكي يظهروا اشمئزازهم من عرض "ندايا" وتمثيله على المنصة. وأخذ آخرون‏

يضربون الأرض بنعالهم ويصرخون كيف سُمح لهذا اللص البائس، بحكاياته السخيفة الكئيبة،‏

بالدخول إلى هنا؟‏

قفز رئيس المراسم إلى المنصة وطالب بالصمت والهدوء، خاطب جمهور النظارة قائلاً: إن هذه‏

منافسة للسارقين واللصوص، لسارقين حقيقيين -والمقصود بذلك، أولئك الذين بلغوا مراتب عالمية.‏

أما حكايات الناس الذين يكسرون الأقفال في أكواخ القرية أو يختطفون جزادين نساء السوق‏

المسكينات فهي أشياء مخجلة في نظر الخبراء الحقيقيين في السرقة واللصوصية، بل هي أكثر عيباً‏

وعاراً حين تتلى على مرأى ومسمع من لصوص وسارقين دوليين. لم يقطع الأجانب كل هذه‏

المسافات لمقابلة أناس سرقوا لأنهم جياع أو لأنهم بحاجة للملابس والعمل. إن مثل هؤلاء اللصوص‏

الحقراء مجرمون. ونحن هنا، في هذا الكهف، مهتمون فقط بالناس الذين يسرقون لأن كروشهم‏

متخمة. قال رئيس المراسم ذلك وهو يربت على معدته.‏

زالت عن "ندايا" كل دواعي الخجل والخوف وراح يخاطب رئيس المراسم بصوت جهوري:‏

اللص لص. يجب ألا يكون هناك لصوص من أصحاب الامتيازات الخاصة. اللص لص، وليس للدافع‏

أية قيمة أو شأن يجب أن يسمح لنا جميعاً بدخول المنافسة والتباري بحرية. فاللص لص.‏

تعالت من كل أركان الكهف أصوات جمع السارقين واللصوص بالاعتراض، ومن يصرخون‏

بغضب، قولوا له أن يبتعد ببذته الرخيصة تلك عن منصة يملكها رجال يعرفون شغلهم! يا" ندايا‏

واكاهوريا"، ونحن لا نريد النظر إلى اسمك المسيحي "نابير -ابن العشب، المرتجف"، دعوه يرتجف‏

مع الريح في الخارج! إرموه خارجاً! بمقدوره أن يأخذ موهبته الخاصة في سرقة الدجاج إلى‏

نجيروكا! يا رئيس المراسم، قم بعملك. إذا كنت عاجزاً عن ذلك، قل، وسوف نجد بديلاً يعالج‏

الموقف.‏

أومأ رئيس المراسم للحراس عند الباب. هرع هؤلاء إلى أمام، وهم يلوحون بهراواتهم في‏

الهواء، وأخرجوا "ندايا" بخشونة نحو الباب، رغم احتجاجاته القوية ضد التمييز. لقد طرد "ندايا" من‏

المهرجان. راح السارقون واللصوص الآخرون يضحكون ويصفرون فرحاً. ومرة ثانية أشار رئيس‏

المراسم مطالباً بالصمت والهدوء ثم أخذ يتحدث.‏

هذه منافسة من أجل سارقين ولصوص دوليين، وذلك يعني سارقين ولصوصاً أحرزوا مراكز‏

دولية. ولذلك لا نريد أغراراً أو هواة يقبلون إلى هذا المكان ويضيعون وقتنا. العصر عصر مال،‏

وكل زمن يسرق الزمن.‏

لذلك دعونا نتفق على القواعد التي تحكم هذه المنافسة من الآن فصاعداً إن سبب تجمعنا اليوم‏

هنا ليس سبباً ساذجاً بسيطاً كما يخال بعضكم، وهو ليس مسألة ضحك أيضاً. أنا أقول: ليس لمن‏

يسرق المئات أو حتى الألوف أن يزعج نفسه في القدوم إلى المنصة، لأنه بذلك يفرض ضريبة على‏

صبرنا دون مقابل.‏

لاقت هذه الكلمات تصفيقا حاراً.‏

تلك هي القاعدة الأولى. إن تصفيقكم، الذي هو دون ريب تلقائي ومخلص، علامة نوافق عليها‏

جميعاً. إننا نريد أن نرى ونسمع هنا عن لصوص وسارقين جلسوا مرة واحدة على الأقل يحصون‏

ويخزنون ملايينهم.‏

والقاعدة الثانية هي: ليس لواحد لا يتمتع بكرش كبير ووجنتين سمينتين أن يتعب نفسه ويعتلي‏

المنصة لإضاعة وقتنا. من ذا الذي يستطيع المناقشة بأن حجم كرش الإنسان وبدانة وجنتيه ليسا‏

المقياس الحقيقي لثرائه؟‏

أما اللصوص الذين يتباهون بكروش كبيرة، فقد قابلوه بترحيب وحفاوة لكن اللصوص النحلاء‏

الضعفاء استنكروا كلامه. وانقسم الجمهور في الكهف إلى قسمين، كما نشبت مجادلة حامية بين‏

البدينين والنحلاء.‏

هب رجل واضح النحول واقفاً لكي يحلّ نفسه تماماً من القاعدة الثانية.‏

كان مغتاظاً جداً بحيث أن تفاحة آدم في عنقه راحت تتراقص صعوداً وهبوطاً بسرعة مذهلة‏

وهو يتكلم. طرح هذا النحيل بأنه على الرغم من صحة كون كثير من اللصوص والسارقين يتمتعون‏

بكروش كبيرة ووجنات طافحة تتغذى على النعيم، فثمة آخرون يعانون من بطون خاوية ووجنات‏

جوفاء لأنهم في شغل دائم بالمشاكل التي تسببها زيادة ثرواتهم. أجل، المشاكل المتعلقة بحجم الثروة‏

ذاتها، قال الرجل، ثم أضاف: وذلك لا يعني أنهم غير بارعين في السرقة واللصوصية. كما ينبغي ألا‏

يُميّز المرء أو يعادى بسبب نحوله. إنه لا يستطيع ترقيع معدة إضافية لنفسه أو إستعارة كرش زوجته‏

الحامل حتى يسمح له بالاشتراك في المنافسة. إن كون الإنسان نحيلاً يختلف عن كونه مصاباً‏

بالنحول عن طريق سوء الحظ... وليس لنا أن نحكم على البطل من حجم بطتي ساقيه. أنهى النحيل‏

كلامه وجلس على كرسيه. النحلاء صفقوا له بعنف وحماسة، أما البدينون فقابلوه بالتسقيط.‏

أوشكت معركة على الاندلاع عندما قال رجل بدين بصوت مرتفع بأن الرجل الذي فرغ لتوه من‏

الكلام هو رجل ضامر هزيل مثل "ندايا واكاهوريا" وقف الرجل الذي وجهت له الإهانة وسأل بعنف‏

ومرارة: من سماني "ندايا وكاهوريا"؟ من سماني بائساً؟ من أهانني بمقارنتي بلص يتعامل مع حفنة‏

من المئات والألوف فقط.؟ فليتقدم! دعوه يتقدم، ولنعلنها حرباً بالأكف، بحيث أتمكن من تعليمه بأنني‏

أسرق بالملايين.‏

وقف بعد ذلك رجل لاهو نحيل ولا هو بدين، حسم النزاع بالقول: دعونا لا نعير اهتمامنا‏

للنحول أو البدانة، للبياض أو السواد، للطول أو القصر. إذ ليس ثمة ما يعتبر طيراً جارحاً صغيراً‏

جداً عندما يتعلق الأمر بالصيد والقنص. إن أي إنسان يشعر بأن لديه ما يأخذه الطير الجارح يجب أن‏

يسمح له بالتقدم والتنافس مع بقية الجوارح المفترسة. ينبغي أن يلتقي الجارح بالجارح لتصفية كل‏

شك وريب حيال من يجتذب الطريدة في التهام أرزاق الآخرين. ألقوا النظر فقط على ضيوفنا‏

الأجانب. بعضهم سمين وبعضهم الآخر نحيل. بعضهم يملكون شعراً أحمر اللون، وشعر بعضهم‏

الآخر ليس على هذه الدرجة من الاحمرار. واحد منهم قدم من اليابان في آسيا، وقدم آخرون من‏

أوروبا، بينما قدم زعيمهم من الولايات المتحدة. إن ما يجعلهم من عمر واحد، ومن منزل واحد، ومن‏

قبيلة واحدة، ومن حبل سري واحد، ومن نوعية واحده ليس هو السمنة أو النحول أو اللغة. كلا، إن‏

ما يربطهم سوية ويوحدهم كأعضاء في عشيرة واحدة، إنما هي السرقة، السرقة التي أفسحت لهم‏

نشر مجساتهم فوق الكرة الأرضية برمتها، مثل النبات الزاحف الذي يزحف في كل أرجاء الحقل.‏

ولذلك نحن، كلاب حراستهم المحليون، من حبل سري واحد أيضاً، ومن عمر واحد وبيت واحد‏

وعشيرة واحدة ونوعية واحدة. ونحن الذين تجمعنا هنا اليوم سواء كنا "ليو" أو كالنيجين" أو "مكاميا"‏

أو "سواحيلي" أو "مماساي" أو "مكيكويو" أو "مبالوهيا"، نحن جميعاً أخوة في السرقة واللصوصية،‏

نرتبط بعضاً إلى بعض عبر ارتباطنا مع هؤلاء الخبراء الأجانب، يا رئيس المراسم، إننا جميعاً ننتمي‏

إلى منظمة واحدة. فلنبق دائماً متحدين يجب أن يظل الإنقسام بين الناس الذين نسرقهم فقط، من‏

الناحية القبلية والدينية، بحيث لا يستطيعون مطلقاً تطوير منظماتهم القوية المتحدة لمجابهتنا.. أيها‏

الناس، إن النار التي تتقد بشكل عنيف قد تخرب اللحم الذي جعلها دسمة تتأجج لهيباً مشتغلاً!‏

عندما ختم حديثه، قوبل بتحيات التصفيق الراعد الذي كاد يهدم جدران الكهف وسقفه. مرحى!‏

مرحى!‏

هتف بعضهم بصوت عالِ، إذ كانوا مسرورين جداً بكلمات الرجل، هذا وبعد مناقشة موجزة، تم‏

الإتفاق على أن حجم الرجل ووزنه ودينه وقبيلته ولون بشرته ليس لها أي تأثير على مشاركته في‏

المنافسة، وأنه ينبغي أن يسمح لكل شخص بالمنازلة على أساس مهاراته وحيلته في السرقة‏

واللصوصية، ولكنهم جراء الحاجة للاستغناء عن المبتدئين والهواة تمت الموافقة على القواعد التالية:‏

قاعدة أولى. يجب أن يعطي كل متسابق اسمه‏

قاعدة ثانية يجب أن يعطي كل متسابق عنوانه.‏

قاعدة ثالثة يجب أن يكون كل متسابق عن عدد النساء اللواتي لديه، سواء كن زوجات أو‏

خليلات.‏

قاعة رابعة. يجب أن يقدم كل متسابق معلومات عن السيارة التي يقودها وعن طراز سيارة‏

زوجته وعشيقته.‏

قاعدة خامسة يجب أن يقدم كل متسابق وصفاً موجزاً لسيرته في السرقة اللصوصية.‏

قاعدة سادسة: يجب أن يوضح كل متسابق كيف يمكن زيادة السرقة واللصوصية في البلاد.‏

قاعدة سابعة: يجب أن يبين كل متسابق كيفية تمتين الروابط بيننا وبين الأجانب‏

وحين انتهى رئيس المراسم من قراءة القواعد، احتل مقعده وسط تصفيق راعد للغاية.‏

أحب أن أدخل المنافسة، قال "مواؤرا" "لموتوري".‏

وهل أنت لص؟ سأله "موتوري" أجاب "مواؤرا" مزمجراً: من أين تظنني أكسب أرباحي؟ ثم‏

راح يضحك وكأنه كان يمزح فقط غير أنه تذكر فجأة السؤال الذي وجهه له "موتوري" قبل ذلك عن‏

ملائكة الشيطان. فارق الضحك ثغره. واتجه نحو "وانجاري" متسائلاً: هل تراها تعرف ما يعرفه‏

"موتوري" عني؟‏

جلست "وانجاري" ساكنة هادئة، يتنازع داخلها أمران هما الشجاعة والنفور المرير. ودّت لو‏

تقف وتسكت الكهف كله باتهاماتها وشتائمها، غير أنها تذكرت قرارها باحتمال المهرجان بكل صبر،‏

حتى تتمكن من جمع قدر كاف من البراهين قبل المضي إلى شرطة "إيلموروج". سدّت أذنيها مدة‏

دقيقتين تقريباً حتى لا تسمع التهاني والإعجاب المتبادل للسارقين واللصوص وهم يحيون رئيس‏

المراسم بتصفيق محموم.‏

وبصورة مباغتة تماماً، شعرت "وانجاري" وكأنها نقلت إلى سيارة "مواؤرا"، حيث كانت تجلس‏

الليلة السابقة، متوجهة نحو "إيلموروج" سمعت صوت "مؤيريري واموكيراي" وهو ينقلهم بلطف إلى‏

عالم النوم بقصة الرجل الذي كان على أهبة السفر إلى بلد بعيد والذي استدعى خدمه ومنحهم خمس‏

مواهب، وموهبتين، وموهبة واحدة.. وأن الذي نال خمس مواهب مضى يتاجر نفس التجارة، فربح‏

خمس مواهب أخرى. وعلى المنوال نفسه، ربح الخادم الذي نال موهبتين موهبتين أخريين. غير أن‏

الذي نال موهبة واحدة ذهب وحفر الأرض وأخفى أموال سيده. وبعد مدة طويلة، عاد سيد هؤلاء‏

الخدم، وأخذ يصفي حسابه معهم، والذي نال.. مواهب..‏

شهادة "جيتوتو واجاتا نجورو".‏

إن ما سيرد لاحقاً هي أشياء كشفها "جيتوتو" "واجاتانجورو" تتعلق بالسرقة واللصوصية الحديثة‏

كان لهذا الرجل كرش ضخم ينتأ نتوءاً كبيراً بحيث يمكنه أن يلامس الأرض لو لم يكن مدعماً‏

بالشيال الذي يحمل سراويله، بدا وكأن كرشه امتص كافة أطرافه وكافة أعضاء جسمه الأخرى. لم‏

يكن له عنق -أو أن عنقه لم يكن مرئياً على الأقل، أما ذراعاه وساعداه فكانت جراميذ صغيرة. وكان‏

رأسه منكمشاً إلى حجم قبضة اليد.‏

كان "جيتوتو" يرتدي في ذلك النهار بزة سوداء حالكة وقميصاً أبيض ذا كشكش وأهداب. هذا‏

وقد احتلت ربطة عنق سوداء، تراءت وكأنها ألصقت بذقنه، المكان الذي يفترض أن يكون عنقه. كان‏

عكازه مزيناً بالذهب الخالص، وبينما كان يتكلم، كان يمسّد طرف كرشه بيده اليسرى ويليح بعكازه‏

باليمنى. كان يلهث وهو يتكلم، مثل شخص يحمل حملاً ثقيلاً.‏

قدم "جيتوتو واجاتانجور" شهادته على النحو التالي.‏

بالنسبة لإسمي، أنا "جيتوتو واجاتانجورو" هذا هو اسمي التقليدي أما اسمي الأوروبي، أو لعلني‏

يجب أن أقول: اسمي المسيحي، الذي هو أيضاً اسمي المعمودي -فهو "روتنبورو جراوند فليش‏

شيتلاند نارو ايسموث جوينت ستوك براون" عندما يسمع الأوروبيون اسمي الكامل، فإنهم يتراجعون‏

إلى الخلف في البداية، ثم ينظرون لي مرة بعد مرة بشيء من الاستغراب، بعضهم يهزون رؤوسهم،‏

وآخرون يضحكون فوراً. لماذا؟ ذلك لأنهم أنفسهم لم يسمعوا بمثل هذا الاسم الغريب على الإطلاق.‏

أيها الناس، إن الأوروبيين يخافون مني حقاً.‏

أما بالنسبة لشؤون الأسرة، فأنا الأكبر سناً ولي زوجة وخمسة أبناء -ثلاثة صبيان وابنتان. لقد أنهى‏

أحد الصبيان تعليمه في جميع جامعات افريقيا، وسافر الآن إلى الخارج لكي يكمل مأثرة مشابهة هناك. أما‏

الولد الثاني فقد حصل على مقعد في الجامعة حديثاً. ولكن ولدي الثالث وابنتي لا يزالان في المدرسة،‏

يكافحان مع الأقلام والكتب، إنني أقول دائماً: إن عليهم أن يحصلوا كل التعليم الذي كنت سأحصل عليه لو‏

كان والدي يملك نوعية المكر التي أملكها أنا الآن. إنهم جميعاً يدرسون في مدارس مكلفة، المدارس التي‏

كانت للأوروبيين. وحتى في هذه الأيام، فإن المدارس التي يداومون عليها لا تحوي غير المدرسين‏

الأوروبيين.‏

ولكنني قبل ترك مثل هذه الشؤون، أود أن أذكر أنه إضافة إلى زوجتي -وقد اتحدنا مع بعضنا‏

كزوج وزوجة في "كنيسة إرسالية "توجوتو"- أملك خليلتين، وأنتم تعرفون المثل القائل: إن من يملك‏

شيئاً احتياطياً لا يجوع بتاتاً، وعندما يشيخ الأوروبي فإنه يحب أكل لحم العجل.‏

قد يكون بعضهم ينظر إلى كرشي الصغير هذا، وعندما ترون كيف يتدلى أو عندما تسمعونني‏

ألهث، ربما تتساءلون: كيف يستطيع "جيتوتو" ابن جاتا نجورو تدبير أمر زوجته وخليلتين صبيتين؟‏

يا أخوتي، أود أن أسأل مثل هؤلاء المشككين السؤال التالي: لماذا نسيتم أمثالنا وأقوالنا المأثورة؟‏

حينما يجهّز الراقص نفسه لميدان الرقص، فهو وحده الذي يعرف كيف سيرقص. إن الفيل قادر على‏

حمل أنيابه مهما كانت كبيرة. ثم إن أي شخص قادر على مقاومة المال اليوم، لا يجد من يمدّ له يد‏

العون والمساعدة.‏

أما بالنسبة لعنواني، إن بيتي الحقيقي هنا في مرتفعات "إيلموروج الذهبية" وأنا أسميه بيتي‏

الحقيقي لأنه المكان الذي تعيش فيه زوجتي وأطفالي. إنه بمثابة مقر تبادل غير أن عندي بيوتاً عديدة‏

أخرى في نيروبي وناكورو ومومباسا ولا يسعدني بتاتاً النزول في الفنادق. وحين أقوم بأعمال‏

التهريب، أحب قضاء الليل في منزل يحمل اسم "جيتوتو واجاتانجورو" بالطبع هذه هي المنازل‏

المعروفة لأم أطفالي. غير أن لي أوكاراً قليلة أخرى في نيروبي. هذه الأوكار تخص عشيقاتي من‏

بنات الهوى.‏

وأما بالنسبة لسيارتي، فأنا أتجول بالعادة بسيارة "مرسيدس بنز" يقودها سائق خاص. ولكنني‏

أملك، بالإضافة إلى ذلك، سيارة "بيجو 604" وسيارة "رانج روفر" وهذه من أجل استخداماتي‏

الشخصية أما زوجتي فتقود سيارة "تويوتا كارينا" وهذه مجرد سلة تسوق لحمل البضائع من السوق.‏

وهناك عربات أخرى- شاحنات وجرارات أحتاج إليها في أنشطة العمل. ولن أضيع وقتكم في ذكرها‏

وعدّها. آه كنت على وشك أن أنسى ما يخص محبوباتي. لقد قدمت لواحدة منهن هدية عيد الميلاد‏

على شكل سيارة "تويوتا كورولا" وقدمت للثانية هدية عيد ميلادها على شكل سيارة "داتسون 1600".‏

الحب الحديث يتضارب مع راحة اليد المنقبضة!‏

الآن، يا أصدقائي، وقد رأيتم أنني أرفل بالنعيم وأن الحظ حالفني بجودة وسخاء، فهل من‏

المستغرب أن أمجد وأبجل وأنشد الأغاني للسرقة واللصوصية الحديثة؟‏

واليوم أنا أمشي الهوينى في الشوارع العريضة الممهدة، الشوارع التي ليس فيها أشواك أو‏

حجارة أو عرق، ألا ترون أن أصابعي تكاد تختفي؟ إنها لا تقوم بأي عمل.. بينما يكبر كرشي ويكبر‏

لأنه باستمرار متخم يعمل!‏

حين أستيقظ في الصباح، ابتلع عدداً قليلاً من البيض على شرائح من الخبز والزبدة مع كوب‏

من الحليب لكي يدفعها إلى الأسفل. وحوالي الساعة العاشرة أتناول رطلين انكليزيين من لحم الضأن‏

المشوي. وعند الثانية عشرة أشن حرباً على أربعة أرطال من لحم العجل على شكل شرائح مغمسة‏

بالنبيذ ومشوية بشكل جيد على الفحم، كما أغسل لحم العجل وأدفعه إلى معدتي بالجعة الباردة،‏

قارورة واحدة فقط. أما عند السادسة، فأقضم على مهل قطعة فروج، لمجرد أن أضع في بطني شيئاً‏

أشرب عليه الويسكي، بانتظار وجبة عشاء مناسبة في المساء.‏

إنني أؤمن بعقيدة ذلك المولى الدينية التي سردت علينا تواً من قبل رئيس المراسم، ولا سيما‏

بكافة الوصايا التي أعلنها لخدمه. احصدوا في المكان الذي لم تزرعوا به أبداً، وكلوا كل ما لم‏

تهدروا من أجله قطرة عرق واحدة، واشربوا ما أحضره الآخرون. ادفعوا المطر عنكم بالإلتجاء إلى‏

أكواخ لم تحملوا إليها عضادة واحدة أو قشة سقف واحدة، وارتدوا الملابس التي صنعها غيركم.‏

دعوني أذكر لكم، يا أصدقائي الذين أحبهم حباً جماً: لقد كان اليوم الذي بدأت به اتباع تلك‏

الوصايا هو اليوم الذي أخذت تسير به كل أموري بيسر وسهولة، دون توقف أو تعقيد.‏

كان والدي عضواً كبير السن في محكمة من المحاكم التي يسمح للسود الجلوس بها إبان الحقبة‏

الاستعمارية، الكرسي المحلي. وكان من عادة المحاكم في تلك الأيام أن تجتمع في "رؤوايني" بمقاطعة‏

"إيسيسيري"، وخلال تسنمه لذلك المنصب في تلك المحكمة تعلم كيف يعدل القانون في موضع‏

ويخالفه في موضع آخر، ولا سيما كيف يتلاعب به لكي يجعله يخدم أغراضاً معينة. لقد استولى على‏

أراضي الآخرين. لم يكن هناك رجل أسود واحد يمكنه أن يبذّ والدي في دعاوى المحاكم. انظروا إلى‏

الأمر من هذا الجانب، كان كافة أعضاء المحاكم من "كور" من "كبامبو" إلى "مورانجا" و"نييرى"،‏

أصدقاء حميمين له. وكانوا بالعادة يأتون إلى منزلنا لتناول الجعة. وبمناسبة زيارتهم، كان والدي‏

يذبح أفضل الخراف على شرفهم. حتى إنه ذبح لهم ثوراً بمناسبة أو مناسبتين! ونتيجة لذلك، كان‏

يستولي على أراضي الآخرين دون وجل وأصبح اقطاعياً كبيراً. تزوج عدداً كبيراً من النساء. لقد‏

كان عجوزاً متغطرساً. لم يكن عليه إلا أن يلتقي امرأة جميلة تحمل الحطب أو قادمة من الحقول حتى‏

يرسل في طلبها قائلاً: ابنة فلان وفلانة يجب أن تحضر إلي. غير أن والدي كان يستخف بالتخطيط‏

والتنظيم الأسري من أي نوع. ولقد كنا نحن، أولاده، أكثر عدداً مما يمكنه إعالتهم. لقد ورثت ثلاثة‏

أشياء عنه فقط: معرفة القراءة والكتابة، وكلمات الحكمة الصادرة عن لسانه، والرسائل التي كان‏

يتلقاها من أصدقائه الأوروبيين.‏

تعلمت في مدرسة "مامبيري" بمدينة "توجوتو" من مقاطعة "كيامبو"، وأكملت الثانوية الدنيا.‏

صرت معلماً وعلمت في المدرسة نفسها مدة عامين. ثم التحقت بالمحكمة العليا في "نيروبي"، بصفة‏

كاتب محكمة ومترجم. إن مثلنا الشعبي صحيح تماماً: "صغير الماعز يسرق مثل أمه" فقد رجعت إلى‏

منابت والدي وأصوله.‏

وجدتني "حالة الطواريء" في محاكم العدل. كان والدي واحداً من كبار السن الذين استخدمهم‏

الاستعماريون في عمليات تطهير أنصار حركة "الماوماو". لم أكن، من جهتي، أعرف أي جانب‏

أؤيد. لم أكن بارداً ولم أكن ساخناً. وبقيت على تلك الصورة، فاتراً، مختبئاً في محاكم العدل كمترجم‏

للمتورطين بجرائم ودعاوى القتل.‏

- وعندما جاءت "أوهورو"، وجدتني في محاكم العدل ذاتها، أراوح في مكاني، براتبي التافه‏

الضئيل أقلعت عن التفكير بالاتجاه الذي تدور به الأرض، أو باتجاه الرياح. ثم باشرت أعمالاً ثانوية‏

صغيرة، مثل حانوتي، وإدارة فندق. ولكن هذه الأعمال لم تكن مربحة على الإطلاق. لم أكن في تلك‏

الأيام قد هضمت الوصايا المقدسة لمجتمع الإنسان الذي يأكل أخاه الإنسان.‏

عند ذاك فقط تذكرت كلمات والدي قبل أن يموت من مرض التخمة. استدعاني إلى منزله وقال‏

لي: لقد كنت يا ولدي عاقلاً إذ باشرت العمل في بعض الحوانيت والفنادق. لدينا مثل شعبي يقول:‏

الراعي لا يظل في بقعة واحدة. وفي الرحلات لا يحمل أحد طعاماً للآخرين، بل يحمل كل مسافر‏

زاده الخاص. إن الراتب لا يشكل شيئاً لرجل يرعى أسرة. وفي الوقت نفسه، لا نستطيع نحن السود‏

إدارة أعمال صغيرة تتطلب الصبر. الهنود وحدهم هم الذين يملكون ذلك الصبر. اصغ يا ولدي‏

لكلمات محبة أبيك. أعرف أنك متعلم. غير أن العاقل هو من تعلم على يد إنسان شاهد كل شيء من‏

ذي قبل وتعلم عن طريق العراك والتجربة. إن حياة السرقة واللصوصية هي الطريق الأمثل لأي‏

شخص يسمي نفسه عاقلاً. تعلم من البيض ولن تخطئ على الإطلاق. فالرجل الأبيض يؤمن بأن ما‏

من عمل يبذ السرقة واللصوصية. سأحدثك بصراحة وصدق. لقد جاء الرجل الأبيض إلى هذه البلاد‏

حاملاً الإنجيل في يساره والبندقية في يمينه. سرق أرض الناس الخصيبة. سرق المواشي والماعز‏

تحت ستار الغرامات والضرائب. لقد سلب الناس تعب أيديهم.‏

كيف تظن أن "جورجان و"ديلامير" أصبحا ثريين؟ ليتني أنام في قبر أمي قبل أن أعتقد بأن‏

جهدهما وعرقهما هما ما جعلاهما ثريين إلى هذا الحد. من منا اليوم، على الرغم من أننا نرفع بيرقنا‏

الخاص، يمكنه أن يضارع ثراء الرجل الأبيض؟ ليس عندي ما أورثه لك. ولكنني أرسلتك إلى‏

المدرسة. وها أنا الآن أقدم لك آيات الحكمة. بين يدي هنا رسائل خطية من بعض البيض الذين كنت‏

أعمل معهم وكانوا مرتاحين جداً لخدماتي. أنا صديقهم وهم أصدقائي. إذا ما تعرضت لمشكلة في يوم‏

من الأيام، فاذهب إلى واحد منهم بالرسالة التي تحمل توقيعه. أخبره أنك ابن "جاتا نجورو" واطلب‏

مساعدته.‏

عندما تذكرت هذه الكلمات، جلست وسألت نفسي: من تراه صار ثرياً عن طريق جهده وعزفه‏

الخاص؟ من تراه صار ثرياً عن طريق راتبه الخاص؟ لم يشتر والدي أملاكه أبداً من راتبه. المكر‏

اشتراها. ولم تكن أجرة اليد هي التي وفرت "لجورجان" و"ديلامير" ثروتهما. المكر فعل ذلك. فكن،‏

أيها المكر، ملاكي الحارس الأمين. أما بالنسبة لدكاكين القرية ببضاعتها التي تتشكل من علبتي‏

كبريت، وعلبتي سجائر، وعلب الشاي التي تباع الواحدة منها بخمسة وعشرين سنتاً، وكيس من‏

السكر، وكيس آخر من الملح، وصفيحة من زيت الطبخ -من تراه صار ثرياً عن طريقها؟ لا أحد‏

بالتأكيد. كن ملاكي، أيها المكر. أمسك بيدي اليمنى، وأرشدني في الليل والنهار.‏

أعتقد أن ما جعلني أتذكر كلمات والدي هو حقيقة أنه بعد مرحلة "أوهورو"، بدأ نفر قليل من‏

السود يشترون الأراضي التي حارب من أجلها "الماوماو" أما ما كان أمراً مستغرباً جداً- وهذا، في‏

واقع الحال، ما بعث السرور بمجموعة من الناس ممن تم تحذيرهم قبل فترة قصيرة لخطر أخبار‏

"أوهورو"- هو أنه لا فرق بالظاهر بالنسبة للطرف الذي سبق أن قاتل فيه المرء من أجل الحرية.‏

وسيان كان المرء يدعى السيد "حار" أو السيد "بارد" أو السيد "فاتر" لم يكن لماضي المرء سواء كان‏

حاراً أو بارداً أو فاتراً أية صلة بالموضوع ما دام الأمر يتعلق بالاستيلاء على الأراضي. الشأن‏

المهم الآن هو البنية الصحية للمال. ولم يكن الحصول على ذلك المال يتم بعمل يدي الإنسان، بل كان‏

يتم بواسطة مكر عقله وذهنه، المكر والدهاء أكثر نفعاً من الجهد والعمل..‏

ولذلك توقفت عن العمل، ثم ركعت وصليت بحماسة:‏

أيها المكر، كن مرشدي‏

وخذ بيدي طوال الوقت‏

في صحوي وفي نومي‏

وحيثما أروح‏

أريدك أن تمنحني‏

الطعام الذي آكل‏

والماء الذي أشرب‏

بل حتى الملابس التي أرتدي‏

من ذلك الوقت فصاعداً، لم أتراجع، ولم آسف أو أندم على شيء. لم أكن أملك سنتاً واحداً في‏

جيبي تقريباً. ولكنْ بما أنني راقبت الخط الذي تسير به البلاد من لحظة رفع العلم الوطني عالياً في‏

السماء، كنت على ثقة بأنني ما حييت سأكون قادراً على البقاء بواسطة سلب أملاك الآخرين. ورحت‏

أقلب نظرتي الجديدة في عقلي إلى أن صارت الكلمات أغنية:‏

هذه كينيا جديدة!‏

سيان كنت حاراً أو بارداً،‏

إياك أن تروي لنا حكاية قديمة‏

العطر العتيق لا يناسب الرقص الحديث‏

أيها العقل، أنتج المكر والبراعة!‏

أيها المكر، باشر عملك!‏

تطلعت يمنة ويساراً، فوجدت أن أعظم شهوة في البلاد هي العطش والجوع إلى الأرض. سألت‏

نفسي السؤال التالي: لو ضربت الجوع بالعطش- ما هي النتيجة؟ تناولت القلم والورق وأجريت عن‏

ظهر قلب الحساب التالي:‏

الجوع× العطش= المجاعة‏

مجاعة الجماهير =ثراء رجل بارع في المكر‏

ها! إن دعوى الأحمق، إذا لم تحسم، تدوم زمناً طويلاً، إن مربي النحل الذي يؤجّل جمع العسل‏

يكتشف أن خلية النحل قد خربت. لذلك جمعت في صباح يوم باكر الرسائل التي ورثتها عن والدي.‏

ذهبت إلى منزل أوروبي يسمى "جاترو"، ذو اللحية". ولقد سمي "جاترو" لأنه خلال مرحلة الطواريء‏

كان يجر الناس من ذقونهم حتى يسلخ شعر وجلد ضحاياه، ولقد كان "جاترو" هذا واحداً من‏

الاستعماريين المنضوين تحت لواء فريق التطهير المعادي "للماوماو" مثل والدي. والرسالة، التي‏

كانت تثني على والدي جراء خدماته المخلصة، كتبت خلال فترة احتفالات أداء القسم الاستعمارية‏

المعادية "للماوماو". لقد كتب جاترو لوالدي في خاتمة الرسالة: بشرتك وحدها سوداء اللون، ولكنّك‏

أوروبي قلباً وعاطفة. قلت لجاترو: حاجتي الكبرى هي للأرض. عندما سمع بأنني ابن "جاتاتجورو"‏

لم يزعج نفسه في طلب أي نوع من الأمن والطمأنينة.‏

قال لي "جاترو": إن لديه مائة فدان من الأرض المعدة للبيع بالقرب من "نيروبي" وسوف يبيعها‏

لي لقاء مائة شلن للفدان الواحد. كانت الأرض رخيصة في تلك الأيام، لا كما هي عليه الآن. فكان‏

الثمن كله يبلغ عشرة آلاف شلن. اتفقنا على موعد أجلب له فيه المبلغ نقداً أو بشيك مصرفي.‏

غادرت منزله وذهبت لمقابلة صديق شاب يعمل في أحد المصارف. قلت له. أنا بحاجة لقرض‏

بمبلغ عشرة آلاف شلن. راح يضحك عندما شاهد أمارات القلق على وجهي. أعشرة آلاف فقط؟‏

سألني. وقلت له: نعم. ضحك من جديد، وطلب مني ألا أقلق. كان قد حصل لتوه على ثمرة من ثمار‏

"أوهورو" إنه الآن مسؤول عن قروض رجال الأعمال الأفارقة الواعدين في سبيل خلق طبقة افريقية‏

متوسطة راسخة الأقدام.‏

هل هذا موظف قروض؟ أخذ قلبي يدق أملاً وترقباً. ثم قال لي: ولكن تذكر، ليس في هذا العالم‏

شيء بلا مقابل، أعطني أعطك: ذلك هو الشعار الجديد. هذه هي كينيا الجديدة. أعطني وسوف‏

أعطيك. سوف أقرضك مبلغ خمسة عشر ألف شلن. وسوف يكون نصيبك من ذلك المبلغ عشرة‏

آلاف. أما الآلاف الخمسة الزائدة فهي نصيبي. وإذا كنت لا تقبل بذلك الترتيب، فالباب هناك وطريق‏

الانصراف مفتوح.‏

عندما سمعت ذلك، شعرت بالغضب يخنقني. ماذا! هل سيقرضني مبلغ خمسة عشرة آلاف شلن‏

لكي يدسّ في جيبه خمسة آلاف منها، ولن يساعدني حتى في سداد النقود؟ هل سيكون ربحه ديناً علي‏

أنا؟ بعدها، وفجأة، انفجرت بالضحك، رأيت أن نظرته ونظرتي كانتا متطابقتين! الثروة ليست نتاج‏

عمل يد الإنسان، وإنما نتاج دهاء عقله، والمكر هو نظام السوق الحرة لسلب الناس ثمار الحرية!‏

فقلت له: الحذاء مناسب، وهو ليس بحاجة إلى جوارب.‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:05 PM
بعد اسبوع، حصلت على عشرة آلاف شلن وضعتها في جيبي وعلى مديونية بخمسة عشر ألف‏

شلن في الجيب الأخرى، ثم عدت أدراجي إلى المحسن الأوروبي. قمنا بعد النقود. ووضع نصيبه في‏

جيبه. ثم ذهبنا معاً إلى مزرعة "جاترو". أوه، لقد كانت أرضاً قاحلة مجدبة، لم يزرع فيها شيء منذ‏

الأزل، كما لم يبن عليها أي مأوى أيضاً. كانت صحراء مرتعاً للحشائش والأعشاب الضارة الشائكة‏

والحجارة.‏

ومهما يكن، فقد حصلت بعد اسبوع على صكوك ملكية مائة فدان من الحجارة. وطوال هذه‏

المدة لم أنس عملية حسابي والأجوبة الخاصة بها: الجوع مضروباً بالعطش يولد مجاعة جماعية،‏

والمجاعة الجماعية مصدر من مصادر ثراء لص بارع. خسارة الجماهير مكسب لنفر قليل من‏

الناس. إن لقمة بعد لقمة أخرى، يتم الاستيلاء عليها من هذه اليد أو تلك، تشكل وجبة كاملة في جوف‏

من يسلب الفقراء أموالهم.‏

تملّك التعطش إلى الأرض أهل قريتنا الآن! أخذت قطعة الأرض البالغة مائة فدان وقسمتها‏

خمسين مقسماً مساحة كل منها فدانان. ثم نشرت إعلاناً بأن أهل القرية وحدهم مسموح لهم شراء‏

المقاسم. إن سليل بيت الأجداد هو دائماً من يتلوث بزيت -سعد الابتداء. كما أعلنتُ عن عدم جواز‏

امتلاك أكثر من مقسم واحد لأي شخص. إن "جيتوتو "واجاتانجورو" لم يرغب بإقامة أية صلة مع من‏

يسلبون الأرض.‏

لقد بعتُ كل مقسم لقاء خمسة آلاف شلن. وبعد أسبوع واحد لم يبق مقسم واحد دون بيع. حتى‏

إنني لم أحتفظ بمقسم واحد لنفسي. لماذا أرغب في امتلاك فدانين من الأشواك والحجارة؟‏

أخذت جيبي ترن الآن بصوت الرنين الطروب الصادر عن /250.000/شلن. وبعد أن سددت‏

قرض المصرف وسددت كل مصاريفي الأخرى بقي معي ربح صافٍ قدره /220.000/شلن. ولم‏

تستغرق الصفقة كلها سوى ما يقل عن شهر واحد فقط.‏

أخذت الرياح تلوّح لسمعتي وتنشرها كالنار في الهشيم خلال فصل جاف. مما قيل: إنني رجل‏

يعمل كما يقول، وإنني أقوى على الحصول على الأرض للفقراء وبيعها بأسعار زهيدة لهم، وإنني لم‏

أحتقظ لنفسي بمقسم واحد بسبب حبي للناس. بدؤوا ينشدون أغنيات الثناء لي، وهم يسمونني ابن‏

"جاتانجورو"، الولد المتشرب حب الناس. هل ترون ما يمكن تحقيقه بالمكر والاحتيال؟ لقد نسي الناس‏

أن والدي كان حارس بيت "جاتيرو"، وأنني شخصياً بقيت مختبئاً بمحاكم العدل التي درجت على إدانة‏

"الماوماو" والحكم عليهم بالموت.‏

تعلمت درساً مفيداً. قبل أن أرتدي رداء المكر، لم أكن أملك سنتاً واحداً باسمي. ولكنني الآن،‏

بعد ارتداء رداء المكر لمدة شهر واحد فحسب، أملك بضع مئات الألوف من الشلينات في المصرف،‏

وشهرتي أعظم من شهرة أي إنسان هدر دمه في سبيل بلاده. وهذا كله دون أن أهرق قطرة عرق‏

واحدة وأجعلها تسقط على الأرض التي بعتها.‏

هذه هي المسألة. الأرض لم تكن أرضي والنقود التي دفعتها ثمناً لها لم تكن نقودي، كما أنني لم‏

أضف أي شيء عليها -فمن أين حصلت على مبلغ /220.000/شلن؟ إنها من جيوب الناس. أجل،‏

من جيوب الناس أنفسهم! أما أنا شخصياً فلم أفعل سوى أنني نقلت الأشياء من يد إلى يد أخرى.‏

أجريت قليلاً من عمليات الضرب ووضعت الجواب في جيبي.‏

عند ذاك فقط عرفت أن مواهبي تكمن في التلاعب وفي إجراء عمليات الضرب ودس الأجوبة‏

داخل جيوبي. قمت بتأسيس جمعيات، وشركات لشراء الأرض في "وادي الريفت" وهذا ما كنت‏

أفعله. كنت أذهب إلى الوادي، وأبحث عن ألف فدان من الأرض أو قرابة ذلك، ثم أتفق مع البائع‏

على السعر. كنت أحبذ العودة إلى الإقليم المركزي، أو بالأصح إلى قريتي أو المناطق القريبة من‏

مسقط رأسي. ثم أصدر بياناً بالعثور على قطعة أرض من مساحة ونوعية معينة، وأن على الناس‏

شراء المقاسم في النقابة أو الجمعية التي شكلت لشراء الأراضي.‏

أتذكر مزرعة واحدة في "سوبوكيا". كانت هي المزرعة التي صنعتني بحق. كانت مساحتها ألف‏

فدان، وكان فيها أبقارها التي لا تعد ولا تحصى. وكان مالك المزرعة واحداً من "البويريين"، وكان‏

يقسم دائماً أنه لن يعيش في كينيا محكومة من قبل السود أبداً ومطلقاً. ولذلك كان يبيع المزرعة بثمن‏

زهيد. لأنه كان في عجلة من أجل الهجرة إلى جنوب افريقيا قبل أن تتفشى حالة التشوش الكامل على‏

الطراز- الكونغولي في كينيا الجديدة. لقد قدمني وعرفني عليه "جاتيرو". اشتريت المزرعة مقابل /‏

250/شلن للفدان الواحد- فكلفتني المزرعة كلها مبلغ /250.000/شلن. وكالعادة، قسمت المزرعة‏

إلى نصفين متساويين. النصف الأول ومساحته /500/فدان كان للجمعية، أما النصف الثاني فقد تم‏

توزيعه إلى مقاسم صغيرة مساحة كل منها فدانين فقط، بحيث يصبح كل عضو في الجمعية، عند‏

شراء أحد الأسهم، مالكاً لمقسم. بلغ مجموع الأسهم /250/سهماً. وكل سهم يكلف خمسة آلاف شلن.‏

وهكذا بلغت مساهمات الأعضاء جميعاً مبلغاً قدره /1.250.000/شلن، وبعد إعطاء البويري مبلغ /‏

250.000/شلن، بقي لي مبلغ مليون شلن كامل. أودعت المبلغ كله في حسابي المصرفي. أعطيت‏

المزرعة للأهالي. كانوا في غاية السرور، ورجوني أن أرأس الجمعية غير أنني رفضت. طلبت‏

منهم أن يختاروا قادتهم، ونصحتهم بالطبع باختيار القادة الشرفاء الأمناء، الذين ليس لديهم جشع‏

للمال. كان عملي هو الحصول على الأرض وتركها للأهالي يديرونها بأنفسهم.‏

ذاع صيتي في كل روابي المنطقة وأرجائها. كما أن حسابي المصرفي ازداد وتضخم. ومن هذا‏

الشعب الساذج نفسه حصلت فيما بعد على بضع سنتات اشتري فيها مزارعي العديدة، مزارع القهوة‏

والشاي والدقيق ومرابي الماشية.‏

أما اليوم فأنا مزمع على وضع يدي بأيدي عدد من الأجانب من إيطاليا، الذين يخططون لشراء‏

منطقة كاملة في "ميرو" و"إيمبو" لزراعة وإنتاج الأرز والسكر، غير أنني لم أتخل عن المضاربة‏

بالأرض التي تدر علي ربحاً وفيراً.‏

ثمة فكرتان أرغب في تطويرهما الآن. الفكرة الأولى تتعلق بأساليب ووسائل زيادة الجوع‏

والعطش إلى الأرض في البلاد كلها، وهذا ما يولد المجاعة، فيخلق الناس عندئذ ملوك مال من‏

الدرجة الأولى. وسوف تفعل الجموع ذلك بالطريقة التالية: حالما يزداد جوع الناس وعطشهم للأرض‏

إلى درجة كبيرة عن المستوى الحاضر، سنبيع نحن، مالكي الأرض، التراب بالقدور والصفائح،‏

بحيث يتمكن المرء في أقل الدرجات من زرع غرسة واحدة وتعليقها على سطح منزله!‏

أصدقائي، حين نصل إلى مرحلة بيع التراب بالقدور والصفائح، نكون حقاً نصنع المال!‏

تصوروا جميع السكان، وهم يحملون الصواني والصحون أو السلال، يقفون رتلاً على باب المكتب‏

طلباً للتراب! إنهم بعد ذلك سيعلقون حبات ترابهم القليلة على أسطحتهم أو شرفاتهم ويزرعونها‏

بالبطاطا على سبيل رشوة أطفالهم الباكين حتى يخلدوا للهدوء والسكينة!‏

أما الفكرة الثانية التي أريد استغلالها فهي كيف نستطيع نحن، ملوك المال من الدرجة الأولى،‏

أن نحبس الهواء في الجو، ونضعه في علب ثم يبيعه للفلاحين والعمال، تماماً كما يباع الماء والفحم‏

لهم الآن. تصوروا الربح الذي سنحصده لو قدر لنا أن نبيع الناس الهواء الذي يستنشقون في علب أو‏

لو نتمكن، وهذا أفضل، من قياسه بالأمتار! إن بوسعنا أيضاً استيراد بعض الهواء من الخارج، هواء‏

مستورد، وهذا ما نستطيع بيعه للناس بأسعار مرتفعة! أو بوسعنا تصدير هوائنا للخارج لكي يعبأ‏

بالعلب والقوارير- أجل، ذلك لأن تكنولوجيا الأجانب متقدمة جداً! ومن ثم يردُّ إلينا وهو يحمل‏

عنوان: صنع في الولايات المتحدة، أو صنع في أوروبا الغربية أو في اليابان، هذا الهواء مصنوع في‏

الخارج، وإعلانات مشابهة أخرى.‏

أيها الأخوة، تأملوا هذه الأفكار. حين يصير الفلاحون والعمال في حالة تململ وعناد وحين‏

يستعصون، لبأسهم على قواتنا المسلحة، فإننا نستطيع بكل بساطة حرمانهم من الهواء إلى أن يخرّوا‏

ساجدين أمامنا! عندما يحدث طلاب الجامعات شيئاً من البلبلة، نحرمهم الهواء، وعندما تتذمر‏

الجماهير نحرمها الهواء! حين يرفض الناس أن يسرقوا أو تسرق لهم ثرواتهم، نستطيع بكل بساطة‏

أن نسدّ الهواء عنهم حتى يأتوا بأيد ضارعة قائلين: نرجوكم، اسرقونا، اسلبونا بلا رحمة أو شفقة.‏

هذا وعندما انتهى "جيتوتو واجاتا نجورو" من شهادته، كان يلهث كثيراً من شدة التعب. سقطت‏

قطرات من عرقه على الأرض. كما كان كرشه الناتيء يرتجف وكأنه يريد التحرر من صاحبه‏

والوقوع على الأرض.‏

لما وصل إلى أوج خطابه، وأخذ يصرخ "أنا ملك السارقين واللصوص! ترنح جيتوتو وانهار‏

وقد أعياه التعب تماماً.‏

مشى رئيس المراسم مع رجلين آخرين مشياً متهادياً إلى المنصة، وأخذوا يروّحون جسده‏

بالمناشف حتى عاد إلى وعيه. ثم هب نصف النظارة بالكهف واقفين لكي يحتفوا به.‏

ماذا! هل يتوهمون بأننا نسينا؟ همست "وانجاري" تسأل "موتوري"‏

يبدو أنهم يتصورون بأننا أطفال يمكن رشوتهم بالحلويات لكي يسكتوا أجابها موتوري.‏

الأنكى من ذلك، بالحلويات التي أخذت من جيوبنا، أضافت "وانجاري". عندما لاحظ "مواؤرا"‏

"موتوري" "وانجاري" يتهامسان، دب في صدره القلق: لماذا سألني موتوري عن ملائكة الشيطان؟‏

راح يتساءل ماذا يعرف عني؟ من هو موتوري؟ من هي وانجاري؟ عاد جيتوتو إلى مائدته، معتمداً‏

في سيره على رجلين، ولكنه لا زال يصرخ: أنا ملك الملوك في مملكة المكر والاحتيال! أيها السادة‏

والأسياد، لاحظوا ماذا فعلت بمواهبي..‏

.. والخادم الذي منح.. مواهب..‏

شهادة كيهاهو واجاثيكا‏

هذه هي تجارب "كيهاهو" "واجاثيكا"، وقد أميط عنها اللثام على مسامع الذين احتشدوا في كهف‏

اللصوصية في ايلموروج لحضور المنافسة الخاصة بالسرقة واللصوصية الحديثة. كان كيهاهو رجلاً‏

طويل القامة، نحيلاً: إذ كان له ساقان طويلتان وذراعان طويلتان، وأصابع طويلة وعنق طويل وفم‏

طويل. كان فمه بشكل منقار الديك، طويلاً ونحيلاً وحاداً. كانت ذقنه ووجهه ورأسه تشكل مخروطاً.‏

وكان كل شيء فيه يدل على النحول والدهاء الحاد.‏

كان "كيهاهو" يرتدي في ذلك اليوم بنطالاً مقلماً باللونين الأسود والرمادي، وسترة ذات ذيل‏

أسود، وقميصاً أبيض وربطة عنق سوداء، كان وهو يقف على المنصة يشبه "فرس النبي" وهي‏

تصلي أو البعوضة.‏

راح يسحج حنجرته، ثم قال الكلمات التالية:‏

ليس عندي كلام كثير، وكل شيء يزيد عن حده، يصبح سماً. أما القليل فيكون حلاوة في أغلب‏

الأحيان. إن هدفي، بل بالأحرى شعاري، هو العمل بقدر الكلمات. أفعالي هي البوق الذي يكون‏

صوته صدىً لقدراتي كلص وسارق. وأنا شخصياً أفضل صورة للأقوال المأثورة التي ذكرها البعض‏

في وقت سابق هذا اليوم: من مثل أن طول القامة ليس بلية أو مثلبة، وأن البطل لا يعرف من حجم‏

بطتي ساقيه. ذلك لأنني، في الحقيقة، الديك الذي يصدح عند الفجر ويسكت الآخرين جميعاً. إنني‏

الأسد الذي يزأر في الغابة فيجعل الفيلة تبول خوفاً. إنني العقاب الذي يطير في السماء، فيجبر‏

الصقور تأوي إلى أعشاشها. أنا الريح التي تبز كل نسمة وتسكتها، أنا البرق الذي يبهر كل ضياء.‏

أنا الرعد القاصف الذي يخرس كل ضجيج، إنني الشمس في السماوات خلال النهار، والقمر، ملك‏

النجوم خلال الليل. أنا ملك ملوك السرقة واللصوصية. توجوني بالتاج الذهبي، فلم يعد من المبكر‏

كثيراً على الملك الجديد البدء بولايته وحكمه.‏

لا أمتدح نفسي حباً بالمديح وحده، لقد حضرنا إلى هذا المكان لنعقد حلقة بحث في السرقة‏

واللصوصية الحديثة. لسوف أغني أغنية عن نفسي تحرك ضيوفنا الأجانب كي يجعلوني مشرفاً على‏

المشرفين الآخرين، وكلباً حارساً على الكلاب الآخرين، ورسولاً فوق كل الرسل. قولوا نعم،‏

وسأحكي لكم حكاية كلها غرابة وعجب.‏

إن فنون المهارة من النوع الذي ذكره لنا "جيتوتو واجاتانجورو"، لا تعدُّ شيئاً يذكر على‏

الإطلاق. إن ترؤس المرء للجمعيات أو الشركات التي تشتري الأرض بطريقة يكون فيها ذلك المرء‏

الأول في انتقاء كل الأبقار المعافاة لمزرعته الخاصة، أو كونه بموقع يحول فيه الاموال العامة‏

لمنفعته الشخصية، أو الاقتراض من المصرف على ضمانة أراضي الجمعية.. هذه كلها هي الألاعيب‏

البسيطة التي تعلمت من خلال السلب والنهب.. وهذه يسمونها في الانكليزية ألاعيب هواة أو تكتيكات‏

مبتدئين.‏

أما إسمي، فهو "كيهاهو واجاثيكا" واسمي الأجنبي هو "لورد جابريل بلودويل -ستوارت -جونز"‏

وإذا ما انتقلنا إلى موضوع الأقرباء، فأنا الأكبر سناً وعندي زوجتان. تزوجت واحدة منهما قبل أن‏

أصبح ثرياً وتزوجت الثانية بعد ثرائي، حين صرت أتلقى الدعوات إلى حفلات الكوكتيل. وأنتم هنا لا‏

تحتاجون لمن يحاضر فيكم عن أن العطر القديم الذي فقد أريجه لا يناسب الرقص الحديث والتسامر‏

باللغات الأجنبية. وإذا خانت المرأة، فقد تعرض مستقبلك كله للخطر. ولذلك فإن زوجتي الثانية‏

تعرف الانكليزية وليس لها من عمل سوى التزين بالملابس الفاخرة وبالجواهر من أجل حفلات‏

الكوكتيل.‏

أما بالنسبة للأطفال فعندي عدد قليل تماماً. وهم جميعاً يتقنون الحديث بالانكليزية من خياشيمهم‏

مثل الذين ولدوا وتربوا في انكلترا. لو سمعتموهم يتحدثون لغة "جيكويو" أو السواحلية، ستضحكون‏

وتضحكون حتى تبولوا تحتكم. إنه أمر مضحك جداً. إنهم يتكلمون اللغتين وكأنهم كهنة إيطاليون‏

وصلوا حديثاً من روما -كهنة دون ياقات الكهنة. غير أن الأطفال أطفالي وسيان عندي إذا ما تحدثوا‏

بلغاتهم القومية مثل الإيطاليين الأجانب.‏

لننتقل إلى العشيقات وبنات الهوى. أنا لا أطارد بنات المدارس. فالبنات من ذلك الطراز هن‏

الخطر بعينه. قد ينقلون الأمراض، وليس عندي وقت لحقن البنسلين أو ابتلاع أقراص الحماية قبل‏

أداء العمل.‏

إنني أحب زوجات الآخرين. الإنسان بذلك يحصل على شعور بالانتصار وأنتم تعرفون أن في‏

ذلك نوعاً آخر من أنواع السرقة، أليس كذلك؟ إنني بارع بخاصة مع النساء البورجوازيات. إنهن لا‏

يقاومن مطلقاً. وليس عندهن غرور ومطالب. يردن شيئاً واحداً فحسب. بعضهن لا يكتفين برمية أو‏

رميتين -ذلك لأن أزواجهن دائماً في النوادي الليلية مع عشيقاتهم. وكثيرات منهن لايملكن ما‏

يشغلهن، وهن ينشدن في هذه الأيام أغنية واحدة -تغيروا، فالبذور الطيبة لا تحتويها حبة قرع واحدة.‏

والفرّج ليس ذرة ملح أو صابون ينحل أو يختفي بعد الاستعمال. لقد أطلقت عليهن الاسم المعمودي:‏

الجاهزات للتسليم. وهن رخيصات لا يكلفن كثيراً. غير أن بينهن محترفة واحدة، عندها سلّم درجات‏

طويل جداً. تركت زوجها من أجلي، فشعرت وكأنني عائد بأكاليل النصر من إحدى الغارات. غير‏

أنه ترتب علي إعطاؤها شيئاً بالمقابل: فأعطيتها مليوناً و/500.000/شلن ثمن مقسم أرض بمساحة‏

عشرة فدادين اشتريتها لها في "تيجوني"، بالقرب من "ليمورو".. وذلك هو ما دعاني لأن أقسم‏

باستمرار بأنني لو ضبطت زوجتي تتسكع على منعطفات الطريق، فسأجعلها ترى من خلال فوهة‏

شرجها!‏

وأما بالنسبة لسيارتي، فليس ثمة طراز واحد لم أجربه.. فأنا أبدل السيارات كالملابس. إن سيارة‏

"المرسيدس بنز" تتفوق عليهم جميعاً، ولكنني حين أملّ منها، أبتاع سيارة "سيتروين" أو "ديملر" أو‏

"رانج روفر". لقد اشتريت أيضاً دمى لزوجتي وأطفالي، دمى من طراز "تويوتا" "وداتسون" "وبيجو".‏

أما عن رياضاتي فهي: عدُّ النقود في المساء، وممارسة لعبة "الجولف" أيام السبت والأحد‏

وبالطبع مداعبة أفخاذ الجاهزات للتسليم عندما يتيسر الوقت.‏

إنني دائماً أقارن نمط الحياة التي أحياها مع نمطها قبل ولوج عالم السرقة واللصوصية، فيبدو‏

لي ذلك أشبه بمقارنة النوم بالموت. قبل أمد مديد من "أوهورو" كنت أعيش مع الممحاة والطباشير في‏

يدي، أعلم الأطفال أبجديتهم في إعدادية "رؤانيري". آه، كم كانت أياماً مروعة! تعودت أكل ugali‏

بالملح كحساء، أو مع ما قيمته عشر سنتات من الخضروات عندما زارني طائر السعد. كنت أسعل‏

طوال اليوم بسبب غبار الطباشير الذي تكدس في حنجرتي ولم أكن أقوى على دفع ثمن أية مادة‏

دسمة أخفف فيها الألم الذي يعتمل في صدري.‏

لا أعرف، حتى في هذه اللحظة، كيف صدف أن فتحت غرفة الصف في أحد الأيام ونظرت إلى‏

الخارج، فوجدت ناساً كثيرين من جيلي منهمكين في اقتطاف ثمار شجرة "أوهورو". سمعت هاتفاً يهتف‏

في أذني: ياكيهاهو، يا ابن جاثيكا، كيف تقوى على البقاء هنا كالأبله، وأنفك مسطوم بغبار الطباشير، بينما‏

يمضغ أقرانك في الخارج ثمار الحرية؟ ماذا تنتظر؟ وماذا سيتبقى لك بعد أن يستولي كلٌ على نصيبه؟‏

تذكر أنه لا مجال لجمع الفتات من مأدبة يأكل عليها سادة فن الأكل.‏

وفجأة زالت الغشاوة عن العينين. صرت أقوى على الرؤية بكل وضوح. الآن رميت الطباشير‏

من النافذة، وارتديت سترتي الطويلة، قمت بالخطوة الكبرى في تحويل مسار حياتي وودعت مهنة‏

التعليم، كنت أنا الآخر أريد فرصة اكتشف فيها طعم ثمار أوهورو وامواخريكا".‏

العجلة الزائدة تفلق في الغالب حبة البطاطا. اسمعوا وعوا. لقد اندفعت بصورة جنونية نحو أول‏

ثمرة وقعت في طريقي، مثل الفتاة في تلك القصة التي داورها الآخرون وخدعوها لالتقاط الثمار‏

وعيناها مغمضتان فانتهى بها الأمر إلى التقاط الثمار الجافة فقط. كان طعم الثمرة مراً في فمي. هل‏

تراني قطفت تفاحاً برياً وأنا أحسبه تفاحاً حقيقياً؟‏

دعوني أحكي لكم عن الخطيئة التي أخطأتها، فنحن لم نأت إلى هنا لمجرد التباهي بقدراتنا وإنما‏

لكي نتشارك تجاربنا أيضاً. بينما كنت لا أزال أمارس التعليم، اكتشفت أن أكبر تعطش في بلادنا هو‏

التعطش للعلم. لقد كان هذا التعطش طاغياً على جموع الناس، غير أنه كان أساساً لثراء قلة من‏

الصفوة. وحتى الناس الذين لا يستطيعون بغير الجهد الجهيد معرفة الأبجدية، افتتحوا مدارسهم‏

الثانوية الخاصة وحصلوا من جراء هذا المشروع على سيارة "مرسيدس بنز" أو اثنتين. كانت أبنية‏

المدارس تصنع في الغالب من الطين، والمدرسون يجندون من سقط المتاع، والمقاعد تصنع من‏

أخشاب بالية، والقرطاسية تجمع من الطرقات، ومع ذلك كانت المدارس تدرُّ أرباحاً على أصحابها.‏

فكرت أن علي أيضاً أن أجرب حظي لمعرفة الوزن الحقيقي لقطعة النقد التي تقطف في ذلك المجال.‏

فكرت أن علي أن أفتتح مدرسة لرياض الأطفال أو الحضانة لأنها لا تتطلب مزيداً من المال‏

الموظف. ذهبت إلى أحد المصارف وحصلت على قرض. وكانت الضمانة مزرعتي الصغيرة. بحثت‏

ثم عثرت على عمارة في نيروبي. ثم بحثت حتى وجدت فتاة افريقية فشلت في الثانوية العامة،‏

فوظفتها لرعاية الأطفال: إذ إنها ستلاعبهم وتعطيهم قليلاً من الحليب عند العاشرة، وتعلمهم بعض‏

الأغاني. ثم نشرت إعلاناً كبيراً في إحدى الصحف يحمل الكلمات التالية:‏

مدرسة الجمال الأسود الجديد لحضانة الأطفال‏

من أجل الأطفال الكينيين‏

يملكها ويديرها ويعلم فيها‏

كينيون فقط‏

تعلم فيها اللغة السواحلية‏

أغاني كينية.. تهويدات كينية.. الخ.. الخ‏

أجور رخيصة، ونوعية عالية‏

هيا واحداً واحداً، وهيا جميعاً‏

حسنٌ، لم يلتحق بمدرستي طفل واحد، ولو كان عاجزاً‏

جلست القرفصاء، ورحت أبكي وأنا أتذكر مبلغ المال الذي أنفقته وأنا عارف حق المعرفة بأن‏

المصرف قد يبيع بالمزاد العلني قطعة الأرض التي وضعتها بكثير من التهور ضمانة لذلك. فكرت‏

وأمعنت في التفكير. أتراني لم أفحص شجرة "أوهورو" فحصاً سليماً بحيث أنني قطفت بدلاً من ثمرة‏

التوت الحلوة ثمرة العليق المرة؟ ثم حدثت نفسي: مقلباً في ذهني كل ما يمكن أن يقف في طريق من‏

يسعى لجمع المال.‏

قمت بقليل من البحث الإضافي لكي أعرف ما يجري بالفعل. وسرعان ما اكتشفت أن ما من‏

كيني واحد بارز، عند الحصول على مزرعة، يمكن أن يوظف كينياً بمنصب المدير، بل يوظف‏

أجنبياً أوروبياً فقط. إن الكيني المرموق الذي كان مثالاً للنجاح في الأعمال الكبيرة لا يستخدم كينياً‏

للإدارة أو المحاسبة، بل يستخدم أوروبياً أو هندياً أجنبياً. وعندما يتحادث الكينيون، لا يستخدمون‏

لغاتهم القومية، بل هم يتحادثون باللغات الأجنبية. وكما أحد الكينين، لاحظت ودققت حتى توضحت‏

رؤيتي.‏

وكان ذلك هو أساس أرباح البورجوازية الكينية الحديثة.‏

قفلت مسرعاً بالعودة إلى دار الحضانة قبل أن يبدأ المصرف بإزعاجي، غيرت اسم المدرسة،‏

أعطيتها اسماً معمودياً جديداً هو: "مدرسة العهد الجديد للحضانة". ثم بحثت عن امرأة بيضاء تكون‏

هي المديرة، لحسن الحظ، عثرت على واحدة، كانت امرأة عجوزاً مقعدة، نصف عمياء ولا تسمع‏

جيداً، وكانت دائماً تغط في النوم وافقت على الانضمام للهيئة التدريسية ولممارسة النوم في المدرسة.‏

قمت بعد ذلك بزيارة عدد من المحال التجارية في نيروبي. اشتريت تماثيل أطفال-أشكالاً بشرية‏

بلاستيكية- وألبستها ثياباً فاخرة. ثم قمت بإلصاق شعر مستعار أحمر اللون على رؤوسها. ووضعت‏

آلات كهربائية داخل بطونها البلاستيكية، وثبّتت دواليب صغيرة على باطن أقدامها البلاستيكية.‏

وعندما كنت أشغل الطاقة الكهربائية، كانت التماثيل تتحرك على الأرض كأنها أطفال بشر حقيقيين‏

يلعبون. ومن خلال زجاج نوافذ المدرسة الكبيرة يستطيع المرء رؤيتها وهي تمارس اللعب حتى وإن‏

وقف في طرف الشارع. بعد ذلك نشرت إعلاناً كبيراً في إحدى الصحف:‏

مدرسة العهد الجديد لحضانة الأطفال‏

مديرة أوروبية خبيرة‏

في السابق للأوروبيين وحدهم،‏

مفتوحة لعدد قليل من الكينيين الآن،‏

مستويات أجنبية كسابق عهدها‏

اللغات الوطنية، والأناشيد الوطنية والأسماء الوطنية محظورة‏

لغات أجنبية، أغاني أجنبية، ألعاب أجنبية الخ- الخ‏

وسائل انكليزية تقنية في التعليم‏

الأمكنة محدودة‏

اتصل أو احضر بسيارتك‏

اللون ليس عائقاً، النقود هي الأهم‏

الأجور مرتفعة‏

أوه، بدأ الآباء بعد هذا يتصلون هاتفياً بنا في الليل والنهار -لكي يحجزوا أماكن لأطفالهم. وكلما‏

دق الهاتف كنت أهرع لإيقاظ المديرة الأوروبية للرد، غير أن القسم الأكبر من الآباء كانوا يفضلون‏

الحضور بسياراتهم للتأكد من تأمين مقعد لأطفالهم. كان الآباء، عند رؤية المديرة الأوروبية ورؤية‏

التماثيل وهي تلعب من خلال النوافذ، يدفعون الرسوم فوراً، ولا يكلفون أنفسهم معرفة أي شيء آخر‏

عن المدرسة.‏

قبلت، بل الأصح، طلبت من المديرة ألا تقبل أكثر من مائة طفل. وكان كل طفل يدفع 2500‏

شلن في الشهر. غمرتني السعادة، فقد كان ذلك يعني أنني سأدس في جيبي كل شهر مبلغ /250.000‏

/شلن وبعد دفع أجرة المبنى ورواتب المديرة ومساعديها، يتبقى لي مبلغ /200.000/شلناً كل شهر.‏

وأرجو ألا يغيب عن بالكم بأنني طيلة هذه المدة لم أهدر قطرة عرق واحدة، ولم أبتلع أي غبار من‏

الطباشير والمماسح. لم يكن طعم ثمرة تلك الشجرة مراً بالنسبة لي.. لا لم يكن كذلك على الإطلاق.‏

قطفت ثمرة أخرى وثمرة بعدها. افتتحت أربع مدارس أخرى لرياض الأطفال، مستخدماً الحيلة‏

نفسها في توظيف نساء بيض معمرات بل معلولات عرجاوات وشراء تماثيل بيضاء اللون تحل محل‏

الأطفال البيض الحقيقيين. وحتى في إيلموروج هنا وفي روائيني، افتتحت عدداً من مدارس الحضانة‏

وفق نفس الخطوط.‏

لقد كانت ثمرة تلك الشجرة وافرة بالتأكيد. وكانت بحق ناضجة جداً. كما كانت حلوة- غير أن‏

تلك قصة أخرى! لقد علّمنا الأوروبيون الآن أن من غير المستحسن وضع البيض كله في سلة واحدة.‏

ولذلك فكرت أن علي أن أجرب حظي في معرفة ثمار بقية الأشجار. إن الجمعيات والشركات من‏

النموذج الذي تحدث عنه "جيتوتو واجاتانجورو" إضافة إلى أساليب أخرى في السرقة واللصوصية‏

من خلال المضاربة بالأراضي أتت لي بأكل التهمته بفرح وسرور.‏

غير أن الشجرة التي قطفت عنها ثماراً أينع وأحلى من كل أشجار أوهورو الأخرى هي -‏

انتظروا ودعوني أبدأ حكاية تلك الشجرة الخاصة من بدايتها، لكي تروا جميعاً أنني لست غراً مبتدئاً‏

حين يتعلق الأمر بفن السرقة واللصوصية.‏

بعد أن قطفت كثيراً من الثمار عن الشجرتين اللتين سقاهما تعطش الناس للتعلم وجوعهم‏

للأرض، رحت أتطلع فيما حولي لأرى الثمار التي كان يقطفها أقراني. رأيت أنه ما إن جمع الناس‏

الثروة وكدسوها حتى تطلعوا لدخول البرلمان. رأيت بأم عيني كيف أن أحدهم باع مزرعته وباع‏

زوجته الجميلة بالمزاد العلني لكي يسدد مصاريف حملته الانتخابية. أخذت أفكر: ماذا في هذا‏

المجال، الذي صار هدفاً للاقتتال الداخلي إلى درجة أن الناس كانوا مستعدين لتوزيع ملايين الشيكات‏

المصرفية وبيع زوجاتهم وبناتهم ومزارعهم؟ هل يمكن أن تعطي هذه الشجرات ثماراً أكثر من كل‏

الأشجار الأخرى؟‏

اتخذت قراراً بدخول عالم السياسة واكتشاف الوضع النفسي: مع أن من يجلس تحت الشجرة هو‏

وحده الذي يعرف ما تأكله نملة الشجر السوداء. ولكن بما أنني كنت أعرف أيضاً المثل الذي يقول:‏

إن العجلة الزائدة تفلق حبة البطاطا، فقد عزمت على ألا أدخل السباق من أجل مقعد برلماني -فتلك‏

المقاعد، كما تعرفون، خطرة جداً وكانت سبباً في سفك الدماء- بل سأدخله من أجل مقعد في مجلس‏

مقاطعة "ايسيسيري، رؤايتي ورد".‏

إذا ما قلت فعليك أن تفعل، وليس من المبكر على الإطلاق تسويق الخضار قبل أن تفقد‏

نضرتها. رحت بكل معنى الكلمة أغدق المال وأدسه في جيوب من هم حولي. حين أقصد أن أفعل‏

شيئاً فإنني أفعله بإبداع فلا أتراجع. لقد جمعت جوقة من نساء "نياكينيوا" ممن ينشدن مدائحي‏

ويخترعون الحكايات عن الكيفية التي كنت أقاتل فيها من أجل الحرية، وكيف وفرت الأرض والتعليم‏

للناس إضافة لأنواع أخرى من الكذب على هذه الشاكلة. واشتريت أزياء موحدة وملونة لنساء‏

"نياكينيوا"، وصورتي مطبوعة عليها.‏

وظفت بعدئذ جناحاً من الفتيان وظيفته تدمير أملاك خصومي وضرب الذين يتهامسون بالشكاوى‏

ضدي. كان لي خمسة خصوم. انفردت باثنين منهم وأخرجتهما من المعركة بثمن قدره /50.000‏

/شلن لكل منهما. أصدر كلاهما إعلانات عامة بأنهما ينسحبان لمصلحة البطل "جاثيكا". ورفض‏

الخصم الثالث الرشوى. وفي ليلة من الليالي، تم اختطافه من قبل اثنين من فريق الفتيان ونُقل إلى‏

غابة "رؤايني"، حيث شاهد سبطانة البندقية وطلب إليه أن يختار بين العيش وبين النجاح في‏

الانتخابات. اختار بطل الحكمة والتعقل البقاء حياً. أما الخصم الرابع فلم يقتصر على رفض الرشوى‏

ولكنه في الواقع ذهب أبعد من ذلك إلى حد أنه جاهر بالتحدي حتى بعد تهديده بالبندقية. أرسلت‏

بعض الفتيان إلى بيته، فكسروا كلتا ساقيه.‏

أما الخامس فكان من أبناء الحرام، أرسل على وجه السرعة قطاع الطرق التابعين له، والذين‏

سدّوا الطريق بسيارتهم وصوبوا بندقية علي وحذروني بأنه إذا حاولت اللعب مع زعيمهم، فإن‏

النتيجة ستكون سناً بسن، وعيناً بعين وساقاً بساق، ودماً بدم. وصلتني الرسالة. ولم يكن خصمي‏

مازحاً. سلّمت بالأمر الواقع. طلبت منهم إبلاغ رئيسهم بأن أكلة أموال الآخرين يلتقون عادة في‏

الميدان كي يقروا من هو الذي يستطيع أن ينال من الآخر. ولذلك فإن عليه الموافقة على مقابلتي في‏

أرض المعركة الانتخابية حتى نضع حداً لكل شيء، مرة واحدة وإلى أبد الآبدين، تبين من هو‏

الأفضل. وفي غضون ذلك، حذرت من أن ما من طرف ينبغي أن يهدد الطرف الآخر. المال قوة.‏

ولذلك فإن عليه أن يترك أمواله وأموالي تتحاربان في الميدان. وفي نهاية الأمر، توصلنا إلى تفاهم:‏

اتفقنا على ترك الحديد يقرع الحديد لنرى ما هو الأمضى وأيهما يحفر ثقباً في الآخر.‏

ولهذا بقي الميدان مفتوحاً لكلينا، الأموال تقوم بالعمل، وتبين من منا سرق أكثر من الآخر، من‏

جانبي أنا، أعطيت تعليمات بفتح كافة الصنابير فتحاً تاماً، لكي يتمكن كل شارب جعة من ارتشاف‏

القدر الذي يريده، بعد معرفة أنه أعطى صوته لصالح ابن "جاثيكا" وإنني أقول لكم: لم أترك حيلة‏

واحدة لم أجربها، ومنها شراء الأصوات. صرفت مبلغاً قدره مليونا شلن على تلك الحملة، لم يكن‏

خصمي سهل المنال. فقد صرف مليوناً ونصف المليون غير أن المقعد في نهاية المطاف كان من‏

نصيب البطل الذي ترونه واقفاً أمامكم الآن.‏

وحتى قبل أن أحتل مقعدي بصورة صحيحة في المجلس، بدأت أحس كيف أتمكن من استرداد‏

الملايين التي أنفقتها على الحملة. كنت في غضون ذلك قد عرفت بأن الحماسة للرقص الحديث‏

وقودها المال. جربت كل شيء. ولمدة أسبوع أو أسبوعين، لم أنم ملء جفوني لأن علي أن أقضي‏

وقتي في مقابلة هذا العضو أو ذاك. كلفتني الحملة الثانية خمسين ألف شلن أخرى. وكانت النتيجة‏

أنني عُينّت، بل انتخبت، رئيساً للجنة الإسكان في مجلس مقاطعة "ايسيسيري" وهذه اللجنة مسؤولة‏

عن إنشاء وتوزيع منازل المجلس وعن تعيين المقاسم الصناعية والتجارية للأفراد أو للشركات.‏

عرفت من هذا أنني بلغت مأربي حقاً. حان وقتي. والأملاك العامة تسمّن الرجل المراوغ.‏

ما كان يحدث من حين لآخر هو أن يقترض المجلس نقوداً من المصرف العالمي الذي تملكه‏

أمريكا. أو من المصارف الأوروبية واليابانية، لتمويل بناء منازل رخيصة للفقراء. وكان هذا مصدراً‏

للدسم الحقيقي. أستطيع تذكر إحدى المناسبات عندما هدّم المجلس بعض الأكواخ في رؤايني. كان‏

المشروع يقضي بتشييد ألف منزل بدلاً عنها. حصل المجلس على قروض من مصرف إيطالي‏

لتمويل المشروع. وكانت الشركة التي كسبت العرض لبناء البيوت شركة إيطالية أيضاً. غير أنها‏

بالطبع أعطتني أولاً دفعة أولية مستورة بمبلغ مليوني شلن تقريباً. أودعت النقود في حسابي‏

المصرفي وعرفت أن مصاريف الحملة قد سددت. ورحت أنتظر عائدات أموالي المستثمرة في‏

الانتخابات.‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:08 PM
لم أعثر إلا بعد تشييد المنازل على ما كنت أسعى إليه. ترتب على كل إنسان يريد منزلاً أن‏

يشتري لي في البداية كأساً من الشاي بقيمة /2.000/شلن. فحصلت على مليونين آخرين بتلك‏

الطريقة، أودعتها المصرف بأكملها.‏

لا أرى داعياً للقول إنه بعد مرور سنتين على الملايين التي وظفتها في الحملة الانتخابية لم تدرّ‏

علي سوى مبلغ صغير تافه. ولم أرقْ، كما تلاحظون، قطرة عرق واحدة. جاءت نقودي كلها من‏

نفس الناس الذين اقترعوا لصالحي. كيف؟ لأن ذلك كان ضريبتهم التي ستذهب لدفع الأموال‏

المقترضة من المصارف الأجنبية.‏

ما رأيكم بذلك؟ لو كنتم مكاني، هل تتوقفون عن قضم تلك الثمرة، التي كان طعمها أشد حلاوة‏

من الحلاوة نفسها؟ لم أتوقف بتاتاً عن اقتطافها. أخذت أقطف ثمرة بعد ثمرة. كان العصير الحلو‏

يندلق من زاويتي فمي قبل أن أتعلم الأكل بروية وتعقل.‏

أما في هذه الأيام فلا أنتظر إلى أن يبني المجلس البيوت لكي أدس الثمار الحلوة في جيبي. لقد‏

وحدّت جهودي مع بعض الإيطاليين الأجانب وشكلّنا شركة إنشاءات: شركة رؤايني لتطوير الإسكان.‏

وشركتي هذه هي التي تكسب العروض من المجلس بالعادة. غير أن الشركة أيضاً تقترض أموالاً من‏

المصارف لإنشاء عزبات كاملة، وتقوى على بيع البيوت قبل ردح طويل من اكتمالها. أيها الأخوان،‏

لا تبخسوا تعطش الناس للبيوت حقه، الشركة تبني بيوتاً تناسب مختلف الطبقات. لا يتأتى الربح كله،‏

مثلاً، من المنازل الحجرية. هل شاهدتم تلك الثكنات المصنوعة من الطين والخشب؟ إذا شيدتم أكواخاً‏

من هذا الطراز ثم أجرتموها للعمال والفلاحين، ذلك هو، بالتأكيد، مكمن الدسم والربح.‏

أخذت أتلقى دعوات لكي أصبح مديراً لفروع الشركات الأجنبية أشتري سهماً هنا، وأدس في‏

جيبي بدل جلوس هناك، كنوع من البقشيش بسبب حضور اجتماعات الهيئة. ومن كل تلك المصادر،‏

كنت قادراً على الحصول على بضع سنتات آخذها للبيت كل شهر- إذ إن قطعة من هنا وقطعة من‏

هناك تجمع في بطن "كيهاهو واجاثيكا" رغم نحوله لكي تشكل رقماً كاملاً كبيراً.‏

لهذا السبب أنا مدين بالشكر والامتنان لجموع الشعب الكيني. ذلك لأن عماهم وجهلهم وعجزهم‏

عن المطالبة بحقوقهم هي التي تمكننا، نحن جماعة آكلي لحم البشر، من أن نتغذى على عرقهم دون‏

أن يسألونا مزيداً من الأسئلة المحرجة.‏

ولكن علينا ألا نطمئن أو نتصور بأن الجماهير ستظل بلهاء دائماً. هذا وإن الاحتمال في تغير‏

الأمور هو ما دفع بعض الأجانب لتعييني مديراً لشركاتهم في سبيل حمايتهم من غضب جماهير‏

العمال والفلاحين، ولست ضد ذلك التعيين، فهو مربح ومفيد نوعاً ما.‏

هذا هو ما يدفعني في هذه الأيام إلى عدم تفويت أية فرصة لتقديم هبات التنظيم الموحد. قد أدفع‏

عشرة آلاف شلن هنا، وخمسة أو عشرة هناك وربما أدفع عشرين ألفاً في مكان آخر. ذلك يعتمد على‏

مزاجيتي ولكنني حين أقصد حقاً أن أترك انطباعاً عند الناس، أذهب في البداية إلى شركات يملكها‏

الأجانب- وأنتم تعلمون أن هذه الشركات تخصص نقوداً لرشوة العامة- فأطلب منهم منحة، عشرة‏

آلاف شلن، عشرة سنتات، خمسة سنتات، ما تيسر، ثم أعتلي المنصة لكي أعلن عن كرمي وسخائي،‏

إن مئات الألوف هذه التي أحضرتها في أكياس هي مني ومن أصدقائي. وتردد جوقتي من نساء‏

"نياكينيوا" الزغاريد الخمسة التي تردد احتفاءً بالمولود الذكر، وذلك كله إكراماً لي. ماذا قلت؟ إن‏

حجم تصفيق اليوم يعتمد على حجم جيوب المتلقين. فالنقود تقوى على جعل الجبال مستوية. من يغني‏

اليوم على شرف كيماثي وأمثاله؟‏

قد تبقى الجماهير كما هي عليه مدة طويلة، ترتل الأغاني على حجم جيوب الإنسان فقط. وهذا‏

سيمنحنا وقتاً أكبر لكي نعيش على دسم الأرض -وكما تعلمون، ما يستقر في البطن بسلامة لا يكشف‏

إطلاقاً عن وجوده للعيون أو الآذان الفضولية. أنا شخصياً أؤمن بمبدأ الحكم والسيادة عن طريق حمل‏

جزرة في اليد اليسرى وعصا في اليد اليمنى. إن عطايا الوحدة المنظمة هي جزرتنا، غير أن هنالك‏

عدداً قليلاً من الحرس الأسود ممن يملكون الجرأة على الحديث عن إزاحة القشور عن عيون‏

الجماهير. إن من يرغبون في إيقاظ الجماهير يجب أن يهددوا بالقضيب -الاعتقال أو السجن- تماماً‏

مثل الذين تعرفون كل شيء عنهم. ولكنني بالعادة أرسل قطاع طرقي إلى من يمتازون بالعند- وبعد‏

مداورتهم بكد وتعب، بالعقاقير والكحول والنقود- يتم نقل أجسادهم بالعربات إلى الضباع على روابي‏

"نجونج"، أو إلى التماسيح في نهر "آثي"، لكي يواصلوا عملهم من أجل الجماهير داخل بطن ضبع أو‏

تمساح (مثل الأشخاص الذين تعرفون جميعاً أخبارهم). إنني لا أؤمن بهراء الديمقراطية هذا،‏

موضوع الحديث في الصباح هو الديمقراطية، وموضوع الحديث في المساء هو الديمقراطية أيضاً.‏

هل الديمقراطية طعام وشراب؟ لو استطعت الإمساك بهؤلاء الصبية من طلاب الجامعة، مع‏

أساتذتهم الأقزام... "وانجنيجوتا"... فسوف أحملِّهم بطائرة وأطلب منهم أن يأخذوا معهم هراءهم‏

الشيوعي إلى الصين والاتحاد السوفييتي، عفواً، أيها السادة لقد صرفني غضبي العارم من تلك‏

المجموعة عن الموضوع الرئيسي. دعوني أستأنف حكايتي. آوه، نعم، كنت أتحدث عن السرقة‏

واللصوصية القائمة على الإسكان. وأنا، من جهتي، لن أتنازل ماحييت عن السرقة واللصوصية‏

القائمة على الإسكان، ليس ثمة على هذه الأرض مايدرُّ ربحاً مثل الجوع والعطش للمأوى، ولذلك لا‏

أريد لهذه الشهية أن تتضاءل وتقل، ولو في أدنى الدرجات. في الواقع. سهرت كثيراً، وأنا أستكشف‏

الأساليب والوسائل لزيادة جوع البلاد كلها وتعطشها، لأن درجة تضور الناس للملكية تقرر بالضبط‏

المستوى الذي ستصعد إليه الأرباح مثل ألسنة نيران تصل إلى اللحم الدسم. وعندما تصبح مثل هذه‏

المجاعة شديدة- فإننا، بطبيعة الحال، لا نسميها مجاعة، ولكننا نعطيها أسماء ألطف وأخف من ذلك-‏

نحن آكلو دسم الأرض، نتمكن عندها من الجلوس لابتكار الطرق التي نقتسم فيها الدسم فيما بيننا.‏

خطتي هي هذه: عندما تتجاوز المجاعة حدود الاحتمال، فإننا لا نحتاج إلا لبناء منازل بحجم‏

عش العصفور. وهذه الأعشاش تبنى بطريقة يمكن معها أن نطويها، بالطريقة التي تطوى فيها‏

الخيام. كل واحد يبلغ حد اليأس في سبيل الحصول على مكان يضع رأسه عليه سيضطر لشراء عش‏

من أعشاشنا، عش يستطيع طيه وحمله على كتفيه أو دسه في جيبه، وفي أي وقت أومكان يداهمه‏

الظلام، فإنه بكل بساطة ينصب العش على جانب الطريق ويريح رأسه. وتصوروا، إنه سيبقى الليل‏

بطوله يتلو صلواته، يطلب من السماوات منح بركاتها للمحسنين أصحاب القلوب الرقيقة الذين بنوا له‏

ملجأً لعينيه وأذنيه وشفتيه وأنفه...‏

وتصوروا فقط المال الذي يمكن جنيه من الأعشاش -عش لكل رجل. ها، ها...ها، ها، ها...‏

كل فلاح داخل عش. كل عامل وأنفه داخل عش. سوف يتنافس العمال والفلاحون مع العصافير من‏

أجل حيز من الهواء!.‏

أيّها الطيبون، سلموني تاج النصر. هي، انتظروا لحظة. إن من كان منكم لا يزال يضمر شكوكاً‏

بالنسبة لقدراتي: إن أعشاب وحبال بناء الأعشاش ستستورد من أمريكا وأوروبا واليابان، من دول‏

أجنبية أوبوسعنا، بكل بساطة، استيراد أعشاش معدة سلفاً.‏

هذا كل ماعندي قلته.فسلموني التاج!‏

الرد‏

نزل "كيهاهو" "واجاثيكا" عن المنصة، مرتبكاً جداً، ومحتداً من امتناع جمهور الحضور عن‏

التصفيق له. وقبل الوصول إلى مقعده، شاهد "جيتوتو جاتانجورو" يهز بجسمه باتجاه المنصة. كان‏

"جيتوتو" مشحوناً بالمرارة. شفتاه ترتجفان واللعاب يسيل من زاويتي فمه. أيها الرئيس. لم نأتِ إلى‏

هذا المكان لكي نقذف بعضنا بالإهانات، لم نأتِ لكي نقذف بعضنا بعضاً بغمزات الازدراء. ولم نأتِ‏

لكي نستمع للبذاءة والهراء. لقد جئنا إلى هذا الكهف للمشاركة في منافسة نعرف فيها من منا الأبرع‏

في فن وعلم السرقة واللصوصية الحديثة. والفائز المحظوظ قد يجد نفسه يعيَّن كلباً حارساً لبيوت مال‏

أو صناعات يملكها الأجانب، بحيث أنه وهو يقدم الفائدة لأسياده الأجانب يتمكن من حشو جيوبه‏

الخاصة. أما أن ينجح هذا أوذاك فذلك يعتمد على عصفور ذي فأل طيب اعتماداً مطلقاً. ونحن يجب‏

ألا نتوقع النتيجة عن طريق توجيه الإهانات.‏

أما إذا كانت هذه المنافسة مصممة لمعرفة الذي يستطيع أن يرمي أفحش الإهانات وصور‏

التعريض، فيجب أن نعرف ذلك الآن. لقد تم ختان بعض منا، وتعلمنا دروساً قليلة في نعوت الشتم‏

والإهانة خلال مرحلة تعلم الشعائر الأولية.‏

ولو أننا اجتمعنا للتباهي بقدراتنا على استخدام وحدات الشبيبة لإرهاب الآخرين، كل إنسان هنا‏

يجب أن يعرف بأنني أنا، "جيتوتو واجاتا نجورو" أشغّل مجموعة من قطاع الطرق أشد ترويعاً‏

وإرهاباً من أية مجموعة شباب أخرى أعرفها، والجماعة تنفذ أية مهمة أكلفها بها، بما في ذلك إزالة‏

أي شخص عن وجه الأرض، أيّ إنسان يجرؤ على التدخل في نشاطاتي بالسرقة واللصوصية. إن‏

قطاع طرقي، ولعلني يجب أن أقول مرتزقتي يملكون شهية هائلة من أجل القنب الهندي، وإن نيتي‏

في الوقت الحاضر هي استيراد مرتزقة أوروبيين من فرنسا وبريطانيا. وإذا كان هنالك شخص‏

متحمس للمبارزة، فأنا، "جيتوتو واجاتا نجورو"، جاهز بمسدسي.‏

لماذا أقول ذلك؟ لقد ادعى الهزيل الذي كان يقف هنا، والمعروف باسم "كيهاهو واجاثيكا"، أنني‏

مجرد مبتدئ في فن السرقة واللصوصية. ماذا! يا "بن جاثيكا"! هل تعرف حقاً من هو "جيتوتو‏

واجاتانجورو" أم أنك سمعت أناساً يذكرون اسمه فحسب؟ إنني أقسم بحقيقة الحقائق أن عليك أن تأتي‏

وتركع أمامي في مدرستي -وذلك يعني أن عليك أن تذهب إلى مدرسة نموذجية- بحيث أتمكن من‏

تلقينك أبجدية نوع السرقة واللصوصية التي جعلت كرشي بالحجم الذي هوعليه الآن.‏

أيها الرئيس، ماهو نوع السرقة واللصوصية التي كان يتباهى بها هذا الشخص؟ هل هي رشوة‏

الخصوم للخروج من المنافسة في انتخابات مجلس بلدي؟ ربما كان للأمر طعمه لوكانت هذه‏

الانتخابات انتخابات برلمانية! وماهو النوع الآخر من السرقة التي كان يفاخر بها؟ هل هي شراء‏

أطفال أوروبيين من البلاستيك وخداع الناس، ودفعهم للاعتقاد بأنّهم أطفال أوروبيون حقيقيون؟‏

دعونا نعد للسؤال المتعلق بعزمه على المساهمة في تطوير السرقة واللصوصية في هذه البلاد.‏

أليس من المضحك أن أول فكرة استطاع صاحبنا طرقها هي بناء أعشاش طيور كبيوت ومساكن. من‏

تراه سيوافق أبداً على شراء عش لمجرد أن يريح أنفه أو شفته؟ أيها الرئيس، إن ذلك الشخص الذي‏

يسمي نفسه "جاثيسي وا كيهوهيا" (أو هل اسمه "كيهيهي واجاثيسي"؟)، يريد أن يثير العمال والفلاحين‏

لامتشاق السلاح ضدنا. إنه يريد من العمال أن يغضبوا غاية الغضب بحيث تسقط القشور عن‏

عيونهم، فيهبون ضدنا بالسيوف والهراوات والبنادق. ألا يعرف "جاثيسي واكهياهو" أن قومنا مرضى‏

حتى الموت من أجل حمل السلاح؟ أعرف مايبغيه... إنه يبغي إدخال الشيوعية على الطراز الصيني‏

إلى هذه البلاد.‏

سيدي الرئيس: إن مخططات التطوير التي طرحتها معقولة أكثر بألف مرة مما طرحه: أن نبيع‏

التراب بأطباق صغيرة، أو نحبس الهواء لكي نتمكن من بيعه بالعلب أو بالأمتار! العمال والفلاحون‏

عندئذٍ سيخضعون للأوامر - أوامرنا! إن الاستيلاء على كل تراب الأرض والهواء من حولنا هو‏

أضمن طريقة لجعل العمال والفلاحين ينصاعون لنا أبد الدهر، لأنهم إذا ما أحدثوا أقل أنواع‏

الصخب، فلن نحتاج إلا إلى إغلاق الهواء لكي نجعلهم يركعون على ركبهم...‏

أصدقائي، إن من الأفضل أن تبينوا "لواليكا واجاثيكا" أنكم لستم ذلك النوع من الناس الذين يمكن‏

أن يرتشوا لمنح أصواتهم بكأس من الجعة. أتمنى أن يعرف "جاثيكا" الآن، وأينما هو يجلس، أنني أنا،‏

"جيتوتو واجاتا نجورو"، لست الذي يهرب من أرض المعركة ويترك النصر إلى جماعة السيقان‏

الطويلة حتى ولو كانوا خبراء في تحطيم سيقان خصومهم. إن تاج النصر لي.‏

وقبل أن يستطيع "جيتوتو واجاتا نجورو"، الترنح عائداً إلى مقعده، كان رجل آخر قد هبَّ واقفاً،‏

لم يُتعب هذا الرجل نفسه في اعتلاء المنصة، رغم أن اللعاب لم يسل من طرفي فمه، كما كانت‏

الحال مع صاحبنا "جاثانجورو"، كان هو الآخر مريراً لاذعاً بصورة واضحة.‏

سيدي الرئيس، أود أيضاً أن أقول كلمة، فقد قيل في الأمثال إن الحكمة المكتومة في القلب لا‏

تكسب قضية قانونية أبداً... آسف! أنا معروف باسم "إيثي وامبوي". إنني أعرف بأننا جميعاً اجتمعنا‏

في هذا الكهف لكي نتباهى ولكي نعلم بعضنا بعضاً طرائق أكثر فعالية واحتيالاً بخصوص سلب‏

ونهب الفقراء، غير أن الشخص الذي كان يقف هناك ألآن- وأعني البعوضة النحيلة- قد أخطأ خطأً‏

فادحاً.‏

يابن "جاثيكا"، ألا تشعر بالخجل؟ ألم ترتبك وأنت تقف أمامنا هناك تتباهى بخداع أبناء طبقتك،‏

وتتبجح بلا خجل بالطريقة التي سرقت بها أبناء طبقتك؟ إذا بدأنا نسلب وننهب ونخدع بعضنا بعضاً،‏

كيف ستتعزز وحدتنا كطبقة؟‏

من ناحيتي، إنني خجل إلى حد مخيف وأشعر بالحزن الكبير لأن أطفالي كافة داوموا على تلك‏

المدارس التي تسمى مدارس الحضانة. كنت دائماً أعتبر أن أولادي كانوا يداومون على المدارس‏

التي يداوم عليها الأطفال الأوروبيون. هل كانوا إذاً مجرد أوروبيين مزيفين؟ هل كانوا أوروبيين‏

بلاستيك بشعر مستعار؟ وإذا ما فكرت بأنني دفعت مئات ألوف الشلينات كي يكون أطفالي برفقة‏

أوروبيين بجلود بلاستيكية، حجارة عوضاً عن العظام، وآلات كهربائية عوضاً عن القلوب؟ ماذا!‏

عندما يأتي أولادي إلى البيت ويحكون لي أنهم كانوا يلعبون مع أصدقائهم الأوروبيين، هل كان‏

هؤلاء الأصدقاء آلات كهربائية وبلاستيكية أوروبية فحسب؟‏

لم يمر بي في حياتي كلها مثل هذا الشر الذي لا يصح ذكره. تصوروا رجلاً بالغاً راشداً مثل‏

"كيهاهو واجاثيكا"، يملأ جيوبه بأموال الآخرين مقابل لاشيء؟ وهل هذا مايجعل أبنائي غير قادرين‏

على تكلم الإنكليزية من الأنف مثل الأطفال الأوروبيين الحقيقيين؟ وكم مرة جعلوني أشعر بالخجل‏

أمام أبناء طبقتي لأنهم كلما يخاطبون بالإنكليزية، كانوا يردون عادة بلغة "جيكويو"؟‏

ولمعرفتكم، كانت أمهم "نينا وامبوي" تقول لي من حين لآخر: يا "إيثى وامبوي"، لا أظن أن‏

هؤلاء الأوروبيين من الإنكليز الحقيقيين بتاتاً. لماذا، إنهم دائماً يلعبون ويقومون بالأشياء نفسها مرات‏

ومرات. إنهم يقضون وقتهم يركضون. أما أنا فأؤكد لها: يا"نينا وامبوي"، إن الإنكليز عرق هجين من‏

شتى أجناس البيض- إيرلنديين، وأمريكان، وألمان، وفرنسيين، واسكوتلنديين- وهم عرق ذو مبادئ‏

سامية، وليسوا من النوع الذي لا يلبث يتغير من شيء لآخر، تارة في الداخل وتارة في الخارج. إنهم‏

يحبون الألعاب التي تتطلب الركض. والحقيقة، أن الإنكليز هم الذين اخترعوا كرة القدم "والركبي"‏

و"الكريكيت"، وكلها ألعاب قائمة على الجري. يا "نينا وامبوي"، اتركي أولادنا في تلك المدارس لكي‏

يتعلموا العادات الإنكليزية الحقيقية! إن الأوروبي أوروبي حتى وإن كان مشوهاً - الأمر المهم هو‏

بياض بشرته. فهل هي التي كانت على صواب كما يتضح الآن؟ وإن من الصحيح تماماً أن الرجل لا‏

يصدق ماتقوله المرأة إلا بعد فوات الأوان.‏

سيدي الرئيس، لأن نسلب وننهب ونخدع الفقراء، أمر لابأس به. إذ من أي مصدر آخر يأتي‏

ثراؤنا؟ مامن شخص تافه يناقش مثل هذا الأمر، لأن تلك هي الطريقة التي نشأ عليها العالم على‏

الدوام والتي سيكون عليها مستقبلاً على الدوام أيضاً. غير أن هذا الرجل الذي يسلب وينهب ويغش‏

طبقته الخاصة -أي نوع من الرجال هو؟ أليس من المتفق عليه بصورة عامة أن السرقة من هذا‏

القبيل تتجاوز كل معايير الفهم؟ والأنكى من ذلك، إنه يجرؤ على الوقوف أمامنا لإحداث صخب‏

أجوف وللمطالبة بتاج النصر! تاج النصر عن حق وحقيق! إن عليه أن يذهب إلى بيته ويلبس تاج‏

أمه!‏

يا كيهاهو، من هذا اليوم فصاعداً لن يقترب أولادي من مدارسك. سأذهب على الفور إلى "نينا‏

وامبوي"- فهي مثقفة ثقافة عالية، إذ كانت في جامعة "كامبريدج"، لكي أطلب منها البحث عن مدرسة‏

دولية. هل تسمع ذلك يا "كيهاهو وا جاثيكا" لقد نلتَ مانلت! ولن تأكل مرة ثانية أي شيء يخص "إيثى‏

وامبوي"و"نينا وامبوي". سوف نذهب إلى مدارس دولية مخصصة للأوروبيين، حيث يجري الحديث‏

بالإنكليزية الدولية، وهي مدارس ليس فيها مقعدون يقومون بوظيفة مدراء، ومدارس ليس فيها‏

أوروبيون مصنوعون من البلاستيك بقلوب كهربائية وجلود بيَّضها الأسيد. إننا نريد لوناً عالمياً!‏

وقبل أن يجلس "إيثي وامبوي"، وقف رجل آخر للحديث. كان غاضباً جداً حتى أنّه كان وهو‏

يتكلم يقرض أصابعه وشفتيه. وكان كرشه في غاية الضخامة حتى إنّه كان ينتفخ فوق ركبتيه.‏

سيدي الرئيس، اسمي "فاثوج مارورا واكيمننجيمينجي"، وليس عندي الكثير مما يقال: إنني أقدم‏

اقتراحاً رسمياً بطرد "كيهاهو واجاثيكا" من هذه المنافسة. كيف يجرؤ على الحضور إلى هذا المكان‏

والتباهي بكيفية ارتكاب الفحش بزوجات الآخرين؟ سيدي الرئيس، لقد هربت زوجتي بالفعل من‏

البيت. وأنا أعرف الآن إلى أين تذهب. إنني أعرف الآن ذلك الزاني الذي يسلب ويدمر بيوت‏

الآخرين. أنت، إنه أنت "يا كيهاهو"! أقسم لو أنني أحضرت مسدسي معي-نعم أقسم بالمرأة التي‏

حملتني في بطنها- إنك كنت ستنام هذه الليلة من غير ذلك الإحليل الذي يقدم "الوحدة المنظمة"‏

لزوجات الآخرين. لم يكن الأمر ليهمني، سيادة الرئيس، لو أن "كيهاهو" زنى بزوجات الفقراء أو‏

بنات المدارس من البيوتات الفقيرة.... ولكن..... ولكن.....!‏

عند هذه النقطة من الكلام سدَّت كتلة من الألم حنجرته ولم يستطع "فاثوج" إلا أن يعض شفتيه‏

وأصابعه في زحمة غضبه اليائس وهو يجلس في مكانه. انقلب الكهف كله الآن إلى خلية من‏

الصخب الغاضب. كما انصب القسط الأكبر من السخط على "كيهاهو واجاثيكا".‏

وبعد ذلك وقف "كيهاهو" وراح يدافع عن نفسه.‏

سيدي الرئيس، لقد شُتمت وأهنت من قبل من تكلموا الآن، واستمعتُ لإهاناتهم بكل جلد وصبر.‏

غير أنني الآن أبحث عن الحماية وأطلبها من رئاسة المجلس. ثم إنني سأتحدث بصراحة، وليحدث‏

الطوفان، على كل شخص هنا أن يذهب إلى بيته الآن ويؤمن على فرْج زوجته بالقفل، ثم نأخذ‏

المفاتيح جميعاً إلى خزانة مصرفية، تحفظها سالمة مصونة حتى يكون جاهزاً لاستردادها، ومشحوناً‏

بعملية الانتصاب. لست من علَّم زوجاتهم أن يكن مومياء رخيصة سهلة، أو الانضمام لنادي‏

"الجاهزات للتسليم"، غير أن امرأة مثل زوجتك، وأشار بإصبعه الآن، إلى "مارورا"، أقسم باسم‏

الصدق أنني لن أمس ماحييت مثل هذه المرأة، حتى لو وجدت فخذيها مفتوحين في منتصف الطريق،‏

أو لو أقفل علي معها في منزل أطفئت كل أنواره. لا أستطيع أن أجر نفسي للمنافسة مع طلاب‏

المدارس والسياح...‏

علي أن أطرح أيضاً أنّه لا يحق لأحد أن يتباهى بالمسدسات، ولدي في منزلي ثلاث بنادق‏

ومسدسان آليان، كما أنني أحتفظ ببندقية في سيارتي. وإذا كنتم تلاحظون أن جيب السترة هذا مُنتفخ‏

قليلاً، فاعلموا أن ذلك ليس مقابل لاشيء. حيثما أذهب، أسلح نفسي من رأسي حتى أخمص قدمي.‏

إذا ما تقدم واحد منكم وحاول تجريدي من سلاحي، فسوف أريه نجوم الظهيرة...‏

سيدي الرئيس، لقد أهانني "جيتوتو جاتانجورو" أيضاً. ونحن إنماجئنا إلى هذا المكان لكي يتمكن‏

كل متنافس من التباهي، بالطريقة التي يشاء، بقدراته على السرقة واللصوصية. كنت أقول الحقيقة‏

ليس إلا، ولم أحاول إهانة أحد. ماقلته هو أن تهب الجماهير عن طريق المضاربة بالأراضي‏

(الأراضي التي قاتلوا من أجلها نفسها) هي مرحلة مررت بها أيضاً قبل الارتقاء إلى ماهو أعلى‏

وأهم. توقفت عن التعامل مع شركات وجمعيات شراء الأراضي. فالمرء لا يسرق ثم يجلس‏

القرفصاء لالتهام الغنيمة في المكان نفسه طوال الوقت، لأن المالك سوف يدركه عاجلاً أو آجلاً.‏

إن الشيء الوحيد الذي أرفضه من قلبي وحياتي هو ماقاله "جيتوتو "واجاتانجورو" عن إمكانية‏

كوني السبب في نشوء شيوعية من الطراز الصيني في هذه البلاد. ماذا، هل أقبل أنا أن أحكم من قبل‏

حزب العمال والفلاحين؟ هل أقبل أنا أن أحكم من قبل حزب كرس نفسه لاستئصال نظام السرقة‏

واللصوصية من الكرة الأرضية؟ هل أعود أنا إلى العمل بيدي؟ آكل ماينتجه عرقي وحده، دون حق‏

التطاول على منتوجات عرق الآخرين؟ وأجد نفسي أواجه الطباشير والغبار من جديد؟ إنسَ ذلك،‏

ياسيد جيتوتو...‏

على العكس من ذلك، أنا أقول: إن خطتك في الاستيلاء على كامل التراب والهواء في الكون‏

هي الخطة الخطيرة التي يمكن أن تنشر مرض الشيوعية من الطراز الصيني بسرعة أكبر. والسبب‏

في ذلك هو: لو منعت الناس عن التنفس، فمن تراه يمنعهم من استلال الهراوات والسيوف والبنادق؟‏

أليس ذلك مساوياً لإظهار مقدار احتقارك للجماهير؟ الدناءة المقنعة أفضل: كما أن نظام السرقة‏

المقنع بالأكاذيب أفضل. لولا ذلك، لماذا تعتقد أن أصدقاءنا الامبرياليين جلبوا لنا الإنجيل؟ هل تظنهم‏

بلهاء عندما حضّوا العمال والفلاحين على إغلاق عيونهم في الصلاة وقالوا لهم: إن المكاسب الدنيوية‏

عبث مطلق؟ ولماذاتحسبني أذهب إلى اجتماعات الوحدة المنظمة لإنعاش رأس المال في الكنيسة؟ يا‏

جيتوتو، دعني وشأني، أما إذا كنت لا تزال تتحداني لكي أنازلك بالمسدس، سأكون في غاية السعادة‏

للمنازلة، لأن كرشك سيكون هدفاً دقيقاً وأنا أحب أن أكتشف، إذا كان بوسعي تفريغه برصاصة أو‏

رصاصتين. وإذا كنت تريد حرباً بين أزلامنا ومرتزقتنا، فذلك سيتيح لنا الفرصة أيضاً لمعرفة أي‏

الفريقين، فريقك أم فريقي، يدخن أشد أنوا ع القنب الهندي. لقد تم ختاني أنا الآخر. وإن تستقصِ‏

الأمور بدقة بين النساء، فسوف يشهدن بأنّه ليس ثمة جلدة ملصوقة ببعيري.‏

في الختام، أحب أن أرد على اتهام "إيثي وامبوي" الذي شكا من أنني أسرق أفراد طبقتي‏

الخاصة. أقول له الآتي: أي نوع من اللصوص والسارقين أنت؟ ماذا يعمل في هذه المنافسة إذا لم‏

يكن يعرف الحقيقة الأولية وهي أن هنالك فولاذاً يستطيع ثقب الفولاذ بكل يسر وسهولة؟ دعوني أقول‏

هذا "لإيثي وامبوي" ثمة لصوص يستطيعون التغلب على اللصوص الآخرين، وثمة سارقون‏

يستطيعون التغلب على السارقين الآخرين: وثمة ملوك يستطيعون التغلب على ملوك آخرين. إذا كان‏

"إيثي وامبوي" يجهل ذلك، فإن عليه أن يحزم أمتعته في الحال ويعود إلى منزله لمساعدة "نينا‏

وامبوي" في تقشير البطاطا بجانب الموقد والحديث عن جمرات النار ورمادها. وقطعة الفولاذ التي‏

تستطيع أن تفل الفولاذ نفسه: ألا يدل ذلك على أن الفولاذ من نوعية وخشونة خاصة؟ ماذا تريدون‏

أيها الناس غير ذلك؟ التابع لي. لا تضيعوا وقتنا. أعطوني تاج النصر!‏

ظهر أن خطابه الأخير خلق له مزيداً من الأعداء. قفز عدد غفير من الناس في وقت واحد‏

وأخذوا يصرخون بوجه بعضهم بعضاً.كان نفر منهم يؤيد "كيهاهو" ونفر يؤيد "جيتوتو" أو "إيثي‏

وامبوي"، وآخرون كانوا إلى جانب "مارورا واكيمنبمينجي". لكأن الكهف أصبح موقعاً لسبعة أسواق‏

مجتمعة.‏

ثم خيم الصمت على الكهف بغتة. فقد استل كل من "كيهاهو" و "جيتوتو" و"إيثي وامبوي"‏

مسدساتهم.‏

دفع الناس في الكهف كراسيهم إلى الوراء وهبوا واقفين، وكل واحد يحاول الابتعاد عن‏

الرصاص. لم يسعل أو يعطس أي واحد مدة دقيقة أو زهاء ذلك، وكانت أصوات الضجيج الوحيدة‏

هي صرير الطاولات والكراسي التي يبتعد عنها شاغلوها، انتظاراً لأزيز الرصاص.‏

ولولا أن رئيس المراسم قفز إلى المنصة قبل أن يبدأ إطلاق النار وأخذ يصيح بأعلى صوته‏

لكي يعود الناس إلى مقاعدهم، لانفض الاحتفال. كما عاد كل من "كيهاهو واجاثيكا"، و"جيتوتو‏

واجاتانجورو" و"إيثي وامبوي" إلى مقاعدهم وهم لا يزالون يحدجون بعضهم بعضاً بنظرات الغضب.‏

مرةثانية، وبصورة مفاجئة، عاد الصخب إلى الكهف.. حاول رئيس المراسم إسكات الناس بتلويحة‏

من يده. ثم راح يهدئهم بلهجة استرضائية مهدئة.‏

أخفوا تلك المسدسات داخل جيوبكم. أطلب منكم بكل احترام واجب أن تتذكروا السبب الذي جاء‏

بنا معاً إلى هذا المكان اليوم. لم نأتِ للمبارزة. لقد جئنا بهدف وحيد وهو المشاركة في منافسة عن‏

السرقة واللصوصية الحديثة. أود أن اذكركم أيضاً بأن عندنا ضيوفاً، سبعة مبعوثين عن منظمة‏

السارقين واللصوص الدولية، الذين حضروا لكي يختبروا ويطلعوا على كل ما نقول ونفعل. فهل‏

تريدون أن تنتفوا ريش بعضكم بعضاً أمام ضيوفنا الأجانب؟ ماذا تتصورون رأيهم بنا الآن بعد‏

معاينة هذا التشويش والتهديد بإطلاق الرصاص في وضح النهار؟ قد تجعلهم أفعالنا يفقدون الثقة بنا‏

ويعيدون التفكير بموقفهم. لابد أنهم يتساؤلون: هل يستطيع هؤلاء الناس حقاً رعاية منتجات سلبنا‏

ونهبنا في بلادهم؟ وهل هم بالفعل قادرون على رعاية بيوتنا المالية ومخازننا وكافة الصناعات‏

المؤمنة بها؟ تصوروا خسارتنا إذا أخذوا فتاتهم إلى قرية أخرى؟ أية خسارة ستكون على "إيلمورج"!‏

من تراه يلام سوانا؟ دعوني أكن صريحاً معكم؛لأنّه كما يقول المثل: يستطيع شخص تلطيخ سمعة‏

شخص آخر وإبعاده عن الحب: كما أن اللهب المتقد جداً يمكن أن يخدع النار ويبعدها عن الفحم.‏

إنني أتوسل إليكم، أضرع إليكم، من فضلكم، تحلوا بالصبر. كل متسابق سينال الفرصة لتقديم‏

شهادته من فوق هذه المنصة والتفاخر بفنه في السرقة واللصوصية. إياكم أن يحتقر بعضكم بعضاً.‏

الشهادة شهادة. وينبغي ألا نجعل الشهادة تشهد ضد الشهادة. ليس ثمة صقر صغير جداً عندما يتعلق‏

الأمر بالصيد على الطراز الحديث.‏

ولكننا، في سبيل استعادة الطمأنينة لأرواحنا وأجسادنا، أقترح أن نأخذ قسطاً من الراحة نمتع‏

فيه كروشنا، لأن كرش اللص ليس بليداً جداً بحيث يحافظ على سكوته عند توفر مقدار كبير من‏

الطعام، وهو لا يُرشى للسكوت بلقمة أو لقمتين. هذا ويمكنكم جميعاً تناول الغداء هنا في الكهف -فقد‏

حضرنا طبقاً دولياً خاصاً- أو يمكنكم الذهاب إلى مكان آخر في "إيلموروج". غير أنني أناشدكم‏

الإسراع في الطعام والشراب بحيث نتمكن جميعاً من العودة إلى الاجتماع في الثانية والنصف. لا‏

زال هناك عدد كبير من الشهادات ينتظرنا.‏

وقبل أن نأخذ استراحة ماقبل الغداء، أحب أن أُذكِّرَ النساء سواء كن زوجات أو خليلات أو‏

صديقات أننا سوف نقيم معرض أزياء، وهي فرصة لكي تعرضوا فيها مجوهراتكم، وذهبكم،‏

وماسكم، وفضتكم، وياقوتكم، ولآلئكم. علينا أن نطور ثقافتا، وأنتم تعرفون حق المعرفة أن الطريقة‏

التي تلبس فيها المرأة ثيابها وكيف ترتدي جواهرها هي التي تدل على المستويات العالية التي وصلت‏

إليها الثقافة. ولذلك جهزوا، عندما تعودون، عقودكم، وحلقكم، وخواتمكم، ودبابيس الزينة، بحيث‏

نستطيع أن نخلِّفَ عند ضيوفنا انطباعاً حسناً ونبين لهم أننا أيضاً ماضون على دروب الحضارة‏

الحديثة... ولا تنسوا موعدنا في الساعة الثانية والنصف تماماً! وأتمنى لكم جميعاً أيها الأصدقاء‏

والأحبة شهية طيبة.‏

قابل رئيس المراسم حفاوة الناس وهم ينهضون واقفين. صار الجميع مرتاحين، وبدؤوا يتحدثون‏

بخفة ومرح. ثم أخذت عصابة ملائكة جهنم تعزف بعض الألحان الكونغولية:‏

Balmda nanga Bakimi no mobali‏

Mobabi oyo Toto yo matema‏

Nakei Koluko mobali nangae‏

بقي نفر قليل من الناس حيث كانوا، يشربون ويناقشون عملية التهديد بإطلاق العيارات النارية.‏

فيما تحرك آخرون، باتجاه الباب.‏

Kyrie, Kyrie eleison‏

Kyrie, Kyrie eleison‏

أمسك "جاتويريا" بيد "وارينجا" وقال: يجب أن نخرج، دعينا، نذهب، أو سيخنقني هذا الجو.‏

أجل، إنني أشعر بالمرض، قالت له وارينجا وهي تقف، فلنذهب للخارج حيث نستطيع استنشاق‏

الهواء بالمجان قبل تحوله إلى سلعة للبيع من قبل "كيهاهو" و"جيتوتو". أضافت وهي تغادر الكهف.‏

Kyrie, Kyrie eleison‏

Kyrie, Kyrie eleison‏

اتجه "مواؤرا" نحو"موتوري" وقال: كيف عرفت ملائكة الشيطان؟ ماهي علاقتك بهم؟‏

تناول "موتوري" قصاصة الورق التي سبق أن سلمت إلى "وارينجا" من قبل قطاع الطرق الذين‏

طردوها من بيتها في "نيروبي".‏

انظر إلى هذه الورقة، قال "موتوري" وهو يعطي قصاصة الورق إلى "مواؤرا". أظنها لك.‏

قرأها"مواؤرا" وقطَّب سائلاً: من أين حصلت عليها؟‏

كانت في سيارتك الليلة الماضية، أجابه "موتوري".‏

نظر "مواؤرا" إلى "موتوري" بعينين مليئتين بتساؤلات مريرة: ماذا يفعل موتوري هنا؟ من تراه‏

يلاحق بعينيه القلقتين؟ هل يلاحقني أنا؟ لماذا كتب هذا، ألمجرد الادعاء بأنّه وجدها بالسيارة؟ أم تراه‏

يريد قراءة التعبير المرسوم على وجهي؟ ومن هو "موتوري"؟. من هي "وانجاري"؟ لم يستطع‏

"موتوري" ملاحظة المرارة في عيني "مواؤرا" لأنّه اتجه في تلك اللحظة نحو "وانجاري".‏

يمكننا الخروج أيضاً، قال "موتوري" "لوانجاري".‏

تابعت جوقة ملائكة الجحيم عزف اللحن الكونجولي نفسه:‏

Nakai Koluka Banganga‏

Poya Kosongisa mobali Nanyai‏

قرر مواؤرا فجأة أن يسأل "موتوري" و"وانجاري" عمن أرسلهم إلى "إيلموروج".وقال في نفسه :‏

يجب أن أبين لهما أنني أعرف مهمتهما السرية وسوف أبين لهما بأنني لم أنخدع بقصصهما الطويلة‏

في الليلة الماضية.‏

أنا أقول! بدأ "مواؤرا" يتحدث، غير أنّه عند ذلك كتم ماكان في ذهنه وحاول طمسه بطرح‏

سؤال مغاير تماماً: يا "وانجاري"، هل ستزينين نفسك بالذهب والماس واللؤلؤ وبقية الحجارة الكريمة؟‏

راح كل من "وانجاري" و"موتوري"، و"مواؤرا" يضحك. ثم غادروا الكهف وهم لا يزالون‏

يضحكون. أحس مواؤرا بالانتعاش: فعلام كان مضطرباً؟ أفضل أن أرتدي حلقاً مصنوعة من أعواد‏

الذرة الجافة، أجابته وانجاري. المشكلة الوحيدة هي أنني ضيعت فرصة خرم أذنيَّ.‏

لماذا؟ سألها موتوري ومواؤرا.‏

السبب هو أن أيامنا لم تكن أيام تزيين أجسادنا بالزهور والعقود. كانت أيامنا للتزين بطلقات‏

الرصاص في الحرب من أجل كينيا حرة! قالت ذلك وانجاري بكل اعتزاز لأنّها تعرف أن أعمال‏

ومآثر شبابها غيرت تاريخ كينيا.‏

توقف "مواؤرا" فجأة عن الضحك. كان منزعجاً. كما اسود وجهه. طفق قلبه يدق وكأنّه يسأله:‏

هل الأمر أنك كنت تحمل في سيارتك تهديداً لحياتك الخاصة، مثل القملة التي يحملها الواحد ويدور‏

بها وهي على جسمه؟‏

لكنَّ "موتوري" نظر إلى"وانجاري" بقلب عامر باعتزاز وسعادة مباغتين يا "وانجاري"، يابطلة بلادنا‏

-ياكل من تسمين وانجاري، يا بطلات أرضنا! هل يتعين علي أن أميط اللثام لها عن المهمة التي‏

جلبتني اليوم، وكيف يستطيع واحدنا مساعدة الآخر؟ لا،لم يحن الوقت بعد. سوف أراقبها مدة أطول‏

قليلاً، همهم "موتوري" وهو يسأل نفسه، فيما لايزال يحدق "بوانجاري". ولكنْ فيما بعد... فيما بعد...‏

همس يحدث نفسه. ثم راح يتذكر المتبجحين في الكهف. شعر بالميل للبكاء.. دعونا نخرج من هنا،‏

أخذ يحض "وانجاري" و"مواؤرا"، دعونا نغادر هذا المكان.‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:12 PM
الفصـل الخامـس





لما خرجت "وارينجا" مع "جاتويريا" من الكهف، وقف الاثنان فترة لابأس بها على متراس. سطعت الشمس لامعة على تلال "إيلموروج" وسهولها. كانت الأرض تهجع بهدوء. ليس ثمة برد أو رياح. وعلى الرغم من أنني كنت في الضياء الكامل الصادر عن المصابيح الكهربائية، أشعر وكأنني عشت عمري كله في الظلام. أخذت "وارينجا" تتنهد ثم أضافت بصوت يشبه الغناء: المجد لشمس الله! التحية لنور الله!‏

ينبغي أن تنشدي المدائح لنور بلادنا، قال لها "جاتويريا".‏

هل هو النور الذي تركنا وراءنا في الكهف، أم نوع آخر من النور؟ سألتهُ وارينجا بلهجة ساخرة قليلاً.‏

لا. إنه النور الذي يوشك أن يُطفأ من قبل من تركناهم خلفنا. أجاب "جاتويريا".‏

سارا ببطء وسكون نحو الباب الرئيسي. ثم بدأا يتحدثان، لم يكن كلامهما في الواقع محادثة. كان نوعاً من التعويذ بالأحرى، وكأن كلاهما يشاركان في مباراة شعرية غنائية، يستشهدان بأشعار يتذكرانها من الأحلام:‏

جاتويريا: سلاماً، يا أرضنا!‏

سلاماً، جبل كينيا!‏

سلاماً، يا أرضنا،‏

التي لا تخلو بتاتاً من الماء أو الطعام أو الحقول الخضراء!‏

وارينجا: المجد لروعة هذه الأرض!‏

المجد للأرض المحاطة بالبحيرات العميقة.‏

من "توركانا" إلى نايفاشا"!‏

ومن "نام -لولوي" إلى "مومباسا"!.‏

المجد لهذا الطوق من المياه الزرقاء!‏

جاتويريا: المجد، المجد لدروع الأرض،‏

من كينيا إلى جبال "مبيرو ئيرو"،‏

من "كيانجاهي" إلى قمم "نيانداروا"،‏

من "وائيريرا" إلى جبل "إيلجون"!‏

مرحى للدفاع الطبيعي الذي تتمتع به أرضنا!‏

وارينجا: واستمع لنداء الأرض!‏

للأنهار التي تجري نحو الشرق،‏

"رؤيرو"، "كانيا"، "ساجانا"،‏

لنهر "تانا"، لنهر "آثي"، ولنهر "كيريو"،‏

إنها تجري نحو الشرق، وهي تنادي‏

تعالوا، تعالوا، أسرعوا، أسرعوا، وحيوا الأرض.‏

جاتويريا: فقد ابتيعت هذه الأرض بثمن باهظ، وحررت بالدماء والدموع.‏

وارينجا: دماء ودموع الرجال والنساء.‏

دماء الآباء والأبناء.‏

كان جاتويريا أول من يصحو من التعويذة التي تشبه الحلم، راح يتحدث بصوت مفعم بالمرارة: وهذه هي الأرض التي يجري الآن بيعها بالمزاد للأجانب.‏

وبدلاً من أن ترد عليه، بدأت وارينجا تنشد الأغنية التي أنشدها "موتوري" و"وانجاري" في سيارة "مواؤرا".‏

كينيا ليست ملكاً لكم، أيها الامبرياليون!‏

احزموا حقائبكم وارحلوا!‏

فصاحب بيت الأجداد في طريقه إليه.‏

ولكن عندما يصل المالك، سيجد أن البيت برمته قد بيع! قال "جاتويريا"، وإذاً فمن الصحيح تماماً أن أعمال التخريب للمتلكات الخاصة والعامة هذه تحدث في ضوء النهار؟‏

نعم، وما إن يرفع مرتكبوها كؤوسهم للشراب!‏

وبسهولة ويسر كما يلعبون الجولف‏

ويذهبون إلى حمامات "سونا" في الفنادق النفيسة.‏

يرقصون في نواد ليلية خاصة.‏

ويغنون أغنيات التباهي في كهوفهم وأوكارهم، قالت "وارينجا". كان الله بعون كينيا، حبيبتي، ماذا حل بي؟ إن قلبي مشحون جداً بحيث أنني أشعر بميل للبكاء، لم أفكر بالأمور مطلقاً على هذا النحو...‏

ربما كان مرد ذلك تأثير الويسكي التي شربتها: أجابها "جاتويريا" لنذهب ونبحث عن مكان نتناول فيه بعض لحم الماعز المشوي.‏

هنا في المرتفعات الذهبية؟ سألت وارينجا.‏

لا، أليس هناك أمكنة غير هذه يرغب فيها الناس أن يبيعوا الهواء بحبات القرع الصغيرة؟ سأل جاتويريا.‏

نشتري هواءً جيداً، هواءً أوروبياً عذباً! صاحت "وارينجا"، وكأنّها تنادي على مشتري الهواء الأبيض.‏

نظر كل من "جاتويريا" و"وارينجا" إلى بعضهما. تحدثت عيناهما لبعضهما، ضحكا معاً. شعرت "وارينجا" أن قلبها يخف.‏

دعنا نذهب إلى نجيروكا. اقترحت "وارينجا".‏

هل يوجد فيها مطعم؟ سأل جاتويريا نجيروكا.. أين سمعت بذلك الاسم؟ ضحكت وارينجا. ثم بدأت تحكي له المزيد عن "إيلموروج" وهما يسيران في الشارع.‏

إن مدينة "إيلموروج" عدة قرى في قرية واحدة. دعني أبدأ بالأطراف الخارجية للمدينة، حيث يعيش العمال ويعيش الذين لم تبع بعد قطع الأرض التي يملكونها للبنوك أو تبتلع من قبل الأغنياء والأقوياء.هنالك أيضاً منطقة الحوانيت حيث يوجد تجار الألبسة الجاهزة والبقالون ومخازن الخردوات، والدكاكين من كل صنف ولون. وهذا القسم من المدينة يشتمل على المعارض. وهناك منطقة أخرى هي المنطقة الصناعية. وفي تلك المنطقة تجد مصانع الجعة، مصانع "ثينجيتا" الخاصة بالجعة.‏



هذا وإن المنطقة الصناعية مقسمة إلى قسمين. القسم الأول هو المنطقة السكنية لمرتفعات إيلموروج الذهبية، كانت في الماضي تسمى "كيب تاون"، غير أنها تعرف الآن باسم المرتفعات الذهبية أو بكلمة المرتفعات وحدها. الهواء هناك طيب ونظيف، وذلك هو المكان الذي يعيش فيه أي شخص معتبر في إيلموروج. إنها تحتوي على بيوت الأغنياء والأقوياء. ولكن هل تسمونها بيوتاً أم مقرات! بيوتاً أم محض روائع؟ الجدران مبنية من الحجارة المجلوبة من "نجيرو". والأسطحة مصنوعة من القرميد الأحمر، كما أن النوافذ من الزجاج الأزرق الداكن، مثل مياه البحيرات أو مثل السماء في نهار صحو. وهي مزينة بقضبان حديد لها مختلف أشكال الورود. أما الأبواب فمصنوعة من خشب الأغلفة، ومنقوشة بأشكال رائعة متنوعة. كما أن أرض الغرف مكسوة بالخشب، الخشب المطلي والناعم واللامع جداً، بحيث يستطيع المرء رؤية صورته به ويمكن للمرء استخدامه كمرآة لتسريح الشعر. إن سكان المرتفعات الذهبية يتنافسون فيما بينهم. إذا بنى شخص منهم بيتاً من عشرة غرف مع عشرة مداخن، فإن شخصاً آخر سيبني بيتاً من عشرين غرفة مع عشرين مدخنة. وإذا ما استورد شخص سجاجيد من الهند، فإن شخصاً آخر سيستورد سجاجيد من إيران، وهكذا دواليك...‏

أما القسم الآخر من المنطقة السكنية فيسمى القدس الجديدة، نجيروكا، وتلك هي المنطقة السكنية الخاصة بالعمال والعاطلين، إنها المنطقة التي يعيش فيها بؤساء كينيا. ولكن هل أكواخهم هذه منازل أم أنّها أعشاش الطيور التي تحدث عنها "كيهاهو واجاثيكا"؟ إن جدران وأسطحة هذه الأكواخ مصنوعة من صفائح التنك، ومن حقائب التاربولين والبوليتين العتيقة. هذه هي أحياء إيلموروج الفقيرة. وهذا هو المكان الذي تستحضر فيه جعة "ماثينغ ايثا"، و"تشانفا" و "تشيبوكو"، وغيرها من صانعي الجعة المحرمة -والجعة تصبح أكثر قوة بإضافة الكينين والأسبرو لكي ترهق العمال. إنني أحياناً أتصور هذا الحي وكأنه جهنم التي وصفها إنجيل المسيحيين...‏

لماذا، سألها "جاتويريا". كيف يبدو شكل هذا المكان؟‏

كيف تطرح هذا السؤال، وكأنّك أجنبي في كينيا؟ ألم تزر في حياتك منطقة أحياء الفقراء في نيروبي لترى بأم عينيك مهد جيش البراغيث، وبق الأسرَّة الذي لا يعد وهو يسرح على الجدران صعوداً وهبوطاً، أو الخنادق الآسنة، والتي تسبب المرض، خنادق مليئة بالمياه الكريهة، والبول والبراز، والأطفال العراة وهم يسبحون في هذه الخنادق بالذات؟ حي الفقراء هو حي الفقراء. إنهم لا يجرون أية عملية تجفيف هنا في "نجيروكا". إن براز الإنسان وبوله وجثث الكلاب والقطط الميتة- كل هذه الأشياء تجعل المنطقة تفوح برائحة كأنّها العفن ذاته... أضف إلى ذلك العفن دخان الغازات الخطيرة من المنطقة الصناعية- فكافة هذه الغازات يحملها الريح إلى حي الفقراء -وأضف أيضاً- أن كل نفايات ومخلفات المصانع تودع هنا، وسوف تعرف سبب مقارنتي حي الفقراء بالجحيم. أن يُدفن شعب في حفرة مليئة بالبراغيث والقمل. وبق الأسرَّة، أيُّ جهنم يمكن أن تكون أسوأ من ذلك؟ فرغت وارينجا من حديثها بمرارة.‏

براغيث، وقمل، وبق أسرة... ألا يزال هناك الكثير من هذه في أحياء "إيلموروج" الفقيرة، وبما يزيد عن الطفيليات التي تركناها وراءنا في الكهف؟ سأل "جاتويريا" ببطء، وبصوت منخفض كأنه يحدث نفسه.‏

- في تلك اللحظة، شاهدا حافلة صغيرة تقترب بأقصى سرعتها. حركت "وارينجا" يدها لإيقاف السيارة. توقفت وصعد كلاهما إليها. وبعد دقيقة واحدة أو زهاء ذلك، وصلا إلى ملحمة "إيلموروج" الجديدة، التي يملكها أعور يدعى "تومبو"، طلب جاتويريا ثلاثة أرطال من لحم الماعز. وطلب من "تومبو" أن يضمنها قليلاً من الضلوع، ولكن من دون أية فضلات. حدجه "تومبو" بعينه الوحيدة وقال له: إن "تومبو" لن يبيع أية قطعة من اللحم لأي إنسان دون حشوها بقليل من الفضلات.. وإن على جاتويريا أن يتذكر أنه الآن في "نجيروكا"، (حي الفقراء)، الحي الشعبي وليس في المرتفعات الذهبية، بين الأثرياء. طلب "جاتويريا" منه تضمينها قطعة من الكبد بدلاً من الكروش. فوافق "تومبو".‏

ذهب كل من "جاتويريا"، و"وارينجا" إلى ماوراء الحانوت الذي يجاور ملحمة "تومبو". كانت الغرفة الأمامية هي الحانوت، أما غرف المؤخرة فكانت البارات. وكان الكثيرون من الزبائن يشربون جعتهم وهم يجلسون على أقفاص من البيرة الفارغة. كان البار الرئيسي مزدحماً بالزبائن غير أن نادل البار دلَّ جاتويريا و"وارينجا" إلى داخل غرفة فارغة.‏

جلس الاثنان على أقفاص. أحضر نادل البار لهما زجاجتين من جعة "توسكو". أخذا يشربان البيرة من الزجاجات وهما ينتظران طبخ اللحم.‏

لقد حذرتني الخطب التي سمعتها في الكهف تحذيراً تاماً، قالت "وارينجا"‏

في الحقيقة، لم أصدق إلا بشق النفس أنني كنتُ بالفعل هنا في كينيا. "قال جاتويريا"، ثم هز رأسه وراح يتكلم وكأنّه يحدث نفسه. سرقة حديثة... لصوصية حديثة... إذاً، إن من الصحيح تماماً بأن صرح التطور مشيَّد فوق جثث الكائنات البشرية.‏

هل وجدت الشيطان الذي كنت تبحث عنه؟ سألته "وارينجا" وهي تضحك. أو ألا تتذكر أنك قلت لنا البارحة: إنك قادم إلى هذه المناطق بحثاً عن مواضيع معقولة لموسيقاك؟ أم أن شيطانك أقصي عن المشهد بوساطة بطاقات الدعوة التي أعطاها إياها "مؤيريري واموكيراي"؟‏

أحسب أنني كنتُ أجري بسرعة كبيرة جداً، قال "جاتويريا". وأظن أنني كنتُ أعلِّق ثقة كبيرة على البطاقة الأخرى. الإيمان هو إيمان ولا يحتاج في الحقيقة لشهادة العينين حتى تترسخ جذوره. الأمر المهم بالفعل هو الفكرة التي يتمكن المرء من بناء مواضيع موسيقية عليها.‏

إذاً أنت لم تعثر على شيطان واحد حتى بين الأجانب، مثلاً؟ سألت "وارينجا".‏

إن ما أقوله هو أنه لا فرق في الواقع، إذا كان الشيطان موجوداً حقاً أو أنّه مجرد صورة خيالية للعالم.‏

وماذا عن القصة التي كانت تزعجك إذاً؟ شددت "وارينجا" الضغط عليه. أم أنك مثل ذلك الراقص المسكين الذي يزعم أنه غير قادر على الرقص لأن الأرض مليئة بالحجارة؟‏

ليس تماماً... ولكن... بدأ "جاتويريا" ثم توقف وكأن أسئلة "وارينجا" أوقعته في حيرة وتردد. تعرفين، الموسيقا.. أو لنقل التأليف الموسيقي... توقف عن الكلام ثانية وكأنّه غير متأكد تماماً مما يريد قوله، الطريقة التي أراها بها هي التالية: يجب أن يستلهم التأليف الفني عن طريق الحب.. حب البلد.. حبٌّ يلهم المؤلف كي ينشد تراتيل المديح للجمال والوحدة والشجاعة. والنضوج والبسالة وكرم البلاد. لقد كنتُ دائماً أحلم بتأليف الموسيقا تمجيداً لملاحم أمتنا البطولية، وثناءً على أبطالنا الوطنيين مثلما ألف "بيتهوفن" سيمفونية "البطل" على شرف نابليون أو مثلما ألف "سيرجي بروكوفييف"، موشحه الذي اعتمد على مآثر "الكسندر نيفسكي" الذي كان واحداً من أبطال روسيا الوطنيين. إنني أحب تأليف موسيقا تعبر عن روح وطموحات وأحلام وطننا... ولكن أي نوع من الحديث ذلك الذي سمعناه في الكهف؟ ألم يكن مثل صقيع الصباح الذي يتلف براعم حب الوطن؟‏

لا، ردت "وارينجا" بسرعة. إن حديثاً من ذلك النوع هو المطر الذي يجب أن يجعل حب الوطن الدفين يتبرعم ويزهر. ليس ثمة حب بمعزل عن الكراهية. كيف تستطيع الإعلان عما تحب إذا لم تعرف ماذا تكره؟‏

خذ مثلاً طفلاً صغيراً لا يتكلم. إن صيحاته تدل على مايحب ومايكره. ألم نخرج من ذلك الكهف ونحن ننشد القصائد لوطننا؟ إن في كينيا وطنيين وأبطالاً بقدر يكفي لإلهام التأليف الوطني ألم يولد "كيماثي" من امرأة كينية؟ إن أكبر عقدة لديك هي غياب الحب، لأنك لم تعرف أبداً، ماهي الكراهية. من الصحيح تماماً، عبر هنيهة من الزمان، أن الطفل الذي ليس له أبوان يرعيانه لن يأكل البراز قطعاً. وإذا ترعرع في كنف الحب الآسر الذي يحميه، فإنّه لن يتعلم أي شيء. سوف لا يتعلم مطلقاً الفرق بين القذارة والنظافة، والكراهية والمحبة... فالبياض الناصع هو الذي يبين لنا السواد الحالك. وإن أولئك الذين تركناهم وراءنا في الكهف هم الذين يعرفوننا على أبطال أرضنا الحقيقيين.‏

لا، لا، إنك في ذلك تغالطين وتخلطين كثيراً من الأمور، رد جاتويريا بسرعة وكأن وارينجا لامست نقطة حساسة في شغاف قلبه.‏

في تلك الحال، أرني ماتكره، أرك ماتحب، أم أنك لا تعرف أين تقف؟‏

آه، أيتها المرأة، لماذا تشدينني للعودة إلى بيتي وذكرياتي التي أوثر نسيانها؟ سألها جاتويريا.‏

من أين أنتِ؟‏

من "ناكورو". ووالدي ملك من ملوك التجارة. إنه يملك حوانيت عديدة في "ناكورو"، ومجموعة من المزارع في "وادي الريفت"، فضلاً عن أعمال تجارية أخرى لا تعد ولا تحصى لها علاقة بالتصدير والاستيراد: أحذية، أنسجة، أزهار، وبذور. ليس عليك إلا أن تذكري أي صنف من التجارة فتجدين أن لوالدي ضلعاً فيه. إنه يشغِّل عدداً من الطائرات لكثير من عمليات الاستيراد والتصدير الخاصة به. وأنا ولده الوحيد، كان هدفه أن يرسلني إلى أمريكا حتى أتعلم كيف أدير ثروته وأرباحه... إدارة أعمال.. ذلك النوع من الثقافة التي تبجح بها "مؤيريري واموكيراي"، الليلة الماضية. أما بالنسبة لي، فلم أرغب في يوم من الأيام اتباع خطوات والدي.‏

ولم لا؟‏

لأنّ قلبي كان دائماً مع العمال في مزارع الشاي الخاصة بوالدي. إنهم هم الذين كانوا ينشدون أحلى الأناشيد لي، والذين يحكون القصص المثيرة، والذين كانوا في الغالب يعزفون لي آلات الجيتار أو الكمان المصنوعة من الخيزران... كم أحب النظر إلى الأكواخ التي كانوا يعيشون فيها، والطعام الذي يأكلونه، والأسمال البالية التي يرتدونها، وعندما كنت أقابل بين فقرهم المدقع وبين غنى أناشيدهم وسعة معلوماتهم، تنتابني كراهية عنيفة إزاء والدي. ألم يكن العمال بشراً مثلنا؟ كان والدي أحياناً يضربهم بالقضيب ويشتمهم ويسميهم أبقاراً بكماء. هل تعرفين أنني في أحد الأيام رأيته يضرب والدتي لأنها طلبت منه التوقف عن ضرب رجل عجوز طاعن في السن. وعندما بدأت فيما بعد أتساءل عن الأمور، أراني والدي العصا، ومنعني من الاقتراب من أحياء العمال. لم أتوقف عن زيارة العمال، وأعتقد أن ذلك هو مادفعه إلى إرسالي إلى أمريكا في مرحلة كنت لا أزال فيها صغيراً يافعاً.‏

- ماهي المدة التي قضيتها في أمريكا؟‏

- خمس عشرة سنة.‏

- خمس عشرة سنة‍‍!. في بلد أجنبي!‏

ألم أقل لك إنني ذهبتُ إلى هناك على إثر حصولي على الشهادة الإعدادية؟ لم أسافر بمنحة دراسية. لقد كان والدي يدفع من جيبه كل التكاليف.‏

وماذا كنت تدرس طيلة تلك السنوات؟ سألت وارينجا.‏

أشياء مختلفة ومتعددة. ولكنني انتهيت أخصائياً بالموسيقى، أعزف الآلات الموسيقية مثل البيانو والأورغان والكلارينيت والمسجلة والطبل. درست التأليف وتاريخ الموسيقا الغربية من عهد "بانغ" و"هاندل" في القرن السادس عشر إلى آخر الأيام الحاضرة، أيام "تشايكوفسكي" و"إيغور سترافينسكي" الذي قضى نحبه عام 1971، كما درست قيادة الفرق الموسيقية وأشياء من ذلك القبيل. إن ما أثارني فوق كل شيء هو الخطب من نوع خطبة "باخ" "موسيقى القداس الثانوية"، و"عاطفة القديس ماثيو" و"مسيح" "هاندل" و"إيليجا" "ميندلسون". ولكن عندما سمع والدي أنني ذهبتُ إلى كل تلك الجامعات للدراسة في سبيل الحصول على إجازة في الموسيقا، وأنني لم أختر دراسة إدارة الأعمال، أرسل لي برقية بطول سكة الحديد. قال لي بها: إنه لا يستطيع الاستمرار بصرف ألوف الشلينات التي أنفقها على تعليمي لكي أتخرج بشهادة في الغناء. وحمل "الجيتار" على كتفي مثل محتالي بلدة "مونديري" في "ناكورو". طلب مني الاختيار بين الموسيقا، التي قد تحكم علي بقضاء بقية عمري كزنجي منشد مترحل، وبين إدارة الأعمال التي ستخولني العودة إلى البيت كابن عزيز عليه. حسناً، كيف أستطيع أن أشرح له أن ما رأيت عليه أثرياء أمريكا في معاملتهم لنسل الأفارقة الذين نقلوا إلى أمريكا كعبيد قبل حوالي ثلاثمائة سنة هو نفس مارأيتهُ يفعل بالتمام مع عماله؟ كيف أقوى على أن أقول له: "إن إقامتي الطويلة في أمريكا كشفت لي الظلام والجهل الذي يقود به أناس من صنف والدي كينيا؟ لم أجبه، إنما اخترت الموسيقا لكي لا تتحكم النقود بحياتي من قريب أو بعيد.‏

وفي تلك الأيام، لم يكن والدي ينتمي للكنيسة، ولكنْ حتى بعد عودتي من أمريكا واتضاح أنّه كان دعامة من دعائم الكنيسة- إذ إن لوالدي اليوم مقصورة عائلية خاصة في مقدمة الكنيسة وبجانب المذبح فإنّه لم يغفر أبداً ما بدا له جحوداً ومعصية مني. لقد وجه لي والدي السؤال التالي: فيما عدا المال، ماهو الشيء الآخر الجدير بالكفاح على هذه الأرض؟ كيف تقوى على دفن مواهبك في التراب مثل الخادم اللعين الجاحد؟ عند ذاك وفي ذلك المكان، تناول إنجيله وراح يقرأ عليَّ نفس الحكاية الرمزية التي سردها لنا "مؤيريري" في الحافلة الليلة الماضية. لما فرغ من ذلك قلت له: ياوالدي، كيف أقوى على أكل الطعام المسروق من أفواه الجياع؟ وكيف أقوى على شرب الماء المسروق من العطاش؟ ردَّ عليَّ بالمثل قائلاً: ماذا! هل تريد أن تقول لي بأنّك تعرف أكثر من الكاهن "بيلي جراهام"، الذي حضر مؤخراً إلى هنا وقدم لنا المواعظ عن تلك المواهب نفسها؟ إنك غير كفؤ حتى لمسح حذاء "بيلي جراهام"!‏

كان الشيء الثاني الذي عرفه والدي هو أنني وظفتُ من قبل الجامعة للبحث في ثقافتنا، وتقاليدنا وعاداتنا، لاسيما مايتصل منها بالموسيقى فوصل إلى مرحلة القطيعة. استدعاني مرة ثانية وسألني: كيف تقوى على نتفي من كل شعري أمام كرادلة الكنيسة؟ كيف تعريني أمام الرب، بحيث يستطيع الصغار الرضع رؤية عريي. تذكر "حام" القديم، الذي شاهد عري "نوح"، ورفض أن يفعل أي شيء إزاءه - ماذا فعل له الرب؟ هل تعرف؟ لقد حلَّتْ عليه لعنة إنجاب أبناء الظلام أبد الدهر. ولو أن الرب لم يشفق عليه وأرسل أبناء "سام" إلى قارتنا أفريقيا، أين يمكن أن نكون نحن أولاد "حام" الآن؟ أغرب عن وجهي واتبع خطوات "حام". اذهب وتسكع في كل أنحاء العالم ولاترجع إلي إلا بعد التوقف عن رمي لآلئ مواهبك أمام الخنازير، وأكل الفتات من نفس الطبق الذي تأكل الخنازير منه.‏

في هذه الأيام، لا أذهب قطعاً إلى البيت، إنني أحاول الآن ادخار النقود لكي أتمكن في يومٍ من الأيام من تسديده الأموال التي أنفقها على تعليمي لكي أتحرر من أي التزام بذلك.‏

ذلك يدل على طموح، قالت، وارينجا وهي تتنهد، ماهو اسم والدك؟ لعلني أعرفه، فقد نشأت في "ناكورو".‏

في هذه الحال ، لن أقول لك اسمه، أجابها "جاتويريا" بسرعة. لا أود أن أقول لك من هو لأنّك قد تكرهينني أيضاً. وحتى إذا لم تقولي شيئاً، لن أقوى على النظر إليك وجهاً لوجه، لأنني كلما نظرتُ إليك، سيذكرني ذلك بأنك تعرفين والدي، وبذلك تعرفينني أيضاً. لا، إنني حتى لا أستخدم اسمه. إنني أحب أن أشق طريقي الخاص في هذا العالم وأترك أثره ورائي أبد الدهر.‏

وقبل أن تتمكن "وارينجا" من قول أي شيء جواباً على ذلك، كان اللحم الذي ينتظرانه قد أحضر على طبق من الخشب، مقطعاً إلى قطع صغيرة. ثم جاءت صينية عليها خليطة كبيرة من البصل والفلفل الحار والثوم الأخضر.‏

أخذ الاثنان يتناولان اللحم بصمت. كان "جاتويريا" يقلِّب أشياء كثيرة في ذهنه. قال لنفسه مفكراً: لم أعرف هذه الفتاة إلا في سيارة "مواؤرا" الليلة السابقة، أثناء سفري من "نيامكيما" إلى "إيلموروج"، ثم في صبيحة هذا النهار، ومع ذلك أقول لها كل الأسرار التي كنتُ أحتفظ بها داخل صدري. فهل ياترى أثرت بي أحداث الكهف؟‏

كانت الأفكار نفسها، تدور في ذهن "وارينجا" فالأشياء التي وقعت لها خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة كانت مذهلة حقاً. استرجعت في ذاكرتها كيف هجرها حبيبها "جون كيموانا"؛ وكيف طردت من عملها من قبل السيد "كيهارا"، لأنها أبت أن تفتح فخذيها، وكيف طردت من بيتها من قبل صاحب المنزل، ثم كيف أعطيت رسالة تهديد موقعة من قبل ملائكة الشيطان. تذكرت... وفي الحال تلقفت حقيبة يدها لكي تتناول قطعة الورق وتعرض على "جاتويريا" كيف كان الأغنياء يستخدمون السفاكين وقطاع الطرق. نظرت وفتشت، ولكنها لم تجدها. سيان، قالت: تحدث نفسها، ثم استجمعت خيوط أفكارها عن "جاتويريا"، وعن النزاع بين الوالد وابنه. لماذا قال إنه يريد ألاّ أكرهه؟ تساءلت في عجب. هل يظن أننا سنرى بعضنا كل يوم؟ هل يظن أنه وجد واحدة من "الجاهزات للتسليم"؟‏

وفجأة خرجت وارينجا من عالم أفكارها بفعل صوت "جاتويريا" الذي كان أشبه بصوت رجل يلبط برجله يميناً ويساراً في الماء لكي لا يغرق.‏

ماذا! هل سيخطر لي في يوم من الأيام أن أهجر التزامي تجاه ثقافتنا وأشارك في أحلام اليقظة عن بيع التراب للفقراء بحبات القرع الصغيرة؟‏

أحلام اليقظة عن بيع هواء الله المجاني للناس! قالت وارينجا بصوت أشبه بساعة تدق. يزرع الناس الزنبق في الجو لكي يرسموا حدوداً ثم يعلنون: من هنا إلى هناك، هذا هو نصيبي من الهواء.‏

أحلام يقظة عن بناء أعشاش عصافير للفقراء كي يتمكن ملاك الأراضي من جني أرباح هائلة، قال "جاتويريا".‏

وأحلام يقظة عن امتلاك عشرات من الصديقات والصاحبات. قالت "وارينجا" بصوت متهدج تخالطه الدموع. هل يعرفون كم من قلب حطموه وفتتوه إلى قطع صغيرة؟ هل يعرفون الأجساد الكثيرة التي أتلفوها، والحيوات العديدة التي عفَّروها في التراب بحيث تستطيع كل فتاة، وهي تفحص جسدها الخاص، رؤية مرض الجذام الذي أصابها عن طريق الرجال؟ صار جسد المرأة في هذه الأيام جثة عفنة، وصارت حرارة جسدها ناراً تأتي على حياتها، كما صارت أنوثتها قبراً تدفن فيه خصوبتها... هل يعرفون عدد البنات اللواتي دفعوهن لرمي أطفالهن بالمراحيض أو قتلهم وهم مازالوا في الأرحام؟‏

دعني أقل لك مايلي. حين تكون امرأة في ريعان شبابها، تراودها أحلام جميلة عن مستقبل تركن فيه مع زوجها وأطفالها أبد الدهر بسلام منزلي في بيت يخصهم. وهناك من يحلمون بالمصاف الثقافية العليا التي يرتقون إليها، بالمناصب الهامة التي يعهد بها إليهم، بالمآثر البطولية التي سيؤدونها لصالح وطنهم، مآثر تلهم الأجيال القادمة على التغني بها على النحو التالي: أوه، يا أمنا، يا بطلة وطنية عصامية! وفي الوقت الذي تحلم فيه فتاة بمستقبل باهر، مفعم بالمآثر البطولية، مع أن نهديها لم يبرزا بعد.ولكن ليس عليك إلا انتظار بروزهما. وليس عليك إلا انتظار تورد خديها. انتظر حتى يبدأ أمثال "بوس كيهارا" بالصفير لها وعرض نقلها بسيارات "المرسيدس بنز" التي يملكونها إلى الأضواء الساطعة والمرابع الليلية في "نايفاشا" و"مومباسي".‏

أوه، نعم، انتظر فقط حتى ترى المعجزات الفاتنة لقضاء فترات الظهيرة والليل والفنادق الفاخرة المكلفة في "نيروبي"؛ وأنا أقول لك: إن فتاتنا ستستيقظ صبيحة يوم من الأيام لتجد أن كل أحلامها تركن مبعثرة ومحطمة على الأرض، مثل شظايا الفخار المكسورة. هناك، ترقد شظايا أوهامها مبعثرة على الرمال. قل لي أنت، يامن تبحث في ثقافة شعبنا؛ عندما يتكسر قدر الفخار، هل يمكن ترميمه؟ أين هو الحرفي الذي يقوى على جمع شظايا حلم فتاة عذراء، مثل الحمامة التي أحيت إحدى الفتيات في الحكاية؟ كلا، كلا، كلا! كيف طرح الصبية ذلك في أُغنيتهم الراقصة "موتوو".‏

إنه لمنظر مذهل،‏

قدر الفخار الآن محطم‏

عندما جئت من نيروبي‏

لم أكن أعرف أبداً أنني‏

سوف أنجب طفلاً يسمى‏

صانع الشجاعة المدهشة‏

هيا يابني قومي، تعالوا لنبكي معاً! تعالوا وشاهدوا العجائب الحديثة.‏

لا يمكن تسميتنا اليوم إلا بحملة الأطفال المحكومين بالهلاك، عوضاً عن تسميتنا بحملة أبناء القامات البطلة. لا، لا. إذا كسر قدر الفخار، لا يمكن ترميمه على الإطلاق. على هذا النحو تتحطم أحلامنا نحن الصبايا- السكرية من قبل الوحوش-السكرية......‏

شاهد "جاتويريا" إثر ذلك الدموع تنهمر على وجنتي "وارينجا"، ثم تصل إلى الأرض.. وارينجا، ياوراينجا؛ ماخطبك؟ سأل جاتويريا، مندهشاً. ماذا تراه فعل لهذه المرأة؟‏

تناولت "وارينجا" حقيبة يدها، وأخرجت منديلاً مسحت به دموعها. حاولت الابتسام، غير أنها لم تستطع فعل ذلك بشكل جيد. فتابعت حديثها بالصوت الحزين نفسه..‏

إنه لاشيء.. وإن كان فيه بعض شيء أيضاً.... ماذا أقول لك وكيف أقول لك أيها الغريب في حياتي؟ ولكن في الحقيقة ليس في الأمر شيء سري- على الرغم من أنني لم أحك لأي شخص آخر. من ذي قبل -ذلك لأنّه أمر يحصل للفتيات في كافة أرجاء كينيا. إن حكايتك هي التي جعلتني أتطلع للوراء على أيام حياتي بغضب؛ وأستطيع أن أرى بكل وضوح أين تحطمت أحلامي إرباً إرباً مثل قدر الفخار الذي اعتاد الفتيان الغناء عنه في رقصة "الموثوو"، ماذا أحكي لك؟ ومن أين أبدأ؟‏

صدقاً، إنني أستطيع حتى في هذا اليوم ونحن نجلس هنا، أو عندما أكون وحيدة أقلب الأمور في ذهني بصمت، أو عندما أضرب على الآلة الكاتبة أو أسير في الطريق، أستطيع سماع قرقعة القطار الثقيلة وهويسير فوق السكة باتجاه مكان وقوفي انتظاراً لنقلي بعيداً عن المشاكل التي جابهتها في "ناكورو". أقف في منتصف السكة، قرب نقطة التقاطع المستوية. بجانب مقاطعة "كباكيا"، قطاع 58، في "ناكورو"، لقدكان هذا حوالي الساعة الحادية عشرة من صباح الأحد. أقبل القطار نحوي، ينفث البخار، ويتنفس بصعوبة، ويغني كما يبدو:‏

ذاهب إلى أوغندا‏

ذاهب إلى أوغندا‏

ذاهب إلى أوغندا‏

ذاــــ هب‏

ذاــــ هب‏

اذهب، اذهب، اذهب‏

ذاــــ هـــ - ب... أو أو أو!‏

أغمضت عيني، رحت أعد: واحد، اثنان، ثلاث، أربع، خذني الآن.‏

غطَّتْ "وارينجا" رأسها بيديها. كانت ترتجف بقضها وقضيضها، وكأنها كانت أمام القطار بالفعل. كانت قطرات من العرق تتشكل على جبينها كأنها ترى القطار وقد أوشك على سحقها تحت عجلاته. هب "جاتويريا" واقفاً ووضع يديه على كتفيها وهزها قليلاً وهو يسأل: ماذا دهاكِ؟ ماخطبك؟‏

(2)‏

لقد ولدت "جاكينتا وارينجا"، في "كامبورو" جيتنجورى كياوايريرا" سنة 1953. وفي تلك الفترة كانت كينيا تحكم من قبل الامبرياليين البريطانيين في ظل قوانين قمعية جداً تحت اسم قانون الطوارئ. وكان وطنيونا بقيادة "كيماثي وا واثيوري" قد أقسموا قسم الوحدة، معلنين أنه مادام الموت حقيقة من حقائق الحياة، فإنهم سيناضلون ضد الإرهابيين البريطانيين حتى تنتهي كافة أشكال القمع والتعذيب من البلاد. كان أزيز البنادق ودوي القنابل في "نيانداروا" وجبل كينيا مثل قصف الرعد. وعندما رأى الإرهابيون البريطانيون، مع حراسهم من أهل البلاد، كلاب حراستهم من الكينيين المخلصين- أيّها الأنغال القصيمون، يامن بعتم وطنكم من أجل إشباع كروشكم- إنهم قاب قوسين من الهزيمة على أيدي قوات الفدائيين "الماوماو"، أفرطوا في تعذيبهم الطائش وقمعهم لفلاحي وعمال الوطن كله.‏

في سنة 1954، اعتقل والد "وارينجا" في "فانياني". وبعد سنة من ذلك اعتقلت والدتها وحبست في سجني "لانجاتا" و"كاميتي".‏

كانت "وارينجا" آنئذٍ في الثانية من عمرها فقط، وكان زوج عمتها يعمل في السكك الحديدية عندها، ثم في مجلس بلدة "ناكورو". شبَّت "وارينجا مع أبناء عمتها. كانوا في الأيام الاولى يعيشون في مقاطعة " لاند بانيا"، ولكن ما إن جاء يوم الاستقلال حتى نقلوا إلى بيت من بيوت المجلس في القسم /58/.‏

التحقت "وارينجا" بالمدرسة في إعدادية "باهاريني"، بالقرب من منطقة "شودي باكو". أما ابن عمتها فقد التحق بمدرسة "بونديني"، بجانب المقسم /58/. بالتمام، قرب "ماجينجو"، و"بونديني". كانت تذهب عبر أكواخ "ميثونج" المغطاة بالقش إلى المنطقة الخالية المعدمة بالقرب من ملحمة المجلس البلدي. وبعد ذلك كانت تركض عبر "بونديني"، وقبل أن يدق الجرس الأخير كانت تحتل مكانها في العرض الصباحي. كانت أحياناً، بعد الدوام المدرسي أو في يومي السبت والأحد، تطوف مع أبناء عمتها حول "بونديني" لمراقبة النساء وهن يتصيدن الرجال أو لمراقبة الرجال أثناء منازلة بالسكاكين. وفي أحيان أخرى، كانوا يزورون كافة المناطق السكنية المجاورة -"كيزيواني"، "كالوليني" "كيفومبيني"، "شوري ياكو"، "امبوكوريوا"، (المعرفة أيضاً بالمخيم الصومالي)- لمجرد إمعان النظر بالناس والمنازل والحوانيت. وكانوا يذهبون أحياناً لسماع الحفلات الموسيقية أو لمشاهدة المسرحيات في قاعة "مينينغال"، كما كانوا أحياناً يذهبون إلى عروض السينما المجانية في "كاموكونجي". وكانوا أحياناً يتمشون على طول طريق بحيرة "ناكورو" وينزلون إلى شاطئها لمشاهدة طيور "الفلامينجو"، وغيرها من الطيور، أو يذهبون إلى الحلبات لمراقبة سباق السيارات والدراجات النارية.‏

غير أن ماكانت تستعذبه أكثر من كل شيء لم يكن مراقبة العاهرات وهن يتعاركن على الفوز بالرجال، أو السكارى وهم يبولون ويتقيئون في مجاري المياه المكشوفة؛ لا، بل هو الذهاب إلى الكنيسة للصلاة والاستماع إلى المواعظ، فقد كانت عمتها تأخذها كل يوم أحد إلى قداس الصباح في كنيسة "الحديقة المقدسة" لقد تم تعميدها في تلك الكنيسة، ومنحت اسمها الجديد "جاكينتا". أما ما كانت "وارينجا" تسعى جاهدة لتحاشيه - على الرغم من أن عينيها لا تريم شاردة صوبه- فهوالنظر إلى الصور على جدران ونوافذ الكنيسة. كان عدد من الصور يبين "يسوع" بين ذراعي "مريم العذراء"، أو على الصليب، فيما كانت صور أخرى تصور الشيطان، بقرنين يشبهان قرني البقرة وذيل يشبه ذيل السعدان، يرفع ساقاً واحدة في رقص بغيض، بينما تقلِّب ملائكته، وهم مسلحون بالمداري المشتعلة، بني الإنسان على نار مضطرمة. أما العذراء مريم، ويسوع وملائكة الله فكانوا بلون أبيض، مثل الأوروبيين، بينما كان الشيطان وملائكته باللون الأسود. كان يراودها في الليل كابوس متعاود، فعوضاً عن يسوع على الصليب، كانت ترى الشيطان على الصليب، ببشرة بيضاء مثل رجل أوروبي بدين رأته مرة قرب "نادي وادي الريفت الرياضي"، وهو يصلب من قبل بشر يرتدون الأسمال البالية -مثل من كانت تراهم في "بونديني"- وبعد ثلاثة أيام، والشيطان في سكرات الموت، يتم إنزاله عن الصليب من قبل رجال سود يرتدون البدلات وعقد الرقبة، وبذلك يعود للحياة، ويأخذ بالسخرية من "وارينجا".‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:14 PM
تم إطلاق سراح والدي "وارينجا" سنة 1960 - أي قبل ثلاث سنوات من "أوهورو"- ليجدا أن قطعة الأرض الصغيرة التي يملكانها في "كامبورو" قد بيعت للحرس الوطني من قبل النظام الاستعماري. فانتقلوا إلى "إيلموروج" للبحث عن مرعى مستعار وللبحث عن مكان يبنون فيه مأوى لهم.‏

وبما أنّهم وجدا "وارينجا" في المدرسة في "باهاريني"، "ناكورو"، فقد سمحا لها بالبقاء هناك. كانا يصليان من أجل أن تنهي دراستها بسرعة حتى تتمكن في يوم من الأيام من تحريرهم من الفقر. كانت "وارينجا" سريعة في تعلمها، ودائماً في القمة. وكانت في الواقع هي التي تدرب أبناء عمتها في الرياضيات، حتى من كان منهم يسبقها بصف دراسي. وعندما أُعلنت نتائج الإعدادية، كانت "وارينجا" من بين من حصلَّوا تحصيلاً جيداً. لقد قبلت بمدرسة "ناكورو" الثانوية.‏

كانت هذه أسعد أيام حياة "وارينجا". عندما شاهدت نفسها في الزي المدرسي، بدلة زرقاء، قميص أبيض، وجوارب بيضاء، وحذاء أسود، شعرت بالميل للبكاء من الفرح.‏

حتى سنتيها الأوليين في الفصلين الأول والثاني كانتا سعيدتين. لم تعترها أية أفكار أو منغصات غير حب التعلم الخالص وطموحها إلى إكمال الدراسة بمرتبة الشرف. كانت، وهي تحمل كتبها ومسطرتها وقلمها في يد واحدة، تجري عبر أكواخ القش إلى "شارة لازيس"، وعبر مستوصف المجلس إلى اليمين.‏

وعند نقطة الاتصال، كانت تترك الشارع إلى "بورنديني" على يسارها. والشارع المؤدي إلى المدينة على يمينها، ثم تجتاز شارع "رونا لد نجالاً، الذي يقودها عبر مساكن الراهبات الأفريقيات، بالقرب من كنيسة "الحديقة المقدسة"، وهناك تعبر شارع "أوجينكا أودينكا"، ثم إلى مدرسة "ناكورو".‏

وفي المساء، عند عودتها من المدرسة، كانت تأخذ طريق "أوجينكا أودينكا" عبر "ستاد أفراها"، لتأخذ الطريق الفرعي عند "مدرسة ميننغاي العليا"، حيث تتسلق المنحدر عبر المستوصف وعبر الملحمة إلى القسم /58/. ولكنها عندما كانت تُرسل أحياناً إلى المدينة بمهمة ساعي بريد، كانت تذهب عن طريق صالات ومكاتب مجلس المدينة إلى مركز المدينة.‏

غير أن "وارينجا" لم تكن تتوانى عن عملها بغير ضرورة. كانت حينئذٍ تعرف موقفين فقط: المدرسة والبيت.‏

كانت "وارينجا" وهي تسير على طول هذه الطرقات، سواء إلى المدرسة في الصباح أو إلى البيت في المساء، تشعر بأنها ملكة الدراسة في "ناكورو" كلها.‏

كانت تعيش على أحلام عذبة، أحلام تعربد في الجسد الصغير، الدماء الحارة والقلب النقي لشبابها المتفتح. غير أن حلم أحلامها كان يتمثل في إنهاء أيام الدراسة بنجاح والحصول على كرسي في الجامعة. وغاية طموحها أن تدرس الهندسة الكهربائية أو الميكانيكية أو المدنية. كانت كلمة "مهندسة" هي التي تجعل قلبها يدق كلما "أغمضت عينيها وحاولت النظر إلى مستقبل حياتها. لم تكن وارينجا تفهم لماذا نادراً ما تختار الفتيات أعمالاً تحمل صفة التحدي، وتترك المجال كلّه مفتوحاً للرجال. ليس ثمة عمل لا تستطيع الفتاة أداءه، إذا ما ركزّت ذهنها عليه وآمنت أن بوسعها عمله.‏

وذلك هو ماكانت "وارينجا" تقوله للفتيات الأخريات، اللواتي كن دائماً يضحكن من جسارة أفكارها، ولكنهن كنّ مقتنعات بأن "وارينجا" تستطيع أن تكمل دراسة الهندسة بنجاح، إذ لم يكن ثمة شاب أو فتاة في ثانوية ناكورو يتفوق عليها في الرياضيات. كانت معرفتها بالرياضيات معرفة أسطورية، وكان اسمها معروفاً في كل المدارس المجاورة، مثل مدرسة "أفراها"، ومدرسة "القديس يوسف" و"القديس السافير"، وثانوية بحيرة "ناكورو"، وحتى أبعد من ذلك مثل "مدرسة ناكورو العليا".‏

الدراسة ليلاً ونهاراً، والذهاب إلى الكنيسة كل أحد، ومساعدة عمتها في الأرض التي سمح لهم بحرثها وزرعها من قبل المجلس في "بآري" وفي "كليمانت"، بالقرب من فوهة بركان "مينينجاي"- كان ذلك هو نظام "وارينجا" من يوم الاثنين إلى يوم الأحد. لقد ساعدت استقامتها وكدها في الحقول واجتهادها في كل شيء تفعله على انتشار سمعتها في كل أنحاء المقسم /58/.‏

بعد ذلك وفي أحد أيام السبت حوالي الساعة الرابعة، وفيما كانت مع أبناء عمتها عائدين من الحقول بالقرب من فوهة بركان "مينينجاي"، شاهدت "وارينجا" الموت لأول مرة في حياتها. لقد مروا عبر ملحق المستشفى العام لمدينة "ناكورو"، واجتازوا شارع ناكورو نيروبي، وكانوا يتجهون الآن نحو القسم /58/.‏

وعند التقاطع المستوي وجدوا جمهرة من الناس يتجمعون حول جثة رجل سحق سحقاً تاماً على سكة الحديد من قبل قطار مندفع. ولكن هل كان ذلك جسداً، أم لحماً مفروماً فحسب، ودماءً وعظاماً مبعثرة على القضبان؟ لم يستطع أحد معرفة صاحب الجثة، أو تصور كيف كان يبدو عندما كان حياً. أحست "وارينجا" وكأن معدتها قطعت إرباً إرباً بشفرة سكين. شعرت بالمرض وبأنها على وشك الإقياء، فهرعت إلى البيت، وتركت أولاد عمتها عند مشهد الحادث المريع، فقد كانت دائماً تخاف من منظر الدم. وأخبار الأموات والجنائز تفرض عليها سهر الليالي وهي تصارع مفارقة الحياة والوجود. أما أن تشاهد هيكل رجل كامل وشكله مطموسين تماماً بفعل قطار سكة الحديد- كأن الرجل لم يكن ولم يوجد على الإطلاق -فذلك شيء لم تتصوره بتاتاً.‏

جعلها المنظر المقشعر للأبدان عاجزة عن استخدام ذلك التقاطع بعد ذلك اليوم.‏

كانت تلك هي الطريقة التي شبت عليها "وارينجا" في تلك المرحلة بمدينة "ناكورو"- مستقيمة الخلق، وفي بحث دائم عن طريق الفضيلة، وفق نور عرفانها وتجربتها، هكذا كانت "وارينجا"! هكذا كانت "جاكينتا"! نعم، هكذا كانت حتى وصلت إلى الصف الثالث.‏

في هذا الوقت كان نهداها قد تكورا واستطال شعرها بلون أسود لامع، كما توردت وجنتاها، ملساوتان مغريتان مثل ثمرتين في موسم طيب.‏

كان زوج عمتها الذي كانت تناديه "عمي" هو الرجل الذي جعلها تضل عن الدروب التي يدوس عليها الفلاحون وتزوغ إلى دروب صغار البورجوازيين، من لابسي ربطات العنق.‏

لقد كان "العم" واحداً ممن خدموا البيض بإخلاص لكي ينجو بجلده. وبعد الاستقلال، أصبح هؤلاء الأشخاص أنفسهم، ورثة للبيض، وخاصة إذا ما تعلق الأمر بالأرض والتجارة. غير أن العم لم يكن صاحب بخت طيب مثل الآخرين. لم يكن راتبه يسمح له بارتقاء سلَّم طموحه. كان راتبه يكفي للملابس والطعام والأجور وبقية الحاجات المنزلية فحسب. ولكنْ على الرغم من ظروفه المتدنية، كان يحب أن يعيش فوق مستواه: إذ كان دائماً يصاحب من يتبوؤن قمة سلم الحياة. وأصحابه يتألفون من عدد قليل من الأغنياء من "نجورو" ومن "نجوريكا".وأصدقاؤه الأثرياء يشربون في "ركن الرياضيين"، من "الفندق الرئيسي"، أو في النوادي والفنادق، مثل "نادي الألعاب الرياضية بوادي الريفت"، الذي كان يُحجز للأوروبيين وحدهم في الماضي.‏

كان "العم" يعتقد أن من يمشي مع الأغنياء، قد يصبح هو نفسه غنياً أيضاً، وأن من يسعى بجد واجتهاد لابد أن يلقى الثراء في نهاية المطاف، وأن "ريح بطن" الغني لا تعطي رائحة على الإطلاق. ولذلك سيان عنده إذا ما وجهوا الأوامر له أو قدموا أطراف أصابعهم للسلام، أو إذا أرسلوه بمهمة ساع مثل خدم ماقبل -الاستعمار من الإقطاعيين الذين يلبسون الأقراط.‏

وربما لأنّه لم يكن يعبأ باستنشاق "ريح بطن" الأغنياء، جاء زمن تمكن فيه من التقاط بعض البقايا والفضلات. لقد حصل له رجل ثري من "نجوريكا" على منزل بمنطقة "الشراء بالأجرة، تماماً قرب مقاطعة "كيباكيا"، الدور الثاني، ثم قدّمه إلى مدير أحد المصارف، الذي أقرضه مالاً من أجل العربون الأولي. وحصل له الرجل نفسه من "نجوريكا" على قطعة أرض بالقرب من "مشروع سامبوجو".‏

اعطني لأعطيك، هكذا يقول المثل. والوليمة الطيبة تستدعي وليمة بالمقابل. وتأسيساً على ذلك، لم ينل "العم" ثروة لابأس بها من الأرض بالمجان. أوه، لا. لقد وعد صديقه الثري من "نجوريكا" "بعجل" أو "بفروج ربيعي"، ولقد كانت "وارينجا" هي ذلك الفروج الذي سيقطع ريشه واحدة بعد واحدة، ليبقى اللحم عارياً لا يعوقه شيء. كطعام طري لعجوز لا أسنان له. إذ عندما يشيخ الرجل الأبيض، يأكل لحم العجل.‏

غير أن "وارينجا" لم تكن تعرف أنها بيعت سلفاً، لأنّهم لم يجروا خلفها بالطريقة التي يجري بها رجل متأخر للحاق بالباص، أو بالطريقة التي يقفز بها الرجل لامتطاء الدراجة. بدؤوا بالحواشي والأطراف، بالطريقة التي يقترب فيها المرء من طبق ساخن، إذ يكون اقترابه حذراً في البداية وفي النهاية يبتلع الطبق بأكمله.‏

لقد بدأ "العم" يطلب من "وارينجا" زيارة مكاتب المجلس بعد ساعات المدرسة لكي تحمل بعض الحاجيات للبيت. ولكنْ في كل مرة كانت "وارينجا" تزور المكاتب، وقبل أن تتبادل مجرد كلمتين مع عمها، كانت ترى العجوز يقلها بسيارته إلى القسم /58/، أو يسوق السيارة بها إلى ملحمة المجلس.‏

وفي أحد الأيام دُعيت "وارينجا" من قبل رفيق دراسة إلى حفل في "باهاتي". وجدت عمها هناك.. كما كان الثري العجوز موجوداً أيضاً. وفي ذلك المساء نقلها العجوز الثري إلى البيت بسيارته من طراز "مرسيدس بنز".‏

وشيئاً فشيئاً توصل العجوز و"وارينجا" إلى معرفة بعضهما، كان العجوز لا يمل ولا يتعب من ملاحقته الدؤوبة لها بلا رحمة. فعند مغادرة المدرسة في المساء، كانت وارينجا دائماً تجد سيارة "مرسيدس بنز"، تقف بجانب شارع "أوجينجا أودينجا"، بالقرب من كنيسة "الحديقة المقدسة"، يعرض عليها العجوز الثري النقل بالسيارة، ولكنه قبل أن يأخذها إلى مستوصف المجلس، قرب الملحمة، كان يأخذها أولاً مشواراً متمهلاً عبر شوارع "ناكورو"، أو إلى فوهة "مينينجاري" أو إلى بحيرة "ناكورو" أو إلى حلبة السباق.‏

بعد ذلك بدأ يغدق عليها الخرجية، وأجرة السينما، أو السباقات، أو لمعرض "ناكورو" الزراعي. هذا وبما أنّها لم ترفض منذ البداية ابتساماته الاستفتاحية، صارت بالتدريج أضعف تجاهه، إلى أنّ لم يعد بمقدورها رفض أي شيء. لقد التقيا في مناسبتين بسينما "إيروس"، وبمناسبة ثالثة بسينما "أوديون".‏

طرأ الآن تغير على حياة "وارينجا". أخذت تشعر وكأن باباً قد فتح على "ناكورو" كبلدة لم تكن تعرف بوجودها أبداً. وفجأة رأت العالم يأتلق؛ فصارت تشاهد نوراً وهاجاً يضيء درباً عريضة وجميلة جداً، صارت تسمع كلاماً غرامياً تهمس به أصوات ناعمة وعطرة بشكل رائع: يا "وارينجا"، ياعزيزتي، كيف تقوين على تقييد نفسك بكل حماقة بالكتب في وقت تتيسر فيه بكل مكان من كينيا الأطعمة السكرية وفواكه العصير الناضجة؟‏

نبتت لوارينجا أجنحة. جربت تلك الأجنحة مرة وطارت مع رجلها العجوز الثري. شعرت بالجودة. ثم طارت وطارت، وفي كل طيران كانت تحسُّ بمفاتن "المرسيدس بنز" تتضاعف. كان رجلها الثري يشجعها بكلام معسول؛ إذ كان يقول لها: إن عليها ألا تقلق بتاتاً، وإنه راغب كل الرغبة في تطليق زوجته الأولى من أجل فخذي "وارينجا" ونهديها، وصارت الآن باستمرار ترفرف استعداداً للطيران.‏

بدأت تكره المدرسة، لاقتناعها بأن المدرسة هي التي كانت تجزُّ لها أجنحتها وتجرها إلى الأرض بأغلال حديدية في الوقت الذي كانت ترغب فيه بالعوم على هواها، والتحليق عبر السماوات باتجاه سماء السعادة الأبدية.‏

تبخرت أحلامها في الدراسة وفي الوصول إلى الجامعة لتحصيل إجازة في الهندسة، وتلاشت في الجو كما يتلاشى ندى الصباح بعد شروق الشمس. صارت وهي في قاعة الدرس تعد الثواني، والدقائق، والساعات، والأيام، وهي تنتظر بنفاذ صبر يوم السبت، لكي تتمكن من الطيران إلى ميدان الحياة الحقيقية الحر. وصارت بالإضافة إلى ذلك كذابة من الطراز الأول. كانت في مناسبات عدة تخدع عمتها بقولها إنها ذاهبة إلى "إيلموروج" لرؤية أبويها.‏

وبمثل هذه المناسبات كان رجلها العجوز الثري يقلها بالسيارة عند موقف باص "ناكورو"، وينطلق بها بكل خفة على طول الطريق الإسفلتي العام نحو "نايفاشا". وفي "نايفاشا" يقوم الاثنان بجولة حول البحيرة بقارب آلي، أو يتمشيان على طول البحيرة، يراقبان صيادي الأسماك أثناء عملهم، فيما العجوز الثري يشرح لها كيف يستخدم الصيادون السمك الصغير طعماً لاصطياد السمك الأكبر، وكيف كانت الأسماك الكبيرة تعيش على حساب الصغيرة.نعم، إنها تبتلعها جميعاً، كان العجوز الثري يتحدث وهو يضحك.‏

كانا أحياناً يذهبان إلى الينابيع الساخنة، بزعم اصطياد الحيوانات، مع أنهما لا يملكان إجازة الصياد، ولكنهما بدلاً من اصطياد الحيوانات، كانا يلعبان لعبة تسمى لعبة "الصايد والطريدة"، يتناول الصياد المسدس لمطاردة الطريدة حتى تتعب وتخور قواها، وفي تلك اللحظة يمسك الصياد بالطريدة ويطلق النار في الجو معلناً عن فوزه وانتصاره.‏

ولقد كان العجوز الثري بالعادة هو الذي يطارد "وارينجا" بين الأشجار، وهو يحمل مسدساً بيده اليمنى. وبما أن جسم "وارينجا" كان فتياً ورشيقاً، كانت تسبق العجوز في الجري. تختبئ "وارينجا" بعدئذ داخل شجيرة إلى أن يهلك من التعب ويبدأ بمناداتها بنزق من الخيبة، وعندما تلاحظ "وارينجا" هذه المزية، تتظاهر بالتعب والإعياء، وعندها كان العجوز يمسك بها، ثم يطلق النار في الجو ويبتسم ابتسامة الفرح والسعادة. تأخذ "وارينجا" بعد ذلك المسدس وتطارده بين الأشجار. أما ماكان مدعاة لدهشتها واستغرابها دائماً فهو أنّه، وبصرف النظر عن مقدار تعبها، ما إن تمسك بالمسدس حتى تشعر بأنّها شحنت بقوة جديدة، فتمضي قدماً وتلحق به لكي تطلق رصاصة النصر.‏

شعرت في أحد الأيام أنها شبعت من تلك اللعبة، فأطلقت النار قبل الإمساك به. لم تستطع أبداً في الحقيقة معرفة ماحدث -لعلها عندما حركت يدها لإطلاق النار، اصطدم أحد الأغصان بالمسدس -غير أن الطلقة بأيّة حال، أخطأت الرجل بمسافة لا تزيد عن بوصة واحدة. فلقد أصابت الطلقة ظبية حاملاً وقتلتها على الفور.‏

كان العجوز الثري يرتجف ويتعرق. وأخذت "وارينجا" تبكي. فهي لم تقتل في حياتها أي شيء مهما كان. وقالت للعجوز إنها ستتوقف عن لعبة الصياد والطريدة. ضحك فقط، وهو يتظاهر بشجاعة أكبر مما كان يحس به فعلاً، فقال لها: إن اللعبة لن تتوقف على الإطلاق. ولكنه الآن وبعد أن عرف بأنّها غير أهل لحمل المسدس، فهي لن تصطاده مرة ثانية، إنه سيقوم على الدوام بدور المطاردة والاصطياد.‏

لنفترض أنك أخطأت الرمي. سألته "وارينجا".‏

لا، أنا لستُ مثلك. ولن أُخطئك. قال العجوز الثري على سبيل المزاح... ضحك الاثنان. لقد كان العجوز الثري مسحوراً باللعبة ومهووساً بها.‏

كان العجوز الثري دائماً يحجز غرفة في أحد الفنادق على شاطئ البحيرة. وفي المساء، بعد تناول الطعام والشراب، يلوذان بغرفتهما، حيث يقضيان ليلة بهجة وفرح، وفي صباح اليوم التالي، يقود العجوز سيارته "بوارينجا" إلى إيلموروج. كانت تنزل من السيارة عند موقف الباص، ثم تجري إلى البيت، وتحيي والديها تحية عاجلة ثم تعود على جناح السرعة إلى مكان ينتظرها فيه عزيزها العجوز الثري، ويطيران معاً إلى فندق آخر لمتابعة حياتهما.‏

يحكى أن للحلاوة فمها، ومعدتها الخاصة -ولها عضَّة سامة. في صباح يوم من الأيام، وبينما هي في طريقها إلى المدرسة، وقبل وصولها إلى مساكن "الأخوات الأفريقيات"، على وجه الدقة، شعرت وارينجا بالدوار. جلست أرضاً، وبدأت تتقيأ. وعندما انتهى الدوار، تابعت طريقها إلى المدرسة ظانة أن معدتها مرتبكة، ولكنها يوماً إثر يوم، كانت تشعر بمزيد من المرض والدوار، بل كانت مريضة باستمرار. مر شهر وفاتتها الدورة الشهرية. إن مثل هذا يحدث أحياناً، قالت تعزي نفسها. ولكن شهراً آخر مر وفاتتها الدورة مرة ثانية.‏

ألمَّ بها الذعر. لقد سمعت "وارينجا" عن فتيات كثيرات أصبحن حاملات، ولكنها لم تتصور أبداً أن يحدث ذلك معها. لم تعد تشك بالأمر الآن. إن ماكانت تخال أنه لن يحدث لها على الإطلاق، حدث وانتهى الأمر.‏

ماوقع وقع، بهذا حدثت وارينجا نفسها، ومهما يكن الأمر، فإن الأرض التي تقف عليها كانت صلبة ثابتة. فلقد كان رجلها العجوز الثري يؤكد لها دائماً بأنّه سوف يتزوجها وفقاً للعادات، وأن بإمكانه تطليق زوجته والزواج من الشابة الجديدة بحفل كنسي مناسب. ولذلك كانت واثقة من أنه لن يبدي أية دهشة لأنباء وضعها الراهن. وعلى أية حال، لقد صار الحمل قبل الزواج شأناً حضارياً حديثاً، عندما نظرت وارينجا حولها، استطاعت أن ترى بأن عدداً كبيراً من البنات لبسن خواتم الزفاف في مذبح الكنيسة وقد بلغن الشهر الثامن بل حتى الشهر التاسع من الحمل. كان هنالك فتيات يتزوجن اليوم لينجبن طفلاً في الغد تماماً، وكانت قد سمعت عن فتاة ولدت في الكنيسة، وعن فتاة أخرى وقد ولدت وهي في الطريق إلى الكنيسة، وأبقت عريسها والكاهن ينتظرانها عند باب الكنيسة. أوه، لم تكن وارينجا تخاف على نفسها، ذلك لأن الثقة برجل محبوب تبعد كل الوساوس والمخاوف.‏

في أمسية يوم سبت، وفي فندق من فنادق "نايفاشا"، أخبرته "وارينجا" بكل شيء. جفل العجوز الثري مثل رجل عضه عقرب في عجزه، ولكنه سرعان ما هدَّأ نفسه وتمالك أعصابه ولم يئن أو يعرب عن أي تذمر في تلك الليلة، اعتقدت "وارينجا" أن كل شيء على مايرام. حلمت في الليل أنها تحررت من قيود المدرسة، والمدرسين، والامتحانات لكي تسبح أبد الدهر على أمواج السعادة والهناء،وتخب في مياه كينيا الضحلة، تستمتع بحياة الدلال الدائمة دون تفكير بالإمكانية الكابحة في الذهاب إلى المدرسة في الغد. وفي الصباح فقط لقَّن العجوز الثري "وارينجا" درساً لن تنساه أبد الدهر. سألها لماذا لم تأخذ الحيطة مثل بقية الفتيات. ما الذي منعها عن تناول أقراص منع الحمل، وعن وضع لولب يثبت في داخلها، أو عن تناول الحقن؟ ثم لماذا لم تكشف النقاب عن وضعها من الشهر الأول للحمل؟كان ذلك بكل وضوح لعدم تأكدها الكامل عمن هو المسؤول.‏

كيف يمكن أن تكوني قدحملتِ بهذه السرعة الكبيرة، إذا كنت أنا المسؤول الوحيد الذي عاشرك؟ ابتعدي عني وابحثي عن الشاب الذي ورطك بهذه المشكلة، واطلبي منه أن يتزوجك أو يأخذك إلى الغابة أوإلى أي مكان آخر من أجل الإجهاض. كنت أظن أنني أعاشر ابنة مدرسة نظيفة، فتاة ليس عندها مشاكل كثيرة، فتاة أحبها لكي أتزوجها، بحيث تكون بلسماً لعظامي الهرمة، ولكنني بدلاً من ذلك، عثرت على "كاريندا" الجاهزة للاستسلام أليس كذلك؟‏

لم تعرف "وارينجا" ماذا تفعل؟ أتبكي أم تصرخ أم تحتج؟ فلزمت الصمت، مثل رجل أصابه الخرس، أو سُحر لكي يظل بصمت أبدي من خلال أدوية قوية ابتاعها من عند الشهير "كاميري"، الطبيب الساحر. رأت أن العالم كله يتحول فجأة إلى معاداتها.‏

لم يعد للضوء اللامع الذي رأته وجود هناك. رأت أن الطريق الذي حسبته من قبل عريضاً وجميلاً جداً يصبح الآن فجأة ضيقاً ومغطى بالأشواك. إن الممر الذي اعتقدت أنه سيقودها إلى الجنة يقودها الآن إلى جهنم الدنيا. هل صارت جحور السرور والفرح بحوراً من نار؟ وهل صار بساط الورد الذي وطأته بالفعل بساطاً من شوك؟ وهل لم تكن أجنحتها بالفعل أجنحة للطيران وإنما أغلالاً من حديد؟‏

لم تعرف "وارينجا" كيف عادت في النهاية إلى "ناكورو". كما لم تستطع أن تتذكر كيف خرجت من سيارة "المرسيدس بنز"، قبر شبابها وقبر سلامتها وعذريتها. حتى إنّها لم تر العجوز الثري يشغِّل المحرك ويعكس اتجاه ذلك القبر ذي العجلات الأربع في طريق العودة إلى أملاكه وأطيانه في "نجوريكا".‏

راقبت "وارينجا" مستقبلها وهو يحتجب بعينين كأنّهما لم تريا شيئاً. صارت وحيدة بكل مافي الكلمة من معنى، فلقد جرحت الأشواك عقبيها وبطتي قدميها وأصابع سيقان فؤادها، التي كانت تأخذها إلى جهنم التي اختارتها لنفسها.‏

ولكن هل هي التي اختارت جهنم أم أن جهنم فرضت عليها؟ سألت "وارينجا" نفسها، عندما وقفت هناك عند موقف الباص، سارحة بنظرها على محطة سكة حديد "ناكورو"، وعلى الطريق إلى "إيلدوريت"، وبار "أرميجوس" وشارع كينياتا والحوانيت وهي لا تعرف إلى أين ستذهب الآن. تمشت ببطء عبر محطة الباص، ودخلت عبر سوق "ناكورو"، البلدي، ثم دخلت فندق "نجورو"، وجلست وحدها على طاولة صغيرة في الزاوية البعيدة وطلبت الشاي لتشربها في محاولة لاسترداد رباطة جأشها. يا إلهي، أين سأذهب الآن؟ راحت تسأل نفسها وتكرر السؤال.‏

كانت تعرف أنّها لا تستطيع الرجوع إلى عمّتها أو عمها أو أبناء عمتها أو إلى الأساتذة ورفاق المدرسة طلباً للمساعدة.‏

ولم يكن لديها أقرباء أو أصدقاء ممن تتوقع ظهورهم فجأة ليقولوا لها: يا"وارينجا"، لقد جئنا لمساعدتك.‏

لم تشرب كوب الشاي. دفعت ثمنه وتركته هناك على الطاولة وانصرفت. وعند وصولها إلى البيت في القسم /58/، ذهبت رأساً إلى الفراش. حاولت تلاوة تسبيحاتها، لكنها لم تستطع. وحاولت البكاء، لكن الدموع جافتها. في أيام القلق تلك، لم تجد وارينجا أحداً يقدم لها المواساة، ولا أحد يقول لها: اهدئي ياطفلتي. دعيني أدلك على طريق الخروج من مشاكلك وعلى العكس من ذلك، كان كربها يتفاقم ويزداد ألماً لأن عليها في البيت أن تضغط على نفسها حتى لا تبدي أية علامة من علامات الحزن والحسرة.‏

عندما تكون وحيدة في الفراش فقط، كانت تتيسر لها الفرصة لكي تترك دموعها تنهمر وهي في أغلب الأحيان تتساءل: أوه، ماذا أستطيع فعله للتخلص من عبء الحمل هذا؟ ولم يكن هناك أي إنسان يمكنها أن تحصل منه على أجوبة لتساؤلاتها الكثيرة.‏

حاولت "وارينجا" في المدرسة، استشارة بقية الفتيات. ولكنها كانت تفعل ذلك بصورة غير مباشرة، طارحة الأمر بشيء من التجرد الظاهري، وكأنّها ليست صاحبة ذلك العبء الثقيل. غير أن القصص التي سمعتها- مثل قصة الفتاة التي أصيبت بمسٍّ في عقلها بعد أن شربت مزيجاً من الشاي والكوينين، والأسبرين وعدة عقاقير أخرى- جعلت دماءها تجري باردة في عروقها، وجعلت عبئها أثقل مما كان عليه.‏

لم يكن لها صديق أو قريب يقوى على تخفيف حملها.‏

ولذلك بقيت تجاهد وحدها، تتأمل هذه الوسيلة أو تلك، تقلِّب هذا الحل أو ذاك في ذهنها، وتقارن بين خيارات لا حصر لها ولا عد، تحاول أن تعرف كيف يمكنها الاختفاء عن وجه الأرض، وأن لا تشاهد في المدرسة أو في ناكورو أو في كينيا مرة أخرى.‏

خطر لها في يوم من الأيام أن تزور الدكتور "بيتل" الذي ذاع صيته في كل أنحاء "ناكورو" بسبب عدد من عمليات الإجهاض المحرمة التي أجراها.‏

كان ذلك في صباح يوم سبت. حملت معها النقود القليلة التي ادخرتها من الهدايا التي أعطاها لها العجوز الثري، وكذبت على عمتها بأنّها سوف تستعير كتباً من أحد المعلمين في المدرسة.‏

انطلقت إلى الشارع وحيدة مع سرها المكنون. مرت عبر ساحة أكواخ العشب وأخذت طريق "لازيس"، ولكنها، بدلاً من اجتيار شارع "نجالا" ثم مواصلة الطريق إلى ثانوية "ناكورو"، اتجهت نحو مركز المدينة. وبدلاًمن الأحلام التي كانت تملأ نفسها في الطريق إلى المدرسة، كانت الآن تشعر بالمرارة وهي تتفاقم فقط:فأحلام الفتاة ذات الصبا العذري يمكن أن تتبرعم وتتفتح بسرعة، ثم، وبنفس السرعة تماماً، تذوي وتسقط على الأرض مثل أزاهير في فصل جاف.‏

سارت على طول شارع "كينياتا" نحو مكتب البريد "وستاج هيد"، وعند "المصرف الكيني التجاري"، توقفت ونظرت فيما حولها. استدارت بعد ذلك إلى اليسار وأسرعت خطوها بين الناس والأبنية دون أن تلتفت ولو مرة واحدة إلى الخلف. ولكنها عندما وصلت إلى مكتبة "جبل كينيا"، دخلتها متظاهرة أنها تتصفح الكتب ثم خرجت من جديد. وقفت لحظة خارج المكتبة للتأكد من عدم وجود من يعرفها يراها تدخل عيادة الدكتور "بيتل". كانت تظن أن "ناكورو" بأجمعها يمكن أن تقدر وتعرف مآربها ونواياها. وكان قلبها يدق بضربات عالية، مثل نعيب البوم المتكرر.‏

مشت "وارينجا" وهي عاقدة العزم بخطوات مديدة نحو عيادة الطبيب. ولكنها لما أوشكت على وضع قدمها داخل الباب، شاهدت امرأة، هي إحدى جاراتها في المقسم /58/، وهي تخرج من مدرسة للخياطة في المنطقة المجاورة. أحست "وارينجا" أن جسمها كله يحترق من العار، وكأنها ضبطت بعملية سرقة، فهربت.‏

وفي يوم سبت آخر، وعند الرابعة بعد الظهر تقريباً فكرت "وارينجا" بطلب العون من فتاة كانت زميلة لها في إعدادية "باهاريني" وفي ثانوية "ناكورو" معاً. كانت هذه الفتاة قد تركت المدرسة بعد الصف الثاني والتحقت بمشفى "ناكورو" العمومي للتدريب كممرضة.‏

ذهبت "وارينجا" إلى الملحق ولحسن حظها وجدت الفتاة هناك في غرفتها وحدها. تبادلتا الحديث عن هذا وذاك- عن المدارس، والمعلمين والطلبة والامتحانات- فيما "وارينجا" تحاول إيجاد فرصة تطرح فيها مشاكلها. ولكنها لما أوشكت أن تطرح ما بذهنها، أحست بكتلة في حنجرتها، ولم تعد تقوى على الإفصاح عن سرها. وبدلاً من ذلك، سألت الفتاة عن المدرسة الطبية، وادعت بأنّها كانت هي الأخرى تفكر باتباع دورة تدريبية كممرضة في المستشفى وبعد أن تحدثتا لفترة عن الزمن سارتا معاً باتجاه "بيت الولاية"، على طريق "ناكورو-نيروبي".‏

وعندما شاهدت "وارينجا" الفتاة تعود أدراجها إلى المستشفى، شعرت فجأة بالقوة تبارح ساقيها. أرادت أن تصرخ منادية الفتاة، راجية إياها ألا تتركها بمفردها على الطريق.‏

سارت على طول الطريق نحو "نيروبي" مثل شخص تناول شراباً مسكراً قوياً أو مخدراً، لم تكن في وضع تملك فيه كامل قدراتها. ولم تكن تشعر بالسيارات التي تتجه نحو "نيروبي"، أو "ناكورو". كما أنّها لم تلحظ هبوط الظلام وأن أنوار الطريق كانت مضاءة. كانت تمشي وهي لاتعرف تماماً إلى أين تذهب. وكادت في إحدى النقاط تلطم رأسها بشجرة من الأشجار.‏

كان شبه -الحادث- هذا هوالذي نبهها إلى أنّها وصلت إلى منعطف "باهاتي". فكرت أن تأخذ الطريق إلى "باهاتي"، ثم دارت حول سياج مدرسة "ناكورو"، العليا. عزمت على تسلق الدرب باتجاه فوهة "مينيننجاي" وإلقاء نفسها في الحفرة الهائلة في الأسفل،مثل الهندي الذي ساق سيارته مرة إلى داخل الكهف فقضى نحبه.‏

كانت "وارينجا" دائماً تسمع، وهي طفلة بأن الأرواح دائماً ترتاد فوهة البركان، الأرواح التي تحلق الغابة كلها بأشجارها بحدِّ الموس في الصباح الباكر، وتضرم النار بالأعشاب المحيطة والأشجار مرة كل عام. وعندما ألقى الهندي نفسه في الفوهة، قالت الأسطورة الخرافية: إنّه سُحب إلى داخل الحفرة من قبل الأرواح بعد أن ضبطها وهي تحلق أشجار الغابة وتلعب وتحوم بين الأعشاب وفوق الأشجار.‏

كانت "وارينجا" تتحرق شوقاً إلى شخص ما، حتى لو كان شبحاً، لكي يمسك بها، ويحملها خارج "ناكورو"، بل خارج الكرة الأرضية.‏

ثم تذكرت "وارينجا" أن هنالك مسبحاً في مدرسة ناكورو العليا، فقررت أنّها، بدلاً من الذهاب وحيدة على الطريق إلى فوهة البركان في الليل، يمكنها إنهاء بؤسها في البحيرة. دخلت حوش المدرسة واتبعت الممر حول المباني، ومن خلال النوافذ شاهدت الطلاب يقرؤون الكتب تحت الأنوار الكهربائية. وعندما تذكرت وضعها الراهن، شعرت بالألم في قلبها وجسدها. راحت تمشي بسرعة أكبر، وهي تدعو ربها ألا تقابل أي طالب أو مدرس. خلال أيام الاستعمار، كانت مدرسة "ناكورو العليا"، وقفاً على أبناء الأوروبيين وحدهم. ولكنها تحولت، بعد الاستقلال، إلى مدرسة وطنية باهظة التكاليف. لقد كانت مدرسة داخلية مختلطة. وكان على الطلاب في المساء أن يذهبوا إلى المدرسة للتحضير.‏

كان هؤلاء الطلاب هم الذين شاهدتهم "وارينجا" من خلال النوافذ، ورؤوسهم منكبة على كتبهم. تركت "وارينجا" الممر الذي يؤدي إلى مهاجع الفتيان وأخذت الممر المؤدي إلى بركة السباحة. لم تقابل أي شخص يتسكع في حوش المدرسة فحسبت أن الله سمع دعواتها.‏

عندما وصلت إلى قاعات الدروس على الطرف النائي من حوش المدرسة، انعطفت نحو بركة السباحة. كان الظلام دامساً لأن النور القادم من أقرب غرفة صف لم يصل إلى ذلك البعد وكانت وارينجا على وشك دخول منطقة المسبح عندما، ومن مكان غيرمعروف، سمعت فجأة صوت رجل:ماذا تفعلين هنا؟ لماذا لستِ في غرفة صفك؟‏

جفلت "وارينجا" ونظرت حولها، معتقدة أن الأرواح من فوهة "مينيننجاي" نزلت من الجبال من أجلها. إذاً هل كانت الأشباح موجودة حقاً؟ ثم تبين لها أن الصوت صوت مراقب المدرسة، الذي كان نصف مختبئ بجانب سياج صغير، وظن أن "وارينجا" واحدة من الطالبات. كذبت وارينجا وهي تقول...‏

إنني زائرة هنا في المدرسة. أخي هو السيد "كاماو" وأنا أعيش معه هذا الأسبوع إنني أقوم بمشية مسائية لتمضية الوقت فقط.‏

أوه، أفهم ذلك، قال المراقب، وراح يتمشى في منطقة المسبح.‏

شكَّت "وارينجا" أن ذلك المراقب لم يصدق روايتها، وقفت بضع ثوانٍ هناك، ثم عادت إلى الممر الرئيسي، ونزلت نحو الشارع المؤدي إلى نيروبي.‏

لقد كان مكتوباً عليها المشي أبد الدهر على طول الشوارع المغطاة بالأشواك؟ وهل كان مكتوباً عليها أن تحمل حملاً ثقيلاً مرهقاً في قلبها أبد الآبدين؟ سألت "وارينجا" نفسها هذه الأسئلة مع أسئلة كثيرة أخرى وهي تسير نحو القسم /58/. وهكذا فالانتحار أمر صعب أيضاً؟ ماذا يمكن للمرء أن يسمي شيئاً ملكاً له في هذا العالم، إذا لم يكن بمقدوره أن ينهي حياته عندما يشعر أنها عبء كبير عليه؟ وصلت وارينجا إلى نقطة تقاطع السكة الحديدية وهي لا تزال تقلِّب هذه الأسئلة في ذهنها.‏

تذكرت "وراينجا" بعد ذلك الرجل الذي شاهدته هي وأبناء عمتها على السكة الحديدية، وهو مسحوق سحقاً كاملاً، بأحد القطارات. تذكرت أن هوية الرجل كانت مطموسة بالكامل.‏

كان اسمه مخفياً إلى الأبد، وكأنه لم يولد بتاتاً. شعرت "وارينجا" أن ميتة من ذلك القبيل، ميتة تؤكد وتضمن أن مامن أحد سيقدِّر في حياته من كانت "وارينجا"، هي أفضل شيء بالنسبة لها. فقررت أنها بكل الأحوال ستقدم نفسها في اليوم التالي وجبه لأحد القطارات.‏

سوف تنتظر أحد القطارات على ذلك التقاطع وسوف ترمي نفسها أمام عجلاته الحديدية، كي تزول عن وجه الأرض كأنّها لم تولد أبداً، أو كأنّها لم تزر هذه الأرض. ولأول مرة كان بمقدورها أن تتلو تسبيحاتها. ومن كل أعماق قلبها ناشدت مريم العذراء متوسلة: يامريم العذراء، اسمعي الآن صلاتي. علِّمي روحي بجراح يسوع المسيح. آمين.‏

لأول مرة منذ أصابها مرض الجذام من العجوز الثري من نجوريكا، شعرت وارينجا بشيء من السلام يعود لها، حتى أنّها حاولت أن تهمس لنفسها بترنيمة تعودت إنشادها عندما تكون مسرورة، ولكنها الآن أنشدت بحزن:‏

السلام، السلام، في قلبي‏

إنني أصلي من أجل السلام في قلبي‏

في وقت بعثك‏

السلام، السلام، في قلبي‏

السلام، السلام، في قلبي‏

باسم قيامتك.‏

لم تكن "وارينجا" في الحقيقة ترجو انبعاث الجسد أو الروح. كل ماكانت تريده هو أن ينطمس اسمها عن وجه الأرض. كل ماكانت تريده هو أن تختفي وكأنها لم تولد أبداً. كل ماكانت تصلي من أجله هو أن يأتيها ملك الموت وأن يزيل اسمها من دفاتر السموات والأرض.‏

يامن تطعم الجياع‏

ويامن تريح المتعبين‏

ويامن تسقي العطاش‏

خذني عبر نهر الموت والفناء.‏

كان اليوم التالي يوم أحد. سألتها عمتها إذا كانت تريد الذهاب إلى قداس الصباح. رفضت "وارينجا"ذلك. ذهبت عمتها وكافة أبناء عمتها إلى "كنيسة الحديقة المقدسة". بقيت "وارينجا" في البيت لكي تطبخ ولكنها لم تطبخ شيئاً. استحمت ورتبت شعرها بشكل جميل، مثل شخص يستعد لرحلة طويلة الأمد.‏

عند الساعة العاشرة والنصف تقريباً، ذهبت "وارينجا" إلى نقطة تقاطع السكة الحديدية، نظرت نظرة سريعة فيما حولها ولم تر أي شخص قريب منها في أية نقطة. ولكنْ بعد بضع ثوانٍ، مر مراقب مدرسة ناكورو العليا في طريقه إلى القسم /58/ تقابلت عيناهما. بدا وكأنّه توقف للحديث إليها. ثم تبين أنه غير رأيه واجتاز الخطوط الحديدية إلى الطرف الآخر. كلمته "وارينجا" ساخرة: لن تعيقني مرة ثانية... ليس ثمة ماتقوى على فعله الآن لمنعي من القيام بأي شيء أريده.‏

ظهر القطار فجأة، متجهاً صوب "نيروبي"، حسبت "وارينجا" أنّه كان ينشد الأغنية، التي اعتادت، وهي طفلة، أن تظنه ينشدها:‏

ذاهب - إلى - أوغندا!‏

ذاهب - إلى - أوغندا!‏

ذاهب - إلى - أوغندا!‏

طفق قلبها يدق في الوقت نفسه مع أغنية القطار:‏

ذاهب - إلى - أوغندا!‏

ذاهب - إلى - أوغندا!‏

ذاهب - إلى - أوغندا!‏

وكان القطار لا يزال يتقدم، ينفث البخار، ويتنفس الدماء والموت، ويحكي كلمات الوداع باسمها لكل أهل"ناكورو".‏

ذاهبة......‏

ذاهبة......‏

ذاهبة......‏

خطت "وارينجا" إلى أمام نحو القضبان. أغمضت عينيها، ثم راحت تعد... واحد... اثنان... ثلاثة... اذهب..... اذهب..... اذهب..... أربعة، ... خمسة.... أيتها العذراء مريم، ارحميني...‏

كان القطار لا يزال مقبلاً، وكان ضجيجه يهز القضبان عن عوارضها. كما كان زئيره يهز قلب وارينجا وجسدها. وكان رعده يسبب ارتجاف الأرض وهي تحمل الموت إلى "وارينجا": اذهب.....اذهب.....ثمانية... تسعة... يامريم العذراء.... اذهب..... اذهب..... اذهب.....عشرة...خذني الآن....‏

وعلى حين غرة شعرت "وارينجا" أنها تسبح بعيداً عن السكة بيدي رجل وتُرمى على جانب خط سير القطار. لقد أغمي عليها.‏

اندفع القطار بمحاذاتها متجهاً نحو نيروبي، غير أن صفيره كان يدوي في المساء فوق "ناكورو"، كأنه يسأل في غضب عن الكيفية التي نجت فيها وارينجا من الدهس بعجلاته.‏

لم تعرف "وارينجا" من أنقذها من موت كانت ترنو إليه، ولا تستطيع حتى أن تقول كيف وصلت في النهاية إلى القسم /58/. عندما فتحت عينيها، وجدت "وارينجا" نفسها في الفراش، وعمتها إلى جانبها، تنظر إليها بعينين تملؤهما شفقة لامتناهية.‏

أخبرت "وارينجا" عمتها بكل شيء.... كل مايتصل بعلاقتها مع الثري العجوز من "نجوريكا"....‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:18 PM
الفصـل السادس





كانت الساعة زهاء الثالثة عندما عادت "وارينجا" مع "جاتويريا" إلى الكهف من أجل جلسة العصر للمسابقة الجارية عن السرقة واللصوصية الحديثة. كانا يعتقدان أنّهما متأخران. كان "روبن مواؤرا" يستند على جدران الكهف، بالقرب من الباب. حياهما.. وكأنه كان ينتظر قدومهما.‏

آه، حسبت أنكما لن تعودا، قال "مواورا" بلهجة توحي بأنه كان يمسك شيئاً خلفه‏

لماذا، هل بدأت الجلسة؟ سال "جاتويريا".‏

لا، لما بعد.‏

أين موتوري، ووانجاري؟ سألت وارينجا.‏

لم يجب "مواؤرا" فوراً. وضع يديه وهو يقف بينهما، على أكتافهما وأدارهما إلى حيث جاءا، وكأنّه ينتحي بهما جانباً إلى منافسة خاصة. ساروا بضع خطوات دون أن ينبس "مواؤرا" ببنت شفة، حتى وصلوا إلى منعطف، نظر "مواؤرا" بعد ذلك حوله وكأنّه يحاذر من أن يسمعه أحد.‏

دعونا نهرب من هنا- الآن! قال "مواؤرا"، بصوت منخفض.‏

لماذا؟ سأله جاتويريا" و"وارينجا" في آن واحد.‏

لأن القتال سينشب حتماً في هذا المكان.‏

قتال؟ ولكن لماذا؟ سأل الاثنان معاً.‏

سوف نلام لأننا أحضرنا معنا معتوهين الليلة الماضية! راح "مواؤرا" يحكي الحكاية دون تفكير. "حتى عندما كنا لا نزال في "كينيني"، كنت قد قدَّرتْ أن "وانجاري" و"موتوري" لا يمكن الوثوق بهما. وفي هذا الصباح، لو كان الأمر بيدي، لن أسمح "لموتوري"، و"وانجاري" بالدخول إلى مكان يوجد فيه رجال أصحاب شأن وأهمية وضيوف مميزون من الخارج. إن "موتوريو" هذا العالم يستطيعون أن يجلبوا المشاكل غير المعروفة للرجال المهمين.... وإنني لأراهن بأن هذين الاثنين ليسا وحدهما!‏

ولكن ماذا حدث بعد ذهابنا للغداء؟ سأل "جاتويريا". هل أُلقي بك خارج الكهف مثل "ندايا واكاهوريا"؟‏

أين "وانجاري" و"موتوري"؟ سألت "وارينجا" وهي تتلظى من نفاد الصبر. لماذا تحكي لنا أشياء مثل الحرباء التي أرسلت للناس من قبل الله ولكنها لم تستطع تسليم رسالتها؟‏

دعوني أحكي لكم القصة كلها من البداية، وبذلك نتمكن من اتخاذ قرار بشأن ماذا نفعل، قال لهما "مواؤرا"، ثم أخبرهما بما حدث.‏

(2)‏

عندما انتهت كلمات الصباح، غادرتما أنتما الاثنان وذهبتما بطريقكما الخاص. غادرنا بعدكم بقليل وقلنا لبعضنا بعضاً: دعونا نأخذ الطريق سعياً وراء شيء نسكت فيه معداتنا المقرقرة. دعونا نذهب إلى "نجيروكا" من أجل بعض اللحم المشوي؛ فنحن لا نستطيع دفع ثمن الطعام في هذا الكهف. ركبنا سيارتي. ثم وصلنا إلى هناك، إلى قلب "نجيروكا". دخلنا ملحمة صغيرة مليئة بالذباب. غير أن لها اسماً مهماً، "الهيلتون". كانت لوحة الإعلان تقول: كلْ بصورة أفضل في "هيريتوني". طلبت أربعة أرطال من اللحم. دفع "موتوري" نصف القيمة، ودفعت أنا الباقي. ذهبنا بعد ذلك إلى غرفة في المؤخرة انتظاراً لشوي اللحم والحصول على شيء نشربه. أنا حصلت على شراب "تسكرّ،وحصلت "وانجاري" على شراب "تاتينو"، أما موتوري فشرب كأساً أبيض.‏

كان "موتوري" هو الذي بدأ المناقشة. بدأ وكأنّه يتلقف الخيوط من حيث انطلقنا خارج الكهف. مضى يحكي: كما قال: "مواؤرا" الليلة الماضية في السيارة، لقد ذهبت إلى أماكن عدة في كينيا، وشهدت أحداثاً عديدة في بلدنا. مرة، وبينما كنت أعمل كمراقب في مدرسة من المدارس في "ناكورو"، أنقذت فتاة كانت تريد القضاء على حياتها، كان الوقت ظلاماً كاملاً، وكنت أقف قرب مسبح المدرسة. رأيتها تمشي، خلسة، بالقرب من سياج صغير. وعندما سألتها ماذا كانت تعمل وحدها هناك، قالت، إنها تقيم مع أخيها، الذي كان معلماً في المدرسة. ثم ابتعدت وفي اليوم التالي شاهدتُ الفتاة نفسها تقف بين عارضتي سكة الحديد، تنتظر أن يدهسها القطار. كنت في طريقي إلى "بونديني"، ومررت بها وهي تقف على الجانب الآخر من الخط. غير أن قضاء الله لا مرد له. وعندما مشيت خطوات معدودة باتجاه القسم /58/، دفعني شيء خفي إلى الوقوف، والنظر من فوق كتفي. إنني أقول لكم: لقد أنقذتها من بين فكي الموت. ولقد أغمي عليها بين ذراعي. لحسن الحظ، رأيت في حقيبة يدها مغلفاً كتب عليه عنوانها في القسم /58/. تركتها هناك مع أسرتها، وواصلت طريقي إلى "بونديني". لماذا أتذكر هذا كله؟ ذلك لأنّ مارأيته وسمعته في الكهف يبرُ كل المعجزات التي تعرضت لها في حياتي.‏

نظر كل من "جاتويريا" و"وارينجا" إلى بعضهما، وهما يقولان ضمناً: هذه بالفعل معجزة! تابع "مواؤرا" يقول: وعند ذلك انضمت "وانجاري" للحديث، وقالت: إذاً هل من الصحيح فعلاً أنّه من رحم البلد نفسه يظهر اللص والسارق؟ وأنا أيضاً لم أر في حياتي عجائب تبز عجائب الكهف.‏

بقيت هادئاً، لأنّني أعرف حق المعرفة أن قليلاً من السرقة هنا وهناك ليس أمراً سيئاً بالفعل. واللصوصية التي لا تلفت الانتباه لها ليست سيئة. وكان "موتوري"، هو الذي قال: هل تعرفون أن اللص أو السارق أسوأ من الساحرة؟ لقد عارضته بشدة في تلك النقطة وقلت له: الساحرة أسوأ من اللص. اللص يسرق أملاكك ويترك قلبك يدق. وفي الغد، يمكن أن تكسب أملاكاً أكثر. أما الساحرة فتأخذ روحك، وتترك أملاكك كلها للآخرين، كي يلتهموها. اللص يسرق الأملاك، أما الساحرة فتسرق الحياة.‏

وعند تلك النقطة أحضر لنا اللحم على طبق خشبي. كان مشوياً بشكل جيد! تناولت سكيناً وقطعت اللحم إرباً صغيرة. وفيما كنا نتناول الطعام، قص علينا "موتوري" قصة عن لص وساحرة.‏

قبل عهد بعيد بعيد، وفي قرية من القرى كان يعيش لص خطير،جرَّ هذا اللص البؤس على القرية كلها، ولكن لم يستطع أحد ضبطه متلبساً بالسرقة لأنه كان ماكراً جداً وكان يعيش في القرية ساحر "خطير جداً، يخشاه الناس كثيراً بسبب أن سحره كان أقوى حتى من سحر "كاميري". تجمع كبراء القرية على أرض الاجتماع، قرروا استدعاء الساحر لكي يلقي تعويذة علىاللص من شأنها أن توافيه أجله ونهايته.‏

تباهى الساحر بأن ذلك لا يشكل معضلة بالنسبة له. جمع أدويته القوية معاً، ويقطيناته وجوزاته المقدسة. ثم استلقى لكي ينام... استيقظ صباحاً في الساعة المعتادة. ذهب يتفقد أدواته المقدسة. لو، لقد سرق اللص كل شيء..جمع الساحرأدوات أخرى فزحف اللص وسرقها جميعاً. اضطر الساحر لمغادرة القرية. ذلك هو أصل القول الدارج في أن اللص رهيب جداً إلى درجة أنه يجبر الساحر على مغادرة بيته. أضف إلى ذلك أن اللص يسرق حتى أمّه التي ولدته.. اللص يشبه الرجل الأبيض الذي يحكى بأنه لا صديق حميماً له.‏

عند ذلك قالت "وانجاري": "ولكن اللصوص الجدد أشد سوءاً لأنّهم يستدعون الأجانب لسرقة أمهاتهم ويتقاضون حسنات قليلة مقابل ذلك. ولكنْ. أنتما كلاكما على خطأ. اللص ليس أسوأ من الساحر، والساحر ليس أسوأ من اللص. اللص ساحر، والساحر لص. عندما يسرق اللص أرضك وبيتك وثيابك، أليس يقوم بقتلك في الواقع؟ وعندما يدمر الساحر حياتك، أليس يقوم بسرقة كل ماتملك؟ ذلك هو مايدعوني للقول: إن اللص ساحر، والساحر لص، وحتى "جيكويو" كان يعرف ذلك. قبل عهد طويل، كان الحكم الصادر بحق اللص والساحر حكماً واحداً، وكان يحمل العقوبة ذاتها -الموت حرقاً أو الدحرجة إلى أسفل رابية بخلية نحل.‏

أكلنا اللحم وأجهز عليه بكامله. قلت "لموتوري" و"وانجاري": إن علينا أن نعجل ونعود إلى الكهف لكي لا نتأخر عن اجتماع الظهيرة.‏

عندئذٍ فقط صار لجنون "وانجاري" جناح. قالت: "إنها سوف لا تعود إلى الكهف، وإنها بدلاً من ذلك سوف تذهب إلى مركز شرطة "إيلموروج". ستفعل ماذا؟ سألتها. فقالت لي: الاتفاق هو اتفاق. إن حشداً من اللصوص والسارقين كذلك الحشد لا يمكن السماح لهم بالاجتماع ثم بالانصراف أحراراً! قلت لها: إذاً كنت جادة في الحكاية التي رويتها لنا الليلة الماضية؟ قالت "وانجاري":إنها مواطنة جيدة ومخلصة، وإنها يجب أن تضع يدها في يد الشرطة لوضع حدٍّ للسرقة واللصوصية. إذ كانت الشرطة تعتقل نشالي الجيوب الذين يختطفون حقائب النساء اليدوية في الأسواق، والمذنبين الصغار الذين يسرقون خمسة شلينات، واللصوص الذين يسرقون الدجاج في القرى، فماذا تظنهم فاعلين بهؤلاء الرجال الذين يسرقون الجماهير ويسرقون الوطن برمته؟ حاولت، من جانبي، أن أفعل كل ما أستطيع لكي أثني عزمها للعدول عن ذلك: لا تخربي مهرجان الآخرين. هل حصلتِ على أدلة وإثباتات كافية؟ تذكري، يا "وانجاري" أن الدعوى قد تنقلب ضد الشاهد. لم توافقني "وانجاري" الرأي وقالت: إذا كنت في كل آن ترى فيه السارق يسرق واللص ينهب، توجه نظرك عكس الاتجاه أو تغلق عينيك وشفتيك، فكيف يمكن وضع حد للسرقة واللصوصية في هذه البلاد؟‏

تركتها لمشاريعها. فدعوى المجنون تبقى دون حل. ثم إذا ماتجادل رجل عاقل حكيم مع مجنون مدة طويلة جداً، يصعب التفريق بينهما. وإن أي شخص مقدَّر عليه أن يعيش نكد الحياة وسقمها لا يمكن تحويله عن ذلك.‏

ظل "موتوري" طيلة هذا الوقت هادئاً، مثل مراء منافق، يستمع للمناقشة بيني وبين "وانجاري". فهل تستطيع تصور دهشتي حين دخل "موتوري" النقاش وقال: "إنه سوف يساعد "وانجاري" في إلقاء القبض على اللصوص والسارقين؟ سألته، كيف سيساعدها؟ قال: إنه سيطوف حول "نجيروكا" يوقظ العمال والعاطلين، يحضهم على اللحاق به لكي يريهم أين تجمع كافة لصوص وسارقي ثروة الناس للتنافس بهدف اكتشاف من هو الذي سرق أكثر. فضحايا السرقة هم الوحيدون الذين يستطيعون المطالبة بشكل فعال باسترجاع ثروتهم المسروقة.‏

حاولتُ إقناع "موتوري" بالحجة والمنطق. يا "موتوري"، إنك تبدو رجلاً عاقلاً فاحذر أن تجرَّد من نعليك بنزوات نساء العصر الحاضر. تذكر كيف ألقي "بندايا واكاهوريا" خارج الكهف. كان ندايا يسرق خمسة شلينات فقط من هنا وهناك ليشتري لنفسه بعض الكعك.! إن ذلك يبين أن بقية اللصوص رجال لهم شأنهم الكبير- Wanyang `onyi Mashu huri : Wao si Weri wa- mamdazi na kuku - and they should notbe disturbe-‏

هزَّ "موتوري" رأسه، وقال: أنا، "موتوري"، لا أومن بالقول المأثور في أن السكوت ينقذ الأرواح. لقد أصابت "وانجاري" في كلامها عين الحقيقة. إذا كنا كلما نرى السرقة واللصوصية، نغمض عيوننا وننظر بالاتجاه المعاكس ألا يعني ذلك أننا نؤازر نظام السرقة واللصوصية؟ ليس ثمة فارق بين اللص وبين من يشاهد فعل السرقة، قال هذا "جيكويو" مرة. أنت تقول: إن "ندايا وكاهوريا"، رمى خارج الكهف. نعم، ولكن على مايدلنا ذلك؟ إنه يدل على صدق أحد أقوال "جيكويو":اللص الذي يرتدي الأسمال يصبح في الغالب فداءً للص الذي يرتدي أحلى الحلل. ولماذا قال ذلك "جيكويو"؟ لأننا في أحوال عدة نشير بإصبع الاتهام إلى اللص ذي الثياب البالية، ناسين أنه ربما سرق لأنّه جائع أو عطشان. لم ينفِّس "جيكويو" في الأيام الخوالي عن غضبه على لص سرق لمجرد إسكات بطنه الجائع. إذا ذهب المرء في الماضي إلى مزرعة شخص ما وقطع قصب السكر وجلس يأكله، أوإذا أشعلتَ ناراً وقلعت مايكفي من البطاطا الحلوة لكي تسد جوعك وشويتها وأكلتها في ذلك الوقت، وذلك المكان، فإن صاحب المزرعة لن يضايقك أبداً. غير أن هؤلاء اللصوص الجدد، الذين يحصدون حيث لم يبذروا بتاتاً، إلى حد أنّهم حتى يدعون لأجانب للمشاركة في المحصول، والذين خزنوا الحب كله في مخازن القمح الأجنبية، تاركين مالك المزرعة يتضور ويموت من الجوع، والذين يذبحون خراف راعي القطيع نفسه، يتدسمون على اللحم المسروق- ألم يلقوا ببرازهم و"ريح بطنهم" وراء حدود التسامح؟ دعهم يُعتقلون جميعاً من قبل الشعب العامل وهم الآن، لصوصاً وسارقين، قد اجتمعوا في وكر واحد لعرض كروشهم المتخمة وصب جام غضبهم واحتقارهم علينا. يا "مواؤرا"، إنك تقول: إن علينا أن ننتظر مزيداً من الدليل والبرهان؟ لا، فالمماطلة دمرت خلية النحل. وليس من المبكر أبداً الذهاب إلى السوق، قبل أن تسفع أشعة الشمس الخضروات...‏

تعالوا جميعاً،‏

وشاهدوا المنظر المدهش‏

منظرنا ونحن نطارد الشيطان‏

مع كافة تلاميذه!‏

تعالوا جميعاً!‏

يا"وانجاري"، لا أظنك ستحصلين على مساعدة كبيرة من مركز الشرطة. غير أن من لم يشرب من حبة القرع لا يعرف حجمها. إمضِ في طريقك وسأمضي في طريقي. هدفنا واحد. سوف نلتقي جميعاً في الكهف، كل ومعه قواه".‏

عندما انتهى "موتوري"، حدَّق النظر إلي بعينين بدتا أنهما تتحديانني إلى منازلة. ولكنني أنا، "مواؤرا"، رجل بكل معنى الكلمة. نظرت إليه وجهاً لوجه وقلت له بحزم إنني سوف لا أؤيد أي عمل من شأنه أن يؤجج النزاع في البلد. قلت لهم مايلي:إن الرجل يفترسه فمه ولسانه. يا "موتوري" ويا "وانجاري"، لأنكما تعرفان بأن مايحدث لا يمكن منع حدوثه، إتركا هؤلاء الناس وشأنهم. إن اللص الذي لا يضبط متلبساً يقال إنّه يأكل حصته المشروعة. ولكن "موتوري" أجاب بسرعة Ndio, Ndio ، ولذلك السبب يجب اعتقالهم جميعاً.‏

على هذا النحو افترقت عن هذين المجنونين، اعتقدت أن علي أن أُعجِّل في العودة إلى الكهف لكي أحكي لكم كل شيء عما جرى، بحيث لا يلقى عليكم القبض عن غير قصد من جراء المسرحية والفوضى التي لابد أن تضرب أطنابها فيما بعد.‏

وذلك هو السبب الذي أقترح من أجله أن نعود أدراجنا مسرعين إلى "نيروبي" الآن، لكي نتمكن على الأقل من المشاركة في ثمن البترول. لقد كنتُ أيضاً أبحث عن "مؤيريري وامواكيراي" لكي يطلب من رئيس المراسم إنهاء المهرجان قبل أن يلقى القبض على أي شخص من قبل الشرطة والعمال. فهذان الاثنان، "موتوري" و"وانجاري" ليسا وحدهما!‏

أنهى "روبن مواؤرا" قصته وأمعن النظر فيما حوله من جديد كأنه كان يخشى ظهور الشرطة وظهور العمال بصورة مفاجئة. نظر كل من "جاتويريا" و"وارينجا" إلى بعضهما. لم يكونا يعرفان أيبتهجان أم يشفقان على "موتوري" و"وانجاري". ليس ثمة مايقلق: قال "جاتويريا". دعنا ندخل وننتظر مايحدث.‏

ألا ترى أن من الحكمة من جانبنا أن نخبر المضيفين والضيوف في المهرجان بما يجري؟ سأل "مواؤرا".‏

كلا، أجاب "جاتويريا" بسرعة. دعنا نتركهم وحدهم. دعنا نترك الفريقين وحدهما. نحن مشاهدون فحسب.‏

تحركوا نحو الكهف. كانت "وارينجا" غارقة في التفكير. هل بسبب هذه المصادفات الغريبة يقال إن الأرض كروية؟ مامعنى أن ألتقي بنفس الرجل الذي أنقذ حياتي مرتين -وفي مكان مثل هذا المكان؟ من هو موتوري؟ وعندما صاروا على مقربة من مدخل الكهف، شدَّ "مواؤرا" كمَّ "جاتويريا"، توقف كلاهما. مضت "وارينجا" قدماً وانتظرتهم عند الباب.‏

همس "مواؤرا". بإذن جاتويريا". اسمع، على الرغم من أنك تقول بأننا مجرد مشاهدين، وأننا لن نتحزَّب إلى أحد الفريقين، فأنا أحب أن أشارك في المنافسة.‏

وتتركني أنا و"وارينجا" كمشاهدين وحيدين؟ سأل جاتويريا" وهو يجرب الضحك.‏

ذلك صحيح، قال "مواؤرا"، ولكنْ هل سيكون ذلك تحركاً جيداً؟‏

أن تقدم شهادتك عن السرقة واللصوصية، أم أن تتخلى عنا؟ سأل جاتويرياً.‏

إن ما أريده هو فرصة أريهم فيها الاحتيال وهو يبزُ كل حيلة في فن السرقة واللصوصية فهل سيكون ذلك تحركاً عاقلاً؟ سأل "مواؤرا" ثانية، وهو يفرض على "جاتويريا" تقديم النصيحة له.‏

حسناً، ألم أقل لك، إنني مجرد مشاهد؟ إن تسنح لك الفرصة، اقفز مهما كلف الأمر إلى المنصة وجرب حظك، كل ماعلى المتسابق فعله هو تبيان ما فعله بمواهبه من أجل السرقة واللصوصية، وماذا سيفعله الآن! إذا ما أتيحت له الفرصة من قبل الأجانب. ولكنني لا أقول لك أن تفعل هذا أولاً تفعل ذلك. افعل مايحلو لك. القرار قرارك. قال "جاتويريا"، كأنه قاض يحاول أن يموه موقفه الحقيقي في معركة الحياة.‏

غير أن "مواؤرا" بدا مسروراً غاية السرور بكلمات "جاتويريا" تكلم رافعاً صوته قليلاً. لقد تحدثت عين الصدق والحقيقة. وذلك مايجعلني دائماً أقول إن التربية والتعليم أمر حسن، بل غاية في الأهمية. الآن، لو كان المتكلم "موتوري" أو "وانجاري" لحاولا أن يثنياني عن عزمي. لماذا؟ لأنّهما لا يملكان قسطاً كبيراً من التعليم، إنهما لا يعرفان ما الذي يجعل العالم يدور. أستطيع أن أرى أنك نزيه تماماً. أما بالنسبة "لوارينجا"، فاحذر! يبدو أنها تعير كلمات المجنونين انتباهاً زائداً. غير أنك تبدو بالتأكيد عارفاً كيف تدخل إلى قلب الأشياء. لقد طرحت الموضوع بشكل حسن. ولا يتعين على المرء عدُّ مواهب الشخص. أوه، لا، المهم هو نوعية المهارات والشأن الذي وظفها من أجله. أنت تقول: إن علي أن أفعل ما أريده... ها، ها! هل تتذكر مارواه علينا "مؤيريري واموكيراي"، في حافلتي الليلة الماضية "وهو أيضاً الذي تلقى... مواهب جاء وقال....‏

شهادة مؤيريري وا موكيراي‏

لأن الرجل الأبيض قال مرة: الزمن هو المال- فذلك يعني أن الساعات هي المال نفسه- ولن آخذ منكم إلا بضع دقائق أقدم لكم فيها لُباب حكمتي.‏

بالنسبة للنساء، عندي زوجة واحدة ولكنها مثقفة جيداً، لأن معها شهادة في الاقتصاد المنزلي- يعني في كيفية إدارة الأموال في المنزل والمحافظة على نمط حضاري في الحياة.‏

بالنسبة للصديقات، ليس عندي أية صديقة، أو دعوني أطرح الأمر بهذه الطريقة: كلما رغبت في قضاء وقت طيب أفتش عن بنات هنديات أو بيض. فأنا لا أومن بالتمييز القبلي أو العنصري عندما يتعلق الأمر بالنساء. لقد أكدت دائماً أن النساء لا تنتمي لمجموعة العمر، أو الطائفة أو الدولة‏

Nandawake ni Watumishi Kwa wote ولذلك فإذا ما صادفت امرأة بيضاء، خذها، أو صادفت فتاة آسيوية، فخذها أيضاً. وإذا ما صادفت فتاة جميلة من الجاهزات للتسليم. فخذها.‏

أما بالنسبة للأطفال، فلدينا طفلان فقط، صبي وبنت، ولا نريد أكثر من ذلك. فأنا لا أومن بالتخطيط الأسري-يعني تحديد المواليد، وحرية الأبوين في الحديث عن عدد الأطفال الذين يريدان أو يقدران على إعالتهم - ولا أومن بولادات غير مدروسة لجملة من الأطفال الذين لن يتركوك تتناول الأطعمة الشهية بطمأنينة وارتياح. وأنا عضو في جمعية دولية لتنظيم المواليد. وهي تدعى (جمعية الأبوة الدولية المخططة)، التي مقرها العام في نيويورك، بالولايات المتحدة، دعوني أقل لكم: الأطفال هم عدونا الألد. وإن أية زيادة في عدد السكان هي ضد مصالحنا. ما أحلى أن يصبح العالم كله ملكاً لك ولزوجتك وحدكما؟ هل تفهمون ما أقصد؟ التهديد الأكبر بالنسبة لنا هو الزيادة في عدد الناس الذين يطلبون الطعام والملبس والمأوى. فإذا فشل هؤلاء في الحصول على عمل ووظائف، وفي إيجاد الطعام أو شراء الملابس، ماذا يمنعهم من امتشاق الهراوات والسيوف والبنادق لكي يمزقوا كروشنا البدينة التي تعيش على النعيم ويقطعونها إرباً إرباً؟ ونحن أعضاء الجمعية لنا رغبة واحدة فقط: ألا وهي العثور على الطرق والأساليب التي من شأنها تخفيف الصراع بين الأمم، لاسيما الصراع بين من استولوا على الثروة منا وبين من جُرِّدوا منها. وذلك هو ما يدفعنا نحن المنتسبين للجمعية إلى التأكيد على: اتركوا زوجات الفقراء تلد فقط عدداً من الأولاد تستطيع إعالتهم بالطعام الذي تركناه لهم في مخازنهم، أو بحسب حجم مرتباتهم. وإذا كان الرجل عاطلاً عن العمل، فلا تسمحوا له بحمل أعباء النساء والأطفال.‏

أما بالنسبة لتحصيلي العلمي- وهنا، أيها الطيبون، ألتمس غفرانكم: إذا ما تباهيت قليلاً، فلا تعتبروا ذلك عجرفة من جانبي- أنا رجل يملك في جيبه ثلاث شهادات، بل بالأحرى، في الرأس الذي تشاهدونه أمامكم. فالبطل لا يقيَّم بحجم بطة ساقيه، والشهرة غالباً ماتكون أكبر من صاحبها، والحكمة فطرية متأصلة لا ملتصقة كرقعة من القماش.. وإذا كان ثمة من يشك، لا يزال بجعبتي مجموعة صغيرة من بطاقات العمل. في البطاقات سترون كل شهاداتي مسجلة على نسق: بكالوريوس في الاقتصاد، بكالوريوس في التجارة، ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة "هارفارد" في الولايات المتحدة؛ و MRSOCIBM والشهادة الأخيرة ليست شهادة في الحقيقة، بل هي شرف، وهي تعني: عضو في الجمعية الملكية لإدارة الأعمال العالمية. تبين البطاقة بوضوح أن معلوماتي متركزة في مجالات إدارة الأعمال والتطوير الاقتصادي. كل تلك المعرفة والمهارة موجودة داخل الجسم الصغير الذي ترونه أمامكم. ذلك مايدفعني دائماً للقول إن الشهرة أكبر من صاحبها.‏

أنا لا أومن بالإيديولوجيا الأجنبية. ولكنني أومن بإيديولوجيا السرقة واللصوصية الحديثة. ولكن من أجل أن تعرفوا...‏

قبل أن يتمكن من الاسترسال، قاطعه رجل أراد أن يوجه له سؤالاً. الرجل شاهد "مؤيريري" يخرج من سيارة أجرة ذلك الصباح، ولذلك فهو يشك بحق وجد فيما إذا توصل "مؤيريري" إلى المستوى اللازم في السرقة واللصوصية مما يؤهله لدخول المنافسة.‏

سيدي الرئيس، إن المتحدث على المنصة تفاصح كثيراً حول موضوع شهاداته. ذلك أمر جيد. وحتى نظام السرقة واللصوصية يحتاج إلى متعلمين. ولكن ياسيدي الرئيس- تذكر، إن المرء يستطيع أن يوجه ضربة لشخص محبوب- فهل بمقدور المتحدث لو تفضل أن يطلعنا أولاً على نوع السيارة التي يقودها؟ ذلك هو نوع الشهرة الذي نفهمه، أما الحكايات عن التعليم فهي جميعاً محض خيال بالنسبة لنا.‏

جلس الرجل أرضاً. قوبل بحفاوة كبيرة. والآن، بما أن "مؤيريري" لم يكن يعرف أن الرجل ضبطه يخرج من سيارة "مواؤرا"، فقد ارتبك قليلاً ولم يعرف من أين يبدأ.‏

وبعد ذلك صاح به كثير من الضيوف يطلبون التفاصيل: سياراته، دعوه يخبرنا عن سياراته! Hatu Kujui bila Kitambulishe choko وهويتك الشخصية....!‏

سيدي الرئيس، "مؤيريري وا موكيراي"، سيدي الرئيس، وسيارتي... آسف لأنني نسيتُ أن أذكر ذلك. بالنسبة للسيارات، عندي سيارة واحدة فقط، سيارة "بيجو 504" (ذات مضخة بترول)، وأقول لكم برغم ذلك: إن تلك السيارة سريعة، بل أسرع من أسرع السهام. والسيارة نفسها تعمل كسلة تسوق لصاحبتي البيضاء، ولكنني أفكر الآن في الحصول على مركبة لها، "بيك أب تويوتا هيلوكس"، من زنة طنين فقط، جرافة تستطيع استعمالها كسلة للتسوق أيضاً.‏

قاطع الرجل نفسه "مؤيريري" مرة ثانية قائلاً: سيدي الرئيس: هل يمكن "لمؤيريري"، أن يقول لنا إذا كان يسوق لهذا الاحتفال سيارة "البيجو 504" أم أستطيع أن أعتبرها ماتت أثناء طيرانها كما يموت السهم؟‏

قوبل الرجل بحفاوة أخرى. لقد شُحن بقوة جديدة، فواصل طرح الأسئلة التي تحمل سخرية. أجل، كيف وصل إلى الكهف هذا الصباح؟ ماهي السيارة التي أحضرته إلى "إيلموروج" أمس؟ وهل جاء بسيارة مستعارة؟ سيدي الرئيس، الرجل الذي يملك سيارة واحدة فقط، ولو سلمنا أنها أسرع من السهم، هل هو صالح للوقوف أمام ناس ناضجين للحديث عن السرقة واللصوصية الحديثة؟ إنني أطالب أن يلقى به خارج الكهف مع مجموعة الشهادات. ينبغي أن يرمى مثل "ندايا واكاهوريا".‏

جلس الرجل أرضاً.تناول "مؤيريري واموكيراي"، منديلاً من جيبه وجفف قطرات العرق عن وجهه. سحج حنجرته وأمعن النظر بالناس متحدياً، ثم رفع صوته وتكلم بكل شجاعة الكبرياء المجروحة.‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:21 PM
سيدي الرئيس، لم أحضر بسيارتي. وأنت، سيادة الرئيس، تعرفني وتعرف سيارتي بالتأكيد. ألم أكن أنا الموزع الرئيسي لبطاقات الدعوة هذه في "نيروبي"؟‏

يا "مؤيريري وا موكيراي"! قاطعه رئيس المراسم قائلاً: دعني أذكرك بما قالوه لك آنفاً، وهو أنّه من غير السهل تمييز الرجل دون سيارته. فالسيارة هوية الرجل.‏

التقيت زوجتي مرة تمشي على قدميها لأنها تركت سيارتها في البيت. لم أعرفها. أخبرتني عن المقابلة فيما بعد. فإذا كنتَ لا أستطيع معرفة زوجتي من دون سيارتها، فهل تعتقد أنك استثناء؟ أر هويتك الشخصية لهؤلاء الكبار لكي نتمكن من متابعة المهرجان.‏

سيدي الرئيس، صرخ "مؤيريري" بصوت مرتفع من اليأس. سيدي الرئيس، سيارتي متوقفة في "كيكويو". تركتها خارج فندق "أونديري". وإذا اتصلنا هاتفياً بالفندق، نستطيع الطلب إلى شخص ما للتأكد من وجود سيارة "بيجو 504" في ساحة الفندق.‏

لقد حضرت بسيارة "ماتاتو ماتاتو ماتاتا ماتامو" ، ويمكنكم أن تسألوا صاحب السيارة فيما إذا أخبرته عن مشكلة سيارتي أو لا، ذلك لأنني لا أريدكم أن تفكروا بأنني أعتمد بشكل كامل على سيارة "الماتاتو" للنقل! يا "روبين مواؤرا" إنهض لو سمحت!‏

وقف "روبين مواؤراً"، وهو يكشر ملء شدقيه، فبدأ "مؤيريري وا موكيراي" يسأل أسئلة وكأنّه يدلي بشهادة في محكمة قانونية:‏

مؤيريري: ماهو اسمك؟‏

مواؤرا: روبين مواؤراندو، مواؤرا اختصاراً.‏

مؤيريري: هل تملك ماتاتو؟‏

مواؤرا: نعم، أنا سائق ومالك ماتاتو ماتاتا ماتامو طراز فورد T... إذا أردتم سماع شائعات! ادخلوا الماتاتو وإذا أردتم الثرثرة....‏

مؤيريري: هل تذكر ليلة الأمس؟‏

مواؤرا: أجل.‏

مؤيريري: أخبر هذا المؤتمر من اللصوص والسارقين ماذا حدث.‏

مواؤرا: كانت الساعة حوالي السادسة. وجدتك خارج "نادي سيجونا جولف" قرب "كيكويو"، تماماً قبل "نجوكويني" تقف عند موقف الباص. وكان معي أربعة ركاب آخرين قادمين من نيروبي.‏

مؤيريري: هل أخبرتك شيئاً عن سيارتي؟‏

مواؤرا: نعم، أخبرتني أن سيارتك "البيجو 504" توقفت في كيكويو، وأنك تركتها خارج فندق "أونديري"، وأنك بسبب ذلك كنت تبحث عمن يقلُّك لأنك لم ترغب في التأخر عن هذه المنافسة.‏

هبَّ رجلٌ آخر واقفاً وأخبر الرئيس بأنّهم لم يحضروا لاتخاذ قرار في دعوى قضائية. "دعوا مؤيريري يتابع حكاية سرقته ولصوصيته. فكروا بالأمر، إن وجهه يتخذ شكل سيارة "بيجو 504" وأشك بأنّه يمكن أن يكتسب ذلك الشكل لو لو يكن يملك مثل تلك السيارة. ثم جلس الرجل أرضاً.‏

كان "مؤيريري وا موكيراي" مسروراً جداً بكلمات الرجل. ذلك كل شيء يا مواؤرا. لقد اقتنع كبار القوم الآن، قال يحدث "مواؤرا". يمكنك أن تعود إلى مقعدك الآن وتجلس. غير أن "روبين مواؤرا"، ظل واقفاً. فاتجه الجميع نحوه.‏

بدأ "مواؤرا" حديثه قائلاً: أيّها الرئيس، أيها الضيوف الأكابر، أرجو أن يُسمح لي بقول كلمة واحدة. أنا أيضاً أريد دخول المنافسة، لأنه كما قيل مرة؛ الرجال يلتقون في المعركة لكي يختبر واحدهم جَلَدَ وهمَّة الآخر، لكي يبددوا كل الشكوك عمن هوهو. ولكن قبل أن أبدأ قصتي -فقد بدأت السرقة واللصوصية قبل فترة طويلة من الطوارئ- أود أن أكشف مسألة صغيرة قد تكون تدميراً لهذا المهرجان. عند الساعة الثانية، بحثت عن "مؤيريري وا موكيراي" لكي أخبره بأن اثنين ممن أعطاهم بطاقات دعوة، وهما عامل وفلاح، يخططان لتخريب هذه المنافسة. إنهما كليهما جاحدان ناكران للجميل، لمعرفتهما بأنّهما أعطيا بطاقات الدعوة هذه من قبل "مؤيريري وا موكيراي" الدماغ المفكر وراء كل شيء...‏

وقف أناس عديدون للكلام، غير أن الرجل الذي تمكن من إسكات الآخرين وقف على أرض الكهف: إنهم لم يحضروا إلى الكهف للاستماع إلى حكايات عن العمال والفلاحين. يجب أن يطلب من "مواؤرا" المحافظة على شائعاته وتقولاته لنفسه وأن يترك المهرجان يواصل أعماله. فالشمس لم يسبق أن انتظرت أي إنسان، ولا حتى الملك.‏

جلس "مواؤرا" بوجه أسود وقلب مهموم مثقل. إن "موتوري" في إثري ولقد ضيعت الآن الفرصة في إيذائه، قال "مواؤرا" يحدث نفسه، كان يحسب أنه ما إن يفصح عن سرِّ "وانجاري" و"موتوري"، حتى يمنح الفرصة للإدلاء بشهادته وربما يكسب التاج. هذا وعلى الرغم من خزيه لم يفقد "مواؤرا" رباطة جأشه. لقد دعم معنوياته بثلاثة أمثال مأثورة: ليس "لريح بطن"، الثري رائحة كريهة بالنسبة للشحاذ المتسول، ومن يعشق الجمال لا يشكو وهو يجري خلفه، ومن كانت معدته مقلوبة أو متشنجة هو الذي يمضي للغاية.‏

كان الضيوف الآخرون ينتظرون بفارغ صبر سماع شهادة "مؤيريري". صار وجهه الآن أقل قلقاً، كما جفت حبات العرق على جبينه.‏

إن مايأتي هو الشهادة التي قدمها "مؤيريري وا موكيراي" - بكالوريوس تجارة، وبكالوريوس اقتصاد وماجستير إدارة أعمال وعضو في الجمعية الدولية.‏

سوف أتناول الحكاية من حيث تركتها، علينا ألا نهتم كثيراً بعدد السيارات التي يملكها الشخص. المهم هو طراز السيارة. ونحن نعرف أن النحلة لا تبدأ بمشِط العسل.وبقه الفراش تكبر وتسمن حتى لو عاشت في شق بقطعة خشب. علينا أن نقلق فقط على معتقدات الإنسان وعن مكان وقوفه، يعني موقفه في علاقته مع تطور واستثمار ثروة الوطن.‏

ليس عندي الكثير مما أقوله. إنني أومن بربِّ السرقة الحديثة وبربِّ اللصوصية الحديثة. أقول هذا لأن ثقافتي بينت لي بأن الأمم والدول التي تقدمت وأسهمت في الحضارة الحديثة مرَّت بمرحلة الاستثمار. وبين مثل تلك الدول تم تجريد العمال والفلاحين من السلطة التي أعطيت لأبطال السرقة واللصوصية - وفي الإنكليزية يمكن القول: لمن لهم معرفة بأعمال رأس- المال.‏

إن أبطالنا الحديثين هم أولئك الذين يعرفون عن توظيف المال الإبداعي، يعني أولئك الذين يعرفون كيف يسوِّقون مواهبهم بحيث تحمل الثمار والفاكهة. وهذا يعني بكل بساطة أولئك الذين هم خبراء في ازدراء تلك الكياسة النادرة التي تسمى الربح، يعني معدل الربح. وهذا بدوره يعني مايلي:إن تسرق خمسة شلينات اليوم، فإن عليك أن تسرق أكثر من خمسة غداً- وليكن عشرة شلينات وبعد غد عليك أن تسرق أكثر من عشرة، وليكن خمسة عشر. إن عليك أن تزيد السرقة والنهب طيلة الوقت: خمسة اليوم وعشرة غداً، وخمسة عشر بعد غد وخمسة وعشرون في اليوم اللاحق، وهكذا دواليك، حتى تجد أن معدل الربح يزداد بسرعة هائلة يوماً بعد يوم، مثل خط بياني متطور نحو الجنة. هذا وإن قوس الربح سيظل يتصاعد إلى أعلى طيلة الوقت. وفي الإنكليزية نقول: إنك تبحث عن شروط تؤكد حصول معدل ربح زائد باستمرار. ولذلك يتعين عليك أن تكون على معرفة بالحقول الخصيبة، حقول تؤكد أن معدل الربح سوف لاينزل تحت مستواه بالأمس ولن يبقى استاتياً راكداً. وأين بغير عرق العمال والفلاحين يمكنك أن تجد مثل هذه الحقول الخصيبة؟‏

ولكن أيها الأصدقاء، إن السرقة الحديثة نوعان. هناك النوع الذي يعتبر مسألة محلية- بل مسألة قومية. وبهذه الحال، إن السارقين واللصوص والخبراء لدولة من الدول يسرقون من عمال وفلاحي دولتهم ذاتها. غير أن هناك نوعاً آخر من السرقة يدخل في إطاره الأجانب. وبهذه الحال، يذهب سارقو ولصوص إحدى الدول إلى دولة أخرى ويسرقون من الجماهير هناك ويعيدون الأسلاب والغنائم لبلدهم. وهذا يعني أن أمثال هؤلاء اللصوص والسارقين يسرقون من عمالهم وفلاحيهم إضافة إلى عمال وفلاحي البلدان الأخرى. إن أمثال هؤلاء الأجانب قادرون على أن يقتاتوا على عالمين، عالمهم وعالم الآخرين.‏

- في هذه الأيام، مثلاً، يسرق اللصوص الأمريكيون والأوروبيون واليابانيون من جماهيرهم الخاصة، ثم يذهبون إلى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية لكي يسلبوا الناس هناك ويحملوا أسلابهم إلى مخازنهم. هذا ويتم مدُّ يد العون والمساعدة لهؤلاء الأجانب، بالطبع، في مشاريعهم، من قبل عصابات من اللصوص والسارقين المحليين.‏

يبني هؤلاء السارقون واللصوص الأجانب أحياناً مخازن وصوامع في البلدان التي يسلبونها، ويوظفون نفراً قليلاً من اللصوص هناك لرعايتها. أما ما يعنيه ذلك كله فهو مايلي:‏

عندما يأتي أجانب من أمثال الموجودين هنا إلى أرضنا ويبنون المخازن والصوامع، فإن خطتهم هي بكل بساطة سلب بلدنا، وحمل الغنائم إلى اليابان وأوروبا وأمريكا.‏

أنا، "مؤيريري وا موكيراي"، أومن فقط بالنوع الأول من السرقة واللصوصية: وأقصد بذلك السرقة واللصوصية الخاصة بمواطني دولة من الدول، الذين يسرقون من أهلهم ويستهلكون الغنائم تماماً هناك، في البلد نفسه. أما بالنسبة للنوع الثاني، وهو سرقة اللصوص الأجانب الذين يحضرون إلى بلدنا ويبنون الملاجئ هنا، بمساعدة بعض منا- فإنني أقول: لا، ألف مرة، لا!‏

يجب علينا نحن، الخبراء الوطنيين في السرقة واللصوصية، ألا نصافح الأجانب كي نساعدهم في الاستيلاء على ثروتنا القومية وحملها إلى بلدانهم، تاركين لنا بضع كسرات فقط، ثمناً للتركة التي سلبوها منا.‏

يجب ألا نكون جواسيس لهم، أو كلاباً لحراستهم، أو تلامذة لهم، أو جندهم المشرفين على ملاجئهم ومخازنهم في أرضنا. دعوهم يتركونا وشأننا نستغل حقولنا الوطنية الخاصة.‏

لماذا أقول ذلك؟‏

سوف أتكلم بصراحة كبيرة، وليحدث ما يحدث. هؤلاء الناس منافقون، رغم أنكم قد لا تصدقون وأنتم تراقبونهم الآن وهم يدخنون بسلام واطمئنان سجائرهم وغلايينهم.‏

أنا، "مؤيريري وا موكيراي"، درست بشكل كامل النظام القائم على سرقة عرق ودماء العمال والفلاحين- النظام الذي نسميه في الإنجليزية "الرأسمالية". النظام هو مايلي: الجماهير تحرث؛ وقلة مختارة (أصحاب المواهب) تحصد. يغرس خمسة أغنياء الجذور في لحم خمسين عاملاً وفلاحاً. لقد حصلت على التعليم، ولست بحاجة لمن يعلمني المزيد. إنني أومن أننا، الموجودين هنا اليوم، قادرون على بناء ملاجئنا ومخازننا الخاصة التي نكدس بها إنتاج عرق جماهيرنا. وإنني لواثق كل الثقة بأننا، اللصوص والسارقين الكينيين، قادرون على الوقوف على أقدامنا ووضع حدٍّ نهائي لهذه العادة في اقتسام غنائمنا مع الأجانب. دعوني أكرر نفسي، لأن الكلمة المخبأة في القلب لا يمكنها البتة كسب دعوى قضائية. يجب ألا نسرق عمالنا وفلاحينا -وعلي في الواقع أن أسميهم عبيدنا- ثم نسلِّم الغنائم للأجانب لاقتسامها، يعيدون نزراً يسيراً منها لنا ويصدِّرون الباقي إلى بلدانهم! لماذا لا يسمحون لنا بالسرقة من أمريكتهم أو أوروبا أو اليابان الخاصة بهم بحيث نستطيع أن نورِّد غنيمتهم إلى داخل بلدنا؟ لماذا لا يسمحون لنا ببناء مخازن وملاجئ في بلدانهم بحيث يصبح صوتنا الصوت الحاسم في توزيع منتجات عرق شعبهم؟‏

لنسرق فيما بيننا، بحيث أن ثروة البلد تبقى ضمن البلد، وبحيث أنه في لحم عشرة ملايين فقير نستطيع أن نغرس عشرة ملايين مليونير وطني. وسوف نكون عندها قادرين على خداع الجماهير بالكلمات التالية: Wanatachi، لا تتذمروا! عندما كان الأجانب يأكلون، هل ندبتم وتذمرتم يوماً؟ وهل خدش بعضكم بعضاً؟ يابني قومي، إن الطاعون الذي يتفشى في البلد ليس غريباً كالطاعون في أوروبا. ينبغي عليكم إقامة الأفراح لأن عرقكم ودماءكم أنتجت عشرة ملايين مليونير وطني.‏

أنا رجل قليل الكلام. وإن بمقدوركم معرفة الطعام الذي سيطهى جيداً من الدفعة الأولى من الماء المغلي. قصتي قصيرة. إنها تتعلق بنضالي ضد الشركات التي يملكها السارقون واللصوص الأجانب.‏

بعد إنهاء الدراسة، بدأت أعمل في عدة شركات امبريالية متنوعة. وهنالك شركات قليلة جداً يملكها الأجانب لم تطأها قدمي كموظف -من شركات نفط، وشركات صيدلة، وشركات استيراد وتصدير البن والشاي، وبيوت المال، وفنادق السياحة، وشركات السيارات وعدد من المؤسسات الزراعية. كنت في بعضها مديراً للمبيعات. وفي شركات أخرى كنت مديراً لشؤون الأفراد. وبصورة عامة، من جهة أخرى، كنت أوظَّف مديراً للعلاقات العامة.‏

غير أنه لم يسمح لي بأيٍّ من هذه الشركات بمعرفة أسرار الدائرة الداخلية -كما تعرفون: حيث تصنع القرارات الحقيقية وحيث تصنع القرارات المتعلقة بالنقود وتوزيع الأرباح، على سبيل المثال. أما عضوية الدائرة الداخلية فكانت تقتصر على الأوروبيين وحدهم.‏

ولكنْ في كل مرة تنشب فيها أزمة في البلد -حين يصبح العمال ضجرين حرونين لا يطاقون، أو حين يناقش البرلمان موازين ضريبة الدخل التي يمكن أن تكبح الإرتفاع الدائم في معدل الربح، أو حين تكون الحكومة على وشك الموافقة على إجراءات معينة تتعلق بالأجانب -كنت أنا الشخص الذي يرسل للعمل كعيون وآذان للأجانب. كنت في بعض الأمكنة ألجأ إلى الشوفينية الوطنية لكي أخمد النار المضطرمة؛ وفي أمكنة أخرى كنت أزيل تجاعيد الجلد بالزيوت الحديثة، وفي أمكنة أخرى أيضاً كنت أغير عقول السلطة بقليل من السوائل القوية المسكرة. وهكذا دواليك. ولكنني في مناسبات كثيرة كنت أشتري صورة شعبية للأجانب من خلال مساهماتهم Hara ambe.‏

وقفت في يوم من الأيام أسأل نفسي: هل يستخدمني هؤلاء الأجانب كفرد، أم تراهم يستخدمون لون بشرتي؟ هل يشترون قدراتي أم سوادي؟ وعرفت في الحال أنني كنت أُستخدم كواجهة تجميل المحلات الجذابة الخادعة. إذا بحث بنو قومنا عن أجانب، فإنهم سيجدونني في واجهة المحل؛ وعند رؤيتي يظنون أنهم شاهدوا قطعة من ذواتهم معكوسة بي، فيعتقدون أن لهم حصة في المحل. وبذلك يستمرون في الإذعان وتقبل سرقة الأجانب، لاعتقادهم بأنهم سيصبحون أثرياء شيئاً فشيئاً.‏

تدارست الأمر مع نفسي. إن ثراء أمة من الأمم ينتج عن جهد عمال الوطن.. ومن الصحيح تماماً أنه من غير زند العامل وعقله وقلبه، ليس هنالك ثراء. ماذا يحضر الأجانب إلى داخل البلد؟ شيء من آلة ونزر من نقود لدفع راتب الشهر الأول للعمال. لعمري هذا هو نوع الإغراء الذي يعطى للسعدان كي يخدعه ويجعله يسمح باستلاب صغيره الذي يمسك به. إن الآلة نوع من الشرك، كما أن الراتب هو قطعة اللحم التي تستخدم لاصطياد الفأر. أو إن الآلة هي خيط الصيد، والراتب هو الدودة المستخدمة كطعم لاجتذاب السمكة. الآلة هي الماكينة التي يحتلب بها عرق ودم وطاقة ومهارات العامل، والمصارف هي الأوعية، واليقطينات، والعلب، والطبول التي يختزن فيها الحليب.‏

ولذلك سألت نفسي: أنا "مؤيريري وا موكيراي"، كيف تستطيع أن تسمح للإمبرياليين في احتلاب بلادهم وبلادكم؟ أليس عندنا بشر من نسغنا الخاص يستطيعون احتلال الجماهير، عن طريق استرضاء العمال بقسط ضئيل من العلف أثناء عملية احتلابهم؟ هل الأجانب هم وحدهم الذين يملكون البراعة في الاحتلاب؟ وهل هم وحدهم من يعرفون كيف يأكلون ما ينتجه الآخرون؟ ألا تستطيع يا "مؤيريري وا موكيراي" المضي قدماً لاستثمار عرق أهلك الخاص، واستخدامه لإنتاج أشياء تبيعها لأصحاب العرق أنفسهم، لكي ينتجوها أولاً ثم يتعين عليهم ابتياعها، يزرعون المحاصيل ثم يبتاعونها نفسها؟ نحن لا نريد أن يأتي آكلو ما تم إنتاجه من قبل الآخرين من دول أجنبية: فنحن نقوى على تشجيع نماء طبقة من أكلة منتوجات الآخرين -بلى- طبقة من أكلة البشر في أرضنا.‏

بكل جوارحي وفؤادي، صرخت بوجه الأجانب: سوف نرى الآن من هو من، يا أبناء الزنى! سوف أريكم أننا حتى هنا لدينا رجال تبؤوا المرتبة الأولى في فن سرقة العمال واستلابهم! سيكون لزاماً عليكم أيها الأجانب أن تعودوا إلى بيوتكم وتغتصبوا أمهاتكم، وتتركوني ألهو بفخذي أمي!‏

أبيت أن أتولى أية أعمال أخرى . ولكن بسبب ضعف موقفي، تعين علي الذهاب إلى المصارف التي يملكها الأجانب للتفاوض من أجل الحصول على قرض -أوه، بلى - لكي أشتري علفاً للعمال والإبقاء على ما يكفي لشراء آلة احتلاب عرقهم.‏

أنشأت معملاً لتصنيع زيت الطبخ من السبانخ البري. آه، أصيخوا أسماعكم بصمت. كان ذلك بداية كافة ويلاتي: ولكنه كان أيضاً بداية معرفتي بالطريقة التي يعمل بها العالم. والآن، لما انطلقت في بيع الزيت، وجدت السوق متخماً تماماً بزيت الطبخ المستورد من قبل شركات يملكها الأجانب. هذا ولكي يزيدوا الطين بلة، فقد خفضوا أسعار زيتهم. وجدت أنني بوضوح تام على شفا حفرة من الإفلاس. قمت ببيع المعمل مع كافة الآلات. وقد تم شراؤه من قبل الأجانب.‏

باشرت بعد ذلك العمل بمعمل لتصنيع مراهم جلدية. كانت مسوغاتي لذلك ما يأتي: إذا كان الأجانب يزدادون سمنة عن طريق تخريب جلود السود، فلماذا لا أستطيع أنا أن أفعل مثلهم؟ وكانت الحكاية كسابقتها. وجدت أن مراهم تخريب جلود السود قد تدفقت على الأسواق بأسعار زهيدة. ووجدت الخراب والإفلاس يحدقان بي وجهاً لوجه. ومرة ثانية بعت المصنع للأجانب.‏

ومع ذلك أنشأت مصنعاً آخر، وكان هذه المرة لتصنيع المحالب المطاطية -وأنتم تعرفون ما أقصد، إنها أغمدة يرتديها الرجال عندما لا يريدون للفتاة أن تحمل، وفي هذه الحال، وقفت عاداتنا الخاصة في الطريق. إن رجالنا لا يحبون تغطية أشيائهم بهذه الابتكارات المطاطية. إنهم يحبون أن يحسوا باللحم على اللحم. أما بالنسبة للأوروبيين والآسيويين فكانوا يفضلون الأشياء المستوردة، أشياء مصنعة في الخارج من قبل شركات في دولهم الخاصة.‏

وهذا المشروع، هو الآخر، تم التهامه من قبل الأجانب.‏

ولذلك فإنني وأنا أقف هنا، أقول لكم: إنني حاولت أن أسجل نجاحاً في أنواع متعددة من الصناعات. ولكن مهما تكن محاولاتي، فإنني وجدت أن مؤسسات التصنيع الأجنبية وحلفاءها المحليين قد شكلوا عصابات ضدي. إذا بعت منتجاتي مقابل خمسة شلينات، فإنهم سيبيعون منتجاتهم مقابل ثلاثة، وبطبيعة الحال، سوف يتزاحم كافة المشترين لابتياع منتجاتهم. كان الأجانب أحياناً يضّمنون أن بعض الآلات لن تباع لي. وفي أحيان أخرى يبيعونني آلات عفا عليها الزمن، وحتى على هذه الحال، كانت الآلات تستغرق سنوات في الوصول إلى هذا البلد. لم أكن أستطيع أحياناً الحصول على قطع الغيار، أو أنها كانت تتأخر، أو تختفي فجأة أثناء النقل وبذلك يصل مصنعي إلى حالة توقف عن العمل.‏

هذا هو ما جعلني أعرف أن الأجانب غير مستعدين للتنازل عن سيطرتهم على صناعاتنا وهم يتغذون، بالطبع، على عرق عمالنا -ذلك لأن عرق العامل هو مصدر كل ربح. اعتقدت أن علي أن أتخلى عن الصناعة فينة من الزمان. غير أن ذلك لم يكن سوى عقبة مؤقتة. فالتزحلق لا يعني السقوط.‏

لقد عدت إلى خدمة الأجانب. باشرت تجارة "بيع -الجملة"- حسناً، تجارة لبيع أشياء صنعها أجانب. لم يكن ذلك عملاً سيئاً. ذلك لأنه عندما ينقل رجل شيئاً من هنا إلى هناك ولا يضيف أي شيء على العملية، ولا قطرة عرق واحدة من عرقه، فهو قادر على التمتع بقليل من الملذات. أما اليوم، فأنا بائع جملة، ومستورد للمصانع، والمشروبات القوية، والأحذية، والثياب المستعملة، وحبوب منع الفقراء من إنتاج الأطفال مثل الجرذان والأرانب.‏

واليوم، إنني أنا ابن "موكيراي"، لا أزال في خدمة أصحاب الصناعة الأجانب. ولا يزال الأجانب يحتكرون ميدان سرقة عرق عمالنا كله. ولكنني لم أتخل مطلقاً عن طموحي في طردهم خارج الحلبة.‏

لذلك، سيدي الرئيس، حينما حصلت على دعوة إلى هذا الإجتماع وعلى رسالة تطلب مني نشر أخبار هذه المنافسة الكبرى للحكم على اللصوص ومشاريعهم لزيادة السرقة واللصوصية في هذا البلد، أصبت بالحمَّى من شدة الفرح.‏

أنصتوا الآن بعناية. سوف أحكي لكم سراً. لقد حافظت على هذا السر المهم لنفسي طيلة هذه السنوات، إنه سرٌّ قد يسمح لنا بالتحليق فوق اللصوص اليابانيين والأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين والألمان والإيطاليين والدانماركيين وكل العالم الرأسمالي الغربي، في فن السرقة واللصوصية. إن من شأن السيطرة على هذا السر تحطيم السلاسل التي كانت تربطنا بالأجانب. سوف أطلعكم على السر الآن لنتشاركه معاً، لأنه إذا كان لمشاريعي أن تكون مؤثرة فاعلة، فإن ذلك يتطلب وحدة تامة فيما بيننا نحن الذين نسعى إلى بناء رأسمالية وطنية حقة، بمعزل عن الإيديولوجيات الأجنبية الغربية.‏

السر هو الآتي: في بلادنا خامات حديد، وفي بلادنا عمال معادن. إن المهارات اللازمة لصهر فلذ الحديد وتحويله إلى حديد خام موجودة لدينا من عصور وأجيال. قبل الإمبريالية، كانت هذه هي المهارات التي تنظم لصناعة الرماح والسيوف والمعازق وشتى أنواع الحلقات غير أن هذه المعرفة لم تنتشر لسببين. فقد نزعت نقابة عمال المعادن على الإحتفاظ بمعارف هؤلاء العمال لأنفسهم، ذلك لأنه، في تلك الأيام، لم تكن قد ظهرت تلك الطبقة الصغيرة من الناس الذين يعرفون طعم عرق ودماء العمال المتجمعين في المعامل. وعندما جاء الأجانب إلى هذا البلد، فقد طمسوا عن عمد وتصميم المعرفة المحلية بأعمال المعادن لكي يجعلونا نشتري الأشياء المصنعة في الخارج وبذلك يساعدون على نمو صناعتهم.‏

ولذلك أقول لكم اليوم: دعونا نتحد كبيراً وصغيراً لكي نطور أدواتنا الآلية الخاصة، لأن عرق ودماء شعبنا مؤونة رخيصة لا تنضب.‏

إياكم أن يخدعكم أي شخص فيجركم إلى التفكير في أننا لا نملك فلذ الحديد. ليس ثمة مصدر طبيعي لا يتوفر في هذا البلد، بما في ذلك النفط. ولكن حتى إذا لم نكن نملك طاقة كبيرة من فلذات الحديد، فإن في إمكاننا رغم ذلك أن نطور ما يسمونه في الإنجليزية، "التكنولوجيا المدعمة"، وذلك يعني معرفة تحويل الحديد المستعمل إلى حديد قابل للاستعمال. ماهو السَّر في أن اليابان تظل قوة صناعية كبرى؟‏

سوف يمكّننا عرق عمالنا من صناعة آلات لصناعة الدبابيس والأمواس والمقصات والمجارف والفؤوس والأحواض وحاويات الماء، والعلب وصفائح الحديد والعربات الآلية والجرارات والمحركات البخارية ومحركات الديزل، والسفن والطائرات والرماح والسيوف والبنادق والقنابل والصواريخ وقاذفات الصواريخ أو صواريخ لإطلاق الإنسان إلى الفضاء -وباختصار، أن نصنع لأنفسنا كافة المنافع التي يصنعها الأجانب الآن. وبعد ذلك سوف نرى إذا كنا نحن أيضاً لا نستطيع الإنتفاع من العلم والتكنولوجيا الحديثين.‏

فكروا بذلك، أيها الطيبون: مليونيريو كينيا الخاصون، وبيليونيريوها، متعددو الملايين والبلايين، رأسماليو كينيا، مثل رأسماليي اليابان، وكل ذلك من خلال فلذات الحديد والتكنولوجيا المدعمة، التي غسلتها ونظفتها دماء العمال وعرقهم. ماذا تبغون أكثر من ذلك؟‏

أيها اللصوص الوطنيون، أيها السارقون الوطنيون، لقد هديتكم إلى الطريق. الآن دعوا كل سارق بيننا يمضي ويحمل مواهبه إلى بيته لكي يطبقها على أمه.‏

من تراه يكسب تاج المجد إذاً؟ إنه "مؤيريري وا موكيراي"‍! فهو الذي قدم لنا آيات الحكمة، بوجهها الفطري والمكتسب. لم أدرس مقابل لاشيء. أريد أن أنتهي بصرخة المعركة التالية: يتعين على كل سارق الذهاب إلى البيت وسلب أمه. تلك هي الديمقراطية الحقة والمساواة بين الأمم! "إلى دهر الداهرين، آمين".‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:24 PM
الفصـل السابع





(1)‏

حلم. كان بالتأكيد حلماً في وضح النهار السافر. ضغط "جاتويريا" على فخذه لكي يرى إذا كان يحس بالألم حتى يثبت أنه لم يكن كله حلماً. آلمه قرص فخذه، لا، لم يكن حلماً. ولكن حتى في هذه الحال، لم يكن بمقدور "جاتويريا" أن يصدِّق تماماً أن ما كان يراه بأم عينيه موجود هناك فعلاً. فقد يحلم المرء بأنه يقرص نفسه وأنه يشعر بالألم. بل لعله يحلم بأنه يحتضر، حتى أنه ربما يرى نفسه يدفن ويذهب إلى الجنة أو إلى الجحيم.‏

نظر "جاتويريا" إلى "وارينجا". مد يده، وتناول أنامل "وارينجا" وضغطها برفق، فأحس أن "وارينجا" كانت هناك حقاً، بلحمها وشحمها. فتيقن من أنه كان مستيقظاً وأن الكهف لم يكن أضغاث أحلام رجل مريض إصابته الملاريا.‏

وحتى هذا اليوم، لا يزال "جاتويريا" يتذكر بشيء من الإرتعاد الفوضى التي دبَّت في الكهف على أثر شهادة "مؤيريري وا موكيراي". من الصحيح تماماً أن بعض الضيوف صفعوه بجد، غير أن الأكثرية صرَّت بأسنانها وصرخت وزأرت غضباً وغيظاً. النساء فعلت ذلك أيضاً. هلَّلت له مجموعة صغيرة، غير أن الأغلبية العظمى رفعت صوتها استنكاراً.‏



(2)‏

كان زعيم الوفد الأجنبي، الرجل الذي كان يحمل شارة الولايات المتحدة الأمريكية على تاجه، أول من باشر الكلام، خف الضجيج والفوضى فيما كان الناس يجاهدون لسماع كل كلمة.‏

سيدي الرئيس، إنني أتحدث عن نفسي ونيابة عن بقية الخبراء الأجانب، لأعبَّر عن ذعري من الشتائم والإهانات التي انهالت علينا من قبل "مؤيريري وا موكيراي". لم نحضر من أجل الشتم والإهانة. لا، لقد حضرنا لكي نجد طرائق لتدعيم وتقوية الشراكة القائمة بين السارقين واللصوص الأمريكيين والأوروبيين واليابانيين والسارقين في الدول النامية، أي الدول التي منحت أعلاماً خاصة في المرحلة الأخيرة. ونحن الذين قدمنا من العالم المتمدن نملك سنوات وسنوات من الخبرة في السرقة واللصوصية الحديثة. ويمكنني تذكيركم أيضاً بأننا أصحاب البيوت والمخازن والصوامع التي تحتوي كافة الأموال التي نهبت من شعوب العالم. ويمكنكم أن تروا بأم أعينكم أن ملابسنا نفسها صنعت من الشيكات المصرفية. إن المال اليوم هو حاكم الصناعة والتجارة كلها. وإن النقود هي مارشال كافة قوى السرقة واللصوصية على الكرة الأرضية. المال هو الأعلى والأسمى. المال يحكم العالم. لقد حضرنا إلى هنا لنرى فيما إذا كان بوسعنا تعريف نفر منكم على أسرارنا حتى تصبحوا عيون وآذان مجمع اللصوص والسارقين الدولي في بلادكم هنا. غير أننا لم نكن نعرف بأننا حضرنا للاستماع إلى خطب الساذجين سياسياً، خطب اللصوص والسارقين الذين يحلمون بالسير قبل تعلم الزحف، وخطب اللصوص والسارقين الذي يحملون حسداً على الغنائم التي سرقت واختزنت من قبل من مارسوا اللعبة لعهد طويل من الزمان.عند القدوم إلى هنا، كنا نعتقد أننا نزور أناساً يفهمون أن كافة اللصوص والسارقين في العالم ينتمون إلى زمرة العمر نفسها، إلى الأسرة نفسها، والجنسية نفسها، وأنهم يشتركون في الإيديولوجيات نفسها. إننا نؤمن بالحرية، الحرية التي تتيح للفرد السلب والنهب تبعاً لقدراته. ذلك هو ما ندعوه مبادرة شخصية ومشروعاً فردياً، وذلك هو ما جعلنا دائماً نقول: إننا ننتمي للعالم الحر، عالم لاتوجد فيه من قريب أو بعيد أية عوائق تجاه السرقة من الآخرين. فلماذا، إذاً، يريد "مؤيريري وا موكيراي" إحداث شرخ فيما بيننا؟ وماذا جعله يقول: إن هنالك نوعين من السرقة؟ السرقة هي السرقة. ولماذا يقول: إن عليكم أن تبنوا قذائفكم الخاصة وقنابلكم وصواريخكم؟ ألا تظنون أننا قادرون على حراسة وحماية سرقاتكم وسرقاتنا، مثلما كنا نفعل دائماً في كوريا الجنوبية والبرازيل وإسرائيل وجنوب أفريقيا؟ إننا نأكل ونشرب من المائدة نفسها ومع ذلك ليس عندكم إيمان وثقة بنا. الآن، ومن جراء لغة الشتيمة والإهانة التي تعين علينا تحملها على يدي "مؤيريري وا موكيراي"، فقد اتخذنا قرارنا بعدم الانتظار حتى نهاية الاحتفال، بل سنغادر الآن وسنأخذ معنا كافة الهدايا التي أحضرناها، ونترككم أيها الكينيون تتدافعون طلباً لفلذات الحديد التي كان "مؤيريري" متحمساً جداً إزاءها.‏

بعد ذلك جلس زعيم الوفد الأجنبي في مكانه.‏

(3)‏

ازداد جو الكهف برودة. أحس كثير من اللصوص بوشك وقوع نقص الطاقة في عظامهم، فوجهوا جميعاً عيوناً مريرة ثاقبة نحو "مؤيريري وا موكيراي".‏

كان رئيس المراسم هو الذي أنقذ الحفل مرة ثانية. فقد اعتلى المنصة وتكلم بقلب مفعم بالندم، متوسلاً الأجانب كي لا يهتموا بما ورد على لسان "مؤيريري"، لأنه ليس ثمة لص واحد في الكهف كله لاينشد أسباب تحسين علاقته مع مثل هؤلاء الضيوف المرموقين، في سبيل المجد الأكبر والأعظم لنظام السرقة واللصوصية على الكرة الأرضية. إذ لم يكن نداء "مؤيريري موكيراي" الموجه للسارقين واللصوص في كل دولة لكي يكونوا معتمدين على أنفسهم وأن يقفوا بمعزل في زاوية من الزوايا، يربتون على كروشهم، سوى حديث مراهقة.‏

ثم أقسم رئيس المراسم بكل الآلهة أنه لم يكن هنالك لص أو سارق واحد من الموجودين مؤيداً لآراء "مؤيريري وا موكيراي".. لقد ذكَّر الضيوف الأجانب بالحكاية الرمزية التي افتتح بها الأحداث ذلك الصباح.. وهي أن راية الاستقلال يمكن أن تشبَّه برجل مسافر إلى بلد بعيد، فيستدعي عبيده الخاص، ويسلمهم بضاعته....‏

توقف رئيس المراسم في منتصف الحكاية الرمزية واتجه نحو اللصوص الأجانب ثم أعلن وهو يبتسم بتملق ويظهر أسنانه الذهبية: أيها الضيوف المرموقون، نحن عبيد لكم. لقد عدتم لكي تشاهدوا ما فعلناه بالمواهب التي أورثتموها لنا اعترافاً شاكراً منكم بالخدمات التي قدمناها لكم في قمع أولئك الناس من قومنا الذين درجوا على تسمية أنفسهم مقاتلين من أجل الحرية. ذلك أمر حسن. أود تذكيركم أننا حتى في هذا النهار واصلنا خداع بني جلدتنا للاعتقاد بأنكم غادرتم البلد فعلاً. وذلك هو ما يمنعنا من تسميتكم أجانب، أو إمبرياليين، أو لصوصاً بيض. إننا نسميكم أصدقاء، ولذلك أتوسل إليكم أن تحتلوا مقاعدكم من جديد، وتتجملوا بالصبر، لكي تتمكنوا من سماع حكايات أكلة لحم البشر الآخرين. لا تهتموا بما قاله "موكيراي". سوف نهتم به نحن، وسوف يتقرر مصيره اليوم. أرجو أن يكون هذا الاعتذار كافياً. وليس بعد ذلك سوى الاعتذار العملي.‏

جلس رئيس المراسم. لقد قبل زعيم الوفد الأجنبي اعتذاره وأضاف أنهم سوف ينتظرون الاعتذار العملي. ثم قال: يجب ألا يقتصر الأمر على تطبيق العدالة، وإنما يتعين مشاهدتها وهي تطبق.‏

كاد التصفيق الراعد الذي نشب في الكهف أن يهدم السقف والجدران الأربعة.‏



(4)‏

أمسك "جاتويريا" يد "وارينجا". كان لايزال يشعر أنه في حلم. شدَّت وارينجا على يده. ثم جلس الاثنان في صمت، وكل مستغرق بأفكاره الخاصة، وكل يشعر بأنه لو ترك يد الآخر، فإنهما كلاهما سيغرقان في ظلام الكهف الدامس.‏

لم يكن "جاتويريا" قادراً على متابعة أفكاره باتجاه نتيجة منطقية. تخالج فكرة من الأفكار ذهنه وتتراقص فينة من الزمان، ثم تدفعها فكرة جديدة أخرى. والفكرة الجديدة تتماثل فينة إلى أن تدفعها وتبعدها فكرة أخرى. بدت رغبته الجامحة حيال موضوع مناسب لموسيقاه وكأنها تبخرت في الجو. أما ما كان يقلقه أشد القلق فهي الأفكار المتعلقة بمشاكل "وارينجا" الماضية. غير أنه وهو يقلِّب حكاية "وارينجا" في ذهنه، والفكرة الخاصة في أن "وانجاري" ذهبت لإحضار الشرطة، وأن "موتوري" سيحضر العمال فرضت نفسها وأزعجته. ماذا سيحصل عندما تجتمع كافة القوى في الكهف؟ كما أن الصخب والفوضى الناجمين عن شهادة "مؤيريري وا موكيراي" أزعجاه وأقلقاه أيضاً. ثم إنه لم يشجب نظام السرقة واللصوصية. كل ما قاله هو أن على كل سارق أن ينهب بني قومه وأهل بلده. ماذا إذاً، لو حضر رجل مثل "مؤيريري وا موكيراي" إلى هنا ورفض نظام السرقة واللصوصية برمته؟‏

شعر "جاتويريا" بغتة أنه يرغب في أن يخبر "وارينجا" بأن عليهما أن يهربا، وذلك لأن مخيلته كانت ترى صوراً جعلته يرتجف ويرتعد. وكان في وسط تلك الصور "مواؤرا".‏

لقد اعتقد "جاتويريا" أنه شاهد "مواؤرا" ينظر إليه بعينين يغمرهما جشع فاتك نهم. ثم رأى أن "مواؤرا" لم يكن وحده الذي ينظر إليه بتلك الطريقة. فقد كان جميع الناس من حوله يرتدون الصورة التعبيرية نفسها. وكلما تثاءب أحد اللصوص، كان "جاتويريا" يحسب أن أسنانه تتحول إلى مخالب مصاصة للدماء تتجه إلى المكان الذي جلس فيه مع " وارينجا". سمع صوتاً يهمس له: هؤلاء هم أكلة لحوم البشر، وهؤلاء هم شاربوا الدماء البشرية؛ هؤلاء هم "ندينجوري" الجدد؛ فخذ هذه الفتاة وارحل عن المكان فوراً.‏

غير أن شطراً آخر منه كان يحضه على عدم الهروب، وإنما التريث حتى النهاية لكي لا يترتب عليهم في الختام الاستماع إلى الحكايات التي تدور حول كيفية انتهاء المهرجان. ذلك لأنه لو سمع "جاتويريا" يقول إنه لايزال هنالك مجرمون محترفون وأكلة للحم البشر في العالم، ما كان ليصدق ذلك. فهل كان ذلك العجوز من بلدة "باهاتي" في "ناكورو" يحكي له في الحقيقة حكايات عن غيلان العهد الجديد إذاً؟‏

هز "جاتويريا" رأسه لكي يمنع نفسه عن مواصلة هذا النهج من التفكير، أمعن النظر ملياً في المنصة لكي يحول بينه وبين التطلع إلى الصور المروعة التي رآها على وجوه الناس من حوله.‏

راح يفكر بما قاله "مؤيريري وا موكيراي"، مقارناً شهادته بالحكاية التي رواها لهم قبل يومين عن الرجل الذي كان في طريقه إلى بلد بعيد ناءٍ وترك خمس مواهب، وموهبتين، وموهبة واحدة لعبيده، والذي بعد أن غاب فينة من الزمان، عاد واستدعى عبيده إليه.‏

والعبد الذي تلقى... مواهب أقبل وشهد....‏

شهادة ندتيكا وانجونجي‏

كان "ندتيكا" بديناً جداً. وكان رأسه ضخماً مثل جبل كبير. كان كرشه يتدلى فوق حزام خصره، كبيراً ومتغطرساً. كانت عيناه كبيرتين بحجم مصباحين كهربائيين أحمرين. ظهرتا وكأنهما وضعتا على وجهه من قبل خالق نفد صبره ويروم متابعة عمل آخر. كان شعر رأسه مفروقاً في الوسط، بحيث أن الشعر على كل جانب من الفرق كان يبدو مثل تلتين تجابهان إحداهما الأخرى على طرفي طريق الإسفلت. كان يرتدي بزة سوداء. وكانت لسترته ذيول على شكل أجنحة الذباب الأخضر والأسود الكبير، الذي يوجد عادة في حفر المراحيض أو بين القمامة العفنة. وكان لقميصه كشكش يتدلى من الأمام. كان يرتدي ربطة عنق على شكل قوس أسود. وكانت عيناه تتدحرجان بما يناسب كلماته. كما كانت يداه تستقران على بطنه وهو يربته برفق، كأنه يرجوه ألا ينبق نحو الناس بمثل هذه الغطرسة.‏

"ليس عندي كلام كثير. ولن أنفعل في عدِّ الشهادات التي لا تجد وسيلة نقل أفضل من سيارة "الماتاتو". وسوف أترك إهانة الأجانب للتعساء الذين لا يملكون مايفاخرون به أمام أكلة لحم البشر سوى كراهيتهم للأجانب.‏

إسمي "نجونجي واندتيكا"- بل "ندتيكا وانجونجي". وبالنسبة للزوجة، عندي زوجة واحدة وحسب. أما عشيقاتي؟ فأنا أنتمي إليهن، آذاناً وقروناً وكل شيء. إنني أعاني نوعين من الأمراض: فأنا لا أشبع لامن ذاك ولا من الطعام. الطعام الجيد يساعد على قيام جسم صحيح جميل، كما أن فخذي الفتاة الصبية الناعمين يساعدان على خلق شخصية طيبة معافاة.‏

أما بالنسبة إلى السيارات، فعندي الكثير منها، بدءاً بـ"المرسيدس بنز" فا"لرينج روفر"، و"الفولفو" و"البيجو 604". عندما أخرج لاصطياد الفتيات، أركب سيارة ب.م.و(التي تعني كوني عشيقتي)، ومن الصحيح تماماً أن الصبية التي تركب سيارة ب.م.و لن تقول لا على الإطلاق! وأما سلة تسوق زوجتي فهي سيارة فيات /1600/. غير أنها قبل يومين اشتكت بمرارة من أن المرأة صاحبة سلة الأماليد تحتاج أيضاً إلى سلة ألياف صغيرة، ولهذا اشتريت لها سيارة "مازدا".‏

أما أبنائي فيركبون الخيول. لقد تعلموا ركوبها في مدرسة نيروبي لركوب الخيل، التي كان يملكها "جروجان" و "ديلامير" في السابق. قبل الاستقلال، لم يكن يسمح لأي رجل أسود الاقتراب من حوش المدرسة. أيها الناس، لو نفكر في أن بعض البلهاء يملكون الجرأة على التجوال من فندق إلى فندق آخر وهم يقولون: ليس بعد يا "أوهورو"! أيَّ "أوهورو" غيره يريده الناس؟ أما بالنسبة لي، فيتملكني الفرح والسرور كلما شاهدت أولادي يمتطون خيولهم ويلوِّحون بأيديهم، ويخرجون ألسنتهم وهم يصرخون بابا، بابا مثل الأطفال الإنكليز بالتمام والكمال! "أوهورووو".‏

لقد تفتقت كل هذه المباهج عن السرقة واللصوصية الحديثة. إنني، في هذه الأيام، مثلاً، أملك عدة مزارع في "نجورو"lأ و "إيلبورجون" و"كيتال". أدفع لعمالي خمسة وسبعين شليناً في الشهر، إضافة إلى مؤونة يومية من الدقيق وقارورة أسبوعية من اللبن المستخرج. ها، ها، ها، هل تعرفون ماذا؟ لقد أضربوا عن العمل في يوم من الأيام، مطالبين برفع الأجور! وأنا أقول لكم: لقد صاروا جميعاً يرون من خلال أفواههم بدلاً من عيونهم. طردتهم جميعاً في الحال، دون إنذار، ثم ذهبت إلى القرى وشغَّلت أيد جديدة في ذلك الزمان والمكان. وكما تعلمون، إن تلك القرى هي صوامعنا من أجل اليد العاملة الإحتياطية، ها، ها، ها، لماذا تراني أغرق في الضحك؟ إعذروني، واسمحوا لي بتجفيف دموع الضحك هذه. إنكم ستضحكون أيضاً حين أخبركم أن معظم العمال الذين يقلعون الأعشاب في مزارعي هم نفس الناس الذين استلوا في الماضي السيوف المثلمة والبنادق المصنعة محلياً، متبجحين بأنهم يقاتلون من أجل الحرية! وتعلمون، أنني حتى في تلك الأيام لم أخف شيئاً عنهم وتعودت أن أقول لهم ما يدور برأسي: "نحن نتحكم بكم خلال مرحلة الطوارئ، وسوف نظل نتحكم بكم بعد الحصول على الحرية والاستقلال"! كانوا يردون علي بهزء وازدراء: "توقف عن ذلك الهراء! إنك تستحق رصاصة في القلب". إنني أنظر اليوم إلى بعضهم حين يحضرون إلى مكتبي لتقاضي الأجور، وقد خلعوا قبعاتهم، ووضعوا أيديهم خلفهم احتراماً وإذعاناً، فأتذكر عندها كلماتهم التوبيخية، وأكاد أموت من الضحك. ها، ها، ها.‏

غير أن ذلك كله صار من التاريخ الآن. لقد حاربنا جميعاً من أجل الحرية بأساليب مختلفة، ولصالح أطراف مختلفة. ما هو وجه الخطأ في أسلوب سير الأمور؟ دعونا جميعاً ننسى الماضي. لم تكن قضية القتال من أجل الحرية كلها سوى حلم رديء، وكابوس فارغ من أي معنى. دعونا نتحد للقيام بثلاثة أشياء: اغتصاب، وابتزاز، ومصادرة النقود. ثالوث السرقة المقدس، الاغتصاب، و الابتزاز والمصادرة. ولو وجدتم شيئاً يخص الجماهير، إياكم أن تتركوه خلفكم، لأنكم إذا لم تعتنوا بأنفسكم، فمن تراه يعتني بكم؟‏



لقد حدَّ من نجاحي في ميدان السرقة والسلب انصرافي إلى ميدان التهريب والسوق السوداء. دعوني أشرح لكم بإيجاز. إنني أملك عدة مصادر من الحجارة الثمينة -ماس، ذهب، تانزانايت، وجلود الحيوانات النادرة مثل النمور والأسود، وأنياب الفيلة وأسنان الكركدن، وسم الأفاعي، وأشياء كثيرة أخرى، وكلها من المناجم الشعبية العامة واحتياطات اللعبة والشغل. إنني أصدِّرها جميعها.‏

لقد حصلت على طلبيات كبيرة من اليابان بخاصة، ومن ألمانيا وهونغ كونغ، طلبيات تكافيء جهودي تكافؤاً جيداً. ولم تصلني أية شكاوى بكل تأكيد. لم تكن هذه التجارة ممكنة لولا شراكتي مع الأجانب، الذين يملكون فنادق كبيرة ومنتجعات سياحية أخرى. إنهم على خبرة في معالجة الشؤون الجمركية، وخطوط الشحن البحرية والجوية. وإنهم على احتكاك جيد أيضاً مع العملاء وراء -البحار. وكما تعرفون، لا يتصور بنو قومنا أن البيض يتورطون في أعمال التهريب أو يلعبون لعبة السوق السوداء، ولكنني أعرف أكثر مما يعرفون، فأقمت علاقة مفيدة ومربحة معهم. ذلك هو ما يجعلني عندما أرى شخصاً من الأشخاص يقف هنا ويطالب بكل عنجهية بأن على الأجانب أن يرحلوا عن بلدي، أشعر وكأنني.. أوه، سوف أترك شهادات جامعة "ماتاتو" تخرج من هذه!‏

إن السلع الأخرى التي أهربها وراء البحار وللدول المجاورة هي الملح والسكر والذرة والأرز والشاي والقهوة. وإذا ما تحدثت من الناحية الشخصية، فإن رحيل "عيدي أمين" عن السلطة، شكل خسارة فادحة لي. خلال حكمه، غلَّ علي بن "أوغندا" ما ينوف على خمسين مليون شلين. كما أنني أصدِّر لحم البقر إلى الجزيرة العربية وأوروبا. إن عندي سفينة خاصة في "مومباسا"، وهي دائماً وأبداً مستعدة جاهزة.‏

ولكنَّ عندي أشغالاً كبيرة أخرى تدرُّ علي المال. أحياناً أشتري الغذاء وقت الحصاد. ولكنْ، آه، هل تراني أشتريه أم ألمُّه عن الأرض؟ وعندما تنتشر المجاعة في البلاد، أبيع الطعام للناس الذين زرعوه وحصدوه أنفسهم. فهل ذلك هو بيع أم ابتزاز واغتصاب؟ لقد أصاب "جيتوتو وا جاتانجورو" عين الحقيقة عندما قال: المجاعة الجماعية هي الدرر بالنسبة للأثرياء.‏

في بعض الأحيان، عندما أعرف أن "يوم الميزانية" قريب، أحاول بكل ما أوتيت من جهد ابتياع معلومات عن البضائع التي سترتفع أسعارها من المقربين لبيت الأسرار، سواء كانوا كتاباً أو أي شيء آخر. وبعدئذ أبتاع كميات كبيرة من تلك البضاعة وأشحنها. وعندما تعلن الأسعار الجديدة، أغرق السوق ببضاعتي. أحياناً أشتريها في مخزنها، ثم أبيعها في المخزن نفسه في اليوم التالي- مقابل أرباح هائلة.‏

أما وجه الخطأ في أسلوب جمع الثروة هذا فهو أن المرء لا يتأكد كل التأكد منه مطلقاً. أتذكر في سنة من السنوات أن كاتباً من الكتاب أبلغني بأن أسعار الفلفل المطحون وغير المطحون سوف ترتفع. اشتريت من هذا الفلفل مايكفي لتموين البلد كله مدة تزيد على سنة كاملة. أيها الأخوان، لقد رأيت بعينين دامعتين أن الأسعار أخذت تنخفض بدلاً من الإرتفاع. فترتب علي أن أحرق الفلفل كله. وأنا اليوم لا أرغب من قريب أو بعيد رؤية أو شم أي نوع من الفلفل مرة ثانية.‏

أما الآن، فقد فتحت كل تلك الأنشطة عينيَّ، وتعلمت حقائق معينة. إن معرفة القراءة والكتابة ليست بالأهمية التي حاول "مؤيريري وا موكيراي" إثباتها. الثقافة ليست ثروة وملكية. خذوني مثلاً على ذلك. إنني لم أكمل دراستي الإعدادية وهاأنذا أشغِّل الخريجين الجامعيين كتاباً عندي. وشهاداتهم من النمط القديم، بكالوريوس الآداب والفنون الموثوقة، خلافاً للشهادات الممنوحة في "نيروبي" هذه الأيام من قبل أشخاص يعتقدون أنهم مثقفون جيداً لمجرد أنهم تنازلوا عن أسمائهم الأجنبية الغالية وسموا أنفسهم "وا"، "أول"، "أراب" أو هذا الإسم أو ذاك. صديقاتي جمعياً من مستويات جامعية أو من مستوي "كامبريدج"! ولذلك فإن على "مؤيريري وا موكيراي" أن ينسى كل هذه الجلبة والضوضاء المتعلقة بالشهادات والتعليم. إنني أتحداه أن يحمل شهاداته إلى السوق (بما في ذلك السوق الخاصة بالفتيات الأوروبيات والآسيويات اللواتي كان يتفاخر بهن)، وأنا آخذ معي سيارتي من طراز ب.م.و، وسوف نرى من الذي يفوز في استمالة العدد الأكبر من الفتيات.‏

بل إنني أحب أن أقول: إن المزيد من الثقافة قد يغدو حماقة. على سبيل المثال، ماذا كان "مؤيريري وا موكيراي" يحكي لنا الآن فقط؟ هل نقضي وقتنا كله على أكوام القمامة وفي ساحات الفضلات، نجمع الصفائح العتيقة لبناء السيارات؟ وهل نكون معتمدين على أنفسنا في فن السرقة واللصوصية؟ من أين لنا اكتساب تجربة وخبرة دولية في فن السرقة؟ أمن أكوام القمامة ومزابل الفضلات الخاصة بتكنولوجيا الدعم؟ لابد أنك كنت تمزح، يا "مؤيريري".‏

أستطيع أن أكرر فقط ماقاله الآخرون قبل هنيهة: وهو أن مايفيدنا هو شراكتنا مع الأجانب. دعونا نقوِّي تلك الشراكة. وعلى الرغم من حقيقة عدم حيازتي على أية إجازة "ماتاتو"، فقد خطرت لي مؤخراً فكرة ألمعية يمكن أن تحسِّن حياتنا الإمتلاكية. غير أنه يصعب تحقيق الفكرة إذا لم يتدخل الأجانب، وذلك لأنهم هم الذين يملكون المعرفة بالتكنولوجيا الحديثة. ذلك هو مايجعلني أتفق كل الاتفاق مع الذين يطلبون دائماً من الأجانب الإسراع في نقل تكنولوجياتهم أو بيعنا تكنولوجيا مناسبة ملكاً لنا.‏

أحب الآن إطلاعكم على فكرتي الألمعية للمشاركة بها، وحتى تعرفوا أنني الرجل الوحيد الصالح لارتداء تاج العبودية!‏

الفكرة خطرت لي بغتة في ليلة من الليالي، فيما كنت أستلقي نائماً، راح قلبي ينطُّ من الفرح، وشعرت أن سرَّ الحياة الجديدة بالنسبة لنا أصحاب الثروات كُشف لي شخصياً.‏

كان ذلك خلال زيارة الأستاذ "بارنارد" -وتعرفونه، صديقنا "البويري" من جنوبي أفريقيا- عندما تحدث عن عمليات الزرع في الجسم البشري. كنت موجوداً حين تحدث للأطباء في مشفى "كينياتا". عندها انتابني من جديد قلق طالما أصابني بالطاعون في كل مرة كنت فيها أنا، "ندتيكا وا نجونجي"، أتأمل ثروتي الهائلة، كنت أسأل نفسي بحزن عدة أسئلة دقيقة ثاقبة. بكل ما أملك، ماذا تراني أملك كمخلوق بشري، غير ما يملكه العامل أو الفلاح أو الفقير؟ إن لي فماً واحداً، كالفقير تماماً، وكرشاً واحداً، مثله تماماً، كما أملك قلباً واحداً كالفقير، وأملك... واحداً فقط وأنتم تعرفون ما أقصد، واحداً فقط مثل أفقر الفقراء.‏

إنني أملك من الأموال والأطيان ما يكفي لتوفير الطعام لألف إنسان، غير أن طبقاً مليئاً واحداً يشبعني، مثل بقية الناس تماماً. وأملك من المال ما يمكِّنني من ارتداء مائة بزة دفعة واحدة، غير أنني لا أقوى إلا على ارتداء بنطال واحد، وقميص واحد وسترة واحدة، مثل بقية الناس. كما أنني أملك من المال ما يمكنني من ابتياع خمسين كائناً حياً لو كانت الكائنات الحية تباع في السوق، ولكنني أملك قلباً واحداً وحياة واحدة، كبقية الناس أيضاً. وأملك من المال والأرزاق ما يمكنني من ممارسة الحب مع عشرة فتيات كل ليلة، ولكنَّ فتاة واحدة ترهقني بعد رمية واحدة، وأنتهي باللجوء إلى النوم دون بلوغ الشبع بشكل كامل.‏



لذلك، وبما أنني أعرف أني أملك فماً واحداً، وبطناً واحداً، وقلباً واحداً، وحياة واحدة، وذكراً واحداً، فما هو الفرق بين الأغنياء والفقراء؟ وما هو الهدف من سلب الآخرين؟‏

لقد انكشف لي في تلك الليلة ما ألهمني بأننا في هذا البلد يجب أن نملك معملاً لتصنيع قطع الغيار البشرية مثل الأفواه، والبطون، والقلوب وغيرها، قطع غيار للجسم البشري. وهذا سيعني أن الغني الذي يقوى على دفع الثمن يمكنه امتلاك فمين أو ثلاثة أفواه، وبطنين وذكرين وقلبين. فإذا تعب الفم الأول من المضغ، ولم يعد بمقدور بطنه استيعاب المزيد، يضطلع عندها بالعمل الفم والبطن الاحتياطي. وعندما يكون لرجل عجوز مثلي فتاة هوى، فإنه بدلاً من الخلود إلى النوم على أثر توقف المحرك الأول عن العمل، فإنه يشغل بكل بساطة المحرك الآخر ويتابع العمل، وبذلك يواصل المحركان تدعيم أحدهما الآخر طيلة الليل، بحيث أنه يشعر عند الاستيقاظ أن قلبه وجسده مسترخيان. إن بوسعنا صياغة وسبك أقوال مأثورة جديدة: فتوة الغني لا تنتهي أبداً. عندما يملك الإنسان قلبين، فهو في الواقع يملك حياتين. وهذا يعني أن الغني حقاً لن يموت أبداً. ثمة قول مأثور آخر: الغني لا يموت أبداً. يمكننا شراء الخلود بأموالنا وترك الموت والفناء امتيازاً خاصاً بالفقراء.‏

لقد سرتني تلك الخاطرة. غير أنني أخطأت عندما أطلعت زوجتي على مضمونها. السرعة الزائدة يمكن أن تفلق حبة البطاطا. وليس للنساء أسرار.‏

كانت زوجتي في البداية مسرورة جداً بالفكرة، وهنأتني وأثنت علي بالإنكليزية (عزيزي الصغير الذكي)، وغمرتني بوابل من القبل. ثم قالت: إنه إذا أمكن للفكرة أن تنجح، فسوف تكون رائعة، لأنه سيكون من الميسور التفريق بين زوجة الغني وزوجات الفقراء. فالنساء، في هذه الأيام، غنيات أو فقيرات، يشبه بعضهن بعضاً، جراء إنتاج الألبسة بالجملة. ولكن بعد بناء المصنع، ستميز زوجات الأغنياء عن زوجات الفقراء بامتلاك كل منهن فمين وقلبين أو أكثر، واثنين من الأشياء النسوية أو أكثر.‏

عندما سمعتها تذكر عضوين نسويين وتقول إنها ستكون قادرة على امتلاك عضوين بدلاً من واحد، أصابني الذعر. أخبرتها بصراحة أنه سيَّان عندي أن يكون لها فمان أو بطنان أو أضعافاً مضاعفة لأي عضو آخر من الجسم. أما أن يكون لها.. لا، لا! طلبت منها أن تنسى كل ذلك الهراء. ثم شرعت في المناقشة وقالت: إذا كان ذلك هو الوضع، فلن تسمح لي بالحصول على عضوين ذكريين. سألتها بمرارة: لماذا تريدين أن يكون لك اثنان؟ ومن أجل أي شيء تستخدمين اثنين؟ ردت علي: ولماذا تريد أنت اثنين؟ ومن أجل أي شيء تستخدمهما؟ إذا ملكت عضوين فسأملك أن عضوين بالضرورة. يجب أن نحقق مساواة بين الجنسين.‏

عند هذا، بلغت بالفعل حدود الغضب المفرط! طلبت إليها حمل مساواتها إلى أوروبا أو أمريكا. ولكننا هنا أفارقة، وعلينا الإلتزام بالثقافة الإفريقية. صفعتها على وجهها. راحت تبكي. صفعتها ثانية. ولكنْ عندما كنت على وشك أن أصفعها صفعة ثالثة، استسلمت. قالت: إنه يمكنني الحصول على ثلاثة أو عشرة وإنها تكتفي بواحد فقط.‏

أيها القوم، تمعنوا بذلك الحلم! كل غني يستطيع امتلاك فمين، وبطنين، وعضوين ذكريين وقلبين، وحياتين. ومن ثم فإن أموالنا ستشتري لنا الخلود! وسوف نترك الموت للفقراء. ها، ها، ها!‏

أحضروا التاج لي. فقد وجد التاج، بعد طول انتظار، صاحبه الحقيقي.‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:27 PM
الفصـل الثامـن




(1)‏

لم يعد بمستطاع "وارينجا" تحمل المشهد في الكهف أكثر من ذلك. كان الحديث يجثم على ذهنها ثقيلاً مثل قطعة من الخشب. وكانت أنفاس المتحدثين تفوح برائحة أسوأ من ريح بطن "الغرير" أو ريح بطن شخص أتخم معدته بتناول الفول العفن أو الموز المتفسخ من شدة النضج. ألمَّ بها دوار البحر. اعتذرت من "جاتويريا" وكذبت بقولها: إنها ستخرج لكي تلبي نداء الطبيعة. غير أن ماكانت تبغيه قبل كل شيء هو نفحة من الهواء العذب النظيف.‏

دارت "وارينجا" وذهبت إلى مؤخرة الكهف. سارت عبر فناء معشوشب وتسللت عبر سياج من الأزهار. ثم، وعلى الطرف الآخر من السياج، راحت تتمشى باتجاه شجيرة صغيرة كانت بمثابة علامة على بداية مضمار الجولف. جلست "وارينجا" فوق العشب واستندت على شجرة "وتل" سوداء، وهي تتنهد تنهدة عميقة، وكأن العبء رفع عن قلبها، ولكن الألم لم يبرح مكانه.‏

ندمت لأنها عادت إلى الكهف في جلسة الظهيرة. فالكلمات، وأزياء اللصوص، وتراتيل المديح الذاتي، كل هذه الأشياء ذكرتها بالمشاكل التي واجهتها منذ صارت امرأة حاملاً عن طريق ذلك الثري العجوز من "نجوريكا"، ثم ولدت طفلة من جراء ذلك.‏

آه، "وامبوي".‏

بذلك الوقت، كان والدا "وارينجا" قد هاجرا من "كامبورو" وأنشآا منزلاً في "ايلموروج" وأنجبا مزيداً من الأطفال. أما عبء العناية بالطفلة "وامبوي" فقد وقع على والدي "وارينجا". غير أنهما لم يضربا "وارينجا" أو يؤنبانها لأنها حملت قبل الزواج أو لأنها حاولت رمي نفسها أمام القطار. على العكس من ذلك، لقد انزعجا جداً من محاولة انتحارها، وكانا ينظران إلى "وارينجا" بشفقة لا حدود لها. كانت "وارينجا" دائماً تتذكر كلمات أمها لها: لقد قال أسلافنا إن الأحمق وحده يرضع ثديي أمه الميتة. يا وارينجا، هل تعرفين كم من امرأة تتشوق لطفل من صلبها دون الحصول عليه؟ الطفل عطية خاصة للرجل والمرأة- حتى المرأة العازبة. إن الحصول على طفل لا يشكل لعنة، وينبغي ألا تفكري ثانية بالقضاء على حياتك من أجل ذلك.‏

وبعد ولادة "وامبوي"، استمرت "وارينجا" في إرهاق والديها بطلبات النقود لدفع رسوم دورة مراسلة في الجامعة. درست في البيت مدة عام كامل. ثم خضعت لامتحانات "شهادة المدرسة"، ولكن عندما أعلنت النتائج، كانت قد شقت طريقها بصعوبة في الفئة الرابعة. وفي هذا الوقت اتبعت دورة السكرتاريا في "نيروبي"، ثم، وبعد أن طافت المدينة بحثاً عن عمل، حصلت على وظيفة بشركة "إنشاءات تشامبيون" التي طردت منها بعد أن رفضت الوصال مع "بوس كيهارا"،.‏

كانت "وارينجا" وهي تستند على شجرة "الوتل" في مضمار الجولف، تستعرض في ذهنها تفاصيل كل ماحدث لها منذ فصلها: جون كيموانا... صاحب المنزل- ملائكة الشيطان.. تجولها الأعمى في نيروبي... فقدان حقيبة يدها... موقف باص فندق "كاكا"... وتحمسها الجنوني لرمي نفسها تحت أحد باصات المدينة... ثم إنقاذها من قبل الغريب.‏

أين هو الغريب الآن؟ ولماذا لم يحضر إلى المهرجان؟‏

شعرت "وارينجا" وكأن هذه الأشياء كلها حصلت لشخص آخر قبل سنوات عديدة خلت ولكنها لما أدركت أن يومين كاملين لم يمرا على ذلك، شعرت بغتة بالمرض يعتريها. لقد رأت في مخيلتها لقاءها مع "جاتويريا" و "موتوري" و "وانجاري" و "مؤيريري وا موكيراي" في الليلة الفائتة. شاهدتهم جميعاً يستقلون سيارة "مواؤرا"، ويروون الحكايات بعضهم إلى بعضهم الآخر، ثم لقاؤهم في الكهف، كأناس متعارفين العمر كله، وعندما تذكرت حديثها مع "جاتويريا" على الغذاء، شعرت أن قلبها ينفرج قليلاً: أين تراها وجدت الشجاعة لكي تحكي له كل ما يتصل بعلاقتها مع الثري العجوز مع "نجوريكا"، وهي مسألة لم تطرحها لأي إنسان خارج أسرتها؟‏

لقد عرضت عدسة رأسها لها الحارس الذي أنقذها من عجلات القطار. أية مصادفة غريبة أن يكون "موتوري" والحارس شخصاً واحداً، بل الشخص نفسه! من هو "موتوري"؟ هل هو ملاك بأسمال رثة بالية؟ هل يمكن أن يكون هو الملاك الذي أنقدها من الباص في "تيروبي"؟ والشخص الذي أعطاها بطاقة دعوة مزيفة؟ لا، لقد أظهرت لها العدسة صورة دقيقة للرجل الذي أعطاها بطاقة الدعوة. رأت الملابس التي كان يرتديها، واسترجعت صوته وكلماته في ذاكرتها. ثم قالت لنفسها: حتى إذا رفض الرجل الحضور إلى المهرجان، فإنه مع ذلك قد قدم لي لفتة كريمة عن طريق إعطائي بطاقة لكي أتمكن من رؤية هذا العجب العجاب وأن لا أحاول قتل نفسي مرة ثانية لمصلحة هذه الطبقة الرذيلة والرجال الذين عزموا على قمع البلاد كلها واضطهادها.‏

لقد أرتها العدسة "نجيروكا"- الملاجيء المصنوعة من الورق المقوى وجدران "البوليثين"... ومجاري المياه. ثم أرتها العدسة صوراً متناقضة للمرتفعات الذهبية- المنازل الجميلة الفسيحة... والهواء العليل... ثم أعادتها إلى داخل الكهف لكي تريها وجوه الأجانب السبعة، وسيماء المتسابقين الجشعة، فتساءلت من جديد: ماذا سيحصل عندما يتجمع "موتوري" وعماله مع "وانجاري" ورجال الشرطة في الكهف؟‏

تثاءبت "وارينجا"، ثم مدَّت ذراعيها واستندت على الشجرة، وهي تشعر بالنعاس وكأن النوم يدبُّ في جفنيها. غير أن ذهنها كان يجري تمارين عقلية غريبة، كأنه بذلك منح ترخيصاً للتجول حيث يشاء، والقيام بكل ما يريده.‏

حدثت "وارينجا" نفسها بصوت مرتفع قائلة: لصوص محليون ودوليون تجمعوا في ملجأ واحد يتدارسون طرائق ووسائل تجريد الوطن كله من حقوقه- ذلك هو العجب العجاب الذي لم يشاهد من قبل! إنه أشبه بطفل يخطط لاستلاب أمه ويدعو الآخرين للمشاركة في الجريمة! ويحكي بلا ريب أن هنالك عالمين...‏

وقبل أن تتمكن من إكمال الفكرة، سمعت وارينجا صوتاً يقول... وهنالك عالم ثالث، عالم ثوري.‏



(2)‏

أصيبت "وارينجا" بالخوف والذعر. نظرت فيما حولها ولكنها لم تستطع رؤية أحد. وبعينين ناعستين تمكنت "وارينجا" من تمييز العشب الأخضر في مضمار الجولف وهو ينتشر ويمتد أمامها، متدحرجاً صعوداً وهبوطاً، ليضيع في شجيرات صغيرة عند الأفق. كانت خائفة. حاولت الوقوف، ولكنها أحست وكأنها مربوطة إلى الأرض والشجرة بأسلاك خفية من أسلاك التعب. توقفت عن المحاولة. وفجأة شعرت أنها تخلصت من الخوف، فقالت لنفسها: ليحدث ما يحدث، سوف أمتنع عن الهروب من صراع الحياة. وبشجاعة كبيرة، سألت الصوت الخفي:‏

من أنت؟‏

الصوت: أنا نفس جوالة، أدور الكرة الأرضية، وأزرع الشجرة التي تحمل ثمار المعرفة التي تمكِّن من يأكلها من التفريق بين الخير والشر.‏

وارينجا: شيطان الغواية؟‏

الصوت: أوه، بالطبع، لقد جرت العادة أن تكوني امرأة الكنيسة، كنيسة "الحديقة المقدسة"، في "تاكورو"، أليس كذلك؟‏

وارينجا: هكذا؟‏

الصوت: ذلك هو ماجعلك تعرفين شخصيتي بسرعة كبيرة.‏

وارينجا: أنا لا أعرفك.‏

الصوت: هل ستنكرينني أنت التي حاولت دائماً صلبي؟‏

وارينجا: قلت لا أعرفك. من أنت؟‏

الصوت: قلت لك إنني الروح الجوالة التي توزع المعرفة لتمكين الناس من التفريق بين الخير والشر. إنني أيضاً شيطان للغواية وقاض.‏

وارينجا: شيطان وقاض؟‏

الصوت: نعم، للأرواح.‏

وارينجا: وماذا تفعل هنا؟ أم تراك تخطط لمحاكمة أرواح الذين يتنافسون في فن السرقة واللصوصية؟‏



الصوت: وأنت، ماذا تفعلين هنا؟ إن من يصاحب الفاسد يصبح فاسداً أيضاً.‏

وارينجا: لقد جئت إلى هذا المكان لأرى منظراً مذهلاً حقاً،‏

الصوت: هل ثمة خلاف بين اللص وبين من ينظر إليه؟‏

وارينجا: إن "إيلموروج" موطني وبيتي.‏

الصوت: لماذا هي موطنك؟‏

وارينجا: أبي وأمي... بيتنا... إنها موطني لأن بيتي وأسرتي هنا.‏

الصوت: الأعمال المجيدة تناسب الفم الكبير، ولكن الفم الكبير لا يناسب المآثر الكبيرة.‏

وارينجا: ماذا تحاول أن تقول؟ هل تقصد أن "إيلموروج" ليست بيتي؟‏

الصوت: إن من ينظرون إلى "إيلموروج" كموطن لهم يظهرون وفاءهم من خلال أعمالهم. لمَّا شاهدوا منزلهم يحترق، صاحوا طلباً للنجدة. لقد ذهبوا بحثاً عن المساعدة.‏

وارينجا: من هم هؤلاء؟‏

الصوت: "وانجاري" و "موتوري" -ألم تعرفي؟‏

وارينجا: ليس عندي مكان ألوذ به.‏

الصوت: لأنك لست حارة ولست باردة. ولقد قلت آنفاً أن هناك عالمين.‏

وارينجا: كنت أردد قولاً مأثوراً فحسب.‏

الصوت: أنت لا تعرفين ماهما العالمان؟‏

وارينجا: العالمان؟ لا!‏

الصوت: ولكنك تدَّعين أنك متعلمة.‏

وارينجا: "كامبريدج" فقط. عندما كنت فتية كنت أحلم بتعلم كل شيء موجود في العالم. أردت أن أتسلق جبل المعرفة، أعلى جبل على الأرض، أن أتسلق وأتسلق حتى أقف على الذروة العليا، والعالم كله تحتي. ولكن ثقافتي اليوم قاصرة حتى عن ملء معدة صغيرة واحدة ليوم واحد فقط.‏

الصوت: إن التعلم إلى مستوى الشهادة الثانوية يظل تعلماً أيضاً. إن الخطأ يكمن في التعليم، فالأطفال في الوقت الحاضر يتعلمون كيف يغلقون أعينهم ويسدُّون آذانهم بحيث لا يرون حاجات الناس أو يسمعون صراخهم على الإطلاق. ومن يتعلم على الإستماع يصبح أصمَّ. إن غلال مثل هذه المدارس هي الغلال التي قيل فيها: "يا ويلتاه على هذا الجيل، فهم يملكون عيوناً ولا يبصرون، ويملكون آذاناً ولا يسمعون"! ذلك لأنهم تعلموا رؤية وسماع عالم واحد فقط. ماذا كنت تقولين عن عالمين؟ إنك تقصدين عالم السالبين وعالم المسلوبين؛ عالمي أرباب السرقة وضحاياها، عالم المضطِهدين والمضطَهدين، عالم من يأكلون ما أنتجه الآخرون وعالَم المنتجين أنفسهم.‏

وارينجا: من أنت؟ إنك تكرر نفس الأشياء التي كنا نحكيها في حافلة "مواؤرا" الليلة الماضية. أليست تلك الكلمات هي عين الكلمات التي قالها "موتوري" الليلة الفائتة؟‏

الصوت: هذان الاثنان يعرفان كل شيء عنه لأنهما سُلبا كل أسباب عيشهما.‏

وارينجا: "موتوري"، استلب؟ سلب ماذا؟ إنه ليس من أثرياء هذه البلاد.‏

الصوت: ماذا قلت لك الآن؟ إنك تملكين آذاناً ولا تستطيعين السماع وتملكين عيوناً ولا تستطيعين الرؤية.‏

إن نوع تعليمك قلبك رأساً على عقب. لقد توصلت إلى الإعتقاد بأن الغيوم هي الأرض والأرض هي الغيوم، وأن الأسود أبيض، والأبيض أسود، وأن الخير شر، والشر خير.‏

تسألين عما تم استلابه من "موتوري". أليس لدمائه وعرقه ثمن؟ أين علموك عن مصدر ثراء الأمم؟ من الغيوم؟ أم من أيدي الأغنياء؟ إن هؤلاء المجتمعين في الكهف يعرفون مصدر ثراء الأمم بصورة كافية. إذ إنهم يعرفون من أين يشربون الماء الذي لم يمضوا لإحضاره. ويعرفون أين يسدون مجرى الماء بحيث لا يصل إلى الموجودين في أسفل النهر. إنهم يعرفون أين يستطيعون شق الأقنية لتحويل مياه النهر بحيث لا تسقي سوى حقولهم الخصبة.‏

وذلك هو السبب في أنهم كلما اجتمعوا معاً، يتحدثون بصراحة وعلانية. إنهم يتقاسمون الحكمة القائلة، "أنا آكل هذا وأنت تأكل ذاك".‏

ألا تصدقيني؟ ولكن ألم تكوني داخل الكهف؟ وفيما أنا وأنت نتحدث هنا، ماذا تظنينهم يقولون هناك؟ اسمعي، وأنا سأحكي لك، فالحكماء كما يقال، يمكن أن يُلَقنوا الحكمة. في هذه اللحظة بالذات، وفيما نحن نتحدث، يقف "كيمينديري وا كانيوانجي" على المنصة. يجب أن تكوني هناك لمشاهدته. إن لفمه شكل منقار الثور الناقر ذي المنقار الأحمر، أو طائر القرادة. أما وجنتاه فناعمتان كوجنتي طفل وليد. وساقاه ضخمتان ومشوهتان مثل جذوع أشجار الموز العملاقة، أو مثل سيقان شخص يعاني من مرض الفيَّال. ولكن مرضه لا يعدو كونه مرض الجسامة الذي يتأتى عن الإفراط في تناول الطعام. ثم إن عنقه متشكل من طيات من الشحم، مثل جلد اليرقة الشعرية. ولكن هذا الجسم المدهش، وهذه السيقان والعنق، كانت مغطاة تغطية كاملة ببزة بيضاء اللون وربطة عنق أنشوطية.‏

لقد أسبغوا عليه إسم "كيمينديري" خلال مرحلة الطوارئ بسبب الطريقة التي درج عليها في اضطهاد العمال والفلاحين حتى الموت. كان "كيمينديري" في تلك المرحلة ضابط منطقة. ودرج على جعل الرجال والنساء يستلقون منبطحين أرضاً في صف واحد، ثم يقود سيارته من طراز "لاند روفر" فوق الأجساد. وعندما جاء الاستقلال، تسلق "كيمينديري" بسرعة السلم الإداري لكي يصبح سكرتيراً عاماً دائماً. ثم عمل مع شركات أجنبية، ولاسيما الشركات المرتبطة بالشؤون المالية. إنه يملك الآن مزارع لاتعد ولا تحصى. كما أن أعماله التجارية في الاستيراد والتصدير لاتعد ولا تحصى أيضاً. إن في جعبته عشرات الحيل والألاعيب. أما مهارته في السرقة واللصوصية فيمكن مشاهدتها من مسافات ومسافات.‏

إن من المحتمل اليوم تتويج "كيمينديري" ملكاً للسرقة واللصوصية الحديثة وخدمة الأجانب.‏

إن الأفكار التي ستمنحه الفوز على بقية اللصوص والسارقين تبين بجلاء تام أنّه يفهم بأن عرق العمال ودماءهم، إنما هي معينات الثروة التي لا تنضب. وهو لا يحاول تمويه الحقيقة. إنه يقول للمندوبين الآخرين: إن امتصاصنا لدماء العمال، واحتلابنا لعرقهم، والتهامنا لأدمغتهم- هذه الأنشطة الثلاثة ينبغي وضعها على قاعدة علمية. كما أن الخطة العلمية التي سيرسمها هي الخطة التالية: إنه يريد إنشاء حقل أبحاث- كمرحلة أولى في عملية طويلة الأمد -لكي يجرب فكرته ويختبرها. والفكرة بحد ذاتها بسيطة ومعقدة في آن معاً.‏

يعتزم "كيمينديري" إحاطة حقل الأبحاث بالأسلاك الشائكة، تماماً مثل الأسلاك التي كانت تستخدم لإحاطة معسكرات الاعتقال إبان مرحلة الطوارئ في كينيا الاستعمارية. إنه يخطط لكي يزرب العمال هناك مثل الحيوانات. سوف يثبِّت بعد ذلك آلات تعمل كهربائياً في أجسادهم من أجل احتلاب عرقهم أو الطاقة التي تنتج العرق، ودمائهم وأدمغتهم. ثم يجري تصدير هذه السلع الثلاث إلى الدول الأجنبية لتغذية الصناعات هناك. وسوف يحصل كيمينديري، مقابل كل عبوة من العرق أو الدم أو الدماغ، على نسبة ثابتة من السمسرة.‏

وارينجا: وكيف سيصدِّر السلع الثلاث؟‏

الصوت: سوف يبني خطوط أنابيب. وسوف يصب الدماء في الأنابيب وتضخه الآلات إلى البلدان الأجنبية المستوردة، تماماً مثلما يضخ النفط! والشركة التي تشرف على التجارة سوف تسمى شركة "مصدري كينيو-ساكسون" للدم البشري واللحم البشري.‏

وارينجا: ولكنْ ألن يرفض العمال السماح باستغلال أجسادهم على هذا النحو؟ ألن يرفضوا استلاب أرواحهم.‏

الصوت: ولماذا لم تمنعي جسدك أنت من الاستغلال؟... ومهما يكن، لن يعرف العمال مطلقاً ما يجري لهم. سوف لايرون أو يشعرون بتلك الآلات والأنابيب في أجسادهم. وإذا صادف وشاهدوها يوماً، فلن ينشغلوا بذلك العبء...‏

وراينجا: لماذا؟‏

الصوت: ذلك لأن "كيمنديرايي" هذا العالم ليسوا سخفاء كما تتصورين. سوف يريهم "كيمينديري" عالمين فقط، عالم الآكل وعالم المأكول. ولذلك لن يعلم العمال على الإطلاق بوجود عالم ثالث، هو عالم الإطاحة الثورية بنظام الأكلة والمأكولين. سوف يتبجحون دائماً في أن عالمي الأكلة والمأكولين، هما عالمان أزليان خالدان.‏

وارينجا: كيف له أن يخدعهم بتلك الطريقة؟‏

الصوت: سوف يشيِّد على المزرعة الكنائس أو المساجد، بحسب نزعة العمال الدينية. وسوف يوظف كهنة ورجال دين. وهؤلاء سيقرؤون في كل يوم أحد على العمال المواعظ التي تعلمهم بأن نظام احتلاب عرق الإنسان، ودمه ودماغه، نظام استلاب طاقة العمل الإنسانية والمهارات الإنسانية - إنما هو أمر قضى به الله، يرتبط بالخلاص النهائي لأرواحهم. لقد ورد في الكتاب المقدس: مباركون، أولئك الذين يتفجعون، لأنهم سينالون الراحة. مباركون أولئك الذين يجوعون ويعطشون بعد اتباع السراط المستقيم لأنهم سيشبعون. ومباركون أولئك الذين لايظنون السوء بأي إنسان، لأنهم سيرون الله. ومباركون أولئك الذين يتقيدون بالوصايا الأربع؛ لا تقتل، لاتكذب، لاتسرق، ولا تشتهي مالغيرك، لأنهم سيرثون ثروة الفردوس. إن نشيد حقل الأبحاث الرئيسي سيجري على الصورة التالية:‏

حتى إذا بكيت وتوجعت،‏

بسبب آثامك،‏

إذا لم تحمل الصليب،‏

فلن تنعم بالراحة أبداً.‏

هذا وسوف يبني "كيمينديري" أيضاً المدارس التي يتعلم فيها أبناء العمال بأن نظام امتصاص الدم البشري وأكل لحم البشر إنما هو نظام سائد مسيطر منذ نشوء الكون وسوف يظل سائداً إلى نهاية العالم، وأنه ليس ثمة شيء يقوى الناس على عملهم للقضاء على النظام. سوف يسمح للأطفال بقراءة تلك الكتب التي تمجِّد نظام شرب الدم البشري وأكل لحم البشر دون غيرها. ولن يسمح لهم بالتساؤل عن ظرف حياتهم أو حياة آبائهم، أو لعلهم يثيرون الشكوك والوساوس حول قداسة وضرورة اجتراع الدم البشري وأكل لحم البشر. إنهم سينشدون فقط تلك الأناشيد والتراتيل التي تمجد ذلك النظام ويقرؤون آدابه فقط.‏

سوف يبني "كيمينديري" أيضاً صالة كبيرة يتاح فيها للناس رؤية الأفلام والتسلي بالحفلات الموسيقية والمسرحيات، غير أن كافة تلك التسليات ستمجِّد أعمال وتراث وثقافة شاربي دماء البشر وآكلي لحومهم. إن ضحايا هذه الوحشية سوف يعرضون دائماً على أنهم سعداء وراضون كل الرضا.‏

سوف يصدر "كيمينديري" الصحف أيضاً، الصحف التي سيكون دورها تشويه سمعة من يعارضون نظام اجتراع دماء البشر وأكل لحومهم، وتمجيد صدقات "كيمينديري" وأصحابه. إنه لم يختر حتى الآن أسماءً للصحف، وإنما عناوين من مثل "أزمنة شامبو" وراية شامبو اليومية" و "أخبار وآراء شامبو الأسبوعية"، يمكن أن تعتبر مناسبة. كما أن "كيمينديري" سيبني مصانع للجعة، ونواد للمشروبات القوية والمشروبات الكحولية الأخرى، مثل شراب "تشانغ" والجعة لكي يصنع الكحولُ بلهاءَ ممن لم تفسدهم الطقوس الدينية الإسلامية أو المسيحية بعد.‏

وهذا يعني أن الكنائس والمدارس والشعر والأغاني والسينما وقاعات البيرة والنوادي والصحف سوف تعمل كلها بمثابة سموم لغسل الأدمغة.‏



هدفها إقناع العمال بأنه لايوجد في هذا العالم شيء عظيم ومجيد مثل الاستعباد لطبقة "كيمينديري"، بحيث يتطلع كل عامل إلى يوم حتفه، حين يصبح جسده سماداً من شأنه أن يجعل حقل التجربة أكثر إنتاجية دائماً. وستجعل سموم غسل الدماغ الثقافية والروحية والحضارية العمال يعتقدون بكل دقة أن إطاعة طبقة "كيمينديري" هي إطاعة لله، وأن إغضاب أو معارضة أسيادهم هما إغضاب ومعارضة لله نفسه.‏

ولكي يكون على الجانب المأمون، سوف يبني "كيمينديري" سجوناً ومحاكم وسوف يستأجر قوات مسلحة، بحيث أن كل من يعارض نظام "شامبا" القانوني أو يرغب في مغادرة تخوم حقل التجربة يعاقب بالسجن أو بالاعتقال في حفر من الظلام الحالك أو يضرب بالرصاص ويرمى للضباع على روابي "نجونج".‏

وارينجا: أكلة الرجال! هل ذلك ممكن؟‏

الصوت: هل نسيت الآن بأن تلك هي تعاليم كنيستك؟‏

وارينجا: وماهي؟‏

الصوت: هل نسيت أنها تقول: إن أكل لحم البشر واجتراع دماء البشر أمر مبارك على الأرض وفي السماء؟ أنت تضربين صدرك ثلاث مرات، فماذا تقولين؟‏

"ياحمل الله، الحامل خطايا العالم".‏

"ياحمل الله، الحامل خطايا العالم".‏

وارينجا: كلا، كلا! ليست هذه هي طريقة الأمر.‏

الصوت: تذكري القربان المقدس الذي تعودت، يا وارينجا، على أكله في كنيسة "الحديقة المقدسة" في "ناكورو". إن الكاهن يقول بعد أن يعطيك قطعة من الخبز:‏

هو ذا حمل الله، هو ذا حامل خطايا العالم‏

ثم يطلب منك القيام بذلك كما علَّم يسوع:‏

خذ، كل، هذا جسدي‏

افعل ذلك حتى أعود‏

"جسد المسيح، آمين".‏



والكاهن نفسه سوف يقدم لك بعدئذٍ خمرة حمراء وسيطلب منك أن تشربيها كما أوصى يسوع يوماً:‏

"اشربيها كلها، لأنها دمي. افعلي ذلك حتى أعود.‏

إلى دهر الداهرين، آمين".‏

وارينجا: ذلك هو طقس ديني فحسب. إنه ليس مسألة أن يأكل واحد الآخر، إن القربان المقدس يرمز إلى عيد الفصح.‏

الصوت: وما هو عيد الفصح؟‏

وارينجا: لا أدري، إنه مجرد واحد من أعياد اليهود والكنيسة المسيحية.‏

الصوت: لابأس. إن طبقة "كيمينديري" إنما تطبق فقط الرمزية الأساسية للديانة المسيحية. إن أتباع "كيمينديري" هم التلامذة الحقيقيون للمسيحية.‏

وارينجا: ليس الأمر نفسه...‏

الصوت: لماذا ليس نفسه؟ أليست تلك هي الديانة التي تطرح بأن العبد لايمكنه على الإطلاق أن يساوي سيده؟ أليست تلك هي الديانة التي تطلب من المضطهدين أن لايلتزموا بقانون "العين بالعين والسن بالسن"؟‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:29 PM
وراينجا: "العين بالعين والسن بالسن"؟ إلى أين سيصل العالم إذا قام عنف بهذا القدر؟‏

الصوت: لا يصبح الأمر عنفاً إلا إذا طالب الفقير استرداد عينه أو سنه. وماذا لو قلع "الكيمينديري" عيني الفقير بالعصي، أو جرحه بالأسواط؟ وماذا عندما يقلعون سن العامل بعقب البندقية؟ أليس ذلك عنفاً؟ ذلك هو سبب استمرار "الكيمينديري" و "الجيتوتو" و "النجونجي" بالعيش على حساب ملايين العمال. وأنتم ستستمرون في الذهاب إلى الكنيسة أو إلى المعبد كل أسبوع لكي تستمعوا إلى تعاليم العبودية.‏

أقول لكم‏

لاتقاوموا الشر‏

وإذا ضربك شخص على خدك الأيمن، فأدر له الأيسر أيضاً‏

وإذا رفع أي شخص دعوى ضدك،‏

وخلصك من سترتك‏

فأعطه عباءتك أيضاً.‏

خذي وضعك، على سبيل المثال. عندما استلب العجوز الثري من نجوريكا جسدك، ماذا فعلت؟ لقد اتخذت قراراً بعدم إعلان حرب. وقلت لنفسك إنه مادام قد استولى على جسدك، فإنه قد يأخذ حياتك أيضاً.‏

وارينجا: وماذا كان بوسعي أن أفعل غير ذلك؟‏

الصوت: كان بوسعك المطالبة باستعادة عينك وسنك.‏

وارينجا: أنا امرأة. وأنا ضعيفة. لم يكن ثمة ما أستطيع فعله، أو ثمة مكان أذهب إليه، ولا ثمة من أستطيع اللجوء إليه طلباً للمساعدة.‏

الصوت: ماالذي كنت تأملينه؟ هل كنت تأملين أن من اغتصبوك سوف ينقذونك من العبودية التي فرضوها بأنفسهم؟ إن مشكلتك يا "وارينجا" هي أنك لاتثقين بنفسك. ولم تعرفي قط من هو أنت! كنت ترغبين دائماً أن تظلي وردة نضرة تزينين بها حياة طبقة "بوس كيهارا". يا "وارينجا"، يا "جاكينتا وارينجا"، انظري إلى نفسك. انظري نظرة طيبة إلى نفسك. إن لك جسداً يافعاً بضاً. كما أن مباهج العمر كلها في انتظارك. وإذا لم تتعودي سفع شعرك بالأمشاط الحارة وسفع جلدك بالمراهم المبيضة مثل "آمبي" فإن روعة جسدك وحدها سوف تجر ألف قلب وقلب وارءها. إن سواد بشرتك أرق واشد نعومة وخفة من أغلى زيوت العطر. وان عينيك السوداوين أبهى من النجوم في الليل. كما أن وجنتيك أشبه بثمرتين أشد نضجاً من ثمر العليق. ثم إن شعرك شديد السواد وناعم وأملس بحيث أن كافة الرجال يحبون الاحتماء من أشعة الشمس في ظلاله.‏

أضيفي الآن قوة الثروة والملكية لقوة الشباب والجمال، وعندها تخلِّصين قلبك من كل المشاكل التي يكون الفقر وريثاً لها. سوف يركع الناس أمام جسدك، وسوف يكتفي بعضهم بلمس التراب الذي تدوسه قدماك، بينما يندفع آخرون إلى الوقوف على جانب الطريق على أمل أن يمسهم خيالك وأنت تعبرين.‏

وارينجا: وماذا يجب أن أفعل إذاً؟‏

الصوت: هيا، هيا، اتبعيني وسوف أرفعك إلى جبال "إيلموروج"، وسوف أريك كافة أمجاد الدنيا. دعيني أريك قصوراً مسيجة بالورود من مختلف ألوان قوس قزح، ودعيني آخذك بجولة لميادين "الجولف" المفروشة بالأخضر، وأدلَّك على النوادي الليلية حيث تتوفر الموسيقا التي تغوي وتسترد الطيور من كبد السماء، وأجري بك بسيارة تتحرك بخفة على الطريق العامة المزفتة بكل كياسة شاب يافع يتزحلق عبر جسد امرأة معطر. كل هذه العجائب ستكون ملكاً لك.‏

وارينجا: لي أنا؟‏

الصوت: سأعطيها كلها لك.‏

وارينجا: ستعطيها لي؟‏

الصوت: أجل، إذا ركعت أمامي وأنشدت آيات المديح لي.‏

وارينجا: ماهو اسمك؟‏

الصوت: أنا المضطهد، المستغل، الكاذب، والمغتصب. أنا معبود ممن يحبون التخلص من البضائع التي أنتجها الآخرون. أعطني روحك وأنا سأحرسها لك.‏

وارينجا: وتلك الأصوات التي أسمعها تتعالى بمديح- ذاتي في الكهف، هل تراها تنشد التراتيل لك؟‏

الصوت: آه، تلك. إن هؤلاء جميعاً أتباعي. ومكرهم عطية من عطاياي، ومقابل ذلك أعطوني أرواحهم لكي أحتفظ بها. ولذلك أعرف كل ما فعلوه في الماضي، وكل مايفعلونه اليوم، وكل ما سيفعلونه غداً، وبعد غد، وخلال السنوات القادمة. لماذا تتراجعين إلى الخلف؟‏

وارينجا: انصرف! اتركني وحدي، أيها الشيطان! خذ غواياتك وقدمها لقومك. لو أعطيتك روحي، ماذا يتبقى لي؟‏

الصوت: أنت لا تصدقينني، أليس كذلك؟ حتى بعد كل ما سمعته بأذنيك وشاهدته بعينيك. ألم تكوني هناك في الكهف؟‏

وارينجا: أجل، كنت.‏

الصوت: ألم تسمعي "مؤيريري" وهو يدلي بشهادته؟‏

وارينجا: أجل.‏

الصوت: ألم تركبي نفس السيارة التي ركبها الليلة الماضية؟‏

وارينجا: أجل. ويجب أن أقول: إن شهادته فاجأتني، لأنه، ونحن في السيارة، هو الذي كان يروي لنا الحكاية الرمزية عن الرجل المسافر إلى بلد بعيد واستدعى عبيده وأعطاهم بضاعته. إذ أعطى الأول خمسة مواهب والثاني موهبتين والثالث...‏

الصوت: .... أعطاه موهبة واحدة. أعرف الحكاية. فأنا قاريء نهم من قراء الإنجيل. وليس ثمة ما يخفى علي تحت الشمس. لقد كنت هناك في بداية الصراع في السماء. فأنا والله توأمان. هو رب الفردوس وأنا رب جهنم. وهذه الدنيا ميدان صراعنا؛ إنها المكان الذي أتصارع فيه مع الله حول استعباد أرواح الناس.‏

وارينجا: والدليل. أنا أحتاج الدليل.‏

الصوت: إنني أنتظر اليوم استلام "مؤيريري وا موكيراي"، الذي على وشك أن يقذف به داخل مملكتي من قبل أولئك الذي يريدون شراء بركاتي.‏

وراينجا: ماذا؟‏

الصوت: لن تري "مؤيريري وا موكيراي" على وجه الأرض مرة ثانية.‏

وارينجا: هل سيغتالونه؟ ولماذا؟ من سيفعل ذلك؟‏

الصوت: لسانه سيكلفه حياته. أليس هو الذي دعا إلى اعتماد قومي ذاتي في السرقة واللصوصية؟ ألم يطرح أن على اللصوص والسارقين المحليين أن يرفضوا اقتسام الغنائم مع الأجانب، وأن على كل لص أن يسرق أمه التي ولدته. لقد أثار بذلك غضب اللصوص القادمين من أمريكا وأوروبا واليابان فقالوا لبعضهم البعض: ألسنا نحن من أدخل السرقة واللصوصية الحديثة إلى هذا البلد؟ ألم نعلِّم هؤلاء الناس كل فنون السرقة واللصوصية الحديثة؟ ثم ألم نكن نحن من أعطاهم المواهب الضرورية للشروع بها؟ أما الآن فيريد "مؤيريري" أن ينقلب ضدنا، ويطالبنا أن نترك أمه له؟ ألم نكن نحن من احتفظ بأمه كخليله لنا، رغم أنه كان علينا اغتصابها في المقام الأول؟ ألسنا لانزال نحتفظ بها اليوم؟ والآن يطلب منا "مؤيريري" أن نحزم أمتعتنا ونترك له فخذي أمه، لقد اتخذ القرار في أن "مؤيريري وا موكيراي" يحب أن يضحى به مرضاة للأجانب وفي سبيل إقناعهم بعدم استبعاد مواهبهم مع كسرات الخبز عن المائدة.‏

سوف يتم اغتيال "مؤيريري" هذا اليوم.‏

وارينجا: من قبل من؟‏

الصوت: "روبين مواؤرا"‏

وارينجا: "مواؤرا"؟ صاحب سيارة ماتاتو، ماتاتا، أم أي "مواؤرا" غيره؟‏

الصوت: إن "مواؤرا" عضو من أعضاء ملائكة الشيطان.‏

وارينجا: ملائكة الشيطان؟ مواؤرا؟ كيف يمكن أن يكون ذلك؟ هذه لعمري أعجوبة تبز كل الأعاجيب! أقطاع الطريق الذين ركلوني خارج بيتي بالأمس في "جيريشو"؟‏

الصوت: لماذا أنت مندهشة جداً؟ هل تصورت أن "مواؤرا" لا يقوى على فعل مثل هذا؟ لا تندهشي ولا تتعجبي. فذلك عمل كان يقوم به دائماً. لقد بدأ ذلك إبان مرحلة الطوارئ. كان في تلك الأيام حارساً وطنياً بالغ التوحش. وقد اعتاد على العمل مع شرذمة من القتلة يتزعمها صاحب اللقب الأوروبي "نيانجويكو"، الذي اعتاد على إرهاب الناس في "وادي الريفت". ولكنه قبل الإنضمام إلى "نيانجويكو"، كان يعمل مع شرذمة أخرى من القتلة يقودها "كيمينديري"، نفس الرجل الذي يتغنون الآن بمدائحه الشخصية. جرت العادة أن يقبض "مواؤرا" خمسة شلينات ثمناً لرأس كل واحد من أتباع "الماو ماو" الذين يقتلهم. لقد كان "مواؤرا" يتحرى القرى في الليل. كان يتحرى النساء العجَّز، والأطفال، والشباب والشابات -دون تفريق. ومع ذلك، لم يكن الماو ماو يرتدون هويات شخصية على صدورهم. وفي الصباح، كان "مواؤرا" يحمل الرؤوس إلى "نيا نجويكو"، الذي يعطيه هبات سخية ثمناً للجريمة. وإن "نيانجويكو" في واقع الحال هو الذي أعطى "مواؤرا" سيارة "الماتاتو" التي يستخدمها للنقل بالأجرة. والآن، خذي هذا بعين الاعتبار: إذا كان يقتل من أجل خمسة شلينات آنئذ، فلماذا لا يفعل ذلك الآن؟ وقد وعده "كيمينديري" بسيارة جديدة.‏

وارينجا: لا أصدق هذا. لا أصدق أي شيء. لماذا تزعجني بحكايات تجعلني أستيقظ في وقت أحتاج به إلى نوم طيب قبل أي شيء؟ فلم أنم إلا لماماً في الأيام الأربعة الأخيرة.‏

الصوت: لأن... لأنني أريد أن أعطيك عملاً.‏

وارينجا: عمل؟ أين؟‏

الصوت: في "ناكورو"، "نجوريكا".‏

وارينجا: لا، لا! قف خلفي أيها الشيطان.‏

(3)‏

أفاقت وارينجا، بجسد مشدود متوتر من الخوف.‏

ها أنت هنا، نائمة مطمئنة بملء جفنيك، فيما كنت أندفع حول المكان بحثاً عنك، قال "جاتويريا".‏

لم تكن "وارينجا" أبداً على قدر من السعادة مثلما كانت في اللحظة التي فتحت فيها عينيها وشاهدت "جاتويريا" يقف بجانبها.‏

لقد استندت على هذه الشجرة، ولابد أن النعاس غلبني. قالت له "وارينجا" وهي تتثاءب. وقفت، ثم تمددت وتثاءبت من جديد. نظرت حولها بسرعة. لم أنم نوماً كافياً في الليلة الماضية. وعندما وصلت البيت، تحدثت حديثاً مطولاً مع والدتي.‏

كانت رحلة الأمس طويلة نوعاً ما. قالت "وارينجا" على سبيل الملاحظة، كما كانت سيارة "مواؤرا" تدب دبيب الطفل على طول الطريق ومثل خنفساء الروث.‏

خطر لها أن تروي "لجاتويريا" حلمها الغريب ثم قررت عكس ذلك، وهي تقول لنفسها: إن الحلم حلم وليس ثمة شخص لا تراوده الكوابيس من حين لآخر.‏

هل انتهى المهرجان؟ سألت "وارينجا" "جاتويريا" وهي تضحك لكي تتخلص من مخاوفها.‏

لا، ولكن دعينا نرحل، قال "جاتويريا". دعينا نذهب، أضاف بالإنكليزية. فجمرة النار تحترق عند مقبضها.‏

ماذا قلت؟ سألته وارينجا.‏

الكهف تعمه الفوضى، قال جاتويريا مقطباً. لقد جاءت الشرطة.‏

هل اعتقلوا "الجيتوتوز" و "الجاتيكات"؟ سألت "وارينجا" باستغراب. أوه سوف يكون ذلك رائعاً.‏

لا، ردَّ "جاتويريا" بصوت منخفض. لقد اعتقلوا "وانجاري".‏

وانجاري؟ هل اعتقلوها؟ ألم تذهب لإحضارهم بنفسها؟‏

أجل، لقد أخطأت "وانجاري" في الذهاب للبحث عن خرافها الضائعة مع أزلام اللص الذي سرقها، قال "جاتويريا" بغضب. لقد رأيتهم لتوي يغلُّون يديها بالأصفاد ويرمونها في مؤخَرَة سيارة سوداء اللون.‏

ولكنْ لماذا؟ سألت وارينجا.‏

لأنها، كما ادعوا، كانت تنشر الشائعات، وتزرع بذور النزاع في بلد يلتزم بالسلام والاستقرار.‏

تذكرت "وارينجا" حلمها الحديث العهد.‏

أي سلام؟ سألت "وارينجا" وسلام من؟ هل سيظل يحكى بأن سلام الوطن قد انتهك وتحطم كلما طالب الفقراء باستعادة عيونهم وأسنانهم فقط؟‏

لقد كانت أسئلة "وارينجا" بمثابة طعنة في صميم قلب "جاتويريا"، فتدفقت كلماته مثل نهر جارف تماماً يجد بقعة ضعيفة تتفجر عليها ضفتاه.‏

أوه، كان ينبغي أن تكوني هناك لكي تشاهدي منظر شرطة "إيلموروج" -رعاة السلام، حقاً!- وهم يهاجمون امرأة لاحول لها ولا قوة. لقد جاءوا بهراوات مشرعة، ودروع جاهزة، وبنادق ملقمة كأنهم في ساحة قتال يقودهم المدير العجوز "جاكونو". يا "وارينجا"، إنها حكاية ماكنت لأصدقها لو لم أكن موجوداً، وشاهدت المأساة كلها بأم عيني. إسمعي، لقد غادر "كيمينديري وا كانيوانجي" المنصة في هذه اللحظة-‏

تريث لحظة، قالت "وارينجا" وهي تقاطع كلام "جاتويريا". من قلت كان هناك؟ "كيمينديري وا كانيونجي"؟ هل كان هناك بالفعل شخص يحمل هذا الإسم أم أنها مجرد أحلام من قبلك؟‏

ليته كان حلماً، أجابها "جاتويريا". لقد كان "كيمينديري وا كانيونجي" بشحمه ولحمه هناك، غير أنه كان يصعب علينا أن نقول فيما إذا كان مخلوقاً بشرياً أو دودة سمينة لها شعر ومنقار. على أي حال، لقد أنهى لتوه مونولوجه، أو لعلكم تسألون هل هو (مونولوج أم اسهال في الكلام). لقد استهل حديثه بإعطاء تفاصيل كاملة عن ثروته، ثم راح يتبجح عن الطريقة التي أراد إنشاء مزرعة تجريبية بها للاستقصاء والتحقق عن إمكانية تصدير عمل عمالنا إلى البلدان الأجنبية عبر خطوط أنابيب واستكشاف إمكانية تصنيع أجسادهم في نهاية المطاف كسماد من أجل ضمان الإنتاجية الدائمة لمزارع الأغنياء هنا وفي الخارج. وفجأة شاهدت جميع الناس في الكهف يفغرون أفواههم، وينظرون إلي بعيون تبدو جائعة وعطشى للحم البشري والدماء البشرية، فانتابني الخوف وبدأت أبحث بيأس عن طريق النجاة...‏

أرجوك، دعنا نجلس أرضاً، صرخت "وارينجا". إن ساقيي تهتزان.‏

جلس الاثنان على العشب، وتابع "جاتويريا" حكايته.‏

عند ذاك فقط أقبل رجال الشرطة. كانت "وانجاري" أول من دخل الكهف. يتبعها مباشرة مدير الشرطة المسن "جاكونو". أوه، أنا لم أصادف في حياتي امرأة بمثل هذه الشجاعة! سارت "وانجاري" بصمت إلى أعلى المنصة، وأسكتت جميع من في الكهف بقوة ناظريها -اللتين تبدوان مثل ألسنة من لهب- ثم بدأت تقرِّع اللصوص بصوت لم ينم عن أي أثر من آثار الخوف: "هؤلاء هم الناس الذين اضطهدونا نحن الفلاحين، ومنعوا عنا اللباس والغذاء والنوم. هؤلاء هم الذين سرقوا التركة التي ورثناها عن "واياكي واهينجا" وعن "كيماثي وواكيروي"، وعن كافة الشباب البواسل الذين سفكوا دمهم لتحرير كينيا. وهؤلاء هم كلاب الحراسة الإمبرياليون، أولاد الشيطان. قيدوا أيديهم بالسلاسل. وقيدوا أطرافهم السفلى ثم ألقوا بهم في المعتقل الأبدي، حيث هناك صرير أسنان لا ينقطع! فذلك هو مصير كل من يبيعون الأجانب التركة الخاصة بآبائنا ومناضلينا المؤسيين.‏

يا "وارينجا"، كيف لي أن أصف لك المشهد بدقة؟ فقد بدا وكأن كل واحد في الكهف أُخذ أخذ عزيز مقتدر بطاقة كلمات- "وانجاري" الكهربائية. أوه، لقد كانت "وانجاري" رائعة، وهذا ما استطيع قوله لك. أوه، أجل، كان وجه "وانجاري" مشرقاً حين وقفت أمامنا جميعاً وتراءى لنا أن شجاعتها أزالت سنوات من جسدها وأمدَّتها بحياة جديدة. لكأن نور وجهها كان يضيء قلوب كافة الموجودين، كما كان صوتها يحمل قوة وسلطة القاضي والحكم بين الناس.‏

ثم رأيت رئيس المراسم يقف ويوجه نظره إلى مدير الشرطة، الذي كان يقف هناك صامتاً ودون حركة: عمَّ هذا كله، يا مدير الشرطة "جاكونو"؟ هل هو انقلاب أم ماذا؟ سأله بحنق وغضب. أما "جاكونو"، وقد اتخذ وضعية الاستعداد، فألقى التحية وبدأ يقدم الاعتذارات ويترجى الغفران بصوت متهدج. راح يتكلم وكأن الخوف قد اخترق لحمه وعظامه، ولم يكن يعرف استخدام النقطة أو الفارزة وقال: آسف، يا سيدي، آسف بصدق في إخباركم الحقيقة فأنا لم أكن أعرف أنكم أنتم الناس الذين تجمعوا هنا، اعتقدت أنهم اللصوص والسارقون العاديون التافهون من "نجيروكا" أولئك الذين يعبثون بأملاككم ويقتحمون في بعض الأحيان المصارف التي تخص الأجانب من نوع الضيوف الموجودين هنا. لقد قدمت لنا تلك المرأة تقارير تفيد في أن اللصوص والسارقين الذين أقلقوا البلد وسببوا إفلاسها قد تجمعوا كلهم في هذا العرين وأنهم يتبجحون بأعمالهم. أعتذر مرة ثانية وأريد منكم أن تعرفوا بأن الخطأ لم يكن بالفعل خطأي فلقد تلقيت يوم الأحد مكالمة هاتفية من "نيروبي" تفيد بأن هنالك امرأة قد تدلي بمعلومات حيوية عن اللصوص والسارقين ولذلك فإنني عندما رأيت تلك المرأة....‏

لابأس، قاطعه رئيس المراسم. سوف نتحدث عن ذلك فيما بعد ونلقي اللوم على الخصم الذي خطط لهذا كله كي يبذر الخلاف فيما بيننا وبين أسيادنا الأجانب Kitula cho Kimo Nguani zetn‏

ينبغي أن نكون أكثر اعتماداً على النفس، أليس كذلك؟ سوف نواجههم بصلابة ونجتث من يعتقدون أنهم أكثر براعة منا. لقد شكلت هذه الدراما المخجلة التي يجري تمثيلها أمام ضيوفنا الدوليين إحراجاً كبيراً لنا. قم بعملك، أيها المدير. Wembe mi ule ule. تصرف كما تتصرف في غضبك، ثم عد وحيي ضيوفنا الأجانب على كأس من الويسكي.‏

أطلق "جاكونو" صافرته. تزاحم رجال الشرطة داخل الكهف، مسلحين بالعصي والبنادق. أشار "جاكونو" إلى "وانجاري"، فاندفعوا نحو المنصة وهاجموها ثم قيدوا يديها. ولكنها حتى عندما انقلبت الكارثة عليها، لم تظهر أي خوف أو وجل. سألت فقط، وبصوت هادئ رزين: إذاً أنتم، قوات الشرطة، خدام طبقة واحدة فقط. إنني إذ أفكر كيف ذهبت بكل غباء وعهدت بحبي لبلادي لجرذان خائنة تعشق افتراس الروح الوطنية! ثم رفعت "وانجاري" صوتها تنشد الأغاني وهم ينخسونها ويدفعونها بعصيّهم وهراواتهم ويصفعونها!‏

إذا سمعتم أبداً صوت قطرات المطر‏

فلا تظنوه مطراً راعداً.‏

لا، سيكون هذا دمنا، نحن الفلاحين‏

ونحن نقاتل من أجل تراب الوطن.‏

واقتيدت "وانجاري" إلى الخارج، وهي لاتزال تنشد تحديها ومقاومتها، فيما ارتفعت يداها المقيدتان عالياً فوق رأسها، وحلقات السلسلة الحديدية تلمع كأنها عقد الشجاعة. "وانجاري"، بطلة بلادنا!‏

توقف "جاتويريا"، وكأن صوت "وانجاري" الشجاع يرن في أذنيه.‏

وانجاري، يا بطلة بلادنا! كرر "جاتويريا" ذلك ثانية بروية وتمهل. في ذلك الوقت بالذات، وفيما أنا أجلس مشدوهاً ومصعوقاً بالجريمة التي ارتكبت أمام ناظري، رأيت "جاكونو" يعود إلى الكهف. كان يهمهم بالكلمات، امرأة مجنونة، مجنونة! ثم مضى إلى المائدة التي يشغلها رئيس المراسم مع الضيوف الأجانب وجلس ثم أخذ يتحدث ويضحك وهو يشرب كأساً من الويسكي، وقف "مؤيريري وا موكيراي" وطلب الإذن بالدفاع عن نفسه في وجه بعض الكلمات التي صدرت عن رئيس المراسم. لم يسمح له بالكلام. ابتعد غاضباً مهتاجاً ووقف على مائدة "مواؤرا". طلب من "مواؤرا" اللحاق به إلى فندق "قوس قزح الأخضر"، لأنه كان يرغب في العودة إلى بيته ذلك المساء بسيارة الماتاتو، ماتاتا، ماتامو. ووعد "مواؤرا" بأنهما لن يختلفا بخصوص الأجرة.‏

لما كان "مؤيريري وا موكيراي" على وشك الذهاب، نظر إلي، وتوقف عن الكلام، ثم قال بمرارة: إنك ترى الآن خطر الوثوق الأعمى بالنساء من ذلك القبيل! إياك أن ترمي دررك أمام الخنازير!‏

لم ينتظر جواباً، ولكنه رحل في الحال. وفجأة شعرت بغضب محترق في داخلي، فجريت خلفه لكي أحكي له أمراً أو أمرين وإن توصلنا للضرب. غير أنني لم أستطيع العثور عليه. وبينما كنت أقفَ هناك، متسائلاً عن المكان الذي ذهب إليه "مؤيريري"، رأيت "روبين مواؤرا" ورئيس المراسم "وكيمينديري وا كانويانجي" يخرجون من الكهف. يتحدثون حديثاً مفعماً بالحيوية كأنهم أصدقاء قدامى. كان "كيمينديري" يقول "لمواؤرا": أجل، أجل، لقد عرفتك لحظة رؤيتك. وتذكرت نوع العمل الذي دأبت على القيام به قبل الانضمام إلى "نيانجويكو".... ابتعد الاثنان قليلاً ثم توقفا، غارقين في حديث خاص. لم أستطع سماع كل ماقالاه، غير أن بعض الكلمات كانت تصل مع الريح إلى مكان وقوفي. "ملائكة الشيطان.... رجال أعمال خصوصيون... واحد منهم... اليوم... هذه الليلة... إهتف لهم... أجل، سوف يقابلونك على الطريق... "كينيني"... ولم أنتظر سماع المزيد. بدأت أبحث عنك فقط، لكي أبعدك عن هذا المكان.‏

إن مارأيته حتى الآن هو أكثر من كاف بالنسبة لي.‏

لاذ "جاتويريا" بالصمت. أما "وارينجا" فكان قلبها يدق، لأن ماوقع في الكهف يرتبط، كلمة كلمة وفعلاً بعد فعل في أغلبه، ارتباطاً وثيقاً بما جرى لها في الحلم. فهل يمكن أن لايكون حلماً وإنما ضرب من ضروب الكشف؟‏

وماذا عن "موتوري" ومن معه؟ "وارينجا" سألت "جاتويريا" .‏

لم يكن "موتوري" قد وصل وقت مغادرتي للمكان. أجابها "جاتويريا".‏

لو جاء إلى الكهف الآن، ألن يعتقل أيضاً؟ سألت "وارينجا".‏

لا أعرف، يبدو لي أنني لم أعد واثقاً من أي شيء بعد الآن. قال "جاتويريا". فالأشياء تزبد في رأسي مثل زبد يطبخ في وعاء.‏

لم يكن ذلك في رأس "جاتويريا" فقط فقد كانت "وارينجا" هي الأخرى تقلب أموراً عديدة في ذهنها. كانت تناقش عدداً من الأسئلة. هل يتعين عليها إخبار "جاتويريا" عن حلمها؟ كيف يستطيعان مساعدة "موتوري" للنجاة من الأغلال واحتجاز الشرطة؟ وماذا تستطيع عمله للحيلولة دون قتل "مؤيريري واموكيراي" من قبل "روبين مواؤرا" وعصابته من ملائكة الشيطان؟ كيف لها أن تتيقن من أي شيء فيما هو أولاً وأخيراً مجرد حلم ليس إلا؟‏

قررت "وارينجا" ألا تخبر "جاتويريا" عن حلمها، غير أنها ستفعل ما بوسعها لمنع "مؤيريري وا موكيراي" من السفر بسيارة "مواؤرا" تلك الليلة. إن ما يتعين عليهما فعله فوراً هو منع "موتوري" من الحضور إلى الكهف.‏

دعنا نذهب ونحذر "موتوري" من الخطر الذي يتربص به! اقترحت ذلك "وارينجا". دعنا ننقذه من مصير "وانجاري" قبل فوات الأوان.‏

(4)‏

راح "جاتويريا" و "وارينجا" يتمشيان باتجاه نجيروكا، وكل يحمل حملاً خاصاً من الأفكار والوساوس.‏

سيطرت صورة "وانجاري" وهي في زنزانة الشرطة بيديها وساقيها المغلولة بالأصفاد على أفكار "جاتويريا".‏

أما هواجس "وارينجا" فكان يهيمن عليها صوت "مؤيريري وا موكيراي" وهو يروي لهم قصة الرجل الذي كان مسافراً إلى بلد بعيد وكيف استدعى خدمه وعبيده، عند عودته، لكي يقدموا بياناً عن المواهب التي تركها لهم...‏

ثم إن من تلقى موهبة واحدة جاء وقال: أيها السيد، أنا أعرفك. وأعرف أنك شديد البأس، تحصد حيث لم تبذر وتجمع حيث لم تحصد...‏

توقفت "وارينجا" بغتة وشدت "جاتويريا" من كمه. توقف "جاتويريا" أيضاً وسألها ما الأمر؟‏

استمع لأصوات الناس وهم ينشدون أغنية جديدة!‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:34 PM
الفصـل التاسـع



(1)‏

سقطت أشعة شمس الغروب على مرتفعات "إيلموروج" الذهبية كأنها ألسنة نيران تنعكس على حديد السيوف والرماح المتألق. وقف "جاتويريا" و "وارينجا" على سجادة مضمار الجولف المعشوشبة والخاصة بمدينة "إيلموروج"، وعينا كل منهما وأذناه مشدودة نحو الطريق إلى "نجيروكا"، الذي كانت تصدر عنه أصوات كلمات الأغنية‏

تعالوا جميعاً‏

وشاهدوا المنظر العجيب‏

منظرنا ونحن نطارد الشيطان‏

مع كافة تلاميذه‏

تعالوا جميعاً!‏

لابد أن ذلك هو "موتوري" مع جمهوره، قال "جاتويريا".‏

دعنا نحث الخطى إذاً، أجابت "وارينجا" ثم راحت تجري نحو الأصوات، وبعد ذلك أخذت الأصوات تقترب وتقترب، وهم لايزالون ينشدون‏

تعالوا جميعاً‏

وشاهدوا العجب العجاب‏

منظرنا ونحن نطارد الشيطان‏

مع كافة تلاميذه‏

تعالوا جميعاً!‏

وبعد دقائق معدودة، كانا يقفان إلى جانب الطريق الذي كان يخترق "إيلموروج" مذهولين بالمنظر العجيب أمامهم.‏

كان هنالك موكب طويل من النساء والأطفال والرجال أمام عيونهم. وكان هذا الموكب يشق طريقه نحو الكهف. كما كان كثيرون من الأطفال يركضون بجانب أرتال الناس، بعضهم يتواثبون بينما يشارك الآخرون في الغناء والإنشاد.‏

ياله من موكب طويل، قال "جاتويريا"‏

يبدو وكأن "موتوري" جمع كل أهل نجيروكا سوية! ردت "وارينجا"‏

لاأعرف فيما إذا كنا سنتمكن من رؤية "موتوري"، قال "جاتويريا"‏

دعنا نقف هنا ونعلِّق الأمل على أن يرانا "موتوري" ويأتي إلينا، قالت وارينجا.‏

وحتى لو أخبرناه عن الشرطة، فالأمر سيَّان، قال "جاتويريا".‏

لماذا؟ سألت "وارينجا".‏

لأنني لا أرى أن هذا الجمهور سينسحب. رد "جاتويريا".‏

وقف الاثنان على جانب الطريق، يراقبان الموكب الطويل وينتظران "موتوري". كان الناس لايزالون يتوافدون، بعضهم يغني، وبعضهم يصفر، والبعض الآخر ينفخ الصافرات والأبواق الرخيصة الثمن، ولكن ذلك كله متوافق مع النشيد. كما كانت خطواتهم وحركاتهم تتماشى مع إيقاع الأغنية. كان كثيرون يلبسون الثياب البالية وأكثر منهم حفاة القدمين. غير أنه كانت هنالك مجموعة صغيرة في الموكب ترتدي ثياباً أفضل، من قمصان نظيفة، وسترات وسراويل.‏

شعرت "وارينجا" فجأة أن قلبها لم يعد يدق. ولم تكن تعرف ماإذا كانت تصدق دليل عينيها. لكأنها عادت إلى حلم ليس له بداية أو نهاية.‏

انظر، انظر، صرخت "وارينجا" وهي تلفت انتباه "جاتويريا". انظر إلى الرجل الذي رأيته بالأمس! قالت "وارينجا" وكأنها تغني.‏

ولكن من؟‏

الرجل الذي أعطاني بطاقة الدعوة المزيفة عند موقف باص فندق "كاكا" هل تستطيع رؤيته؟‏

أين؟‏

هناك، بين المجموعة التي تبدو بلباس أفضل قليلاً. الرجل ذو اللحية الصغيرة المشذبة.‏

انتظري لحظة! قال "جاتويريا". أنا أعرفه!‏

من هو؟ سألت وارينجا.‏

إنه أحد طلاب الجامعة!‏

هل هو طالب؟‏

أجل، إنه قائد اتحاد طلاب جامعة "إيلموروج"‏

ماتراه يعمل في الموكب؟ سألت "وارينجا"‏

لعله واحد منهم، أجاب "جاتويريا"‏

إذاً، هل كان ادعاء "مؤيريري وا موكيراي"، في أن البطاقات المزيفة التي أطلقت على هذا الاحتفال اسم مهرجان الشيطان إنما صدرت عن طلاب الجامعة، هو ادعاء صحيح؟ سألت "وارينجا".‏

هناك وفي تلك اللحظة، فتحت حقيبة يدها وتناولت البطاقة التي أُعطيت لها من قبل الطالب مع البطاقة التي أعطاها لها "مؤيريري وا موكيراي". قارنتهما بسرعة، كأنها تراهما لأول مرة، ثم أعادتهما إلى الحقيبة.‏

أعرف الآن، دون ريب، من هم الذين وضعوا البطاقة المزيفة داخل مكتبي في الجامعة! قال "جاتويريا" وهو يحرك رأسه. كان كل شيء انكشف له الآن.‏

راقب الاثنان الموكب، وذهناهما مشغولان بالتساؤلات.‏

كان بعض الناس يحملون يافطات عليها شعارات مختلفة: نرفض نظام السرقة واللصوصية؛ فقرنا ثراء لهم؛ اللص والساحر توأمان؛ أمهم هي الاستغلال؛ لقد أعدّت خلية النحل التي سندحرج فيها السارقين واللصوص على منحدرات تلة الموت من قبل العمال؛ ماهي أكبر سرقة؟ إنها سرقة عرق ودماء العمال! وماهي أكبر لصوصية؟ إنها سلب دماء الجماهير! ويافطات كثيرة أخرى لايمكن تمييزها بسهولة من قبل شخص يقف على جانب الطريق. وأما من لايحملون يافطات فكانوا يحملون العصي على أكتافهم مثل البنادق.‏

هذا في الحقيقة جيش! قال "جاتويريا".‏

جيش من العمال؟ سألت "وارينجا".‏



أجل، والفلاحين وصغار التجار والطلاب... بقيادة العمال... إنهم ينقلون المعركة إلى الكهف! أضاف "جاتويريا".‏

ضحكت "وارينجا" لما تخيلت المعركة التي ستنشب في الكهف بين قوى العمال وقوى السارقين واللصوص.‏

عند هذا كان كثيرون ممن تصدروا الموكب قد تجاوزوا "وارينجا" و "جاتويريا"، فقالت "وارينجا" "لجاتويريا": هل يمكن ألا يكون "موتوري" بينهم؟‏

(2)‏

وكأنه إجابة عن سؤال "وارينجا"، وقع بصر "موتوري" عليهما في تلك اللحظة، فترك الموكب وأقبل نحو مكان وقوفهما، أخذ "موتوري" يتكلم بسرعة ودون توقف، كان نهر كلماته فاض وفجَّر ضفتيه.‏

هل تغادران بهذه السرعة الكبيرة، في حين أن المعركة بدأت تواً؟ هل تريدان أن يفوتكما مشهدنا الغريب ونحن نطرد طائفة المستغلين من عرينهم في الكهف؟ انظرا إلى قومنا وهم يضربون بخطى ثابتة وكبرياء على الأرض كأنهم يعيرون آذاناً صاغية لنداء الجماهير‍‍! لقد وجدت أن معظم العمل التحضيري تم عن طريق عمال "إيلموروج" أنفسهم. لقد ساعدت قليلاً. هل ترون تلك المجموعة التي تبدو بثيات لابأس بها؟ أولئك هم طلاب "إيلموروج" من المدارس المجاورة ومن الجامعة. هذا شيء رائع حقاً!‏

إن أجيال المستقبل ستتغنى بهذا اليوم من أسطحة المنازل وقمم الأشجار والجبال، من "كينيا" إلى "إيلجون"، ومن "إيلجون" إلى "كيلمنجارو"، ومن روابي "نجونج" إلى "نيانداروا". فلقد وجدت أنا، "موتوري وا كاهونيا مايثوري" الطلاب والعمال يحضرون مسيرة، ويحضون كل من يعيش في "نجيروكا" للانضمام إليهم في سبيل مهاجمة السارقين واللصوص المحليين وضيوفهم الأجانب. نقلت لهم المعلومات التي جمعتها سابقاً، وطلب مني إلقاء كلمة. تجولنا في كل ركن من أركان "نجيروكا". وما أن يسمع أي في أنني سبق أن سمعت اللصوص والسارقين وهم يتبجحون، حتى يذهب في الحال للحصول عل عصا ويعود لكي ينضم إلى الموكب والهتاف. ماذا أقول لكما أكثر من ذلك؟ هاتوا أبواقكم لكي نتمكن من الضرب عليها تمجيداً لهذا اليوم العظيم. تعالوا ودعونا نحتفل معاً. هيا، ودعونا نمشِ بكبرياء وأنفة، ذلك لأن بعض شبابنا المتعلم شنفوا آذانهم وأصاخوا السمع بصرخة الشعب! لقد فتحوا عيونهم وبدؤوا يبصرون النور الذي يشع من منظمة العمال والفلاحين العظيمة! هل عادت "وانجاري"؟‏

جئنا لملاقاتك! قال "جاتويريا" حين سنحت له الفرصة للتفوه بكلمة واحدة.‏

لماذا؟ أين هي "وانجاري"؟‏

لقد اعتقلت "وانجاري" من قبل الشرطة، قالت له "وارينجا".‏

اعتقلت؟‏

أجل، من أجل نشر الإشاعات التي قد تبعث أعمال العنف وتعرض السلام، والاستقرار في البلاد للخطر! قال "جاتويريا".‏

أين اعتقلت؟ في الكهف؟‏

أجل، أجابت "وارينجا".‏

طفق "موتوري" يتكلم الآن بألم ومرارة: أنا كعامل أعرف جيداً أن قوى القانون والنظام هي إلى جانب من يسلبون العمال نتاج عرقهم، وإلى جانب من يسرقون الغذاء والأرض من الفلاحين. إن السلام والنظام والاستقرار الذي يدافعون عنه بالعربات المدرعة هو سلام ونظام واستقرار الأغنياء، الذين يقيمون الولائم على الخبز والخمرة المستلبة من أفواه الفقراء. أجل، إنهم يحمون الأكلة المستغلين من غضب العطاش والجائعين. هل سبق أن شاهدتم رب عمل يهاجم من قبل القوات المدرعة بسبب رفضه زيادة رواتب العمال؟ وماذا عندما يقوم العمال بإضراب؟ أو يملكون الجرأة للحديث عن العنف! من تراه يزرع بذور العنف في هذه البلاد؟ ذلك هو ما جعلني أريد أن تحضرهم "وانجاري" وترى بنفسها، بحيث تتبخر وتتلاشى كل شكوكها الكامنة، فتوجه السؤال لنفسها: هل رأيت في حياتي الشرطة ترسل لإسكات الأغنياء؟‏

إسمع، قال "جاتويريا" بسرعة، لقد جئنا لتحذيرك من أنه يمكن أن تعتقل أيضاً. إن رئيس شرطة "إيلموروج" موجود في الكهف.‏

يسعدني أنكما أتيتما لتحذيري، رد "موتوري" ببطء، متأثراً بشكل واضح بهذا التلميح، إن عملكما مصدر فرح كبير لي. أنتما وأنا التقينا في سيارة أجرة "ماتاتو" الليلة الماضية فقط ومع ذلك جئتما لإنقاذي من الخطر. ولكنني لن أهرب. سوف لانهرب جميعاً. وبالنسبة لنا نحن العمال ليس ثمة تراجع- فأين نستطيع أن نهرب؟ دعوني أقل لكما، أنا على ثقة بأن نظام السرقة واللصوصية لن ينتهي مطلقاً في هذا البلد مادام الناس يرهبون البنادق والهراوات. علينا أن نناضل ونحارب ثقافة الخوف. وليس هناك سوى علاج واحد: ألا وهو منظمة قوية للعمال والفلاحين في البلد مع الذين عيونهم وآذانهم مفتوحة ومتيقظة الآن. لقد بين هؤلاء الطلاب الشجعان الطريق أو الجانب الذي يؤديه التعليم. يا صديقيَّ، يجب أن تأتيا وتنضما إلينا. ادعمونا بثقافتكما، ولا توليا الشعب الأدبار. تلك هل الطريقة الوحيدة.‏

(3)‏

ما إن قال "موتوري" هذا حتى ترك "جاتويريا" و"وارينجا" وهرع للانضمام إلى موكب العمال من جديد.‏

نظر كل من "جاتويريا" و "وارينجا" إلى بعضهما. لقد أصابت كليهما الرعدة من دعوة "موتوري" للسلاح.‏

قبل هنيهة، وفيما كانا يأكلان اللحم ويشربان الجعة في "نجيروكا"، لم يكونا ليفكرا أنهما يمكن أن ينضما لموكب من العمال الحفاة بثيابهم البالية وهم في طريقهم لمهاجمة الكهف بالعصي واليافطات. أما الآن فقد كان صوت أحد العمال يناديهما أن يختارا الجانب الذي سيستخدمان به علمهما وثقافتهما.‏

قبل هنيهة، وعلى الرغم من اشمئزازهما من الحديث في الكهف، فقد كانا يميلان إلى اعتبار هذه الأشياء في عالم منفصل تماماً عن عالم حياتهما، أما الآن، فكان صوت أحد العمال يناديهما، ويقول لهما: إن ما من إنسان يمكن أن يسير في طريقين بآن واحد.‏

قبل هنيهة، كانا يعتبران نفسيهما مشاهدين لرقصة يرقصها الآخرون. أما الآن فكان صوت أحد العمال يحضهما على دخول الميدان، وألا يقفا على الطرف ويراقبا رقصة الناس التي تؤدى الآن.‏

سأل "جاتويريا" نفسه: أين نقف نحن العمال المثقفين؟ هل إلى جانب المنتجين أم إلى جانب من يعيشون على إنتاج الآخرين؟ هل نقف إلى جانب العمال والفلاحين أم إلى جانب الطبقة المستغلة؟ أم نحن مثل الضبعة التي جربت السير على طريقين مختلفين في آن واحد؟‏

كانت "وارينجا" تتعرض لاختبار عواطف وانفعالات مشابهة وتجري وراء أفكار مشابهة: نحن الذين نعمل كتبة، ضاربي آلة كاتبة وسكرتاريا، على أي جانب نحن؟ نحن الذين نضرب على الآلة الكاتبة ونتلقى الإملاء من "بوس كيهارا" ومن على شاكلته، مع أي جانب نحن في هذه الرقصة؟ هل نحن إلى جانب العمال أم إلى جانب الأغنياء؟ من نحن؟ من نحن؟ مرات كثيرة سمعت النساء تقول: مؤسستنا تفعل هذا وذاك، ونحن نستخدم عمالاً كثيرين في شركتنا، عمالاً يجنون المبلغ المرقوم، شركتنا حققت هذه الأرباح الكثيرة، بينما وهم يتكلمون، قد لايملكون سنتاً واحداً يدفعون فيه أجرة الباص في المساء. نعم، كثيراً ما سمعت فتيات يتبجحن بالحديث عن أسيادهن وأرباب عملهن، وعندما يبحث الإنسان بدقة لمعرفة ما يتبجحن به، لايستطيع أن يجد شيئاً. إنها بضع مئات من الشلينات تدفع شهرياً لامرأة تعيل أطفالها ونحن نسمي هذا راتباً؟ وفي مقابل هذا القليل ضحيناً بأربعة أشياء:‏

أولاً، سواعدنا. أجل فنحن الذين نطبع كل وثائقهم ورسائلهم. وأيدينا تصبح أيديهم، وقوتنا تصبح قوتهم.‏

ثانياً، عقولنا. أجل، وذلك لأنه ليس هنالك رب عمل يريد فتاة بأفكار مستقلة وموقف مستقل، ولايكون رب العمل سعيداً مع سكرتيرة تناقش الأمور وتسأل عنها، أو تفتح عينيها بصورة كاملة لترى مايحدث لها من قبل "بوس كيهارا"! فرب العمل دائماً على حق وصواب: "علقي دماغك من أصابعك أو فخذيك"!‏

ثالثاً، إنسانيتنا. أجل، لأن "بوس كيهارا" ومن على شاكلته يتخلصون من إحباطهم معنا. عندما يتخاصمون مع زوجاتهم في المنزل، يجلبون غضبهم إلى المكتب؛ وعندما لاتسير الأمور مسارها الصحيح في العمل، فإنهم يجلبون كل غضبهم وحنقهم إلى المكتب. نحن نهان، ولكننا نظل هادئين لأن المفروض أن لنا قلوباً لا تحركها الدموع بسهولة.‏

رابعاً، أفخاذنا. أجل، لأنه وباستثناء المحظوظات والقلائل، فإن أكثرنا يحصل على العمل فقط عن طريق السماح لأمثال "بوس كيهارا" بتمسيد وضرب أفخاذنا. نحن زوجاتهم الحقيقيات... ولكن لسنا بالطبع زوجاتهم الشرعيات! أجل، نحن زوجات توضع في سيارة ب.م.و. في مشوار نهاية الأسبوع إلى مسلخ من المسالخ! وبعد كل شيء، هنالك فرق بين الماعز الذي يذبح والماعز الذي يربى.‏

من نحن؟ من نحن؟ من نحن؟ طفق قلب "وارينجا" يدق بانتظام رداً على سؤالها، وهي تنبش مشاكل لايستطيع أحد أن يوفر حلولاً لها لأنها تتعلق بالقرار الذي عليها أن تتخذه لنفسها بالنسبة للجانب الذي ستختاره في صراع الحياة.‏

(4)‏

وجد "جاتويريا" و "وارينجا" الكهف كله يعبق برائحة الحطام المحروق والدخان. وكان المكان كله محاطاً بجمهور "نجيروكا" وهو لايزال ينشد:‏

تعالوا جميعاً‏

وشاهدوا المشهد العجيب‏

مشهدنا ونحن نطارد الشيطان‏

مع كافة تلاميذه‏

تعالوا جميعاً.‏

كان الوضع المسرحي عند باب الكهف، وفيما يحاول عدد من اللصوص والسارقين الضغط على كروشهم البدينة عبره في الوقت نفسه، وضعا مضحكاً ومبكياً في آن معاً. كان كل لص يسعى للتسلل بتثاقل إلى سيارته مثل الحصان، وبعد ثانية كان يثير الغبار وهو ينطلق بسيارته بعيداً، يتلو صلواته من كل قلبه وروحه. أما الذين لا يملكون كروشاً سمينة- طائفة النحلاء الهزيلين فكانوا يقفزن من النوافذ، وما أن يلامسوا الأرض حتى يندفعوا كالسهام المنطلقة. أما العمال فكانوا يجرون خلفهم صائحين: ها هو ذا! وها هو ذاك! اصطادوه! اصطادوه! اقبضوا عليه! أمسكوا اللص!‏

ومن المكان الذي كانت تقف عليه، لم تستطع "وارينجا" رؤية كل شيء يحدث في الكهف رؤية جيدة. كانت الساحة في فوضى كبيرة تعج بأقدام أصحاب القصور والعزب في مرتفعات "إيلموروج الذهبية"، وهم يطاردون من قبل ساكني الأكواخ في "إيلموروج". غير أن "وارينجا" استطاعت رؤية مشهد "جيتوتو وا جاتاغورو" و "ندتيكا وا نجونجي" المدهش وهما يحاولان الفرار، مثل عنكبوتين يحملان البيوض، فيما كانت أردافهما تساط بالعصي من قبل ملاحقيهما. وفي وقت وصولهما إلى سيارتيهما، كانا يلهثان، وعرق الألم والتعب والخوف يتساقط على الأرض قطرات قطرات مثل مطر خلال وابل ثقيل.‏

لم تكن "وارينجا" وحدها التي افتر ثغرها عن ابتسامة. فقد كان الجو كله يعبق بصخب الضحك النشوان الصادر عن أهل "نجيروكا" وهم يسخرون من سكان المرتفعات في الفرار، وهم ينزعون السترات، وعقد الرقبة والأحذية، والزنانير أو أي شيء يجعلهم أخف وزناً.‏

أما عندما شاهد الجمهور السارقين الأجانب وهم على وشك مغادرة الكهف، فقد تحول ضحكهم إلى زئير مهدد خطير. كانوا يزأرون مثل ألف أسد غاضب سلبت منهم أشبالهم، وأمسكوا بعصيهم وهراواتهم وقضبانهم الحديدية وتدافعوا إلى الأمام باتجاه اللصوص الأجانب، الذين يحيط بهم حراسهم المحليون من أهل البلاد. استل سارق محلي مسدسه لكي يطلق النار، ولكن هسيس الجمهور الغاضب جعل يده ترتجف، فانطلقت الرصاصة في الجو دون أن تؤذي أحداً.‏

توقف الجمهور، ثم تدافع إلى الأمام من جديد، وخطوات الناس متماشية سوية تهز الأرض هزاً.‏

لقد نجا اللصوص الأجانب السبعة القادمون من أوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان من التمزيق إرباً إرباً لأن سياراتهم كانت قريبة، ولأن سائقيهم كانوا قد شغَّلوا المحركات استعداداً لهروب سريع.‏

وكان هنالك سارقان نسيا أن لهما سيارات، فهربا مشياً على الأقدام. كانت السيارات منوَّرة. وبعد برهة قصيرة، لم يبق أي سارق أو لص في منطقة الكهف. لقد تدبر الجميع الفرار، كأنهم ركَّبوا فجأة أجنحة من الخوف.‏

(5)‏

تجمع الناس الآن خارج الكهف، ينتظرون خطباً وإرشاداً من قادتهم. كان "موتوري واكاهونيا ميثوري" أول المتكلمين:‏

أيها الأصدقاء -أو لعل من الواجب أن أناديكم بني عشيرتي، لأننا نحن المجتمعين هنا ننتمي لعشيرة واحدة، ألا وهي عشيرة العمال- وأعتقد أننا جميعاً رأينا المشهد اللامعقول لأولئك الذين يملكون كروشاً لم تحمل أطفالاً أبداً يأتون لاحتقارنا وإهانتنا. هذه الكروش لم تتورم من المرض.‏

لقد سمنت على ثمار عرقنا ودمائنا. هذه الكروش عقيمة عاقرة، كما أن أصحابها عاقرون. وماذا عنا، نحن العمال؟ إننا نبني المنازل، فيسكنها الآخرون وأما نحن البنائين فنرمى خارجاً تحت المطر. نصنع الملابس، فيأخذها الآخرون، ليرتدوا لباساً حسناً فيما نبقى نحن الخياطين عراة، ننتج الطعام فيأكله الآخرون، أما نحن الزارعين فننام وكروشنا تعول وتقرقع طيلة الليل. انتبهوا. نبني المدارس الجيدة، فيجد أبناء الأخرين أمكنة جيدة بها، أما أطفالنا فيذهبون بحثاً عن الطعام في أكوام القمامة وسلات المهملات. إننا اليوم نتخذ موقفاً. إننا نرفض اليوم وفي هذا المكان أن نظل القدور التي تطهو ولكنها لا تتذوق الطعام على الإطلاق.‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:36 PM
تنحى "موتوري" جانباً فقابله الجمهور باحتفاء كبير، وراحت النساء تزغرد.‏

كان قائد طلاب "إيلموروج" هو الثاني في الكلام.‏

عندما رأته "وارينجا"، أحست إحساساً غريباً. كيف يمكن أن يكون هذا؟ كيف يمكن أن يُتبع "موتوري"، الذي أنقذها في يوم من الأيام من الموت تحت القطار في "ناكورو" بالرجل الذي أنقذها من الموت تحت الباص في "نيروبي" بالأمس؟ راحت "وارينجا" تراقب لحيته المشذبة تتحرك بانسجام مع كلماته.‏

"نحن جمهرة الطلبة في "إيلموروج"، سواء من المدارس الإعدادية والثانوية أو من الجامعة، نؤيد العمال بشكل كامل في نضالهم العادل ضد نظام السرقة واللصوصية الحديثة. إن العمال هم جبهة المعركة ضد الكولونيالية الجديدة، آخر مراحل الإمبريالية. عندما استروحت منظمة "إيلموروج" العمالية رائحة تجمع اللصوص المحليين والدوليين أنبأتنا بذلك، كمنظمة طلابية. جلسنا نحن الطلاب وسألنا أنفسنا: ماذا يمكن أن نعمل لكي نعلن تضامننا مع العمال؟ عند ذلك فقط طبعنا بطاقات تدل على طبيعة الاحتفال، نوضح فيها أنه سيكون أشبه بمهرجان للشيطان يديره إبليس، ملك الشياطين. دعونا الآن جميعاً نضم أيدينا لأيدي العمال في حربهم العادلة ضد شرب الدم البشري وأكل اللحم البشري، والجرائم الكثيرة الأخرى التي ارتكبتها الإمبريالية في مرحلتها الكولونيالية الجديدة. دعونا نضم أيدينا للعمال وهم يناضلون لبناء منزل يأتي بالخير والفائدة لكل البنائين. أي شيء أفضل يمكن أن تقدمه ثقافتنا من أجل وطننا؟ ذلك هو السبب الذي جعلنا نحن الطلاب نقول: إننا سوف لانتخلف، وإننا سنشارك في هذه المسرحية العجيبة التي وجَّب فيها علينا نحن الشعب أن نرمي بالشيطان وكل أتباعه إلى الخارج!‏

قوبل قائد الطلبة هو الآخر بحفاوة كبيرة، كما كانت زغردة النساء أشبه بطبول الحرب.‏

أما ثالث المتحدثين فكان قائد عمال "إيلموروج". كان يرتدي معطفاً فضفاضاً وقبعة على شكل المخروط. قبل أن يتكلم، خلع قبعته. فظهر أنه يملك عدداً من الشعرات البيضاء.‏

"أود بادئ ذي بدء أن أقدم آيات الاحترام والإجلال لشجاعة طلاب الجامعة والمدارس المحيطة بهذا المكان. إذا كان لزاماً على شبابنا أن يكفُّوا سواعدهم، فماذا سيحصل لحصن الدفاع عن الأرض؟ وأين سيصبح الوطن؟ كلمة امتنان وعرفان بالجميل لكل من أصاخوا السمع لندائنا من "نيروبي" إلى "إيلموروج". سوف أحكي الآن كلمة واحدة وأسأل سؤالاً واحداً. إن عندنا نموذجين من نماذج الوحدة، وحدة الأغنياء ووحدة العمال. فعلى أي جانب أنتم؟ وأية مبادئ ترفعون وتعتنقون، مادام لكل جانب مبادؤه الخاصة؟‏

إن تطويبة الأغنياء والإمبرياليين تسير على النحو التالي:‏

مبارك هو من يعض ثم يخفف الوجع،‏

لأنه لن يُكتشف بتاتاً،‏

مبارك هو الرجل الذي يحرق منزل رجل آخر‏

ثم يشاركه أحزانه في الصباح،‏

لأنه سيدعى رحيماً شفوقاً‏

مبارك من يسلب الآخر خمسة شلينات‏

ثم يرد له نصف شلين ثمناً لملح الطعام.‏

لأنه سيدعى كريماً.‏

أما بالنسبة لمن يعض ولا يعرف كيف يخفف الألم‏

ومن يسرق من الجماهير‏

ولا يحاول خداعهم بكلمات معسولة.‏

فالويل له!‏

لأنه إذا صحت الجماهير،‏

فإن أمثال هؤلاء سيرون من خلال arses‏

ولربما ينقلون أمراضهم لنا،‏

نحن الذين كنا قادرين على تمويه أعمالنا الشريرة‏

بأردية الرياء الدينية.‏

أما عقيدة العمال فتجري على النحو التالي:‏

إنني أعتقد بأننا نحن العمال من طائفة واحدة.‏

ولذلك ينبغي ألا نسمح بالانقسام‏

حسب الدين واللون والعشيرة.‏

بل أعتقد أن قوتنا تكمن‏

في ظل منظمة العمال.‏

ذلك لأن المنظَمين لايضلون طريقهم أبداً،‏

أما غير المنظمين فيشتتهم صوت طلقة واحدة.‏

ولذلك فأنا أومن بوحدة العمال.‏

لأن الوحدة قوة لنا.‏

كما أعتقد أن الإمبريالية وممثليها المحليين هم أعداء مسيرة‏

العمال والفلاحين والوطن بأكمله.‏

ولذلك إني دائماً أقسم على النضال ضد الكولونيالية الجديدة.‏

لأن الكولونيالية الجديدة هي الركلة الآثمة الأخيرة للإمبريالية المنقرضة‏

دعونا ننشد الآن جميعاً نشيد العمال معاً!‏

ثم بدأ يغني، كما شارك الآخرون الغناء، بأصوات ترتفع بتساوق وانسجام مما جعل الأرض ترتعد في الموضع الذي وقفت فيه "وارينجا". وفيما كان النشيد يرتل، شعرت "وارينجا" أن شخصاً ما كان يشد ثوبها من الخلف. استدارت بسرعة فوجدت أن "موتوري" يحاول لفت انتباهها. لحقت به وانسحب الاثنان إلى مكان مخفي وراء الكهف.‏

اسمعي، بادر "موتوري" الحديث فوراً، وعيناه مثبتتان على وجه "وارينجا" وعينيها، كأنه بذلك يقوى على قراءة كل الزوايا المستترة في قلبها، هل أستطيع أن أعهد لك بعبء صغير إلى الغد؟‏

ماهو هذا العبء؟ سألته "وارينجا"‏

مجرد أنبوب معدني يقذف ناراً قاتلة ودخاناً، قال "موتوري" وهو لايزال يراقب "وارينجا".‏

ولم لا؟ سألت "وارينجا" نفسها.‏

نعم إذا تعهدت بأخذه غداً، قالت "وارينجا".‏

ليس ثمة وقت نضيعه، قال "موتوري" وهو يحضها على ذلك. لقد عرفتك الليلة الماضية في السيارة، وراقبتك خلال النهار في الكهف، فقررت أنه يمكن ائتمانك على سر عامل. لما تركتك مع "جاتويريا" تقفان إلى جانب الطريق، ذهبت وشاركت الناس معركتهم ضد اللصوص. هل شاهدت قوة الشعب المتحد؟ كان هؤلاء اللصوص مسلحين ولكن لم يتمكن أحد منهم من استعمال مسدسه لأنهم تجمَّدوا هلعاً من عيون الجماهير وزئيرها الصاخب. كان "كيهاهو وا جاتيكا" وحده الذي حاول إطلاق النار علي. لقد لاحقته إلى هذا الطرف الذي نقف عليه الآن. وكنت سريعاً جداً بالنسبة له، فضربت ذراعه قبل أن يطلق النار. راح يصرخ من الألم، ورمى مسدسه، ثم لاذ بالفرار منطلقاً كالسهم... تناولت أنا هذا الأنبوب الحديدي الذي أراد قتْلي به. ها هو المسدس. إنه صغير جداً بحيث أنه يناسب راحة يدك أو جيب القميص. انظري كيف يلمع ببريق جميل! هذا من إنتاج أحد العمال! ولكنه كما ترين لايدافع عن العمال. فنحن العمال نصنع في كثير من الأحيان أشياء تنقلب ضدنا وتستخدم لاضطهادنا! انظري الآن إلى نتاج العامل وهو يعود لملكيته. لقد كانت الأنابيب الحديدية من هذا النوع في زنود العمال هي التي أنقذت كينيا من الكولونيالية القديمة. وحتى في الوقت الحاضر، إن البنادق من هذا النوع بنبغي أن تكون في أيدي العمال لكي يتمكنوا من الدفاع عن وحدة وثراء وحرية وطنهم. ولكنْ دعيني أمسك عن... الوعظ. أرى أنه يفترض أن تنشأ مشاكل أكبر هذه الليلة. خذي هذا المسدس. ضعيه في حقيبة يدك. ودعينا نلتقي في العاشرة صباحاً عند موقف باص "نيروبي". إياك عرض هذا المسدس على أي شخص أو إخبار أي شخص عنه، ولا حتى "جاتويريا". فهؤلاء المثقفون ليسوا على رأي حازم في وقفتهم مع هذا الجانب أو ذاك. إنهم يتمايلون ويترنحون من جانب لآخر كما يتمايل الماء على ورقة الشجر. اذهبي الآن. كوني على حذر. وهذا المسدس بطاقة دعوة إلى مهرجان العمال الذي سيعقد في يوم من الأيام مستقبلاً.‏

أعطى "موتوري" المسدس "لوارينجا" وانصرف بعيداً. أحست "وارينجا" إحساساً غريباً ينتابها. طفق قلبها يرتجف. شعرت بدفقة من الشجاعة تسري في جسدها كله. حسبت أنه ليس ثمة خطر واحد في العالم لا تقوى الآن على مواجهته.. لقد زالت كل شكوكها ومخاوفها بالشيء السري الذي عهد به "موتوري" لها. خطر لها أن تسأله عن المناسبة التي أنقذها بها من الموت تحت عجلات القطار قبل أمد بعيد في "ناكارو". غير أن فكرة أخرى تلبثتها فنادته: يا "موتوري". وتوقف موتوري على الأثر.‏

قل لي شيئاً واحداً أريد أن أعرفه قبل أن تبتعد. من أنت؟‏

أنا، أجاب "موتوري"، أنا مندوب من منظمة عمالية سرية في "نيروبي". ولكن، إياك توجيه أسئلة أخرى. حيثما أكون، أعمل من أجل تلك المنظمة. اعتني بنفسك، وتذكري أنك لست وحيدة.‏

افترق الاثنان بعد ذلك.‏

قفلت وارينجا عائدة إلى "جاتويريا"، تحمل معها سر "موتوري". ثم رأت أن من الأفضل لها أن تحمل السر إلى البيت فوراً.‏

كان العمال لا يزالون ينشدون.‏

أعربت "وارينجا" "لجاتويريا" عن رغبتها في الذهاب إلى البيت قبل حلول الظلام، لأنها كانت منهكة من التعب.‏

غطَّ قلب "جاتويريا" وتجهم وجهه. أصيب بالخيبة لأنه كان يعتقد أنه سوف يكون قادرا ًعلى أخذ "وارينجا" إلى البيت، ولكن لم تخطر له طريقة يطرح بها نفسه مرافقاً وحارساً لها. فقال: أود البقاء هنا لكي أرى نهاية هذه المسرحية. ولكن كيف أستطيع مقابلتك غداً؟‏

تم الاتفاق على اللقاء في فندق "شعاع الشمس" الساعة الثانية عشرة في اليوم التالي. أرادت "وارينجا" أن تغني "لجاتويريا" أغنية اعتادت الاستماع إليها عشية الدخول إلى حياة جديدة:‏

الآن تراني!‏

الآن تراني!‏

الفجر آخذ في الإنبلاج!‏

الموت والحياة سواء بالنسبة لي‏

فالفجر ينبلج!‏

وفيما كانت "وراينجا" تسير على طول الطريق، حباها الله أجنحة جديدة، وصارت جاهزة للطيران. خطر لها أن تنتظر سيارة الأجرة، ثم تذكرت فجأة "مواؤرا" مع سيارته "الماتاتو ماتامو" والمصير الذي كان ينتظر "مؤيريري وا موكيراي". قررت أن تذهب في البداية إلى فندق "قوس قزح الأخضر" لكي ترى إذا كان بوسعها منع "مؤيريري وا موكيراي" من السفر إلى "نيروبي" هذه الليلة.‏

لم تستطع قول أو معرفة ما كان يدفعها للقيام بهذا. غير أنها كانت تشعر بأنها مدينة ديناً معيناً لأنها شخصياً أنقذت من الموت في مناسبتين بواسطة غرباء. استذكرت حلمها الأخير. أتراه كان حلماً أم كشفاً؟ طرحت "وارينجا" السؤال نفسه ثانية. هل كان الصوت حقيقياً أم تراه كان وهماً؟‏

لا. لقد كان صوت إبليس، صوت الغواية. ذلك لأنه على الرغم من أن الصوت رسم صورة حقيقية لما كان يجري في البلاد، وسجَّل ملاحظات دقيقة وثيقة الصلة عن كينيا الكولونيالية الجديدة، فإن الطريق التي أظهرها الصوت كمحور للخلاص من سجن الحياة الكولونيالية الجديدة كانت طريقاً مضللة وربما تكلف "وارينجا" عمرها وحياتها. لقد أغواها للسير في طريق عريضة مفروشة بأزاهير الفردية الأنانية المصلحية. لقد أغواها كي تبيع جسدها مرة ثانية طلباً للمال! هل تراها ستفكر ببيع روحها للشيطان والبقاء كالمحارة، على شاكلة "ندينجوري وا كاهاهامي"؟ من أجل النقود وحدها؟ ياالله، لا. لقد كانت سقطة واحدة تكفي، هذا هو القرار الذي توصلت إليه "وارينجا" بكل يقين وثبات، وكأن سر "موتوري" الذي كانت تحمله وهبها شجاعة لا تغلب في محاربة الشيطان وهزمه مع كافة عروض غوايته التي من شأنها خداع الوطنيين من أجل بيع بلادهم كلها.‏

وقبل أن تصل "وارينجا" إلى فندق "قوس قزح الأخضر"، شاهدت شاحنتين عسكريتين، معبأتين بالجنود المسلحين تسليحاً كاملاً، تنطلقان باتجاه الكهف. وخلف الشاحنتين، كان هنالك ثلاث عربات مدرعة. أوه، ياالله، سوف تقع الواقعة في الكهف الآن، حدثت "وارينجا" نفسها. راحت تفكر بالعمال المتجمعين خارج الكهف. كما فكرت " بجاتويريا"و "موتوري" وأرواح الناس.‏

تذكرت "وارينجا" السر الذي كانت تحمله. حثت الخطى... كانت الشمس قد أفلت، غير أن الظلام لم يسدل ستوره بعد...‏

هذا وبسبب الأفكار المتصارعة التي كانت تصطخب في ذهنها، لم تعرف "وارينجا" أنها وصلت فندق "قوس قزح الأخضر"، حيث كان ينزل "مؤيريري وا موكيراي"، حتى شاهدت شارة المصباح المضاءة بصورة مفاجئة.‏

أتريدين "مؤيريري وا موكيراي"؟ سأل موظف الاستقبال "وارينجا"، وكأنه لم يسمع طلبها بوضوح.‏

نعم.‏

لقد رحل تواً. لقد غادر الفندق قبل أقل من خمس دقائق.‏

كيف ذهب؟ سألت "وارينجا".‏

بواسطة سيارة أجرة، ماتاتو، ماتاتا، ماتامو من طراز فورد.ت. وتحمل رقم التسجيل م.م.م. 333. لم أر في عمري سيارة أجرة مزركشة بمثل هذه الشعارات الكاريكاتورية الغريبة. "إذا كنت ترغب بشائعات حقيقية، فاركب ماتاتو ماتاتا ماتامو، وإذا أردت ثرثرة حقيقية....‏

تركت "وارينجا" موظف الاستقبال الذي خرج عن طوره من الضحك.‏

عم هذا كله؟ عم كل هذا؟ كانت وارينجا تتساءل.‏

وعلى حين غرة، تجمدت دماء "وارينجا" في شرايينها. في كل أنحاء "إيلموروج"، لم يكن يسمع أي شيء غير طلقات البنادق وصرخات الناس المروعة.‏

(7)‏

ذهبت "وارينجا". في اليوم التالي إلى موقف الباص لمقابلة "موتوري".‏

لم يكن "موتوري" هناك.‏

ذهبت وارينجا بعد ذلك لرؤية "جاتويريا" في فندق شروق الشمس. كان قلبها مثقلاً حزيناً لأن الموضوع الرئيسي في "نجيروكا" وفي "إيلموروج" بأكملها هو مهرجان الكهف وكيف أنه انتهى بعدد من الضحايا والوفيات. بعض الناس قال: إن عشرين شخصاً ماتوا، فيما ادعى آخرون بوقوع خمسين ضحية، بل رفع آخرون الرقم إلى المائة. أما ماهو معروف عامة، فهو أن بعض الناس قتلوا من قبل رجال الجيش والشرطة، وأنه تم إلقاء القبض على آخرين من قبل مدير الشرطة "جاكونو".‏

كان "جاتويريا" هو من سرد دقائق الموضوع "لوارينجا".‏

لقد قتل خمسة عمال من قبل قوات النظام والقانون البورجوازيين. كما أن العمال قتلوا جنديين. غير أن هناك عدداً من المجروحين في الطرفين.‏

وماذا عن "موتوري"؟ سألت "وارينجا" بقلق.‏

موتوري؟ لقد اعتقل مع قائد الطلاب. لم يستطيعوا اعتقال زعيم العمال لأن الآخرين خبأوه. لقد نزل إلى النفق ولكنهم لازالوا يبحثون عنه.‏

ركن الاثنان إلى صمت حزين، مثل أبوين حرما ولدهما. جلسا في الخارج، على مائدة في إحدى حدائق الفندق المكسوة بالعشب الأخضر والأزهار. أما الشاي الذي طلباه، فقد صار بارداً في الأكواب.‏

وقبل أن تنطق "وارينجا" بأية كلمة، أضاف "جاتويريا" يقول على مهل: ولكنَّ ما جعلني أتأفف كثيراً هو هذا. إن إذاعة "إيلموروج" لم تورد شيئاً هذا الصباح عن موت خمسة عمال أو عن الجروح البالغة العديدة. غير أن محطة الإذاعة وجدت الوقت الكافي للإخبار عن مقتل جنديين ووفاة "مؤيريري وا موكيراي".‏

"مؤيريري وا موكيراي"؟‏

نعم. لقد ذكرت الإذاعة أنه قضى نحبه بحادث سيارة في "كينيني" وهو في طريقه إلى "نيروبي" الليلة الماضية.‏

وماذا عن "مواؤرا"؟ روبين مواؤرا؟ سألت وارينجا وقد صعقها النبأ. إنه على قيد الحياة. لقد نجا بأعجوبة.‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:39 PM
الفصـل العاشـر





(1)‏

ذات أحدٍ آخر كان ذلك بعد سنتين من رفض "وارينجا" عروض غواية إبليس في ميدان الجولف بمدينة "إيلموروج": سنتين كاملتين بعد أن ولدَّ مهرجان الشيطان في مركز اللصوص والسارقين مأساة القتل والاعتقال: سنتين من التغيير الكبير في حياة "وارينجا" و "جاتويريا".‏

سنتان....‏

أين سأبدأ؟ أم تراني يجب أن أتوقف عن التدخل في حيوات الآخرين؟‏

إن من يحكم لا يعرف كيف سيحكم عليه شخصياً.‏

إن بقر الوحش لا يكره من يراه قدر مايكره من يكشف مكان وجوده.‏

ولكنني أنا الأخرى كنت موجودة في "ناكورو". رأيت بأم عيني وسمعت بأذني.‏

كيف لي أن أنكر دليل عيني وأذني؟ وكيف أهرب من الحقيقة؟.‏

لقد كُشف الأمر لي.‏

لقد كشف الأمر لي.‏

أين سألتقط خيط حكايتي المقطوع؟‏

اسمع، لقد مرت سنتان...‏

لا، لن أواصل حكايتي بنفس السرعة التي اعتمدتها من ذي قبل. إن البذور في حبة القرع ليست جميعاً من نوع واحد، ولذلك سوف أغير سرعة حكايتي وأسلوبها.‏

وإذاً، تعال ياصديقي، تعال ياصديقي، تعال معي فلعلني أستطيع نقلك على طول الدروب التي سارت عليها "وارينجا". تعال، ودعنا نقتفي آثار خطواتها، لنرى بعيون قلوبنا مارأته، ونسمع بآذان قلوبنا ما سمعته، بحيث لا نكون في عجلة من أمرنا بإصدار الحكم على أساس الشائعات والخبث.‏

الحقيقة تستطيع كسر قوسٍ معدٍّ للرمي!‏

لابأس بذلك، يا صديقي.‏

وليكن الأمر كذلك.‏

أوه، ليكن، تعال، ياسلام الله!‏

هيا، عجِّل يا صديقي. وأنت أيضاً، يا عاشق العدالة، عجِّل. إجر بسرعة أكبر، إذ على المرء النزول إلى السوق باكراً، قبل أن تأخذ الخضروات بالذبول تحت أشعة الشمس...‏

(2)‏

ها هي "وارينجا"!‏

إنها تعيش الآن في حي "نجارا" من مدينة "نيروبي"، وفي غرفة منفردة في الطابق الرابع لعمارة من ستة طوابق. والعمارة كلها تسمى "منزل مارارو".‏

لقد تم تقسيم الطابق الأول إلى عدة غرف سكنية تناسب أي شخص يدفع الأجرة. وكل غرفة من الغرف هي مطبخ وغرفة جلوس وغرفة نوم في آن واحد. وبرغم ذلك، فقد تم تأجير الغرف جميعاً. إذ إن العصفور المتعب من الطيران يحط على أقرب شجرة.‏

أما خارج العمارة فيوجد عدد لابأس به من مراكز الخدمة التي تملكها شركات نفط أجنبية: "إسو"، "شل"، "كالتكس"، و "موبيل أويل" و"آجيب"، و"توتال". وعلى بعد بضعة ياردات، قرب "طريق مورانغ" توجد عدة أكشاك لبيع الأغذية الطازجة والمطبوخة.‏

وأما "منزل مارارو"، فيقع على مفرق طرق. ولذلك فإن ضجيج السيارات يجعل النوم في غاية الصعوبة، سيما إذا كان المرء زائراً.‏

ولكن "وارينجا" لاتبالي بالضجيج.‏

لقد تعودت عليه الآن، فضجيج السيارات مصدر رزقها.‏

أوه، يا "وارينجا"، اعملي بجهد أكبر لتطوير بلادنا!‏

إن "وارينجا" هذه غير "وارينجا" التي عرفناها قبل سنتين. "وارينجا" هذه ليست المرأة التي كانت تظن بأنها لا تقوى على شيء سوى الضرب على الآلة الكاتبة للآخرين، والتي اعتادت أن تحرق جسدها بمساحيق "آمبي" و "سنو فاير" لكي تغير لون بشرتها من أجل إدخال السرور على عيون الآخرين، وإشباع شهواتهم للجلود البيضاء، والمرأة التي اعتادت التفكير بأن ثمة طريقة واحدة لتجنب اشراك ومطبات الحياة، ألا وهي الانتحار.‏

لا، إن "وارينجا" هذه ليست "وارينجا" الأخرى تلك.‏

لقد قررت "وراينجا" الجديدة أنها لن تسمح لنفسها مرة أخرى بالبقاء مجرد زهرة، هدفها تزيين أبواب ونوافذ وموائد الآخرين، والانتظار حتى يرمى بها على المزبلة في لحظة أفول بهاء جسدها وروعته. لقد قررت "وارينجا" الجديدة أن تكون عصامية باستمرار، وأن تقتحم منتصف حلبة صراع الحياة لكي تكتشف قوتها الحقيقية وتعرف إنسانيتها الحقيقية.‏

النظافة استحمام والبطل لا يعرف إلا في أرض المعركة. كما أن الراقص الجيد لا يعرف إلا في ميدان الرقص.‏

يا "وارينجا"، يا بطلة الكدِّ والتعب، إن بطولة الحياة لا يمكن اكتشافها إلا في معركة الحياة....‏

في هذا السبت، مثلاً، تنهض "وارينجا" باكراً من نومها، وتضخ ضغطاً هوائياً في "وابور البريموس"، ثم تشعله وتضع عليه إبريق ماء لتصنع الشاي. وقبل أن تغلي الماء، تكون "وارينجا" قد غسلت وجهها وذهبت لتسريح شعرها أمام مرآة، جامعة الشعر بأربع جدائل مضفورة. شعرها طويل وأسود وناعم.‏

ماذا قلت لكم؟ لقد توقفت "وارينجا" الجديدة عن سفع شعرها بالأمشاط الحديدية. الساخنة من عهد بعيد. ها هي الآن تجرب وضع وشاح على شعرها. إنها ترتدي بنطالاً من الجينز لفحته صروف الطقس وقميصاً من الخاكي. إنظر إليها. إن ثيابها تناسبها تماماً، وكأنها خلقت بهذا اللباس.‏

ثم تذهب "وارينجا" إلى خزانة، وتختار الثوب الذي سترتديه فيما بعد، أي بعد العمل، وثوباً سترتديه غداً في يوم الأحد. تضع "وراينجا" الثوبين في حقيبة سفرية صغيرة، إذ أنها اليوم، وبعد العمل، ستسافر إلى ذويها في "إيلموروج". كما أنها ستذهب، في الغد، برحلة أخرى إلى "ناكورو" لرؤية والدي "جاتويريا".‏

غير أن الرحلتين لا تمنعان "وارينجا" من التركيز على عملها. إنها اليوم تغير محرك سيارة وعليها إكمال ذلك العمل قبل الساعة الواحدة.‏

وارينجا، يا بطلتنا المهندسة!‏

شربت شايها. وهي الآن تبحث وتنقب داخل حقيبتها اليدوية للتأكد من أن كل ما تحتاجه موجود هناك، المشط وبعض المساحيق والمرآة اليدوية والمنشفة... مع مفتاح الربط (صمولة). كيف وضعت المفتاح في حقيبتها؟ لابد أنها فعلت ذلك خطأً. أجل، والمسدس الذي أعطاها إياه "موتوري" كان موجوداً هناك أيضاً... فهي لا تترك مسدسها في أي مكان. إنه صغير جداً بحيث أن من لا يعرف شيئاً عن المسدسات قد يحسبه لعبة أطفال. إنها جاهزة للذهاب. وعند الباب تتذكر أنها تركت جهازاً لاختبار الوجه على عتبة النافذة. تعود لإحضاره. إنها بالعادة تعلقه في جيب قميصها، مثل القلم، ولا تنساه بتاتاً حتى في مكان عملها مع بقية العدة. لكأن جهاز الاختبار والمسدس هما درعاها الأهم.‏

هاهي "وارينجا" تسير في الطريق. تعبر شارع "نجارا". وتنعطف إلى داخل الممر الذي يجتاز سينما "شان"، وتعبر نهر "نيروبي" ثم تصعد عبر وادي "جروجان". إنها الآن في "طريق النهر"، تمشي باتجاه المرآب بين شارع "توم مبويا" و"طريق النهر"، بالقرب من "طريق مونيوا".‏

وفيما "وارينجا" تواصل سيرها، يتوقف الناس لمراقبتها، كان بنطالها الجينز وقميصها الخاكي وصدارتها الزرقاء الباهتة أيضاً، ألبسة تظهرها بمظهر جميل. وليست هذه الثياب وحدها. لقد كانت كافة ملابسها، في هذه الأيام، تناسبها بشكل جميل أخاذ. ذلك لأن "وارينجا" في هذه الأيام تحصل على ثياب مصنوعة من أجلها أو تشتري ثياباً جاهزة، ولكنها دائماً تناسب شكل ولون وحركة جسدها الجميل. إن جسدها الآن هو الذي يفرض طريقة لباسها، لا قوام الأخريات أو ذوقهن.‏

ولكن ليست ثيابها وحدها هي التي جعلتها على ماهي عليه الآن.‏

إنها اليوم تخطو خطوات مديدة تعبر عن القوة والهدف، وعيناها السوداوان تشعان بنور شجاعة داخلية ونور امرئ صاحب أهداف ثابتة في الحياة -نعم، ثبات وشجاعة وإيمان شخص حقق شيئاً من خلال الاعتماد على الذات. ما فائدة الإنسان من التثاقل في السير بجبن وفؤاد مخلوع في بلده الخاص؟ إن "وارينجا"، الجمال الأسود! إن "وارينجا" صاحبة العقل واليدين والجسد والقلب، تمشي في إيقاع متساوق في رحلة العمر! إنها "وارينجا" العاملة!‏

إن من لم يسبق لهم التعرف إليها قد لايخمنون من الوهلة الأولى بأن الفتاة مهندسة ميكانيكية مختصة بالعربات الآلية وغيرها من المحركات الإنفجارية الداخلية. كما أن الذين يستحقون من شأن عقول وذكاء وقدرات نسائنا قد لا يصدقون بأن "وارينجا" هي أيضاً خبيرة في الإحكام والخراطة، في التطريق واللحم، وفي تكييف الحديد لكي يتناسب مع شتى الأغراض.‏

يهوى الناس تشويه ذكاء نسائنا وطاقتهن الثقافية بالقول: إن الأعمال الوحيدة التي تستطيع النساء القيام بها هي الطبخ وتسوية الفراش وعرض سيقانهن في سوق الغرام. لقد رفضت "وارينجا" الجديدة هذا كله، بعد أن حاكمت الأمور في ذهنها وتوصلت إلى أنه مادام فخذاها ملكاً لها، ودماغها ملكاً لها، وكذلك يداها وجسدها، فإن عليها أن تمنح كل ملكاتها دورها المناسب وزمانها ومكانها المناسبين ولا تسمح لأي جزء في أن يطغى على حياتها، كأنه التهم بقية الأجزاء واستهلكها. ذلك هو مادفع "وارينجا" الجديدة إلى توديع العمل كسكرتيرة، وجعلها تقسم بأنها لن تضرب على الآلة الكاتبة مرة ثانية من أجل أمثال "بوس كيهارا"، أولئك السادة الذين يشترطون لتوظيف الفتاة لقاءها غرامياً مدة خمس دقائق بعد تناول شراب مسكر.‏

وهكذا ذهبت "وارينجا" إلى معهد الفنون المتعددة لاتباع الدورة الهندسية التي كانت تحلم بها عندما كانت طالبة في مدرسة "ناكورو" الثانوية، وقبل زمن طويل من دخول عجوز "نجوريكا" في حياتها وتعليمها رقصة الطريدة والصياد. كلما كانت تدخل مشغل الهندسة وتشعر بأن جسدها كله كان يهتز بسبب المثاقب، وهي ترسل ألسنة من اللهب في كل اتجاه، أو تطرِّق الحديد الذي سبق صهره في الأفران العالية العملاقة، كانت "وارينجا" دائماً تمتليء بفرحة من تراقب قوة ذهنها وجسدها وهي تكافح ضد الطبيعة، فتحول الحديد المصهور، مثلاً، إلى منتجات من شأنها أن تزيد حياة بني البشر قيمة ومعنى.‏

غير أن المهارة التي كانت تثيرها أكثر من كل شيء هي قدرتها على تفكيك وتجميع المحركات الإنفجارية الداخلية. لقد كانت رائحة البترول المحترق أعظم عطر مسكر. كما كانت ضوضاء الآلات في المشغل، وضوضاء الحديد يثقب الحديد، والحديد يحشو الحديد والحديد وهو يطرق على الحديد، وضجيج العمال وهم يرفعون أصواتهم فوق صوت الحديد- كانت هذه الضوضاء بالنسبة "لوراينجا" أشبه بأغنية جميلة تنشدها أفضل الجوقات.‏

تلك هي موسيقى المصنع الحديث! لابأس بذلك!‏

لقد أمضت "وارينجا" حتى الآن سنتين في معهد الفنون المتعددة، وبقي أمامها سنة واحدها حتى تكمل الدراسة.‏

كانت السنة الأولى هي أصعب السنوات عند "وارينجا". لقد اعتاد الطلاب الذكور في صفها الضحك عليها. غير أنهم عندما شاهدوها تناضل بالأدوات المعدنية الثقيلة، مثلما يفعلون، أو تتصبب عرقاً من الفرن العالي، كما يتصببون، أو تواجه ببسالة كل تحد، أخذ ضحكهم يتناقص وأخذوا يبتلعون تعليقاتهم الساخرة المتهكمة. غير أن الضحك والتعليقات انتهت جميعاً نهاية مباغتة عندما أعلنت نتائج امتحانات الفصل الأول واحتلت "وارينجا" المرتبة الرابعة بين خمسة وعشرين طالباً. بدلاً من الضحك، ازداد احترامهم لها، وبدؤوا يعاملونها كواحدة من رفاقهم في رحلة النضال.‏

كانت تنوء أيضاً تحت مشاكل وصعوبات مالية. لقد كان معظم الطلاب في المعهد مكفولين من قبل أرباب العمل، الذين كانوا يدفعون كافة رسومهم ومصاريفهم الأخرى. غير أن "وارينجا" كانت بلا كفيل. كانت تدفع بطريقتها الخاصة. إن النقود التي ادخرتها وهي تعمل كسكرتيرة في شركة بناء "تشامبيون" لم تكن كافية لدفع الرسوم وأجرة البيت والطعام.‏

عرض "جاتويريا" المساعدة بالرسوم والأجرة، لكنَّ "وارينجا" رفضت ذلك. كانت تأبى أن ترهن نفسها "لجاتويريا" أو لأي شخص سواه بخيوط الشكر على الإحسان. فالاعتماد على الذات اعتماد على الذات. وهكذا دبرت "وارينجا" شؤونها عن طريق القيام بكل صنوف الأعمال الغريبة، مثل قص الشعر في صالون للتجميل، وطبع أوراق البحث والمقالات (الأمالي الجامعية) التي كان "جاتويريا" يحضرها لها من الجامعة.‏

لم تتمكن "وارينجا" في بحر السنة الأولى من الحصول على راحة كافية. فهي عندما لا تكون في المعهد، تكون مع كتبها، وعندما لا تنكب على الكتب، فهي منشغلة في كسب النقود من أعمال غريبة هنا وهناك، وعندما لا تقوم بشيء من هذا، كانت تحضر دروس الجودو والكاراتيه في نادي كينيا العسكري للفنون في منطقة "نجارا". قررت "وارينجا" أن عليها أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها والوقوف وحدها في كل مجال.‏

خفَّت مشكلة النقود في السنة الثانية. كان ذلك عندما سنحت "لوارينجا" الفرصة كي تقدم خدماتها كميكانيكي عامل في مرآب "مويهوتوري كيوانجا"، بالقرب من شارع "مونيوا".‏

لايغرب عن ذاكرة "وارينجا" أبداً اليوم الأول الذي مرت به بجانب المرآب المكشوف. كانت ظهيرة يوم جمعة، عند الساعة الثانية تقريباً. كانت جائعة جداً. لكنها عندما شاهدت الرجال يشتغلون بالسيارات، قررت على الفور سؤالهم عما إذا كان بوسعها الانضمام إليهم لكسب بعض القروش. وعندما سمع الميكانيكيون طلبها، خرجوا عن طورهم من الضحك. انتصب أحدهم، وكان ينحني تحت غطاء شاحنة مفتوح، انتصب ونظر إلى "وارينجا" بكراهية، وذهنه يبحث عن كلمات لكي يجرح مشاعرها. أيتها المرأة، لماذا لا تذهبين وتبيعين الجعة في أحد البارات؟ هنا لا توجد خزانة النقود التي يمكن وقوفك بجانبها لكي تهزين تنورتك وتجذبي الرجال. كظمت "وارينجا" غيظها، لأن المتسول لايمكنه أن يكون حساساً جداً إزاء الإهانات. ولكنها كانت عازمة على الاستمرار، فالرجل الذي سيتبول هو الذي يذهب إلى دورة المياه، بينما لا تأتي دورة المياه إليه. "لست واقفة هنا عن أية رغبة في هز التنورة أو اجتذاب الرجال". ردت عليه بصورة حاسمة.‏

وقف ميكانيكي كان يستلقي تحت عربة أخرى وأعلن بصوت عال وساخر عن عمد، لكي يسمعه كل من حول المكان: لماذا لا تأتين إلى هنا وتنزعين أو تفكين هذا المحرك الذي سبب لنا وجعاً في الرأس طيلة النهار، وتقولين لنا ماهي علته؟‏

تنمرت "وارينجا"، وشعرت بالشجاعة فجأة تفيض في جسدها. ودون أن تبتعد عن مكان وقوفها، قالت للرجل: إنه ليس ثمة داع لفك المحرك. أنت، شغِّل المحرك فقط. قالت له "وارينجا" بصيغة الأمر وكأنها تملك سلطة عليه. بعد أن اشتغل المحرك، سارت "وارينجا" نحوه، وأمضت دقيقة كاملة تنظر إليه فقط. كان كافة الميكانيكيين الآخرين عند هذا إضافة إلى عدد من المارة قد توقفوا عن كل ماكانوا يفعلون وتجمعوا حول الشاحنة لرؤية امرأة تجرؤ على اقتحام معاقل الرجال. أشاحت "وارينجا" عينيها عن المحرك وراحت تنظر حولها على الأرض حيث كانت الشاحنة تقف، كأنها تبحث عن شيء. شاهدت قطعة خشب لها شكل الملعقة وذات مقبض طويل. تناولتها وضربتها بعنف على حجر لكي تزيل الغبار عنها. وضعت أحد طرفي الملعقة على جانب المحرك ووضعت الطرف الآخر على أذنها، تماماً كما يضع الطبيب السماعة على صدر المريض ويستمع لدقات قلبه. نقلَّت "وارينجا" طرف المعلقة على مواضع مختلفة من المحرك. لم يستطع المتفرجون من حولها فهم ماكانت تفعله. توقفت "وارينجا" على حين غرة، وركزت فينة من الزمان على حركة المكبس الثالث القريبة، ثم نادت الرجل الذي كان يعمل على المحرك، وأعطته قطعة الخشب وطلبت منه أن يصيخ السمع. فعل الرجل كما طلب منه.‏

ضحك بعض المتفرجين عليه، في حين علَّق آخرون تعليقات ساخرة بخصوص الرجال الذين يطيعون أوامر النساء المجنونات الطفولية. من تراه رأى مثل هذا الجنون كمحاولة معرفة عطل محرك بواسطة عصا صغيرة؟‏

سألته "وارينجا" أن يصف لها مايسمع. أجابها الرجل على الفور: أستطيع فقط سماع نوع من ضجيج الطحن، مثل صوت قطع مبعوجة من المعدن تأكل بعضها بعضاً.‏

سألته "وارينجا": إذاً ماهي العلة؟ أمسك الجميع الآن أنفاسهم صامتين صمتاً مطبقاً.‏

الرجل الذي تصرف قبل دقيقة فقط كخبير نظر حوله الآن متجهماً، كأنما يطلب العون ممن حوله. وعندما فشل في إيجاد العون في امتحانه، أطرق عينيه. أحس بكتلة تسد حلقه، وتلعثم قائلاً: لا أدري.‏

قالت له "وارينجا": إن هذا الصوت الرديء الشاذ ناجم عن مزلاج رخو يربط بين المخروط والعمود المرفقي. أخذ الناس حولها يصفقون بأيديهم. بينما ابتعد آخرون وهم يهزون رؤوسهم قائلين: حقاً، لم نزل ننتظر رؤية مايفوق ذلك! لقد اكتسبت نساؤنا قدراً كبيراً من التعليم! أما العمال الآخرون فرحبوا بها كواحدة منهم، وسمحوا لها باستعمال عدتهم حتى تتمكن من شراء طقم عدة خاص بها.‏

ومنذ ذلك اليوم فما بعد، تطورت صداقة متينة بين "وارينجا" وبقية العمال. كلما كانوا يرون "وارينجا" تعمل ويلاحظون أنها لا تنأى بنفسها عن أي نوع من العمل، يزدادون احتراماً لها وإكباراً.‏

أدخل رجل في يوم من الأيام سيارته للفحص. وعندما رأى أن "وارينجا" هي التي فتحت غطاء المحرك، خامره شك كبير. غير أنه، وقد لاحظ جمالها، بدأ يضايقها بخفة، ثم لامس ثدييها. رفعت "وارينجا" رأسها، ونظرت إليه بعينين لايخالطهما الضحك، وبصوت لايدل على فرح أو غضب، حذرته بهدوء وحزم من مضايقتها بالقول: أنا عاملة، وأنت عليك أن تحترم أو تحتقر عملي تبعاً لأدائي. غير أن ثديي ليسا جزءاً من العمل. وليس لجمالي أو قبحي علاقة بالعمل الذي أقوم به. اعتبر الرجل ذلك على أنه تظاهر المرأة المعتاد عند الإساءة والإزعاج، مقصود منه إغراؤه للاستمرار. ولذلك فعندما انكبت "وارينجا" على عملها مرة ثانية، قام بتربيت وركيها.‏

اسمح لي أن أقول لك: إن الدرس الذي لقنته "وارينجا" لذلك الرجل، حيثما يمكن أن يكون، درس لاينساه مدى الحياة، إذ إنها استدارت كالبرق، وفي رمشة عين، أوسعته ضرباً بعدة لكمات جودو وحركات كاراتيه بحيث أنه شاهد النجوم فترة من الزمن. وعندما هلك من لكمات الجودو، توسل إليها للتوقف قائلاً: أنا آسف، نهض واقفاً وتناول مفاتيح سيارته ثم شغل المحرك وأثار الغبار على الطريق المعبدة وهو يبتعد.‏

انتشرت سمعة "وارينجا" في كل ركن من أركان المدينة وازداد احترام العمال الآخرين لها، وتغنوا باجتهادها وشجاعتها وصمودها.‏

وارينجا، ابنة ثوار "إيريجي"!‏

كانت غلة كل عامل من العمال تذهب إلى جيبه الخاص. غير أن على كل عامل في نهاية الشهر أن يساهم بملبغ ثابت في صندوق مشترك، تدفع منه أجرة أرض المرآب إلى مجلس مدينة "نيروبي" مع بقية المصاريف المشتركة. وإذا ما تعرض أحد العمال لمشكلة غير متوقعة، فإنه يسمح له أو لها بالاقتراض من الصندوق العام لسد حاجاته. لم يكن أحد في تلك الجماعة العمالية يعيش على جهد وعرق الآخر. كان كل واحد يحصل وفق قدرته وسمعته وسرعة يديه في العمل. وعندما يكون لدى أحدهم كثير من الزبائن، فإنه يحوِّل قسطاً من العمل والمنافع المالية لمن عندهم عمل أقل. لميكن من شأن المشروع جعلهم جميعاً أغنياء، غير أن هذا العمل الذاتي كان يوفر لهم بالفعل الثياب والطعام والمأوى. كان طموحهم هو بناء مرآب حديث بملكية جماعية على الموقع نفسه في يوم من الأيام. لقد سبق أن اتصل زعيمهم بمجلس المدينة ووعدوه بالموقع.‏

وهكذا، كان مقرراً أن تتواجد "وارينجا" خلال السنة الثانية في معهد الفنون المتعددة تداوم على دروسها، أو في غرفتها في "نجارا" ترسم الرسوم كجزء من وظيفتها أو في المرآب.‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:41 PM
إن "وراينجا" ستذهب إلى المرآب هذا السبت لكي تنهي عملها قبل انطلاقها بالرحلة إلى "إيلموروج".‏

تدخل "وارينجا" أحد الفنادق قرب المرآب، لأنها تحتفظ هناك بمعطف العمل الخارجي وطقم العدة. وكافة العمال الذين يرتادون الفندق لتناول كوب من الشاي في الصباح يعرفونها. يتبادل الجميع التعليقات والنكات اللطيفة العذبة، ومنها ما يتناول شؤون الرجال والنساء. غير أن الملاحظات الساخرة والنكات البذيئة تقوم على أساس من الاحترام المتبادل. إنهم يعتبرونها واحدة منهم ويشعرون أنها تخصهم جميعاً.‏

تستبدل "وارينجا" ثيابها بثياب الشحم وتسلم حقيبتها السافاري وحقيبة يدها إلى الفندق.‏

تخرج "وارينجا" وتعبر الشارع.‏

وعبر الشارع يقوم المرآب.‏

يطفق قلبها يدق بشكل أسرع. لماذا تجمع كافة العمال معاً في مجموعة صامتة، وبوجوه مكفهرة كأنها وجوه أناس فقدوا أمهم وأباهم؟ لماذا يبدون جميعاً في قلق كبير في مثل هذه الساعة المبكرة؟‏

عجلي، يا "وارينجا"‍‍! أسرعي، يا وارينجا! تحركي، يا وارينجا!‏

لماذا تبدون جميعاً في غم وحزن أيها الناس؟‏

لا تسألي أية أسئلة، أيتها الصديقة.‏

لا، أخبروني!‏

لقد تم بيع موقعنا.‏

من باعه؟‏

المجلس البلدي، بالطبع.‏

ولمن؟ لمن تم بيع ميراثنا؟‏

إلى "بوس كيهارا" وزمرة من الأجانب من الولايات المتحدة واليابان وألمانيا.‏

"لبوس كيهارا"؟‏

إنه يكاد يملك كل نيروبي. إنهم ينوون بناء فندق سياحي كبير على هذا الموقع. من أجل أن تملك نساؤنا تسهيلات لبيع لحم جسدهن للأجانب.‏

ولماذا لا يقوون على الاعتراف بأنهم يبنون مصنعاً للعهر الحديث!‏

ذلك صحيح تماماً. إن مايراد من هذه الفنادق السياحية هو تنشئة وطن من العاهرات والخادمات والطباخات وصبيان مسح الأحذية ومرتبي الأسرة والحمالين....‏

اختصر ذلك بجملة واحدة وقل: لتنشئه عبيد يلبون نزوات الأجانب.‏

بوس كيهارا، مهرجان الشيطان، الأجانب، بيوت المال- والآن، السياحة؟ كانت أفكار حول هذه الأشياء تدور وتتراقص في ذهن "وارينجا". وفجأة تتذكر "وارينجا" "موتوري" و "وانجاري" وقائد الطلبة، متى سيطلق سراحهم من الاعتقال، إذا كان ذلك سيحدث؟ تشعر "وارينجا" وكأنها تختنق من الغضب.‏

عندما يتم تنظيف الأرض من السرخس، تحل محله أشجار التين في أغلب الأحيان، والشجرتان كلاهما رديئتان للأرض. إنني أهرب من البرد لكي أغرق بالصقيع! يقول أحد العمال، وكأنه يحدث نفسه.‏

سيكون من المروع أن نتركهم يقطعون أيدينا دون إبداء أية مقاومة! تقول وارينجا بصوت مثقل بالدموع وكأنها ترد على العامل الذي كان يتكلم.‏

غير أن قلبها يتلظى بشجاعة الثائر المتمرد.‏

(3)‏

إنها ظهيرة يوم السبت نفسه. إن "وارينجا" و "جاتويريا" في طريقهما إلى إيلموروج. يركب "جاتويريا" سيارة "تويوتا كورولا" حمراء اللون. إنهما ينويان قضاء الليل في "إيلموروج" وسوف يسافران في الصباح إلى "ناكورو".‏

يريدان إخبار أبويهما بقرارهما في الزواج.‏

يرتدي "جاتويريا" سراويل رمادية اللون، وقميصاً أبيض وسترة جلدية بنية. لقد استبدلت "وارينجا" "الجينز" الذي ارتدته في "نجارا" أثناء النهار. إنها الآن ترتدي فستاناً كتانياً طويلاً موشى بالزهور البيضاء والحمراء. أما شعرها فمضفور بخصلات تجري من مقدمة الرأس إلى الخلف. من يستطيع القول إن هذه هي "وارينجا" التي كانت تلبس الجينز قبل ذلك في النهار؟ ومن يقول إن هذه هي وارينجا التي كانت ترتدي معطفاً خارجياً مشحماً قبل ذلك في النهار؟ ومن ذا الذي يستطيع تقدير أن هذه الفتاة الحسناء خبيرة في الجودو والكاراتيه؟ من يقدر أن هاتين اليدين تتحركان بأسرع من البرق حين تمسكان بالمسدس؟‏

يختلس "جاتويريا" النظرات من "وارينجا": عيناه لم تتعبا أبداً من حسنها وجمالها. وعينه الداخلية تقول له: بعد مرور أشهر قليلة، ستحمل هذه المرأة اسم "وارينجا واجاتويريا". وحين تراوده مثل هذه الأفكار، كان "جاتويريا" يشعر بوخزة حادة في معدته وظهره، فيرتفع قلبه وكأن له أجنحة للطيران، وينتاب جسده إحساس بالدفء من دماء العشق والغرام. يبدأ قلبه يغني: سعيدة هي المرأة التي يدق قلبها لصوت المحبوب وهو يناديها عند البوابة لدى رجوعه من مهمة دفاع مظفرة عن بلاده ضد هجوم الأعداء. سعيد هو الرجل الذي يدق قلبه بتوافق ينسجم مع صوت حبيبته وهي تسحب الماء أو تجمع الخضار والأعشاب في الوادي. سعداء هم الرجال والنساء الذين تدق قلوبهم بتساوق وانسجام وهم يجلسون على المصطبة في الليل لكي يبعدوا العصافير عن أصابع الجاروس. سعداء هم الرجال والنساء عندما تسري دماء الشباب في عروقهم، وقلوبهم تنادي بعضهم بعضاً: ماذا أستطيع أن أفعل، يا حبيبتي، بعد أن أمضَّني حبي لك إلى هذه الدرجة؟‏

في مثل هذه اللحظات، يشعر الراوي بأنه يلقى شعراً جميلاً مثل شعر مطرب "جيكاندي"، ويشعر المستمع أن كلمات المحبوب تنقر على أوتار القيثارة الذهبية التي تسكن القلب. ذلك هو الإحساس الذي يخامر "جاتويريا" و "وارينجا" الآن وهما في الطريق إلى "إيلموروج" يسألان بعضهما حزازير الحب والهيام.‏

إن "جاتويريا" يتحدث عن الموسيقى. لقد قرر "جاتويريا" على أثر مهرجان الشيطان مباشرة أن مرحلة البحث قد انتهت وأن طائفة الصائحين: "سوف أفعله غداً"، سينتظرون أبد الدهر ولن يأتي ذلك الغد. قرر "جاتويريا" إذاً أنه لن يتكلم ثانية عن تأليف الموشح القومي حتى ينجز العمل، مقطوعة موسيقية تنشدها مئات الأصوات البشرية، مع جوقة من مئات العازفين والآلات. لقد قرر أيضاً أنه لن يناقش موضوع الزواج أو حتى أن يقدم "وارينجا" لأبويه حتى يجتاز بنجاح نهر مؤلفه المراد.‏

لقد ركز مدة سنتين كاملتين على عمله بشكل مطلق، فكان في الواقع يقفل على نفسه في مكتبته كلما تزوره عروس إلهامه. لم يكن بمثل هذه الأوقات يسمح لأي شخص بدخول مكتبه. فالعمل لايشكل عبئاً إلا حينما لا يعالج.‏

لقد أنجز "جاتويريا" الآن المأثرة الموسيقية، كما أنه كسب قلب "وارينجا" أيضاً. عندما قبلت "وارينجا" عرضه بالزواج، أرسل على الفور رسالة إلى والده يخبره فيها أنه بعد سنوات من التجول، يريد الآن أن يعود، مصطحباً معه إلى بيته حبيبة قلبه وثمار بحثه في الموسيقا.‏

وردَّ والده دون إبطاء؛ يا ولدي الوحيد، إن قرارك بالعودة إلى بيتك ونشدان بركات أبيك قرار جيد، لازالت أملاكي الشاسعة الواسعة تنشد مديراً يتمتع بمعرفة حديثة.. عد إلى البيت بسرعة، حتى يتسنى لي تجميلك بأفضل الألبسة وبخاتم تضعه على يدك، ولكي أتمكن من ذبح عجل مسمَّن بهذه المناسبة. سوف نأكل ونمرح معاً لأنك كنت ميتاً وعدت إلى الحياة، وكنت ضائعاً فعثرنا عليك. أحضر معك مناك ومرادك، لكي تفرح وتمرح أجسادنا وأرواحنا معاً. لقد سمع الله صرخة قلوبنا‍‍!‏

إذاً، العجل المسمن سيذبح غداً من أجلك، قالت "وارينجا" "لجاتويريا"..‏

بل أكثر من عجل واحد، رد جاتويريا، وهو يضحك. إن رسالته توحي بأنه يعتبرني الإبن المسرف المبذر الذي سافر إلى بلد أجنبي فضيع هناك ثروته على حياة الخلاعة والموسيقا والعاهرات. وأنا واثق أنه كان منغمساً بالصلاة، يرجو الله عودتي إلى البيت وتوقفي عن رمي جواهر عمري للخنازير!.‏

وماذا لو اكتشفوا أنك لم تتوقف عن رمي جواهرك الثمينة للخنازير؟‏

لست خائفاً. حين يرى من أحضرت له، سيتكسر قلبه من الفرح الغامر.‏

عني أم عن القطعة الموسيقية؟ تسأله "وارينجا" والضحك بعينيها.‏

كيف يمكنك مقارنة حسنك وجمالك بألواح الموسيقى الجامدة؟ يسأل "جاتويريا" وهو يتظاهر بالغضب. يبدو أنك لا تملكين أية فكرة.. منذ مهرجان الشيطان، تبدين وكأنك تغيرت جسدياً وروحياً. إن لبشرتك عمقاً من السواد أطرى وألطف من أغلى زيوت العطر. وعيناك السوداوان تشرقان بصورة أبهى من بريق النجوم في الليل. ووجنتاك أشبه بثمرتين أكثر نضجاً من ثمر العليق. وشعرك حالك السواد والطراوة والنعومة بحيث أن كافة الرجال يحبون التفيؤ بظلاله من حرارة الشمس.. كما أن صوتك أعذب من ألف صوت وصوت من الأدوات الموسيقية. وارينجا، يا حبيبتي، أنت موسيقا روحي..‏

كلماته تبعث الخوف فجأة في قلب "وارينجا". تمر ظلال عبر وجهها وتغيب الابتسامة عن عينيها. كيف يمكن لكلمات سمعتها قبل سنتين أن تندفق الآن من شفتي "جاتويريا"؟ كلمات سمعتها في حلم قبل سنتين... غير أن "وارينجا" لا تريد أن تخبر "جاتويريا" عن خوفها الذي ألمَّ بها فجأة، كما أنها لاتريد من "جاتويريا" مواصلة الحديث عن حسنها وجمالها. إنها تحاول تحويل الحديث نحو أقنية مختلفة أخرى.‏

حدثني عن المعزوفة. تقول "وارينجا". الحقيقة، لم أكن أفكر أبداً بأن أي عمل موسيقي يمكن أن يستغرق سنتين كاملتين في التأليف.‏

الموسيقا التي تحكي قصة موطن الإنسان؟ الموسيقا التي ستعزف بجوقة من مئات الآلات وتُغنى بأصوات مئات البشر؟ ثم تذكري، أن عليك أن تبيني مكان كل آلة وكل صوت مشارك. يا صديقتي، هناك موسيقى وهناك الموسيقى! هناك أغنية وهناك الأغنية! والحقيقة، لو أني لم أقابلك وأمعن النظر بعينيك، ولو أن الحب لم يمنح قلبي جناحين، لا أعرف إن كنت سأتمكن في حياتي من إكمال هذه المقطوعة. ولكنني حين حبست نفسي في مكتبتي، كنت أرى وجهك الجميل يوميء لي، يحضني ويقول لي: أنهيها يا حبيبي، لكي نستطيع الذهاب سوية. إن الهدية التي تنتظرك عند إكمال المهمة هدية خاصة جداً...‏

وبسبب هذا، قرر "جاتويريا" أن تكون مقطوعته خاتم خطوبة "وارينجا". لقد قرَّ قراره بأنه عند إكمال المقطوعة، سيقدمها "لوارينجا" أمام أبويه في "ناكورو".. وقر قراره أيضاً بأن أول أداء سيتم في ليلة زفافهما. سيكون يوم الغد أول مرحلة على طريق اتحاد قلبيهما: ولقد عزم "جاتويريا" أن يقدم لها في حفلة الغد المائتي لوحة موسيقية، وهي ثمار سنتين من جهد وكد فؤاده....‏

سألتك عن الموسيقا ولم أسألك عن وجهي، تقول "وارينجا" "لجاتويريا" وهي لاتزال تحاول تغيير الموضوع.‏

يقلِّب "جاتويريا" في ذهنه كافة المشاكل التي جابهها وهو يؤلف المقطوعة، وهو يتساءل عجباً كيف يمكنه أن يشرح عملاً استهلك مائتي صفحة بحفنة من الكلمات. وكيف لعمل استغرق سنتين كاملتين للاكتمال أن يلخص بدقيقتين من الزمان؟‏

وبالطبع، إن بمقدور "جاتويريا" إعادة تركيب عملية مزج الأصوات والألحان في ذهنه بتساوق وتآلف واحد: كيف وأين تلتقي كافة الأصوات، ثم كيف وأين تفترق، كيف يأخذ كل صوت مساره الخاص المنفصل، وأخيراً كيف وأين تجتمع معاً، وشتى الأصوات تجري بتآلف وانسجام كما يجري نهر "ثيريريكا" عبر سهول فسيحة نحو البحر، وكل الأصوات تمتزج مع بعضها مثل ألوان قوس قزح. والشيء نفسه ينطبق على أصوات الأدوات الموسيقية. ويستطيع "جاتويريا" أن يسمع، في رأسه، أين تلتقي الأدوات لخلق لحن واحد، وأين تفترق، وأين تحمل كل مادة الموضوع على كاهلها. غير أنه بشكل أوضح، يستطيع سماع أصوات الآلات وهي تلتقي معاً في جوقة واحدة من الإيقاع المنفرد، وبذلك ترفع في بعض الأحيان أفئدة النظارة إلى ذرى الفرح، بينما تقذف في أحيان أخرى بأفئدتهم إلى أعماق الحزن والأسى. ثم إن "جاتويريا" يستطيع تصور النظارة وهم يتدافعون خارج قاعة الحفل الموسيقي في غضب ضد من باعوا روح الأمة للأجانب وهم يهذون بالكلام فرحاً بالذين أنقذوا الوطن من الاستعباد للأجنبي. لقد كان "جاتوتويريا" يأمل فوق ذلك كله بأن موسيقاه ستلهم الناس حباً وطنياً خالصاً لكينيا.‏

هذه الأشياء كلها ترغي وتزبد في ذهن "جاتويريا"، وكل صورة صوتية تلاحقها صورة صوتية أخرى، وكأنها جمعياً تقاتل من أجل البقاء في ميدان عقل وخيال "جاتويريا". وفيما هو يقود سيارته "التويوتا" الحمراء نحو "إيلموروج"، يستطيع سماع أصوات وألحان الرجال والآلات تناديه...‏

يحاول "جاتويريا" أن يشرح "لوارينجا" حركة كل صوت ولحن. إنه يحاول شرح أنواع الأدوات التي يمكن تقديمها لتمثيل العمال والفلاحين وهم ينقذون روح الوطن من العبودية الإمبريالية. إنه يحاول شرح مصاعب تدوين الموسيقا الأفريقية، لأن تدوينها لم يتطور بشكل ناجح حتى الآن ولأنه يختلف عن تدوين الموسيقا الأوربية.‏

وفجأة يلاحظ "جاتويريا" أن وارينجا لم تكن تصغي إليه فيسألها. ما الخطب؟ لقد أشرت إلى العمال والفلاحين وهذا ما ذكرني "بوانجاري" "وموتوري" و... و...‏

وزعيم الطلاب؟‏

أوه، نعم، وزعيم الطلاب.‏

هل تنسين ما حييت ذلك الثالوث؟ يسألها "جاتويريا" ثالوث العامل والفلاح والوطني المقدس، ترد عليه "وارينجا"، ثم تتوقف وبعدها تستكمل كلامها من جديد، لا، لا، لم أنسهم قطعاً. لم أنسَ ظهورهم في المحكمة. ياالله، لن أنسى ماحييت محاكمة الثالوث المقدس.‏

(4)‏

لقد حضرت "إيلموروج" عن بكرة أبيها المحاكمة. كانت قاعة محكمة "إيلموروج" مكتظة بنوعين من النظارة. كان يوجد على جانب أول أناس مثل "كيهاهو وا جاتيكا" و "جيتوتو وا كاتا نجورو"،و"اندتيكا وا نجونحي" وا "كيمنديري وا كانيوانجي"، بينما يوجد على الجانب الآخر جمهرة العمال والفلاحين والطلاب وصغار التجار وهلم جرا. كان القاضي أبيض اللون ويرتدي رداءً أحمر كالدم فيما كان كاتب المحكمة "يخربش" بكتابة الأشياء وهو يترجم.‏

وفي قفص الاتهام كان يجلس "موتوري" و "وانجارى" وقائد الطلاب، تحت حراسة رجال الشرطة وحراس السجن. كان الثلاثة متهمين بتعكير أمن الجمهورية في ميدان الجولف بمدينة "إيلموروج" خلال لقاء نخبة من رجال الأعمال، مسببين بذلك مقتل سبعة أشخاص.‏

لقد تم استدعاء كل من "جاتويريا" و و"ارينجا" إلى مركز شرطة "إيلموروج"، وبعد توجيه الأسئلة لهما، طلب إليهما أن يذكرا إن كانا يرغبان أن يصبحا شاهدين في المحاكمة، فرفضا ذلك.‏

أما شهود جهة الإدعاء فكانوا من أمثال "جيتوتو" "وكيهاهو" ورجال الشرطة. ولكن الشاهد الرئيسي لجهة الإدعاء هو "روبين مواؤرا"، سائق سيارة الماتاتو ماتاتا، طراز فورد، ت، ذات الرقم /م. م. م. 333/.‏

أخبر"مواؤرا" المحكمة أنه في يوم أحد معين أقلَّ بسيارته من "نيروبي" راكبين هما "وانجارى" و" موتوري". غير أنه استطاع منذ البداية أن يرى بأنهما لم يكونا محل ثقة وصدق. لقد رفضت "وانجارى" حتى أن تدفع الأجرة، وهي تدق على صدرها وتقول إن كل شيء في كينيا يجب أن يعطى بالمجان. وكان "موتوري" دون أدنى ريب متفقاً ومتحالفاً معها لأنه هو الذي دفع الأجرة عنها. لقد كان الاثنان يتحادثان على طول الطريق من "نيروبي" إلى "إيلموروج"، وكل حديثهما عن وحدة العمال والفلاحين وعن الحاجة إلى نوع من الشيوعية بدعم من طلبة الجامعة. قال: إنه شخصياً وبأم أذنه، سمع "وانجارى" تتبجح كيف أنها سوف تخرب المهرجان في الكهف عن طريق خداع شرطة "نيروبي" و"إيلموروج" وإقناعهم بأن المهرجان اجتماع للسارقين واللصوص. كما سمع "موتوري" وهو يتبجح بأنه سوف يحشد ويستجمع العمال والفلاحين ويخرب المهرجان انتقاماً لفصله عن عمله من قبل مدراء "شركة البناء والتعمير العملاقة".‏

أخبر "مواؤرا" المحكمة بعد ذلك أن هذين الإثنين كانا متحالفين دون أدنى ريب مع شخص آخر يدعى "موئيريري وا موكيراي". لقد كان "موئيريري" صامتاً طيلة الرحلة. غير أن الصمت لم يكن سوى رياء فاضح لأنه هو الذي أعطاهما في نهاية الرحلة بطاقات الدعوة إلى المهرجان. وعندما رأى "موئيريري". أن الشغب والبلبلة اللذين خطط لهما مع المتهمين على وشك الإندلاع، فإنه بكل دهاء غادر الكهف واستأجر سيارة "مواؤرا" لرحلة ليلية يعود بها إلى البيت، ولكن السيارة لسوء الحظ تدهورت في "كينيني"، وقضى "مؤيريري وا موكيراي" نحبه في مكان الحادث وقضي على السيارة في الحال. أما هو "مواؤرا" فقد نجا بإعجوبة.....‏

كان "مواؤرا" في منتصف رواية قصته عندما سُلِّمت ورقة للمدعي العام. قرأ المدعي العام الورقة، ثم مشى نحو المنصة وهمس شيئاً ما في مسمع القاضي. أعلن القاضي إثر ذلك أن الإتهامات ضد المتهمين قد سحبت، وأنهم بذلك أحرار طلقاء. لم ينتظر الناس حتى للإستماع لمادة قانون العقوبات التي أُطلق سراحهم بموجبها. وراح العمال والفلاحون والطلاب يصيحون فرحاً. هرعت "وارينجا" إلى خارج قاعة المحكمة لتعانق "وانجاري" و"موتوري" وقائد الطلبة.‏

كادت "وارينجا" تسقط على الأرض من هول الصدمة. فقد كانت قاعة المحكمة كلها مطوقة تطويقاً كاملاً بجنود مسلحين بالبنادق والدروع والعصي والهراوات. هذا وما إن خطا "موتورى" و "وانجاري" وقائد الطلبة خطوة واحدة خارج القاعة حتى قوبلوا بالبنادق والسلاسل.‏

ولم يعرف الناس إلا بعد أسبوعين أن "موتوري" و "وانجاري" وقائد الطلبة قد اعتقلوا كما لم يعرفوا إلا بعد شهر أن "مواؤرا" قد اشترى ثلاث عربات جديدة حديثة حوَّلها إلى ناقلات بالأجرة. والشركة التي أنشأها سميت شركة ماتاتو ماتاتا ماتا مو للنقل الحديث. وأصبح رئيس المراسم واحداً من مدراء الشركة؛ أما المدير الآخر فكان "كيمنديري وا كانيوانجي".‏

(5)‏

ألا يزالون على قيد الحياة؟ "وارينجا" تسأل "جاتويريا". أشعر أحياناً أنهم نقلوا إلى تلال "نجونج".‏

من يدري؟ يقول "جاتويريا"، وهو لايزال يقود سيارة "التويوتا" الحمراء. دعينا ننتظر حتى الثاني عشر من كانون الأول. ثمة احتمال بالإفراج عنهم مع المحكومين العاديين.‏

آمين، إنشاء الله، تقول وارينجا من أعماق قلبها، ذلك سيكون اليوم الذي تصدح فيه الموسيقا الحقيقية في ثنايا روحي.‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:44 PM
الفصـل الحـادي عشـر




(1)‏

إن مدينتنا "إيلموروج"، على ما يبدو، لا تتغير كثيراً، فبعد سنتين كاملتين من مهرجان الشيطان، كانت "إيلموروج" تبدي لعين الناظر نفسها التقسيمات التي كانت فيها من ذي قبل. لقد واصلت "المرتفعات الذهبية" توسعها. كانت لاتزال المنازل ذات الجدران المزينة بالقناديل داخل ثريات ذهبية وبالسجاجيد الفارسية على أرض الغرف تشيَّد بالمال الذي يملكه ملوك المال المحليون بوفرة وغزارة. والشيء نفسه يحكى عن الأسرَّة المصنوعة من الفضة والذهب:‏

إذ أن ذلك صار شائعاً جداً وطبيعياً بحيث لا يساور الشك أي إنسان بأن بقية سكان المنطقة قد يندهشون حتى تجاه هذا الوضع. ولقد تزايدت أعداد الشركات الأجنبية، لاسيما الأمريكية والكندية والألمانية الغربية والفرنسية والبريطانية واليابانية. فكانت السيارة مقياساً جيداً لهيمنة المال الأجنبي على حيواتنا. (حقيقة الأمر هي أنه ليس ثمة اليوم طراز من السيارات؛ تويوتا، داتسون، مازدا، هوندا، سوبارو، فورد، كاديلاك، فوكس هول، فولفو، فيات، بيجو، رولزرويس، بنتلي، جاكوار، ألفا روميو، مرسيدس بنز، ب. م. و. إضافة إلى أنواع عديدة أخرى، إلا وتجدها تدور على طول طرقات "إيلموروج". كما أن بيوت المال الأجنبية ومستودعاته- البيوت التي تسمى نفسها شركات ومصارف الضمان- التي لَّمت الأموال وخزنتها، قد اجتاحت "إيلموروج" بصورة عملية واقعية. وكان مصرفان أمريكيان، واحد من "شيكاغو" والآخر من نيويورك، هما آخر من يبني المستودعات، قواعد لتجارة- المال، في هذا القلب النابض بالثروة والمال.‏

كما أن "نجيروكا" توسعت أيضاً. الملاجيء الكرتونية، والخنادق المليئة بالمياه الفاسدة، وحطام المعامل التي تعود ملكيتها للأجانب، والغائط والبول، كلها وسَّعت قليلاً من "نجيروكا" . وحتى القرى التي كانت تقوم في ضواحي "نجيروكا". مثل قرية "نجاينديثيا" حيث يعيش والدي "وارينجا" فقد ابتلعتها "نجيروكا". العمال والعاطلون والمعدمون وبائعو الخمور المحرَّمة، وبائعوالبرتقال و"الماندازي" ، والمتاجرون بأجسادهم كانوا جميعاً محشورين في حي الفقر والقذارة. كما كان في "نجيروكا" عدد من الدكاكين الصغيرة التي تبيع اللحم والبيض والخضار والملح والجعة والفلفل والبصل والدقيق.‏

أما مالكو هذه الدكاكين والملاجئ الحقيرة فهم سكان المرتفعات الذهبية، كان بعضهم يزور "نجيروكا" لتحصيل الأجور والأرباح، غير أن أكثرهم كانوا يستخدمون زعراناً لتحصيل ذلك، وحتى "ملائكة الشيطان" أسسوا فرعاً لهم في "إيلموروج".‏

كان والدا "وارينجا" يعيشان في "نجيروكا" ولكنهما كانا دائماً يسميان حيهما بإسم قرية "نجاينديثيا". وكان منزلهما أكبر قليلاً من معظم المنازل، ذلك لأن "وارينجا" ساعدت على توسيعه عندما كانت تعمل بوظيفة سكرتيرة. ثم إنها، بمبلغ المال الضئيل الذي كانت تكسبه بالمرآب، كانت تساعدهما في دفع رسوم المدرسة وشراء الطعام.‏

وفي قرية "نجاينديثيا" من حي "نجيروكا" في " إيلموروج"، حطَّ "جاتويريا" و "وارينجا" رحالهما أولاً.‏

(2)‏

كان اليوم سبت والساعة تقترب من الخامسة مساءً. لم يكن والد "وارينجا" في البيت. أما "وامبوي" إبنة "وارينجا"، فقد ذهبت مع بقية الأطفال مشواراً في "نجيروكا". غير أن كل شيء على ما يرام، فوالدة "وارينجا" موجودة في البيت.‏

يطلع "جاتويريا" و "وارينجا" الأم على نيتهما في الزواج، كي يتسنى لهما فتح بيت خاص بهما أسوة ببقية الناس، تسحج أم "وارينجا" حنجرتها. وهي رغم كبر سنها، كانت ممن لا يظهر عليهم العمر. كانت عباءتها المزركشة بالأزهار السوداء والبيضاء، ورغم أنها باهتة قليلاً، تناسب جسمها جيداً. أخذت ترش صدرها باللعاب، على سبيل التبرك، غير أن في جعبتها سؤالاً تطرحه، سؤالاً واحداً ليس إلا.‏

سوف أطرح سؤالي عليك يا "وارينجا" وسوف أطرحه أمام هذا الشاب لكي يتمكن من سماع الجواب أيضاً، لأن من العسير فهمكن وسبر أغواركن يابنات العصر الحديث. هل أخبرت هذا الرجل أن عندك فتاة بلغت من العمر ما يؤهلها دخول عالم النساء وأقصد ختانها إذا كانت عادة الختان لا تزال سارية؟‏

وهل طفلتي الصغيرة "وامبوي" هي التي تسمينها امرأة؟ تسأل وارينجا ضاحكة. إن ذلك أمر لم أخفه. بل إنني أطلعت "جاتويريا" على كل شيء. ثم إنه التقاها عندما كان هنا آخر مرة في مهرجان الشيطان قبل عامين. وما من أحد يستطيع أن يقول بأن "وامبوي" و "جاتويريا" غير متصلين اتصالاً دموياً. ألا تظنين أنهما متشابهان؟ إنهما يمكن أن يشكلا توأمين- لولا أن "جاتويريا" كبير السن ‍!‏

إنك مصيبة تماماً، توافقها أمها الرأي دون تردد. إنهما بالفعل يشبه احدهما الآخر، وماهي صلة الدم؟ يسأل "جاتويريا" بشيء من الغضب والإثارة. مايهم إذا كان الناس متشابهين أو غير متشابهين؟ الطفل طفل. ونحن جميعاً من نفس الرحم، الرحم المشترك لأمنا الواحدة "كينيا". إن الدم الذي أريق في سبيل حريتنا، قد أزال الفوارق بين هذه العشيرة وتلك وهذه القومية وتلك، لم يعد هنالك اليوم "ليو" و "جيكويو" و "كامبا" و "جيرياما" و "لوبيا" و " ماساي" و "ميرو" و "كالينجين" أو "توركانا". إننا جميعاً أبناء أم واحدة. أمنا هي "كينيا" أم الشعب الكيني برمته.‏

لقد تلفَّظت بكلام جيد، أيها الشاب! ترد والدة "وارينجا" أمدك الله دائماً بعونه وجعل حرثك خصيباً مثمراً . إن بناتنا اليوم لا يفكرن إلا في إلقاء أطفالهن داخل المراحيض أو رميهن في صناديق القمامة حتى لا ينبذهن أصحاب من الفتيان.‏

شارفت على قتل نفسي، تقول وارينجا. وذلك كله لأن عجوزاً غنياً نبذني. إنها الحقيقة! تصوروا أنني ألقيت نفسي أمام أحد القطارات على حساب الجماعة التي أرسلت "موتوري" ورفاقه إلى المعتقل!‏

الأحمق المغفل وحده هو الذي يرضع ثديي جثة أمه، تذكر والدة "وارينجا" ثم تقول: وما الشباب إلا ضرب من الجنون والحماقة في بعض الأحيان.‏

إنسه، يقول جاتويريا في محاولة لكبح "وارينجا" عن استذكار الموضوع. إن ما فات فات.‏

لم أعد أُحرم النوم حسرة على ما خسرت، تقول وارينجا ضاحكة. لو أنني تزوجت "وايجوكو" صاحب الصدر المملوء بالشعر، كيف لي أن أحظى بشاب وسيم مثلك؟ غير أنني سمعت من أحد الناس أن أمثال "وايجوكو" الجدد يحلقون صدورهم حلاقة بواسطة النقود. فالنقود هي الشباب الحديث.‏

النقود ليست هي الحياة، تعلق أم "وارينجا" والأمر المهم، سواء كان الرجل عجوزاً أو شاباً، هو السعادة التي تنجم عن أفعال الإنسان في هذه الدنيا يا "وارينجا" لماذ لا تأخذي "جاتويريا" مشواراً حول "إيلموروج" ، بينما أطبخ أنا شيئاً ما؟ انصرفا وعندما تعودان، ستجدين والدك هنا، ثم تطلعينه على كل مشاريعك.‏

هذه فكرة حسنة، ياأماه، يقول "جاتويريا" وهو يهب واقفاً إنني لم أمش حول "إيلموروج" منذ المهرجان....‏

(3)‏

ومرة ثانية يتجه "جاتويريا" و "وارينجا" نحوالمرتفعات الذهبية طلباً لنسمة من الهواء البارد العليل، العشب في حديقة "إيلموروج" ناعم وأخضر والأشجار هناك تنشر أغصانها وأوراقها مثل المظلات.‏

يوقف "جاتويريا" سيارة "التويوتا" إلى جانب الطريق، لأنهما كلاهما يريدان أن يتمشيا فوق العشب الأخضر وبين الأشجار. يتسلقان قمة الجبل لكي يمتعا النظر بالسهول المضطجعة في الأسفل، بمزارعها الغناء من القمح والشعير، المزارع التي تعود ملكيتها لمعامل "ثينجيتا" لصنع الجعة..‏

هذه هي المتعة: إنها متعة ما بعدها متعة عندما يسري دم الشباب في تآلف وانسجام إلى أسفل وادي الغرام والهيام، إن "وارينجا" و "جاتويريا" يقفان سوية، وكتفاهما متلاصقان، ينظران إلى السهول المترامية والهضاب البعيدة. يسعدني دائماً أن أسمعك تقول ما قلته في البيت. تبدأ وارينجا الحديث.‏

ماذا قلت؟ يسألها "جاتويريا"، فقد ثرثرت كثيراً.‏

أن لاشيء يعيب الفتاة التي تحبل. وأنَّ الطفل المولود من زواج غير شرعي ليس علَّة. ترد "وارينجا" على الفور.‏

ألم أطلب منك نسيان الماضي؟ يسألها "جاتويريا" خلِّي علينا سعادتنا اليوم وغداً. تغلبنا على عقبة أولى في رحلتنا: فقد باركت أمك زواجنا. إن قلبي يعمر بالفرح والسعادة. من يستطيع الإدعاء بأنه أكثر حظاً وسعداً مني؟ لقد ألَّفت الموسيقا التي كانت طموحي الدائم. والآن أنعم بعطاء خاص- جمال يفوق كل جمال.‏

إنك تقدم أسلوب الشهادة ذاته الذي قدمه لنا اللصوص والسارقون في "إيلموروج"! تقول وارينجا ضاحكة. وينبغي عليك أن تتوقع من يتغنى بمديحك والثناء عليك!‏

ولكنني أقول الحقيقة. إنني أغني ترانيم الفرح. ماذا تحسبين الشيء الوحيد الذي أحتاج إليه لكي أجعل فرحي يفجر ضفتيه؟‏

لا أستطيع قراءة رسالة مختومة في مغلف فؤادك، تقول "وارينجا" وهي تكبت ضحكها متذكرة كلمات "بوس كيهارا" في المكتب. قل لي ماذا تنتظر، لكي أتمكن، حين أرى فرحك يفيض كالطوفان، من القفز إلى الضفة الأخرى حتى لا يحملني معه ويوردني الهلاك.‏

إنني انتظر مباركة والديَّ في "ناكورو" غداً، يجيبها "جاتويريا"‏

كيف شكل والديك وماذا يشبهان؟ تسأله "وارينجا" فجأة. وهل أنت تشبه أمك أم أبيك؟‏

لم يسمع "جاتويريا" "وارينجا" تسأل ذلك النوع من السؤال من ذي قبل على الإطلاق. وهو لا يعرف كيف يجيبها. كان "جاتويريا" في أعماقه يشعر دائماً بالخجل من أبويه بسبب طريقتهما في تغليف نفسيهما بأردية العادات الأجنبية دائماً دائماً، ويجعلان من الحضارة الأوروبية صنواً لعلم الله. وحتى في هذه اللحظة، لم يكن "جاتويريا" واثقاً تماماً من طريقة استقبال أبويه "لوارينجا" في الغد، لاسيما إذا عرفا بأن لها طفلاً من رجل آخر. غير أنه اتخذ قراره حول نقطة واحدة، ألا وهي أنها، بصرف النظر عن طريقة استقبالها، تظل عروسه المختارة. ومن صميم الموضوع أيضاً، إنه لايعرف إن كانت "وارينجا" ستتقبل والديه. هل تراها ستحتقرهما عندما ترى سلوكهما غداً؟ وهل ستغير رأيها به بعد أن تكتشف أن العادات الأجنبية التي كانا يبحثانها معاً باستمرار ويشجبانها هي عادات راسخة الجذور في بيت أبويه؟‏

كانت هذه هي الوساوس التي منعت "جاتويريا" أن يعرض على "وارينجا" بطاقة الدعوة التي وزعها والداه على الأصدقاء، داعيين إياهم لحضور حفلة شاي ترحيباً "بجاتويريا". قبل كل شيء، لم يكن "جاتويريا" يرغب في إطلاع "وارينجا" على الأسماء الأجنبية التي انتحلها والده لنفسه. والبطاقة مطبوعة بحروف من ذهب وموشاة عند الأطراف بالأزهار الذهبية. ثم إن مايزيد من خجل "جاتويريا" إضافة إلى تحديد لباس المدعوين في المناسبة، هو أن البطاقة تحمل لائحة بأسماء الحوانيت التي يمكنهم إبتياع الهدايا منها.‏

بطاقة الدعوة‏

حفل! حفل!‏

حدائق نجوريكا الغناء‏

يتشرف السيد "هيسبانيورا جرينوى غيتاهي والسيدة زوجته بدعوة السيد، أو السيدة، أو الآنسة أو الأستاذ أو الدكتور إلى حفل شاي ترحيباً بعودة ولدهما السيد "جاتويريا غيتاهي" وخطيبته.‏

يوم الأحد....، بتمام الساعة الثانية.‏

لباس الرجال - بزات سوداء.‏

لباس السيدات - أثواب طويلة، قبعات وقفازات‏

ومن يهتم بإحضار هدية يمكنه ابتياعها من المحلات التالية.‏

محلات "لندن" للرجال والسيدات في إيلموروج‏

المحلات الباريسية في نيروبي.‏

محلات سيدة روما في ناكورو- ثم التوقيع‏

أتطلع إلى الروابي التي يأتيني منها المدد. "سفر داوود"‏

وعندما يفكر "جاتويريا" بالبطاقة يشعر بميل للبكاء. ليس ثمة شيء مزعج ومروع مثل أن يرى المرء أناساً وقد ابتلعوا العادات الغربية بصورة كاملة، حتى من غير مضغها، لأن مثل هؤلاء يصبحون مجرد ببغاوات. إن الوساوس التي منعت "جاتويريا" من عرض البطاقة على "وارينجا" هي ذات الوساوس التي تجعله يتردد الآن في الإجابة عن سؤالها.‏

هل نسيت شكل أبويك وماذا يشبهان؟ ولماذا تتأنى كثيراً في الإجابة؟‏

تقول "وارينجا" وهي تحضه على الإجابة.‏

أغمض عينيك حتى ظهيرة الغد، يجيبها "جاتويريا"، وهو يحاول استخدام لهجة سلسة ناعمة. وعندما تفتحينها، قدري من سترين! إنهما والدا "جاتويريا" ثم سينجلي الأمر، ويا للعجب، عن أن كل وساوس "وارينجا" ستنمحي وتزول.‏

وفيما هو يتكلم، كان "جاتويريا" يطوق بذراعه خصر "وارينجا"، بينما تسند هي رأسها على كتفه.‏

آه... غداً، فلينبلج الفجر سريعاً لكي نتمكن من مشاركة الطير المبكر ماءه العذب، تقول وارينجا متنهدة، وكأن صوتها قادم من أصقاع بعيدة على ما يبدو.‏

تنسكب دمعتان على وجنتيها، مثل قطرات الندى وهي تتشكل على قشرة ثمرة ناضجة ناعمة عند شروق الشمس. الفارق الوحيد الآن هو أن الشمس كانت تغرب عن المرتفعات الذهبية.‏

ماذا هناك، ما القضية، ياحبيبتي؟ يسأل "جاتويريا" قلقاً مضطرباً ما الذي أثقل على فؤادك فجأة وفوراً؟ هل أنت غاضبة؟ لمجرد أنني كنت أمزح فقط.‏

(4)‏

الأمر ليس كذلك، تجيبه "وارينجا"، لا تعر بالاً لدموعي. فأنا أحياناً أبكي دونما سبب معين. هل أخبرتك أنهم أبلغونا اليوم بأن علينا أن نترك مبنى مرآب "مؤيهوثوري" والأرض التابعة له؟‏

تتركون موقعكم؟ ترحلون؟ ولمن تتركون الموقع؟‏

للسيد "بوس كيهارا" وشركته الجديدة، "شركة الفردوس للسياحة والتنمية".‏

الرجل الذي صرفك من الخدمة لرفضك مضاجعته؟‏

نعم، فهو وأصدقاؤه الأجانب خلعوا عنا ثيابنا في وضح النهار، تقول "وارينجا" ثم، وهي تتذكر الحكاية الرمزية التي رواها لهم "مؤيريري وا موليراي"، تضيف بلغة ولهجة الكاهن، لكي تتحقق كلمات النبي، حين قال لنا: من له يعطى ويزاد.....‏

.... ومن ليس معه، يؤخذ منه حتى ذلك النزر الذي يملكه. ويختم "جاتويريا" العبارة مستخدما اللهجة الكهنوتية نفسها.‏

يضحك "جاتويريا" و "وارينجا" معاً. ثم يتوقفان عن الضحك في لحظة واحدة. وينفرد كل منهما دقيقة من الزمن مع أفكاره الخاصة. ثم تتنهد "وارينجا" وتسأل: هل تتذكر أنني أخبرتك مرة في "نجيروكا" عن حلم كان يراودني عندما كنت تلميذة في ثانوية "ناكورو"؟‏

عن الشيطان الذي يصلب من قبل بشر يرتدون ثياباً خرقة بالية، أليس كذلك؟ أجل، وفي اليوم الثالث يُنزل عن الصليب من قبل أناس يلبسون البزات السوداء وربطة العنق.‏

ثم يركعون أمامه ويصرخون، هو زانا،! هو زانا! نعم، أستطيع أن أتذكر بأنك رويت لي شيئاً من هذا القبيل. ولكن تذكري ما قلته لك: إن لكثير من الكنائس رسوماً ونقوشاً على الجدران والنوافذ، ومثل هذه الصور يمكنها أن تسبب الكوابيس للإنسان. ولكن لماذا تسألين؟ يقول "جاتويريا" وهو ينظر إلى "وارينجا" وجهاً لوجه.‏

لأن الحلم نفسه راودني الليلة الماضية. وأنت تعرف أنني قلما أدخل كنيسة في هذه الأيام. غير أن حلم الأمس كان مختلفاً قليلاً عن الحلم المعتاد. في حلم الأمس، لم ينتظر من يرتدون ربطات العنق حتى لإنقضاء ثلاثة أيام، كما أنهم لم يدنوا من الصليب خلسة، الليلة الماضية، أقبلوا مباشرة إثر وضع الشيطان على الصليب. كانت تقودهم عربات مدرعة ذات مدافع كبيرة. أنزلوه عن الصليب وراحوا يرتلون المدائح له، تحرسهم السيارات المدرعة من كل جانب.‏

والذين يرتدون الأسمال؟ يسأل "جاتويريا" ماذا فعلوا عندما تم ضبطهم في العمل؟‏

لم أستطع أن أرى بوضوح. ولكنني أظن أنهم تشتتوا وذهبوا إلى الغابات والجبال، يغنون أغاني لم أسمعها من قبل. ثم صحوت من نومي قبل اكتمال الحلم.‏

لاتجعلي الكوابيس تقضُّ مضجعك. يحاول "جاتويريا" رفع معنويات "وارينجا".‏

ولا تنسي أنك قبل سنتين رأيت العربات المدرعة تلاحق العمال والفلاحين والطلاب الذين جاؤوا إلى المحكمة أثناء الإستماع إلى قضية "موتوري" ورفاقه. لقد عاودك حلم العربات المدرعة لأن ذهنك يعرف أنك اليوم قادمة إلى "إيلموروج". وهو المطلوب إثباته.‏

يبدو أن الأمر على هذا النحو، تقول "وارينجا" وهي تخفف عن نفسها. يجدر بك أن تكون مفسر أحلام مثل يحيى حسين، فلماذا لا تقوم بمثل هذا العمل فإنه سيدر عليك دخلاً حسناً.‏

أستطيع أن أسمي نفسي "الأستاذ جاتويريا"، مفسر الأحلام والكوابيس. إذا كنتم بحاجة لعشبة طبية تشفي كل الأمراض، فهلموا إلى " الأستاذ جاتويريا". وإذا كنتم تحتاجون وصفة حب وغرام، هيا إلي! فأنا صاحب معجزات.... لقد كنت أول من تنبأ بقدوم النهار عندما تشرق الشمس في الصباح وتغرب في المساء!‏

راح الإثنان يضحكان سوية.‏

(5)‏

صحيح أن الحب لا يعرف الخوف. وصحيح أن الحب لا يعرف الألم أو المشاكل أو الأحلام المزعجة. الحب لا يعرف الأمس أو ما قبل الأمس، إنه يعرف الغد وبعد الغد، ابتداء السعادة الخالدة. ومستقبل "وارينجا" و "جاتويريا" سيبدأ غداً...‏

غير أن ما يجعلني أبكي، تشرح "وارينجا" لجاتويريا، لايرجع إلى هذين الأمرين: الطرد من موقع العمل ورؤية الكوابيس.‏

إذاً، امسحي عنك دموعك. يجيبها "جاتويريا".‏

هذه الدموع لايمكن مسحها اليوم، لأنها حصيلة خليطة من الفرح والأسى. تقول "وارينجا":‏

ماذا تقصدين؟‏

لم تطأ قدماي أرض ناكورو مذ حاولت الإنتحار. كنت أقول لنفسي: كانت "ناكورو" نقطة البداية في أحزاني. وفي الغد ستكون "ناكورو" نفسها علامة على بداية أفراحي وسعدي.‏

ما هو وجه الخطأ في ذلك؟ يسألها "جاتويريا" إن "ناكورو" الغد ستثأر من "ناكورو" الأمس، يحاول أن يخفف العبء عن قلب "وارينجا".‏

أجل، ذلك هو الأمر. ستكون "ناكورو" مصدراً للدموع والضحك في آن واحد.‏

آمين، إن شاء الله، يقول "جاتويريا"، ولذلك امسحي عنك دموعك، لأن "ناكورو" مصدر المعجزات. إنها تخلق من الحزن فرحاً، لماذا لاتمسحين دموعك، دعيني أمسحها بالحب والهيام.‏

أنت، يا أستاذ الدجل والأكاذيب! تصرخ "وارينجا" وهي تدفع "جاتويريا" عنها بيد مترددة لاتقصد ذلك تماماً. أين تعلمت عادة التقبيل الأجنبية هذه؟ لاتنكر بأنك لم تتخل عن العادات الأجنبية أبداً!‏

اعترفي أنت أنك تريدين قبلات الرجال السود! يرد "جاتويريا" وهو يبتسم ويلتصق بها. تميل "وارينجا" مبتعدة عنه، غير أنهما يواصلان الكلام طيلة الوقت. "قبلات وهمسات في فراش الحب والغرام"، يقول جاتويريا، ثم يبدأ إنشاد أشعار "موثونجوثي":‏

جاتويريا: حيث أمسك بك الآن،‏

حيث أمسك بك الآن،‏

هل تشعرين أنني أضغط بشدة؟‏

وارينجا: حيث تمسك بي الآن،‏

حيث تمسك بي الآن،‏

الوضع جيد هكذا.‏

أيها الرجل، امسك، ولا تتركني أفلت.‏

جاتويريا: ارقصي، وسوف نمضي إلى البيت معاً.‏

ارقصي، وسوف نمضي إلى البيت معاً،‏

ياحبيبتي.‏

لأنني لن أسمح لك بتركي في برد العراء.‏

وبينما هو يغني البيت الأخير، يمسك "بوارينجا" ويعانقها.‏

ومن علمك أغاني ورقصات "موثونجوثي"؟ تسأله "وارينجا".‏

الرجل العجوز الذي حكيت لك عنه، هو من "باهاتي" في "ناكورو"، ذلك الرجل الذي روى لي الحكاية عن "نجينجوري"، الذي باع نفسه لروح شريرة وتحول إلى محارة فارغة، يجيبها "جاتويريا".‏

ولكنه لم يطلب منك استخدام الأغنية لأغراض شريرة، فوق رابية يسدل الظلام أستاره عليها.‏

ألم تسمعي أن الظلام يجعل حتى الراقص قليل البراعة يرقص وهو واثق الخطوات؟‏

سأرقص ههنا فوق السطح،‏

سأرقص ههنا فوق السطح،‏

أوه، يا وارينجا،‏

لأن الوادي في الأسفل يخص المالك...‏

ابتعد عني، أيها اللعين! تقول "وارينجا" ، وهي تضحك، ألا ترى أن هناك ندى على العشب وأن الظلام أرخى سدوله؟‏

تعالي إلي، ياحبيبتي! يهمس "جاتويريا" في أذنها، وهو يشدها إلى الأرض. العشب فراش مجاني وهبه الله لنا، والظلام غطاؤه!‏

غيارى الراوي
07-21-2006, 03:47 PM
الفصـل الثاني عشـر




حين حضر "جاتويريا" صبيحة الأحد لكي يقلَّ "وارينجا بالسيارة، وجدها جاهزة ترفل بأجمل الحلل من قمة رأسها إلى أخمص قدمها. أصابه البكم، وعجز للوهلة الأولى عن التعرف عليها.‏

كانت "وارينجا" تتزيّا بزي "الجيكويو"، لقد سُحبت قطعة قماش بنية اللون، مطوية قليلاً في طرفها الأعلى، ومُررت تحت إبطها الأيسر، والتقى طرفاها وثبِّتا فوق الكتف الأيمن بوساطة دبوسين على هيئة وردة، بحيث صار الكتف الأيسر عارياً تماماً. كان الثوب طويلاً يصل إلى رسغ القدم، وطرفاه مثبتان معاً بالشكلات على جانبها الأيمن، حول خصرها، ربطت "وارينجا" حزاماً مغزولاً من الصوف الأبيض، ترامى طرفاه الطويلان السائبان على طول الثوب حتى الكاحلين. انتعلت خفين من جلد النمر، وحول عنقها عقود من الخرز الأبيض والأحمر والأزرق تجثم بكل روعة وجمال فوق نهديها. وكانت تزين أذنيها بأقراط من طراز "نيوري". أما شعرها فكان مسبلاً ناعماً وأسود.‏

ظهرت "وارينجا" وهي تتخطر في مشيتها مثل ابنة "الحسن والجمال"، وأماً لآيات الجمال، أبدعها على أتم صورة مبدع التوأمين، الأناقة والجمال.‏

هل يمكن أن يصبح طول القماش وحده على هذا القدر من الجمال؟ كانت هذه كلمات "جاتويريا" الأولى عند استرداد أنفاسه.‏

أتقصد أن الثوب أجمل مني؟ إن عليَّ في هذه الحال أن أخلعه فوراً!‏

قالت "وارينجا" بخفة ودعابة.‏

الجسم الناعم يُصنع من زيت العطر، أجاب "جاتويريا" بنفس اللهجة المازحة، ولكن زيت العطر لا يُصنع من جسم جميل.‏

إنني أحياناً أشعر بالذنب من تزيين جسمي، قالت "وارينجا" بصوت يشوبه قليل من الحزن.‏

لماذا؟ سأل "جاتويريا".‏

ليست هذه أوقات تزيين أجسامنا بالعقود والعطور. أجابت "وارينجا" إن هذه هي أوقات المحافظة على أجسامنا وعقولنا في وضع الإستعداد.‏

من أجل...؟‏

أعمال النضال المنتظرة.‏

تلك الأعمال ستأتي قريباً، أجاب "جاتويريا" على الفور. أما اليوم فهو اليوم. لا تخلعي ثوبك. والكفاح من أجل ثقافة وطنية هو كفاح وثيق الصلة بذلك. ثم راح يغني، وانضمت إليه "وارينجا":‏

جاتويريا: لو كان فردوس الله قريباً، لرفعت دعوى قضائية ضد النساء.‏

الله وهبكن أجساماً جميلة بالمجان فلماذا تخربنها بمساحيق الجلد المبيضة.‏

وارينجا: أيها الفتى، هيا أسرع، هيا أسرع، فنحن راحلان!‏

اركض، اركض وأسرع! فنحن ماضيان إلى محكمة الفردوس!‏

الله وهبكن نواظر بالمجان، أوه، لماذا لا يسعد، بني قومي، غير منظر الأشياء الأجنبية الغريبة؟‏

صعد الإثنان إلى داخل سيارة "التويوتا" بنفس مبتهجة فرحة للإنطلاق إلى "ناكورو" ووضع حد لكافة الوساوس والشكوك.‏

لم ينفك "جاتويريا" عن اختلاس النظر إلى "وارينجا" والإطراء على طريقة ارتدائها للثوب والجواهر، حتى اضطرت "وارينجا" لإنذاره: ركز ذهنك على عجلة القيادة، أيها الفتى، أم هل تريدنا أن نتدهور كما وقع لسيارة "الماتاتو"؟‏

الحياة الدنيا غيمة عابرة. أجابها "جاتويريا". إذا انقلبت بنا السيارة الآن، سأكون سعيداً جداً، ذلك لأنك إذا وقفت على أبواب الخلد بلباسك هذا، فإن الملاك الذي يحفظ المفاتيح سيهرع لفتح الأبواب على مصاريعها. وإذا أنت دخلت، سأحصل، أنا المذنب، على فرصة لدخول الجنة أيضاً وأحيا أبد الدهر معك ومع الرب.‏

هذه الدنيا منزلي. ولن أفارقها. لذلك قد سيارتك بحذر وحرص لأنني لم أعد على عجل للصعود إلى السماء.‏



أنت على حق ولكنْ بما أن دنياك هي جنتي، أجد لزاماً علي أن أكرر النظر إليك، لأن لا أحد يكتفي ويشبع من نظرة واحدة فقط إلى حسناء رائعة.‏

توقفا ونزلا من السيارة في بعض الأمكنة مثل "نايفاشا" و "جيلجيل" من أجل تناول الشاي أو المشروبات الخفيفة لمجرد قضاء الوقت حتى حلول الساعة الثانية، وكان ذلك أمراً يسعد "جاتويريا" الفرح كان يغمر قلبه لدى رؤية "وارينجا" تتمشى وهي ترتدي ذلك الثوب وتتزين بقلاداتها وأقراطها، وحقيبتها اليدوية تتدلى على أحد كتفيها، لا يظهر لعين الناظر شيء منها سوى عقبيها، ولم يكن "جاتويريا" وحده في ذلك، فقد توقف كثيرون من المارة للتفرج عليها.‏

آوه، هذه امرأة بهية الطلعة، قال بعضهم.‏

وعلق آخرون بالقول، ليس ثمة تقليد لا يمكن تطويره، كما ترون. فحيثما كانت تخطر، كان الناس يقرّون بحسن تلك المرأة الشابة وجمالها.‏

وعند العودة إلى السيارة، أكد لها "جاتويريا" تعليقات هؤلاء الناس فهم يقولون الحقيقة فقط، وليس ثمة تقليد قومي يمتنع علينا نحن، شعب كينيا، تطويره والتأسيس عليه-فن عمارتنا، أغانينا وأسلوبنا في غنائها، مسرحنا، أدبنا، اقتصادنا وتقنيتنا، وهذا على الرغم من أن "مؤيريري وا موكيراي" لم يرفض مبدأ أكل ما ينتجه الآخرون، فإن بعضاً مما ذكره صادق وصحيح. لقد كان مغزى خطابه صحيحاً: إن علينا ألا ننساق دائماً وراء الأشياء الأجنبية، نتعقب خطوات الآخرين، نغني الأغاني التي ألفها الآخرون فقط، ونلتحق بجوقة الأغاني التي يغنيها عازفون منفردون من بلاد أخرى. إننا قادرون على تأليف أغانينا الخاصة، وصنع عازفينا المنفردين، وإنشاد الأغاني لأنفسنا.‏

يمكن لمؤلفك الخاص أن يكون إيذاناً بثورة في الموسيقا الكينية، قالت له "وارينجا" ، ثم أردفت مع الضحك، Goteario Juu‏

لست سياسياً، ولذلك لا تتملقي موهبتي كثيراً. قال "جاتويريا"‏

ثورة؟ إن كلماتك تذكرني بما قاله مرة مؤلف موسيقي روسي هو "إيغور سترافينسكي"، في كتابه "أشعار الموسيقا". لقد طرح أنه ليس هناك ثورة حقيقية في الموسيقا، وكل مؤلف يضيف شيئاً ما فقط لما قدمه الآخرون من قبل.‏

ولكنني أقول "آمين" لأفكارك، ونحن، الشباب الكيني، يجب أن نكون النور الذي يضيء دروباً جديدة من التقدم لبلادنا.‏

وأنت، يا "وارينجا"، على سبيل المثال، نموذج جيد لما أحاول قوله. إن تدريباتك في الهندسة الميكانيكية، على التركيب والخراطة والسكب، خطوة بالغة الأهمية، إنها نوع من الإشارات المميزة التي تدلُّ البنات الأخريات على إمكاناتهن وقدراتهن.‏

خلال دقيقة من الزمن، لم تكن "وارينجا" تسمع صوت "جاتويريا" ولكنها تسمع صوت المحاضر في معهد الفنون وهو يحدثهم عن كيفية عمل المحرك الإنفجاري ذي الإحتراق الداخلي، وخاصة محرك السيارة...‏

إن لمحرك السيارة عدة أقسام تجعله يشتغل، الطاقة التي تجعله يتحرك تأتي من انفجار الوقود الداخلي. والمحرك بالنسبة للسيارة يقوم مقام القلب في جسم الإنسان. وهو الذي يحول خليطة قوامها الهواء والوقود إلى الطاقة التي تجعل السيارة تتحرك. وهناك نوعان من المحركات ذات الإحتراق الداخلي، محرك المازوت، ومحرك البنزين، ولكننا سنقتصر اليوم على دراسة المحرك الذي يستخدم البنزين، يوجد في المحرك كتلة ذات أربع أو ست أسطوانات، ولكل أسطوانة مكبس يرتبط مع العمود المرفقي بوساطة قضيب الربط، والمكبس له شكل مدقة تحطم وتسحق خليطة الهواء والبنزين. وفي كل أسطوانة صمامان، صمام الإدخال من أجل خليطة الهواء والبترول، وصمام الإخراج للغاز الناجم عن الإحتراق، لكل أسطوانة سدادة لهب. كما أن البترول والهواء يختلطان في المبِّرد.‏

إن للإنفجار أربع مراحل رئيسية: التحريض، الضغط، إرسال، الشرارة أو الإشعال، ثم الإنعدام، دعونا نأخذ اسطوانة واحدة، لنر كيف تعمل. لقد تم تشغيل السيارة الآن، عن طريق تدوير محرك الإقلاع، يبدأ العمود المرفقي بالدوران. المكبس يسحب إلى أسفل الأسطوانة. وينفتح صمام الإدخال. يتم حقن خليطة من الهواء والبترول داخل الأسطوانة فيملأ الفراغ، الآن يبدأ المكبس الموجود في أسفل الأسطوانة بالتحرك نحو الأعلى، ضاغطاً أثناء ذلك على خليطة الهواء والبنزين، فينغلق صمام الإدخال تطلق شمعة الإشعال البوجي شرارة تفجر خليطة الهواء والبنزين المضغوطة، أما الآن، وبما أن كافة صمامات الإدخال والإخراج مغلقة، فإن قوة الإنفجار تدفع المكبس إلى الأسفل. يدور العمود المرفقي. وقبل أن يبدأ المكبس بالتحرك إلى الأعلى من جديد، ينفتح صمام الإخراج وتنطلق غازات الإحتراق خارج العادم وهكذا دواليك. الطاقة القادمة من المحرك تأخذها آليات تعشيق التروس وعلبة المسننات وعمود القيادة، التي توزعها على المحاور، التي هي بدورها توزعها على العجلات. وسوف نرى هذا كله تفصيلياً في دروس قادمة. إن الدرس اليوم مجرد بداية لأشياء أكبر وأهم سندرسها مستقبلاً...‏

ابتعدت "وارينجا" عن ذكريات الماضي بهزة عنيفة من "جاتويريا"، الذي كان يتكلم بمرارة مباغتة... وماذا عن يومنا الحاضر؟ إن طاقات وإمكانات نسائنا مستغلة في الضرب على الآلة الكاتبة، والمشارب والأسرة في الفنادق التي أقمناها في كل حدب وصوب من بلادنا للترفيه عن السياح.‏

كم من المهين لكرامتنا القومية أن تصبح نساؤنا مجرد أزهار تزين أسرة السياح الأجانب، بحيث أنهم عندما يعودون إلى بلدانهم الأصلية، يتمكنون من التشدق بمديح كرم نسائنا في الفراش! هل يكون ذلك مديحاً حقيقياً صادقاً أم احتقاراً وازدراء؟‏

ليس من الحق إلقاء اللوم كله على الأجانب، أجابته"وارينجا" إذ حتى أنتم، يارجال كينيا، تعتقدون أن ما من عمل تستطيع المرأة القيام به سوى طهو أطعمتكم وتدليك أجسامكم. منذ بضعة أيام قلت لبعض الشباب: إن طموحي هو تصميم آلة بسيطة أخفف بها من عبء نساء الريف، آلة بسيطة تستغل مصدر الطاقة الأكبر على الكرة الأرضية- الطاقة الشمسية. ولا أخفي عنك، تضاحك الرجال! لماذا غاب عن ذاكرة الناس أن النساء الكينيات كن يصنعن البنادق خلال حرب "الماوماو" ضد البريطانيين؟ ألا يستطيع الناس تذكر مختلف المهمات والواجبات التي نفذتها النساء في القرى عندما كان الرجال يرسلون إلى معسكرات الاعتقال؟ إن أغنية الحمد والثناء تبدأ في البيت. لو لم تكونوا، أيها الرجال الكينيون، على درجة كبيرة من الإزدراء والقمع، ما كان الأجانب الذين تثرثرون عنهم كثيراً على هذا القدر من الإحتقار لنا‏

قال "جاتويريا" على وجه السرعة مخففاً عنها. دعينا نتفق أن هذه بداية طيبة لأشياء مستقبلية أفضل. أردف يقول ورأيه نابع عن يقين وإيمان بأن الأشياء ستتغير حتماً.‏

ثم تذكر "جاتويريا" بطاقات الدعوة إلى حفل هذا اليوم والأسلوب الذي طُلب فيه من الضيوف ارتداء الملابس، وسكت سكوتاً تاماً عندما تصور صدمة والديه لدى رؤية طريقة لباس "وراينجا" من ثوب وعقود خرزية وأقراط "نيوري".‏

ضحك "جاتويريا" بينه وبين نفسه فكر بعرض بطاقة الدعوة على "وارينجا"، ثم طرد الفكرة.‏

بداية أشياء جديدة أكثر ثمراً وعطاءً على الطريق، كرر قوله محدثاً بالأكثر نفسه لكي يشد من معنوياته.‏

دعنا نرجو ذلك! قالت "وارينجا" ولكنها بعد توقف قصير تراجعت عما قالته، لا، لاتتركنا نكتفي بالأمل. لن ننتظر بعد الآن حدوث الأشياء من تلقاء ذاتها. لماذا لا نستطيع جعل الأشياء تحدث بالطريقة التي نريدها؟‏

دعينا نجعلها تحدث إذاً. قال "جاتويريا".‏

دعنا نجعلها تحدث إذاً. رددت "وارينجا".‏

ثورة ثوار "إيريجي"!‏

بداية جديدة لدنيا جديدة، قالت وارينجا.‏

ليكن كذلك، صرخ "جاتويريا" وهو يضغط قدمه اليمنى بشدة على المسرِّع.‏

(2)‏

الحقيقة أن رحلتهما إلى "ناكورو" كانت ممتعة.‏

وكانت رحلتهما ممتعة أيضاً عندما اجتازا "لانيت"، وانعطفا بسيارة "التويوتا" الحمراء نحو "نجوريكا".‏

وظلت رحلتهما ممتعة أيضاً حتى عندما دخلا منزل السيد والسيدة "هسبانيورا جرينوي غيتاهي" في "حدائق نجوريكا الغناء"....‏

وأنتم يامن كنتم هناك، هل من زيادة لمستزيد؟‏

(3)‏

لقد كانت رحلة "جاتويريا" و "وارينجا" ممتعة حتى وهما يسيران عبر مداخل بيت العائلة والأجداد؛ بل ممتعة أيضاً حين دخلا فناء المنزل ووقعت عيونهما على وجوه "كيهاهو واجاتيكا"، "جيتوتو وا ماتا نجورو"، "ندتيكا وا نجونجي" ووجوه آخرين كثيرين ممن شاهداهما في مهرجان الشيطان في إيلموروج قبل عامين، وكان "روبين مواؤرا"، صاحب شركة "الماتاتو" للنقل الحديث، بين الحاضرين أيضاً، باعتباره نقل بعض الضيوف الأجانب إلى الحفل بسياراته الصغيرة الجديدة.‏

كادت "وراينجا" ترفض تصديق الدليل الذي تراه بعينيها، ولكن عينيها لم تكونا تخدعانها: لقد كانت عمتها وزوجها هناك أيضاً....‏

(4)‏

ماذا تقول؟ أشياء كهذه لايمكن أن تكون؟ أعطني القوة، يا من طلبت مني أن أروي هذه الحكاية، أعطني اللسان، أعطني الكلمات...‏

(5)‏

إن ما حدث بعد ذلك هو حكاية رويت مراراً وتكراراً، غير أنها حكاية يصعب أن يصدقها من لم يكن هناك، أعطني اللسان... أعطني القوة، أنت يا من أمرتني أن أروي هذه الحكاية، أعطني الكلمات....‏

(6)‏

حين سار "جاتويريا" و "وارينجا" إلى داخل فناء المنزل، قابلهما خدم يرتدون اللباس الرسمي، سراويل مخططة، معاطف ذات ذيل أسود، قبعات رأس، وقفازات بيضاء.. وتكريماً لهما، رافقتهما كوكبة من هؤلاء باتجاه قاعة خاصة، حيث كان والد "جاتويريا"، مع مجموعة من كبار السن المقربين المختارين، ينتظر استقباله، لقد تم ترتيب الأمور بشكل يكون فيه والد "جاتويريا" أول من يستقبل عروس ولده، وأول من يمسها. الواجب كان يفرض أن يكون صاحب البيت أول من يستقبل عروس ولده، وفق التقاليد الحديثة.‏

اصطف الضيوف على الجانبين، وأخذوا يصفقون بأيديهم أثناء مرور موكب "جاتويريا" و "وارينجا".‏

الرجال كانوا يرتدون بزات سوداء حالكة، وقمصاناً بيضاء مكشكشة، وربطات عنق مقوسة. أما النساء فكن يرتدين أثواباً نفيسة فاخرة من ألوان شتى، ولكنهن جميعاً كن يرتدين القبعات والقفازات البيضاء.‏

وعلى الأطراف الخارجية وقف ضيوف وسياح أجانب، يرتدون ثياباً خفيفة مناسبة ليوم مشمس يراقبون المسرحية بدهش وهي تتجلى لنواظرهم كأنهم يدرسون العطاءات المضحكة التي انتجتها بعثاتهم التحضيرية الخاصة.‏

(7)‏

وجهت "وارينجا" نظراتها إلى عمتها وزوجها علها تبدد الوساوس التي أحست بها. رأتهما يخفيان وجهيهما، فعللت لنفسها أنهما فعلا ذلك خجلاً من طريقة لباسها...‏

كان المدخل المؤدي إلى القاعة الخاصة مكسواً بسجادة حمراء اللون وعلى أرض القاعة، كان هنالك سجادة بسماكة أربع بوصات، ومن السقف كانت الثريات تتدلى مثل أضاميم من الفاكهة الزجاجية.‏

كان والد "وارينجا" يتربع على مقعد وثير عالٍ مفروش بمساند من كل صنف ولون. وعلى كل جانب من جانبيه كان كبارالسن من أصدقائه يجلسون على مقاعد مشابهة ولكنها أصغر حجماً.‏

لقد بلغت أخبار الابن الوحيد العائد إلى بيته كل ركن من أركان المنطقة، فتمثل ذلك بأعداد الناس الغفيرة ممن وفدوا للاحتفال.‏

نعم، إن أخبار من كان ضائعاً ضالاً ثم عاد إلى البيت للحصول على بركات والده وبركات كبار السن من حوله كانت تنتشر في طول البلاد وعرضها.‏

شعرت "وارينجا" وكأنها ممثلة في فيلم سينمائي.‏

كان ذلك هو ما شعرت به عندما دخلت القاعة الخاصة ووقفت على السجادة الخضراء.‏

وكان ذلك هو ما شعرت به عندما سرحت بعينيها حول الغرفة... وعلى حين غرة تلتقي عينا "وارينجا" عيني والد "جاتويريا".‏

والد "جاتويريا"؟ يالله، لا!‏

لقد وقعت عينا "وارينجا" على عيني الغني العجوز من "نجوريكا"، الذي كان يتربع فوق المقعد العالي، على أتم استعداد لإستقبالها. والد "جاتويريا"؟ والد "وامبوي"!‏

(8)‏

ياوالدي، هذه هي...، بدأ "جاتويريا" مقدمات التعارف. أوقفه والده بحركة من يده، كان شيخاً قوي البنية، وكانت رقعة صلعه، التي تقسم شعره الأشيب إلى قسمين، تلمع في ضوء الغرفة.‏

ولكن وجهه لم يفصح عن شيء.‏

ثم إن صوته لم يفصح عن شيء أيضاً وهو يطلب من كل شخص مغادرة الغرفة، ومنهم "جاتويريا" نفسه، لكي يتعرف على حبيبة ولده، ولكي يتمكن العم وابنته من التعارف.‏

اذهب، يا "جاتويريا" ، وألق السلام على والدتك، وخذ هؤلاء الضيوف للإنضمام إلى باقي المدعوين، أغلق الباب وراءك ، من فضلك، وأخبر أمك أنني سأكون شاكراً ممتناً لعدم القيام بأي إزعاج مهما كان.‏

غادر الضيوف الغرفة، وهم ينظرون نظرات كلها فسق وفجور إلى "وارينجا" وبعضهم يغمغمون بالكلام لأنفسهم: إن صبايا هذه الأيام جميلات حقاً إما أرذل أيام الشيخوخة وأفجعها!‏

تصور هؤلاء الشيوخ أن كل شيء كان يجري وفق خطة مرسومة. لاأحد كان يعرف أن هناك تطوراً غير متوقع في مجريات الأمور- لا أحد، أقصد لا أحد سوى "وارينجا" ووالد "جاتويريا".‏

والد "جاتويريا"؟ والد "وامبوي"!‏

(9)‏

كانت يدا العجوز الثري من "نجيروكا" ترتجفان. مدَّ العجوز ذراعيه ووضع يده فوق الكتاب المقدس على الطاولة أمامه. كانت عيناه، طيلة الوقت، مركزتين على وجه "وارينجا". وكانت شفتاه ترتعشان أيضاً. لم يكن يعرف كيف ومن أين يبدأ.‏

جمرة الكلام كانت تحترق عند مقبضها.‏

وقفت "وارينجا" في المكان نفسه، تقابل بعينيها الجريئتين نظرة العجوز الثري المحدقة. ونقلت حقيبة يدها من كتفها الأيمن إلى كتفها الأيسر.‏

ألا تجلسين؟ سألها العجوز الثري، وهو يقف ويدفع بكرسيٍّ نحوها.‏

بقيت "وارينجا" في مكانها. ولم تنبس ببنت شفة.‏

غاص العجوز في مقعده، وعيناه ما زالتا عالقتين بوجه "وارينجا". هل... هل كنت تدرين أن "جاتويريا" هو ابني، ولدي الوحيد؟‏

هزت "وارينجا" رأسها.‏

وقف العجوز ثانية وقال لها: دعينا نركع ونصلي معاً.‏

هزت "وارينجا" كتفيها استهجاناً. وظلت واقفة على قدميها.‏

أرجوك، أتوسل إليك، دعينا نصلِّ معاً لكي يرينا الرب الطريق.‏

لم تتحرك "وارينجا" أما العجوز الثري من "نجيروكا" فركع على السجادة أمامها.‏

نظرت "وارينجا" إليه كما ينظر القاضي إلى سجين لم يعلن التوبة وهو يطلب الرحمة. حاول العجوز أن يصلي ولكن كلمات الصلاة لم تطاوعه.‏

افترت شفتا "وارينجا" قليلاً، وكأنها على وشك أن تضحك، غير أنها لم تفعل ذلك.‏

فتح العجوز عينيه ورفع نظره إلى "وارينجا" ، فقابل عينين تتراقصان ضحكاً وسخرية.‏

أخذت شفتاة ترتعشان، أقلع عن صلاته ووقف ثم راح يذرع السجادة ذهاباً، وإياباً، ويداه متشابكتان معاً وراء ظهره، ولكنه كلما مشى بضعة خطوات كان يقف ويلمس الطاولة أو الكرسي الذي كان يجلس عليه.‏

لم تنزع "وارينجا" عينيها عنه لحظة واحدة.‏

بعد ذلك، توقف فجأة عن الرواح والمجيء ووقف أمام "وارينجا".‏

هذه محاكمة، قال العجوز بصوت يشبه صوت الغارق في الماء. أخفض بصره وكأنه لا يريد النظر مباشرة إلى وجه "وارينجا" ، ثم تابع باللهجة نفسها: هل تعرفين أن كل مارسمته مع "جاتويريا" مستحيل الآن؟‏

لم تقل "وارينجا" شيئاً. نظرت إليه فقط.‏

لمعت قطرات من العرق على صلعته الملساء.‏

وفجأة انتاب "وارينجا" شعور بالأسى والرثاء لهذا الرجل. بدأت تتكلم ثم توقفت. غير أن رأس سهم حاد من الشفقة خرق فؤادها.‏

شعر العجوز بتغير طفيف في الجو. حسب أنه شاهد صدعاً في جدران قلب صلب قاسٍ، فأسرع يوسعه بالكلمات.‏

يا "جاكينتا" ! يا "وارينجا"! ليس ثمة شيء لن أفعله اليوم... حقاً، ليس ثمة شيء لن أفعله من أجلك، إذا خلصتني من هذه النازلة اليوم. أرجوك. يا "جاكينتا"، أضرع إليك وأناشدك باسم المرأة التي ولدتك! إن سعادتي ومركزي وديني وثروتي وحياتي جميعها رهن يديك. خلصيني من هذه الملمّة فقط!‏

أحست "وارينجا" بالضحك ينبعث في صدرها. ولم تعد وخزة الشفقة تطعن فؤادها. لكنها فتحت فمها وتفوهت بكلمة واحدة: كيف؟‏

لم يسمع العجوز الثري من "نجوريكا" صوت "وارينجا" منذ أمد طويل. رفع عينيه فوراً كأن كلمة "وارينجا" الوحيدة رمح أصابه في الصميم. حدق إلى عينيها السوداوين وراح يتكلم بوتيرة أسرع وأسرع، متصوراً أنه سينجح في توسيع صدع الشفقة بداخلها.‏

تتركين "جاتويريا" إنه ولدي الوحيد، وأنا أحبه كثيراً، رغم أنه ولد عاق يحاول أن يرسم لنفسه خطه المستقل، بدلاً من اقتفاء خطوي. وفوق ذلك، إنه بمثابة ولدك. وهكذا فإن مشروعكما مستحيل ما دمت على قيد الحياة، لأنه سيكون بمثابة ولد يتزوج أمه. الأمر سيكون بمثابة أن يتزوج ولدي زوجتي وأنا لا أزال حياً أتنفس. لن أقوى على التنفس يوماً واحداً بعد ذلك من خجلي وعاري أمام أهلي وأمام الله.‏

بيتي سيتفكك وأملاكي ستبقى بلا مدير، حياتي ستتحطم فأنقذيني، يا "جاكينتا"!‏

كيف؟‏

ومرة ثانية يفتن العجوز الثري ويسحر من وقع صوت "وارينجا" أخذ يزرع السجادة ذهاباً وإياباً من جديد. خطا خطوتين أو ثلاث ثم توقف وهو يجاهد للتحكم بنفسه.‏

أريدك أن تهجري "جاتويريا".‏

كيف؟‏

ارجعا سوية إلى "نيروبي". وعندما تصلانها، قولي له: إن قصة حبكما انتهت. لم يزل طفلاً، ولن يشعر بشيء.‏

وأنا؟‏

وفجأة أحس بما كان يحسه في الأيام الغابرة، حين كان يغمرها بالكلمات المعسولة. أحس بالدماء تسري مندفعة في عروقه، وأحس برجولته تعود إليه. مدَّ ذراعيه كأنه يزمع وضع يديه على كتفي "وارينجا" ، ولكنه عندما التقى عيني "وارينجا" الملتهبتين، ألقى يديه جانباً بسرعة، ومع ذلك، لم يستطع كبح جماح الكلمات على شفتيه.‏

كوني لي. تذكري أنك كنت يوماً لي. أعتقد أنني الرجل الذي حولك من فتاة بكر إلى امرأة. ثم إنك أم طفلتي، وإن كنت لم أرها على الإطلاق.‏

وماذا بالنسبة لزوجتك، والدة "جاتويريا"؟‏

غمر جمال "وارينجا" العجوز الثري، وسيطر عليه، استبد به الشبق والشهوة. وراحت الكلمات المعسولة تتدفق وتجري دون عناء، ازداد اقتراباً منها وراح يتكلم كما يتكلم "بوس كيهارا" بالتمام والكمال. كأنهما درساً في مدرسة الإغراء نفسها أوقرأا الكتاب الذي يحتوي على مائة رسالة حب من والد لابنته.‏

لاتحسبي حسابها، يا "جاكينتا". لا أحد يتعطر بعطر عتيق فقد أريجه. أرجوك، ياسيدتي الصغيرة، يا فاكهتي، اصغي لكلماتي، خلصيني من هذا العار اليوم. كوني امرأتي، وسوف أستأجر لك منزلاً في "نيروبي" أو "مومباس" أو في أي مكان تختارين. سوف أجهز البيت بنفس طراز الأثاث والسجاد الذي ترينه في هذا المنزل، وبالفرش والستائر والأشياء الأخرى المستوردة من الخارج- من هونغ كونغ، طوكيو، باريس، لندن، روما، ونيويورك. سمِّي ماتريدين، فيكون لك. أريدك أن تخلعي عنك هذا الثوب وهذه العقود وهذه الأقراط المصنوعة من أعواد الذرة اليابسة وأن ترتدي ملابس ومجوهرات مصنوعة في أوروبا. سوف أشتري لك أيضاً سلة للتسوق، سلة تأخذك إلى السوق، من طراز "تويوتا"، "كورونا"، "داتسون 16ب"، أو "الفاسود" أو أية سيارة أخرى تختارينها. يا "جاكينتا"، يا طفلتي، ياتفاحتي، يابرتقالتي، عودي إلي وحلي مشاكل حياتك ومشاكل بيتي وطفلي.‏

أي طفل؟‏

جاتويريا، طبعاً.‏

و "وامبوي"؟ أليست طفلتك أيضاً؟‏

لست غبياً كما تظنين. لقد قال "جيكويو": من يكره البقرة، يكره جلدها المدبوغ. وأنا أقول لك الآن: من يحب البقرة، يحب عجلها.‏

وماذا لو رفضت أن أصبح وردتك، وردة تحلِّي شيخوختك وتلطِّفها؟‏

توقف العجوز الثري قليلاً، كأنه غارق في تفكير عميق. اكفهر وجهه: فقد أغضبته كلمات وارينجا، تنحنح وراح يتكلم بصوت مرير أجش، صوت رجل لم يتعود أن تلقى كلماته ورغباته تحدياً ومخالفة.‏

دعيني أحدثك بالأمثال. قبل زمن سحيق كان "إبليس" (أو الشيطان) ملاكاً محبوباً حباً جماً من قبل الله. وكان يسمى عندئذ "لوسيفر". ولكن روحاً شريرة استولت عليه في يوم من الأيام، وراح يحن ويتوق لمقعد على يمين الله. وذلك المقعد، كما تعلمين، محجوز لابن الله الوحيد. ماذا فعل الله "بلوسيفر"؟ وحتى نحن، عبيد الله على الأرض، لدينا طرقنا الخاصة لتنفيذ مشيئته. لست طفلاً صغيراً، ولذلك لا أجد ضرورة لتفسير معنى ذلك. لم أكن ممن حضروا المهرجان في "إيلموروج". ولكنني أعرف حق المعرفة أن بين الحضور شخص اسمه "مؤيريري وا موكيراي". لقد كان واحداً من أكثر المدعوين احتراماً في المهرجان. وسمعت أنه كلف بتوزيع أكبر عدد من بطاقات الدعوة. ولكنه بعد أن أكل وشرب حتى الثمالة، أخذ يلعن الرب ويحتقر أبناء طبقته ويهزأ بهم. لقد رفض الرضوخ لشريعة الله على الأرض. لعله كان يتمتع بأعظم الاحترام في الماضي - ولكن أين هو الآن؟‏

قتله "روبين مواؤرا" بسيارته "الماتاتو ماتاتا ماتامو" فوردت تسجيل 333 م. م. م. في "كينينى"، قرب "ليمورو".‏

جفل العجوز الثري وراعه سماع ذلك.‏

وهكذا أنت تعرفين؟ لذلك ليس على أن أخفي شيئاً عنك. لقد كان "مواؤرا" قائداً لجماعة تدعى "ملائكة الشيطان". ربما سمعت عنهم. إن مهمتهم هي تصفية من يحولون دون تنفيذ مشيئة الله على الأرض.‏

في هذه اللحظة تماماً، ليس علي إلا أن أفتح فمي، ولن تصلي إلى "جيلجيل"... ولكن عم نتكلم، يا جاكينتا؟ لقد انحرفنا عن طريقنا. أنا أعرف أنك لست حمقاء مغفلة، وأنك لن ترفضي النعمة. إذا كان ما تريدينه هو مزرعة في "وادي الريفت"، تديرينها بالهاتف من "نيروبي" أو "مومباسا"، لبيك، ليس عليك إلا أن تذكري ما تريدين، فيتحول القول إلى حقيقة.‏

والموجودون في الخارج؟ ماذا سنقول لهم؟‏

اتركي ذلك لي.‏

ياسيد "جيتاهي"، إنني أشك أنك اهتممت مرة واحدة في حياتك بالتفكير في حياة الآخرين. هل يمكنني أن أسألك سؤالاً؟‏

بكل تأكيد، فالمرء لا يحاكم على توجيه الأسئلة.‏

أنت تريد أن ينتهي الحب بيني وبين "جاتويريا"، أليس كذلك؟‏

نعم، أريد ذلك.‏

حسناً، هل تريد أن تتزوجني؟ أقصد، هل تريد الخضوع لطقوس زواج رسمية أصبح بموجبها زوجتك الثانية؟‏

أرجوك، يا "جاكينتا"، أقلعي عن التظاهر بأنك لا تفهمين، أنا من أتباع الكنيسة. أريدك فقط أن تكوني لي. سوف أجد وسائلي الخاصة في الحضور لزيارتك. مثل أيامنا الخوالي فقط، ألا تتذكرين؟ أرجوك، أنقذيني! أنقذي شرف اسمي! أنقذي شرف ابني! ياجاكينتا، أنقذي شرف بيتي، وستجدين أمامك إنساناً يعرف قيمة العرفان بالجميل.‏

بعد ذلك وقعت المعجزة. حدق العجوز الثري "بوارينجا"، ففُتن فجأة بروعة حسنها الكاملة. لقد أحرق شبابها النشوان قلبه وجسده.‏

فقد سيطرته على نفسه، وخرَّ راكعاً على ركبتيه أمام "وارينجا" ثم بدأ يناشدها ويلتمس ودها. لم أر أبداً جمالاً يشرق بمثل هذا الألق. أنقذيني!‏

أحكم قبضته على "وارينجا" من ركبتيها، بينما كانت الكلمات تندفق من شفتيه مثل نهر فائض.‏

كانت "وارينجا" تقف تماماً في المكان الذي وقفت فيه منذ دخول الغرفة.‏

وأخذت تتحدث مثل قاضي محكمة الشعب، وهو على وشك إعلان حكمه.‏

يا سالب أرواح الناس! هل تتذكر اللعبة التي اعتدنا على لعبها معاً، لعبة الصياد والطريدة؟ هل تصورت أن يأتي يوم يمكن أن تصبح فيه الطريدة هي الصياد. ما وقع وقع ولا يمكن محوه. أنا لن أنقذك. ولكنني سأنقذ بشراً كثيرين آخرين، بشراً لن تتعرض حياتهم للدمار عن طريق الكلمات المعسولة المعطرة.‏

قاطعها العجوز الثري قائلاً: كنت أعرف أنك ستوافقين! يا عزيزتي، يامن أحبها حباً كبيراً! يا تفاحتي الصغيرة، يا برتقالتي الصغيرة، يا وردتي التي تبهج لي شيخوختي.‏

استطرد العجوز، منجرفاً ومدفوعاً بكلماته. لم ير "وارينجا" تفتح حقيبة يدها. ولم يرها وهي تخرج المسدس.‏

انظر إلي، قالت "وارينجا" آمرة، بصوت قاضي المحكمة.‏

عندما شاهد والد "جاتويريا" المسدس، انقطع حبل كلامه.‏

(10)‏

الناس في الخارج سمعوا الطلقات، وعندما دخلوا الغرفة، وجدوا والد "جاتويريا" مازال جاثياً، متشبثاً "بوارينجا" من ركبتيها. ولكن ثلاث رصاصات استقرت في جسمه.‏

ما الأمر؟ ما الأمر يا "وارينجا"؟ سأل "جاتويريا".‏

ههنا يركع برغوث، قملة، سوسة، برغوث، وبقة! إنه نبتة الدبق، إنه الطفيلي الذي يعيش على أشجار غيره من البشر.‏

(11)‏

غادرت "وارينجا" الغرفة. وأفسح الناس لها الطريق. خارج باب الغرفة، قابلت "كيهاهو وا جاتيكا" و "جيتوتو وا جاتا نجورو". وفجأة، اعتراها وهي تتذكر "وانجاري" و "موتوري" وقائد الطلبة- الثلاثة الذين خلصوها من عبوديتها العقلية- اعتراها غضب لم تشعر بمثله وهي تقتل "جيتاهي".‏

أنت أيضاً، وأنت! ثم أطلقت النار على كل من "كيهاهو" و "جيتوتو"، فمزقت ركبتيهما أشلاء.‏

الناس تفرقوا في كل اتجاه، وبعضهم يصرخ، اعتقلوها، ألقوا عليها القبض! إنها مجنونة، بينما هم يتراكضون طلباً لنجاتهم.‏

قوبل اثنان حاولا إلقاء القبض عليها بركلات الجودو وضربات الكاراتية، فسقطا أرضاً. مشت "وارينجا" مبتعدة بكل رزانة وهدوء، بينما كان الناس يراقبونها عن مسافة آمنة.‏

كان "نجونجي وا ندتيكا" الشخص الوحيد الذي شوهد وهو يركض، ممسكاً كرشه بكلتا يديه حتى لا يسقط ومنادياً بصوت عال "روبين مواؤرا": أين أنت؟ أين أنت ورجالك؟ غير أن "مواؤرا" كان قد شغَّل سيارته وانصرف على وجه السرعة بعيداً.‏

لم يعرف "جاتويريا" ماذا يفعل: يعالج جثة أبيه، يواسي أمه أو يلحق "بوارينجا". ولذلك فإنه وقف في فناء المنزل، يسمع داخل رأسه موسيقا لا تقوده إلى أي مكان.‏

وقف هناك في فناء المنزل، كأنه فقد القدرة على استخدام لسانه، وساقيه وذراعيه.‏

تابعت "وارينجا" سيرها، دون أن تنظر مرة واحدة إلى الوراء. ولكن "وارينجا" كانت تعرف بكل أعماقها وأحاسيسها أن نضالات رحلة حياتها الأشد والأصعب ما زالت تنتظرها على الطريق.‏

غيارى الراوي
07-24-2006, 09:10 AM
.





تمَّت .






.