المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإغواء بالعولمة ... ألكسندر بانارين


غيارى الراوي
07-19-2006, 04:09 PM
.








الإغواء بالعولمة




/





\





ألكسندر بانارين
ترجمة : عيّاد عيد







.

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:11 PM
ألكسندر بانارين




في 25 أيلول من عام 2003 رحل عن هذه الدنيا ألكسندر سيرغييفيتش بانارين الفيلسوف الروسي البارز وعالم السياسة ورئيس قسم العلوم السياسية النظرية في كلية الفلسفة في جامعة موسكو الحكومية الشهيرة.‏

ولد ألكسندر بانارين في 26 كانون الأول من عام 1940 في منطقة دونيتسك (أوكرانيا), وأنهى عام 1966 كلية الفلسفة في جامعة موسكو, ثم الدراسات العليا في الاختصاص نفسه عام 1971. رأس منذ عام 1984 قسم الفلسفة الاجتماعية في معهد الفلسفة في أكاديمية العلوم الروسية, ثم صار منذ عام 1992 بروفسوراً في كلية الفلسفة في جامعة موسكو الحكومية, ومن ثم صار رئيساً لقسم العلوم السياسية في الكلية ابتداءً من عام 1993. لقد بقي ألكسندر بانارين زمناً طويلاً محروماً من إمكان العمل بكامل طاقته في الحقل العلمي, ولم تتكشف موهبته كعالم وكاتب إلا في التسعينات, حين وضع سلسلة من البحوث العلمية (المونوغراف) التي كرسها لدراسة العمليات الحضارية العولمية ودراسة التماثل الحضاري الروسي. من بين هذه الأعمال: كتاب فلسفة السياسة (1996), وكتاب ثأر التاريخ: المبادرة الروسية الإستراتيجية للقرن الواحد والعشرين (1998), الذي منح جائزة لومونوسوف من الدرجة الثانية؛ وكتاب المثقفون الروس في الحربين العالميتين وفي ثورات القرن العشرين‏

(1998)؛ وكتاب التنبؤ السياسي العولمي في ظروف عدم الاستقرار الإستراتيجي (1999), وكتاب روسيا في دورات التاريخ العالمي (1999)؛ وكتاب البديل الروسي (2000)؛ وكتاب الإغواء بالعولمة (2000)؛ وكتاب الحضارة الأرثوذوكسية في العالم العولمي (2001).‏

منح بانارين عام 2002 جائزة سولجينيتسين, واختير عضواً فاعلاً في أكاديمية العلوم الإنسانية, وأكاديمية العلوم السياسية, وعضواً في أكاديمية العلوم في نيويورك.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:13 PM
المقدمة:
ـ محتالو «الأممية الجديدة» ونصَّابوها.


"العولمة" حالياً هي الكلمة الأكثر حداثة في الفكر الليبرالي المتقدم. مع أننا سنذهل من ابتذالها إذا ما محصنا محتواها الموضوعي الذي ترمز إليه. في الواقع, كتب الباحثون منذ بداية القرن التاسع عشر عن الفضاء العالمي الواحد, المتكوِّن بفضل حضارة السوق التبادلية. لقد انقلب ظهور آلة النسيج الميكانيكية في إنكلترا إفلاساً على ملايين النساجين في الهند, وصار بزوغ الفكرة الجمهورية في فرنسا يقوّض عروش الممالك الشرقية, أما في روسيا فألهم بزوغها حركة الديسمبريين(1).‏

فما الذي أضافته الحقبة المعاصرة من وجهة النظر هذه؟ بضعة معايير كمية وحسب: ازدادت على نحو غير مسبوق سرعة التواصل واتسع نطاقه, شاملاً المجال المعلوماتي. مهما أذهلت مخيلتنا ثورة المعلوماتية المعاصرة فإنها لم تضف سوى القليل إلى جوهر مفهوم حضارة التبادل العالمية. لقد تبين عند الاختبار أن الإثارة العلمية النابعة من إنجازات الثورة العلمية التقنية المعاصرة تافهة جداً مقارنة بذلك الإحساس بالانقلاب الجذري الذي خالج متتبعي الحداثة الأوروبية الوليدة.‏

سوف نحصل على نتيجة مغايرة تماماً إذا ما حاولنا تقويم جديدِ العولمةِ من الجانب الذاتي(2) الآخر, الذي يمس الأركان الثقافية والأخلاقية والسياسية في حضارتنا. سيتكشف لنا هنا أننا نتعامل, باسم العولمة المعاصرة, مع شكل جديد من العدمية يبحث لنفسه عن تبرئات في ما يسمى نظريات موضوعية.‏

الأمر المكتوم هو أن جانب العولمة الحميمي ينحصر في موقف التخلي المنهجي عن المصالح والمعايير والتقاليد المحلية كلها. وإذا كان فضاء الدولة – القومية ما فوق الإثني الموحَّد قد وقف في فجر الحداثة في وجه المصالح الإقطاعية الضيقة في مرحلة تشكل القوميات الأوروبية الكبرى, فإن هذه الدولة نفسها قد انحطت الآن لتصير حاملة للمصالح الضيقة.‏

من الذي جعلها تنحط؟ إنها النخب المعاصرة – الاقتصادية والسياسية والفكرية. أن تكون من النخبة اليوم, وأن تحقق ذاتك على أنك منها فهذا معناه أن تجعل نفسك في حلٍّ من المصالح والآمال الوطنية. إن الأمر يستحق أن نتمعن في معنى النخبة الجديد هذا. كانت الشعوب من قبل تضع أفضل آمالها على نخبها الوطنية. كانت النخبة خلاصة التجربة الشعبية, والمعبرة عن إرادة الأمة وسعيها نحو المستقبل الأفضل. لقد تجسد كل ما وعدوا الشعوب به من تقدم وتنوير في نشاط النخب الوطنية. أما الآن, في عصر العولمة, فأن تكون نخبة فهذا معناه, في الحقيقة, العضوية في أممية سرّية ما غير مرتبطة قط بالمصالح الوطنية المحلية.‏

إن النخب المعاصرة هي عبارة عن شيء شبيه بنادٍ دولي مغلق ذي أخلاق فئوية لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بالأخلاق السياسية والأهلية العادية, التي تلزم الفرد بخدمة بلده وشعبه ودولته. وبما أن هذا من المستبعد أن يعجب الشعوب, فإن إيديولوجية العولمة المعاصرة تضم, حتماً, مفاهيم مستورة, وتتصف بباطنية تعيد إلى الذاكرة في بعض جوانبها تعاليم الطوائف الغنوصية(3) الغابرة. وللغنوصية العولمية وجهان. يعكس جانبها الخارجي كليشيهات عصر الحداثة السابقة كلها - أي التقدم والرخاء العام وحقوق الإنسان, أما الجانب الداخلي المعبَّر عنه بلغة النخبة السرية, والمفهومة من قبل المتنورين فقط, والتي ستنكشف لاحقاً, فهو قادر على التسبب بتشويش حقيقي للوعي.‏

في الواقع, ومع أول نظرة يتبين أن غالبية المكتسبات الجماهيرية في عصر الحداثة العظيم لا تتفق مع منطق العولمة. هذا يخص في المقام الأول مفهوم الديمقراطية المقدس, أو سيادة الشعب السياسية. تعني الديمقراطية أن ينفِّذ وظيفةَ السلطة أولئك الذين انتخبهم الشعب في أثناء تعبيره الحر عن إرادته. والمنتخَبون من قبله ملزمون بأن ينفِّذوا إرادته وأن يخضعوا لرقابته خضوعاً كلياً. وعلم سياسة العولمة لا يمت إلى هذا بأية صلة. فهو يفترض أن مراكز السلطة ومراكز اتخاذ القرار الحالية لا تقيم وزناً لتوصيات الناخبين المحليين وتعبر عن الاستراتيجيات المتوافق عليها بين التروستات(4) الدولية - الاقتصادية والسياسية.‏

لقد وضع عصرُ العولمة النخبَ الوطنية في منتصف المسافة بين شعوبها ومراكز السلطة العالمية. مع التأكيد على أن منحى التبدلات محدد تماماً: فبقدر ما تنمو نظريات العولمة يقل أكثر فأكثر إنصات النخب الوطنية السياسية والاقتصادية إلى صوت ناخبيها, وتربط نفسها أكثر فأكثر بقرارات الأممية الجديدة المتخذة من وراء ظهر الشعوب. يخيل لنا أن الأخلاق والمنطق المعتاد يفرضان أن تشرح النخب هذا الأمر للناخب, معلنةً إعلاناً مباشراً أنها ما عادت تحتاج إلى خدماته, لكنها, عوضاً عن ذلك, تستمر في التزلف إليه كما من قبل, مسمية إياه صاحب السيادة السياسية, ومنبع المشروعية الديمقراطية للسلطة.‏

على هذا النحو, تتكون أخلاق مزدوجة, ولغة مزدوجة. قسم من المصطلحات الموروثة عن المرحلة الليبرالية الكلاسيكية, ليس له الآن عملياً سوى أن يلعب دوراً احتيالياً لتنويم يقظة الشعوب الأهلية, والقسم الآخر يُنظَّم في صف مواز للقسم الأول, ويعبر عن الواقع الجديد, الذي يعتبرون أن من المفيد إخفاؤه عنا. يكفي أن نقابل بين هذين الصفين حتى ينكشف على الفور عدم توافقهما المشئوم.‏

امتاز عهد التنوير الكلاسيكي بوعي مختلف تماماً, فلم يكن يعرف المعايير المزدوجة, والأخلاق المزدوجة, ولم يخف اكتشافاته عن الجماهير. بل على العكس, كانت جهود ذلك العصر كلها, وحماسته كلها, موجهة كي تكون منجزات النخبة المتنورة في متناول الجميع بأسرع وقت ممكن. لقد دُفن في أيامنا هذه الانفتاح النبيل لعصر التنوير على يد كهنة العولمة, الذين شيدوا غنوصيتهم الباطنية, مموهين إياها جيداً عن أعين غير المتنورين. لقد قدم العصر الكلاسيكي منوِّرين عظماء, بينما ينجب عصرنا محتالين ونصابين عظماء. والاحتيال على الأغبياء وغير المتنورين أسهل؛ لهذا تطوى في عصر العولمة برامج التنوير الجماهيري بحجة أنها "ليست مربحة" اقتصادياً.‏

وكما ينتج مما قلناه أعلاه فإن عصر العولمة من الناحية السياسية هو عصر الإقطاعية الجديدة: إنه يدفن الديمقراطية بمعناها المباشر كتعبير عن السيادة السياسية للشعب, الذي ينتخب سلطته ويراقبها, ويستبدل بهذه الديمقراطية سلطة وجهاء دوليين.‏

غير أن منطق العولمة الاقتصادي غير مختلف أيضاً في نكوصه عن الحداثة باتجاه السلفية القروسطية.‏

تعني الحداثة في المجال الاقتصادي الانتقال من اقتصاد إعادة التوزيع الإقطاعي (الشهير بـ "الربح بالانتزاع") إلى الاقتصاد الإنتاجي لمستثمري السوق. وواضح أن النظريات الاقتصادية التقليدية لا تولي المقدمات السياسية والسوسيوثقافية لهذا التحول الإيجابي الاهتمام الكافي. فالاقتصاد القروسطي بالمعنى المعروف لم يكن قومياً, وإنما "عولمياً": لقد قام من جهة على التوزيع العسكري - الإقطاعي للثروات بين الأقوياء والضعفاء, بين المنتصرين والمهزومين؛ وقام من جهة أخرى على مهنة ديسبورة(5) المرابين الجشعة, التي تتعامل بعدمية مع المصالح والتقاليد والأخلاق المحلية.‏

لم تستبدل النقلة البروتستانتية, التي قال عنها ويبر(6) وأتباعه الكثير, بالنزعات التلذذية(7) لدى ثقاة الإقطاعيين, الذين اختلسوا غصباً وعلى نحو لا مسؤول الثروات المكتسبة, نمطَ التقشف والتوفير والمراكمة وحسب, وهي لم تؤمم الدين وحسب ("من يملك الأرض يسود دينه") – بل أممت الاقتصاد أيضاً, منتزعة إياه من أيدي المرابين عديمي الوطن, والذين انتهكوا المصالح المحلية. إن ما سمي في ما بعد علاقات الشراكة, كانت مقدماته هي احترام الذات القومية والمسئولية الوطنية التي اتصف بها أصحاب رؤوس الأموال.‏

لم يكن من الجائز الاستخفاف بأبناء الوطن على أنهم "هذا " الشعب المستباح, لقد وَلَّد احترام أولئك المواطنين, باعتبارهم حاملين للكرامة الوطنية العامة, أخلاقاً اقتصادية واستثمارية جديدة, مرتبطة بعلاقات الشراكة متبادلة المنفعة, ووَلَّد شعارَ "المستهلك على حق دوماً". إن السيادة الاقتصادية للمستهلك, الذي يقرر في السوق الحرة لأي سلعة يعطي الأفضلية, تشبه بشيء ما السيادة السياسية للناخب الذي يعبر عن خياره في السوق السياسية الحرة. لقد ولِد رجالات الاقتصاد الوطنيون المنتجون من الجذور ذاتها التي ولد منها الديمقراطيون الوطنيون العظام - من الأخلاق الوطنية, التي تستوجب احترام أبناء البلد, وتحرم الاستخفاف بهم باعتبارهم "أناساً غيرَ مكتملي الإنسانية".‏

فما الذي نراه اليوم؟ إننا نرى كيف تترافق أخلاق العولمة الجديدة, التي ولَّدت اغتراب النُخَبْ الاقتصادية المنهجي عن المصالح القومية المحلية, مع نهوض المراباة الجديدة. وكما في عهد المراباة السابق يجري اليوم فصل رأس المال المموِّل عن الاقتصاد المنتج. لقد طغى ربح المضاربات والمراباة على الربح الاستثماري السابق, والدليل على هذا سيادة البنك على المؤسسة, وسيادة ديسبورة المضاربين الماليين الدولية على الأمم, التي فقدت استقلالها الاقتصادي.‏

هل يمكن اعتبار هذه النظريات عفوية تماماً و"موضوعية", وأنها موجودة بغض النظر عن إرادة البشر ووعيهم؟‏

لو كان الأمر كذلك حقاً, لفقدت أي معنى كل هذه الدعاية الجنونية من قبل العولميين ضد الدولة الوطنية وسيادتها. يسعى "العولميون" بكل ما في وسعهم إلى إضعاف الدولة الوطنية والتشهير بها – تحديداً, لأنها تقف عائقاً في وجه جشعهم العولمي. وكل الإجراءات المرتبطة بفصل الربح الإنتاجي عن ربح المضاربات المعاد توزيعه, مع منع الإخراج الحر لرأس المال المتكون محلياً إلى الخارج مدانة من قبلهم باسم المبادئ الليبرالية العظيمة التي تنص على عدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.‏

في أثناء ذلك تغيب عن أذهاننا حقيقة أن الليبرالية الكلاسيكية كانت تطلب عدم التدخل هذا لأن الدول الخارجة من عهود القرون الوسطى عكست في العلاقات الاقتصادية مبدأ القوة الإقطاعي غير المنسجم مع مبدأ الشراكة المتساوية. لقد حمت البيروقراطية الإقطاعية اقتصادياً غير الموهوبين, لكن المتمتعين بالقوة العسكرية والسياسية, ووقفت عائقاً في وجه الإبداع الاقتصادي الحر لطبقة المستثمرين. لقد رفع كلاسيكيو الليبرالية أصواتهم المستاءة ضد هذه البيروقراطية.‏

أما "ليبراليو" العولمة المعاصرون, فعلى العكس. إنهم لا يحمون المستثمرين, بل المضاربين بالأموال, وينسفون مواقع المنتجين الحقيقيين بناة الثروة الوطنية. إنهم يحمون امتيازات حيتان الاقتصاد الدوليين المدعومين من مراكز سلطة العولمة السياسية والاقتصادية الحالمة بالسيادة المطلقة على العالم والمسماة اليوم عالم القطب الواحد.‏

حان الوقت كي نعرف أن المباراة الدولية الاقتصادية الطبيعية وعلاقات الشراكة تنمو انطلاقاً من الاقتصاد المنتج ذي الطابع الوطني. إذا صار العالم على هيئة مجموعة من الاقتصاديات الوطنية ذات السيادة فإنه سيكون أقرب كثيراً إلى المثُل الليبرالية – مثُل علاقات المنافسة الحرة والشراكة, منه إذا ما خنق العولميون فيه أجنة الاقتصاديات الوطنية الجديدة عبر حرية إخراج رؤوس الأموال وتفكيك الصناعات المحلية.‏

يجري بجهود العولميين, وخلافاً لخطابياتهم الليبرالية, تركيب عالم الاحتكار الاقتصادي والسياسي, الذي يستبدل فيه بعملية التنافس الطبيعي والشراكة الفصلُ بين عرق السادة وعرق المنبوذين, بين "المليار الذهبي" والأطراف فاقدة الحقوق.‏

يمكننا اليوم على قاعدة السيادة الوطنية وحدها تشكيل الاقتصاد المنتج, المؤسَّس على الربح الاستثماري الطبيعي. إن تقويض دعائم الدولة الوطنية باعتبارها ذاتاً تدافع عن الاقتصاد المحلي ضد الأطماع المالية الدولية, سيؤدي حتماً إلى الأولغرشية والاحتكار على النطاق العالمي, وإلى الاستعاضة عن نظام التعددية الاقتصادية والسياسية بالشمولية العولمية لقطب العالم الأوحد.‏

ليست المشكلة, بالتالي, في إن كنا نعترف بواقعية العالم المعاصر المترابط, الذي يستحيل الانعزال فيه؛ بل تكمن المشكلة في أننا كيف نريد أن نرى هذا العالم العولمي المتشابك بمصائره بكثافة, وذا المشاكل الواحدة: هل نريد أن نراه متعدداً حقاً, ومرتكزاً على شراكة بين أصحاب سيادة يحترمون أنفسهم, أم خاضعاً لأصحاب السلطة العالمية الجشعين, وغير الخاضعين لرقابة, والذين يفرضون إرادتهم على الشعوب.‏

الأمر الأهم هو أن إستراتيجية هؤلاء الأخيرين العولمية تنضوي على حقيقة لا حداثاوية كامنة وغير متوقعة, ومرتبطة بالسعي إلى تدمير براعم الحداثة والتنوير في البلدان غير المنتمية إلى عداد الدول النُخَبْ.‏

(1) - الديسمبريون هم ثوار روس نبلاء, أعلنوا في ديسمبر (كانون الأول) من عام 1825 انتفاضة ضد الحكم القيصري المطلق وضد نظام القنانة, وكانوا أساساً من الضباط الذين شاركوا في الحرب الوطنية عام 1812 وفي غزوات الجيش الروسي الخارجية بين عامي 1813 و1815 (المترجم).‏

(2( - التمييز بالخط الغامق والمائل هنا ولاحقاً كما ورد في الأصل (المترجم).‏

(3( - الغنوصية تيار ديني فلسفي في المسيحية المبكرة في القرنين الأول والثاني, وهي مزيج من العقائد الدينية والفلسفة اليونانية المثالية والديانات الشرقية, كما أنها اتجاه باطني لا يكشف إلا على أتباعه (المترجم).‏

(4( - التروست شكل من الاحتكارات الرأسمالية, وهو اتحاد بين مستثمرين يتميز بأن المؤسسات المنضمة إليه تفقد كلياً استقلالها الإنتاجي والتجاري والحقوقي, وتخضع لإدارة واحدة (المترجم).‏

(5( - الديسبورة معناها اليهود المشتتون في أرجاء العالم بعد السبي البابلي, وتستخدم في اللغات المعاصرة بمعنى الجالية, أو ذلك الجزء من الشعب الذي يعيش خارج وطنه, وقد ارتأينا الإبقاء على مصطلح الديسبورة لما يحمله من دلالة رمزية أصلية في سياق هذا الكتاب (المترجم).‏

(6( - ماكس ويبر (1864 - 1920) عالم اجتماع ومؤرخ واقتصادي ومحام ألماني. استند منهجه المتأثر بالغنوصية الكانتية الجديدة, إلى فكرة رسم حدود المعرفة الخبيرة والقيم, وإلى مقولة "المفاهيم" التي يفسَّر بها الفعل الاجتماعي من خلال تأويل الدوافع الذاتية, وإلى نظرية الأنماط المثالية – الهياكل التجريدية والعشوائية للعملية التاريخية. عارض الماركسية وأرجع العامل الحاسم في نشوء الرأسمالية الأوربية الغربية إلى البروتستانتية. مؤلفاته الأساسية: "التاريخ الزراعي للعالم القديم", الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية", "الاقتصاد والمجتمع" (المترجم).‏

(7( - نسبة إلى مذهب اللذة (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:15 PM
ـ معايير «المجتمع المتحضر» المزدوجة




تهدد العولمة, المرتكزة على ديسبورة الحيتان المالية الدولية التي لا وطن لها, العالمَ بالتراجع: في الاقتصاد – عن المبدأ الإنتاجي نحو مبدأ المضاربة وإعادة التوزيع, ومبدأ المراباة؛ وفي السياسة عن منظومة التوازن الدولي التعددية, المرتكزة على مبدأ السيادة الوطنية, نحو الإملاءات الوقحة من قبل أصحاب "القطبية الأحادية".‏

مع الاقتراب من تحليل النظريات المعاصرة للعولمة, ينبغي علينا أن ننجز جهوداً منهجية, تتعارض في بعض النواحي مع وصايا العلم في الفترة الكلاسيكية. تتلخص العقيدة المنهجية الكلاسيكية في أن علينا أن نكشف عن الموضوعي وراء الذاتي, وعن القوانين والنظريات القطعية وراء نزوات الإرادات المختلفة. على هذا الأساس تحديداً ترعرعت جبرية الزمن الحديث العلمية, التي أعلنت أن كل ما هو واقعي هو عقلاني, وكل ما يحدث هو مقدر ومبرم.‏

مهمتنا اليوم هي أن نجرد النوايا الشريرة للبربرية العولمية الجديدة من "أدلة براءتها" الموضوعية والقطعية, والكشف عن الهوائية الذاتية والنفعية هناك, حيث يدعوننا إلى أن نرى القدرية وحدها. للنظام العولمي, كما لكل شيء في العالم, أشكال وسيناريوهات بديلة؛ وتفرض هيبتنا الإنسانية علينا أن ندافع قدر المستطاع عن أكثرها إنسانية وأعدلها, وتفرض مواجهةَ حرص البربرية الجديدة, الساعية إلى امتلاك زمام العالم تحت شعار "لا قدر آخر".‏

الأهم من وجهة النظر الإيديولوجية هو إظهار العلاقة الحقيقية بين إيديولوجيا العولمة المتكونة وقيم الحداثة الكلاسيكية - أي الديمقراطية والمساواة والتقدم. لا زال العولميون المعاصرون يقسمون بهذه القيم, لكن لغتهم السرية الموجهة لجماعتهم, ترمز منذ زمن إلى شيء آخر: إنها ترمز إلى تمييز عنصري جديد وشامل بين الشعوب المقسومة إلى شعوب مختارة وشعوب منبوذة, إلى مركز قوي وأطراف لا حقوق لها. لقد غدا الإنجاز الأعظم للمذهب الإنساني المسيحي التنويري – أي مبدأ المصير الإنساني الواحد والمستقبل الواحد - مرفوضاً من قِبل العولميين المعاصرين, الذين, احتكاماً إلى كل شيء, يملؤهم الحزم على بناء المستقبل من أجل المختارين (من أجل "المليار الذهبي") من وراء ظهر الغالبية العالمثالثية المخدوعة والمحرومة.‏

وبما أن روسيا تدخل اليوم, وبكل وضوح, في عداد هذه الأغلبية مع كامل الفضاء ما بعد السوفييتي, فأمام من غيرنا, نحن الروس, تنتصب مهمة التفكير ببدائل تلك العولمة, التي تشاد اليوم على حسابنا وضدنا. لقد حرم العولميون دول العالم الثالث التقليدية من كل الآفاق التي هي, من حيث المبدأ, من حق كل إنسان على الأرض.‏

أما ما يخص "العالم الثاني" السابق, فإنهم لا يحرمونه فقط من كل ما هو ممكن من حيث المبدأ, بل ومن كل ما تم إنجازه على أرض الواقع عبر التحديث والتصنيع والتنوير الجماهيري. إنهم لا يحرموننا فقط من آفاق التحديث اللاحق, بل من كل ما أحرزناه في المراحل السابقة. ويعلنون لنا في أثناء ذلك أن تحولنا إلى طرف عالمي لا حقوق له ومستغَل ومهمته خدمة المختارين المحظوظين بالتقدم, محتوم بقوانين العولمة القطعية, ولا بديل عن ذلك. إننا بكشفنا, خلافاً لكل ما يقال, عن تلك البدائل المتلاشية في الواقع, لا ندافع وحسب عن كرامتنا الإنسانية وحقنا بالمستقبل, بل ندافع بذلك أيضاً عن المنجزات العظيمة لعصر الحداثة الرائع, من غير أن نسمح للعنصرية الجديدة, التي تعتنق منذ الآن المبدأ المريب "التقدم من أجل القلة", بأن تسلبها.‏

لا يمكن أن يبقى لدى أحد أدنى شك في أن التقدم إذا ما تحول فعلاً إلى احتكار الأقلية المختارة, سيُدفن عاجلاً أم آجلاً من قبل الأغلبية الساخطة. وسيكون على الحداثة إما أن تؤكد في الظروف الجديدة طابعها العمومي المتاح فعلاً لشعوب الأرض قاطبةً, أو أن تُدفن تحت أمواج البربرية الجديدة وصراع الكل مع الكل.‏

لزاماً علينا الاعتراف بأننا نتعامل اليوم مع أحابيل العولمة غير النزيهة والزاحفة نحونا بمعاييرها المزدوجة. كان العولميون الأصلاء ورثةَ الكلاسيكية الإنسانية الذين تحدثوا عن مشروع التنوير الواحد للجميع, أو عن المجتمع الصناعي وما بعد الصناعي الواحد, وباختصار – عن الأفق التاريخي الواحد للإنسانية جمعاء, مترقية معاً من مرتبةٍ من مراتب التطور إلى مرتبةٍ جديدة. إن أفق الإنسانية التاريخي الواحد هذا هو تحديداً ما يشجبه العولميون المعاصرون بصراحة متزايدة أكثر فأكثر. يستعمل بعضهم في أثناء ذلك الحجج البيئية: موارد الأرض لا تكفي الجميع, وإذا ما اتبعت فعلاً أغلبية الكوكب المتخلفة معايير حياة الأقلية المتطورة جداً فإن هذا الكوكب سينفجر من فرط الإجهاد البيئي.‏

ويتسلح الآخرون باستقصاءات الأنثروبولوجيا الثقافية, ويُصرّون على تميُّز العقلية الأوربية النوعي عن العقليات الأخرى مجتمعة؛ ويبدو التقدم من وجهة النظر هذه لا كنتاج للتطور الإنساني العام بل كاحتكار أزلي للحضارة الغربية, التي ولَّدت مثل هذه الظاهرة الفذة والفريدة وغير المتاحة للآخرين. عند ذلك, تتكشف لنا على شكل جرعات العنصرية الباطنية, التي أخفت وجهها حتى وقت قريب. إنهم يقنعوننا بأن الإنسانية لا تستطيع السير عبر طرق عديدة نحو المستقبل الواحد - لا تقود إليه سوى تلك الطريق المرسومة من أجل الحضارة الغربية. أما ممثلو الحضارات والثقافات الأخرى فما هم, في أحسن الأحوال, سوى مقلدين للتطور الغربي, وليسوا مبدعين له. مع العلم أن هذا التقليد, كما يؤكدون, يعطي نتائج أسوأ فأسوأ, وفي النهاية لا مفر من أن تتكشف تلك الحقيقة المثبطة, وهي أن الشذوذ الطبيعي للعقليات غير الغربية (وجميع العقليات غير الغربية تعتبر شاذة) لا يمكن علاجه بالتنوير. مهما نورت أولئك "السكان الأصليين(1)" فإن الموروث سيطغى, وستذهب جهود المبشرين هباء.‏

سيقول القارئ: رحماكم, فما الذي بقي إذن من فلسفة عالم العولمة؟ وهنا بيت القصيد, إذ ينتج من هذا أن "العولمة" أحادية الجانب ومتحيزة على نحو يثير الشك. إن العولميين الغربيين ووكالاتهم الكومبرادورية في الأماكن مهتمون بأمر وحيد: أن تصير موارد العالم كلها "عولمية" في أسرع وقت, أي متاحة "للمليار الذهبي". وما يسمونه "المجتمع المفتوح" العولمي أو السوق العولمية, يعني تحريم "إخفاء" الموارد الوطنية عن المنافسة العولمية, التي تهدف في النهاية إلى نقل هذه الموارد من أيدي أولئك الذين يستغلونها استغلالاً سيئاً إلى أيدي من هم أكثر مهارة. طبعاً, إن نطاق أولئك المهرة اليوم محدد بالمنتصرين في المباراة الاقتصادية العالمية (إنهم, هم أنفسهم, المنتصرون في "الحرب الباردة").‏

أما عولميونا فيُبرِزون من كل محتوى العولمة المدرَك جانباً واحداً هو وضع موارد الكوكب في متناول المتوجين في المباراة العالمية. إنهم يتحدثون, بهذا الخصوص, عن ما يسمى منظومة التعاملات أو منظومة التحويل الحر. وهذا كله يعني وضع إجراءات تؤمن, أولاً, الحد الأقصى من القدرة على تحريك موارد الأرض, وثانياً تأمين نقلها من غير عوائق من حوزة "غير المؤهلين" نحو السوق العالمية – إلى "المؤهلين", ومن حوزة "غير المهرة" إلى "المهرة".‏

يجري أولاً فصل رأس المال الممول عن رأس المال الصناعي, الذي يرون خصوصيته السلفية في بقائه مرتبطاً بالمحلية وبالفضاء القومي. وثانياً - إضعاف السيادات الوطنية الشامل, فتفقد المقدرة على حماية مواردها من نهب الحيتان الدوليين, وحماية اقتصادها الوطني من الدمار من قبل العولميين المضاربين بالأموال. لقد أطلق العولميون حالياً دعاية لم يسبق لها مثيل من حيث القوة في سعيهم إلى التشهير بالسيادات الوطنية, التي تعيق إعادة توزيع الموارد العولمي لصالح الأقلية "الماهرة", وأحد أهم اتجاهات هذه الدعاية هو فضح عدم الفاعلية الاقتصادية الجوهرية والمخاطر البيئية لبرامج التنمية الوطنية في المناطق غير الواقعة ضمن نطاق "المليار الذهبي". لقد وضعت موضوعة التبذير البيئي المدمر وتبديد المواد الأولية والطاقة من قبل الاقتصاديات الوطنية اللاغربية في مركز الاهتمام باعتبارها بدهية من بدهيات العولمة المعاصرة, التي لا يمكن أن يشكك بها أحد سوى الرجعيين الظلاميين وسيئي النية.‏

الاتجاه الثاني مرتبط في الواقع بعدم الأهلية السياسية للسيادات الوطنية. إذ يجري الترويج لموضوعة عدم المقدرة الجوهرية للحكومات الوطنية, التي لا تبحث لها عن غطاء لدى أصحاب منظومة القطبية الأحادية, على معالجة الفوضى السياسية - الإرهاب والحروب الإثنية والأصولية الدينية المتطرفة والتطرف القومي. كلما كان تعداد أولئك المتطرفين جميعاً أوضح ازداد استياء "المجتمع العولمي" من كل أولئك غير القادرين على فرض النظام المتحضر لديهم, ويمنعون غيرهم, من فعل ذلك.‏

صار يتضح أن من مصلحة "العولميين", وبغض النظر عن خطابيتهم, تقويض النظام في فضاء الدول الوطنية. ومن هنا تنبع متناقضات "المجتمع المتحضر" المدهشة ومعاييره المزدوجة, التي نشهدها اليوم. ونتساءل ما الذي يمكن أن يكون أشد ذمامة من السلفية العشائرية لزعامة "الاستقلاليين" الطموحة, التي حطمت الفضاءات القومية الضخمة الموحدة – وهي الشرط المختبَر من أجل التقدم - واستبدلت بها سيادات إثنية ممسوخة؟‏

بهذا تصير مفهومة غرائب العولميين الذين لا يقفون أمام شيء في سبيل تحطيم منجزات الحداثة نهائياً على صعيد الأمم الكبيرة لصالح الانفصالية القبلية والتطرف, هذا التحطيم الذي نلحظه في الفضاء ما بعد السوفييتي وفي يوغسلافيا, والذي سرعان ما سنلحظه, على الأرجح, في الصين و الهند. يتلخص الأمر في أن الأمم الموحدة الضخمة قادرة على أن تصير عائقاً في وجه الساعين إلى السلطة العولمية على العالم؛ لهذا تحديداً يتحالفون مع ناشطي الانفصاليين الإثنيين ويمولونهم.‏

وهكذا, نقترب من فهم جوهر العولمة الحالية الحقيقي. إن أصحابها في الغرب - هم في الحقيقة أولئك الريفيون الإثنيون, الذين يرفضون مستقبل البشرية؛ وعولمتهم لا تسير أبعد من الاستحواذ على موارد الأرض من قبل الأقلية "المختارة" الجشعة, التي تعتبر سواها من البشر غير جديرين بهذه الثروة.‏

الموارد العولمية من أجل مصالح الأقلية الأنانية الضيقة – هذه هي العقيدة الحقيقية لـ " العولمة", التي يدور الحديث عنها هنا.‏

(1( - يستخدم المؤلف مصطلح السكان الأصليين هنا ولاحقاً للدلالة على النظرة الفوقية التي تنظر بها النخب إلى شعوبها, كما كان ينظر مكتشفو القارة الأمريكية إلى سكانها الأصليين (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:16 PM
ـ «الحُجاج» و «السيّاح»





لكن للعولمة أيضاً مُرَكِّبَة أخرى تحدِّد بعدها "الإنساني". يدور الحديث عن فلسفة ما بعد الحداثة. يجري اليوم إبراز نتائج "الحرب الباردة" في أغلب الأحوال على أنها انتصار لليبرالية على الشيوعية. لكن إذا كان في الإمكان أن يدور الحديث هنا عن الليبرالية, فإنه سيدور فقط حول ما بعد الحداثة "المعاد بناؤها", والأدق, حول ما بعد الحداثة "مفككة البنية". فإلام يُرجَع هذا التفكيك؟‏

يدور الحديث في المقام الأول عن التدمير المقصود لمشروع التنوير السوسيوثقافي الهائل, المرتبط بإنشاء فضاء كبير موحد وزمن تاريخي كبير ذي توجه موحد. لقد عرف الجميع في إوار "الحرب الباردة" أن ثمة مشروعين كبيرين يتصادمان فيها, وقد ولد كل منهما من التنوير الأوربي, من الحداثة. لقد تكلم المشتركون في الصراع بلغة التنوير الواحدة؛ كان الناس في كل قارة - في أوربا وآسيا وأفريقيا وأمريكا يوازنون بين المشروعين, الشيوعي والليبرالي(الرأسمالي), المتصادمين في ميدان سوسيوثقافي واحد. لقد دار الحديث لا عن اختلاف الأهداف, بل عن الفهم المختلف لطرق الوصول إليها. أما الأهداف المعلنة فكانت واحدة: الحرية, المساواة, التنوير, الحراك الاجتماعي الشاقولي وغير ذلك.‏

بدأت فلسفة ما بعد الحداثة تحطيمها للغة الثقافة الواحدة مع تحطيمها للفضاء الواحد. منذ ظهور الحيوان العاقل لم يشك أحد في أن نوعاً إنسانياً وحيداً يقطن الأرض, يمكن أن يتميز في داخله بعلامات عرقية وإثنية, لكن هذا لا يؤثر كثيراً على وحدته الجوهرية. وها هم ما بعد الحداثويين, مستغلين مقولة تعددية الثقافات, وقد صاروا يتكلمون على تعدد الأنواع البشرية أو الفضاءات السوسيوثقافية التي لا لغة أو أفكار مشتركة بينها.‏

في مثل هذا السياق ما عادت الاشتراكية, مثلاً, تبدو كشكل مختلف للمشروع الحداثوي (التاريخي), قادر على إلهام الناس في أي قارة, بل صار يبدو كخصوصية غير مأنوسة لثقافة "السكان الأصليين" الروسية. ومن المفيد أن نستعين, من أجل الموازنة بين النظرتين الكلاسيكية وما بعد الحداثوية إلى الأشياء, باستعارات من أحد أشهر دعاة ما بعد الحداثة وهو زبيغنيف باومان(1).‏

يقول باومان إن في الإمكان تشبيه ثقافة الحداثة بشخصية الحاج, وثقافة ما بعد الحداثة بشخصية السائح. إن وعي الحاج مركزي التوجه: أينما وجد فإن طريقه إلى مكة أو هيروشليم يعني أن مكان إقامته الدائم ومركز العالم المقدس هو جوهر نقطة الفضاء التراتبي المنظم الواحد, الذي يعطي حياتنا معناها الأسمى. يسير الحاج لا ليمتع ناظريه بالمعالم, بل ليؤكد خضوعه للقيم الواحدة, التي لا يمكن للبعد المكاني أن يضعفها.‏

أما السائح فيسلك سلوكاً مختلفاً باعتباره شخصية مركزية لعصر ما بعد الحداثة. إنه يعبر القارات راغباً في تذوق الغرائب الثقافية, التي ليست أكثر من مثيرة للفضول. هنا لا يجوز افتراض وجود خضوع لتلك القوى والقيم التي يفيض بها وسط الثقافات الأخرى. بل على العكس, إن الإحساس بالاغتراب عن تلك القوى والقيم, أي إدراك شعور المراقب الحر أو البطالين أو المقلدين المتدللين, يشكل المتعة الرئيسية للسياحة. لا يبحث السائح عن الفكرة الواحدة؛ بل على العكس, إنه يعبر حدود الثقافات المختلفة متوقعاً أن يرى كل مرة ما هو مختلف اختلافاً مبدئياً, وما لم يره من قبل. كلما ازداد تجزؤ ميدان العالم السوسيوثقافي ازداد حبور السائح. ستلائمه الموزايكية الكاملة للعالم, المأهول بأنواع بشرية مختلفة.‏

على هذه اللوحة تحديداً تصر فلسفة ما بعد الحداثة. إننا هنا نصطدم بالمفارقة ذاتها التي ذكرناها أعلاه. فشخصية الحاج, السلفية منذ الآن, كانت أقرب على نحو لا يقارن إلى العولمة الأصيلة من شخصية سائح ما بعد الحداثة. لقد آمن الحاج إيماناً مقدساً بوحدة النوع البشري وبوحدة العالم, ولهذا كان مستعداً للجدال حول القيم. في الواقع: إذا كان الحديث يدور عن الفضاء الواحد الذي سيعيش الجميع فيه, فإن الأمر يستحق الموازنة بين المشاريع والقيم المختلفة بهدف انتقاء الأفضل للبشرية كلها.‏

السائح يرفض النقاش لأنه مستعد لأن يصدق أن كوكبنا مأهول بأنواع بشرية مختلفة, كل منها "ممتع بأسلوبه الخاص" وجيد في مكانه. ليس مصادفة أن الوعي الذاتي لعصر الحداثة استند إلى الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع - هذين العلمين اللذين يشدان نحو التقدم الشامل الواحد. أما وعي ما بعد الحداثة الذاتي فيتشكل مرتكزاً إلى الأنثروبولوجيا وعلم الأعراق – العلمين اللذين يؤكدان على تجزؤ الحقل السوسيوثقافي للبشرية.‏

إن ما يكتسب الأهمية الحقيقية هو أي وضع أنثروبولوجي نمنحه للفروقات الثقافية. فإن لم نفقد من وراء هذه الفروقات وحدة الجنس البشري المبدئية, ووحدة الأفق التاريخي فهذا أمر, والأمر الآخر هو أن نتحول, على نحو لا نلحظه, إلى "عنصريين حسني النية" وأصحاب مذهب ثقافي يشجب وحدة البشرية بحجة احترام التعددية السوسيوثقافية. إن السفسطات الخطيرة لما بعد الحداثة موجهة من أجل استبدال المصطلحات والمعاني: صار اختلاف الإيديولوجيات, التي خرجت جميعاً من جذر واحد – من التنوير الأوربي, تكتسب منذ الآن معنى "ثقافي – أنثربولوجي", يفترض عدم اجتماعها المبدئي.‏

يُعتبر الكثيرون منا اليوم ضحايا لهذا التزوير السفسطائي. وهذا يتعلق خصوصاً بظاهرة الشمولية. لقد فهم أسلافنا, الذين لم يَخبروا دروس ما بعد الحداثة, فهماً جيداً أن الاتحاد السوفييتي قد بني على المشروع الذي اتحدت فيه تعاليم مور وكامبانيلا وأوين وسان سيمون وماركس ولاسال. لقد وحدتهم جميعهم فكرة المجتمع المنظم عقلانياً, والمنتصر على نزوات الطبيعة والتاريخ.‏

لكن اليوم, حين يناقش المنظرون والناشرون "الليبراليون" الشمولية, فإنهم يرتكزون على الجذور "السكانية الأصلية" – أي على تقاليد المشاعية الروسية, وعلى نزوات الذهنية القومية غير القابلة للانصلاح, وباختصار, على خصوصيات طبيعة الإنسان الروسي. وما دام الأمر كذلك فسيبرز خياران لا ثالث لهما: إما أن نقبل جبرياً الشمولية الروسية على أنها خصوصية "طبيعية" من خصائص الثقافة المعنية, وإما أن ندمر هذه الشمولية والروس معها باعتبارهم حاملين عضويين لها. إن الوعي النابض ضمن حدود هذين الخيارين خطير للغاية, خصوصاً إذا شعر أصحابه بأنهم منتصرون في "الحرب الباردة", وأن كل شيء مسموح لهم منذ الآن.‏

(1( - باومان, من الحاج إلى السائح // المجلة الاجتماعية. 1995, عدد رقم 4.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:18 PM
ـ «منظمو العالم» السِّريون





يتعلق الجديد الجوهري الآخر لما بعد الحداثة بمسألة وحدة الزمن التاريخي. لقد مسَّ انقلابُ المسيحية الأنتولوجي المرتبط بوضع لوحة جديدة للعالم, فهمَ الزمن التاريخي بالدرجة الأولى. كان فهم الوثنية للعالم يمتاز بالتصورات الطبيعاوية(1), حول دورات الزمن, التي تذكر بتبدل أوقات السنة أو أطوار الحياة (الولادة ثم النضج ثم الشيخوخة ثم الموت).‏

ارتبط الانقلاب التوحيدي بالإيمان بأن أهداف الكون محددة بالإله الواحد. عندئذ يكتسب التاريخ اتجاهاً صارماً: ينشأ شعاع(2) الزمن الممتد من نقطة الانطلاق باتجاه أفق ما منشود – هو النهاية المولدة للفكر.‏

لقد جادل التنوير المسيحية في كل شيء, لكنه حافظ على أحكامها المتعلقة بفكرة الزمن التاريخي السائر في الاتجاه المعطى. لقد آبت مشاريع التنوير الإيديولوجية كلها, على هذا النحو أو ذاك, إلى المشروع المسيحي الوحيد – إلى امتلاك البشرية لأرض الميعاد, التي هي منتهى الترحال التاريخي المستمر منذ آلاف السنين.‏

ويشاء القدر أن يمحص, بالدرجة الأولى, الفلاسفة الفرنسيون مسألة شرعية نهاية التاريخ في عصرنا ما بعد الديني. إن هذا التوجه سرعان ما صار محدداً بحوار الثقافة الفرنسية مع الثقافة الروسية. وتفسِّر إلى حد كبير الجديةُ المأساوية لهذه الأخيرة, التي لا تسمح بتحويل الأفكار الكبيرة إلى لعبة أو محض تقليد, حقيقةً أن الروس تحديداً هم أول من جرّب حقاً تحويل أكثر مشاريع الحداثة الأوربية إغراءً إلى واقع. وإذا كانت الفلسفة الأنكلو – أمريكية, بحكم بعدها النسبي عن الحماسات القارية, لا تزال قادرة على وصف "الاشتراكية الواقعية" بالطرق المصلحية الثقافاوية على أنها ظاهرة إثنية روسية غريبة, فما بال الفرنسيين, الذين لمسوا جيداً قَرَابة مقاصد التنوير العامة, يفعلون ذلك.‏

وبالأخص, لم يحاول جان بول سارتر أن يفسر دراما الاشتراكية الواقعية إثنياً – باعتبارها دراما روسية, بل أنتولوجياً – باعتبارها صراع أفكار جوهري مع الواقع الخامل, الذي يشوه نقاء المعنى الابتدائي. فمع "موت الله" يحدث لدى سارتر أيضاً موت العالم المادي الخارجي: لن يلوح فيه منذ الآن المعنى السامي, لن تكون فيه أي ضمانات أنتولوجية. يصير العالم الخارجي عديم المعنى, لكن هذا لا يعد تبرئة لنا على تقاعسنا عن الفعل. إن واجب الإنسان هو أن ينفذ مشروعه في تنظيم الحياة بغض النظر عن فقدان الضمانات الميتافيزيقية السامية, المرتبطة بمشاركة النظام الحياتي ذاته في آمالنا المضيئة.‏

إن تبرير أفكارنا ليس محدداً أنتولوجياً, بل أنثروبولوجيا: إننا نظل أوفياء لمشروعنا ليس لأن بنية الحياة ذاتها تعدنا بإمكان تنفيذه, بل لكي ننقذ أرواحنا في العالم الذي لا معنى له. إن سارتر يلقي بهذا تحديداً الضوء على مرض "الأصولية الإيديولوجية" الغامض, والمميز للفرنسيين والروس معاً, والذي يصاب به الملحدون أكثر من المؤمنين. فالمؤمن يستطيع الاتكال على الله, ولا يستعجل سير التاريخ, لكن الملحد لم يوهب هذه السكينة - من هنا قلقه الذي يميزه, و"قلة صبر قلبه".‏

المرة الأخيرة التي شعر بها الفرنسيون بـ "قلة صبر القلب" الثورية هذه كانت في أيار – حزيران من عام 1968 - في أثناء العصيان الشبابي الشهير. حينذاك قرر الطلاب العصاة, بالطريقة السارترية الخالصة, أن لا يقيموا وزناً للواقعية طبقاً لمقولة "كونوا واقعيين وطالبوا بالمستحيل!". لقد أعرضوا عن الاقتصاد السياسي كنظرية ثورية, فهو يستند إلى المقدمات الموضوعية للثورة, وبذلك يعتدي على حرية إبداعنا في التاريخ.‏

في مقدورنا أن نشجب قدر ما نشاء طوباوية الطلبة السوربونيين المنتفضين وتطرفهم, لكن يبدو اليوم واضحاً أن هذه كانت آخر محاولة للحفاظ على عموميات الحداثة بضم "اليساريين الجدد" في العالم كله في وحدة اندفاع ما بعد شيوعي وما بعد رأسمالي. لقد رأى "اليساريون الجدد" في الشرق والغرب عالماً واحداً قابعاً في الشر, عالماَ يعاني من العيوب ذاتها, عالماً شمولياً وتنكيلياً. وقد اختلفت أشكال هذا التنكيل في الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي كما يختلف الإرهاب المباشر عن غسيل الأدمغة الاحتيالي. لكن الهدف نفسه: نزع التوق إلى المشاريع التحررية العظيمة منا, وإجبارنا على احترام الوضع الراهن.‏

حين كان الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي يخوضان "الحرب الباردة" في ما بينهما, كان "اليساريون الجدد" ممتلئين عزماً على فض هذا النزال المزيف بين شكلي "المجتمع الشمولي الواحد" والاستعاضة عنه بمشروع جديد واحد ما بعد شمولي. كان في سعي "اليساريين الجدد" هذا طاقة ذلك النبض التحرري السابق, الذي ميز ولادة الحداثة.‏

في تلك اللحظة ذاتها جاءت ردة الفعل ما بعد الحداثوية. لقد وضعت من جهة إستراتيجية التفسير الثقافي الأنثروبولوجي أو الإثنوغرافي لـ "الشيوعية الروسية". وقرر التضامن المتبادل المناهض للاستبداد بين محبي الحرية في الغرب والشرق تغيير ذلك الاحتقار المتكبر من قِبل الغرب الموفق نحو الشرق الشيوعي الغريب و"المنحوس على نحو عجيب". ولهذا كانوا يحتاجون إلى الإعلان عن شمولية المرض القومي الروسي.‏

من جهة أخرى قامت الإستراتيجية على وجوب تبريد, مرة وإلى الأبد, الخيال الثوري عموماً لواضعي أي مشاريع تحررية كانت, وذلك بالإعلان عن تقادم التخطيط التاريخي من حيث المبدأ. إذا كنا تحدثنا سابقاً عن التدمير ما بعد الحداثوي للفضاء الكبير الواحد, المستبدل بـ "موزاييك الثقافات" فإن حديثنا هنا يدور عن تحطيم الزمن التاريخي الكبير, الذي يربط بداية الدراما الإنسانية ونهايتها على الأرض.‏

لقد أبقت الوجودية الملحدة, وهي آخر تعبير للحداثة عن الذات, على فرصة لمحبي الحرية العنيدين الخارجين من التنوير, حتى بعد إعلانها أن العالم الخارجي لا معنى له. لقد طلبت منهم الإخلاص لمشروعهم بغض النظر عن صمت العالم الخارجي بعد موت الله الذي ما عاد يزرع الأمل فينا.‏

صار أتباع ما بعد الحداثة يعلنون الآن أن أي مشروع تاريخي هو حقد معاصر واعتداد بالنفس. وها نحن نحصل, عوضاً عن التاريخ المطعون بمخطط عام هو مشروع التحرر الواحد, على عدد لا حصر له من "التواريخ" ذات الاتجاهات المختلفة, والتي تعتبر في الواقع بنت يومها وتنتهي بانتهائه. منذ الآن صار من حق الإنسان أن يعيش لحظته من غير أن يثقل كاهله بالأهداف الكبيرة. هنا, خصوصاً, تكمن الليبرالية الجديدة, التي تحرر الإنسان من عبء المسؤولية التاريخية وما يرتبط بها من تضحية. يؤكد ليبراليو ما بعد الحداثة على تساوي أي فترات زمنية, ويقترحون علينا أن نغرق في موزاييكهم, تاركين جانباً كل اهتمام بمعنى الزمن الاجتماعي واتجاهه.‏

لقد تبين أن محاولة تحطيم الشعاع التاريخي في الثقافة هذه غير بريئة قط. في الواقع: ينبغي في هذه الحال الاعتراف بأن الممارسات كلها متساوية في القيمة ومتساوية في احتمال الوقوع. وتصير مفاهيم المنحط والسامي, المتحضر والبربري, المنتخب والبدائي غير ملائمة.‏

لقد حافظ شعاع الزمن التقدمي على نحو مخفي, كما تبين, على شفرته الأخلاقية التقليدية: تموضع المشكوك به اجتماعياً وأخلاقياً "في الأسفل", في الماضي, و بمقدار التقدم إلى الأعلى أُفسح المجال أكثر فأكثر للأعدل والأكثر كمالاً. أما بعد الوقاية ما بعد الحداثوية فيختفي في الثقافة الأسفل والأعلى. وسرعان ما سينعكس هذا في ممارساتنا العملية الاجتماعية والثقافية اليومية.‏

ليس مصادفة أن أتباع ما بعد الحداثة يثيرون اشمئزازنا على نحو منهجي من الخطاب الأخلاقي, ومن المحاكمات التقويمية. من هنا تأتي المتناقضات المُغِمَّة للعصر الليبرالي الجديد: - الحكام الليبراليون يتعاونون مع المافيات؛ المفكرون الليبراليون المستخفون بـ "تعاليم ماركس المتوحشة", الذي انتمى, في نهاية الأمر, إلى رعيل مفكري الحداثة العظام, يقبلون من غير أن يرف لهم جفن المسلسلات التلفزيونية الأشد وحشية وأفلام الرعب والأفلام السوداء والإباحية معبودة الجماهير. كنا حتى أمس أكثر تسلحاً بالمعايير التي تسمح لنا بالتفريق بين بضائع الاستهلاك الواسع والكلاسيكية السامية, بين القيم الأصيلة والمزيَّفات متدنية الجودة, بين الإلهام الإبداعي و"نشوة" المخدرات. وما بعد الحداثة تحطم هذه المعايير.‏

إن إحدى أكثر مفارقات ما بعد الحداثة إثارة للانطباعات هي أن النخبة العالمية "مواطني العالم" تتمتع بنفسية السّرية الطائفية, المنتزعة من المجتمع الطبيعي وكل نظراته الطبيعية وأخلاقه وفكره السليم. إن طائفيي ما بعد الحداثة يشعرون بأنفسهم مجرِّبين حرين في المجال الثقافي والأخلاقي, وغير مقيدين بقواعد "معيدي بناء" العالم. إنهم "سريون حقيقيون في المجال الأخلاقي, ويستمتعون بحريتهم من الأخلاق الإنسانية العادية. وقد وصف دوستويفسكي(3) نفسية هذه السرية في "الشياطين": " قال شاتوف لستافروغين: - هل حقاً أنك أكدت أنك لا تعرف الفرق في الجمال بين أي شيء شهواني ووحشي وبين مأثرة ما حتى لو كانت التضحية بالحياة من أجل البشرية؟"(4)‏

ويكشف لنا دوستويفسكي بكلمات شاتوف سر هذه النسبية المعرفية الحدية: "لقد أضعتَ الفرق بين الشر والخير, لهذا ما عدت تعرف شعبك"(5).‏

إننا نتلمس هنا, كما أظن, إحدى النقاط المؤلمة لما بعد الحداثة العولمية, وإحدى عقدها العصبية. تعكس ما بعد الحداثة انقلاباً حقيقياً في الوضع السوسيوثقافي لفئة المثقفين (الإنتلجنسيا) وانقلاباً في صورة العالم لديها. لعبت فئة المثقفين في عصر الحداثة الكلاسيكية دور الكنيسة في العالم ما بعد الديني: كانت إلى جانب "الفقراء بالروح" ضد أسياد ذلك العالم, وكان إبداعها يحضِّر أرض ميعاد جديدة لأولئك الذين حرمهم الواقع اليومي من الأمل. في هذا تنعكس البينية الخاصة لعصر الحداثة, التي انتفضت ضد المسيحية لكنها ورثت حماسة الانبعاث لدى أتقيائها.‏

تعبِّر ما بعد الحداثة عن الطور الختامي التالي للتحول من الدين إلى الدنيا: الإبداع الذهني المحروم من أرض الميعاد, والذي لا يقيم وزناً إلا لمنطق الظروف الحاضرة وللحال الاجتماعية. صارت الإنتلجنسيا تنظر منذ الآن إلى واجباتها الاجتماعية والأخلاقية تجاه "الفقراء بالروح" على أنها نير أخلاقي لا يطاق, شبيه تماماً بالنير الإكليريكي في فجر الحداثة. لقد انتهى جدل المفكرين مع الأغنياء الذي استمر مائتي عام؛ وبدأ جدلهم مع الفقراء.‏

إن هذا الحقد, الذي يبدو ببساطة مَرَضياً, وهذا الاحتقار للفقراء والمظلومين وغير القابلين للتكيف يدخل في الواقع ضمن منطق التحول من الدين إلى الدنيا: إن خدمة المعوزين هي الدين الأخير الذي يقف على طريق تكوُّن الثقافة البراغماتية العلمانية الخالصة. لكن في لحظة هذا "التحرر من الخدمة" ذاتها تكتشف ثقافة النخبة الجديدة بطلانها التام, وتكتشف "مقصديتها". في الحقيقة إن جوهر هذا التفكيك ما بعد الحداثوي كله, وهذا الإنكار للكليات العضوية كله وهذا السعي إلى التفكيك واللصق والموزاييكية المخدرة كله ليس سوى إستراتيجية للتحرر من كل ما هو "محلي" لصالح كل ما هو "عولمي". النظرة التقنية باعتبارها منهجاً لتفكيك كل ما هو كلٌّ عضوي, والعولمة باعتبارها ابتعاداً منهجياً عن "المحلي", واللاأخلاق باعتبارها تحرراً من الواجب والخدمة الاجتماعيين هي ما ينتج عن القفزة ما بعد الحداثوية الحالية.‏

يرتبط بهذا أيضاً إنكار التاريخ والمذهب التاريخي. الخطاب الحداثوي عن المستقبل هو الشكل المعلمن لعدم قبول بَرَد الأرض بكل ما فيه من خطايا ونقائص. بالتضاد مع هذا يرفض ما بعد الحداثويين باحتقار كل "طوباويات المستقبل", مفضلين الانحلال في الحاضر. وإذا كان مختارو المستقبل هم "الفقراء بالروح" والمذلون والمهانون, فإن مختاري الحاضر هم, من غير شك, الأكثر قدرة على التكيُّف. إن مواجهة الحاضر بالمستقبل, والواقعية البراغماتية بالطوباويات, والقادرين على التكيف بغير القادرين على التكيف وبسيئي الطالع هي تحديداً مقصد الوعي ما بعد الحداثوي. تبرز العولمة على شكل مواجهة بين الأقلية المتمتعة بأعلى درجات سهولة الحركة, والأغلبية الخاملة, المقيدة بـ "حدود المكان". أن تكون نخبة اليوم فهذا معناه أن تكون رحالة لا يعترف بالتقييدات والقوانين المحلية.‏

باختصار, يتكشف عالم العولمة كعالم امتيازات ونخب. العولمة هي الامتياز, الذي تم عقد العزم على الدفاع عنه, بغض النظر عن أي حواجز. أما الحواجز فهي: الدولة الوطنية وأخلاق المسؤولية والخدمة الاجتماعية السابقة, وأخيراً, الشعب نفسه, الذي ليس لديه سوى بلد واحد هو بلده.‏

على هذا النحو تبدلت العلاقات بين الشعب والتقدم في أفق ما بعد الحداثة تبدلاً حاسماً. في السابق كانت خدمة التقدم تعني خدمة الشعب؛ أما الآن فيتعارض التقدم في "تجليه العولمي" مع الشعوب. وها نحن نصل إلى التعريف الجديد للعولمة: إنها عملية التحول إلى أممية النخب من وراء ظهر الشعوب, التي ما عادت تستطيع الاتكال على هذه النخب. كان التقدم يقاس في إطار الحداثة الكلاسيكية بمعايير الفضاء الكبير والزمن التاريخي الكبير - لقد مس مصائر الجماهير. أما العولمة الحالية فتعتبر طفيلية: إنها تسير على حساب تحطيم هذا الفضاء والزمن الكبيرين. تستحوذ النخب على العالم كله - متحررة من الروابط الوطنية والواجبات التي تقيدها. إنهم لا يستطيعون فعل ذلك إلا بالتدمير المنهجي للفضاءات والسيادات الوطنية. لكن تفكيك الدول الوطنية الكبيرة الواحدة يحرم الشعوب من الوطن الكبير الواحد, ويستبدل به مناطق محلية اسمية وإقليمية.‏

وهكذا فإن ثمن شراء فضاء النخبة العولمي هو تحطيم فضاءات الجماهير القومية الكبيرة. وكلما تعولمت النخب, "تجزَّأت" الجماهير, غارقةً في الانعزالية السلفية المحلية البدائية وفي العشائرية والاقتصاد العيني. لكن إذا كانت العولمة لعبةً ذات محصلة معدومة, وامتيازاً جديداً للأقلية النخبوية ثمنه تخلف الأغلبية وإرجاعها إلى قروسطية جديدة وإلى الانعزالية والبربرية, فإن من الضروري التفكير بالبدائل.‏

والبدائل تظهر حين نكشف من وراء النزعات التي تبدو "مبرمة" و"موضوعية" الإدعاءات الذاتية – الذاتية جداً - لأولئك الذين يستعجلون "خصخصة" التقدم, محولين إياه إلى امتياز. من غير فضح هذا الجانب الذاتي أي من غير الكشف عن "الأفكار" النفعية من وراء القوانين القطعية – يستحيل التأكيد على حقنا في خلق واقع أفضل من ذلك الذي يفرضونه علينا الآن.‏

هذا لا يعني أننا نقر "بنظرية المؤامرة". فهذه النظرية في التفسير العادي تقود إلى تأكيد المآرب الجاهزة نسبياً لأقليات تسعى إلى فرض سيناريوهاتها على العالم. أما في حقيقة الأمر فإن مجموعات مختلفة من هذه الأقلية تكشف تدريجاً أيضاً عن إمكاناتها و "تحررها" من الوسط المحيط – ويتم هذا في كثير من الأحيان بأشكال تذهلها هي ذاتها. لقد صارت العولمة كذلك محصلةً للانكشافات التدريجية لمجموعات المجتمع المختلفة صاحبة الامتيازات ومحصلة أيضاً لكشفها عن ذاتها؛ إن الأثر الإجمالي لهذه الانكشافات هو وحده الذي أعطانا بالمحصلة ظاهرة العولمة المتطفلة, المحفوفة بتخلف المجتمع المعاصر.‏

الصفة العامة لهذه المجموعات كلها, التي تفتح العالم العولمي من أجل نفسها في المقام الأول - هي نفسية الابتعاد عن وسطها القومي الخاص, والانقطاع عن تقاليده ومعاييره وقوانينه. بنتيجة ذلك صارت هذه المجموعات تتناسخ في ما بينها مشكلة مجمل العولمة الأممية. وكلما صار التعاون في ما بينها أوثق اكتسبت عملية العولمة طابعاً أشد تغلغلاً وصارت حظوظ الإبقاء على الرقابة الديمقراطية من الأسفل أقل. تعتبر عولمة الامتيازات هذه, التي تقوم على حساب تخلف الشعوب وتسطيح حياتها, التحدي الرئيسي في القرن الحادي والعشرين.‏

الرد المناسب على هذا التحدي يرتبط بالرقابة الديمقراطية على عملية العولمة. لقد تكونت ديمقراطيات الزمن الجديد على المستوى القومي؛ وهي تؤكد على الأشكال المختلفة للرقابة الشعبية على نشاط النخب صاحبة الامتيازات. اليوم, تبتعد النخب عن أشكال الرقابة الموجودة, "مهاجرة" إلى الأوساط فوق القومية. الرد على هذا ينبغي أن يكون بعولمة الديمقراطية ذاتها. إن على المنظومة الديمقراطية الجديدة أن تركز على مسائل الرقابة والاتصال المعاكس المتعلقة بالممارسات التي تقوم بها وتطورها النخب المعاصرة الأشد أمميةً. فالديمقراطية ليست بناءً تأملياً بل هي رد محدد على مشاكل محددة.‏

سنعالج هذا التحديد الجديد للديمقراطية المرتبط بتحديات العولمة في القسم الثاني من هذا العمل. أما القسم الأول فمخصص للتطور العولمي للمجموعات المختلفة في المجتمع المعاصر, الساعية إلى إضفاء الشكل المواتي لها على عملية العولمة. وكلما صارت جهود هذه المجموعات أشد نفعية وغير مسئولة اجتماعياً اكتسب رد الفعل الجماهيري على العولمة شكلاً أكثر حدةً وصار أبعد عن التوقع. أما أن رد الفعل هذا قادم لا محالة فهذا أمر لا شك فيه, بغض النظر عن جهود ما بعد الحداثويين كلها الهادفة إلى القضاء حتى على القدرة على تكوين مشاريع بديلة مناهضة للاستبداد.‏

تنحصر المشكلة في أي هيئة ستكون لردة الفعل - ولا يستبعد أن تتخذ شكل العصيان على عملية العولمة بحد ذاتها. إن هذا يتهدد البشرية بالعودة إلى البربرية. ينبغي ربط البديل العملي بالجهود الموجهة إلى دمقرطة عملية العولمة أي إلى تحويلها من لعبة ذات حصيلة معدومة, تصب في مصلحة أصحاب الامتيازات, إلى لعبة ذات حصيلة إيجابية, تكون الأغلبية فيها هي الرابحة.‏

يمكن التنبؤ بتقلبات الصراع المقبل فقط إذا ما بينّا لأنفسنا طبيعة وإمكانات النخب الساعية اليوم إلى "خصخصة " عملية العولمة. إن هذه النخب تشعر اليوم بأنها عميلة سرية للعولمة, ترتب أمورها من وراء ظهر الشعوب. إن نفسية هذه السرية تذكر بالشيطنة, الموصوفة من قبل دوستويفسكي في روايته الشهيرة. قد لا تكون البراغماتية الصفيقة والنفعية الصفتين الأشد خطراً في الشيطنة العولمية الحالية. بل إن ما يدعو إلى القلق الأكبر هو التكبر الشيطاني لأولئك السريين, الذين يتوهمون أنهم فوق البشر ولهم الحق في إقامة الاختبارات على الشعوب, وحتى على العالم كله.‏

بمقدار ازدياد " تباعدهم" عن الوسط الوطني, ينمو إحساسهم بـ "التبخر الحر" فوق العالم, فوق كل الذين "يعجون" في الأسفل. يحطم العولميون كل أشكال التنظيم القومي الذاتي المتكونة كي يبنوا من جديد في "المكان الفارغ" نظامهم العولمي. إن الثمن الذي يشترون به حريتهم هو التفكيك الشامل وزعزعة الأسس, وإقامة الفوضى العالمية كرمى لـ "نظامهم" الأوحد الذي يرونه هم.‏

"النظام من الفوضى", "إدارة الفوضى" – هذه أحدث المفردات اللغوية النخبوية ما بعد الحداثوية. لقد كشف دوستويفسكي عن خطر جدلية "منظمي العالم" السّريين الخطرة هذه. "... لأي هدف ارتُكب هذا الكم من القتل والمشاجرات والسفالات؟.. من أجل تفكيك المجتمع والبدايات كلها تفكيكاً منظماً؛ من أجل إحباط الجميع وطهي عصيدة من كل شيء, ثم توضع الأيدي فجاءة على المجتمع المضعضع بذلك, والمريض والمترهل, والمستهتر والكافر, لكن المتعطش أبداً إلى فكرة قائدة ما وإلى الحفاظ على ذاته..."(6)‏

زعزعة الاستقرار الشاملة هي اللعبة الإستراتيجية ما بعد الحداثوية لعملاء العولمة, الذين قرروا بالاتكال على أنفسهم إدارة الفوضى. بيد أن حضارتنا, لا بل كوكبنا كله, هشان جداً أمام مثل هذه الألعاب غير المسئولة. إن "التفكيك" الشامل قد لا ينتهي بإعادة بناء ناجحة. يفسَّر الحزم الأولي "لأنصار التفكيك", على ما بدا, برِهاناتهم على حرية الهجرة من الأماكن الخطرة إلى أماكن أكثر أمناً. لكن ليس للشعوب مكان تهاجر إليه. حتى أن العالم المعاصر يستحق أن يسمى عولمياً, لأنه صار ضيقاً على نحو غير عادي و مترابطاً في ما بينه على نحو غير مسبوق.‏

من خصائص وجودنا المؤسفة أن قدرة الفوضى على الانتشار العولمي تفوق بكثير قدرة النظام المبني عقلانياً على الانتشار. لهذا تعتبر حماية الأغلبية من التجارب العولمية غير المسئولة للنخب العالمية الجديدة المهمة الأكثر إلحاحاً في القريب العاجل.‏

إن مفهوم "التطور الراسخ", الذي لاقى صدى عالمياً بعد مؤتمر هيئة الأمم المتحدة حول البيئة والتطور (ريو دو جانيرو, 1992), يكتشف اليوم منحى غير متوقع. لقد تبين أن أحد العوامل الرئيسية لعدم الاستقرار العولمي مرتبط بازدياد "تباعد" مراكز القرارات الدولية عن كل ما يسمى اليوم "الأغلبية الصامتة".‏

كلما اختبرَت النخبُ الدوليةُ الجديدةُ, "المبتعدةُ" عن الأغلبية وعن آمالها ومصالحها, بجرأة أكبر في مجالات الحياة المعاصرة المختلفة زاد عدم استقرار العالم المعاصر. ينبغي إقناع هؤلاء "المفككين" بالحجج الدامغة. تكفي في بعض الأحوال مساعدة النخب الجديدة على إدراكٍ أفضل لمصالحها الخاصة بعيدة المدى, وفي أحوال أخرى ينبغي مواجهتها بإرادة الأغلبية المنظمة في أشكال ديمقراطية. ويحاول كاتب هذه السطور الإشارة إلى الأشكال الممكنة لهذه الحال أو تلك.‏

(1( - نسبة إلى مذهب الطبيعية (الناتوراليزم) (المترجم).‏

(2( - بالمعنى الفيزيائي (المترجم).‏

(3( - فيودور دوستويفسكي (1822 – 1881) الكاتب الروسي الكبير, الذي أنهى المدرسة الهندسية المتوسطة, ثم التحق بالجيش, وبعد أن تخرج برتبة ضابط استقال وتفرغ للعمل الأدبي. استهوته في بادئ الأمر الفكرة الاشتراكية, وانخرط في إحدى حلقات الاشتراكيين, فقبض عليه وحكم عليه بالإعدام, لكن العفو القيصري أدركه وهو على المقصلة, واستبدل الحكم بالنفي. تحول في ما بعد حتى صار يعتبر أن منبع العدمية والليبرالية والإجرام والإدمان هو الإشتراكية لأنها تنكر وجود الله. أشهر أعماله "الجريمة والعقاب" , الأخوة كرامازوف", "الأبله" (المترجم).‏

(4( - فيودور دوستويفسكي. الأعمال الكاملة. في اثني عشر جزءاً. الجزء الثامن. موسكو 1982 ص 248.‏

(5( - المرجع السابق. ص 249.‏

(6( - ميخائيل دوستويفسكي, الأعمال الكاملة. الجزء 9, ص 207.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:20 PM
القسم الأول عملاء العولمة:





... لكن ذلك الذي حرك البلدان‏

كلها مديراً العرائس‏

ومرسلاً الضباب الإنساني‏

هو الذي عرف ما فعل‏

ألكسندر بلوك.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:22 PM
الفصل الأول
السلطة الخامسة أو عولمة الدوائر الخاصة: ـ الحزب "الداخلي" والحزب "الخارجي"



فلنكن دقيقين منذ البداية: إننا نقصد هنا العولمة بتجليها الذاتي – كسياسة ونفسية, وباعتبارها أحد أحكام الإرادة والوعي, المتعارضين تعارضاً موجَّهاً مع أساليب الناس المعتادة في تقرير مصائرهم. يتولد هذا الحكم على أرضية التباعد الفكري والسوسيوثقافي لمجموعات اجتماعية محددة عن وسط السكان الأصليين المحيط بها. بالتالي, لا ينبغي البحث عن جذور العولمة بين طليعيي التقدم, الذين يرثون أحكام التنوير العمومية, المرتبطة باختراقات البشرية الاقتصادية والتقنية العلمية والسوسيوثقافية نحو المستقبل. الوعي التنويري مفتوح للعالم, وهو قريب نوعاً ما إلى الوعي التبشيري, الذي يميزه السعي بأسرع وقت ممكن إلى إشراك الأغلبية غير المتنورة بإيحاءات الديانة الجديدة. تتسم التقاليد التنويرية بالطابع التشجيعي – التفاؤلي للعلاقة مع الأغلبية, التي ستنهل غداً من تراث التقدم وتغنيه باعتبارها صاحبة حق فيه.‏

لقد عانت فكرة التقدم في أحيان غير نادرة من عدم التسامح وحتى من التعصب, وكانت مستعدة لاستخدام العنف بحق "مخربي" التقدم. أما ما كان متنافياً معها تنافياً مطلقاً فهو العنجهية العنصرية, والإحساس بالذات كطائفة مختارين, يفترق مصيرهم افتراقاً حاسماً عن مصير الأغلبية. لقد تطورت الحضارة متخطية مطبات الانقسام والطائفية, التي سقطت فيها, دورياً, بضع مجموعات من المجتمع صاحبة الامتيازات.‏

المعايير هنا أحادية البعد: فحيث نتحدث عن عموميات التقدم, المؤهلة كي تصير ملكية عامة, تسود روح الانفتاح والوضوح التنويري والتفاؤل. أما حيث يدور الكلام على الاحتكار, الذي تتمنى الأقلية الحفاظ عليه سراً عن "هذا" البلد و"هذا" الشعب فتسود أخلاق المجتمعات السرية بمقاييسها وحساباتها الغامضة.‏

إن مأساة التقدم الأوربي التاريخية نابعة من أن الكثير من مقاصده وآماله المتعلقة بغالبية السكان تفقد انفتاحها التنويري ما إن تتخطى حدود المنطقة الأوربية. لقد تعرضت الحركة الاشتراكية الديمقراطية لهذه المأساة تحديداً حين صدرت إلى روسيا. لقد توجهت الاشتراكية الديمقراطية الأوربية, بكل شطحاتها الطوباوية, إلى غالبية السكان البروليتارية. أما في روسيا فتحولت إلى أحكام الأقلية المتعارضة مع غالبية البلاد الفلاحية.‏

حين يصفون الحركة السرية الاشتراكية الديمقراطية (حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي), ثم الشيوعية البلشفية في روسيا فإنهم, عادة, يفسرون وضعها السري بغياب الحقوق والحريات السياسية في النظام القيصري. لكن هذه السرية في روسيا لم تبرز كمعيار رقابي – بوليسي خصوصي, استدعاه وضع المنع والتنكيل وحسب. بل اتخذت طابع المعيار السوسيوثقافي, المتجلّي كحاجز بين "الأممية البروليتارية" في روسيا وجماهير السكان الأصليين الفلاحية, الغريبة عنها بروحها وأهدافها وتقاليدها.‏

على هذا الأساس نشأت ظاهرة البلشفية – حزب الأقلية, المستعدة لمحاربة شعبها, باعتباره "حثالة" التقدم العالمي, والبحث عن الخلفاء ليس في بلادها, بل على الأغلب وسط "الأخوان بالطبقة" في أوربا.‏

حين استولى البلاشفة على السلطة في روسيا, تكون في الحال, في إطار النظام الجديد, وبطريقة كيستلرية(1) خالصة, حزبان, داخلي وخارجي. ضم الحزب "الخارجي" من يسمون سيور نقل الحركة (المنظمات ذات الطابع "الوسيط", التي وصلت بين الحزب والسكان غير الحزبيين) وجهاز الدعاية الهائل, الذي يمزج باطنية التعاليم البلشفية بالشعارات المفهومة من قِبل الجميع, والمتعلقة بأحكام الأخلاق التنويرية الإنجازية. أما الحزب "الداخلي" فضم فئة المتنورين الضيقة, الذين اتخذوا قرارهم وراء الكواليس, والذين حافظوا بالكامل على نفسية (سيكولوجية) السرية الطائفية, التي اعتادت عدم الثقة ببلادها المقطونة, لسوء الحظ, بشعب " ليس ذاك الشعب", بشعب غير بروليتاري.‏

لقد شكلت ما تسمى "الدوائر" العمودَ الفقري لهذا الحزب "الداخلي". وكان التناقض, الذي ميز هذه الدوائر, في المزج بين السلطة غير المحدودة عملياً والمحافظة الشاملة على السرية خوفاً من بلادها التي تنتمي إليها. والخوف طبقاً لقوانين علم النفس يتحول, لا محالة, إلى حقد وانتقام. كلما ازدادت المسافة الفاصلة بين عمل الحزب "الداخلي " السري عن حياة الشعب الطبيعية وعن عاداته الطبيعية اشتد الخوف, واشتدت رفيقة دربه – القسوة. لقد أرادت الأغلبية غير البروليتارية أن تمتلك أرضها وتعمل فيها باستقلالية, وكما ينبغي - غير أن كهنة التعاليم السامية اعتبروا ذلك تفاهة تجديفية من قبل أناس, نشأوا على "الماضي الملعون", وغير قادرين على السمو نحو حقائق الماركسية العليا. أراد الناس حياة طبيعية وأفراحاً طبيعية - لكن السرية الكهنوتية راقبت مقطبةً تفتح هذه الحياة, وهي على ثقة مسبقة بأنها ستثمر عساليج ستضطر إلى اقتلاعها بغير رحمة.‏

وكما كتب فلاديمير إيليتش لينين(2), فإن الصراع البلشفي في روسيا يمر بمرحلتين: الأولى, وهي الأسهل بغض النظر عن قسوتها كلها, مرتبطة بـ "قمع مقاومة المستغِلين" – أي الإقطاعيين والبرجوازيين. والمرحلة الثانية, الأصعب كثيراً والأوسع نطاقاً مرتبطة بالصراع مع طبقة الفلاحين, التي تشكل غالبية الشعب. كان القادة البلشفيون في المرحلة الأولى لا يزالون يفكرون بالمعايير الكلاسيكية للماركسية. أما في المرحلة الثانية فاستوعبوا شيئاً فشيئاً المعايير الحضارية, المتعلقة بمسائل الحاجز السوسيوثقافي بين المشروع البروليتاري – الشيوعي المأخوذ عن أوربا وخصوصية روسيا باعتبارها قارّة حضارية متخلفة.‏

كان لعملية التصنيع البلشفية للبلاد, إضافة إلى الأهداف البراغماتية المعلنة, والموصفة بلغة التنوير المفهومة للجميع – التطور, الرفاهية, القدرة الدفاعية للبلاد, وما شابه – هدفاً رئيسياً خفياً آخر, هو إعادة طحن الحضارة المحلية في الأرحاء الحديدية لإعادة الهيكلة الصناعية, وتحطيم عضوية الحياة السابقة لصالح الميكانيكا الشاملة المنظمة عقلانياً. على هذا النحو لم يدرك الحزب "الداخلي" الفرق بين الأهداف السرية للطائفة صاحبة السلطة وآمال الأغلبية العادية, المرتبطة بالحياة اليومية المبتذلة وحسب, بل أدرك أيضاً وجود الحاجز الحضاري بين عضوية الحضارة الفلاحية والمجتمع "المنظم مثل معمل صناعي واحد" (فلاديمير إيليتش لينين).‏

فقط حين نستوضح هذا سنستطيع أن نفهم خلفية الإبادة الجماعية البلشفية وأبعادها غير المسبوقة. سيتضح الخطل البيِّن في المقولة الستالينية عن تسريع الصراع الطبقي بمقدار التقدم نحو الاشتراكية ما إن نفهم خلفية التحدي البلشفي الحضارية: لم يدر الحديث عن الحرب الطبقية ضد "حفنة المستغِلين" وحسب, بل عن الحرب ضد الحضارة المحلية أيضاً, ومع حاملة الذهنية القومية - طبقة الفلاحين, والمثقفين وكل الناس الذين وهِبوا ذاكرة ثقافية تاريخية قوية. لم يقلصوا الأغلبية الفلاحية في البلاد بالطرق المعتادة – التمدين والتصنيع - وحسب, بل وبطريقة الخلاص من المادة البشرية المشكوك بها عبر آلة الـ "غولاغ(3)".‏

لن نستطيع تقويم التطرف الحقيقي كله في فكر "السِّرية" البلشفية الحاكمة وفي سلوكها, وخصوصاً حزبها "الداخلي", ما لم ندرك انسلاخها عن روسيا على اعتبار أنها أرخبيل حضاري عتيق. يكفي أن نحلل المعايير التي تم وفاقاً لها تحديداً التخلص من إرث روسيا القديمة الثقافي عبر هيئات الرقابة البلشفية, كي نفهم أن الحديث لم يكن يدور عن الصراع الطبقي بقدر ما كان يدور عن تدمير نواة روسيا السوسيوثقافية باعتبارها حضارة خاصة. لقد أحس البلاشفة بأنفسهم أول الأمر, حين لم يكونوا قد فقدوا بعد الأمل بالثورة البروليتارية العالمية, "طابوراً خامساً" للبروليتاريا الغربية في روسيا, ثم " طابوراً خامساً" للاشتراكية في بلد فلاحيّ.‏

إذ نقوِّم آفاق هذه الأقلية الطائفية, يستحيل علينا الهروب من خيارين لا ثالث لهما: كان على الأقلية إما أن تتطبع في "هذا" البلد – أي التليُّن التدريجي في التعاليم الدوغمائية المتطرفة لصالح الظروف والخصوصيات المحلية, وإما البحث عن حليف قوي من الخارج, يمكن بمساعدته موازنة قوى الطليعة الحاكمة مع قوى المقاومة الحضارية المحلية.‏

ظلت الحكومة البلشفية, طوال الفترة التي اعتبِر فيها الغرب حلفاً ليبرالياً يسارياً, تمزج بين نقد الغرب البرجوازي والأحكام القديمة للأممية الاشتراكية والشيوعية. وكانت الموازنة دقيقة جداً: إذ كان يعوض انعدام الثقة بأغلبية سكان البلاد بالدعم الممنوح من قِبل الأوساط الاجتماعية الغربية الطليعية؛ بينما يعوّض النقص في ذلك الدعم نفسه بمحاولات نيل دعم إضافي من الأغلبية.‏

لكن الانقلاب الفاشي في أوربا غيَّر الوضع بحدة. واشتدت محاولات النظام البلشفي التطبع مع الوسط المحلي القومي (والأدق – الحضاري) على خلفية التحدي القادم من الجانب.‏

لقد استرجِعت فوراً, تقريباً, الكلمات التي كان يعتبرها الأمميون البروليتاريون الحانقون في الأمس كلمات فاحشة, وتجليات لعقيدة "الحرس الأبيض" كـ "الوطن", "الوطنية", "إرث الأجداد العظيم", "التقاليد الروسية القومية", وأدخلت في مخزون الإيديولوجية الرسمية. لكن بمقدار تطبع النظام الماركسي هذا في باطن الوسط القومي والتقاليد القومية صار المراقبون في الغرب ميالين أكثر فأكثر إلى مطابقة الشيوعية السوفييتية بالإمبريالية الروسية. لقد انقلب حلف النظام مع شعبه إلى ابتعاد جديد عن "الأوساط الاجتماعية الطليعية" الغربية.‏

ربما كان مصير النظام الشيوعي في روسيا سيسير على نحو مغاير لو قدر له, حقاً, أن يتشرعن – أي أن يتأقلم مع التقاليد القومية الثقافية ويرتقي معها ارتقاءً طبيعياً. لكن لن ننسى أن الأقلية البلشفية جاءت إلى السلطة نتيجة انقلاب غير شرعي, وعن طريق استخدامها المخادع لشعارات الآخرين (الإيسيريين – الاشتراكيين الثوريين), ومن ثم بنتيجة الحرب الأهلية الدموية. لقد حدد ذلك كله مسبقاً ارتيابها القاتل بشعبها, الذي لم تساو نفسها به قط.‏

لو كان هذا ابتعاداً عادياً للأغلبية صاحبة الامتياز - الحال الأنموذجية لأي مجتمع متمايز اجتماعياً - لما كان الوضع بهذه الصعوبة. لكن الحديث دار عن ميزة أشد إهلاكاً - عن نفسية (سيكولوجية) الأقلية الطائفية, التي لا تعيش حياة قومية عادية, بل وفاقاً "لكتاب" مكتوب في الخارج, ووفاقاً لتعاليم مستعارة. لم تكن تفصل مثل هذه الأقلية عن الأغلبية القومية حواجز الملكية وحدها - كانت تعاديها ذهنية الأغلبية وتقاليدها الثقافية, وكانت تخاف من يقظة ذاكرتها وكرامتها الوطنيتين. كانت هذه الأقلية تحتاج إلى تضامن حضاري من الغرب؛ وحين كانت تفقده كان الأفق يزداد ضبابية ويشتد الخوف من الوحدة. ينبغي القول إن السلطة, في ظروف "الحرب الباردة" التي قامت منذ نهاية الأربعينيات, صارت في الغرب الرأسمالي وفي الشرق الشيوعي مرتبطة أكثر فأكثر بوضع دولي معين. وهذا الوضع لم يكن اقتصادياً قط, بل مسَّ مسألة الثقة السياسية بالسكان.‏

(1( - كيستلر. الظلمة المضاءة. موسكو, 1990‏

(2( - فلاديمير لينين (1870 -1924) سياسي ومُنظِّر روسي, زعيم حزب البلاشفة وقائد ثورة أكتوبر التي أسست الدولة الاشتراكية الأولى في التاريخ. ارتبط اسم لينين بالنظرية الماركسية, واعتبرت أعماله ومؤلفاته تطويراً لها. لديه الكثير من المؤلفات من أهمها "ما العمل" (1902), "خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء" (1904), "مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية" (1920). (المترجم).‏

(3( - الإدارة الرئيسية للمعتقلات (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:24 PM
ـ مفارقات الديمقراطية




لقد مثل فعلياً أنموذجُ الديمقراطية الأمريكي, المتكوِّن في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر, ديمقراطيةَ الأقلية, التي كان حاملها الأنموذجي هو البروتستانتي الأبيض, صاحب الدار. كان على ما يسمى المشاركة السياسية – أي أن تكون مسموع الرأي في عملية اتخاذ القرارات الاجتماعية الأهم - أن تظل من نصيب الأقلية الميسورة حتى تظل الديمقراطية مستقرة.‏

اختصاراً, مفارقة الديمقراطية هي أنها تأسست على المشاركة السياسية من قبل أولئك الذين في مقدورهم أن لا يشاركوا بها, وأولئك الذين يناسبهم تماماً الوضع الراهن المتكون. وحين صار غير المحظوظين اجتماعياً, والمتذمرين يتقدمون لهذه المشاركة بدأ الاستقرار السياسي يتأرجح.‏

وجاءت "الحرب الباردة" في وقتها: ففي ظروفها حاذت الفئات الحاكمة على إخلاص المواطنين ليس بجعلهم يفتتنون بمثالها, بقدر ما حاذت عليه بإخافتهم من مثال الجانب الآخر. كانت عملية تحويل الجانب المعادي, الواقع في الطرف الآخر من "الستار الحديدي", إلى شيطان ضرورية ليس من أجل تبرير سباق التسلح فقط, بل من أجل استعراض كل أمام جماهيره أفضلية وضع هذه الجماهير مقارناً بأهوال الحكم الآخر. لقد أدار الجهاز الدعائي والأجهزة الأمنية في البلدان التي شاركت في "الحرب الباردة" لعبة إستراتيجية كبيرة, بأن أنشأت في آن معاً فزاعات دعائية لشعوبها.‏

ففي المعسكر الأول حاولوا نيل إخلاص الشعب باستثمار أسطورة "الفقر المطلق والنسبي" في الرأسمالية, وفي المعسكر الآخر باستثمار أسطورة العبودية الشيوعية. احتكاماً إلى معايير التنوير السامية ينبغي تقويم هذا على أنه تطاول على عموميات التقدم, التي آمن بها أناس الحقبة السابقة. لقد فقد التقدم أمام أعين الجميع ملامح الإله المسيحي, الذي منح وعده للشعوب كلها, وصار يكتسب أكثر فأكثر ملامح إله إسرائيل الغيور, الذي لم ينعم إلا على "أقربائه الإيديولوجيين", المنتمين إلى معسكره, والذي هدد بالطرد التام كل من ينتمي إلى المعسكر الآخر.‏

لقد جرت أمام أعين المعاصرين, الذين يذكرون الأزمنة الأكثر ليبراليةً, عملية تحويل مذهلة للفكر السياسي الاجتماعي إلى فكر سلفي في البلدان التي شاركت في هذه المواجهة العالمية. إذا كانت التقاليد الديمقراطية قد علمتنا الاشتغال أكثر بنقد حكوماتنا المحلية واجتثاث النقائص في ديارنا, فإن التقاليد الجديدة, المرتبطة بـ "الحرب الباردة" قد أوجبت البحث عن العيوب في معسكر العدو, وأوجبت استعراض الإخلاص التام كل في دياره. لقد قلبت عسكرة هذه الذهنية المتسلحة بالشك بالآخرين رأساً على عقب أغلب المبادئ والأحكام الديمقراطية. وبمقدار ما كانت الديمقراطية تصير جماهيرية, كانوا يفرضون عليها أن تصير عسكرية ومجندة لمواجهة العدو الخارجي. وقد خصَّ هذا في الغرب في المقام الأول الجمهورية الأمريكية, بعد أن صارت جمهورية إمبراطورية – وبعد أن صارت روما الجديدة المتحاربة مع قرطاجة.‏

استُخدم مبدأ التجنيد الخارجي هذا في الشرق على نحو لا يقل منهجية. لقد لعبت الجهتان معاً لعبة المواجهة المانوية(1) المثيرة, التي تسمح بالتشهير بالمنتقدين الداخليين باعتبارهم "طابوراً خامساً" للطرف الآخر. وكلما طال زمن "الحرب الباردة" اكتسبت أكثر فأكثر طابع تواطؤ اللاعبين, المستخدمين عن قصد رهاب الوعي الدفاعي من أجل أن يضمن كلٌ استقرار نظامه.‏

لقد تكونت, فعلياً, على جانبي "الستار الحديدي" معاً, بالإضافة إلى الحزب "الخارجي" الذي يخوض الحوار مع الرأي العام, أحزاب "داخلية" مطلعة اطلاعاً أفضل على مكنون النزاع العولمي, وعلى الفوائد السياسية الداخلية المتأتية منه. مع مرور الزمن صارت لغتا الحزبين "الخارجي" و"الداخلي" أقل قابلية للترجمة المتبادلة. فالحزب "الخارجي" المنشغل بالتأثيرات الاستعراضية, يوبخ العدو الخارجي ويتملق لجمهوره الساذج موحياً له بالتصورات عن وضعه الذي يحسد عليه مقارناً بوضع السكان في الطرف الآخر. أما الحزب "الداخلي" فيزداد بعداً عن سذجه, مكتشفاً أكثر فأكثر الشبه بين هموم خصمه الرسمي السياسية وهمومه هو.‏

صارت الأحزاب "الداخلية" تتفهم أكثر فأكثر مقدمات الاستقرار السياسي الداخلي الخارجية العولمية, المرتبطة بعسكرة الحياة الاجتماعية والتفكير الصدامي, في الوقت الذي كانت فيه أحزاب العامة "الخارجية" تفكر ببدائية أكبر وبطريقة تقليدية أكثر. لقد أدت روح الابتكار المزيف لدى الأحزاب "الداخلية" و"فطنتها" إلى قيام تعارض متزايد بين هذه الأحزاب وأوسع الأوساط الاجتماعية في بلدانها, وقربتها على نحو ما غير ملحوظ ولا إرادي من عدوها – الحزب "الداخلي" في المعسكر المقابل. لقد شعر الشركاء في أثناء الحوار المتبادل في ما بينهم بأنهم محترفون حقيقيون في مواجهة سياسيي العامة الهواة.‏

من المسلّم به طبعاً أن ملاك الأحزاب "الداخلية" تشكَّل أساساً من المراكز الدماغية للأجهزة الأمنية. لقد كانت الأجهزة الأمنية في البلدان المشاركة في "الحرب الباردة" متجابهة في ما بينها, لكن ما كان لها إلا أن تلحظ أن الشبه في ما بينها من حيث "الحسبة الاحترافية" أكبر من الشبه بينها وبين الأوساط الاجتماعية في بلادها, هذه الأوساط الساذجة والمثقلة بحمل الأنماط الصارمة والأوهام. وصرنا نلحظ أكثر فأكثر حوادث يكون فيها إخفاء هذا الفعل الحساس أو ذاك عن الرأي العام المحلي أهم من إخفائه عن العدو, الذي كانت لديه مصاعبه الخاصة غير الهينة أيضاً مع محيطه الجاهل.‏

هكذا راحت تمتلئ حصَّالة الأسرار الاحترافية المشتركة غير المعلنة للأوساط الاجتماعية بناءً على اتفاق جنتلماني مشترك. لقد شيدت "الطليعة" في الأجهزة الأمنية مسرح اللامعقول الجديد الخاص بها. فما كان يعتبر سراً على أجهزة العدو الأمنية, كانوا يخفونه سراً عن مواطنيهم. وما كان مدمراً من وجهة نظر الأهداف العادية للسياسة الطبيعية, كان يمكن أن يستخدم كأداة نافعة على المستوى الباطني للسلطة السرية. ربما كان من المريح أكثر أن نسميها "السلطة الخامسة" – للتفريق بينها وبين السلطات الأربع المعروفة (التنفيذية والتشريعية والقضائية ووسائل الإعلام), ولشبهها التنظيمي والفكري بـ "الطابور الخامس".‏

إن لكل فرع من فروع السلطة المشار إليها أحكامه الخصوصية, وكذلك موضوعه ومحيطه الإشكالي. فالضد الخاص بالسلطة التنفيذية هو اللاإدارة, والضد الخاص بالسلطتين التشريعية والقضائية هو اللاشرعية, والضد الخاص بوسائل الإعلام كـ "معمل للآراء" هو عشوائية الاستيعاب الجماهيري, التي ينبغي تنظيمها وتوجيهها.‏

فما الذي تواجهه "السلطة الخامسة", وأين ترى ضدها؟‏

إن التعريف الاحترافي لهذه السلطة, التي حصلت على اسم الأجهزة السرية أو الأجهزة الأمنية, ينبني على الأضداد: الخاص – المتاح للجميع, السري - العلني. هنا يمكن الحديث عن شيء ما ضديٍّ بطريقة خاصة لأخلاق المجتمع المفتوح الديمقراطية, التي تُعتبر المنافسة الطبيعية والعلنية من بين قيمها. تبدأ سلطة الخبراء السرية تواجه "جمهورية النواب" الانتخابية, وتبدأ المعرفة الباطنية للمحترفين المختبئين وراء الكواليس, والمرتبطة بالنوابض السرية للسياسة وبالجهات المظلمة منها, والتي لا تخضع من حيث المبدأ للعلنية, تواجه سياسيي العامة الهواة.‏

"السلطة الخامسة" ليست غير متوافقة وحسب مع مبادئ الديمقراطية المعلنة: الرقابة من الأسفل والطاعة وسيادة القانون, بل إنها غير متوافقة أيضاً مع مبادئ التنوير الأكثر عمومية: التسليم بالثقة بعقل المواطن العادي, باعتباره صاحب كمون ذهني عمومي.‏

انطلاقاُ من مواقف الباطنية الجديدة التي تدين "السلطة الخامسة" بها يصير جائزاً توسيع ممارسات الظل, البعيدة عن العقلانية التقليدية وعن الشرعية, و يصير جائزاً, عوضاً عن المعيار التنويري الواحد, فرض معيارٍ مزدوج: للاستخدام الاجتماعي الخارجي, ومن أجل الاستخدام الاحترافي الخاص البعيد عن متناول الباقين.‏

لقد صارت هنا الحدود بين المسموح وغير المسموح, التي أقامها منطق التنوير كي تكون مؤقتة نسبية, غير قابلة للعبور. وبذلك يرجع المجتمع إلى سلفية الطوائف المغلقة ما قبل التنويرية, وإلى كهنوت السحر التجديفي غير الشرعي لكن المتسلط, والحائز على حق تضليل الجماهير واستغفالها. إن وضع الأجهزة الأمنية هذا يُقوّض مبدأً آخر شديد الأهمية من مبادئ المجتمع الديمقراطي المعاصر, وهو مبدأ السيادة السياسية للأغلبية.‏

كلما اتسعت صلاحيات الأجهزة الأمنية صارت أكثر سرابيةً ومجازيةً السيادة السياسية للأغلبية, التي يخفون عنها أهم أسرار السلطة ونوابضها. هذا الوضع يصير تدريجاً مهيناً ليس للمجتمع الديمقراطي وحسب, بل ولسياسيي العامة, الذين يزداد شعورهم أكثر فأكثر بأنهم دمى في مسرح العرائس.‏

تواطؤ "المحترفين"‏

انتمى إلى عداد أمثال هؤلاء السياسيين في الولايات المتحدة الأمريكية جون كينيدي. لقد عبَّر عن مزاج الجيل الجديد في الظروف الجديدة, التي تمت فيها المقارنة بين مشروع التنوير العظيم بوعوده الديمقراطية و"الواقع المزري". منذ الموجة التنويرية الأولى في القرن الثامن عشر راح نبض التنوير يضعف تارة, مصطدما بمقاومة الظروف وبكآبات العوام, وتارة يشتد ملهماً القلوب. كانت الفترة ما بين الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين حاسمة للشعوب على جانبي "الستار الحديدي" معاً. لقد انتظر الجيل الجديد ترميم الحياة والسياسة. وقد قدِّر لجون كينيدي أن يكون معبود هذا الجيل.‏

لقد حلم في الظروف الجديدة بأن يؤكد على عموميات التنوير في الولايات المتحدة الأمريكية, وبأن يشكِّل على أساسها أمة سياسية واحدة, حرة من الحواجز العنصرية والإثنية. لقد واجه الحساسية الإثنية التقززية لدى الطبقة المتسيدة – البيض والأنكلوساكسونيين والبروتستانت – بإيمانه بالإنسان وبأن أمريكا, تحديداً, يمكن أن تصير أرضه الموعودة. إلى ذلك الزمن لم يكن الأمريكيون قد صاروا, يا للغرابة, أمة متمدنة حقاً, ولم يكونوا قد تمكنوا تماماً بعد من ثقافة المدينة, التي تسوّى فيها الفروق المرتبطة بمنشأ الناس الإثني والإقليمي. لقد ظلت أمريكا ريفية, متكبرة, تنظر بريبة إلى "الغرباء", وأسيرة للأوهام والمخاوف. وقد شكلت نفسية "اليقظة" الريفية هذه تجاه كل ما هو مختلف وغير معتاد ركيزة الولاء السياسي, التي دعمتها السلطات بشتى الوسائل.‏

لقد ناهض جون كينيدي هذا كله. فواجه وعيَ "المجتمعات الصغيرة" البروتستانتية المفعم بالغيرة والشك, بالتفكير الجديد للمجتمع الواحد الكبير, الذي يحقق المواطن الأمريكي ذاته فيه بغض النظر عن لون جلده ودينه والمؤهلات الأخرى. على شعاع التنوير الساطع في مثل هذا المجتمع أن ينير الأركان المتعفنة كلها, وأن يطرد شياطين العتمة, وأن ينحي جانباً باطنيةَ الحلولِ المعادية للديمقراطية, التي تقررها القلة من أجل القلة.‏

ينبغي أن نقول إن الكثيرين من "المحترفين" في أمريكا خافوا على أسرارهم الاحترافية وعلى امتيازاتهم, وكان في مقدمهم محترفو الأجهزة الأمنية. لقد جسَّد كينيدي في نظرهم شخصية الهاوي الخطر والمهذار الذي تبنى جاداً مبدأ "السياسة العمومية" وتطاول على نحو غير قانوني على "الجزء الغارق من جبل الجليد", الذي ينبغي أن يبقى تحت إشراف "رجال الضفادع الأمهر" في مهنتهم.‏

صرنا منذ ذلك الوقت, في بداية الستينيات, نصادف الصدام العَرَضيّ بين العولمة الباطنية وعموميات التنوير, لقد آمن كينيدي بالمجتمع المفتوح - بالمجتمع الخالي من الحواجز الطبقية والأسرار, والذي لا يمكن فيه أن تكون للفروق في الأصل وفي شروط البداية الأهمية الحاسمة.‏

أما نظراؤه من معسكر عولمة الأجهزة الأمنية الباطنية فآمنوا بـ "مواطن العالم" - بأممية أصحاب العالم السريين, رعاة القطعان الشعبية الساذجة والهوائية. لقد وحدت أصحاب الدار أولئك المعرفة الاحترافية السرية, والهموم المتشابهة, والقانون الكهنوتي المشترك. أكدت الأحداث الدراماتيكية التي سرعان ما توالت, أن الحواجز التي تفصل محترفي المعطف المطري والخنجر عن الموطنين العاديين في بلدانهم أعلى وأمنع على نحو لا يقاس من ذلك الحاجز القومي – الدولتي, الذي من المفترض, كما يملي العقل السليم, أن يفصل بين هؤلاء المحترفين المتبارزين.‏

يعبر شاب أمريكي, باسم لي هارفي أوسفالد, "الستار الحديدي" المنيع عبوراً طبيعياً, ويسكن في الاتحاد السوفييتي, ويتزوج هناك, ثم يعود بعد مضي فترة من الزمن إلى الولايات المتحدة الأمريكية, كي يرتكب "جريمة العصر" – قتل الرئيس الأمريكي. المميز في الأمر أن أجهزة البلدين الأمنية قد حافظت في أوج هذه الأحداث الدراماتيكية على الصمت المتأدب بخصوص الغياب الغريب لقاتل الرئيس في الاتحاد السوفييتي. في ذلك الوقت على ما يبدو وقعت أول سابقة في التعاون العملي بين "محترفي الأمن" من وراء ظهر الأوساط الاجتماعية. لقد أفزع كينيدي "المحترفين" على جانبي الستار بحماسته الديمقراطية التنويرية - وباستعداده لأن يحقق في الحياة مبادئ المجتمع المدني صاحب السيادة, الذي لا يتتبعه أحد سراً ولا يدعي الوصاية عليه.‏

إنه, طبعاً, لم يشأ إلغاء الأجهزة الأمنية - فهو لم يكن متوهماً اللا دولتية. بل أراد أن يزيل العقد والخوف والحواجز من المجتمع العنصري في أمريكا, الذي لم يجرؤ على أن يكون, حقاً, أمة سياسية واحدة, خالية من المنبوذين الداخليين. لقد أراد أن يعرف المجتمعُ, حتى وهو يتألم من القرارات غير العصرية والخاطئة, أنها قراراته المتخذة علناً, وليست مؤامرة من قبل "المحترفين" المختبئين وراء الكواليس.‏

على هذا النحو, ظهر في أمريكا قبل عشرين عاماً من الاتحاد السوفييتي صاحب المبادرة إلى إعادة البناء والتفكير الجديد "من أجل بلده والعالم كله" – وتم إقصاؤه من قبل أجهزة بلده الأمنية, و, كما يبدو, ليس من غير مشاركة ودية احترافية من قبل الزملاء في معسكر العدو الرسمي.‏

ما الذي وحد "المحترفين" من الجانبين؟‏

هنا كان ثمة وجودٌ لـ "الواقعية التشاؤمية" العامة, المناهضة لرومانسية التنوير وشعاراته عن الحرية والمساواة والأخوة, ووجود لغيرة المحترفين المدافعين عن صلاحياتهم من تدخل هواة السياسة العمومية, والأهم, أنه كان ثمة حضور للسعي إلى الحفاظ على ما يُعتبر القاعدة الاجتماعية النفسية لتسيُّد الأجهزة الأمنية في المجتمع – أي مناخ الشك وانعدام الثقة العام.‏

كانت عملية اغتيال كينيدي واحدة من أول العمليات العولمية للأممية العولمية المتكونة, والتي صارت أمميةُ الأجهزة الأمنية النسق الأول فيها.‏

كان أوائل العولميين ممتلئين عزماً على إعادة تجميد التربة التي بدأ الجليد يذوب عنها في الخمسينيات والستينيات. لقد صد العولميون الباطنيون هجوم التنوير الجديد, المرتبط بمسألة طويلة الأجل هي تحويل المجتمع الجماهيري إلى مجتمع مفتوح ديمقراطياً حقاً, وإلى مجتمع خلاق وصاحب سيادة.‏

طبعاً, لم يكن محترفو الأجهزة الأمنية عولميين وحسب: فبالإضافة إلى الهموم المشتركة ظلَّت لديهم مهماتهم التقليدية, التي كان دافع الضرائب يمول عملية تنفيذها, وهي مهمات دعم الأمن القومي الذاتي وإضعاف قدرة العدو الكامنة على القيام بالشيء ذاته. وبهذا الصدد لا زال المحللون الأمريكيون يذكرون الخوف الذي عانوا منه مع زملائهم السوفييت من مبادرات "معيد البناء" الأمريكي الشهير.‏

ما دامت إعادة البناء خطرة إلى هذا الحد في الوطن, أفليس من المستحسن تصديرها إلى معسكر العدو كعامل مزعزع للاستقرار؟‏

انغرس الكثير حينذاك, في بداية الستينيات, في ذاكرة الأجهزة الأمنية السيبرنيتيكية, وسقط الكثير في حصالة وصفات هذه الشعوذة الخصوصية. وربما كان أكثر ما حفظ في الذاكرة هو تلك الحادثة التي جرت لأرملة قاتل كينيدي - مارينا, المرأة الروسية, التي تأقلمت, يا للعجب, سريعاً وبسهولة في الولايات المتحدة الأمريكية, لا بل عقدت أواصر الصداقة مع فيميدا الأمريكية. فحين أطلق النار على لي هارفي أوسفالد الموضوع تحت الحراسة (وهذا ما كان متوقعاً), لم تعثر الأرملة, فاقدة السلوان, بين أغراض زوجها الشخصية المعادة لها على أغلى شيء – لم تعثر على بنطلون زوجها. وقد عوضت المحكمة الأرملةَ الرقيقة على هذا الضرر المعنوي الذي لحق بها بمبلغ معتبر يكفيها للعيش بغير عوز أعواماً كثيرة.‏

اكتسبت "التجربة" التي أجرتها الأجهزة الأمنية على جون كينيدي أهمية أثرية. فكك عملاء هذه الأجهزة شفرة الكثير من مفاصل هذه الدراما باعتبارها وصفات لتقنيات محتملة يمكن استخدامها في العمل مع العدو. هكذا تحديداً فُسِّرت الرومانسية البيريسترويكية لدى هذا المصلح جميل الروح, الذي كان مستعداً لأن يهز بيديه التحصينات الدفاعية, المشادة عبر زمن طويل, وهكذا فُسِّرت أيضاً المقدرة على ذلك التأقلم السريع في التربة الغريبة, الذي أبدته أرملة أوسفالد, وهكذا فسر الكثير غير ذلك.‏

قد تصير المخاطرة في الاختبار الإصلاحي مقبولة إذا ما وجد لنفسه مكاناًَ أملٌ خفيٌ بالهجرة الناجحة إذا ما رفضت "التربةُ" الاختبارَ بفظاظة. صار فكر "المحترفين" المعنيين يعمل بالاتجاهين التاليين – تشجيع الاختبار الاجتماعي في معسكر العدو وإيجاد ضمانات إضافية من أجل من يقدم عليه.‏

(1( - نسبة إلى المذهب المانوي القائل بالصراع بين النور والظلام (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:27 PM
ـ تبدُّلات الوعي الثقافي






عام 1968 قُدمت للعالم زاوية الرؤية الجديدة للمزاوجة بين العولمة والتنوير والصدام بينهما. كان "ربيع براغ" انتفاضةَ التنوير ضد المنظومة الشمولية ضيقة الأفق على النمط السوفييتي. وجد الجيل المحب للحرية, الذي تربى في مناخ الآمال الخصوصية في مرحلة الستينيات العالمية, طليعته في تشيكوسلوفاكيا. لقد جسد ألكسندر دوبتشيك التنوير, الموضوع في خدمة الأهداف الوطنية التحررية. وقد راقبه بقلق متزايد عولميو الدولة العظمى الغيورة, القلقة على صلاحياتها في ترتيب العالم.‏

من المهم أن نفهم منذ البداية,أنهم لم يحللوا الوضع من موقع مصالح بلادهم الوطنية, بل من المواقع العولمية تحديداً, فالاشتراكية لم تكن تجسد بالمقاييس الكبرى بلداً, وإنما منظومةً من المنظومات العولمية الفرعية. الرابطة القومية مطلقة, فهي تستند إلى حصون الطبيعة والتاريخ التي لم تبدعها يد الإنسان؛ التراكبية المنظوماتية نسبية دوماً, ومتحركة, وتفترض مستوى كبيراً من حرية المبدعين التقنية تجاه المنتج, الذي يستطيعون تعديله كما يرغبون.‏

كان ممثلو الحزب "الداخلي" في الاتحاد السوفييتي بمثابة تلك التقنيات العولمية, التي تنظر إلى بلدها والبلدان الواقعة تحت سلطتها باعتبارها "مادة". لقد وجهوا الحزب "الخارجي" الخاضع لهم - الجهاز السياسي الدعائي كله بالإضافة إلى الجهاز العسكري - ضد عصاة براغ وأحرار الفكر فيها, مستخدمين مفردات "الواجب الأممي", والدفاع عن المنجزات الاشتراكية والتضامن مع الشعب التشيكوسلوفاكي.‏

لكن وعي الحزب "الداخلي" حلل الأحداث من موقع المعرفة الخاصة بطائفة الكهنة, غير المرتبطين بأي واجبات أو "أوهام" محلية. لُحِظت بالدرجة الأولى شعبية الإصلاحيين غير العادية, ولُحظت كذلك تلك السهولة غير العادية التي حطموا بها حصون "النظام الأكثر طليعيةً". وزاد في الحصالة عدد أهم أسرار النظام السوفييتي الحكومية سراً آخر: المعرفة السرية بهشاشة الاشتراكية غير العادية بعد افتراقها النهائي عن نبض التنوير التحرري. انبلج لديهم شك بوجوب تسليم هذا "النظام الأكثر طليعية" عاجلاً أم آجلاً كي لا يُدفنوا تحت أنقاضه.‏

وبما أن موردي التجربة الاشتراكية في روسيا لم يضعوا أنفسهم منذ البداية في موضع الشخصيات الوطنية, التي تحل المهام الوطنية, بل في موضع عولميي الأممية الشيوعية, الذين لا يعتبرون بلدهم إلا كحقل رمي وكرأس جسر من أجل التوسع العالمي اللاحق, فمن الواضح أنهم حافظوا على حرية أيديهم أيضاً في ما يخص الاشتراكية ذاتها.‏

حدثت عملية مثيرة للفضول: بمقدار ما تطبعت الاشتراكية في روسيا, بعد أن استوعبها الشعب تدريجاً وبعد أن اكتسبت ملامح وطنية, ازداد بُعد المختبِرين العولميين عن طفلهم, وقد أغرتهم التعاليم الجديدة. لكن, طبعاً, كانت حرية الرؤية وحرية اتخاذ القرارات من صلاحيات نطاق ضيق, وضيق جداً في البداية, من الحزب "الداخلي. لقد وقعت على عاتق الحزب "الخارجي" مهمة غير محمودة, وهي تشذيب الهيئة المكفهرة والدفاع عن المواقف المقضي بها. منذ ذلك الوقت الذي فهم فيه العولميون السريون من الحزب "الداخلي" بطريقتهم الخاصة دروس "ربيع براغ" صار مصيرا الاشتراكية والاتحاد السوفييتي مرتبطين بالإجابة عن سؤال واحد: هل يمكن التصرف على نحو يستمر معه المتآمرون الحاكمون السابقون عند إزاحة النظام المترنِّح واستبداله من قبل أصحاب الحياة الجدد؟‏

لم يكن قد أعطي جواب ذو معنى واحد بعد في المرحلة الممتدة بين 1968‏

و1985 - ومن هنا التأرجحات المعروفة والتطوح في الجوانب, والمعايير المزدوجة والمسارات الاحتياطية عوضاً عن الصرامة المبدئية والمنهجية والحزم.‏

كان معيار السلطة الشيوعية المزدوج تجاه المعارضين هو الأجمل خصوصاً. فقد حظيت المعارضة ذات التوجه الغربي, التي كانت تبحث لنفسها عن ملجأ خارج الوطن بمعاملة أكثر تساهلاً. وإذا كان العولميون الشيوعيون قد صفوا المعارضين القوميين جسدياً عن طريق "الحوادث المؤسفة" المدبرة, أو بجعلهم يتعفنون في سيبيريا, فإنهم أبعدوا المعارضين الغرباويين إلى الغرب.‏

ألم يتكون على هذا النحو مسار خاص احتياطي ورأس جسر من أجل السلطة المتأرجحة؟ إن ابتعاد السلطة العولمي عن شعبها, الذي تبنى تقريباً النظام الباطني الاشتراكي, قد تلقى دفعاً بفضل نبض مغاير حصل عليه من المثقفين.‏

قبل عام 1968 كانت طليعة مثقفينا, المتتبعة على نحو حثيث تبدلات الموضة الإيديولوجية, متفقة بالكامل مع الأحكام التنويرية بخصوص شعبها. لقد عدته عملاقاً مستعبَداً ومخدوعاً, ينبغي تنويره وإيقاظه من أجل تحرره الديمقراطي. لكن حين اكتُشف أن الشعب لم ينهض مع ذلك ليشجب قمع "ربيع براغ" بالجيوش السوفييتية تغيرت العلاقة من جانب المثقفين الطليعيين نحوه تغيراً قطعياً: صاروا يعتبرونه الدعامة الأخيرة للنظام الشمولي بعد أن كان ضحيته. وهكذا قامت فئة المثقفين "باكتشاف" ثقافي علمي مثير للشك, متعلق بأسس النظام الشمولي"الذهنية", المرتبطة بخصائص الشعب الروسي وتقاليده.‏

غدر "الشركاء"‏

منذ ذلك الحين تلقت نظرية عولمة النخبتين السوفييتيتين دفعاً جديداً, بغض النظر عن الخلاف الذي كان لا يزال مستمراً بينهما: النخبة السلطوية السياسية من جهة, والنخبة الفكرية المعارضة من الجهة الأخرى. لقد راحتا تتحولان معاً أكثر فأكثر عن مسائل الحياة الوطنية والثقافة باتجاه مسائل أخرى, مرتبطة بالبحث عن دعائم وضمانات من الخارج... لقد غدا العولميون – الباطنيون من الحزب "الداخلي" مدينين بالكثير لنظرائهم – الفكريين. إذ زودهم هؤلاء الأخيرون بلغة وشعارات جديدة كان من المستبعد أن تبتلع الأمة من غيرها الخدعة العظيمة المقبلة, خدعة الخصخصة الوظيفية.‏

بيد أننا إذا لم نكن نقصد الغطاء الدعائي, بل الرأسمال السياسي الحقيقي ونوابض انقلاب آب القادم, فعلينا أن نقول مباشرة: إن من أقام النظام ما بعد السوفييتي لم يكن المعارضة الديمقراطية ولا المعارضين الغرباويين بل السلك الوظيفي الشيوعي الحاكم, الذي حوَّل السلطة القديمة إلى ملكية جديدة له. فكيف تشكلت في حقيقة الأمر الملكية الأولغرشية الجديدة؟‏

تكمن واقعية العصر الأحدث المثبطة في أن "المستجدات المنظوماتية" في المخطط الاقتصادي الاجتماعي السياسي لا تمر إلا إذا ناسبت النخبة السلطوية المتكونة, ومنحتها أشكالاً جديدة من ترسيخ الذات. ويبدو أن رومانسية التنوير السابقة، التي ارتبطت بشعار "من لم يكن شيئاً يصير كل شيء" وبالهجوم على الباستيل من قِبل الشعب المنتفض وبقدوم من مثَّل الضمير المهان وقوة الأمة الجديدة إلى السلطة, قد غابت من الوجود. صار البناء الجديد يستند منذ الآن إلى الاتفاق مع القوى القديمة - أي مع أصحاب السلطة؛ لذلك ليس ثمة أمل لأحد بأن يصير شيئاً ما إلا إذا ضمه رفاق الحزب القدماء إلى صفوفهم.‏

حصل العولميون من الأجهزة الأمنية بنتيجة الخصخصة عام 1992, وفاقاً لبعض المعطيات, على قرابة 65% من ملكية الدولة السابقة كلها. لقد فعل فعله المبدأ القائل: كلما كانت هذه المجموعة أو تلك من الفئة الحاكمة متمتعة بصلاحيات وظيفية ومسؤوليات أعلى حصلت بنتيجة الخصخصة الجديدة على نصيب أكبر من الملكية. تفسر أعجوبة أصحاب الملايين والمليارات الجدد ببساطة: لقد حصلوا على نصيبهم من الملكية طبقاً لوضعهم الوظيفي السابق. إذا كانت السلطة في الشركات المساهمة تقسم وفاقاً لرأس المال, فإن الرأسمال في تلك الشركة المساهمة المهولة, التي تحولت إليها روسيا ما بعد السوفييتية, يقسم وفاقاً للسلطة - أي طبقاً للمكان المشغول في التراتبية الوظيفية السابقة.‏

يمكن أن نتوقع اعتراضات, مرتبطة بأمثلة معروفة وواضحة على أن شخصيات لم تكن تنتمي سابقاً إلى الوكالة الأمنية, وصارت من "الأولغرشيات " المشهورة. والجواب عن هذا واحد فقط: هذا معناه أنهم انتموا وسينتمون إلى الوكالة الخاصة في الجهة الأخرى, التي اشترطت منذ البداية المشاركة في "الإصلاحات" والتي تعهدت بحماية الإصلاحيين في حال انهيارهم في وطنهم "الأم". لم يتجلَّ الطابع العولمي الجديد للعملية السياسية الجديدة بهذا المستوى في أي شيء كما تجلى في تعاون الأجهزة الأمنية في الدول العظمى على تفكيك الاتحاد السوفييتي و ما سمي "الاشتراكية الواقعية".‏

حين قرر أعضاء الحزب "الداخلي" الأكثر اطلاعاً والأكثر تحرراً من القيود التخلي عن فرس الاشتراكية المحتضرة والجلوس على سرج جديد لم يكن في مقدورهم القيام بذلك من غير تواطؤ شراكةٍ سري مع الزملاء, الذين كانوا يمثلون عدو الأمس الرسمي. بدا الزملاء الأمريكيون قلقين أيضاً, وبدوا عولميين يفتشون عن أشكال جديدة, ولديهم أيضاً ادعاءات ليست بالقليلة بحق شعبهم, الذي راح يفقد باطراد في المجتمع الجماهيري تماثله الأنكلوسكسوني والبروتستانتي. باختصار, راح "الزملاء" الأمريكيون يقنعون الإصلاحيين الروس بشتى الوسائل بأن "انسلاخهم" عن شعبهم لا يقل قط عن انسلاخ هؤلاء الأخيرين, وأن فكرة إقامة اتحاد سياسي فوق قومي بين النخبتين الحاكمتين, المدعوتين معاً إلى البلوغ بالنظام العالمي والقومي حد الكمال, قد نضجت.‏

لقد استخدمت بإلحاح أساليب "سلخ" عولمي مماثلة في العمل مع مبدع فكرة البيريسترويكا السوفييتية نفسه. فلعبوا من جهة على طموحه السياسي, إذ جعلوه يعتقد بأن مبادرته الإصلاحية تتعدى تعدياً واضحاً الأطر الوطنية الخالصة, ولذلك فإن قدره أن تصير زعامته عالميةً حقاً, أي الدخول ضمن النطاق الضيق جداً لما فوق النخبة العالمية, المتسلحة بمعايير من الواضح أن جماهير السكان الأصليين لم ترْقَ إليها بعد. ومن جهة أخرى استُغلت أحكام التنوير القريبة من نفس الزعيم السوفييتي, والتي تقود في الواقع مستقبل البشرية العام نحو آفاق وطنية. من الواضح أن مثل هذا العمل يكتسب درجة من الإقناع والموثوقية إذا ألزمت بدورها الجهة القائمة به نفسها بالسمو فوق الأنانية القومية وبخدمة النظام العالمي الجديد بنية سليمة.‏

دلت الأحداث التي توالت بعد ذلك أن الجهة الأمريكية أخلَّت بقانون "العولمة حسنة النية", مخفيةً وراء خطابيتها عن تنظيم العالم مخططات قومية ضيقة والأدق – مخططات إمبراطورية. لقد استدرجوا النخبة البيريسترويكية, ومن ثم ما بعد البيريسترويكية, بالشراكة الإستراتيجية المرتكزة على الابتعاد المتساوي عن التعاطي "المحلي" والأطماع القومية الخاصة. لكن تبين بوضوح أن درجة هذا "الانسلاخ" عن المصالح القومية لم تكن في الواقع واحدة. تبين أن الأمريكيين هم أشباح عولميين يتبعون مصالح دولتهم العظمى وميالين إلى استعمال المعايير المزدوجة.‏

لم يؤمن بالنظام العالمي الديمقراطي الجديد, الذي لن يكون فيه أعداء, والذي سيصير فيه مخزون الأسلحة المتراكم فائضاً عن الحاجة تماماً, سوى العولميين الروس كما تبين. أما الأمريكيون ففسَّروا النظام العالمي العولمي والسلطة العولمية (الحكومة العالمية) بأنه نظامهم وسلطتهم على العالم. وفي هذا السياق خيل لهم أنهم "زرعوا" في معسكر الأعداء أخيراً جون كينيدي بيريسترويكياً طوباوياً جديداً, بينما ظلوا هم واقعيين حاذقين, وفي حلٍّ من الآمال الرومانسية الخرقاء.‏

قُتل جون كينيدي حيث كان يفترض فيه أن يموت, لكنه ولد مجدداً هناك, حيث خُطط لـه ذلك ضمن الإستراتيجية العولمية الهادفة إلى تمكين الأيدي الأمريكية من الإمساك بزمام العالم المجرد من سلاحه. ينتج أن العولميين الأمريكيين, الذين أجروا حواراً سرياً مع زملائهم الروس, أخفوا "أرضيتهم" غير المستأصلة, وحافظوا على رباطهم القومي في الوقت الذي كانوا يسخرون فيه من قومية الآخرين السلفية ومن وطنيتهم.‏

إننا, على هذا النحو, نستطيع أن نجري تصنيفاً لأنواع العولمة, التي تعطينا بتداخلها لوحة للعالم مبرقشةً ومتقلقلةً وخادعةً بعمومها.‏

تُنسب إلى النوع الأول عولمة التنوير – التي أرسيت فكرتها منذ نبعت الحداثة الأوربية, والتي تقود إلى تكوين فضاء عالمي واحد مؤسس على عموميات التقدم الموضوعة في متناول الكل بالتساوي.‏

وتنسب إلى النوع الثاني العولمة الباطنية للنخب الحاكمة, التي تواطأت في ما بينها من وراء ظهر الشعوب. إن الأخلاق الخاصة بمثل هكذا عولمة تقضي بأن لا يضلل الشركاء بعضهم بعض, وأن يشكلوا إتحاد الأقلية العالمية الحاكمة مبتعدين بالتساوي عن "الأنانية القومية" وعن المصالح المحلية. يعمل الممثلون القوميون المنتدبون, على هذا النحو, إلى النخبة العالمية العولمية على تشكيل النظام العالمي, الذي, وإن كان بعيداً عن آمال الشعوب الجاهلة, إلا أنه شفاف من أجل المشاركين جميعاً في نادي الامتيازات هذا.‏

أخيراً, نوع العولمة الثالث هو العولمة المرتكزة على الإجراءات التقليدية لتحول دولة عظمى, بمحدوديتها المحلية والقومية كلها إلى حامل احتكاري للسلطة العالمية – أي إلى حامل احتكاري لمنظومة العولمة أحادية القطب.‏

لقد استثمر كل نوع من أنواع العولمة الثلاثة هذه في أثناء الانتقال من العالم ثنائي القطب إلى العالم أحاديه, لكن بدرجات متفاوتة من الأصالة. فلخداع الرأي العام الواسع, الذي توجهه فئة المثقفين(الإنتلجنسيا) الديمقراطية, استخدم الشكل الدعائي للعولمة التنويرية, التي تؤمن بعموميات التقدم وبوحدة مصائر شعوب العالم. كلما كانت جهود الدعاة إلى النظام العالمي الجديد أشد إخلاصاً, فقدت اعتبارها وتحطمت بسرعة أكبر وسائل الحماية الذاتية القومية التقليدية, التي صاروا يتبرؤون منها كما يتبرؤون من شيء مقيت وشائخ.‏

ولخداع وعي النخبة ما بعد الشيوعية, التي كان عليها أن تسلم بلادها "للمنتصرين" في "الحرب الباردة", استخدم النوع الثاني من العولمة – العولمة الباطنية, المتميزة بتحول النخب القومية المتنازعة سابقاً في ما بينها إلى وسط عالمي واحد يضم أسياد العالم المختارين, الذين يقررون مصائره "ديمقراطياً" في ما بينهم.‏

أما في الواقع فقد "سارت العملية" باتجاه الشكل الثالث, وحينذاك حكم على المرشحين غير المحظوظين إلى عضوية النخبة العالمية الحاكمة, والذين وَهبوا من أجل الحصول عليها كل ما وسعهم أن يهبوه, بأن يعرفوا في نهاية الأمر أنهم استغفلوا ببساطة. طبعاً, هذا لا يعني أنهم لم يحصلوا على شيء. فأهم ما حصلوا عليه كان الضمانات المتعلقة بملكيتهم الجديدة.‏

إذ لم يجد المخصخصون الوظيفيون أنفسهم واثقين من أن "هذا" الشعب سينظر لاحقاً بلا اكتراث إلى خراب بلاده ودمار شروط وجوده الحضارية, حصلوا على ضمانات من الخارج على شكل إمكان إنشاء بنية تحتية في الخارج الهدف منها تأمين حياة لائقة لهم في حال هجرتهم القسرية.‏

لقد رأوا "أرض ميعادهم" الخاصة, وهم يستخدمون بلادهم كخزان موارد مجانية مباحة, في الغرب, وإليه حولوا كل الثروات المنتزعة من الشعب.‏

بيد أن سريي عولمتنا أخطأوا الحساب في أمرين كما دل على ذلك مجرى الأحداث اللاحق. أولاً, لم تبرَّر حسبتهم حين لم يعترف "الشركاء" بحقهم الاحتكاري باعتبارهم مالكين لثروات روسيا القومية أو حتى ثروات الفضاء ما بعد السوفييتي. لقد تمكن الشركاء الأجانب من دور "المنتصرين " أكثر فأكثر, وصاروا يطالبون بلا مواربة بحقهم بالاشتراك في تقسيم الثروات وإعادة توزيعها ليس في التخوم القريبة فقط, وإنما في روسيا أيضاً. وثانياً, لم تتحقق آمالهم بالبنية التحتية, التي تؤمن عملياً الجنسية المزدوجة والضمانات في حال الهجرة القسرية.‏

هبت موجة الفضائح المتعلقة بإيداعات "الأسرة" وحاشيتها في الخارج, وراحت تتدحرج لا تلوي على شيء. لقد أُخِلَّ بسرية اتفاقات "السلطة الخامسة" الأممية, لأن قضية الإيداعات الروسية قدمت إلى لجنة الكونغرس في الولايات المتحدة الأمريكية, الذي ليس من عادته الاكتفاء بأنصاف التدابير. إن الحملة القائمة تهدد المؤسسات "الليبرالية " الروسية بالتغييب التام عن الأسرة العولمية والتحول إلى مؤسسات منبوذة ومرفوضة ومحتقرة.‏

عدا ذلك, فإن هذا يمس التزامات الحلفاء المعروفة بخصوص الضمانات الموعودة للنخبة الروسية في حال قطعت "الأغلبية الروسية الصامتة" والمضطهدة والمخدوعة صمتها فجاءة, وأظهرت فاتورة الحساب. واضح أن النخبة الروسية اليوم تتجاوز بصعوبة الخيانة الأمريكية, وهي ذاهلة بخصوص ما حدث. يبدو أنها قد نفذت التزاماتها تجاه شركائها وراء المحيط بإخلاص تام. لقد ابتلعت بصمت تخفيض مرتبة روسيا ما بعد السوفييتية, حين حولوا بلادنا من شريك إستراتيجي إلى دولة مهزومة, مجبرة على تقديم التنازلات من غير قيد أو شرط. لقد رمى "البراغماتيون" الروس جانباً المفاهيم "السلفية" مثل "السيادة", و"الكرامة", و"المصالح القومية", وقبلوا التحرك الخياني لحلف الناتو نحو الشرق. فهو يبدو خيانياً فقط من موقع عولمة "علّية القوم" الليبرالية ذات الروح الجميلة والمؤمنة بقيام النظام العالمي الجديد.‏

أما ما يخص شكل العولمة الثاني, الذي يمثل أممية الأجهزة الأمنية السرية, فإن تسليم روسيا مواقعها الجيوسياسية في القسم الغربي من الفضاء ما بعد الاشتراكي وما بعد السوفييتي كان, على الأرجح, محسوباً منذ البداية. وكانت الأعمال الرسمية الطائشة التي قامت بها وزارة الخارجية بخصوص تحرك الناتو شرقاً مخصصة استثنائياً للاستعمال الداخلي كما أفهم الأمريكيون سراً - لرمي عظمة لـ "وطنيينا – القوميين".‏

وسرعان ما صارت أممية العملية الإصلاحية الروسية تمس أيضاً منظومة خصخصة ملكية الدولة. فعلى الرغم من أن هذا الأمر لم يشترط في البداية, إلا أن الجانب الأمريكي مع مرور الوقت صار يمتلك بوضوح حق التصويت عند تشكيل لوائح المرشحين لعداد الأولغرشية الروسية المقبلة. لقد ظهر كثيرون جداً من الأولغرشيين الذين لم يشغلوا مناصب مرموقة في النظام السابق, وبالتالي لم يتماشوا مع مبدأ تحويل السلطة إلى ملكية. ظهر قسم كبير من الأولغرشية كـ "طابور خامس" أمريكي, اشتُرِطت حقوقه مقابل ضمانات الإيداعات الخارجية وغيرها من التسهيلات. أخيراً, حصل الرأسمال الأمريكي على سلسلة من المواقع المفصلية في الاقتصاد الروسي مشخصاً باسمه مباشرة. إن هذا يخص فروعاً إستراتيجية هامة, بما فيها فروع منتمية إلى المجمع الصناعي العسكري مباشرة.‏

بماذا تفسَّر في مثل هذه الحال الخيانة الأمريكية وهذه الفضائح الحديثة حول إيداعات "الأسرة" وحاشيتها المقربة الخارجية؟‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:29 PM
ـ من النوايا الليبرالية الحسنة إلى التوسع الجيوسياسي




من يراقب العمليات المعاصرة في العالم بعد "الحرب الباردة" سيصل إلى نتيجة مفادها أن ثمة قانون من نوع خاص يفعل فعله فيه: كلما كانت هذه القرارات الإستراتيجية أو تلك أكثر باطنية ومخفية عن الأوساط الاجتماعية, ازداد اندراجها ضمن الاتجاه الساعي إلى تحويل الحداثة عامةً إلى سلفية.‏

ما الذي يمكن أن يكون أكثر سلفيةً من مُثُل النظام العالمي الجديد التنويرية, وأكثر تعارضاً معها كالحرب العالمية الجديدة؟ فكما هو واضح اليوم أنها هي, تحديداً, التي تندرج ضمن منظومة أسرار الباطنية العولمية. إن العالم أحادي القطب, الذي استبدل به العالم متعدد المراكز الموعود, المؤسس على التوازن العادل في المصالح بين الشرق والغرب, يسير حتماً نحو حرب عالمية جديدة. إن القطبية الأحادية المنهجية, التي تحتكر فيها الولايات المتحدة الأمريكية إدارة العالم, غير متوافقة مع وجود دول ضخمة ذات سيادة, أينما وقعت هذه الدول. وواضح أن التفكيك المنهجي لهذه الدول هو مأرب مهندسي العالم أحادي القطب.‏

والقرار كما هو واضح هو البدء بروسيا. هذا ما تمليه إلى حد كبير عطالة "الحرب الباردة" - هيئة العدو الجاهز المسقطة الآن من الاتحاد السوفييتي السابق على روسيا. تجري تزكية عطالة الحرب الباردة أيضاً بطبيعة البنية التحتية المتكونة في عصر المجابهة مع الاتحاد السوفييتي, وباتجاه الأسلحة, وبخصوصية التأمين المعلوماتي للحرب. والعامل الآخر الأكثر أهمية هو أن روسيا تمتلك ثروات فائقة الغنى تزداد اليوم ندرة أكثر فأكثر. إن آلة الحضارة الغربية التقنية تقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التوجه إلى "النمو الصفري"بسبب من محدودية البيئة والطاقة والمواد الأولية على الكوكب, وإما تحقيق إعادة تقسيم المساحات العالمية والحصول بذلك على موارد جديدة.‏

من شأن الشكل الأول, الذي دافعت عنه الحركة البيئية وغيرها من معارضي الحضارة التقنية, أن يفرض إعادة بناء أسس الوجود ذاتها, وواضح أنه لا النخب السلطوية ولا المستهلك العادي مستعدون لهذا اليوم. يبقى إذن الشكل الثاني - أي توسع الغرب الجيوسياسي باسم إزالة "حدود النمو" المعروفة. وقد تحدد الاتجاه الأساسي لهذا التوسع احتكاماً لكل شيء - يدور الحديث عن روسيا. تغري روسيا المعتدي بتزاوج سعة الثروة فيها مع ضعف الدولة الظاهري. وتعمل ضدها اليوم النظرية الداروينية الاجتماعية الجديدة في المجتمع العولمي, التي تعلن مبدأ الاصطفاء الطبيعي للشعوب الملزمة بإثبات قدرتها على الحياة في ظروف السوق العولمية أي غير المقيدة بأية حواجز حماية.‏

تعني "السوق العولمية" إعادة التوزيع الحر لكافة الموارد, بما في ذلك المساحات المحصنة خلف الدول, لصالح أولئك الذين أبدوا فاعلية اقتصادية وبيئية أعلى. ينبغي, بنتيجة سقوط الحدود وغيرها من الحواجز في "المجتمع المفتوح" العولمي, أن تنتقل الأرض والموارد من أيدي الأقل مهارة والأقل قدرة على التكيف إلى أيدي من هم أجدر وأيدي من سيشكلون في المستقبل جنس سادة العالم. إننا نرى في مثال النظرية الأحدث عن المجتمع العولمي المفتوح أي تبدلات تتعرض لها أهم مثل التنوير حين تُستخدم من قبل باطنية العولمة.‏

أمس فقط كان مفهوم "المجتمع المفتوح" يضم في جنباته مجمل النوايا الليبرالية الطيبة - من الرفض المسالم للنزاعات حتى رفض الرقابات وأي أسرار حكومية وطبقية. أما اليوم فتشوبه مسحة اجتماعية دارونية واضحة, تدل على انقطاعه الحاسم عن موروث الإنسانية المسيحية والتنويرية, وعلى خياره لصالح الأقوياء والقادرين على التكيف ضد الضعفاء و "الفقراء بالروح".‏

لكن هذه المراجعة للمبادئ الإنسانية لا تشكل سوى مقدمة عامة لعسكرة وعي الغرب المنتصر ومقدمة لتضلع ممثلي "المليار الذهبي" في لغة عرق السادة. التخلي الإستراتيجي عن الموروث التنويري هو عامل نظام طويل الأمد. بيد أن المنتصرين في "الحرب الباردة" يريدون لو يستخدمون بالكامل الأفضليات التكتيكية المرتبطة بضعف روسيا الحالي الشديد وبالتحلل الأخلاقي الشامل لدى أنداد الغرب الرئيسيين في العالم.‏

لذلك يتطلب الأمر, إضافةً إلى الأسطورة الإستراتيجية, المرتبطة بتقسيم البشرية الجديد إلى قادرين على التكيف وغير قادرين عليه, أسطورةً عملياتية مخصصة تحديداً لخدمة سياسة النزاع مع روسيا. وما موجة الفضائح حول المافيا الروسية ومافيوية "الأسرة" الحاكمة ذاتها وحول إيداعاتها السرية في الخارج إلا هذه الأسطورة عينها.‏

إن بنية هذه الأسطورة معروفة لمواطن روسيا العادي, فبوساطتها تعلل عمليات الجيوش الروسية الحالية في الشيشان. الُمسلَّمة الأولى: الشيشان منبع للإرهاب الذي يهدد باجتياح الفضاء الروسي كله. المسلمة الثانية: الرئيس ماسخادوف لا يتحكم فعلياً بالوضع في الشيشان لذلك فإن حل مشكلة الإرهاب عن طريق المفاوضات معه خال مقدماً من أي أفق. النتيجة: وجوب التدخل العسكري المباشر من أجل إرساء النظام الحقوقي وإعادة بناء أسس الوجود الحضاري في هذه المساحة. إننا نرى بنية المحاكمات هذه تحديداً وقد أعيد إنتاجها على مستوى الإستراتيجية الأمريكية العولمية الهادفة إلى الاستحواذ على السيادة العالمية.‏

القضية الأولى: تعتبر روسيا اليوم مركز الفوضى العالمية, ومنبع انتشار البنى المافيوية في العالم كله. القضية الثانية: السلطة في روسيا, عداكم عن أنها هي نفسها خاضعة لضغط الحاشية المافيوية, لا تراقب الوضع فعلياً في البلاد, التي لُزِّمت لعشائر المافيات. النتيجة: من الضروري التدخل المباشر لقوى الغرب المتحدة برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية من أجل القضاء على وكر الثورة الإجرامية العالمية هذا, ووضع الحماية على البلاد التي ترسل دورياً تحديات للحضارة تارة على شكل تهديد شمولي عالمي وتارة أخرى على شكل تهديد مافيوي – إجرامي عالمي.‏

على هذا النحو ما عاد العالم مقسوماً منذ الآن إلى قادرين على التكيف مع السوق وغير قادرين على التكيف معها باعتبارها آلية لاصطفاء الأفضل طبيعياً فقط. إنه مقسوم كذلك إلى أولئك القادرين بمفردهم على إرساء النظام الحضاري لديهم وأولئك غير المؤهلين لفعل ذلك من حيث المبدأ, ويحتاجون إلى فرض الحماية الخارجية عليهم. إنهم يقولون ذلك منذ زمن عن أفريقيا, التي نضجت, كما يبدو, من أجل "إعادة استعمارها". يقولون اليوم هذا أيضاً عن روسيا على نحو مكشوف إلى حد ما.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:31 PM
ـ لحظة حقيقة من أجل ليبراليي الوطن




أي مصير في هذه الحال ينتظر الأولغرشية الروسية الحاكمة, التي تخيلت نفسها منذ وقت ليس بالبعيد في دور الشريك الإستراتيجي لأمريكا؟ أدليت بهذا الصدد بتصوري قبل خمس سنوات مستخدماً أسلوب القياس التاريخي(1).‏

في زمنهم باشر البلاشفة مغامرة الانقلاب الاشتراكي في أوج الحرب العالمية, مراهنين بقوة على قيام الثورة البروليتارية العالمية. لم يجدوا في وضع هجوم العدو الخارجي على روسيا شيئاً أفضل من الإعلان أن العدو الرئيسي موجودٌ في بلدهم, وحولوا "الحرب الإمبريالية" إلى حرب أهلية. لقد برروا كل هذا بأن " ليس للبروليتاريا وطن", وأن الوطنية والدفاع عن الوطن هما شعاران زائفان من شعارات الحرس الأبيض.‏

لكن حين وقعت "الخيانة" المعروفة من قبل الاشتراكية الديمقراطية الغربية, ولم تقم الثورة البروليتارية العالمية في الغرب, وقف البلاشفة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الرحيل مسربلين بالعار, ومعترفين بمسؤوليتهم عن صلح بريست الجائر والمذل, وعن إشعال الحرب الأهلية, وعن التجارة بالمصالح الحكومية الروسية, وإما القيام بمنعطف حاد في السياسة والتحول إلى وطنيين سوفييت حانقين, ومناضلين يقظين ضد الإمبريالية الغربية.‏

اختارت القيادة العليا البلشفية الحاكمة الطريق الثانية كما هو معروف. واضطرت من أجل ذلك إلى إجراء تنظيف داخلي دموي, متخلصة من الأمميين البروليتاريين, الذين ظلوا يشعرون كالسابق بالنفور من وطنهم الروسي, وظلوا ينتظرون بعناد الثورة البروليتارية في الغرب. لقد نفي تروتسكي باعتباره نصير الثورة العالمية الدوغمائي إلى الغرب, حيث نظم هناك "الأممية الرابعة" الضعيفة والشكلية, وأبيد مؤيدوه في الرأي في روسيا على يد ستالين.‏

واليوم يتكرر التاريخ. إذ أبدى سريو الليبرالية الذين استولوا على السلطة استعدادهم لتحويل "الحرب الباردة" الخارجية إلى حرب باردة داخلية, وإلى حرب ساخنة إذا تطلب الأمر, معلنين هذه المرة أيضاً أن العدو الرئيسي موجود في بلدهم. وللانتهاء سريعاً من هذا العدو وقع ليبراليونا "صلح بريست" الخاص بهم مستغلين دعم الغرب, لكنه كان هذه المرة أشد إجحافاً وتدميراً من الناحية الإستراتيجية. وجرى كل ذلك على أمل قيام النظام العالمي الجديد واندلاع الثورة الليبرالية في الغرب, المدعوة للانتهاء إلى الأبد من مفاهيم الحرب والوطن والمنافسة القومية والنزاعات.‏

وها هي لحظة الحقيقة تدرك ليبراليينا اليوم. تبين أن الثورة الليبرالية العالمية في الغرب لم تقم, وعوضاً عن نزع السلاح الشامل باسم السلام الشامل, والنظام العالمي الديمقراطي استمر الغرب في التسلح مستعرضاً على نحو مكشوف أكثر فأكثر استعداده لإخضاع الكوكب لسيطرته. أما ما يخص مدبري الانقلاب الليبرالي في روسيا, فإن بانتظارهم مصير المنبوذين والمدانين عوضاً عن الشكر المستحق من الغرب. إننا هنا لا نتكلم على الجواسيس والنصابين "البسطاء", فهؤلاء اليوم وحينذاك, عام 1917, نالوا أجرهم "القانوني" من أصحابهم الأجانب.‏

إننا نتحدث عن أولئك الذين استسلموا للطوباوية الأحدث من غير أن يلووا على شيء, وساروا باسمها نحو تدمير بلدهم. طبعاً, جرى تدعيم الطوباوية في هذه الحال بخيرات حقيقية, مرتبطة بتقاسم ملكية الدولة والحمايات والتشجيع من جانب المراكز وصناديق المال الغربية. لكن الحديث اليوم يدور عن آخر الضمانات العليا لفئة الحكام والمالكين الجديدة - ويبدو أن الغرب اليوم قد رفضها نهائياً. إن موجة العسكرة الجديدة واللاتنوير التي اجتاحت الغرب بعد الانتصار في "الحرب الباردة" تعني انهيار الحزب الليبرالي في روسيا, الذي راهن بكل شيء على أمريكا وانخدع بها.‏

أمام هذه الحقيقة لا مفر من التحولات في الحزب الليبرالي, على غرار التحولات البلشفية. من غير الجائز أن يرحل ليبراليونا – الملكية المكتسبة "معلقة" برقابهم, وهم غير مستعدين لفقدانها, كما لا يوجد أيضاً مكان يذهبون إليه كما بدأ يصير واضحاً بعد خيانة الأمريكيين, الذين شرعوا يفضحون الأولغرشية الروسية ويبدون استعدادهم لإغلاق الأبواب في وجهها. يشير هذا كله إلى أفق وحيد: أفق تحول حزب الكومبرادوريين الليبراليين إلى حزب الوطنيين, العازمين على عدم الصبر بعد الآن على "تدخل الغرب في شؤننا الداخلية". بتنا نلحظ إشهارَ هذه العملية اليوم. كان في مقدور حزب الرئيس المضي قدماً على الطريق الدستورية, التي كانت ستؤدي به إلى الهزيمة في الانتخابات وترك السلطة.‏

احتكاماً إلى كل شيء, ما كان هذا مخرجاً سيئاً: فمنظومة المعارضة الحالية مستعدة لتأمين تعاقب كاف للعملية الإصلاحية بتشذيب أطرافها الفظة والخطرة. بيد أن حزب السلطة الحالي غير مؤهل للحلول الوسط على ما يبدو ويقر بمبدأ "المنتصر يحصل على كل شيء". لكن من ليس مستعداً لإفساح الطريق أمام المعارضة معرض لمواجهة المعارضة في معسكره ذاته. والأدق, لا لمواجهة معارضة عادية بل نهج جديد ينتج وفاقاً لقوانين التحول. إذا كان زمن الليبرالية الكومبرادورية قد ولى, فإننا أمام أحد الخيارين التاليين: إما أن يستبدل بالكومبرادوريين المعارضة الحالية, أو أنهم سينجبون في صفوفهم حفار قبورهم في المستقبل.‏

كان ستالين هو حفار قبور التروتسكيين – الكومبرادوريين الثوريين. لقد حُكم على البلاشفة, الذين حطموا التعددية الحزبية الديمقراطية في روسيا, بقيام تيرميدورهم(2) الخاص في صفوفهم. واليوم تبدو "الأسرة" الغيورة غيرةً مَرَضية وغير المؤهلة لاحتمال المعارضة الأصيلة والتعددية الأصيلة, محكومةً بظهور حفار قبرها من حاشيتها ذاتها. ويبدو أن ذلك الذي أعلن رسمياً "خليفة الرئيس" مؤهل للعب هذا الدور. فعدا عن أنه حر تماماً من "العواطف", التي أعاقت سلفه من أن يأخذ على عاتقه مهمة تنفيذ مخططات "الأسرة" المتطرفة, التي أملاها الخوف المميت, كما أنه يتميز أيضاً بالعناد المتحذلق, الذي يدين لـه التاريخ السياسي بالكثير من المفاجآت الكبرى. إنني على استعداد لأن أصدق بأن "الخليفة" سيصير حفار قبور, وعلى نحو لا يمكن توقعه, حتى بذلك الشكل الذي ما كان الرئيس السابق لينتظره من المعارضة البغيضة, وحتى الشيوعية منها.‏

لقد بدأ "الخليفة" المسيرة من أجل الوطنية التي أضاعها الليبراليون على شكل حملة في الشيشان. ومقدر لـه إما أن يرحل من هناك إلى اللاوجود السياسي, وإما أن يعود ديكتاتوراً.‏

لكن ديكتاتوراً على النمط الأمريكي اللاتيني مستحيل في روسيا. إنه يحتاج لدينا إلى نظرية عالمية عولمية – أي إلى فكرة عظيمة. وليس اليوم ما يثير الشك لدى أي كان في أن هذه الفكرة لن تكون إلا معادية لليبرالية ومعادية للغرب. يبدو اليوم أن الليبرالية قد فقدت في كل مكان - في الغرب وفي روسيا - خيط التنوير الموجه, وهي ليست قادرة إلا على توليد مؤثرات مضادة للحداثة ومضادة للتنوير. يتحدد مصير الإيديولوجية بالناس الذين تكون قادرة على جذبهم. علينا أن نقول إن الليبرالية الأحدث ذات التركيب المنحط غير قادرة على جذب غير الشخصيات المثيرة للشك. لم تقدم ولا شخصية سياسية ساطعة واحدة, ولا موقفاً واضحاً وشريفاً حتى اليوم. بالتالي فإن نبض التنوير التحرري العظيم, إذا ما قدر له أن لا يتلاشى في عصرنا المظلم, سيجد لنفسه تجسيداً فكرياً مغايراً وراية مغايرة.‏

(1( - انظر بانارين ألكسندر سيرغييقيتش. بعد اليوبيل // مجلة العالم الجديد (نوفي مير), 1995, العدد 9.‏

(2( - التيرميدور أصلاً هو الشهر العاشر (من 19 - 20 تموز حتى 17 - 18 آب) من التقويم الجمهوري الفرنسي, الذي سرى مفعوله بين عامي 1793 و 1805؛ وقد أطلق هذا الاسم على الانقلاب المضاد للثورة في 9 تيرميدور عام 2 (27 تموز 1794) الذي قضي بنتيجته على الدكتاتورية اليعاقبية وبذلك وُضِع حد للثورة الفرنسية 1789 – 1794. (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:33 PM
ـ نتائج أولية




الخصوصية الأكثر تمييزاً للعولمة في مرحلتها الراهنة هي اللاتناظر الاجتماعي الفاقع. إن الإمكانات المتغنى بها كلها موجهة للنخب, التي تسنى لها الاستفادة منها. أما ماذا في مقدور العولمة أن تقدم للشعوب فهذا ما لا يزال إلى الآن لغز المستقبل. تولد العولمة اليوم الكثير من المغريات للنخب معيدة فعلاً تشكيل وعيها وسلوكها.‏

تخضع للتبدل غير المتنبأ بمجراه المفاهيم السياسية الأساسية للكلاسيكية الأوربية الحديثة. إن هذا يمس, كما أشرنا, حتى قضية تغيير البناء الاجتماعي. يبرز في المعتقدات الأولية هذا التغيير باعتباره نتيجة لضغط الجماهير الشعبية, الموجهة والمنظمة من قبل النخب المضادة. يبدو أن البناء الاجتماعي هنا لا يبرز كنتاج للاختيار الذاتي بل كنتاج للتاريخ ذاته, الخاضع لا للمؤامرة بل للتقدم الموضوعي القانوني.‏

يتم تغيير البناء في العالم العولمي المعاصر على أساس آخر. ليس التاريخ هنا ما يلعب دور القدر المسلط على النخب المرتبكة والملتحمة بالنظام القديم, بل جور هذه النخب المرتكب بحق التاريخ ذاته. قد يصير البناء سلعة للتبادل العالمي: فالنخبة قادرة على تغييره تحت تأثير المثال أو بتحريض من قِبل النخب الأجنبية, التي تقدم لها الضمانات. ولا يلعب الاستياء الشعبي من البناء السابق هنا دور المقدمة الأولية للانقلاب, بل شرطاً مواتياً لا أكثر.‏

تُكسب العولمة على هذا النحو المفاهيمَ السابقة لمذهب "الطبيعة" التاريخي, الذي يماثل بين العمليات الاجتماعية وقوانين الطبيعة المبرمة, حالَ القيم الانتقائية والقابلة للتلاعب والقابلة للتبادل.‏

يدور الحديث حول مستوى الحرية غير المسبوق, الممنوح للنخب الحاكمة, والبعيد عن أشكال الرقابة الشعبية المعتادة.‏

بهذا المعنى ينبغي أن يقوَّم النظام ما بعد السوفييتي في روسيا كجديدٍ للعولمة قد يأتي على مثاله كثير غيره. لقد ساد شعور منذ البداية بوجود من يحمي الإصلاحيين الروس من الخارج, ولم تكن هذه الحماية لوجه الله كما تبين في ما بعد. كما حملت تلك التحركات بخصوص السلطة التنفيذية والتشريعية الكثير من المعاني, التي ميزت انقلاب أكتوبر (عام 1993) في روسيا.‏

التقوية غير المحدودة لسلطة الرئيس المتعارضة مع صلاحيات البرلمان (مجلس الدوما الحكومي) ينبغي تقويمها وفاقاً للمقاييس السابقة على أنها تجل للديكتاتورية, وللنزعات القيصرية. إن هذه النزعات اليوم ينبغي أن لا تقوَّم ببساطة على أنها نزعات ديكتاتورية, بل باعتبارها تعبيراً عن ديكتاتورية العولمة.‏

سيبرزفي واقع الأمر المجلس التشريعي ضمن هذا السياق بصفته سلطة محلية بدائية, متكونة من ممثلي "هذا" الشعب. يُنظر وفاقاً لمعايير العولمة إلى مطالب الناخبين وضغطهم الاجتماعي على أنها سلفية سياسية تقيد حرية حركة أيدي العولميين, الملزمين لا بالتعاطي مع المصالح البدائية لـ "هذه" البلاد و"هذا" الشعب, بل مع القرارات فائقة التقدم المتخذة من قبل الأسرة العولمية, التي ستفتح عهداً تاريخياً جديداً.‏

من هنا جاء خداع مجلس الدوما الحكومي باعتباره ملجأ للنماذج الرجعية – أي لممثلي "الأغلبية الحمراء – البنية".‏

هل تعتبر هذه النزعة خصوصيةً "غير مألوفة" في روسيا؟ البتة. والأحداث الأخيرة المرتبطة بعدوان حلف الناتو على يوغسلافيا تؤكد ذلك. كان واضحاً للجميع منذ البداية أن تحرك الناتو كان قاتلاً لأوربا ولا يلبي سوى مآرب الولايات المتحدة الأمريكية التزعمية. في الحقيقة وجِّه هذا التحرك قبل كل شيء (لديه أهداف أبعد من ذلك) ضد أوربا الغربية تحديداً, باعتبارها منافسة للولايات المتحدة الأمريكية, وضد عملة اليورو, وضد هيبة القارة العجوز باعتبارها مركزاً عالمياً مستقلاً. بالتالي, لو كانت النخب الحاكمة في أوربا تعبر حقاً عن مصالح بلدانها وقارتها وتدافع عنها لكانت سعت إلى إبقاء أمريكا وحيدة وإلى مقاطعة المغامرة البلقانية. لكنها سلكت سلوك العولميين أصحاب المصالح الخاصة المختلفة عن المصالح الوطنية للشعوب التي يمثلونها. والحديث يدور هنا عن العولمة المركزية الأمريكية تحديداً, وإن شئتم, عن سفسطة العولمة حين تتطابق الأهداف العولمية مع الأهداف الأمريكية.‏

تكمن خصوصية روسيا فقط في أن هذا "الانسلاخ " العولمي للنخبة الحاكمة عن المصالح الوطنية يتجلى على نحو أوضح وأكثر صراحة. فمن جهة هذا متعلق بتاريخ النخبة الروسية الحاكمة, التي تتألف غالبيتها لا من السياسيين العموميين الملزمين بالاتفاق مع الناخبين, بل من مندوبي الأجهزة الأمنية؛ ومتعلق من جهة أخرى بتبعية النخبة ما بعد السوفييتية للدعم من الخارج تبعيةً غير عادية. كلما كانت هذه النخبة مرفوضة من شعبها ومكروهة من قبله اشتدت تبعيتها لحماتها الخارجيين وصارت على استعداد للإقدام على تنازلات أكبر لهم.‏

هكذا يدور لولب العولمة. إن قانون "الانسلاخ" العولمي عن المصالح المحلية يغير جذرياً أيضاً الآفاق المعتادة في السياسة الداخلية. تصور لنا اللوحة الكلاسيكية فعل النخب المرتبطة إلى هذا الحد أو ذاك بشعوبها, والمتعلقة بها والتي تحسب حساباً لمطالبها. تبدو السياسة الاجتماعية للنخبة الحالية من وجهة النظر هذه أشبه بمسرح اللامعقول. يتم كل عام إخراج عشرات المليارات من الدولارات من بلدنا المفلسة, في الوقت الذي لا تسدد فيه للمعلمين رواتبهم أعواماً, وفي الوقت الذي يتعرض الأطفال فيه إلى الإغماء في الصفوف, ونصف السكان يملكون مداخيل لا ترقى إلى مرتبة الحد الأدنى اللازم للعيش (المخفض عمداً ثلاث مرات على أقل تقدير).‏

ويتضح على الفور اللامعقول في هذه "الإصلاحات" ما إن نتبيَّن أن الذي يحكم هذه البلاد هو نخبة عولمية أنجزت فراقها السري عن أمتها ولا تعتبر "هذا" الشعب شعبها. وإذا ما اتخذ في أحد المنتديات العولمية المغلقة قرار يقضي بتخفيض القدرات الاقتصادية والعسكرية وحتى الديمغرافية تخفيضاً حاداً في بلدنا, فإن عولميينا المطيعين سينفذونه - هذا ما يمليه عليهم وعيهم العولمي الذاتي ومصالحهم.‏

واضح أن مثل هذه العولمة السياسية ليست سوى مرض. ينبغي إدراك العمليات العولمية المقبلة من وجهة نظر إمكانات تحويلها نحو المصالح الجماهيرية والمراقبة الديمقراطية على نشاط النخب الجشعة المنسلخة عن الأوساط الاجتماعية. لقد قرئ كتاب الديمقراطية الأوربية الجديدة العظيم إلى الآن على المستوى القومي. وينبغي الآن أن يقرأ على المستوى العولمي - من موقع سيادة الأغلبية المستعادة, هذه الأغلبية المدعوة إلى فرض المراقبة الديمقراطية على نشاط النخب الممارَس على المستوى العالمي.‏

أما ما يخص الأجهزة الأمنية الروسية (وحتى غيرها) فإن التجربة العولمية التي أخضعت لها في أثناء "الحرب الباردة" تحمل أيضاً الكثير من العبر. لقد تغلب "اللاعبون" الأمريكيون على شركائهم بالعولمة غير المحظوظين لأنهم حافظوا تحديداً على ولائهم لبلادهم. تبين أن من يلعب بثقة أكبر في الألعاب العولمية هو ذلك الذي يستخدم بمهارة المعايير المزدوجة: يقترح على الشركاء اللعب استثنائياً وفاقاً لقواعد "العولمة المنهجية", بينما يبيح لنفسه سلفية خدمة الوطن. في حقيقة الأمر, إن أولئك الذين يستندون إلى الرصيد الحي من كمون الدولة العظمى والرصيد الحي من المهابة سيحوزون من غير أدنى شك على الأفضلية مقارنين بالذين لا يوجد وراء ظهورهم غير ضبابيات العولمة. إن أولئك الأخيرين, "بانسلاخهم" عن وطنهم الأم, سيتحولون حتماً في نهاية الأمر إلى "ديسبورة خاصة" ليس لها وطن, وتعيش على بيع الأسرار الحكومية المتقادمة. قدرهم أن يتشردوا في الأرض بحثاً عن أسياد مختلفين, حاملين جواز سفر نازحين غير مؤتمنين على نطاق الكوكب كله.‏

إن مثل هذه الديسبورة لا تشكل خطراً على البلاد, التي خانها أولئك المنافقون, بقدر ما تشكل خطراً على الحضارة كلها. فخدماتها الاحترافية وطباعها تصير غالباً ملكاً لشتى أنواع العشائر الإرهابية والمافيوية, التي ينمو بسبب من ذلك "احترافها" الإجرامي إلى درجة لا يمكن تصورها.‏

لقد بلغت موجة معاداة الحداثة التي يغذيها أولئك النازحون إلى درجة من القوة ما كان ممكناً من قبل حتى التفكير بها.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:35 PM
الفصل الثاني
«بند العولمة الخامس» ليهود في عالم القطب الواحد: ـ "نهاية التاريخ" بالأمريكية



المسألة اليهودية محظورة اليوم؛ إن كل الذين ترهبهم حساسية هذا الموضوع يزجون به, عن قصد أو بغير قصد, في غياهب معاداة السامية. تفضل الأسرة السياسية والعلمية الصمت. كان في الإمكان قبول هذا الأمر لو أن التاريخ قدّر لهذه المسألة أن تظل لاحقاً أيضاً في حال "السبات".‏

إنني أنطلق من مقدمة مغايرة: إن بانتظار حضارتنا في بداية الألف الثالث هزات وتطورات أخرى غير مرئية. وسيُطرح في سياقها الكثير من المسائل المصيرية, ومن بينها المسألة اليهودية, في صيغ جديدة, وربما غير متوقعة. لذلك من الخطر الشديد إبقاء هذه المسائل غير مطروقة, ومحافظةً على شكل عقد ومخاوف في اللاوعي. وفاقاً للنظرية النفسية التحليلية يعطي التلفظ بالعقد المخفية ضمانات إضافية بعدم اقتحامها المفاجئ منظومة قراراتنا, وتضفي على سلوكنا علنية أكبر ولياقة عقلية أكبر. ويخيل أن المسألة اليهودية بالذات هي المسألة الأكثر رزوحاً تحت ثقل المخاوف والعقد. إن التلفظ بغير المطروق والمخفي في هذه المسألة يعطينا إمكانات إضافية من أجل الحفاظ عليه في جو واقعيتنا ورقابتنا الحضارية.‏

يبدو أن القدر قد حكم على اليهود أن يكونوا "عولميين". فوضعهم مزدوج المعنى ذاته باعتبارهم شخصيات وقفت منذ القدم على تخوم الثقافات من غير أن تتطبع حتى النهاية في الوسط الذي أقامت فيه, ومن غير أن تتقبله حتى النهاية, يكوِّن نفسية ذلك الانسلاخ ذاته, الذي عرَّفناه سابقاً على أنها مقدمة ذاتية رئيسية للعولمة.‏

إن الوعي اليهودي المعاصر ينظم تراتيبية خاصة من ثلاثة أنواع للعولمة - العولمة الغرائبية المرتبطة بالأوهام حسنة النية حول النظام العالمي الجديد, والعولمة الباطنية المرتبطة بالإحساس العالمي للنخب الكوسموبوليتية غير المدرك من "جماهير السكان الأصليين", وأخيراً عولمة الدولة العظمى الإمبريالية, المرتبطة بادعاءات الولايات المتحدة الأمريكية العولمية.‏

يحب اليهود اليوم أمريكا حباً متعصباً. وينتهي الحديث مع المفكرين اليهود المعاصرين دائماً تقريباً بإطراء الرسالة الأمريكية في العالم وبالنعوت المزدرية بحق الوطنيين السلفيين, المقاومين لمشيئة عصرنا العولمية, التي تجسدها هذه الرسالة. إن أي تشكيك بالحق الأمريكي في تنظيم كوكبنا يلاقى بردة فعل الإحساس بالإهانة, حتى يكاد يخيل أن الولايات المتحدة الأمريكية هي "أرض ميعاد" اليهودية. بماذا يمكن تفسير هذا الموقف البعيد عن التعددية (البليورالية), والمرتبط بالاستعداد لوضع البيض كله في سلة واحدة أو, بكلمات أخرى, بالاستعداد لتقاسم الخطر الناجم عن المغامرة الأمريكية الناظمة للعالم؟‏

المرجح أن الأمر يتلخص في أن اليهود صدّقوا أمريكا مرتين. أولاً, صدّقوا أنها تجسد فعلاً مُثُل "المجتمع المفتوح" الكلاسيكية, هذا المجتمع الخالي من حواجز التمييز العنصري والأوهام التي تعيق تطبع الغرباء تطبعاً ناجحاً. وثانياً, صدّقوا أن المخططات الأمريكية لإدارة العالم هي واقعية حقاً وليس ثمة أي بديل حقيقي لها – وكل السيناريوهات الأخرى تقود البشرية إلى الفوضى أو إلى الديكتاتوريات العسكرية. في هذا القسم من الرأي يختلف الفرقاء. يفترض بعضهم أن اليهودية العالمية تستخدم الولايات المتحدة من أجل تحقيق أهدافها, وبعضهم الآخر – وأنا من بينهم - يفترض أن أمريكا في هذه الحال تستغل آمال اليهود وتخدع وعيهم.‏

إنني لا أتحدث عن من يصنفون كمساعدين للمسيحيانيين الأمريكيين سعياً وراء الأجر الجيد - هنا لا يجوز الحديث عن تلاعب, وإنما عن صفقة. إنني أتحدث عن الأوهام حسنة النية, التي تولد المتعصبين.‏

احتكاماً إلى بضع مؤشرات ثمة الكثيرون من اليهود ينتظرون مرة أخرى "نهاية التاريخ", وينتظرون معها الحل "النهائي" للمسألة اليهودية. ارتبط هذا الحل النهائي في بداية القرن بالأممية الشيوعية, التي ستزيل, لا الحدود والحواجز القومية وحدها, بل والقوميات ذاتها أيضاً مع اللغات القومية - وبذلك تحوِّل البشرية كلها إلى ديسبورة سعيدة, لا تعرف وطناً. يرتبط حل المسألة اليهودية الآن بـ "المجتمع المفتوح" العولمي. أمس كانت لا تزال ملحوظة في خطوط كفاف هذا المجتمع المفتوح بضعة ملامح من المشروع التنويري, المؤسس على فرضيات العمومية والتعددية والديمقراطية. اليوم صار يبرز على نحو مكشوف أكثر المحتوى الإمبراطوري.‏

يبدو الأمر وكأن العالم اللاغربي كله تقريباً غارق في الشر, وتحويله إلى أرض المعياد مستحيل. ليس ثمة لزوم أيضاً لوضع الآمال على قوى التقدم المُغْفلة, التي تنقل آلياً الإنسانية السعيدة نحو المستقبل المشرق. ويبقى مخرج وحيد: الاتكال على أمريكا في تنفيذ رسالة الرقابة الديمقراطية على غالبية الكوكب غير الديمقراطية. الضمانات لليهود في هذا العالم المليء بالشك مرتبطة بالحضور العولمي الأمريكي. بالتالي ينبغي أن تضعف إلى أقصى حد كل السيادات الذاتية القومية القادرة على معارضة هذا الحضور, وينبغي أن تفرض الرقابة العالمية الأمريكية في كل مكان, وينبغي أن تَنْفَذ إلى كل شيء.‏

واضح أن الحديث في أثناء ذلك ما عاد يدور عن ذلك الوعي, الذي ينتظر بدماثة تطور النزعات الموضوعية التي تقود باتجاه محدد مسبقاً. يدور الحديث عن اختيار الموقف المرتبط بالمخاطرة والصراع والضراوة. في الواقع إذا عُلِّقت الآمال كلها على الحماية الأمريكية العولمية فإن من الضروري قدر الإمكان تقويض موقف الدول القومية في العالم كله وتقويض الموقف الوطني "الدفاعي" القابع خلفها. صار الناس المحتفظون بهذا الموقف يُعتبرون أعداء أمريكا وأعداء اليهود بآن معاً, إنهم الغالبية الحمراء – البنية الشريرة التي تعيق الحل النهائي لمسائل بناء العالم بالطريقة الصحيحة الوحيدة.‏

لنسأل أنفسنا السؤال التالي: ألسنا نتعاطى مع إصدار حكم نهائي جديد على التاريخ الإنساني قبل الأوان؟ ألا ندفع الإنسانية هنا باستعجال نحو النهاية, التي لا تناسبه, والتي لا تعتبر في حقيقة الأمر نهاية؟‏

هل يمكن التأكيد بأن أميركا ستنجح في مهمة وضع اليد نهائياً على العالم؟ فعبر تاريخ الإنسانية الممتد منذ آلاف السنين وحتى الآن لم يشهد أحد مثالاً لهذا. لقد نشأت الإمبراطوريات العالمية وظهرت مشاريع الاحتلال التي هزت العالم, لكن كان يمر بعض الوقت وتتناثر "الدول الألفية" مثل منزل من ورق اللعب. وكان يخيَّل لحاملي هذه المشاريع في كل مرة أن كل شيء قد حسم نهائياً "ولا قدر آخر".‏

إذاً فلنتخيل أن اليهود في أغلب البلدان التي لا زالت تقاوم الادعاءات الإمبراطورية العولمية الأمريكية قد اكتسبوا في نظر السكان المحليين سمعة راسخة بأنهم "طابور خامس" أمريكي, ثم انهار المشروع الأمريكي: ألن تفوح من هذا رائحة المجازفة الكبيرة جداً لكل من ربط مصيره بهذا المشروع قبل الأوان وبغير تبصر؟‏

وحتى إذا تخيلنا أن الاحتلال الأمريكي للعالم قادم فعلاً فهل تبدو السيطرة الأمريكية كافية للتدخل السريع والفاعل في جميع "أطراف العالم " المحتلة بهدف الحؤول دون الأعمال المعادية للسامية وضمان الرفاهية والاستقرار لليهود؟ ألن يكون لدى الإدارة العالمية الكثير من الهموم الأخرى, حتى تركز قواها كلها من أجل حل المسألة اليهودية وحدها؟‏

أخيراً, من غير الممكن استثناء الخطر الآخر: ألن تتغير شعارات فاتح العالم ذاته ومبادئه حين تتكلل خططه بالنجاح؟ وإذا ما بدا للمحتل مفيداً استخدام ديماغوجية معاداة السامية من أجل توطيد السلطة في المواقع وخداع جماهير السكان الأصليين, فهل سيقدر على التغلب على هذا الإغراء؟ باختصار, ووفاقاً للعديد من الاعتبارات, يبدو الحل الحالي "الأحادي" للمسألة اليهودية المرتبط بالتوجه الاستثنائي نحو الولايات المتحدة الأمريكية ورسالتها العالمية, أقل إيثاراً من الحل التعددي التقليدي, المرتبط بتطبيع اليهود في بلدان إقامتهم وبعلاقتهم الوفية بالسكان المحليين.‏

لنتناول الآن المسألة من جانب مغاير. حين يدار الحديث عن ذلك الشعب ذي التقاليد القديمة مثل هذا القدم, والذي سطر صفحات ناصعة في تاريخ البشرية الوجداني, وفي مسيرة تشكيل وعيها التاريخي لذاتها, فإن اعتبارات التوفيق والأمن البراغماتية هي غير كافية على نحو جلي. يخيَّل لي أن "صيغة خلاص" اليهود الأمريكية أكثر إثارة للشك في الحسابات الكبرى من الحسبة التي تبدر عن الوعي الاستهلاكي المعاصر المتعطش إلى التوفيق المادي والراحة والأمن فقط.‏

تدخَّل اليهود في تاريخ إمبراطورية عالمية رائعة وغريبة عنهم – هي الإمبراطورية الرومانية, وقد أوقع هذا التدخل أحد أعظم انقلابات الإنسانية الروحية المتعلقة بحل مسألة التناسب بين الجسدي والروحي, بين القوة والأخلاق, بين المفيد والعادل, حلاً جديداً. وبعد ذلك, وحتى قيام ثورات العصر الحديث العظيمة وقف اليهود إلى جانب المستائين والمظلومين, ورموا معهم القفاز في وجه القوة المتسيدة غير المعتادة على مواجهة المقاومة. كان الطبع اليهودي منذ قديم الزمان مناهضا للاستبداد وملهماً في المواقف التي تطلبت إهانة القوة المتغطرسة وتقديم الوعد للضعفاء الذين يفتحون أفقاً تاريخياً جديداً نوعياً.‏

هل نستطيع القول إن التوجه "المركزي الأمريكاني" الحالي لعدد كبير من اليهود يتماشى مع هذا التقليد العظيم؟ ليس مرجحاً أن أشياع "الرسالة العولمية" الأمريكية الحاليين بسيطون إلى هذا الحد ليصدقوا أن الدافع الحقيقي للتوسع الأمريكي الجيوسياسي هو الاهتمام فعلاً بحقوق الإنسان. سيبدو تمظهر الرقة الساذجة أمام سياسة عالم القطب الواحد الأمريكية غير مقنع ومزيف إلى درجة أن عزة النفس البسيطة لا تسمح بالتعبير عنه. إن المركزية الأمريكية اليهودية الحالية لا تعبر عن الحماسة والحنين العاطفيين بقدر ما تعبر عن الاتكال على القوة والسلطة.‏

إن المنهج التوحيدي اليهودي الذي ناهض عبر القرون التجارب الوثنية لخلق الأصنام والإغراءات بالنجاح اللحظي, يكاد أول مرة في التاريخ يسلم مواقعه لشياطين الغرور الاستهلاكي التافه والخنوع المتباهي برعاية القوة العالمية.‏

نفسياً, يمكن تفسير هذه التبدلات في الوعي, المرتبطة بتحول الخنوع والخوف إلى فخر وتحول الضعف إلى "قوة حديدية" عديمة المشاعر. لنتذكر أن المفوضين البلاشفة كانوا يؤكدون دائماً على "الأناس الحديديين" الجدد الذين يدوسون الأخلاق القديمة. لكن "إنسان البلشفية الحديدي" انتفض في وجه الأقوياء, مدافعاًً عن الضعفاء, وبذلك كان مخلصاً لتعاليم الإرث الروحي اليهودي – المسيحي.‏

يتحدث الوثنيون الجدد الحاليون بلغة مغايرة. إنهم يظهِرون أول مرة بعد الانقلابات الفاشية في أوربا احتقارهم للعرق الدوني, عرق المنحوسين وغير القادرين على التكيف. وليس مهماً أن العنصرية في هذه الحال لا تستخدم معايير أنثربولوجية يثبتها علم الجينات بل تستخدم, أساساً, معايير السوق والمعايير الاقتصادية. لقد أُكسِبت نظرية السوق اليوم ملامح الاصطفاء الطبيعي العنصري الذي لا يرحم غير القادرين على التكيف - حتى لو تبين أن الحديث يدور عن غالبية البشرية.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:37 PM
ـ بعث أم انحطاط




هيا بنا نمعن الفكر في الآفاق المختلفة في الحالين: حين يدور الحديث عن اتحاد الأقلية اليهودية مع الأغلبية المظلومة وحين يدور الحديث عن الحال المعاكسة – عن اتحادها مع الأقوياء, ومع سادة العالم اليوم ضد الأغلبية المنحوسة و"السلفية".‏

واضح أن ما ينتظرنا هنا ليس فقط العواقب السياسية الخاصة التي ما زالت غير متكهن بها كثيراً. يدور الحديث عن التحدي الحقيقي للتقاليد الإنسانية العالمية كلها, التي اعتُبِرت نقطة انطلاقها انقلابات "الزمن المحوري" العظيم التوحيدية. وعلينا في المقام الأول أن نقرر النتائج الأخلاقية. تفترض العولمة المركزية الأمريكية "ثورة أخلاقية" حقيقية, محفوفة بالتشكيك بأحكام الوعي الكلاسيكية جميعها, المتعلقة بالتضامن مع المحرومين وبروح الرأفة والحساسية الأخلاقية.‏

ليس من قبيل المصادفة أن تجد كلماتٌ مثل "العدالة الاجتماعية", "المساواة", التضامن", "التعاطف" مكاناً لها بين عداد الكلمات التجديفية في اللغة العولمية الحديثة, إلى جانب "الوطنية" و"خدمة الوطن" و"الإخلاص للتقاليد الشعبية". إننا نرى هنا, من جهة, تحدياً لأخلاق التنوير السياسية, المُسخّرة لخدمة الفقراء وغير المتنورين. ومن جهة أخرى تحدياً للأخلاق الإنسانية العامة بمجملها, فحيث يدور الحديث عن وجوب نزع أي حواجز تَعوق اصطفاء السوق الطبيعي يصير المستهدف هو الإحساس الأخلاقي ذاته. لم يشهد تاريخ البشرية بعد مثل هذا القدر من الاتكال الصريح على القوة والنجاح المتحولين إلى مؤشرين مطلقين وقيمين للجودة, وإلى معيارين نهائيين لكل من هو جدير بالعيش على الأرض, ولكل من هو غير جدير بذلك. أليس في مثل هذا الموقف – والكثيرون من المنظرين والمؤلفين اليهود لا يأنفون من لعب دور طلائع مؤيدي هذا الموقف - مغامرة مزدوجة؟‏

أولاً - تؤكد هذه المغامرة أسوأ مخاوف "السكان الأصليين" من اليهود ومن "أخلاقهم الطائفية تجاه جماعتهم", إنها, بكلمات أخرى, تؤكد أسوأ فرضيات معاداة السامية.‏

وثانياً - هذه مغامرة داخلية, تمس تحديداً الآفاق الروحية وسمعة اليهودية في العالم. يدور الحديث في هذه الحال عن دوافع الإبداع الروحي ومنابعه. بدا التاريخ اليهودي على مر الكثير من القرون وكأنه انشطر مخلفاً أنموذجين متطرفين. نجد في الجهة الأولى أنموذج المرابي والصيرفي والتاجر, الذين يتحدد نجاحهم بمقياس الابتعاد عن الأخلاق العامة وبعلاقتهم غير العاطفية مع محيطهم الاجتماعي. ونرى في الجهة الأخرى أنموذجات ساطعة ومتوهجة على نحو غير عادي وتصبو إلى تقاليد القداسة والنبوة العظيمة, ولا تسمح للنار المقدسة بأن تنطفئ في عالمنا البارد. ليس ثمة أي شك في أن أنصار العولمة لن يسمحوا بانقطاع التقاليد التجارية - الرِبوية, وما يسمونه اليوم اقتصاد السوق يذكرنا أكثر ما يذكر بالمراباة القديمة عديمة الخجل المرتبطة بالديسبورة المترحلة لكهنة العجل الذهبي, وليس بأخلاق ويبر البروتسانتية.‏

في هذا السياق يبدو مغايراً تماماً أفق التقليد الآخر, الذي تدين لـه اليهودية بمتناقضات مصيرها التاريخي العظيمة وسمعتها الوجدانية. والمخاطرة بأن يختفي التناقض اليهودي العظيم اليوم من العالم, وبأن نحصل على نمطية أحادية عوضاً عن الازدواجية الغامضة في المصير والوعي اليهوديين, كبيرة جداً. لكن هل سترضى الأنفة اليهودية بمثل هذا الحل لمصيرها, وهل يكفيها أن تُعتَبر تجسيداً لأخلاق النجاح التجارية الاستهلاكية؟‏

إنني أتبنى موقف "نقد القدرة على الفكر" الكانطي(1), حيث يجري التفريق بين أفقي الموهبة والعبقرية في الثقافة. الموهبة لدى كانط واقعية جداً وتمتاز بمقدرتها على تجنيد جميع المقدمات المتوافرة, ونَظْمها في إطار منطق واحد يقود إلى نتيجة ناجحة. أما العبقرية لدى كانط فهي على الأرجح رومانسية أكثر منها واقعية, وتحمل تجلياتها طابعاً صوفياً - إنها ليست من هذا العالم, إنها تحتوي استجابة لعالم جبلي آخر, ونور نجوم أخرى.‏

ونسأل أنفسنا إذ نترجم هذا إلى اللغة المعاصرة: هل ثمة علاقة بالإلهام الإبداعي الكبير لنشوات الوعي الأخلاقية – الدينية المنطلقة إلى ما وراء أفق هذا العالم, الذي لا تكتسب فيه الأهميةَ الحاسمةَ إلا الثمار الناضجة وشروط البداية فقط؟‏

ألا يكون نفاد الأفكار التأسيسية الكبرى, التي يتحدث عنها اليوم الكثيرون من محللي الثقافة والعلم, متعلقاً, تحديداً, بالفتور الكبير الذي أصاب الوعي الأخلاقي – الديني, وبما فعله بالثقافة جيل العصر ما بعد الديني الثاني؟ لقد برز الملحدون الأوائل, كما حزر دوستويفسكي, كمتعصبين للإيمان - وإلا لماذا كانوا سيتعصبون؟ لقد آمن الثوريون الحانقون ومناهضو الاستبداد وبناة الجنة على الأرض بأعجوبة التحول والميعاد والمتناقضات, التي أوصت بها المسيحية: عن النعيم النهائي للفقراء بالروح, الذين سيرثون الأرض, وعن نعيم المطرودين بسبب من الحقيقة, ونعيم الحزانى والودعاء. إن داروينييّ العولمة الاجتماعيين الجدد يُقومون الأفق أمام الفقراء والحزانى والودعاء على نحو مغاير. إنهم غير ميالين لأن يروا في الواقع المحيط وفي التاريخ الإنساني مؤشرات "البعد الآخر", التي لا تقود قط إلى حيث يشير منطق الاصطفاء الطبيعي, والتحليل البراغماتي كله. هل الوعي العقلاني تماماً والبراغماتي قادر على القيام بفتوحات عظيمة في الثقافة؟ ألا يتهددنا فقدان البعد الثاني المتسامي نحو الصوفية اليهودية - المسيحية, نحو الذرى الجبلية, بأن نفقد في الوقت نفسه الإلهام الإبداعي الكبير وبتحويل فروع الثقافة كلها إلى خدمة المنفعة؟‏

لمن الثقافة والعلم مدينان بالإضاءات والاختراقات الأعمق: ألأولئك الذين يوجههم الطلب الاجتماعي المصاغ بدقة, وحال السوق, أم لأولئك الذين لا يتبعون المنفعة بل الإلهام السامي؟ حتى قواعد العلم الاجتماعية البعيدة عن النشوات الروحية الصوفية تشير إلى الفرق الواضح بين دوافع المعرفة التطبيقية والتأسيسية, فالأخيرة مرتبطة بتجنيد منابع الروح الإبداعية غير النفعية.‏

لنعد إلى المسألة اليهودية. هل سيوافق اليهود, في حال معرفتهم الدقيقة لا للعواقب السياسية وحدها, بل الروحية أيضاً, على تجاوز الازدواجية في مصيرهم ووعيهم نهائياً لصالح الاتجاه الواحد والمعنى الواحد, الذي يروج له براغماتيو العولمة, أي لصالح الثقة التامة بهذا العالم الذي تحددت فيه تراتبية المنتصرين والمهزومين, القادرين على التكيف وغير القادرين عليه, المختارين والمنبوذين؟‏

إن القطيعة مع غالبية الكوكب غير القادرة على التكيف لصالح حلف المنتصرين وسادة هذا العالم ليست محفوفة بالمخاطرة السياسية وحدها.‏

هذه القطيعة محفوفة بفقدان تلك البكرية الروحية, وبفقدان فتوحات الوعي النبوي المنتشي, التي ارتبط بها ذلك القدر من المرات الكثيرة التي دان بها العالم بالقيادة الروحية لليهود.‏

يعني هذا في حقيقة الأمر فقدان التماثل المتسامي نحو التقاليد التوراتية, ونحو نص العهد القديم الذي تنبأ بالظفر النهائي, لا لذلك الذين انتسب إلى أسياد هذا العالم ليقاسمهم نجاحاتهم, بل لذلك الذي لم يفزع غير مرة من نبذه, ولذلك الذي يحسن الانتظار.‏

يجازف اليهود المتكيفون مع وضع السيادة الأمريكية في العالم بما هو أكبر من المخاطرة البراغماتية - إنهم يجازفون بتسخيف التاريخ اليهودي كله, ويغامرون بموت الأسطورة اليهودية في الثقافة. لقد بلغت معضلة التاريخ اليهودي الأزلية اليوم حدتها القصوى. إما التطبع النهائي الذي لا عودة عنه في معسكر المنتصرين, معسكر أسياد هذا العالم, وإما الحفاظ على التماثل غير المرتبط بمؤشرات اللغة والعرق التجريبية بقدر ما هو مرتبط بالحل المحدد لمسألة الرسالة. إذا تبين أن سيادة أمريكا في العالم عولمية حقاً ونافذة إلى كل مكان فإن على اليهود, الذين جعلوا خيارهم لصالحها, أن يذوبوا وسط المنتصرين. إن أي انتكاسةِ عزلةٍ, وأي تباعد سيكونان خطرين إلى أقصى حد بسبب من استياء جماهير الأطراف المحتلة من ممارسات "الطابور الخامس" الشهير. ما كان "البند الخامس" سيئ الصيت, الذي يُشبَّه منذ اليوم بممارسات "الطابور الخامس", ليبقي لليهود أي خيار آخر غير الذوبان كلياً بين المنتصرين, وغير التأمرك الخارجي والداخلي. وقد بتنا نلحظ اليوم بعض أعراض هذا التقمص اليهودي لـ "عرق الأسياد" الأمريكي. يبدو هذا لبعضهم انبعاثاً, لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار تلك الشريحة التي ولدتها التقاليد اليهودية النبوية الكبيرة فإن الأنسب هو الحديث عن خطر الانحلال.‏

لكن علينا أن نقول إن لهذا القدر من "تأمرك" الوعي اليهودي الجماعي مقدماته ذات الطابع ما فوق الفردي أو ذات الطابع البنيوي. يتلخص الأمر في أن لدينا اليوم تطابقاً مذهلاً في عمليات ازدواج بنى الوعي التي تشمل أمريكا الرسمية و"الطليعة الليبرالية" اليهودية في بلدان العالم المختلفة. وتبرز هذه الازدواجية في اللحظة ذاتها التي يجري فيها تقرير مصير الإرث الأعظم من موروث البشرية – أي إرث التنوير (الحداثة).‏

ربط التنوير مصيره, من بين مستويات دينامية الارتقاء الإنسانية الثلاث الممكنة - العولمي (الكوكبي), والقومي (ما فوق الإثني), والقبلي (الإثني), بالمستوى الثاني. صارت حقبة التنوير حقبة تشكيل الأمم الموحدة الكبرى عن طريق صهر الإثنيات المتجاورة والثقافات الفرعية في جماعات اجتماعية تاريخية كبيرة, تكتسب فضاءً اقتصادياً وسياسياً – حقوقياً وتعليمياً – إعلامياً كبيراً موحداً. إذا رمزنا إلى توافقية المستويات العولمي والقومي والمحلي بالأحرف ع – ق – م فإن صيغة التنوير ستبدو خصوصاً بعبارتها الفرنسية الكلاسيكية على النحو التالي: 0 - ق – 0 (يسحب المستويان العولمي والمحلي إلى خارج القوسين, وتكتسب العبارة المستوى الأوسط – القومي).‏

أنتج التاريخ الثقافي والسياسي الألماني صيغته المغايرة بعض الشيء:‏

0 -ق - م (يسحب المستوى العولمي إلى خارج القوس باعتباره تجريداً, وتصير العبارة العملية مؤلفة من تزاوج المستويين القومي والمحلي الإثني الإقليمي مع سيادة القومي غير المشروطة). نضيف على الفور أنه حتى هذا التنازل الخاص للبداية المحلية والإثنية القومية قد لعب دوره الدراماتيكي في تاريخ الشعب الألماني السياسي والوجداني.‏

وها نحن نلحظ اليوم محاولة إعادة تشكيل بنية الحداثة ذاتها عن طريق تحريك جهود التقدم كلها من المستوى القومي الأوسط إلى المستوى العولمي. والذي ينشِّط هذه المحاولة هو المجمع الإمبراطوري الأمريكي والديسبورة اليهودية المؤيدة لـه في المناطق. يدك الأمريكيون حصون الدول المستقلة الكبيرة القومية بآلتهم الصناعية - العسكرية والمالية والدبلوماسية, أما الديسبورة اليهودية فتنخرها بـ "تهكمها" الذي يطال كل شيء ويفتته. لقد خدم هذا التهكم اليهودي قضية التنوير في وقت ما خدمة أمينة على الرغم من أن الدافع إليه ربما لم يكن تنويرياً بقدر ما كان مرتبطاً بفرضية الشعب المختار القديمة. كانت قضية التنوير في زمنها في حاجة إلى رجالات ينتفضون بقوة ضد الأصنام القديمة وكذلك ضد كل ما هو فاسد وبدائي ومحلي. لقد نظف "التهكم" التنويري المكان لعموميات التقدم – الفضاءات الموحدة الكبيرة, المخصصة من أجل تحقيق ذات الإنسان الجديد, الذي ما عاد يمثل خصوصيةً إثنية إقليمية ومحلية, بل أمةً سياسيةً موحدة, في أسسها, ودينامية وناظرة لا إلى الماضي بل إلى المستقبل.‏

صار رجال الفكر اليهود, غير المقيدين من حيث التعريف بالوسط الإثني المحلي وعاداته, معاوني التنوير الأنشط في عملية التنظيف هذه. يحرم إله إسرائيل الغيور تحريما تاماً عبادة الآلهة الأخرى وخلق الأصنام. لذلك تغذى التهكم اليهودي, الموجَّه منذ قديم الأزل ضد الأصنام الوثنية الغريبة عن اليهودية, بعقدتي العهد القديم التفوق والشعب المختار. لم يشعر اليهود بالأسف على أصنام الآخرين؛ لكنهم شعروا بالوقت نفسه بالغيرة منها باعتبارهم أناساً مرشحين تقليدياً للاحتكار ككهنة إيديولوجيين ومرشدين للبشرية – ورثة طائفة اللاويين.‏

كان من الصعب على عمل التنوير التنظيفي الموجه ضد الأصنام القديمة كلها أن يكون نافذاً وغير مهادن إلى هذا الحد لولا طباع الطليعة اليهودية, التي أضفت على كل جديد في الحداثة شكلاً راديكالياً أعظمياً. لكن كمن في هذا أيضاً خطر مرتبط بازدواجية بنية الوعي اليهودي ذاتها. كان صعباً جداً على الطليعة التقدمية اليهودية الالتزام عند وسط التنوير الذهبي - على مستوى الدولة – الأمة. لقد راحت تنجذب, باعتبارها ديسبورة كوسموبوليتية غير مرتبطة بأطر الإخلاص الوطني, نحو"العولمة", نحو مستوى "مواطني العالم" غير المقيدين بأي قوانين قومية. وكانت لا تفعل شيئاً, باعتبارها مجموعة إثنية خاصة مجروحة ويحركها الإحساس بالتكافل والتضامن تجاه أفرادها, غير الانزلاق نحو مستوى الباطنية القبلية والغمز التآمري لأقرانهم في القبيلة. مع العلم أن مفهومي الباطني والقبلي هذين قد تضافرا على نحو عجيب وغامض حتى أن إجراءات معرفتهما وفصلهما كانت صعبة جداً ليس فقط على المراقبين من الخارج بل على الطليعة اليهودية نفسها.‏

(1( - إيمانويل كانط (1724 -1804) فيلسوف ألماني ومؤسس الفلسفة الكلاسيكية الألمانية. أهم أعماله "نقد العقل الخالص", "نقد العقل التطبيقي". كوَّن الاعتراض على علاقات التبعية للنظام الإقطاعي الخلفية الاجتماعية للتعاليم الأخلاقية الكانطية لذلك فهو يعتبر من وجهة النظر هذه منظِّراً للبرجوازية الناشئة. لم يكن كانط فيلسوفاً وحسب, بل كان عالماً أيضاً, إذ كان من أوائل الذين وضعوا نظرية علمية عن تشكل الشمس والأجرام السماوية (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:39 PM
ـ المُلْك والقداسة




تلخص التناقض الدراماتيكي في أن المحاولات اليهودية لجعل الحداثة راديكاليةً, وإكسابها شكل ثورات سياسية وثقافية لا تقبل الحلول الوسط قد انقلبت في أحيان كثيرة إلى سقوط في سلفية العهد القديم القبلية. بهذا المعنى يبدو ذا دلالة كبيرة جداً مصير الفكرة الاشتراكية التي استحوذ عليها المفوضون البلشفيون واحتكروها.‏

بدأت الاشتراكية, على غرار غالبية الحركات العظيمة في عصر الحداثة, تتطور في مستوى الدولة – الأمة الأوسط (غير العولمي). لقد أكسبها هذا رسوخَ العمليةِ التاريخيةِ الطبيعية, المرتبط بتحقيق الذات من قبل الأمم العظمى الخارجة من التنوير والتي تحل مشاكل مستقبلها على شكل إبداع ذاتي مستقل. كان في مقدور كل شعب من الشعوب أن يحقق بطرقه الخاصة مُثُل الاشتراكية الملهمة والمُعْدية, التي تؤلف خلاصة إرث أوربا التنويري العام. كمنت خصوصية التنوير الأكثر نفعاً في فطرية نبضه: لم تكن أهدافه ومقاييسه ومثله مصوغة بطريقة مذهبية متشددة ما ومفروضة على الأغلبية, بل عكست أفضل آمال هذه الأغلبية ذاتها, التي اجتاحتها روح الحداثة من غير أن تلحظ هي نفسها ذلك. ليس مصادفة أن المنورين كانوا يتوجهون على الدوام إلى الإنسان الطبيعي وإلى "طبيعته" – كانوا يشمئزون من العلاقة الوصائية - المتعالية بالجماهير, التي وثقوا بـ "عقليتها" وثوقاً كاملاً. فكيف كانت ستبدو الاشتراكية المتماشية مع أحكام الطبيعة التنويرية هذه؟‏

واضح أنها لا يمكن أن تكون شيئاً يتنافى مع تجسيد مطلب الشعوب الاجتماعي الناضج, ومع التعبير عن آمالها. لنتذكر شعارات البلشفية الأولى, التي سرقتها من حزب الأغلبية – حزب الاشتراكيين الثوريين (الإسير): "السلم للشعوب", "الأرض للفلاحين", "المصانع للعمال". هذه الشعارات, التي عكست المرحلة الديمقراطية العامة من الثورة الاجتماعية الناضجة, لم تكن تحتوي في ذاتها على أي شيء دوغمائي – فئوي, ولا على أي باطنية مصطنعة غريبة عن الفكر الشعبي السليم. لم تغتصب مثل هذه الاشتراكية ولو قليلاً "طبيعة" الإنسان اليهودي الجديد وتطابقت مع المبدأ المعبر عن كرامته: "أن يكون سيد نفسه" – أن يكون شخصية مستقلة غير خاضعة لوصاية, وتلتزم بأسمى مثل العدالة.‏

كان مبدأ وحدة العمل والملكية هو التعبير الأسمى عن هذه "العدالة الطبيعية". ينبغي أن تعود الأرض لأولئك الذين يعملون بها – أي للفلاحين؛ والمنشآت الصناعية لأولئك الذين يكدحون فيها – أي للتعاونيات العمالية. وفي حال تحقيق روسيا ذلك كانت ستحصل على مجتمع الاشتراكية التعاونية, الخالي من المذهبيات المتطرفة الضيقة مثل رفض السوق والمال, ومن الإنتاج وفاقاً لخطة واحدة مصوغة من قِبل بيروقراطية الرقابة القوميسارية المتكوِّنة والعارفة بكل شيء.‏

كان ينبغي أن يبرز المنتجون التعاونيون والأفراد في المدن والأرياف كمنتجي بضائع لا يملكون أي امتيازات خاصة من خارج السوق, وكمتحررين من ضغط المجموعات السابقة صاحبة الامتيازات. إن الشخصية المركزية لمثل هذه الاشتراكية الشعبية ليست ما يسمى البروليتاريا, بل المستثمر الكادح المستقل. وهذا يمكن أن يكون إما مستثمراً فردياً (أسرياً) مزارعاً أو حرفياً, وإما مستثمراً تعاونياً في المؤسسات التعاونية في المدن. يدل نطاق الحركة التعاونية ذاته في روسيا, التي شملت عشية الانقلاب البلشفي عشرات الملايين من السكان ذوي المبادرة الذاتية, على الطابع التاريخي الطبيعي الناضج لهذه الثورة الاجتماعية الاقتصادية. فما الذي يفعله في هذه الظروف المفوضون البلشفيون الذين استولوا على السلطة؟‏

إنهم يراقبون تفتح الحياة العفوي هذا كله بغيرة كهنة التعاليم الأممية العظيمة, المهددة بأن تبقى من غير عمل. لقد جابهوا اشتراكية الفلاحين والعمال الروس العفوية والمحرومة من أي نوع من أنواع الصرامة المذهبية بالمذهب الاشتراكي العولمي, الناضج في عقول موسى الجديد - مرشد الجماهير العمياء والعنيدة وغير العارفة "بمصالحها الحقيقية".‏

عموماً, فيما يخص موسى هذا – والحديث يدور عن ماركس, فإن من الضروري أن ندقق مشيرين إلى أنه كان في الوقت نفسه وريثاً لفكرة العهد القديم حول الشعب المختار وابن التنوير المؤمن بأن التقدم إجمالاً يتطابق مع تحقيق ذات الإنسان اليهودي الجديد. لقد تجلت الميول السلفية لدى ماركس إلى فكرة الشعب المختار, التي تجبرنا على تذكر الأصل القديم ما قبل المسيحي, في أن المكان في المجتمع الاشتراكي المقبل لديه لن يكون مخصصاً للجميع بل استثناءً للبروليتاريا التي سينبغي عليها أن تكون حفارة قبر الطبقات الأخرى.‏

لكن ماركس على الأقل, واحتكاماً لكل شيء, وثق تنويرياً بالمبادرة التاريخية الحرة لهذه الطبقة. يستعرض مؤسس البلشفية الخطوة الجديدة على طريق انسلاخ التعاليم الفئوي عن الاختبار التجريبي وعن مصالح الجماهير اليومية. فحتى الطليعة البروليتارية, كما هو معروف, لم تكن تستحق ثقته الحقيقية, لأن "الوعي الاشتراكي "الصحيح", كما يعلن في مؤلفه "ما العمل؟", لا تستطيع تكوينه حتى البروليتاريا بقواها الخاصة: من يكوِّنه هم كهنة ماركسيون خاصون, يبثون في الجماهير البروليتارية ما لا تحتويه في ذاتها وهو – الوعي الاشتراكي الصارم. تنتج عن هذه الصرامة المذهبية اشتراكية مختلفة تماماً, ليس فيها ما هو مشترك مع العلنية والبساطة التنويريتين, - تنتج اشتراكية المفوضين الفريسيين – الأوصياء على "العقيدة" وحماتها.‏

خيل للمفوضين البلاشفة أول الأمر أنهم يقدمون, عوضاً عن نسخة الاشتراكية الوسطية والمتهاودة والاشتراكية الديمقراطية والمذنبة بالتنازلات لـ "الفوضوية البرجوازية الصغيرة", الأنموذج الصحيح الوحيد, والمنطقي الجريء والذي لا تشوبه شائبة مذهبياً. صار التنوير ذاته عندهم موضع شك لبساطته تحديداً – أي تطابقه مع نبض التحرر العفوي وتحقيق الذات الذي تمَلَّك جماهير البشر في عصر الحداثة. لقد شهرّوا بكل المساعي الديمقراطية العامة والشعارات باعتبارها متهاودة وغير كافية ومشوبة بروح الحلول الوسط مع البرجوازية البغيضة.‏

إلغاء الرقابة غير كاف من أجل حرية الكلمة الأصيلة, والدساتير الديمقراطية غير كافية من أجل حرية الإبداع السياسي, والتشريعات المتعلقة بالمسألة العمالية غير كافية من أجل حل هذه الأخيرة حلاً فعلياً, إلخ...‏

وها هم نقاد "الديمقراطية البرجوازية" المحدودة أولئك يمسكون بزمام السلطة ويشكلون بسرعة كبيرة وعلى نحو لم يلحظوه هم أنفسهم مجتمعاً مفصلاً وفاقاً لأنموذج فوق سلفي, خيل أن التاريخ قد دفن أمثاله نهائياً.‏

وهنا تباغتنا التناقضات الأكثر إثارة للغم في تلك الاشتراكية غير الراغبة في أن تكون شعبية وقومية, وإنما عولميةً موحَّدةً, وغير أمينةً لمشيئة الحياة بقدر ما هي أمينة للنص المقدس. ويسقط على نحو مفاجئ مغالو الحداثة البلشفيون في سلفية العهد القديم القبلية وفي اللاحداثة المنهجية وفاقاً للقانون الغامض القاضي بتحول العولمي إلى قبلي ما إن يتحطم المصطلح الوسط – القومي العام.‏

لنأخذ أحد أحجار الزاوية في هذا المذهب, وهو مبدأ التخطيط البيروقراطي الشامل. تكتشف الثورة الاقتصادية البلشفية هنا تحديداً ملامح اللاحداثة المنتهية. هل يمكن في الواقع تصور أن حياة هذا المجتمع الكبير الاقتصادية, بعلاقاتها ومبادراتها ووسائطها التي لا تحصى كلها, يمكن أن تضبط بمجموعة أوامر مركزية مقرة مسبقاً؟ واضح في الواقع أن أنموذج المجتمع الصغير ينبعث هنا – أي أنموذج مشاعات أفراد القبيلة, الذين بعضهم يعرف بعضاً معرفة شخصية ويديرون اقتصاداً عينياً. لقد قدمت الطوباوية البلشفية اللاسوقية, تحديداً, الشكل المحول لهذا الاقتصاد العيني, الخارج من أطر معايير المجتمع الصغير الطبيعية والمتطلب, لهذا السبب, إقامة بيروقراطية شاملة.‏

يعتبر جديدُ البلشفية في البناء الدولتي السياسي والإيديولوجي شكلاً آخر أشد إثارة للانطباعات من أشكال التحول المعكوس من "ما فوق المعاصَرة " إلى ما فوق السلفية. لا يستطيع أي مراقب أن لا يذهل من القدر الذي تذكِّرنا به المُثل الشيوعية ما فوق الحداثية عن المجتمع اللادولتي بمُثُل إسرائيل في العهد القديم في زمن عصر القضاة. المجتمع الموجَّه والمدار من الكهنة – القضاة, هو, حتى وفاقاُ لمعايير الشرق القديم, عبارة عن أنموذج غير مأنوس للملل التيوقراطية تيوقراطيةً راسخة, حيث لا يراقب السلوك الخارجي فقط وإنما نمط أفكار الملة نفسه.‏

إن هذه اللهفة على المجتمع, المرتكزة على مبادئ العقائدية النافذة إلى كل شيء وعلى الإلهام المنتشي المستمر, تشير إلى أنموذج الوعي القبلي اليهودي الأقدم. يرى هذا الوعي أن أي دولتية تقصر رقابتها على سلوك الأتباع الخارجي, وغير مبالية بالضرورة بما يكنونه في سرائرهم, هي امتهان لا يطاق لكل ما ينبغي في نهاية الأمر تدبيره على الأرض. لا ينتقد مثل هذا الوعي "عنف الدولة" انطلاقاً من المواقف التنويرية التي تترك للمواطنين حرية تقرير الذات الداخلية الوجدانية, وإنما من مواقف التيوقراطية الكهنوتية مع ما تحمله من رقابة مستبقة على الأفكار والآراء.‏

يعكس سفر الملوك الأول في العهد القديم المواجهة بين المُلك والقداسة, وبين البيروقراطية الإدارية الدولتية الباردة والوصاية الكهنوتية الدافئة (لا بل الحارَّة),. حين توجه الحاكم صموئيل طالباً النصيحة من الله ذاته للرد على طلب الشعب المتعب من الوصاية الكهنوتية الشاملة والراغب على الأقل في إضفاء شيء من أجواء الحياة الاجتماعية على رقابة الدولة القيمية الحيادية (البيروقراطية العقلانية), أجابه الله بروح الواقعية المتشائمة قائلاً: "اسمع لصوت شعبك في كل ما يقولون لك. فهم لا يرفضونك أنت, بل إياي رفضوا حتى لا أملك عليهم". (التوراة, صموئيل الأول 8: 1 - 7). منذ ذلك الحين والوعي اليهودي محتفظ بالحنين إلى المجتمع الأصيل, غير المطلع على أحكام المُلك الخارجية, لكن المذعن لأحكام القداسة الداخلية وحدها.‏

إن تاريخ الدولتية البلشفية السياسي – العقائدي كله هو عبارة عن تضاد بين الملك والقداسة, تضاد بين العقلانية البيروقراطية الإدارية والعقائدية الحزبية الكهنوتية. ويتوافق ابتلاع الدولة المتنامي من قِبل الحزب توافقاً تاماً مع أنموذج العهد القديم هذا, الذي يرشد إلى التضييق على المُلك بالكهنوت كما يرشد إلى مَثَل اجتماعي وثقافي سامٍ.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:41 PM
ـ سيناريوهات من أجل روسيا




يعاد اليوم من جديد, في العصر ما بعد السوفييتي, إنتاج جدلية ما فوق الحداثة هذه, المنقلبة إلى ما فوق سلفية تحت ضغط أولئك الذين جذبتهم الحمية الإصلاحية الحانقة إلى طريق الليبرالية الراديكالية. عام 1917 قررت الطليعة البلشفية اليهودية جعل الفكرة الاشتراكية راديكاليةً بنقلها من مجال تقرير الذات القومي العفوي ووضعها على سكة الأرثوذوكسية الكهنوتية لعولميي الأممية الثالثة. عام 1991 تقرر الطليعة الديمقراطية اليهودية, التي يساورها شك بالرأسمالية الشعبية العفوية (الاستقلالية الاقتصادية الجماهيرية) لا يقل عن شك البلاشفة بالاشتراكية التعاونية الشعبية, جعل الفكرة الليبرالية الكلاسيكية راديكالية مخضعة إياها لحَرْف التعاليم الجديدة العظيمة الصارم– "مدرسة شيكاغو"(1). لقد اضطررت غير مرة إلى الكتابة عن أن المقدمات الاجتماعية والاجتماعية الاقتصادية للرأسمالية الشعبية كانت متوافرة في الحقيقة في روسيا مع حلول عام 1991.‏

اقتربت إيداعات السكان المصرفية منذ بداية الثمانينيات بمجملها من 500 مليار روبل (بأسعار ذلك الوقت). وحُفظ في المستودعات ما يسمى المنسقات (المعدات غير المركبة) بقيمة هذا المبلغ نفسه تقريباً. لو سمح إصلاحيونا لهذين التيارين بالالتقاء عن طريق بيع المنسقات الحر, ولو سمحوا كذلك بأشكال من تشجيع المبادرات الاستثمارية الجماهيرية مثل تأجير المعدات وإتباع سياسة ضريبية – إقراضية تشجيعية, لقامت الثورة الرأسمالية الشعبية الاقتصادية في روسيا. لقد كان الطريق أمامها ممهداً تماماً أيضاً بفضل التطور الحاصل إلى ذلك الوقت في منظومة القيم الجماهيرية. أجاب أغلب المشاركين في الاستفتاء بين عامي 1992 و1993 عن السؤال حول معتقدهم الرئيسي في الحياة بأنهم يريدون أن يكونوا أسياد أنفسهم. بيد أن هذه الثورة الاقتصادية الشعبية لم تحدث في روسيا. وعوضاً عن ذلك اتخذ الرفاق في الحزب في اجتماعهم الحزبي المغلق (عن الشعب) قراراً بالخصخصة الوظيفية, وهذا ما افترض نزع ملكية إيداعات السكان واحتكار النشاط الاستثماري من قِبل الأشخاص الواردة أسماؤهم في اللوائح المعدة سلفاً.‏

"أطلقوا الأسعار" قبل الإعلان عن الخصخصة؛ وبهذا الشكل أفرغ التضخم المنفلت في أسابيع معدودة مدخرات غالبية الشعب. وقد ساعد في ذلك إلى حد كبير تحويل الحسابات غير النقدية إلى حسابات نقدية تبين أن أصحابها معتمدون مسبقاً من قائمة الأسماء الحزبية – الشبيبية والأمنية.‏

إنني بعيد عن فكرة نسب هذه الخطة إلى ورثة الباطنية القديمة. لم يكن في أساس هذه الخصخصة الوظيفية أرثوذوكسية مذهبية, بل كانت فيه أسفل أنواع براغماتية طائفة الموظفين. وفي مقابل وضع المالكين الجديد وافقت هذه الطائفة على تسليم البناء القديم.‏

لكن هنا كان ثمة دور لا غنى عنه لمغالي النص المقدس الجديد (الليبرالي هذه المرة) الأرثوذوكس اليهود. وفي الواقع: كيف كانت ستبدو هذه الخصخصة الوظيفية من غير حجة نظرية عقائدية؟ كانت ستبدو نهباً عادياً لملكية الدولة من قبل أولئك الذين كانت مفاتيح الصوامع الحكومية في أيديهم بحكم الوظيفة.أما الحجب المتعمد لعملية الخصخصة عن "الغرباء" الذين هم أفراد الشعب الروسي نفسه فكان سيبدو غير ليبرالي البتة, ولا يتماشى مع روح "المجتمع المفتوح".‏

ههنا كانت قد نضجت "التعاليم العظيمة" الجديدة. عموماً, تعتبر استعارة النظريات المنفصلة, بالأخص ذات الطابع الذرائعي, أنموذجية في المراحل التحديثية. لكن ما الذي تفعله في أثناء ذلك فئة المثقفين الوطنيين؟ إنها تسعى أولاً إلى أقلمة التعاليم المستوردة مع الظروف المحلية, من غير أن تخجل من تكييفها؛ وثانياً, تعطي الأفضلية للتجربة الواقعية من غير قيد أو شرط في حال التنافر الحاسم بين النظرية المستعارة والتجربة المحلية.‏

كان سلوك الأرثوذوكس التلموديين مغايراً تماماً. فعوضاً عن أقلمة النظرية مخففين من حدة حوافها المذهبية, راحوا يشددون بحماسة كبيرة على هذه الحواف, أما الحياة الواقعية المرتبطة بالإرث القومي الثقافي – التاريخي فأعلنوها مرضاً ينبغي استئصاله.‏

في أثناء ذلك كانت النظريات المستعارة تتغير بما في ذلك إلى معاكساتها مباشرةً, لكن المواجهة المبدئية للأساس وللتجربة الشعبية وحتى للفكر السليم البسيط ظلت تتكرر على الدوام. حين كانت النظرية الماركسية هي الدارجة وضعها مطبقوها البلاشفة في تضاد مع العفوية الوطنية البرجوازية الصغيرة, التي تولد الرأسمال "كل يوم, وكل ساعة, وفي كل مكان وعلى النطاق الجماهيري" (لينين). حين صار رأس المال هو المثال, والفزاعة هي الاشتراكية أعلن أن التربة القومية الروسية تحديداً معادية منذ البدء للرأسمالية وتولد الاشتراكية الأبوية, المرتبطة عضوياً, كما تبين, بتقاليد المشاعية والجماعية الروسية.‏

لم تظهر هذه التحولات في الوعي اليهودي على هذا النحو الخطير في روسيا وحدها. تعطينا ألمانيا المثال الأقرب نسبياً على هذا. فبعد الاحتلال الأمريكي لألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وضع المفكرون اليهود من المدرسة الفرانكفورتية(2) – أدورنو وفروم وفرانكل برونسيفيك وليفنسون(3) – على الفور مشروع بحث بعنوان "الشخصية المتسلطة"(4), حيث برهنوا على العلاقة العضوية غير المنفصمة بين الفاشية والتقاليد والعقلية القومية الألمانية. تبين أن جذور العقلية الفاشية ممتدة إلى عهد الإصلاح, وأن رائد الفاشية الرئيسي هو لوثر(5). اختصاراً, لا يمكن التغلب على الفاشية في ألمانيا من غير تحطيم نواة التقاليد القومية الألمانية ذاتها - وأنموذجها الأصلي البروتستانتي.‏

يمر بعض الوقت وتتحول ألمانيا من عدو أمريكا الرئيسي لتصير حليفها وشريكها الرئيسي. وهنا يتذكر المفكرون اليهود نظرية ماكس ويبر عن المقدمات البروتستانتية للرأسمالية, وتتحول حياة التقشف البروتستانتية على هذا النحو من تجسيد للشر النازي إلى ما يكاد يكون المقدمة الرئيسية للفضائل الليبرالية كلها – من اقتصاد السوق إلى دولة القانون.‏

أما المجسِّد للشر الشمولي منذ الآن فهو الشعب الروسي بعقليته وتقاليده المشاعية. صارت المشاعية الروسية إلى جانب الإرث البيزنطي والجماعية الأرثوذوكسية تُشخِّص دور المهد للشمولية المعاصرة. على هذا النحو تصب مكافحة الشمولية السوفييتية, كما صبت مكافحة النازية في وقت ما, في بوتقة التنظيف الإثني العميق المنفذ بطلب من "المنتصرين" وتحت إشرافهم. استعيض عن التحليل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بأنثربولوجيا عرقية ذات شكل خاص, الهدف منها إماطة اللثام عن إرث السكان الأصليين غير القابل للإصلاح, والذي يضع الشعب الروسي في علاقة صِدام لا يقبل المهادنة مع المعاصَرَة الديمقراطية. تقدَّم الثورة البلشفية على أنها ترميم مشاعي, أما الطبقة الفلاحية الروسية فتقدَّم على أنها أغلبية مشاعيين حنينيين منتفضة ضد المعاصرة, وفارضة على الأقلية الحضرية آسيويتها المرمَّمة.‏

بمثل هذه الصيغة الإيديولوجية المفبركة تصير الحقائق التاريخية بغير أهمية. أما الحقيقة فهي أن الأغلبية الفلاحية في روسية قد أسقطت بقوة الحزب البلشفي في انتخابات المجلس التأسيسي في تشرين الثاني من عام 1917. سارت الشمولية في روسيا من المدينة إلى القرية, ومن مراكز العواصم إلى الأرياف, ومن النظرية الغربية المستعارة إلى الممارسة السياسية, وليس بالعكس. ارتبط انتصار البلشفية, كانتصار "الليبرالية" الحالية, بأفضلية الأقلية المنظمة في المدن والمتمتعة, بالإضافة إلى ذلك, بالدعم الخارجي القوي أمام الأغلبية الريفية المفككة. وحينذاك لم تكن الغالبية رجعية قط. لم يكن ترميم المشاعة على الإطلاق هو ما شَرَع مغتصبو السلطة البلاشفة, الذين خبأوا ديكتاتوريتهم خلف واجهة "جمهورية السوفييتات", يغرون الأغلبية الفلاحية به. بل أغروا الفلاحين باعتبارهم "مُلاكاً برجوازيين صغاراً", يسعون إلى الحصول على الأرض من أجل الاستعمال الشخصي. لقد تسلح البلاشفة بشعار الاشتراكيين الثوريين (الإسيريين) هذا مؤقتاً بهدف الاحتيال.‏

حين رسخ المفوضون سلطتهم خاضوا حرباً ضد "البيئة البرجوازية الصغيرة" الفلاحية, متسلحين بمثل المجتمع المنظم عقلانياً, الشبيه بالآلة. وسرعان ما اتخذت هذه الحداثة البلشفية هيئة معسكر اعتقال هائل.‏

الادعاء, كما يفعل الليبراليون اليوم, بأن عهر الحرب الأهلية الدموي والتحويل القسري إلى التعاونيات نابع عن تعبير"المشاعيين" العفوي عن الذات يعني تزويد الجلادين بأدلة البراءة, والإلقاء بالذنب على الضحية. لكن أدلة البراءة هذه لا تقدم من باب المصادفة. فالتحديث البلشفي, و"اللبرلة " الحالية مؤسسان على رهاب الروس, الذي يغذي طاقتهما الشيطانية. ونظام الأمس ونظام اليوم هما نظاما حرب الأقلية الأهلية ضد الأغلبية, وهذا ما يفسر تقاربهما المعاصر الذي يبدو غامضاً إلى حد كبير.‏

لماذا إذاً بدت للغرب هذه الوشاية الليبرالية بحق الأغلبية الروسية قريبة من الحقيقة؟ أولاً, لأن من مصلحة الغرب اليوم أن يقدم انتصاره في "الحرب الباردة" لا باعتباره تقسيماً إمبريالياً جديداً للعالم, بل باعتباره تفوقاً للمعاصَرة الديمقراطية على قوى السلفية العدوانية المظلمة. وثانيا, لأن الغرب قد شارك في المؤامرة مع مخصخصي ملكيتنا الموظفين, أملاً في أن يحصل مقابل الدعم الذي يقدمه على تساهلات كومبرادورية في قضية إعادة توزيع الأراضي والثروات ما بعد السوفييتية. لقد دس "صبية شيكاغو" في روسيا يدهم في تدبيج تلك الوشاية بحق الشعب السوفييتي, التي أرسلت بمنتهى الإخلاص إلى أمريكا.‏

ما إن أوضحوا للرأي العام كله أن الذهنية القومية والتقاليد الروسية هي العائق الرئيسي أمام إصلاحات السوق حتى صارت "واضحة تماماً" سياسة إقصاء الشعب عن الخصخصة. كان الإصلاحيون سيسرون بتقاسم الملكية مع الشعب لولا أنه, أولاً, غير مستعد للحصول عليها بسبب من مشاعيته وجماعيته المتأصلتين, وثانياً لأن ائتمانه عليها يحمل الكثير من المخاطرة لأنه سيبددها ويذروها بالتطابق التام مع روحه "الفوضوية" القومية. باختصار, لم يقدم الإصلاحيون الحاكمون أنفسهم لا في عملية البناء الاقتصادي ولا في عملية البناء السياسي كديمقراطيين يحترمون سيادة الشعب, بل قدموا ذاتهم كعولميين لا ينظرون إلى هذا الشعب إلا من عليائهم العولمي المتاح لهم وحدهم.‏

وههنا يبدأ القانون المشؤوم يفعل فعله: ما إن يتسلح المحدِّثون بالأفق العولمي الخالص مهملين المستوى القومي حتى تتسم تطبيقاتهم الإصلاحية بغرابات اللاحداثة المنهجية.‏

بم تميَّز, في حقيقة الأمر, ما يسمى "العلاج بالصدمة"؟ إن النظرية التحديثية تعرف مثل هذه الصدمات: والحديث هنا عن الأزمة المستحكمة بالفروع, والحِرَف المتقادمة, وبالأقاليم الخاملة. تتطور نقاط التقدم الأمامية – أشكال الإنتاج المستوعبة للعلوم و"أقطاب النمو" على حساب الهزات الحساسة في "الأطراف" الاقتصادية. هكذا هي تصورات الحداثة الكلاسيكية. لكن ما الذي نملكه بنتيجة الإصرار المذهبي لدى حداثيينا؟‏

كانت سياستهم الرئيسية هي تحديداً نقاط الاختراق ما بعد الصناعي الأمامية التي تكونت سابقاً في روسيا. دُمِّرت بأسرع الوتائر الصناعات العلمية الواسعة, وقلصت مخصصات العلم والثقافة والتعليم. وتميز الجو الذي نشره "الإصلاحيون" في المجتمع الروسي بنوع من التحدي المنهجي الغامض للتنوير.‏

يتطلب التنوير رفع حصة تعليم الشباب في المجتمع وتأخير فترات انخراطهم في الحياة الحرفية؛ أما إصلاحيونا فسعوا إلى سد الطريق الموصل إلى بنية التنوير التحتية أمام الشباب, وعادوا إلى استغلال جهد الأطفال (قانوناً يسمح بذلك ابتداءً من سن الرابعة عشرة), وضيقوا مجال التأهيل النظري العام لصالح ممارسة الحرف. وسارعوا في كل مكان ازدهرت فيه روح الاختبار العلمي التقني, والمطامح التجديدية إلى إخمادها معلنين بطلانها وفاقاً لمعيار الربحية الاقتصادية. إنهم يلصقون بإلحاح بأكثر الأمم قراءةً في العالم ثقافة "الجمل المقتضبة" الأمريكية المستوردة, والبدائية عديمة الحياء, التي تستغل مجال الغرائز الإنسانية. صار أنموذج الراتسيو (العقل) التنويري بكل ما فيه من حب استطلاع سام يخلي المكان لأنموذج أولئك الذين يعيشون على الأفعال المنعكسة البدائية والذين لا يستجيبون إلا للمتعة أو المنفعة الآنيتين.‏

تكوَّن انطباع جاد بأن قراراً قد اتخذ في مكان ما على المستوى العولمي ينص على أن "هذا البلد" غير جدير بإنجازات التنوير السامية, ونصيبه أن يقدم العبيد الرخيصين للسادة من عداد "المليار الذهبي". إنهم يغرسون, عوضاً عن فضاء الحداثة الكبير الواحد, موزاييكاً من الفضاءات المعزولة التي بعضها لا يتعاطى مع بعض؛ وعوضاً عن عموميات التنوير السامية الغطرسات والنزاعات المحلية والعدوانية العامة والشك المستغل من قِبل الزعماء القبليين الحريصين على الصدقات الأجنبية.‏

إنهم, عوضاً عن الاقتصاد المعاصر المنتج, الذي يكوِّن ذخراً مديداً للمستقبل على هيئة دراسات علمية وتقنية مبشرة, يغرسون مراباة جشعة لا تبني شيئاً قط, وتبدد الثروة القومية المكونة من قبل, وتسمم بالإضافة إلى ذلك الجو بروح الفساد. إنهم, باختصار, يغرسون لاحداثة منهجية وعدوانية تبرر هجومها على التنوير معتمدة على توصيات "مدرسة شيكاغو", وتوجيهات صندوق النقد الدولي. وتستخدم في أثناء ذلك معايير الربحية الاقتصادية باعتبارها إجراءاً لذم كل ما هو معد للمستقبل, وكل الاستثمارات في "الرأسمال البشري", لصالح ما هو قادر على جلب الفائدة العاجلة. يتولد شك في أن "قصر نظر السوق" هذا الذي لا يطيق الاستثمارات طويلة الأمد من أجل المستقبل يخفي وراءه نفسية النهّابين المستعدين للهرب, والذين يحتاجون إلى السيولة حالاً, ولا يخفي حسابات ما من أجل غد البلاد.‏

قد يكون الأكثر إثارة للفضول كامناً في أن سلفية اللاحداثة لم تشمل السكان الأصليين, المحكوم عليهم بالسقوط نحو المجتمع ما قبل الصناعي وحدهم, بل شملت أيضاً, كما يظهر, نخبة العولميين المحليين المتحكمين بهذه العملية كلها, والذين يضبطون ساعاتهم على نحو حثيث على التوقيت الغربي.‏

لولا هذه الحقيقة لكان في الإمكان نسب مفارقات العولمة السلفية استثنائياً إلى نوايا معيدي بناء العالم, المقررين من جديد أي الأقاليم على الأرض ينبغي أن تدخل في عداد المتطورة, وأيها ينبغي إرساله نحو الأطراف, حتى لو كان لديها من قبل ذخيرة ما بعد صناعية. لكن قانون التبدل المشؤوم – أي تحول العولمي إلى قبلي, وما فوق الحداثي إلى المتخلف - يبرهن على فاعليته على مثال نخبة العولميين ذاتها.‏

أولئك الناس, الذين يستخفون بغطرسةٍ بالمفاهيم "البدائية" مثل المصلحة الوطنية, والأهداف والأولويات القومية يظهِرون, انطلاقاً من موقف الواقعية العولمية التي لا يراها أحد سواهم, نفسيةَ الطائفة القبلية المنحلة, المنسلخة عن معايير المجتمع الكبير وأخلاقه, والمليئة بالغمز التآمري الدنيء والتي تخضِع "مبادراتها العولمية" كلها للمصالح العشائرية البحتة. يولِّد الانسلاخ عن الأهداف القومية الكبرى حتماً, وخلافاً للخطاب العولمي كله, الأخلاق العشائرية, الرافضة لكل المعايير والأحكام الإنسانية لصالح الأنانية الطائفية.‏

يدهش اليوم الجميع من سقوط الحضارة الغامض, التي بدت عاجزة أمام موجة الإجرام الشاملة. إن أحد تفسيرات هذه الظاهرة هو تدمير القوانين الثقافية القومية الكبرى على يد العولميين, المستعجلين لوضع يدهم على العالم كله. وعندئذ يصيرون هم أنفسهم ضحايا هذا التفكيك: ما إن يختل "وسط الحداثة الذهبي" –الأمم السياسية الواحدة - لصالح الادعاءات العولمية حتى ينشط في الحال شياطين عصر ما قبل التنوير اللدودين – البدايات القبلية والعشائرية والمافيوية الربوية. يفسر الدور المشئوم لليهود في هذه العملية بأنهم, نتيجة انسلاخهم الطبيعي عن بدايات السكان الأصليين القومية, ونتيجة للشك والتوجس الذي يشعرون به نحو الدولتية المتينة, يتميزون بحرص خاص على العولمة. لكن هذه الأسبقية في العولمة تتحول إلى أسبقية في أي نوع من أنواع الانحرافات المافيوية, وغيرها من مظاهر "الأخلاق العشائرية من أجل الأتباع".‏

لقد شوهت أزمة "وسط الحداثة الذهبي" على نحو غامض سِيَر الناس, الذين كان في مقدورهم أن يصيروا في إطار الأفق القومي الكبير السابق شخصيات مرموقة تماماً, وقادرة على خدمة التنوير السامي.‏

لو لم تحل العولمة مع إغراءاتها باستباحة كل شيء حكومي لكان في مقدور بيريزوفسكي(6) أن يترك أثره في الرياضيات. لقد حرفته العولمة بإمكانات مختلفة تماماً – وها نحن نرى أمامنا نصاباً محتالاً ذا ميول مافيوية جلية, ولا يأنف من الأعمال الإجرامية بما فيها تهريب رؤوس الأموال أو الاتصال بالشخصيات الشيشانية المجرمة.‏

في رحاب الفضاء – الزمن القومي الكبير ابتسم أمام تشوبايس(7) مستقبلُ عالمِ اقتصادٍ ومجرِّبٍ رائع؛ أما في الرحاب التي تشابك فيها العولمي بالعشائري فخرجت شخصية تجمع بين المناصب الحكومية و"الكتبية" الإشكالية, التي تخفي وراءها أبسط أنواع الرشوة. ومن هذه الأمثلة اليوم – الآلاف. بمقدار ما "يتعولم" العنصر اليهودي في روسيا (أقصد, طبعاً, القسم الداخل في عداد النخبة الحاكمة اليوم), مبتعداً عن الأهداف الدولتية – القومية الكبرى, يصير في الوقت نفسه إجرامياً على مرأى الأعين مكتسباً الملامح المافيوية. تشمل هذه العملية اليوم فعلياً النخبة الحاكمة كلها في روسيا, ومفاصلها وتنوعاتها كلها. والخصوصية المميزة للمُرَكِّبة اليهودية هي أنها لا تكتفي بالممارسات الشاذة فعلياً, فطباعها وغطرستها تجبرانها على البحث عن شرعنة هذه الممارسات بوسائل التعاليم الجديدة, التي تستخف بمعايير الأخلاق الخجولة القديمة.‏

يتميز العولميون, إضافة إلى ذلك, بالخوف الكبير, الذي يكون طبيعياً عند الانسلاخ عن التقاليد القومية الكبيرة وعند الاعتماد الكلي على ضبابية العالم العولمي. ويتجلى هذا الخوف مرة أخرى أحدُّ ما يتجلى لدى اليهود. معروف ذلك الخوف الذي شعر به "الثوريون الذين لا يلينون" حين أذنبوا وأذنبوا بحق الدولتية الروسية بعد أن حولوا "الحرب الإمبريالية" إلى أهلية. لقد أجبرهم هذا الخوف على أن يستعجلوا بشتى الأشكال الثورة البروليتارية العالمية, التي لن تشطب الحساب كله وحسب, وإنما ستبدأ كما كان متوقعاً بتدمير الغول المقيت – أي الدولتية الروسية. إن العولميين المعاصرين, الذين تسنى لهم ارتكاب عدد لا يقل من الذنوب بحق الدولتية الروسية, قادرون على استعجال حرب عالمية. على كل حال إنهم لا يخجلون من استعجال الأمريكيين في تنفيذ مهمتهم بالتحرك نحو الشرق, ولا يخجلون من أن يروا في تحرك الناتو شرقاً الضمانة الوحيدة للديمقراطية الروسية (ك. بوروفوي, س. كوفاليوف, ف. نوفودفورسكايا وغيرهم).‏

كلما صار العالم أحادي القطب, أي كلما صار خالياً من الأنداد الحقيقيين للسيادة الأمريكية على الكوكب, شعر في روسيا بالأمان "طابور العولمة الخامس", الذي لا يشتكي من المضايقات غير الموجودة أصلاً والتي لا يمكن لها أن توجد اليوم بسبب من الطابع الكومبرادوري للسلطة نفسها, وإنما من عدم وضوح الآفاق أمامه على المدى البعيد في "هذا البلد".‏

في تلك الأثناء لا ينفك مهندسو عالم القطب الواحد الأمريكيون يعرضون قانون التحول ذاته - أي تحول العولمة إلى مركزية أثنية, وتحول عبادة "ما فوق القومي" إلى تشجيع القومية الضيقة. يشجع العولميون الأمريكيون بكل الوسائل روح الانفصالية والتطرف القبلييين في سعيهم إلى تفكيك الدول المستقلة الضخمة باعتبارها حاملة لمبدأ السيادة القومية "المتقادم". فقد دُبِّرت ضد يوغسلافيا, الدولة ذات السيادة, حرب لحماية انفصاليي كوسوفو. ويجري اليوم دعم الانفصاليين والمتطرفين الشيشان ضد روسيا التي لم تفقد بعد تماماً سيادتها. وفي أثناء ذلك لا يشعر العولميون بالقلق من أن "المناضلين من أجل الاستقلال" الذين يحمونهم هم بكل معنى الكلمة منبوذو الحضارة المتسلحون بأشد الممارسات إجراميةً – بدءاً من الاتجار بالمخدرات وحتى الاتجار بالرقيق.‏

صارت إيديولوجية حقوق الإنسان العولمية وأخلاق "مواطنو العالم" متلازمتين تماماً مع شياطين السلفية القبلية المندفعين إلى العلن, مستغلين ضعف البنى القومية - التنظيمية للحداثة الكلاسيكية.‏

(1( - مدرسة شيكاغو هي أحد الاتجاهات المعاصرة في الفكر الاقتصادي. تتبنى مواقف الليبرالية الجديدة, وقد تأسست في أواسط الستينات من القرن العشرين. أبرز ممثليها فريدمان, هايت, سايمونس, ستيغلير. (المترجم).‏

(2( - المدرسة الفرانكفورتية في الفلسفة وعلم الاجتماع الألمانيين, استمرت من الثلاثينات وحتى السبعينات من القرن العشرين في معهد الأبحاث الاجتماعية في فرانكفورت على الماين (منذ عام 1931). أهم ممثلي هذه المدرسة هم هوركهايمر وأدورنو وماركوزه وفروم وهابيرماس. تمتزج في "نظرية المجتمع النقدية" الفلسفية – الاجتماعية طريقة ماركس النقدية في تناول الثقافة البرجوازية مع أفكار الديالكتيك الهيغلي والتحليل النفسي الفرويدي. (المترجم).‏

(3( - تيودور أدورنو (1903 – 1969) فيلسوف وعالم اجتماع وموسيقي ألماني. ممثل المدرسة الفرانكفورتية. تبنى نقد الثقافة والمجتمع ("جدلية التنوير", عام 1948, بالاشتراك مع هوركهايمر), وأفكار "الجدلية السلبية". أنجز أدورنو ومساعدوه في بداية الأربعينيات دراسة "الشخصية المتسلطة" باعتبارها المقدمة الاجتماعية والنفسية للفاشية. إيريكس فروم (1900 -1980) فيلسوف وعالم نفس واجتماع ألماني – أمريكي. الممثل الرئيسي للفرويدية الجديدة. هاجر منذ عام 1933 إلى الولايات المتحدة. استند إلى فكرة التحليل النفسي والوجودية والماركسية, وسعى إلى حلّ تناقضات الوجود الإنساني الأساسية – بين الأنانية والغيرية, وبين الملكية والوجود, وبين "الحرية من" السلبية و"الحرية من أجل" الإيجابية. رأى طريق الخروج من أزمة الحضارة المعاصرة في تكوين "المجتمع الصحي" المؤسس على مبادئ الأخلاق الإنسانية وقيمها السامية, وبإعادة التناغم إلى العلاقة بين الفرد والطبيعة, أهم أعماله "الهروب من الحرية" (1941), "التحليل النفسي والدين" (1950), "ثورة الآمال" (1964). إلزا فرينكل برونسيفيك (1908 – 1958) ارتبطت شهرتها بمساهمتها الكبيرة في العمل الجماعي "الشخصية المتسلطة" وكذلك بتحديدها التجريبي لمفهوم عدم القدرة على احتمال اللاتحديد. (المترجم).‏

( (4 - Adorno T., Frenkel -Brunswik E., Lendinson D. and Sanford R. The Autoritarian Personality. N -4. 1950.‏

وقد أدلى فروم بدلوه في هذا المشروع بكتابيه "الهروب من الحرية" (1941) "والإنسان من أجل نفسه" (1947).‏

(5( - مارتن لوثر (1483 – 1546) – صاحب حركة الإصلاح في ألمانية التي أرسى بدايتها خطابه في فيتينبرغ (1517) الذي تقدم فيه بـ 95 قضية ترفض صكوك الغفران, وترفض العقائد الجامدة الأساسية في الكاثوليكية. مؤسس الحركة اللوثرية. ترجم الإنجيل إلى اللغة الألمانية مؤكداً بذلك على اللغة الألمانية الأدبية العامة. (المترجم).‏

(6( - بوريس بيريزوفسكي ( تولد عام 1946) رجل دولة روسي, عضو مراسل في أكاديمية العلوم الروسية (1991), أخصائي في مجال الرياضيات الحاسوبية. شغل منذ عام 1996 منصب نائب رئيس مجلس الأمن الروسي. من أشهر الأغنياء في روسيا, وكان على علاقة وثيقة بأسرة الرئيس الروسي السابق يلتسين, ثم اضطر إلى مغادرة روسيا بسبب من الخلافات مع الرئيس الحالي فلاديمير بوتين. (المترجم).‏

(7( - أناتولي تشوبايس (تولد عام 1955) رجل دولة روسي. شغل من 1991 وحتى 1994 منصب رئيس لجنة الدولة في روسيا الاتحادية لإدارة ملكية الدولة. ومن 1994 حتى 1996 منصب النائب الأول لرئيس إدارة الرئيس الروسي, ومن 1996 – حتى 1997 منصب نائب رئيس الحكومة. من أشهر شخصيات الحقبة ما بعد السوفييتية في مجال الإصلاحات والاقتصاد الليبرالي (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:43 PM
ـ الخلاص للمختارين أم للجميع؟




لنتجه ختاماً نحو السؤال عن أي مآل قريب يمكن أن تؤول إليه العولمة اليهودية. بغض النظر عن ارتباطها بـ "الرسالة العالمية" الأمريكية فإن الأمر يستحق أن نفصل مصالح اليهود الحقيقية, وأمنهم عن مغامرة عالم القطب الواحد الأمريكية.‏

ينبغي اعتبار كل الذين يراهنون عليها وحدها مقامرين مولعين جداً كي يكون في الإمكان ائتمانهم على مصير الشعب اليهودي. منذ أن بدأ تاريخ هذا الشعب واستمر مضت عدة آلاف من السنين؛ وخلال هذا الوقت تناوب عدد عظيم من أدعياء السيادة على العالم. لكن خيط التاريخ اليهودي لم ينقطع. ومن المحتمل أن المخرج من المأزق العولمي الحالي مرتبط بإعادة تشكيل أنموذج العولمة القياسي ذاته المحفوف اليوم بصدامات لا تنتهي بين العولمي والقومي وبالالتقاء غير المتوقع بين العولمة والمركزية الإثنية وغير ذلك من مظاهر اللاحداثة. إن الخيار اليوم لا يبعث على السرور: إما انتصار حاملي العولمة أحادية القطب, القاسمين العالم إلى جنس السادة القادرين على التكيف والأغلبية المنبوذة غير القابلة للتكيف, مما يعني تحول القسم الأكبر من الكوكب إلى أحياء يهودية محاصرة(غيتو)(1), وإما مقاومة ناجحة من قبل الأغلبية المعبأة من جديد, وملاحقة لا ترحم للعولميين مع كل أعوانهم من السكان الأصليين. وسيعني هذا وذاك ثأر اللاحداثة من الحداثة, وحلول غسق التنوير التام على كوكبنا.‏

تتلخص المشكلة في كيف نبعث عموميات الحداثة السامية ونؤكد من جديد أفق الإنسانية التاريخي الواحد, الذي يشجبه اليوم العولميون وما بعد الحداثويين.‏

يعود العالم إلى السؤال الذي طرح على البشرية مع بزوغ فجر الحقبة المسيحية والذي يمس آفاق الخلاص المقبل: هل الخلاص خلاص الشعب المختار وحده أم خلاص الجميع. يلعب اليوم دور "الشعب المختار" "المليار الذهبي", محتكر الحق بدخول المستقبل ما بعد التصنيعي المنقذ. يدفع مبدأ الشعب المختار السلفي, الذي لا يزال يخيم على الوعي اليهودي, إلى محاولات التآمر الانفصالي مع حملة "العولمة الظافرة" الأمريكيين - من خلف ظهور الشعوب الأخرى.‏

يغامر التاريخ اليهودي ضمن هذا الأفق بالانقطاع. ففي حال نجاح الرسالة العولمية الأمريكية اليهود مهددون بالذوبان في المجتمع الاستهلاكي الأمريكي, الذي تغذيه موارد العالم المحتل كلها. وفي حال الفشل سينتظرهم تسديد حسابات هذه المغامرة المزلزلة للعالم كلها. عموماً, ليست الآفاق واحدة حتى في الحال الأولى. فما إن يتمكن "المركز العالمي" الأمريكي من دور سلطان العالم, حتى يبدأ يهتم بحماية فضاء امتيازاته من غزوات "الأطراف البربرية". سيعطيه التوجه الحالي نحو شَبْكِ العولمة بالمافيا المبررَ المقنع من أجل ذلك.‏

وتبدو من الأهمية بمكان بهذا الخصوص موجة فضائح المافيا الروسية التي اجتاحت أمريكا. هناك لا تُقلِقُ أحداً حقيقة أن غالبية ممثلي هذه المافيا الذين سلطت عليهم الأضواء هم أشخاص ذوو كنى غير روسية. لذلك فإن وفاء الحامي الأمريكي لـ "شركائه" السابقين ومساعديه يحمل طابعاً متقلباً جداً. ما إن يتغير الوضع حتى يتبدل الدعم حالاً إلى لفظ وملاحقات. إن الأفق الأقرب إلى الواقعية هو الوقوع بين مطرقة أمريكا التي تخوض الحرب العالمية بكامل وعيها "الدفاعي" العسكريتاري المتوطد وسندان الأمم المعاد تعبئتها من جديد, والهابّة من أجل مجابهة سادة العالم. تتماثل عولمة اليوم مع الاشتراكية التي سقطت منذ وقت قريب في دغمائية التناول أحادي الشكل والسعي إلى وضع البيض كله في سلة واحدة.‏

تبدو الإستراتيجية التعددية, المرتبطة بتعددية الأشكال واستخدام العديد من البدائل, أفضل بكثير. ينبغي الاعتراف بأن تعددية الأمم العظمى المتشكلة, والتي تكوِّن كل واحدة منها قياس النمو الخاص بها فتدلي بذلك بدلوها في حصالة الإنسانية العولمية, هي الإنجاز الأهم لعصر الحداثة, الذي ينبغي صونه من أجل المستقبل. المدرسة الفعلية للتجربة اليهودية في العالم مرتبطة بالاستيعاب الإبداعي لجملة هذه القياسات ووضع إجراءات التناول المقارن. لا ترتبط خصوصية اليهود الإبداعية المنتجة بطرح أحكام دوغمائية مطلقة جديدة عوضاً عن الفائتة, وهذا ما تدّعيه كما يبدو العولمة الأمريكية المركزية الحالية, وإنما بتحويل المطلق إلى نسبي, وأحادي الشكل إلى متعدد الأشكال, والسكوني إلى دينامي.‏

يحلم اليهود بنهاية الأوديسة التاريخية الطويلة, المرتبطة بالحياة وسط الشعوب الأخرى, وبنهاية الحاجة إلى التطبع الناجمة عن ذلك. إنهم يريدون مواجهة وضعهم كأشخاص على مشارف الثقافات العولمية والجزئية, و"المنسلخة" والمتطبعة في الوقت نفسه بأفق مواطن العالم النهائي - المرتحل غير المرتبط بأي عوائق محلية.‏

ويرغبون, بطبيعة الحال, في أن يكونوا رحل ذوي امتيازات, على العكس من الجماهير المنبوذة والمحرومة من الحقوق, التي تهدد صفوفها بالتكاثر من غير نهاية بسبب من إعادة التقسيم الجيوسياسي العولمي للعالم. يحارب اليهود الوطنية ومتطلبات المسؤولية الوطنية كما حاربوا من قبل سمة الحضرية. لكن محاربة الحضرية كانت محاربة من أجل المساواة؛ أما محاربة الوطنية وضرورة الخضوع للقوانين المدنية المحلية فهي حملة من أجل الامتيازات.‏

يهدِّد هذا الفارقُ بتغيير أفق اليهودية الاجتماعي والسياسي, وتحويلها من حليف للحركات الديمقراطية العظمى من أجل المساواة والعدل إلى عدو مكشوف للجميع. ويبقى معروفاً اتكالها على الحماية والرعاية الأمريكية, إلى درجة يبدو معها من غير المرجح أن يزداد الود نحوها من جانب الشعوب المضطهدة على يد سادة العالم الأمريكيين. إن الرهان المغامر على انتصار الولايات المتحدة الأمريكية "الكامل والنهائي" على العالم كله يهدد بإحباط لم يشهد له التاريخ اليهودي مثيلاً.‏

(1( - الغيتو قسم من المدن كان يخصص لإقامة اليهود الجبرية في الكثير من مدن القرون الوسطى, وقد اختفت هذه الأحياء في النصف الأول من القرن التاسع عشر, ثم أعادها النازيون في الحرب العالمية الثانية, وهي موجودة في بعض الدول المعاصرة مثل غيتو الزنوج أو حي الزنوج في نيويورك. (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:45 PM
الفصل الثالث
العولمة الأمريكية: ـ التحليل السوسيوثقافي للعولمة الأمريكية


لقد ولَّدت أمريكا التي انتقلت إلى لعب دور المنتصر في "الحرب الباردة" جملة من المشاكل الجديدة للعالم كله. ومن بين هذه المشاكل لا تحتل المرتبةَ الأخيرةَ المشكلةُ الفكريةُ المتعلقة بالتراجع الغادر للمنتصر عن المبادئ التي وفرت له الدعم والاعتراف الواسعين. إن جريمة الولايات المتحدة الأمريكية بحق الديمقراطية المعاصرة تكمن في أنها حولتها إلى وسيلة من أجل تحقيق أطماعها الخاصة كدولة عظمى وبذلك حطّت من قدرها. حين كانت تقاومها دولة عظمى تساويها بالقوة كانت تتحدث عن النظام العالمي الجديد, وعن التعددية والمركزية التعددية وعن المشاركة المتساوية في الحلول, وعن المبادئ العمومية للديمقراطية والعدالة. لكن ما إن انهارت منظومة الموانع والتوازنات المرتبطة بالنظام ثنائي القطب, حتى صارت الدولةُ العظمى المرشحة للعب دور الطليعة الديمقراطية العالمية تستعرض على الفور مبدأ قوة الغاب, وتستبيح الضعفاء, معلنة على نحو مكشوف عن ادعاءاتها بالسيادة الكاملة على العالم. لقد سمَّت, من غير أن تشعر بأقل حرج, الفضاء ما بعد السوفييتي كله بما فيه أوكرانيا والقوقاز منطقة مصالح قومية لها.‏

يكتب زبيغنيف بجيزينسكي(1) أحد استراتيجي السيادة الأمريكية العالمية قائلاً: " لم تصر دولةٌ غير أوراسية المدار الرئيسي في العلاقات بين الدول الأوربية أول مرة في التاريخ وحسب, بل صارت الدولة العظمى الأعتى في العالم(2)".‏

لم تتعرض القارة الأوراسية مرة واحدة في التاريخ إلى تحدٍّ بالسيادة العالمية. لكن المحتلين السابقين امتازوا عن المحتلين الجدد بصفتين. أولاً - لم يرتكزوا على المبادئ الديمقراطية, أي لم يضللوا الرأي العام العالمي. وثانياً – كانوا محتلين من أبناء القارة الأصليين, الذين كان عليهم أن يشاركوا في تحمل نفقات النظام الذي أقاموه في القارة وأن يتحملوا مصاعبه. أما في حال الاحتلال الأمريكي للقارة الأوراسية فإننا نتعامل من جهة مع غدر غير مسبوق من دولة لم تنتصر بقوة السلاح, وإنما بقوة الشعارات الديمقراطية التي رمتها جانباً في الحال ما إن أنجز العمل؛ ومن جهة أخرى مع معايير المحتل المزدوجة, الذي لا يعتبر القارة الأوراسية مكان إقامته الذي يستحق الاهتمام بنوعيته, ولا يرى فيه إلا خزان ثروات ومكب نفايات فقط.‏

سيكون على مؤسستنا الليبرالية, التي وجدت, مثلها في ذلك مثل البلاشفة, "العدو الرئيسي" في بلدها, والحليف الرئيسي وراء المحيط, أن تفكر بسؤال لم يناقش حتى الآن نقاشاً عاماً, وهو: أين المفر الآن من "المثالية السياسية" التي خدعت على هذا النحو نخبتنا السياسية سريعة التصديق؟ هل نواجه المثالية الديمقراطية بـ"الواقعية السياسية" - بحقيقة السياسة القاسية المتعلقة بالحقائق الأبدية: القوة هي التي تحكم العالم, والأنانية القومية هي التي تحكم مطامح الدول العظمى, وأن الأفضل الدخول في المفاوضات على أساس الكمون الملهم وليس على أساس الإيمان بالمبادئ, وأن المصالح الأرضية الآثمة تختبئ وراء الشعارات المنمقة؟ كان هذا سيعني أننا نتخلى عن قياس مذهب التقدم لصالح مذهب الشك المحافظ, الذي يرى الأفكار والتصرفات من وراء ستارة "النظام الجديد" قديمةً قدم العالم. يبدو من هذه المواقف غدر أمريكا العظمى, التي خدعت عشاقها الديمقراطيين المغرر بهم, سخافةً لا يمنع من رؤيتها سوى العمى المذهبي لـ "التعاليم العظمى" الجديدة.‏

إن في مثل هذا التناول الكثير من الحقيقة, لكنه, من وجهة نظري, مشوب بالنزعة التخفيضية المعروفة التي تعيد الأحداث الجديدة والسوابق إلى صيغة ثابتة معروفة منذ زمن. أما الأهم فيكمن في أن الأنموذج القياسي "للواقعية السياسية" هذا جبري ويلغي السؤال عن البدائل الممكنة والمحبذة. نجد في مثل هذه الحال أننا نتعامل مع تحدي عظمة متطرفة, لا تستطيع الإنسانية عموماً وروسيا خصوصاً قبوله بسلبية, وبالتالي سيتفاقم في الغالب السؤال عن البدائل في المستقبل القريب.‏

في هذه الحال سيكون علينا, عوضاً عن مناقشة الحقائق الأبدية لسياسة القوة, أن نقوِّم عولمة أمريكا الدولة العظمى باعتبارها أخطر تجربة عالمية, وأن نتأمل في منابع هذه التجربة وأسسها. لذلك, إلى جانب حكمة الشك, التي تمخضت عنها الحقائق المرة عن عدم الكمال على الأرض, أن نتسلح بتصورات تسمح لنا أن نقوِّم عن جدارة ما الذي تدخله في التاريخ المبادرات المرتبطة بتكبر "الإنسان الجديد", الذي يفصِّل العالم وفاقاً لغطرساته.‏

جرى لدينا حتى الآن وصف "الإنسان الجديد" وتقويمه في نطاق الاختبار البلشفي الشمولي. كدنا نصدق أن هذا الاختبار هو مغامرة الزمن الجديد الأخيرة, التي ستسود من بعدها أخيراً الحكمة والعدالة. لقد جعل التحدي العولمي الأمريكي الكثيرين يصحون, وشكّل مقدمة لرسم لوحة أكثر عمومية لـ "روح فاوست(3) ", المتأرجحة بغير انقطاع, والتي تغريها أكثر فأكثر مجازفات "العصر" المزعزعة للعالم. تبين أن المواجهة في شخص الدولتين العظميين المتصارعتين لم تكن بين المجازفة والسلوك الطبيعي, ولا بين الإنسانية واللا إنسانية, وإنما بين نوعين مختلفين من المجازفة التي تتم المراهنة فيها بكل شيء. صارت المجازفة البلشفية العالمية معروفة من البداية إلى النهاية. أما المجازفة العالمية الأمريكية فما زال علينا أن نعيها ونوصِّفها.‏

كان الإحساس بدرجة المجازفة في الفكرة القابعة في أساس الولايات المتحدة الأمريكية ملازماً للآباء المؤسسين للدولة العظمى الجديدة. يكتب أرتور شليزنغر(4): "في الفترة المبكرة من الجمهورية كانت الفكرة الغالبة أن أمريكا هي اختبار يجري خلافاً للتاريخ, ومحفوف بالمخاطرة وإشكالي بنتائجه(5)".‏

وعلى الرغم من أن وعي أمريكا الذاتي ووعي أنصار التجربة الأمريكية في البلدان الأخرى يتغذى اليوم بوهم "النظام الطبيعي", الموروث عن عصر التنوير, فإن التناول الأجدى للتاريخ الأمريكي يتكشف بوساطة نظرية المخاطرة التجديدية. يدور الحديث عن تاريخ بلد ليس له جذور ثقافية – تاريخية عميقة, ويعاني من عقد طفولية واعتداد طفولي بالنفس, وميّال إلى الأنانية الخطرة. لقد امتلك هذا البلد بين يديه اليوم إمكانات لا سابق لها. فهل سيستطيع استعمالها بما يكفي من التعقل, من غير أن يسقط في الخفة المَرضية؟ إن المطالبات الأمريكية الحالية بالعالم أحادي القطب - أي بالسيادة المطلقة على الكوكب – تجبرنا على الشك في هذا الأمر.‏

إن المؤلف في هذا العمل الذي بين أيديكم لا يضع نصب عينيه مسألة تحليل مذهب أمريكا الجيوسياسي الجديد, ومنطق القطبية الأحادية كمنطق. إذ تم بحث هاتين المسألتين في إصدارات أخرى(6).‏

إن مادة التحليل هنا لن تكون الدولة الأمريكية بقدر ما سيكّونها المجتمع الأمريكي الذي ولَّد مرض المسيحيانية العظمى ونزعة السيادة والعسركيتاريا.‏

ليس تحليل العُقد الجيوسياسي, بل التحليل السوسيوثقافي لهذه العقد, التي تمنع استقرار الفكر والطبع الأمريكيين - هذه هي الطريق التي ستفتح آفاقاً جديدة أمام النظرية السياسية المدعوة إلى الكشف عن "نواقص الذاتي" الخاضعة للتصحيح في تركيب العالم العولمي.‏

نضج التحليل السوسيوثقافي الجديد لحال المجتمع الأمريكي والآفاق أمامه بسبب من ادعاءات الولايات المتحدة الأمريكية الجادة برسالتها العولمية في العالم, المرتبطة بإعادة صياغته صياغةً شاملة وفاقاً لأنموذجها. لذلك فإن السؤال عن ماذا تحمل أمريكا حقاً للعالم قد تحول إلى أحد الأسئلة الأساسية المعاصرة. سيدور حديثنا حول عُقَد الوعي السيادي ووعي الدولة العظمى القادر على تعريض البشرية لكارثة لم يسبق لها مثيل وتفوق كل ما سبقها من كوارث. إنها, في المقام الأول, عقدة "الإنسان الجديد" المنسلخ عن العالم القديم. لقد اعتدنا أن ننسب هذه العقدة للبلشفية. لكن المفاتن المريرة للصحوة "ما بعد الليبرالية" تكمن في أنها تسمح برؤية ملامح الشبه المدهش بين المتصارعَيْن على السيادة العالمية. أحدهما اندثر في اللا وجود؛ وعلى العالم الآن أن يمعن التفكير في كيفية التخلص من الآخر, الذي تبين أنه لا يقل "غلواً".‏

تأسست الولايات المتحدة على يد المهاجرين. ولا زالت عقدة الوعي المهاجر تطعن الثقافة السياسية الأمريكية إلى الآن متغذية بموجة الهجرة التالية. لا أحد يترك منزله السابق ببساطة. ولفعل ذلك يحتاج المرء إلى أسس اقتصادية أو سياسية أو فكرية خاصة. الوعي المهاجر مليء بالاستياء من الماضي والحنين إليه والحقد عليه, وهو مليء كذلك بالآمال الخفيفة والتعطش إلى الثأر. هذا الاقتران بين الاستياء أو الحقد على العالم (القارة) القديم المهجور وبين الإيمان بأرض الميعاد الجديدة – هو النمط الأصلي الأهم للوعي الأمريكي.‏

يكتب ليرنير: "إن فلسفة التصور الأمريكي للعالم هي التالية: أمريكا هي العالم الجديد بينما العالم المتبقي كله, ما عدا أمريكا, هو العالم القديم... هذا يضع الأمريكيين في وضع استثنائي باعتبارهم أناساً أوفياء للطبيعة ما يمكن اعتباره مبرراً للتدخل في شؤون العالم, وبالقدر نفسه أساساً لعزل أمريكا عن العالم, المتورط في خلافات ميئوس منها. على هذا النحو يعتبر دورا أمريكا باعتبارها أمةً ناسكةً وباعتبارها أمة محرِّرة دافعين متلازمين في التاريخ الأمريكي وفي الوعي الأمريكي...(7)".‏

وهكذا, فمن جهةٍ الاستياء الحانق من وطن الأجداد المهجور, ومن جهة أخرى الأمل في الحصول على وطن جديد لا يعوق فيه أي نوع من أنواع المضايقات والأوهام السابقة السعيَ إلى النجاح. على هذا النحو لا يتسم الوعي الأمريكي بالانسلاخ البارد عن العالم المتبقي, بل بالمواجهة الجدلية, التي يمكن أن تغذي تارةً سياسة الانعزالية القاسية وتارةً النزعة التدخلية المسيحيانية.‏

خيل أن المهاجرين من الأجيال التالية استطاعوا التخلص من مثل هذه العقد وتمكنوا من تكوين نفسية الشعب المتأصل, الذي يبني علاقاته مع الآخرين بوقار هادئ. لكن العناية الإلهية شاءت أن تجعل من التاريخ الأمريكي سلسلة مستمرة من موجات الهجرة المغذية لعُقد "الإنسان الجديد" غير المتأصِّل, ونفسية الارتداد عن العالم القديم. ليس من قبيل المصادفة أن يشير المحللون إلى أن أكثر الوطنيين الأمريكيين حنقاً هم المهاجرون من الجيلين الأول والثاني. تتغذى هذه الوطنية المهتاجة من جهة بالاستياء الذي لم يفتر بعد من الحياة السابقة ومن الوطن السابق, وبالسعي من جهة أخرى إلى الاعتراف السريع في المكان السابق وإلى استعراض الوفاء. ليس نادراً أن تصير جماعات المهاجرين الجدد تحديداً هي المروجة للعظمة والنزعة العسكرية الأمريكية: ينظرون إلى جبروت أمريكا العالمي كضمانة لهم أن العالم القديم لن يجرؤ على التدخل في مصيرهم ومكانتهم الجديدين.‏

على هذا النحو, تميز تكوين أمريكا منذ بدايته كبلد من العالم الجديد بالمواجهة المانوية مع العالم المتبقي, باعتباره عالماً غارقاً في الآثام. إنه ليس بلداً نشأ إلى جوار بلدان أخرى, وإنما هو عالم جديد مواجه للعالم القديم بكل شيء - هذه هي صيغة الوعي الذاتي الأمريكي.‏

طبعاً, كان ممكناً أن يسير التاريخ في وجهة مغايرة. كان في مقدور الناس الذين تركوا وطنهم القديم أن يحملوا معهم عقدة مشاعر الحنين والذاكرة المضطربة، مما كان سيؤدي إلى تحويل القارة الجديدة إلى محمية ثقافية مصونة من السرقات الإيديولوجية والسياسية.‏

حدث هذا في بعض الأحوال – حدث, مثلاً, للمهاجرين الروس من أتباع الطقوس القديمة(8). لكن الاتجاه الغالب كان مختلفاً ومرتبطاً بثنائيات الطبيعي - الاصطناعي المعروفة. تعتبر ميتافيزيقيا الانسلاخ عن الماضي الثقافي المركِّبَة الضرورية "لنشوء الإثنية" الأمريكية؛ ما كان للأمة الجديدة أن تظهر لو لم تكن المجموعات التي شكلتها مستعدة للانفصال عن ماضيها. لذلك صار التقليل من شأن الإرث الثقافي والذاكرة الثقافية ذاتها العقيدة الفكرية الإلزامية لـ "المجتمع الأمريكي الجديد". صارت أغنى التقاليد الثقافية للبلدان التي انطلق المهاجرون منها عرضة للاستخفاف باعتبارها من المخلفات التي ينبغي على الأمريكي الحقيقي أن يتخلص منها بأسرع ما يمكن.‏

وهكذا فقد أرسي في أساس بناء الدولة الأمريكية رهاب ثقافي غير مزدوج المعنى. إن الرزوح على المستوى الفردي تحت وطأة "العُقَد" الثقافية يعوق المفتش الأمريكي عن النجاح في الوصول إلى أهدافه غير معرض عن الوسائل التي كانت الثقافات "القديمة" ستعتبرها مدانةً.‏

أما على المستوى الجماعي, القومي - الدولتي, فإن هذا الرزوح كان سيشكل ظاهرة ازدواجية المواطنة وكان سيعوق تكوين أمريكيين"مائة بالمائة" وأوفياء من غير قيد أو شرط. في وقت لاحق سيستخدم أنصار السيادة الأمريكية على النطاق العالمي هذا الأسلوب في التدجين تجاه أمريكا على حساب الانفصال عن "الثقافات السابقة", مكونين جيشاً من الأتباع المتحمسين من بين أولئك المستعدين وفاقاً لهذا الأساس أو ذاك للانسلاخ عن ثقافاتهم القومية.‏

على هذا النحو, كما المجتمع المدني الأمريكي المؤمن بأخلاق النجاح الفردي كذلك الدولة الأمريكية, التي استعدت في أثناء حروب القرن العشرين العالمية لتنفيذ "رسالتها العالمية", موبوءة برهاب الثقافة. إن الذاكرة الثقافية على المستوى الفردي تعوق بالقدر نفسه الذي تعوق به الحساسية الأخلاقية استخدام "تقنيات النجاح" التي تَعِد بفاعلية قصوى. منطقياً, تقود الداروينية الاجتماعية الأمريكية بقوانينها حول الاصطفاء الطبيعي وبقاء الأقدر على التكيف إلى محاربة الثقافة التي تحجب "حقيقة" الوضع الطبيعي وتمنع من تقبلها.‏

على المستوى الجماعي (القومي) تقع الذاكرة الثقافية في أمريكا في موقع الشك باعتبارها عائقاً أمام احتواء المهاجرين السابقين وأمام تأقلمهم (وأمريكا كلها مؤلفة منهم في نهاية المطاف). أخيراً, وعلى مستوى الدولة العظمى (أو ما فوق الدولة العظمى) فإن التقليل من قيمة الإرث الثقافي باعتباره من مخلفات التقليدية البغيضة يفرضه برنامج العالم العولمي ذاته باعتباره عالماً أمريكياً مركزياً, أو شبيه بالأمريكي, وهذا مستحيل من غير تقليلٍ حاسم من شأن الثقافات الأخرى باعتبارها ثقافات غير معاصرة, أو غير معاصرة بما يكفي.‏

من هنا تصير مفهومة تلك الطاقة البلشفية, التي شرع يحارب بها أنصار "العالم الجديد" الأمريكي الإرث الثقافي القومي في بلدان "العالم الثاني" السابق وفي الفضاء ما بعد السوفييتي.‏

أستطيع, كوني شخصاً مرتبطاً ارتباطاً حرفياً بالمجتمع السياسي, أن أشهد على ظاهرة مدهشة, هي تحول مدرِّسي الشيوعية العلمية ودعاة نمط الحياة السوفييتي إلى دعاة الثقافة السياسية الأمريكية "الأكثر تقدماً" وإلى دعاة نمط الحياة الأمريكي. لا ينحصر الأمر في انسياق الناس المعتاد, الذين يتبعون بغير اعتراض الإرشادات الجديدة من الأعلى. بل يكمن الأمر أيضاً في التشابه المدهش بين "إنسان البلشفية الجديد" و"إنسان الأمريكانوية الجديد", فهما يتمتعان بوحدة معينة في البنية الذهنية.‏

استولى "الإنسان الجديد" البلشفي على بلد مليء بـ "الأناس القدماء", المثقلين بحِملِ الثقافة والأخلاق القديمتين. كان ينبغي تسريع رحيل الجيل القديم بكافة الوسائل, فمن غير ذلك ما كان في مقدور الحياة الجديدة المليئة بالحماسة البربرية و"الاضطراب" الفكري أن تزدهر في روسيا. لقد خفضت عمليات التطهير الشاملة والجوع والإبادات الجماعية في فترة التحول إلى المجتمع التعاوني وفي معسكرات الاعتقال حجم "الحمل القديم" جسدياً. أضيف إلى هذه الإبادة الجماعية الجسدية إبادة جماعية روحية: لقد حدث إغراق قسري لقارة الثقافة القديمة. أخرج كهنة التعاليم الجديدة إلى النور من بين الإرث السابق كله "الديمقراطيين الثوريين" - على الرغم من "جفافهم" الثقافي وعقمهم - أما ما تبقّى فكان ينبغي أن ينتظم كله على أساس حرفية "التعاليم" المستعارة.‏

وهاهو التاريخ يتكرر أمام أعيننا على نحو مدهش. بات "صبيان شيكاغو" العازمون على إعادة بناء روسيا ما بعد الشيوعية يشتكون مجدداً من الإرث الثقافي, الذي ينبغي أن يخضع لتطهير شامل جديد. تبين أن "أنصار الحرية" راديكاليون أكثر من الشيوعيين, فهم يتهمون هؤلاء الأخيرين بأنهم ظهروا تحديداً على أرض الواقع على شكل تقليديين مستورين حملوا معهم الأساطير الثقافية وأساطير العظمة الروسية القديمة في غلاف جديد. لا يخجل ليبراليونا كذلك من التصريح بأن "الديمقراطية الحقيقية" و"السوق الحقيقية" لن تسودا في روسيا إلا حين يغيب الجيل القديم كله عن المسرح.‏

تتجه السياسة الاجتماعية والاقتصادية الحالية بوضوح نحو مساعدته على الرحيل بأسرع وقت ممكن.‏

ومن جديد تترافق الخصخصة الليبرالية, كما جرى عند التحول البلشفي إلى المجتمع الصناعي والمجتمع التعاوني, بتطهير ثقافي لا سابق له. صارت "الأخلاق" و"الثقافة", مثل "الوطنية" و"الوطن" كلمات بذيئة في الإيديولوجية الجديدة المعادية للذهنية القومية. تكمن خصوصية "الثورة الثقافية" الليبرالية مقارنة بالثورة الثقافية البلشفية في أنه كان على "الإنسان الجديد" - الفاتح والمحطِّم للعالم القديم - حينذاك أن ينتقل من المستقبل الذي سرعان ما سينبغي بناؤه؛ أما الآن فقد تبين أن "الإنسان الجديد" حاضر بكل بهائه وروعته - لقد قدم إلينا من وراء المحيط على هيئة منتصر في "الحرب الباردة".‏

صارت مهمة التلمودية الليبرالية أبسط وأقرب إلى الأرض مقارنةً مع التلمودية الماركسية - اللينينية: فعوضاً عن البحث عن ملامح المجتمع الجديد والإنسان الجديد في نصوص "التعاليم", صار مقدراً رؤيتها الآن بالعين المجردة - في هيئة الأنموذج الأمريكي. هكذا تحولت الطوباوية المذهبية الماركسية إلى "واقعية" خانعة لمقلّدي تجربة ما وراء المحيط. لقد نقل علماء السياسة الخارجون من الشيوعية العلمية, والواضعون نصب أعينهم القطيعة الحاسمة والنهائية مع الماضي اللعين, انبهارهم الإيديولوجي أمام المستقبل المشرق إلى أمريكا.‏

يتطلب النظام السياسي الأمريكي والثقافة السياسية الأمريكية ونمط الحياة الأمريكي, وفاقاً لقوانين "الليبرالية العلمية" بحثاً دؤوباً ودراسة لا تقل دقةً عن نصوص الشيوعية العلمية.‏

فهنا وهناك يتبين أن المستهدف الرئيسي هو "الثقافة القديمة" و"الأخلاق القديمة". لكن مكان المفوض البلشفي بات مشغولاً الآن بالمفوض الأمريكي - ممثل "الليبرالية المحاربة", المفتش بيقظة لا تعرف النوم وبحماسة حانقة عن آثار العقلية القديمة والأخلاق القديمة والمجتث لها.‏

لقد سمي هذا سابقاً نضالاً ضد المخلفات البرجوازية, أما اليوم فيسمى نضالاً ضد مخلفات الشمولية. على هذا النحو, يكمن في أساس "الأسطورة التطهيرية" القديمة والجديدة منطق التبسيط التخفيضي. فمن موقع المفوض البلشفي جرى إرجاع أغنى طبقات الثقافة وأكثرها تنوعاً إلى مركِّبة "البرجوازية" وحدها. لقد وضعت الثقافة القديمة كلها موضع الشك باعتبارها مولدة لابنة الزنا التاريخية المرعبة - البرجوازية. والآن تقع الثقافة كلها موقع الشك باعتبارها مولدة للشمولية.‏

ليس من قبيل المصادفة أن يتحول مؤلَّف "الثقافة المدنية" لـ أ. ألموند وس. فيربا إلى بيان للعملية الثقافية الأمريكية المعاصرة, التي تنشر أنموذجها في العالم كله. تنقسم في هذا المؤلف في واقع الأمر التقاليد الثقافية العالمية كلها إلى قسمين: أمريكي وغير أمريكي. ولم تُستثن من الشكوك بالادعاءات الشمولية إلا الثقافة الأمريكية. أما الثقافات الأخرى فتقوَّم على أنها ثقافات مثقلة بهذا القدر أو ذاك بجراثيم التسلط والشمولية. اختصاراً, وبالتطابق التام مع أحكام التقدم الإيديولوجي المانوية, يُنظر إلى العالم وكأنه سائر من الماضي الشمولي نحو المستقبل الليبرالي الشبيه بالأمريكي. وكما هو مألوف في مثل هذه الأحوال يجري التفريق هنا بين الأعداء اللدودين والمرافقين الإيديولوجيين. يتعرض القسم الأول للإبعاد, ويخضع الآخرون للتصنيف ولانتقاء من يحتمل أن يكون ذا فائدة بينهم.‏

تنسب ثقافات حضارات الشرق العظيمة وروسيا إلى الفئة الأولى - باعتبارها ثقافات معدة للتنسيق النهائي خلال الانتقال الحقبوي من الشمولية إلى الديمقراطية العولمية. في ما يخص الثقافة الأوربية الغربية فإن النظر فيها لا يتم بتقدير قيمتها حق قدرها, وإنما ينظر إليها فقط باعتبارها "عرضية" وانتقالية - في سياق التحول العولمي المشار إليه.‏

فما هو المعيار الذي يسمح بتقويم الجودة الديمقراطية لهذه الثقافة أو تلك وقياس درجتها؟ لدى تحليل البيانات الأحدث لليبرالية الأمريكية نكتشف باستغراب أن المعيار هنا سلبي تماماً. تبين أن مقياس الصلاحية المفيدة للثقافة في المجتمع العولمي القادم هو الفراغ - التحرر من المعايير والدوغمائيات السابقة بما فيها الأخلاقية.‏

(1( - زبيغنيف بجيزينسكي (تولد عام 1928) رجل دولة وعالم اجتماع أمريكي, شغل بين عامي 1977 – 1981 منصب مساعد الرئيس جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي. تقدم عام 1970 بنظرية دخول المجتمع الأمريكي في ما يسمى "المجتمع ما بعد الصناعي". حارب الشيوعية بحدة وهو من مدبري السياسات الأمريكية المتعلقة بحقوق الإنسان (المترجم).‏

(2( - بجيزينسكي. رقعة الشطرنج العظمى. موسكو: العلاقات الدولية, 1988 ص 11.‏

(3( - فاوست هو بطل الأساطير الشعبية الألمانية, وشخصية رئيسية في الأدب والفن العالميين, إنه رمز السعي الإنساني إلى معرفة العالم. وأصل هذه الشخصية هو الدكتور يوهانس فاوست‏

(1480؟ - 1540) الفلكي المتشرد. جرى الحديث أول مرة عن اتحاد فاوست مع الشيطان في الكتاب الشعبي "قصة الدكتور فاوست" (1587). كما اشتهر بالعنوان ذاته مؤلف "فاوست" لغوته, و"الدكتور فاوستوس" لمانّا (المترجم).‏

(4( - أرتور شليزنغر الأصغر (تولد عام 1917) عالم تاريخ أمريكي. ممثل الاتجاه الليبرالي في التاريخ الأمريكي المعاصر. أهم أعماله هي الأعمال المتعلقة بتاريخ الولايات المتحدة في القرنين التاسع عشر والعشرين (المترجم).‏

(5( - أرتور شليزنغر. حلقات التاريخ الأمريكي. موسكو. التقدم. 1992.ص22.‏

(6( - من بين آخرها: بانارين ألكسندر. التنبؤ السياسي العولمي. موسكو. ألغوريتم. 2000. والمؤلف نفسه. البديل الروسي. نيويورك.The Edwin Mellen Press, 1999.‏

(7( - ليرنير م. تطور الحضارة في أمريكا. موسكو. رادوغا. 1992 الجزء الثاني ص 456.‏

(8( - تيار ديني نشأ في روسيا في نهاية القرن السابع عشر بنتيجة الانشقاقات الدينية, وكان يدعو إلى المحافظة على القواعد الكنسية القديمة ومرتكزات الحياة السابقة وقد تعرض أتباع هذا التيار إلى الاضطهاد وهُجّروا إلى خارج روسيا. (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:47 PM
ـ ميتافيزيقيا "الفراغ" باعتبارها أساساً للعولمة الأمريكية





"للفراغ" في الثقافة الأمريكية معنيان يكمل أحدهما الآخر - معنى داخلي وآخر خارجي. يظهر الأمريكي في المعنى الأول كأنموذج لـ "المتوحش" الفولتيري - حامل البداية الطبيعية التي تكون مكبوتة في الثقافات الأخرى بثقل التقاليد والأوهام الأخلاقية. لقد ورثت الثقافة الأمريكية هذا الأنموذج الأصيل عن عصر التنوير, الذي واجه "تشوش" المجتمعات الإقطاعية العضال ببساطة الإنسان الطبيعي وأنانيته العاقلة.‏

استعبد المجتمع ما قبل البرجوازي الفرد طالباً منه الخضوع للطقوس والأساطير الجماعية المختلفة. لقد ارتبطت ثقة المتنورين بأنفسهم وتفاؤلهم بأنتربولوجيتهم - أي بتقويمهم للنظام القديم على أنه نظام مصطنع فرضه على الإنسان مجتمعٌ منظمٌ تنظيماً غير عاقل. أما المجتمع العاقل هنا فلا يبرز كهيكل تأملي معقد, بل كعودة إلى النظام الطبيعي, الذي يكون الإنسان الطبيعي في مركزه. لقد انطبق مفهوم الأناني البرجوازي العاقل, المتخلص من الأوهام التقليدية, التي تطلب منه التضحية, مع مفهوم الإنسان الطبيعي, أما الثورات البرجوازية فبرزت كثأر للنظام الطبيعي من الاصطناع الإقطاعي القسري. لم تستمر هذه الأسطورة التنويرية الساذجة في أي مكان ولم تُصَن بهذا الاندفاع كما حدث في أمريكا.‏

إنها, في الواقع, تنتمي إلى العناصر المكونة للعالم الجديد: لقد شعر المهاجرون المتجهون إلى هنا بأنهم يلعبون دور أولئك الناس "الطبيعيين" أنفسهم, الذين منعتهم من التفتح شبكة عنكبوت التقاليد والقوانين "المصطنعة" المحاكة عبر آلاف السنين. يُنظر إلى القارة الأمريكية على أنها خلاء ثقافي - على أنها فضاء فارغ ينبغي أن يصير مسرح نشاط "الأناس الجدد".‏

لم يكن من المرجح أن ينصت القادمون إلى تحذيرات الإثنوغرافيا التي تعلمنا أن على الكوكب لا توجد فراغات حقيقية (باستثناء القطب الجنوبي) - فعند التحقق يتبين أنها كلها مواطن لهذه الثقافات أو تلك. عند الالتقاء بالسكان الأمريكيين الأصليين لم يتقبلهم القادمون البيض على أنهم سكان القارة الشرعيون, الذين ينبغي الدخول في حوار معهم, بل رأوا فيهم حثالة مزعجة تمنعهم من تشييد بناء الحضارة الجديدة. لم يندرج السكان الأصليون في سياق الحلم "الأمريكي", حيث ينفتح العالم لـ "الإنسان الجديد" مثل "صفحة بيضاء" يخط عليها مشاريعه من غير أن يَعوْقَهُ عائق. لذلك دمِّر الهنود الحمر مع ثقافتهم البدائية ورتِّب فضاء القارة على نحو مطابق لهيئة "الصفحة البيضاء" المنشودة.‏

ارتبطت على هذا النحو الكارثة الديموغرافية والثقافية التي لحقت بالسكان الأصليين بفلسفة الفضاء "الفارغ" الذي لا يلزم "الإنسان الجديد" القادم بأي شيء. في عصر العولمة قد يتخذ مثل هذه الكارثة طابعاً عولمياً. ترتسم اليوم بوضوح متزايد أكثر فأكثر خلف نظرية "المجتمع المفتوح" الليبرالية, التي برزت في الأمس فقط كمرادف للمجتمع الخالي من القيود الشمولية, صورة الأنموذج الأمريكي القديم, المطالب بتنظيف الفضاء العالمي المحيط به كي يستطيع "الإنسان الامريكي الجديد" تنفيذ رسالته الأرضية من غير أن يَعْوقَهُ عائق.‏

إن علاقة أمريكا المعاصرة المنتصرة في "الحرب الباردة" بالثقافات الأخرى تقترب بصراحة متزايدة من تلك العلاقة التي أبداها الفاتحون - القراصنة (الفليبوستيير) تجاه ثقافة الهنود الأمريكيين. يعني شعار "اللبرلة العالمية الشاملة" و"العصر الأمريكي" الحرية التامة للأنموذج الأمريكي في قتل الثقافات القديمة باسم تنصيب اليانكي كإنسان جديد. تتدنى تحت تأثير الليبرالية المركزية الأمريكية مكانة الثقافات القديمة في جميع القارات تدنياً مستمراً وتتعرض جميعها للشك باعتبارها عائقاً أمام الثورة الاقتصادية والسياسية القادمة, التي ستجلبها الطليعة الأمريكية للعالم. إن صراع "الاقتصاد مع اللا اقتصاد " كعيقدة لهذه الثورة يعني انخفاضاً متزايداً في قيمة الإرث الثقافي والقيم الثقافية مقارنةً بالموارد المادية. لقد وجدت الشعوب نفسها - بصفتها حاملة الثقافات القديمة وبحكم المصادفة التاريخية, مالكة لثروات طبيعية لا تحسن التصرف بها بشكل صحيح.‏

وهكذا يكشف نقد الثقافات الأخرى "المعادي للشمولية" عن بواطنه المرتبطة بإعادة توزيع موارد الكوكب لصالح "المنتصر".‏

يرتبط "الحلم الأمريكي", كما هو معروف, ارتباطاً وثيقاً بأنموذج "التخوم المزاحة" – أي أنموذج الحدود الغربية للولايات المتحدة الأمريكية, حيث ظلت هناك أراض لم يشغلها أحد حتى التسعينيات من القرن التاسع عشر. هنا تحديداً كان ممكناً بدء كل شيء من البداية, وإعادة تقرير المصير والتحرر من القيود السابقة. من الدارج اعتبار أن الرأسمالية في مرحلتها الصناعية المتطورة تخضع لأنموذج التطور التكثيفي الذي لا يحتاج إلى اتساع الفضاءات. لكن تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية يدحض هذا. فقد فكر الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية بالمقولات الإمبراطورية منذ أيامهم. "فمع حلول عام 1783 سمى واشنطن الجمهورية المولودة حديثاً "الامبراطورية الصاعدة". ودعا ميديسون أيضاً إلى "توسيع المجال" في العدد العاشر من "فيديراليست"؛ ثم تحدث في العدد الرابع عشر عن "الجمهورية المتوسعة ضمن حدودها" كما "الإمبراطورية الواحدة العظيمة المحترمة المزدهرة(1)".‏

تفرض اليوم معايير "التعاليم العظيمة" الجديدة مماثلة السياسة الاستيلائية بالنظم الشمولية. لكن مثال الولايات المتحدة الأمريكية يقنعنا بعكس ذلك: إنها جمهورية وعت منذ البداية دورها الإمبراطوري باعتبارها "روما جديدة". يعتبر التوسع المساحي شرطاً تفقد من غيره أخلاق الإنجاز الأمريكية أساسها. لم يكن من قبيل المصادفة أن الانتهاء من استيطان الأراضي الخالية على الساحل الغربي قد تزامن مع تحول أمريكا الحاسم إلى الامبريالية, وكان أول عمل تقوم به هو الحرب مع إسبانيا وفرض الوصاية على الفلبين والهاواي وكوبا.‏

حينذاك أُعلِنت سياسة "الأبواب المفتوحة", التي تلزم الدول الأضعف بالانفتاح أمام التوسع التجاري - الاقتصادي الأمريكي. يمكن أن نخمن في سياسة "الأبواب المفتوحة" تلك ملامح مذهب "عالم العولمة" المعاصر, الذي تعتبر مُرَكِّبته الرئيسية اليوم هي نظرية "السيادة الذاتية المحدودة". تخوض الولايات المتحدة الأمريكية على هذا النحو حربها ضد سيادة الدول الأضعف الذاتية منذ ما يقارب المائة عام. ويكون الدعم الإيديولوجي لهذه الحرب على شكل تشويه سمعة الأنظمة الأخرى باعتبارها مستبدة وشمولية وتقليدية - أي, باختصار, ناقصة الأهلية من الناحية الإنسانية.‏

إننا نذكر أن الاتحاد السوفييتي قد علل تدخله في شؤون البلدان الأخرى بمساعدة مذهب الأممية البروليتارية. ليس للبروليتاريا وطن - الحكام البرجوازيون يستغلونها في أماكن إقامتها, - بالتالي, فإن الوطن الحقيقي للبروليتاريا من أي جنسية كانت هو الاتحاد السوفييتي باعتباره دولة بروليتارية عظيمة.‏

المذهب العولمي الأمريكي بالمعنى الاستراتيجي مماثل للسوفييتي. لكن ليس الانتماء الطبقي هنا هو ما يواجه بالوفاء القومي والوطنية, بل طبيعة "الإنسان الطبيعي" ذاتها. "الإنسان الطبيعي" هو ذاته في كل مكان - إنه يجسد أنثروبولوجيا "الأنانية العاقلة" الطبيعية, المواجهة للثقافة القومية والتقاليد التاريخية. وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية الناشئة في مكان فارغ تعتبر نفسها تجسيداً خالصاً لـ "الإنسان الطبيعي", فإنها تصير وطن جميع "الأنانيين العاقلين", أين ما كانوا يعيشون. تعتبر الأنظمة السياسية كلها ما عدا النظام الأمريكي مصطنعة وغير أصيلة, فهي تطلب من مواطنيها إخضاع مصالحهم الفردية للصالح العام وغير ذلك من التضحيات التي تثير قرف "الأناني العاقل". إن أمريكا, بتوجهها إلى "الأنانيين العاقلين", تدعوهم إلى السير في طريق المقاومة الأقل - أي عدم الوقوف في وجه ضغوطها وعدم دعم "الوطنية - القومية " المحلية في دولهم. من هنا تنبع الدعاية ضد الخدمة العسكرية الإلزامية وضد عبادة المصالح القومية وغير ذلك من تجليات "الوعي التقليدي".‏

تفهم أنانية "الإنسان الطبيعي" الطبيعية بمعناها المجازي على أنها عصيان الطبيعة ضد الثقافة وعلى أنها لعبة من أجل التخفيض, تفضي إلى "وضع أكثر ملاءمة".‏

لقد بتنا في روسيا مقتنعين تماماً بأن هذا الوضع الأكثر ملاءمة, أياً كان, مرتبط بثأر "البداية الطبيعية" من البدايتين الثقافية والاجتماعية.‏

تعني عملية أمركة العالم إضعاف الضوابط الحضارية لصالح أشد أنواع الفوضى سفالة, التي بُذل من أجل الحد منها قدر هائل من الجهود الثقافية.‏

ويبرز السؤال: هل يؤمنون في أمريكا حقاً بالإمكانات البناءة لـ "الأنانية العاقلة" التي لا مثيل لها, أم أن الحديث يدور عن تكتيك المعايير المزدوجة: يستفزون عصيان الأنانية الطبيعية في ثقافات الآخرين, ويبقون في الوقت نفسه على حقهم بالحد منها في بلدهم باستخدام معايير الوفاء الوطني؟ إننا نقترب هنا من السؤال عن طبيعة الشمولية الأمريكية وما يميزها عن السوفييتية.‏

(1( - شليزنغر - موسكو. مرجع سابق. ص188‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:50 PM
ـ عقدة النقص الشمولية الأمريكية




استندت الشمولية السوفييتية على أخلاقيات التضحية. إذا كنا سنبحث في علاقات المركز الشمولي بالأطراف في إطار الأنموذج الاشتراكي السوفييتي فإننا سنرى أن الصرامة العقائدية والتضحية تبلغان قيمتيهما العظميين في المركز وتضعفان تدريجاً عند الأطراف.‏

ففي إطار الاتحاد السوفييتي كان الروس هم الإثنية المكونة للدولة - كان مطلوباً منهم أقصى درجات التضحية. لم يقتصر هذا على الحالات الطارئة - الحرب, الحصار, المحل, الجوع, - بل تعداه ليصير مطلباً يومياً. من المعروف في الاتحاد السوفييتي أن من كان في الغالب يلعب دور المتبرع الاقتصادي بالدم هو المناطق الروسية, التي كان مستوى المعيشة فيها أدنى من الكثير من "الأطراف القومية". لقد طال هذا المنطق نفسه علاقات الاتحاد السوفييتي بالدول التابعة أيضاً. ففي دول أوربا الشرقية خفت صرامة التعاليم المذهبية بشكل واضح, مما ترك أثره على حلول وسطية مثل الطابع الاقتصادي المختلط وغياب النمط التعاوني الخالص في القطاع الزراعي, والتعددية الحزبية الضامرة في السياسة, وما شابه ذلك.‏

ربما أثر "قانون التناسب العكسي" هذا بين القرب من المركز الإمبراطوري وانخفاض الحريات والخيرات المتاحة على روسيا المنقادة من قِبل "الديمقراطيين" وجعلها المبادر إلى هدم الاتحاد السوفييتي وأول الخارجين منه بحجة الخلاص من العبء الإمبراطوري.‏

لكننا نلحظ منطقاً مغايراً تماماً في إطار الإمبراطورية الأمريكية. إننا نرى هنا الأنموذج القياسي "للمركز المنعَّم" الذي يعود إلى زمن روما القديمة: يتمتع المواطن الأمريكي, كما كان يتمتع مواطن روما في ذلك الوقت, بحقوق أفضل مقارناً بمواطني الدول التابعة. كذلك الأمر داخل البلاد في ما يخص الإثنية المكوِّنة - إذ تمتع الأنكلوسكسون زمناً طويلاً, حتى برنامج "المجتمع العظيم" لكينيدي وجونسون, بامتيازات معروفة للجميع حتى على المستوى الشكلي.‏

يبرز بهذا الصدد سؤال حاسم: كيف تبرز للعالم المتبقي عملية التحول الديمقراطي والازدهار الداخليين في أمريكا: هل تبرز كلعبة ذات محصلة صفرية, أم ذات محصلة إيجابية, أم ذات محصلة سلبية؟ ألا تقتنى أرباح أمريكا بثمن خسارة الشعوب والقارات الأخرى؟ إن أشكال الإجابة عن هذا السؤال تمس مباشرة وضع تلك التشكيلة الاجتماعية, التي تطابق الولايات المتحدة الأمريكية نفسها بها, والتي تفرضها اليوم بقوة على العالم كله.‏

ولا أعني بالتشكيلة في هذه الحال النظام الاقتصادي الاجتماعي المؤسس على الاستثمارات الخاصة بقدر ما أعني المفهوم الثقافي الأنثروبولوجي, المميِّز للنمط الإنساني الغالب. لقد وضعت أمريكا كل شيء في كفة ميزان واحدة؛ وهذه الكفة هي أخلاق النجاح اللا محدود الفردية. ثمة أمام تحقيق المبادئ الأساسية لهذه الأخلاق التي تجسِّد "الحلم الأمريكي" قيدان.‏

لقد حذَّر من أحدهما منذ زمن طويل المحللون المرهفون أخلاقياً ليس من المعسكر المحافظ وحده بل من المعسكر اليساري أيضاً. يدور الحديث عن القيود الأخلاقية التي ليس في نية الأنانية الفردية اللامحدودة أن تطيق صبراً عليها. ستختار هذه الأنانية من بين الأنموذجين: المجتمع الخاضع للمعايير الأخلاقية, والمجتمع, الذي يسود فيه قانون الغاب - الأنموذج الثاني لزاماً حاكمةً على الحضارة بالاندحار أمام البربرية.‏

أما القيد الثاني فقد أدرِك منذ وقت قريب جداً, وهو مرتبط باكتشاف "حدود النمو" البيئية. تَحرم حدودُ النمو التقدمَ من شرعيةٍ ديمقراطية هامة مرتبطة بأنه مدعو لأن يخدم الجميع. فأمام هذه الحدود المشار إليها ما عاد أنموذج "مجتمع الرفاهية الشاملة" الأمريكي يبرز باعتباره أنموذجاً عمومياً, وإنما, على العكس, بات يبرز باعتباره أنموذجاً استثنائياً. والسؤال هو هل أمريكا مستعدة للتخلي عن فكرتها السوسيوثقافية الأساسية– أي عن "الحلم الأمريكي" بالنجاح اللامحدود الذي ينتظر كل أمريكي في الوقت الذي يتحول فيه هذا الحلم من حلم عمومي ديمقراطي إلى حلم "الشعب المختار"؟‏

يكتب فاللرستاين(1): " بمقدار ما سنبتعد عن المساس بالحقوق داخل الدولة ستتهدد المساواة في الحقوق على المستوى العالمي. ربما ستكف أمريكا أول مرة في التاريخ عن أن تكون نصف مستعبدة ونصف حرة. في ذلك الوقت سيجد العالم المتبقي كله نفسه مقسوماً بشكل أوضح إلى نصفين, حر ومستعبد. إذا كنا بين عامي 1945 و1990, ومن أجل الحفاظ على مستوى دخل عال لعشرة بالمائة, قد اضطررنا إلى تشديد استغلال 50 بالمائة من الآخرين, فتخيلوا ما الذي سنحتاج إليه من أجل الحفاظ على مستوى دخلٍ عالٍ بما فيه الكفاية لـ 90 بالمائة من سكاننا! سيتطلب الأمر استغلالاً أكبر, وسيكون هذا استغلالاً لشعوب "العالم الثالث(2)".‏

وهكذا تكشف لنا "حدود النمو" أمراً غير متوقع قط من وجهة نظر معايير التفكير الليبرالي - الديمقراطي. وهو تحديداً: أن الولايات المتحدة الأمريكية, ولكي تبقى داخل نفسها مفتوحة ديمقراطياً ومجتمعاً مزدهراً مؤكداً توقعات أخلاق النجاح, ستتحول إلى مجتمع إمبريالي احتلالي, مستعد لوضع يده على موارد العالم المتبقي, ولأن يقمع مقاومة هذا الأخير بالقوة. سيعيد هذا تاريخ الغرب إلى أنموذج إمبراطورية روما القديم, التي ما كانت تستطيع تنفيذ وعودها أمام دهمائها وإخماد استيائهم إلا عن طريق الفتوحات الإمبراطورية الجديدة وإعادات تقسيم العالم. لهذا تحديداً صارت نهاية "الحرب الباردة" نقطة انطلاق مشروع امتلاك العالم العولمي عوضاً عن أن تصير أساساً لنزع سلاح أمريكا ورفض أساليب استخدام القوة في السياسة.‏

سنسأل في هذه الحال السؤال التالي: ما التغيرات الداخلية التي سيتعرض لها المجتمع الأمريكي المتحول إلى "مجتمع عسكريتاري مستنفر"؟ إن كل الخطابية الليبرالية - الديمقراطية المعتادة عن الديمقراطية التمثيلية, وفصل السلطات, والتعددية واحترام حقوق الأقلية لا تفعل شيئاً اليوم سوى أنها تخفي هذه الوقائع الجديدة, التي لا تمس الارتقاء الأمريكي الداخلي وحده, بل تمس أيضاً مصير العالم كله الموضوع أمام خيارين: إما أن يستسلم وإما أن يتهيأ للمقاومة.‏

لقد قالت الدعاية الليبرالية المعاصرة ما يكفي وزيادة عن "الكمون الديمقراطي" الأمريكي. وحان الوقت للحديث عن كمونها العسكريتاري العولمي, وعن بواعث هجومها الحالي على العالم وأسسه التي قام عليها تحت راية "القطبية الأحادية".‏

أولاً ـ لم يختف كمون التعصب والحقد العنصري الذي عبئ في وقت ما من أجل تنظيف القارة الأمريكية من ذوي البشرة الحمراء أول الأمر - ومن ثم من أجل الحفاظ على النظام بين الزنوج والأقليات الإثنية المشكوك بها. ويبدو أن هذا الكمون اليوم قد تقرر توجيهه إلى الخارج - لتحقيق رسالة أمريكا العولمية في العالم, "الذي تتلخص مصيبته كلها في أن فيه هذا الكم الكبير من الأجانب", والأدق - هذا الكم من الشعوب "ذات العقلية غير الصحيحة". هذا الأسلوب المتبع في دفع الكمون السوسيوثقافي العدائي نحو الوسط الخارجي عائد إلى الأساليب القديمة جداً في فرض الاستقرار الداخلي على المجتمع الانفعالي التي وصفها الأنثروبولوجيون الثقافيون.‏

ثانياً ـ لا يستطيع "المجتمع المستنفر" أن يسمح لنفسه بترف رد الفعل المنعكس الناقد على الشكوك الداخلية. يفترض قانون باني العالم أحادي القطب إيماناً لا يقبل النقاش بتفوق أمريكا على المجتمعات الأخرى كلها, وبحقها في "تربية" العالم.‏

إن مثل عقدة التفوق وعقدة الرسالة المسيحيانية هذه ليست جديدة في تاريخ أمريكا: إنها ترجع إلى عدد العوامل المكونة لهذه الحضارة الجديدة. كتب جون أدامز(3) عام 1765: "إنني أفكر دوماً باستغراب مشوب بالاحترام باستعمار أمريكا باعتباره بداية مخطط عظيم وباعتباره بداية تحقق نبوءة الله تعالى التي تهدف إلى تنوير القسم المستعبد من الإنسانية وإلى تحريره(4)".‏

وقد قاسم الأدباء الكلاسيكيون الأمريكيون السياسيين الكلاسيكيين حماستهم هذه. كتب جيرمان ميلفيل(5) الصغير: "إننا, نحن الأمريكيين, أناس خاصون, مختارون, إننا إسرائيل زمننا؛ إننا نحمل فلك الحريات للعالم... الله قدَّر والإنسانية تتوقع أن ننجز أمراً عظيماً... ستجد الأمم الباقية نفسها خلفنا في أقرب وقت...(6)".‏

كان من المفيد أن يتذكر أحياناً أولئك الذين يميطون اللثام اليوم بمثل هذا الإلحاح عن عقدة المسيحيانية في الثقافة السياسية الروسية, التي وجدت لها انعكاساً في الصيغة "موسكو - روما الثالثة", أن الادعاءات المسيحيانية لا تعتبر إطلاقاً حكراً على الوعي التقليدي الروسي. ليست المسيحيانية المعاصرة مرتبطة بالذكريات عن القرن الذهبي, بل بعبادة المعاصَرة, التي تخوض "معركتها الأخيرة" مع المخلفات العالمية كلها. لا تبرز العسكريتاريا الأمريكية, خلافاً للعسكريتاريا التقليدية, في هيئة دولتية بقدر ما تظهر في هيئة تجليات يومية للمجتمع الإمبراطوري المدني الذي يذكر في بعض منه بالمجتمع المدني الروماني القديم.‏

تولِّد الغابة الاجتماعية - الداروينية, حيث يخوض باستمرار اللصوص المتحررون من الأوهام الأخلاقية "حرب الجميع ضد الجميع", النفسيةَ المدنيةَ العسكريتارية. وقد بتنا نلحظ اليوم في روسيا مثل إعادة التوزيع هذه للطاقة العسكريتارية من المستوى الحكومي, حيث تجد التعبير المركَّز عنها في الأحكام الاحترافية للطائفة العسكرية والمجموعات القريبة منها, إلى المستوى الأهلي في الحياة اليومية المعسكَرة.‏

كل أولئك الذين صدمتهم بشدة الوحشية العسكرية للدولة الشمولية, باتوا الآن يصطدمون طوال الوقت بهذه الوحشية في الشوارع التي صارت خطرة على الحياة, وفي المؤسسات وفي مجالات الإنتاج - وفي كل مكان ضيق الخناق فيه على البداية الاجتماعية لصالح "حق القوي". ليس من قبيل المصادفة أن يصير رجال المافيات والشرطة الذين يخوضون في ما بينهم حرباً مسلحة مليئة بالقسوة الشخصيات الرئيسية في الفن الشعبي "الديمقراطي" المعاصر.‏

من يلعب في مثل هذا المجتمع دور المارق الرئيسي ومحط الاحتقار العام هو "الضعيف", و"الأخرق", ونصير الأخلاق الاجتماعية القديمة, المرتبطة بتقاليد الرأفة والتعاطف المسيحية. يدين هذا المجتمع بـ "أخلاق السادة" الجديدة, التي تذكر بالمفاهيم النيتشوية المعادية للمسيحية.‏

لكن إذا كان محكوماً مسبقاً على هذه الأخلاق في روسيا بأن تبقى عقيدة الأقلية التي ثرت على نحو مفاجئ, والمستعدة للدفاع بالقوة عن امتيازاتها من عصيان "السواد" الجائع, فإن مشروع "ما فوق الإنسان الجديد" هذا في أمريكا المعاصرة موجه للأغلبية - أي للأمة المغترة بفكرة الشعب المختار.‏

لا مكان بين هذا الشعب, المختار من أجل السيادة العالمية, للمتشكك المتفلسف والشاعر الرومانسي ذي العينين الحزينتين, كما هي الحال في طوباوية أفلاطون الشمولية, الذي طرد الشعراء وكتاب المسرحيات من مدينته الفاضلة. عبادة الجسد الوثنية المنعكسة في الولع العام بالجاز والرياضة؛ التفاؤل الإلزامي؛ منع التعمق الذاتي الداخلي, الذي ينفر من النشاط الخارجي والسعي إلى النجاح؛ التشكيك بالرأفة الاجتماعية وبالسياسة الاجتماعية التي تولد الضعفاء وغير القادرين على التكيف - هذه هي ملامح العسكريتاريا المدنية, التي ازدادت بحدة في المجتمع الأمريكي بعد انقلاب المحافظين الجدد في الثمانينيات.‏

طغت منذ قديم الزمان في أمريكا فكرة جمهورية مرتبطة بـ "ديمقراطية الحرية" وعبادة تحقيق الذات الفردي على الفكرة الديمقراطية المرتبطة بـ "ديمقراطية المساواة" والاهتمام بالضعفاء اجتماعياً. فقد اعتُبِر على الدوام الضعفاء اجتماعياً وغير القادرين على التكيف حثالة مرهقة للمجتمع المستنفر والمؤهل ليكون المختار. إذا كانت الطوباويات القارية الأوربية تعني البناء الجديد الذي سيأخذ الفقراء فيه بالثأر من الأغنياء, فإن الطوباوية الأمريكية أقرب إلى التوجه إلى شعب جديد يلفظ من نفسه في نهاية المطاف المنحوسين كلهم وغير القادرين على التكيف, الذين يشكلون القاعدة الاجتماعية لمذهب رعاية الدولة الأبوية. يستند المذهب الدستوري الأمريكي مثله مثل الثقافة السياسية الأمريكية إلى مسلمات الحق الطبيعي. لكن أفلاطون كان قد صاغ مسلمة هذا الحق بروح العنصرية الداخلية: "القوي يأمر الضعيف, ويقف أعلى من الضعيف" (حوار "غورغي(7)", 483).‏

إن طغيان القوننة الفريسية, التي تحمي حق الملكية باعتباره حق القوي, على روح الغبطة التي تظلل "الفقراء بالروح" كلهم تبعد المجتمعَ الأمريكي بطريقة خاصة عن التقاليد المسيحية. يشبه غير المؤمنين في أمريكا الوثنيين "المبتهجين بالجسد" أكثر مما يشبهون أحرار الفكر والمرتابين؛ أما في ما يخص المؤمنين فإن عقليتهم منجذبة أكثر إلى عصبية العهد القديم وأخلاق الشعب المختار, منها إلى عموميات العهد الجديد التي تفضل الوداعة المسيحية والتوبة على روح الأسبقية والشعب المختار. لقد لحظ هذا بدقة كاتب أمريكا الشعبي المعترف به لرنر: "لقد اكتسب الأمريكيون باعتبارهم قراء للكتاب المقدس العديد من خرافات المجتمع اليهودي القديم, الذي خرجت منه اليهودية والمسيحية(8)".‏

قانون أمريكا الروحي السائد متكون على قاعدة حوار المذهب البروتستانتي (بنسخته الكالفنية في الغالب) مع اليهودية. يشكل هذا "الاتحاد" الروحي بين البروتستانتية واليهودية أساساً لعقدة النقص الوقائية - المحافظة في أمريكا, في الوقت الذي يتغذى فيه المذهب الثالث - الكاثوليكي - أكثر ما يتغذى بروح الإصلاح النقدية (نذكِّر أن الأخوين كينيدي قد تحدرا من أسرة كاثوليكية من المستوطنين الإيرلنديين).‏

بيد أن المهمات الوقائية المحافظة في عصر العالم أحادي القطب, الذي يبدو فيه أن أمريكا تتخلى نهائياً عن العمومية الديمقراطية ومُثُل المستقبل الإنساني الواحد لصالح "المشروع من أجل المختارين" ("المليار الذهبي" بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية), تنحى منحى عسكريتارياً. بقدر ما تحزم أمريكا أمرها على تدمير التراكيب الحضارية الأخرى والسيادات الأخرى محولة فضاءاتها إلى ممالك فقر وفوضى واستباحة, عليها أن تنتظر فيضاً لا مثيل لـه من المهاجرين المغادرين على عجل أوطانهم المحروقة.‏

بذلك سيكون عليها أن تتحول من جهة إلى بلاد محصنة تجاه فيض "البرابرة" اليائسين, وأن تبعث من جهة أخرى الممارسة العنصرية الاصطفائية, الموجهة إلى فصل المعترف بهم مدنياً عن الأشقياء والمنبوذين غير المعترف بهم مدنياً, والذين هيئ لهم مصير العبيد الجدد. يحذر من هذا فاللرستاين المذكور أعلاه: "إذ تجد نفسها (أمريكا - أ. بانارين) غير قادرة على إيقاف فيض المهاجرين, ربما ستشرع تبني سدوداً بين حقوق المواطنين وحقوق أولئك الناس الذين لا يتمتعون بالمواطنة. قد تجد أمريكا نفسها برمشة عين في وضع يكون فيه الـ30 بالمائة, وحتى الـ 50 بالمائة, الأدنى من عمالها مواطنين غير مكتملي الحقوق, بالتالي, سيكونون محرومين من حقوق الانتخاب والحصول على المساعدة الاجتماعية. إن حدث ذلك فسنضطر إلى تحريك عقارب الساعة إلى 150 أو 200 عام إلى الوراء(9)".‏

في مقدورنا هنا أن نسمح لأنفسنا باستخلاص بضع نتائج مسبقة. أن تكون "المساواة الديمقراطية" الاشتراكية ذات النية الحسنة قادرة على خلق الشمولية فهذا ينبع من تجربة "الاشتراكية الواقعية", التي منحَ نقدُها نَفَساً ثانياً للّيبرالية الواهية. لكننا الآن, ومن تجربة العالم أحادي القطب المتكوِّن, صرنا على قناعة بأن "ديمقراطية الحرية" الليبرالية قادرة أيضاً على خلق نسختها الخاصة من الشمولية. تبين عند المراجعة أن ما كنا نعتبره منذ وقت قريب صراعاً بين الديمقراطية والشمولية, ما هو إلا صراع بين نوعين مختلفين من أنواع الشمولية, وبالمناسبة بات يتسلل إلى النفوس أن النوع المنتصر سيكون أشد إثارة للاشمئزاز من النوع المندثر منذ وقت قريب.‏

استعرض أحدهما ملامح التعصب الطبقي الديماسي, ملاحقاً الأقوياء والناجحين, بينما استعرض الآخر ملامح التعصب العنصري الجديد معتمداً التمييز العنصري الاجتماعي والإبادة الجماعية المستورة على هذا النحو أو ذاك, ضد غير القادرين على التكيف كلهم.‏

لقد اعتقدنا طويلاً أن الدارونية الاجتماعية الفاشية وأن العرقية هما انحراف عَرَضي في الحضارة الغربية, مرتبط بعصيان البداية القارية السلفية, المتمثلة بألمانيا, المقدر مسبقاً ضد الأفكار الأساسية الأطلنطية المتجسدة بالعالم الأنكلو أمريكي. يبدو اليوم أن المبدأ الدارويني الاجتماعي لعرق "المختارين" العالمي, المواجه لجمهور "غير المكتملين إنسانياً" المجرم, يترسخ في مركز الأطلنطية الظافرة, الممتلئة بنشوة القطبية الأحادية.‏

تكمن المشكلة في كيفية الهروب من هذا الخيار المكرِب بين "إنسان فيودور دوستويفسكي السري" وبين "محتال نيتشه الأشقر".‏

الشمولية الاقتصادية‏

لننظر الآن في عقدة المركزية الاقتصادية, التي أيدتها من جديد "مدرسة شيكاغو" وعززتها في أمريكا. يعاد في الحياة السياسية اليوم إنتاج الأنموذج ذاته: يجد الحكام المجرمون أدلة البراءة لأنفسهم في أنهم - مناضلون ضد الشمولية, ويفسرون عيوب حكمهم كلها بنفقات هذا الصراع. هكذا سلك فريق يلتسين في روسيا, وكذلك يسلك فريق المنتصرين في "الحرب الباردة" الأمريكي على المسرح العالمي. إن أي نقد لأفعالهم يوضع موضع الريبة على أنه عون للشمولية المهزومة, لكن التي لا زالت خطرة. لذلك ثمة فائدة من تقديم تعريف أعم للشمولية من غير ربطها بالشكل الشيوعي السابق وحده. إن القيام بذلك يعني إحياء المقدرة النقدية على المحاكمة المدفونة بالدعاية الليبرالية والتي إن كانت جيدة فلأنها موجَّهة للمعاصرة بعيوبها كلها عوضاً عن ركل الموتى.‏

وهكذا, ما الملامح التي تكونها بنية العقدة الشمولية؟‏

أولاً - لا تعترف البنية الشمولية بالمعارضة القانونية, مدعية احتكار السلطة واحتكار الحقيقة.‏

ثانياً - إنها تشجب مبدأ فصل السلطة من غير أن تعترف بأية موانع أو توازنات.‏

ثالثاً - تطلب السلطة الشمولية الحماسة من أتباعها, إذ تشعر بعدم الاكتفاء بانصياعهم الميكانيكي. لا تكفيها مراقبة السلوك – إنها ترغب في مراقبة المواطنين طالبة منهم الإيمان المتحمس وغير المشروط.‏

هل يوجد في أمريكا المعاصرة مثل هذه السلطة؟ نعم, المسخ الذي يتمتع بمثل هذه المؤشرات موجود فعلاً, وهو يحكم حكماً تاماً ومن غير منازع. يدور الحديث عن السلطة الاقتصادية.‏

ثمة في الغرب, إضافة إلى التقسيم إلى السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية, المنفذ في العصر الحديث, تقسيم أقدم وأعمق, وهو يمس أنواع الممارسة الاجتماعية الأساسية الثلاثة: الاقتصادي والسياسي والروحي. في دول الشرق القديمة ذات الحكم المطلق برزت الدولة باعتبارها إلهاً سياسياً ومالكاً حصرياً, ووصياً روحياً مستبداً على المجتمع. وقد أحيت البلشفية هذا الأنموذج تحديداً بأشكال متغيرة. كتب ماندلشتام(10) بهذا الخصوص:" يسري في عروق قرننا دم ثقيل هو دم الثقافات الراسخة المغرقة في القِدم - ربما المصرية والأشورية..."‏

لكننا نغامر بأن نصير ضحايا بُكْمٌ للشمولية الجديدة إذا صدقنا أن أسلوب الإنتاج الأسيوي وظاهرة السلطة - الملكية هو الشكل الوحيد الممكن للتماسك الشمولي. يتهدد العالم اليوم خطر الشمولية الجديدة المتغلغلة إلى مسام الحياة الاجتماعية كلها, والتي ستغير كل شيء وتحرفه. لم تحرر الليبرالية المنتصرة في واقع الأمر المجتمع من نكسات السلفية الشمولية الأسيوية, بل حررت السلطة الاقتصادية من الموانع والتوازنات التي كان يفرضها نوعا السلطة الآخرين - السياسي والروحي.‏

إن أولئك الذين دعوا كلهم باسم الحرية الاقتصادية والقيم الليبرالية إلى وضع الدولة الاجتماعية على قدم المساواة مع معوقات البزنس كلها النابعة من الأخلاق والثقافة, قد غذوا بذلك المسخ الشمولي الجديد المستعد لابتلاع المجتمع.‏

يدوس هذا المسخ اليوم كل الأحكام, الإلهية والبشرية, ويسخر من القانون والأخلاق, ويدمر أسس الحضارة ذاتها مبيحاً كل شيء.‏

ما يمنعنا من التعرف على هذا الوحش في الوقت المناسب هو التقاليد الأدبية التي علمتنا أن نرى في المستثمر البرجوازي ذلك البائع المسالم سياسياً, الذي يستحق الشجب لاعتبارات أخلاقية وجمالية, واللارومانسي منهجياً, لكنه خال من الطموح الكبير وحب السلطة. كان من الصعب تَبيّنُ ملامح هذه الشخصية الأنموذجية الشمولية الجديدة في غوبسك(11) الحقير وهو يحفحف بأوراقه النقدية في مكان معزول. لكن القضية كلها في أن برجوازيي العالم القديم كانوا منذ البداية موضوعين في ظروف متوافقة مع مبدأ الموانع والتوازنات. لقد واجهتهم التقاليد الإقطاعية الأرستقراطية القوية, التي ظلت تؤثر روحياً وأدبياً وإن كانت قد فقدت تأثيرها السياسي الذاتي على المجتمع. ثم واجهتهم بعد ذلك التقاليد الشعبية بما فيها "الثقافة الساخرة" الشعبية (ميخائيل باختين(12)), البعيدة عن الحساب التجاري الدقيق. وأخيراً واجهه الإكليروس الجديد للحقبة ما بعد الدينية - أي فئة المثقفين اليساريين التي سلبت لب المجتمع بأساطيرها حول تنظيم العالم.‏

لم يكن يوجد شيء من هذا القبيل في أمريكا. أدرك البرجوازي هنا "فضاءً فارغاً", ورغب في أن ينظمه على هواه بالكامل. كان فرنر زومبارت(13) قد تحدث عن أقنومين للبرجوازي: من جهة تلوح في هذه الشخصية الأنموذجية حسابات التوفير المنهجية, البعيدة عن السجايا الديونيسية ومسرات الحياة الإنسانية, وتلوح فيها من جهة أخرى ملامح المغامر والمقامر المولع والقرصان والمبتز. لقد جرى بين العالمين القديم والجديد ما يشبه التقسيم الثقافي للعمل: فبقي البرجوازي المقتصد في العالم القديم بينما اندفع البرجوازي المغامر إلى ما وراء المحيط, حيث لن يَعْوُقَه أحد في الكشف عن مؤهلاته بكاملها.‏

المواجهة الفكرية والثقافية بين أمريكا وأوربا - هي إلى حد كبير مواجهة النمط البرجوازي المغامر لمنظومة الموانع والتوازنات, التي هددته بالإبعاد السياسي والأخلاقي. لقد كمن سؤال الزمن الجديد الأساسي في هل ستكون سلطة النخبة الاقتصادية الجديدة كلية وشمولية أم سيُقدَّر تلطيفها باسم الأولويات الاجتماعية والثقافية. ينسبون لدينا اليوم للملكية الخاصة والسوق, بمبادرة من "مدرِّسي الديمقراطية" الأمريكيين, ملامح البنية التحتية الماركسية, التي, كما هو معلوم, تحدد بالتمام والكمال طبيعة البنية الفوقية, التي لا تستحق الاهتمام بمفردها.‏

لكن في أوربا معروفٌ منذ زمن طويل وجود تناقض لم يستطع الغرب حله على الرغم من كل شيء بين المجتمع البرجوازي والمجتمع الديمقراطي. يدور الحديث في المقام الأول عن التناقض بين منظومة المؤسسة التسلطية والمنظومة السياسية الديمقراطية. تفترض المنظومة السياسية الديمقراطية سيادةَ الشعب, الذي ينتخب الحكام بحرية ويعزلهم, ويشارك في اتخاذ القرارات الأهم. لكن الشخص في المؤسسة الإمبريالية لا ينتخب القيادة, ولا يشارك, كقاعدة عامة, في القرارات. بكلمات أخرى, الذي انتصر هنا هو احتكار سلطة المالك الاقتصادية. وتقوم التقاليد الليبرالية, التي تشجب شجباً قطعياً تدخل الدولة وغيرها من المرجعيات الجماعية في الحياة الاقتصادية, بحماية هذا الاحتكار حمايةً حثيثة.‏

إن مبدأ عدم التدخل هذا واضح من المكانة التي تتمتع بها "التعاليم العظيمة" الجديدة ("مدرسة شيكاغو"), وهو يجسد انتصار الليبرالية على الشمولية.‏

ولم يفكر أحد بأننا انتقلنا في الواقع من أحد أنواع الشمولية إلى نوع آخر من احتكار السلطة السياسية (الحزبية), إلى احتكار السلطة الاقتصادية من قبل الطغم عديمة الحياء. لو كان إصلاحيونا مستقلين في محاكماتهم, ويقلقهم النضال ضد الشمولية فعلاً لاهتموا بمنظومة الموانع والتوازنات عوضاً عن استبدال احتكار الطغم بالاحتكار الحزبي.‏

إن الدليل الرئيسي اليوم لصالح احتكار السلطة الاقتصادية هو الفاعلية الاقتصادية. يُعتبر احتكار الملكية الخاصة وعدم تدخل المرجعيات الاجتماعية الخارجية (خارج المؤسسة) والداخلية (في المؤسسة نفسها) ضمانةً للسلوك العقلاني اقتصادياً, الموجه نحو تحقيق أعلى ربح ممكن.‏

حتى لو كان الأمر كذلك فعلاً, فمن المستبعد أن يكون سلوكنا حكيماً وعقلانياً إن منحنا حينئذ النخبة الاقتصادية الحق بالسيادة الكاملة. حتى إذا اعترفنا بأن المالك الخاص المتسلط قادر على أن يدفع للعمال أكثر ما يتقاضونه في المؤسسات الحكومية والتعاونية, فلا ينبغي أن نسقط من اعتبارنا معيار نوعية الحياة ("الوجود" النوعي مقابل "الملك" الكمي). إذا كان المالك الخاص المتسلط لا يسمح بمشاركة الشخص في اتخاذ القرارات فإنه بذلك يعلن تحديه للتقاليد الديمقراطية المرتبطة بقيم الحكم الذاتي الإنساني وتحقيق الذات الإنسانية والكرامة الإنسانية. إذا قام أيضاً في أثناء ذلك بطرد المنظمات النسائية والشبابية وغيرها من المنظمات التي تجسد مبدأ الحماية الاجتماعية من المؤسسة فإنه يلغي بهذا وضع المؤسسة باعتبارها تنظيماً اجتماعياً معاصراً رادّاً المجتمع إلى سلفية علاقة العبد بالسيد. إذا لم تختبر الديمقراطية بتجربة الحياة اليومية, المتحولة إلى تسلطية وشمولية, وصارت مقتصرة على منح الصوت للمرشح البعيد كل أربع أو خمس سنوات فإنها ديمقراطية تبعث على الشك.‏

ينبغي أن نقول بوضوح: لقد هبت اليوم من أمريكا تحديداً وغطت العالم ما تسمى موجة المحافظين الجدد المرتبطة بتدمير الموانع والتوازنات الاجتماعية القادرة على تلطيف سلطة الأولغرشية الاقتصادية وعقلنتها وإخضاعها للأهداف الإنسانية والاجتماعية. يقوم "صبيان شيكاغو" بعمليات التطهير والتدمير في كل مكان وبحزم قوميساري, واضعين نصب أعينهم هدف تأمين سلطة الأولغرشية التامة والكاملة, محررين إياها من أي ضغوط سياسية واجتماعية وأخلاقية.‏

لقد تم التوصل في الولايات المتحدة الأمريكية إلى احتكار السلطة الاقتصادية من قبل الأولغرشية في أثناء الحرب الأهلية وانتصار الشمال على الجنوب. تذكرنا نفقات هذا "الانتصار على العبودية" إلى حد كبير بنفقات "الانتصار الروسي المعاصر على الشمولية".‏

لم يكن المنتصر هو أمة جيفرسون وفرانكلين الممتلئة بالالهام والكرامة الديمقراطيين, بل اليانكي النصاب والمحتال وعديم الحياء, المستعد لأن يربط أي معارضة له بمكائد المزارع الجنوبي وبضغط العقلية العبودية. لقد استغل اليانكي - المضارب والنصاب - طاقة الحرب الأهلية بما فيها من كراهية وتعصب لكي يضعف إلى أقصى حد خصومه الاجتماعيين جميعهم ويشهر بهم, ولم يكن بينهم المزارعون الجنوبيون وحدهم.‏

لقد سمح الوضع الذي أفضت إليه الحرب الأهلية بإكساب المفاهيم كلها المرتبطة بوضع الأولغرشية التجارية والصناعية والمالية وصلاحياتها أهمية معنوية ومغزى مانوياً. لولا الحرب الأهلية لما استطاع مُنظّرو الأولغرشية قط الدفاع عن صلاحيات بياعيهم ومدرائهم الماليين, ولما استطاعوا فرضها في العالم الديمقراطي مضفين عليها حمية النضال المقدس ضد الشر. في ظروف الحرب الأهلية وحدها ازدادت فرص النجاح في الصراع على الطابع الاحتكاري الشمولي لسلطة الأولغرشية. وكما يرفضون لدينا من عند الباب أي نقد لنظام يلتسين بكل ما فيه من فساد جارف و سوء استخدام للسلطة معتبرين إياه نقداً شيوعياً, كذلك كان يوضع في أمريكا في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي أي نقد لنظام الأولغرشية موضعَ الشك على أنه عودة "التفكير المزارعي".‏

استطاعت أمريكا أن تُكسِبَ مفهوم الملكية الاعتيادي بمعايير العالم القديم طاقةً وحماسةً ونشوة مانوية. وصل هذا المفهوم إلى روسيا ما بعد الشيوعية بهذا اللباس تحديداً, بعد أن خفض من شأن المفاهيم الأخرى المتعلقة بالأبعاد الاجتماعية والأخلاقية للحياة الاجتماعية.‏

السلطة الاقتصادية والسلطة الروحية.‏

لنتحول الآن إلى مبدأ فصل السلطتين الاقتصادية والروحية, وهو أيضاً من المبادئ المؤسِّسة للثقافة. إذا ما أعلنوا لكم بوضوح أن ذا النفوذ المالي لا يملك الحق بأن ينهبكم اقتصادياً وحسب, وإنما بأن يلعب دور الكاهن المنزه عن الخطأ وحامي المقدسات الروحية فإنكم ستصابون على الأرجح بالذهول والصدمة. بيد أن التجربة المعاصرة في أمركة العالم تشهد بالذات على أن الأولغرشية تدعي لنفسها بوضوح الوظيفة التيوقراطية, طارحةً آراءها القطعية في مجال الأخلاق والثقافة والإيمان. عندئذ يتخذ الخطاب الأولغرشي التسلطي عن أبعاد الوجود الإنساني العليا طابع "لعبة التصغير" البذيئة, وطابع التشهير وتدنيس المقدسات.‏

فمن جهة تبرز هذه النزعة باعتبارها نزعة عفوية مرتبطة بعمليات التحولات التجارية الجنونية في الثقافة. يتم التأكيد على حقوق "الإنسان الاقتصادي" الساعي إلى الربح على حساب أبعاد الوجود العليا, التي صانتها الحضارة دائماً وعلى نحو حثيث من التدنيس.‏

ومن جهة أخرى تضع الليبرالية المدججة بالسلاح, والذائدة عن صلاحيات السلطة الاقتصادية, موضع الشك الثقافة اللاتجارية كلها باعتبارها حاملة لخطيئة التقليدية والأصولية والتسلطية الأصلية.‏

إن تفكيك الدولة الكبيرة مثله كمثل التحلل الأخلاقي الذي أصاب المرجعيات الاجتماعية الأخرى القادرة على ضمان الوضع اللا تجاري للثقافة, يؤدي مباشرة إلى أن يكون المعيار السائد في الثقافة هو الربحية والرواج (بالمعنيين الحرفي والمجازي). تفسَّر ادعاءات البزنس الباطلة بامتلاكه السلطة الروحية في المجتمع بارتكازه إلى صوابية السوق باعتبارها المرجعية الفاصلة بين المفيد وغير المفيد, وبين الضروري وغير الضروري.‏

يمكننا الموافقة على فاعلية اصطفاء السوق في المجال الاقتصادي نفسه. لكنهم يطلبون منا اليوم: الوثوق بالاصطفاء الطبيعي للسوق في كافة المجالات من غير استثناء. إذا كانت السوق تذم قيماً سامية أو أنماط سلوك ما فعلينا أن لا نبكيها, وأن لا نقاومها بل أن نعترف بتسلطها باعتبارها آخر مرجعية. إن التحولات التجارية في الثقافة لا تؤدي فقط إلى اضمحلال مؤسسات ثقافية سامية مثل المسرح والفيلارمونيك والمكتبة الوطنية والجامعة وتلاشيها. إنها ترمز بذاتها إلى ثأر لم يسبق له مثيل في تاريخ الحضارة الإنسانية كله للحديث الشفهي من المكتوب, وللعفوية المتوحشة من الجهود الثقافية.‏

يورد م. لرنر الباحث في الحضارة الأمريكية إحصائية مكربة, تبين انتصار الرواية البوليسية والقصص الفكاهية على التقاليد الأدبية الكبيرة. إن الثقافة التجارية موجهة لأكثر جوانب الوجود الإنساني بدائيةً, إنها تشجع الغريزة بما يتعارض مع العقل والأخلاق. يرى لرنر في روح التلقائية هذه, التي تتصف بها الثقافة الجماهيرية, تعبيراً عفوياً عن الذات لأمة لم تحب إلى النهاية المولعين بالكتب ذوي الرؤوس البيضوية.‏

أظن أن من المهم عند تقويم هذه الظاهرة أن لا نثق بأحكام التلقائية, بل أن ننطلق من افتراض آخر: تخفض السلطة الاقتصادية الراغبة في أن تصير شمولية عمداً كمون المقاومة الوطنية لها قاضيةً على إمكانات تشكيل ردود فعل انعكاسية نقدية أو حماسة أخلاقية عالية. من المتعارف عليه اليوم النظر إلى نقد الثقافة التجارية الجماهيرية الخاضعة كليةً للسوق على أنه تجل من تجليات العقد الأصولية والتقليدية ( كان يجري تقويم هذا من قبل على نحو أخف - كطوباوية رومانسية محافظة). من المهم أن نبين أمام هذا الابتزاز الليبرالي أن هجوم الروح التجارية لا يشكل تحدياً للتقاليد الثقافية الكبرى وحدها بل يشكل أيضاً تحدياً للتنوير ذاته.‏

إن مشروع التنوير الذي أهدته أوربا للعالم لم يكن مرتبطاً قط بتدريب الأشخاص على وظائف اجتماعية مفيدة معينة. تستطيع الثقافة الكبرى - والتنوير هو الذي بنى الثقافة الكبرى - أن تتطور شرط أن تكون قيمها قيِّمة بذاتها, لا أن تحمل طابعاً وظيفياً وخدمياً مسيَّساً. يسري منطق القيمة الذاتية للثقافة هذا في مجال تطور العلم والتعليم والفن.‏

وحدها فرضية القيمة الذاتية البحثية هي التي تسمح بتطوير العلوم الأساسية تطويراً ناجحاً. إن السوق, التي تغار من كل شيء ذي قيمة ذاتية ولا يجلب الربح اللحظي, ليست قادرة إلا على تشجيع الدراسات والإعدادات التطبيقية, التي تترجم بسرعة إلى لغة التكنولوجيا. سيفقد العلم الخاضع لهذه المعايير مخزون المفاهيم التأسيسية وسيحرم من تحليق الإلهام الإبداعي متحولاً إلى خادم للحاجات الآنية. يملي التنوير صيغةً مغايرةً لتطور العلوم: نمو الأبحاث الأساسية > نمو الدراسات التطبيقية.‏

يسري مفعول أمثال هذه المتراجحة في مجال التعليم: نمو المعارف العامة ذات الاستخدام العمومي> نمو المعارف الوظيفية المتخصصة.‏

يبرز "إنسان التنوير" مقارناً مع "الإنسان الاقتصادي" المعاصر الغارق في دوامة المردود والمنفعة كرومانسي, لكن يتبين أن هذه الرومانسية أكثر إنتاجية بالمعنى الثقافي, من براغماتية السوق. يهدد سقوط مشروع التنوير مع عبادته للأفكار التأسيسية الكبرى الحضارةَ المعاصرةَ بالركود الشامل – إنه يهددها بإصدار جديد لنمط الإنتاج الآسيوي الثابت, ويهدد النخب المعاصرة بالتحول إلى مندرينات(14) من الطراز الصيني القديم, تضع الأنظمة وتصدر التعليمات لكنها غير قادرة على تحريض الإبداعات الجديدة الكبرى وفتح الآفاق الجديدة.‏

إن "الإنسان الاقتصادي" بشكله الأكثر تطوراً مما هو عليه في روسيا, قادر على استمالة المواهب وتنظيم تسرب العقول مغرياً إياها برواتب كبيرة. لكن الجو الذي ينشره اليوم في المجتمع يعيق نمو المواهب المحلي في التربة الوطنية المعنية. من المفيد بهذا الصدد التنبيه إلى ما يلي: من أين ستستورد أمريكا مواهب جديدة إذا تكلل مشروع الأمركة الشاملة بالنجاح فعلاً واحتفلت الشمولية الاقتصادية مع ما تحمله من تعصب تجاه أنواع الدوافع الأخْرى كلها بنصرها على خصومها؟‏

"الإنسان الاقتصادي" اليوم مستعد لأن يخصي الثقافة القومية ومستعد لأن يعيب على نحو حثيث كل ما يمكن أن يرى فيه الإلهام غير التجاري وشجاعة الاكتفاء الذاتي. إنه مستعد لاستئصال ثقافة الأشكال القيِّمة بذاتها والاستعاضة عنها في كل مكان بالثقافة التطبيقية الوظيفية, التي تذكر باستمرار بالمنفعة والمردود. مثل هذه الثقافة غير قادرة على إنجاب العمالقة. ليس من قبيل المصادفة أن الرواية الأمريكية, التي كانت مع بداية القرن تروي عن العمالقة, بما فيهم العمالقة في مجال الاستثمار (انظر رواية تيودور درايزر(15) التي تحمل العنوان نفسه ), صارت تصف الآن بدقة اجتماعية متناهية الباعة في المخازن ومدراء الأعمال.‏

مَنْ مدير الأعمال؟ هو بالمعنى العام الوكيل الذي يخضع هذا الشكل أو ذاك من النشاط الاجتماعي لعملية إنتاج الربح. بكلمات أخرى, مدير الأعمال هو الممثل المخول للسلطة الاقتصادية في صراعها ضد مخلفات النظرة غير التجارية للعالم وسوابقها. وظيفته هي بتر كل ما هو غير وظيفي ولا يبشر بمردود ومهما كانت المبررات التي يعلن بها عن ذاته. يلاحق مدير الأعمال الدوافع في الثقافة كلها باعتبارها مثيرة للريبة وغير شرعية, ما عدا الاقتصادية منها, ويلعب دور الواعظ الذي يدعو الجمهور إلى التفرق إذا لم تفح رائحة الفائدة.‏

اليوم, حين تعلن السلطة الاقتصادية ووكلاؤها - أي مدراء أعمالها الموجودين في كل مكان, عن ادعائها بالسيادة التامة والكاملة, يحين وقت التفكير بالموانع والتوازنات. ليس ثمة شعب واحد ولا ثقافة واحدة قادرة على العيش إذا كان الدافع السائد والمطلب الملح هو الربح.‏

لقد عشنا جميعاً حتى هذه اللحظة في ظروف ثقافة متعددة الأنماط, حيث كان يتمَّم مطلب الفاعلية والمنفعة السوقية ويصحَّح على هذا النحو أو ذاك بمطالب أخرى مرتبطة بأبعاد أخرى من وجودنا. لقد أعلن "الإنسان الاقتصادي" اليوم عن ذاته كشمولي لا يعترف بالحقوق الشرعية للآخرين, ذوي الدوافع والأهداف المختلفة. إنه ينظر إلى هؤلاء الأخيرين باعتبارهم غير عقلانيين وينبغي استئصالهم. لكن يوجد, كما أشار إلى ذلك بإلحاح ضروري ماكس ويبر, إلى جانب العقلانية البراغماتية "وفاقاً للهدف" عقلانية النمط القيمي. إنها أيضاً تلجم عفويتنا الشهوانية وادعاءاتنا, لكنها لا تفعل ذلك باسم انتصار الحسبة الاقتصادية والربحية, وإنما باسم انتصار القيم السامية الجديرة بالحماية. إذا صدقنا أنثروبولوجيا التنوير التي تعرفنا على تراتبية الاحساس والفهم والعقل, فإن علينا نسب العقلانية "وفاقاٌ للهدف" إلى مجال الفهم الواقع في مرتبة أدنى من مرتبة عموميات العقل السامية.‏

العقلانية الاقتصادية المركزية اليوم مستعدة على ما يبدو لطرد الشعراء والأنبياء نهائياً من المدينة - الدولة المعاصرة. إنها بهذا الصدد تماثل شمولية النمط الآخر الأقدم طرازاً. وكم يبدو مدهشاً ذلك التطابق اليوم بين الخطاب الشمولي عن الأخلاق والثقافة باعتبارهما ملجأً للمتذمرين المثقفين, وخطاب "الإنسان الاقتصادي" المعاصر عنهما بقدر لا يقل احتقاراً.‏

وفي الختام لا يبقى إلا أن نشير إلى القدرات التوسعية العولمية الكامنة للسلطة الاقتصادية. تتمنى كل سلطة شمولية الانتشار تكثيفياً - سادةً قنوات تأثير أنواع السلطة الأخرى, وتوسعياً مالئة فضاء الكرة الأرضية. إنها لا تطيق الخصوم لا في الداخل وحسب, وإنما في الخارج أيضاً, وتعتبر أي منابع لأي حل بديل خطراً عليها.‏

العولمة الأمريكية هي هذه السلطة الاقتصادية (سلطة الأولغرشية المالية بالدرجة الأولى), التي تستهدف كبرياء الكوكب.‏

(1( - إيمانويل فاللرستاين (ولد عام 1930) مفكر أمريكي, مؤسس نظرية التحليل المنظوماتي العالمي, واحد من زعماء الراديكالية اليسارية المعاصرة في علم الاجتماع, وتجمع نظريته بين التناولات الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية للارتقاء الاجتماعي (المترجم).‏

(2( - فاللرستاين. أمريكا والعالم: اليوم وأمس وغداً // سفابودنايا ميسل. 1995. العدد 4. ص 75.‏

(3( - جون أدامز(1735 - 1826) رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الثاني بين عامي 1797 - 1801. شارك في الحرب من أجل استقلال أمريكا الشمالية بين عامي 1775 - 1783 (المترجم).‏

(4( - مقتبس من: لرنر. تطور الحضارة في أمريكا. الجزء 2. ص 428.‏

(5( - جيرمان ميلفيل (1819 -1891) كاتب رومانسي أمريكي. كتب قصصاً من حياته عن البحر, شكلت خلفيتها فكرة عدم فساد السكان الأصليين بالحضارة ("أومو", 1847), وكانت له أعمال أخرى ذات طابع فلسفي ونفسي, وكتب الشعر. (المترجم).‏

(6( - مقتبس من: شليزنغر. مرجع سابق. ص 31.‏

(7( - غورغي (قرابة 480 ق. م. - قرابة 380 ق. م.) سفسطائي إغريقي. تقدم في مؤلفه "حول الطبيعة أو حول ما هو غير موجود" بثلاث قضايا: لا وجود لأي شيء؛ لو وجد شيء ما لكان غير قابل للمعرفة؛ لو وجد شيء ما معروف لكان غير قابل للتعبير عنه. (المترجم).‏

(8( - لرنر, مرجع سابق, الجزء 2 - ص 199.‏

(9( - فاللرستاين. مرجع سابق. ص 76.‏

(10( - أوسيب ماندلشتام (1891 -1938) شاعر روسي. شعره مشبع بالأنماط والمواضيع التاريخية الثقافية, وبالقلق المأساوي على موت الثقافة. أهم أعماله سلسلة "دفاتر فارونيجية" (نشر عام 1966) وكتاب "حديث عن دانتي" (نشر عام 1967). (المترجم).‏

(11( - غوبسك هو مراب وبطل رواية الكاتب الفرنسي الكبير بلزاك, التي تحمل اسم غوبسك أيضاً (المترجم).‏

(12( - ميخائيل باختين (1895 -1975) رجل أدب روسي, منظر في الفن, له أعمال نظرية تاريخية في الأدب الملحمي والرواية واللغة وصيرورة الأشكال الفنية وتبدلها. درس الثقافة الشعبية الساخرة في القرون الوسطى وغير ذلك (المترجم).‏

(13( - فرنر زومبارت (1863 - 1941) اقتصادي ومؤرخ وعالم اجتماع وفيلسوف ألماني. تأثر في البداية بأفكار كارل ماركس, ثم وقف في ما بعد ضد الماركسية. ربط تطور الرأسمالية بالكشف عن "روح الرأسمالية" (السعي إلى الربح الذي اعتبره من صفات الإنسان). أحد واضعي نظرية "الرأسمالية المنظَّمة". (المترجم).‏

(14( - مندرين هي تسمية أوربية تطلق على كبار الموظفين في الصين الإقطاعية القديمة (المترجم).‏

(15( - تيودور درايزر (1871 -1945) كاتب أمريكي. من أعماله رواية "الأخت كيري" (1900), "العبقري" (1915) التي تتحدث عن سلطة المال القاتلة على الفن, ورواية "المأساة الأمريكية" (1925) التي تتحدث عن فقر شاب سعى بأي ثمن إلى تحقيق "الحلم الأمريكي" بالنجاح الاجتماعي. مزج بين مبدأي الواقعية والطبيعية (الناتورالية) في الإبداع. (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:52 PM
ـ الثورة الثقافية العولمية




أين تكمن خصوصيات إستراتيجيتها؟ إنها مرتبطة بمفهوم السلعة باعتبارها معياراً عمومياً شاملاً لكل شيء. أولاً, يدور الحديث حول إكساب ظواهر الحياة والثقافة كلها حرفياً شكلاً سلعياً, وهذا معناه, شكلاً مغترَباً, من أشكال القيمة التبادلية. حتى هذه اللحظة كانت الثقافات ثنوية: فقد احتوت إلى جانب ما يباع ويشترى في السوق على صندوق متاح للقيم المخصصة للاستخدام الشخصي والجماعي. يعتبر الحب والإلهام والحقيقة والجمال في كل ثقافة سليمة قيماً غير معدة للبيع. كذلك لم تكن للبيع القيم الجماعية المجرَّبة: اللغة الأم وأرض الأجداد المقدسة, والأراضي القومية والمصالح الوطنية والواجب الوطني والعسكري.‏

أما السلطة الاقتصادية الدولية, المتمثلة اليوم بسلطة الدولار, فتنظر بغيرة مرضية إلى كل هذه القيم غير المعدة للبيع والمتاحة للجميع. وما دامت هذه القيم موجودة ستشعر هذه السلطة بأنها محدودة وغير مكتملة: حيث يوجد أناس لا يمكن شراؤهم تنتظرها المفاجآت والمطبات غير السارة. إن النقد الحالي "ما بعد الحداثوي" للقيم الأبدية التي لا تفنى قد يقدر حق قدره في ضوء غطرسة السلطة الاقتصادية العالمية, المملوءة عزماً على القضاء على "آخر" بؤر المقاومة. ما دام كل شيء على الأرض لم يتحول إلى سلعة لها ثمنها ومعروضة للبيع, لا يمكن أن تعتبر السلطة الاقتصادية شاملةً - تامة وتطال كل شيء. لهذا السبب تعتبر الليبرالية السائدة كلَّ ما ليس له وضع السلعة, وما ليس له قيمة تبادلية معترف بها, من مخلفات التقليدية. يتم تصوُّر ختام الحداثة على أنه ختام عملية تحول القيم القديمة إلى سلعة عادية, لها بائعها ولها شاريها.‏

بكلمات أخرى, تشعر السلطة الاقتصادية بنفسها كاملة السيادة حيث هو محددٌ بدقة لمن ينبغي أن تدفع وكم ستدفع لقاء أي قرارات أو أفعال نافعة لها.‏

إن الإستراتيجية الأمريكية المعاصرة الهادفة إلى احتلال العالم مرتبطة تحديداً بمنطق السلطة الاقتصادية هذا. وما دام المفكرون الوطنيون والزعماء والقادة السياسيون يناهضون أمريكا فإن العالم يبدو غير عقلاني ومخالفاً للحساب ومليئاً بالمفاجآت.‏

لكن حين يزاح أولئك الأشخاص المُشار إليهم من قِبل مالكي البضائع, الذين يبيعون فكرهم وحنكتهم, وقدرتهم على التأثير على مسار المفاوضات أو مسار المعارك, فإن العالم يتخذ على الفور هيئة السوق المألوفة ويصير متوقعاً وخاضعاً للسيطرة. تقاس السلطة في مثل هكذا عالم بكمية الدولارات المخصصة للرشوة. في هذا العالم وحده يصير مالكو الكمية الأكبر من النقود أصحاب السلطة الأكبر آلياً. من هنا يتضح أن أول خطوة على طريق بناء عالم القطب الواحد هو التشهير العالمي بالقيم غير الاقتصادية - التنظيف الشامل للثقافة من الجيوب القيمية المواجهة لتوسع البداية التبادلية.‏

يدور الحديث عن الثورة الثقافية العولمية الجديدة, المرتبطة بتدمير المقدسات القومية. الخطوة الثانية هي خصخصة الكمون القومي من قبل النخب الحاكمة المتحولة إلى مالكته المحتكرة له باعتباره سلعة.‏

تكمن مفارقة أمريكا الديمقراطية, التي تخوض هجومها العولمي, في أنها تنبذ على نحو منهجي مفهوم سيادة الشعب السياسية الأساسي للديمقراطية. يتلخص الأمر في أنه أين ما وجدت مثل هذه السيادة فإن المصالح القومية لا يمكن أن تكون, وفاقا لتعريفها, مادة للبيع والشراء. ولكي يتم ذلك على النخب الحاكمة أن تخصخص هذه السيادة, لتحصل على الحرية الكاملة والابتعاد عن الرقابة على تصرفاتها في السياسة الدولية. ينبغي أن تصير المصلحة القومية سلعة, أن تصير النخبة الحاكمة مالكتها غير المقيدة بأية وثائق أوامرية من جهة الأمة.‏

ينبغي إلى جانب ذلك أن يتم تأمين شرط تقني محدد هو الفضاء التمويلي العالمي الواحد, المرتكز إلى عملة دولية واحدة. في مثل هذا الفضاء وحده تستطيع النخب الحاكمة المختلفة أن تبيع بضاعتها الخاصة – أي مصالحها القومية من غير معوقات, حاصلة بالمقابل على المكافأة النقدية المستحقة.‏

إذا وُجد في مثل هذا الفضاء أيضاً زعماء سياسيون غير مستعدين لاعتبار المصالح القومية سلعة معدة للتبادل فستجند ضدهم آلة التشهير المهولة, التي تسهل لاحقاً استخدام التقنيات العسكرية السياسية الأشد قسوة.‏

يصير في هذا السياق مفهوماً الهجوم غير المسبوق على زعماء قوميين مثل رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو أو رئيس يوغسلافيا سلوبودان ميلوسوفيتش. لقد برزا كمخلين بـ "قانون القيمة" وكممثلين للثقافة السياسية ما قبل الاقتصادية, المخرجة للمصالح القومية من نطاق التبادل المالي. إنهما لم يوجها التحدي بذلك إلى أمريكا شخصياً وحسب - بل وجها التحدي لـ "الإنسان الاقتصادي" باعتباره أنموذجاً سوسيوثقافياً سائداً, يجوب العالم حاملاً رسالة جديدة. تتلخص هذه الرسالة في جعل جميع القيم السابقة غير المغترَبة وغير القابلة للبيع والشراء قيماً غير مغتربة وقابلة للتبادل. إن هذا يمس القيم غير المغتربة بفضل وضعها الروحي وكذلك القيم غير المغتربة بفضل وضعها الطبيعي الجغرافي.‏

ما دامت القيم غير المغتربة موجودة في مكانها فإن السلطة العولمية غير ممكنة. ووحده إدخال هذه القيم في دورة البيع والشراء العالمية يؤمن لأولئك الذين ركزوا في أيديهم أموال العالم السلطة التامة فعلياً على العالم.‏

لتحليل "الإنسان الاقتصادي" باعتباره أنموذجاً سوسيوثقافياً ينبغي علينا أن نتمتع بالحدس الملائم - أي بحدس السلطة. كان يُنظر في أكثر الأحيان من قبل إلى "الإنسان الاقتصادي" على أنه أنموذج برجوازي صغير عادي "لا يهتم بالسياسة". ووحده الأفق المقترب لانتهاء عملية اغتراب القيم كلها وانتهاء ترجمتها إلى لغة التبادل قد سرَّع في فضح هذا الأنموذج لذاته بوصفه أنموذجاً شمولياً جديداً لا تزيد الأنموذجات الشمولية السابقة مقارنة به على أن تكون أكثر من تلميذة له.‏

يتلخص الأمر في أن "الإنسان الاقتصادي", الذي أعطى لكل ما هو غير مغترب حتى الآن وغير قابل للتبادل مكافئه المالي المناسب, هو وحده الذي يقضي على تعددية أشكال السلطة تماماً كما يقضي على تعددية المراكز العالمية لصالح شكل واحد ومركز واحد. إن "الإنسان الاقتصادي" ينفض العالم من جديد من أسفله حتى أعلاه, مبرزاً فيه منطلقاً واحداً وجوهراً مطلقاً واحداً -‏

هو النقود. يدور الحديث في كل مكان - بدءاً من المداولات البرلمانية حول بيع الأراضي وشرائها وحتى المداولات الجيوسياسية حول إعادة تقسيم العالم - عن الأمر ذاته: تحويل السلطة المالية, أو على نحو أدق, سلطة الأولغرشية المالية العالمية, إلى سلطة شاملة.‏

هاكم ما يكتبه بهذا الصدد واحد من أنصار المشروع الليبرالي الجديد: "... يفترض المشروع الليبرالي إزالة تامة لكافة القيود على حق ملكية الأرض. يمكن للأرض أن تباع وتشترى على نطاق غير محدود, ويمكن لها أن تؤجر وتخضع لأي نوع من أنواع الاستخدام بما في ذلك الاستخدام السيئ. إنها تصير سلعة مطلقة مثلها كمثل أي سلعة أخرى... ينعكس نمطا العلاقة بالأرض باعتبارهما ملكية في علاقة "الليبرالي" وفي علاقة "المحافظ" بها بوصفها مساحة"(1).‏

يشكل الارتباط بأرض الوطن في حقيقة الأمر عقبة أمام السلطة العولمية الاقتصادية (المالية) من جهة السلطات الأخرى الأكثر تقليديةً. تبين أن للمشروع الليبرالي, الهادف إلى تحويل الوطنيين السابقين إلى "مواطني عالم" لا يعرفون وطناً, ثمن لم يشك الكثيرون إلى الآن في وجوده. هذا الثمن هو إبعاد كافة الدوافع الإنسانية المعروفة حتى الآن من قبل الدوافع الاقتصادية.‏

وحده المحرض العولمي أحادي البعد هو الذي يبني مجتمع "مواطني العالم" العولمي. إن عملية التجرد عن الحدود القومية والتقاليد والمقدسات تتطابق مع التجرد عن كافة النوعيات الثقافية لصالح الكم التبادلي المقاس بالنقود, ويهيئ لنا هذا التجرد سلطة عولمية جديدة.‏

"لا تفترض النظرة الليبرالية - الديمقراطية من حيث المبدأ وجود جيوسياسة. إنها موجهة نحو الفرد الإنساني المتجرد باعتباره حاملاً لحقوق وحريات معينة؛ الدولة هي نتاج اتفاق الأفراد المتجردين, ولجسدها المحدد (أرضها) طابع عشوائي. لهذا فإن التوسع الليبرالي لا يعرف حدوداً لأن كمون التعميم لا يعرف حدوداً. إنه ينتهي منطقياً حين يخضع كل شيء للتجريد. من هنا ينتج الارتباط المنطقي بين الإيديولوجية الليبرالية - الديمقراطية ومذهب العولمة... يفترض التوضع الجيوسياسي التقليدي وجود عدة مراكز في العالم مختلفة نوعياً ويمكن أن تتصارع في ما بينها... هذا هو شكل العالم متعدد الأقطاب. أما التوضع العولمي فيفترض مركزاً واحداً, أو على نحو أدق, انتفاء وجود مركز بمعنى المركز"(2).‏

إن أمامنا اعترافاً ثميناً بأن السلطة الجديدة المولودة أمام أعيننا, والمؤسسة على قاعدة التجرد عن كل ما هو متميز نوعاً وأصيل, هي سلطة شمولية - أي لا تعترف بأية قيود مساحية وغير مساحية, وترفض رفضاً مباشراً قيم المركزية التعددية الديمقراطية.‏

لماذا إذن تشجع الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحال السيادة الإثنية في العالم غير الغربي كله؟ ألا يتناقض هذا مع قانون التجريد والنمطية الواحدة المشار إليه, والذي يقودنا إلى سلطة شمولية من نوع جديد؟‏

عند التدقيق يتبين عدم وجود تناقضات هنا. إن انقسام الفضاءات الكبرى السابقة هو شكل معروف لنا من أشكال خصخصة السلطة - الملكية, وتعميم علاقات البيع والشراء. لقد كانت المصالح الجماعية في التكوينات الدولتية ما فوق الإثنية الكبرى محمية من البيع والشراء, وخارج مجال التبادل. ويعني تكوين عدة سيادات إثنية مكان الدول الكبرى الواحدة ذات السيادة إرسال كل ما لم يكن من قبل قابلاً للتبادل أو قابلاً للبيع - أي المصالح القومية, إلى السوق. لكن من أجل هذا الأمر ليس مطلوباً من النخب الحاكمة الجديدة أن تتحرر من سلطة المراكز "الإمبراطورية" السابقة فقط, وإنما مطلوب منها أيضاً أن تتحرر قدر الإمكان من الرقابة من قبل مواطنيها الخاصين, وأن تبرز بصفتها موردة حرة فعلية للسلعة الخاصة المطلوبة في سوق العولمة.‏

هذه السلعة هي المصالح القومية, المرتبطة بالتحكم بالثروات الخاصة والأرض والعلاقات الدولية وما شابه ذلك. تحصل النخب الوطنية ( والأدق في مثل هذه الحال أن نقول - اللاوطنية) على إمكان الانتساب إلى طائفة النخبة العالمية المالية, المتمتعة بكافة الإمكانات التي تقدمها العولمة ما إن تتحول إلى بائعة للسلعة الإستراتيجية الأهم - الأراضي والموارد الوطنية. يشهد التاريخ على أن شراء ذمم قادة القبائل القادرين على تهديد الإمبراطورية قد اختبر في روما القديمة وفي بيزنطة.‏

يختلف الوضع الحالي عن الأوضاع السابقة بميزتين:‏

أولاً - لم يكن يوجد حينذاك شكل موحد عام للقيمة التبادلية. كان في مقدور المركز الإمبراطوري والأطراف القبلية أن تدخل أو لا تدخل في علاقة بيع المصالح الجيوسياسية أو شرائها - ارتبط كل شيء بالوضع التاريخي المحدد. لا بل كانت مادة البيع ذاتها تتبدل من حال إلى حال. أما اليوم فالعلاقات بين مانح الرشوة الإمبراطوري الموحد ومستلمي الرشوة القبليين منتظِمة بنزعة الانتقال من تعددية السلطات العالمية إلى السلطة المالية العولمية ومن تعددية النخب إلى النخبة المالية العالمية الواحدة. والولايات المتحدة الأمريكية لم تصر مركز العالم إلا لأنها تمكنت من لعب دور مركز العالم المالي ومصدر العملة الموحدة العالمية. (ليس من قبيل المصادفة أنها تشعر بمثل هذه الغيرة من ظهور عملات منافسة مثل اليورو الأوربي والين الياباني). لقد نظمت الولايات المتحدة الأمريكية, بتنظيمها الفضاء المالي العالمي الموحد باعتباره فضاءً للسلطة العولمية, السوق ذاتها, حيث النخب المحلية تبيع المصالح القومية. لا يتم في هذه السوق تبادل سوى العملة الموحدة, ولا يسود إلا الزبون الموحد - الدولة العظمى بانية عالم القطب الواحد.‏

ثانياً ـ لا تخضع عملية "التحول إلى السيادة" القبلية اليوم إلى قوانين نشوء الإثنيات, بل لاتجاهين اثنين ملازمين للعولمة:‏

1 - تحول علاقات البيع والشراء إلى علاقات شاملة وسائدة.‏

2 - انسلاخ النخب المحلية عن شعوبها وخضوعها للسلطة المالية العالمية.‏

(1( - إيونين ل. غ. الجيوسياسة المحافظة والعولمة التقدمية // البحوث الاجتماعية. 1998 عدد 10 ص 37‏

(2( - إيونين ل. غ. المرجع ذاته. ص 40 - 41.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 04:54 PM
ـ مشاريع الخصخصة الشاملة وأحابيلها




ننتقل هنا إلى مشكلة جديدة تمس التهديد بإبعاد الشعب باعتباره ذاتاً مستقلة في التاريخ وصاحبة سيادة. من غير إضعاف عالمي لمادة تاريخية, كالشعب, ومن غير تفتيتها, يستحيل الوصول لا إلى خضوع النخب الوطنية السابقة للسلطة المالية العولمية, ولا لجعل علاقات البيع والشراء شاملة بإخضاع كافة مجالات الوجود الاجتماعي وكافة ظواهر النشاط الإنساني لها.‏

فما الذي يوطد هذه المادة؟ إن أساسها هو وحدة الأرض (مكان التطور), والتاريخ الذي يكون منبع الذاكرة الثقافية الجماعية ومنظومة القيم المعيارية, التي تلعب دور الموجه للسلوك الجماعي والفردي. وتعبر عن هذا كله اللغةُ, التي تجعل باستمرار هذه الوحدات الثلاث حيويةً في وعي الشعب المعني.‏

الفكرة التقدمية المضفية أهمية فائقة على المستجدات العقلانية ميالة لتحديث مفهوم "الشعب" ناسبةً إليه تحولات شكلانية مجردة. في واقع الأمر حتى الانقلابات الأعظم في الزمن الحديث المرتبطة بثورات الحداثة الاقتصادية والسياسية لم تزعزع مادة كالشعب. لم تلغ لا منظومة الملكية الخاصة ولا نشوء التشكيلات ما فوق الإثنية المسماة أمما سياسية مكان الوحدات الإثنية قانونَ الوحدات الثلاث المكونة لتماثل الشعب الجماعي.‏

نستطيع في هذا السياق أن نقدر تحدي العولمة حق قدره: من المتوقع أن تظهر أول مرة في التاريخ مكان التماثل الجماعي لذوات التاريخ الكبرى, المتمثلة بالشعوب, ذراتٌ اجتماعية مبعثرة - أي "مواطنو عالم" مرتحلين بحثاً عن النجاح. إنهم غير مقيدين بشيء, ولا يوجد لديهم قيم سامية ولا مقدسات جماعية - توجد مصالح فردية تحرضهم على أن يكوِّنوا تارةً صلات اجتماعية مؤقتة, وتارةً قطعها تبعاً لحال السوق المتغيرة.‏

يدور الحديث عن شيء أكبر من الملكية الخاصة الكلاسيكية. لقد بقيت لدى الجماعات المسماة أمما سياسية, إضافة إلى مؤسسة الملكية الخاصة, التي تجعل الناس بعضهم يواجه بعض, مؤسسات أخرى مسؤولة عن وحدة مخزون الشعب الذي لا يتجزأ.‏

حين يتحدثون عن فضاء الأمة الاقتصادي والسياسي - الحقوقي والتعليمي - الإعلامي الواحد فإنهم يقصدون عموميات ما غير مجتزأة, تشكل بكليتها بنية التطور القومي التحتية والمجرى الرئيسي لمصير الشعب. والعولمة المعاصرة تتطاول أول مرة في تاريخ البشرية على أسس المصير الجماعي هذه وعلى التماثل, وتفترض القيام بخصخصة شاملة تستبعد حتى طرح السؤال نفسه عن الفكرة القومية والمصالح القومية والأولويات والأمن وما شابهها.‏

في الوقت ذاته لم تبق, عموماً, شكوك لدى أحد في أن "علية" المجتمع و"سواده" غير متساويين سلفاً أمام عملية الخصخصة هذه. فالمخصخِصون الشاملون لا للثروات الاقتصادية وحدها وإنما للجغرافية منها والاجتماعية والثقافية هي النخب السلطوية؛ وتذرير الشعب المتحول إلى جمهور منتشر ومحروم من البدايات الموطدة له ضروري لا من أجل أن يشترك هذا الشعب في ملحمة النهب الشامل المشوقة, بل لكي لا يبدي أي مقاومة.‏

أعلن بطلان مفعول إجراءات ومعايير فصل الممتلكات القومية غير المغتربة عن ما يمكن أن يخضع للخصخصة وما يمكن الاتجار به. علينا في أثناء ذلك أن لا نسقط من اعتبارنا ما ظل إلى الآن غير واضح للمخصخصين المحليين. تعني أمركة العالم الشاملة المرافقة لصيرورة المجتمع العولمي المفتوح أن مشاريع الخصخصة الشاملة الوطنية ما هي إلا مرحلة انتقالية مؤقتة. إنهم لا يجعلون النخب الحاكمة في العالم غير الغربي ملاكاً خاصين لثروات الأمم المادية وغير المادية إلا لكي يستطيعوا باعتبارهم ملاكاً غير خاضعين للمساءلة أمام أحد بيع أملاكهم لصاحب العالم الفعلي, الذي لديه ما يدفعه. طبعاً, لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تشتري ثروات الكوكب بالسعر الحقيقي مضروباً بجهد عديد الشعوب الكبير. بالتالي تفترض العولمة القيام بلعبة التخفيض التي تضم مرحلتين.‏

في المرحلة الأولى تشتري النخب المحلية الجشعة الممتلكات الوطنية بأبخس الأسعار - لا بقيمتها الحقيقية, وإنما بقيمة "متفق عليها" مرتبطة بالتكافل والتضامن مع الزعامات الكومبرادورية. ففي روسيا, وتحت راية خصخصة الملكية الشعبية العامة, "بيع" ما قيمته تريليون دولار وثروات طبيعية غير مقدرة الثمن بما لا يزيد على 5 مليارات دولار(1).‏

في المرحلة الثانية يشتري مالك الدولار الرئيسي في العالم من تلك "الزعامات" نفسها الثروات الوطنية المجزأة ومبخوسة القيمة بسعر ليس سعر سوق بقدر ما هو سعر سياسي مرتبط بضمانات الأمن وغيرها من الضمانات السرية.‏

مفهوم لماذا يجري البيع بين الأمَّة والمخصخصين الحاكمين في شروط غير متساوية و"خارج السوق": فالسلطة لا تستطيع إلا أن تتحول إلى امتياز, وكلما كانت السلطة بعيدةً عن الرقابة كانت الامتيازات أوسع. لكن البيع التالي بين المالكين المحدثين من السكان الأصليين و"المشتري" الرئيسي لثروات الكوكب يتم في ظروف غير متساوية بالقدر نفسه. يتلخص الأمر في أن الشروط التي يُخلُّ بها خلال عملية العولمة هي ليست شروط الوجود الطبيعي للشعوب وحدها وإنما شروط الوجود الطبيعي للنخب الوطنية أيضاً وشروط تأديتها الطبيعية لوظائفها. لقد خرجت اليوم بنية السلطة التحتية كلها, وخرج نفوذها وقدرتها على اتخاذ القرارات الفعلية لا الشكلية, وحصانتها الإعلامية وحصتها من السمعة وغير ذلك من علامات "الاشتراك" في السلطة من تحت السيطرة الوطنية وباتت تنظم من قبل مراكز السلطة العولمية.‏

في مثل هذه الظروف لا يمكن سلفاً "للتبادل البضاعي" بين المراكز المذكورة والنخب الكومبرادورية المحلية, التي لا تشعر بدعم حقيقي من الأسفل, أن يجري وفاقاً لقوانين السوق التنافسية الطبيعية. ثمة هنا جانب يملي سعره وشروطه والجانب الآخر مجبر على القبول. على هذا النحو يتبين أن ما يسمى مجتمعاً عولمياً مفتوحاً (مستباحاً) هو في الواقع منظومة نزع ملكية, تؤمن نقل الثروات القومية المستباحة ومبخوسة القيمة إلى أيدي أولئك الذين لا يتحكمون بالتدفقات الدولارية وحدها, وإنما ببنية الحضارة التحتية المعاصرة كلها.‏

يكمن الأمر الأهم هنا في فهم الصلة الوثيقة بين "الإصلاحات" المحلية التي تسلم الممتلكات القومية إلى أيدي المخصخصين الحاكمين و"الإصلاح" العولمي, الذي يضمن النقل التالي لهذه الخيرات إلى أيدي أصحاب العالم الفعليين.‏

آلية هذه الصلة شفافة بما فيه الكفاية. كلما كانت الخصخصة الوطنية أوقح وملكية الأولغرشية المحدثة أقل قانونيةً قلت لدى هذه الأولغرشية أسس الوثوق بمواطنيها والاعتماد على وفائهم. لكن الخوف من شعبها يجبرها على البحث عن الضمانات في الخارج, وعلى اللجوء إلى استخدام كافة الوسائل لإرضاء من يستطيعون تقديم ضمانات الأمن لها والاعتراف بها - أي قبولها في عداد نخبة "مواطني العالم". لذلك ينتج أنه كلما كان تقويم الملكية الوطنية التي انتزعها المخصخصون من شعوبهم أقل عدلاً ازداد بخس قيمة هذه الملكية في سوق العولمة, حيث "المشتري" الرئيسي هو الدولة العظمى المنتصرة. ببساطة, تصرَّف الثروات المنهوبة, كقاعدة عامة, بسعر بخس.‏

ليس من قبيل المصادفة اليوم أن تشن في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من بلدان الغرب حملة لفضح "المافيا الروسية". تقتضي منفعة الأمريكيين وشركائهم الإعلان عن أن الثروات المخصخصة من قبل التحالف الكومبرادوري في روسيا غير قانونية. وبذلك تفقد هذه الثروات قيمتها آلياً في سوق العولمة. في مثل هذه الظروف تواجه المخصخصين الروس مسألة غير بسيطة: كيف يمكن الحؤول دون نقل الثروات لاحقاً إلى مالكي النظام العولمي العالمي - أصحاب العالم أحادي القطب, وفي الوقت نفسه عدم التطاول على حصيلة الخصخصة الوظيفية - الإجرامية؟ بكلمات أخرى: هل يمكن تدعيم حصيلة المرحلة الأولى من الخصخصة – أي المرحلة الوطنية, وتجنب المرحلة الثانية, التي تنساب فيها انسياباً طبيعياً الثروات المنتزعة من الأمة, والمتحولة إلى ثروات "منقولة" - مغتربة وقابلة للتبادل - إلى أيدي الزبون الأغنى والأكثر نفوذاً؟‏

يفترض حل هذه المسألة رفض فكرة المجتمع العولمي المفتوح لا بل يفترض أيضاً إعادة "الستار الحديدي" بهذا الشكل أو ذاك.‏

أليس هذا هو التوجه المحسوس اليوم في روسيا بعد انتخابات كانون الأول من عام 1999؟ سيكون على الحكام الجدد في روسيا ما بعد اليلتسنية أن يحلوا التناقض الناشئ في المرحلة السابقة. لقد خُصخِص أكثر من نصف الملكية القومية من قبل سلك ضباط الـ ك ج ب السابق, لكن في أثناء ذلك كان يمثل روسيا على المسرح الدولي إلى حد معين أتباع المجتمع العولمي المفتوح. ووفاقاً لقانون هذا المجتمع محكوم على الملكية المخصخصة أن تقع عاجلاً أم آجلاً في أيدي أصحاب العالم أحادي القطب - أي القابضين على كافة أنواع "الضمانات الحضارية" التي يشعر مخصخصونا غير الشرعيين, المنسلخين عن شعبهم, بأنهم بأمس الحاجة إليها.‏

تخطو النخبة الروسية الخطوات الأولى الهادفة لتطويق هذه العملية. المنطق هنا بسيط: إذا كان القسم الأكبر من الملكية المخصخصة يعود لموظفي الأجهزة الأمنية فبالتالي ينبغي أن تكون السلطة السياسية العليا ممثلة بهم أيضاً بالاسم. في هذا تحديداً تتلخص "ظاهرة بوتين". لكن في حقيقة الأمر الأصعب هنا لم يأت بعد.‏

لتطويق انسياب الملكية المخصخصة إلى أيدي أسياد العالم القابعين وراء المحيط تطويقاً مضموناً إلى حد ما لا ينبغي فقط تقوية موقف روسيا في التجارة مع أمريكا, بل ينبغي تقوية مواقف المخصخصين غير الشرعية داخل البلاد بالحصول على أدلة البراءة في نظر الشعب. من غير دعم الشعب بوصفه ذاتاً جماعية مؤثرة تأثيراً فاعلاً يستحيل بناء دولة قوية, ومن غير دولة قوية يستحيل تطويق آليات المجتمع العولمي المفتوح التي تحتم مسبقاً إعادة توزيع الملكية على النطاق العولمي. من غير الاعتماد على الشعب تصير الحظوظ الأكبر للانتساب إلى النخبة المالية الدولية من نصيب ذوي الأصول الغريبة الذين يُقبَلون في هذه الأوساط بشكل أفضل لعدم الشك في إصابتهم بالوطنية و"عقد النقص الإمبراطورية". لكن حتى هؤلاء أيضاً, كما يدل مثال بوريس بيريزوفسكي, قد يتعرضون للاستخفاف كمنبوذين من الأوساط العولمية إذا لم تكن وراء ظهورهم "مجموعة ضغط" كالدولة القوية والمهيبة. بالتالي سيكون محتماً على الشعب - الذي وقع كما يبدو الطلاق بينه وبين العلية الليبرالية إلى الأبد - أن يعيد تقرير مصيره ويفكر من جديد في وضعه.‏

على المدى البعيد لا تشكل النخب الكومبرادورية, على الرغم من استحالة التكهن بسلوكها, مشكلة حقيقية لـ "أصحاب العالم" الأمريكيين, وإنما الشعوب. وينبغي أن نقول إن لدى "التقنيين" الأمريكيين إستراتيجيتهم المرتبطة بتحويل الشعوب إلى حشود مشتتة وطيعة. هذه الإستراتيجية هي مذهب السلوكية (behaviourism)(2).‏

(1( - دوبوفسكي س. هل يستبدل الركود بالنمو؟// نيزافيسيمايا غازيتا. 18/2/2000.‏

(2( - أحد اتجاهات علم النفس الأمريكي, نشأ في العشرينات من القرن الماضي, وألغى مفاهيم مثل الوعي والتفكير. يعتبر مذهب السلوكية أن مادة علم النفس هي السلوك, أي ردود الفعل الفزيولوجية على المحرضات. (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 05:10 PM
ـ نظرية التبادل باعتبارها عقيدة نمط الحياة





لم يصغ المذهب السلوكي لوحة العالم الأمريكية وحسب, بل اعتبِر أيضاً أساس الممارسات الاجتماعية والسياسية الخاصة بالمجتمع الأمريكي. هذه هي الحادثة النادرة التي تتطابق فيها المبادئ والإستراتيجيات الرسمية مع بداهات جماهير المجتمع التي تمس السلوك اليومي.‏

أتى المذهب السلوكي من علم النفس الاجتماعي - هذا العلم الذي يتمتع في المجتمع الأمريكي بأهمية خاصة, لأن المجتمع المحروم من الجذور والروابط التاريخية الطبيعية مضطر إلى اللجوء إلى تقنيات خاصة تعوض غياب الوحدة العضوية. لقد أعاد المذهب السلوكي الاعتبار العلمي للفردية الأمريكية و"أخلاق النجاح" الأنانية, وبهذا المعنى لعب في المجتمع الأمريكي دوراً لا يقل عن الدور الذي لعبته الشيوعية العلمية في المجتمع السوفييتي. لكن إذا كانت مسلمات الشيوعية العلمية قد اختلفت عن التجربة اليومية, وهذا ما حتمه تآكل الإيديولوجية الشيوعية, فإن مسلمات المذهب السلوكي تأكدت في أغلب الأحيان بالحياة اليومية الأمريكية. أين تكمن هذه المسلمات بالأساس؟‏

1 - لا تعتبر هذه المجموعة أو تلك الخلية الأساسية في المجتمع, بل الفرد المكتفي ذاتياً, والذي تحمل صلاته بمحيطه الاجتماعي طابعاً اتفاقياً شرطياً, وطابعاً متقلباً.‏

يعتبر المذهب السلوكي على هذا النحو المنظومة الاسمية التي تلح على أن الاجتماعي العام (الجماعي) غير موجود واقعياً كأرضية لا تتجزأ, وإنما اسمياً فقط. والواقع الاجتماعي الفعلي هو الأفراد - الذرات, المتفاعلون في ما بينهم على أساس براغماتي ونفعي خالص.‏

2 - يميز الفراغ الموجود بين الناس - الذرات الاجتماعية المعزولة - كلاً منهم من الداخل أيضاً. إن مفهوم العالم الشخصي الداخلي الذي تسلم به كل ثقافة غنية مرفوض هنا رفضاً منهجياً. يُنظر إلى الشخصية على أنها "صندوق أسود" سيبرنيتيكي يجبر المراقب على تسجيل التلازم بين الشهقات ("الحوافز") والزفرات ("ردود الأفعال") وتنظيمه.‏

لا يرفض المذهب السلوكي على هذا النحو الأفكار الجماعية العليا, المتعلقة بتماثل الناس الجماعي وحدها وإنما يرفض أيضاً الأفكار الداخلية الخاصة بخزانة العالم الإنساني الداخلي. وتُنبَذ هذه وتلك باعتبارها لاعقلانية. بالفعل, إذا حددنا العقلانية الاجتماعية بعلاقات التبادل المتكافئ فينبغي علينا عندئذ أن نقوِّم المشاعر الداخلية والقيم الجماعية باعتبارها عقبة أمام إجراءات السوق التقويمية.‏

لقد صاغ المذهب السلوكي على المستوى "البدائي" الأمريكي ما يصوغه أنصار العولمة المعاصرون ليطبَّق على الإنسانية كلها.‏

والمقصود هو إجراءات التحلل الاجتماعي والثقافي وتفكيك الناس, الباترين الجذور القومية والمتحولين إلى ديسبورة "مواطني العالم" الرحل - أي إلى نازحين عديمي المبادئ ولا يعرفون أي قيود ثقافية وأخلاقية وغير ذلك من القيود الداخلية. لا يعرف فرد - ذرة المذهب السلوكي غير القيود الخارجية, المرتبطة بضغط الذرات الأخرى. إنه حين يلعب هذا الدور لا يشعر بنفسه مقيداً لا بالتقاليد ولا بالأخلاق ولا بأي قيم أخرى. إنه يشعر بنفسه مقامراً حراً ومن المهم أن يخدع الآخرين جميعاً.‏

إن نظرية التبادل باعتبارها عقيدة نمط الحياة الأمريكي, الذي لا ينسحب على علاقات الناس الاقتصادية وحدها وإنما يتعداها إلى علاقاتهم كلها بغير استثناء, تفترض أن المجتمع هو عبارة عن فضاء نيوتني فارغ تتحرك الذرات المعزولة فيه متصادمةً تصادماً دورياً.‏

في ما بعد عارضت المدرسة المعرفية البديلة للمذهب السلوكي في علم النفس الاجتماعي مسلمات علم الذرات الاجتماعي ونظرية التبادل الميكانيكي المرتبطة به. لقد برهنت على أن من طباع الناس بتأثير من "طبيعتهم الثقافية" ذاتها اللجوء إلى إجراءات التصنيف الاجتماعي المرتبطة بتكامل الـ "أنا" الفردية والـ "نحن" الجماعية وباختلاف الـ "نحن" عن الـ "هم". يُبرِز المعرفيون السلسلة الفكرية التالية المرتبطة ببناء تماثل المجموعات الراسخ:‏

- المماثلة الاجتماعية الملازمة لانضمام الفرد إلى هذه المجموعة أو تلك؛‏

- المقارنة الاجتماعية (مع المجموعات الأخرى)؛‏

- المفاضلة ما بين المجموعات (رسم الحدود مع المحيط الخارجي, المرموز له بـ "هم")؛‏

- التمييز ما بين المجموعات, المرتبط بوضع علامة أعلى للمجموعة المنتمى إليها مقارنة بمجموعات الآخرين(1).‏

سعى السلوكيون – أي أتباع علم الذرة الاجتماعي, من غير أن يجادلوا في حقيقة تكونات المجموعات ذاتها, إلى إلباسها طابعاً نفعياً براغماتياً مختلقاً. لقد صوروا الأمر على نحو جعلوا فيه "الروبينزونات" الأصلاء, غير المحتاجين داخلياً إلى أحد, يدخلون في تحالفات مؤقتة لأهداف براغماتية وأنانية خالصة.‏

بيد أن المدرسة المعرفية, التي تسلحت بمناهج أخضعت للتنقية بما فيه الكفاية, برهنت خلال مراقباتها وتجاربها العديدة على أن تصنيف المجموعات يحتوي إلى جانب المحرضات ذات الصفة البراغماتية على "بقية" ما غير واضحة إطلاقاً في سياق نظرية التبادل, وتشهد على أن التماثل الجماعي لدى أي إنسان يحمل طابعاً ذاتياً ثميناً.‏

يتلخص تناقض زمننا في أنه على الرغم من قبول اعتراضات المدرسة المعرفية على المذهب السلوكي من قبل المجتمع العلمي, وعلى الرغم من أنها باتت معترفاً بها, إلا أن النظرية الليبرالية الأحدث تحاول ترميم مسلمات علم الذرة الاجتماعي البدائي وإجبارنا على أن نصدق النظرية الروبنزونية البرجوازية العائدة إلى القرن الثامن عشر.‏

كان المذهب المعرفي مركزياً ثقافياً منذ البداية, وقد دل على دور البنى الرمزية في حياة الإنسان. أما المذهب السلوكي فهو مركزي اقتصادي وميال إلى مطابقة الموقف الواقعي مع الأنانية الفردية المنهجية, وهو يستخف بكل ما لا يندرج في إطار مخطط نظرية التبادل معتبراً إياه سلفية لاعقلانيةً.‏

يوحِّد الواقع الرمزي في المذهب المعرفي عالمين لا يقيم لهما المذهب السلوكي وزناً: عالم الأفكار والقيم الجماعية ما فوق الفردي وعالم الشخصيَّة الداخلي غير الراغب في التحول إلى ردِّ الفعل الحيواني المنعكس وفاقاً لبافلوف(2).‏

تظهر عوضاً عن ذات السلوكيين "المستجيبة" و"متبادلة التأثير" ذاتٌ منفعلة, حساسة تجاه القيم و"تفهم علم النفس" - أي تظهر شخصية لها شأن بالثروة الجماعية غير المخصصة, التي تسمى - ثقافة.‏

لماذا إذاً يرفض المجتمع الليبرالي المتنطح إلى لعب دور طليعي, بهذا القدر من المنهجية أموراً واضحة ولا يأنف من الرهاب الثقافي المكشوف؟ إن سبب هذا لا يكمن وحسب في مصالح المخصخصين الجدد الجشعة, المضطرين إلى الانسلاخ عن الثقافة والأخلاق كرمى لما يعتبرونه أثمن - وهو الملكية المكتسبة بأي وسيلة.‏

يتلخص الأمر في أن دنيا الاستثمار الخاص ذاتها هي دنيا ذرات (دنيا اسموية). في بعض الأحوال الأخرى المسموح بها والمتعلقة بالمشاركات الجماعية والقيمية الحتمية وما يرتبط بها من تفضيلات تصير مفاهيم نظرية السوق الأساسية - المنافسة والتبادل المتكافئ, والوسط المتوازن غير المحمي - خارج نطاق الاستخدام. ينسحب هذا الأمر نفسه على الديمقراطية التمثيلية – الشكلية أيضاً. لا تصير الانتخابات الديمقراطية إجراءً لكشف ما لم تكن معرفته ممكنة مسبقاً إلا حين يسلك المواطنون, لا سلوك الأعضاء الأوفياء في المجموعات الاجتماعية, بل سلوك الذرات الحرة التي تغير تفضيلاتها السياسية وفاقاً للمنفعة وتقلبات السوق, وإلا سيكون معروفاً مسبقاً توزع الأصوات الكامن - طبقاً لانتماء الناخب المجموعاتي (الطبقي).‏

بالتالي فإن مجتمع السوق الديمقراطي يهمل عن قصد الواقع الثقافي والاجتماعي ما فوق الذري - وإلا وضعت أسسه ذاتها موضع المساءلة. لذلك يعتبر التجرد من الأفكار الجماعية وشجب التماثل الجماعي الراسخ فعلين قسريين للمجتمع الذي يعلن أن عقيدته هي "المنافسة الشريفة" والديمقراطية. من المحرم على النظرية الليبرالية المعاصرة أن تلحظ أن ما يصطدم فعلاً في السوق وما يتفاعل في السياسة هو ليس الذرات الاجتماعية المعزولة وإنما المجموعات ذات المواقع غير المتساوية سلفاً.‏

لقد بدت اكتشافات المدرسة المعرفية, المتعلقة بالتحيز الجماعي الذي لا ينضب (في ما يخص أفراد المجموعة المنتمى إليها), واللاتحيز (في ما يخص المجموعة الأخرى), قريبة جداً بالمعنى من نظرية الماركسية الطبقية, حتى تم الاعتراف بها على مستوى النظرية الاجتماعية الكبرى. لذلك "نسبت" هذه الاكتشافات إلى "التقليدية", بإعلان التماثل الجماعي والواقع ما فوق الذري من مخلفات السلفية الاجتماعية.‏

نرى الآن, إذ نجمل نتائج القرن العشرين أن النسخة الماركسية "للمجموعاتية" الطبقية والنسخة الليبرالية لعلم الذرات الاجتماعي هما عبارة عن تجريد للحالات الحرجة.‏

لا تبدو النسخة الماركسية صحيحة إلا إذا تحدد مصير الفرد الاجتماعي بانتمائه المجموعاتي (الطبقي) حصراً, وليس ثمة أهمية محسوسة للميزات أو النواقص الفردية. أما النسخة الليبرالية - الاسموية فصحيحة حين يتم التسليم بأن ليس للانتماء المجموعاتي المقبل أي تأثير على وضع الفرد الاجتماعي ومستقبله وبأن كل شيء يتحدد بالميزات والجهود الشخصية حصراً. تستند نظرية الطبقة الوسطى الليبرالية المعاصرة بالكامل على هذه الفرضية الأخيرة. إن الطبقة المتوسطة ضمن هذا السياق هي ليست مجموعة خاصة إلى جانب المجموعات الأخرى, بل هي اجتماع للأفراد المتميزين, الذين يدينون بالنجاح لأنفسهم حصراً ويحجمون عن محاولات التماثل الجماعي والطبقي.‏

يحاول المسيحيانيون الأمريكيون اليوم غرس فهم العالم هذا في البلدان الاشتراكية السابقة, وهم بذلك يصبون إلى هدف مزدوج.‏

أولاً - المساعدة على استقرار الأنظمة ما بعد الشيوعية, التي تعتبر في أغلب الأحوال موالية للأمريكيين. فهم يقترحون على السكان المثقلين بـ "الإصلاحات" أن لا يصدقوا أعينهم - أن لا يعيروا اهتمامهم لحقيقة الاستقطاب الاجتماعي غير المسبوق, ولحقيقة تقسيم المجتمع إلى "علية" فاسدة مرتبطة بتضامن جماعي وإلى "سواد" مزروب في غيتو وأن يمنوا النفس, عوضاً عن الواقعية المغمَّة, بأنموذج الطبقة المتوسطة الحرة" المعطى إيديولوجياً.‏

ثانياً - التفكيك التدرجي لمفهوم "سلفي" كالشعب باعتباره ذات التاريخ الجماعية. ما دام هذا المفهوم موجوداً ومحافظاً على قدرته على إظهار إرادته فمن غير الممكن اعتبار انتصار الأمركة في العالم "كاملاً ونهائياً". لكن هنا أيضاً تبدو شروط المسألة متناقضة على نحو يستحيل حله. برهنت المدرسة المعرفية في علم النفس الاجتماعي تجريبياً على أن آليات التماثل الاجتماعي تؤثر تأثيراً أشد في المجموعات المفرقة والمهزومة.‏

"المجموعات الدخيلة تحديداً, أي المجموعات التي تعرضت للفشل الدائم, هي التي تبدي التحيز الأشد داخل المجموعة (التحيز للمجموعة المنتمى إليها. - ألكسندر بانارين) ليس ضمن إستراتيجية التفاعل المتبادل بين المجموعات وحدها وإنما في مستوى الإدراك ما بين المجموعات(3)".‏

يُضعِف النجاحُ بحد ذاته, وخصوصاً إذا كان يؤكد فرضية تكافؤ الفرص الاسموية - بغض النظر عن هذا الانتماء الجماعي أو ذاك - التماثلَ الجماعيَ: تُطرد نفسيةُ الـ "نحن" المتيقظة من قبل نفسية الـ "أنا" المنفتحة.‏

لكن, كيف يمكن في ظروف الأنظمة نصف المحتلة, التي تعشق أمريكا أكثر من شعبها وتسوقه للنهب وتعرضه للتدنيس, قمع التيقظ النفسي للـ "نحن" المشتتة واختلاق أنموذج الـ "الأنا المنفتحة والإنجازية؟‏

بغض النظر عن سخف الإجراء الواضح لم يقطع المسيحيانيون الأمريكيون وتلامذتهم النجباء في البلدان الأمل في اندثار المادة الجماعية - أي الشعب. إنهم يحسبون حساب أن يكون مصير النخب, وخصوصاً في روسيا, متقلباً وخاضعاً لقانون التعاكس: نادراً ما يستلم الحكام اللاحقون عصا التتابع ممن سبقوهم, وغالباً ما يعلنون أن أفعالهم كانت إجرامية. وحده اختفاء الشعب - أي تحويله إلى ديسبورة من "العولميين " الرحل قد يشكل ضمانة ليس "للمنتصرين" الأمريكيين وحدهم بل للطوابير الخامسة في البلدان الأخرى أيضاً.‏

يقترب المذهب الليبرالي الأحدث من حل هذه المسألة بمخزون متجدد تجدداً كبيراً. تعتبر مفاهيم الليبرالية الكلاسيكية مثل المبادرة الذاتية والمسؤولية الأهلية, والتنظيم الذاتي الأهلي, ولأسباب مفهومة, غير خالية من الخطورة إذا طبقت على الشعوب المراد حرمانها من سيادتها. لذلك يجري التشديد على نظرية التبادل. يريدون تحويل الأمة إلى خليط غير منظم من الصيارفة عديمي المسؤولية, الذين يُخرِجون إلى السوق المنظمة من قبل المنتصرين كل ما يطلبه الزبائن الخارجيون.‏

تسمح نظرية الخصخصة الشاملة منطقياً بتحول سكان البلاد الشامل إلى أسرة من الصيارفة المتنافسين تنافساً شديداً في ما بينهم. ونسأل كيف يشعر الشعب المبعد عن عملية الخصخصة منذ البداية بأنه صيرفي, وماذا في إمكانه أن يصرف؟‏

في مقدور تقنيي الليبرالية السياسيين الاعتراض(وهم في وسطهم الضيق) على أن تفكيك البلاد لا يحتاج مطلقاً إلى تحويل السكان كلهم إلى تجار بالمصالح الجماعية - يكفي أن تصاب مجموعات التأثير الأساسية, التي تتحكم بعقد الأمة العصبية, بعدوى هذه الروح وأن تُحوَّل إلى مجموعات مرجعية تكون مثالاً للتقليد.‏

لتحقيق هذا الهدف ينبغي رسم خريطة تقنية خاصة للبلاد, وأن توضع عليها النقاط التي ترمز إلى مراكز التأثير ومجموعاته, التي تغطي كامل المساحة, ثم تأمين خطوط الاتصال بين هذه النقاط. يبدأ الفضاء المحصور بين هذه الخطوط يتموت - ونحصل عوضاً عن البنيان الشعبي الواحد على خليط مدار من الخارج.‏

تحمل هذه المحاكمات طابعاً قيمياً: سيجد فيها من يخافون من انهيار البلاد "عقلانية" خاصة.‏

لكن تعالوا لنطرح السؤال طرحاً نظرياً صارماً: هل مفهوم الخصخصة الشاملة والتذرير الاجتماعي مثبت من حيث المبدأ؟ بكلمات أخرى: هل يمكن الاستغناء عن الملكية الجماعية بالمعنى الواسع للكلمة وعن الذات الجماعية القيِّمة على هذه الملكية؟‏

عصيان أم ديكتاتورية؟‏

سنعني هنا بالملكية الجماعية, كما يفرض منطق العولمة, ليس فقط الحقائق الاقتصادية للثروة الشعبية بل سنعني في الواقع أيضاً المقدمات السوسيوثقافية للكل القومية - أي القيم المرعية عبر القرون والمحمية جيداً بالتقاليد (تقاليد العمل بالأخص), والمعايير الأخلاقية, وكذلك الناتج الروحي العام - العلم والثقافة والتعليم. ولكي لا نزج بنقطة قيمية مختلف عليها في الجدال مع "نظرية التبادل" الليبرالية لن نتحدث عن مصائر الشعب, بل عن مصائر مشروع التنوير الذي يقسم الليبراليون أنفسهم بأنهم مخلصون له.‏

وهكذا, هل يمكن أن يوجد فضاء واحد كبير اقتصادي وحقوقي وتعليمي إعلامي إذا غابت الذات - الحامل الجماعي وحل محلها عدد لا يحصى من المخصخصين المتجهين نحو المردود الاقتصادي العاجل والواضح؟‏

تشهد التجربة الأحدث للخصخصة ما بعد السوفييتية بكل وضوح على أن الخصخصة الشاملة تدمر في البلاد بنية التنوير التحتية: إنها "تمسح" منهجياً تلك الفروع وأنواع النشاط التي تجسد عملية التراكم العام والاستثمار للمستقبل القومي الجماعي.‏

إذا قوَّمنا هذا في ضوء المُثل العقلانية التنويرية فسنضطر إلى الاعتراف بأن معيار أكبر مردود اقتصادي ممكن لا يتطابق مع معايير العقلانية أو معايير الربح في نهاية المطاف. تختصر "الربحية" عمر الانخراط في الحياة الاحترافية وتجبر ملايين المراهقين على أن يغسلوا السيارات عوضاً عن الدراسة أو على أن يصيروا مساعدين لتجار السوق. لكن من وجهة نظر تقدم الأمة طويل الأمد, بما في ذلك تقدمها الاقتصادي, ينبغي أن نعترف بأن هذا ما هو إلا إستراتيجية خاطئة وغير عقلانية إلى أقصى درجة.‏

من المربح إصدار القصص البوليسية والهزلية والتقويمات الفلكية وتقليص إصدار الكلاسيكيات الادبية. لكن من وجهة نظر إستراتيجية التطور القومي طويل الأمد, المتعلق بتراكم رأس المال الفكري, فإن هذا من غير أدنى شك سياسة قصيرة النظر. من المربح إعادة توزيع الاستثمارات حتى تتقلص الصناعات ذات الاستخدام الجماعي, بما فيها منظومة الاتصالات وطرق المواصلات, لصالح الأدوات ذات الاستخدام الفردي. لكن هذا يعتبر جريمة قتل ولا شك في ضوء التصور طويل الأمد للنمو والتطور القومي.‏

إذا أعدنا النظر في مشروع التنوير في ضوء نظرية العالم العولمي الليبرالية, فإننا سنتبين أن الأعلى ربحية هو أن لا ننفق الأموال على تطوير البلدان والتجمعات البشرية المتخلفة, حيث تعيد الاستثمارات هناك مردوداً أدنى بكثير على الوحدة النقدية المستثمرة, بل أن نغير وجهة مشروع التطوير إلى الدول الأكثر تطوراً, محولين أطراف العالم إلى غيتو اقتصادي.‏

في حقيقة الأمر, تؤكد نظرية الاصطفاء الطبيعي في السوق الليبرالية هذا القول تحديداً بكل صراحة مثبطة للعزم. إنها تقول إن استخدام الثروات الأرضية النادرة وتطوير الصناعة والعلم والثقافة هو من حق تلك البلدان, التي فازت في المسابقة العالمية في الربحية والأجدى بيئياً والأقل استيعاباً للطاقة.‏

أما المهزومون, وعوضاً عن محاكاة دور طلائع التقدم العالميين, فسيضطرون إلى الموافقة على دور أقل مكانة بكثير وعلى قبول معايير مخفضة. وبكلمات أبسط - سيضطرون إلى أن يرضوا بنصيبهم باعتبارهم أناساً من الدرجة الثانية وأن لا يقاوموا انتقال ثرواتهم القومية إلى أيدي أولئك الذين يستغلونها استغلالاً أفضل. على هذا النحو فإن معيار ربحية السوق المأخوذ ببعده العولمي يحطم مباشرة فرضيات مشروع التنوير الرئيسية, التي تمس مكانة الناس المتساوية وحقوقهم المتساوية في مستقبل أفضل.‏

المرجح هو أن المدافعين المعاصرين عن الربحية لا يبوحون بالعواقب كلها الناجمة عن هذا. بل إنهم يشيرون مباشرة إلى النزاع الذي لا يقبل المهادنة بين نوعين من أنواع العقلانية: العقلانية الاقتصادية قصيرة الأمد, والعقلانية الاجتماعية طويلة الأمد. يبدو واضحاً أن الدارونية الاجتماعية الاقتصادية, أي تقليص العدد الإجمالي للمؤسسات الفاعلة في العالم على حساب تفكيك صناعات بلدان الأطراف العالمية الأقل ربحية, تزيد ربحية الاقتصاد العالمي, المقاسة بتناسب النفقات مع المردود. لقد أوصت مدرسة شيكاغو بهذه السياسة الاقتصادية الدارونية تحديداً لتطبق على الدول "المفسَدة" بسياسة المساعدات الاجتماعية الاشتراكية الديمقراطية, و"اقتصاد الطلب" الكينزي(4). ونصحت بالاستعاضة بالنقود "الثمينة" المخصصة لخدمة الناس الأقدر على التكيف عن النقود "الرخيصة" المخصصة لإقراض الفاشلين اقتصادياً بهدف مساعدتهم على الاستمرار في الحياة.‏

المقرر الآن استخدام توصيات الدارونية الاجتماعية الاقتصادية هذه على النطاق العولمي. فعند الاستخدام الموسَّع لـ "صيغة" شيكاغو تظهر مكان المؤسسات أو الفئات الاجتماعية المنفصلة غير القادرة على التكيف شعوب غير قادرة على التكيف لا ينبغي منحها "قروض التنمية" كي لا تغرق كوكبنا الضيق بمادة بشرية سيئة النوعية. بذلك تغدو الدارونية الاجتماعية الاقتصادية "عنصريةً عادية". وإذا كانت هذه الاكتشافات لا تقلق الليبراليين المعاصرين المتظاهرين باللامبالاة تجاه المحاكمات التقويمية الأخلاقية أفلا يوافقون على الأقل على الإنصات إلى الحجج التي تقدمها نظرية التنبؤات التحذيرية؟ ما الذي ينتظر في المستقبل القسم الأكثر يسراً من العالم, والذي سيزداد يسراً بفضل امتلاكه الموارد المنتزعة من الشعوب الفاشلة, حين سيعي تماماً غيتو الكوكب العالمثالثي ما هو مقدر له في إطار النظام العولمي الجديد؟‏

يَعِد هذا على النطاق العالمي بإعادة خلق وضع كالذي وجد الليبراليون الروس أنفسهم فيه اليوم. لقد وافقوا أول الأمر على خصخصة الثروات القومية من قبل الحفنة "الأكثر قدرة على التكيف", مفترضين أن هذا هو الثمن الواجب دفعه من أجل التخلي عن الشمولية وبناء الديمقراطية. إنهم يقتنعون الآن بأن الخصخصة المافيوية - الوظيفية, التي أقصت أغلبية السكان لا عن الملكية وحدها بل عن شروط الوجود الحضارية عموماً, ستضع المجتمع حتماً أمام خيارين: إما العصيان الشعبي ضد مغتصبي السلطة, وإما الديكتاتورية العسكرية - البوليسية, التي تأمل الأولغرشية الجديدة في أن تحمي بمساعدتها ملكيتها خلافاً لاستياء الغالبية المشروع. المرجح أن الديكتاتورية لم تدخل ضمن مخططات العدد الأكبر من منظرينا الليبراليين, الذين أقدموا, كما خيل لهم, على التنازل اللازم لـ "الضرورة التاريخية". أما الضرورة فكمنت في لزوم نقل الملكية إلى أيدي السلك الوظيفي الحاكم - وإلا ما كان هذا السلك يوافق في ظروف أخرى على استبدال نظام "ديمقراطي" بنظامه.‏

يمكننا أن نوافق في المحصلة على أن نقل الملكية من قبل "مناضلي الأمس الشرسين" ضد المخلفات البرجوازية هو خطوة تمليها البراغماتية.‏

لكن هل يمكن إلباس هذه البراغماتية زي المثالية الديمقراطية وإبراز نظام المالكين الوظيفيين على أنه تجسيد للمثل الليبرالية؟ ما دمتم قد شغلتم موقع البراغماتيين الآخذين بعين الاعتبار "تناسب القوى الحقيقي" فلا تذروا الرماد في عيون السكان ولا تسموا هذا انتصاراً للخير على الشر الشمولي. ما دام حامل النظام الشمولي بالأمس قد ورث إضافة إلى امتيازاته السابقة كلها ملكية الدولة العامة أيضاً أفلا نكون بالنتيجة قد حصلنا على شمولية مضاعفة؟‏

هل حقاً نقل الملكية إلى أيدي الفرسان ذوي المماطر والخناجر هو محض "ضرورة محزنة" خالصة؟ ألا ينضوي هنا أيضاً منطق أولي كان في الإمكان توقعه مسبقاً؟‏

إن كنتم في حقيقة الأمر لا تثقون بشعبكم, وترتابون في غرائزه المتأصلة والمعادية للديمقراطية, أفلا يبقى لكم أن تعلقوا آمالكم كلها على شرطة سرية مدعوة إلى أن "تحمي الديمقراطية حماية أكيدة" من "هذا" الشعب؟ لماذا صارت لدينا التعددية الحزبية والسوق والملكية من صلاحيات "اللجنة", التي استبدلت بتسميتها المذكرة الخشنة تسميةً ليبراليةً أنثوية هي إدارة الأمن الاتحادية(5)؟ لن يقدم إلا قلة من الناس المطلعين على نفي أن غالبية أحزابنا السياسية قد ولدت في جوف الأجهزة الأمنية, وأن غالبية ملاكنا الخاصين المحدثين هم من موظفي هذه الأجهزة. فهل هم حقاً اختصاصيون من نوع خاص في مجال البناء الديمقراطي أو في مجال الاستثمار وتم تجميعهم في زمنهم وفاقاً لمؤشر قابليتهم لهذا المجال وذاك معاً؟‏

المرجح أن الأمور سارت على نحو معاكس: فمعيار انتقاء الكادر المحترف كان "عدم المهادنة الفكرية" تجاه المؤسسات والقيم المعنية. هذا معناه أن وراء هذه التحولات كلها يختبئ منطق آخر ما كان بالإمكان صوغه بلغة "الضرورة المحزنة" بل بلغةِ عقلانيةٍ من نوع خاص.‏

إليكم "صيغة" هذه العقلانية المنشودة, التي ساقت ليبراليينا إلى أحضان الدولة البوليسية: "لكي تعيش الديمقراطية والسوق والمُلكية في جو غير مضمون إلى هذا الحد كالجو الروسي, ينبغي جعلها "ملكنا", لا بل ينبغي في المراحل الأولى جعلها ملكاً خالصاً لأصحاب الرتب في الشرطة السرية وغيرها من الإدارات الأمنية - فهم الذين يقدرون على حمايتها حماية أكيدة أكثر من غيرهم!"‏

يسري مفعول مثل هذا المنطق اليوم على النطاق العولمي. ما إن وضع الليبراليون موضع الاتهام أنثروبولوجيا التنوير العمومية واتهموا أغلبية الكوكب العالمثالثية بـ "العقلية الخاصة المعادية للديمقراطية" حتى ما عاد أمامهم سوى أن يوكلوا إلى أمريكا مهمة الشرطي العالمي باعتبارها دولة عظمى, مدعوة إلى حماية "الأقلية الديمقراطية" من الأغلبية المعادية للديمقراطية. هذا ما يخص حجج الليبراليين "أصحاب المبادئ". لكن هذا المنطق نفسه يميز بدرجة ليست بأقل موقف مخصخصي الكوكب "عديمي المبادئ", الذين عزموا على إعادة توزيع موارده عولمياً لصالحهم.‏

إذا كان العالم المعاصر, عوضاً عن مشروع المستقبل الزاهر المشترك, مقسوماً إلى أقلية قادرة على التكيف, وهي تصير إلى مالكة لموارد الكوكب من غير منازع, وأغلبية منبوذة غير قادرة على التكيف أقصيت عن عملية "الخصخصة" أفلا ينتظرنا مثل هذا الخيار العنيف: إما عصيان الأغلبية المنبوذة وإما ديكتاتورية "القطب الواحد" العالمية, التي تتحضر لقمع هذا العصيان الكامن؟ إلى أي حد يمكن حبك هذا بالشعارات غير القديمة عن "المجتمع المفتوح", حين فُهمَ "الانفتاح" لا بمعنى الانفتاح وكون ضحايا الخصخصة مجردين من كل سلاح, بل بمعنى العالم المحروم من الحواجز التمييزية؟‏

كان على كل أولئك الذين أطلقوا العنان لاصطفاء البشرية الاجتماعي الداروني, الذي سيقسمها لا محالة إلى قادرة على التكيف وغير قادرة على التكيف, أن يتوقعوا أن في نية "ديمقراطية القادرين على التكيف" حماية نفسها من المنبوذين العالميين المستعدين دائماً وأبداً للعصيان. يغمز العولميون الأمريكيون بطريقة تآمرية لجميع المخصخصين الموفقين على الكوكب, مفهمين إياهم أن أمريكا المدججة بالسلاح هي تحديداً درعهم الضامن والأخير. إما أن تحتملوا ديكتاتورية أمريكا العالمية, وإما عليكم الاستكانة لخطر إعادة النظر في نتائج الخصخصة الأرضية الأحدث, التي أعطت موارد الكوكب لأولئك الذين لم ينتصروا على الشمولية وحسب, بل برهنوا على أفضل مقدرة على التكيف الاقتصادي.‏

على هذا النحو, ليست الخصخصة الوظيفية ولا الديكتاتورية العسكرية السياسية التي تلتها الأنموذجَ الأمريكي المخصص لروسيا المعاصرة وحدها. إنهما أنموذج من أجل البشرية كلها, التي يجعلونها تعتاد على فكرة أن زعامة أمريكا العولمية هي الوسيلة الوحيدة لحماية "الأقلية المتحضرة" على الكوكب من الأغلبية البربرية غير القادرة على التكيف. تتلخص الإستراتيجية المؤدية إلى "انتصار الأقلية الليبرالية التام والنهائي" على الأغلبية غير الليبرالية في فرض أنموذجِ مجتمعِ المذهبِ السلوكي المشتت والمتذرر إلى أقصى حد على هذه الأغلبية - حيث يدافع كل فرد عن نفسه فقط متكيفاً مع الأنظمة المفروضة عليه من قبل أصحاب العالم الجدد - وفي احتفاظ الأقلية لنفسها بإمكان التصرف وفاقاً لقواعد المذهب المعرفي وذلك بتدعيم تماثلها الخاص وبرسم إستراتيجية جماعية وبرص الصفوف والتسلح من غير أن تخشى آفاق الانحطاط إلى دولة عالمية بوليسية.‏

لقد حضَّر الليبراليون, العاشقون للأقلية المتكيفة على العكس من الأغلبية, ومن غير أن يدروا نظامَ فصلٍ عنصريٍ عالمي, يذكِّر بنظام بريتوريا. يخيل أن الجميع اليوم يرون بوضوح أن هذا النظام يعد بأن لا يكون ليبرالياً البتة, وبأن يذكر بإسبرطة العسكرية, أكثر من أثينا الديمقراطية. سيكون على عرق السادة الجديد, الذي وضع نفسه في وجه "البرابرة" الأرقاء, أن يتمكن من النظام الأخلاقي العسكريتاري للسوبرمانات المدربين, الذين رموا جانباً "الأخلاق القديمة", أخلاق الأخوة والرحمة المسيحيتين. سيكون على هذا العرق أن يضع بكل صرامةٍ انضباطية معياراً لتمييز أتباعه عن الغرباء وأن يكلف صانعي صورته بتكوين أشكال استقطابية خالصة: نصف الإله الإمبراطوري - حامل الرسالة العولمية - وسقط الناس المشتتين, الذين يستحيل استخدام معايير أخلاق "المذهب الإنساني القديم" معهم.‏

الحرب الإعلامية الشاملة ضد غالبية الكوكب المنبوذة قائمة. وقد بدأت في قطاع معارك "الديمقراطية ضد الشمولية" الذي لم يبرد بعد - أي في الفضاء ما بعد السوفييتي. من غير أَبلَسَة روسيا باعتبارها منبعاً للشر والفوضى العالميين يستحيل جني ثمار الانتصار في "الحرب الباردة".‏

يقر ليبراليونا أن روسيا "لم تُقبَل بعد" في "البيت الأوربي". بالتالي ينبغي القول: لقد طردوها من "المجتمع الطبيعي", لكي يبرروا الأساليب "غير الطبيعية تماماً" التي ستستخدم ضدها. افترض الناس المحافظون على أوهام الليبرالية القديمة أن العالم العولمي سيكون واسعاً إلى أقصى حد ومفتوحاً للجميع. وعند المراجعة تبين أنه ضيق إلى أقصى حد: لم تجد فيه مكاناً لها دول "العالم الثاني"السابق, التي أقصيت في غالبيتها لتصير من عداد "العالم الثالث" المنبوذ, حيث يسري مفعول قواعد التمييز العنصري العولمي سرياناً ليس فيه مهادنات إنسانية ولا يخضع لقيود. إن مصير أولئك الليبراليين جميلي الروح هو أن يتكيفوا مع النظام البوليسي العسكري الجديد الذي سيلي لا محالة تقسيم الكوكب الجديد إلى قادرين على التكيف وغير قادرين عليه.‏

عموماً, لقد برهن الليبراليون على أنهم أناس مرنون وحاذقون - أي أنهم سيجدون لزاماً الحجج المبررة للعسكريتاريا العولمية, ناسبين كل شيء إلى السلفية المستشرية وإلى مكائد الأطراف العالمية التعسة. فالديكتاتوريات التقليدية في الأنظمة المتخلفة شيء, والديكتاتورية العالمية للأممية الديمقراطية, المضطرة إلى التصرف في ظروف "المحيط العالمي المعادي", غير القادر وراثياً على التكيف مع الديمقراطية والسوق, هي شيء آخر.‏

(1( - انظر: آغييف ف. س. التأثير المتبادل بين المجموعات. القضايا النفسية الاجتماعية. موسكو: إصدار جامعة موسكو 1990.‏

(2( - إيفان بافلوف (1849 - 1936) فسيولوجي روسي, مؤسس مدرسة فيسيولوجية كبيرة. أكد بوساطة طريقة ردود الفعل الشرطية التي ابتكرها على أن العمليات الفسيولوجية التي تجري في المخ هي أساس النشاط النفسي. أثرت دراساته على تطور الفسيولوجيا والطب وعلم النفس. حائز على جائزة نوبل عام 1904 (المترجم).‏

(3( - آغييف. ف. س. المرجع نفسه. ص 50.‏

(4( - الكينزية هي إحدى التعاليم الاقتصادية البرجوازية المعاصرة الأكثر انتشاراً, المرتكزة على ضرورة التدخل النشط للدولة في الاقتصاد الرأسمالي بهدف التخفيف من تناقضاته وتسوية النزاعات الطبقية فيه بين العمل ورأس المال, وتأمين أكبر ربح للاحتكارات: سميت باسم عالم الاقتصاد الانكليزي كينز (1883 - 1946) (المترجم).‏

(5( - المقصود باللجنة لجنة أمن الدولة ك. ج. ب. وكلمة لجنة بالروسية هي اسم مذكر (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 05:13 PM
الفصل الرابع
البرجوازيون الجدد في العالم العولمي: ـ ماكس ويبر ضد كارل ماركس



يتميز الوعي الذاتي في العهود ما بعد القروسطية كلها بخصوصية واحدة عامة, هي أن هذه العهود كلها تعرف نفسها قياساً على البرجوازية, وكل منها يطلق على هذه الطبقة واسعة الحيلة اسما خاصاً ويرسم لها هيئة خاصة به. البرجوازي البطل - الفاتح الأول والمغامر في عصر النهضة, البرجوازي البوريتاني(1) في عصر الإصلاح, البرجوازي - "الإنسان الطبيعي" و"الأناني العاقل" في "عصر التنوير", البرجوازي ضيق التفكير في القرن الماضي(2), البرجوازي المحتكر والإمبريالي, المحرض على الحروب العالمية في القرن العشرين, ـ هذا هو الفهرس غير المكتمل للنص العظيم, الذي يسمى ـ الحداثة.‏

يتميز عصرنا بتعريف جديد للذات وفاقاً لتلك الشخصية التاريخية المشار إليها, وهو يكشف هيئة جديدة من هيئاته.‏

ارتبطت مغامرات الوعي الاجتماعي المعاصر الرئيسية, كما جرت العادة منذ عصر النهضة, بتغير العلاقات مع الطبقة البرجوازية. لقد خيل لنا حتى وقت قريب أن ذلك الحكم التاريخي الذي أطلقه كارل ماركس عليها كان حكماً نهائياً. قد يبدو الأمر اليوم, تحت تأثير مقلدي التعاليم العظيمة الجديدة, وكأن تقويم سلطة البرجوازية السلبي هو من صفات روسيا الريفية ما قبل الديمقراطية. إن كل من اشتغل بدراسة الغرب في أعوام الستينات والسبعينات لا يستطيع إلا أن يشهد بأن طليعة الغرب الفكرية كلها مع الحركة الشبابية القريبة منها قد وقفت في علاقتها مع طبقة الرأسماليين موقفاً منهجياً مناهضاً للاستبداد, وبأن هذا الموقف ذاته يعتبر تقليداً راسخاً من تقاليد سلاطين الفكر المثقفين‏

اندلعت آخر ثورة معادية للبرجوازية في الغرب في نهاية الستينات, وكان يمكن اعتبارها وفاقاً لبعض المعايير عالميةً. ملأ أتباع ماركس وماو وماركوزه(3) القاعات والمطابخ الطلابية على البواخر في جميع بلدان الغرب؛ انتقل الإلهام المناهض للبرجوازية من السوربون المنتفضة إلى باريس, ولاقت صدى في كاليفورنيا المنتفضة وفي صمود "المتاريس الحمر" في ألمانيا وإيطاليا. لم يساور الشك أحداً في أن النظام البرجوازي ينبغي أن يستبدل بآخر, ودارت النقاشات بخصوص من ينبغي أن يفعل ذلك وكيف, وما الأسس الثقافية والاقتصادية للعصر ما بعد البرجوازي.‏

بيد أن الثورية الفطرية للطليعة الفكرية والشبابية فُرِضت على "الحرب العالمية الباردة" بين الغرب البرجوازي والشرق الشيوعي. راحت في أثناء ذلك حركات المثقفين والشباب المماثلة في بلدان "المعسكر الاشتراكي" تصير أكثر موالاة للبرجوازية وللغرب. وعوضاً عن الأممية الثورية الموحدة, المضادة لنوعي المجتمع القمعي التكنوقراطي معاً, مما كان سيتماشى مع منطق الثورة العالمية, بدأت صحوة شاملة أو إزاحة "اليساريين" تحت ضغط الغرب المنتصر في "الحرب الباردة".‏

هكذا شوه منطقُ الحرب العالمية منطقَ الثورة العالمية وحوَّل نظارات الطليعة الفكرية. ما إن انتصر الغرب على الشرق الشيوعي حتى أزيلت حقيقة النشأة الغربية الفاوستوية للشيوعية نفسها من الوعي, وصارت الشيوعية تُطابَق مع أسلوب الإنتاج الآسيوي ومع مخلفات الاستبداد الشرقي. باختصار, لم يشأ المنتصرون أن يتقاسموا مع المهزومين المسؤولية لا عن الحرب الباردة ولا عن عيوب المجتمع القمعي التكنوقراطي.‏

طُلِب من الشرق الشيوعي المهزوم تعويضات حرب إيديولوجية, مرتبطة بضرورة أن ينسب هذا الشرق إلى نفسه عيوب المعاصَرَة كلها مرجعاً إياها إلى ضغط المخلفات الآسيوية. (كلنا يذكر كيف أخذ البلاشفة في وقت ما مثل هذه التعويضات الإيديولوجية من روسيا "البيضاء" المهزومة, مرجعين إخفاقات سياستهم وفشلها كلها إلى ضغط "البيئة البرجوازية الصغيرة" الفلاحية. وقد قرر حكامنا "الديمقراطيون" احتكاماً إلى بعض المؤشرات, أن التعويضات لم تؤخذ بالكامل من روسيا القديمة - إنهم يحاولون الآن أن يأخذوا حصتهم مرجعين إخفاقات "إصلاحاتهم" إلى مخلفات الروح المشاعية المتأصلة).‏

احتاج الغرب في مثل هذه الظروف إلى مفكر يساعده على رد الاعتبار الجذري للطبقة البرجوازية المتسيدة, مزوداً إياها بهيئة مختلفة تماماً عن تلك التي تكونت في الوعي الاجتماعي تحت تأثير النقد الماركسي والماركسي الجديد للرأسمالية. لكنه لم يعثر بين أساتذة الفكر الأحياء على مثل هذا المفكر - تبين أن جميع الأساتذة تقريباً كانوا "يساريين". وُجِد هذا المفكر بين المتوفين الذين لم يكن قد استدعي رصيدهم الفكري فعلياً بعد, ولذلك بدا غير مبدد. كان هذا المفكر هو ماكس ويبر.‏

بدا خطاب ويبر عن الرأسمالية معاكساً للحديث الماركسي في النقاط الجوهرية كلها. ليس المكان هنا لمناقشة إن كان ويبر قد وضع نصب عينيه مهمة تفنيد ماركس على نحو منهجي أم لا. فالمهم أن الأمر المطلوب والمجنَّد إيديولوجياً اليوم هو هذا الجزء بالذات من إرثه الفكري الواسع.‏

تتلخص فاعلية ماكس ويبر اليوم في أنه عمل ضمن قياس المركزية الثقافية الرائجة اليوم. إذا كان ماركس قد فسر نشأة الرأسمالية بمنطق تطور التبادل والقيمة التبادلية, فإن ويبر استطاع أن يجذِّر الرأسمالية في الثقافة, وبذلك رفع عنها أهم اتهام تتهم به وهو عداؤها للتقاليد الثقافية والأخلاقية كلها.‏

لقد طرح ماكس ويبر مسألةً قوميةً "ألمانيةً" صرف: وهي برهنة أسبقية ألمانيا في مسألة تكوين الحداثة الأوربية كلها. كانت ألمانيا في ذلك الوقت, كما هو معلوم, (وقبل انضمامها إلى حلف الناتو) موضع شك لدى العالم الأنغلو - أمريكي, واعتبرت بلداً "غير غربي تماماً" - وبلداً مهمشاً من قِبل الأسرة الأطلنطية. طرح المفكر الألماني قضية نشوء الرأسمالية من روح التقشف البروتستانتية. بذلك, وباعتبارها نواة ثقافية للحضارة, لم تبرز التقاليد الأخلاقية - الدينية على أنها شيء ما من خارج الرأسمالية لا ينفك يوجه اللوم لها, بل على أنها أساسها.‏

تتعلق نقطة الاختلاف الرئيسية بين ماكس ويبر وكارل ماركس بطبيعة التراكم الرأسمالي الأولي. فلدى ماركس تذكِّرنا ملحمة التراكم الأولي بـ "ثورة إجرامية عظيمة" وهي موصوفة على أنها من عمل المغامرين المستعمرين ومخصخصي عصر التسييجات الوقحين, الذين أفقروا الغالبية الفلاحية وشردوها, وأنها من عمل المرابين عديمي الضمير وغيرهم من ناهبي الخيرات الوطنية. واضح أن هذا الإرث يطبع التاريخ الرأسمالي كله بطابعه الذي لا يمحى ويحتم منطق القطيعة ليس مع ماضي البشرية كلها وحسب وإنما مع مستقبلها أيضاً.‏

يقدم ماكس ويبر تفسيراً مغايراً تماماً للتراكم الأولي. فالتراكم لديه ليس عملية نهب لملكية الآخرين ولا نتيجة "الفطنة" اللاإنسانية لدى شتى أنواع الأنذال, المكونين طبقة جديدة من الناس, والذين لا يملكون تربة ولا وطناً, بل هو, على العكس من ذلك, امتناع معلل دينياً عن شتى أنواع التبذير والإسراف, وهو زج كل ما كان سينفق حتماً في جو التسيب النهضوي السابق على المسرات الحسية في دورة العمل.‏

الإصلاح لدى ويبر هو عبارة عن رد فعل على النهضة اللذوية وعودة جديدة إلى التقشف الديني. يولد النمط السوسيوثقافي اللوثري والكالفني الاستثمار لأنه يعتبر تحديداً روح الاستهلاك اللامسؤولة والتراخي الذي يغض الطرف عن حسيتنا الخاطئة مدانين سلفاً. تنبثق الملحمة الرأسمالية لدى ويبر لا من "عدم مخافة" المغامرين والماجنين من الله, الذين يرفضون كل الموانع والمعايير, بل من الخوف الديني العظيم لدى الناس الذين فقدوا إيمانهم بالخلاص الجماعي المضمون, الذي تهبه الكنيسة الكاثوليكية.‏

قدم ويبر فضح لوثر للضمانات الروحية المزعومة للمؤمنين على أنه مبادرة لفضح الضمانات الاجتماعية الجماعية, الذي سيقوم به في ما بعد منتقدو الأبوية الدولتية الاشتراكية. بفضل ويبر يتم اليوم اعتبار نقد لوثر للطليعة الكنسية الكاثوليكية التي سمت نفسها عقل العصر وشرفه وضميره, والضامنة لرعيتها الخلاص الأبدي إن هي أخلصت وانصاعت لها كلياً, مماثلاً للنقد الليبرالي الديمقراطي للطليعة الشيوعية التي تدعي أيضاً تنفيذ رسالة إنقاذ الرعية البروليتارية.‏

سمى لوثر هذه الضمانات تلاعباً تقوم به طائفة "مخلصي الروح" المحترفين, أما طلب مثل هذه الضمانات من قبل سواد الناس فشجبه باعتباره انعدام إرادة دينية آثم. كان من شأن إعلانه عن عدم وجود ضمانات الخلاص الدينية الممنوحة من علٍ بوساطة الكنيسة أن يحرض الإرادة الدينية الفردية, والتنسك الفردي - لكن ليس باعتباره نشاطاً رهبانياً يخرج الفرد من الحياة اليومية, بل باعتباره إنجازاً في الحياة اليومية مشهوداً بوساطة المعايير المحسوسة الخاصة.‏

بهذا الصدد ينقب ماكس ويبر في علم الآثار الثقافي الديني ويخرج منه مصطلح "beruf" - المهنة باعتبارها رسالة, أو الرسالة الدينية المتجسدة بالمهنة. إذا كان الزهو يعتبر في الأزمنة السابقة إثماً ووداعة النفس والدماثة فضيلة فإن الدماثة اليوم تعدُّ طريقاً سهلة للخلاص, الذي يمكن الوصول إليه في الواقع بالاجتهاد الدنيوي المعلل دينياً في الأمور اليومية.‏

صار الله منذ زمن الانقلاب البروتستانتي يفقد صفات الإله المسيحي السابقة, الذي يفضل "الفقراء بالروح", وبدأ يذكرنا أكثر فأكثر بإله إسرائيل في العهد القديم, الذي لا يخلِّص الجميع بل المختارين فقط - القادرين على إنجاز مأثرة صحوة الضمير والتوبة مرة واحدة, بل على حياة التقشف اليومية المنهجية. لماذا سعى المتقشفون البروتستانتيون على هذا النحو إلى النجاح في أمورهم العملية اليومية؟ لأنهم, إذ فقدوا ضمانات الخلاص الجماعية التي قدمتها لهم الكنيسة من قبل, عانوا من ضغط انعدام الثقة المغمّ ومن الخوف وقد عالجوا ذلك بالعمل. "كانت الوسيلة الوحيدة أمامه لكي يخفف, وهو المعرض لمثل هذا الضغط, (أي البروتستانتي - ألكسندر بانارين) من انعدام الثقة ومن عدم التوفيق النفسي, ,... هو أن ينغمس في العمل من غير أن يرفع رأسه(4)".‏

لكننا لن نستطيع تقدير أبعاد ذلك الانقلاب في وجهات النظر تجاه الرأسمالية, المرتبط بماكس ويبر, إلا حين لا نكتفي بالتأويلات النفسية والسياسية الثقافية لخطابه عن الرأسمالية. تذكرنا تضحية البروتستانتي التقشفية لدى ويبر في جانب جوهري من جوانبها بالتضحية البشرية التي قدمتها البروليتاريا. تبين أن عمل البروليتاري لدى ماركس هو ذلك الجوهر صانع المعجزات, الذي يعتبر منبع القيمة المضافة, ويساعد بذلك على تجاوز التصور البدائي عن الاقتصاد الرأسمالي باعتباره اقتصاداً مرتكزاً على النهب ونزع الملكية وإعادة التوزيع. تشكل هذه الأخيرة, احتكاماً إلى ماركس, المقدمة الأولى فقط للرأسمالية؛ لاحقاً لن تتصرف الرأسمالية كمنظومة طفيلية تلتهم الثروات المتكونة من قبل, بل كمنظومة منتجة تكوِّن الثروات - وهذا كله بفضل عمل العمال المأجورين, الذين لا ينتجون القيمة وحدها وإنما القيمة المضافة أيضاً باعتبارها منبعاً للنمو الاقتصادي العام.‏

إن سر التقشف البروتستانتي لدى ماكس ويبر يذكرنا في جانب من جوانبه على نحو مدهش بسر البروليتاريا الماركسية. فبفضل اجتهاده اليومي المتواصل وامتناعه المنهجي عن التهام الفوائض كوَّن المستثمر - البروتستانتي "قيمة مضافة ما" والأدق ربحاً يختلف نوعياً عن أنواع الربح التقليدية بأنه يحتوي إلى جانب القسم المخصص للاستهلاك على قسم متنام مخصص للمراكمة.‏

وهكذا يرتبط التراكم البرجوازي بالتضحية - أي بالامتناع عن مسرات الروح الاستهلاكية المنفلتة, مما لا يتطلب إيماناً دينياً متوقداً وحسب, بل إرادة دينية أكبر. مأثرة مثل هذه الإرادة مطلوبة للانتقال من تلقائية الاستهلاك اللامسؤول إلى قسرية التراكم. تذكر روح تضحية البروتستانتي الويبرية بروح تضحية البروليتاري الماركسي من خلال عدد كبير آخر من المؤشرات. لنتذكر أن البروليتاي لدى ماركس محروم من الثقافة, ومن أوقات الفراغ ومن كافة منجزات الحضارة وأفراحها المرتبطة بـ "البنية الفوقية" البرجوازية الطفيلية.‏

إنه يعرف جيداً أن عمله وحده هو المنتج - هو الذي يبني الثروة الاجتماعية, في الوقت الذي تجتهد فيه فئات المجتمع الأخرى إما في إعادة توزيع هذه الثروة, وإما في نهبها مباشرةً. من هنا ينبع شك البروليتاريا الطبقي, المعروف من تجربة البناء الاشتراكي, تجاه الإسراف البرجوازي وتجاه النشاط المرتبط بالبنية الثقافية الفوقية وبمحاولات إكساب العلم والثقافة والتعليم وضعاً مستقلاً قيماً بذاته. لقد بين للجميع "التناول الطبقي البروليتاري" المشهود ضيقَ الأفق النفعي الذي لا يحتمل لـ "الثقافة البروليتارية", المستعدة لأن تضع موضع الشك البوهيميا المثقفة "البرجوازية" - أنصار العلم النظيف والفن من أجل الفن وتلاحقهم جميعاً.‏

بيد أننا إذا قارنا علاقة ديكتاتورية البروليتاريا بالثقافة والحضارة مع علاقة التقشف البروتستانتي بهما فإننا سنصاب بالدهشة لتطابقهما الذي لا يقبل ازدواجاً في المعنى. نظرت البرجوازية الصغيرة ذات الخصال البروتستانتية (في روسيا - أتباع الطقوس القديمة) نظرة شك عظيم إلى نشاط الطليعة المثقفة, والبوهيميا المتجملة المحتشدة حولها. لم يكن من قبيل المصادفة أن تهاجر البوهيميا الفنية كلها إلى الجنوب الكاثوليكي مع تحرك الإصلاح البروتستانتي شمالاً باتجاه اسكندينافيا والجزر البريطانية: صارت لهم باريس وروما ومدريد مكاناً للكرنفال الجمالي – أي "العيد الذي يبقى معك دائماً".‏

كان في عصر النهضة ثمة تفاهم متبادل بين البرجوازي المغامر والفنان المغامر: كان كلاهما يؤكد مشروعه التحرري على أنقاض ثقافة القرون الوسطى. بعد الانقلاب البروتستانتي, الذي حول البرجوازي إلى ذلك المقتر غير الباحث عن الربح على درب المغامرات الاستعمارية المتهورة بل على درب إنكار الذات المنهجي في الحياة اليومية, امتدت بين الطليعة اليسارية, الفنية والسياسية والبرجوازي البوريتاني هاوية حقيقية. لم يرفض البوريتانيون تشبُّع الحياة الأرستقراطية باعتباره "عبثاً" لا يرضي الله وحسب, بل رفضوا أيضاً اختبارات الطليعة المثقفة الأخلاقية, التي ازدرت أخلاق البرجوازية الصغيرة التافهة.‏

فسر ماركس عداء البرجوازية "لفروع الانتاج الروحي المعروفة" ببخلها المعهود وانحطاط الطبقة البرجوازية التي لا تعترف إلا بالتناول النفعي للواقع. أما ويبر فكان سيفسر هذا العداء بالاستناد إلى التقليد التقشفي, الملزِم بالنظر بعين الريبة إلى شتى أنواع الإسراف الكمالي الثقافي, المضعف للإرادة الدينية والمحفوف بالإغراءات الخطرة جميعها.‏

وهكذا نرى أن ماركس لم ينجح, على الرغم من سعيه كله إلى الالتزام بصرامة التحليل الاقتصادي العلمي, في تجاوز ازدواجية المعنى عند وصفه البرجوازية. فهو من جهة يدعو إلى صرف الانتباه عن كافة الأحوال المرتبطة "بربح النهب ونزع الملكية الناجم عن التغريب" مهما كانت هذه الأحوال متكررة, ويدعو إلى فهم الممارسة الاستثمارية البرجوازية على أنها إنتاج قيم موسعة لا تخِلُّ بقوانين التبادل المتكافئ, ومن جهة أخرى يدين طوال الوقت البرجوازية من موقع النقد الأخلاقي القديم, الذي يرى في الثروة البرجوازية نهباً وإعادة توزيع للثروات.‏

يرسم ماكس ويبر, بخلاف ماركس, هيئة منهجية للبرجوازي كمتقشف يرفض مغامرات إعادة التوزيع الاقتصادي القديمة, ويقر بأن الثروة القانونية التي ترضي الله هي الثروة المكتسبة بمآثر إنكار الذات لا بتجليه المادي - الاستهلاكي المباشر وحسب بل بمعنى نظام انضباط التقشف الروحي والثقافي أيضاً. في الحال الأولى يكون خصم البرجوازي هو النّصاب الأرستقراطي, وفي الحال الثانية البوهيميا الحاذقة, المسؤولة عن ثورات الحداثة الأخلاقية جميعها, بما فيها الثورة الجنسية الأخيرة.‏

باختصار, قلب ويبر بطريقة خاصة أفق الماركسية معلناً فعلياً أن أساس الثروة الاجتماعية ليس استغلال البروليتاريا بقدر ما هو التقشف الذاتي البوريتاني للبراجوازية الصغيرة البروتستانتية, التي حولت الطاقة الدينية إلى طاقة استثمارية لا تلتهم ربحها بل تراكمه منهجياً وتستثمره. أما تقشف البروليتاريا فيحمل طابعاً سطحياً بما فيه الكفاية وغير مأمون الجانب عموماً فهو مفروض عليها من الخارج. في حال أضعفت الكوابح الخارجية قد تتحول البروليتاريا سريعاً إلى مهلهلين يطلبون "الخبز والفرجة" أو إلى مستهلكين عديمي المسؤولية يحتقرون أي واجب أو أخلاق.‏

على العكس من ذلك يتميز التقشف البرجوازي البوريتاني بطابع داخلي معلَّل تعليلاً عميقاً, وما دامت منابعه الدينية - الأخلاقية لم تنضب بعد فإن الحضارة الصناعية المعاصرة غير مهددة بالانحدار إلى مستوى حضارة المهلهلين والعدميين المنحطة. على هذا النحو إذا كان البرجوازي يظهر لدى ماركس, وخصوصاً في "المخطوطات الاقتصادية بين عامي 1857 - 1859" باعتباره مبدداً عديم الإحساس بالمسؤولية لثروات الطبيعة والثقافة التي لم يصنعها بنفسه (المقدمات البيئية والعلمية الروحية العامة للنموالاقتصادي), فإنه لدى ويبر يظهر, على العكس من ذلك, باعتباره الضامن الأكبر والأخير لهذه الثروات.‏

يستحق منا الاهتمام الخاص جانب آخر من الانقلاب البروتستانتي, لم يوله أتباع ويبر العناية اللازمة إلى الآن.‏

إن الذي مثَّل الرأسمالية التقليدية ما قبل الإصلاحية بالأساس هو الديسبورة المرابية, التي لم يكن لها وطن والتي أفقرت السكان المحليين بشعور خالٍ من المسؤولية. لم يمكِّن الانقلاب البروتستانتي من تأميم الدين وحسب ("الدين دين أصحاب الأرض"), بل أمم أيضاً الطبقة الاستثمارية. وكما تأسست العبودية القديمة على القبض على البرابرة الغرباء واسترقاقهم باعتبارهم ليسوا أناساً حقيقيين, تأسست المراباة كذلك على علاقات الاحتقار والانسلاخ اللامسؤول عن السكان المحليين من قبل الغرباء - أصحاب رأس المال المقرَض. إن المراباة هي بنسبة معينة مغامرة استيلاء وإعادة توزيع شبيهة تماماً بالمغامرة الاستعمارية التي أقدم عليها فاتحو الهند الغربية.‏

لم يُعِد الانقلاب البروتستانتي وحسب تشكيل أساس الثروة البرجوازية بإحلال تقشف المراكمة محل مغامرة إعادة التوزيع, بل مكن أيضاً من عملية التجذير القومي للاستثمار. بمقدار ما كانت تستبدل بالعلاقات من النوع "دخيل - ساكن أصلي" العلاقات بين أبناء وطن على صلة وثيقة في ما بينهم, ويمتلكون أرضاً واحدة ومصيراً مشتركاً, كانت تستبدل أيضاً بأخلاق أساتذة الخداع الباطنية أخلاق الشراكة والمسؤولية الأهلية.‏

إننا, على الأرجح, لن نتمكن من الغوص في منابع انتصار "الديمقراطية" على الشيوعية إذا لم نأخذ في الحسبان حقيقة إعادة الاعتبار الويبرية لطبقة الرأسماليين, ومنظومة الآمال الجماهيرية المهيجَّة إيديولوجياً والمتأسسة على الفرضيات الويبرية. كانت الجماهير, المصدومة بنظام امتيازات السلك الوظيفي ونظام التوزيع الخاص المغلق, تأمل في أن يحل محل نخبة الموظفين الإقطاعيين الحزبيين الجدد, المتنعمين على حساب "الشح" الشامل, البرجوازي الويبري المتقشف, الرافض باحتقار لأي امتيازات أو خيرات مجانية لصالح مبدأ التعبير المنهجي عن الذات والاستقلالية. كان ينبغي أن يحل محل مبددي الثروة الاجتماعية الموظفين الذين حمتهم الدولة دائماً ولم تطلب منهم تقديم حساب اقتصادي حقيقي, أصحاب ملكية خاصة يشعرون بالمسؤولية, ويغوصون في فوضى السوق كما يغوصون في مياه مقدسة مطهِّرة. كان يفترض عندئذ أن انهيار الموانع السياسية والإيديولوجية السابقة سيجعل المجتمع كله حراً آلياً, وأن عمومية هذه الحرية ستتحول بالقدر ذاته من الآلية إلى مسؤولية مدنية عامة.‏

لقد قدر لي أن أكتب عقب الخصخصة لدينا مباشرة, أن الافتراضين المذكورين كانا وهميين. فسقوط الرقابة الحزبية السابقة لم يحرر المجتمع بل حرر من كافة أشكال المسؤولية المدنية والسياسية الأخلاقية السلك الوظيفي السابق, الذي طبق الأيديولوجية البائدة كما جاء على لسان أحد شخصيات دوستويفسكي: "إذا كان الله غير موجود فكل شيء مباح". لقد مات الله في نظر أولئك الملحدين منذ زمن بعيد, لكن ثقل الرقابة الحزبية قد خفف إلى حد معلوم عن المجتمع عواقبَ موت الله ذلك, فديماغوجية "الوعي الشيوعي" الحزبي لم تكن وسيلة خداع للجماهير فقط, وإنما كانت أيضاً كابحاً داخل الأوساط العليا ذاتها.‏

كما تبين, فقد غالى المجتمع السوفييتي في تقدير ذاته: لقد صب التحرر من الرقابة الحزبية - الإيديولوجية في صالح "الأقوياء", والذين يعيشون حياةً برجوازية منذ زمن طويل وسراً عن الآخرين, ولم يفعل شيئاً سوى أنه زاد من ضعف الآخرين, الذين لم يكن لديهم لحظة "الانقلاب الديمقراطي" رساميل أو نفوذ سياسي كاف للدفاع الفاعل عن أنفسهم ضد جور المخصخصين الموظفين. إلى جانب قابلية القسمة الطبقية هذه غير المتوقعة للحرية التي غدت بكاملها ملكاً لسلك الموظفين السابقين, تم اكتشاف إشكالية تلك العلاقة بين الحرية والمسؤولية, التي سلمت بها الليبرالية الجديدة.‏

أمر مدهش, لكن اللامسؤولية صارت عامةً: تملصت الأوساط العليا من أخلاق الواجب كما تتخلص من رقابة كريهة, فيما انقادت الطبقات الدنيا وراء إغراء الإباحة الشاملة المعلنة, من غير أن تعقل أن الذي يفوز دائماً في ظروف الاستباحة الشاملة هم الأقوياء والذين يخسرون هم الضعفاء. وبالمناسبة - وكان هذا أيضاً مفاجأة أخرى من مفاجآت المرحلة ما بعد السوفييتية - حتى مفهوما الأقوياء والضعفاء لم يتطابقا على الإطلاق مع المعنى الموجود في إيديولوجية الليبرالية. لقد سلمت الأيديولوجية بأن الضعفاء هم أولئك الذين اعتادوا الاتكال على الرعاية الأبوية الحكومية, أما الأقوياء فهم أولئك المستعدون للمنافسة في السوق الحرة, والمستغنون عن أي نوع من أنواع التأمينات السرية.‏

أما في الواقع فتبين أن "الأقوياء" هم تحديداً أولئك الذين تمكنوا من استخدام منظومة الضمانات والامتيازات الوظيفية لإعادة توزيع الثروة القومية لصالحهم, أما "الضعفاء" فهم, على العكس من ذلك, أولئك الذين تركوا وشأنهم, لكن مع حقوق وإمكانات مخفضة مسبقاً مما يستثنيهم في الحقيقة من المشاركة الكاملة في فضائل المجتمع المدني المبادر.‏

سلك المخصخصون الموظفون منذ البداية سلوكاً بعيداً تماماً عن سلوك "متقشفي المراكمة", الذين يراكمون منهجياً فتات الأرباح التي يحصلون عليها من أجل استثمارها لاحقاً في اقتصاد النمو. بل على العكس, فقد سلكوا سلوك البوهيميا اللامسؤولة التي حصلت مجاناً على ثروة لم يكن لها يد في جمعها وتنوي استغلالها في سبيل لذة منفلتة انفلاتاً لم يسبق له مثيل. إن التحليل السوسيوثقافي الموضوعي لسلوكهم لا يدلنا على أخلاق المراكمة الذاتية التقشفية, المرتبطة بالتقييد الذاتي الداخلي المنهجي, بل يدلنا على تزاوج سيكولوجية البوهيميا المنفلتة مع سيكولوجية "الجسارة" الاستيلائية المتحولة أكثر فأكثر, وعلى نحو مكشوف, إلى إجرامية. ويتبين أن المقارنة بين طبقة "الروس الجدد" (و"الجدد" الآخرين في الفضاء ما بعد السوفييتي وما بعد الاشتراكي كله) والبرجوازية الصغيرة البوريتانية المسؤولة, التي بنت الرأسمالية الوطنية وهي تعي تماماً تجذرها في الوسط المحلي والتقاليد المحلية لا تقل إثارة للإحباط.‏

تبين أن بوهيميا الموظفين, التي حصلت على الملكية الجديدة إضافة إلى الامتيازات القديمة, غير قادرة من حيث المبدأ على السير في الطريق الصعبة, طريق التوفير والشراكة والمسؤولية. لقد قامت باكتشاف مذهل, هو أن الربح الاستثماري القديم المرتبط باقتصاد النمو لا يمكن أن يقارن بربح المراباة, المرتبط باستثمار رأس المال في المضاربات في الأهرامات المالية وبألعاب مثل "MMM".(5)‏

لقد سموا هذا كله الاقتصاد النقودوي الأحدث, الفطري, كما يزعمون, في المجتمع المعلوماتي المعاصر, فألعاب المضاربات المالية كلها مرتبطة, أولاً, بالحصول على المعلومة الأسبق حول سوق الأوراق المالية وبيئة الرأسمال الصوري ككل, وهي ثانياً - تذهل بلا مادية الثروة ذاتها, التي تظهر كما يبدو من الهواء مباشرة - إلى جانب نمو المؤشرات العينية وحتى بخلافه.‏

من الواضح أننا نتعامل هنا مع سفسطة مكشوفة. فالمقصود عادة بالاقتصاد المعلوماتي, طبقاً لأحكام النظرية ما بعد الصناعية المتكونة, هو الإنتاج المستوعب للعلوم, وكذلك العلم والتعليم وشبكة الاتصالات والمعلوماتية والاستثمارات التي تعطي مردوداً اقتصادياً أكبر من الاستثمار في الإنتاج المادي. أما هنا فالمقصود بالاقتصاد المعلوماتي هو التعامل برأسمال مضاربات قصير الأمد يعني طرح إنفاقه اللامسؤول من الثروة الحقيقية مباشرة.‏

يعني "اقتصاد المضاربين الماليين المعلوماتي" منظومة من الآليات, التي يتم بوساطتها تأمين رأسمال لا مادي فاقد لأي رباط يربطه بعملية الإنتاج الحقيقية للثروة الاجتماعية. بنتيجة ذلك تتحول النخب المالية إلى أسرة "مقامرة", قادرة على نهب شعوب وقارات بأكملها في ساعات معدودة ماسحة مدخرات مئات الملايين من البشر وجهودهم. تعني مثل هذه المنظومة ترميم المزدوجة المتضادة: الديسبورة المرابية - السكان الأصليون, أي شطب ممتلكات الرأسمالية ذات النوع الويبري.‏

تختلف أسرة المضاربين الماليين المقامرين, وفاقاً للمؤشرات جميعها, عن أسرة المتقشفين المراكمين البروتستانتية القديمة. فالمقامر لا يقتصد, ولا يحد من خياله اللذوي, ولا يؤجل تحقيق الرغبات. وكلما كان حصوله على الثروة أسهل, تمادى بالتصرف بها.‏

(1( - البوريتانيون هم المشاركون في الحركة الدينية السياسية التي قادتها البرجوازية الإنكليزية والاسكتلندية ضد المذهب التجريدي والكنيسة الأنكليكانية في القرنين السادس عشر والسابع عشر. أسس البوريتانيون جماعات كنسية خاصة بهم اتبعت حياة الزهد المسالمة, وعادت الترف ولم تعترف بالصوم والقديسين, وطالبت بفصل الكنيسة عن الدولة (المترجم).‏

(2( - المقصود بالقرن الماضي هنا ولاحقاً هو القرن التاسع عشر (المترجم).‏

(3( - غيربرت ماركوزه (1898 - 1979) - فيلسوف وعالم اجتماع أمريكي من أصل ألماني, ممثل المدرسة الفرانكفورتية. أقام منذ عام 1934 في الولايات المتحدة. طرح عام 1960 فكرة أن الطبقة العاملة فقدت دورها الثوري, الذي انتقل إلى "الآوت سايدرز" (الدخلاء) (المشردون, والأقليات القومية الملاحقة ما شابهها) وإلى الفئات الطلابية والمثقفة الراديكالية. رفض أشكال النضال المشروعة كـ "اللعبة البرلمانية". شكلت نظرياته إلى حد كبير المرجع الإيديولوجي للعناصر اليسارية المتطرفة في الغرب (المترجم).‏

(4( - موسكوفيتشي س. الآلة مبدعة الآلهة. موسكو, 1998. ص 247‏

(5( - هرم MMM هو هرم مالي شبيه ببورصة افتراضية تغري المواطنين بإيداع أموالهم لدى مؤسس الهرم (رأس الهرم) لقاء فوائد خيالية, وقد اشتهر هذا الهرم في روسيا لما أحدثه من خسائر بين صفوف المودعين, وهو يشبه ظاهرة جامعي الأموال عندنا (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 05:16 PM
ـ طبيعة العقلانية الاقتصادية وموت الأسطورة الويبرية في الثقافة





يفرض نفسه بهذا الصدد السؤال عن طبيعة العقلانية ذاتها, وبالأخص العقلانية الاقتصادية. تشير النظرية المعاصرة حول نشأة الإنسان إلى أن ما يلعب الدور الحاسم في صيرورة مَلَكَة التفكير العقلاني والوعي ووعي الذات لدينا هو آليات كبح الرغبات التلقائية. وقعت إستراتيجية حظر الرغبات, التي ستحصل في ما بعد على اسم "السعادة المؤجلة", في صلب السلوك العقلاني اقتصادياً. إن عملية المراكمة مرتبطة بحظر الرغبات الاستهلاكية, وهذا ما مكن منه خصوصاً التقشف البروتستانتي. لقد ارتبط الفرق نفسه بين إنتاج وسائل الإنتاج وإنتاج مواد الاستهلاك بإستراتيجية حظر الرغبات. لولا تقييد نبضات المجتمع اللذوية لما كان بالإمكان تطوير إنتاج وسائل الإنتاج وزيادة معدل التراكم.‏

يجري انطلاقاً من وجهة النظر هذه إغفال التشابه المذهل بين نوعين من أنواع التقشف: التقشف البروتستانتي المرتبط بالنبض اللذوي الملجوم باسم المراكمة, والتقشف البروليتاري, المرتبط بتغذية إنتاج وسائل الإنتاج مع الإهمال الواضح لإنتاج مواد الاستهلاك. إن تدمير جو التقشف هذا, ورفض فكرة "السعادة المؤجلة" باسم التلبية الفورية للرغبات الاستهلاكية, قد قوض العقلانية الاقتصادية بدلاً من أن يوفرها, خلافاً لتأكيدات أهل السوق ما بعد السوفييتية لدينا. تبين أن المجتمع المندفع في السباق من أجل النجاح الاقتصادي السريع غير قادر على صرف الأموال على تجديد الأصول المهتلكة, وعلى بناء احتياطيات طويلة الأمد من أجل العملية الإنتاجية في المستقبل, متمثلة في البنية التحتية غالية الثمن, وفي الصناديق الأساسية و كذلك في العلم والتعليم. راحت تُهدم هذه البداية كلها باطراد, مع العلم أن المستهلك العادي, الذي راح ينظر باستحسان أول الأمر إلى هذا التدمير لمنظومة "الإنتاج من أجل الإنتاج" المكروهة من قبله, قد وجد نفسه في نهاية الأمر جالساً قرب الطست المكسور(1). لقد دعوه من قبل إلى الانتظار حتى تبدأ المراكمات تعطي المردود؛ والآن ليس ثمة ما ينتظره, لأن الثروة المحولة إلى نقود رنانة‏

أو "المسيلة" وقعت في يد الأولغرشيات, وهي تندفع مغادرة البلاد إلى الخارج.‏

يتبين على هذا النحو أن التضاد بين المستثمرين والمستهلكين الآملين بالحصة الأكبر من المراكمة, لم يُحلَّ لصالح المستهلكين, بل لصالح المختلسين الذين خططوا لإخراج ثرواتهم من "هذه البلاد غير المضمونة". وعندئذ أصيب المستهلكون بضرر أكبر من ذي قبل - لقد هبط مستوى الاستهلاك الحقيقي بالمقارنة مع الفترة السوفييتية عدة مرات. لكن ليس المستهلكون وحدهم من تضرر - لقد تضررت أيضاً الحضارة ذاتها في بلد وقعت فيه الأموال, التي كانت مخصصة من قبل لدعم البنية التحتية المعاصرة ورأس المال البشري وتطويرهما, في يد ديسبورة المضاربين الماليين النشطة. يستحق منا الاهتمام الفارق ذاته بين المصرف والمؤسسة الصناعية باعتبارهما مؤسستين اجتماعيتين.‏

تمثل المؤسسة الصناعية باعتبارها مؤسسة اجتماعية المجتمع كله. ففيها العمل ورأس المال مجبران على التعاون من أجل الحصول على توافق معين. ببساطة, لا يمكن أن تقوم عملية الإنتاج من غير حد أدنى من التوافق بين هذين العنصرين. لا يقل أهمية عن ذلك أن المؤسسة ملزمة بالبحث عن توافق معين مع الوسط الاجتماعي والثقافي المحيط, الذي يغذيها بعصائره - أي بالقوة العاملة وبمنظومة تأهيل الكوادر وبالمعلومات وبالأحكام الثقافية الاجتماعية اللازمة.‏

أما المصرف فأمر مغاير تماماً. إنه عبارة عن تجسيد لرأس المال اللامادي الممثل على شكل نقود. نجاح رأس المال هذا أو عدمه غير مرتبط عملياً بمؤشرات التقدم العام الحقيقية, مثل نمو إنتاجية العمل المادية, وحال الوسط الاجتماعي المحيط, وصحة السكان ومقدرتهم على العمل. المصرف هو عبارة عن "واقع افتراضي" غير متجذر في الواقع الاجتماعي المحيط.‏

حتى المؤسسات الإنتاجية السوفيتية العامة, التي كانت تضع نسبة تصل حتى 90% من أرباحها تحت تصرف المركز, كانت على الأقل تبقي في أماكن تواجدها البنية التحتية التي كونتها, وتبقي الكوادر المؤهلة وتقاليد العمل ومهارات العمال - أي تبقي كل ما ينتمي إلى الرأسمال البشري باعتباره أساساً لأي ثروة. أما المصرف فلا يترك شيئاً: يكفيه أن ينقل موجوداته إلى مكان آخر حتى تظهر في المكان صحراء قاحلة - ويسود الواقع الافتراضي على الواقع المادي. ولا يمكن تدمير هذا الأخير تحت هجوم منظومة تحويل الثروة القومية الافتراضي إلى لامادية إلا في جو اجتماعي معين - في جو يقوض فيه التقشف, القادر وحده على تأمين إخضاع أهداف الأنانية الاستهلاكية قصيرة الأمد لإستراتيجية البقاء والتطور.‏

وهكذا, نرى أن البرجوازية المالية المعاصرة, المجسدة لمفهوم النهج البرجوازي الأحدث بمجمله لا تتطابق, ولو بمعيار مهم واحد, مع الصورة التي رسمها لها محامي الطبقة البرجوازية الملهم ماكس ويبر. لقد تصور ويبر التوافق بين البرجوازيين وبقية المجتمع على أساس الأخلاق البروتستانتية. كان في مقدور البرجوازية المتقشفة, المضحية بمسرات الحياة الخاصة باسم المراكمة, أن تطلب من المجتمع تضحيات مماثلة, وحينئذ كان لديها الحظ في أن تحظى بتفهمه لها.‏

لكن برجوازية المقامرين الماليين المولعين, التي غطت العالم كله بشبكة عنكبوتية, والتي حققت ذاتها في فضاء افتراضي لا يسري فيه مفعول قواعد الحياة الطبيعية, ليس لديها أي أساس كي تعتمد على الاعتراف والدعم من قبل المجتمع. تتجلى الكارثة التي حلت بالطبقة البرجوازية الجديدة في فقدانها الكامل للشرعية. لا يمكن لأحد أن يصف الثروة البرجوازية الجديدة بأنها غير طفيلية - لقد فقدت كل صلة تربطها بكل ما يمكن أن يحظى بالاعتراف من قبل المجتمع أو ما يستحقه.‏

في زمنه كان الانتقال من رأسمالية المراباة القديمة إلى الرأسمالية المنتجة من النمط الويبري يعني أن البرجوازية صارت منذ الآن تذكي صحبةَ المجتمعِ لعبةً ذات محصلة إيجابية. اعتمد نمو الربح على نمو إنتاجية العمل وعلى نمو المؤهلات والتعليم, وعلى النمو المنتظم في الرأسمال البشري وكذلك في كل ما ينتمي إلى خيرات الحضارة المحسوسة بدرجة أقل والمرتبطة بجوها الروحي وأخلاقها وقيمها. أما الآن فيزاح الربح المنتج على يد "الربح من الاغتراب", هذا الربح الربوي القديم الذي يعني نموه الحسمَ المباشرَ من المجتمع: انخفاض الاستثمارات, تدهور شروط الحياة, تفكيك البنى التحتية, انحطاط العلم والثقافة والتعليم المرافق لانحطاط أخلاق المجتمع ومنظومة قيمه.‏

يعني هذا كله موت الأسطورة الويبرية في الثقافة السياسية المعاصرة. إن أدلة البراءة التي منحها ماكس ويبر للبرجوازية لا يمكن استخدامها سلفاً مع البرجوازيين المنتمين إلى التشكيلة المالية المضارباتية الجديدة. لكن البرجوازية الفاقدة لأدلة البراءة الاجتماعية مضطرة أكثر فأكثر للانسلاخ عن المجتمع المحيط بها وإلى الانغلاق في مجموعة دولية خاصة ما عادت تتكل على الدعم الأهلي الواسع, بل على دعم قوى ما فوق قومية وعولمية, لديها ما لديها من مخططات بخصوص العالم المعاصر.‏

طبعاً ستتجدد محاولات التمديد الاصطناعي لـ "النهضة الويبرية", وستتجدد معها محاولات التمديد لأسطورة البرجوازي الكادح والفاضل. إنهم يصدرون في ألمانيا المؤلفات الكاملة لماكس ويبر, التي يريدون أن يضفوا عليها وضع النص المقدس الشارح لكل شيء, كما كان وضع الإصدار الثاني (الكامل) لمؤلفات كارل ماركس في الاتحاد السوفييتي. لكن مآل هذه المحاولات كلها هو الفشل: تبين أن الأسطورة الويبرية أقصر عمراً من الأسطورة الماركسية التي لم ينعكس موتها في مصير الدولة السوفيتية العظمى وحده, بل انعكس أيضاً في مصير المشروع الحضاري ما بعد الرأسمالي عموماً. يبدو أن الأسرة الفكرية "التقدمية" ستظل صامتة مدة ما متظاهرة بأن شيئاً لم يحدث. لكن إطالة الصمت إلى أمد طويل غير ممكنة. وعلينا أن نتوقع تصميم أسطورة جديدة عن البرجوازي, الذي يغير صورته من عصر إلى عصر مثل بروثيوس(2), محدداً سلفاً "زيغزاغات" النظرية ومنعطفاتها الغريبة.‏

(1( - اقتباس من حكاية بوشكين "السمكة الذهبية", والمقصود هو فقدان كل شيء (المترجم).‏

(2( - بروثيوس هو أحد آلهة البحر في الأساطير الإغريقية, وكان يتمتع بالقدرة على تغيير هيئته (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 05:18 PM
ـ جورج زيمِّل ضد ماكس ويبر





يختم مفهوم ماكس ويبر ذلك الاتجاه في تطور الفكرة الاجتماعية التي ارتبطت بتبرير البرجوازي بروح الفرضية الهيغلية "كل ما هو واقعي - مدرَك, وكل ما هو مدرَك - واقعي". يكمن جوهر هذا التبرير في التسليم بالصلة اللازمة بين مصالح البرجوازية باعتبارها مجموعة خاصة في المجتمع ومصالح المجتمع كله. طرح الاقتصاد السياسي الكلاسيكي بهذا الخصوص مبدأ "اليد غير المرئية", الذي يوفق بين الجهود الاستثمارية الفردية ونمو الخيرات الاجتماعية إلى جانب كافة النيات من جهة العملاء الفاعلين.‏

لقد سعى ماكس ويبر إلى أن يجعل من هذه اليد الخفية مرئية, بعد أن شدد على الدافع الاستثماري ذي النوعية الجيدة, الذي لم تكمن في أساسه, كما برهن هو, غريزة الطمع بالمال, بل دافع كسب الخلاص الروحي المسوغ إلهياً. لقد طمح ويبر في أثناء ذلك, باعتباره مفكراً ألمانياً حقيقياً, إلى تجذير البرجوازي في التربة القومية, مازجاً دوافع الدعوة الفردية ("beruf") مع قيم الخلاص الديني فوق الفردية. يبدو الأكثر أهمية ضمن هذا السياق هو انقطاع تقاليد الجشع: الانتقال من رأسمال الديسبورة المضارباتي - الربوي اللااجتماعي إلى الرأسمالية المنتجة من الطراز المعاصر, التي لا تختلس الثروة القومية بل تضاعفها.‏

اقترب جورج زيمِّل(1) من تحليل الرأسمالية من موقع مغاير تماماً. لم تكن توجد لديه أي انقطاعات في تقاليد صانعي النقود, ولا أي فرق بين حرفة المراباة القديمة والطبقة البرجوازية المعاصرة. ولم يكن من قبيل المصادفة أنه سمى مبحثه عن الطبقة البرجوازية "فلسفة النقود".‏

حيث يدور الحديث عن المؤسسة باعتبارها تنظيماً يظهر للعيان بوضوح الفارق بين المراباة وإنتاج السلعة والخدمات الحقيقية. وحيث يتم التشديد على النقود كنقود يتراجع هذا الفارق إلى الظل, فالنقود, كما هو معلوم, "ليس لها رائحة", وفي الكون النقدي لا توجد فوارق نوعية, وخصوصاً الفوارق الأخلاقية - يدور الحديث عن الفوارق الكمية فقط. يرفض زيمِّل تقبل البورجوازي باعتباره أنموذجاً سوسيوثقافياً تاريخياً خاصاً ينبغي أن نحزر نشأته. إنه يسلم بالمطابقة التامة بين دافع الطمع بالمال البرجوازي ومحرض الأنانية الطبيعية الإنساني. أما القسم غير البرجوازي المتبقي في المجتمع فيعتبره مؤلفاً من برجوازيين فشلوا في أن يصيروا برجوازيين ولم يستطيعوا تحقيق دوافعهم الجشعة.‏

يستبدل زيمِّل "بالدهشة" الإبستيمولوجية الناجمة عن ظهور البرجوازي باعتباره أنموذجاً اجتماعياً متطرفاً دهشةً من نوع آخر: لماذا لم يصر الآخرون كلهم برجوازيين, وشغلوا بالقياس إليه موقفاً بعيداً - متيقظاً وأحياناً عدائياً مباشراً. إن زيمِّل ميال إلى الإجابة عن هذا السؤال بروح خالية خلواً واضحاً من المجاملة تجاه أولئك الذين لم يصيروا برجوازيين. إنه يفترض أن دافع الإثراء وامتلاك النقود باعتبارها سلطة يتنشَّط لدى أولئك الذين تتميز النقود لديهم بأهمية تعويضية عميقة - أي أنها تعوض النقص في اعتراف المجتمع وفي الأمن والثقة. ويعتبر أن الإنسان قد صار إنساناً لأنه عوضاً عن أن يذوب في محيطه الطبيعي قد وعى وجوده باعتباره معضلة تحتاج إلى حل واعٍ.‏

تعتبر من وجهة النظر هذه إستراتيجية من يسميهم في ما بعد برجوازيين إستراتيجيةً "إنسانيةً حقاً": فعوضاً عن أن يذوبوا لاإرادياً في الوسط الاجتماعي المواتي جعلوا وجودهم إشكالياً باعتبارهم مجموعة لم يكن وضعها ولا وجودها نفسه مضمونين منذ البداية. واضح أن الحديث عندئذ يدور عن المجموعات الدخيلة, وبالدرجة الأولى, عن المجموعات اليهودية التي اضطرت, إذا ما تكلمنا بلسان إدوارد غوسيرل(2), إلى أن "تؤشكل" وجودها الاجتماعي - أي أن تعيه باعتباره مشكلة خاضعة للحل.‏

ينتج في هذا السياق أن "صانعي النقود" المحترفين, وإن كانوا أقلية البشرية, هم, إن شئنا, أقلية بشرية أصيلة, مستيقظة على الدوام من النوم الحيواني وتعيش في حال النشاط المستمر - أي الوعي المستنفر الفاهم أن العالم الخارجي لا يرحم الإنسان.‏

تكمن سفسطة زيمِّل الثانية المتعلقة بتقبل المجموعات النقودية على أنها مجموعات متوافقة مع وظيفة الإنسان في العالم, في خلط التبادل النقدي مع التبادل المجتمعي كتبادل. سيكون الناس غير المستعدين للاعتراف بدور النقود الرئيسي في العالم عرضة للاتهام بالانعزالية العدائية التي ليس منها رجاء, وبالولاء لفكرة المكان السلفية وغير المثمرة - أي المشاعية المنعزلة ذاتياً, والمحكوم عليها بالركود. يقدَّم على هذا النحو منذ البداية المفكر اليهودي جورج زيمِّل, بخلاف المفكر الألماني ماكس ويبر, من موقع العولمي المنهجي, فهو يسير بمنطق التبادل النقدي الفطري, الذي يدعي عموميته, في الاتجاه من الأسواق المحلية إلى السوق الوطنية, ومن هذه الأخيرة نحو السوق العالمية التي لا تعرف حدوداً.‏

وكما كتب سيرج موسكوفيتشي(3) فإن جديد زيمل يكمن في أنه عمم على المجتمع كله علاقات القيمة المتعلقة بإضفاء حال السلعة على أي ظاهرة, "محولاً هذا المجتمع من اقتصاد إلى علم اجتماع خال من أي تصويبات أخلاقية أو دينية(4)".‏

لقد حضَّر زيمِّل للاستبدال بالخطاب عن المجتمع ما بعد الصناعي المميز لليبرالية الاقتصادية المركزية المعاصرة الخطابَ عن المجتمع العولمي. لا يتميز المجتمع الحديث, في ضوء الأنموذج النقودي, عن سابقه بالدور الخاص للعلم والتعليم والثقافة فيه, ولا بأن المؤسسة الاجتماعية المركزية فيه هي الجامعة وليست المؤسسة الاقتصادية, كما يؤكد على ذلك واضعو النظرية ما بعد الصناعية السابقون, بل ما يميزه هو الدور الجديد للتبادل الاقتصادي فيه, المتحول من تبادل محلي إلى عولمي, ومن تبادل جزئي (يمس جوانب خاصة منفصلة من الحياة والممارسة) إلى تبادل شامل لكل شيء وعمومي.‏

باختصار, يصير المجسد الرئيسي لبرنامج ارتقاء الإنسان العاقل هو البرجوازي "باعتباره الإنسان الأكثر إنسانية", وتحديداً - البرجوازي النقودي, الذي يحصل على ربحه في الغالب من التبادل كتبادل, والذي لايمثل له الربح الإنتاجي سوى مشهد تاريخي عابر.‏

لا تشرح لنا أنثروبولوجيا جورج زيمل لماذا, فرضاً, ينبغي التعبير عن الجهود التعويضية غير المبذولة منذ البداية أو غير المحمية في المجتمع بما يكفي بوساطة "الإبداع" النقودي, وليس بغيره من أنواع الإبداع التي تحظى باعتراف أكبر - كالفن, و كالشأن العسكري, وكالتهذيب الأخلاقي المُعدي وما شابه ذلك. إنها لا تشرح لنا أيضاً لماذا تجد بيئة التبادل المتعولمة التعبير الأكثر مواءمة لها في البيئة المالية وفي نشاط المصرف باعتباره مؤسسة وليس, مثلاً, في الإنتاج الروحي الشامل, وفي العملية الأدبية العالمية. يتكون انطباع أن البرجوازيين المرتبطين برأسمال المضاربات قد قرروا إعلان الحرب على الفكر الكلاسيكي, الذي كانوا ينتظرون منه دوماً المكائد والدسائس. لقد قرروا أن يعيدوا بناء مفهوم المجتمع ما بعد الصناعي كي يعلي اجتماعياً شأن طبقتهم تحديداً في المجتمع وليس "ثقافة رجال الفكر العدائية" المرتابة منذ أقدم الأزمان في القيم البرجوازية.‏

لا يرى زيمِّل, باعتباره رائداً للفكر العولمي النقودي الحالي, أي شيء غامض أو مثير للذهول في أن النقود تولد نقوداً. إنه لم ير أي قفزة حقبوية في الانتقال من صيغة المراباة القديمة ن - نَ إلى صيغة الاقتصاد المنتج ن - ب - نَ (نقود - بضاعة - نقود أكبر). لقد اعتبر أن قدرة الربح على النمو من التبادل كتبادل حقيقة أزلية من حقائق المذهب النقودي, لا تحتاج إلى أي تبريرات. عدا ذلك, لقد رأى في المقدرة الأكبر أو الأقل على التبادل المؤشر الرئيسي على التقدم الثقافي, الذي ما كان هذا التبادل لينتمي إليه. "تنبع مساهمة النقود كلها في أقسام التقدم الثقافي الأخرى من وظيفتها الأساسية. إنها تشكل التعبير الأكثر تركيزاً من بين التعبيرات الممكنة كلها, والتصور الأوسع عن القيمة - الأساس الاقتصادي للأشياء جميعها"(5).‏

تضفي النقود على الأشياء كلها قدرة رائعة على الحركة - أي تضمن أن تقدر هذه الأخيرة على مغادرة أصحابها العرضيين والرحيل إلى من يستحقها أكثر. تسمح النقود للأشياء كلها بأن تغير أهلها المنحوسين المرتبطين بها منذ يوم الولادة العرضي, وتنتقل إلى أيدي "المربين" ذوي الإمكانات الأكبر والذين اجتازوا المسابقة الاجتماعية المسماة تبادلاً.‏

كم من السهل أن نحزر أن نمط الفلسفة النقودية هذا نافع نفعاً لا يمكن أن يكون لـه مثيل من أجل تبرير ما يفعله مؤسسو الأهرامات المالية العالميون المولعون في العالم المفتوح – أي غير المحمي بسيادة ذاتية أو حدود. تشكل التجارة بالعملات الصعبة في الوقت الحاضر أكثر من 400 تريليون دولار سنوياً, وهذا ما يزيد 80 مرة على التجارة العالمية بالبضائع. هذا مثال واضح على قيمة التبادل الذاتية النقودية, هذا التبادل القيِّم بذاته, الفاقد لارتباطه السلعي والمولِّد لـربح المضاربات "الناجم عن الهواء".‏

يمكن في السياق الفلسفي العام لعصرنا تقويم انقطاع النقود هذا عن حركة الكتلة السلعية, التي كانت مدعوة منذ البداية إلى خدمتها, بأنه استبدال بالدلالات الرموز - أي أنه تحرير عشوائي للرمز من قيمته وحياته الذاتية المليئة بالمغامرات. صار الموضوع الأخير هو الرئيسي في الفلسفة ما بعد الحداثوية, وهذا ما سنقف عليه بالتفصيل في الفصل القادم. يكفينا هنا أن نشير مسبقاً إلى أن امتلاك النقود باعتبارها رموزاً للوظائف الكافية لنفسها يندرج ضمن إطار الأنموذج القياسي السوسيوثقافي العام لعصرنا.‏

إذا عنت الحداثة إفقاد العالم طبيعيته - أي ذوبان المتكوِّن كله تكوناً طبيعياً في المصطنع والمُتَقْنَن والقابل للتبادل - فإن في مقدرونا أن نقر بأن البرنامج النقودي الهادف إلى نزع الصفة الشيئية عن الخيرات المتحولة منذ الآن بكاملها إلى رموز تنتقل من بلد إلى بلد ومن قارة إلى قارة بوساطة إشارات إلكترونية, هو التجسيد الأكثر ملاءمةً لبرنامج الحداثة العالمي. وعندئذ سنرتكب خطأ كبيراً إذا ظننا أن هذه العملية تحمل طابع المصادفة الخالصة, وأن ليس لها موجِّه محدد. الموجِّه موجود: تَنْزع الخيرات المتحولة إلى لا مادية إلى التحرك من البلدان الأقل تطوراً إلى البلدان الأكثر تطوراً, ومن الأطراف إلى المركز العالمي. بالتالي تستخدم في "اللعبة" النقودية العالمية خارطة مرسومة تسمح سلفاً بمعرفة من الذي سيفوز بها في نهاية المطاف.‏

النقودية هي أكثر من أن تكون أحد الاتجاهات الاقتصادية. إنها ربما اليوم المذهب الأكثر عدائية, الذي يطلب إعادة النظر بأسس الثقافة الإنسانية نفسها - أي رفض جميع الموانع والتوازنات التقليدية التي يستطيع بوساطتها أي مجتمع أن يحمي نفسه من عدوان عِدْل النقود.‏

لا يكمن هنا الأمر فقط في السياسة الدارونية الاجتماعية التي تشجع "الأكثر قدرة على التكيف" والمستندة إلى مدرسة شيكاغو. فمدرسة شيكاغو تطالب بالحد من صلاحيات الدولة الاجتماعية تاركة غير المحميين اجتماعياً لمصيرهم. أما المذهب النقودي العولمي فيتطلب أكثر من ذلك: إنه يشجب قطعياً كل محاولات إعاقة نزع الصفة المادية عن الثروة ومحاولات إبقائها في هيئة غير قابلة للتبادل والتغريب, على النقود أن تحقق مقدرتها على شراء كل شيء على الإطلاق, كما الجواهر المادية كالأرض, مثلاً, كذلك القيم الروحية مثل الواجب الوطني, ونزاهة الخبير الحرفية.‏

صارت الفضائل الأخلاقية السابقة كلها, التي غرستها الإنسانية بعناية على امتداد التاريخ كله مدانة منذ الآن باعتبارها سلفية حمائية تمنع انتصار التبادل انتصاراً تاماً.‏

لم نصادف منذ زمن نقد الاغتراب الهيغلي مرة واحدة في الغرب تياراً يحول الاغتراب إلى قيمة مصانة منهجياً وإلى مشروع تاريخي خاضع للتعميم. يجب أن يكون كل شيء على الأرض مغترباً, أي خاضعاً للانتزاع والتجريد والنقل إلى أيد أخرى قد لا يكون لها أي علاقة في بداية الأمر بما يأتيها. يقوَّم التواجد خارج أطر الاغتراب - خارج فضاء التبادل والانتزاع - بأنه من مخلفات مذهب الطبيعة التقليدي. إن مثل هذا المبدأ يصحح على نحو محسوس التصورات الأولية عن الملكية الخاصة. فالتشديد هنا كما يبدو لا يتم على الملكية باعتبارها ملكية, بل على صفة الأشياء المتواجدة بين يدي مالكها فضلاً عن رغبتها في الانزلاق من بين الأيدي والانتقال ضمن فضاء "لعبة" غير خاضع للسيطرة.‏

يعدّ النظام العولمي الذي يدور الحديث عنه هنا, على ما يبدو, العدة لانتزاع ثروات العالم كلها من قبل أسرة المقامرين الماليين العولميين. كان هؤلاء المقامرون يصطدمون من قَبل بعائقين على الأقل: موضوعي مرتبط بوجود هذه القيم أو تلك في هيئة غير اغترابية وغير سلعية, وذاتي مرتبط بعدم الرغبة في المتاجرة بالأشياء التي يحميها من التبادل وضع قيمي "كاريزمي" خاص. المقدر منذ الآن هو الانتهاء من هذين القيدين. يكتب أحد عولميينا قائلاً: " إن نقد اغتراب الأشياء والامتلاك في الماركسية, النابع من نقد المجتمع الرأسمالي عموماً, يجعل هذا النقد نقداً محافظاًً(6)".‏

كما نرى فالمسألة ليست في التبادل كتبادل. إنها في جعل كل شيء على الأرض مغترَباً - وعلى النطاق العولمي.‏

حين عرج الحديث على نمط السوق السابق, أي سوق السلع, عالجت النظرية الاقتصادية اصطفاء السوق باعتباره إجراءاً لاكتشاف المنتجين الأكثر فاعلية الذين يلقون في منظومة السوق التشجيع الفاعل. الآن, حين يدور الحديث عن سوق الأوراق المالية والتعاملات مع رساميل المضاربات قصيرة الأمد, فإن السوق تتحول إلى إجراء تجريدٍ واغترابٍ - أي نزع الصفة المادية عن الثروات الذائبة عن آخرها في رموز نقدية, والمختفية من غير أثر في ثنايا عملية المقامرات المالية العولمية. لا تبقي النقود من المواد سوى رموز خالصة, تربطها بشكل وحيد من أشكال الوجود, هو التبادل والاتصال.‏

لكن المذهب النقودي لا يرمز فقط إلى القدرة التجريدية لمنظومة الرموز النقدية, التي تقف, على غرار الأفكار الأفلاطونية, وراء الأشكال الطبيعية للثروة, وتجعلها مغتربة حالاً. تعتبر النقود الشكل الخصوصي للثورة المستمرة, التي تقلب الأوضاع والمقامات الاجتماعية. ثمة في أساس الطمع بالمال جموح: لكن يخطئ من يرده إلى حب الكسب. فهذا الجموح هو, إلى حد غير قليل, جموح الثأر الاجتماعي من جانب المجموعات المتأنفة إلى أقصى حد, والتي تشعر بأنها مهانة إلى أقصى حد.‏

يكتب سيرج موسكوفيتشي معلقاً على جورج زيمِّل: "النقود هي وطن من لا وطن لـه... إذا تجذرت في المجتمع النزعة الذهنية نحو تحويل النقود إلى الهدف المراد منها, فمن الضروري الافتراض أن فئة اجتماعية خاصة ما قادرة على تنفيذ ذلك أكثر من غيرها... ينبغي قبل كل شيء أن تكون هذه الفئة على شيء من البعد عن قيم الجماعة وثرواتها, وأن تظهر اللامبالاة تجاه مصير هذه الجماعة. ثم ينبغي أن يحدد لها زمن, وعليها أن تعيش تحت تهديد الإنذار الأخير دائماً.. ثمة في كل مكان دخلاء ومارقون... أناس مفصولون من المجتمع بسبب من الخطر الذي يمثلونه على المجتمع إن لم يكن على الجنس البشري كله... لا يسمح لهم أي دور آخر بالوجود, أو حتى بامتلاك شيء من القوة. وحدها النقود تعطيهم ذلك, لذلك يتمسكون بها كما يتمسك الغريق بطوق النجاة(7)".‏

على هذا النحو نجد أننا نصطدم فعلاً بمفارقة. فليبراليونا الذين يشجبون اليوم بمثل هذه الحرارة الانقلابات الثورية والإرهاب الثوري - لأنها, قبل كل شيء, تقلب الأفق الاجتماعي الطبيعي فتقلب الأكثر كفاءة وتعلي شأن الأسوأ - لم يلحظوا أن "إرهاب المذهب النقودي" يقوم بالدور ذاته حرفاً بحرف. فبوساطة النقود يحصل أناس لا يستحقون ثقة المجتمع قط, وغالباً ما يظهرون أسوأ الصفات الأخلاقية إمكانية التفوق على من هم أفضل منهم - على أصحاب الضمير الحي والمرهفين وغير النفعيين والشرفاء ببساطة.‏

ألا تعتبر الثورة النقودية الحالية, التي تقلب الأوضاع كلها على مرأى من العالم المذهول رافعةً فوقنا جميعاً شخصيات مثيرة للريبة ما كان لأحد أن يعرفها من قبل, شكلاً متحولاً من أشكال التطرف الثوري القديم الذي يحدد طابعه, كما هو معروف, أولئك الدخلاء المستاؤون أنفسهم والمثقفون المهلهلون الطموحون المحليون المتشفون, الذين لم يهبهم مجرى الأحداث المعتاد أي أمل؟ إن من مصلحة هؤلاء وأولئك تحطيم النظام الاجتماعي الموجود والإخلال بقواعد اللعبة والوصول إلى قلب الأوضاع المربح لهم بقلب المجتمع رأساً على عقب.‏

ثأر المنشقين - هذا هو ما يحدد أواصر القربى بين الثورة البلشفية السابقة والثورة النقودية الحالية, وليس من قبيل المصادفة أن الثورتين معاً ترافقتا بثورتين ثقافيتين خصوصيتين. الثورة الثقافية هي انفجار المنظومة القيمية الطبيعية ومنظومة التقويمات, الذي من غيره سيكون في الأحوال كلها مآل المنشقين الآخذين بالثأر هو الطرد الأخلاقي والنبذ الروحي. لذلك بدوا مهتمين إلى أقصى حد بفرض "أخلاق جديدة" على المجتمع من شأنها أن توفر الشرعية لممارساتهم غير الشرعية.‏

"ثوريو المذهب النقودي" الحاليون أقل ميلاً للاعتراف بهذا. فنضالهم ضد "العقلية القديمة" ينقصه الوضوح المذهبي. لكن يخطئ كثيراً من يرى في موجة انعدام الأخلاق الحالية والجريمة المباشرة فعل "العنصر البربري" وحده. ثمة هنا, كما في ثورة البلشفية الثقافية, إحساس باليد الموجهة للتقنيين المختصين الذين يعرفون ما يفعلون. إن هدفهم الرئيسي هو تحطيم المجتمع أخلاقياً وتثبيط عزيمته, وحرمانه من القدرة على المحاكمة الأخلاقية, وقلب منظومة التقويمات.‏

تعتبر "ثورة المنشقين" النقودية احتكاماً إلى الكثير من المؤشرات عالمية فعلاً. بما أنها تمسح كافة الفروق النوعية التي تمس منشأ النقود, وأهمها الفرق بين ربح المضاربات والربح المنتج وبين الاقتصاد الطبيعي واقتصاد الظل فإنها ستجر وراءها حتماً جحافل كاملة من الممارسات النقودية الإجرامية, بما فيها ذات الربحية الفائقة كتجارة المخدرات والتجارة بالسلعة الحية والتجارة بالأعضاء البشرية وما شابهها.‏

ثمة شيء ما حدث للحضارة, لقد أضعفتها جرثومة من الجراثيم ما دامت في حال لا تسمح لها بالتنبه لهجوم البرجوازيين الجدد, ذوي الطاقة الثورية المحطِّمة كل المعايير الاجتماعية والأخلاقية. وحدها ازدواجية القانون الحضاري ذات المعاني الكثيرة هي التي تسمح لبناة الأهرامات المالية بأن يفلسوا قارات بأكملها من غير أن يطالهم عقاب, وأن يفقدوا جهد ملايين الناس أي معنى, وأن يخرجوا مئات المليارات من الدولارات من البلدان المفلسة من غير أن تنطبق عليهم أية مادة من مواد قانون الجنايات. يرتكب النقوديون إبادة جماعية صامتة ضد الشعوب التي غدت ضعيفة, وذلك بتقويض الشروط المواتية لتجددها الديموغرافي, وأي شرط من شروط الحياة الطبيعية عموماً.‏

مكنَّت الثورة النقودية بتحريرها عملية إعادة إنتاج النقود الذاتية, من غير الرجوع إلى وظائفها الاجتماعية الطبيعية المرتبطة بالاستثمارات والمكافأة على الجهد المبذول, من إعادة الإنتاج الموسعة للناشطين اللااجتماعيين, المتنطحين للعب الأدوار الرئيسية في المجتمع. يشبه انسلاخ النقود عن وظائفها الاقتصادية المنتجة السابقة انسلاخ العناصر اللااجتماعية عن المحيط الاجتماعي الطبيعي, الذي يريدون أن يحكموه من غير أن يشاركوه قيمه. كلما ازدادت كتلة النقود المتحررة من ارتباطها السابق بالمؤشرات الطبيعية, ازدادت كتلة المهمشين الجدد المتحررين من أي "خضوع اجتماعي" ومعايير حضارية.‏

إذ نقوِّم المجتمع ما بعد السوفييتي في ضوء هذا الأفق فإننا نميز فيه مجموعتين متشابكتين حالياً تشابكاً وثيقاً, لكنهما قادرتان في المستقبل على أن تتباعدا كثيراً. فمن جهة نميز السلك الوظيفي السابق, الذي استبدل بالسلطة السابقة الملكية الجديدة مستغلاً الامتيازات التي في حوزته جميعها. ونميز من جهة أخرى وسط ثوريي النقودية الذين تمثل النقود لديهم الوسيلة الوحيدة للاستحواذ على الفضاء وقلب الأوضاع. لم يكن لدى هؤلاء امتيازات سابقة - لذلك فهم "يخلصون" المجتمع بطاقة أكبر من المخلفات الإيديولوجية والأخلاقية السابقة ويستنفرون قوة النقود من أجل الثأر الاجتماعي المدمر. يتحد هنا مهرة المقامرين الماليين المضاربين مع اقتصاديي الظل من الوسط التجاري وكذلك مع المافيويين المكشوفين غاسلي النقود القذرة.‏

ثمة رابطة خطرة مغفلة: تزداد النقود, المتحررة وفاقاً لوصفات المذهب النقودي من ارتباطها "السلفي" بالمؤشرات الاقتصادية الطبيعية, بحرية وسرعة أكبر كلما أوغل الباحثون عن النقود في انقطاعهم عن المعايير الحقوقية والأخلاقية. تهيئ الفكرة العولمية الأساسية المعاصرة الظروف لمثل هذا الانقطاع, لا بل تكرسه مساعدة على الاستخفاف بكافة أشكال الانصياع السابق للقانون والسلوك الأخلاقي الصحيح على أنها من مظاهر الأصولية الرجعية.‏

ارتكز نظام يلتسين على توافق معين بين هذين الأنموذجين - "أرستقراطية" الموظفين و"المقامرين" النقوديين. لكن طريقهما ستفترق منذ الآن. يذكرنا هذا الافتراق بالانشقاق الذي جري وسط الثوريين البلاشفة. بعضهم سيرغب, كما حدث حينذاك, في بناء "مجتمعه الجديد" في "بلد منفصل" تساعده فيه على ذلك الجدران.‏

أما الآخرون, المعتمدون بدرجة أقل على وفاء الوسط المحلي, فسيتجهون إلى الأممية العولمية, التي توحِّد ثوريي النقودية كلهم. سنتحدث لاحقاً عن آفاق هذا الصراع (انظر الجزء الثاني من هذا الكتاب). أما الآن فسنؤكد على أمر آخر.‏

يدلنا تصور ماكس ويبر وتصور جورج زيمِّل على إستراتيجيتين متعارضتين لمشكلة تطرحها مسألة إعلاء شأن الطبقة البرجوازية باعتبارها منبوذ الحضارة الثقافي. افترض ماكس ويبر أن المشكلة المطروحة من قبل الكلاسيكية الأدبية كلها حول البرجوازي المتسلق الذي ينتهك معايير الحضارة الأخلاقية والثقافية هي مشكلة قابلة للحل من حيث المبدأ. ويتلخص حلها في رسم الحدود بين نمط البرجوازي المضارب والنقودي, الذي يعود في أصله إلى اليهودي - المرابي القروسطي, وبين النمط المنتج الذي يرجع أصله إلى المتقشفين البروتستانت المرتبطين منذ البدء بالتقاليد الأخلاقية - الدينية الكبرى. افترض ويبر أن الثورية الماركسية لم تتفرغ للتدقيق في مادة نقدها الحانق. الهدف المختار هو البرجوازي - من غير التدقيق عن أي برجوازي يجب أن يدور الحديث, ومن تستطيع الحضارة المعاصرة أن تتخذه حليفاً لها ومن تستطيع أن تبقيه خارجاً باعتباره حاملاً للمبدأ اللامنتج.‏

أما جورج زيمِّل فقد افترض, على العكس من ذلك, أن الهدف البديل للطبقة البرجوازية هو ليس هذا الربح المحدد أو ذاك, بل الربح عموماً المعبر عنه كلياً بتنامي النقود الذاتي. يَعِدنا تصور زيمِّل بأن البرجوازيين ما إن يكتشفوا أساليب صنع النقود, بغض النظر عن التوظيف الإنتاجي لرأسمالهم, حتى يتركوا أشغالهم المملة السابقة التي تعطيهم ربحاً سنوياً من 5 إلى 7% في أحسن الأحوال, وينشغلون بألعاب المضاربات النقدية.‏

منحت الثورة النقودية المعاصرة التي حررت رأسمال المضاربات قصير الأمد وجعلت من البنك, وليس من المؤسسة, مركز المجتمع, هذه الإمكانيةَ للبرجوازية الجديدة. صار البرجوازيون مع امتلاكهم هذه الإمكانية يسلكون سلوكاً لا يتماشى قط مع روح ماكس ويبر. وعوضاً عن أن يشتغلوا بالنقود القادرة على مكاملتهم مع الوسط الاجتماعي المحيط المتركز حول المؤسسة الصناعية, صاروا يشتغلون بصنع النقود التي تخرجهم من المجتمع وتسمح للطائفة المالية الجديدة بأن تسود على السكان الأصليين. بهذه الصفة سموا أنفسهم عولميين متحررين من القوانين الوطنية.‏

وهكذا, فإن البرجوازيين الجدد هم مجددو وظيفة النقود السابقة, التي لا تخدم المجتمع بالكامل, بل الوسط الهامشي الخاص, الذي أخذ بفضل هذه النقود بثأره من المجتمع. ليست الجامعة (وغيرها من مؤسسات الإنتاج الوجداني) كما وعدت النخب الفكرية, هي مركز المجتمع ما بعد الصناعي الذي يبنونه, بل البنك.‏

يمكن أن يخفف أهل الفكر عن أنفسهم بأن تنبؤاتهم بخصوص تهميش الوسط الصناعي قد تحققت على هذا النحو أو ذاك. إن الوسط الصناعي في واقع الأمر يتراجع ويفقد مواقعه لكن ليس لصالح مراكز الإنتاج الروحي, التي تنتج أفكاراً منتجة جديدة, بل لصالح مراكز الاحتيالات المالية المنتجة لفضاء الحضارة المضادة الافتراضي المعادي لباقي المجتمع.‏

إذا كانت الحضارة غير قادرة على الدفاع عن نفسها من الثورة النقودية العالمية التي قلبت الأولويات الطبيعية ومعايير الأوضاع رأساً على عقب, وإذا كانت غير قادرة على رد هجوم الهامشيين المضاد, المتسلحين بالنقود القذرة, فإن مستقبلها سيظل موضع تساؤل. لإيقاف هجوم الهامشيين الجدد من الضروري مسبقاً إنجاز عمل نظري متعلق بفضح الصنمية (الفيتيشية) النقدية الجديدة.‏

ارتبطت الصنمية السلعية, التي ناضل ضدها كارل ماركس في زمنه, بالإيمان بنمو القيمة الذاتي الغامض, الذي كان وراءه في الواقع استغلال العمل المأجور. أما الصنمية النقودية الحالية فهي مرتبطة بفكرة نمو النقود الذاتي, الذي يقف وراءه في الواقع انتزاع ملكية الثروة, الممثلة بأشكالها الحقيقية الطبيعية المحسوسة. يولد "نمو النقود الذاتي" التضخم, المدمر للمدخرات النظيفة. يتولد هذا التضخم مباشرة من الانقطاع بين وظيفة النقود الدلالية المحددة, التي تتطلب التوافق بين الكتلتين السلعية والنقدية, ووظيفتها الرمزية - القابعة في أساس الممارسات الاحتيالية.‏

حين يبرز المقامرون الماليون في دور "صانعي النقود" فإنهم يتعاملون مع الوظيفة الرمزية, التي تسمح لهم بتكوين واقع الأهرامات المالية الافتراضي. لكن حين يظهرون باعتبارهم مستهلكين للثروات فإنهم يطلبون لقاء نقودهم المنفوخة موجودات ثابتة - ويحصلون عليها بنهب المجتمع كله. تنكشف أمامنا هنا المفارقة الأساسية للنظرية النقودية. فإذ تبرز هذه النظرية باعتبارها نظرية "نقود ثمينة", لا تنصح بإنفاقها على شكل قرض رخيص لأشكال النشاطات الاقتصادية غير المضمونة, ما لم نتكلم على الإنفاق على الرعاية الاجتماعية التي تعيل "غير القادرين على التكيف" كلهم, فإنها تطلب في الوقت نفسه استقلال البنوك, باعتبارها مراكز السلطة والقرار, عن أشكال الرقابة الاجتماعية التقليدية, بما في ذلك الحكومية منها.‏

لكن البنوك المتحررة من مثل هذه الرقابة تبدأ تشتغل بإنتاج النقود من أجل النقود عوضاً عن أن تحافظ من وراء النقود على الوسائل المحفزة لأنواع أخرى من الأنشطة. بدأ النقوديون من نقد الممارسة السوفييتية "الإنتاج من أجل الإنتاج", مطالبين بإخضاع المنتجين للرقابة من جانب السوق؛ وها هم ينتهون بتبرير المضاربة بالنقود من أجل النقود المتحررة من الرقابة القانونية من جانب المجتمع. وكل هذا يتم إبرازه على أنه منطق التطور الاقتصادي الموضوعي الذي لا بديل له.‏

(1( - جورج صمويل زيمِّل (1858 -1918) فيلسوف وعالم اجتماع ألماني, ممثل فلسفة الحياة. مؤسس ما يسمى علم الاجتماع الشكلي. (المترجم).‏

(2( - إدوارد غوسيرل (1859 - 1938) فيلسوف ألماني سعى إلى تحويل الفلسفة إلى "علم صارم". اتجه بعد ذلك نحو فكرة "العالم الحياتي" باعتبارها تجربة اجتماعية ثقافية ابتدائية, مقترباً من فلسفة الحياة. وكان له الأثر الكبير على المذهب الوجودي, والأنثربولوجيا الفلسفية (المترجم).‏

(3( - سيرج موسكوفيتشي (تولد عام 1925) عالم نفس فرنسي. مدير مختبر الدراسات الاجتماعية النفسية في مدرسة الدراسات الاجتماعية العليا في جامعة باريس. اختصاصي في مجال علم النفس الاجتماعي. (المترجم).‏

(4( - سيرج موسكوفيتشي. الآلة مبدعة الآلهة. موسكو, 1998. ص 376.‏

(5( - سيرج موسكوفيتشي مرجع سابق. ص 399.‏

(6( - يونين ل. غ. الجيوسياسة المحافظة والعولمة التقدمية// البحوث الاجتماعية. 1998 عدد 10 ص 37.‏

(7( - سيرج موسكوفيتشي مرجع سابق ص 413.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 05:21 PM
ـ نقد البرجزة ما بعد البنيوي - في خدمة البرجوازيين الجدد





سيكون خطابنا عن البرجوازيين الجدد أحادي الجانب إلى حد كبير إن لم نتساءل عن المقدمات السوسيوثقافية لثأرهم. ما كانت ثورتهم الثقافية لتنجح لو لم تجد لها صدى في الجو العام لعصرنا. سمَّت فلسفة العصر الرائدة هذا الجو جو ما بعد الحداثة. تعني ما بعد الحداثة بالدرجة الأولى تحلل الذات الحداثوية - تلك الذات المتماسكة والمعتمدة على ذاتها, والتي قدِّر لها أن تصوغ المشاريع الجريئة للمستقبل وأن تحققها في الحياة.‏

يسمي النقاد الليبراليون اليوم هذه المشاريع طوباويةً, لكن هذا ليس سوى استنتاج سطحي. المراد, طبعاً, بالطوباوية هو ما ينتج عن الخيال المنفلت البعيد عن الواقع. لكن ناشطي الحداثة لم يكونوا قط حالمين ولينّي العريكة على هذا النحو. لا ينبغي أن نحكم عليهم بالمعايير الأنتولوجية وحدها – أي بغرض مطابقة مقاصد الواقع الموضوعي - بل بالمعايير الأنثروبولوجية أيضاً.‏

هنا تحديداً يبرز أصعب ما في الأمر: أن نشرح لماذا ولَّدت المقاصد البعيدة عن الواقع مثل هذه الطباع الساطعة والقوية, وهذه الإرادة الجبارة والتنظيم الحديدي. ركز التحليل ما بعد الحداثوي اهتمامه على هذه النقطة الرئيسية تحديداً. فقد بين استناداً إلى تحليل فرويد(1) النفسي أن ما يكمن في أساس الحداثة باعتبارها عملية اجتماعية - تاريخية هو عملية كبت الرغبات التلقائية - أي تحويلها إلى مشروع عقلاني.‏

نستطيع أن نتحدث هنا من وجهة النظر المعرفية عن عملية العقلنة الممارساتية – ومن وجهة النظر العملية عن عملية المراكمة. الامتناع عن المسرات وعن تلبية الرغبات الفورية, وعن استرقاق الطبيعة (طبيعتنا الخاصة, الداخلية, والخارجية المتوضعة من حولنا) - هذه هي الآليات التي تَكوَّن بوساطتها إنسان الحداثة المعبأ إلى أقصى حد.‏

يرى النقد ما بعد البنيوي وما بعد الحداثوي والفرويدي الجديد في هذا تجلياً للبرجزة البغيضة, التي ينبغي "تفكيكها". لقد شرع هذا النقد يفلق الذات الحداثوية و"يشتتها" ويفككها, مستخدماً كحليف له ضغط البداية الطفالية الحياتية اللاواعية. شكلت الحضارة البرجوازية لهذا السبب بعينه كتيبةً هائلةً من طلائع المراكمة, مما قيد بالأغلال العنصر الطفالي القابع في كل فرد منا - إنه ذلك العنصر نفسه الذي يعلن عن ذاته ببكاء الطفل حين يرغب في شيء ما. تمرد الأبناء على الآباء, واللاواعي على الواعي, والبداية الأنثوية على البداية الذكورية والمشاعر على العقل - كل هذا في نظر ما بعد الحداثويين أنواع مختلفة للإستراتيجية المعادية للبرجوازية, التي اتخذت لنفسها حليفاً ما يمكن أن نسميه الواقعية الطفالية المنفرة من العمل والنظام والانضباط الذاتي.‏

كانت النجاحات التي حققها نقد "الثقافة البرجوازية القديمة" ما بعد الحداثوي, كما يمكننا أن نحكم اليوم, سلبية في الواقع. يكمن السر في أن هذا النقد قد راهن على التخفيض - أي أنه تغاضى عن كل ما لم يتطلب جهداً, وأثبط من عزيمة الجهد نفسه ملصقاً عليه بطاقة الاضطهاد.‏

لكن, هنا تحديداً, حدث ما لم يكن متوقعاً. إذ استخدمت البرجوازية ذاتها بفاعلية أكثر من الآخرين مساعي ما بعد الحداثة المعادية للبرجوازية. لقد أدت إستراتيجية التحرير إلى تحرير البرجوازيين من ضرورة الالتزام بفضائل البرجوازية الكلاسيكية جميعها: عدم التغاضي عن الانفعالات التلقائية, السعي إلى الاحتراس في العلاقات إلى أقصى حد, والحد من الاستهلاك لصالح المراكمة, وإتباع نمط عيش منهجي منضبط وخاضع لمشروع الإثراء.‏

يبين لنا صرفُ الانتباه عن الربح الصناعي نحو الربح الناجم عن ألعاب المضاربات المنفلتة, والانتقالُ من الاستثمار الكلاسيكي "الممل" إلى الولع ببناء الأهرامات المالية وغيرها من أنواع النصب, نمطَ الشهوانية ما بعد الحداثوية المعروفة اللامنضبطة, التي لا تفكر قط في ترويض ذاتها كرمى لواجب ما أو عمل ما.‏

لقد اندرج كما لم يندرج من قبل تمرد "الاستثمار" المضارباتي, الذي لم يعترف بأية حدود وبأية قواعد للعبة وغير الأهل للمراكمة المنهجية وغيرها من تجليات تلبية الرغبات المؤجلة, في المشروع ما بعد الحداثوي "لتفكيك" مؤسسات "المجتمع القمعي" ومعاييره جميعها. كما تبين فإن ما بعد الحداثويين واللاتركيبيين قد سعوا إلى غير ذلك: لقد استثمر حماستهم البرجوازي - البروثيوسي, المتمكن تماماً من فن التحول. ولم يبق أمام الطليعة ما بعد الحداثوية المصعوقة سوى أن تراقب بأية منهجية جريئة سيحقق خصمها اللعين البرجوازي مشروعها الخاص بتفكيك الثقافة والأخلاق محرراً بذلك نفسه من المعايير الضابطة كلها.‏

كان البرجوازي يشعر, كما صرنا نشك الآن, بالضيق منذ زمن بعيد من ذلك النظام المعياري المنظم عقلانياً ذاته الذي نسبوا إليه حق تأليفه. لقد كان الأول من بين جميع الفئات الاجتماعية الأخرى في المجتمع المعاصر الذي حقق (لنفسه) طوباوية ما بعد الحداثة الجديدة, المرتبطة بالتفكيك الشامل للبدايات الكابحة لحياة اللذة الطفالية. لقد تخطى بمسافة كبيرة "هامشيي المجتمع البرجوازي" أمثال الشباب والنساء والملونين, والأقليات الجنسية, الذين علقت إستراتيجية الرفض العظيمة المعادية للبرجوازية آمالها الكبيرة عليهم, في الطريق نحو أقصى درجات الانفلات الحسي والتحلل الجنسي والإباحية غير الخاضعة للكبت والأنانية الطفالية اللااجتماعية.‏

وهل يعقل الآن أن هذا البرجوازي لا يحق له الاعتماد على تفهم المجتمع المتضايق أيضاً, ومنذ زمن بعيد, من النظام "القمعي الشمولي" والمتعطش لأن يرمي عن كاهله الأغلال كلها؟ صار هذا البرجوازي يعتبر منذ الآن أن في إمكانه أن يعلن لخصومه الثائبين إلى رشدهم: إن نقدكم الموجه لي كله معدوم الذمة, وهو أقرب إلى الحسد من أن يكون استياءً مشروعاً. لقد نفَّذت المشروع المضاد للشمولية والمضاد للقمع, الذي قستموه عليكم, إنني أحيا بمعايير الفرد المتحرر إلى أقصى حد, الذي تريدون أن تصيروا مثله متضايقين منذ زمن طويل من كل ما تفوح منه رائحة الواجب والمسؤولية. فأي واجب وأي مسؤولية تطلبون مني اليوم؟‏

يكمن تناقض مشاعر النظرة ما بعد الحداثوية إلى هذه المشكلة أيضاً في استحالة العثور هنا, من حيث المبدأ, على حل لمسألة كانت تعتبر من قبل على هذا القدر من الأهمية, وهي هل يدور الحديث عن الإرادة الشريرة – أي عن العزم على الابتعاد عن المعايير الاجتماعية باسم ممارسات الظل أم, على العكس, عن انعدام الإرادة - أي الضعف الأخلاقي والنفسي الشديد الذي يعاني منه إنساننا المعاصر, الذي ما عاد قادراً على بذل أي جهود منهجية وأي تضحيات مع ما يرافقها من توتر.‏

ونضيف أن هذه الازدواجية في المعنى موجودة في الثورات كافة - الاجتماعية والإجرامية. ما الذي ساد حين أغرى البلاشفة جنود الحرب العالمية الأولى بشعار "تسقط الحرب" - أي بالدعوة إلى الفرار, وحين أغروا الفلاحين ومهلهلي المدن بشعار "اسرق المسروق": هل ضغط الإرادة الشيطانية اللااجتماعية أم ضغط العجز اللااجتماعي, غير القادر على تحمل عبء أي واجب؟‏

الأسهل هو توزيع هذه النقطة إلى جانبين, فننسب للأول الإرادة الشيطانية, وللثاني دور ضحاياها السلبيين. لكن, إذ نحاكم محاكمة صارمة, علينا أن نعترف بأن الحديث حين يدور عن الضحايا والتضحيات فإن هذه المفاهيم يجب أن لا ننسبها على الأرجح إلى الفارين والنهابين وحارقي الضياع, بل إلى أولئك الذين حزموا أمرهم على المقاومة المسلحة - أي إلى متطوعي الجيش الاختياري. علينا أن نقر بأن مقاومة الآخرين جاءت متأخرة ومن غير المحتمل أن تكون مبدئية: لقد استاءوا فقط حين وجه نزع الملكية البلشفي الإجرامي مباشرة ضد الشركاء السابقين ورفاق الطريق الطبقيين.‏

تكمن خدعة أولئك الذين يحطمون النظام القائم لأطماعهم الخاصة في إعلانهم أن النظام ذاته ذو مطامع خاصة وغير قانوني. فقد سمى البلاشفة كل المعايير الحضارية التي تحرجهم برجوازيةً؛ وسمى "الديمقراطيون", الذين مهدوا الطريق باسم "الخصخصة" أمام الثورة الإجرامية العظمى, هذه المعايير ذاتها شموليةً, وسموا أنفسهم مناضلين ضد الشمولية. واتخذ هؤلاء وأولئك من الضعف والإثم البشريين المتبرمين من المعايير والواجبات الاجتماعية حليفاً لهم. وفي الحالين معاً لم يحرر مشروع التحرير سوى أولئك الذين تعاطوا بمهنية أكبر مع إسقاط النظام وكانوا مستعدين لاستغلال الفوضى الناجمة استغلالاً حرفياً.‏

المحترفون هنا ليسوا أولئك الذين يتصرفون بحماسة, بل أولئك الذين يعرفون مسبقاً باسم أي شيء يتم فعل هذا. علينا أن نعترف من وجهة النظر هذه أن الديمقراطيين من النمط ما بعد الحداثوي لم يكونوا محترفين حقيقيين في نضالهم ضد "القمع الشمولي" - لقد خدم نشاطهم التهديمي أهدافاً من غير المحتمل أن تكون قد خطرت لهم على بال.‏

المرجح أن المعيار الأضمن للتفريق بين الإصلاحية المنتجة فعلاً وغير المنتجة هو العزوف المنهجي عن لعبة التخفيض الاحتيالية - أي عن التغاضي عن دناءة الغرائز والضعف, التي من السهل جداً إغراء الجماهير بها من غير أن يٌقدَّم لها شيء بالمقابل.‏

لقد حان الوقت على ما يبدو لصياغة قانون خاص للعصور الإصلاحية الثورية: كلما كانت عملية التغاضي الاستفزازية عن الغرائز واسعةً ازدادت الفوائد التي يجنيها من هذه العملية نازعو الملكية ومغتصبوها. بالتالي فإن عملية إطلاق "الشهوانية المقموعة" والغرائز اللااجتماعية المدبرة على أساس أنها عملية "معادية للبرجوازية" ستأتي حتماً على هوى أسوأ أنواع البرجوازية, أي البرجوازية غير القادرة على تقييد ذاتها. يمهِّد تصاعد عملية التقويض الموجهة ضد المعايير المعتبرة "قمعيةً" السبيل لحدوث تعاقب تاريخي بين المالكين البرجوازيين هو الأكثر إثارة للإحباط: إنه يمهد السبيل لإزاحة الرأسمالية المنتجة بوساطة رأسمالية المضاربات والمراباة غير المنتجة, لأن المضاربات والمراباة وغيرها من ممارسات اقتصاد الظل هي أفضل ما يندرج في الأنموذج القياسي لراديكاليي "إطلاق الشهوانية".‏

لنطرح الآن السؤال التالي: لماذا تقترن عملية إسقاط القيم اقتراناً على هذا القدر من العضوية بتوجهات العولمة؟ سينفعنا هنا مفهوم آخر من مفاهيم "النقد" ما بعد البنيوي وما بعد الحداثوي للبدايات المعيارية. يدور الحديث بالأخص حول مفهوم تعددية النص المقترحة من قبل رولان بارت(2). أقرت النظرية التفسيرية(3) منذ زمن بعيد أن عملية تفسير أي نص هي عملية لا نهائية من حيث المبدأ, وكل مفسر جديد ستستنهَض همته من تعددية النص المتأصلة, ومن تعددية رموزه وحتى من ازدواجية المعنى فيه.‏

لكن التحليل النصي ما بعد البنيوي يذهب أبعد من ذلك ملحاً على أن كلية أي نص ليست أكثر من أسطورة. "لا يسعى التحليل النصي إلى شرح ما الذي يوجب هذا النص المأخوذ بكليته باعتباره نتيجة لسبب معين؛ يكمن الهدف أغلب الظن في رؤية النص وهو ينفجر ويتناثر في الفضاء البيننصي...(4)".‏

ضمن هذا الأفق تحديداً يتم تقبُّل معايير الأخلاق والثقافة. فعوضاً عن تفسيرها تفسيراً أحادي المعنى يُنظر إليها مثل نص "متفجر ومتناثر في الفضاء البيننصي". والفضاء البيننصي هو عالم الثقافات القومية العولمي, هذه الثقافات التي بعضها يتعايش مع بعض ويتصادم.‏

عوضاً عن أن يتبنى "مواطن العالم" العولمي الموقف السلفي باعتباره نصيراً وفياً لأحد النصوص المتصارع بعضها مع بعض يفضل أن يمثل دور مقارِن النصوص السفسطائي, المستغل لنقاط التناقض في ما بينها. يقارن "مواطن العالم" المعاصر بين النصوص لا من أجل انتقاء النص الأقرب إلى الحقيقة من بينها بل لكي يقنع نفسه والمحيطين به بأن مشكلة الحقيقة عموماً ليس لها حل, وينبغي الاستعاضة عنها بمسألة "العقد المؤقت" بين الذات وتلك المنظومة التي تناسبه اليوم أكثر من غيرها من بين المنظومات المعيارية.‏

هنا ينبغي أن نجري تدقيقاً ضرورياً لكي نشرح الأثر العدمي الذي لم يتوقعه بعض أنصار العالم العولمي والمواطنة العالمية ذوي النفوس الأكثر طيبة. لقد توقع هؤلاء وجوب أن يتم في العالم العولمي استبدال بمعايير التعصب القومي الأناني "البدائية" معاييرَ أخرى عمومية وإنسانية أرحب, لا تضمن سلوك الناس الحضاري على نحو لا يقل عن المعايير السابقة وحسب, بل تتفوق عليها في هذا المجال.‏

باختصار, لقد حسب بذلك ليبراليو العولمة, الذين حافظوا على "ولائهم السلفي" للقانون والنظام (شرط تمتعهما بمستو حضاري لا شك فيه) أن يتم الاستبدال بجملة المعايير المثيرة للريبة معاييرَ أخرى عظيمة وغير مثيرة للشك – أي معايير إنسانية عامة. أشار لهم "خبراء المعاصرة" الأكثر إغواء أن البحث ذاته عن معيارية راسخة وواضحة يدل على عودة التفكير الشمولي الدوغمائي القمعي. يعني العالم العولمي في أفقه ما بعد الحداثوي "الأصيل" الخلاص من أي معيارية قسرية, أي من أي معيارية غير مقدَّمة للفرد على شكل تعاقد اختياري ومؤقت معه.‏

لا يرتحل الفرد العولمي المعاصر وحسب في فضاء كوكبنا الفيزيائي باحثاً عن المكان الأفضل له. إنه يرتحل في فضاء الثقافة البيننصي, من غير أن يتلكأ في أي مكان عاقداً الاتفاقات المؤقتة وحسب مع الوسط الاجتماعي الذي يصادفه في الطريق. عندئذ تمتلك ترحالاته الفضائية و"البيننصية" اتجاهاً معيناً: إنه يهاجر من الأماكن التي تكون فيها المعايير أقسى إلى الأماكن ذات الفضاء المعياري المفرغ, حيث لا يطال التنظيم ممارساته ولا "حسيته" ولا تخضع للمصلحة العامة.‏

بذلك, تعرض مشروع التحرير, الذي حلم به إصلاحيو التشكيلة السابقة وثوريوها, للتحول. عوضاً عن التقدم في تطوير الحرية المتحقق في الزمن التاريخي, يتحقق هذا التقدم في الفضاء. ويتبين أن من صاروا أكثر حرية هم ليسوا أولئك المتواجدين في قمة الثقافة أو الذين يحملون في ذاتهم برنامج تطوير البشرية الذاتي, مدخرين أسمى إنجازات الحضارة, بل أولئك الأكثر قدرة على الحركة – أي الذين منحوا حق الترحال عبر العالم من غير عائق والذين لديهم القدرة على هذا الترحال مادين ألسنتهم للمرتبطين قسراً بأماكنهم وبالتالي للأوفياء قسرياً.‏

يتبدل أيضاً ضمن هذا السياق مفهوم وسائل الإنتاج, التي حدد امتلاكها منذ قديم الزمان وضع الفئات الاجتماعية السائدة. الآن ينبغي, كما هو واضح, أن يدور الحديث عن وسائل تأمين أقصى قدر من الحركة العبرقومية, إذ أن عصر ما بعد الحداثة هو عصر ثأر القادرين على الحركة من المتجذرين, وثأر النسبويين من الأصوليين. ولا يقاس بالأخص اليوم تفوق الشركات العبرقومية على الشركات الوطنية بالمعايير السابقة مثل مقياس رأس المال وغيره من الموارد المعبأة, بقدر ما هو منحصر في حصانتها ذاتها - أي في تحررها من معايير التبعية القسرية والرقابة الاجتماعية.‏

التملص من الرقابة, ومن "طغيان المعايير" - هذا هو تعريف العولمة الأدق, والأكثر تطابقاً, بالمناسبة, مع فرضيات ما بعد الحداثة. يكمن هنا أيضاً سر تطابق الليبرالية الجديدة مع العولمة. فالمجتمع الليبرالي المفتوح هو مجتمع النص "اللابنيوي", أي المجتمع الذي يرتكز فيه التحرر من المعايير على حرية الهجرة في فضاء ما بين الثقافات وما بين البلدان.‏

هل يمكن التسليم بتطابق أولي ما بين مؤشرات القدرة القصوى على الحركة والمؤشرات التي كانت تثمنها عالياً الكلاسيكية الثقافية السابقة, بما فيها كلاسيكية التقدم - درجة التطور ودرجة التعليم والأخلاقيات والمسؤولية؟‏

يصعب على أنصار العولمة المعاصرين كما يبدو البرهنة على ذلك؛ لذلك فهم يفضلون ببساطة التملص من المعايير التي استخدمتها الثقافة السابقة, بإعلانهم أنها سلفية. يختلف عملاء العولمة عن رسل التنوير و"طليعيي التقدم" السابقين بأنهم, عوضاً عن أن يحسنوا الوسط الاجتماعي - الجغرافي الموجود ويطوروه, يفضلون تركه في الغالب مصطحبين معهم في أثناء ذلك الموارد الضرورية لتطويره والتي أصبحت قابلة للحركة. إنهم لا ينتظرون إلى جانب مواطنيهم الآخرين حتى يبدأ منطق التقدم التاريخي يعطي ثماره, ولا يؤهلونه لذلك - إنهم يحبذون, عوضاً عن الترحال الصعب في الزمن, الترحال الأسهل في الفضاء. قد يكون هذا تحديداً ما يسمى اليوم "نهاية التاريخ".‏

(1( -زيغموند فرويد (1856 -1939) طبيب نفساني وعالم نفس نمساوي, مؤسس التحليل النفسي. طور منذ عام 1938 في بريطانيا نظرية تطور الفرد الجنسي النفسي, ويُرجِع الدورَ الرئيسي في تكون طباعه ومرضه إلى معاناة طفولته المبكرة. عمم مبادئ التحليل النفسي على شتى مجالات الثقافة الإنسانية – الميثولوجية والفلكلور والإبداع الفني والدين...إلخ. أهم أعماله "تفسير الأحلام" (1900), "محاضرات في السلوك والتحليل النفسي" (1910), "أنا وهو" (1923). (المترجم).‏

(2( - رولان بارت (1915 – 1980) – رجل ثقافة فرنسي من أتباع الاتجاه الرمزي. باحث في لغات الأدب والموضة والدعاية والتصوير ومؤلف كتاب "الميثيولوجيات" (1957) , و"منظومة الموضة" (1967) (المترجم).‏

(3( - hermenueutic – علم تفسير النصوص ذات المعاني المتعددة أو غير الدقيقة (القديمة في الغالب) (المترجم).‏

(4( - استشهاد بـ : إيلين ي. مرجع سابق ص 161.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 05:24 PM
الفصل الخامس
السياسة ما بعد الحداثوية كيف تظهر الأنظمة الكومبرادورية:
ـ ـ الآليات الاجتماعية النفسية للكومبرادورية الغرب باعتباره مجموعة مرجعية



لقد دلت التجربة على أن العالم العولمي ليس عالماً مترابطاً كما يؤكد لنا الليبراليون الجدد بقدر ما هو تابع - أي مُدار من قبل مركز واحد. في الوقت نفسه تعني العولمة شيئاً أكبر: إنها تشير إلى أن الزعيم العالمي المعاصر يرتكز إلى مكتسباته الاقتصادية والثقافية أكثر مما يرتكز إلى المكتسبات العسكرية التقليدية. يدور الحديث عن تجربة التبادل العولمي غير المتكافئ والذي لا يفترض نهب الأطراف الاقتصادي وحسب, بل السلطة الروحية عليها أيضاً - أي تلك السلطة نفسها التي يمكنها أن تُكسِبُ السمعة والمهابة أو الخزي والعار, التي تقدس أو تدنس, التي تضفي الشرعية أو تحرم منها.‏

لشرح هذه الظاهرة الأخيرة ثمة لدى علم النفس الاجتماعي المعاصر مفهوم أساسي هو المجموعة المرجعية. يظهر لدى المجموعات الأدنى مكانة في المجتمع المعاصر الخالي من الطبقات, وحيث تعيش الفئات الاجتماعية المختلفة إحداها على مرأى من الأخرى, وتتبادل المعلومات بحرية في ما بينها, شعور بالحسد تجاه المجموعات الأعلى مكانة, وسعي إلى تقليدها. بكلمات أخرى يتميز المجتمع اللاطبقي بوحدة معينة في المعايير السوسيوثقافية - أي بميدان مشترك للمطامح, لكن بعض الفئات ترى هذه المعايير واقعيةً وملائمة, بينما يراها بعضها الآخر بعيدة المنال من غير أن يؤثر ذلك على كونها آسرة. بهذا المعنى تحديداً يتحدث علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي عن الانقطاع بين الانتماء الاجتماعي الفعلي والانتماء الاجتماعي المحبَّذ الذي تجسده المجموعات المرجعية. يعتبر الشباب في المدن مجموعة مرجعية للشبان القرويين, الذين يحاولون تقليدهم في كل شيء, وبقدر ما يستطيعون - أي يحاولون الانخراط في صفوفهم, ويعتبر سكان العاصمة مجموعة مرجعية لسكان الأطراف, الذين يرون فيهم مشرِّعين للآراء والأذواق, ويعتبر ممثلو المهن الطليعية المرموقة مجموعة مرجعية لممثلي المهن الأكثر شعبية وغير المرموقة, وما شابه ذلك.‏

تجري على النطاق العولمي تسوية مماثلة للميدان السوسيوثقافي العالمي (في بعض العلاقات على الأقل): يستوعب سكان الدول الأقل تطوراً معايير الحياة في الدول المتطورة, التي تصير في نظرهم مقياساً. فكيف نقوِّم هذه الظاهرة؟ قد يكون تقويمها في التقاليد التنويرية المتفائلة إيجابياً – باعتبارها تبادلاً "للمنجزات الطليعية" وتحقيقاً لرسالة المتطورين التنويرية الحداثوية إلى المتخلفين وغير المتطورين. لكن من وجهة نظر الواقعية السوسيوثقافية يمكن أن نرى هنا منبع الكارثة الزاحفة. في حقيقة الأمر: أن تتم تسوية ميدان المطامح وفاقاً لمعايير الدول المتطورة لا يعني بعد أن التسوية تطال إمكانات الطرفين أيضاً. تشهد الإحصاءات على أن "الشق" الاقتصادي الفعلي بين مركز العالم وأطرافه لا يقصر بل يزداد طولاً. بالتالي تولد ممارسة المعيار السوسيوثقافي الواحد نوراستينيين(1) - أي أولئك الذين لا يقيسون قط مطامحهم إلى تجربتهم الواقعية ومحيطهم الواقعي. تنشأ ظاهرة الاغتراب السوسيوثقافي الجماعي عن المهنة المزاولة وعن الفئة الاجتماعية المنتمى إليها والتي يبدأ هذا الانتماء إليها يصير بمثابة فشل, وحتى دليل بؤس. ألا يكمن في هذا منبع انحطاط الكثير من الممارسات المعاصرة؟ فحين ينجز الناس أعمالهم مع نور يرون فيه معنى حياتهم شيء, وحين يرون فيه لعنة البؤس شيء آخر. الأرض المهجورة والمهن المهجورة ووطن الأجداد المهجور - هذه هي نتائج هذا الانقطاع بين الانتماء الفعلي والانتماء المرجعي. حين كانت لا تزال الأوهام حول إلحاق الأطراف الاجتماعية السريع بمنجزات الطليعة الاجتماعية موجودة كان يمكن أن نعتبر أن الطليعة تُلحق و تعلي إذ تغرس معاييرها. هكذا تحديداً بُنيَ "الحلم الأمريكي", و"الحلم السوفييتي", ومن ثم الحلم العالمثالثي حول الإمكانات المتساوية المقبلة والنجاحات التي لا يعيقها شيء. لكن حين تبخرت هذه الأوهام فإن الوقت قد آن للتفكير بأن "الطليعة" لا تُلحق بقدر ما تغري وتفسد غارسة لدى أنصارها وعياً طوباوياً واهماً يرتكز على آمال غير واقعية. لقد وصفت في علم النفس الاجتماعي منذ زمن بعيد أمراض الشخصية الواقعة على تخوم الثقافات - أي المغتربة أو المغرِّبةِ ذاتها عن فئتها الاجتماعية وثقافتها السابقتين, لكن غير الملتحقة بعد بفئة وثقافة جديدتين التحاقاً تاماً. عدم التوافق بين الأهداف والمعايير, ووهمية التوجهات, والانتقالات الفورية من الإحساس بالنشاط إلى الإحساس باليأس, وعدم الاستقرار النفسي العام, والطابع "المفاجئ" للسلوك - هذا هو قدر الشخصية الحدودية.‏

سنضطر إلى أن نعترف بأن كلا منا في ظروف العالم, الذي يتبادل رمزية المكانة أكثر من الإنجازات الحقيقية, يكاد يشعر بنفسه شخصية حدودية تبحث يائسة عن التوازن الثابت بين مطامحها وإمكاناتها. يمكننا القول إن إنسان المجتمع التقليدي, الذي تملأهم الرغبة في اتهامه باللاعقلانية والإبهام, يفكر بعقلانية أكبر ويحدد لنفسه أهدافاً عقلانية أكثر بكثير من الإنسان المعاصر المغرى بـ "الأمثلة الطليعية" والأوهام.‏

علينا الآن أن نقوم ظاهرة هذه الشخصية المتمزقة بين الرغبات والإمكانات في سياق السيادة العولمية. صار واضحاً أن المدعو إلى لعب الدور الحاسم في إستراتيجية عالم القطب الواحد ليس سياسة الاحتلال بل سياسة جذب النخب الوطنية إلى جانب المحتل وتحويلها إلى معينة له.‏

لقد صار المجتمع الاستهلاكي في الغرب, وبالدرجة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية, تبعاً لمعايير موحدة, مجموعة مرجعية للكثيرين, وهم مستعدون لمقارنة سلوكهم بها. إن النخب الوطنية التي لا تركز الثروة والسلطة في يدها وحسب بل تجسد أيضاً البريق والمكانة, تزداد نجاحاً في بسط النفوذ على المجتمع كلما سهل عليها لعب دور القائد المتطوع - أي المجموعة المرجعية التي تكون في نظر الآخرين مادة للتقليد. ولا تظهر التأثيرات العولمية إلا حين ترى هذه النخب عينُها مجموعتها المرجعية متمثلة في الغرب المتقدم. هنا, تحديداً, يتاح المجال لقيام توافق موالٍ للغرب بين النخب المفتونة والجماهير السائرة وراءها. تبايع النخب الغرب طوعاً, والجماهير مستعدة لتفهمها في ما يتعلق بهذا الأمر. على هذا التوافق تبنى السياسة الكومبرادورية المعاصرة. حين يحدث الاستسلام في مجال الثقافة - أي الاغتراب عن تجارب الآباء, وعن التقاليد الوطنية لصالح أخرى مستعارة فإن الاستسلام السياسي يصير مسألة وقت لا أكثر. هذه هي الجذور السوسيوثقافية العامة والآليات النفسية الاجتماعية للعولمة المعاصرة الموالية للغرب وأمريكا. لكن علم النفس الاجتماعي وعلم الثقافة يدلاننا فقط على المقدمات العامة للاستسلام الطوعي أمام الاستعمار الغربي العالمي. من الضروري أن نشرح بأي شكل استطاع هذا الخلل العام في توازن الوعي المتمزق بين الانتماء الفعلي والانتماء المرجعي أن يصير أساساً للممارسات الخاصة, بما فيها الممارسات السياسية وتقنيات الاحتيال الخاص. سيساعدنا في شرح هذا الأنموذج القياسي لما بعد الحداثة, الذي حل محل أنموذج الحداثة القياسي السوسيوثقافي العام.‏

(1( - المصابين بالنوراستينيا (النهك العصبي) (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 05:26 PM
ـ الأنموذجان القياسيان الليبرالي وما بعد الحداثوي في السياسة





لم يعمل أحد لدينا بعد على تحليل منابع الوعي ما بعد الحداثوي, على الرغم من أن أنصار ما بعد الحداثة صاروا يحاولون الاستحواذ على سلسلة من المواقع الأساسية في بعض مجالات الإنتاج الروحي. عموماً, العمل على تحليل منابع ما يقسمون بإخلاصهم غير المشروط له ليس من مهام الأنصار.‏

يخيل أن ما يعتبر أساساً للتطور ما بعد الحداثوي الحالي في الثقافة هو اختلال التوازن الشامل في الوعي, المتمزق بين تجربة المتوافر وتجربة المرغوب فيه, والمشتغل, كي لا يصاب بالجنون بسبب من ذلك, بالتقليل من قدر هذا أو ذاك وبالتأكيد على موقف النسبية الشاملة. تشير بوضوح الموضوعة ما بعد الحداثوية حول "أسلوب محاكاة" الوجود المعاصر إلى المنابع المشار إليها. لا يدور الحديث دوماً في المرحلة الأولى عن المحاكاة, بل عن النسخ الحثيث لمصير الآخر وثقافته. يتم إضفاء وضع المحاكاة أول الأمر على الثقافة الخاصة "المهجورة" و - بشكل أعم - على الممارسات الاجتماعية المهجورة, التي يحلمون باستبدال ممارسات أعلى "مكانة" بها. يمكن تقويم هذا باعتباره محاولة أخيرة وأمل أخير مرتبطين بالمشروع الحداثوي السابق. المرحلة ما بعد الحداثوية هي مرحلة ثانية تحل بعد أن يُفهم أنه لن يقدَّر للشخصية المعاصرة المزدوجة لا الالتحاق الأكيد بالتجربة المعيارية, ولا العودة إلى التجربة السابقة المهجورة. وحين ذاك يضفى وضع المحاكاة على المجموعة الفعلية وعلى المجموعة المعيارية وعلى الذات نفسها المترددة على الدوام بينهما. عندئذ فقط تظهر "الحساسية ما بعد الحداثوية" التي تتميز "بانعدام الثقة الإبستيمولوجي" الجذري. أين يكمن "انعدام الثقة" سيئ الذكر هذا؟ يمكن تقويمه في المجال السياسي المثير لاهتمامنا بالتضاد مع الأنموذج القياسي الليبرالي الكلاسيكي, الذي يقسم إصلاحيونا بالوفاء له اليوم أيضاً من غير أن يعترفوا (لأنفسهم, أو أغلب الظن للآخرين) بأنهم قد أخضعوه منذ زمن لمراجعة جذرية ما بعد حداثوية. بالمناسبة, ليست ثقافات الغرب هي المراكز الحقيقية للحساسية ما بعد الحداثوية, بل ثقافات الأطراف القريبة المستغربة, التي تنتمي إليها الثقافة ما بعد السوفييتية. يعيش الإنسان الغربي "في منزله" - في شروط التطابق الكبير جداً بين الانتماء الفعلي والانتماء المرجعي - أكثر من أنصار الغرب في دول الأطراف. بهذا المعنى يعتبر على هذا النحو أو ذاك ريفياً سعيداً لا حاجة له إلى مقارنة سلوكه بمعيار بعيد. من هنا تنتج مفارقة أن الكلية التقليدية وليس انعكاسية الوجود هي التي تميز اليوم الغرب أكثر مما تميز الشرق, وخصوصاً ذلك العالم البيني الذي نعيش نحن وإياكم فيه.‏

وهكذا, على أي مسلمات اتكأت الكلاسيكية الليبرالية؟ علينا الاعتراف بأن "الخطاب" الليبرالي طبيعاوي. إذ يقبع في أساس أنموذج العالم هذا "الإنسان الطبيعي" ذو "المتطلبات الطبيعية". يشمل المفهوم الأساسي للكلاسيكية السياسية - أي المصلحة, في ذاته الفرضيتين التاليتين معاً: "الإنسان الطبيعي" الأبدي والمتطلبات الفطرية "الطبيعية" أي التي لا يوحي بها أحد ولا يتلاعب بها. أما المجتمع فينقسم على النحو الطبيعي ذاته إلى مجموعات تعتبر الأساسية منها تلك المجموعات المشكلة للقيمة والمجموعات الاقتصادية السياسية - أي التي تمثل الأرض والعمل ورأس المال. تتمثل هذه المجموعات الراسخة في المجال السياسي بالأحزاب. دور هذه الأحزاب هو تمثيل المجموعات المذكورة في منظومة السلطة الحكومية ومراقبة الالتزام بتوازن مصالحها. على هذه الفرضيات الطبيعية والفطرية والراسخة تبنى نظرية الديمقراطية التمثيلية.‏

هذه النظرية في أساسها واقعية على نحو عميق لأنها تشترط أن:‏

أ ) الناس يعرفون جيداً أين تكمن مصلحتهم الحقيقية؛‏

ب) يحسنون إخضاع نبضهم ورغباتهم للمصالح طويلة الأمد؛‏

ج) لا يستصعبون البحث عن وسائل أكثر ملاءمةً تؤدي إلى تلبية هذه المصالح.‏

إن فلسفة ما بعد الحداثة تهاجم تحديداً وبالدرجة الأولى فرضيات العقلانية الليبرالية الكلاسيكية هذه. إنها, من جهة, تنكر جوهرها الطبيعي الذي يمس المتطلبات الطبيعية للإنسان الطبيعي, وتنكر من جهة أخرى وضع هذا الأخير باعتباره ذاتا مستقلة تتمتع بالمعرفة العقلانية التي تجمع بين التفكير السليم واكتساب التجربة الحياتية.‏

إن أحد المفاهيم الأولية في فلسفة ما بعد الحداثة هو الرغبة. فعند الرغبة تلتقي الشهوة الجنسية الفرويدية اللاواعية (الليبيدو) وآثار المثالية الذاتية القديمة المخرِجة العالمَ الموضوعي من مجال الرؤية. والرغبة لا تعني المصلحة قط. فالمصلحة تُبنى موضوعياً عن طريق اقتران المتطلبات الثابتة بوسائل تلبيتها الاجتماعية – رأي بالوضع الاجتماعي الملائم, وبالمشاركة الحقيقية في القرارات وما شابه ذلك. باختصار, يدور الحديث حول الجوهر الأنثروبولوجي وخصائصه الاجتماعية.‏

أما الرغبة فتنتمي إلى ما يمكن أن يبدو في هذه الآونة مقبولاً من الناحية الذاتية. وهذا في مصطلحات الفلسفة الكلاسيكية القديمة هو المجال الحدودي للصفات "الثانوية" حيث يتضافر الواقعي مع الوهمي والمتوافر مع المتخيل, ويكون في مقدورها أن تتبادل الأمكنة.‏

تمتلك الرغبة في الوقت نفسه الوضع النفسي للاوعي الفرويدي - أي تلك القوة العفوية المظلمة التي تنتظر وحسب فرصة الانفلات من رقابة الوعي. مع العلم أنه لو "تمنى" فرويد بنفسه النجاح للوعي في صراعه مع اللاوعي فإن ما بعد الحداثويين سيقفون متيمنين بأسلافهم اللافرويديين إلى جانب اللاوعي رغبة منهم في الدفاع عنه من طغيان الوعي. واضح أن الحديث هنا لا يمكن أن يدور عن إستراتيجيات ما لإخضاع الرغبات للمصلحة المضبوطة عقلانياً. في هذه النقطة تحديداً تقع فلسفة ما بعد الحداثة, إذ ترغب في تحرير الشهوة الجنسية من القمع العقلاني, في فخ المفارقة المميزة لها. إن هذه الفلسفة لا تحرر الشخصية بل تقدمها إلى سلطة منظومة الاحتيال السائدة. يتلخص الأمر في أن الرغبة, بخلاف المصلحة, تتصف بالتقلب الشديد, والأهم هو أنها تخضع لتقنية الاستبدال. تنصاع الرغبة للإرضاءات الرمزية متعددة الأشكال, التي لا يكون لها في أغلب الأحوال أي علاقة بمصالح الشخصية الواقعية. ليس مصادفة أن القول الرائج في "ثقافة ما بعد الحداثة العمومية" (والعائد للأديب الأمريكي س. فيش) ينص على أنه:"لا معنى للاهتمام بأن يكون المرء محقاً, المهم أن يكون مثيراً للاهتمام". فلنلق نظرة إلى ظاهرة جيرينوفسكي(1): لم يهتم هذا المعلم في التهريج السياسي قط بأن يكون محقاً, لقد رأى أن هدفه في أن يبقى "مثيراً للاهتمام". من وجهة نظر العقلانية التمثيلية كان ينبغي أن يطرد جرينيوفسكي منذ زمن من السياسة الكبرى - فهو يفرط على الدوام في اتخاذ مواقف متعارضة تعارضاً مباشراً مع متطلبات الناخب المعارض الذي يمارس التضليل بحقه. حين يعلن أنه معارض للنظام الكومبرادوري, ومستعد لأن لا يقف أمام أي شيء من أجل حماية "روسيا العظيمة", فإنه ينفذ بمنهجية, في مجلس الدوما الحكومي وخارجه, أوامر الكريملين المباشرة ويدافع عن مصالح الأولغرشية. فما الذي يبقى في هذه الحال للناخب؟ يبقى إرضاءٌ رمزيٌ إلى حد معين لرغبات اللاوعي المذعنة للكلمة اللاذعة ولسلوك مشاكس من قبل بهلول سياسي ما.‏

لقد ارتكزت التقنيات السياسية جميعها التي استخدمت من قبل نظام بوريس يلتسين على مسلمة الخطاب ما بعد الحداثوي الرئيسية - أي على الاستعاضة عن المدلول بالدال, وعن المؤشرات الموضوعية المنتمية إلى الواقعية الاجتماعية الحقيقية بالرموز.‏

ترتكز ما بعد الحداثة بهذا الخصوص إلى المبدأ الذي صاغه أحد مؤسسي البنيوية اللغوية وهو فرناندو دو سوسيور(2): "الدال غير معلَّل, أي اختياري في علاقته مع المدلول المعني, الذي ليس له أي صلة طبيعية به في الواقع(3)".‏

إن علم اللغة الشكلاني لدى سوسيور يناضل ضد تأثير المرجعية – أي المدلول في لغة الواقعية الذي يثقل منظومة اللغة الرمزية "بقيودها الطبيعية. لهذا تحديداً يعتبر اللغويون أتباع سوسيور استثناء المرجعية ضرورياً وشرطاً لتطور اللغة(4)".‏

يمكن نسب ما قيل إلى علم السياسية المعاصر. إن استثناء مرجعيات مثل المصلحة الطبقية الموضوعية, والمطلب الاجتماعي الطبقي, والإرادة الطبقية السياسية (إرادة المجموعة), من غير أن نتحدث عن فرضيات مثل "الجوهر الميتافيزيقي الكاذب" وقوانين التطور الاجتماعي الموضوعية, صار شرطاً للتطور السريع وغير المعتاد في المعرفة السياسية الذرائعية, التي تحضِّر الوصفات لصالح التقنيات السياسية.‏

نصطدم هنا أيضاً بمفارقة أخرى تمس القرابة المدهشة بين الكلاسيكية الليبرالية السياسية و"المادية التاريخية" المستخف بها اليوم. استندت المادية التاريخية (مثلها مثل صيغتها السياسية المخففة - أي الشيوعية العلمية) إلى الفرضيات ذاتها التي استندت إليها الليبرالية الكلاسيكية: حول المصالح الموضوعية لمختلف الفئات الاجتماعية, وحول أن هذه المصالح تجد انعكاساً ملائماً في الوعي السياسي الذي يصوغ متطلباته الاجتماعية ومشاريعه السياسية, وحول الارتقاء الاجتماعي باعتباره عملية تاريخية طبيعية خاضعة لقوانين صارمة, وما شابه ذلك. لم يكن الاختلاف مع الليبرالية يمس الفرضيات العقائدية - المناهجية المتعلقة بالواقع الاجتماعي المحيط بقدر ما كان يمس التعاطف الطبقي أو الكراهية الطبقية.‏

تبدو اليوم فرضيات الموضوعية والتمثيلية هذه من علياء ما بعد الحداثة المكشوفة سذاجةً قصوى موروثةً عن العصر السابق. وتتم على أساس الأحكام ما بعد الحداثوية إعادة هيكلةٍ شاملةٍ للممارسات السياسية ولمنظومة تقنيات السلطة كلها. عندئذ تكمن مأساوية الوضع الهزلية في أن هذا, عادةً, لا يثير لدى علماء السياسية الجامعيين المُحْدثين أدنى شك, فيستمرون في خبز مؤلفاتهم بحماسة الناسخين, ويعيدون إنتاج الكلاسيكية الليبرالية المنسية منذ زمن, والمتعلقة بالمجتمع المدني ودولة القانون وحقوق الإنسان غير المغتربة, وصيغ التمثيل السياسي وغيرها. ليس في مقدور هذا كله اليوم إلا أن ينوِّم الوعي الاجتماعي في البلد الذي يريدون إقناعه بأن مصائبه الأساسية قد انتهت مع الانتصار على الشمولية, وأن كل شيء الآن مرتبط بكم سيكون دقيقاً هذا الوعي في نسخ المنظومة السياسية التمثيلية للديمقراطيات الغربية. لا يدور الحديث في واقع الأمر عن التمثيل, بل عن إنتاج النظام السياسي, الذي لا يعكس أي واقعية موضوعية أو قوانين تطور بمقدار ما يعبر عن الإرادة الجشعة للسلاطين الجدد, ولأولئك الذين يحكمون من الخارج.‏

لا تشرح نظرية الانعكاس الطبيعيانية في الواقع سوى القليل: النظرية الأكثر استنباطيةً, والأهم من ذلك, النظرية الأكثر تكيفاً مع العلاقة التكنولوجية بالواقعية السياسية هي نظرية الإنتاج ما بعد الحداثوية, المبنية على أساس الفرضيات الرمزية. وسأشرح في الحال للقارئ البعيد عن المواضيع اللغوية: علم الدلالة هو فرع من علوم اللغة يدرس معاني الكلمات (أي أنه, بالمعنى المعروف, وريث نظرية الانعكاس الكلاسيكية), أما الرمزية فهي الفرع الذي يدرس منظومات الرموز. ويستند الفرق بينهما على الفرق بين الدال والمدلول. بالتالي, فإن ما بعد البنيوية باعتبارها أحد تيارات ما بعد الحداثة, تتمادى في تأكيد استقلالية الكون الرمزي عن واقعية المدلول. إذا سحبنا هذا على السياسة فإنه سيعني أن المرجعيات, التي كانت الكلاسيكية السياسية تضبط بوساطتها نظريتها وسلوك الطبقة السياسية اليومي – أي المصالح الموضوعية, القوانين والتوجهات الموضوعية, إرادة الناخب ومتطلباته الاجتماعية وما شابه ذلك - ستُركَن جانباً اليوم. صارت تُستبدل بالوظائف التمثيلية, التي كان يقوم بها السياسيون الممنوحون سابقاً وثائقَ أمرٍ مكتوبة بخط الناخبين المفكرين تفكيراً عقلانياُ, وظائفَ لإنتاج الواقع الرمزي الثاني, أو, إذا ما تكلمنا بلغة معاصرة, لإنتاج "العالم الافتراضي". إن "الحساسية ما بعد الحداثوية" اليوم لا تميز سياسيي التشكيلة الحديثة المحترفين بأقل مما تميز المحترفين من بين اللغويين والأدباء والفلاسفة أتباع تعاليم ما بعد البنيوية.‏

يؤكد ما بعد البنيويون أن الواقع الذي يتعامل معه أي إنسان, باعتبار هذا الإنسان مخلوقاً متكوناً بوساطة الثقافة, هو في نظره ليس حقائق الحياة وظواهرها, بل إنه هذا النص الثقافي أو ذاك. يخيل لنا أننا نتقبل الواقع الموضوعي ونتكلم بصوته, أو, من موقع آخر, بصوت "أنانا" الداخلية, الملتصقة بهذا الواقع. في حقيقة الأمر "يتكلم بنا" هذا النص الثقافي أو ذاك. نحن أقل التصاقاً بما يسمى الواقع الموضوعي, الذي صار في مرحلة ما بعد البنيوية أصغر في جانب من جوانبه من "الشيء بذاته" الكانطي – أي صار ظل الظلال, لكننا أكثر التصاقاً بنصوص الثقافة التي تكوِّن ردود أفعالنا الذهنية كلها. إن ما يزيد تعقيد الوضع, إضافة إلى ما سبق, هو أن عدد النصوص التي تغرق الإنسان في فضائه المجازي اليوم عظيم, وهي غير متجانسة - أي لا يتوافق واحدها مع الآخر. من هنا ينبع مفهوم الـ "بيننصية" - أي المراكبة المتبادلة لجملة النصوص التي لا تتشرعن وفاقاًَ لمقياس ارتباطها بالواقع بل وفاقاً لمقياس ترابطها مع النصوص الأخرى "المرموقة". يمكننا بسياستنا أن نفلس البلاد, أن نفقر أغلبية سكانها, أن نحرم هذه الأغلبية من أبسط خيرات الحضارة - ونستطيع في أثناء ذلك أن نشرعن بنجاح هذه السياسة بالاستناد إلى نص الليبرالية المتمتع بالسمعة, أو الرأي العام الغربي وما شابه ذلك. إن تعاملتم مع الواقع كواقع فستنهال عليكم آلياً جملة من الواجبات التي ينبغي عليكم حلها - وإلا فعليكم الاعتراف بعدم أهليتكم. أما إذا تعاملتم مع الواقع باعتباره نصاً متعدد المعاني (يستوعب عددا من المعاني بعضه لا يتوافق مع بعض) فسيكون في مقدوركم أن تقلبوا الأفق, وعوضاً عن اهتمامكم بنيابيتكم - أي ملاءمتكم لمتطلبات الواقع الموضوعية - فإنكم ستهتمون بإعادة صياغة هذا الواقع, وتكييفه مع مصالحكم وسلوككم وممارساتكم. حين يعتبرون في السياسة الشعب الذي تتمثل رغبته في نشاط السياسيين المختلفين ذا سيادة حقيقية فهذا شيء, وحين يتعاملون معه كنص متعدد المعاني, يفعِّلون فيه هذه المعاني تارةً, وتلك المعاني تارةً أخرى, أو يخلطون صفحاته, أو حتى يمزقونها,‏

أو يفصحون عن أمر فيه ويصمتون عن أمر آخر.. الخ فهذا شأن آخر.‏

تفترض البيننصية, باعتبارها مفهوم عمل للسياسي الممارِس, أن توضع في أمكنتها المرجعيات الاجتماعية لجملة الاستشهادات المنتقاة بعناية. فلتحضير التقنيات الفاعلة في العمل مع الناخب لا يتم تصنيف هذا الأخير طبقاً لتنوع مصالحه الحقيقي وخصوصية حاله الاجتماعية ووضعه المادي بل طبقاً لبنية نصية منتقاة مسبقاً. لنقل إنكم ستعيدون "مماثلة" القسم المحروم والمنهوب من السكان مستعيضين عن هذا الواقع بـ "النص الشيوعي" الذي تمقته الأوساط الاجتماعية. هنا عليكم أن تهتموا بأن يتحدث هؤلاء المحرومون من تلقاء أنفسهم, أو, الأضمن, أن يجري الحديث عنهم بإلحاح, لا بمصطلحات الواقع الاجتماعي - الاقتصادي الحقيقي, بل بمصطلحات نمطية لنص "سلفي" موضوع مسبقاً موضع شبهة. ليتحدث هؤلاء المحرومون أكثر فأكثر لا عن حقوقهم المغتصبة وتجاوزات السلطة الفعلية وسوء استخدامها الصلاحيات بحقهم, بل عن الماركسية اللينينية وديكتاتورية البلوريتاريا والصراع الطبقي ونمط الحياة السوفييتي وما شابه ذلك. ضعوا مكان الناخب نصاً منطوقاً بمهارة, تستطيعون أن تحسبوا مسبقاً رد فعل الثقافة المعاصرة والرأي العام المتنفذ عليه - وستثأر بذلك التقنية السياسية من الواقع. كذلك تماماً ينبغي عليكم أن تتصرفوا تجاه أفعال السلطة - إذا كانت هذه السلطة سلطتكم. حاولوا الإقلال من الاستشهاد بالنتائج العملية المحددة لنشاطها - فقد يتهمونكم بالتلاعب. يصير الأمر مغايراً تماماً إذا تسنى لكم تقديم أفعال السلطة والسلطة ذاتها على أنها نص ديمقراطي مقبول وحسن السمعة. السلطة تنظم إقرار الدستور الديمقراطي في الحياة, السلطة مهتمة بحقوق الإنسان, السلطة تدخل في علاقة شراكة مع الغرب, السلطة تبني علاقات السوق وما شابه ذلك. تعني المفردات التي أبرزناها اللفظات الدلالية التلاعبية لـ "النص السلطوي", التي تسمح بحرف انتباه الحديث السياسي الاجتماعي عن شواهد التجربة المحبطة. إذا كنتم واثقين من أن هذا النص أو ذاك سيحظى بالشرعية في الثقافة ويتمتع بمواصفات القبول, فيكفي أن تقدم أفعال السلطة على أنها مطابقة لهذا النص وأنها تجسيد له - وسيتم اعتبار السلطة نفسها سلطة شرعية.‏

أما نصيب الواقع الحقيقي فلن يكون أكثر مما يسمى لدى جاك ديريدا(5) "أثراً". "الأثر" هو تلك الذكرى المتخافتة المطرودة بسبب من التواجد الطازج للنص المصاغ. تعتبر السياسة رسالة فيها "تواجدٌ مزدوج المعنى – أي انعدام الأثر... الإمكان الابتدائي للاختلافات البديلة كلها, التي اعتبرها عصر "المركزية الكلامية الأنتولوجية الغائية" أصلية وبدهية من تلقاء نفسها(6)".‏

هنا يتطلب الأمر سلسلة من الإيضاحات. الأنتولوجيا والأحكام الأنتولوجية هي توجُّهٌ نحو الوجود بأوليته واستقلاله الذاتي في علاقته مع وعينا الذاتي, وتعني المركزية التيوقراطية الإيمان بالقيم السامية (الدينية - احتكاماً لمنابعها), وتعكس المركزية الغائية الإيمان بالذات المستقلة التي تضع أمامها الأهداف, وتحسن الإجابة عن السؤال" لأي غرض؟" أو "باسم ماذا؟". وأما المركزية الكلامية فهي الإيمان بأن الواقع يخضع للقوانين العقلانية المختبرة.‏

تستبدل ما بعد الحداثة بالأنتولوجيا شبه اللغة - أي شاشة اللغة التي تفصلنا فصلاً أكيداً وجذرياً عن مادة الواقع الخام, هذا الواقع الذي لسنا في حال تسمح لأي منا, نحن المذابين في نصوص الثقافة, بأن نقول عنه جملة مفيدة.‏

تتعامل ما بعد الحداثة مع القيم السامية على نحو لا يقل جذرية. فقد أصبنا باليأس منذ زمن طويل في الواقع كثير النصوص, حيث هم النصوص الأوحد هو أن يناقض بعضها بعض, لا من انتقاء النص "الحقيقي" بين عدد هائل من النصوص المزيفة وحسب, بل حتى من انتزاع النص الذي نرغب فيه, إذ أن رغباتنا ذاتها تتغير بسرعة كبيرة ولا نعرف في الواقع ماذا نريد حقاً. حيث لا يوجد نص دلالي مركزي لا يمكن أن تكون قيم سامية - توجد فقط نبضات متزامنة تستفزها فسيفساء النصوص التي تستفز وعينا. إننا نشعر دوما,ً عوضاً عن كلية الوعي السابقة الموحية بالفكرة الرئيسية وبمنظومة الأولويات المرتبطة بها, بـ "خلوص" ما غير مريح أو بنشاز بين النصوص يمنعنا من الانقياد بحبور إلى أي شيء - للإحساس بالحب, لقراءة الكتاب المفضل, لإيديولوجيا سياسية الخ. إننا نحقق التفكيك, أو نقوم بنشاط التفريق الذي يبرد مشاعرنا وحماساتنا. يقول داريدا: "التفريق هو ذلك الذي تصير بفضله حركة الدلالة ممكنة فقط حين يكون كل عنصر موصوف بأنه "متوافر" ويعتبر حقيقياً على المسرح مرتبطاً بشيء ما مختلف أكثر من كونه يحتفظ في ذاته بصدى متولد عن صوت العنصر السابق, وحين يتحطم في الوقت نفسه من ذبذبة علاقته الخاصة بعنصر المستقبل...".(7)‏

يبرز "التفريق" في وقت واحد باعتباره سماً يقضي على مشاعرنا كلها, وباعتباره ترياقاً ضد سم الحماسة التي خذلتنا أكثر من مرة في القرن العشرين.‏

يفترض إضعاف موقف المركزية الكلامية علاقة مختلفة تماماً بالواقع عن تلك التي علمتنا إياها الثقافة الكلاسيكية. فإذا ما سحبنا هذا على السياسة فإننا سنرى التعبير الواضح عن هذا الاختلاف في التباين بين أحكام الليبرالية الكلاسيكية و"ليبرالية" ما بعد الحداثة الحالية.‏

لنعر انتباهنا إلى ذلك الكم من الاهتمام الذي تعيره التقنيات السياسية المعاصرة لما يسمى صناعة الصورة (Imagemaker) - أي تصميم "الشكل اللازم" للسياسي. تتطلب الكلاسيكية أن ينفذ السياسي - النائب, أو عضو البرلمان, أو رئيس السلطة التنفيذية أومن شابههم وظائف تمثيلية أو نيابية, أي أن ينطق بصوت الناخب وأن يمثل مصالحه في منظومة السلطة. السياسي هنا هو إلى حد ما متلق سلبي, أو, إن شئتم, وسيط مرهف يلتقط النبضات من الأسفل, من جانب الناخب. أما السياسي المعاصر ما بعد الحداثوي فلا يبرز بعلاقته النيابية, بل بعلاقته التقنية - الإرادوية تجاه الوسط المحيط. من هنا ينبع الاهتمام بتصميم الصورة. الصورة هي هيكل اجتماعي نفسي مزدوج المعنى ودقيق لا يرتبط بمصلحة موضوعية محددة, بل يرتبط برغبات مزدوجة المعنى. لا تمتاز الرغبة بقابليتها للحركة والمرونة فقط؛ فالأمر الأساسي فيها هو أنها مكشوفة للتلاعب و"ترغب" في أن تخضع للتلاعب. إن سيكولوجية الرغبة تشمئز من الشفافية الكلاسيكية والعقلانية - إنها تتسم بازدواجية المعنى المرتبطة بموقف التقاء المغري والمغرى الذي تُستفَز رغبته رداً على استفزاز المغري. لهذا السبب يهتم صانعوا الصورة بكاريزما السياسي. تعتبر الكاريزما من وجهة نظر العقلانية الكلاسيكية مفهوماً مقيتاً, فهي تفترض رفض وضع الاختيار العقلاني الموزون لصالح التصنع الجماعي. لم يهتم الناخب الكلاسيكي بصورة السياسي الساحرة بل بأمانته التمثيلية - بوفائه للمطالب التي يحملها. تفترض نظرية الاختيار العقلاني ذاتها الوعي البارد الذي يدرك بدقة مصالحه ويشتري السلعة السياسية لا بتأثير الانطباع المتكون عن علبتها أو تصميمها بل احتكاماً إلى المقاييس الوظيفية والمهارية. تقوم التعديلات المعاصرة على نظرية الاختيار العقلاني بتنازلات لصالح الممارسات الاحتيالية مفرِّقة بين الاحتياجات الأولية التي لا تخضع للاحتيال من جانب الدعاية والإعلان وغيرهما, وبين الاحتياجات الثانوية التي يكون المستهلك بخصوصها مستعداً إلى حد معين للخوض عن وعي في اللعبة مع المغرين المحترفين.‏

أما علم صناعة الصورة المعاصر فيسير أبعد من ذلك في هذه الطريق, ساعياً إلى طمس أي فرق بين الاحتياجات الأولية (الحقيقية) والحاجات المستفَزَّة, متبعاً بهذا الخصوص أحكام ما بعد الحداثة, التي تتطلب طي مسألة "المرجعية", أي طي الواقع الموضوعي.‏

حتى المنظومة السياسية نفسها في الأنموذج القياسي ما بعد الحداثوي تفسر على نحو رمزي - أي باعتبارها نصاً ليس له أي فهم صحيح وحيد. ويتبين ذلك من التضارب مع التناول الوظيفي المنظوماتي السابق (تولكوت بارسونس(8)), الذي يفترض رسماً صارماً وحيداً للأدوار والوظائف! " حرَّمت "العقلانية البيروقراطية" لدى ماكس ويبر كذلك تعددية التأويل وافترضت تجسيداً ميكانيكياً دقيقاً "لأحرف القانون" في الحياة. إن ما يضفي على الوضع طرافة خاصة هو حقيقة أن أنصار دولة القانون قد عرضوا منذ وقت قريب جداً للنقد المدمر إرادية " القضاء الاشتراكي", الذي لم يكن القضاة يهتدون فيه بحرفية القانون بل بـ "وعيهم الحقوقي الاشتراكي".‏

ويتبين, فجاءة, أن بناة دولة القانون ما بعد السوفييت قد انطلقوا في استبداد يبدو الإبداع القوميساري الحقوقي بالمقارنة معه كأقصى درجات الحذلقة الألمانية. لا توجد لا في القانون الأساسي ولا في القانون الجنائي مواد يمكن أن تخضع لتفسير وحيد ولا تحتوي على ثغرات مقصودة تضع الممارسة تحت تصرف "التفسيرات" المأجورة. يقولون: ما شأن فلسفة ما بعد الحداثة هنا حين يدور الحديث عن النوايا غير النظيفة لدى نخب السلطة الذين يحدثون عمداًُ الثغرات في القانون من أجل ممارساتهم التي في الظل؟ لكن الفرضية الأساسية لما بعد البنيوية تتأكد هنا: تتجلى أي ظاهرة من ظواهر الاختبار التجريبي في سياق الثقافة. صحيح أن الممارسات في الظل والتساهلات تجاهها من جانب القضاء كانت موجودة دائماً, لكن حين لا تتمتع بالمصادقة الثقافية ولا تجد لنفسها أدلة البراءة في نصوص الثقافة السائدة شيء, وحين تنبع أدلة البراءة هذه من "حساسية ما بعد الحداثة" المغروسة من الأعلى. شيء آخر.‏

إن إلغاء مرجعية كالناخب, وتحويل الممارسات السياسية إلى نص مستقل يشكله المحترفون من السياسة, واضح على جميع المستويات.‏

عن أي وظيفة "نيابية" (تمثيلية) للسياسة يمكن أن يدور الحديث إذا كان أفراد اشتهروا من الفضائح, وليس لهم أي حظ في أن ينتخبوا في أماكن إقامتهم قد انتخبوا في دائرة تشوكوتسك القومية أو في كارتشايفو - تشركيسيا حيث لم تطأ أقدامهم من قبل. واضح أننا في هذه الحال لا نتعامل مع السياسة بوظيفتها التمثيلية المدعوة إلى عكس تجربة الناخب وآماله ومصالحه, بل نتعامل مع السياسة باعتبارها "نصاً" أبدعه محترفون لتحقيق مصالحهم الخاصة.‏

في هذه الحال تصبح ثنائية السياسة الفكرية الأساسية والحقوقية, المرتبطة بالقسمة إلى أغلبية سياسية وأقلية سياسية. إننا نرى كيف يبدأ يتجزأ على نحو ماكر حزب السلطة, الذي لا يملك أية حظوظ في الحصول على دعم الأغلبية وبذلك يؤكد على نحو شرعي صلاحياته, إلى عدد من الأحزاب والمجموعات المستقلة كما يقولون, والتي يوكل إلى الكثير منها لعب دور "المعارضة". وبعد أن يعبر هؤلاء المعارضون إلى الدوما, إذ ينتدبهم الناخبون باعتبارهم معارضين تحديداً, يعلنون أنهم يدعمون حزب السلطة ومرشحه للرئاسة. هل يمكن عند ذلك الحديث عن إرادة الناخب ووظائف السياسة التمثيلية؟ لا, إننا نتعامل هنا مع إنتاج نتيجة معطاة مسبقاً, ويتم الحصول عليها عن طريق "التفكيك" المنهجي لكل ما يفسر تفسيراً واحداً, وغرس تعددية المعنى وازدواجية الأحاسيس - أي "لعبة الرموز", التي يخدع فيها المحترفون حتماً "هاوي الكلاسيكية الديمقراطية العظيم" - الناخب.‏

لا يجوز خلط "اللعبة" ما بعد الحداثوية مع إجراءات الانتخاب الديمقراطي العقلاني. يتحقق الانتخاب العقلاني دائماً في مصطلحات المنطق مزدوج المعنى, حيث تفعل فعلها قوانين التجانس, والتناقض, والثالث المستثنى. إن ألعاب ما بعد الحداثة تحطم الخطاب المعقلن, مقحمة بطريقة شيطانية "الثالث" الغامز واللامز, الذي لا مكان له في المنطق الطبيعي. يعلن السيد ما بعد البنيوي جاك ديريدا عن تحطيم قالب الثقافة العقلاني الذي تحمل المعارضات والخيارات فيه طابعاً ذا معنى واحد. ثمة في قالب ما بعد الحداثة الثقافي مكان "للعبة المصطلحات المتناقضة اللانهائية": الواعي/ واللاواعي, الوجود / العدم, المدلول/ الدال, الحقيقة/ الاختلاق, الرائع/ الشنيع, الحقيقة/ الوهم وما شابه ذلك. تجنح ما بعد الحداثة باستمرار, فضلاً عن أنها تسلم بالتغلغل المتبادل وغير المحسوس لهذه المصطلحات التي "يلطخ" واحدها الآخر, نحو الجانب الشيطاني "اليساري", ونحو "تعددية معانيه المكررة" في مواجهة صف الأخلاق والثقافة "اليميني". بكلمات أخرى, تعطى الأفضلية الواضحة للمفاهيم السلبية التي تعني "اللاوعي", "العدم", "الاختلاق", "الشنيع", "الوهم". ففيها, كما يحاولون أن يؤكدوا لنا, غنى تعددي أكبر, وتعددية معاني أنقى, وحتى أن فيها تسامحاً أكبر من أحادية المعنى الأصولية التي يتصف بها ذلك الذي يمثل الحق والحقيقة. بكلمات أخرى لا تتمتع الرذيلة مقارنة بالفضيلة بأفضلية تعددية المعايير وحسب, بل تتمتع أيضاً بأفضلية التسامح التعددي (البليورالي) ("عش, ودع غيرك يعيش"). أما الشيء الرئيسي فهو أن الرذيلة أكثر تكيفاً من الفضيلة ومنطقها القاسي مزدوج المعنى مع الألعاب الإستراتيجية ومع أوضاع اللعب لدى معاصرتنا الخاطئة.‏

ينبغي أن يذكِّر هذا القارئَ الذي لم ينس بعد جامعات الماركسية اللينينية و"موجز تاريخ الحزب الشيوعي لعموم روسيا (البلاشفة)" بشيء ما. وسأكون أكثر دقة: إن هذا يذكرنا على نحو مدهش بالديالكتيك الماركسي اللينيني, الذي انتصر بفضله البلاشفة المثقلين بـ "المنطق الشكلي" على الديمقراطيين البرجوازيين. فقد اتكل أولئك أيضاً على انتصار الفكر الاقتصادي السليم, وعلى أغلبية الناخبين التي منحتهم الأفضلية في الجمعية التأسيسية. باختصار, لقد اتكل قدماء الديمقراطيين الروس كثيراً على الواقع الموضوعي, وعلى مصالح الناخب الجماهيري, وعلى غير ذلك من الحقائق والمواد التاريخية الطبيعية. أما البلاشفة فكانوا هم أول من اكتشفوا لأنفسهم أن السياسة لا تعكس الواقع, بل تبدعه, مستبدلة بالطبيعي المبتكرَ والمقحمَ والمشغولَ. يمكن أن نقوِّم من علياء التجربة ما بعد السوفييتية الأحدث "زعرنة البلشفية السياسية" المعروفة, التي لا تقيم وزناً لقواعد اللياقة السياسية, على أنها سابقة لألعاب ما بعد الحداثة مع الواقع, هذه الألعاب الموجهة للاستعاضة عن المدلول بالدال, عن الواقع بالقانون. حصل بنتيجة الاختبار البلشفي العمال على شارات الطبقة السائدة, وحصل الفلاحون على شارات أصحاب الأرض, وحصل السكان كلهم على شارات الديمقراطية الاشتراكية. وبغض النظر عن مضرة البلاشفة باعتبارهم كثيري صراخ محليين, ومثقفين مهلهلين ناقصي التعليم, فقد كانوا احتكاماً لدستورهم أعقد من الديمقراطيين البرجوازيين, فهم احتفظوا في وعيهم في آن معاً بسلسلتين من المصطلحات غير المتوافقة: الديمقراطية (التي أقسموا بها بديماغوجية) ونقيضها, سلطة السوفييت ونقيضها سلطة الحزب الحقيقية, العلانية المكثرة في الكلام, والكواليس المخابراتية "الصموتة", تجارة المفرق والموزع الخصوصي وما شابه ذلك. لقد ولدت هذه "الألعاب الديالكتيكية" مع الواقع نمط رجل الظل السياسي, والشخصية ذات القعرين, وخطيب المنابر مزدوج المشاعر, الذي يحرص أشد الحرص كي لا يعكس حديثه المليء بالحماسة الكاذبة الواقع الحقيقي وليستعيض على نحو متحذلق عن ما هو واقعي بما يجب أن يكون. قارنوا بين الخطيب البلشفي باعتباره "متحذلقاً متحمساً", "يحفظ في فكره" تحديداً ما لا يمكن إعلانه وبين خطيب رومانسي قديم لا ينطق إلا بما يشعر به حقاً, وستفهمون التعقيد الشيطاني للأنموذج البلشفي, الذي أعطاه الأفضلية الحاسمة في النضال السياسي.‏

إن كل من ينسب للبلشفية اليوم جذور التقليدية الضاربة, كما يزعمون, في عمق الأنموذج المشاعي الأصيل إما لا يفقه شيئاً في "الديالكتيك" البلشفي, وإما يخفي خيوطاً ما تحت سطح الماء.‏

لهذا السبب حفظت النخبة السياسية ما بعد السوفييتية دروس ما بعد الحداثة بهذه السهولة, إذ جعلتها تجربتها السابقة كحزب للكهنة المتغامزين من وراء ظهر الشعب مستعدة تماماً لهذا. كان يكفي تجاوز نكسات الميتافيزيقيا الطبيعاوية, التي تجلت في معايير "المادية التاريخية" مثل الحتمية التحتية والفوقية, المتطلبات الأولية (التحتية), والمصلحة الطبقية وما شابه ذلك - ليتأمن الانقلاب ما بعد الحداثوي. كانت الممارسات الإرادوية للبلشفية تصطدم طوال الوقت "بمخلفات" نظريتها الطبيعاوية. وقد انعكس هذا في نظرية الواقعية الاشتراكية, حيث اقترن فعل أمر الإحلال الرمزي لما هو حقيقي محل ما هو لازم اقتراناً عجيباً بعدم تقبل علم الجمال الطليعي, وفي السياسة, حيث توضع مرجعية كالشعب في مركز الخطاب تارةً, وتختفي تارةً أخرى إذ يستعاض عنها برمز طليعاوي منسوب للحزب. لقد قيدت نكسات المذهب الطبيعي السياسي هذه في حقيقة الأمر الإبداع المهني لدى الطبقة السياسية, التي أثقلت كاهلها التقييدات النابعة من ضرورة أخذ "الواقع الراكد" في الحسبان ليس من الناحية النظرية وحسب, بل على شكل التزامات معلنة إيديولوجياً أمام الشعب. لقد بسَّط ديمقراطيو العولمة الجدد هذه الالتزامات القديمة, فـ "عالم العولمة" بخلاف واقعيات الوجود القومي - هو على الأغلب بناء الوعي الحاذق, الذي لا يجوز البحث له عن "مرجعية" مباشرة في عالم الحقائق المبرمة.‏

(1( - فلاديمير جيرينوفسكي ( 1946) سياسي روسي, عمل منذ 1983 محامياً لدار "مير" للنشر, وصار منذ عام 1991 زعيماً للحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي. ومنذ عام 1993 زعيم الكتلة البرلمانية المسماة باسم الحزب ذاته في مجلس الدوما الروسي. (المترجم).‏

(2( - فرناندو دو سوسيور (1857 – 1913). لغوي سويسري. درس اللغات الهندية الاوربية, ومشكلات المعرفة اللغوية العامة. كان أول من اقترح دراسة اللغة باعتبارها منظومة (بنية). كشف عن طبيعة الرمز اللغوي معتبراً علم اللغة قسماً من علم منظومات الرموز. (المترجم).‏

(3( - سوسيور ف. أعمال في المعارف اللغوية, موسكو. 1977. ص 101.‏

(4( - الاقتباس من إيلين ي. ما بعد البنيوية. اللاإنشائية. ما بعد الحداثة. موسكو. 1996, ص 24.‏

(5( - جاك ديرريدا (ولد عام 1930) - فيلسوف فرنسي قريب من البنيوية. ينتقد الميتافيزيقيا باعتبارها أساساً للثقافة الأوربية. يربط التغلب على الميتافيزيقيا بالبحث عن منابعها التاريخية عن طريق التفكيك التحليلي للمفاهيم التي تشكل أساس الأنتولوجيا, وفي مقدمتها مفهوم الوجود (المترجم).‏

(6( - الاقتباس من: أفتونوموفا ن. س. المشاكل الفلسفية في التحليل البنيوي في العلوم الإنسانية. موسكو, 1977 ص.163.‏

(7( - Derrida J. Position. P.,1972. P. 13‏

(8( - تولكوت بارسونس (1902 - 1979) - عالم اجتماع ومنظر أمريكي, أحد ممثلي التحليل الوظيفي البنيوي الأساسيين في علم الاجتماع. عمل في جامعة هارفورد منذ عام 1927 أهم مؤلفاته "بنية الفعل الاجتماعي" (1937), و"المنظومة الاجتماعية"(1952). (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 05:36 PM
ـ نهاية "ما وراء القصة" وغسق التنوير





يحدد منظِّر ما بعد الحداثة الفرنسي جان فرانسوا ليوتار(1) ما بعد الحداثة باعتبارها انعدام ثقةٍ منهجي بما وراء القصص(2).‏

يفهم ما بعد الحداثويين "ما وراء القصص" باعتبارها نصوصاً مركزية مكوِّنة للفكر ومنتَجة في كل ثقافة, ومشرعِنةً لممارسات اجتماعية مختلفة وفاقاً لمقاييس الحقيقة والخير والجمال. إن وجوب انتصار الخير على الشر, وتسيد الحقيقة, ومعاقبة الرذيلة لا ينبع إطلاقاً من الاختبار التجريبي كما أشار كانط على نحو مقنع من قبل. إن هذه الأفضليات هي مسلمات في الثقافة, وسيكون لزاماً على الثقافة من غير هذه المسلمات أن تطلق الشر المعشش في الإنسان من عقاله. لماذا إذن تقف ما بعد الحداثة ضد هذه المسلمات؟ إن أحد تفسيرات هذا الموقف مرتبط مباشرة بتجربة القرن العشرين الشمولية. صارت "ما وراء القصص" الملهمة في الثقافة منبعاً للحركات السياسية الممتلئة حماسة – أي صارت منبعاً لمفهوم الآخرة الجماعية المرتبطة بالإيمان بمعركة الخير الأخيرة مع الشر, والتي ولدت شراً كان يصعب حتى مجرد التفكير به من قبل. إذ يُرصِّد ما بعد الحداثويين المؤمنون "بما وراء القصص" العظيمة حسابَ الثقافة المانوية الممتدة عبر آلاف السنين فإنهم يستنتجون أن الشر التافه, المنثور في خطايا الحياة اليومية ليس, بالمقارنة مع الشر, سوى الوجه المقلوب للخير العظيم والحقيقة العظيمة والتحرر العظيم.‏

وها هي ما بعد الحداثة تشرع تدمر "ما وراء القصص". تعتبر ما بعد الحداثة أن أي إلزام موجه إلى واقعنا عموماً, وينتظر نهاية التاريخ العظمى - انتصار الشيوعية أو الليبرالية, انتصار المجتمع اللاطبقي أو حقوق الإنسان, المساواة التامة أو الحرية التامة, ما هو إلا ادعاء خطر, وينبغي إنكاره.‏

إذا ما قدر لما بعد الحداثويين الاختيار بين العدمية والحماسة, وبين المراوغة المكرية والنزاهة المستقيمة, وبين اللامبدئية والمبدئية, وبين اللاإيمان المستهتر والمتسيب والإيمان الخالص الملتهب فإنهم يفضلون المفاهيم الأولى على الثانية. إنهم يتهمون الفضيلة بالتعصب الدوغمائي الشامل, بينما يطلقون على الرذيلة صفة التسامح والتساهل - أي أنها المكافئ المعاصر للتعددية الليبرالية القديمة.‏

يرى ما بعد الحداثويين في الاتحاد السوفييتي السابق "ما وراء قصةٍ" مجسدة - إنهم يرون أسطورةً استبدادية عن الانتصار النهائي للخير المؤوَّل طبقياً. ليست القضية, طبعاً, في التأويلات المحددة لهذا الخير العظيم - إذ يمكننا استبدالها مع استبدال التعاليم العظيمة. وإنما القضية في الحكم ذاته بانتصار تجسيدات المعقولية والتقى والعدالة المؤولة على هذا النحو أو ذاك انتصاراً نهائياً. وما دام مثل هذه الأحكام باقياً فستشاد إمبراطوريات شمولية جديدة, مستعدة لأن تُخضع العالم كله لمشاريعها العظيمة.‏

يمكننا أن نتفق مع ما بعد الحداثويين لا حول وجود "ما وراء القصة" الشيوعية عن نهاية التاريخ السعيدة في أساس بناء الدولة السوفيتية العظمى وحسب, بل وحول أن موت ما وراء القصة هذه قد غدا السبب الرئيسي في موت تلك الدولة العظمى ذاتها. يرى ما بعد الحداثويين أن مهمتهم هي القيام بأعمال وقائية تهدف إلى تقويض مقدرة الثقافة ذاتها على إنتاج ما وراء قصص وتقويض مقدرة الأفراد على التأثر بها. يفضل ما بعد الحداثويين الانشطار الشيزوفريني لوعي جنون العظمة. إليكم ما يكتبه حول ذلك مؤلفو كتاب "الرأسمالية والشيزوفرينية "أنتي أوديب": "إننا نعيش في قرن المشاريع الجزئية, التي تكسَّر طوبها وبقاياها إلى فتات. ما عدنا نثق بأسطورة وجود مقاطع تنتظر على غرار حطام التماثيل القديمة آخر من ينبري ليلصقها من جديد ويعيد كليتها وكلية هيئتها الأصلية. ما عدنا نثق في الكلية الابتدائية والإجمالية النهائية التي تنتظرنا في المستقبل"(3).‏

من هنا تنبع اليقظة الخصوصية لـ "سخرية" ما بعد الحداثة, التي تُستَنفر فوراً للرد على ظهور أي مؤشر من مؤشرات الحماسة الإيديولوجية أو الأخلاقية القديمة, المرتبطة بالإيمان بمعنى التاريخ وبالقيم السامية وقيمة البطولة والتضحية. تنفي ما بعد الحداثة حق الأخلاق في أن تكون منبعاً للشرعية. إن أي ممارسات في أفق ما بعد الحداثة هي شرعية إذا كانت مرتبطة بالفاعلية والتقانة. (هل تذكرون التصريحات المعروفة عن فوائد المافيا التي حلت محل "الدولة المتوانية" في المجال الاقتصادي وحتى في مجال إحلال النظام؟) "أين تكمن الشرعية في عصر ما وراء القصة؟ إن معيار الفاعلية تقني, وهو لا يناسب النقاش حول الحقيقة والزيف"(4).‏

يوضع النمط التقليدي للحماسة الأخلاقية - الدينية موضع الشك بسبب من أحكامه عن الذاتية الوحدانية, المتجلية في الفكرة الرئيسية والتعاليم والقانون. باختصار, يعيد ما بعد الحداثويين وفق نمط خاص إحياء التعاليم السياسية ما قبل المسيحية في الثقافة, هذه التعاليم التي لا يقلقها أن يختلف الآلهة في ما بينهم. إن خلاف الآلهة يقدم الفرصة للدهاء البشري - وفاقاً لمبدأ "الموانع والتوازنات". "... الإيجابية الوحيدة المقبولة في الفترة المعاصرة هي ازدياد كمية اللغات وتعدد المنطق وقوى التأثير المتنوعة. اللغة المتعددة (البولي - لوج)‏

هي جعل العقلانية متعددةً (بليورالية) كرد على أزمة العقل الغربي"(5).‏

تحرض ما بعد الحداثة على الفعل كل ما "يشحذ حساسيتنا نحو التباينات ويقوي من مقدرتنا على احتمال عدم خضوعنا المتبادل للمقاييس"(6).‏

على هذا النحو يلزِمنا الخطاب ما بعد الحداثوي إلزاماً مباشراً بأن ندعم في كل مكان قوى تجزيء الواحد, فالواحد والكلي يعتبران العائق الرئيسي في وجه "ممارسات التبادل" العمومية (أو ممارسات الصرافة) التي يخضع لها بالكامل الرُّحَّل العولميون المعاصرون - مواطنو العالم.‏

بيد أن منظري ما بعد الحداثة لم يبدوا رأيهم بعد في ما يخص تلك التناقضات وآثار البُمرنغ(7) التي تبيَّن أن برنامجهم التفكيكي محفوف بها.‏

حين كانت الطليعة السياسية والثقافية كلها منصبة بالكامل لقلب "الغول الشمولي" المتمثل في الاتحاد السوفييتي - بدت إستراتيجية تفكيك "الواحد" مبررة نظرياً وعملياً. الأهم هو أنهم رأوا فيها تطوراً في نبض الحداثة التحرري المرتبط بتحقيق الذات لذاتها من غير عوائق ومن غير أن تكون مسئولة من أي كان.‏

وبدأت عمليات "التفكيك الشامل" "و"اللامركزة" و"اللاتنظيم" في الفضاء الإمبراطوري الواحد. وبرزت السلطة الفيدرالية الجديدة بنفسها باعتبارها صاحبة المبادرة في عمليات التقطيع واللامركزة والتفكيك التي لا حصر لها, وقد التقت في الأعلى قوتان وراحتا تتعاونان: المتحمسون الديمقراطيون الذين لا يعرفون غالباً ما يصنعون, وماجنو الخصخصة الذين أظهروا مقدرات رائعة في تحويل الحريات الجديدة إلى أكبر ما يمكن من الحصص غير الخاضعة للرقابة.‏

وحين صار الفضاء ما بعد السوفييتي أول الأمر, ثم فضاء روسيا الاتحادية لاحقاً يتجزأ إلى مناطق ذاتية لا حصر لها اكتُشف أن ما بعد الحداثة الراديكالية قد انقلبت لتصير مضادة للحداثة. لقد استبدل بالفضاء الكبير الواحد - موطن التنوير - عدد من الفضاءات الإثنوقراطية الصماء المغلقة تجرى فيها التجارب من أجل ترميم سلفية الزعامات القبلية والتعصب الديني ورهاب الأجانب والانتهاكات الشاملة لحقوق الأفراد. كتب أحد المراقبين الأجانب المتمتعين بنظر ثاقب قائلاً: "لقد ظهرت على الخارطة السياسية الروسية بضع عشرات من الأنظمة الطائفية الأولغرشية, التي حولت حقوقَ المواطنين الدستورية والانتخابات الحرة وحريةَ الطباعة والقضاءَ المستقل إلى مهزلةٍ. تكوِّن أشكال هذه الأنظمة طيفاً واسعاً لا يلحظ فيه وجود الديمقراطية إلا قليلاً, بل على العكس, تسود فيه الأنظمة الإقطاعية والأنظمة التي يمكن تسميتها مافيوية - إجرامية, والأنظمة التي يغلب عليها المذهب الديني الواحد والأنظمة البوليسية"(8).‏

ولنسأل لماذا حدث ذلك. لماذا لم تحل الديمقراطية محل صخرة الشمولية, وإنما حل عدد من الممارسات الشمولية غير المتوافقة وطليقة العنان؟ لماذا ظهر محل عنف الدولة المركَّز المحصور في يد المركز القوي عنفُ الحياة اليومية الإجرامية, المفلوت نحو الأسفل, باتجاه نواة المجتمع؟ ويبدو أن الجواب عن هذا لدى "الليبراليين" الحاكمين جاهز. إنه يذكرنا على نحو مذهل بأجوبة البلشفية القديمة, التي كانت تبرر إخفاقاتها بضغط "المخلفات الرأسمالية". اليوم, تشغل مكان "المخلفات الرأسمالية" "مخلفات الاشتراكية", ويعلنون لنا مباشرة قائلين: لن تنتصر السوق الحقيقية والديمقراطية الحقيقية إلا حين سيرحل "هذا" الجيل عن المسرح – والمسألة هي كيف نساعده على فعل ذلك بأسرع وقت. في مقدور "عولميينا", الذين ما عادوا يشعرون بأنهم مرتبطين بالأرض والتقاليد الروسية نهائياً, أن يسمحوا لأنفسهم بمثل هذه المحاكمات. إن قادة كتائب الديمقراطية أولئك ينظرون إلى أرض وطنهم من الأعالي العولمية: إنهم مستعدون لنقل الشعوب وتفريغ الأراضي النادرة من أجل العرق الأفضل, القادم جزئياً كما هو مفترض من المستقبل - من الجهة الغربية التي تستعد للقيام بالقفزة الجيوسياسية نحو الشرق.‏

ينبغي علينا, بهدف تدقيق التنبؤات حول زمننا, أن نعي من جديد, انطلاقاً من موقع التجربة المؤلمة, مقدمات التنوير ومصير المشروع التنويري في الأزمنة الآتية. وأول الأسئلة التي تظهر هنا: إلى أي حد ترتبط طاقة التنوير بـ "ما وراء القصص" الملهمة تلك, التي يحذرنا منها منظرو ما بعد الحداثة؟‏

لا يستطيع أحد أن ينكر على التنوير أنه قد صاغ ظاهرة جديدة في التاريخ هي ذات الفعل الواسعة, المتمتعة بالكبرياء المنظِّم للعالم. لكن ما بعد الحداثويين يرون في هذا تحديداً عيباً وليس فضلاً. تعالوا لنقارن سلسلتي الحجج.‏

أولاً – الحجج التي لصالح الذات. لقد تراكمت في العالم المعاصر جملة من المشاكل التي لا تقبل التأجيل, والتي من المستبعد أن تستمر البشرية في الحياة من غير حلها. فكيف يمكن في هذه الحال أن نفرح لتدمير الذات لا بل وللسعي بكل قوة إلى تحقيق هذا التدمير؟ فالمشكلات العولمية التي تواجه البشرية اليوم هي عولمية لأنه من غير الجائز تناولها من موقع المستهلك الملبى في الحال, والذي استبدل بالإستراتيجيات طويلة الأمد نزوة الرغبة الفوضوية (التي تدفعنا إليها ما بعد الحداثة). ألا يستحق الأمر أن نمعن الفكر جدياً في كيفية إعادة إحياء مقدرة الإنسان المعاصر على وضع المشاريع الواسعة وطويلة الأمد, وتعبئة الجهود الجماعية من أجل تنفيذها في الحياة. يتطلب هذا من الناحية المنطقية إحياء المقدرة العقلانية على المحاكمة التي تستطيع رصف فسيفساء الحقائق التي لا حصر لها في سلسلة ذات دلالة. أما من الناحية الإرادوية فيتطلب إحياء المواظبة والحماسة التي صارت الثقافة المعاصرة غريبة عنهما.‏

السلسلة الثانية من الحجج هي ضد الذات. هنا تنبع مواقف ما بعد الحداثويين فعلياً من مواقف منظري حرية السوق الليبراليين. لنتذكر كيف انتقد هؤلاء المنظرون, ممثَّلين على وجه الخصوص بـ بفريدريك هاييك(9), "العجرفة القاتلة" للذات المخطِّطة عقلانياً, التي نوت أن تستبدل بعالم السوق غير متوقع النتائج, والذي يضم جملة لانهائية من الأحداث, العقلانيةَ البيروقراطيةَ النابعة من الإلزام الخططي. بالتالي, وبدلاً من تعظيم الذات التي تحاول أن تقف على الحقائق وتضبط العملية من موقع التدبير البدهي أو المهمة البدهية, ينبغي تصغير الذات وتصغير استعدادها للخضوع لفوضى السوق التي تحمل قدراً من المعلومة أكبر بما لا يقاس من تلك التي تستطيع أي ذات كانت أن تمتلكها وتقدمها على شكل منظومة قرارات. يكتب فريدريك هاييك: "يُفسَّر التعقيدُ السائد في هذه المسألة في الكثير من جوانبه بمعالجة النظام المتشكل من قبل السوق على أنه "اقتصاد" بالمعنى المباشر للكلمة (أي على أنه اقتصاد منزلي – أ. بانارين), وبتقويم نتائج عملية السوق وفاقاً للمعايير المطبقة على مثل هذه الأسرة المنظمة ذاتياً, والتي تخدم تراتبية الأهداف المقررة"(10).‏

يتناول ما بعد الحداثويين العملية التاريخية من موقع نقد "السوق" هذا ذاته. لقد عزمت الذات الملهمة بحماسة التنوير على أن تخضع فوضى التاريخ لتدبيرها المخطط له. من هنا نشأت هذه النوايا البروميثيوسية(11) كلها الهادفة إلى تحويل المجتمع تحويلاً يتناسب مع مُثل معينة. إن هذه العملقة التاريخية المرتبطة بإخضاع الحياة لمشروع هائل, والمستعدة باسم انتظام هذا الأخير لأن تحطم الحياة وتُقعدها, قد تجلت بأبشع صورها في القرن العشرين. أفلم يحن الوقت بعد لكي نتعامل مع التخطيط التاريخي كما تعاملت ليبرالية السوق المعاصرة مع التخطيط الحكومي البيروقراطي - أي أن نرميه في حاويات القمامة؟ هذه هي تقريباً حجة نظرية ما بعد الحداثة في هذا الشأن. وقد بدت هذه الحجة إلى وقت قريب جداً دامغة لأنها تأكدت بالتجربة المأساوية التي تعرضت لها الحركات والأنظمة الشمولية التي لم تكن تخطط الاقتصاد وحسب, بل التاريخ أيضاً.‏

لكننا اليوم نمتلك تجربة التفكيك ما بعد الحداثوي لجميع المؤسسات المرتبطة بالعملقة العقلانية وهي لا تقل إثارة للبكاء وللإحباط. لقد جرى إحباط ذات التنوير المتحمسة وسلب إرادتها لإفساح المكان للعديد من الممارسات الفوضوية والخاصة.‏

وها هنا حدث ما لم يكن في الحسبان: ها هي غالبية هذه الممارسات تتحول على مرأى الجميع إلى ممارسات إجرامية, لذلك وقفت الليبرالية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما رد الاعتبار من جديد للقامعة العظيمة – أي الذات, وإما منح أدلة البراءة "لرجال الظل" الذين لا يحصى عددهم. ويبدو أن الليبرالية ميالة إلى الحل الثاني ما بعد الحداثوي.‏

لكن أقل ما يهمنا هنا هو المنهجية الدوغمائية لليبرالية. ينبغي علينا أن نناقش المسألة في الجوهر: بماذا تهدد البشريةَ المعاصرةَ نزعة نسف الممارسات الشرعية, التي تبين أنها وفاقاً لمعايير السوق الخالصة أقل ربحية وفاعلية, لصالح ممارسات الظل والممارسات غير الشرعية. ألا ينتظرنا في المستقبل اختبار مشوش للعقل– أضخم من "الثورات الثقافية" في الشيوعية - مرتبط برفض التمييز ذاته بين الشرعي وغير الشرعي أو مرتبط بمقارنة الشرعي بالفاعل (المُكسب)؟ يؤدي هذا الأفق إلى ظهور "البطل" الذي يبدو البروليتاري المهلهل السابق بالمقارنة معه صبي لعوب مسالم.‏

حين لا يكتفي التحليل ما بعد الحداثوي بلعب دور المشاكس فإنه يساعدنا إلى حد غير قليل, على مناقشة هذا الأفق وفي اليد براهين جدية. وأظن أن المثال على هذا التحليل هو عمل جان فرانسوا ليوتار "حال ما بعد الحداثة" الذي استشهدنا به. يطرح ليوتار السؤال, ربما, عن الأمر الأهم: إلى ماذا يصير العلم حين تختفي ذات التنوير الكبرى؟‏

بأي شكل شرعن العلم الكلاسيكي نفسه؟ لقد حصل, وفاقاً لليوتار, على مسوغه الاجتماعي (وبذلك على وضعه الاجتماعي) عبر دخوله في تناقض مع أحكامه الفطرية الذاتية. إن حكم المعرفة العلمية الدقيقة الفطري هو الغربلة التي لا تعرف الشفقة للمحاكمات التي لم تتأكد عبر المراقبة التجريبية الدقيقة وعبر الاختبار أو التي ليس لها هيئة الاستنتاج الاستدلالي الصارم من المقدمات الموثوقة. واضح أن محاكمات, مثل "ينبغي أن يخدم العلم الشعب" وأن يخدم عملية تحرر الفرد وأفق هذا التحرر وما شابه ذلك, لا تعتبر محاكمات علمية جرى التحقق منها بصرامة – فمن غير الممكن تأكيدها أو رفضها على شكل اختبار علمي.‏

الأكثر احتمالاً هو أن عملية العلمنة التي بدأت في عصر التنوير تؤدي في نهاية المطاف إلى استثناء مثل هذه الأمور الجوهرية التي يمكن أن نكتشف فيها الشكل المتحول للأصنام الدينية. الشعب, التقدم, الحرية, المساواة, العدالة – لدى أصنام التنوير هذه كلها النقيصة ذاتها, وهي أنها تناقض فعل أمر عدم خلق الأصنام الذي يأخذه العلم حقاً مأخذ الجد. لكن حينئذ أين يكمن مغزى النشاط العلمي وما هي ظروف شرعنته؟ يؤكد ليوتار على أن شرعنة السوق هي الشرعنة الأكثر مماثلةً لتبصر المعرفة العلمية. "لقد بدأ المبدأ القديم الذي لا ينفصل وفاقاً له الحصول على المعرفة العلمية عن تكوين العقل, وحتى عن تكوين الشخصية ذاتها, يتقادم وسيخرج من التداول. إن مثل هذه العلاقة بين موردي المعرفة ومستعمليها والمعرفة تسير وسوف تسير نحو اتخاذ شكل العلاقة التي تقوم بين منتجي البضائع ومستهلكيها تجاه البضائع ذاتها, أي شكل القيمة (farme valeur). تُنتَج المعرفة وسوف تنتج من أجل أن تباع... بدلاً من أن تنتشر بفضل قيمتها "التعليمية" أو أهميتها السياسية (الإدارية والدبلوماسية والعسكرية). يمكننا أن نتخيل أن المعارف سوف تدرج في التداول عبر القنوات ذاتها التي يتم عبرها التداول النقدي, وأن التمايز المرافق لهذا سيكف عن الفصل بين معرفة /لامعرفة وسيصبح كما في التداول النقدي "معارف بالأجرة/معارف للاستثمار..."(12).‏

فلنحاول أن نستخلص من هذا تلك الاستنتاجات التي ما زالت طليعة ما بعد الحداثويين لا تغامر بالكشف عنها. إذا كان العلم يتحول بالكامل إلى إنتاج المعرفة – السلعة, فأي عواقب سيجرها هذا على العلم ذاته وعلى المجتمع كله؟ في ما يخص العلم فهذه العواقب واضحة (وتؤكد تجربة إصلاحات السوق لدينا هذا). إن وضع المعرفة السوقي سيؤدي حتماً إلى اختفاء أنواعها التي لم تتخذ شكل سلعة ولا تستطيع أن تخدم المنفعة التطبيقية (التكنولوجية) الفورية. يخص هذا العلوم التأسيسية والفروع الإنسانية الملتصقة بالثقافة العامة, والتعليم النظري بأكمله. ويؤكد "إصلاح" التعليم الروسي الحالي هذا تأكيداً قاطعاً؛ فقد حكم على قطاعات مثل الفلسفة والعلوم الثقافية والتاريخ والعلوم السياسية (باستثناء "صناعة الصورة" وغيرها من الفروع التطبيقية) بالتهميش التام. تحرض "السوق" المعرفة التطبيقية على العصيان الحاسم ضد المعرفة التأسيسية (تماماً كما حرضت الحداثة المناهضة لله في وقت ما العلمَ على العصيان ضد الدين). لكن ألن يهدد مثل هذا العصيان بأن يدفع نحو الانتحار العلمَ الفاقد تربته المغذية المتمثلة بالمخيلة الإبداعية غير النفعية والفاقد أفقه اللازم؟‏

لنلتفت الآن إلى العواقب العملية التي ستصيب المجتمع. إذا تحولت المعرفة تحولاً شاملاً إلى سلعة تخدم, وفاقاً للتعريف, أي مشتر, أفلن يتكون احتمال أن يشتري المعرفة – السلعة ومعها العلم التطبيقي كله رجالات اقتصاد الظل وغيره من ممارسات الظل؟ في حقيقة الأمر: اقتصاد الظل هو الأكثر ربحية, فهنا يحصلون مقابل وحدة النقد الموظفة على مردود أكبر بعشرات وحتى بمئات الأضعاف من المردود في الاقتصاد العلني المنصاع للقانون. ألا يتهدد هذا الحضارةَ بأفق لم يسبق له مثيل: وهو أن يتم شراء الأسرة العلمية كاملة من قبل رجال أعمال الظل المستعدين لدفع الثمن الأعظمي لأن أعمال الظل تحديداً تمتلك السيولة الأعظمية؟ منذ وقت قريب كان تفسير البلشفية الأكثر صدماً هو أن المهلهلين استحوذوا على السلطة وحصلوا بفضلها على إمكان إملاء إرادتهم. أما الآن فالأفق الذي ينتظرنا هو أن عالم الإجرام سيحتكر المعرفة مع كل ما سينتج عن ذلك من عواقب على حضارتنا. كان العلم في الأزمنة الشمولية, وفاقاً لتعريفه, يقف في المعارضة العلنية أو المستترة ضد السلطة الراغبة في تحويله إلى خادم إيديولوجي. لقد قوَّض هكذا تحويل روح العلم ذاتها وعبأ الاحتجاج الذي لم يكن له أسس أخلاقية وروحية وحسب, بل أسس علمية داخلية مرتبطة بمعايير الصرامة العلمية والبرهنة والتثبت من الصحة. إن مثل هذه الحجج النابعة من مخزون العلم المهني لا تفعل فعلها اليوم ضد زبائن المعرفة الإجراميين. في حقيقة الأمر: إنهم لا يتنطحون قط للتدخل في عملية إنتاج المعرفة نفسها وتشويهها بالضجيج الإيديولوجي. على العكس, يسعى عالم الإجرام إلى تأصيل جميع حجج النقد الإيجابي المعادي للإيديولوجية, موافقاً بالكامل على أن المعارف ينبغي أن تكون دقيقة وتكنولوجية وفاعلة. هنا, على هذا النحو, يكون لدى العلماء أسس أقل للاحتجاج الداخلي, على الأقل من وجهة نظر معايير العلم الفطرية.‏

إذا كان العلم سلعة فإن من سيشتريه هم أغنى الأغنياء, وسيسعون إلى جعله احتكاراً لهم. هذا يعني داخل البلاد انتقال العلم, التطبيقي على الأقل, انتقالاً تدرجياً إلى جانب الأولغرشية والمضاربين الماليين ورجالات اقتصاد الظل. أما على الصعيد العولمي فيعني انتقاله إلى جانب الزبون الأغنى في العالم القابع ما وراء المحيط. إذا حللنا كيف تتبدل الموضوعات العلمية واتجاهات الأبحاث تحت تأثير منظومة الصناديق الأجنبية المانحة للهبات العلمية فلن يبقى لدينا أدنى شك. مثلاً, القسم الأعظم من المنح الأجنبية في أوكرانيا تحفز موضوع "الإمبريالية الروسي", وفي روسيا موضوع الشمولية والمواضيع الثقافية اللغوية القريبة منها المتعلقة بالنماذج الشمولية في الثقافة والذهنية الروسيتين. لا زال ليبراليونا كالسابق يصارعون شبح الشمولية الشيوعية, ساهين عن عملية تكوُّن شمولية من نوع جديد - سلطة أوساط المضاربات الإجرامية, الفاقدة لأي موانع أو توازنات, والمتحفزة لكي تشتري كل شيء يصير سلعة, وهذا معناه أنهم مستعدون لشراء أداة سيادة كالمعارف العلمية.‏

تهدد المافيا بالتفريق النهائي بين العلم التطبيقي (بما فيه الفروع التطبيقية للعلوم الإنسانية - كعلم الاجتماع والعلوم السياسية والعلوم الإثنية وما شابهها) والأخلاق والثقافة والتنوير, طالبة فقط المعرفة - السلعة المدعوة إلى تمتين قوتها المالية و, الآن, قوتها السياسية. لنجرب أن نناقش من جديد وضع ذوات كبريات كالشعب والتنوير والعلم. لنناقش العلاقة المتبادلة في ما بينها لا من موقع التناول القيمي الذي لا يقنع اليوم مؤسستنا, بل وفاقاً لمعايير السوق ذاتها, لكن السوق باعتبارها ذاتاً كبرى قادرة على المبادرى بإستراتيجيات طويلة الأمد في حضارتنا المعاصرة. إذا ما رحنا نقوِّم السوق وفاقاً للمقاييس النقودية - أي باعتبارها إجراءً لفتح منابع الربح الفوري فإن علينا أن نسقط من اعتبارنا أحد المفاهيم الأساسية في نظرية السوق, وهو مفهوم التراكم. علينا أن نقول مباشرةً: عملية التراكم غير ممكنة إذا انتفى وجود الذات الكبرى وإذا شغل مكانها عدد لا يحصى من الذوات الصغريات - التي تحيا يوماً بيوم وتسعى وراء أهدافها الآنية. يصير التراكم ممكناً وموفياً للغرض فقط حين توجد الذات الكبرى القادرة على أن تضع نصب عينيها أهدافاً واسعة إلى حد ما وعلى أن تعتمد على الوجود التاريخي المديد. وقد لعب الشعب دور مثل هذه الذات في منظومة التنوير الثقافية. فقط بالارتباط بمثل هذه الذات الجماعية المستمرة زمناً طويلاً تصير مبررةً في الحضارة المعاصرة الإستراتيجيات الثقافية المرتبطة بتراكم المعارف النظرية العامة, وبتطور التعليم الجماهيري بما في ذلك التعليم العالي, وبالحوافز المتاحة كلها التي يمكن تقديمها للشباب الدارس غير المطلوب منه المردود العملي العاجل. طبعاً, يتعلق هذا بالثقافة العامة أيضاً وبالتربية وبمنظومة معايير السلوك الحضارية التي تكبح الممارسات المريبة حتى لو كانت هذه الممارسات قادرة على الصعيد الفردي أن تحقق أقصى فائدة ممكنة.‏

يكفي فقط استثناء الشعب باعتباره ذاتاً تاريخية مستقرة وطويلة العمر وقادرة على مراكمة إنجازات الحضارة لا من أجل أفراد منفصلين ولا حتى من أجل جيل معاصر واحد فقط بل من أجل أجيال كثيرة قادمة حتى تغدو إستراتيجيات حضارتنا الاجتماعية الثقافية طويلة الأمد بلا معنى.‏

ارتكبت الحضارة البرجوازية جريمتها البيئية بحق الحياة على الأرض (بما في ذلك, طبعاً, البشرية), إذ تبين أنها غير قادرة على صون الخيرات البيئية ومراكمتها. لقد راحت تبددها باسم المردودية الاقتصادية الأسرع والأكبر. من هنا تنبع صيغة الإنتاج البرجوازي المرتبطة بحسبان تلك النفقات فقط التي يتحملها المستثمر الفرد باعتباره مشترياً لوسائل الإنتاج والقوة العاملة. أما ما يخص النفقات البيئية فإنها حتى الآن, كقاعدة عامة, لا تشارك في عملية تحديد الأسعار ولا يحسب حسابها من قبل طبقة المستثمرين. بيد أننا إذا نظرنا إلى سلسلة نفقات أخرى مرتبطة بنفقات الإنتاج الثقافي والاجتماعي والفكري فسنجد أنها قد صارت تؤخذ في الحسبان أكثر فأكثر منذ بعض الوقت. لقد فرضت الدولة على طبقة المستثمرين نظاماً ضريبياً قادراً على تغطية هذه النفقات وكافية من أجل تمويل تطوير بنية التقدم التحتية الحضارية المتعلقة بالعلم والتعليم والضمان الاجتماعي والضمان الصحي والأمومة وما شابه ذلك.‏

نظم المحافظون الجدد - النقوديون عصياناً حقيقياً ضد الدولة الكبرى مع ضرائبها الكبيرة كلها. وقد أدى لهم نقاد الحداثة ما بعد الحداثويين, الذين يعتبرون أنفسهم في الأمور الأخرى كلها مناهضين غير مهادنين لمذهب المحافظين الجدد, خدمة كبيرة لا تقدر بثمن في هذا الشأن. لقد زودوهم بالحجج التي بدت مقنعة للجميع, ليس فقط المؤسسات الفكرية ذات المزاج المؤيد للبرجوازية (كما في البلدان الاشتراكية السابقة) بل ذات المزاج المعادي لها أيضاً (كما في الغرب).‏

لقد رأى ما بعد الحداثويين في الدولة الاجتماعية الكبرى ملامح الذات الكبرى التي يبغضونها, والتي ضللت عقول الناس بـ "ما وراء قصصها" العتيقة.‏

وها نحن نحصل, حين أبعدت بجهود الجميع (أو على الأقل أضعفت وأفسدت إلى أقصى حد) الذات الكبرى المتمثلة بالدولة الاجتماعية أو القادرة على حماية نفسها من مخصخصي الأمة الإجراميين, على التأثير المذهل الناجم عن تدمير السوق الكبرى في الزمن المعاصر, هذه السوق المرتبطة بمنظومة التراكم الحضاري العام. لقد اختفى في رمشة عين كل ما كان مرتبطاً باستثمارات المستقبل الوطنية طويلة الأمد - نظام التوفير وتطوير الرأسمال الإنساني, بما في ذلك دعم الأسرة والأمومة والضمان الصحي...الخ. وكذلك منظومة التعليم والإعلام المرتبطة بتطوير وسائل الإنتاج العلمي وتحويل هذه الوسائل إلى وسائل إنتاج مادي.‏

حلت محل سوق الحضارة الكبرى, العاملة كمنظومة مراكمةٍ إستراتيجية طويلة الأمد, فسيفساء من أسواق صغيرة تغدو فيها مثل هذه الإستراتيجيات بلا معنى. وقد انعكس ذلك فوراً على وضع الشباب الذي حولته الحداثة إلى مجموعة مرجعية - أي إلى هدف للتقليد من قبل المجموعات الأخرى. في حقيقة الأمر لا يصير المسنون - مدخرو تجربة القرون - في الأوساط غير المستقرة والمتبدلة بسرعة مشرعي السلوك وإنما الشباب. لقد ألقى عصر الحداثة على عاتق الشباب مهمة القيام بوظائف لا بديل عنها تجعلهم طليعة: أن يكونوا مجموعة خاصة يخصصها المجتمع من أجل تسريع استيعاب الوسط المهني والسوسيوثقافي والتقني الإنتاجي الإقليمي. وقد نقل عصر الحداثة الأسبقية التي كان المجتمع يمنحها للأرستقراطية باعتبارها مدخرة الإنجازات السامية في الثقافة, إلى الشباب مانحاً إياهم صلاحية أن يكونوا ممثلي المستقبل المفوضين.‏

يعود مفهوم الشباب إلى التكوينات الخاصة في عصر التنوير تماماً كما هو حال مفهوم سنّ الشباب. لقد عرف المجتمع التقليدي سنين فقط: سنّ الطفولة (قبل النضوج الجنسي), وسنّ الرشد المستمر حتى الموت. وهذان السنان هما سنا الانصياع: الطفولة هي انصياع الاستماع إلى الأكبر سنا وتقليدهم, والرشد هو انصياع التكيف مع الظروف الراهنة. لقد اكتشف التنوير سنا ثالثة هي سن اللاانصياع, التي تحل في المرحلة الوسيطة بين نهاية الطفولة, التي يميزها العصيان ضد الأب, وحلول سن الاحتراف. يعرَّف الشباب بمعايير مجتمع المعلومات بأنه السن الذي يسمح لنا فيه بالحصول على المعلومة العلمية والثقافية العامة من غير أن نهتم بأمر استخدامها النفعي. هذا هو في الواقع التراكم المعلوماتي عينه. إن إصلاحات السوق النقودية, مثلها مثل إصلاحات ما بعد الحداثة السوسيوثقافية, موجهة مباشرةً ضد الشباب وضد توجههم نحو "ما وراء قصة" التقدم والمعلومة ذات النمط التأسيسي, التي لا تعد بمردود تطبيقي عاجل.‏

ليس من باب المصادفة قط أن إصلاحات السوق في روسيا قد ترافقت مع تغييراتٍ في القانون المدني وقانون العمل موجهةٍ إلى تقليصِ سنّ الشباب بكافة الوسائل. ما عادت الهويات الشخصية تمنح في سن الـ 16 بل في سن الـ 14, وصاروا يدعون الشباب ابتداءً من هذه السن إلى "عدم التكاسل" في منظومة التعليم العام, والذهاب بأسرع ما يمكن إلى العمل المنتج أو, على الأقل, إلى خدمة البزنس أو خدمة أي كان.‏

ولتوخي الدقة ينبغي أن نقول إن المجتمع الإجرامي المعاصر يقترح شكله الخاص لاكتشاف سن الشباب, لكن هذا الشكل ليس مرتبطاً بمنظومة إضفاء الصفة الاجتماعية على الشباب بل بالممارسات الهادفة إلى نزع هذه الصفة عنه - أي إلغاؤه من منظومة القيم المعيارية الحضارية العامة, وبنقله إلى صفوف البربرية الداخلية التي ترهب الوسط من حولها.‏

وهكذا تبين أن ما بعد الحداثة هي "الطابور الخامس" لسن الرشد الطماع والبخيل - إنه ثأر الأب من الفتى أوديب. لقد وثق الشباب بما بعد الحداثة منخدعاً ببلاغة العدمية المنقَّاة وبسلوكها المثير ضد "المنظومات القمعية". أما في الواقع فقد تبين أن تفكيك الأسطورة الكبرى الموجهة نحو المستقبل قد غداً أيضاً تفكيكاً لمنظومة مراكمة المعلومات العامة التي حولت الشباب إلى مجموعةٍ صاحبة امتياز.‏

حيث تختفي وظيفة المراكمة, الموجهة إلى المستقبل البعيد إلى حد ما - "فالذوات الصغريات" غير مهتمة بالمستقبل الكبير - يفقد الشباب امتيازاته الأرستقراطية. ينظر المجتمع الممثل بذوات السوق الصغريات المحكومة باللحظة الراهنة نظرة شك جديدة إلى الشباب كما ينظر إلى "رومانسيي المستقبل" الذي لا وجود له. وكما يعترف ليوتار ففي "مثل هذا المجتمع حتى المعارف لا تنقل ولن تنقل في المستقبل إلى الشباب بالكامل ومرة وإلى الأبد, حتى قبل بداية حياتهم النشطة. إنها تنتقل وسوف تنتقل "انتقائياً" إلى الراشدين الذين بدأوا نشاطهم العملي أو يهمون ببدئه لكي يرفعوا من سوية اختصاصهم وارتقائهم الحرفي..."(13).‏

في واقع الأمر, لعب الشباب وحده دور الذات المبررة لاستراتيجيات التنوير التراكمية السوسيوثقافية. إنه, هو تحديداً, الذي لعب في عصر الحداثة دور المستهلك الأكبر إن لم يكن الاستثنائي للمعرفة التي كانت موجهة للمستقبل, عوضاً عن أن تخدم الممارسات التطبيقية "هنا والآن", أي أنها كانت مكافئاً للتراكم العام.‏

كلما احتوت المعرفة قدراً أكبر من المعلومة النظرية العامة "متعددة التكافؤ" ازدادت حيوية انجذاب الشباب نحوها, هذا الشباب الذي يشعر برسالة التقدم في ذاته نفسها: عدم إعادة الإنتاج, عدم نسخ التجربة المتكونة, بل تجديدها بمعونة المعلومة النظرية والسوسيوثقافية العامة. لقد تطابق هدف الشباب هذا تطابقاً دقيقاً مع أحكام التنوير الذي كان يثمِّن أكثر ما يثمِّن تلك المعرفة التي لم تكن تخدم منظومة التجربة, بل منظومة المستجدات العامة. وهاهي ما بعد الحداثة تغيِّر من الجذور أحكام الحضارة هذه. لقد أعادتنا, بإلقائها الذات الكبرى وأهدافها الكبيرة ("ما وراء قصصها") بعيداً عن منصة الشرف, إلى ذلك العصر البعيد الذي كانت المعرفة فيه استحضارية بالكامل وحِرَفية ومخصصة للمعلمين العارفين مسبقاً خير معرفة كيف ستستخدم ولأي غرض. إن هذا طبعاً سيلقي جانباً الأبحاث الأساسية وغير ذلك من أشكال التراكم الفكري العام التي يستحيل القول مسبَّقاً في أي نتائج عملية محددة سوف تصب. ألا يهدد الانقلاب ما بعد الحداثوي بتدمير المخيلة الإبداعية الكبرى حين يستبدل بالقضايا الملحة حسابات البياعين؟ يشعر بعض منظري ما بعد الحداثة بذلك ويسرعون لطمأنتنا.‏

يقترح ليوتار المقارنة بين الوضعين الإشكاليين: وضع المعلومة غير المكتملة التي ينبغي إنتاجها, ووضع المعلومة المكتملة التي ينبغي ببساطة البحث عنها في بنك المعطيات المتوافر. يمكن في الحال الأولى أن يفيدنا رومانسيو العلم الكلاسيكي, الذين يولِّدون أفكاراً غير متوقعة في خضم هجومهم الدماغي الشجاع. أما في الحال الثانية فلن نحتاج إلى أي رومانسيين - يمكن الاستعاضة عنهم بمشغلين فطنين قادرين على استخدام منظومة الإنترنت باعتبارها خزاناً للمعرفة الجاهزة, الإنترنت هو "نهاية العالم" المعلوماتية, لأن عملية إنتاج المعارف الجديدة غير المعروفة باتت تستبدل بها آلة معالجة المعطيات المتواجدة في شبكات المعلومات. "...في الألعاب مع المعلومة الوافية لا يمكن أن تنحصر النتائج الأفضل (فرضياً) في الحصول على معلومة إضافية. بل تنبع من التنظيم الجديد للمعلومات, وهو ما يكوِّن في الواقع "الاستقبال". من الجائز تصوير عالم المعارف في عصر ما بعد الحداثة على أنه عالم تتحكم به اللعبة مع المعلومة الوافية, بمعنى أنها من حيث المبدأ متاحة للخبراء جميعهم: لا يوجد هنا سر علمي"(14).‏

لقد صُوِّر في هذه الجملة الفارق الرئيسي بين الإستراتيجيات الفضاءاتية للمجتمع العولمي المفتوح والإستراتيجيات المؤقتة (التاريخية) للمجتمع الخارج من التنوير. لقد كان اهتمام التنوير بأن تنفتح التجمعات الوطنية بعضها على بعض إلى أقصى حد أقل من اهتمامه برفع مقدرة كل منها على اكتشاف المستقبل اكتشافاً إبداعياً - على أساس تحليق الأفكار الجديدة الجريء. أما ما بعد الحداثة فتخاف من المستقبل المفتوح أي غير المتنبَّأ به, لكنها تخاف أكثر ما تخاف من الذوات القادرة على تنظيم العصيان "الميتافيزيقي" ضد الحاضر المتسلح بـ "ما وراء القصص" الملهمة.‏

إذ يدعو ما بعد الحداثويين إلى خصي هذه الخصوبة الخطرة فإنهم يقترحون في الوقت نفسه التعويض التالي: لا ينبغي الخوف من نفاد الإلهام الرومانسي (الذي دفعت البشرية مقابله ثمناً باهظاً جداً) - إن منظومة المجتمع العولمي المفتوح تتيح لنا أن نستبدل بإنتاج المعرفة الجديدة - مع كل ما تحمله من مخاطرة - منظومةَ اكتشاف المعطيات الجاهزة الأضمن والأكثر أمناً. ينبغي أن يستعاض عن قابلية الانكشاف الشاقولي للمستقبل بقابلية الانكشاف الأفقي للثقافات, التي صار محرماً عليها منذ الآن أن يخفي بعضها أسراره عن بعض.‏

ولنفكر: أي أفق عام يحضره لنا هذا كله؟ ألا يلوح في أفقنا شكل "المجتمع المنظم" العولمي الذي سيكون فيه على الشعراء والمفكرين المنظرين وغيرهم من ذوي المخيلة الرومانسية المتحررة جداً أن يخلوا أماكنهم لأولئك الذين لم يوهب خيالهم القدرة على التحليق لكنهم قادرون أفضل من أي كان على تنظيم "مادة الواقع المتوافرة" لخدمة المنفعة العاجلة.‏

صار مستطلعو الحاضر العولميون يحلون محل "مستطلعي المستقبل" الكاريزميين بالمعنيين المباشر والمجازي للكلمة.‏

إننا نعرف نسختين أساسيتين من التنوير - النسخة الفرنسية والنسخة الألمانية. تشدد النسخة الفرنسية على نبض التنوير التحرري - أي على تلك الحسية المكتفية بحد ذاتها والمنعتقة من سطوة الخرافة والتي يؤكدون عليها اليوم كثيراً. أما النسخة الألمانية فتشدد على أمر آخر - إنها تشدد على كيفية جعل هذه الحسية المتحررة اجتماعية, بإخضاعها للقانون العام, الذي ينبغي أن يتطابق, بخلاف التشريع الاستبدادي القروسطي, مع التحديد الذاتي الداخلي للإنسان المعاصر.‏

أعطى إيمانويل كانط الأنموذج الأروع لمثل هذا الحل. تحمل منظومة تشريعاته العقلانية من أجل حسية الزمن الجديد المتحررة طابعاً غنوصياً‏

(في "نقد العقل النظيف") وطابعاً أخلاقياً - معيارياً (في "نقد العقل التطبيقي"). لقد انطلق التجريبي الإنكليزي د. يُومْ أيضاً من الحسية المستقلة المكتفية بذاتها - أي من "مرجعية" الفلسفة الأوروبية الجديدة كلها. لكن يُومْ يصل لهذا السبب تحديداً إلى مذهب الشك ومذهب نسبية المعرفة. إن الحسية المتمردة تطرح أرضاً العقل التشريعي السابق وتقودنا إلى نفي الحقائق الموضوعية العامة والملزمة. ما إن ننتهي من الكلامية القروسطية ونعترف بالتجربة الحسية باعتبارها المنبع الوحيد للمعرفة حتى نفقد, كما يفترض يُومْ, مقتنيات الدوغمائية القديمة مثل طابع المحاكمات العمومي والموضوعي - الإلزامي. فالتجربة الحسية فردية وإشكالية. لذلك فإن المذهب التجريبي والمذهب الحسي وعلى الرغم من أهميتهما المحرِّرة, يحطمان أساسين من أسس الوجود الحضاري: موثوقية حقائقنا وإلزاميتها العامة. بهذا الشكل الإشكالي تحديداً وصلت إلى كانط الحداثة المبكرة المرتبطة بالدفاع المستميت عن الحسية الحرة. كان هذا المفكر الألماني سيمثل دور المرمم الرجعي لو أنه حاول حرمان التجربة الحسية من صلاحياتها المكتسبة. ولذلك تصرف كانط على نحو مغاير - لقد وجد وسيلة لجعل الحسية المنتفضة اجتماعية من جديد وذلك بوساطة ما يسمى الأشكال الأولية. وهذه الأشكال الأولية التي يوزع فيها كانط معطيات التجربة الحسية المبعثرة ليست ببساطة مجرى فطرياً عمومياً أو قالباً نسكب فيه حسنا الجامح. والأصح هو أن نفهمها على أنها عموميات محولة إلى داخلية في ثقافتنا الإنسانية, وأنها تبرز كتشريع داخلي لحسيتنا الفردية.‏

هنا, كما يخيل لي, تسنى للمثالية الألمانية ممثلة بكانط أن تكشف جوهر التنوير ذاته: فالتنوير هو جعل عموميات الثقافة والأخلاق داخلية, مما يضمن تحول "فرديي الزمن الجديد الحسيّين" إلى مفكرين عقلانيين وإلى ممثلين للحضارة المعاصرة خاضعين للقانون. إن ذاتَ كانط المتسامية هي الذات القادرة بفضل قالب التفكير العمومي المتوافر لديها على أن تدرك أي تجربة كانت وتترجمها إلى لغة المفاهيم العقلانية وتعيد إنتاجها بجهودها الخاصة في الأمكنة والأزمنة الخاصة بها.‏

لولا نسخة التنوير الألمانية هذه, التي تتوج ملحمته الفلسفية لما حصلت حضارتنا إلا على الحسية المتحررة إلى أقصى حد والهوائية إلى حد هستيري, والتي سماها فرويد في ما بعد "ليبدو" أو اللاوعي. فضلاً عن ذلك: لولا هذه النسخة لكونت الحسية الأوروبية الجديدة المتحررة حتماً أرضية عدائية إلى حد ما وعاطفية إثنية مركزية قادرة على أن تكون متعصبة إلى أقصى حد تجاه "حسية" الآخر وتجربته.‏

لقد كشفت لنا ذاتُ التنوير المتسامية المتربية على الفلسفة الألمانية الكلاسيكية الآفاق التالية التي تصب في أفق التقدم.‏

أولاً: أفق العلم: يسمح قالب الأشكال الأولية العقلانية بتأمين قابلية الإعادة الدقيقة لأي تجربة أو أي اختبار أينما أجري ومهما كان الذي يجريه. وبهذا تحديداً يبنى أحد أشكال الفضاء الإنساني العام الواحد - أي فضاء العلم المعاصر.‏

ثانياً: أفق التشريع الواحد والأخلاق الإنسانية العامة الواحدة. لا تستطيع الذات المتسامية من حيث المبدأ أن تتوقف عند أشكال الأخلاق القبلية (بمعنى "تعددية الحضارات") مثلها كمثل تعددية المعايير الحقوقية. إنها تجسد فيها الإنسان كإنسان - بكل مكانته الفكرية والأخلاقية. إن خصوصيته الإثنية والعرقية والطبقية وغيرها لا تساوي شيئاً مقارنةً بالعموميات التي تعبر عن طبيعته العاقلة الواحدة.‏

ثالثاً: الأفق التاريخي الواحد. يعبر التسامي عن نمط من الإرث الإنساني العام الواحد الذي لا يسمح لكل شعب بأن يعيد بحرية إنتاج أي إنجاز من إنجازات الحضارة في أي بقعة من الكرة الأرضية وحسب, بل أن يكتشفها بجهوده الخاصة وأن يصححها لفائدة البشرية كلها.‏

تستحق المسألة حول العلاقة بين جوهر الشعب وعموميات التنوير عناية خاصة.‏

تجري اليوم محاولات لإكساب كلمة "الشعب" من جديد - وكأن عمل التنوير التطهيري العظيم لم يكن موجوداً - أصداء إثنية وإثنوغرافية خالصة. يطرح الأمر بمنحى أن "الشعب" يعني الخصوصية القبلية وحدها ولا يحتوي أي عموميات ثقافية عامة حتى في الكمون. تنسب إلى الشعب صفات الـ "لوكوس" (المكان. المترجم) الميال على نحو لا يقاوم إلى الانعزال(15).‏

في ما يخص الفضاءات الكبيرة الموحدة المعاصرة فإن الفضل في تكوُّنها ينسب إما إلى الرأسمالية (تكوين السوق القومية الواحدة, من ثم السوق العالمية الواحدة) أو لنشاط الفئات المثقفة (الإنتلجنسيا) التبشيري.‏

لكن حينئذ ماذا عن الديانات العالمية العظيمة؟ المرجح أن أحداً لن يجادل في أنه لا البرجوازية ولا أهل الفكر الليبراليين هم الذين وضعوها. تدل تجربة الديانات العالمية على أن فضاءً روحياً كبيراً قد تكوَّن قبل الفضاء الاقتصادي الكبير الذي بنته الرأسمالية بكثير؛ وعندئذ سبق شكل هذا الفضاء الديني الشكل المعلوماتي العلمي المعاصر ببضعة آلاف سنة. لم تبن الحسية التحررية المرتبطة بعملية العلمنة مقدمات المذهب العمومي الحضاري كما يظن الكثيرون, بل على العكس, كانت مستعدة لتقويض هذه المقدمات. كانت وحدة العوالم الكاثوليكية والأرثوذوكسية والبوذية - الهندية في موضع المساءلة من قبل الحركات الإصلاحية والتحديثية, التي طمحت أول الأمر إلى حرية تأويل النصوص التوحيدية العظمى مما أدى إلى ظهور تعددية التفسيرات الدينية, ومن ثم إلى حرية رفضها التام.‏

كما يشهد تاريخ صيرورة الديانات العالمية وانتشارها فإن الشعوب في نهاية المطاف فضلت على الدوام النص الذي يحتوي على عموميات عظيمة موحدة على النصوص الأخرى جميعها التي ترسخ الانعزالية الإثنية وتستفزها. لا تستسلم الشعوب للمركزية الإثنية إلا في "الفواصل" الدراماتيكية في التاريخ, حين يستنفد النمط العمومي السابق ذاته ولمَّا ينضج النمط الجديد بعد. والأمر هنا لا يتلخص على الأرجح في أن العموميات هي أكثر جاذبية بحد ذاتها بل ينحصر في أن الجديدة منها يرافقها غنى في المحتوى الأخلاقي الديني المكوِّن للفكر وهو ما لا يمكن نيله على المستوى القبلي الضيق.‏

يمكن الافتراض أن نمطين من التأويل قد تشكلا في ما يخص عموميات التنوير أيضاً: التأويل الفردي - الغنوصي والتأويل الشعبي - الجماعي. لقد أضفت الغنوصية الفردية على عموميات التنوير في الغالب دلالة رافضة, وتحديداً: رفض المعايير المحلية الضيقة جداً والمفرطة في القسوة. أما حاجة الشعب من التنوير فكانت إلى أمر مختلف: إلى الظفر بشكل الثقافة اليومية المبهجة التي تمزج نور المعرفة مع نور الحقيقة الأخلاقية. إن نص التنوير في نظر الشعب هو الشكل المحوَّل للنص التوحيدي الأقدم. الشعب مهتم أكثر من كل شيء بما ظلت الفئة المثقفة (الإنتلجنسيا) لامبالية تجاهه إلى حد ما منذ البداية: وهو الصلة الوثيقة بين عموميات المعرفة النظرية وعموميات الواجب الأخلاقي. يكتب ليوتار كيف نشأت أمام مؤسسي جامعة برلين مسألة مرتبطة بالفارق النوعي بين نمطين من المنطق: النظري والأخلاقي, مع "نزاع أساسي... بين اللعبة اللغوية... التي تلبي معيار الحقيقة فقط واللعبة اللغوية الأخرى التي تملي ممارسة أخلاقية واجتماعية وسياسية معينة والتي تحتوي للضرورة على الحلول والالتزامات أو التصريحات التي ينتظرون منها أن تكون عادلة لا حقيقية...".‏

يطلب المفهومُ الأصولي المتجذر في الوعي الشعبي النصَّ الذي تلقى فيه الحقيقة والعدالة مجدداً إحداها الأخرى. وفي الوقت نفسه ليس من العدل اتهام الشعب بالأصولية التي تجعل العدالة وحدها مطلقةً على نحو يتعارض مع الحقيقة التنويرية. حقاً, لماذا فضَّل الشعب في نهاية المطاف ألكسندر بوشكين(16) على فاديي بولغارين(17) بكتبه الرخيصة الإثنوغرافية عن "الإيفانات الفيجيغينيين"؟ لماذا قُدِّر لـ "يفغيني أونيغين(18)", هذه الرواية الشاعرية عن مأساة الإنسان الهامشي, أن تصير كتاب الشعب؟ يُخيل أن هذا يدل على وجود صلة بين الشعب والتنوير أكثر من فطرية وأكثر من حميمية مما يفترضه أتباع نظرية التحديث المعاصرة. ليس الشعب وحده الذي يحتاج إلى التنوير, مع العلم أن هذه الحاجة ليست ببساطة "موضوعية" بالضرورة الخارجية وحسب, بل ذاتية أيضاً, ومتعمدة - وإنما التنوير يحتاج إلى الشعب أيضاً. يُكسِبُ الشعبُ بآماله المفعمة بالجاذبية والتوحيدية وفاقاً لمنابعها النصَّ التنويري تلك الكاريزما التي لا يتصف بها الخطاب عن الحقيقة بطبيعته. لولا "المشاركة الشعبية في التأليف بالقراءة", هذه المشاركة التي تضفي على النص التنويري الحياة الواقعية, لانحط هذا الأخير إما ليصير وعظاً عقلياً لا يطاق (ومثل انحرافات التنوير هذه معروفة لنا) أو ليتحول إلى دفاع عن الحسية المنفلتة (التي ولدت الرواية الإباحية في القرن الثامن عشر).‏

لماذا نضطر إلى الحديث عن ذلك بمثل هذا التفصيل؟ لأن "الحس ما بعد الحداثوي" المعاصر يدمر بوتقة التنوير التي يصب فيها العقل النظري والعقل الأخلاقي, والخطاب عن الحقيقة والحديث عن الخير. يأخذ ما بعد الحداثويين من الحداثة التنويرية الحسية المنفلتة فقط باعتبارها رمزاً للتحرر الشامل. لكن مع هذه الحسية المتحررة اليوم من هيكل العموميات التنويرية تحدث أشياء مذهلة حقاً.‏

(1( - جان فرنسوا ليوتار (ولد عام 1924) فيلسوف فرنسي ينتقد الفرويدية والماركسية ("اقتصاد الرغبة" 1974), ابتكر مفهوم "ما بعد الحداثة" على أنه المشكلة الأساسية في الزمن المعاصر, المتصف بتصارع أساليب التفكير وأشكال الحياة المختلفة‏

("La condition postmodern", 1979). (المترجم).‏

(2( - ليوتار ج. ف., حال ما بعد الحداثة. ???, 1998, ص 10.‏

(3( - الاقتباس من: إيلين ي. مرجع سابق ص 112 -113.‏

(4( - ليوتار ج. - ف. مرجع سابق ص.12.‏

(5( - Kristeva J. Polylogue. P., 1977. P.270.‏

(6( - ليوتار ج. - ف. مرجع سابق ص.12.‏

(7( - قطعة خشب ملوية أو معقوفة إذا ضربها ضارب طارت وارتدت نحوه (المترجم).‏

(8( - كيزا ج. الانتحار الفيدرالي. //موسكو, 1999 العدد 10. ص 127 - 128.‏

(9( -فريدريك أوغوست فون هاييك )1899 - 1992) عالم اقتصاد وفيلسوف, ممثل الليبرالية الاقتصادية التي طورت تقاليد المدرسة النمساوية. ولد في النمسا وعمل في بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا والنمسا. شكلت النظرية النقودية والمشاكل المنهجية للعلوم الاقتصادية الاتجاهات الأساسية في أبحاثه. تناول بالنقد فكرة الاشتراكية وممارساتها. مؤلف كتاب "الطريق إلى العبودية" (1944), "القانون والتشريع والحرية" (1973 - 1979). أحد ملهمي الانقلاب المحافظ الجديد في السياسات الاقتصادية في الدول الغربية إضافة إلى فريدمان. حائز على جائزة نوبل (1974) (المترجم).‏

(10( - خاييك ف. المنافسة كإجراء للاكتشاف// ?????, 1989. العدد 12. ص 9.‏

(11( - بروميثيوس هو عملاق سرق في الأسطورة اليونانية النار من السماء وعلّم البشر استعمالها, وبهذا قوّض الإيمان بقدرات الآلهة, فقيده زفس إلى صخرة عقاباً له على ذلك, وكان نسر يطير كل يوم وينقر كبده إلى أن حرره هرقل (المترجم).‏

(12( - ليوتار جان فرانسوا, مرجع سابق, ص 18, 22.‏

(13( - ليوتار جان فرانسوا, مرجع سابق, ص 120 -121.‏

(14( - ليوتار جان فرانسوا, مرجع سابق, ص 125 -126.‏

(15( - قدمت وجهة النظر هذه, خصوصاً, في كتاب أخنيزير "روسيا: نقد التجربة التاريخية". موسكو, 1993‏

(16( - ألكسندر بوشكين (1799 - 1837) الشاعر الروسي الكبير, الملقب بأبي الأدب الروسي الجديد ومؤسس اللغة الأدبية الروسية المعاصرة. (المترجم).‏

(17( - فاديي بولغارين (1789 -1859) كاتب وصحفي روسي من أصل بولوني. أصدر صحيفة "نحلة الشمال" (1825) ومجلة "ابن الوطن" (1831) وغيرهما. مؤلف رواية "إيفان فيجيغين" (1829) التي احتوت على عناصر من روح المغامرة. (المترجم).‏

(18( - يفغيني أونيغين (1823 - 1831) هي رواية شعرية توجه فيها بوشكين نحو مشكلات مذهب الفردية ومسائل حدود الحرية, وأعاد فيها بناء الحال الروحية للبطل الذي يتجاوز نمط حياة طبقة النبلاء (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 05:50 PM
ـ الحسية اللااجتماعية في خدمة العولمة





يحوَّل الإنسان على أساس مثل هذه الحسية إلى بهيمي وعلى أساسها تجري عملية "حيونته". صارت ما بعد الحداثة تتعاطى بحذر مع الممارسات اللفظية, مرتابة بوجود التوجيه المؤدلج فيها. لكن الأمر معكوس بالكامل مع الممارسات الجسدية العفوية – أي مع مهرجانات التحرر. ابتداءً من أتباع الحسية المنفلتة ما بعد الحداثوية راح "الإنسان الطبيعي" يتجول مع ممارساته الجسدية في الفضاء العالمي كله. بالمناسبة, يندرج الإجرام والدعارة تماماً ضمن التعريفات المنشودة للممارسات الجسدية, لتمتعهما بمؤشرات "التعبيرية" و"العفوية" و"الفردية" (الهوائية) المطلوبة كلها. إذا كان سابقاً يتم الانتقال من الإنسان المحلي إلى الإنسان العمومي أو العولمي من خلال الثقافة - أي بوساطة إستراتيجيات أكثر تصعيداً, وتقود من "المكانية" السفلية إلى ذرا عموميات العقل الحر, فإن هذا الانتقال اليوم يتم من خلال اللاتصعيد - أي الغوص في الفوضى الجسدية "للغريزة الأبدية". تقدم الثقافات تعددية الأنماط البشرية التي يكون إدراكها المتبادل لذاتها عبر الممارسات الشفهية إشكالياً للغاية كما يدعون. يشتبه العولميون من أتباع المذهب ما بعد الحداثوي مع الفرويديين الجدد بأن الدوافع التي تصوغها الثقافة ليست فقط مصطنعة وارتكاسية وشاذة (مثلاً, يفهمون السخاء على أنه رد فعل ناجم عن ضغط البخل المفرط), بل بأنها تصير مصدراً لعدم قابلية التواصل بين ممثلي الثقافات المختلفة. وها هو التناقض المصرح عنه من قبل ما بعد الحداثة: الثقافات تفرق في الوقت الذي تقرِّب فيه الغريزة والجسد ويعولمان.‏

من هنا هذا الدفاع المستميت عن البدائية والقسوة الوحشية. تنتزع الثقافة الشعبية المؤمركة أمام أعيننا حقوق أكثر أنواع الجسمانية فظاظة من أكثر أشكال التجربة الجمالية تنقية. تقدَّم عفوية الغريزة الجنسية والسادية المازوشية وغريزة حب المال وغيرها من الغرائز بما فيها غريزة القتل على أنها مناهَضَةٌ للاستبداد موجهةٌ من قبل العصر ضد الأخلاق التحريمية القديمة.‏

يبدو الدرب نحو الأسرة العولمية عبر حوار الثقافات المستمر صعباً للغاية وإشكالياً, ما دامت "ألبسة الثقافة" تخفي ثوابت حسيتنا. يكفي أن ننزع هذه الألبسة ونعري الجسمانية البشرية حتى ينكشف لنا التجانس العولمي الذي نبحث عنه. في وقت سابق استغل نازعو الملكية البلاشفة بنجاح غريزة الحسد, التي صارت الحليف الأمين لنزع الملكيات "البروليتاري". أما اليوم فيتحالف نازعو الملكية العولميون في صراعهم مع الإرث الثقافي الذي يؤكد على مقاومة الشعوب الروحية لعالم القطب الواحد, مع الجسمانية المنتفضة التي يميزها التبرم من الثقافة. يستفز الغربويون الأمريكيون أينما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً عصيان الجسد على الروح ويمكنون من كنس الممارسات الفكرية المخضعة للتنقية والتي تحارب البدائية باعتبارها المعين على نزع الملكية الثقافي العولمي.‏

كل أولئك "الروس الجدد" و"الأوكرانيين الجدد" والقوزاق الجدد" والألمان الجدد والرومانيين والبولونيين إنما يظهرون للعالم نمط الإنسان الجديد المتبرم بوضوح من المعايير الثقافية والأخلاقية الحضارية ويستعرضون الجسمانية الوحشية.‏

لا زال عدد الذين يمعنون الفكر في ثمن الاختبار العولمي الأمريكي على العالم هذا قليلاً. وكما شجع نظام يلتسين السيادات الذاتية الإثنية بهدف تثبيت سلطته يشجع العولميون الأمريكيون في كل مكان طاقة الغريزة الهدامة الموجهة من أجل تحويل فضاء البشرية الثقافي إلى خلاء جيوسياسي سيُملأ في ما بعد بأصحاب العالم الجدد. إن هذه اللعبة الإستراتيجية المثيرة مع الغرائز والممارسات الجسمانية تضعف الحضارة في كل مكان وتشجع البربرية.‏

لا زال بعض الليبراليين السذج غير المطلعين على أسرار الخطاب ما بعد الحداثوي يأملون بأن العولمة على الطريقة الأمريكية هي الطريق إلى الأعلى, من العبودية الشمولية إلى الحرية, من التعصب القبلي إلى التسامح, من الجهالة التقليدية إلى التنويرية العقلانية. حان الوقت كي نفهم أن في الانقلاب العولمي, كما في غيره من "انقلابات العصر" في زمننا, الدور الحاسم هو للعب باتجاه التخفيض - من العقل إلى الغريزة, من التنوير إلى معاداة التنوير, ومن القيم الروحية النقية, إلى الجسمانية العدوانية, واختصاراً - من الحضارة إلى البربرية. إننا, حين لا نصوغ في الوقت المناسب البدائل لهذه الألعاب العولمية الموجهة باتجاه التخفيض, نغامر بالسقوط إلى طبقات التاريخ المستحاثية. لقد أحيت البلشفية منذ وقت قريب جداً وعلى مرأى من العالم المذهول أسلوب الإنتاج الأسيوي, أي حرضت على العودة إلى الوراء بضعة آلاف سنة - إلى زمن دول الحكم المطلق الشرقية في آشور وبابل ومصر. والعولمة ما بعد الحداثوية قادرة, مرة أخرى باسم الاختراقات الأحدث, على الدفع نحو السقوط باتجاه سلفية ما قبل الحضارة وما قبل الدولة عموماً, التي تبدو على خلفيتها الشمولية السوفييتية ذروة الانضباط التنويري والعقلانية. يتلخص الأمر في أن العولميين المسلحين بمخزون علم الثقافات قد قرروا في ما بينهم أن ما يقف وراء الدولتية الوطنية, التي يرون فيها عائقاً في وجه العولمة, هو المنظومات الثقافية الوطنية التي تدعمها وتغذيها. لذلك جذَّرت مشروعها "التفكيكي" بأن ضمت إليه مخططات تدمير الثقافة. إنهم بذلك لا يخاطرون بإعادة العالم إلى البربرية وحسب, بل حتى إلى الوحشية, وليس أي وحشية وإنما الوحشية المتسلحة بمخزون الحضارة الصريعة المنهوب. يستطيع العولميون المتغطرسون الرهان على أنهم أول الأمر سيحطمون بمدك الغريزة المتحررة الثقافات الوطنية, ومن ثم سيمتلكون زمام الغريزة ذاتها بأيديهم مجبرين هؤلاء "الروس الجدد" المتحفزين كلهم وغيرهم من "الجدد" على الخضوع للقوة الأمريكية المفروغ منها. لكن ستبرز هنا عدة أسئلة مقلقة.‏

هل سيقدر حقاً للزعماء الأمريكيين إعادة مارد الحسية الفردية السلفية, غير القابلة للالتزام بأي معايير حضارية كانت أو أي قواعد عيش مشترك, إلى القارورة؟‏

حتى لو افترضنا أنهم سينجحون في هذا الأمر فهل سنحصل بالنتيجة حقاً على نظام أكثر تحضراً وإنسانية من الأشكال السابقة للدولتية الوطنية, أم أن ما ينتظر أغلبية البشرية هو مصير الغيتو الذي ستَحول فرق الحماية المدججة بالسلاح دون تسربه إلى الفضاء المعقم المحفوظ من أجل الأقلية الموفقة؟ إن هذا النمط من معاداة الطوباوية الشاملة ضروري اليوم ضرورةً وقائيةً للبشرية المخدرة بالطوباوية الليبرالية العولمية. عموماً, ينبغي أن نقول إن ميل الليبرالية المعاصرة إلى البنى الطوباوية يكاد يفوق ميل الشيوعية إليها. يجري إستراتيجيو الانقلاب العولمي المركزي الأمريكي مثلهم كمثل إستراتيجيي الانقلاب الشيوعي الغابر التجارب بغير رحمة على المفاهيم الطوباوية في الوعي الجماهيري المعاصر.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 05:52 PM
ـ الحسية ما بعد الحداثوية ونرفانا(1) الانحطاط‏





من بين أقانيم الحسية ما بعد الحداثوية, إضافة إلى طاقة الغريزة الوحشية, يتم تمييز التراخي الكبير والتسيب. لم تكن أعجوبة الحداثة مرتبطة لا بالبحث عن منابع جديدة للطاقة الفيزيائية - أي لا بالبخار ولا بالكهرباء, بقدر ما كانت مرتبطة بالكشف عن منابع الطاقة الاجتماعية الجديدة.‏

يرسم لنا انقلاب الحداثة الأنثروبولوجي صورة الإنسان المعبأ إلى أقصى حد, الذي ينظر بغير كلل إلى الساعة والمولع بالسعي إلى الالتزام بالمدد المحددة وإلى ضغط الوقت إلى أقصى حد مشبعاً إياه بالأحداث والانجازات. أما ما بعد الحداثة فتشهر انقلاب التسيب الشامل المعاكس. الاستمتاع بالحاضر المكتفي بذاته والتحرر من تسلط "الغائية" الحاضرة في كل مكان, التي تحث جهودنا باسم تحقيق الأهداف السامية, ورفض المشاريع لصالح "حياة اللعب" - هذه هي ملامح نمط الحياة ما بعد الحداثوي.‏

يظهر في أحد الجوانب هنا التقليد في الأسلوب الذي تتصف به عصور الانحطاط جميعها, وفي حالنا هذه يظهر تقليدٌ "للتأملية" البوذية وغيرها من أشكال "النِرفانا الشرقية". في مقدورنا أن نرى مثل هذه الظواهر على مثال عصور انحطاط أخرى مثل العصرين اليوناني والروماني المتأخرين. تشرعن الحضارة الغربية ممارسات الانحطاط المشكوك بها مستندة إلى أنماط شرقية منتشلة من سياق روحي أكثر عمومية. فتحصل اللامبالاة وضعف الإرادة المدانتان بمعايير الأخلاق العادية على أدلة البراءة باعتبارهما من نتاج تجربة النرفانا أو الداو (اللتان لا تمتان إليهما في حقيقة الأمر بأي صلة). إننا نلحظ هنا تلك "البيننصية" ذاتها – "تعليل النص بالنص", التي تضفي عليها ما بعد الحداثة أهمية المنهج الشامل. أما في الثقافة الروسية المعاصرة فتبرَّر عيوب الانحطاط الواضحة هذه من خلال نص آخر هو النص الغربي. إن الذاتية الأسوأ, التي تعتبر نفسها شكلاً مكروها في الحياة المعيشة, يجري تقليدها بدهاء في الحياتين السياسية والمهنية باعتبارها "نصاً" ليبرالياً, وعوضاً عن التحيُّر أمام تجليات الإرادة والرهافة والمسؤولية يتم الاستخفاف بهذه التجليات باعتبارها "مخلفات محلية".‏

نستطيع أن نرى في تاريخ روما البائدة ضعف الإرادة هذا واللامبالاة, اللذان يتمنيان أن يبدوا صافيين: تتناهى من كل صوب أصوات طبول حرب البرابرة وتندلع الحرائق في الأرجاء كلها بينما يفضل الحس الانحطاطي الانزواء بعيداً عن عالم الواقع و"التقاط اللحظة". من هنا هذه العلاقة المتناقضة تجاه البرابرة: يخافونهم لكنهم يعجبون في الوقت ذاته بوحدة طباعهم وانفعالية إرادتهم. يبدو هذا الشعور المتناقض محسوساً على نحو خاص في علاقة ليبراليينا تجاه الغرب والعالم الإسلامي: فهم مستعدون للاستسلام أمام الأول باعتبارهم ممثلين "للبلاد البربرية", وهم مستعدون للاستسلام أمام الثاني باعتبارهم ممثلي المجتمع المتفسخ تفسخاً انحطاطياً. من المؤكد تماماً أن لا شيء ذا قيمة في نظر ما بعد الحداثويين أولئك: لا يوجد لا في السماء ولا على الأرض ذلك الشيء الذي يودون أن يضحوا بجهودهم في سبيله. ما هذا – هل هو نتيجة أقصى درجات التيه الروحي أم أنه عملية ما أكثر عمومية متمثلة في ضعف طاقة إروس(2) التي تزكي حرارة الحياة؟ من المحتمل تماماً أن تكون الحضارة التقنية التي استَبدَلت بالعلاقات الحية علاقات ميكانيكية واستبدلت بالوسط الطبيعي خليط الأقوام قد قوضت من الأساس حيوية الإنسان المعاصر ممهدة لتراجع إروس أمام تاناتوس(3).‏

ولنلجأ إلى أدلة علم الاجتماع من غير أن نتوقف عند هذه المحاكمات الميتافيزيقية الخالصة. لقد بيَّن علم الاجتماع الصناعي أن عملية التحوّل الصناعي هي في الوقت ذاته عملية تجنيد للطاقة البشرية لم يعرف التاريخ مثيلاً لها. لقد كان المجتمع التقليدي, بتنسكه الديني والأبوي, أكثر تسامحاً بكثير مع كل ما هو تلقائي وعفوي وذاتي القيمة وموجود في حال "في ذاتي" و"من أجل ذاتي". أما الحضارة الصناعية فأخضعت مئات الملايين من البشر لنظام وإيقاع قسريين, واستبدلت بالتلقائي الوظيفي وبلغت الذروة في "عصر المنظِّمين", الموصوف من قبل ج. بيرنغام. إننا نعاصر تطوراً عولمياً جديداً. تسري في كل مكان عملية تحول لاصناعي خفي. في الغرب وصفوها بأنها انتقال من الحضارة الثانوية إلى الحضارة الثالثية أو حضارة الخدمات. أما لدينا فاكتسبت عملية التحول اللاصناعي, كغيرها من التطورات الحضارية السابقة, أشكالاً راديكالية لعملية موتورة إيديولوجياً موجهة نحو الغيورين على التعاليم العظيمة الجديدة. لكن عملية التحول اللاصناعي تعني التسريح. إن التسريح الجماعي للجيوش الصناعية يجر وراءه نفسياً تلك النتائج ذاتها التي تنتج عن تسريح الجيوش المنتهية من معاركها. ليس مقدراً للجنود المسرَّحين العودة إلى حياة ما قبل الحرب السعيدة, ومصيرهم هو الضياع وعدم القدرة على التكيف وعدم المقدرة على منافسة أولئك الذين استطاعوا التملص من الاستدعاء وتدبير أمورهم فيما راح غيرهم يريق دماءه. واليوم يحدث الأمر ذاته لجنود جيش عظيم آخر – هو الجيش الصناعي. ليس مقدراً لهؤلاء أيضاً العودة إلى الكدح والمعيشة ومناظر الطبيعة الخلابة ما قبل الصناعية, ومصيرهم هو عدم الاستقرار وعدم التأقلم وعقدة النقص أمام أولئك الذين تملصوا من التجنيد الصناعي وانخرط في المجال التجاري, وفي اللقاءات الكومسمولية, من غير الحديث عن النخبة الحزبية صاحبة الامتيازات.‏

تزداد في بلدنا نفقات التسريح الجماعي العامة هذه بسبب من أن جيشنا الصناعي ليس من المنتصرين بل من المهزومين. لقد وصمه "أنصار السوق" لدينا إيديولوجياً بالعار معلنين أن جهوده التي امتدت أعواماً كثيرة لم تكن عبثية وحسب بل ضارة أيضاً. لقد دفعوه من الناحية العملية إلى طريق مسدود بأن جعلوا إصلاحه يترافق في الوقت ذاته مع تدمير رصيد الحضارة ما بعد الصناعية, الذي تكوَّن في بلدنا, على الرغم من كل شيء, وفتح أفقاً جديداً لأولئك الذين جندتهم الصناعة السوفييتية في زمنهم.‏

من هنا – حال القلق الجماعية وعدم المطالبة الاجتماعية. والقضية ليست فقط في رحيل الدولة الاجتماعية الكبرى التي تركت أولئك الذين اعتادوا الاتكال عليها في حال من القلق.‏

الأمر الرئيسي هو في تدمير الأفق ما بعد الصناعي, ما فرَّغ منجزات التحول الصناعي من محتواها وحكم على كل من ارتبط مصيره بهذه المنجزات بوضع الحثالة المحتقرين. علينا أن نقرّ بأن هذا تنوع "للحس ما بعد الحداثوي" المخصص حصراً من أجل بلاد مهانة ومطروحة أرضاً. تتحول الإرادة, التي جندوا من أجلها هذا الكم من السنين جهوداً أدت إلى الفشل وإلى وفاض خالٍ, لتصير لاإرادة قصوى؛ ويتحول الإيمان المستغَّل على هذا النحو السيئ إلى أقصى درجات اللاإيمان. وهذا ليس ذلك الشك المقلَّد بعض الشيء الذي يستسلم له المشبعون. إنه هراء الوجود الذي قضى على الأفضل - على الأكثر صدقاً وتفانياً وميلاً إلى الحماسة. يغامر هؤلاء الأفضل اليوم بأن يصيروا الأسوأ - مع كل ما ينجم عن هذا من عواقب تواجه مصائر الحضارة. يكمن تناقض "الإصلاحات" الأخيرة المشؤوم في أنها انطبعت بطابع ثأر الأسوأ من الأفضل: ثأر البحث المخادع عن الملذات من حب العمل الشريف. المطامع الخاصة من التفاني, الخيانة من الوفاء, المحاكاة والتقليد الخاليين من الذمة من الأصالة. لقد وضعت فلسفة ما بعد الحداثة – وفي هذا تحديداً يكمن تراجعها عن أحكام الكلاسيكية العظيمة - نصب أعينها تبرير انقلاب هذه الأوضاع المرضي, وتبرير حال العالم المقلوب رأساً على عقب هذه. تُفسَّر رهافة ما بعد الحداثة المزعومة مثلها مثل الضبابية القصوى في تراكيبها ومفرداتها بعدم مطابقة منهجها للمعايير: البرهان على تساوي الرذيلة والفضيلة في القيمة, وعلى تساوي احتمالات جميع آفاق وجودنا الذي أضاع موجهه التاريخي. واضح أن هذا في حقيقة الأمر مسألة "غير تقليدية" تتطلب لغة مرهفة وضبابية. أما الشرف والرجولة فيعبر عنهما بلغة أوضح!‏

وهكذا, وعوضاً عن توجيه مخيلة العصر الإبداعية نحو البحث عن البدائل, ونحو شرح الأفق ما بعد الصناعي المعلن يعلمنا ما بعد الحداثويين أن نعيش من غير آفاق, ومن غير "مشروع". يرى الكثيرون في هذا ثأرَ الفردية المتحددة بذاتها من الروح الجماعية, التي ضللتنا بـ "قصصها الكبرى".‏

لكن الملاحم الفردية, المرتبطة بالتعبئة الشاقولية وأخلاق النجاح ستكون من غير معنى أيضاً من غير "القصة الكبيرة", أو الأسطورة. ما كان لأمثال راستنياك(4) الذين لا يحصى عددهم أن يأتوا من الريف إلى المدينة, وما كان لهم أن يقيموا العلاقات هناك لو لم تلهمهم "قصص الحداثة الكبرى", التي كانت تروي عن النجاح. ما كان للفتيان والفتيات السوفييت أن يسعوا من القرى والأماكن الفقيرة إلى المؤسسات التعليمية العليا في المراكز لولا الحماسة المرتبطة بـ "القصة الكبيرة" التي تجسدت في التحويل الصناعي والتمدين. لا تتجلى في "قصة الحداثة الكبيرة" حماسة الشخصية الأوربية الجديدة المحمومة بعض الشيء والثملة من حال الحرية التي تعيشها وحسب, بل إن فيها أنموذجاً ثقافياً أصيلاً أقدم بكثير – وهو شخصية الرحالة الأسطوري المنطلق إلى سابع أرض وسابع مملكة. عندئذ, وبخلاف مهاجري ما بعد الحداثة عديمي الأهل فإن رحالة الكلاسيكية الثقافية المفتون يعود دوماً إلى مسقط رأسه. الترحال هو رمز التاريخ. المنزل هو تجسيد التماثل المصون. والأرجح أن السؤال الأساسي في الوجود المعاصر الذي تتجنب ما بعد الحداثة الإجابة عنه هو كيف يتحد من جديد التاريخ والتماثل من غير الوقوع في نوعين من التطرف: التماثل الخائف من ترحال العالم العولمي والترحال اللامبالي تجاه المنزل المتروك.‏

(1( - في البوذية - حال الغبطة السامية, والهدف النهائي لمساعي الإنسان, والانقطاع التام عن هموم الحياة وأشغالها والالتقاء مع الألوهية (المترجم).‏

(2( - إله الحب (المترجم).‏

(3( - إله الموت في الأسطورة الإغريقية, ابن نيكتا – الليل وشقيق غيبنوس إله النوم التوأم (المترجم).‏

(4( - راستنياك – هو أحد أبطال الكاتب الفرنسي بلزاك (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 05:57 PM
ـ استيقاظ الحس العرقي خطر على الأفق الإنساني العام




أصبحت العنصرية الجديدة تجلياً تناقضياً آخر من تجليات الحس ما بعد الحداثوي.‏

تميزت ذات الحداثة الكلاسيكية المتسامية بحصانتها ضد الفروقات العنصرية مثلها كمثل الفروقات الثقافية. لقد بنت إطاراً واحداً للتجربة الموجهة إلى الأمام حصرياً – إلى حيث تفقد الفروق السابقة بين الناس والمقارنات بينهم كل قيمة. التجربة في نظر الحداثة الكلاسيكية هي تحديداً كل ما يزيح التقاليد الذي تنبع منها الفروق التمييزية بين الناس. من وجهة النظر هذه فإن "قصة الحداثة الكبيرة" هي في نهاية المطاف قصة عن المستقبل البشري المشترك. كان ثوريو الحداثة, أدار الحديث عن الثورات السياسية أم عن الثورات العلمية التقنية أم عن الثورة الثقافية, يرتابون على الفور في النوايا المعادية للثورة لدى من صار في وضع يمنحه الامتيازات. وبرزت التباينات الثقافية والاجتماعية في نظر كلاسيكيي الحداثة باعتبارها مكافئاً للامتيازات. كانوا يعتبرون المحرومين من الامتيازات تحديداً ممثلين مفوضين للمستقبل الإنساني المشترك إذ كانوا هم أصحاب المصلحة في القضاء على أي نوع من الفروقات.‏

ليست القصة عن "الإنسان الصغير" هي الجنس الأدبي المفضل للأدب الروسي الرؤوف وليست تسليماً "بديمقراطية المساواة" البلشفية.. لقد دافعت الثورات البرجوازية في أوربا عن البرجوازي باعتباره تحديداً "إنساناً صغيراً" يسلب الموظفون الإقطاعيون حقوقه. حتى حرب المحافظين الجدد الأحدث في الغرب, وكل مطالبها بتفكيك الدولة الكبرى وإعادة الخصخصة وتفكيك القوميات استندت إلى الأسطورة الديمقراطية عن "الإنسان الصغير".‏

المستثمر الخاص في نظر المحافظين الجدد هو ذلك "الإنسان الصغير" الذي يمنعه من الانطلاق ممثلو المنظمات الكبرى – الحكومة الكبرى والشركات الكبيرة والنقابة الكبرى والعلم الكبير... الخ, الذين يمثلون منظومة الامتيازات غير الشرعية التي تحمي مختاريها من ضغط المنافسة الشريفة. وها هي ما بعد الحداثة الآن تتطاول أول مرة بعد الفاشية على الأسطورة الديمقراطية عن "الإنسان الصغير". "الإنسان الصغير" بالتعريف هو نصير المذهب التاريخي, الذي يخطط للمستقبل, والمتحرر من أي امتيازات كانت. لا يحب ما بعد الحداثويين "الإنسان الصغير" لتعلقه "بالقصص الكبرى". باستبعادهم "القصص الكبرى" حول المستقبل باعتبارها جنساً شرعياً في الثقافة المعاصرة يصير ما بعد الحداثويين, شاؤوا ذلك أم أبوا, رجعيين لا يبثون إعجابهم كله إلا للحاضر وحده. كل من يتشبثون اليوم بالحاضر تشبثاً لا يخلو من الجشع ويدعون إلى "الوفاق المدني" بخصوص نتائج الخصخصة الأخيرة وغيرها من الاختلاسات رغبة منهم في تثبيت امتيازاتهم باعتبارها امتيازات نهائية وغير خاضعة لإعادة النظر فيها, يصيرون آلياً إلى حد ما في عداد حلفاء ما بعد الحداثويين, ويصيرون معنيين بخطابهم. تعيد علاقة ما بعد الحداثويين بالعالم "الثالث" وكذلك بالعالم "الثاني" السابق, اللذين يضمان غالبية الكوكب "غير المتكيفة", إلى ذاكرتنا علاقة النبلاء الرومان بالمسيحيين الأوائل. لقد نظر النبلاء باحتقار إلى "قصص المسيحية الكبرى", التي كانت تدعو إلى ازدراء الحاضر. كان المسيحيون ينظرون إلى الحاضر على انه ليل ينبغي احتماله بانتظار النور العظيم. تقول صلاة القديس فاسيلي العظيم: "هبنا القلب اليقظ والفكر البصير لنعبر ليل حياتنا الحاضرة كله بانتظار قدوم نهار أخينا, ولدك, الساطع المضيء..."‏

صارت ما بعد الحداثة, الرافضة باسم الحاضر لأي نوع من أنواع "صوفية المستقبل", التجسيدَ الأكثر منهجية للإلحاد الأوربي الجديد: إنها لا ترفض النبوءة الصوفية المسيحية حول غبطة "الفقراء بالروح" القادمة وحسب, بل نبوءة الحداثة المماثلة التي ترى فيها, على نحو لا يخلو من أساس, شكلاً متحولاً لمفهوم الآخرة القديم.‏

طبعاً, لايحرِّم ما بعد الحداثويين التطاول على الحاضر باسم امتيازات أولئك الذين رتبوا أمورهم فيه فقط. إن حظرهم الخطاب حول المستقبل مرتبط بإفقاد أهلية العقل المرشح لكي يقدم لنا الموجهات الدقيقة لتمييز الخير من الشر, والحقيقي من الكاذب, والسامي من السافل والمشوه. لقد فات الأوان الذي يسعى فيه سادة هذا العالم إلى الحصول على نظرية تثمر أتباعاً متعصبين للنظام الموجود. ما عاد النظام السائد في عصر ما بعد الحداثة يستغل حماستنا بل كآبتنا - أي عدم تصديقنا بإمكان إيجاد البدائل. هذه الكآبة التاريخية تحديداً هي ما تغرسه ما بعد الحداثة إذ تشهِّر بالمشاريع العظيمة وحتى بالمقدرة على طرحها. في هذه النقطة تحديداً تدرِك سلفيةُ المركزية الإثنية والعنصرية ما بعد الحداثويين. ثمة قانون خاص ساري المفعول: رفض المستقبل لصالح الحاضر سيؤدي حتماً إلى تفعيل جميع الفروقات الإثنية والعنصرية والاجتماعية المنبثقة من الماضي.‏

تكمن حقيقة الحاضر في إشكاليته العصية: تبين أن تمالك الذات فيه مستحيل - إن لم تحدث فيه قفزة إلى الأمام فسيقع النكوص إلى الوراء لزاماً. إن رفض المستقبل سيؤدي حتماً إلى سيادة نمط الـ "ريترو(1)" في ثقافتنا – أي إلى استيقاظ ألد الشياطين التي خيل أنها قتلت منذ زمن. وستغدو المعاصَرة العاقدة العزم على تخليد ذاتها والرافضة للبدائل التاريخية أسيرةَ التوجهات الارتدادية التي تبعث أسوأ أنواع السلفية. يخيل لما بعد الحداثويين أنهم يثبطون عزيمة المتعصبين للمستقبل باسم الحفاظ على الحاضر المجرَّب. أما في حقيقة الأمر فإن جهودهم تحضِّر ثأر الماضي البعيد من الحاضر ومن المستقبل. إننا نراقب كلنا اليوم سلفية البربرية المستيقظة هذه عادين إياها في أغلب الأحيان سوء فهم تاريخي. أما في حقيقة الأمر فهي شرعة: يعيش الحاضر على حساب سُلَفٍ من المستقبل, ومن غير هذه السلف سوف يتخلى عن مكتسباته كلها, حتى تلك التي يخيل أن لا جدال فيها. يتحول المتحمسون للمستقبل, الذين أثبَطَت عزيمتَهم جذرياً السخرية ما بعد الحداثوية من القصص والمشاريع التاريخية الكبرى, إلى أخطر مرممي الماضي. يتحول الأفضل الكامن إلى الأسوأ. ويتحول الثوريون إلى مبتزين, والإصلاحيون إلى مخادعين والغيورون على المساواة الاجتماعية إلى منافحين عن التفرقة الاجتماعية, والإنسانيون إلى دارونيين اجتماعيين. المتحمسون هم أولئك الذين يمتلكون أقل الفرص للتمتع بالحاضر, وإذا ما شككت نهائياً ثقافةُ ما بعد الحداثة بمشروع المستقبل فإنهم سيشتغلون بترميم الماضي. إن رسالتهم هي الراديكالية, وفي الحفاظ على الحاضر لا توجد رحاب للراديكالية والتطرف. كل من نوى الدفاع عن الحضارة من التعصب والراديكالية عن طريق التشكيك بشتى بدائل المستقبل يغامر أن يستبدل بأصوليي المستقبل أصوليي الماضي الأكثر قدماً, لأن معيار البعد عن الماضي يصير تحديداً معياراً للراديكالية الملهمة.‏

في الختام نشير إلى نمط اجتماعي آخر نشطته ما بعد الحداثة ومنحته الأمل. يدور الحديث عن صناعة الصورة الخادعة – التصميم (ديزاين), التي تهدف إلى بيع أسوأ سلعة بأجمل تعليب. حين يؤمن الناس بالمستقبل فإنهم يثقون بالفنان الذي تتجه مقدرته الفنية نحو المحتوى. وحين يدور الحديث عن مصالحتهم مع حاضرهم فإن الفنان يخلي مكانه للمصمم المهتم بالشكل – أي الذي يضفي على أكثر ظواهر الحاضر إصابة بالإحباط "هيئة السلعة". يبرر ما بعد الحداثويين مثل هذا التصميم بحجج تميزهم: إنهم يدعون عدم وجود أي "محتوى موضوعي" على الإطلاق, بل توجد فقط حرية التأويلات, والمصمم هو المجسد لهذه الحرية. بذلك يكون المصمم وصانع الصورة هما حاملا العدمية ما بعد الحداثوية وناقلاها من المضاربات الميتافيزيقية إلى الممارسات الاحتيالية اليومية.‏

من غير بعث روح البديل التاريخي الشجاع لن يسود الأسوأ على الأفضل وحسب. الأمر الأشد إثارة للرعب هو أن الرجال الأكثر نشاطاً وحماسة سينشغلون بترميم الماضي عوضاً عن تقريب المستقبل. عندئذ ستقاس الحماسة بمقياس الراديكالية الترميمية: كلما كانت ذوات الفعل أشد حماسةً, ازداد عمق السقوط في السلفية المظلمة الذي يحضرونه لنا.‏

من المهم على نحو غير اعتيادي أن نفهم هذا: لا يجسد الأصوليون الدينيون الحاليون, مثلهم كمثل حاملي العصبية القبلية, القدرةَ الغامضةَ للخرافة القديمة على الحياة, بل يجسدون تحوَّلَ الطاقة التخطيطية التي لم يتيحوا لها الانطلاق من الحاضر باتجاه المستقبل فارتدت لتسلك مسار الـ "ريترو".‏

الآن, وعلى مشارف الألفية الثالثة, وجدت البشرية نفسها أمام مفترق طرق. إما أن ينطلق أكثر ممثليها حيوية, إذ لا يرضيهم سأم الحاضر وضيقه, نحو المستقبل, وإما أن يتحولوا إلى أصوليين يبعثون أساطير الماضي البعيد! وسيدور الحديث في القسم التالي عن إمكانات البديل التاريخي للمعاصَرة المتغطرسة والمكتفية بذاتها والتي فصمت جميع العرى.‏

(1( - ريترو تعني إلى الوراء باللاتينية (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 06:00 PM
القسم الثاني البحث عن البدائل:




«أذاع المتنبئ بأيامنا – الوحدة,‏

قد تلحم بالحديد وحده والدم...‏

لكننا سنجرب لحامها بالحب, -‏

وسنرى حينئذ أيهما أمتن».‏

ف. تيوتشيف‏

بحثنا سابقاً تحديات العولمة اللاإنسانية, التي تهدف إلى ابتكار أساليب خصخصة موارد الكوكب من قبل أقلية البشر "المختارة". وفي هذه التحديات يمكن إبراز مستويين. يتعلق أحدهما بالتهديد المادي والمواجهة المادية بين عرق السادة الجدد وأغلبية الكوكب المنبوذة. هنا, وكما في كل حرب, يفصل خط الجبهة المنظور بين الجهتين المتعاديتين. وبما أن العالم المعاصر صار عالماً موحداً وسهل الاختراق ففي مقدورنا الحديث عن حرب أهلية كوكبية بغض النظر عن الأشكال التي تدور فيها أكانت ساخنة أم باردة.‏

بيد أن لوحدة العالم هذه ذاتها تأويلاتها في المجال الروحي, وهذا ما يميز المستوى الثاني من التحدي العولمي المعاصر. ففي العصور السابقة كان الفاتحون يتمتعون بالغنائم المادية وقل ما كانوا يهتمون بالوضع الروحي للمهزومين. أضف إلى ذلك أن فضاء المعرفة الواحد, الذي تغرق فيه الثقافات كلها كما تغرق في تيار هرقلي واسع مهما كانت بعيدة بعضها عن بعض من النواحي الأخرى, لم يكن موجوداً قبل ظهور تقنيات المعلومات المعاصرة وتقنيات معالجتها.‏

فما الذي أضفى في نهاية المطاف هذا الطابع المؤقت على أي شكل من أشكال السيادة – الطبقية والاستعمارية والاستعمارية الجديدة؟ إنه تناقض هذه الأشكال الصارخ مع قيم العصر الديمقراطي المعترف بها من الجميع, والتي تتحدث عن مكانة البشر المتساوية وحقهم المتساوي بالحرية والسعادة وبالمستقبل الأفضل.‏

علينا أن نقول مباشرة: تكمن وقاحة فاتحي العالم المعاصرين غير المسبوقة في استعدادهم لتفكيك نظام قيم الحداثة الديمقراطية العظيم الذي أضفى طابعاً غير شرعي على أي شكل من أشكال الظلم الاجتماعي وأي شكل من أشكال اغتصاب السلطة من قبل الأقلية صاحبة الامتيازات التي ترغب في ديمومة امتيازاتها.‏

لقد تقرر منذ الآن ليس فقط انتزاع حقوق الأغلبية السابقة المعلنة شكلياً وحسب بل إفساد أخلاقها بالتشكيك الشامل بقيم الحداثة الديمقراطية (ومن خلفها التقاليد المسيحية) التي يمكن أن يستغيث بها المظلومون والمضطهدون عنصرياً. منذ إعلان هذه القيم ومغتصبو السلطة ونازعو الملكيات والمخصخصون موضوعون, بغض النظر عن تفوقهم في القوة والمكانة, في موضع المدافعين من الناحية الروحية الكبرى. كانوا مضطرين إلى النفاق وإخفاء نواياهم الحقيقية والتواري من أمام الإنسانية الفضَّاحة, التي تظهر بوجهها السافر. وها قد تقرر الآن نزع الأهلية عن هذه الإنسانية ذاتها بإعلانها من مخلفات العقلية العتيقة.‏

تعود المواجهة الجديدة بين النخب والجماهير إلى المواجهة بين الحداثة وما بعد الحداثة؛ فبمقدار ما تصير قيم الحداثة جماهيرية يزداد بعد النخب العولمية عنها مهتدية بما بعد الحداثة. صارت تجربتنا تسمح لنا بأن نستنتج أن الكثير من معايير ما بعد الحداثة هي اسم مستعار لمعاداة الحداثة – أي أنها خطة تلك القوى التي تفهم النظام الاجتماعي بروح إقطاعية قديمة - أي باعتباره لعبة ذات محصلة معدومة. تعيش هذه القوى في خوف دائم من الاكتشاف العولمي المرعب - وهو أن التقدم لا يكفي الجميع: لكي يحقق "الأكثر جدارةً" لأنفسهم "طوباويات التقدم" الجريئة على الباقين التراجع عن مواقعهم المكتسبة نحو الفقر والسلفية والبربرية. يسمى هذا كله اصطفاء السوق الطبيعي؛ وعلى هذا النحو يستبدل بالتقدم باعتباره كلمة الحداثة المفصلية, الاصطفاء باعتباره اكتشاف ما بعد الحداثة, التي ما عاد أنصارها منذ الآن يشعرون في أنفسهم بالقوة والرغبة في النفاق والكذب على الفاشلين وغير القادرين على التكيف. تعني واقعيتهم – أي حبهم لوقائع التجربة وحقائقها وشواهدها, حبهم في الوقت نفسه للحاضر – على النقيض من طوباويات المستقبل المشرق السابقة.‏

ويستحق الأمر أن نلقي نظرة أقرب على ذلك الواقع وتلك التجربة التي يدور الحديث عنهما هنا. ثمة لدى العولميين مسوغات كي يعلنوا عن أنفسهم بأنهم الشاهدون الوحيدون الحقيقيون على التجربة العولمية المعاصرة. وهنا تحديداً نكتشف فقدان الذاكرة الغامض. فمنذ وقت قريب كانت العولمة تعني منظومة تفكير منشغلة بمشاكل العصر العولمية. ثمة للمشاكل العولمية تجل فضاءاتي - زمني دقيق: فهي تمتاز في الجانب الفضاءاتي بطابع شامل – ومن غير الممكن الاحتماء بأي فضاء غنَّاء مليء بالسعادة أمام تحدياتها لأنها تحمل طابعاً مرضياً منظومياً يشمل بنية كوكبنا كلها؛ وفي الجانب الزمني تحمل في ذاتها مؤشر النهاية – الآخرة – لأن من غير حلها لا يمكن للبشرية أن تأمل بالمستقبل. إن مثل هذه العولمة, وعوضاً عن أن تقدم أدلة البراءة الأبدية للحاضر, تدل مباشرةً على عدم إمكان استمرار التوجهات المتكونة طويلاً. إنها تسلِّم بالنهاية العاجلة, التي إما سيبدأ من بعدها زحف لا رجعة عنه نحو الكارثة أو العيش وفاقاً لقواعد مستقبل مختلف نوعياً, وتسلم بإعادة النظر الحازمة بمبدأ البنيان الحياتي ذاتها التي تقودنا اليوم إلى كوارث بيئية ونووية وديمغرافية أنثروبولوجية وغيرها من الكوارث الأرضية.‏

كما نرى فإن التجربة العولمية "لاليبرالية" على الرغم من كل شيء إذا ما اعتبرنا أن الليبرالية هي تغاضٍ عن أحكام اللذة في المجتمع الاستهلاكي المعاصر, وعن مشاريع إخضاع الطبيعة والتاريخ باسم "أخلاق النجاح".‏

امتازت العولمة بين الستينيات والثمانينيات بفهم آخراتي "لنهاية الزمن" – أي ضرورة العودة إلى الرشد والتوبة وضرورة إعادة النظر بمنظومة القيم المتكونة وبالممارسات التبذيرية اللامسؤولة التي تنجم عنها. إن مقدمات مثل هذه العولمة واضحة بذاتها وهي إضافة إلى ذلك مدعمة بإحصائيات موثوقة تدل على فرط الإجهاد الخطر الذي يتحمله كوكبنا الصغير.‏

وها نحن نرى فجاءة تحول العولمة الذي لا يمكن تفسيره إلا بأمر واحد: رفض فرضيات العمومية الإنسانية والانتقال إلى موقف العنصرية الجديدة. وبالفعل: إذا كان أنموذج التقدم القياسي المتكون يقود إلى طريق الكارثة العولمية المسدودة فإن علينا جميعاً أن نعيد ترتيب أمورنا ونضع أنموذجاً قياسياً جديداً للتطور الاجتماعي. هذا بشرط أن تُناقش مصائر التقدم وفاقاً لأحكام العمومية الإنسانية باعتبارها تمس الناس جميعاً من غير النظر إلى الفروق الطبقية والعرقية والحضارية الثقافية.‏

لكن يمكن مناقشة الأمر على نحو مغاير أيضاً: عوضاً عن أن يُقترح على الجميع تقاسم مصاعب إعادة بناء الكوكب يُجعل التقدم امتيازاً للأقلية - حينئذ تُدفع حدود النمو المعروفة بعيداً لأن الموارد لا زالت تكفي الأقلية على الأرجح. لكن كي نسمح للأقلية من الآن فصاعداً بأن تدين بأخلاق النجاح اللذوية (والمتجذرة زيادة على ذلك على أساس الإحساس النخبوي بالتفوق) من الضروري إبعاد الأغلبية بحزم عن معايير الحداثة.‏

هكذا تُطرح "العولمة الجديدة" المرتبطة بوضع الموارد العولمية تحت تصرف الأقلية السعيدة. كانت العولمة السابقة تشدد على المشكلات العولمية التي تفرض على البشرية أشكالاً جديدة من التقشف وتنظيم الذات تنظيماً عاقلاً. أما "العولمة الجديدة" فتشدد على الطابع العولمي للموارد ذاتها, التي ينبغي أن تكون في "المجتمع المفتوح" المعاصر متاحة للأقلية المختارة التي تحسن التصرف بها على أفضل وجه كما يقولون. ترى هذه العولمة مهمتها في أن تثبِّتَ إلى الأبد أفضلية هذه الأقلية الأخلاقية والمادية بأن تضع موضع الشك حتى الخطاب نفسه عن مستقبل مغاير نوعياً. يرى العولميون من الطراز الجديد في أحكام الكلاسيكية الإنسانية الباحثة عن مستقبل كريم للجميع بعض العيوب المميتة.‏

أولاً ـ يرون هنا سابقة التساوي الاجتماعي الذي يمنح التقدير بالتساوي للأفضل والأسوأ ويلزم "الأوائل" بأن يتنازلوا بشيء ما لصالح "الأخيرين".‏

ثانياً ـ يرون في التوجه نحو مستقبل مختلف نوعياً مؤشراً على "المعارضة اللاسامية" لما هو قائم, والمستعدة للإخلال بالوضع الراهن.‏

ثالثاً ـ وأخيراً, يرتابون هنا بضغط الأحلام الجذابة التي تكوِّن أرضيةً للطوباويات الشمولية الجماعية.‏

باختصار, ثمة أحد أمرين: إما التكيف الفردي مع الحاضر وتعييب الأسوأ وغير القادرين على التكيف, وإما الاتكال الجماعي على المستقبل لأن المكان اللائق في الحاضر لا يكفي الجميع. كما نرى, فإنهم يضعوننا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستسلام أمام العنصرية الجديدة المؤمنة بالاصطفاء الطبيعي أو أن نجد أنفسنا ونحن نلعب دور الطوباويين الشموليين المريب, الذين لا يرغبون في الاعتراف بحقوق الواقع.‏

فهل يعقل عدم وجود أساليب أخرى لإنقاذ إيديولوجيا التقدم من أن تتحول إلى احتكار للأقلية صاحبة الامتيازات والتي أقرَّ اصطفاء السوق الطبيعي حقوقَها الخاصة ؟ فالشكل السابق للعولمة التنبيهية لم يحصل على الاعتراف الكامل من المؤسسة الليبرالية لأنه تطلب الاستعداد للتقييدات الذاتية التقشفية التي لم تكن هذه المؤسسة مستعدة لها بوضوح. والذي حصل هو الآتي: تحول التقدم إلى طوباوية بسبب من تلك التقييدات الواضحة التي فرضتها ضغوط المشكلات العولمية؛ لكن إعادة النظر في إيديولوجيا التقدم بروح التقشف الجديد كان يمكن أن تعتبر أيضاً طوباوية لأنه لا النخب ولا الجماهير التي كانت تقلد نمط حياتها كان مستعدة للتخلي عن الادعاءات المرتبطة بأخلاق النجاح.‏

لقد حلت العولمة الجديدة هذه التضاد ببساطة: وذلك عن طريق رمي ثقل مثل ثقل الجماهير العالمثالثية من على قاطرة جر التقدم.‏

تحدثوا في البداية عن ضرورة سياسة صارمة للحد من الولادات في "العالم الثالث", ثم راحوا يتحدثون بصراحة أكبر عن الاصطفاء الطبيعي المدعو لرمي من ولدوا ولم يثبتوا قط مقدرتهم على التكيف من على المتن. وأخيراً, تم تنظيم حملة موجهة للتشهير العالمي بغالبية الكوكب "غير القادرة على التكيف".‏

فمن جهة اشتدت المخاوف المرتبطة "بالبربرية العالمية" الجديدة – أي منبع ممارسات الظل, ومن جهة أخرى يجري التأكيد على طابع هذه البربرية غير القابل للانصلاح والمتجذر في الأنثروبولوجيا وفي الذهنية الخاصة وبنى اللاوعي الجماعي. إذا كان إيديولوجيو التقدم سابقاً يسألون: بأي حق تبذر الأقلية على حساب الأغلبية؟ فإن إيديولوجيي العولمة الجديدة يسألون: بأي حق يدنس غير المتكيفين مع "الوجود الحضاري" كوكبنا الهش مهددين بالخطر رفاهية الأقلية الكريمة وآفاقها؟‏

إن التنشيط الحالي للتفكير الجيوسياسي يفسَّر بهذه الاكتشافات الجديدة عن التقدم في عصر المشكلات العولمية المتخذة طابع اللعبة ذات المحصلة المعدومة. إن الجيوسياسة ضمن هذا الأفق تعني نظرية تعلم كيف تُنتزَع موارد الكوكب من أيدي الأغلبية غير الماهرة ويعاد توزيعها من جديد طبقاً لمعايير الاصطفاء الطبيعي الدارونية الاجتماعية.‏

ما الذي يمكن أن ينقذ البشرية من كابوس إعادة ترتيب العالم العولمية الجديدة, التي بالإضافة إلى ما فيها لا تمتلك حتى تبريرات تنويرية إنسانية شكلية؟‏

كان الاستعمار الأوربي سابقاً يبرر ذاته تارةً بالرسالة المسيحية التي تحمل نورها إلى عالم الوثنية الغارق في الخطيئة, وتارةً برسالة التنوير المنقذة "للسكان الأصليين" من الجهالة. لكن الإدعاءات العولمية للأقلية المختارة صارت تتأسس منذ الآن على أساس عنصري صريح: على شكل حقوق قانونية يمتلكها الأكثر قدرة على التكيف والمتمتعون بالجرأة على التخلي عن المشاعر الإنسانية السابقة المعبر عنها بلغة الأعمال الخيرية والضمانات الاجتماعية.‏

إن تحدي العولمة الدارونية الاجتماعية هذا قادر على دفع الكوكب نحو الانفجار أسرع كثيراً من تلك المدد التي حذرت منها نظرية "حدود النمو" الطبيعية. إن المشكلات العولمية تقود فوضوياً إلى طريق مسدودة يصير الانزلاق نحوها لا رجعة عنه خلال 50 - 100 عام. تدفع العولمة الدارونية الاجتماعية على نحو مخطط البشرية المقسومة إلى عرق المختارين وعرق المحكوم عليهم بالموت نحو كارثة أرضية هي اليوم على شكل حرب أهلية عالمية. وثمة حاجة أمام هذه التحديات إلى عولمة ثالثة تتشكل مقدماتها من جرّاء إصلاح الكوكب المرتبط بإعادة تشكيل نوعي لمنظومة الأحكام والقيم التي يقوم عليها العالم.‏

يدور الحديث عن هذا الإصلاح في الغرب وفي الشرق على حد سواء ومنذ زمن: على نحو متقطع – منذ الحرب العالمية الأولى, وبإلحاح وعلى نحو متواصل – مع نهاية الستينيات تقريباً. في أثناء ذلك تسود فكرة تخلي الغرب عن الكبرياء البروميثيوسي وغطرسة التنوير والانتقال إلى مواقف فلسفات الشرق التأملية التقشفية المفتوحة - الداوسية والبوذية والجاينية(1). وقد أشارت حركات "الثقافة المضادة" المحرَّضة من قبل الهيبيين, ومن ثم من قبل بعض تيارات "الخضر" أنصار "ثورة الوعي" وأنصار القيم ما بعد الحداثوية إلى هذا الاتجاه. ومع كل الاحترام لهذا البحث المرتبط بالنقد الذاتي النبيل للغرب وشرعنة التجربة الشرقية فإنني لا أرى أفقاً حقيقياً هنا.‏

إن مطالبة الغرب بالاستسلام الفكري التام أمام الشرق لا تستند إلى أي أسس بقدر ما لا تستند إلى أي أسس المطالبة باستسلام الشرق أمام الغرب. لقد سبق الغربُ الشرقَ في امتلاك الفضاء العولمي حتى في الجانب الروحي: قيم الحداثة الغربية التي تبنتها أغلبية الناس في الشرق. إن استياء غالبية الكوكب العالمثالثية من الأقلية الغربية ليس مرتبطاً بانتزاع الغرب قيمها منها بقدر ما هو مرتبط بالمعايير المزدوجة وبمحاولات "خصخصة" الحداثة واحتكارها بتحويلها إلى امتياز "للمليار الذهبي". والمسألة كما أتخيلها ليست في كيفية رفض قيم الإنسانية التنويرية الأوروبية بل المسألة في كيف يمكن أن نؤكد من جديد عمومية هذه القيم وشمولها الإنساني من غير أن نهمل في أثناء ذلك التحذيرات المعروفة التي تمس مشكلات العصر العولمية و"حدود النمو".‏

برأيي, يمكن أن تتلخص العولمة الإنسانية البديلة في التركيب الجديد لتجربة حضارتي الشرق والغرب من غير التخلي عن إرث التنوير الأوربي, لكن بعد تصحيحه انطلاقاً من الحقائق العولمية الجديدة. إن ثورة الوعي المنشودة لا تتطلب رفض الواقعية التنويرية الغربية لصالح الصوفية أو رفض القيم الديمقراطية لصالح التسلط. إنها تتطلب تأكيد هذه القيم على المستوى العولمي الذي يمس سكان كوكبنا جميعهم. إنني أتحدث ضمن هذا السياق تحديداً عن خيانة الليبرالية الحالية: إنها تخون التقاليد الإنسانية العظيمة بإضفاء شكل الباطنية الجديدة وأخلاق الكهنة "الخاصة بالأتباع" عليها.‏

أولاً ـ خانت الليبرالية قيم التقدم بعد أن وضعت مكان الثالوث الزمني العظيم "الماضي - الحاضر - المستقبل" ثنائية "التقليدي – المعاصر" محاولة بذلك أن تؤبد الوضع الراهن المربح لأولئك الذين يعتبرون أنفسهم "العصريين الوحيدين" على خلفية الأغلبية "غير العصرية".‏

ثانياً ـ خانت قيم العقل الأوروبي بأن أعطت الضوء الأخضر للحسية الحيوانية المنفلتة من "القيود" كلها والساعية إلى الثأر من العقل والأخلاق. تعني الحسية ما بعد الحداثوية في واقع الأمر إفقاد الإنسان صفته الاجتماعية – أي التخلي عن المعايير والمتطلبات الاجتماعية وتفكيك المنظومة الكلاسيكية كلها المعنية بتأهيل الشخصية الاجتماعي. إن العولمة تعلل نزع الصفة الاجتماعية هذا تحديداً بحجة التفكيك القومي – أي التحرر من القيود التي يفرضها قانون الشرف القومي. وبما أن البشرية قد امتلكت ناصية أغلب معايير الحياة الحضارية في "علبتها" القومية فإن طلب التخلي بغير وجل عن كل ما حمل إلى هذا الحد أو ذاك صدى القومي يعني في الواقع "تعريةً" شاملةً للإنسان المعاصر المبرِز لثوابت الحسية العارية. وهكذا يكتسب "مواطن العالم" ما بعد الحداثوي ملامح المتوحش الجديد المتخلي عن نقاء الثقافة إما بحجة "اضطهاديتها",‏

أو بحجة محدوديتها القومية.‏

ثالثاً ـ خانت الليبرالية أهم مبدأ من مبادئ التنوير وهو الفضاء الاجتماعي الكبير الموحد, الحيادي تجاه الفروق الإثنية المذهبية بين الناس. ثمة فارق تهمله الليبرالية المعاصرة بين السيادة الذاتية القومية والانفصالية الإثنية. فالذي يبث الروح في السيادة الذاتية القومية هو الثقافة – المشروع المتجه نحو المستقبل. أما الذي يبث الروح في الانفصالية الإثنية فهو الثقافة – الذاكرة الموجهة نحو الماضي. يحرِّر المستقبل من الفروق القبلية والفئوية والطبقية, أما الماضي فيفرض احترام هذه الفروق.‏

لقد تلاقت العولمة على نحو تناقضي مع القبلية. ترجع منابع هذا إلى سفسطة الوعي التقدمي السابقة, التي وضعت دورياً الاستقلالية القبلية مكان الاستقلالية الفردية. وهذان المفهومان, بالمناسبة, متناقضان في أشياء كثيرة: فالاستقلالية الشخصية تتطلب الابتعاد عن الجماعة والعيش في فضاء كبير – أكان هذا الفضاء مدينة أو فضاء الأمة السياسية. أما الاستقلالية القبلية فتفترض العكس تماماً: ذوبان الشخصية في الجسم الجماعي.‏

والعولمة المعاصرة لا تمزج بين هذين النوعين من الاستقلالية بقدر ما تستثمرهما بوقاحة. فمهمتها الرئيسية هي تحطيم قلاع القوميات المستقلة الكبرى التي تُعدُّ المانع الرئيسي في وجه عالم القطب الواحد. وهي تلجأ من أجل هذا الهدف إلى استخدام جملة من الاستفزازات: استفزاز الانفصالية, واستفزاز الحسية الثائرة التي تمتاز بالحساسية العالية تجاه لون البشرة وغيره من إجراءات التعرف على ابن القبيلة, وأخيراً, استفزاز الذاكرة الثقافية التي تفضل الماضي المؤدلج على الحاضر الإشكالي.‏

إننا نصطدم هنا بتناقض العولمة الأساسي: إنها, وخلافاً لعصريتها التظاهرية الفائقة, تجند لنفسها حلفاء بين العناصر الأكثر سلفية, التي قمعتها الحداثة في زمنها وضيقت الخناق عليها. والآن صارت تظهر هذه الجينات الانتكاسية على نحو مفاجئ وتترك بصمتها على جيل العولميين.‏

هذه هي أفخاخ التعامل التقني البحت مع العالم. لقد أُلهِمت الليبرالية الكلاسيكية بمبادئ محددة, تمنع المغازلة المتقلبة مع شياطين الماضي. أما الليبرالية المعاصرة المستهترة, التي أعلنت لامبالاتها تجاه المبادئ, فلا تتوانى عن أي وسائل ما دامت قادرة على خدمة البراغماتية. لكن الوسائل, كما يحدث دائماً, لا تظل حيادية: إنها قادرة على تشويه الأهداف ذاتها وتوليد نتائج معاكسة للنتائج المتوقعة. يهدد التعامل مع السلفية – أي استخدامها في تقنيات العولمة القذرة - العالم بأبعد العواقب عن المتوقع.‏

إن مهمتنا هي الدفاع عن الحداثة انطلاقاً من المواقف المبدئية للإنسانية السامية وصد هجوم اللاحداثة المتشجعة بالتقنيات العولمية والمتسلحة بها. علينا الإجابة عن ثلاثة أسئلة:‏

في أي اتجاه تقودنا ثورة الوعي الوشيكة المرتبطة بالتغلب على اللاحداثة؛‏

من هو حاملها؛‏

بأي أشكال وبأية وسائل يمكن أن تتحقق أنسنة العولمة ودمقرطتها, اللتان تتطلبان أن توضع الإمكانات الناتجة عن التبادل والشراكة الكوكبية في خدمة البشرية كلها وليس أقلية المتخمين.‏

(1( - الداوسية أحد الاتجاهات الأساسية في الفلسفة الصينية القديمة؛ واحدة من الديانات المنبثقة عن فلسفة الداوسية التي ترتكز على التعاليم حول البحث عن السعادة الأبدية التي يمكن الوصول إليها باتباع الفضائل العشر (واجب الابن, الصبر, التضحية بالنفس وما شابه ذلك) وبالالتزام بالوصايا.‏

البوذية – إحدى الديانات العالمية نشأت في القرن السادس ق. م. في الهند وسميت باسم مؤسسها الأسطوري غاواتما الذي سمي في ما بعد بوذا (المستنير). انتشرت البوذية في الصين واليابان وبورما وغيرها من بلدان الشرق.‏

الجاينية. إحدى الديانات الهندية الناشئة في القرن السادس ق. م. والباقية حتى يومنا هذا, تنكر طبيعة السلالات الحاكمة الإلهية, وتدعو إلى التقشف وتحرم قتل أي مخلوق أو إيذاء أي حي (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 06:03 PM
الفصل الأول كيف نعيد للمستقبل حقوقه؟: ـ رد الاعتبار للتاريخية.





إن "الهجمة" الإيديولوجية الليبرالية الحالية على مبدأ الابتعاد عن الحاضر لصالح المستقبل ما هي على النطاق النظري إلا سوء استخدام للنقد التكويني. لقد استغل دفاعُ المعاصَرَة الليبرالي طاقةَ الانفجار الارتدادي, أي رد الفعل المكبوت طويلاً على الاحتكار الإيديولوجي للتناول التكويني الماركسي. لم ينتزع "المستقبل المشرق" الشيوعي حقوق الحاضر المتعلقة بحاجات الناس القانونية إلى امتلاك شروط عيش إنسانية اليوم وحسب, بل لعب دور دليل براءة من الاضطهاد الشمولي على شكل ثمن بطاقة الدخول إلى المستقبل. لقد صار"الحاضر المطلق الليبرالي" عبارة عن ردة فعل مبررة نفسياً تجاه "المستقبل المطلق" الشيوعي.‏

لكن أضيف إلى ذلك ارتداد آخر: صارت شرعنةُ الأغنياءِ الجديدة ردةَ فعلٍ تجاه الحب المؤدلج اللامحدود للفقراء والبروليتاريين. وصار المستقبل يعتبر ضمن هذا السياق انحرافاً دهمائياً عن متطلبات الواقع – أي أنه هروب تاريخي من نوع خاص للناس غير القادرين على احتمال عبء الحياة اليومية والكسالى وغير القادرين على التكيف. صار العيش في الحاضر علامة التبصر والشجاعة, وصار العيش في المستقبل علامة الارتباط الإدماني بالحكايات والأساطير. ومن هنا تصير المسافة قريبة جداً لتفسير الانجذاب نحو المستقبل بأنه إرث الشرق مع ما يحمله من حماسة وصوفية مَرَضيتين.‏

هكذا تعامل أنصار الغرب لدينا مع المستقبل. لكن هل هم يعرفون التقاليد الغربية الكبرى؟ وإذا كان الغرب المعاصر يعاني من حساسية تجاه المستقبل فهل سيكون لنا شأن هنا مع استمرار هذه التقاليد أم الارتداد عنها؟ ينبغي من أجل الإجابة عن هذا السؤال تدقيق المكنون الأخلاقي النفسي, وإن نظرنا إلى أعمق, الوجودي للابتعاد المتواصل عن الحاضر لصالح المستقبل. لمن الغلبة هنا - للهروب من الحياة اليومية الصعبة أم, على العكس, للحماسة الإصلاحية الجبارة؟‏

يدل التحليل الثقافي للمجتمعات التقليدية دلالة دامغة على أن ممثلي هذه المجتمعات لم يظهروا أي انجذاب خاص نحو المستقبل. لقد ظهر الابتعاد عن المعاصَرة ومواجهتها بالمستقبل الأكثر جدارة مع ظهور ابتعاد الشخصية عن أواصر الجماعة ومعايير الوفاء الذي لا يقبل النقاش. إنه إنسان الزمن الجديد تحديداً هو الذي أقحم التمايز في تيار الزمن على شكل "الآن" الأبدية وشرعن عدم خضوعه بإدخال مسلمة عدم تساوي الماضي والحاضر والمستقبل في القيمة. لقد ساعدته على ذلك التقاليد المسيحية التي يلعب الدور الحاسم فيها مبدأ الانقطاع الآخراتي في سير الزمن – أي تدخل عالم آخر في الحياة المعاصرة الراضية والمكتفية والغارقة في الخطيئة.‏

لقد بشر يسوع بنهاية هذا الحاضر: "وفيما أنتم ذاهبون أَكرِزوا قائلين إنه قد اقترب ملكوت السموات". (متى 10, 7) كتب اللاهوتي الكاثوليكي المعروف كارل رانير(1): "المسيحية – هي دين المستقبل. إنها... تفهم العالم باعتباره تاريخاً للخلاص, أي أنها بجوهرها الأصيل والنهائي ليست تعاليم عن جوهر العالم والإنسان السكوني المساوي لذاته... كل ما هو متوافر من أجلها – غير نهائي, وكل شيء يُفهَم فقط مما لم يأت بعد"(2).‏

إن موقف نقدِ الحاضر باسم الآتي المقدس هو تحديداً الذي سمح لطائفة المسيحيين الأوائل الضعيفة بأن ترمي القفاز في وجه العولمة الرومانية المدعية السيادة المطلقة على العالم. حين يتم التأكيد على أن حركة الإصلاح هي التي أنجبت الحداثة ينبغي الغوص إلى أعماق مغزى هذه المقولة.‏

لقد عنى الإصلاح تجاوز الحدود – أي الخروج عن حدود الحاضر المزدرى بإيديولوجيته كلها وبكل ما فيه من توجه إجباري نحو المنبع المقدس – النص الإنجيلي.‏

قوَّم رجالات الإصلاح الكنيسة الكاثوليكية باعتبارها منظومة ترسيخ للحاضر الخاطئ تعيق التقاء القطبين المقدسين: عهد البشارة بالمسيح وعهد "نهاية الزمن". لقد ألقى الإصلاح جانباً تجربة الحاضر المزيفة, هذا الحاضر المتجسد بإيديولوجية البابوية, ليصل بين القطبين الأقدسين البداية والنهاية. وبذلك لم يجر تحديث الغرب الأولي عبر مواجهة الزمن المعاصر بالماضي, بل عبر إقصائه أو تجاوزه.‏

إلى هذه النتيجة تحديداً يصل دارسو منابع العقلانية المعاصرة. إن براعم هذه العقلانية لا تظهر عن طريق الشرح المطول لـ "مغزى" المعاصَرَة واصطفاء أفضل أنموذجاتها النمطية بل عن طريق قمع عقلانيتها الالتزامية. كتب ف. ف. لازاريف: " لا يُلحظ الخروج من البروتستانتية إلى العقل الجديد عن طريق تخفيف الإيمان بل عن طريق تكثيفه وتركيزه إلى حد الوصول إلى قمع العقلانية السابقة فيه قمعاً تاماً واستئصالها, وإلى حد الانقطاع عن كل ذلك التعقل الذي ظل يخدم بخنوع نمط الحياة القديم مبررا النظم القائمة ومتصالحاً معها"(3).‏

حدد الإصلاح بنية الحداثة السوسيوثقافية, الهادفة إلى إهمال الحاضر وإيضاح المحتوى الابتدائي غير المشوه, الذي ينبغي أن يشغل المكان في المستقبل. وعوضاً عن الانشغال بسبِّ الماضي وإعلاء شأن الحاضر بدت الكلاسيكية الحداثوية مشغولة بعمل أصعب وأعلى شأناً, وهو نقد الحاضر المتباهي بتنزهه عن الخطأ. إن هذا يتباين على نحو مدهش مع إيديولوجية التحديث الأحدث المنشغلة بكاملها بالتشهير بالماضي. حان الوقت كي نفهم أن نقد الماضي باسم تأكيد الحاضر لا يولِّد مجددين بل أشخاصاً متكيفين مع الزمن, ولا يولد معارضين لما هو سائد بل ممتثلين للقوانين والأعراف. وتبقى سخرية بوشكين خالدةً: "لا يحترم الغباء والوضاعة والفظاظة الماضي بل تتزلف للحاضر وحده".‏

على هذا النحو تمتلك الذهنية الحداثوية بنية أعقد بكثير من أحادية البعد المسطحة التي يبشر بها اليوم أنصار المعاصَرَة الراضية عن ذاتها. إذ تقبع في أساس هذه البنية عملية خاصة اكتشفتها الفلسفة الفينومينولوجية(4) المعاصرِة.‏

سمى مؤسس هذه الفلسفة إدموند غوسيرل(5) هذه العملية التخفيض الفينومينولوجي – أي إهمال كل ما يمكن أن يسمى تكديسات المعاصَرة. يعيدنا التخفيض الشاذ إلى تجربةٍ ما ابتدائية غير مشوهة. وواضح أن الشكل الابتدائي لهذا التخفيض هو تجربة حركة الإصلاح الديني التي أهملت سفسطة المذهب البابوي الإيديولوجية بهدف التوجه المباشر إلى النص الإنجيلي الأصلي. لقد سمح لوثر إذ ترجم الإنجيل من اللاتينية غير المفهومة للشعب إلى الألمانية, لكل إنسان في هذا العالم بالقيام بمثل هذا التخفيض – أي محاكمة المعاصَرة من موقع النص المقدس.‏

قدَّم فيلسوف القرن العشرين الأبرز مارتن هايديغر(6) دراسةً لبنية المعرفة الساعية إلى التغلغل نحو حقيقة الوجود المتعكرة بالألعاب الجشعة أو تقلبات العصر. لقد شدد دائماً على أن هدف المعرفة الأكثر خلواً من أي أفق هو مطابقة هذه المعرفة مع الموجود – أي مع المعاصَرَة بتجلياتها الراهنة. تنكشف أصالة الوجود مع تخفيض جميع العلاقات التي تربطنا بالموجود المكتفي بذاته, وبكلمات أخرى – عبر تجاوز الحدود الذي يعني الابتعاد الشجاع عن ما يسمى "متطلبات الزمن". إن مثل هذا الابتعاد يمكن أن يتحقق بإيقاع متطابق إلى الوراء - إلى الأمام, أو, كما يكتب هايديغير, "إلى الوراء – أو إلى الأمام - نسبياً "(7).‏

إن جعل "الموجود المستجوَب في وجوده" شفافاً فهذا معناه تأكيد انفتاح الوجود الإنساني, وخروجه المبدئي إلى ما وراء حدود "الآن" المكتفية بذاتها. يواجه هايديغر ردود أفعال وعينا التكيفية بالسعي إلى الوجود الأصيل. تتكشف هذه الأصالة عن طريق ضغط الحاضر من الجانبين باستخدام النبضين القادمين من الماضي (الأساس الأولي) ومن المستقبل (المشروع).‏

ينبغي أن يتم تقبل الحاضر (الموجود) لا في دائرته المنغلقة واكتفائه الذاتي, بل ضمن أفق الممكن على نحو مختلف. إن لوجودنا, احتكاماً إلى هايديغر, بنيةُ مشروعٍ وجودية. كتب المعلق هايديغر يقول: "المشروع الابتدائي هو التعبير عن خصوصية /الوجود –هنا/ المتمثلة في أنه غير متطابق قط مع ذاته, وأنه يمكن أن يحدث (ليس معطية وإنما افتراض...)"(8).‏

تواجه الأنتولوجيا الهايديغرية منذ البداية الذوبانَ الذاتيَ المتراخي في "الإنسان" المجرَّد من الشخصية - أي التكيفَ والتأقلمَ المحمودين جداً اليوم بموقف التواجد. إن التواجد هو الاندفاع نحو أفق الممكن على نحو مختلف. أي استيضاح طرائق وجودنا التي لا تعكس الثبات والهدوء, بل القلق المرتبط بالبحث عن أصالتنا الذاتية. لا يتكشف الوجود باعتباره موجوداً – إنه مغلق وفاقاً لهذا الاعتبار - بل باعتباره مشروعاً. بكلمات أخرى, تنكشف أصالة الوجود مع استعدادنا لإقحام ذاتنا في تيار التاريخ.‏

إن الأكثر أصالة في الوجود هو ما يعتبر الأكثر تاريخيةً فيه - أي المتسامي من الحاضر نحو المستقبل. بهذا المعنى تحديداً يتحدث هايديغير عن مطابقة الوجود والزمن. كانت "نهاية التاريخ" المزعومة المرتبطة بالحاضر الكافي بذاته وبالتكيف السلبي معه ستعني أيضاً نهاية وجودنا – أي تحول الإنسان إلى شيء سلبي. إن مواجهة الوجود والموجود لدى هايديغير متناسبة مع المواجهة بين الموقفين الإسقاطي والتكيفي. يجسد الأكثر قدرة على التكيف, الذين تلح النظرية الليبرالية المعاصرة في التأكيد عليهم, فقدانَ الوجود, وذوبانَ الإنسان في "الشيئية" العدوانية والمبهرجة التي تبتلعه. أما التاريخية, أو الوجود في الزمن, فتعني التسامي المستمر والتفوق والإنتشاء.‏

لا يجوز في أي حال من الأحوال مقاربة هذا كله مع تجربة الذاتية الهستيرية والهوائية التي نعرفها اليوم, والتي تواجه الواقع الموضوعي بنزواتها اللذوية. لا يجوز فهم تاريخية الوجود بروح نظرية الحسية المتحررة الحديثة, التي لا شأن لها بالواقع الحقيقي وبمتطلباته كلها.‏

على العكس, لا تعني التاريخية انعدام الأرضية الأنتولوجية للمتهرب والرحالة المعاصر, الذي يأمل بالتحايل على الواقع, فإما ترتيب عيشه على حساب الآخرين أو "الانقطاع", بل تعني استعداده لتقاسم مأساوية الوجود. إن أي محاولة لترتيب واحات السعادة الخاصة على حساب زيادة القلاقل والفوضى في الخارج ما هي إلا موقف مخالف لتلك التاريخية التي صارت راية للحداثة الأوروبية العظيمة. ينبغي أن تُقوَّم "الفضائية" الماكرة, المرتبطة بالترتيب المنفرد لشؤونها وبإقامة الحواجز الدفاعية الماكرة حول تجويفها البيئي, على أنه رفض لمشروع الحداثة التاريخي, الذي يؤكد على وحدة المصير والأفق الإنساني.‏

لا تدلنا أنتولوجيا هايديغير, المطالِبة بالاندفاع من لا زمنية الوجود نحو تاريخية الوجود, على مفاهيم الحداثة الكلاسيكية وحسب, بل تدلنا أيضاً على أساليب تصحيح أحكامها التي أدت اليوم إلى أزمة التاريخية الأوربية, المتعرضة لإغراء "التأقلم مع المعاصَرَة".‏

تكمن عيوب المشروع الحداثوي الأوروبي في ثنائية الذات – الموضوع. منذ أن خُيِّلَ للإنسان الأوربي أنه هامشي (marginal) الكون العظيم الذي لا تلزمه بُنى هذا الكون بأي شيء ظهرَ خطرُ تشكل الذاتية - أي المواجهة المعرفية والتطبيقية بين الذات والعالم. إن فرار الغرب المرتبط برغبته في ترك العالم المحيط ليلقى مصيره, وبرغبته في ترتيب شؤونه على نحو منفرد, يرقى إلى ثنائية الذات – الموضوع هذه.‏

يواجه هايديغير هذه الثنائية ببنية الوجود الكامل وغير المجزأ, الذي تستحيل فيه مغامرات الوعي الماكر والراضي عن ذاته والمرتب شؤونه "بطريقة خاصة". إن عدم تجزئة الوجود يعني ترابطه الجذري المتبادل, وشموليته. صارت الشمولية الآن كلمة بذيئة في اللغة الليبرالية - أي رمزاً للتماسك السلفي, واللاتجزئة واللابنيوية. لكن هايديغير يضفي على هذا المفهوم أكثر المعاني معاصرةً, وأكثرها ارتباطاً بحقائق العالم العولمي, أي المترابط والمتصل في ما بينه. تواجه هذه الشمولية مفهومَ "المجتمع المفتوح" الرائج, إذ يتبين مع أول نظرة أننا نتعامل هنا مع حساب مضاعف: يعني الانفتاح تحريم الحماية الوقائية من جانب الخاسرين والمحرومين, أما ما يخص المنتصرين, فعلى العكس, إذ يمنحوا الحق بالدفاع عن فضائهم السعيد من تدخل منبوذي العالم.‏

المثال على هذا التعاطي هو اتفاقيات شينغن (1995)(9), التي عكست استعداد الأسرة الأوربية المتكاملة لمحاصرة تدفق "الدخلاء" من العالم "الثالث" وكذلك من العالم "الثاني" السابق. إن موقف التاريخية متعارض تعارضاً مباشراً: إنه مرتبط بالاستعداد المشترك لإعادة تنظيم وجود البشرية كلها في بنية شاملة من غير الممكن تجزئتها في الفضاء. ترجع وحدة المصير هذه إلى مفهوم الخطيئة الأولى التوراتية, التي جرَّت اللعنة على البشر كلهم, وليس على "أسوأهم" فقط. يعني الاشتراك بالذنب الاشتراك بالخلاص أيضاً - لكن هذا المفهوم المسيحي منسي اليوم من قبل أنصار الخلاص المنفرد. المستقبل هو النسخة الأكثر إقناعاً للخلاص المشترك, الكامن في أساس التاريخية الإنسانية.‏

إننا نرى, على هذا النحو أن الافتتان بمستقبل مغاير نوعياً والابتعاد عن الحاضر ليس دليلاً على السلفية قط. الأدق: إن هذا "سلفية" مقدر لها أن تصحح المعاصَرة في أكثر مواقعها إيلاماً – أي حيث تفترق عن المطامح الإنسانية المجدِّدة للحداثة الكلاسيكية المستهدية باندفاع البشرية المشترك نحو المستقبل الأفضل. إن المحدث الأصيل هو ليس ذلك الذي يمتدح الحاضر ويتكيف معه. المحدِّث هو ذلك الذي يعقد مؤامرة غامضة مع المستقبل ضد الحاضر الواثق من نفسه والذي لا يعرف حدوده.‏

من الملائم هنا تدقيق بنية الوعي الإسقاطي. كان في مقدوره أن يكون إرادوياً خالصاً لو أنه أسس مواجهته للحاضر على تحليقات خياله الخاص وحدها. في حقيقة الأمر, تبدو في توجهنا الحماسي إلى المستقبل آثار حنين ما, آثار "ذكرى" ما عن الأفضل والأجدر والأكثر أصالة. وهذا الحنين لا يخص دائماً فترة محددة أو ظاهرة من الماضي. في الحال الأكثر عمومية تحمل "حنينية" الوعي المسقِط على الأرجح طابعاً أولياً يتجذَّر في أعماق أنموذجات الثقافة الأصيلة. إننا بهذا المعنى نتحدث عن الإيمان بالمستقبل.‏

ثمة مكان هنا ولا شك لتناظر غامض: يبرز إيماننا بالمستقبل بكامل موثوقيته حين لا يكون المستقبل المنتظر نتاجاً بسيطاً لخيالنا ولأحلامنا عن السعادة بل حين يستند إلى معايير قيمية ثقافية مترسخة في الذاكرة الجماعية على شكل فعل أمر قطعي ( ذات طابع أخلاقي - ديني في أغلب الأحيان). إن بنية المقدرة الإسقاطية هذه لدى المخيلة التاريخية الموجهة إلى المستقبل تُلزِم بالكثير نظريةَ التحديث المعاصرة. إنها تفضل اليوم إثبات أحقية المعاصَرَة راكلةً الماضي بعدمية. لكن لا يجوز تحويل المعاصَرَة إلى مطلق - فأحقيتها ليست مطلقة. ما إن تتخيل المعاصَرَة نفسها مطلقةً حتى تنحط على الفور مسفرة عن ممارسات مذمومة يبدأ "الماضي الملعون" ينتصر على خلفيتها. وأغلب الظن أن هذا ما يحدث اليوم في روسيا على خلفية ما يسمى "الإصلاحات".‏

الأمر مختلف تماماً إذا لم تبرز المعاصرة باسمها الخاص وحسب, بل إذا توجهت إلى كامل وجودنا, إلى الثوابت وأفعال الأمر المنقولة عبر المراحل التاريخية الطويلة. حينئذ يبرز مشروعنا للمستقبل على شكل تجسيد "للآمال الأبدية", وباعتباره مطلباً للوجود ذاته.‏

لهذا السبب تلقى نظرية التحديث الغربية المفروضة على الشرق من قبل المسيحيانيين الدخلاء المقاومة. اليوم يفضلون في الهند والصين وعدد من الدول الإسلامية الحديث عن إعادة بناء تقاليدهم الحضارية الخاصة بهم.‏

في هذه الحال يكتسب مشروعُ المستقبل الطابعَ الفطري لمستقبلنا, الذي توصل إليه الشعب بنفسه على أساس التقاليد الكتابية (الدينية) العظيمة, التي تتحول أفعال أمرها إلى مشروع. عندئذ ستحل لزاماً لحظة "التخفيض الفينومنولوجي": "ستلقى جانباً" المعاصرة التي تبدو كافيةً بذاتها والتي تحاول امتصاصنا, لكي يصطدم مباشرةً نص الماضي العظيم ومتطلبات المستقبل.‏

من البدهي, طبعاً, أن هذا النمط تحديداً من التحديث الفطري هو وحده الذي يمكن الاعتراف بأنه ديمقراطي حقاً.‏

الأمر الآخر - لا يمكن أن يدور أي حديث عن استقلالية الشعب الديمقراطية حين يطلب "مشيدو الديمقراطية" منه, وهم ينتهكون كرامته القومية, أن يتبع مذعناً وصفات الديمقراطية "الجاهزة" المستعارة, التي لا يبقى إلا اقتباسها من غير تشويهها بـ "العنديات" قدر المستطاع. ليس ما يناط بالشعب هو لعب دور الذات المستقلة التي تحل بإبداع مسائل مستقبلها الخاص, بل دور المادة الأولية السلبية التي تعالَج بوصفات جاهزة على يد تقنيين سياسيين غير ماهرين. يحاول "التقنيون" البحث عن مستقبل جاهز في الفضاء؛ ويدور الحديث, طبعاً, عن فضاء الغرب المزدهر الأنموذجي.‏

لا يمكن في حقيقة الأمر امتلاك المستقبل في الفضاء, أو الحصول عليه كسيولة تمت مقايضتها بهذه التنازلات الجيوسياسية أو تلك. يمكن امتلاك المستقبل في الزمن فقط. بكلمات أخرى, التحديث الأصيل هو إجراء الكشف عن ما هو موجود من حيث المبدأ لدى أي كان وما يزال غير معروف لأحد. لا يمكن تخمين المستقبل على غرار التلميذ الذي يحزر جواب المسألة المعروف للمعلم مسبقاً؛ فالمستقبل يُبدَع. أما حال الإبداع فتتطلب وضعاً خاصاً: استقلال المبدعين الذاتي وحسهم بالمسؤولية واحترامهم الكبير لأنفسهم.‏

(1( - كارل رانير (1904 -1984) لاهوتي كاثوليكي ألماني, يسوعي, علم في جامعات إينسبرغ وميونخين ومينستر. أصدر وحرر "المعجم الكنسي -اللاهوتي" في عشرة أجزاء بين عامي 1957 -1968, وألف كتاب "سر العالم" في ستة أجزاء بين عامي 1968 و1970 (المترجم).‏

(2( - كارل رانير. الطوباوية الماركسية ومستقبل الإنسانية المسيحي // البعد الاجتماعي – السياسي للمسيحية. موسكو, 1994. ص. 178.‏

(3( - لازاريف ف. ف. العهود البرجوازية المبكرة وأصل فلسفة الزمن الجديد // فلسفة عصر الثورات البرجوازية المبكر. موسكو, 1983, ص. 143.‏

(4( - الفينومينولوجية هي تعاليم مثالية وميتافيزيقية في الفلسفة البرجوازية المعاصرة, أسسها غوسيرل وأتباعه, وتدرس الحقائق الروحية المعطاة للوعي بغض النظر عن الوجود الواقعي والتجربة الحسية (المترجم).‏

(5( - إدموند غوسيرل (1859 -1938) فيلسوف ألماني, مؤسس (الفينومينولوجية). سعى إلى تحويل الفلسفة إلى "علم صارم" عبر المنهج الفينومينولوجي ("الدراسات المنطقية" في جزءين) ثم توجه لاحقاً إلى فكرة "العالم الحياتي" باعتباره تجربة اجتماعية ثقافية ابتدائية, مقترباً بذلك من فلسفة الحياة. كان له أثر على المذهب الوجودي والأنثروبولوجيا الفلسفية (المترجم).‏

(6( - مارتن هايديغير (1889 -1976) فيلسوف ألماني. أحد مؤسسي الوجودية الألمانية. طور تعاليم عن الوجود ("الأنتولوجيا الأصولية") كان الأساس فيها هو مقابلة الوجود الأصيل مع عالم الحياة اليومية والعادية. إن الوصول إلى مغزى الوجود مرتبط احتكاماً إلى هايديغير بعبثية الوجود البشري ("الوجود والزمن", 1927) أما موضوع أعماله المتأخرة فكان – منشأ نمط التفكير "الميتافيزيقي", والبحث عن السبل نحو "حقيقة الوجود". (المترجم).‏

(7( - هايديغير م. الوجود والزمن. موسكو 1997. ص 8‏

(8( - غايدينكو ب. ب. الاندفاع نحو المتسامي. موسكو 1997, ص 370.‏

(9( - اتفاقات شينغين – هي اتفاقيات تلغي عوائق التنقل ضمن أراضي الاتحاد الأوربي, وتنظم الانتقال من خارجه إليه, وشينغن هو اسم منطقة ريفية في لوكسمبورغ (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 06:06 PM
ـ المستقبل باعتباره إعادة إحياء لمبدأ التكثيف





لقد كشفت العولمة الحالية عن سرها: إنها ردة الاقتصاد العالمي الانتشاري المرتبط بالجذب الهائل للموارد الجديدة الرخيصة.‏

لقد صمتت اليوم في الغرب أصوات المنبهين القلقة, حماة الطبيعة, ومعارضي سباق التسلح ونقدة المجتمع الاستهلاكي, لأن "المنتصرين" يأملون في أثناء إعادة تقسيم العالم العولمية الجديدة بالحصول على حقنة هائلة من الموارد. عدا ذلك, يُلحظ اليوم بحدة تراجع آخر. لقد ضعف اليوم على نحو ملحوظ في الغرب التضاد المميز لعصر الحداثة بين الانتشاري والتكثيفي, والذي ارتبط به في الواقع الانتقال من المجتمع الصناعي إلى المجتمع ما بعد الصناعي, وإلى العلم باعتباره قوة منتجة مباشرة.‏

هنا يحافظ على توجيهيته تناول ماركس الذي يميز بين إنتاج القيمة المضافة المطلقة المرتبطة بزيادة حجم زمن العمل (وكذلك المواد الأولية والطاقة الكهربائية وما شابهها المستجرة في الانتاج) وإنتاج القيمة المضافة النسبية, حين يرتكز نمو الربح على غزارة الانتاج وزيادة إنتاجية العمل. سأتعمد هنا أن أترك جانباً نقد "الحقائق المستترة" - مثل القيمة والقيمة المضافة - الذي وجهته النظرية الاقتصاية الوضعية المعاصرة للماركسية. فهذا النقد لم يستبعد الفرق نفسه بين الأسلوب الانتشاري والأسلوب التكثيفي في الاقتصاد. يستند التكثيف (الإكثار), كما يعترف الجميع, إلى ضم عوامل غير إنتاجية إلى عملية الإنتاج كالعلم والتعليم ومنظومة إعادة الإنتاج الديموغرافي والصحة وما شابه ذلك.‏

وقف البرجوازي الكلاسيكي معارضاً لهذا كله. كان كل ما هو غير مندرج في إنتاج الربح مباشرة وكل ما هو خارج عن حدود المؤسسة باعتبارها منظومة توحيد العمل ورأس المال, غريباً عنه وغير مفهوم له ومنسوباً إلى العناصر التزيينية في الحضارة, هذه العناصر التي تديرها إما التقليدية العنيدة وإما البوهيميا المزاجية. يعكس, في الواقع, مجملُ نقدِ الوضعية لما يسمى "المرحلة الميتافيزيقية" ولكل ما يمكن "للميتافيزيقيا" أن تختبئ في أحشائه اليوم – الممارسات الفكرية والفنية غير النفعية وغير المنقولة إلى لغة الأرقام, و"الثقافة الضاحكة" الشعبية (م. باختين) والفلكلور واستدلال المعنى الفلسفي وأهداف الوجود - العلاقةَ البرجوازيةَ النفعية بالعالم, وعدم احتمال استعباده تكنولوجياً واقتصادياً.‏

ما عادت مثل هذه الوضعية البدائية تحظى اليوم بالاهتمام في الغرب. لقد أدى من جهة الضغط الاجتماعي السياسي والحضاري على طبقة المستثمرين من جانب الدولة الاجتماعية والمجموعات كلها التي تقف وراءها, ومن جهة أخرى اكتشاف أن العلم التطبيقي والفن التطبيقي (الديزاين), والعلوم الثقافية التطبيقية والإثنوغرافيا (التي تدرس الخصائص النفسية لدى القوى العاملة المحلية أو وعي المستهلك) ترفع الفاعلية الاقتصادية, إلى جعل البرجوازي يهادن الحضارة, جزئياً على الأقل, باعتبارها منبعاً للانتاج الاجتماعي والروحي المعاصر وأساساً له. لكن هذا لا يعني أنه لم يدع أقل فرصة متاحة إلا وحاول فيها استغلال نتائج هذا التطور الحضاري كلها باعتبارها مجانية, أو إلقاء كلفة النفقات المترتبة على ذلك على كاهل الدولة وغيرها من المرجعيات "غير الاقتصادية". ضمن هذا السياق تحدث ماركس عن أن الرأسمالي "يغتصب الحضارة"(1).‏

"من جهة يستحضر رأسُ المال إلى الحياة قوى العلم والطبيعة كلها تماماً كما يستحضر قوى المراكبة الاجتماعية والتواصل الاجتماعي - ليجعل بناء الثروة مستقلاً (نسبياً) عن زمن العمل المهدور على هذا البناء. ومن جهة أخرى يرغب رأس المال في أن يقيس بزمن العمل هذه القوى الاجتماعية الجبارة المبنية بهذه الطريقة, حاشراً إياها داخل حدودٍ ضروريةٍ من أجل الحفاظ على القيمة المبنية على هيئة قيمة"(2).‏

يحمل اليوم هذا البرنامج الهادف إلى تحويل المنتجات المدركة وغير المدركة ومنجزات الحضارة كلها إلى قيمة اسم "إصلاحات السوق".‏

تبرز هنا سلسلة كاملة من الأسئلة. أولاً, علينا الاعتراف بأن الإغواء (المدعَّم بإمكانات المنتصرين الحقيقية) باستغلال موارد الحضارة باعتبارها موارد مجانية قد ازداد بحدة في ظروف العالم العولمي المعاصر. بمقدار ما تنطلق الشركات العبرقارية إلى ما وراء القسم الغربي من المعمورة تتحول علاقات الشراكة بين العمل ورأس المال إلى استغلال غير حضاري للسكان الأصليين ومواردهم. هذا يخص أيضاً رأس المال الكومبرادوري الذي يفعل فعله في وطنه الذي ما عاد يعتبره وطناً له.‏

لقد بدأت أخلاق اللصوص العابرين, المستعدين لترك "هذه البلاد" صحراء قاحلة خلفهم, تتغلب بوضوح على علاقات الشراكة المدنية المسؤولة التي بذل الكثير من أجل قيامها. ينتج على هذا النحو أن المجتمع العولمي المفتوح - المفتوح من أجل استغلال فاتحي السوق العالمية عديمي الحياء - لا يقودنا إلى الأمام بل إلى الوراء, من العلاقات المدنية إلى العلاقات الاستعمارية.‏

ثانياً, إن تحويل العلم والتواصل والتعليم والثقافة الحالي الشامل إلى تجارة يشوه في الكثير من الجوانب ثمار الحضارة هذه. يقول الشاعر: "لا يباع الإلهام, لكن المخطوط يمكن أن يباع". لكن كيف يؤثر أفق بيع نتائج الإلهام على الإلهام ذاته - هذا ما لم يحدثنا أحد عنه حديثاً مقنعاً حتى الآن. هل سيستحوذ فضاء الإلهام على فضاء السوق, أم أن نمو هذا الأخير سيؤدي إلى انكماش الأول - هذا هو السؤال. يمكن الافتراض أنه تحت تأثير توقعات السوق تجري في العملية الثقافية الإبداعية تطورات بنيوية خاصة مرتبطة بإبعاد العناصر الأقل قابلية للتنبؤ بها من قبل العناصر الأكثر قابلية للتنبؤ بها والمقوَّمة تقويماً كمياً.‏

سينفعنا هنا الفارق الذي أقره كانط بين تنبؤية الموهبة العلمية وعدم تنبؤية العبقرية الفنية (مع تصحيح واحد فقط هو أن الإبداع في العلوم الأساسية يقع ضمن الفئة الثانية). هاكم ما قاله كانط بخصوص حرية المخيلة الإبداعية المرتبطة بعفوية العبقرية: "... العبقرية 1) هي موهبةُ خلقِ ما ليس من الممكن أن يكون مقدراً خلقه لأي قاعدة محددة, إنها لا تعتبر إرهاصاً من إرهاصات الحنكة في خلق ما يمكن دراسته وفاقاً لقاعدة ما, وبالتالي فإن الابتكار ينبغي أن يكون أول صفة من صفات العبقرية؛ 2) بما أن السخافة قد تكون مبتكرة لذا ينبغي أن تكون نتاجات هذا الابتكار في الوقت نفسه أنموذجات, أي نتاجات إرشادية, بالتالي لا ينبغي على هذه النتاجات أن تظهر عن طريق التقليد, وإنما ينبغي أن تكون موضع التقليد عند الآخرين, أي أن تكون معياراً أو قاعدة للتقويم؛ 3) لا يستطيع العبقري من تلقاء نفسه أن يبرهن أو يصف كيف يخلق إنتاجه علمياً؛ إنه يقدم القاعدة باعتبارها طبيعةً؛ ولهذا لا يدري مؤلف المنتج نفسه, الذي يدين به لعبقريته, بأي وسيلة تواجدت لديه الأفكار من أجل ذلك, وليس في وسعه أن يأتي بها بحرية أو على نحو مخطط, وينقلها إلى الآخرين ضمن إرشادات تجعل هؤلاء الآخرين أيضاً قادرين على خلق مثل هذا المنتج"(3).‏

لكن إذا كانت الشخصية الإبداعية مضطرة إلى أن تساير طلب السوق, فإن عليها بذلك الابتعاد عن عدم تنبؤية الإلهام وأن "تبتكر" أفكارها "وفاقاً للمخطط". أليس من حقنا أن نفترض أن إثقال إلهة الشعر بصرامة الطلب يمكن أن يهينها – أي الاستبدال بتوهج الإلهام المهنية الابتكارية التي لا تطال النجوم في السماء؟ يخيل أن الأعراض المقلقة لندرة المواهب الكبيرة في العلم والثقافة, ولندرة الطباع الإبداعية الضخمة, التي تترك المكان لحساسية المهنية السوقية المداهنة, قد باتت بينة للعيان. ليس من يسمون "الأناس المعاصرين" هم من كوَّن صندوق الأفكار الكبرى الذي ما تزال المعاصَرَة تتغذى منه, بل إنهم, احتكاماً للمقاييس كافة, أناس غير "معاصرين", وواضح أن هذا الصندوق آخذ بالنفاد.‏

ثالثاً, هل يمكن أن ننسب إلى السوق المقدرة العجيبة على ان تنتقي من بين الإرث الثقافي المتنوع كله ما تحتاج إليه البشرية فعلاً ليس فقط من أجل حاجات السوق, وفي الوقت نفسه ليس ما تحتاج إليه اليوم, وليس الآن, بل لوقت غير محدد في المستقبل؟ ألا نغامر إذ نسدد "البنية الفوقية" السابقة ديةً للسوق, ونحكم بالموت والزوال على ما يمكن أن يكون الأندر والأكثر إلحاحاً في المستقبل البعيد نوعاً ما؟ ألا تعتبر واقعية اصطفاء السوق أحادية البعد, والأهم, قصيرة الأجل؟‏

لقد سادت منذ وقت قريب نسبياً وجهة نظر تقول إن الأفضل هو بناء الرأسمالية في فضاء "منظَّف" أو "فارغ" أو غير مثقل بالمخلفات الثقافية. يجري اليوم التعبير أكثر فأكثر عن فكرة أن الرأسمالية الأوربية مدينة بالكثير جداً من نجاحاتها للمقدمات "ما قبل البرجوازية". وحيث يحاولون في حقيقة الأمر البدء من الصفر في الفضاء "المنظف" بلامبالاة على يد المحدثين الشجعان سيظهر, بدلاً من البرجوازيين حسني السلوك, المبتزون, وستظهر عوضاً عن المثابرة الاستثمارية جسارة النصابين القرصانية.‏

وتشرع تلح فكرة أن المنظومة السوسيوثقافية "الثنوية", المرتكزة إلى مبدأ التكميلية, يمكن أن تعتبر منظومة واسعة الأفق. تصون مثل هذه المنظومة, إضافة إلى فضاء السوق, الواحات الخصوصية للثقافة, المسموح لها بالوجود والتطور وفاقاً لمعايير غير معايير السوق. عندئذ لن يكون لزاماً على الحديث أن يدور عن الثنائية المعروفة: الدولة – السوق. إذ يمكن لواحات الثقافة اللاسوقية أن تبني مجتمعاً مدنياً ذاتياً وترعرعه عن طريق بناء شتى أنواع الصناديق الاجتماعية والعلمية والثقافية التعليمية الاجتماعية, وغيرها من أشكال التعاون اللاسوقي.‏

بم تميز, بهذا المعنى, ظهور مجتمع السوق العولمي؟ لقد تميز بعصيان جديد من قبل البرجوازي التجاري على الثقافة والحضارة ومجمل المعايير والقيود المفروضة من قبلهما. قرر البرجوازي – المرابي العالمي من جديد, إذ دب الحماس فيه بسقوط البديل الاشتراكي, أن الثقافة هي تفاهة, وأن الأخلاق هي ملجأ لغير القادرين على التكيف. علينا أن نقول إن مقدمات وجود البرجوازي - المستثمر الكلاسيكي ووجود البرجوازي – المرابي والمبتز المعاصر هي حقاً مختلفة اختلافاً جوهرياً. كان البرجوازي السابق, باعتباره منظِّماً لعملية الإنتاج, ذا مصلحة موضوعية في انضباطية الشخص التي تعتبر نتاجاً لانضباطية الحضارة بالكامل, وذا مصلحة في نمو مستوى العاملين التأهيلي – التعليمي, وفي قابلية التنبؤ بسلوك الشركاء المدعمة بالأخلاق والرأي العام المعبأ.‏

أما البرجوازي – القرصان العولمي الحالي, الذي فرض الخوة على شعوب بأكملها وهرَّب الثروات الوطنية, فغير مهتم مسبقاً بأي شيء من هذا القبيل. لذلك يمكن التنبؤ بأمر جديد قد لا يكون له مثيل من حيث قوته, وهو تأجج الصراع ليس فقط بين الأممية المالية العولمية والشعوب المستغَلَّة, بل بين البرجوازيين الجدد والنخب المبدعة الممثلة للمجتمع ما بعد الصناعي أو مجتمع المعلوماتية. من الضروري التأكيد على أن فضاء النخبة وفضاء منتجي البضائع والخدمات البرجوازيين (لا نتكلم هنا على المضاربين الماليين الذين لا ينتجون شيئاً) يختلفان اختلافاً نوعياً.‏

يعمل المستثمر في السوق في فضاء الأشياء – المنتجات النهائية المتمايز. فمن جهة المادة الأولية ووسائل العمل والقوة العاملة, ومن جهة أخرى المنتج النهائي, الذي يتخذ شكل السلعة. يعرف البرجوازي جيداً أين اشترى الأشياء الأولى, وكم كلفه الثاني - بهذا المعنى يظل هذا البرجوازي يعيش في كون نيوتن الجبري المحسوب كله. أما ممثلو العمل الإبداعي - أي رجالات العلم والثقافة, فيعيشون في فضاء الأفكار والمحفزات العامة الانتشاري, التي لا يمكن قط القول بدقة من أين تظهر وما الذي يلهمها وما الغرض منها في نهاية المطاف. إنه العالم الخاص للتراكم الحضاري العام, الذي لا تتحقق منتجاته من حيث المبدأ ولا تُحسب في مسارها المستقبلي المنفصل.‏

إن العقلنة البرجوازية, التي يتحدث اليوم عنها كثيراً أنصار السوق العولمية الشاملة كل شيء, تعني محاولة الشكلنة التامة – أي الترجمة إلى لغة الأرقام والإرشادات - لكل ما يوجد على نحو اختياري وغير شكلي, باعتباره منتجا عفوياً للطبيعة والثقافة وباعتباره لعبة بين الحياة والإلهام.‏

تتصف أعمال كورت غيديل(4) بأهمية مبدئية من أجل التشكيك بالمبدأ الحسابي البرجوازي المستخدم في الثقافة, وخصوصاُ نظريته حول قصور المنظومات المشكلنة. تعتمد محاولات الشكلنة الشاملة لأي منظومة رمزية على الحدود المرتبطة بتوافر المقترحات غير القابلة للحل (أي غير المبرهنة وفي الوقت نفسه غير المختبرة). والعكس صحيح: تغدو أية منظومة قواعد وإجراءات إرشادية نهائيةٍ غيرَ كافية من أجل التأمين التام لأي ممارسة عملية. وهذه الأخيرة تحوي دائماً على مقدمات غير مفسرة (خفية) لا يستطيع أي مشرِّع أن ينظر فيها ويقدرها(5).‏

لكن مؤسس الفينومينولوجيا الفيلسوف الألماني إدوارد غوسيرل عبَّر قبل غيديل, الذي صاغ قضيته عام 1931, عن الأفكار نفسها في مفهومي المحتوى الموضوعاتي وغير الموضوعاتي لوعينا (والثقافة بالكامل). "غير الموضوعاتي هو ما لا يقع في اللحظة المعنية في حقل الوعي الحيوي, وإنما يشكل محتواه الكامن, أي تلك "الخلفية" أو "الأفق" الذي يمكن جعله "موضوعاتياً" طبقةً إثر طبقة, لكن من المستحيل جعله حيوياً حتى النهاية"(6).‏

تنضوي أي منظومة ثقافية, وخصوصاً إذا كانت غير صارمة كالمنظومة الثقافية الإنسانية, على جملة من المحتويات غير الموضوعاتية "الكامنة", التي يستحيل مسبقاً وضع اليد عليها وتقدير قابلية استخداماتها العملية وفائدتها الاجتماعية في المستقبل.‏

كانت هذه القرائن ستفيد كلها على نحو رائع في نقد التخطيط الاشتراكي البيروقراطي للاقتصاد, ونقد التعاطي الحزبي مع العلم والفن. لكنها, كما تبين, حافظت على كمونها التوجيهي النقدي من أجل محاولات شمل الثقافة بالتناول السوقي الذي يلزمها بتقديم تقرير كامل عن فائدتها ومردوديتها. يتلخص الأمر في أن ما ينسب في الثقافة إلى غير المشكلن وغير النفعي هو تحديداً ما سيغدو في نهاية المطاف حتماً الأكثر قيمة والأوسع أفقاً. هذا لا يعني ضرورة إكساب الإبداع الثقافي وضعاً زخرفياً واختيارياً. وإنما يعني فقط أن من غير الممكن الطلب من الثقافة تنفيذ هذه الالتزامات أو تلك مهما بدت حكيمةً ومقنعة.‏

لا يدور الحديث عن نظرية الفن من أجل الفن ومثيلاتها من النظريات المستخدمة في العلم أو التعليم. يمتلك الإبداع الثقافي معاييره الخاصة, لكن هذه المعايير تخرج خارج أطر أي طلب اجتماعي مهما كان. لا تقاس أصالة الإبداع بالطلب الاجتماعي بل تقاس بشرائع أسمى هي شرائع الذوق والأخلاق وخدمة "الفكرة العليا". لا يتلخص الأمر على هذا النحو في إخراج العمل الإبداعي من تبعيته للمعايير, بل في الحفاظ على الطابع الفطري لدى هذه المعايير ذاتها - أي إمكان أن يكون المبدعون موجهين من الداخل وليس من الخارج.‏

تكمن مشكلة الحضارة, التي تتعرض لهجوم أنصار المنفعة الكبار - الشيوعيين في الأمس, ورأسماليي السوق اليوم, في حماية عالم الشخصية الداخلي وعالم الثقافة الخارجي في وقت واحد مع السماح لهذين العالمين بالتطور من غير الالتفات كل دقيقة إلى المعايير الوظيفية ومن غير أن تقيس نفسها مسبقاً إليها فقط. إذا سمينا المحاكمات المحوَّلة إلى ممارسات ومخططات تكنولوجية إرشادية محاكماتٍ توجيهية (إرشادية), ورمزنا إلى المحاكمات الدائرة في مجال الأفكار "الأفلاطونية" التي تشمل الثالوث الكلاسيكي "الحقيقة والخير والجمال" بالمحاكمات اللاتوجيهية فإننا سنكتشف أن الثقافة لا يمكن أن تعيش وتبدع إلا في تناسبات معلومة بين هذين النوعين من المحاكمات.‏

عند الإخلال بالتوازن المتحرك تاريخياً بينهما لصالح اللاتوجيهي تتعرض الثقافة لخطر التحول إلى لعبةٍ وتنميطٍ وانحطاط. لكن ثأر الذرائعي والتوجيهي الزائد عن الحد على نحو يخل باستقلالية البداية "الأفلاطونية" يهدد الحضارة إما باستنفار "المنفذين الخانعين", وإما بالانتقال إلى وضع صيرفيي السوق الذين لا يعرفون القيمة الحقيقة لما يصرِّفون.‏

تبرز اليوم من جديد – وبإلحاح لا سابق له - مسألة العلاقات المتبادلة بين الوسط الإنتاجي الداخلي (بالمعنى الواسع للكلمة) والوسط السوسيوثقافي الخارجي – وهو الوسط نفسه الذي تتولد فيه أفكار الثقافة والعلم الكبرى, وتتكون فيه آمال المجتمع المعاصر العامة وطموحاته. بكلمات أخرى – المسألة المتعلقة بمشكلات التكامل بين منظومتي المجتمع الفرعيتين الإنتاجية والسوسيوثقافية. هنا تعلن عن نفسها التناقضات الحادة التي تبرز بشكليها الذاتي والموضوعي.‏

في الجانب الذاتي يدور الحديث عن أنه كلما ازداد ابتعاد أشكال محددة من الإبداع الثقافي عن مجال الفائدة التطبيقية (السوقية) ازدادت إثارتها لاهتياج الوسط الاستثماري غير المدرِك لماذا هذه الأشكال "موجودة أساساً". إن هذا يذكرنا نوعاً ما بالعداء الموصوف من قبل تشارلز سنو(7) بين الثقافتين – التقنية والإنسانية. لكن ما نعنيه في حالنا هذه هو التناقض بين ثقافة الأفكار العامة (الأساسية) أياً كان المجال الذي تنتمي إليه والثقافة التجارية – النفعية, التي قدر لها أن لا تفهم وأن لا تتقبل إلا ما يجلب الفوائد العاجلة.‏

أما في الجانب الموضوعي فيدور الحديث عن أنه كلما ازداد الطابع العام والمستقبلي من الناحية التأسيسة, الذي تتميز به هذه الأفكار الإبداعية أو تلك, قلت حظوظها في التحول إلى ممارسة, وفي التحول التكنولوجي ضمن منظومة اعتادت على العمل في الأفق القريب فقط. طبعاً, يمكن الإشاحة عن هذا التناقض والإعلان أنه إذا لم تستطع ثقافة الأفكار العامة أن تلحظ منفعتها التطبيقية السوقية, فإن حالها ستصير أسوأ وهي بذلك محكومة بالتهميش والاندثار. ويبدو أن هذا الحكم تحديداً هو الذي أصدره مسيحيانيو السوق الحاليون ومنظمو "الإصلاحات".‏

لكن هذا يعني إصدار الحكم على مواصفة خصوصية من مواصفات الحداثة مثل أسلوب التطور التكثيفي. يعني التطور الانتشاري في واقع الامر الإصدار اللانهائي للأنموذجات المكتشفة والمختبرة. وهذا من الناحية العامة ليس إلا إدامة المعاصَرَة التي يتحرق شوقاً إليها مروجو "نهاية التاريخ".‏

من الناحية العملية يعني الأسلوب الانتشاري عزل الوسط الإنتاجي عن الوسط السوسيوثقافي القلق والواقع خارجه, والذي تتولد فيه الأفكار الإبداعية الجديدة.‏

وعلى العكس من ذلك, يفترض التكثيف (الإكثار) التقاء هذين النوعين المختلفين من الأوساط: وسط الإنتاج المنظم والمنصاع للقوانين والخاضع للمعايير ووسط الخيال الإبداعي المتحرر, غير المقيد بأي طلبات اجتماعية قاسية وبأي أنظمة مؤسساتية. عندئذ يفعل فعله القانون التالي: كلما كان هذا النشاط المنسوب إلى عالم الأفكار الإبداعية أو ذلك أبعدَ عن مجال التنفيذ الإنتاجي المباشر ازدادت فاعلية تكثيف الإنتاج في حال إشراك هذا النشاط في العملية الإنتاجية إشراكاً فاعلاً. تتجلى في هذا الأمر المفارقة الكانطية المتعلقة بالعملية الابتكارية: تصير هذه العملية أكثر فاعلية كلما قلت فيها "المقترحات المعقلنة" المخطط لها مسبقاً والمندرجة ضمن منظومة التوقعات الإنتاجية المتكونة.‏

ولا نحصل على درجة التكثيف الصفرية إلا حين ينغلق المجال الإنتاجي على ذاته تماماً ويتحصن ضد اقتحام الأفكار من جانب العالم السوسيوثقافي الأقل تنظيماً. أما بعد ذلك فتنتظم التراتبية التالية:‏

تكشف لنا مشاركة العلوم التقنية بمجمعها العلمي المعلوماتي في المجال الإنتاجي عن أفق التكثيف الأول الأكثر توقعاً.‏

تكشف لنا مشاركة مجمع العلوم الطبيعية الذي يضم الاكتشافات الأساسية في بنية المادة والحقل الأفق الثاني الأوسع. ثم ستنكشف آفاق أكثر إغراءً مع مشاركة العلوم عن الحياة بمجمعها البيولوجي في العملية الإنتاجية. ترمز الاختراقات المستندة إلى هذا في مجال التكنولوجيا الحيوية إلى لحظة الانتقال من الإنتاج الصناعي الكلاسيكي الذي تميزه المركزية التقنية إلى الإنتاج ما بعد الصناعي الذي يجسد الأنموذج القياسي الجديد للمركزية الحيوية والمركزية الأنثروبولوجية. تتحقق الخصوصية الأخيرة بمقدار مشاركة مجمل مجمع العلوم عن الإنسان - علم النفس والأنثروبولوجيا الثقافية وعلم اللغة ونظرية الإتصال الاجتماعي وما شابهها في التطبيقات الإنتاجية التكنولوجية.‏

ينبغي التأكيد على خصوصية هامة: كلما صعدنا على سلم العلوم – من علم الميكانيكا إلى البيولوجيا والأنثروبولوجيا, اقتربنا بدرجة أكبر من عالم الأفكار العامة التي يظل منشؤها غامضاً ومخفياً في حقل التماسك الثقافي (الذي تسلك عناصره سلوكاً نزوياً ولا وجودياً). هذا هو في حقيقة الأمر مجال "العبقرية" الكانطية, الذي لا يمكنه أن يدرك من أين تحديداً استمد هذه الأفكار أو تلك, وما هي منابع إلهامه النهائية.‏

أما السوق باعتبارها منظومة "تحويل إلى فائدة" واختبارٍ بالفائدة فتطلب من "عبقرية" الإبداع السوسيوثقافي العام تقديم تقرير صارم متعلق تحديداً بكيفية الحصول على هذه الفكرة أو تلك وأين تم الحصول عليها وما هي النتيجة العملية المنظورة التي يمكن توقعها منها. والحديث لا يدور عن تقرير إيديولوجي أو إداري – بيروقراطي, وهو ما كان يميز "الاشتراكية الواقعية", بل يدور عن العقلانية الاقتصادية الراغبة في معرفة أين ينبغي إيداع الأموال وإلى أي أمد. لكن عبقري الثقافة, "المتسكع البطال" لا يستطيع مع رغبته في ذلك أن يستجيب لطلبات هذه العقلانية: إنه لا يعرف حقاً معرفة دقيقة لا لمن يدين باكتشافه (ليس للإلهام الإبداعي ارتباط محدد بفروع ما) ولا أي نتائج تطبيقة, ناهيكم عن التجارية, ستسفر عنها.‏

ورداً على هذه الروح النزوية "البوهيمية" ثمة لدى البرجوازي إجراء قمعي جاهز: رفض تمويل أي نشاط لا يحسن تقديم حساب اقتصادي واضح. هذا مع العلم أننا نتحدث عن البرجوازي من النمط الاستثماري الكلاسيكي الأفضل؛ أما البرجوازي المعاصر - أي المضارب والمرابي, والنصاب فمن الأفضل هنا أن لا نأتي على ذكره إطلاقاً. باختصار, أفق منظومة السوق مغلق في الأساس عند ما الذي يثبت جدارته في التجربة الاقتصادية اليومية وما الذي يضمن المردود السريع.‏

على العكس من ذلك, يمثل مجال الأفكار الأساسية الكبرى, التي تعتبر منبع النمو التكثيفي, توسعَ المستقبل المدعو إلى الحاضر. إذا لم يرغب المجتمع في أن يفقد هكذا مستقبل فعليه أن يجد طريقة لدعم منظومة المراكمة السوسيوثقافية هذه, لا بتقديم ضمانات مالية سخية وحسب, بل بضمان حرية الإبداع أيضاً. تدل التجربة اليوم على أن الاختيار بين الرقابة الشمولية ورقابة السوق يفضي إلى طريق مسدودة: إن نوعي الرقابة هذين يقوضان الشروط العامة للمراكمة الروحية, وبذلك يقوضان النمو التكثيفي الموجه نحو المستقبل.‏

على هذا الأساس يمكن التنبؤ اليوم بنزاع جديد بين البرجوازي والنخبة الفكرية. كانا في الفترة ما بعد الشمولية الأولى قد تصالحا على الحرية. لكن, كما تبين, لم يكن"ضليعو الحرية" المحترفون من معسكر فئة المثقفين المبدعين هم من استغل الحرية ما بعد الشمولية أفضل استغلال, بل سريو اقتصاد الظل الخارجون إلى النور, الذين لا شأن لهم بالأسئلة المتعلقة بشروط الحفاظ على الوسط الثقافي وتطويره. وقد غدت الإيديولوجيا الليبرالية المعاصرة حليفة لهذه السرية لأن البند البرنامجي الرئيسي في هذه الإيديولوجيا هو الحد من رقابة الدولة وتدخلها.‏

إن مثل هذا التعريف السلبي الخالص للحرية لا يقول لنا شيئاً عن الشروط الإيجابية لتطور الإنتاج الروحي المعاصر, الذي يلعب دور المراكم المعلوماتي العام. تعني المراكمة في المجال الروحي, مثلها كمثل المراكمة الاقتصادية, زيادة الأفكار والمواضيع غيرالمخصصة من أجل "الاستعمال" الفوري, بل التي تعتبر استثماراً للمستقبل. ليس في وسع السوق من تلقاء نفسها تأمين مثل هذا الاستثمار الروحي – الفكري للمستقبل. فمنظومة عدم التحديد السائدة في مثل هذه الأجواء, كتعليم الشباب العام, وأوقات الفراغ, والعلوم الأساسية والفن, والتأمين المعيشي للمجموعات غير المنتمية إلى عداد السكان المعتمدين على ذاتهم لكن المستوعبة بنشاط للمعلومة السوسيوثقافية, لا يمكن أن تُحل شيفرتها من قبل السوق التي تختبر كل شيء في الدنيا وفاقاً لمعيار الربحية. لذلك يبدو راديكاليو التعاطي السوقي الليبراليون مستعدين ببساطة لتدمير "اختيارية الثقافة" كلها غير القادرة على تقديم الحسابات وفاقاً للجداول المالية.‏

إنهم ينسون في أثناء ذلك أن المجتمع يحكم بذلك على نفسه بتآكل رأسماله الأساسي المتمثل بالحضارة ذاتها بكامل بنيتها التحتية الثقافية – المعلوماتية والديموغرافية والأخلاقية, التي تؤمن ممارساتنا الشرعية كلها. إن هذا الرأسمال المحروم من تعهد خطي من جانب الوسط السوسيوثقافي العام الواقع خارج حدود المؤسسة والمدمَّر حالياً بغير رحمة, قد "يتآكل" في حياة جيلنا. ويتكشف هذا التهديد بأكمل صوره على مستوى المشكلات العولمية.‏

(1( - كارل ماركس, فريدريك أنجلس. المؤلفات. المجلد 46, القسم الثاني, ص135.‏

(2( - المرجع السابق. ص 214.‏

(3( - إيمانويل كانط المؤلفات الكاملة في ستة مجلدات. المجلد 5. موسكو. 1966. ص 323 -324.‏

(4( - كورت غيديل (1906 -1978) عالم في المنطق والرياضيات. ولد في هنغاريا وعاش في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1940. كتب أعمالاً في المنطق الرياضي ونظرية المجموعات. برهن عام 1931 على قضايا القصور (قضايا غيديل) التي ينتج منها عدم وجود نظرية شكلية تامة يمكن فيها البرهنة على قضايا علم الحساب الحقيقية كلها. (المترجم).‏

(5( - يذكر الجميع "إضرابات العكس" حين يعمل الشخص على أساس الإرشادات الشكلية فقط ويبتعد عن القرارات المستقلة المرتبطة بهذا الموقف غير الأنموذجي أو ذاك. تبين أن هذه الدقة الشكلية (التي لا يمكن أيضاً اتهامها بأي خروقات) هي في حقيقة الأمر تخريب, لأن أي عملية إنتاجية ستمر بلحظات تتطلب إبداء مبادرات العاملين المستقلة.‏

(6( - غايدينكو ب. ب. مرجع سابق. ص 363.‏

(7( - تشارلز سنو - (1905 - 1980) كاتب إنكليزي, وناشط اجتماعي. من أعماله السلسلة الروائية الواقعية "الغرباء والأخوة"؛ ورواية "حماة الحكمة" (1974)؛ والرواية البوليسية "الموت تحت الشراع" (1932) وغير ذلك (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 06:08 PM
ـ المشكلات العولمية باعتبارها نقطة انطلاق المستقبل الجديد





تستحق العولمة المعاصرة التعريف المتناقض بأنها منظومة مدعوة إلى حرف الانتباه عن حل المشكلات العولمية. تتطلب المشكلات العولمية قفزة قوية جديدة – تتطلب تحولاً نوعياً في ممارساتنا على أساس اقتحام جديد من قبل المنظومة المسماة "عبقري" (بالمعنى الكانطي للكلمة) للمنظومة المسماة "منتِج". يدمِّر العولميون الحاليون, من جهةٍ, منظومة "العبقري" مفرغين مخازن الثقافات الوطنية, ويمارسون من جهة أخرى إعادة توزيع موارد العالم من أجل رمي هذه الموارد الإضافية في أتون حضارتهم التقنية مخلِّصين إياها بذلك من إعادة الهيكلة التي حان وقت الشروع بها منذ زمن.‏

المشكلات العولمية هي خطر تدمير الوسط الطبيعي والاجتماعي الروحي المتعرض لضغط لم يسبق له مثيل من جانب الحضارة التقنية.‏

تبرز هذه المشكلات كنتيجة لعدم التوافقات التالية:‏

- بين إعادة الإنتاج غير المحدودة للعوامل المنتمية إلى منظومة "التقنية", وإمكانات إعادة الإنتاج المحدودة للمنظومة المسماة "طبيعة"؛‏

- بين إصدار التقنية الصناعي الغزير والتأمين البدائي أو نصف البدائي للمنظومة المسماة "إنسان". إن ملايين البشر يعيشون في ظروف الحياة المنزلية البدائية مستفيدين من خدمات الطب القديم البدائية والتعليم البدائي وما شابه ذلك؛‏

- بين المنتجات الفريدة للثقافة السامية والإصدارات غير المحمودة لمنتجات الثقافة العادية.‏

بالنتيجة يزيح مجال ما هو صادر تقنياً وما هو موضوع على السيور الناقلة, تلك المجالات المتعلقة إما بعطاءات الطبيعة الفريدة أو بعطاءات الثقافة الفريدة ويشوِّهها ويهدِّد, أخيراً, بتدميرها تدميراً تاماً. تجسد هذه العطاءات الأخيرة رأسمال الحضارة نفسه الذي حصل عليه المجتمع الصناعي مجاناً والذي لم تتعلم الرأسمالية عبر تاريخها, الذي صار الآن ممتداً قروناً عديدة, كيف تتصرف به على نحو ملائم. إن هذا الراسمال اليوم آخذ في النفاد أمام أعيننا. تتدمر الطبيعة التي لن تكون في وضع يسمح لها كالسابق بإعادة إنتاج تعايشها الحيوي, الممزق بسبب من اقتحام التقنيات السمية. يتدمر رأس المال الطبيعي في مجال الصحة البشرية وحب الحياة – أي تلك الحيوية الخصوصية أو الولع الذي ميز الأجيال السابقة عن الجيل الحالي المصاب بالوهن العصبي وفقر الدم.‏

يتدمر الرأسمال الأخلاقي المتمثل بالخضوع الإنساني للقانون والشعور بالمسؤولية والثقة المتبادلة, فأصحاب الحياة الحاليون لا يخرقون على نحو منظم هذه الثقة وحسب بل يعلمون أيضاً معاصريهم كيف أن الغدر والفساد سينتصران حتماً على التأدب. إن هذا يضع موضع الشك فوائد التعاون الاجتماعي كلها ويهدد بتدمير معنى التعاون بحد ذاته. كتب عن هذا فرنسيس فوكوياما(1): "... يتفاعل الناس الذين لا يشعرون بالثقة بعضهم ببعض في إطار منظومة القواعد والأحكام الشكلية فقط, التي ينبغي إنتاجها باستمرار, وملاءمتها والدفاع عنها في المحكمة ومن ثم تأمين الالتزام بها بما في ذلك بمساعدة الإجراءات القسرية. تؤدي هذه الأساليب البديلة للثقة كلها إلى ازدياد ما يسميه الاقتصاديون "النفقات الإجرائية". بمعنى آخر, إن تفشي انعدام الثقة في المجتمع معادل لفرض ضريبة إضافية على أشكال النشاط الاقتصادي كلها, يكون المجتمع المتمتع بمستوىً عالٍ من الثقة في غنىً عنها"(2).‏

هل حسب إصلاحيونا هذا الحساب حين أعلنوا عن استعدادهم للاستعاضة عن سلفية الوعي الأخلاقي و"أحاسيسه المفرطة" كلها بالوعي القانوني المعاصر الذي يستبدل بالثقة دعاوى المواطنين؟‏

على حضارات الشرق والغرب أن تعبئ كمونها الإبداعي الثقافي كله في وجه المشكلات العولمية, التي تمس أسس الوجود البشري ذاتها على الأرض – لن يكون في وسع أحد بعد الآن الصمت والنوم طويلاً.‏

السؤال الأول الذي يتبادر في هذا الخصوص: هل نفد الكمون الثقافي لدى الحداثة الغربية, وإلى أي مدى, من حيث المبدأ, سيكون ذا فائدة في تحضير رد مناسب على التحدي العولمي؟ السؤال الثاني: ما هي آفاق مشاركة كمون الحضارات الشرقية الثقافي في هذا الرد؟‏

فلنحاول الإجابة عن هذين السؤالين بالترتيب.‏

في ما يخص الغرب فسيكون لمفهوم "الثقافة الفاوستية" قيمة توجيهية في تحليلنا.‏

إن الهدف النهائي لهذه الثقافة هو التشييئ الشامل, وإفقاد العالم المحيط طبيعيته بأكملها, بتحويله من "شيء في ذاته" إلى شيء من أجلنا, ومن عالم غير مصنوع إلى عالم مصنوع. ينتج من هذا برنامج محدد تماماً لحل المشكلات العولمية وإن كان جريئاً للغاية. يفترض هذا البرنامح في ما يخص الموارد الطبيعية الآخذة في التبخر الاستعاضة الكاملة عن الطبيعي بالصناعي, وعن المادة الأولية الطبيعية ببدائلها. يعني هذا في النهاية الانتقال من الإنتاج الجزئي لعناصر معينة من الوسط الحياتي إلى الإنتاج الشامل لكامل الوسط المحيط بمواصفات معطاة مسبقاً. يجري التعبير عن هذه العملقة التقنية على النحو التالي: "... بما أن الوسط الذي تؤمنه الطبيعة سرعان ما سيكف عن أن يناسب الناس لعدم مقدرته على التعامل مع الضغط البشري المتزايد لذك ينبغي إيجاد الوسائل والأساليب المناسبة لتحويل... أجزاء معينة في البداية, من ثم محيطنا الأرضي بأكمله"(3).‏

ما معنى هذا؟ إنه يعني بالدرجة الأولى إعادة بناء حاسمة لمجمل المجمع العلمي التقني. ما عاد هنا في الإمكان احتمال ذلك الانقطاع السابق بين العلوم الطبيعية والتقنية مثلها كمثل الحفاظ على الوضع الميتافيزيقي التأملي للعلوم عن الحياة. بما أن الوسط الطبيعي هو عبارة عن مجمع "إنتاجي" طبيعي, تتشابك فيه العمليات الجارية في المادتين الحية وغير الحية, فإن هذا التكامل مطلوب أيضاً بين العلوم الطبيعية كلها. ينبغي أن تسبق الأفكار المتعلقة بالصلات بين العضوي وغير العضوي, مثلها كمثل الأفكار المتعلقة بصلات العضوي الداخلية, إنتاجَ المعرفة الصناعية المتخصصة. يدور الحديث عن عودة تناقضية إلى التماسك القديم الذي برز فيه الإنسان والحياة والفضاء ككل مدمج. إن هذا النوع الخاص من الصعود من المطلق إلى المحدد: من "حجارة البناء العالمي" الميتة التي اكتشفتها الميكانيكا والفيزياء في وقت ما, إلى لوحة الطبيعة المظهَرَة تجريبياً, والتي تحيط بنا فيها كليات تحت اسم التعايش الجيوحيوي وتؤثر فينا.‏

في الجانب السوسيوثقافي يعني هذا صدمة هائلة للوسط الإنتاجي المتكون, الذي سيكون عليه أن يكابد من تدفق الأفكار غير الاعتيادية (والأناس غير الاعتياديين) من الخارج. تخاطر منظومة الإنتاج بأن تلك الأفكار والممارسات ذاتها التي كانت هامشية وموضوعة, عادةً, خارج نطاق عمليات اتخاذ القرار, قد تصير مركزية وتفرض سلوكاً جديداً في الإنتاج. أما الوسط الاستثماري فيغامر بدوره بأن تتحول تلك الموارد الطبيعية ذاتها التي تحتاج إليها عملية الإنتاج باعتبارها مجانية إلى عوامل إنتاج مدفوعة الثمن فتؤثر على التكلفة. طبعاً, يمكن أن يلتقي هنا قلق رب العمل مع قلق المستهلكين غير المستعدين لتمويل النفقات البيئية المضافة.‏

لكن الوسط العلمي الأكاديمي يغامر أيضاً بطريقته الخاصة: تغامر حرياته الأكاديمية التقليدية كلها, مثلها كمثل حرية الخيال الإبداعي, بأن تغدو بين فكي كماشة الانضباط الإنتاجي التكنولوجي الجديد, المنبثق عن التحام العلم بالإنتاج. إن مثل هذه التطورات متوقعة أيضاً في المستوى التالي الخاص بالعلوم عن الإنسان وآفاق تحول الأشكال السلوكية التي ما زالت اختيارية إلى أشكال مفروضة وممولة وخاضعة للمراقبة إنتاجياً.‏

إن ارتجالاتنا اليومية التي تمس وجودنا وتعاملنا اليومي واختيار الزوج وقضاء أوقات الفراغ وما شابه ذلك تغامر بأن يحل محلها سلوك معلل عقلانياً تفرضه متطلبات الفاعلية. فمثلاً, تنحصر عملياً اهتماماتنا بصحتنا اليوم من جهة في زيارات إلى الطبيب غير خاضعة لمراقبة أحد, ومن جهة أخرى في حِرفية ذاتية في مجال العلوم الصحية والتمارين الرياضية والجري في الصباحات وما شابه ذلك. لكن إذا تبين في نهاية المطاف أن هذه الإجراءات البدائية غير المضبوطة كلها لا تسمح بتأمين المستوى المطلوب لإعادة إنتاج مقدرتنا على العمل وتنفيذ الواجبات الاجتماعية الأخرى فإن العلم الكبير سينشغل بإعادة إنتاجنا الديموغرافي والفيزيولوجي النفسي, وسيكون مدعواً لوضع عوامل إعادة الإنتاج الحساسة هذه على السيور الناقلة.‏

لا ينبغي الظن أن استبداد العقلانية العلمية هذا سيتخذ حتماً أشكال الرقابة والضبط الحكومي الإجباري. إذ من الممكن أن تنتقل حذلقة هذا الضبط عديمة التفكير إلى المجتمع المدني الرافض قبول أي أفراد غير مكتملين جسدياً أو تأمينهم, أو قد تنتقل إلى الأفراد ذاتهم إذا قدِّر لهم النفاذ إلى عمق هذه الحذلقة وتحويل معاييرها القاسية إلى ضوابط ذاتية يومية.‏

على هذا النحو يهدد برنامج الانتقال "الفاوستي" من الإنتاج الجزئي إلى الإنتاج العام الشامل لجميع شروط وجودنا على الأرض بتقديم الإنسان بكامله ديَّةً للعقلانية العلمية التي ستتدعم ادعاءاتها بالمصادقات الاقتصادية والإدارية والسوسيوثقافية الفاعلة.‏

هنا يعاد إنتاج مفارقة دوستويفسكي بطريقة خاصة: الحرية الفاوستية غير المحدودة, التي لا تعرف أي حواجز أو قيود طبيعية, قادرةٌ على أن تنتهي إلى تسلط غير محدود للعقلانية العلمية التي لا تطيق أي انحرافات أو ارتجالات خاصة. إذا كان المجتمع المتكون في عصر الحداثة الكلاسيكية منظومةً ذات برمجة جزئية تبقي تحت تصرفنا الخاص مسائل لا تنتمي إلى المجال الإنتاجي الضيق, فإن مجتمع الحداثة الناضجة المتصدي لتحدي المشكلات العولمية قد يصير منظومة ذات برمجة كاملة وشاملة كل شيء, بما في ذلك تجليات الحياة غير الإنتاجية كلها.‏

وهكذا, فإننا أمام خيارين. إما الإبقاء على كامل الرأسمال الروحي والاجتماعي اللامحدود من حيث المبدأ, والذي نمته الحضارة عبر مسيرة تطور التاريخ والثقافة الطويل, في وضع اللعبة السوسيوثقافية الحرة والاختيارية, التي تغيرنا, طبعاً, وتغنينا - لكن من غير "برنامج كبير" مرسوم مسبقاً - وحينئذ سنستمر في الوجود باعتبارنا قاطنين لهذه المعمورة, خالين من الهموم, ومستخدمين لهِبات الطبيعة والثقافة, وإما أن نحول النخبة الإبداعية المتنوعة من "البوهيميا" الحرة إلى "منتجين عولميين" مثقلين بهَمِّ فرض دورة إعادة إنتاج شاملةٍ كلَّ شيء, بما في ذلك وسط الحياة, وكذلك المجالات الديموغرافية والمعيشية – الأسرية وأوقات الفراغ.‏

يبتعد الغرب المعاصر عن هذا الأفق الشمولي بطريقة غير قانونية: عن طريق الاستخدام المجاني لموارد الكوكب التي حصل عليها في أثناء إعادة تقسيم العالم من جديد. وتستند ليبراليته, المخصصة منذ الآن من أجل الاستخدام الداخلي الخالص, إلى الاستعمار العولمي الجديد. لا زالت حاضرة في ذاكرة الجميع تلك الصدمة التي تعرض لها الغرب بنتيجة الحظر النفطي الذي فرضته الدول العربية عام 1973. لقد أدى هذا الحظر, الذي حد على نحو ملحوظ من وصول الحضارة التقنية إلى الموارد الطبيعية الرخيصة, إلى حدوث تطور شديد جديد في الاقتصاد الغربي, وإلى تطوير تقنيات توفير الطاقة. لكن هذا الحظر قد جر وراءه سلسلة كاملة من محاولات برمجة السلوك اليومي لا لطبقة المستثمرين فقط, بل المواطنين العاديين أيضاً, الذين داهمتهم موجة "العقلانية القدروية".‏

لقد وحد الخوف من هذه العقلانية, التي تفوح منها رائحة شكل خصوصي من الشمولية, الإنسان الغربي والنخبة الفكرية وطبقة المستثمرين بطريقة خاصة. لقد خاف الإنسان العادي على مستقبل المجتمع الاستهلاكي الذي لم يهده مجموعة من الخيرات المادية وحسب بل رفاهيةً لذوية خصوصية شجعت على "الطلب الاقتصادي". وخافت طبقة المستثمرين من نفقات الإنتاج الجديدة, المرتبطة بالاقتصاد في الموارد الأولية والطاقة والمرتبطة بالاعتمادات ودعم التوازن الطبيعي. لو تم حساب نفقات الإنتاج البيئية بأكملها لتجاوزت جميع النفقات التقليدية المرتبطة بشراء المعدات والقوة العاملة والخدمات الإدارية. أما ما يخص النخبة الفكرية المبدعة فإن ما أخافها هو أفق التحول إلى وسط الخبراء – التقنيين الانضباطي, المعبَّأ على غرار القوة العاملة العادية وإن كانت متمتعة باحترام كبير.‏

لهذا السبب بدت هذه المجموعات الثلاث مستعدة لقبول النظام العالمي أحادي القطب, الذي يَعِدُ بنقل الكوكب إلى يد الغرب, ولقبول لوحة العالم العرقية الجديدة التي تبرر حقوق المستعمرين الجدد استناداً إلى عدم أهلية الشعوب غير الغربية لأن تكون سيدة على أراضيها ومواردها.‏

على هذا النحو, تغدو الليبرالية المعاصرة, بخلاف الليبرالية الكلاسيكية, مرتبطة في الغالب بالبرنامج الاقتصادي الانتشاري. يمثل هذا البرنامج تراجعاً عن مشروع المجتمع ما بعد الصناعي المؤسس على تعبئة موارد الحضارة الروحية الفكرية الجديدة (العلم, التعليم, الثقافة), وعودةً إلى المجتمع الصناعي الجماهيري, حيث يشعر البرجوازي أنه في منزله. لقد بدأ ينشط من جديد ذلك التحامل البرجوازي القديم على الممارسات الروحية غير النفعية, التي تعتبر ثمارها إشكالية وغير قابلة للحساب حساباً جيداً, متخذاً شكلاً نقودياً وتجارياً جديداً. باختصار, لقد انسحب فاوست الغرب أمام القرصان البرجوازي الذي يفضل السيولة الرنانة على أي اتكال على الروح والوجدانية.‏

لم يعد المجتمع الاستهلاكي الغربي يأمل منذ الآن بأن يقتات من مائدة العلم الكبير بقدر ما يأمل بالحصول على الحصص الاستعمارية المعتادة. إننا لم ندرك بعد عواقب هذا الانقلاب بكامل حجمه. فالحديث يدور عن العودة الجديدة من المجتمع ما بعد الصناعي, الذي تتغذى قدراته الكامنة على الثورات العلمية, إلى المجتمع الاستعماري المرتبط باستغلال الموارد المنتزعة من الشعوب غير الغربية الفاقدة سيادتها الوطنية الاقتصادية. ومع الحديث عن النظام الديمقراطي العالمي صمت أولئك الذين رفعوا صوتهم من أجل حماية الطبيعة.‏

لم يعد الغرب يستمع إلى الدعوات إلى إعادة البناء النوعية والإنتاج البيئي, وإلى رفض التقنيات القاسية لصالح التقنيات الوديعة, وفرض الحصص البيئية وما شابه ذلك. والأدق, هو أن هذه البرامج كلها ما عادت الآن تكتسب طابع التطور النوعي, بل طابع إضفاء التصحيحات الجزئية على المخطط الصناعي الكلاسيكي, والمستخدمة في "الفضاء الخاص" فقط. ما الحاجة إلى تمويل إعادة بناء الحضارة التقنية الباهظة, حين يضع النصر في "الحرب الباردة" تحت تصرف هذه الحضارة موارد ضخمة جديدة. ما الحاجة إلى التفكير بتقنيات معالجة النفايات السامة إذا كان ممكناً إخراج هذه النفايات إلى فضاء الأطراف العالمية غير المحمية!‏

باختصار, عوضاً عن انطلاق البشرية كلها العولمي إلى زمن مختلف نوعياً جرى من جديد فصل البشرية في الفضاء.‏

بقي فضاء الأقلية ليبرالياً ليس لأن عبقري الغرب الفاوستي قد فتح إمكانات جديدة جوهرياً, بل لأن الطاقة "اللاليبرالية" غير المستفاد منها - المرتبطة بالقيود والفقر والممارسات التسلطية والإجرامية والإبادة الجماعية والإبادة العرقية ترمى إلى الخارج, إلى فضاء الأطراف.‏

يلح على الذهن الاستنتاج التالي: وحده النضال الجديد ضد الاستعمار وتضامن كل من يعاني من استبداد "القطبية الأحادية" قادران على وضع الغرب أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إيجاد منابع جديدة للانطلاقة الفاوستية نحو المستقبل, أو أن يرفض التساهلات مع المجتمع الاستهلاكي وينتقل إلى منظومة التقشف القسري إلى حد ما. أو, بكلمات أخرى: إما أن يحول الغرب من جديد برنامج خلاصه المنفرد إلى برنامج عمومي يمس شعوب الأرض كلها, أو أن ينتقل من الشكل الفاوستي لأسلوب الإنتاج التجديدي غير المستقر إلى استقرار جديد على النمط الشرقي القديم.‏

من الواضح تماماً أن لا هذا ولا ذاك ممكن الحدوث بالشكل الكامل. فعبر تاريخ الحداثة الأوربية الذي يعد الآن قرابة 600 سنة لم يستطع البرنامج الفاوستي الغربي أن يبرهن عموميته على أرض الواقع. كل مرة يبدأ فيها الجيل الجديد التالي يؤمن بانتصار التقدم النهائي وبمعركته الأخيرة مع قوى الظلام والتخلف والفقر يتلبد أفق هذا التقدم بالغيوم, ويغدو من جديد كل ما خيل أنه صار أخيراً مخصصاً للجميع متاحاً لنطاق ضيق من الأتباع. تستبدل دورياً بأطوار الاندفاع المؤقت نحو المستقبل أطوار إعادة التقسيم الجيوسياسي للفضاء, ويغدو تاريخ الحداثة كله دورياً ومتقطعاً على نحو دراماتيكي.‏

عدا ذلك, وكما رأينا سابقاً, فإن الاندفاع الفاوستي الجديد محفوف بعواقب ستطال أيضاً مجتمع الغرب اللذوي نفسه غير المستعد لها استعداداً حقيقياً. إن البنية الفرعية التي رمزنا لها بـ "العبقرية" – أي مملكة النخبة المبدعة بكل ما تحمله من مخيلة إنتاجية غير خاضعة للوصاية - ستهدد الغربَ إذا ما تم تسخيرها تسخيراً شاملاً في بناء تقنيات جديدة نوعياً وفي دورة الإكثار الجديدة, التي تشمل هذه المرة الحياة الاجتماعية كلها, بشبح "المجتمع المبرمج", الذي حذر منه "اليساريون الجدد". يهدد مستوى الحرية التكنولوجية الجديد نوعياً بأن ينقلب إلى تجنيد علمي تقني جديد للمجتمع كله يذكرنا إلى أبعد حد بالممارسات الشمولية المعروفة. باختصار, إضافة إلى ما يتطلبه الاندفاع الفاوستي الجديد من جهود إبداعية ليست مستعدة لها اليوم ثقافة الغرب المتراخية لذوياً فإنه محفوف كذلك بالإحباط الشمولي.‏

تبين أن وضع العالم المعاصر مزدوج المعنى إلى أقصى حد. فمن جهة يهدده خطر الانحطاط الإمبراطوري الاستعماري الجديد للديمقراطيات الغربية المتحولة أمام أعيننا إلى مجتمع فصل عنصري عالمي يحظر في غيتو الأطراف العالمية الممتلئة أملاً والمخدوعة.‏

ومن جهة أخرى يهدد الغربَ, في حال التجنيد الفاعل الجديد لروح الإبداع الفاوستي, خطرُ الخضوع لطائفة المراقبين العلميين – المعقلِنين الجديدة, الذين يصونون أي مجموعات اجتماعية من الارتجالات غير الاحترافية, ويهدد الأطرافَ غير الغربية خطرُ الخضوع للمسيحيانية الغربية كلها باعتبارها "منظومة خبرة" كاملة تعلم "الهواة" جميعهم السوق والديمقراطية مقابل تخليهم عن السيادة الوطنية. ينبغي القول إنه ليس ثمة فرق كبير للعالم غير الغربي بين هذين الأفقين: فمصيره في الحالين معاً هو مصير "الموضوع" العالمي الذي لا تميل الجهة التي تشغل موقع "الذات" العالمية إلى أن تقيم له وزناً.‏

صيغة السؤال الآن هي التالية: أي نمط تحديداً أو نطاق من الثقافة يلعب اليوم دور البنية التي تغذي "العبقرية" – أي دور مولدة الأفكار الجديدة نوعياً, غير المتماشية مع قياس الآمال والممارسات المتكونة؟‏

ألم يحدث أن أعيد بناء الثقافة الغربية كلها على طراز "المعارضة المنظومية" التي لا زالت قادرة على تحريض حركة النواس داخل المنظومة المتكونة, لكنها صارت عاجزة عن فتح آفاق جديدة نوعياً تتخطى حدود ما تم إقراره مسبقاً من قبل هذه المنظومة المتكونة. لقد ظل يخيل حتى وقت قريب للطليعة اليسارية في الفن, مثلها كمثل الطليعة السياسية اليسارية (الحركة الشبابية والنسائية وحركة "الخضر" وما شابهها) أنها قادرة على هز العالم وأن تولد ثورة معادية للبرجوازية أكثر راديكاليةً من الشيوعيين الذين انتقلوا إلى موقع الواقعية السياسية المزدراة.‏

صارت الطليعة الآن مدجنة كلها إلى حد ما ومستكينة, وهي تلعب جزئياً دور "الفوضى الخاضعة للسيطرة" المقرر مسبقاً أو دور فتحات التهوية لجميع تلك القوى التي تختنق في عالم النظام المنظوماتي العمومي. وما ينتج هو أن مصير تلك المعارضة التي لا تموَّل بطريقة ما من الأعلى هو التهميش والاضمحلال, أما تلك التي تموَّل لسبب ما من هناك فتجبرنا على الشك بعذريتها وبأصالتها. ويبرز السؤال التالي, هل سلمت حتى الآن في العالم طبقات ثقافة لم توضع اليد عليها ولا تزال في نزاع مع منظومة الإنتاج العالمية المسبوكة وفاقاً لمعايير الحضارة التقنية الغربية, أو حضارة السوق إذا شئنا استعمال التسمية الذاتية الأحدث؟‏

إن طبقات الثقافة وأشكالها كلها التي انصبت في هذه الحضارة وأعيدت معالجتها فيها ما عادت قادرة بالمعنى العام على أن تكون منابع للنمو التكثيفي أو جديداً منظوماتياً نوعياً. إنها تعتبر في حقيقة الأمر كلها, وقد وضعت اليد عليها, عوامل إضافية للنمو التوسعي أو إعادة الإنتاج الموسعة للطراز الحضاري المتكون. وهكذا, ألا يعتبر هذا الصراع كله ضد العقلية الأخرى وضد السلفية الخطرة والإرث الثقافي - التاريخي السيىء صراعاً في الواقع من أجل إدامة نظام الإنتاج الحضاري الغربي الحالي, غير الراغب في أن يتغير بغض النظر عن أعراض شيخوخته الواضحة التي تشهد عليها المشكلات العولمية؟‏

بكلمات أخرى, وخلافاً للإعلان المتباهي عن الانفتاح الديمقراطي والتعددية وما شابه ذلك, تعتبر المنظومة الغربية المنتجة والسوسيوثقافية مغلقةً منذ وقت بعيد ومتعددة المنطق وغير قادرة على التصحيح الذاتي الملموس. يظل "الآخر" مخيفاً وغير مقبول ما دمنا لا نستطيع أن نجد وإياه لغة مشتركة, ولا نستطيع أن ننخرط معه في حوار بناء بخصوص المشاكل التي تعتبر عامة حقاً (فالمشكلات العولمية تسمى عولمية لأنها تمس الجميع فعلاً). الآخر الذي صار شريكاً هو في الواقع أكثر فائدة بكثير من الموالين منذ البداية, لأنه يجلب إلى حصالتنا الكوكبية العامة تجربته الجديدة في نظرنا ومعلومته وموارده. لكن ليتحقق فعلاً تحول الآخر الغريب إلى شريك علينا, نحن, أن نكون منفتحين بما يكفي, وقادرين على سماع الصوت الآخر وأن نجعله دافعاً للتصحيح الذاتي الجوهري.‏

وهكذا, ما الذي يستحق اليوم أن نخاف منه حقاً, نحن الواقفين أمام تحدي استمرار حياة الكوكب: هل نخاف من حاملي التجربة الثقافية الأخرى الذين لم توضع اليد عليهم بعد, والذين يهددون اكتفاءنا الذاتي, أم, على العكس من ذلك, نخاف من أنهم قد يندثروا باعتبارهم منابع للبديل الذي ربما يكون منقذاً؟‏

طبعاً, قد يتم تقبُّل الثقافة الأخرى باعتبارها تجسيداًَ لكل ما هو لاعقلاني وخال من الأفق. لكن تجربة تاريخ البشرية كله تشهد على أن ارتقاء الثقافة كله وتعاقب التشكيلات الثقافية قد تأسسا على تحول ما ظهر سابقاً على أنه لاعقلاني إلى منبع لإعادات البناء الداخلية المثمرة. ضمن هذا الأفق يمتاز اللاعقلاني عن المعقلَن والذي وضعت الأيدي عليه بأنه يحافظ على طاقته الطازجة وديناميته, اللتان توشكان على النفاد في مراكز المعمورة الانحطاطية.‏

هنا سينفعنا كثيراً الفارق الذي أوجدته الفلسفة الألمانية الكلاسيكية بين العقلانية المسطحة والعقل.‏

"الفارق الرئيسي بين الإدراك والعقل هو تحريم التناقض في مجال الإدراك والسماح بالتناقضات في مجال العقل"(4).‏

إن تاريخ الثقافة الغربية ما بعد التنويري كله (بعد القرن الثامن عشر) هو في الواقع تاريخ بحث عن منابع جديدة للطاقة السوسيوثقافية, من أجل العثور على "لاعقلانيات" لم توضع يد عليها بعد, تواجه العقلانية البرجوازية لكنها قادرة على التصالح مع العقل. يبرز العقل ضمن هذا السياق باعتباره مرجعية تعمل ضد إملاء العقلانية النفعية البراغماتية, التي اكتشفت في الإطار الأسمى وطويل الأمد قصر نظرها وأنها تفضي إلى طريق مسدودة.‏

ابتداءاً من الرومانسيين وحتى وقتنا هذا اعتبر الفن واحداً من المنابع الرئيسية للطاقة السوسيوثقافية. وقد برز هذا الفن باعتباره مقولة جمالية تحتاج إلى فك شفرتها بلغة علم الاجتماع. لقد عنى هذا محاولة إيجاد إجابة دقيقة عن أي مجموعات تحديداً في المجتمع يمكن اعتبارها حاملةَ التجربة الجمالية التمردية الرافضة اللعب وفاقاً لقواعد البرجزة, وقادرة على ابتكار قواعد جديدة نوعياً. لقد تغذت إلى حد كبير بطلب البحث عن الكمون التمردي هذا الاتجاهات الجديدة في علم الاجتماع – علم اجتماع أوقات الفراغ, علم اجتماع الشباب, علم اجتماع النساء والأقليات الجنسية وما شابه ذلك. لقد بحثت أشكال علم الاجتماع المتنوعة هذه كلها عن تجسيد "الإنسان اللاعب", المختلف عن ضيِّق الأفق البرجوازي المنتهي أو "إنسان المنظمة" (الإدارة) المتواجد في خدمته. وحلت ذروة هذه الآمال ولا شك عام 1968 في زمن الثورة الشبابية العالمية التي اجتاحت بعد فرنسا أوربا الجنوبية وأمريكا الشمالية.‏

فهمت المؤسسة الغربية الحاكمة في الوقت المناسب أنها لن تكسر هذه الموجة بالتنكيل المحض. فكانت ثمة حاجة إلى الدمقرطة الداخلية وإلى إفقاد هذه الثورة السوسيوثقافية وجهتها. وقد نفَّذت فلسفة ما بعد الحداثة هذه المهمة كما أشرنا في القسم الأول من كتابنا هذا. لقد أمسكت بالمشاركين في الاحتجاج "الثقافي المضاد" من تناقضهم: إذا كانت عقيدتكم في الحياة هي اللعب كأفراد مخالفين تماماً للتنفيذية العقلانية والجدية البرجوازية فليس ثمة لزوم لأخذ اللعبة ذاتها مأخذ الجد والولع بها إلى حد كبير. يفترض مبدأ اللعب المنهجي التباعد الداخلي المستمر - بما في ذلك عن اللعبة ذاتها. هكذا أرسي أسلوب تحييد حركات الاحتجاج عن طريق مَهْرَجَنَتِها وبوساطة سلوكيتها الاشكالية اللعوبة المقصودة, و"سخريتها من ذاتها". ومات الاحتجاج مقتولاً بالسخرية ما بعد الحداثوية.‏

وهنا ربما اكتشف سر الثقافة الرئيسي. تبين أن طبقات الثقافة وأشكالها هي وحدها التي تنفع للعب دور معيدةِ بناءٍ الأنموذجات القياسية لممارساتنا, بما فيها ممارساتنا اليومية التي حافظت على وجود النبض الديني الكبير فيها – أي الإيمان الملتهب والأصيل وإن اكتسب أشكال الحماسة السياسية والعلمية والاحترافية المتحولة, والسعي إلى إبداع كل ما هو جديد حقاً .‏

إليكم ما كتبه بهذا الخصوص ج. أورتيغا – إ – غاسيت: "ليس مصادفة أن اللاهوتيين يقيمون فرقاً دقيقاً بين الإيمان الحي والإيمان الميت؛ إنه ينفعنا في فهم الكثير مما يجري الآن. عموماً, إنني أفضل أن أصوغ هذا الفرق على النحو التالي: إيماننا حي حين يكفينا هذا الإيمان كي نحيا, وإيماننا خال من الحياة وميت حين لا يعود قادراً على التأثير على حياتنا على الرغم من أننا نظل متمسكين به ولا نتخلى عنه ومن أننا نستطيع الإعلان بصدق تام عن وفائنا له"(5).‏

ضمن هذا الأفق تُقدَّم لنا على نحو جديد تماماً شروط القفز إلى مستقبل مختلف نوعياً, وكذلك تقدم المقدرة على اكتشاف هذا المستقبل ذاتها. عادةً حين يبحثون عن مرسلي التقدم ومستطلعي المستقبل يتجهون نحو من نجح أكثر من غيره وفاقاً لمعايير المجتمع البرجوازي فائق التنظيم مع كل ما يحمله من مقاييس تمس المكانة والمرتبة المهنية والتكيف مع المتغيرات وما شابه ذلك. لكن إذا أدركنا أن الشرط الرئيسي للاندفاع نحو مستقبل مختلف نوعياً هو الإيمان الذي يضمن الخدمة الجادة للمثل ويضمن جدية البحث الروحي المليء بالتوتر فإن علينا أن نبحث عن المبشرين الحقيقيين بالمستقبل في مكان آخر. تزداد فرص البحث عنهم ازدياداً حاداً في الثقافات التي لا زالت محتفظة بالإيمان الديني الملتهب أو على الأقل بطاقته ذاتها المتجلية بأشكال متحولة من الحماسة العملية الفاعلة التي تسيطر على حياتنا اليومية كلها.‏

وهكذا, فإن ما يلعب دور البنية المسماة "عبقرية" - أي دور منبع الممارسات الجديدة نوعياً غير المقرر مسبقاً وغير المتوقع, هو فقط "منظومات" الثقافة التي تمتاز بخصوصيتين هامتين متماثلتين: التي تعتبر مختلفة اختلافاً كافياً عن أشكال التجربة الحضارية السائدة المعتادة (أي الغربية) وفي الوقت نفسه لا يبرز اختلافها هذا ذاته تحت عنوان الغرابة التي تتاجر بنفسها بل تحت راية الجدية والأصالة الدينية.‏

(1( - فرنسيس فوكوياما (1952) فيلسوف أمريكي. عمل عام 1989 عضواً في مجلس تخطيط السياسة في الإدراة الأمريكية. وقد شارك في عداد الوفد الأمريكي للمفاوضات المصرية الإسرائيلية حول الدولة الفلسطسينية في العامين 1981 - 1982, وشغل في الفترة بين 1996 و2000 منصب بروفسور في السياسة الحكومية في مدرسة السياسة الحكومية في جامعة جورج ميسون. (المترجم).‏

(2( - فرنسيس فوكوياما. الثقة: الفضائل الاجتماعية وبناء الرفاهية// الموجة ما بعد الصناعية الجديدة في الغرب. موسكو, 1999. ص 136.‏

(3( - الماركسية اللينينية ومشكلات المعاصرة العوامية. الطبعة الثانية. موسكو, 1984. ص 355.‏

(4( - أفتونوموفا ن. س. الإدراك. العقل. العقلانية. موسكو 1988, ص 131.‏

(5( - ج. أورتيغا - ي –غاسيت. ما معنى الفلسفة؟ موسكو. 1991. ص 194.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 06:11 PM
ـ تكامل منظومتي الشرق والغرب باعتباره شرطاً للثورات العولمية الثقافية الاجتماعية






درس توماس كون(1) الاختصاصي الأمريكي المعروف في مجال علم مناهج الأبحاث العلمية بنية الثورات العلمية, وقد بين أن من الضروري للكشف عن حقائق جديدة تغيير "العدسة" ذاتها, التي تتقبل الأسرة العلمية المتكونة الواقع المدروس من خلالها. سمى توماس كون هذه "العدسة" أو منظومة التوقعات المسبقة المترسخة مفاهيمياً هذه أنموذجاً قياسياً علمياً. على هذا النحو ينتصب بين العالم باعتباره "شيئاً في ذاته" ووعي العالِم المحب للاطلاع وسيطٌ يشكل شيئاً ما شبيهاً بالأسرة العلمية "الجماعية - غير الواعية" - أي مخططاً سائداً من التصورات. وكل ما يقع خارج إطار هذا المخطط يسقط ببساطة من نطاق الاهتمام النشط لدى العالِم ولا يلحظه.‏

بعد ذلك, تبدأ تتسجل - في مكان ما في الأطراف أو عند التحام العلوم - حيث يضعف عادة تأثير الأنموذج القياسي العلمي الرقابي حقائق لا تجد لنفسها مكاناً في النظرية السائدة. وقد سماها ت. كون شذوذات. "يبدأ الاكتشاف من إدراك الشذوذ, أي من إثبات حقيقة أن الطبيعة قد أخلت على نحو ما بالتوقعات التي جاء بها الأنموذج القياسي والتي توجه تطور العلم الطبيعي"(2).‏

إننا نقصد في هذه الحال أمراً أوسع نطاقاً من العلم "الطبيعي" المعاصر. إننا نعني الحضارة الغربية التي تعتبر نفسها المنظومة السوسيوثقافية الطبيعية الوحيدة التي تكوِّن أناساً صحيحين أو ملائمين.‏

لكن تتكاثر في العالم المعاصر كمية من الشذوذات الواضحة - أي الحقائق التي لا تجد بوضوح مكاناً لها في منظومة المعايير والتوقعات السوسيوثقافية الغربية. تعتبر المشكلات العولمية الأوسع نطاقاً من بين هذه الشذوذات. ويذكرنا الحديث عنها في الغرب المعاصر بأحاديث المثقفين السوفييت "في المطابخ" في ذلك الزمن المعروف. لم يَنْفذ هذا الهمس القلق قط إلى قنوات الاتصال الرسمية ولم يصر إلى دافع من أجل اتخاذ قرارات عملية. وتعتبر اليوم المعرفة عن المشكلات العولمية من مثل هذا النوع نفسه من المعرفة غير الرسمية وغير المصادق عليها. إذ أن منظومة القرارات والممارسات السائدة تخرجها من مجال اهتمامها باعتبارها حقائق "غير موجودة" لا يمكن تقبلها كدوافع من أجل التحويل الجدي. لقد أضيفت اليوم إلى عداد مثل هذه المشكلات العولمية مشكلة جديدة - هي مشكلة "العالم الثاني" السابق. حدث مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات اختلال شامل في توازن هذا العالم محولاً إياه إلى كيان هامشي غامض. افترض علم الديمقراطية الغربية "الطبيعي" (مثله كمثل "الاقتصاد الطبيعي" وما شابه ذلك) في البداية أنه قادر تماماً على التعامل مع هذا الهدف المعني بعد أن يزوده بتقنيات التغييرات الذاتية المبرمجة.‏

الآن, وبعد مضي عشر سنوات, يمكننا أن نقر بأنه قد بالغ في إمكاناته - فالهدف يسلك بوضوح سلوكاً "خارجاً على القواعد". كان يمكن, إبداعياً, اعتبار الاعتراف بأن العلم "الطبيعي" قد شاخ و يحتاج إلى تغيير أنموذجه القياسي هو ردُّ فعلٍ شجاع. لكننا نرى اليوم شيئاً مغايراً: لقد استاؤوا ببساطة من "الطبيعة" ما بعد السوفييتية لأنها تسلك سلوكاً مخالفاُ للقواعد ولأنها بدت فاسدة ومريضة وما شابه ذلك.‏

باختصار, واضح أنهم غير مستعدين لتغيير أنموذجهم القياسي - إنهم يفضلون الاستياء من الحقائق. في الواقع بهذا تحديداً ترتبط ظواهر التهميش العولمي الحالية لذلك القسم من المعمورة الذي لا يدخل في عداد "المليار الذهبي". تُخرِج المنظومة الفرعية الإقليمية السائدة, التي تعتبر نفسها المنظومة "الطبيعية" الوحيدة, أغلبية الكوكب خارج إطار ما هو شرعي أي ما هو معترف به وملزِم بعلاقة عادلة وجادة. يجري تقويم الفضاء الذي تسكنه هذه الأغلبية على أنه "فوضى" - أي شيء ما يقبع وراء حدود التقبل الطبيعي, وبالتالي وراء حدود الحلول الطبيعية أيضاً.‏

لقد اقتربنا من النقطة المفصلية الحرجة. لا العقل النظري الغربي الرافض تغيير جهازه المفهوماتي, ولا العقل العملي الرافض تغيير منظومته الأخلاقية الحقوقية التي يعترف بها مستعدان لتغيير الأنموذج القياسي الحازم من الداخل بحيث لا يُخرجان من نطاق اهتمامهما العالمين "الثاني" و"الثالث". سوف تفضل الحضارة الغربية إما الانعزال عن العالم المعترف بأنه "غير طبيعي" وإما, ببساطة, تدمير هذا العالم, على أن لا تتغير هي ذاتها. لقد طرح الغرب في وقت ما برنامجه الوضعي الكبير لتنظيف ثقافته الخاصة من جميع الشوائب الميتافيزيقية التي فيها - أي من مخلفات العلاقة غير الذرائعية وغير التكنولوجية تجاه العالم. ليس الفولكلور الشعبي وحده, بل كان على الأدب الكلاسيكي والفن التشكيلي والفلسفة بوصفها "علماً غير صارم" أن تفسح المجال للمعرفة الوضعية الخالصة المتحولة تحولاً مباشراً إلى تكنولوجيات فاعلة.‏

عنى الانتصار في الحرب الباردة الذي تم على خلفية تكتل الغرب تكتلاً غير مسبوق في وجه التحديات الكبرى, أن برنامج الوضعية الكبير بخصوص الغرب ذاته قد نفِّذ. أما المناهضون - حملة أشكال الذهنية التنكيلية - فاحتاروا أمام هذا الانتصار الهائل. ويرى المنتصرون الأن مهمتهم في إدامة معيارهم الحضاري باعتباره معياراً "طبيعياً" لا يخضع للمنطق القياسي.‏

سيتعرض ببساطة للدمار كل ما يقع وراء حدود هذه الطبيعية, وكل ما هو مظلم وغير مفهوم وفوضوي. لا تعني عسكرة الغرب الحالية التي تبدو غامضة إلى حد كبير بسبب من انعدام المنافس العولمي إلا أمراً واحداً: يرفض الغرب إعادة بناء منظومة "علمه الطبيعي" ويفضل ببساطة أن يزيل من الوجود ذلك الجزء من العالم الذي لا يجد هذا العلم نفسه قادراً على تفسيره ولا أن يضع يده عليه.‏

لتجنب هذا الأفق القاتل - أي حرب الغرب العولمية مع اللاغرب حتى الموت لا توجد طريق أخرى غير إعادة صياغة الأنموذج القياسي الحضاري الغربي.‏

قامت الثورات العلمية - التقنية داخل الغرب ذاته على أساس تكامل العلم مع الإنتاج. تختفي وراء هذه الإقرار العجول دراما سوسيوثقافية مرتبطة بالتقاء نمطين مختلفين اختلافاً نوعياً من الأوساط - الوسط الإبداعي والوسط الإنتاجي, ثم بتصادمهما, ومن ثم باعتراف أحدهما اللاحق بالآخر. يعيش أحدهما "بالحدس" ويعيش الآخر بانضباط ونظام تقني إنتاجي مضبوط. لا يولِّد الإنتاج تقنيات جديدة باعتباره تحديداً وسطاً منظماً عقلانياً, وإنما يستعيرها من الخارج, من المنظومة التي تعتبر المقولات الثنائية عن الحرية الإبداعية والمغامرة عقيدتها الداخلية.‏

نستطيع الآن في المستوى العولمي أن ننظر إلى المنظومة الحضارية الغربية الكبرى باعتبارها إنتاجاً منضبطاً كبيراً, متوطداً وفي الوقت نفسه مشلولاً بالتزامه الداخلي. ووحدها ثقافة الشرق (والأدق ثقافة اللاغرب) هي القادرة اليوم على لعب دور الوسط الابتكاري الخارجي لهذه المنظومة.‏

تذكرنا تلك النعوت المهينة كلها التي يصف بها الغرب المعاصر هذه الثقافة في بعض جوانبها بلعنة العقلانية البرجوازية الموجهة إلى "بوهيمياها" السوسيوثقافية. لكن لولا هذه "البوهيميا" لتجمدت المنظومة الحضارية الغربية منذ زمن متحولة إلى شيء ما شبيه بأسلوب الإنتاج الأسيوي القديم "الثابت" الذي يُقمع فيه كل جديد قمعاً متحذلقاً.‏

يبرز اليوم أمر مماثل على النطاق العولمي. يعني انتصار الغرب البيرّاوي(3)على المعارضة الخاصة المناهضة للنظام وتعاضده الشامل في المرحلة الأخيرة من الحرب الباردة أمراً واحداً: على الغرب منذ الآن أن يبحث عن منبع التطورات القياسية النوعية خارجه - أي في ثقافة اللاغرب المعارضة له.‏

يمكننا القول بجراءة إن أي عناصر معارضة لا زالت قادرة على الظهور داخل الغرب ستستمد منذ الآن أفكارها التمردية من الثقافات الشرقية.‏

إن التشريقة السوسيوثقافية الحتمية تنتظر الحركات النسائية والشبابية الغربية وحركات الخضر. إذا ما تكلل بالنجاح فعلاً المشروع الوضعي الهادف إلى "تطهير" الفضاء الثقافي الغربي من "الميتافيزيقيا" غير المتماشية مع المعايير التكنولوجية فإن أفكار الغرب التجديدية العولمية ستُستَمَدُ من الخارج.‏

في هذه اللحظة تحديداً تحاول أمريكا بطريقتها الخاصة أن تقرر مصير أوربا الغربية والغرب كله. ينكشف معنى عالم القطب الواحد باعتباره محاولة لترسيخ الغرب في وضعه "الطبيعي", أي في وضعه الأنموذجي الصارم والحؤول دون أي محاولات تقوم بها أوربا الغربية للإقدام على مخاطرة الإبداع الحضاري الكبير على أساس الانعطاف نحو الشرق ومكاملة الأفكار الشرقية. تدلنا بنية الأزمة العولمية الحالية ذاتها على ثلاثة أنواع من الأفكار الشرقية المطلوبة موضوعياً. يتعلق النوع الأول بالطبيعة باعتبارها منظومة تهددها المنظومة الصناعية التكنولوجية المتكونة في الغرب.‏

لقد ارتكز برنامج التقننة الغربي بكامله على الاستخفاف بالطبيعة باعتبارها خليطاً ميتاً من الأجسام وعلى المصادرة العشوائية لسلاسل طبيعية متفرقة من منظومة التعايش الحيوي والجيولوجي العامة. إن عنصر الطبيعة هذا أو ذاك المصادر من السياق الواحد الكامل على يد العلم الفاوستي الغربي "يُستَعبَدُ" في الحال من قبل منظومة المعرفة الذرائعية الغربية أولاً ومن ثم من قبل المنظومة الصناعية التكنولوجية.‏

إن إجراء مصادرة الظواهر الطبيعية من "السياق" الطبيعي الكامل, مع النقل اللاحق للأجزاء المقتطعة إلى منظومة التقنية المحنِّطة, يقبع في أساس المعرفة الذرائعية الغربية. إن هذه المعرفة هي نوع من المعرفة المغامِرة التي لا تشغل الانتباه قصداً إلى حد معين عن السياقات العامة وحدها بل وعن العواقب العامة البعيدة إلى حد ما الناجمة عن نشاطها. إن الاهتمام بهذه العواقب مدان ويشهَّر به تحت غطاء الصراع مع "الميتافيزيقيا". حين صاغ مؤسسو النوع الجديد من المعرفة الذرائعية تحذيرهم الشهير ("خافي أيتها الفيزياء من الميتافيزيقيا") لم يقصدوا مسألة التحرر من الكلامية فقط. لقد حذروا من طاقة المسؤولية التحويلية المعطِّلة, التي تؤدي إلى إدراك سياق النظام العالمي.‏

إن افترضنا أن تلك الكلية التي نهملها عبر بناء السلاسل الحتمية المنتزعة من التناغم الطبيعي العام هي في الواقع فارغة وعديمة المحتوى - أي إذا اعتبرناها منطقة "للتجريد الميتافيزيقي" فهذا شيء, وحين نحمل هذه الكلية على محمل الجد فهذا شيء آخر. لكي تصير "إرادة التحويل" الفاوستية إرادةً فعلاً ينبغي أن تتكون خلفيتها من انعدام إرادة الطبيعة المحرومة من الحقوق التي تميز الكليات المستقلة.‏

يعتبر الآن, في زمن الأزمة البيئية العولمية, تناغم الطبيعة الداخلي أو كليتها مرجعيةَ ثقافتنا التي نتوجه إليها دائماً من أجل إدراك الموقف الإشكالي. يكمن تناقض الثقافة المعاصرة, من جهة, في أن الطبيعة المقتولة على أيدينا محرومة من المقدرة على إعادة إنتاج الذات تلقائياً وعلى إعادة بناء التوازن البيئي المختل, ومن جهة أخرى في أننا صرنا نعي تماماً عدم مقدرتنا المبدئية على الاستعاضة عن النظام البيئي الطبيعي اللامتناهي بتعقيده بمنظومة تقنية بديلة - أي بوسط اصطناعي ذي مواصفات معطاة مسبقاً.‏

إن الحضارة الغربية ليست قادرة على حل هذا التناقض من تلقاء ذاتها. لذلك عليها في القريب العاجل أن تعيد بناء ذاتها مستوعبة لوحة العالم الشرقية الغريبة عنها. تتميز الحكمة الشرقية عن المعرفة الفاوستية - السلطة (فرنسيس بيكون(4)) بأنها تحرِّم إجراءات مصادرة الأشياء من سياقها, الذي يمثل التناغم الكوني الأسمى, وتحرِّم معرفة الأجزاء خارج الكل العام. إذا كانت منظومة المعرفة الغربية قد ارتكزت على تقدم تطور الأفكار الذرائعية مقارناً بتطور العموميات المكوِّنة للمنظومة (والتي صارت عموماً ترفض بحجة "الميتافيزيقيا"), فإن المعرفة الشرقية تتطور على نحو معاكس تماماً: يتغلب هنا بوضوح الاهتمام بالعام المكوِّن للنظام على السعي إلى المعرفة - السلطة أو المعرفة - المنفعة.‏

إننا ما زلنا لا نعرف إن كانت المنظومة المنتجة الغربية قادرة من حيث المبدأ على التكامل بهذه الأشكال أو تلك مع منظومة المعرفة الشرقية المتناغمة فتحاكي بذلك بنيةَ ثورةٍ سوسيوثقافية عولمية تتفوق إلى حد بعيد على الثورات العلمية التي حدثت داخل الغرب ذاته. إن بنية العالم المؤلفة من ثنائية نصفي الكرة الغربي - الشرقية التي قدر لي أن أكتب عنها(5) تجبرنا على أن نفترض أن مثل هذا التكامل موجود في بنية جسدنا الاجتماعي الكوكبي. يكمن تبادل المعلومة السوسيوثقافية الذي ينشط دورياً بين الشرق والغرب في أساس التطورات القياسية العولمية التي ربما كانت ولادة المسيحية الأكثر أهمية من بينها.‏

لقد نضج اليوم تطور قياسي جديد مرتبط بترقية وضع المنظومة البيئية الطبيعية ذاته إلى لعب دور المشرع الأعلى للممارسات الإنتاجية. يتحدث الباحثون المعاصرون بهذا الخصوص عن الأنموذج القياسي للارتقاء المشترك, الذي لا تقف فيه المنظومة الإنتاجية العلمية فوق الطبيعة المستخف بها باعتبارها خزاناً ومنبعاً للموارد, بل تندرج فيها وتعتبر معاييرها الداخلية شروطاً مسبقة لتنظيم الممارسات التكنولوجية.‏

لا يمكن إنقاذ التقدم إلا على هذه الطريق: عبر إعادة بناء الأنموذجات القياسية للعلاقات في إطار الثنائية "حضارة - طبيعة". فقط بعد أن نعيد بناء ذاتنا على أساس برنامج الارتقاء المشترك تستطيع الحداثة تجنب الانتحار - المترافق مع قتل الطبيعة الحية - وتستطيع متابعة ملحمتها بأشكال جديدة نوعياً. أما الاصرار على إدامة شكلها "الطبيعي" الحالي (في نظر التقاليد الغربية) فيعني تحضير التربة للانفجار القادر على الانقلاب ليصير إما مقتلاً للبشرية أو ثأراً تاماً للاحداثة الأصولية.‏

إننا نتعامل اليوم في حقيقة الأمر مع نمطين من الأصولية: أصولية الغرب العدوانية غير الراغبة في أن تغير تغييراً نوعياً برنامج الثقافة الفاوستية الكوكبي وأصولية الشرق المضادة (الإسلامية خصوصاً) التي لا ترى مخرجاً آخر غير تدمير الحضارة الغربية باعتبارها المنبع الرئيسي للقلاقل الأرضية. ولا يمكن تذليل هذا الصدام بين نمطي الأصولية هذين (الذي تقع فيه الأصولية الغربية اليوم في موقع الهجوم النشط بينما تشغل الأصولية الشرقية موقع الدفاع المصمت), إلا عبر تكامل جديد بين المنظومة الفرعية السوسيوثقافية الشرقية التي تلعب دور الوسط اللامنتج والوسط الغربي "المنتج" الذي لا زال إلى الآن يقاوم تدخل "البوهيميا" السلفية من الخارج.‏

قد يصير مثل هذا التكامل ناجحاً إذا ما فرز الغرب من بين نخبته الفكرية بنية "العبقرية" الفرعية الخاصة, المولدة للأفكار العولمية المبتكرة. ستصير مهمة هذه البنية الفرعية إعادة تأويل الأفكار الشرقية الكبرى المتحولة إلى برنامج لإعادة بناء الأنموذج القياسي. لقد أعلن اليوم في الغرب عن موت فئة المثقفين (الإنتلجنسيا) باعتبارها تكوينا ضامراً نجا بأعجوبة من العصر "الميتافيزيقي" القديم. راح الإنسان العملي والبراغماتي والخبير والمدير يحل محل المثقف المتمثل بالفنان الحر أو النبي الملهم والأخلاقي. ومع مثل "إعادة بناء" البنية الفكرية هذه قد تختفي الأفكار الكبرى كلياً - فيما تبرز اليوم تحديداً حاجة من نوع خاص إليها.‏

بالتالي, إذا لم يشأ الغرب أن يتجمد على شكل منظومة إمبراطورية قادرة منذ الآن على النمو التوسعي فقط, وبالتالي على الاستيلاءات والاحتلالات وحدها عوضاً عن الاندفاعات إلى أبعاد تاريخية جديدة, فإن عليه أن يعيد توليد فئة المثقفين. لكن هذه الفئة ستكون فئة مثقفين خاصة. ستكون علامتها المميزة الأساسية الانفتاح نحو الشرق باعتباره منبعاً للممارسات السوسيوثقافية البديلة. إن تقبل الأفكار العامة المنتمية إلى التقاليد الشرقية الكبيرة ونقلها وإعادة بنائها بهدف إعادة تشكيل تقاليد الغرب ذاته هي المهمة المائلة أمام فئة المثقفين الجديدة هذه.‏

(1( - توماس كون (ولد عام 1922) فيلسوف ومؤرخ علوم أمريكي. صوّر تاريخ العلم في مؤلفه "بنية الثورات العلمية" (1963), الذي نال شهرة واسعة, على شكل تعاقب في مشاهد الصراع التنافسي بين مختلف المجموعات العلمية. أدخل في مناهج العلم المعاصرة مفهوم الثورة العلمية باعتبارها تغييراً في الأنموذجات القياسية. (المترجم).‏

(2( - ت. كون. بنية الثورات العلمية. موسكو, 1977, ص 80.‏

(3( - انتصار بيرَّا هو النصر الذي أحرزه الملك الإيبيري بيرّا على الرومان عام 279 ق. م. هذا النصر الذي كلفه خسائر هائلة مما جعله نصراًَ مشكوكاً به ولا يبرر ما قدم في سبيله من تضحيات (المترجم).‏

(4( - فرنسيس بيكون (1561 -1626) فيلسوف ورجل دولة إنكليزي. أعلن عام 1605 وجهة نظره حول نشر التعليم وقد دعا فيها إلى وضع التجارب والملحوظات في أساس العملية التعليمية. ودعا إلى التزام التجربة من أجل تسريع وتيرة الاكتشاف العلمي وإكسابه الصرامة (المترجم).‏

(5( - انظر فلسفة التاريخ, تحت إشراف ألكسندر بانارين. موسكو, 1999 الجزء الأول.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 06:14 PM
الفصل الثاني
الحسية العولمية في عصر الثورة المعلوماتية:
ـ النخب والجماهير في الثورة العولمية على جانبي المتاريس المختلفين.




لإظهار الكمون الديمقراطي البديل في الثورة العولمية المعاصرة ينبغي قدر المستطاع أن نفصل فيها بدقة ما ينتمي إلى عموميات التقدم الموضوعية عن ما يحمل على ذاته ختم الاغتصابات والامتيازات غير القانونية.‏

يتعلق كل ما تم وصفه بالتفصيل في القسم الأول بالامتيازات. تعني العولمة في ضوء ذلك تمرد المجموعات صاحبة الامتيازات في المجتمع على تلك القيود التي فرضت عليها في مرحلة التحديث والدمقرطة التاريخية السابقة.‏

لنبدأ من البرجوازية. ماذا تعني العولمة لها؟ إنها تعني محاولة التخلص من قيود الرقابة الديمقراطية الوطنية, ورفض الواجبات المفروضة عليها من قبل الدولة الاجتماعية, وخرق الوفاق الوطني العام الذي اضطرت طبقة المستثمرين إلى أن تدفع ثمنا لـه ضرائب باهظة واعترافاً بحقوق النقابات والتشريعات الاجتماعية وقوانين العمل وغيرها من القيود. وفي ضوء ذلك تعني العولمة الاقتصادية للرأسمال التحرر من المسؤولية الوطنية والاجتماعية. سيكون منذ الآن متاحاً للرأسمال رفض الواجبات الاجتماعية الثقيلة والهجرة بحرية إلى حيث تكون الضرائب والأجور أقل والضمان الاجتماعي غير متطور أما المسؤولية العامة للطبقة البرجوازية ففي حدها ما قبل الديمقراطي الأدنى.‏

عدا ذلك: يتمتع الرأسماليون اليوم بالمقدرة على ابتزاز حكوماتهم مجبرين إياها على تفكيك مكتسبات الفترة السابقة الاشتراكية الديمقراطية, مهددين في حال عدم الامتثال بالهجرة الجماعية إلى وسط أكثر وداعة.‏

وقد فعل هذا الابتزاز فعله. جعل وجود بلدان "احتياطية" ذات قوى عاملة رخيصة ومنظومات رعاية اجتماعية غير متطورة (أو مفككة) النقاباتِ والدولة الاجتماعية تقدم على تنازلات لم يسبق لها مثيل حتى في البلدان الأكثر تطوراً. ارتفع مستوى البطالة في بلدان منظمة التعاون والتطوير الاقتصادي(1) من 4.2% في الفترة بين عامي 1974 - 1979 إلى 7.4 مع بداية التسعينيات. ولا تقل دلالة النزعة إلى تخفيض أجور العمل عن ذلك. ففي الولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً انخفضت الأجور في الفترة ما بين 1974 و1998 بمقدار 10% تقريباً(2).‏

يبدو تبدُّل بنية السوق مميزاً إلى أقصى حد. صار أنموذج السوق السابق المقابل لمفهوم المجتمع الاستهلاكي الجماعي ودمقرطة الطلب (حين تنخرط تدريجاً البضائع والخدمات, التي كانت في وقت من الأوقات متاحة للموسرين, في منظومة الاستهلاك الجماعي) يفسح المكان للأنموذج السلفي الجديد. يجري تعويض تقلص الطلب الجماهيري المعروف وتحوله إلى طلب بدائي بانتعاشات غير متوقعة في أسواق النخب التي تتاجر بالكماليات.‏

تتجلى هذه النزعة بحدة في البلدان ما بعد الاشتراكية خصوصاً. فهناك يختفي على مرأى من الجميع المجتمع الديمقراطي الجماهيري باعتباره منتجاً من منتجات الحداثة, ويحل محله استقطاب جديد للفقر والغنى وللاستهلاك الناقص والاستهلاك المفرط. من المهم جداً تقويم هذه الظاهرة تقويماً ملائماً ضمن الأفق الاستراتيجي. السائد اليوم هو نسب هذه الظاهرة المزعجة إلى مخلفات "الماضي الشمولي" وسوء طالع رأسمالية السكان الأصليين. يدور الحديث في حقيقة الأمر حول التوجه العولمي لنزع الصفة الاجتماعية والديمقراطية عن الرأسمالية التي استغلت سقوط منظومة الموانع والتوازنات السابقة وتشويه سمعة عدوها الاشتراكي من أجل الضربة المضادة المحضر لها منذ زمن طويل.‏

لم تحل في بلدان الاتحاد السوفييتي السابق وأوربا الشرقية رأسمالية سلفية إقطاعية مزيفة, بل, على العكس, حل أحدث أشكال الرأسمالية المعبِّر تعبيراً خالصاً عن مخططات البرجوازية الجديدة لترتيب العالم. لقد استغلت هذه البرجوازية الموجة المعادية للشمولية لتحقيق أهدافها النفعية الخاصة مضفية على هذه الموجة في نهاية المطاف محتوى معاد للديمقراطية وليس ديمقراطياً (إذا قصدنا الديمقراطية الاجتماعية التي تسوي مستوى حياة الجماهير ونمط حياتها وفاقاً لمعايير الطبقة الوسطى, وليس الديمقراطية الشكلية). باختصار استغلت البرجوازية الجديدة الإمكانات العولمية من أجل تحطيم المجتمع المدني الواحد والتوافق الوطني المتكون في أثناء الإصلاحات الاشتراكية الديمقراطية في القرن العشرين. لقد قابل الرأسماليون الجدد واجباتهم تجاه المجتمع المدني الوطني بواجباتهم العولمية وإمكاناتهم باعتبارهم مجموعة تقع فوق الرقابة الوطنية.‏

تشكلت شروط التوافق الديمقراطي الوطني في الغرب على نحو متوازٍ مع الاشتراكيين الديمقراطيين والكنزيين. كانت الدولة الاجتماعية الكبيرة المرتكزة على الضريبة العالية على الدخل تعني للاشتراكيين الديمقراطيين تكامل المنبوذين البروليتاريين ونصف البروليتاريين السابقين في المجتمع الرأسمالي وفي الوقت نفسه شرعنة الملكية البرجوازية. تبدل أيضاً التصور حول الطبقة الوسطى. ما عاد الحديث يدور عن الوسط البرجوازي الصغير والحرفي الذي كان مختوماً بختم السلفية الاقتصادية, بل كان يدور عن عمال العمل المأجور بأجر كبير, المرتبطين ارتباطاً مهنياً بالإنتاج المستوعب للعلوم والمرتبطين بمجال التعليم وإدارة خدمات أخرى مستوعبة للعلوم. خيل أن الخيار: إما البرجوازي أو البروليتاري قد ألغي بهذه الطبقة الوسطى الجديدة التي واجهت بكبريائها التكنوقراطي الثوريةَ البروليتارية القديمة والروحَ البرجوازية المقتصدة ضيقة الأفق.‏

لقد وجهت إعادة الخصخصة الجديدة في الثمانينات والتسعينات (في الثمانينات زمن الموجة المحافظة الجديدة في الغرب, وفي التسعينات زمن الموجة المضادة للشمولية في العالم الثاني السابق) الضربة في المقام الأول للطبقة الوسطى الجديدة, لأن تفكيك "الدولة الكبيرة" يعني بيع ذلك الرأسمال الاجتماعي, الذي استحوذت عليه هذه الطبقة استحواذاً مهنياً, إلى أشخاص. لقد تم أمام أعيننا وعلى نحو مفاجئ إفقاد المجتمع حداثته, حين استعيض مجدداً عن البنية الثالوثية التي تقع الطبقة الوسطى في مركزها ببنية اجتماعية ثنائية القطب: المالكون الأغنياء في جهة والمعدمون في الجهة الأخرى.‏

لم تكن الإصلاحات التي بدأت مع خطة روزفلت الجديدة تعني من وجهة النظر الكنزية مجتمعاً ديمقراطياً موحداً بقدر ما كانت تعني مجتمعاً إستهلاكياً موحداً. لقد عنت إجراءات الضمان الاجتماعي المتنوعة والمعونات المقدمة للمعدمين وتوسيع القرض الاستهلاكي وما شابهها تحول الفئات الدنيا السابقة من المجتمع إلى مستهلكين نشطين, يحمون الاقتصاد الرأسمالي من أزمات فائض الإنتاج. لقد جسدت دمقرطة الطلب دمقرطةً خاصة "محايدة سياسياً" ومطلوبة خصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية حيث ينظرون إلى الاشتراكيين الديمقراطيين بحذر دائماً.‏

يمكن القول إن شكلي الديمقراطية هذين - الاشتراكي الديمقراطي والكنزي قد انهارا عملياً في وقت واحد. صار في مقدور البرجوازية التي استحوذت على السوق العولمية أن لا تهتم بعد الآن بتطوير الطلب الاستهلاكي الجماهيري الداخلي. تتلخص عقيدتها الحديثة في السعي إلى تخفيض تكاليف الإنتاج الداخلية بكافة الوسائل - على حساب تقليص الالتزامات الاجتماعية وتخفيض الأجر - باسم القدرة التنافسية في الأسواق الخارجية. بكلمات أخرى, صار شعبها الآن يهمها بدرجة أقل أكان قوة عاملة أو مستهلكاً جماعياً. في ما يخص القوى العاملة فثمة في العالم العولمي دوماً بلدان القوى العاملة فيها أرخص وقنوعة أكثر؛ أما في ما يخص المستهلك الجماعي فإن تقليصه يمكن أن يعوَّض بتوسيع الطلب من أصحاب الامتياز المؤمَّن من الربح الفائق الجديد.‏

في أثناء ذلك, إذا كان الطلب الجماهيري الديمقراطي يلبى بالإنتاج بالجملة الذي يستخدم القوى العاملة ذات التأهيل المتوسط والمتدني, فإن الطلب النخبوي يعني التوجه نحو الإنتاج بالمفرق ونحو القوة العاملة الأكثر تأهيلاً والقادرة على تلبية أذواق الجمهور الذي يصعب إرضاؤه. واضح أن معنى هذا كله هو نهاية التوافق الديمقراطي الوطني الذي أرسيت دعائمه في خضم التطورات والمكتسبات الصعبة في القرن العشرين.‏

إن هذا الخروج من الاتفاق الاجتماعي الكبير الذي ربط المجتمعات المدنية في القرن العشرين مميز لمجموعات أخرى صاحبة امتيازات, اقترح عليها المجتمع العولمي كما يبدو بدائل أكثر فائدة.‏

لقد تحدثنا في القسم الأول عن "أممية الأجهزة الأمنية".‏

فمن جهة, موجة إعادة الخصخصة الهائلة, ومن جهة أخرى انهيار التشكيلات الدولتية الكبرى في العالم الثاني السابق وظهور جملة من الدول القزمة مكانها, وقد أدى هذا كله بالمحصلة - على خلفية عدم الاستقرار السياسي والأهلي المتزايد بحدة والإجرام الجماعي المتنامي, إلى ظهور سوق جديدة من الخدمات المرتبطة بتوفير الأمن. تعيش النخب السياسية الجديدة والرأسماليون الجدد مع إحساس كريه بعدم شرعية سلطتهم وملكيتهم, وفي هذه الظروف يحتاجون إلى حماية مضمونة, وهم مستعدون لأن يدفعوا جيداً للحصول عليها.‏

إذا أخذنا في الحسبان أن إعادة الخصخصة واللبرلة الاقتصادية قد أصابت مباشرةً الميزانيات الحكومية في الدول القديمة والجديدة على حد سواء فسيصير واضحاً أن الاحتكار الحكومي السابق لدوائر الأجهزة الأمنية قد اهتز بشدة. يقف فرسان المعطف المطري والخنجر الكثيرون في أحيان كثيرة أمام خيار صعب: إما الاكتفاء بالرواتب المتواضعة نسبياً في الإدارة السابقة واستيعاب المهارات الجديدة, وإما دخول مجال الأعمال الحرة بصفتهم المعتادة مستغلين الطلب على الخدمات الخاصة في السوق العولمية الجديدة. واضح أننا نشاهد كذلك في هذه الحال الأخيرة انقطاعاً في التوافق مع الدولة الوطنية والمجتمع من جانب المجموعة صاحبة الامتيازات السابقة التي تمتلك كموناً هائلاً. صار أولئك الناس أنفسهم, الذين أوكلت إليهم مهمة أمن الدولة وحدودها, يستطيعون منذ الآن الحصول من الخارج على طلبيات عولمية لخرق أمن هذه الدولة ذاتها.‏

أخيراً, سنأتي على ذكر النخب الفكرية. كانت هذه النخب تتمتع في إطار التوافق الوطني السابق بصلاحيات ووظائف خاصة: التعبير عن التمائل القومي والثقافي, وصياغة الأهداف القومية واضعة عليها في الوقت نفسه علامات الشرعية والمكانة السامية, وبناء صورة البلاد الجذابة في منظومة الاتصالات الثقافية العالمية.‏

ما الذي يمكن أن يحدث إذا نوى القسم الأكبر من هذه النخب الفكرية الخروج من منظومة التوافق الوطني لهذه الأسباب أو تلك, والاستجابة لدعوات السوق العولمية؟ قد يحدث أن تطلب السوق العولمية من أهل الفكر مقابل الاعتراف الدولي المأمول بهم ومنحهم الأجور المرتفعة "جهوداً إبداعية" متعارضة مباشرة مع تلك الجهود التي بذلوها في إطار التوافق الوطني السابق. فعوضاً عن تدعيم التماثل الوطني زعزعته, وعوضاً عن إضفاء ملامح جذابة ومرموقة على الأولويات والأهداف القومية التشهير بها مباشرةً باعتبارها من سوابق التفكير "الإمبراطوري" و"الشمولي".‏

حتى لو صرفنا الانتباه عن اشتطاطات "العولمة المتطرفة" هذه (وهي مميِّزة في المقام الأول للفضاء ما بعد السوفييتي وروسيا) ففي مقدورنا أن نقر عموماً بأن العولمة المعاصرة تؤدي إلى خرق التوافق الوطني القائم بين النخب وجماهير الشعب وتمثل تحدياً للمجتمع المدني الموحد ذي النمط الكلاسيكي.‏

يمكن الحديث في حقيقة الأمر عن حرب أهلية عالمية قائمة (لا زالت "باردة" في قسمها الأعظم) بين النخب المتعولمة باندفاع وجماهير "السكان الأصليين" الشعبية. وفي هذه الحرب تبدو النخب جاهزة لها أفضل بكثير, وتستغل بنجاح عنصر المفاجأة. أما الجماهير المعتادة على الاتكال على "نخبها" الوطنية فتجد نفسها اليوم في حيرة تامة وعزيمة خائرة. فما هي سيناريوهات تطور الأحداث اللاحق؟‏

يرتبط السيناريو الأول, الذي ينفذ اليوم في الغالب, بمحاولات التجريد العالمي للجماهير من أسلحتها السياسية بهدف الحؤول دون ردها الفاعل على خيانة النخب الحاكمة. فتحرم الجماهير من جهة من أشكال الرقابة والمشاركة الديمقراطية المعتادة في القرارت المتخذة, وتعرض عليها من جهة أخرى مجموعة كاملة من أشكال الإرضاء الرمزي المرتبط بما يسمى "الحسية ما بعد الحداثوية". لننظر في هذا الأمر مفصلاً.‏

(1( - هو منتدى مؤلف من عضوية ثلاثين دولة من أوربا الغربية وأمريكا الشمالية وغيرها من البلدان الغنية, تناقش فيه السياسات والمشاريع الاقتصادية والاجتماعية وتبحث فيه القضايا العالمية المشتركة (المترجم).‏

(2) -Narlarro V. Neoliberalism, "globalization", unemployment inequalities and rolefare state. // International journal of health serlleces. 1998. Vol. 28. ( 4.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 06:17 PM
ـ استبدال المشروع الحسية الحرة بدلاً من الحريات المدنية






اعتبر المعارضون الغربيون في الستينات أن اختراعهم الرئيسي هو "ثورة وعي" الثقافة المضادة. إذا كان "اليساريون القدماء" قد اتكلوا على الثورة السياسية وإعادة صياغة أشكال الملكية والسلطة, فإن "اليساريين الجدد" مع رفاق دربهم من معسكر الهيبيين اعتمدوا أساساً على تحول في الذهنية الأهلية يجعل الناس منذ البداية غير مؤهلين لأي أشكال من التعبئة الاجتماعية, أكانت اجتهاداً مخلصاً في العمل في المؤسسة البرجوازية أم خدمة متفانية في الجيش أو في البنى الإدارية.‏

اتكل أنصار ثورة وعي الثقافة المضادة على الحسية اللاعقلانية التي لم توضع عليها يد, بعد أن رأوا فيها ضمانة لمعاداة البرجوازية المنهجية. وعلى غرار إيديولوجيي الاشتراكية البيروقراطية الذين لاحقوا علم السيبرنيتيك أو علم الجينات باعتبارهما ابنتي الامبريالية المأجورتين (لنتذكر لوثر: "العقل هو مومس الشيطان الأولى") استخف "اليساريون الجدد" والهيبيون بالعقلانية باعتبارها أساس الالتزام البرجوازي. ارتبط عدم الالتزام المنهجي بـ "الحسية الوحشية", التي ترمز بشخصها إلى الخروج من المجتمع (المقصود هو أن كل مجتمع معاصر هو مجتمع برجوازي في الواقع).‏

رأى "اليساريون الجدد" في الاشتراكية الواقعية تجذيراً لمبدأ التعبئة البرجوازي وانتفاعاً من الحيوية البشرية - أي من طاقة إله الحب الموضوع في خدمة أصحاب هذا العالم.‏

لهذا السبب جذبتهم أشكال الحسية "الرافضة" التي ارتبطت بالانحرافات الجنسية وتعاطي المخدرات والأشكال الجماعية لكَرْنَفَلة الوعي الكرنفالية وما شابه ذلك.‏

وهاكم اليوم, يحدث ما لم يكن يتوقعه أحد قط: قررت النخب العولمية في أثناء سعيها إلى تدمير التوافق الوطني وتجريد الأمة من أسلحتها, التسلح بتلك "الحسية الرافضة" ذاتها التي وضعت عليها الكثير من الآمال الطليعة الشبابية في الستينات.‏

يتلخص الأمر في أن الحسية المتحررة من رقابة العقل والأخلاق تستجيب لمعيارين مفترضين:‏

أولاً ـ يذكِّر انعتاقها في الظاهر بـ "التحرير" وتبدو بذلك وكأنها تندرج في مشروع الحداثة الغربية التحرري العام. يمكنكم عبر الاستعاضة عن الحقوق السياسية والاجتماعية الحقيقية بالحسية من غير التخلي لا عن الامتيازات ولا عن السلطة أن تصيروا أنصاراً لحقوق الفرد وحقوق الإنسان وديمقراطيين ومناهضين للاستبداد.‏

ثانياً ـ في مقدوركم حين تحصلون على أتباع الحسية المنفلتة عوضاً عن المواطنين العارفين مصالحهم الاجتماعية معرفة جيدةً أن تطلقوا بالطاقة القصوى "صناعة الترفيه" الجماهيرية والإيحاء بالرضا الذاتي لأولئك الذين لديهم الأسس المعتادة كلها من أجل الاستياء والاحتجاج.‏

فكيف تصاغ هذه "الحسية الوحشية" المتحولة إلى معين للمجربين العولميين وإلى أساس لمنظومة الاحتيال الجماعية الجديدة؟ الاتجاه الأول لتفكيك البدايات العقلانية لصالح الحسية العمياء هو تدمير الفضاء القومي الكبير. كما تبين فإن الاستعاضة عن الوحدات والتركيبات ما فوق الإثنية السابقة بسيادات ذاتية إثنية محلية جديدة كاف بحد ذاته من أجل تخفيض كمون الواقعية تخفيضاً حاداً وإنجاز ثأر الحسية البدائية. مع تدمير الدول والسيادات ما فوق الإثنية الضخمة تظهر من تلقاء ذاتها النزعة إلى الاستعاضة عن الخطاب الاجتماعي الموجه إلى حل المشكلات الاجتماعية بالخطاب المركزي الإثني المتعلق بمشكلات العرق ولون البشرة والحسابات القبلية والأحقاد القديمة - أي, باختصار, الانفعالات الوثنية التي يلهبها كل ما يقبع أسفل منطقة الإحساس المدني المعاصر.‏

الاتجاه الثاني "للثأر الحسي" هو استبعاد التراتبيات القيمية المعتادة المرتبطة بخدمة شيء ما سامٍ, "جبلي". إن وجود القيم السامية يعني بحد ذاته الاستعداد المعروف للتضحية وما يوافقه من تعبئة أخلاقية. تغدو القيم السامية في الثقافة المعاصرة ممثلة لتلك الآلهة التي قدم لها "أجدادنا الوثنيون" الأضاحي الطقوسية فتغلبوا بذلك على العفوية الحسية البدائية.‏

يعتبر العولميون المعاصرون المتغاضون بليبرالية شديدة عن الحسية العفوية كلَّ تضحية خطأً في التسلسل الزمني - أي يعتبرونها من مخلفات العُقَد التسلطية والشمولية. في الواقع, ليست الممارسات الجماعية المختلفة وحدها هي التي تفترض الاستعداد للتضحية المعروفة من جانب بعض المشاركين فيها. إن أي شكل من الإبداع الفردي الروحي والاقتصادي والعلمي يتضمن لحظة تضحية. الابداع مرتبط بتعبئة الجهود الهادفة إلى تحقيق مشروع طويل الأمد إلى حد ما - وفي ضوء ذلك أيضاً يفترض الامتناع عن استهلاك الوقت أو المال باسم الإرضاء الحسي الآني. لم يعد ممكناً هناك, حيث قضي على الأسس القيمية والأخلاقية الدينية للتضحية كتضحية, لا اقتصاد المراكمة ولا الثقافة التي تقدم الأفكار والخطط طويلة الأمد. تعني عبادة المسرات الحسية حتماً عبادة كل ما هو لحظي وتعني التضحية بالمصالح الإستراتيجية الحقيقية في سبيله.‏

لهذا السبب صارت الحسية المتحررة إلى أقصى حد اليوم هي الرهان في اللعبة العولمية المعاصرة.‏

يقترح العولميون على شعوب البلدان, التي فقدت سيادتها الحقيقية مع الضمانات الاجتماعية وغيرها من مكتسبات الحداثة الكلاسيكية, وعلى سبيل التعويض, مجموعةً لا سابقة لها من وسائل الترضية الرمزية المرتبطة بالتغاضي عن "الحسية المقموعة" سابقاً (الجنسية بالدرجة الأولى).‏

يقترحون على المواطنين المعانين من مرارة الذل القومي والاجتماعي والفقر والحرمان من الحقوق أن يتسلوا على مستوى الغريزة التي تبين أن الاحتيال باستخدامها أسهل كثيراً. إن استفزاز "النزاع الذي لا يقبل حلولاً" بين أقنوم الشخصية الاجتماعي المدني وأقنومها الجسدي صار أساس الإستراتيجيات ما بعد الحداثوية التي يتبعها المحتالون العولميون.‏

الاتجاه الثالث "للثأر الحسي" هو استبعاد المستقبل لصالح الحاضر المكتفي بذاته. يدور الحديث من جهة حول ثأر الحياة اليومية بممارساتها كلها في مجال الأعمال الصغيرة من الأهداف الكبرى طويلة الأمد المصاغة على المستوى السياسي الدولتي. ويدور من جهة أخرى, إذا ما استخدمنا لغة مارتن هايديغير, حول أسبقية الموجود على الوجود. لقد قدم هذا المفكر الألماني حججاً مقنعة جداً حول أن الرضى بالموجود مرتبط ارتباطاً مباشراً بذوبان الشخصية الحسي اللاإرادي في "إنسان" (man)(1) الثقافة الجماهيرية التجارية فاقد الشخصية, أما الموجود ذاته فهو عبارة عن إخفاء للأفق الحقيقي. يتكشف الوجود الإنساني الأصيل عن طريق التواجد في المستقبل؛ لهذا السبب يربط هايديغير بين الوجود والزمن عقلانياً.‏

أما مشروع الحسية المنعتقة و"التسريح" فعلى العكس من ذلك, إذ يعني الاستعاضة عن الوجود بالموجود - أي الذوبان الذاتي في كل ما هو آني ومرتبط بـ "الانطفاء" سيئ الصيت لعقلنا النظري والأخلاقي المحفِّز.‏

تلح بهذا الخصوص على الذهن فكرة عن استبدال آخر - أو سرقة أدبية. منذ وقت بعيد ظهر لدى نظرية الالتزام الاجتماعية التبريرية المرتبطة بالتحليل الاجتماعي البنيوي الوظيفي (مدرسة ت. بارسونس) ند متمثل بالمدرسة الاجتماعية الفينومينولوجية (أ. شيوتس). لقد نفذت هذه المدرسة في الغرب المهمة ذاتها التي أخذتها على عاتقها في زمنها "المدرسة الغوغولية" في الأدب الروسي في القرن التاسع عشر وهي الدفاع عن الإنسان الصغير وعن حقوقه في الحياة اليومية التي يتعدى عليها العالم الكبير. إن الهدف الحقيقي للمدرسة الفينومينولوجية وبرنامجها لإعادة الاعتبار "للعالم الحياتي" هو في الواقع التقاليد الدولتية المرتبطة بأولوية الأهداف الكبيرة على عالم الحياة اليومية الصغير. لقد تقبلت في زمنها فئة المثقفين السوفييت, المحاصرة من قبل الدولة الكبرى وأهدافها الكبرى, بتعاطف شديد الدفاع عن الحياة اليومية الخالية من الالتزامات, الذي قدمه منظرو المدرسة الفينومينولوجية.‏

لم نبلغ إلا اليوم فقط حال النضج المرتبط بصحة فلسفة الحق الهيغلية ودفاعها عن نمط الحياة السياسي والدولتية المتنورة. تشكل الدولة لدى هيغل باعتبارها حاملة مشروع التنوير فضاءً سياسياً واحداً وتجسد مجمل رأسمال الأمة الاجتماعي: علمها وتعليمها وثقافتها, التي ليس من حق أحد خصخصتها واستخدامها لأهدافه الفئوية الخاصة حصراً. إن الوضع الدولتي لهذا الرأسمال الاجتماعي الجماعي هو الضمانة لجعله متاحاً وغير مغترَب إضافة للرأسمال الاجتماعي غير المغترَب الموضوع تحت تصرف الأمة كلها. ثمة لدى هيغل أيضاً مجال مستقل نسبياً للمصالح الخاصة. لكن هذه المصالح الخاصة تشغل وضعاً أدنى في التراتيبة القيمية والفكرية, وتُفهم على أنها مملكة العقلانية الواقعة في موقع أدنى من مستوى العقل الدولتي.‏

يتعرض المشروع الهيغلي اليوم للتشويه من جانبين في وقت واحد. فمن جهة لا يتوقف أنصار مبدأ الخاص اللامحدود حتى ينقلوا إلى الأيدي الخاصة رأسمال الأمة الاجتماعي كله من غير أن يهتموا إن كانت هذه الأيدي ستحميه وإن كان سيبقى متاحاً للمواطنين جميعهم.‏

ومن جهة أخرى "أُنزِلَ" مبدأ الخاص ذاته اليوم من مستوى العقلانية البرجوازية الكلاسيكية إلى مستوى الحسية المنفلتة, التي ما عادت تجسد "الأنانية العاقلة", وإنما الأنانية الحيوانية غير القادرة على النظر إلى الغد. إن هذه الأنانية قادرة على أن تخلف وراءها صحراء قاحلة وأن تدمر أسس الثقة المدنية المتبادلة ذاتها. يمكن الاستسلام لمثل هذه الأنانية غير المسؤولة في حال واحدة: إذا كان ثمة لدى "الأنانيين غير العاقلين" المعاصرين ما عدا وطنهم الذي يدنَّس فضاؤه بالتقنيات والممارسات الاجتماعية القذرة عدة "أوطان" أخرى على سبيل الاحتياط, يمكن أن "يبدلوا جلودهم" فيها عند الضرورة.‏

هل يعني هذا كله أن مشروع التحرر الحسي قد يتعرض للرفض جملة وتفصيلاً باعتبارها باطلاً؟ أغلب الظن أن الأمر ليس كذلك. لا ينحصر الأمر فقط في أن الهجوم على الحسية بعد الممارسات الشمولية كلها المرتبطة بنمو الأهداف الكبرى المفرط واغتصاب حقوق الحياة اليومية و"العالم الحياتي" الفردي قد يفضي إلى فكرة الترميم الشمولي. بل يكمن الأمر أيضاً في تمييز نوعين من الحسية: الحسية المباركة المفتوحة على البداية السامية والحسية غير المباركة المغلقة في وجه النبض القادم من جهة البدايات الروحية والاجتماعية السامية.‏

يدور الحديث في هذه الحال عن إحدى مشكلات الأنثروبولوجيا الاجتماعية المعاصرة الأساسية. يشكل التطرف المعاصر للحسية المنفلتة وضعاً استفزازياً في الثقافة: الطلب الاجتماعي الجديد على القمع الديني الأصولي أو القمع البوليسي الديكتاتوري للحسية وانشطار الإنسان مجدداً إلى بداية أخلاقية لاجسدية وبداية جسدية تستحق أن تخضع للتربية المؤلمة. إنهم لسبب ما ينتظرون مثل هذه النوايا الترميمية من الثقافة الروسية بالدرجة الأولى بسبب من قيام عمل "وقائي" نشيط بحقها اليوم موجه إلى تحطيم نواتها الأرثوذوكسية ("أنموذها الأصيل").‏

من المتبع اليوم في بعض الأوساط إخافة حاملي الحسية المتحررة بشبح التنسك القاتم المرتبط كما يدعون بالتقاليد الأرثوذوكسية. مع العلم أن الدراسة الحثيثة لهذه التقاليد, التي أجريت من قبل باحثين مرموقين في أعمال الآباء الأرثوذوكس وكتاباتهم أمثال الأرشمندريت كيبريان(2) والأرشمندريت مييندورف, وفي عصرنا - س. خوروجي(3), قد شهدت شهادة موثوقة على أمر مختلف. امتازت أنثروبولوجيا آباء الكنيسة الشرقيين بكليةٍ مدهشة. ليس ثمة هنا أي نفور مانوي من الجسد البشري باعتباره فخاً من أفخاخ البدايات العليا وأحبولة من أحابيل الخطيئة. بهذا المعنى يعتبر ز. فرويد بخوفه الصوفي من هاويات اللاوعي الخاطئة ومن الـ "هو" الغامض الذي تقع في أسره أفضل دوافعنا نصيراً للتقاليد المانوية أكبر بكثير من المرشدين الدينيين الأرثوذوكس.‏

لا تقصد صيغة الخلاص الأرثوذوكسية الروح وحدها باعتبارها أسيرة الجسد الخاطئ بل تقصد الإنسان كله. كتب كليمنت الرومي(4): "فلينعم بالخلاص في المسيح جسدكم كله". يُفهم الجسد على أنه أداة الروح, أو, إذا ما أردنا التعبير بلغة الفلسفة الأحدث, على أنه النص الذي تدوَّن فيه دوافع الشخصية وأفعالها كلها. بالتالي فإن إرادتنا الروحية والأخلاقية تحدد طابع الجسد ومصيره. كتب يوحنا زلاتوأوست(5): "لقد أعطانا الرب جسداً من التراب لكي نرفعه إلى السماء, لا لكي نهبط عبره بالروح إلى الأرض... انظر أي شرف خصنا به حين وهبنا هكذا الجسد. قال: لقد خلقت الأرض والسماء وأهبك سلطة الخلق أيضاً: اخلق الأرض بالسماء. إنك لقادر على فعل ذلك"(6).‏

تعبر هذه الكلمات عن عقيدة الكونية الأرثوذوكسية: تُفهَم المادة على أنها ذات صلة بالروح منذ البداية, وأنها مخترقة بالطاقات النيرة. يفترض هذا المبدأ التأسيسي علاقة مختلفة تماماً بالطبيعة المحيطة بنا وبالطبيعة الداخلية - أي بجسدنا أكثر مما يفترض تفسيراً للطبيعة باعتبارها موضوعاً ميتاً أو مقيِّدةً مزعجةً لحرياتنا, هذا التفسير الذي يميز "الثقافة الفاوستية" الغربية.‏

وهكذا, يتكوَّن لدينا أفقان متضادان للحسية. في مقدور الحسية أن تبرز كشيء لااجتماعي ما - أي مثل شيطان جالس فينا ومتعطش للانعتاق من أسر الثقافة والأخلاق. وفي مقدورها أيضاً أن تبرز ضمن أفق مختلف تماماً: أي كتكرار وتأكيد لتاريخ الخلق الإلهي للعالم, حيث فرض على السفلي أن يكون مادة للعلوي, الشبيه بالإله.‏

تكمن مفارقة الحداثة المتأخرة (أو ما بعد الحداثة) في أن إعادة الاعتبار للجسد الإنساني قد تمت فيها بخلاف القانون المسيحي. لم يُرَدّ الاعتبار للجسد والحسية ولم يحررا لأنه تم الاعتراف بهما على أنهما حاملين للبدايات الأكثر سمواً, بل, على العكس, فقد تم هذا خلافاً لذلك وبالضد منه. هذا شبيه تماماً برد الاعتبار للمجرم لا لأنه تاب, بل, على العكس, لأنه أعلن تحديداً عن ذاته بصفته مجرماً بالفطرة. لا تبرز الشخصية في ممارسة ما بعد الحداثة على أنها المفسرة للجسد الذي يحملها صائغة إياه وفاقاً للوظيفة الروحية والاجتماعية, بل على العكس, يبرز الجسد على أنه مفسر للشخصية كاشفاً عن "أسرارها" اللااجتماعية. لقد عشق ما بعد الحداثويين الجسد والحسية بفضل هذه الأسرار تحديداً مقتفين في ذلك أثر الفرويديين الجدد.‏

هذا يعني إلى حد ما العودة إلى أحكام النهضة الوثنية. لقد أماطت النهضة اللثام عن البرجزة باعتبارها حسية وأرست برنامجاً لإعتاق الحسية. أما الحركة الإصلاحية فاشتغلت في لجم هذه الحسية. بالنتيجة أُرسيَ في الثقافة الغربية تضاد: كان لزاماً منذ البداية إخضاع الحسية الاجتماعية لواجب أخلاقي غريب عنها بطبيعته. وعلى هذا التضاد بني علم أخلاق كانط الذي يتطلب قطعاً ومهما كانت الحال عدم تنفيذ الواجب وتحقيق الخير بدافع عفوي مرتبط بميولنا وتولعاتنا, لأن هذه الأخيرة أقرب إلى البداية الحسية وتُفهم باعتبارها خارج الأخلاق, وحتى لاأخلاقية أساساً.‏

اقترحت الثقافة الروسية المرتكزة إلى التقاليد الأرثوذوكسية برنامجاً مختلفاً تماماً من أجل جعل الحسية اجتماعيةً. أولاً, تُفهم الحسية الإنسانية باعتبارها واقعة في هذا الجانب من الثقافة والأخلاق وليس في ذلك الجانب. بالتالي فالمطلوب, إذا ما أردنا التعبير بكلمات فرويد, هو ليس رد الفعل القامع للحسية في روح أخلاق الواجب الكانطية, بل المطلوب هو تصعيدها - أي ضم طاقتها إلى إرادتنا الأخلاقية. ثانياً, إن هذا التصعيد نفسه ليس شأناً خاصاً بالأخلاق والتنسك الدينيين فقط وإنما هو شأن الثقافة بأكملها. على الثقافة أن تكون, ومن غير رقابة قسرية, مخترقة بالأخلاق من داخلها مثلها في ذلك كمثل حسيتنا المباركة المخترقة بالطاقات الروحية والخاضعة لها.‏

لهذا لم يستطع برنامح تحرير الحسية المقموعة الراديكالي الذي ولد في الغرب البروتستانتي أن يولد في الثقافة الروسية. لم يستطع أحد أن يستعبد الحسية لدينا: إن حسيتنا أقرب إلى أن تكون "عاطفيةً" منها إلى أن تكون وحشية ولا اجتماعية, وبهذا المعنى فقد برزت دائماً باعتبارها حليفة للأخلاق. وصل برنامح تحرير الحسية المقموعة إلى روسيا من الغرب. لقد فُسِّرت الشمولية نفسها على أنها قمع للحسية, والخلاص منها هو شرعنة الحقوق اللامحدودة لهذه الحسية. بالنتيجة ظهرت شخصية عولمية أخرى هي الإنسان الحسي, أو الأدق, حامل الحسية اللااجتماعية واللاقومية - أي حامل ثوابت الـ "ليبيدو" التي تميز الجميع وفي كل مكان.‏

يبرز في هذا السياق انقطاع الأجيال, الذي يلح عليه الالحاح كله إصلاحيونا الليبراليون المشتكون من ذهنية الجيل القديم غير القابلة للإصلاح, على شكل انقطاع البداية الحسية المتحررة من رقابة الأعين عن الثقافة "الاستبدادية" السابقة. الثقافة تربط بين الناس - و"إصلاحيونا" الليبراليون يحتاجون إلى تفريقهم على نحو منهجي: تفريق الأجيال - وفاقاُ للشاقول الزمني, وتفريق الناس المتحولين إلى ذرات اجتماعية مكتفية بذاتها وفاقاُ للمحور الأفقي. من هنا يصاغ الطلب على نوع الحسية المحدد للغاية - أي ذلك النوع القريب من "الأنانية الحيوانية".‏

لكن علينا أن نفهم أن ثورة الحسية التي يتوق إليها اليوم المناضلون ضد العقلية الروسية التقليدية هي ليست تحريراً للبداية الحسية وإنما معالجة تكنولوجية جديدة لها. إننا هنا لا نتعامل لا مع مبدأ laissez - faire (سياسة عدم التدخل) المطبق على الحسية البشرية ولا مع تأليهها, بل مع التنشيط التقني الذي يعرف مسبقاً ما الذي يحتاج إليه. لقد تشكل نمط حسيتنا وحسنا القومي عن طريق تضافر تلك البدايات التي حملت في ذاتها الجمال والتناغم. هكذا كان المشهد الطبيعي القومي غير المشوه بتجاوزات التصنيع - منبع الإلهام الشاعري ومشاعر الحنين. هكذا كان بيت الأجداد.‏

حين يقوِّمون مثل هذه المقولة باعتبارها تَجَذُّراً - بكل أهميتها الأخلاقية والنفسية للشخصية, لا يستطيعون تجنب موضوع بيت الآباء. تكفي قراءة تلك الصفحات من "الحرب والسلم"(7), حيث توصف عودة نيكولاي روستوف في إجازة إلى الأقارب في بداية 1806 حتى نفهم منابع "الحس بتربة الوطن" لدى الإنسان الروسي. مع العلم أن الحديث يدور, عادة, عن المنزل الكبير, وعن الأسرة الكبيرة. لا يستعجل الرحالة العائد الدخول إلى غرفته الخاصة ليعرف إن كانت أغراضه الخاصة في مكانها أم لا وإن كان أحدهم قد أخل بالترتيب الذي أقامه في وقت من الأوقات. لا, إن بطلنا يتوقع ضجيج الفرح والهرج والمرج والإزعاج اللطيف وإمارات الذاكرة الطفولية التي تعتبر بطبيعتها أبويةً و"جامعةً". "كل شيء كما هو - تلك المناضد اللومبرية ذاتها, وتلك الثريا في الغطاء ذاتها؛ لكن أحدهم كان قد رأى السيد الشاب, فلم يكد يركض حتى غرفة الضيوف حتى طار شيء ما مندفعاً مثل العاصفة من الباب الجانبي واحتضنه وراح يقبله. ثم قفز مخلوق مماثل آخر ومخلوق ثالث من باب آخر ومن باب ثالث؛ مزيد من العناق, ومزيد من القبل, ومزيد من الصراخ, ودموع الفرح"(8).‏

هكذا يتراكم "رأسمالنا الحسي" الخاص المرتبط بالاشتراك في مكان وحيد على الأرض لا يمكن أن يباع أو يتعرَّض للخيانة, ولا يمكن أن يبدَّل أو يستبدل. ويتوِّج بنيانَ هذه الحسية المباركة الأدبُ القومي العظيم - أي الاشتراك في نص الثقافة الأم؟ ما معنى كلمة الثقافة الأم؟ إنها ليست على الإطلاق معلومة حيادية يمكن حسابها بالبيتات. يمكن هنا الحديث عن طابع مفهومي خاص لهذه الكلمة الكلاسيكية - أي عن توجهها لكي تكون ملتزمةً ولكي تُجعل ذات شأن ولكي تؤخذ على أنها حية.‏

بهذا المعنى تكون كلمة كلاسيكيتنا الأدبية عقلانيةً بقدر ما تكون حسية: إنها تشمل وجودنا كله, وتلصقنا وتربطنا. لن ننفذ إلى إلهام مارتن هايديغير, الذي قال إن "اللغة هي بيت الوجود", إلا بعد أن نشعر بخصوصية الكلاسيكية الادبية الروسية هذه. التأكيد بعد ذلك على أن اللغة هي وسيلة للتواصل والتبادل الاجتماعي معناه إهانة فكرة اللغة الأم. إن التقاليد الأدبية القومية تبقى حية ما دام إدراكنا المتبادل وتواصلنا يتم على أرضيتها مباشرة وعبر وساطتها الحية. ما دامت تحيا فينا فسيكون مقدراً لنا أن نكتشف بين معارفنا أونيغين وبيتشورين وأندريه بولكونسكي وتاتيانا لارينا. ما إن نتسلح بهذا الإرث حتى نصير قادرين على الظهور كذوات قابلة للتواصل, وكمؤولين فاعلين للأنماط البشرية التي تقابلنا؛ من غير هذا التسلح سيكون محكوماً علينا أن نكون وحسب أهدافاً لإدراك الآخر وتقويمه.‏

على هذا النحو ليست التقاليد الثقافية القومية شيئاً أكثر غيبيةً من حسيتنا, بل هي, على العكس من ذلك, تفسير أصيل لحسيتنا, التي تنير في وجودنا منابع الانفعالات الخاصة ونقاط الشعور المنتقاة. يكمن في هذا, في الواقع, سر الأنثروبولوجيا الثقافية؛ إن هذه الأخيرة تعني دائماً الإنسان الذي تكونت مشاعره وحسيته بوساطة ثقافة من نوع محدد - أي بوساطة جملة من "النصوص" التي استوعبها في طفولته وصارت أساساً لانتقائيته النفسية والأخلاقية, ولا تعني "الإنسان الطبيعي" معدوم الشخصية. المرجح أن هذا تحديداً هو ما يناسب أولئك الذين يوجهون بإلحاح حديثهم إلى "الحسية غير المقموعة" قاصدين هنا الحسية اللااجتماعية.‏

يتمنى التقنيون, الذين يخططون لتغيير "ذهنيتنا" القومية مهما كلفهم الأمر, أن يقرأ الجيل الجديد النصوص المستعارة, التي يقترحونها, ضمن ظروف "انعدام المقدمات" الثقافية التام – أي في وضع "الصفحة البيضاء". لهذا يحتاج الأمر إلى وسائل اتصال جديدة تستثني شيئين: التركيز الداخلي والتأويل من خلال الكلمة الحية. تستجيب لهذين المعيارين الأجناس الفنية التي يدأب غربويونا على عرضها اليوم على الجيل الجديد.‏

إنها بالدرجة الأولى المسلسلات البوليسية, حيث يبتلع مجرى الأحداث المُشاهد أو القارئ, وحيث لا توجد طباع حقيقية تخضع للتأويل النشيط أو يمكن التعاطف معها. هناك, حيث لا تكون شخصيات العمل موجهة أخلاقياً, يغلب ميكانيك الأحداث - أي سير الأحداث التلقائي, الذي يفترض سلبيتنا التامة.‏

إن التلفزيون ذاته, باعتباره وسيلة اتصال, هو اليوم في الواقع قليل الفاعلية الاتصالية. أولاً - لأنهم يعرضون على المشاهدين في الغالب "لوحات أحداث" لا يرافقها تحليل وصراع آراء. وثانياً, لأن مشاهدي التلفزيون لا يتواصلون في ما بينهم: إن إدراكهم التلفزيوني يستجيب تماماً لمعيار التذرير الاجتماعي الذي يوليه المناضلون الليبراليون ضد البداية "الجامعة" هذا الاهتمام الكبير.‏

تتوافق حفلات الديسكو الشبابية المعاصرة مع شرط التذرير الاجتماعي, والأدق, اللااجتماعي هذا, الذي وصل إلى حد إلغاء البداية الاجتماعية في الإنسان. تقوم الموسيقى الصادحة هناك بالتذرير وإلغاء الصفة الاجتماعية بفعل صخبها الشديد - يستحيل التفوق عليها بالصراخ, لذلك يرتجل المشاركون فيها, إذ يتخلون عن محاولات التواصل عبر الكلمات, حركات جسدية. وهذه الحركات ليست موجهة, مرة أخرى, للقاء الشريك, ولا تهدف للاستجابة للنبض الصادر عنه, بل تتوافق مع الإيقاع الذي يفرضه التسجيل الصوتي من الخارج.‏

يفرض هذا كله اتجاهاً مغايراً على حسيتنا. إنها تكتسب حقاً ملامح "حيوانية", لكن هذا ليس من ظواهر "حياة" الخلق الأول التي يتحدث عنها رومانسيو الفرويدية الجديدة. بل على العكس, إن هذه الحسية هي نتاج الصناعة ونتاج السير الناقل الذي يصنع ثقافة الجملة الكونية. يستطيع التقنيون الذين يعبئون هذا السير الناقل أن يرسموا الإيقاع والألفاظ والدلالات لملايين "البطالين" غير القادرين على مواجهة هذا البرنامج الميكانيكي بأي شيء خاص وطني أم فردي. إننا ولا شك نتعامل هنا أيضاً مع العولمة بمعناها المذكور أعلاه: بمعنى القطيعة مع التوافق الثقافي القومي, والذهاب إلى وسط خارجي مفرَّغ إلى أقصى حد.‏

إن إفقاد الحسية صفتها الاجتماعية وإنسانيتها يفترض مباشرةً أن يكف الإنسانيون عن الاشتغال بها ليحل محلهم التقنيون. تصير الحسية اللااجتماعية "هدفاً طبيعياً علمياً", فتندرج بصفتها هذه ضمن البرنامج الليبرالي الوضعي الأحدث للحط من العلوم الأدبية وأي نوع من أنواع "الدعوات إلى الأخلاق".‏

مثلاً, يحل محل الاقتصاد السياسي, الذي يكشف عن علاقات اجتماعية معينة خلف رؤية منظومة السوق العينية, "علم الاقتصاد" (economics) - أي نظرية التبادل البضاعي التقنية التي يتلخص جوهرها في تفسير عوامل الإنتاج كلها تفسيراً حيادياً - أي باعتبارها أشياءً من غير منح العامل البشري أي موقع مميز.‏

إن هذا الإجراء الهادف إلى صرف الانتباه عن كل ما يشكل بعداً مختلفاً نوعياً يميِّز الإنسان ويشير إلى ما يخصه بإشارة خاصة يندرج ضمن برنامج "التحديث الثاني" العام أو برنامج علمنة الثقافة الثانية الذي أعلنه الليبراليون الجدد.‏

فما هي البدائل؟ حاولوا في الغرب, حيث عبَّر أساتذة معتبرون - من المعسكر المحافظ بالدرجة الأولى, عن قلقهم من تأثير ثقافة الجملة التحللي, أن يصوغوا البدائل على النطاق الليبرالي التكنوقراطي. وقد سادت بالأخص مع نهاية الستينات وبداية السبعينات وجهة نظر تنص على أن تطور تقنيات الاتصالات في المستقبل القريب سيصحح عيوب إنتاج الجملة الروحي‏

(أو اللاروحي). وقد وضعت الآمال الكبيرة خصوصاً على نمط التلفزة الجديد.‏

إن التلفزة الجماهيرية العاملة على أمواج هرتز هي سير ناقل يقدم سلعة مخففة من حيث المحتوى وترضي الأذواق غير الصارمة. لكن صارت تحل محلها أشكال جديدة - تلفزة الكبلات وتلفزة الفيديو. تسمح تلفزة الكبلات متعددة القنوات (حتى 70 قناة أو أكثر) بتنويع البث التلفزيوني, وتعرض عوضاً عن البرامج المخصصة للمشاهد المتوسط برامج ذات صبغة فردية أكبر. صار في الإمكان تخصيص قنوات لمحبي الموسيقى الكلاسيكية أو الفنون الشعبية والمواضيع الدينية وما شابه ذلك. بذلك ارتسم, عوضاً عن المجتمع الجماهيري الواحد ولعبة التخفيض التي تميزه, شكل تعددي للمجتمع باعتباره جملةً من الثقافات الفرعية المنتظِمة أكثر فأكثر والواعية لذاتها أكثر فأكثر.‏

علِّقت آمال مماثلة على تلفزة الكاسيت (الفيديو). كان من المفترض أن سوق الكاسيت ستصير سوق طلب عالي التخصص وأرفع ذوقاً من سوق وسائل الإعلام الجماهيري السابقة. وقد صار ممكناً الآن, بعد مضي ثلاثين عاماً, إجمال بعض النتائج. إنها عموماً غير سارة: تبين أن الحتمية التكنولوجية باطلة - أي أن التقنية الجديدة لا تقوم بالثورات الثقافية من تلقاء ذاتها. وعوضاً عن أن تعيد الأشكال التكنولوجية الجديدة تكوين المجتمع الجماهيري في مجال الوعي والأذواق جرت مكاملتها من قبل هذا المجتمع ووضعت في خدمة الحسية الوحشية اللذوية. صارت الاختبارات الحسية أكثر حذاقة وشذوذاً وحسب, لكنها لم تبدل منحاها. إن ثلثي أشرطة الفيديو المباعة هي من أفلام ثقافة الجملة الخلاعية وأفلام العنف ذاتها لكنها صارت أكثر "انعتاقاً" لغياب القيود الرقابية المفروضة على هذا النحو أو ذاك على التلفزيون المركزي.‏

من أين إذاً يجب أن نتوقع حدوث ثورة الوعي الجديدة وثورة تحول الحسية الجماهيرية الإنساني؟‏

(1( - مصطلح لهايديغير يعني فقدان الشخصية.‏

(2( - كيبريان يوستيوجسكي (توفي عام 1276). أرشمندريت , ومؤسس دير ميخائيلو أرخانغلسكي قرب لإوستيوغا في روسيا, وكان أول القيمين على هذا الدير. (المترجم).‏

(3( - س. خوروجي (ولد عام 1941). أسقف روسي. درس الفيزياء في جامعة موسكو, وتخصص في نظرية الكم, حاصل على دكتوراة في العلوم الفيزيائية والرياضية. عمل أيضاً بالفلسفة. واهتم بالصوفية الشرقية, والفلسفة الدينية الروسية (المترجم).‏

(4( - كليمنت الرومي (القرن الأول) – أسقف مسيحي في روما (المرجح أنه الثالث بعد الرسول بطرس) أبو الكنيسة. ارتبطت باسمه سلسلة من المؤلفات ("الكليمنتيات" وغيرها). (المترجم).‏

(5( - يوحنا زلاتوأوست (ولد بين 344 و354, وتوفي عام 407) أحد آباء الكنيسة, رجل كنيسة بيزنطي. أسقف القسطنطينية (منذ عام 398), بليغ كنسي وخطيب مفوه. جعله نضاله من أجل إحقاق مثل التقشف ونقد الظلم الاجتماعي مشهوراً, لكنه بذلك ألب عليه أصحاب النفوذ في البلاط والإكليريوس الأعلى, فنفي عام 403, ثم أعيد خوفاً من غضب الشعب, ونفي من جديد عام 404‏

(6( - اقتباس من: الأرشمندريت كيبريان. أنثروبولوجيا القديس غريغوري بالاما. موسكو, 1999, ص174و175.‏

(7( - "الحرب والسلم" هي واحدة من أشهر روايات الكاتب الروسي المعروف ليف تولستوي (المترجم).‏

(8( - ليف تولستوي. الأعمال الكاملة في 12 مجلداً. المجلد الخامس, موسكو, 1958. ص8 -9.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 06:19 PM
ـ آفاق ثورة الوعي القادمة






من وجهة نظري ينبغي توقعها من جهة حركات الاحتجاج الاجتماعية التي تشعر بأن عربدة مثل هذه "العولمة الحسية" تمسها مباشرة.‏

إن ظهور مثل هذا الاحتجاج من جانب الغرب ضعيف الاحتمال. فثقافة الجملة الحسية الوحشية هذه هي في نهاية المطاف منتجه, وهي الاستمرار المنطقي لمشروع "تحرير الجسد" الذي طرح منذ عصر النهضة.‏

تبين أن هذا المشروع يحمل الكثير من الإغراء للآخرين - لقد لامست الجاذبية الخاصة الكامنة في ثقافة الجملة الغربية, والمرتبطة بأحكام التسريح الشامل للفرد, روح الجيل الشاب في الشرق, الذي مل من أن يكون معبأً. أراد الجميع أن يصيروا مرحين ومتحررين وغير ملتزمين تجاه أي أحد كان. هكذا تكوَّن نمط "العالم الجديد الرائع" - مزيج من الطوباوية واللاطوباوية.‏

الآن فقط, ومع غروب الحداثة الغربية صرنا نعي الأسباب العميقة لقدرة هذا النمط على العدوى. لقد كمن السبب الرئيسي في عموميته. تبين أن الغرب ممثلاً بثقافة الحداثة يتخلى عن حقوق التأليف العائدة له وعن خصوصيته كلها - الحداثة مجردة من الشخصية بمقدار ما هي عمومية ومخصصة للجميع. لقد داهم محبي الأوطان ومحبي الأعراق والمدافعين عن خصوصية الثقافة الوطنية جميعهم شعور خاص إما بالذنب أو بالنقص أمام "مشروع التحرر" هذا الموجه للجميع بغير استثناء. لقد شعر الرافضون لهبة الحداثة المنزهة هذه, أو قوَّمهم الآخرون, بأنهم كمثل المقترين المتجهمين الذين وجدوا أنفسهم في سوق العيد. اعتُبِرت الحداثة بمثابة عيد يدعو إليه منظموه الغربيون الجميع بسخاء وكرم ضيافة – فقط شرط أن يسمح لهم بذلك الآباء والمسؤولون المحليون المتسلطون. لقد أُعلن العصيانٌ الثقافي ضد أولئك "الآباء والمسؤولين" في الثقافات اللاغربية كلها من قبل أولئك الذين خيل لهم تحديداً أن الغرب يدعوهم إلى الحياة الجديدة بينما يمسك بهم الراعون المحليون الغيورون والمضِرُّون.‏

فما الذي حصل اليوم؟‏

يعلن اليوم المبادرون إلى برنامج الحداثة الغربي أول مرة منذ إشهاره أنه ليس للجميع وإنما من أجل المختارين فقط, من أجل الأتباع, من أجل "المليار الذهبي".‏

حين كان "الستار الحديدي" لا يزال قائماً نشأ لدينا إحساس بأن الحضارة الغربية تدعونا بإلحاح إلى الانعتاق والحرية, أما الشموليون المحليون فيمسكون بنا ويحاصروننا بكل قواهم. لكن لم يمض بين سقوط الستار الحديدي واتفاقيات شينغين, التي دل فيها الغرب بصراحة على أن برنامجه مخصص لجماعته فقط, أكثر من خمس سنوات.‏

طبعاً, يمكن أن نرى في اتفاقات شينغين, التي يشترط فيها الغرب حصصاً وكفاءات مختلفة موجهة ضد سيل المهاجرين القادمين من خارجه, رد فعل دفاعي طبيعي - فالكل يملك الحق في الدفاع عن بيته. لكن الأمر ينحصر تحديداً في أن اتفاقيات شينغين قد تلفظت أول مرة بالمعايير المزدوجة: بمقدار ما تُزال معوقات التبادل والتواصل الأخيرة بين الدول المنتمية إلى النطاق المختار - أي الاتحاد الأوروبي, يجري تشديد الحواجز في طريق من يعتبرونهم غير مكتملين - أي الخارجين من تركيا وأفريقيا الشمالية وآسيا, وطبعاً, من أوربا الشرقية الاشتراكية السابقة وروسيا. صار الغرب من جديد وأمام أعين الجميع مجتمعاً عرقياً مغلقاً.‏

لكن الحديث يدور اليوم عن أمر ما أكبر من الانغلاق البسيط. لقد نشأ في الغرب مشروع لاحداثوي موجه ضد مخططات التطوير الوطني لبلدان العالمين الثالث والثاني السابق. وقد سمي تسمية بريئة تماماً - برنامج "الاستقرار الاقتصادي الواسع" أو اللبرلة الاقتصادية. تقترن اللبرلة بالحرية الكبرى وتقترن الحرية بالحداثة, وبذلك قد يبدو للوهلة الأولى أن الحديث يدور عن غصن جديد من أغصان الحداثة - أي عن تجذير "مشروع التحرير" الموجه للجميع.‏

لكن الحديث, وكما اضطر بسرعة أنصار الليبرالية الغربية المصدقين إلى أن يتأكدوا, دار تحديداً عن قطف ثمار "انتصار" الغرب في الحرب الباردة والتوصل إلى نزع سلاح العالم الثاني المهزوم لا التقني العسكري وحسب بل الاقتصادي أيضاً, وكذلك الحؤول دون نهوض العالم الثالث الاقتصادي الوطني والسياسي.‏

كوَّن الغرب في أثناء "الحرب الباردة" مثلثاً عولمياً ذا سطوة, مدعواً إلى تفكيك صناعة ذلك القسم من العالم الذي لا يعتبره الغرب تابعاً له, ولا يدخل في نطاق المختارين. يضم هذا المثلث صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية. إن هذا الثلاثي مدعو إلى فرض رقابة لا تكل ولا تمل على سلوك الحكومات الوطنية في العالمين الثالث والثاني السابق بهدف معرفة إلى أي حد يجري تنفيذ برنامج التفكيك الصناعي المنهجي - أي تقليص الصناعات التحويلية الوطنية والعلم والتعليم والتطوير الثقافي. يقضي البرنامج مباشرة بإفلاس الصناعة الوطنية إفلاساً شاملاً لتتحول مؤسساتها إلى مؤسسات "سائلة" - أي قابلة للبيع بأبخس الأثمان للسادة الأجانب بهدف تصفيتها باعتبارها غير مربحة, ولا تندرج في التقسيم العالمي الجديد للعمل, ولا تتوافق مع "المعايير" المعروفة.‏

يكمن جوهر هذا التقسيم الجديد للعمل في أن على البلدان غير المنتمية إلى نطاق الدول صاحبة الامتيازات, أن تتخلى إلى الأبد عن حقها في أن يكون لديها صناعتها التحويلية الخاصة وإنتاجها المستوعب للعلوم (فثمة من هم أجدر وأمهر) وأن توافق على أن تلعب دور المورد للمادة الأولية الرخيصة (مبخوسة القيمة) واليد العاملة عوضاً عن محاكاة طليعة العالم ما بعد الصناعية.‏

يؤدي برنامج اللبرلة الاقتصادرة القسرية, حين يحطم الصناعة الوطنية والاقتصاد الزراعي في البلدان الواقعة تحت الوصاية, إلى أن يصير سكان هذه البلدان مجبرين على الاعتماد على البضائع المستوردة؛ وعندئذ تزداد أسعار بضائع الطلب اليومي الداخلية لتبلغ مستوى الأسعار العالمية مع هبوط في الوقت ذاته في الأجور على شكل قفزات. لقد تساوى ثمن قوة العمل في البلدان الاشتراكية السابقة مع مؤشرات دول العالم الثالث الأفقر, وهي في الوقت الحالي أقل بـ 70 مرة تقريباُ عما هي عليه في بلدان منظمة التعاون والتطوير الاقتصادي(1).‏

لكن في أثناء ذلك يقوم مثلث السلطة الاقتصادية العولمية المذكور على الفور باعتراض أدنى محاولة من أجل فرض الرقابة على الأسعار أو حماية الصناعة الوطنية والسوق الداخلية بتدابير حمائية معتبراً إياها "سلوكاً غير ليبرالي", ويستحق أقسى أشكال القمع.‏

فلنتأمل, ما معنى هذا؟ إن معناه أن اللبرلة الاقتصادية المفروضة قسراً, والتي أدت إلى "الإبادة الاقتصادية" - أي قتل الصناعة الوطنية ستجر خلفها إبادة مباشرة - أي اضمحلال السكان المحليين. لقد أعلن "الليبراليون" أن هدفهم الاستعاضة عن الأسواق الوطنية بالسوق العولمية الواحدة. تبين بالنتيجة أن البضائع المباعة في هذه السوق الجديدة مخصصة للأقلية صاحبة الامتيازات - فالأغلبية غير قادرة على امتلاكها برواتبها الزهيدة.‏

ويزداد الوضع صعوبة بسبب من أن تفكيك الصناعة الوطنية يترافق مع تفكيك منظومات الضمان الاجتماعي التي شُهِّر بها إيديولجياً وسياسياً باعتبارها من مخلفات الشمولية وتشجيعاً للكسالى وغير القادرين على التكيف. بنتيجة ذلك أخرج أكثر من نصف سكان البلدان غير المنتمية إلى نطاق الدول المختارة إلى ما وراء حدود منظومة الحداثة والمجتمع الاستهلاكي الجماهيري. ويبقى مصيرهم هو نمط الحياة الهامشي - أي العودة إلى أكثر أشكال الاقتصاد العيني بدائيةً, وإلى حياة البؤس أو التحول إلى الممارسات الإجرامية. وهذا كله يشوه صورتهم بدوره في نظر المؤسسة العالمية المتسلحة بالأساطير العنصرية عن الأعراق والثقافات وحتى الحضارات القاصرة والإجرامية.‏

ضمن هذه الشروط يكتسب الخطاب عن الحسية الاستهلاكية اللذوية وتحرير الجسد والتخلي عن العقد القومية الشائخة شكلاً مختلفاً تماماً. لقد بدا برنامج إصلاح الحسية الليبرالي على الطريقة الكوسموبوليتية الواحدة جذاباً للكثيرين في السابق في ظروف الحداثة المنفتحة الموجهة للجميع بغير استثناء. حين يشككون بقيم مجموعتي من أجل دعوتي إلى مجموعتهم ففي مقدوري أن أفكر في الأمر. لكن حين يستخفون بغطرسة بالقيم القريبة مني ويفهمونني في أثناء ذلك بوضوح أن تلك القيم التي يواجهونها بها باعتبارها أنموذجية ومعاصرة هي مسبقاً ليست من أجلي فلن يبقى أمامي سوى أن أرنو من جديد إلى قيمي الخاصة.‏

تجري أمام أعيننا تطورات لم يكلف أحد نفسه بعد أن يقومها كما ينبغي. أولاً, تجري إعادة بناء الوعي الاستهلاكي الجماهيري. كان الجميع سابقاً, في ظروف "الإنتاج كرمى للإنتاج" الإشتراكي يشعرون بالنقص الاستهلاكي: كان من الصعب تحويل النقود إلى بضائع, ولذلك كان الاستيراد لسد النقص يغري مثل الثمرة المحرمة. أما الآن, في ظروف تراجع الصناعة الوطنية تحت وطأة البضائع المستوردة, التي يتم الإعلان عنها بإلحاح بينما تجعلها الأجور بعيدة المنال, فقد تغير الفهم الاستهلاكي تغيراً نوعياً. كانت السلعة المستوردة في السابق تغمز لمستهلكنا على نحو تآمري: إن من دواعي سرورها أن تجد نفسها بين يديه, لكن الحواجز الإيديولوجية تمنعها. أما الآن فما عادت منظومة الاستيراد الاستهلاكي تغري بمشروع التحرر: لقد وصلتنا على شكل منظومة انتقائية صريحة ترجعنا إلى التقسيم الطبقي القديم.‏

يتلخص الواقع الجديد في أن بضائعنا آخذة في التناقص أكثر فأكثر, بينما يوجد على البضائع المستوردة ختم التفرقة العنصرية - أي بُعدها عن متناول السكان المحليين المطرودين من صفوف "المجتمع الاستهلاكي الجماهيري". ومثل إجراءات الطرد هذه مبررة من قبل الدعاية الليبرالية المعاصرة, التي تتحدث, حين يتعلق الأمر بالأشياء (البضائع), عن المجتمع الواحد المفتوح, وتتحدث, حين يتعلق الأمر بالناس, عن العالم المفصول عنصرياً, الذي تصير فيه "العقليات الفاسدة" مبرراً للاستثناء والتمييز.‏

فكيف إذاً علينا أن نقوِّم خصوصياتنا الثقافية وذهنيتنا بعد أن دمغوها بعلامة الطرد؟ يمكن, طبعاً, الاستمرار أيضاً في ممارسة جلد الذات مؤكدين أننا "نحن الأرقاء وليسوا هم", فهذا شأن المازوشيين الصريحين. لكن الوضع يختلف لدى من حافظ على شعوره بالكرامة الشخصية. فحين يرفضون قبولك في "المجتمع الجيد" مستندين لا إلى تلك المواصفات التي لك الخيار في أن تتخلص منها من خلال التربية والتعليم, بل إلى مواصفات تجعلك منذ البداية, كما يقولون, لا تستحق جهود التنوير, لا يبقى أمامك سوى خيار واحد: أن تحب في نفسك علامات الطرد هذه وأن تجعلها رمزا لكرامتك.‏

لقد تعرض الوعي الزنجي في الولايات المتحدة لمثل هذه التحولات تحديداً منذ وقت غير بعيد. كان رد الفعل الأول العبودي أو الدهمائي على التمييز العنصري من جانب السادة البيض - هو شعورهم بالأسف لخصوصياتهم العرقية, وشعورهم بعقدة المهانة, والرغبة في الاختباء. لكن رد فعل مختلف ونوعاً مختلفاً من تقرير الذات الثقافي بدآ ينضجان تدريجاً لدى الزنوج: عليهم أن لا يكرهوا الزنجي فيهم, بل عليهم أن يحبوه وينموه, وأن يتقبلوا جوهرهم الزنجي على أنه دلالة على شأن لهم بأمر ما سامٍ وأصيل, ومهما شاؤوا فإنهم لا يستطيعون انتزاعه. ما إن سما الزنوج الأمريكيون إلى مثل هذا الوعي الذاتي حتى استجاب المجتمع الأبيض على النحو الملائم: لقد حصل الزنوج فعلاً على امتيازات معروفة وحصص مصانة هدفت إلى الإيحاء لهم بأن أمريكا هي بلدهم الأم وليست زوجة أب غادرة.‏

إننا نعيش اليوم في مثل تلك اللحظة التاريخية ذاتها, إذ نضج رد الفعل الملائم على انقلاب الغرب المعروف. لقد انتهى مشروع الغَرْبَنة العالمي في تلك اللحظة التي قرر فيها الغرب أن المجتمع المحدَّث المعاصر (الصناعي وما بعد الصناعي) هو حكر على الغرب وحده, أو أنه, كأقصى حد, حكر على "الغرب الجديد" أيضاً الذي بني في منطقة المحيط الهادئ الأسيوية. ما إن أعلنوا للآخرين أن قسمتهم هي أن يقبعوا في مناطق إقامة جبريةٍ أبديةٍ ممهورةٍ بختم الطرد العنصري حتى انتصب أمام هؤلاء الأخيرين خياران: إما أن يكرهوا أنفسهم على طردهم, أو أن يروا في هذا الطرد مؤشر المكانة الخاصة فيعيدون الاعتبار لأنفسهم ويحبونها.‏

إننا نرى هنا تحديداً نقطة انطلاق ثورة الوعي الأحدث التي ينبغي أن يقوم بها في الوقت ذاته العالمان الثالث والثاني السابق. لقد اكتشفت الآن عمليتا إفقاد الحسية وطنيتها وصفتها الاجتماعية, اللتان تميز بهما انقطاع الفرد الغربوي عن تقاليده الثقافية الخاصة وخروجه من منظومة التوافق الوطني, الطريق المسدودة اللتان تسيران فيه. على إثر ذلك سينكشف أفق جديد مرتبط بإكساب هذه الحسية صفة اجتماعية جديدةً. وسنقتني من جديد جسداً بمنزلة أعضاء الروح عوضاً عن الجسدية المجرَّدة المستجيبة فقط لأكثر النبضات والإيقاعات والمهيجات بدائيةً الآتية من "صناعة المتعة" العالمية, وسنقتني حسية مندفعة إلى الأعلى لا إلى الأسفل, نحو أشكال الغرائزية الحيوانية البدائية.‏

لا يمكننا أن نتوقع إلا في سياق الوعي المازوشي الضارّ إلى أقصى حد ردَّ فعل مغاير على عنصرية الغرب الجديدة - أي إهانة الذات وشجبها. ينبغي أن نتوقع من جانب ذوي الطباع السليمة إلى حد ما رد فعل مختلف من حيث المبدأ. إن نقد الذات مقبول أمام شريك قادر هو نفسه على نقد ذاته وليس مستعداً لاستغلال نقدنا لذاتنا استغلالاً سيئاً. لكن نقد الذات أمام شريك يعلن منذ البداية حقه في أن يكون مختاراً واستثنائياً يتحول إلى إيماءاتِ موافقةٍ خانعة للقوي والوقح, وإلى شذوذ مازوشي.‏

انطلاقاً من ذلك علينا أن نتوقع تحولات جديدة في الحسية الجماهيرية. ستكون حسيةً تكشف من جديد عن المشهد الطبيعي الأم, وعن الثقافة الأم, واللغة الأم. أما تلك الحسية التي لا وطن لها لدى أولئك الذين أستعجلوا فنزعوا عن أنفسهم ثيابهم الوطنية وغسلوا علامات انتمائهم الثقافي الخاص فهي محرومة منذ الآن من كل جاذبية. فأن تنزع عنك ثيابك الرثة على أمل الحصول على زي جدي شيء, وأن تنزعها كي تبقى عارياً ومحتقراً ومنبوذاً فهذا شيء آخر. وهذا تحديداً ما يجري اليوم لأولئك الذين اسرعوا فتخلوا عن تقاليدهم الوطنية وعن أخوَّتهم السلافية وعن تماثلهم الأرثوذوكسي من أجل أن يتم قبولهم بأسرع ما يمكن في البيت الأوروبي, وفي دائرة المختارين. لقد وجدوا أنفسهم في وضع المنبوذين والمحتقرين عوضاً عن نادي المختارين.‏

في هذه اللحظة تحديداً تولد "الحسية الجديدة" لدى أولئك الذين لا زالوا محافظين على مشاعر الشرف والكرامة. يظهر نمط جديد نوعياً من الحساسية الانفعالية والانتخابية. تصير تلك السمات ذاتها, التي تتبين بوساطتها "الإدارة الاستعمارية" وحاملو ثقافتها ضحايا اصطفائيتها, السماتِ الأكثر صوناً والأكثر تكريماً وحتى الأسمى مكانة. لكن لكي يتحقق فعلاً إضناء الروح الجديد هذا وإضناء الحسية, ولكي يكتسب شكلاً إبداعياً بناءً, يحتاج الأمر إلى نخبة مضادة نشطة تحسن ملء جعبة الحسية الجديدة بمحتوى ثقافي لائق. إن المهمات الماثلة أمام هذه النخبة المضادة جسيمة؛ وهي تتلخص في إعادة تأويل برنامج الحداثة الغربي الآخذ في الانحطاط أمام أعين الجميع والمحفوف بالتحول إلى لاحداثة واصطفاء كوكبي جديد.‏

(1( - Chossudorlsky M. The globalisation of porlerty. New Jersey. 1997. ?. 41.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 06:22 PM
ـ انبعاث فئة المثقفين باعتباره شرطاً للبديل الإنساني






تحدثنا سابقاً عن أن الثقافة الإنسانية المعاصرة مثلها كمثل الثقافة الفيزيائية تضم مسلمة حول ثنوية جسيمية تموجية خاصة. تقع في جهةٍ الظواهر الثقافية التي تمتلك طبيعة "تموجية". والحديث يدور عن نتاج المخيلة الإبداعية الحرة الذي يصنع خارج الطلب الإنتاجي المحدد والموجه إلى المستقبل البعيد نوعاً ما – أو إلى عالم القيم الذي لا يبحث عن تأكيدات من جانب الواقع, بل هو الذي يحاكمه بنفسه نيابة عن هذه المُثل أو تلك. إذا ما سحبنا ذلك على الظواهر التي من هذا النوع فمن اللازم فعلاً الحديث عن البنية التموجية والآثار التموجية. لا يمكن من حيث المبدأ حصر منبع مثل هذا النوع من الإشعاعات الثقافية بمعنى رابطة إنتاجية أو جغرافية دقيقة.‏

يدور الحديث عن الأفكار التي "تسبح في الهواء" والتي تتغذى بجو العصر العام ومنظومة توقعاته. ويكون فعل هذه الأفكار عندئذ ذا طابع إشعاعي عام: ينتظر أول الأمر جميعَ الغارقين في حقل التأثير الثقافي المناسب تحولٌ في الوعي يكاد لا يلحظ. باختصار, إننا نصطدم هنا فعلاً بطاقة حقل تشع بحرية في الفضاء وليس بعمليات من النوع الجبري المعتاد, حين تظهر نتيجة محددة رداً على سبب محدد.‏

ونصطدم بالإضافة إلى ذلك بالوصفات المعرفية المحددة التي نحصل عليها من منابع محددة رداً على طلب عملي محدد. يمكننا في هذه الحال الحديث عن الظواهر الثقافية ذات الطابع الجسيمي: إنها تسلك سلوك "الجسيمات" المحصورة في الفضاء بإحكام, والتي يمكن حساب مسارها ووصفه بيانياً.‏

يدور في الغرب منذ زمن طويل صراع ضار بين نوعي المعرفة هذين (والمجموعات الاجتماعية الواقفة خلفهما). وقد اتخذ هذا الصراع في الخمسينات والستينات شكل الصدام بين المذهب العلمي(1) والمذهب اللاعلمي. لقد أظهر جيل التكنوقراطيين الجديد فاتورة الحساب للثقافة الإنسانية المتكونة, متهماً إياها بعدم المقدرة الشاملة على التكيف مع القرن التقني. تم اتهام الثقافة الإنسانية بعدم المقدرة على تقديم وصفات معرفية "مفيدة فعلياً", وتنفع في نقل هذه التكنولوجيا أو تلك.‏

لا زال الجيل الأقدم من الأوربيين يذكر جيداً تلك النقاشات الحامية التي دارت بخصوص دخول دول ذات تقاليد كاثوليكية – فرنسا وإيطاليا, ومن ثم شبه جزيرة البيرينيه السوق المشتركة, التي صار اسمها في ما بعد الأسرة الأوربية. كان شرط دخول السوق المشتركة المعلن هو التحديث – ليس الصناعي التكنولوجي والاقتصادي فقط, بل الثقافي أيضاً. ولم يخجل أنصار التحديث في فرنسا, مثلاً, من إصدار حكمهم على الثقافة الوطنية كلها متهمين إياها بالتقليدية غير القابلة للانصلاح وبتعصبها للبرقشة التزيينية وطلاقة اللسان و"الأبواق". مع العلم أن المحدثين الموجهين تكنوقراطياً لم يكونوا ميالين في الحقيقة إلى تسجيل أي فارق بين التقليدية – أي السلفية الفولكلورية – وبين الكلاسيكية الإنسانية, مثلهم في ذلك كمثل طليعة الجماليين في القرن العشرين. وقد كتب عالم الاجتماع والاقتصادي الفرنسي وأحد أشهر إيديولوجيي المحدثين جان فوراسته(2) عن ذلك مباشرة: " لا يحسن الإنسان السلفي الذي يفكر بطريقة أسطورية وسحرية, وفرنسي الجمهورية الرابعة كذلك (!) إدراك الأشياء المحددة – إنه يدرك "الأفكار", ناسباً إليها قوة عجيبة"(3).‏

وهكذا جرى الفصل بين التكنوقراطيين العارفيين "بالأشياء المحددة" من جهة وفئة المثقفين الإنسانية الشائخة التي تؤمن كالسابق بسحر الأفكار من جهة أخرى.‏

مع مرور الوقت تكاملت أوربا الكاثوليكية مع المنظومة التحديثية الأطلنطية وظهر محل الغرب المنقسم غرب متضامن, راح يظهر الآن كشف الحساب لثقافات العالم المتبقي. لم تعد النخبة التكنوقراطية هي المجسِّد للمشروع التحديثي العدواني, بل النخبة الاقتصادية, وبالدرجة الأولى المالية, التي راحت تدافع باستماتة عن الأشياء وتشهِّر بالأفكار.‏

لكن "الأشياء" الآن صارت تتمتع بسمة غالبة مختلفة: ما عادت الميزة التي تقدمها على "الأفكار" كامنة في قدرتها على التحول إلى تكنولوجيا بقدر قدرتها على التحول إلى نقود رنانة. صار الحد الفاصل الممتد منذ اللحظة بين ظواهر الطبيعتين "التموجية" و"الجسيمية" يفصل ما هو محسوب اقتصادياً وقادر على الإتيان بالفائدة ضمن المدد المحددة عن ما لم يجر التحقق منه اقتصادياً. مع الإشارة إلى أن نمط التحقق الاقتصادي لا يتطابق قط مع ما يتوقعه الفكر الطبيعي السليم. ليس المعيار الفعلي هنا هو تماسك المُعامِل المدروس. تُمنح الظواهرُ المنتمية إلى العالم الافتراضي, لكن القادرة على الإتيان بالفائدة, وضعَ الأشياء الواقعية, أما الظواهر التي قد يتجسد فيها منتج الطبيعة الحقيقي وكدح الناس الحقيقي فيمكن أن تبُخَس قيمتها حتى الصفر من قبل التقنيات الاقتصادية المعنية. بالتالي, فإن خط الفصل بين من يمكن نسبهم إلى فئة موردي المعرفة الجسيمية وبين من يتماثلون باعتبارهم مولدين لظواهر الطبيعة التموجية ما عاد اليوم يمر من حيث كان يمر من قبل.‏

صار طليعيو الحداثة السابقون – أي النخبة التكنوقراطية ورؤساء الإنتاج الصارمين ومتكبرو المذهب العلمي المستخفين بالإنسانية غير الصارمة, يجدون أنفسهم اليوم في مرتبة المهمشين والسلفيين. يتجلى هذا بأوضح أشكاله في روسيا. حين عبرت البرجوازية الجديدة عن حقدها تجاه رؤساء الإنتاج الاشتراكيين كان من الممكن الظن أن الحديث يدور حول صراع مبادئ: تنظيم الإنتاج الخاص وتنظيم الإنتاج الحكومي. لكن بعد مضي بعض الوقت تبين أن الحد الفاصل يقع في منطقة أخرى: بين مبدأ الإنتاج ومبدأ المضاربة والمقامرة لدى صانعي الربح "من الهواء".‏

كان من المتبع في فلسفة الثقافة فهم البرجزة على أنها تعبير عن الهَبَّة البروميثيوسية لمطوعي الطبيعة – أي تلك العملقة التي أوصى بها عصر النهضة. وبالتوافق مع ذلك تحدد وضع المعرفة العلمية الطبيعية "الدقيقة" المتميز بمفهوم الإنسان البروميثيوس الذي يتعامل مع المادة الطبيعية المقاوِمة. لم يكن الشيوعيون هم الذين ابتدعوا فكرة الدفاع المستميت عن الإنتاج المادي باعتباره مجال العمل الحقيقي, بل كانت مغروسة في عمق أحكام الثقافة الفاوستية الغربية, وفي فكرة تطويع الطبيعة. رأى إنسان الحداثة المبكرة في الطبيعة واقعيةً أصلية أو أولية, لا يمكن أخذها بالكلام المعسول – والأمر يحتاج إلى معرفة علمية صارمة. أما العلوم الإنسانية ففهمت على هذه الخلفية على أنها فن ذاتوي خالص يتعامل مع "الاصطناعيات" الثانوية والمجازيات والانفعالات.‏

اليوم تبدل كل شيء. اتجه برجوازيو التشكيلة الأحدث إلى عالم الذاتية الإنسانية المطواع مباشرةً, وما عادوا يقدرون عالياً المعرفة الأساسية السابقة بل الفنون الاحتيالية. "صناعة السوق", "صناعة المستهلك", "صناعة النقود" - ما عاد لأشكال الأفعال هذه كلها علاقة مباشرة بالمبدأ الإنتاجي, وبمعارك الإنسان البروميثيوس مع المادة الطبيعية. صارت الذاتية مبدأ النوع الجديد من الاقتصاد - أي اقتصاد المضاربات الاحتيالي. لقد جرى استنفاد الهبَّة البروميثيوسية النهضوية أمام أعيننا مع ظهور الاقتصاد الافتراضي الجديد. بات يُنظر إلى رؤساء الإنتاح القديمين المتعاملين مع "الصناعة" الحقيقية على أنهم سلفيون محجوبة عنهم إمكانات الذاتي اللامحدودة. كانت تكمن من قبل في أساس الأسواق الجديدة, عادةً, اكتشافاتٌ تكنولوجيةٌ جديدة تولِّد منتجات صناعية جديدة نوعياً. أما الآن فنرى في الغالب عوضاً عن ذلك توسعاً في إضفاء الشكل النهائي الجديد. صارت الحلول التكنولوجية القديمة تباع للمستهلك بشكل جديد يعتمد على حيل التصميم كلها والدعاية الواسعة.‏

على هذا النحو تقبع في أساس هذه السلعة الجديدة معرفة احتيالية, ما عادت موجهة إلى الطبيعة بل إلى حسيتنا المتبدلة والمخدوعة. يؤكدون اليوم أن قرابة 60% من سعر السلعة هو من نصيب الريع العقلي. لكن ينبغي أن ندقق: يدور الحديث في الأساس عن الريع الطفيلي. ففي أساس هذا الريع لا يكمن نمط العقل البروميثيوسي السابق الذي غاص بشجاعة في عالم المادة السفلي وأخرج منه الأسرار الجديدة؛ لا, الذي أمامنا هو عقل منحط غريب عن إنجازات العملقة السابقة ويفضل اللعب على النزوات ونقاط الضعف البشرية.‏

ينبغي على خلفية ذلك الاعتراف بتقادم فرضية العلم باعتباره قوة إنتاجية مباشرة. ما عاد مثل هذا العلم الموجه للكشف عن صفات أساسية جديدة في المادة يلزم الشركات المعاصرة. باتت مثل هذه الاكتشافات مكلفة جداً مالياً, والحصول عليها إشكالي دائماً. حتى أن نمط الباحث الجديد غير المعتاد على العمل في منظومة مستقلة تحمل اسماً مجازياً هو "الجامعة", بل في شركات علمية مرتبطة بطلبات السوق, أقل قدرة بكثير على التعامل مع المطامح العلمية السامية - إنه يفضل أخذ ما هو موجود بين يديه وما يعد بمردود سريع.‏

يتحدث عن أبعاد الانقلاب الحاصل في هذا المجال أحد التحولات الحاسمة التي تشهد على سقوط العلم الفاوستي في الخطيئة – أي عودته إلى الفترة ما قبل الكوبرنيكوسية. يدور الحديث حول مبدأ الدحض. ظهر نوع المعرفة الجديد الذي ينتمي في الحقيقة إلى المعرفة العلمية في الفترة الكوبيرنيكوسية حين التفت الباحث من الطراز الجديد إلى دراسة الطبيعة ذاتها مبتعداً عن المجادلات الكلامية, وتسلح بالتجربة والاختبار باعتبارهما وسيلتا التحقق من الفرضيات. يمتاز نمط المعرفة العلمي عن غير العلمي بأنه يخضع لمبدأ الدحض– أي يمكن التحقق من موثوقيته على أساس المراقبة والتجربة. أما أنواع المعرفة التي لا يجري التحقق منها فلا تعتبر علمية.‏

فما الذي نراه اليوم؟ إننا نرى توسعاً سريعاً على نحو غير عادي لنمط المعرفة التحايلي الذي يُبنى مسبقاً على نحو يستطيع معه تجنب مبدأ الدحض (التحقق الموثوق). لقد أعلن حاملو هذا النوع الجديد من المعرفة التحايلية غير المدحوضة, التي لا تزال مرجعيتها ("حقيقتها النهائية") غير مدركة من حيث المبدأ, عن أنفسهم في المجتمع وحظيوا بتأثير غير مسبوق فيه. أول تلك الشخصيات التي تلعب دوراً هائلاً في نشاط المؤسسات الاجتماعية وفي تشجيع نمط خاص من الممارسات هو الحقوقي. إذا قارنا الحقوقي السابق مع الحقوقي الحديث فإن الفارق سيبدو جلياً للعيان. كان نمط النظام الحقوقي السابق يجذب إلى مبادئ المعرفة العلمية العاملة ضمن المنطق الثنائي "نعم – لا". لقد وُضِعت القوانين الحقوقية على نحو يمكن معه التمييز بدقة بين السلوك الحقوقي والسلوك اللاحقوقي, وفي حال الجريمة الحكم على نحو محدد: مذنب أو غير مذنب.‏

أما الآن فيصوغ الحقوقيون, الذين لا يخدمون فيميدا بل السوق, القوانين بشكل متناقض قصداً. هذا معناه عدم وجود أي علاقة مباشرة بين القانون والمواطن: تسلل إلى ما بينهما وسيط – مؤوِّل قادر على تفسير هذا المعيار الحقوقي أو ذلك في المجال الواقع بين "بريء" و"يستحق أقصى درجات العقوبة". يمكن الحصول على الجريمة ذاتها على عقوبة تتراوح من السجن لمدة عام إلى السجن المؤبد. على هذا الأساس لا يجري الإخلال إلى أقصى حد بتوازن المعرفة الحقوقية الفاقدة موجهاتها الدقيقة وحسب, بل يحدث أيضاً خلل شديد في توازن الممارسات الاجتماعية, التي باتت مطابقتها الآن والوصل بينها مستحيلان لأن المخرج الحقوقي الواحد مفقود. يفقد المجتمع القدرة على تشجيع الممارسات الشرعية وعلى معاقبة غير الشرعية منها بهدف القضاء عليها تدريجاً.‏

حدث مثل هذا التطور في المجال الاقتصادي كذلك. ثمة مكان هنا أيضاً لتوسع المعرفة غير المتحقَّق منها وغير المدحوضة والمنسلخة أكثر فأكثر عن الحقائق الموضوعية. لقد تحول المحاسب مثله كمثل الحقوقي إلى مفسِّر متمتع بصلاحيات واسعة جداً في تأويل الحقائق الاقتصادية. فمثلاً, كانت قيمة رأسمال الشركة في السابق تقوَّم على أساس قياس موجوداتها (الاحتياطي البضاعي المادي مضافاً إليه المديونية) والأصول الأساسية (المعدات الصناعية والممتلكات التي يزيد عمر خدمتها على عام واحد).‏

تضم اليوم قيمة الشركة جملة من العوامل المنتمية إلى "العالم الافتراضي". يدور الحديث عن تقويم التوقعات الاستهلاكية المتكونة حول الشركة المعنية وعن آفاق حصولها على القروض من هذا المصرف أو ذاك, وعن سمعتها بين الموردين والزبائن وعن تقويمات نوعية موظفيها الذين يعيشون في الوسط المنافس المحيط بهم وما شابه ذلك. تشكل سمعة الشركة اليوم, وفاقاً لبعض المعطيات, قرابة 82% من قيمتها السوقية. بالتالي يمكن التأثير على قيمتها السوقية هذه تأثيراً حاسماً بتنظيم تيارات المعلومات الملائمة عبر وسائل الإعلام وغيرها من القنوات لتغيير صورة الشركة بهذا الاتجاه أو ذاك.‏

كان تأرجح أسعار السوق مسموحاً في السابق, في العصر الكلاسيكي, لكن كان مفترضاًً عندئذ وجود مرجعية نهائية تعود إليها هذه الأسعار على هذا النحو أو ذاك كما يعود الأبناء الضالون إلى منازلهم تماماً. كانت في نظرية القيمة الكلاسيكية نفقات إنتاج اجتماعية ضرورية تضم الأرض والعمل ورأس المال. اليوم هذا المعيار الموضوعي مفقود. وما يسمى الريع العقلي الذي يؤثر تأثيراً حاسماً على سعر السلعة لا يتعلق في حقيقة الأمر بنوعية السلعة الاستهلاكية الحقيقية, بل يتعلق في الأساس بالمواصفات الرمزية التي تمس سمعتها. كما هو معروف فإن حامل سمات السمعة هي المجموعات المرجعية(4), التي تعتبر مشرِّعة للموضة وزعيمة الرأي. فإذا أخذنا في اعتبارنا أن الغرب الاستهلاكي اليوم هو المجموعة المرجعية لمستهلكي السلعة في العالم كله فإننا سنفهم أن البضائع القادمة من الغرب تتفوق آلياً بالصورة وبالتالي بالسعر أيضاً.‏

لكي تكتسب بضائع البلدان غير الداخلة في عداد المجموعة المرجعية العالمية السمعة الاستهلاكية المناسبة يحتاج الأمر إلى اجتراح الأعاجيب الابتكارية. وبالعكس, لكي نكوِّن قيمة رمزية ملائمة في الغرب فإننا لا نحتاج إلى عبقرية خاصة – تعمل من أجل ذلك أنماط الوعي الاستهلاكي الصارمة وطاقة التقويمات والتوقعات الموافقة. على هذا النحو تختلف نوعية الريع العقلي ذاتها بين الشرق والغرب: المطلوب من السلعة القادمة من الشرق, من قبل البلدان غير الداخلة في المجموعة المرجعية الاستهلاكية, أن تحتوي في ذاتها فعلاً على حلول تكنولوجية جديدة وتحسيناً في النوعية الحقيقية. أما السلعة القادمة من شركات الغرب المرموقة التي يرتبط ريعها في الأساس بسمعة الشركات المشمولة بأوسع أشكال الدعاية, فلا تحتاج إلى أي شيء من هذا القبيل: تكفي بضعة حلول تصميمية لا تمس الجوهر بل الشكل.‏

هكذا يرتسم التفاوت في الريع العقلي المعاصر: فهو يحتوي في بعض الأحوال على معرفة جديدة حقاً وعلى حلول تكنولوجية وتصميمية, وفي أحوال أخرى يضم ذاتية الرأي المتحايل عليه والمتعلق بالرضى الرمزي.‏

لكن, ما عدا هذا الانقطاع, أصاب الاقتصاد المعاصر انقطاع أكثر اتساعاً: بين التيارات المالية والتيارات السلعية. عام 1996 قُدِّر حجم الصفقات اليومي بالعملة الأجنبية بتريليون دولار 15% منها فقط صبت في المجريين السلعي والاستثماري(5).‏

فلنمعن الفكر في ماهية طبيعة هذه المعرفة التي تسمح باستخلاص الربح من المضاربات المالية, المنتمية إلى "الاقتصاد الافتراضي". واضح أن هذه المعرفة تختلف عن ذلك النوع المتحقَّق منه والموجَّه إلى الظواهر والحقائق الواقعية التي ترتبط بها صيرورة الحداثة الأوربية والاقتصاد المنتج والتقدم التقني العلمي. إن أمامنا نوع جديد من السحر, والأدق من الشعوذة, التي تختلف عن ممارسات الحداثة السامية من الناحيتين المعرفية والممارساتية الأخلاقية. إنه بالمعنى المعرفي موجَّه لا إلى الموضوعي بل إلى الذاتي – إلى الاحتيال على التوقعات الإنسانية؛ وبالمعنى الممارساتي الأخلاقي يدور الحديث عن حلول ممارسات إعادة التوزيع محلَّ الممارسات الإنتاجية.‏

إذا كان الرأسمالي هنري فورد(6) في أثناء صيرورته غنياً جعل لكل أمريكي سيارة خاصة به فإن السيد سورس(7) يترك أولئك الذين عمل معهم باعتباره رأسمالياً خاليي الوفاض بالمعنى الحرفي للكلمة. لقد حصل أحدهما على الربح في أثناء عملية إنتاج حقيقية, في إطار اللعبة الاقتصادية ذات المحصلة الإيجابية, أما ربح الثاني فيعني الطرح من الآخرين, وكلما كان هذا الربح أكبر ازدادت خسائر هؤلاء الآخرين. لذلك حين يتحدثون إلينا عن الاقتصاد "المعلوماتي" الجديد, حيث يأتي الربح بنتيجة المقامرة بسعر صرف العملات وغيرها من تلاعبات المضاربات وإعادات التوزيع, فإن من حقنا أن نسأل عن طبيعة هذه المعلومة. إنها ليست المعلومة التي تكشف للإنسانية ما لم تكن تعرفه قبل الآن وما سيصير منذ الآن ملكاً أبدياً لها, وما سيدخل في حصالة المعرفة الكونية. بل العكس, فالحديث يدور عن الاحتيال, عن المعرفة التي تكوِّن توقعات كاذبة والتي تختفي ما إن ينقضي الأمر.‏

كان بمقدورنا الاكتفاء بإثباتات حيادية لو أن المضاربين بالعملات الصعبة قد أبقوا الأرقام الفلكية في العالم الافتراضي بعد أن حصلوا عليها. لكن الأمر كله ينحصر في أن النقود التي تم الحصول عليها في الاقتصاد الافتراضي ستشترى بها البضائع في الاقتصاد الحقيقي, الذي يتطلب الكدح وعرق الملايين من الناس الباقين من غير أي شيء. وكما أن المعرفة الاقتصادية الافتراضية من الناحية الإبستيمولوجية لا تتلاءم مع مبدأ الدحض – أي التقويم بغرض التوافق مع الواقع المبني على أساس مثل هذه المعرفة فإن العلاقات الاقتصادية لا تتلاءم مع مبدأ التبادل المتكافئ. لا يدور الحديث في هذه الحال عن التذبذب المؤقت حول السعر الحقيقي, بل يدور عن الخطين المتوازيين وغير المتقاطعين اللذين يتعلق احدهما بنفقات الإنتاج الحقيقية والآخر باللعب بالدرر.‏

لنلتفت الآن إلى نمط آخر من المعرفة المعاد دحضها – أي المعلومة التي توزعها وسائل الإعلام. تقوم وسائل الإعلام انطلاقاً من موقع العقل السليم والتوقعات السليمة بوظيفة إطلاع الجمهور بشكل فعال على الأحداث الجارية في العالم. أما في الواقع فإن خصوصية وسائل الإعلام هذه مقارنة بأنواع المعلومة السابقة تكمن في أنتاج المعرفة غير المدحوضة بالجملة.‏

أولاً, إن لها الحق في إكساب هذه الظاهرة أو تلك صفة الحدث: يصير ما تتحدث عنه بإلحاح وسائل الإعلام حدثاً هاماً بغض النظر عن الأبعاد الحقيقية لما حصل؛ أما ما تصمت عنه لسبب من الأسباب فلا يصير حدثاً قط – ويبدو الأمر وكأن ما حدث لم يحدث فنحن فلا نعرف عنه شيئاً.‏

ثانياً, تمتلك وسائل الإعلام إمكان إضفاء العلامات التقويمية "زائد" أو "ناقص" على الأحداث والسلوكات – ومرة أخرى بغض النظر عن المعنى الحقيقي لما حدث والنتائج الحقيقية المترتبة عليه. يعتبر الصحافيون والمعلقون العاملون في وسائل الإعلام المفسرين لمغزى ما حدث والمفككين لشيفرته مسترشدين باعتبارات مختلفة – أوامر السلطة, إرادة الزبائن الأغنياء أو مالكي وسائل الإعلام أو صانعي الدعاية فيها, المصالح الداخلية في الشركة. ومهما كان الأمر فإن الخاسر هو القارئ والمشاهد العادي, فهو, بخلاف المرجعيات المذكورة أعلاه, محروم من إمكان صياغة طلبه للمفسِّرين من وسائل الإعلام. لذلك فإن مخيلتهم التفسيرية لا تحصل على النبض الملائم وتتجه في وجهة مختلفة تماماً.‏

وعلى هذا النحو أو ذاك فإننا لا نتعامل في حال وسائل الإعلام مع صوت الواقع نفسه بل مع تحويل هذه الأشكال أو تلك إلى لوبيات – مما يتعارض مع مبدأ التمثيلية.‏

إننا نتعامل مع ظاهرة جديدة بديلة لتلك التي ميز ظهورها الحداثة. تَحدَّد عصر الحداثة على أساس توحيد المعرفة الدقيقة (المتوافقة مع مبدأ الدحض) مع الإنتاج المادي. هكذا ظهرت منظومة الإنتاج الموسَّع – أي الاقتصاد في شكل اللعبة ذات المحصلة الإيجابية. أما اليوم فإننا نلحظ عملية معاكسة: توحيد المعرفة غير المدحوضة (غير المتحقق منها) مع الممارسات المضارباتية الإجرامية التي تولد الاقتصاد الطفيلي باعتباره جملة من الألعاب ذات المحصلة المساوية للصفر (ربح بعضهم الأعظمي يعني إفقار الآخرين الأعظمي).‏

إننا نشاهد عملية بناء هرم أرضي على غرار هرم "???" الشهير, الذي يستولي على قمته من يدير لعبة المضاربات الافتراضية هذه. لكن هذا لا يعني أن كل الفوارق بين المعرفة الحقيقية والافتراضية مثلها كمثل الفوارق بين الاقتصاد الحقيقي المنتج واقتصاد المضاربات ستختفي نهائياً. فلحظة الحقيقة ستحل عاجلاً أم آجلاً, لكنها ستكون من نصيب أولئك الموجودين عند قاعدة الهرم والذين سوف يكون لزاماً عليهم تحمل العواقب. إن هذه الأغلبية تحديداً هي صاحبة المصلحة الحقيقية في العودة إلى المعرفة الحقيقية والاقتصاد الحقيقي المنتج.‏

اليوم تتقرَّر حرفياً مصائر الحداثة, وهذا معناه مصائر العالم. هل سيقدر للعالم أن يعود نهائياً إلى الاقتصاد الذي يغتني بعضهم على حساب إفقار بعضهم الآخر, أم أن الحداثة قد تلتقط نفساً آخر – مع تجدد الهبَّة الإبداعية الفاوستية؟‏

للإجابة عن هذا السؤال يلزمنا أن نقوِّم مرة أخرى ظاهرة البرجوازيين الجدد, والأسس السوسيوثقافية العامة لممارساتهم الاقتصادية. إن للتخلي عن الاقتصاد المنتج والالتفات إلى أعمال المضاربات المرتكزة على أنواع المعرفة غير المدحوضة أساسين على أقل تقدير. فمن جهة نفاد منابع النزاهة الأخلاقية والمثابرة ما كوَّن شخصية قليلة الصبر عصابيةً وغير قادرة على بذل الجهود المنهجية واتباع إستراتيجيات "المتعة المؤجلة".‏

إننا نرى في كل مكان - في الكدح ومجال الأعمال وفي العلاقات العاطفية هذا النمط الغائي الساعي إلى الحصول على كل شيء من غير جهد, ومن غير آمال يملؤها التوتر ومن غير ذلك "الصبر العظيم" الذي يقبع في أساس جميع الإنجازات الإنسانية الراسخة على هذه الأرض. يبين "الغريب" الموصوف أروع وصف من قبل ألبرت كامو(8)هذه الصيغة من العلاقة المتبادلة بين الإنسان والعالم. البرجوازي الجديد في جوهوه هو هذا الإنسان الغريب ذو الوعي المهاجر أو الاستعماري الذي لا شأن له بما سيحدث في ذلك الوسط الذي مسته ممارساته المدمرة. البرجوازي الجديد هو ليس ذلك العصابي اللذوي الخائف من بذل الجهود الحقيقية وحسب– إذ تشاطره هذه الصفة أنماط معاصرة كثيرة أخرى؛ إنه أيضاً المحلل المستهتر غريب الأطوار الذي يحدد نقاط الضعف البشرية لكي يستغلها ومن ثم مغادرة هذا الوسط أو هذه البلاد في الوقت المناسب.‏

ومن جهة أخرى تسود الألعاب الجديدة ذات المحصلة المساوية للصفر, المستندة إلى النهب والخداع, حيث ينفد الإبداع العلمي الحقيقي, الذي يفتح آفاقاً جديدة أمام العمل والإنتاج. اعتاد الإنسان المعاصر – وهو الإنسان الغربي أو المصاب بعدوى الأنموذجات الغربية والمفتون بها - على فكرة التقدم كما يعتاد على أمر ما مضمون آلياً ومهدى له من قبل التاريخ والزمن ذاته. ما عاد يحسب حساب المقدمات الحقيقية للتقدم – أي المقدمات الأخلاقية, المرتبطة بالامتناعات بهدف المراكمة, والمقدمات الفكرية المرتبطة بالاكتشافات التقنية العلمية الهائلة. وها هو قد شرع الآن, حين راح هذا النوعان من المقدمات ينفدان, وخصوصاً في الغرب, يلبي أكثر فأكثر حاجته السابقة إلى الاقتناء وتحسين وضعه بأساليب غير شرعية مرتبطة بممارسات الظل والممارسات الإجرامية.‏

باختصار, تفرض الثورة الإجرامية العظيمة نغمتها حيث نفد نبض الثورة التقنية العلمية بينما ظلت محافظة على نفسها تماماً أحكام أخلاق النجاح المعتادة.‏

يكمن السؤال – وهو حقاً سؤال عصرنا الأساسي – في أين نجد منابع جديدة لروح المواظبة والمسؤولية الأخلاقية والهبة الإبداعية الفاوستية, القادرة على تقديم اكتشافات علمية عظيمة على امتداد العصور كتلك التي ميزت الحداثة الأوربية؟‏

لقد ربطت نفسها اليوم جميع النخب الحاكمة – الاقتصادية والسياسية والفكرية, بالمعرفة الافتراضية وبالممارسات الافتراضية. تنظر النخب الجديدة إلى سهولة اقتناء الخيرات عن طريق إعادة توزيع الموارد العولمية على أنها امتياز شرعي لها: فهي بالأساس نخبة لتحصل عليها من غير بذل الجهود اللازمة لذلك. تقوم على هذا الأساس أزمة الحضارة غير المسبوقة, وقد أدى إليها انقطاع الوفاق الاجتماعي الرابط بين أسفل المجتمع وأعلاه والذي يلزم الطرفين بالانصياع للقانون والتزام السلوك الحضاري. تسعى النخب الجديدة المستغِلة للمعرفة الافتراضية غير المرتبطة بالمواجهة العملاقية للمادة كما حدث في عصر الحداثة الكلاسيكي, بل بالقدرات الاحتيالية لدى أمثال تارتيوف(9) الجدد المخادعين الذين يضللون الوسط المصدق المحيط بهم, إلى تثبيت الوضع الراهن بكل قواها.‏

إن أولئك الذين يروجون اليوم "للأنموذج البينوشيتي" – أي الحكم المستند إلى الديكتاتورية, إنما يثرثرون بالمآرب العولمية. يتلخص الأمر في أن الفصل الأول من المسرحية المطلوبة قد أنجز: استطاعت "الإصلاحات الليبرالية" أن ترمي إلى القاع مئات الملايين من الناس. يمكن تضليل هؤلاء الناس خمس سنوات وحتى عشر سنوات أخرى بتخويفهم من الماضي الشمولي واستمالتهم بالحريات الديمقراطية. لكن قرض الثقة الممنوح من قبل النخب ما بعد الشمولية (تنتمي إلى عدادها أيضاً النخب الغربية الحاكمة التي جنت ثمار الانتصار على المنافس الشمولي) قد نفد تماما اليوم. والمطلوب الآن ديكتاتورية مباشرة, للحفاظ على النظام الاقتصادي الاجتماعي المناسب للنخب الليبرالية الحاكمة.‏

حان الوقت أخيراً كي نفهم أين تكمن ليبرالية هذا النظام: يدور الحديث عن تفكيك تلك القيود والموانع والتوازنات التي فُرضت على الطبقة البرجوازية وألزمتها بالسلوك الاجتماعي المسؤول. إن هجوم الليبرالية البرجوازية المركَّز على الدولة قائم لأن هذه الدولة صارت اجتماعية وتجبر المستثمرين على هز جيوبهم وتسديد النقود على الضمان الاجتماعي وأخذ مكتسبات الجماهير الاجتماعية بعين الاعتبار. على هذا النحو لا يدور الحديث عن الاستياء الليبرالي النزيه من الإكراه الحكومي والعراقيل البيروقراطية, فالليبراليون يدعمون صراحةً استبداد النمط البينوشيتي؛ بل يدور عن انتفاضة البرجوازيين كرد على انتفاضة الجماهير السابقة التي أنجزت بناء الدولة الاجتماعية والتوافق الوطني.‏

لهذا السبب ذاته أيضاً صارت الأمم وما تتمتع به من سيادة هدفاً للنقد الشديد. يريد البرجوازيون الجدد بشتى الطرق تحطيم التوافق الوطني المتكون, وإقامة مكانه إما ديكتاتورية (على الطراز البينوشيتي), وإما تدمير السيادة الوطنية من أساسها والاستعاضة عنها بوصاية عولمية تُفرَض على الأمم غير المطيعة (بما في ذلك أمتهم الخاصة, فلدى البرحوازيين الجدد لا يوجد وطن مثلهم في ذلك كمثل بروليتاريي ماركس). يستخدم البرجوازيون العولميون تجاه الأمم المقاومة تدابير افتراضية أنتِجت في ممارسة الخصخصة والاحتكار. إذا كانت سمعة الشركة تشكل كما نذكر 80 % من قيمتها فلإفلاسها ومن ثم شرائها بأسعار بخسة ينبغي تشويه سمعتها.‏

لقد صارت روسيا اليوم تلك الشركة العملاقة التي توجه ضدها جهود اللاعبين على التخفيض. باتت تلطخ سمعتها بالوسائل كافة. فمن جهة تفعل هنا فعلها مازوشية بعض مجموعات المثقفين الروس العارفين "كم هو لذيذ كره الوطن". ومن جهة أخرى تحدث هذه النشوة المنظمة كلها المرافقة لجلد الذات وإهانتها بحضور مراقبين استراتيجيين من الخارج يحسنون نقل هذا كله إلى لغة الأرقام, لأن سمعة الشركة المفقودة كما نذكر تعني انخفاض قيمتها في المزاد المقبل. يعرف ملطخو سمعة شركتنا أن سمعة البلاد المفقودة تعني انخفاض مكانتها, وتشديد شروط القرض, وإلغاء التفضيلات التجارية, وأخيراً, فقدان الحلفاء الحقيقيين والكامنين والوقوع في العزلة الدولية. كما نرى فإن المعرفة الافتراضية (غير المدحوضة) يمكن أن تستغل بنجاح لا في الألعاب المالية وحسب, بل في الألعاب الجيوسياسية أيضاً.‏

يدل هذا كله على وجود قوى هائلة في العالم المعاصر ليس لها مصلحة في التطهير الإبستمولوجي للحقل الإعلامي المعاصر – أي العودة عن المعرفة غير المدحوضة إلى المعرفة البديلة العلمية والموضوعية. إنها تستغل ضعف إنساننا المعاصر – عدم مقدرته على الكدح الحقيقي وبذل الجهود المدنية وانكسار نفسه وضمور أجنحة مخيلته الإبداعية. إنها تقول له: إننا نقبلك كما أنت – فابق على ما أنت عليه. أولئك الأخلاقيون – الأصوليون هم الذين يطلبون منك مآثر التحول الأخلاقي وتطهير الروح ويدعونك إلى الامتناع والتقشف, وإلى التعبئة الجديدة. أما نحن فليبراليون تماماً في هذا المجال– إننا مستعدون لأن ندع هذه العمليات كلها وأن ندع هذه الألعاب على التخفيض جميعها تسير سيراً طبيعياً – إلى أن تفقد الحسية المتحررة من قيودها كلها صفتها الاجتماعية نهائياً.‏

أما بخصوص الصدامات داخل النخبة الفكرية – أي بين أتباع المعرفة العلمية الموضوعية القدامى وأنصار المعرفة الافتراضية غير المدحوضة فثمة لدينا فلسفة قادرة على التشهير بالأوائل وتشجيع الأخيرين.‏

يدور الحديث عن فلسفة ما بعد الحداثة. إنها هي تحديداً التي تؤكد على نحو صريح ومباشر على عدم وجود أي إجراءات لدى الثقافة المعاصرة بكاملها تسمح بالتمييز تميزاً موثوقاً بين الحقيقة والاختلاق, بين المعرفة والأسطورة, بين الفضيلة والرذيلة, بين الجميل والقبيح. لا بل أكثر من ذلك: النسق الثاني يحظى بالتفضيل أكثر من النسق الأول, فالحقيقة والمعرفة والفضيلة والجمال ساكنة, بينما الاختلاق والأسطورة والرذيلة والقبح ديناميكية لأنها تشعر بعدم اكتفائها بذاتها. إنها تكوِّن مجتمعةً ديسبورة من نوع خاص, مدسوسة في المجتمع المتكوِّن وتتواجد ضمن حيز الملاحظة. والموجود ضمن حيز الملاحظة يحتاج إلى مهارة وحيلة وفطنة أكبر من ذلك الذي تلاحقه الرقابة الاجتماعية والأخلاقية. لذلك تكون الأفضلية لكل ما هو منحرف وخاطئ ومثير للشك - فالعالم المعاصر يستمد ديناميته منه.‏

لقد أوجزنا هنا بيان ما بعد الحداثة من غير أن نلجأ إلى تزويق – يتم تأكيد كل شيء على هذا النحو حرفياً. لكن المعنى المبطن موجود طبعاً: ألعاب ما بعد الحداثة كلها هي ألعاب ذات محصلة صفرية وبالتالي سيضطر العالم إلى أن يدفع ثمنها عاجلاً أم آجلاً. يتلخص الأمر في أن من سيضطر إلى الدفع هو الأغلبية الصامتة الواقعة عند قاعدة الهرم - "???"؛ تستطيع الأقلية كثيرة الصراخ أن تسمح لنفسها بالقيام بالتجارب ما بعد الحداثوية واضعة في اعتبارها أن الذي سيدفع الثمن هو ذلك المحكوم عليه بالصمت.‏

فمن أين علينا أن نتوقع نهاية هذه اللعبة ما بعد الحداثوية المثيرة التي تكاد تحول تقريباً الممارسات المعاصرة كلها إلى لعبةِ نزعِ ملكيةٍ ذات محصلة صفرية, وإلى رهان مهول يموَّل فيه ربح القليلين الظاهري من إفلاس المتبقين؟‏

ينبغي أن نبين أن التوجهات المذكورة كلها, القادرة على صدم من لا زال يذكر أفضل وعود الحداثة, لم تبدأ تتجلى اليوم. لكن منطق سلوك البرجوازيين تجاه مواطنيهم "الأقل قدرة على التكيف", مثله في ذلك كمثل منطق سلوك الغرب تجاه اللاغرب لم يتجل بمنهجيته ووضوحه الكامل خلال فترة من الزمن. لقد منعته من ذلك التوازنات المعروفة المتمثلة بالحركة العمالية المنظمة من جهة, والدولة العظمى البديلة, التي كانت تهدد باستمرار نار الثورة العالمية من جهة أخرى. ما إن انهارت العوائق المذكورة أو أضعفت إلى أقصى حد حتى تجلت الشخصيتان التاريخيتان المشار إليهما – البرجوازي والمستعمِر العنصري– بأبهى حللهما.‏

صارت تُستخدَم الخطابية المعادية للشمولية من قبلهما للتشهير بكل ما كان يحد من شهيتهما من قبل. وصارت معاداة البرجوازية, باعتبارها مقولةً ترمز إلى وجود البديل, محرمة الآن, وسرعان ما صار الليبراليون "التعدديون" لدهشة الجميع "وحدانيين". يتحدثون عن حقوق الإنسان وينفون حقه بالحياة, حارمين إياه من الضمان الاجتماعي والأجر؛ يتحدثون عن الديمقراطية ويدسون في الحال الديكتاتورية "البينوشيتية". يوقفون العمل بحكم الإعدام على المجرمين لكنهم يطلقون النار على البرلمان ويقصفون المدن الآمنة. يتحدثون عن سيادة الشعب ويعلنون في الحال أن "هذا" الشعب لم ينضج من أجل الديمقراطية. يستاؤون من "ثقافة المعونات", التي تولِّد المستجدين الكسولين, لكنهم يشجعون عمليات النصب المالية الضخمة, التي تسمح لمن لا يقلون كسلاً, والأوقح بكثير, بجمع المليارات "من الهواء" حارمين منها الملايين الكثيرة من جماهير العمال.‏

واضح هنا أننا نتعامل مع استخدام فيه الكثير من التحدي للمعايير المزدوجة تجاه "الأتباع" و"الآخرين". واضح كذلك أن هذا لا يمكن أن يستمر إلى اللانهاية. تُستَشف من نشاط البرجوازيين "الجدد" هذا كله, مثله كمثل نشاط الغرب الجديد "أحادي القطب", عجلة مرضية محمومة – يستشف هاجس من أن الفرصة السانحة قد تنتهي سريعاً وينتبه ضحايا الخداع وينتظمون بهدف المجابهة. وما الديكتاتورية "البينوشيتية" وعالم القطب الواحد (أي الديكتاتورية العولمية) إلا وسيلتان من أجل قمع الأغلبية الجديدة المرمي بها من الحداثة إلى السلفية. هذا معناه أن الأغلبية إذا ما أدركت مصالحها على نحو صحيح فسيكون عليها بذل الجهود ضمن اتجاهين:‏

أ) حماية الحداثة من ذلك الذي يشوهها بمحاولاته الاغتصابية, محولاً إياها إلى عكسها – أي إلى امتيازات فئوية وعرقية.‏

ب) تقديم تأويل جديد للحداثة, لأن ثمة ما يدعو إلى الشك بأن سقوط الحداثة في الخطيئة لم يتم مصادفةً – ففيها عيب ما لم يطف إلى السطح إلا اليوم.‏

واضح أن ما تفعله اليوم الأقلية عديمة الحياء بالأغلبية التي وجدت نفسها ضعيفة ليس عادلاً. لكن على العدل واللاعدل باعتبارهما مقولتين أخلاقيتين في عصر الحداثة أن يحظيا بالاستحسان من جانب المعرفة العقلانية وأن يحصلا على إقرار منها.‏

ما هي الإقرارت المثبتة عقلانياً التي يمكن أن تستخدمها الأغلبية بحق الأقلية التي اغتصبت التقدم نفسه وحولته إلى امتياز؟ علينا, كما يخيل لي, أن نتمتع بأكبر قدر من صمم الرضا عن الذات, حتى لا ندرك أن ثمة انفجار تحولي هائل قد بدأ ينضج في الثقافة المعاصرة – إنه رد الفعل على تطرف عالم القطب الواحد اللامعقول من جهة وعلى تطرف ديكتاتوريات الحزب الواحد "الاقتصادية", المحرومة من التوازن الاشتراكي الديمقراطي من جهة أخرى. ربما لن يتخذ رد الفعل هذا شكلاً سياسياً مباشراً. فردود فعل الثقافة "التماوجية" تتفوق على ردود فعل السياسة "الجسيمية" – القابلة للرؤية باستحالة منعها بالوسائل القمعية. تظل الثقافة محافظة على وضع الكنيسة المستقلة الذي تتمتع به – أي لها الحق في حرمان الأقوياء من دخولها.‏

يخيل أن رد فعل الثقافة الرئيسي الذي ينبغي توقعه في القريب العاجل هو رد الفعل على اللاأصالة. إن خلاصة هذه اللاأصالة هي عالم الاقتصاد الافتراضي. تتأسس اليوم مدرسة ما يسمى الاقتصاد الفيزيائي(10), الذي يواجه مباشرة بين قيم الاقتصاد المصرفي الأحدث المضخَّمة والمؤشرات الطبيعية, المرتبطة باستهلاك مواد الطبيعة وقوى العمل. واضح أن الاقتصاد الفيزيائي سيكتسب في القريب العاجل تأثيراً فكرياً في معسكر المهزومين لا يقل عن تأثير الاقتصاد السياسي الماركسي الذي كان فيه في وقت من الأوقات.‏

أغلب الظن أنها ستحصل على اسم المدرسة القارية, أو حتى الحركة القارية. تحدثنا سابقاً عن المواجهة الجيوسياسية بين البحر والقارة, التي يحض فيها البحر تحديداً اليوم على العمليات الافتراضية والاحتيالية – أي على المعرفة غير المدحوضة. سيكون المبادرون هنا دائماً أولئك الذين لديهم موارد طبيعية أقل واستعداد أقل لبذل الجهود الكدحية الحقيقة من أجل تحقيق طموحاتهم المبالغ بها. ليست الأطلنطوية اليوم مفهوماً سوسيوثقافياً وجيوسياسياً وحسب. إنها تعني كذلك وسطاً خاصاً صالحاً لترعرع الألاعيب والأساطير الافتراضية.‏

وبالعكس, فالقارة الأوراسية مدعوة للدفاع عن "مبدأ الواقعية", بمواجهة "مبدأ المتعة" الأطلنطلي به. إن واقعية القارة - هي موارد طبيعية هائلة وموارد بشرية لا تنضب إذا ما أخذنا الهند والصين بالاعتبار.‏

أما في ما يخص روسيا ودول منطقة المحيط الهادئ الأسيوية الصناعية الجديدة فإن فرصتها الاقتصادية الخاصة هي اليد العاملة الرخيصة, لكن المؤهلة تأهيلاً عالياً والمدربة. يشكل تضافر رأس المال الطبيعي الهائل والرأسمال البشري أساس اقتصاد القارة الفيزيائي, المواجه لاقتصاد المضاربين الماليين العولميين الطفيلي.‏

السؤال الأساسي هنا هو هل يعتبر الاقتصاد الفيزيائي في حسابات الثقافة الكبرى سلفياً أم أنه, على العكس من ذلك, فائق المعاصرَة. إنني أتنبأ بتكوّن مدرسة فلسفية طبيعية جديدة توحد المجرِّبين الطبيعيين, والاقتصاديين والأخصائيين في مجال التسويق والمختصين في العلوم الإنسانية – بناة الأنماط المرموقة والمغرية, التي ستكون وظيفتها الحط من قدر صناعة المقلدات والبدائل المضرة بصحة الإنسان الجسدية والأخلاقية. ستكشف هذه المدرسة عن جدارة المنتجات الطبيعية في تناسبها الغامض مع متطلبات الجسد والروح البشريين, المساوي تماماً لتناسبها مع متطلبات العصر العامة المتعلقة بالموثوقية والأصالة. وكما تذكر الرواقيون المتأخرون الإيونيين – أي المدرسة الفلسفية الطبيعية في الحضارة القديمة المبكرة, إذ وجدوا فيها الترياق الشافي من زعزعة الانحطاط الهلنستي, سيترتب على عصرنا أن يتذكر الفلاسفة الطبيعيين في عصر النهضة ويتحالف معهم في صراعه مع "العالم الافتراضي" الحالي.‏

وهنا سيترتب على المدرسة الفلسفية الطبيعية أن تصطدم مع أساتذة الفن الافتراضي مباشرة - أي مع مؤسسي "الريع العقلي" كثيري العدد, هذا الريع الذي يرفع أضعافاً مضاعفة سعر تلك المقلدات والبدائل, التي "إذ اختارها (الغرب) حرفة نافعة" يرضي بها "ذوق الجائعين"(11) من السكان الأصليين الساذجين الذين يحسبون المزيَّفات "المرموقة" ثروة حقيقية. ليس لمؤسسي "الريع العقلي" المعاصر في أغلب الأحوال أي علاقة بإنجازات المخيلة العبقرية, التي أدت إلى تحليق الحداثة الكلاسيكية العلمي التقني. إن حب الاطلاع الفاوستي الأصلي النافذ إلى أسرار الطبيعة قد استبدلت به منذ زمن المراوغة الاحتيالية التي ما عادت تستطلع الطبيعة بل نفسية الإنسان المعاصر غير المستقرة.‏

ينبغي القول إن النمط البرجوازي المضارباتي المعاصر في خصام شديد مع الوسط البحثي للنمط الفاوستي, مفضلاً عليه التحالف مع حشد المصممين وصانعي الصورة الكبير, الذين تنحصر مهمتهم في دس السلعة السيئة للمستهلك في تغليف معاصر. لا زال الضغط على هذا الحلف من الأسفل, من جانب المستهلكين المستائين والمنتجين النزيهين, غير كاف من أجل إسقاطه. للفوز بالمعركة مع العالم الافتراضي من الضروري تحديد المهام في معسكر فئة المثقفين المبدعين. على ذلك القسم الذي لا زال محافظاً على الهبَّة الفاوستية والأخلاق المهنية الحقيقية, أن يدافع عن ما هو علمي حقاً ومتوافق مع مبدأ دحض المعرفة من ضغط الشعوذة الجديدة التي تخدم سحرة صناعة الأشكال الاحتيالية وأولئك الذين يضعون أنفسهم تحت تصرفهم بشهوانية مازوشية.‏

ستبني المدرسة الفلسفية الطبيعية المقبلة نمطها الثقافي الخاص المتميز برفضه لكل ما هو اصطناعي – كما في منتجات الطلب اليومي كذلك في العلاقات الإنسانية والممارسات الاقتصادية والسياسية. سيصير تابعاً لهذه المدرسة كل من يثير فيه المحتالون و"محركو الدمى" النفور , وكل من يثمن صحوة وعيه وفكره السليم وكرامته. فالصناعة الاحتيالية المعاصرة تعتدي في الوقت نفسه على سلامة فكرنا وعلى كرامتنا, لأن في أساسها تكمن الموضوعة التي تنص على أن من لا ينتمون إلى عداد المختارين لا ينبغي أن يكون لديهم كرامة.‏

هنا تحدث مواجهة بين مقولتين أنثروبولوجيتين: الحسية السليمة التي تدعو بحزم إلى التماس الأصيل مع العالم والحسية الانحطاطية العصابية المتعطشة إلى التأثيرات الإدمانية وخداع الذات. تشد الأولى إلى الكونية المشرقة, وإلى الطبيعة باعتبارها منبع كل ما هو متناغم وموثوق؛ وتشد الثانية إلى العالم الافتراضي الذي يولد التأثيرات الإدمانية. ينبغي أن يطال هذا التفريق النخبتين الاقتصادية والعلمية, فيعاد الاعتبار إلى قادة الإنتاج والخبراء والمنظِّمين الذين ربطوا مصيرهم بالاقتصاد الفيزيائي الذي بنتج بضائع وخدمات حقيقية والذين يدفعون اليوم إلى الغيتو من قبل رجالات الاقتصاد الافتراضي. وستحدث في المجال العلمي صحوة جديدة لذلك الوسط البحثي المدعو إلى استكشاف أسرار الفضاء العميقة وإنزال النار الكونية إلى الأرض – على شكل منابع طاقة وتكنولوجيات جديدة.‏

إن طاقة الهبَّة الإبداعية الفاوستية مرتبطة بنبض الثقافة التماوجي – أي بومضات وتألقات تلك الأفكار التي تتولد بفضل الإلهام الحر, وليس تحت إملاءات السلطة السياسية أو الاقتصادية. حين نتحدث عن الأبحاث الأساسية بالمعنى الخاص للكلمة, فإننا نقصد نوعين من الغوص – الغوص في أعماق المادة والغوص في أعماق الحرية. إن هذا وذاك متطابقان على نحو غامض. إن الاستجابة المداهنة والعجولة للمتطلبات النفعية تكتفي دائماً بالمعرفة الملطِّفة – أي بما يوجد على السطح وينفع في أحسن الأحوال من أجل التصحيحات الجزئية – أي "عقلنة" ما هومعروف ويحظى بالرضى.‏

لقد صار الإنسان الغربي أحاديُ البعد أحاديَ البعد لأنه فقد القدرة على الدفاع عن عالمه الداخلي من تدخلات العلانية العارفة بكل شيء ومن طالبي النافع والممتع. صارت الثنائية الجسيمية التماوجية في الثقافة, التي يتغذى فيها الجسيمي - المتحول إلى سلعة, من طاقات الإبداع الحر التماوجية, تختفي في مجتمع الغرب المعاصر أحادي البعد. لا يعني هذا أن المبدعين من التشكيلة الأساسية السابقة ما عادوا موجودين هناك. بل يعني وحسب أنهم راحوا يصيرون غرباء في وطنهم. إن انتشار النهج المنظوماتي الوظيفي الذي يدعو الجميع إلى تنفيذ الوظيفة المعطاة وإلى خدمة المنفعة لا يترك أوقاتاً أو ثقوباً حيث يمكن للانطوائية الإبداعية المحشورة في الركن أن تختبئ فيها وتلتقط أنفاسها مرة أخرى.‏

فلنحاول تدقيق مفهوم الفئة المثقفة (الإنتلجنسيا), الذي صار اليوم كلمة نابية على شفاه شتى أنواع الوظيفيين والنفعيين. فئة المثقفين هي تلك الشريحة من الناس المرتبطين مهنياً بجو الإنتاج الروحي والذين يُخضِعون نشاطهم للمبادئ التالية:‏

أ) خدمة الحقيقة, وليس المنفعة: النفعية هي ما يرافق الحقيقة حتماً, لكن كنتيجة فقط لا كمقصد؛‏

ب) تثمين الرسالة غير الشكلية التي تقع على عاتق أسرتهم المهنية واعتبارها أسمى من جميع الأوضاع الرسمية والجوائز والتشريفات؛‏

ت) مواجهة ضغط المعاصَرة ومعاييرها الصارمة بالتقاليد الكلاسيكية, المعتبرة شريكة ضد متطلبات الأوضاع المتقلبة. ثمة لكل مجال من مجالات الإنتاج الروحي كلاسيكيته الخاصة التي تظل مقياساً سامياً ومنبعاً للقدرة الأخلاقية على المقاومة.‏

ث) أن تكون "واقعية" بالمعنى الفلسفي للكلمة, لا أن تكون اسمانيةً, أي أن تشرح الخاص على أساس الكلي (العام), وليس العكس.‏

يستحق الأمر التوقف عند البند الأخير, لأنه, تحديداً, قد يواجه الاعتراض الأكبر. يتلخص الأمر في أن المعرفة الدقيقة تدين بولادتها للتخلي عن مبادئ الحكمة التقليدية المتطرفة: يفضل العلم الفاوستي, عوضاً عن البدء بإدراك الكلي, أن ينحدر بالمعقد إلى البسيط, وبالكامل إلى الأجزاء وبالحي إلى غير الحي. لقد أعطت هذه اللعبة على التخفيض – التخفيضية العقلانية – ثمارها, لكن تبين أن النفقات كانت عظيمة: تماوت الطبيعة الذي أدى إلى أزمة بيئية, وإلى ضياع الفهم المتكامل المؤدي إلى تجزيئ المعرفة تجزيئاً لا نهائياً, والفاقد الأفق العام, وإلى نفاد كمون الأفكار الأساسية.‏

ليس في مقدور العلم الغربي معالجة هذا المرض إلا إذا التفت من جهة إلى وصايا كلاسيكية العهود القديمة, ومن جهة أخرى إلى موروث الحكمة الشرقية العظيمة. لقد قدمت معرفة العهود القديمة, قبل أزمتها في العصر الهلنستي المتأخر, العام على المنفصل, ووضعت الجوهر المخفي في أساس الظواهر. يدور الحديث في الأنموذج القياسي الأفلاطوني عن الأفكار الأولية قياساً على الأشياء والظواهر التجريبية, أما في أنموذج ارسطو القياسي فيدور عن الأشكال التي تنظم المادة. إن أمامنا في الحقيقة عقيدة الأصولية العلمية, التي تطلب اليوم أيضاً سبر أعماق الظواهر, وهناك, تحديداً, إيجاد وحدتها الخفية – أي عمومياتها الأنتولوجية.‏

قررت الثقافة في الحداثة المتأخرة أن تستغل الظواهر بالمفرق – أي من غير انتظار إيضاح مغزاها الأصلي العام. لقد أعطى هذا الأمر نتائجه المتقلبة, لكن اليوم تحديداً حان الوقت لدفع ثمن هذا التقلب. إذ صارت الطبيعة هشة إلى أقصى حد بات رد فعلها تجاه الاستغلال غير المعتدل من جانب المعرفة غير المهتمة بالمقدمات والعواقب العامة يتخذ على الفور شكل أعطال وأزمات متكررة.‏

كان في مقدور حتى التقنيات الفظة أن تعطي نتائج مقبولة سابقاً حين لم يكن قد بُدِّد بعد كمون الطبيعة الطبيعي. أما اليوم فيتطلب الحصول على نتائج مماثلة أساليب أكثر نقاء وجهوداً أكثر توتراً.‏

لقد نضج عموماً الانقلاب الحاسم في التعاطي التكنولوجي مع العالم؛ ينبغي اليوم حتماً أن تسبق معرفة اللوحة العامة التعاطيات الذرائعية لكي تحول دون تدميريتها المتهورة.‏

لكن لهذا الغرض يحتاج نمط العقلانية الغربي إلى لقاح ثقافي ما من الخارج. تستحق إعادة إنشاء الأحكام الذهنية المتكونة اسم الإصلاح. فكما أنجز الإصلاح الديني في أوربا باعتباره محاولة للعودة الجديدة إلى النص الأولي – أي الكتاب المقدس, كذلك يمكن اعتبار إصلاح المعرفة العلمية ممكناً على أساس العودة إلى كلاسيكية العهود القديمة الطبيعية الفلسفية, وكذلك من خلال التوجه إلى الكلاسيكية الشرقية. إن هذين الشكلين الكلاسيكيين متشابهين في أن النمط "التماوجي" في إدراك العالم فيهما المرتبط بأولوية العام على المنفصل يتقدم على نمط الإدراك "الجسيمي".‏

إن تحليل الحداثة, وخصوصاً المتأخرة, مرتبط بالإجراءات التخفيضية: يفسر المعقد على أساس البسيط – أي من صفات العناصر المكوِّنة. أما نمط تحليل العهود القديمة مثله في ذلك كمثل النمط الشرقي فيتصف بأحكام معاكسة: يُستَنتج البسيط من صفات المعقد؛ تسير طريق المعرفة على هذا النحو من الأعلى إلى الأسفل, وليس من الأسفل إلى الأعلى كما في العلم الغربي. بات اليوم العلم ما بعد الكلاسيكي المعاصر يستوعب في بعض جوانبه أحكام هذا التحليل القديم. إن الطريق إلى الاكتشافات الأساسية ليست ممتدة الآن عبر تحديد الاختصاصات اللاحق في العلم وعبر إجراءات التحليل "الجسيمي" الأخرى, بل عبر تكاملها, الذي يتمثل في الإجراءات الهادفة إلى اكتشاف العموميات والكليات المُغْفلة.‏

لا يمكن إدراك مثل هذا التحول في الذهنية العلمية عبر إعادات التنظيم الداخلية وحدها؛ يحتاج الأمر إلى تطور ثقافي عام, ففي نهاية المطاف تتغذى كافة أنواع الإبداع, ابتداءاً من الإبداع الاقتصادي وحتى العلمي والفني, من حقل الثقافة العام. تولد تغيرات التوترات في إطار هذا الحقل طاقةً تغذي أنواعاً من الإبداع أكثر تخصصاً. من الواضح أن النبض "التماوجي" قد أضعف في الثقافة الغربية؛ لقد أزاح التقني ورجل الأعمال تماماً تقريباً الأنماط الحاملة في ذاتها إلهام التوجه الأصولي. سيأتي المدد من الشرق. ومن المرجح تماماً أن المثقف في الغرب سيعتبر في القريب العاجل هو ذاك الذي يستوعب الأحكام الفكرية الشرقية المرتبطة بأولوية العام على المنفصل والسامي على السفلي.‏

كذلك تماماً ستحظى الأحكام البحثية الأصولية التي صارت معارضة في إطار الثقافة الغربية برد الاعتبار والدعم بتوجهها إلى التقاليد الشرقية.‏

وهكذا, من المهم في أثناء التفتيش عن البدائل أن لا ننحدر إلى نمط "الريترو", أن لا نتراجع إلى الماضي بحثاً عن المواقف المضمونة – فهي غير موجودة هناك. المضاربون المعاصرون تحديداً, الذين شوهوا أفضل أفكاره, هم الذين يحاولون إحباط عزيمة المعاصرين بخيارات كاذبة: إما الديمقراطية أو الشمولية, إما السوق أو المنظومة الإدارية الأوامرية. في حقيقة الأمر ليس لدى الديمقراطية والسوق اليوم أنداد. البديل الحقيقي موجود داخل الديمقراطية ذاتها وداخل منظومة السوق. يدور الحديث عن إن كنا نفهم الديمقراطية الليبرالية على أنها عودة إلى وضع الاصطفاء الطبيعي الذي تراقب فيه الدولة والمجتمع مراقبةً سلبيةً كيف يزيح الأقوياء الضعفاء, أم أننا نفهم الديمقراطية بمعناها الاجتماعي (وليس الطبيعي) – أي باعتبارها قواعد لعبة حضارية تهيئ إلى حد ما فرصاً متساوية للجميع, وتحمي بذلك المجتمع من تطرف اليمينيين واليساريين.‏

كذلك الحال في ما يخص الاستثمار في السوق, فالمسألة لا تنحصر في إن كنا نقبله أم لا؛ بل تنحصر في إن كنا نتعامل مع الاقتصاد المنتج باعتباره لعبة ذات محصلة إيجابية أم مع اقتصاد المضاربات الذي يستولي فيه رجال الأعمال والمحتالون الذين لا ينتجون أي شيء حقيقي على ثروات المجتمع غير المحمية.‏

على عاتق من غير فئة المثقفين ملقاة مسؤولية إيضاح هذه المسائل من غير أن تتيح لمحتالي الرأي العام حرف انتباه الناس عن الاختيار الفعلي والخيارات الحقيقية؟‏

أضف إلى ذلك أن هذه الخيارات في نهاية الأمر ترتكز كلها على خيار يمس فئة المثقفين مهنياً ويقرر مصيرها التاريخي. يدور الحديث عن طبيعة المجتمع المعلوماتي المعاصر. هل نتحدث عن المعلومة المستندة إلى المعرفة "غير المدحوضة" والموجهة إلى حساسيتنا الذاتية, التي يلعبون عليها بلا خجل, أم أننا نتعامل مع المعرفة العلمية الموثوقة, الخاضعة لمعيار الموضوعية وقابلية التحقق منها. حين يتحدثون اليوم عن "الاقتصاد المعلوماتي" فإنهم يقصدون في الغالب نمط المعرفة الاحتيالي المجند حيث تجري الألعاب المضارباتية الكثيرة. هذا هو اقتصاد "الكازينو العولمي" الذي يشكل رأس المال الدولي.‏

لكن مفهوم الاقتصاد المعلوماتي قد يتخذ معنى آخر تماماً حين يدور الحديث عن الاكتشافات العلمية البحثية والمعالجات التطبيقية التي تسمح بزيادة إنتاجية العمل الاجتماعي على شكل قفزات. يمكن في هذه الحال فقط الحديث عن التقدم الاقتصادي الحقيقي باعتباره لعبة ذات محصلة إيجابية يكون الرابح فيها هم الجميع.‏

يخص هذا الخيار نفسه عالم السياسة أيضاً. يمكن قياس التقدم السياسي بنمو الشرائح التي تحصل على سيادتها السياسية – أي التي تحصل على إمكان المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية الأهم. هذه هي الديمقراطية في الواقع. لكن بشرط واحد: إذا كانت منظومة اتخاذ القرارت لا تشبه صندوقاً ذا قعرين, فيقرر بعضهم فعلياً وبين أيديهم معلومة موثوقة, بينما يخيل لبعضهم الآخر أنهم يقررون لأن مشاركتهم السياسية لا تترافق مع إمكان وصولهم إلى المعلومة الحقيقية. إنهم يضعون اليوم الشعب فعلياً أمام خيارين: إذا تبين أنه "قابل للتصديق والإيحاء بما يكفي فإنهم يبقون له الديمقراطية" – أي حق المشاركة في الانتخابات, أما إذا أعلن عن أنه فطن بما فيه الكفاية ولن ينساق وراء الاختيار الذي يروق للنخب الحاكمة فإنهم يحرمونه حينئذ من الديمقراطية بحجة أنه ما زال ناقص الأهلية الديمقراطية.‏

كما نرى فإن المسألة حول طبيعة المجتمع المعلوماتي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمسألة الأنثروبولوجية التي تمس طابع الحسية المعاصرة. يمكن أن تكون الحسية اجتماعيةً أو لااجتماعية, شُجاعة أو معدومة الإرادة. في الحال الأولى تكون مفتوحة للأسئلة عن الحقيقة والخير والعدالة, أما في الحال الثانية فهي مستعدة للاكتفاء بالأشباح. والذي يورد لها هذه الأشباح هو "المجتمع المعلوماتي" في أقنومه الافتراضي حين تبدأ تفعل فعلها المعرفة غير المدحوضة تحديداً. يجد الطابع المزدوج للمعرفة, التي يمكن تفسيرها على هذا النحو أو ذاك, وعلى شكل "نعم", وعلى شكل "لا", دعامته في الحسية المزدوجة المستعدة في أحيان كثيرة جداً للاكتفاء "بالإرضاءات الرمزية".‏

بكلمات أخرى, لا يستطيع أولئك الذين يغتصبون الحقيقة مكوِّنين شتى أنواع "الحقائق الافتراضية" أن يمارسوا عملهم بنجاح إلا في وسط اجتماعي يكون هو ذاته سعيد بتعرضه للخداع, ويشك محقاً بأن المعرفة الحقيقية ستُلزِمه بالخيار الشجاع وبالأفعال الحقيقية. حين لا تكون هذه الشجاعة وهذا الاستعداد للقيام بالأفعال موجودين فإن "الخداع الذي يرفع من شأننا أثمن عندنا من ظلمة الحقائق السفلية".‏

ثمة أساس للشك في عدم إمكان الاستغناء اليوم عن نوع من الاتفاق الصامت بين المخادعين والمخدوعين. لا يخفي المخادعون الحقيقة فقط, بل إنهم في أحيان غير نادرة يهوِّلون منها , موحين بأن لها وجه غرغونة(12). ألم يُخِفْنا فلاديمير جيرينوفسكي من الحقيقة حين تحدث لأكبر كتلة برلمانية جماهيرية مشيراً إلى أن الحظ قد حالفها حين لم تحصل على عدد الأصوات اللازم دستورياً من أجل تطبيق إجراءات نزع الثقة؟ لقد ألمح بوضوح إلى وجود رد جاهز غير دستوري على الإطلاق في جعبة السلطة لو أن التهديد صار حقيقياً. وكم من مرة قدر لنا أن نقتنع قبل ذلك وبعده أن "ديمقراطيتنا" ما هي إلا ابتسامة المهوِّل, المستعد لاستبدال التكشيرة بها إذا ما أعلنا أننا لا نخضع للتهويل.‏

فما الذي نحتاج إليه كي تصير حسيتنا شجاعة وتنطق بالحقيقة لا بالألاعيب والأوهام الافتراضية؟ كيف نخرق التوافق الصامت بين المخادعين والمخدوعين, هذا التوافق القابع على ما يبدو في أساس أكبر تزييف لعصرنا – أي تشويه الطبيعة ذاتها بالثورة المعلوماتية؟‏

إنني ميّال إلى أكثر الفرضيات موثوقية – أي إلى أن الذي يكوِّن الحسية التي تطلب الحقيقة وليس الخداع هو الإيمان الديني. هو وحده الذي يمنح حسيتنا الشجاعة والاستعداد للانفتاح على الحقيقة. ثمة هنا مفارقة من أعمق مفارقات الثقافة: من أجل الاستعداد لفهم الحقيقة الموضوعية يلزم الإيمان؛ على هذا النحو يعتبر نمط الوعي المؤمن قاعدة العلم السوسيوثقافية باعتباره نمط معرفة مدحوض.‏

تشهد الدعاية ما بعد الحداثوية لتعددية المعنى – أي لتلك المعرفة التي تتملص من حكم التجربة, على المرحلة الأخيرة من عملية العلمنة. لقد حاربت الحداثة الإيمان الديني, لكن أصنامها نفسها – أي التقدم والمساواة والحرية تدل على أشكال متحولة من الإيمان الديني والإلهام الديني. حين نفد هذا الإلهام صارت تختفي في الثقافة المقدرة على قول "نعم" و"لا" – أي المقدرة على التحلي بالمنطق التفريقي ثنائي المعنى. في هذا البند تحديداً صار شكل المجتمع المعلوماتي المعاصر مزدوجاً؛ صار منذ الآن غير واضح إن كان الحديث يدور عن تحول العلم اللاحق إلى قوة منتجة مباشرة – أي قاطرة التقدم الحقيقية, أم أنه يدور عن إنشاء واقع افتراضي قادر على إرضاء رمزي لحسيتنا الطيِّعة.‏

يدور الحديث في الحال الأولى عن مدلولية التقدم – أي عن التحولات الحقيقية في حياتنا المقاسة بالمعايير الموضوعية المتعلقة بالاكتفاء والكرامة والحرية. أما في الحال الثانية فيدور عن رمزية التقدم, والاحتيال عليه بوساطة الإشارات والرموز. لقد ظهر في زمننا اللاديني الكثير الكثير من الطبائع الضعيفة, المستعدة للموافقة على الإرضاء الرمزي – فقط على أن لا تضطر إلى الانتظار طويلاً وإلى بذل جهود حقيقية. لقد فقدت في أعماق روحها الثقة بشبه الإنسان بالله وما عادت تؤمن ببنوتها له. من هنا ينبع الخوف من أن كل شيء يمكن أن يحدث لها, ولذلك لا يستحق الأمر المخاطرة والرد بشجاعة على التحديات وطلب ما هو حقيقي وليس رمزياً. لكي يحب الناس الحقيقة من جديد ويمتلكوا الشجاعة على النظر إلى عينيها مباشرة – متسلحين من أجل ذلك بالمعرفة العلمية الحقيقية – فإنهم يحتاجون إلى الإيمان.‏

في الغرب نفدت منابعه منذ زمن بعيد. لذلك فالمنعطف القادم نحو الشرق. ومع أخذ ذلك بعين الاعتبار فإننا نصوغ شكل فئة المثقفين الجديد, مجندين من أجل ذلك البداهات الثقافية والجيوسياسية.‏

إن قلب فئة المثقفين الأصيلة اليوم في الشرق وعقلها في الغرب. يمنحها الشرق الإيمان والقدرة على التضحية باسم العدالة المغتصبة. أما الغرب فيمنحها العقلانية بأحدث حللها. لا يمكن الدفاع عن المجتمع المعلوماتي بمعناه الأصيل – أي بمعنى النضال ضد الشاذين الافتراضين وأتباع المعرفة غير المدحوضة – إلا بتوحيد الإيمان والمعرفة. يمنح الإيمان حسيتنا الضعيفة الاستعداد لفهم المعرفة الموضوعية وأن لا نتخلى عنها في أثناء اتخاذ القرارت المسؤولة.‏

(1( - تيار في العلوم الاجتماعية في القرنين 19 و20 هدف إلى مماثلة العلوم الاجتماعية بالعلوم الطبيعية بالأساليب و بالوظائف في المجتمع (المترجم).‏

(2( - جان فوراستيه (ولد عام 1907) اقتصادي وعالم اجتماع فرنسي. اعتبر أن التقنية هي العامل المحدد للتطور الاجتماعي, والمؤدي إلى "استبدال الحضارة" المتوالي – الحضارة الأولى (الاقتصاد الزراعي), الحضارة الثانية (الصناعة), الحضارة الثالثة (مجال الخدمات) التي يتم تستبدل بها الحضارة المعاصرة الرابعة (الإنتاج الروحي). (المترجم).‏

(3( - Fourastie J. Idees majeures. P. 65.‏

(4( - المجموعات التي تعتبر معياراً للمجموعات الأخرى.‏

(5) Chossudosky M. Ibid. P. 20.‏

(6( - هنري فورد (ولد عام 1863) - مهندس ميكانيك, ومنظم إنتاج بارز, أسس أضخم مصانع السيارات في العالم. قاد في أثناء الحرب العالمية الأولى حملة من أجل إحلال السلام. اتهم بمعاداة السامية, وترأس جمعية مسيحية فتية مناهضة لليهود, وبرز أيضاً ككاتب, ساعياً في كتبه إلى البرهان على أن مصالح الرأسماليين والعمال متطابقة في العموم. أشهر كتبه "حياتي وإنجازاتي" (المترجم).‏

(7( - جورج سورس (1930) ولد في بودابست من أسرة يهودية, هدفه في الحياة بناء المجتمع المفتوح, درس الاقتصاد في لندن ثم انتقل إلى أمريكا (1956). مؤسس صندوق "كوانتوم" للمضاربة بالعملات, والذي بلغ رأسماله عام 1990 عشرة مليارات دولار. في 15/أيلول 1992, وبنتيجة عمليات قام بها سورس مرتبطة بهبوط الجنيه الاسترليني الحاد ازدادت ثروته بمقدار مليار دولار, وصار سورس يلقب بمحطم بنك إنكلترا. أسس صناديق "خيرية" مماثلة في 25 بلداً, منها صندوق "المبادرة الثقافية" في الاتحاد السوفييتي (1988) لدعم العلم والثقافة والتعليم, والذي سرعان ما أغلق لأن الأموال المخصصة له لم تذهب في الوجهة الصحيحة, ثم أسس صندوق "المجتمع المفتوح" في روسيا عام 1995, له العديد من المؤلفات منها "اكتشاف النظام السوفييتي" (1990) و"دعم الديمقراطية"(1991). (المترجم).‏

(8( - ألبرت كامو (1913 -1960) كاتب وفيلسوف وجودي فرنسي. من مؤلفاته "الغريب" (وفي ترجمة أخرى "الآخر") (1942) "كاليغولا" (1944),, "السقوط" (1956), "أحاديث نمساوية"‏

(1958). صار إبداع كامو المشبع بالنقدية الاجتماعية الإبداع المعبر عن الوعي التراجيدي في القرن العشرين. حائز على جائزة نوبل (1957). (المترجم).‏

(9( - تارتيوف هو بطل كوميديا موليير "تارتيوف", وتعني بالفرنسية الزنديق أو المخادع أو المنافق (المترجم).‏

(10( - انظر مثلاً: ل. لاروش. الاقتصاد الفيزيائي. موسكو, 1997.‏

(11( - مقتطفات من الرواية الشعرية "يفغيني أونيغين" للشاعر الروسي الكبير ألكسندر بوشكين (المترجم).‏

(12( - إحدى أخوات ثلاث في الميثولوجية الإغريقية, مكسوات الرؤوس بالأفاعي بدلاً من الشعر , وكان كل من ينظر إليهن يتحول إلى حجر. (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 06:25 PM
الفصل الثالث هل التوافق الأهلي ممكن في ظروف العالم العولمي؟:
ـ محصلة القرن العشرين مغامرات الإنسان الاقتصادي




صار زمننا يمثل "لحظةَ الحقيقة" في الكثير من جوانبه. وربما كان الجانب الرئيسي من بينها هو ذلك الذي يمس مفهوم البرجوازية باعتبارها ذاتَ الثروة وذاتَ التاريخ. لقد كونت الفترة بين نهايتي الحربين – الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة – جيلاً تشكل عنده تصور خاص تماماً عن البرجوازية لا يشبه ذلك الذي كان لدى الأجيال السابقة. تحدثنا في القسم الأول من الكتاب(1) عن رد الاعتبار للبرجوازية على يد ماكس ويبر, الذي أفادت حججه المصلحين والليبراليين ما بعد السوفييت المحتفلين بانتصارهم على الشيوعية. لكن ما فعله جون كينز(2) ومن اتبعوه في السياسة الاقتصادية الاجتماعية التطبيقية – أي بناة "المجتمع العظيم" في أمريكا والدولة الاجتماعية في أوربا الغربية, كان كثيراً أيضاً من أجل رد الاعتبار للبرجوازية. صار مراقبو الحصيلة الجاهزة لهذه الجهود كلها في مختلف بلدان العالم – كان بينهم الجيل السوفييتي من مرحلة ذوبان الجليد الخروتشوفية – يفهمون البرجوازية على نحو مختلف تماماً عما وعد به معلمو التناول الكلاسيكي الماركسيون. هبط عليهم انشراح غير معهود: خيل لهم أن ذلك البرجوازي الذي يقتنع بالحجة والشريك الاجتماعي المنصاع للقانون وصاحب الدولة الاجتماعية الصالح بمثل طبيعة البرجوازي ذاتها باعتباره "الإنسان الطبيعي"الذي تحدث المنورون عنه.‏

لقد تغلب "الإنسان الطبيعي" الليبرالي على "إنسان الماركسية الطبقي" وقد استمرت هذه الغلبة حتى 1998, حين وقع كما يكتب المراقبون "التحدي الأكثر جديةً بعد انتهاء الحرب الباردة لاقتصاد السوق الحر"(3).‏

عام 1998 حدث في مختلف المناطق العالمية, من روسيا حتى منطقة المحيط الهادئ الأسيوية, انهيار الهرم الاقتصادي الليبرالي – أي هرم الـ "???" العولمي الشهير المشاد عملاً بنصيحة صندوق النقد الدولي وبضغط منه. لقد أعلنت القرصنة الاقتصادية العولمية, المستغِلّة إمكانات رأس المال قصير الأمد ذي القدرة الكبير على الحركة, والذي يتدفق في لحظة فيقص قسائم الأرباح ويتبخر في اللحظة ذاتها, التحدي في وجه حب العمل لدى مئات الملايين من البشر المراقبين لثرواتهم وهي تفقد شكلها المادي وتسبح خارجة إلى ما وراء الحدود. تحولت أزمة عام 1998 المالية إلى درس قاس للمصدقين زيادةً عن اللزوم – أي لأولئك الذين صدقوا مسلمات الليبرالية الاقتصادية, المدافعة عن إلغاء أي رقابة وطنية على رؤوس الأموال.‏

لكن لحظة الحقيقة لم تمس فقط النظرية الليبرالية حول "المجتمع المفتوح", الذي لا يعيق حركة رأس المال الحرة عبر العالم كله بحثاً عن الربح الأعظمي. لقد مست أيضاً سلوك الطبقة البرجوازية الاجتماعي الداخلي. ما إن انهارت المنظومة الاشتراكية العالمية – خصم الرأسمالية – وتم إضعاف عزيمة الحركة العمالية المترافق مع هذا الانهيار في الغرب ذاته حتى راحت البرجوازية تطلب بحزم تفكيك الدولة الاجتماعية والتحول إلى قانون الغاب – أي إلى الاصطفاء الطبيعي الذي لا يعوقه شيء "للقادرين على التكيف مع السوق".‏

كان اختيار اللحظة ناجحاً فعلاً. للحداثة الديمقراطية, كما هو معروف, قطبان: ديمقراطية الحرية الليبرالية (laissez -faire) [سياسة عدم التدخل], وديمقراطية المساواة الراديكالية. جذبت البلشفية نواس الديمقراطية بعيداً باتجاه قطب المساواة اليساري الراديكالي, مما يوجب الآن, بعد أن أفلت من يد الدولة "البروليتارية" الشمولية, أن يطير هذا النواس حتماً بعيداً إلى اليمين – إلى الليبرالية اللامحدودة (في الإيديولوجيا على الأقل). لكن لم تلبث أن ظهرت تأثيرات النفسية الاستهلاكية الجماهيرية . تدل التجربة على أن الجماهير في الغرب وفي الشرق تفضل مصير من ضُمِن له "الخبز والفرجة" على فن النشاط الذاتي الديمقراطي المدني الصعب.‏

يفضل ذلك الذي تهمه نوعية العمليات الاجتماعية – الإنتاجية أو السياسية الاجتماعية, وضع من يكون صاحب مصيره على وضع المستهلك. أما أولئك الذين يهتمون بالنتيجة الاقتصادية الجاهزة فميالون إلى التنازل عن حق اتخاذ القرار لأولئك الذين يعدون بالفاعلية القصوى بشهادة التكنوقراطيين الأخصائيين. رداً على هذا الطلب على الفاعلية تحديداً ظهرت إيديولوجيا السوق الليبرالية أو السوق الخالصة. قال ممثلوها: إذا رحتم تهتمون بالعدالة الاجتماعية فإن مصيركم هو الاكتفاء بإعادة توزيع الكعكة العامة, التي ستتناقص حتماً تحت تأثير البيروقراطية غير الماهرة. أما إذا كففتم عن الاهتمام بالتوزيع العادل وتركتم حل كل شيء لأوتوماتيكية السوق فإن الكعكة العامة ستنمو بسرعة وستكفي الجميع.‏

الآن, حين نراقب العواقب الفعلية للبرلة السوق اللامحدودة, من المهم أن نتعرف على سر جاذبية نظرية السوق. تكمن هذه الجاذبية في الحق بالخمول الأهلي: أوتوماتيكية السوق مبنية على نحو عجيب بحيث أنها تعطي من تلقاء ذاتها أفضل النتائج الاقتصادية من غير أي توتير للإرادة السياسية والأخلاقية, وعلى الرغم من السلبية الاجتماعية التامة من قبل المواطنين والدولة.‏

لقد استحوذ هذا التصور عن السوق, الشبيه بالتصور عن الطاحون العجيبة التي تخبز الكعك الجاهز, على الجماهير لأن حسيتهم المتراخية تطلب السلبية. والآن حان الوقت لدفع ثمن هذه السلبية. ما إن اختفت منظومة الموانع والتوازنات العالمية التي تمثلت بالبنى ثنائية القطب, حتى اكتسحت "الموجة المحافظة الجديدة" داخل البلدان التي شملتها اللبرلة, حواجز الدولة الاجتماعية وحزمت الطبقة البرجوازية أمرها على الثأر الذي انتظرته طويلاً. لقد خرجت على نحو غادر من منظومة التوافق المدني السابقة, المتأسسة على التنازلات المتبادلة بين جماهير العمال الملتزمة بالحفاظ على الانضباط الإنتاجي والاجتماعي, وأرباب العمل الملتزمين باحترام صلاحيات النقابات ومتطلبات الدولة الاجتماعية.‏

كان من المفترض قبل ذلك أن السوق الحرة على النطاق العولمي والمحلي هي حوض هائل يمتص في البداية رؤوس الأموال من كل حدب وصوب (المهم فقط هو أن لا توجد موانع تحول دون ذلك), ومن ثم يعطيها بالقدر الأوتوماتيكي ذاته للاقتصاد الحقيقي الذي ينتج البضائع والخدمات. وها هي الجماهير التي صدقت ذلك تراقب النتيجة المدهشة: منذ أن راحت المنظومة الماصة, المتحررة من كافة العوائق من جانب الرقابة الحكومية وغيرها, تجمع كتلة لا مثيل لها من الرساميل صارت تبطئ لسبب ما بإعادتها على شكل استثمارات حقيقية.‏

بات رأس المال المتحرر من الإشراف والرقابة الاجتماعية يعمل الآن مثل منظومة ذات حركة أحادية الاتجاه: يحصل ولا يرد. لقد اتجهت الرساميل كلها, التي امتصتها المنظومة المالية الهائلة من الاقتصاد الحقيقي إلى لعبة المضاربات عوضاً عن أن تعيدها تلك المنظومة عبر قنوات أخرى. لا يعمل في الإنتاج الحقيقي سوى جزء ضئيل من رأس المال المصرفي. أما القسم الأكبر فلا يزال يدور في مجال الصفقات المضارباتية قصيرة الأمد. إن رأس المال التمويلي المتحرر من الرباط الوطني (العولمة!) يتحرر في الوقت ذاته من ارتباطه بالاقتصاد المنتج الحقيقي. وعوضاً عن أن ينفق على الاستثمارات المنتجة يهاجر من بلد إلى بلد بحثاً عن معدلات فائدة أكبر وعن غيرها من فرص المضاربة.‏

إن المتبع في ظروفنا الروسية هو إرجاع هروب رأس المال الكومبرادوري التمويلي إلى عدم الاستقرار السياسي والخوف من "إعادة تقسيم سوداء" جديدة. بيد أن هذا الهروب في حقيقة الأمر متوافق مع الحرص الفطري لدى الطبقة البرجوازية المعاصرة التي قررت من منطلق لذوي أن الإنتاج الحقيقي هو أمر محفوف بالكدح والمشاكل , ولا يستحق هدر الدهاء الاستثماري عليه. تجري أمام أعيننا عملية عالمية تاريخية متمثلة في انقلاب الطبقة المستثمرة إلى وسط ربوي مضارباتي لا مسؤول اجتماعياً, ولا يمتلك أي رابطة قومية, ويبدو أنه اتخذ سراً قراره بعدم الاشتغال في الاستثمار الحقيقي بعد الآن تاركاً هذا الأمر للسلفيين قليلي الحظ, وللدخلاء على الاقتصاد.‏

يغير هذا كله على نحو جوهري لوحة العالم, الذي ميزته الحداثة الغربية. في أفضل أوقات الحداثة اعتبر المضاربون والمرابون وأصحاب الريوع الثابتة تحديداً وسطاً اقتصادياً سلفياً آخذا في الانقراض مع الريوع والامتيازات الإقطاعية القديمة. لقد حولت الرأسمالية المتصادقة مع العلم, والتي امتلكت بمساعدته إمكانات الثورات التكنولوجية الكبيرة, الاقتصادَ إلى لعبة ذات محصلة إيجابية أغنت مع إغناء الرأسماليين الأمة كلها.‏

أما الآن فنرى أمراً معاكساً تماماً. يعود البرجوازيون الأكثر "تقدماً" والملحقين بنخبة المختارين الدولية إلى حرفة المرابين وأصحاب الريوع القديمة, مضفين عليها وقاحة غير معهودة وباعاً عالمياً. وبالعكس, يعتبر أولئك الذين لا زالوا مضطرين إلى الانكباب على عمل سلفي كالإنتاج الحقيقي دخلاء على الطبقة البرجوازية المعاصرة ومنصاعين لشروط "الحضرية القومية" المحتقرة. إن لإعادة توزيع الأدوار هذه مكافئها الجيوسياسي العالمي. الرأسمال الوطني المقيد بشروط الحضرية والمحتاج إلى تدابير الحماية الوقائية معروض على الأطراف العالمية التي وجدت نفسها ضعيفة تماماً بعد انهيار بنية العالم ثنائية القطب؛ وعلى العكس, يحظى الرأسمال التمويلي المضارباتي المشترك في الألعاب العولمية بحماية هائلة متجسدة بالدولة العظمى المنتصرة التي ترسي بحيوية نظام القطب الواحد العالمي.‏

الفضاء التمويلي العالمي الواحد الذي يمتلك الدولار باعتباره عملة ذات امتياز, وحرية انتقال رأس المال التمويلي المضارباتي إلى أي مكان على الكرة الأرضية من أجل امتصاص الموارد المحلية وتركيزها في المركز – هذا كله مربح إلى أقصى حد لأمريكا التي تشغل قمة الهرم المالي الهائل – هرم‏

"MMM" العولمي.‏

على هذا الأساس يبنى التحالف بين نخب المضاربين الماليين المحلية والدولة العظمى الوحيدة, التي ترى في تلك النخب "طابورها الخامس". كلما كان الشك الذي يثيره نشاط هذه النخب كبيراً في البلدان التي تسنى لهم فيها الكشف عن وجههم الحقيقي, ازداد استعدادهم لإضعاف السيادات الوطنية المحلية وتدميرها كرمى لموطنهم الطبقي الحقيقي – أي للولايات المتحدة الأمريكية. بدورها تبدو الدولة العظمى الوحيدة في عجلة من أمرها للاستفادة من خدمات "طابورها الخامس" مدركة أن هذه التقلبات السياسية المؤاتية جداً والناتجة عن فراغ القوة المتكون وعن تشتت أولئك الذين خيب أملهم الإيمان الاشتراكي القديم من المحال أن تدوم طويلاً. بالتالي, ينبغي الاستفادة أكبر قدر ممكن من الوضع المعاصر. من هنا قلة الصبر المشتركة لدى "الجدد" كلهم – ابتداءً من البرجوازيين الجدد وانتهاءً بالمنتصر الجديد في الحرب الباردة.‏

تُعقِّد هذه الظروف التنبؤ التاريخي طويل الأمد, المتعلق بمصائر الحداثة الديمقراطية كلها والتوافق المدني البينطبقي المرتبط بها. من الضروري تجنيد المخيلة للكشف عن الطيف الواسع لسيناريوهات التطور المحتملة.‏

(1( - انظر الفصل الرابع: "البرجوازيون الجدد في العالم العولمي".‏

(2( - جون مينارد كينز (1883 – 1946) إقتصادي إنكليزي, أسس النظرية الكينزية. أهم مؤلفاته "النظرية العامة في التشغيل الكامل والفائدة والنقود" (1936). (المترجم).‏

(3) - Wade R. The coming birth over capifar flows. // Foreign policy. N. -Y., 1998 -99, 113. P. 46.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 06:28 PM
ـ السيناريو التنبؤي الأول إعادة بناء التوافق المدني على أساس استبعاد ديسبورة الرُحَّل







من المهم عند وضع مثل هذا السيناريو أن لا ننجرَّ إلى "الإنشائية" السياسية الخالصة وأن نأخذ في الحسبان تأثير العوامل السوسيوثقافية العامة. يعتبر نمط التنبؤ السيناريوهاتي تباينياً في الغالب – إنه يفترض افتراق "المجرات الثقافية" بعد عبور نقطة التفرع أو, والنتيجة ذاتها, فعل قوانين الاستقطاب. من أجل استنفار الطاقة الاجتماعية في النضال ضد المجمع المالي المضاراباتي الذي يهدد بإعادة الرأسمالية من طورها الإنتاجي إلى المراباة القديمة, من الضروري الالتفات إلى مناهضي الاقتصاد الافتراضي الأكثر منهجية وغير المهادنين. يستجيب لهذه السمة نمط الرأسمالية الشعبي – أي نمط "مدمني العمل" الخارجين من سواد الناس, والذين قدر لهم أن ينظمو لأنفسهم عملاً مستقلاً غير كبير.‏

في حقيقة الأمر إذا كان المقصود هو نظرية السوق الكلاسيكية, فإن أمثال هذا النوع من المستثمرين الصغار والمتوسطين يعتبرون معياراً لها. السوق الحقيقية هي المنظومة المصادفاتية (التي لا يراقبها أي مركز), حيث يتنافس مجموع المنتجين المستقلين أمام المستهلك المستقل الذي يعتبر المرجعية الوحيدة صاحبة الحق في التشجيع والمعاقبة. راحت الرأسمالية الغربية تفقد هذه الملامح منذ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر, مع ظهور الشركات الضخمة التي تشد إلى الاحتكار وإلى فرض الرقابة على السوق وعلى المستهلكين أنفسهم. باتت رأسمالية الشركات الضخمة الجديدة تواجه مبدأ السوق الكلاسيكي "المستهلك على حق دائماً" بمبدأ "إنتاج المستهلكين الجدد" – أي بالتحايل المؤثر على الوعي الاستهلاكي الجماهيري. ما عاد المستهلك هنا هو الذي يشترع مشجعاً الإتقان الإنتاجي الذي يرضيه؛ والذي يشترع هو الدعاية الممولة من قبل المنتجين والتي تقود المستهلك, متزلفة إليه وفي الوقت ذاته مخيفة إياه من أن مصيره سيكون البقاء مغفلاً محتقراً وغير مسموح له بالدخول إلى المعاصَرة المرموقة. أما بطاقة السماح بالدخول إلى المعاصرة فهي اقتناء بضائع الشركات الأرقى سمعة التي تستغل ريع "صناعة الصورة" العقلي.‏

بني "اقتصاد الطلب" كله على التحالف بين الرأسمالية والبوهيميا – تلك التي تكوِّن أشكالاً وهمية للعالم, وتلك التي لا تستطيع العيش من غير التأثير الإدماني. ثمة هنا من الناحيتين التاريخية والسوسيوثقافية عالمان مستقطَبان. فمن جهة لدينا السوق القديمة الطيبة المؤسسة على التحالف بين المنتج الأبوي والمستهلك الأبوي. تُفسًّر الأبوية في بعض الأحوال على أنها عقدة سوسيوثقافية خصوصية معجونة من حب العمل القديم والمواظبة والمسؤولية – أي من كل ما جعله ماكس ويبر في زمنه "رأسمالياً" في مؤلفه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية". وفي الأحوال الأخرى تتمثل الأبوية في المشتريات الحريصة, الملبية للمتطلبات الطبيعية (الصحية), وفترة الخدمة الطويلة. ليس المطلوب من السلعة هو البريق الخارجي والتشبع الرمزي بالأوهام حول المكانة المرموقة والتحرر, وإنما المطلوب هو النوعية الحسنة ووضح الوظيفة.‏

نصطدم في الجهة الأخرى بالسوق "ما بعد الحداثوية" التي يشغل جانب المنتِجين فيها الدهاء المغوي, الذي لا يتاجر بالبضائع بالمعنى المباشر بقدر ما يتاجر بعلامات المعاصَرة المرموقة. ما هو مخصص هنا للوظيفة المباشرة التي تلبي المتطلبات الضرورية قليل جداً – يهدر القسم الأكبر من الجهود (كما الثمن الذي تكوِّنه) على استكشاف "عُقَد" المستهلك واللعب عليها. يفترض هذا التحليل النفسي الماكر للسوق وجود إعادة بناء مخفية عنا في صفوف المنتجين.‏

تبين أن حاملي المعرفة الصارمة المدحوضة – الميكانيكي والفيزيائي والكيميائي والكيميائي العضوي, الذين يبنون التكنولوجيا الجديدة, مثلهم كمثل أولئك الذين يطبقون هذه المعرفة في الممارسات الإنتاجية اليومية – المهندس الماهر والعامل المنضبط الحريص على شرفه المهني قد أزيحوا إلى حد كبير من قبل أخصائيي العالم الافتراضي – أي من قبل شتى أنواع المصممين الذين يودعون في السلعة حزمة متنوعة من المحتوى الرمزي الخالص. عوضاً عن أنسنة الإنتاج الرأسمالي التي توقعها ديمقراطيو الرعيل القديم واشتراكيوه جرى تحويله إلى علم إنساني. ونصيب علمائه الإنسانيين – أي بناة "الريع العقلي" الرمزي", المرتبط بمواصفات السلعة الاحتيالية، أكثر من نصف الربح المتكون في الإنتاج, وبالتالي فإن حصة الأجور المحصَّلة مرتفعة بالقدر ذاته.‏

يتمثل جانب المستهلك في هذه المنظومة الرمزية الجديدة بمرضى نفسيين تكاد لا تنطبق عليهم نظرية الاختيار العقلاني – ليسوا هم ذات الاختيار الأصلية هنا , بل أولئك الذين يرشدونهم – أي المعلمون الذين لا يحصى عددهم ومسددو خطى "المعاصَرة", الذين يزرعون فيهم الخوف من الاحساس بالنقص المرتبط بالانسلاخ عن المعاصرة ثم يعرضون في الوقت ذاته وعلى الفور بضاعتهم الفاخرة , الهادفة إلى القضاء على أي شك لدى من يقتنيها "بعدم مواكبته" للعصر.‏

يمكننا القول بمعنى من المعاني إن الاقتصاد الأحدث متمثل "بثقافتين فرعيتين" خصوصيتين – بالعصابيين الواقعين في حال تبعية من جهة, و"معالجيهم النفسيين" الجشعين وذوي المصلحة في الطابع المزمن للمرض من جهة أخرى.‏

هل يعقل أن المعاصرة ستكون محتكَرة إلى الأبد من قبل هذين النمطين المريبين؟ إذا استندنا إلى البراهين الاقتصادية التي تعتبر منذ بعض الوقت الأكثر أهمية, فإن الوضع لا يبدو ميئوساً منه إلى هذا الحد. عدا ذلك: ثمة شكوك بالطابع الطفيلي للاقتصاد الافتراضي المعاصر المبني من قبل الشركات العملاقة والثقافة الفرعية البوهيمية المرتبطة بها أي ثقافة الاحتياجات المصطنعة والطلب المصطنع. إن هذا الاقتصاد يعيش على حساب الاقتصاد الحقيقي المنتج – إلى أن يستنفد كمون هذا الأخير حتى النهاية.‏

سيعني في نهاية المطاف انتصار "الريع العقلي" الاحتيالي الكامل على الربح الإنتاجي المتشكل بسواعد العلماء والمهندسين والعمال بالتعاون مع الاجتهاد التنظيمي للمستثمرين الحقيقيين أن الفوارق بين إنتاج السلعة اللازمة التي تلبي المتطلبات الحقيقية وإنتاج السلعة غير اللازمة قد اختفت. في هذه الحال سيكون اقتصاد السوق قد أقدم على الانتحار ولن يبقى لديه أي أفضليات على المنظومة الإدارية الأوامرية التي يكون فيها صاحب الطلب هو المرجعيات البيروقراطية والإيديولوجية, وليس المستهلك المستقل.‏

كما تبين فإن استبعاد المستهلك باعتباره المرجعية الاقتصادية الحاسمة, التي تحقق نظرية المنفعة القصوى والممنوحة حق تمييز السلوك الاقتصادي العقلاني عن غير العقلاني, ممكنٌ ليس فقط في أثناء تصاعد التخطيط الاشتراكي البيروقراطي, بل أيضاً في أثناء تصاعد صناعة الطلب الاحتيالية, التي يضيع فيها نهائياً الحد بين الاحتياجات الحقيقية والاحتياجات الموحى بها. لذلك يعتبر مفهوم الطلب الحقيقي والاحتياجات الحقيقية غير قابل للاستبعاد من الاقتصاد في نهاية المطاف – إنه مرجعيته "الفلسفية الطبيعية" التي إن فقدها سيصبح مهدداً بالسقوط في العالم الافتراضي, وسيكون هذا السقوط, احتكاماً للمؤشرات التي بيناها, أشد هولاً من السقوط الشمولي. تنشأ في الواقع أمام أعيننا مواجهةٌ مقدرٌ لها أن تحدد طابع الحقبة القادمة – بين الحقيقي والافتراضي , بين الطبيعي والمصطنع. قد تتخذ هذه المواجهة في إطار الطبقة المستثمرة شكل الصدام بين صانعي الربح الإنتاجي الحقيقي وممثلي التحالف المضارباتي الاحتيالي – أي المقامرين الماليين ومؤسسي "الريع العقلي" الاحتيالي.‏

إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الآفاق الاقتصادية والعلمية التقنية فإن قضية ممثلي الاقتصاد الحقيقي لا تبدو خاسرة على الإطلاق. سترد ثورة المعاصَرة العلمية التقنية والبيئية الاعتبار للمنتج الطبيعي. لقد دلت التجربة العلمية التقنية الجديدة على الأفضليات المبدئية للمادة الأولية الطبيعية على التركيبية, وعلى عدم إمكان الاستغناء عن قيمتها الكاملة بأنواع البدائل المختلفة. لا يمكن أن تحاكى المنتجات الطبيعية التي تَجسَّد فيها التعقيد اللامتناهي, وتجسدت فيها, في عدد من الأحوال, عمليات طبيعية استغرقت زمناً لا نهائياً, بعمليات غير مكتملة القيمة ومنظمة من قبل الإنسان – أي بعمليات تجسدت فيها المحدودية الفضاءاتية المؤقتة والبعد الواحد والمنهج التكنولوجي المتقلب.‏

كذلك تماماً يشهد بدوره الاختبار البيئي الجديد, المساهم في صياغة المعاصَرة ومعاييرها الاستبدادية, على أسبقية المنتجات الطبيعية المتمتعة بالمكانة الاستهلاكية المناسبة. يختلف اليوم الطلب النخبوي عن الجماهيري بأنه يتبع المؤشرات البيئية, ويحتوي في ثناياه على نوع خصوصي من غطرسة "المذهب الطبيعي الجديد" (نيوناتوراليزم). صار فعل الأمر الطبيعاوي وفاقاً لقانون التقليد, الذي يميز المجتمعات الديمقرطية الجماهيرية, كذلك تحت ضغط "الأخطاء البيئية" المتنامية للحضارة التقنية المعاصرة, يتخذ أكثر فأكثر ملامح فعل الأمر القطعي المستحوذ على الوعي الاستهلاكي المعاصر عموماً.‏

على من إذاً يستطيع أن يراهن بجدية المستهلك الصارم, الذي خدعته الحضارة التقنية الأحدث إلى حد ما, حين دست له البدائل عوضاً عن المنتجات الطبيعية الحسنة, والذي شتتته إلى حد ما "صناعة الوعي" الاحتيالية؟ إذا كان المقصود هو السوابق التاريخية فإن أفضل ما كان سيرضيه هو الحرفي والمستثمر الصغير النزيه, اللذان لا يعملان لحساب السوق الجماهيرية المغْفلة بل لحساب مستهلك محدد معروف العنوان وكسب ثقته أسمى من المنافع المتقلبة. إن إحدى الفرص التي أمام الاستثمار الصغير والمتوسط هي تنويع الطلب, مما يؤدي إلى إحلال مجموعة من الأسواق الفردية – أي ثقافات فرعية اقتصادية محل سوق "السير الناقل" الجماهيرية. أما الفرصة الثانية فتتيحها الثورة العلمية التقنية المعاصرة ذاتها, التي شكلت تقنية الشركات الصغرى الجديدة. إن غالبية التكنولوجيات الفائقة المعاصرة والمستوعبة للعلوم تطرح تقنية الشركات الصغرى المتاحة لمجال الأعمال الصغرى.‏

خلافاً لمعايير الاقتصاد السياسي الصارمة السابقة, التي أوحت لنا بالتصورات عن حتمية هلاك البرحوازية الصغيرة في عصرنا لم تبرهن الشركات الصغيرة, التي استغلت توسع تقنيات الأشكال الصغرى, على قدرتها على الحياة وحسب, بل كشفت عن سلسلة من الأفضليات التي تتمتع بها مقارنةً بالشركات الضخمة وفاقاً لمعايير معاصرة مثل استيعابها للعلوم وربحيتها ومحافظتها على البيئة. إن متوسط عمر المعدات في الشركات الصغرى اليوم أقل بكثير منه في الشركات الضخمة, التي تعتبر الأصول الأساسية الهائلة فيها, والمتقادمة في الغالب, بمثابة الكرات الحديدية على القدمين. كما أن شرف اكتشاف أسواق نوعية جديدة اليوم, وبالتالي اكتشاف متطلبات اجتماعية جديدة يعود في أغلب الأحيان للشركات المنتجة الصغيرة لأن أي متطلبات جديدة تعيش قبل أن تصير متطلبات عامة فترة محددة من الزمن على شكل متطلبات "غريبة" وفيها مخاطرة – أي تكون خاصة بالثقافات الاقتصادية الفرعية الصغيرة.‏

إذ لا ترغب الشركات الكبيرة في المخاطرة بإعادة ضبط معداتها الهائلة على الفور توكل مهمة استيعاب المتطلبات الجديدة إلى الشركات الصغيرة ذات الربح المضمون, والتي تقوم بوظيفة الطليعة الاختبارية. إن أكثر من 65% من الناتج الإجمالي في الدول المتطورة عموماً هو من فعل الاستثمار الصغير, أما حصة الشركات الصغيرة بين الشركات التي تفتح لنفسها الأسواق الجديدة فتصل حتى 90%. وهذه الثقافات الاقتصادية الفرعية الطليعية تحمل في ذاتها على نحو يشبه المفارقة ملامح يمكن وصفها بأنها أبوية.‏

الإنتاج في مثل هذه الشركات أكثر اعتماداً على الجهد من رأس المال (يمس هذا مجال الخدمات خصوصاً). مع الإشارة إلى إن حصة الجهد الحي ذي التأهيل العالي في قيمة السلعة أكبر بكثير هنا من حصته في الشركات الكبرى. ويكمن الشيء الرئيسي في أن المكون الأخلاقي للنشاط العملي المؤهل المرتبط بالإحساس العالي بالمسؤولية العالية تجاه الشراكة والمتعلق بالمواظبة والاهتمام بالحفاظ على السمعة وبدوافع احترام الذات المهنية ودوافع تحقيق الذات لا ينفصل هنا عن المكون الفكري الذي تتجسد فيه المعرفة الجديدة. إن "العقلانية بالقيمة", التي تحدث ويبر عنها, لا تبدو سلفية ضمن هذه الأشكال الجديدة من الإنتاج التي تضبط وجهتها وفاقاً للمتطلبات الخاصة وللمستهلك الصارم, أو تقل بالأهمية عن الدراية المهنية والفطنة والقدرة على الحركة. يبدو عطر الحرفة القديمة الطيبة, التي تثمن السمعة وتضع على المنتج ختم المعلم الذي صنعه, وكأنه يعود من جديد إلى هنا, إلى مجال الأعمال الصغيرة المستوعبة للعلوم, وإلى سوق الخدمات عالية التخصص.‏

بكلمات أخرى, إذا كنا نقصد بعض المقدمات الاقتصادية والتقنية العلمية والاجتماعية الموضوعية لرد الاعتبار الممكن للإنتاج المعتمد على الأفكار "الفلسفية الطبيعية" التي تمس المتطلبات الطبيعية (غير الاحتيالية) والأسس الطبيعية للمصنوعات باعتبارها ضمانة لنوعيتها ودافعاً طبيعياً للعامل الراغب في تحقيق ذاته في الإنتاج باعتباره فرداً فريداً, لا أن يكون تابعاً غير معلن للكتل التقنية الهائلة – فإن هذه المقدمات قد أينعت بوضوح.‏

لكن حلفاً جباراً آخر يمنع ثأر الأشكال الصحية الطبيعية هذا من الانفلات من أسر الأشكال الاصطناعية غير الصحية. وما وسط المضاربين الماليين أصحاب المصلحة في نزع الصفة المادية اللاحق عن الاقتصاد إلا قسم من هذا الحلف. تدخل في هذا الحلف أيضاً البوهيميا ونصف البوهيميا كثيرة العدد, التي فقدت عادة الدفع نقداً وبذل أي نوع من أنواع الجهود - الجسدية والفكرية والأخلاقية. إن "العالم الافتراضي" يجذبها تحديداً لأنه يمنحها إمكان التملص من الدفع نقداً وإمكان استغلال شتى أنواع الريوع المكونة بالسمعة المبالغة وحيل الدعاية وصناعة الصورة, وكل ما هو مختوم بختم عدم الخضوع للتحقق والمراقبة.‏

في وقت, ما في فجر الحداثة الأوربية نشأ نزاع سوسيوثقافي عنيف بين المراكم الأول البرجوازي البروتستانتي المتقشف والبوهيميا الأدبية الفنية التي تدعو إلى الحسية الحرة. رأى "رهبان" المراكمة المتجهمون والمقترون الذي لا يكلون والعارفون قيمة القرش والمستبدين بعمالهم وأهل بيتهم وفاقاً لقوانين الأخلاق الأبوية القاسية عدوهم الرئيسي في البوهيميا التي توحد في صفوفها الصحفيين الخفيفين والمضحكين والمفرقعين بريشاتهم, وفناني "الأدب الساخر الرومانسي" المعادين للبرجوازية الصغيرة, وممثلي الطليعة الفنية الهائجين, وأنصار الحرية الجنسية وما شابههم.‏

لم يكن من قبيل المصادفة حين سادت في شمال أوربا البروتستانتي, بالتوافق مع مخطط ماكس ويبر, روح المراكمة التقشفية مكوِّنة ثقافة الفضائل البوريتانية المسيخة والتي لا تطاق أن يسعى كل حاملي "مشروع الانعتاق" الذين أحصيناهم إلى الجنوب الكاثوليكي, جاعلين من باريس وروما ومدريد محجاً لهم. وهكذا تشكلت إلى جانب الراديكالية البروليتارية المنتظِرة الثورةَ العالمية البروليتارية راديكالية سوسيوثقافية ما عاد هدفها الدولة البرجوازية والنظام السياسي بقدر ما هو "الأخلاق البرجوازية الصغيرة".‏

إننا نلحظ اليوم إعادة تجميع واضح في القوى. لقد تشربت في ذاتها البرجوازية "الوظيفية" الضخمة, المرتبطة بالبنى السلطوية والمستفيدة من شتى أنواع امتيازات الاحتكار, روحَ البوهيميا تدريجاً وبدأت تجد لنفسها لغة مشتركة مع طليعة الثقافة (أو الثقافة المضادة). صارت تندد وإياها بالوسط السلفي للمستثمرين وأصحاب العمل الصغار, القادرين على المراهنة على قواهم فقط وعلى المستهلك الوفي الذي يحسن تقويم مصنوعاتهم وخدماتهم الجيدة.‏

صار عمل الاستثمار الضئيل الشبيه بعمل النمل يبدو مثل خطأ تافه في تسلسل الحوادث من علياء الإمكانات الوظيفية – الاحتكارية حيث يكون الحصول على طلب امتيازي حكومي, وخصوصاً الطلب الصناعي العسكري, قادراً على تأمين ربح مقدر بالملايين. وحين آن وقت الاقتصاد الافتراضي المؤسس على الحنكة وصناعة الصورة والطلب المصطنع المرتبط باستخلاص "الريع العقلي" الاحتيالي, لم يتخذ التحالف مع بوهيميا الثقافة المضادة ملامح التقارب الروحي بين أناس يشعرون بالنفور من الجهود المنهجية الحقيقية وحسب, بل اتخذ ملامح العقيدة المهنية أيضاً.‏

فمن جهة, لولا تحلل الأخلاق القديمة على يد طليعة الثقافة المضادة لما حصلت السوق المعاصرة على المستهلك الجديد, الذي يجسد الحسية "المنعتقة" إلى أقصى حد والتاريخية في الوقت نفسه. ومن جهة أخرى لولا خدمات الاختصاصيين في حقل الثقافة المضادة التي صارت حليفة لكل ما هو "مضاد للعقلانية" وافتراضي لما أنتِج "الريع العقلي" الطفيلي. إذا كانت طليعة الثقافة المضادة في ذلك الجانب من منظومة الإنتاج البرجوازي باعتبارها ناقدة له, فإنها الآن متكاملة مع هذه المنظومة باعتبارها بانية الأشكال الرمزية التي تكلفنا أكثر من نصف قيمة السلعة. إن محتوى السلعة الطبيعي, المرتبط بقيمتها الاستهلاكية الحقيقية – هو ذلك القسم "السلفي" من السعر الذي تقل حصته باستمرار تحت ضغط مكوِّني الريع الاحتيالي الخاص بعُقَدِ المستهلك النفسية والتي تعتبر عقدة النقص الداخلي الأساسية من بينها.‏

كان الاحساس بالنقص يمكن أن يتولد من قبل في ثقافة الزمن القديم طَيِّبة الذكر على أساس عدم الأهلية المهنية للشخصية. أما اليوم فقل ما يقلق أحداً عدم الأهلية هذا, فإنسان الجملة اليوم يماثل نفسه في الغالب باعتباره مستهلكاً. وهو في أحيان غير نادرة مستعد لتنفيذ أكثر الأدوار مذلة, بمعايير الأخلاق المهنية خصوصاً ومعايير الأخلاق عامة, على أن يبقى في العلياء كمستهلك يحمل علامة الالتحاق بالمعاصَرة.‏

لقد تجلت بوضوح خاص هذه التطورات كلها التي حولت حاملي الثقافة المضادة المعادية للعمل إلى نخبة حاكمة وإلى مشرعين للمعاصَرة, في الإصلاحات ما بعد السوفييتية في روسيا, لا بل في الفضاء ما بعد السوفييتي كله أيضاً. كما أشرنا سابقاً, كان الشرط الرئيسي لموافقة السلك الوظيفي الحزبي والأمني السابق على تسليم نظامه السابق "الاشتراكية الواقعية" هو إكسابهم وضع المالكين الجدد والحفاظ على وضع الطبقة السائدة في ظل النظام الجديد. كان على السلك الوظيفي الحزبي والأمني وفاقاً لمنطق المواجهة الطبقية الحقيقية بين حاملي الجديد والقديم أن يشغل في النظام الجديد فضاء المعارضة الهامشية المعادية للنظام. أما الفضاء المركزي للمعارضة الشعبية المعادية للسلك الوظيفي فكان ينبغي أن يعود لحاملي أفكار الرأسمالية الشعبية – أي أولئك المحبين للعمل والناس أصحاب المبادرة والكفاءة العالية, الذين لم تتح لهم منظومة الوصاية الإيديولوجية والبيروقراطية السابقة أن يكشفوا عن مؤهلاتهم. كان في مقدور المدخرات الناتجة عن العمل والمقدرة بالمليارات(1) أن تصير الأساس المادي للرأسمالية الشعبية.‏

لم يكن في الإمكان تحويل هذه النقود إلى سلعة للاستهلاك – لم يكن الاقتصاد السوفييت المنتج في الغالب لوسائل الإنتاج مستعداً لذلك. نشأ ضمن هذه الظروف بين عامي 1991 و1992 الخيار التالي: إما تحويل هذه النقود الحقيقية إلى سلعة وذلك بتنظيم بيع وسائل الإنتاج المقدرة بالمليارات والموضوعة في مستودعات الشركات باعتبارها معدات ميتة غير مستثمرة فيتم بذلك إرساء أساس الاستثمار الجماهيري الشعبي, وإما نزع ملكية هذه المدخرات الشعبية بوسيلة ما وإعلان الخصخصة بعد أن تنتزع. اختار نظام بوريس يلتسين الجديد الطريق الثانية. فقضى التضخم المفرط المنظَّم على نحو مصطنع خلال أسابيع على المدخرات الشعبية وبالنتيجة احتكرت عملية الخصخصة من قبل السلك الوظيفي السابق والمافيا التجارية المتحالفة معه سراًَ منذ زمن طويل.‏

يسأل الكثيرون اليوم السؤال التالي: كيف حدث أن فئة مثقفينا الليبرالية الغربوية, التي خيل أنها كانت أكثر من عانى من السلك الوظيفي الحزبي والأمني, قد اعترفت بهذه السرعة وعن طيب خاطر بنظام المالكين الوظيفيين, وكيف انحازت بنشاط في التناقض الذي ظهر بين الشعب ومنتزعي الملكية الجدد إلى جانب هؤلاء الأخيرين؟‏

يفضل الكثيرون إرجاع ذلك إلى أسباب إيديولوجية – فقد أعلن السلك الوظيفي السابق انتهاج نهج موال للغرب, وكانت فئة المثقفين الليبرالية غربوية, وتحلم في أن تحصل من عملية العودة إلى "البيت الأوربي" على وطنها "الحقيقي". لا ينبغي أيضاً إغفال حقيقةٍ كالعمى الدوغمائي لدى غربويينا الذين يفضلون حتماً "الحقائق" الإيديولوجية على الحقائق الواقعية. فكما رغبت الطليعة الاشتراكية السابقة في أن لا ترى وحشية التحول إلى التعاونيات والدمار الاقتصادي مفضلةً على ذلك المعايير المذهبية الخالصة التي ليس لها علاقة بالحياة وإنما بالفكرة (لم يحكموا على الاشتراكية بما تمثله في الواقع, بل بما ينبغي أن تكون عليه من حيث "الفكرة"), كذلك تكشف طليعتنا الليبرالية الآن عن عمى مذهبي مذهل تجاه السقوط الجماعي في الفقر وانعدام القانون, مفضلةً عدم منح الثقة للحياة بل "للفكرة" الجديدة.‏

ومع ذلك لا تقدم هذه الاعتبارات كلها شرحاً شافياً, ولا تمس السر الحقيقي. وهذا السر يمس تحديداً التوافق الخفي بين فئة المثقفين الليبرالية وممثلي السلك الوظيفي, وحتى رأسمالية الموظفين المافيوية على قاعدة مبدأ التحررية وانعدام المسؤولية البوهيمية. انعدام المسؤولية الذي لا يتطلب جهوداً وعدم الخضوع لمعايير المحاسبة – هذا هو السر الحقيقي لتلك "الليبرالية" التي توافقت على أرضيتها وتصالحت شخصيات اجتماعية خّيل أنها مختلفة في النمط كالمتحدرين من السلك الوظيفي المتنكرين للجهود الاستثمارية الحقيقية, والمافيا التجارية المتنكرة للقانون وفئة المثقفين الغربوية المتنكرة للانضباطين الداخلي والخارجي. إنهم جميعاً أنصار الحسية البوهيمية المنفلتة وأنصار نمط الحياة البوهيمي. وليس من قبيل المصادفة أن يلتقوا بسهولة اليوم في شتى أنواع الاستقبالات والولائم وأن يفهم بعضهم بعض جيداً. يكفي أن تُطفأ الملامح "الطارئة" الناتجة عن الاختلاف في المنشأ الاجتماعي والتربية ويُشغَّل صوت الحسية الجديدة حتى يحصل التفاهم من غير بذل أي جهد.‏

ثورة الحسية المنفلتة – هذا ما وحد تلك المجموعات على نحو أمتن وسابق لتلك الثورة في مجال الملكية, التي, إذ غبنت جمهور المثقفين, ولَّدت الحلف الاقتصادي الوظيفي المافيوي. خيل وفاقاً لهذا المعيار الاقتصادي الذي يعتبر حاسماً أن على فئة المثقفين المخدوعة والمفقرة أن تشعر بتوحدها مع الشعب المخدوع والمفقر بالقدر نفسه.‏

لكن تبين أن نتائج الثورات السوسيوثقافية التي تمس الحسية البوهيمية هي في نظر بعض الفئات الاجتماعية أهم من محصلة الثورات (أو الثورات المضادة) الاجتماعية الاقتصادية. يمكن, كما تبين, أن يشكل التحرر من المسؤولية, باعتباره مشروع تحرر مؤول بطريقة خاصة وينتمي إلى الحداثة, إغراءً يفوق بقوته العوامل المنتمية إلى الجانب الآخر من هذا المشروع – أي تحقيق الشخصية الإبداعي لذتها, الذي لا يتطلب تراخياً حسياً, بل يتطلب, على العكس من ذلك, أقصى حدود التركيز الداخلي والشعور بالمسؤولية.‏

لو أن مشروع الحداثة التحرري تميز بالكلية والتراص عوضاً عن أن يضم هذا القدر من المقاصد المتناقضة لما قدم تاريخ الزمن الحديث والزمن الأحدث هذا القدر من الدراما والمآسي والإحباطات والتراجعات. الشخصية المتبوهمة وغير الملتزمة, التي تتبع قانون "الاقتصاد بالجهود" المتزايد (بما فيها الجهود الأخلاقية), والشخصية المحققة ذاتها والفاهمة الحرية بمعنى المسؤولية الحِرفية والمدنية, التي لا يجوز ائتمان أحد عليها, والمستعدة لبذل أكبر قدر من الجهود في سبيل الإرادة الأخلاقية والمخيلة الإبداعية – هذان هما االأقنومان المتناقضان اللذان تجلى من خلالهما مشروع الحداثة العظيم. يفضل الليبراليون المعاصرون اليوم إبراز الأقنوم الأول ويصمتون عن الثاني ويشوهونه. لهذا الهدف تحديداً اختُرِعت ما بعد الحداثة التي كرست حججها بالكامل من أجل رد الاعتبار للنمط الأول والتشهير بالثاني باعتباره سلفياً كما يدّعون.‏

ما يلفت الأنظار هنا في الحقيقة هو العلاقة المختلفة بالتقاليد وباستمرارية التعاقب التي تكتشفها الحداثة في أقنوميها المختلفين هذين. تنقطع الحداثة المتبوهمة عن التقاليد على الأسس التي تنقطع عليها الشخصية بسلوكها المنحرف عن الأخلاق, والمجرم عن القانون – أي كي لا تنشأ مبررات للنقد الذاتي القاسي ولعذابات التوبة. لا تخطر ضمن أفق مثل هذه الحداثة في بال أحد إعادة بناء التقاليد – فكل ما هو تقليدي يرمى من سفينة المعاصَرة. وبالعكس, يتوجه نوع الحداثة الثاني المرتبط بمشروع تحقيق الذات الإبداعي إلى التقاليد دورياً طلباً لإعادة التسلح بالأخلاق. قد تُرفض التقاليد في مواضعها التحريمية والتقييدية؛ لكن يتم الاعتراف بأنها تستحق الاحترام والاعتراف – وتستحق أن تُبعَث في منابعها وأسسها التي تمس أصالتنا - أي مقدرتنا على أن نبقى أوفياء لمثلنا وأن نحتمل بجدارة تحديات الواقع وأن لا نكون دمى في الألعاب والظروف الخارجية.‏

يتبين أن بعض أنماط التجربة التقليدية المقَّومة وفاقاً لهذا المعيار تستحق منا الازدراء – وليس في المجال الأخلاقي فقط. وكما بينت تجربة الحداثة في بلدان منطقة المحيط الهادئ الأسيوية فإن علم الأخلاق الكونفوشيوسي(2) الذي يمزج بين قيم المعرفة وقيم الوفاء الجماعي التقليدي والخير العام يمكن أن ينافس بنجاح الأخلاق الفردية البروتستانتية وأشكالها المتحولة الشهيرة "بأخلاق النجاح".‏

تكمن مفارقة الحداثة الأساسية في عدم إمكان الحفاظ على منجزاتها من غير شحذ الإرادة الأخلاقية التي تُدرج اليوم في فئة "المخلفات". ما إن تضعف مثل هذه الإرادة ويحل محلها التراخي اللذوي, حتى تصير مشاريع التحديث والتنوير معلقة في الهواء – فحتى الاستثمارات الاقتصادية وحتى استنفار الجهود الشخصية الضرورية في عملية امتلاك المعرفة والتأهيل والعملية التكييفية عموماً تحتاج إلى حد أدنى معلوم من المواظبة التقشفية.‏

وها هي المفارقة: يتغذى التنوير بالتقشف, ثم يقتله هو نفسه في ظل تقاليد الإسراف. تفسر هذه المفارقة بتأثيرات التمدين القاتلة: يعتبر عادة القادمون من القرية, من الوسط التقليدي, خدماً غيورين ومتحمسين للحداثة؛ إنهم يعوضون عن عدم قابلية التكيف بالمواظبة واعتيادهم على احتمال الصعوبات. أما أهل المدن من الجيلين الثالث والرابع فيحملون الختم نفسه الذي يحمله الرأسماليون في الجيل الثالث – أي ختم انعدام الإرادة الانحطاطي والشك والعدمية. بهذا المعنى ترتبط حظوظ الحداثة بحل مسألة واحدة: هل يستطيع النمطان التاريخيان التاليان الالتقاء وعقد تحالف سوسيوثقافي وسياسي – الإنسان التقليدي ما قبل الاقتصادي المتمتع بفائض من الجَلَد والإرادة الأخلاقية والإنسان ما بعد الاقتصادي الذى أدرك ثمن الفضائل الأخلاقية التي تتعرض للاستخفاف منذ وقت قريب, وأدرك دلالة القيم ما بعد المادية؟‏

هذا متعلق من جهة بسرعة تحطم جيوب الاقتصاد السوسيوثقافية التقليدية على يد الإنسان الذي قضى سعيه إلى أن "يملك" على كافة القيم المنتمية إلى سعيه الصحيح إلى أن "يكون".‏

قد تتأخر موجة المذهب ما بعد الاقتصادي القادمة بمساعدتها للإنسان ما قبل الاقتصادي, المستخف بالحداثة المستهترة والفاقد لأي ثقة بنفسه. ومن جهة أخرى هذا مرتبط بالافتراض التالي: ألا يمكن أن يظهر لنا الإنسان ما بعد الاقتصادي في هيئة مقلِّد بطال لا تزيد عودته إلى الأخلاق والدين والقيم ما بعد المادية عن أن تكون مجرد لعبة جمالية ومحاكاة فقط؟‏

يمكن أن يكون الترياق الشافي الوحيد من هذا كله هو فقط الجدية الكاملة في النزاع السياسي والثقافي المقبل. وهذا, بالمناسبة, محتمل جداً: فانطلاقاً من خطر الحرمان والإذلال الذي يهدد به رجالات الاقتصاد الافتراضي جميع الشغيلة الشرفاء, يمكن لهؤلاء الأخيرين أن لا يصيروا "ناخبين محتجين" وحسب, بل أن يحاولوا تجسيد احتجاجهم في شتى أنواع العصيان والتخريب السياسي والاقتصادي. وقد عانت روسيا من هكذا تخريب قامت به القرية ضد المدينة المصادرة للملكية في زمن حرب "الخضر" الأهلية ضد القوميساريين الحمر.‏

تراقب اليوم الغالبية الريفية الصامتة باستياء لا يقل عن استيائها السابق عواقب التجربة "الليبرالية" المدمرة التي كانت مراكز العاصمة هي المبادرة إليها هذه المرة أيضاً. ثمة مكان اليوم لانسلاخ لم يلحظ منذ زمن بعيد هو انسلاخ الأرياف عن المركز, والقرية عن المدينة, والأغلبية الصامتة عن الأقلية "الليبرالية" كثيرة الصراخ. إن هذا يقوض آلية الحداثة ذاتها, المرتبطة تحديداً بأن تلعب الفئات الطليعية المدنية دور المجموعات المرجعية في نظر كافة الأطراف الجغرافية والثقافية – فهذه الأخيرة تصغي إليها بنهم وتتحرق شوقاً إلى أن تصير "مثلها". لقد اختفت هذه الرغبة تحديداً اليوم: تثير المجموعات الطليعية الريبة الصريحة والاحتقار والنفور.‏

باختصار, منذ أن غدت الطليعة الاجتماعية الاقتصادية والثقافية الجديدة متورطة في لعبة المصادرة المضارباتية ذات المحصلة المساوية للصفر ومذ صارت تهتدي بإستراتيجية الربح قصير الأمد ذات الثمن المتمثل بخداع الأغلبية, وهي مهددة بأن تظل معلقة في فضاء خال من الهواء. ليس من قبيل المصادفة أنها تحمل في داخلها عقدة المهاجرين الداخليين المرتكبين الأذية, والملتزمين حال "التأهب رقم 1". والتأهب هذا في بعض الأحوال هو تأهب للدكتاتورية البينوشيتية, وفي أحوال أخرى هو تأهب للهرب إلى الخارج, وفي الحالين معاً يغلب الخوف من الثأر والخوف من الفراغ.‏

لن تجد الأفعال المعادية للدولة وذات الاتجاه الموالي للغرب والمريعة "برعونتها" غير المفهومة التفسير الشافي لها إلا في أمر واحد فقط: لقد علقت النخبة المذنبة بحق الأمة, والتي تكرهها والمكروهة منها, آمالها على دعم الغرب لها في حال وقوع أزمة جدية بينها وبين شعبها. ليس لاستسلام الدولة أمام الغرب أي جذور فكرية إلا في نظر معتنقي الليبرالية المبكرين. أما في نظر "الأسرة"(3) والأولغرشية فكانت التنازلات للغرب هي الثمن الذي دفع مقابل الدعم والحماية المنتظرين.‏

من الممكن أن يترتب عن هذا الغدر المستهتر من قبل النخبة الحاكمة, التي أدركت أن "العدو الرئيسي موجود في بلدها" وتتصرف على أساس ذلك, نتائج أبعد ما تكون عن التوقع.‏

إننا نصطدم بتشويه لا مثيل له للحداثة, التي يُختتم برنامجها التحرري بتحرر البرجوازيين الجدد تحرراً تاماً من الثقافة والأخلاق. لقد وجدت هذه "البوهيميا" الخاصة, المتبرمة من أي جهود مثمرة ومن أي مسؤوليات اجتماعية وأخلاقية, إيديولوجيتها الجديدة المتمثلة في فلسفة ما بعد الحداثة. مهما كانت هذه الفلسفة مدانة سلفاً وفاقاً لمعايير الحقيقة والخير والجمال القديمة فإن الاستياء الاجتماعي والأخلاقي وحده غير كاف للإطاحة بها. كذلك لن يكون الاحتجاج الجماهيري المتوقع في المجال الإيديولوجي كافياً مثله كمثل الخطابات العفوية في السياسة. إن استقطاب الطبقة المستثمرة المتنبّأ به في إطار هذا السيناريو إلى نمطين منتج ومضارب ينبغي أن يجد تأكيداً له في استقطاب ما بعد الحداثة ذاتها.‏

فقط حين تصير الإمكانات الذهنية لما بعد الحداثة سلاحاً في يد ممثلي الوسط المعارض الحالي, المرتبط بالاقتصاد الحقيقي, سيحصل هذا الأخير على فرصة للانتصار على العالم الافتراضي. يمكن تفسير هذا في السياق طويل الأمد باعتباره مشكلة متعلقة بمقدرة الطبقة البرجوازية التاريخية على الاستمرار في الحياة كطبقة. إنها ستستمر في الحياة إذا ما ردت الاعتبار لذاتها بحزم ومن غير تردد راسمة الحدود بينها وبين "الاقتصاد الافتراضي" الطفيلي.‏

أعاد ماكس ويبر في زمنه الاعتبار للرأسمالية إذ حدد الصلة بين الاستثمار المنتج والتقشف الديني (البروتستانتي). و اليوم, حين يصوغ أتباع الاقتصاد الافتراضي على مرأى من العالم كله الشكل العولمي للرأسمالية الجديدة مغامرين بذلك بسمعتها فعلاً, من الضروري حدوث انقلاب فكري جديد. وهذا الانقلاب مبرمج إلى حد كبير بالـ "ما بعد" البديلة المتنوعة, التي صارت الثقافة العالمية تتمخض عنها منذ الستينات. الحضارة ما بعد التقنية وما بعد الاقتصادية وما بعد الصناعية وما بعد المادية – هذه هي المهمات الثقافية الكبرى الملقاة على عاتق الحركة المعاصرة البديلة.‏

حاول رجالات الموجة النقودية والمحافظة الجديدة الصمت عن هذه المهمات أو تشويهها؛ لكنهم في الواقع أبعدوها ببساطة إلى المستقبل – إلى القرن الحادي والعشرين, الذي سيصير زمننا. لقد حضرت أعوام الستينات – أي حقبة نقد الغرب الذاتي الإبداعي الواعد – ما بعد حداثةٍ مغايرة تماماً لتلك التي بناها خصوم المعايير والقواعد الصلبة. أفلا يمثل النقد البيئي للحداثة التقنية منطق ما بعد الحداثة (بمفهوم غير المفهوم "الافتراضي" الحالي)؟.‏

علينا الآن, حين نناقش المصائر التاريخية للبرجوازية, المشوهة مرة أخرى اليوم من قبل "طليعة" المرابين المضاربين, أن نجيب عن السؤال التالي: هل يمكن أن ينطبق داخل الطبقة الاستثمارية في مراحل جوهرية ما خط الحدود بين النمطين المنتج واللامنتج على خط الحدود في إطار إيديولوجية ما بعد الحداثة؟ إن غصن ما بعد الحداثة الأول السائد الآن مرتبط بالسعي إلى إحباط حركات زمننا البديلة, مستعيضاً عن مشروع المستقبل المضاد بمذهبي الشك ونسبية المعرفة الجارفين.‏

مثَّل الغصنَ الآخر, الذي أرادوا الحكم عليه باليباس, "اليساريون الجدد" والخضر والمشاركون في الحركات المدنية البديلة وحركات الاحتجاج إذ وحَّدهم, على الرغم من تنوعهم الشديد كله, مبدأ التراتبية القيمية الجديدة, التي يقع فيها شعار "أن تكون" في مقام أعلى من مقام شعار "أن تملك". هَدَف المجتمع الاستهلاكي إلى التوافق الوطني المرتبط بفعل "امتلك". وقد هدد هذا ببخس قيمة المقدمات الاجتماعية والثقافية لعملية إنتاج الثروة الحقيقية بخساً تاماً وبفقدان الاهتمام بها: لا تهتم النفسية الاستهلاكية إلا بالنتيجة وحدها.‏

راهن البدائليون الرومانسيون في الستينات على ثورة الوعي المرتبطة بتأثير القيم الجديدة من تلقاء ذاتها. وقد اهتم ممثلو الطبقة "المتوسطة – العلوية" المتخمون استهلاكياً بهذه القيم أكثر من الفقراء الخاضعين إيديولوجيا لوصاية "اليساريين القدماء". لقد افترضوا أن من سينجز ثورة الوعي المضادة للاستهلاك هم من تغدو لديهم قيم الاستهلاك من الماضي.‏

دلَّ الواقع على أنهم قد أخطأوا: ظلت الطبقة الوسطى في الغالب برجوازية صغيرة. وحين وجد ممثلوها أنفسهم أمام خيار: نوعية الحياة أم مستوى الحياة, قيم الوجود أم القيم الاستهلاكية اختاروا الخيار الثاني في أغلب الأحيان.‏

لم تقم ثورة الوعي الفطرية المرتبطة بالتبديل بين الطورين "الملكية" و"الكينونة". ثمة لدينا, نحن المعاصرين للاقتصاد الافتراضي الذي يدمر أسس النجاح المادي لدى ملايين البشر, الأساس لكي نفترض أن ثورة الوعي المضادة للاستهلاك لن تحدث تلقائياً, بل تحت وطأة انهيار الآمال الاستهلاكية المبالغ بها, ولذلك ستصير الطليعة في هذه الثورة على الأغلب الفئات الدنيا المخدوعة أكثر من مرة وليس علية المجتمع المشبعة استهلاكياً. يجري هذا بجلاء خاص في الفضاء ما بعد السوفييتي. فمع بداية الإصلاحات الليبرالية بدأت عملية ثأر القيم الاستهلاكية من القيم غير الاستهلاكية. وكم كانت مميِّزةً عندئذ تلك العجلة التي أعلن بها الإيديولوجيون عن أن الأخلاق الاستهلاكية هي الأخلاق المعاصرة الوحيدة, مصنفين كل ما يعارضها في فئة التقليدية العدوانية.‏

في الستينات فهمت فئة المثقفين السوفييت, التي فقدت ثقتها بالإيديولوجيا الشيوعية, منتقدي المجتمع الاستهلاكي الغربيين أتم الفهم, وأعلنت على إثر إيريكس فروم أولوية "الكينونة" على "الامتلاك". لكن يبدو الدوغمائيون الليبراليون الجدد وكأنهم نسيوا ذلك. فهم يطلبون الاستسلام بلا قيد أو شرط لقيم الاستهلاك و"أخلاق النجاح".‏

لقد أعلنوا أن المعبرين عن القيم ما بعد المادية - والغالب بينهم هو المجموعات الطليعية من المثقفين في المدن المرتبطين مهنياً بالإنتاج المستوعب للعلوم وبمؤسسات المجتمع المعلوماتي – ما هم إلا أزلام للتقليدية المشاعية والمذهب التعاوني الشمولي. وسلمت الطليعة المثقفة مواقعها أمام هجوم وسط البرجوازيين الجدد المعادي, الذين ينبغي الإقرار وفاقاً لمعايير الاقتصاد المنتج الفعلية بأنهم وسط استهلاكي طفيلي أكثر منه استثماري. ما عادت ثورة الوعي ما بعد المادية الجديدة تسير اليوم من الأعلى بعد إخفاقات الإصلاحية الليبرالية كلها, بل من الأسفل. تبين أن أزمة آب (1998), التي أفلست ملايين "تجار الشنطة" ما بعد السوفييت وغيرهم من أتباع "الاقتصاد المفتوح", كانت ثأراً للقيم ما بعد المادية من القيم المادية الاستهلاكية أكثر منها نقداً تطهيرياً للمجتمع الاستهلاكي. ينبغي اعتبار عام 1997 ذروة إعادة بناء الوعي الاستهلاكي الفردي.‏

تميز النصف الثاني من عام 1998, بعد الانهيار المالي الشهير, بثأر القيم ما بعد المادية والقيم الأخلاقية الروحية والوطنية. يصعب القول هنا ما هي تحديداً حصة الإنسان التقليدي "ما قبل الاقتصادي" وما هي حصة الإنسان الأحدث ما بعد الاقتصادي. لكن من المهم الإشارة إلى براعم التوافق الجديد بين الإنسان السفلي ما قبل الاقتصادي والإنسان ما بعد الاقتصادي – أي طليعة الحقبة المقبلة. لم يتذكَّر عام 1997 قيمةً مثل الضمير المرتاح والتناغم الروحي إلا 69.3 % من المشاركين في الاستفتاء, أما عام 2000 فبلغت النسبة 93.8 %؛ ومنح عام 1997 58.3 % من المشاركين الأولوية للنجاح المادي على حساب قيم تقرير الذات وتحقيق الذات المهنية, أما عام 2000 فلم تزد النسبة على 33.7 %؛ ازداد عدد الأشخاص الدامجين أنفسهم في وطن وحيد هو روسيا من 38 % إلى 67.5 % , وبالمقابل انخفضت نسبة الأشخاص ذوي الوعي المواطني الذاتي غير المحدد بمرتين ونصف المرة(4).‏

تتلخص فرضيتي في الآتي. يهدد الاقتصاد الافتراضي المتنامي تنامياً خطراً والمرتكز على البزنس الطفيلي للمضاربين الماليين بابتلاع كافة ثمار التقدم العلمي والتقني, التي تحققت في الاقتصاد المنتج. عدا ذلك: تهدد مثل هذه "الربحية" العالية بالظاهر بالحيلولة بين أنماط النشاط المنتجة والعناصر الأكثر قابلية للحركة في المجتمع المعاصر, غير الراغبة في الخسارة إضافة إلى ما يجسده الصبر والنزاهة والاستقامة من خسارة.‏

يمكن اليوم إعادة صياغة "نبوءة يوسف" إذا ما طبقناها على مستقبل حضارتنا على النحو التالي: ستلتهم بقرات الاقتصاد الافتراضي الهزيلة بقرات التقدم العلمي التقني المسمنة. إن أبعاد الأزمة المرتبطة بانهيار الهرم العالمي العولمي "???" تفوق بمرات عديدة كارثة آب من عام 1998. ستصير حرجةً من جديد شروط حياة مئات الملايين من البشر الذين ينسبون أنفسهم إلى المجتمع الاستهلاكي على أساس التماثل الكاذب. سيتغير في هذه الشروط مفهوم قابلية التكيف وعدم قابلية التكيف على نحو حاسم. سيكون الأقل تكيفاً هم أولئك الذين وثقوا بالدعاية الليبرالية الجديدة وقيم أخلاق النجاح. وستغدو مطلوبة من جديد التجربة التقشفية بتجلياتها كلها – ابتداءً من التقشف المعيشي البسيط "لحوذيي الحياة اليومية" النزويين, وانتهاءً بتقشف الخدم والكهنة والأنبياء الاجتماعيين والعسكريين.‏

إن التاريخ يتكرر احتكاماً لكل شيء. فمع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وعد الليبراليون والتكنوقراطيون من مختلف الأجناس بالسلام الأبدي والازدهار والبحبوحة و"الحرية اللامحدودة". لكن كل من صدقهم في القرن العشرين وجد أنه صار الأقل مقدرة على التكيف. لقد تطلب "القرن الحديدي" من الناس صفات كانت ستراها غالبية أنصار إيديولوجيات القرن التاسع عشر التقدمية مغرقةً في السلفية. ويبدو أن التاريخ يتكرر على الغصن الجديد وبشكل أشد قسوة. قرر الليبراليون الجدد على مشارف القرون والألفيات أن يعلنوا "المعركة الأخيرة" على السلفية المستمرة منذ آلاف السنين والمرتبطة بأخلاق التضحية والتقشف. نوى راديكاليو ما بعد الحداثة أن يتفوقوا على راديكاليي الحداثة في قضية الإطاحة بالموانع التقليدية والقيود الأخلاقية كله.‏

بالنتيجة ربوا تلك "البقرات الهزيلة", بقرات معاداة الاحتراف, وبقرات الفساد وإهمال الواجب والمسؤولية, التي ستلتهم حتماً بقرات التقدم "السمان", التي ترعرعت في مراعي الثقافة السابقة. سيكون الانهيار غير المسبوق على الأرجح المحصلة النهائية للثورة الثقافية الأحدث. وستبدو على خلفية هذا السقوط الهائل قيم أخلاق النجاح الفردية طوباوية ووهمية إلى حد لن يبقى معه لأغلبية أنصارها الحاليين إلا استغراب ثقتهم الزائدة بها.‏

لن يتزعم ثورة الوعي الجديدة المرتبطة ببعث القيم ما بعد المادية "الفطنون منذ البداية" – محرضو الحركات البديلة في الستينات, وخلفاؤهم المباشرين, بل سيتزعمها أنصار الأسطورة الليبرالية الحالية المخدوعين والمصابين بخيبة الأمل. إنهم لن يغفروا "لمدرسي التحرر" أوهامهم ولا الثمن الذي اضطروا إلى دفعه من جرائها. على هذا النحو تَعِد ثورة القيم ما بعد المادية بأن تكون راديكالية جداً وغير مهادنة ما دامت ستغذيها طاقة الاستياء واليأس.‏

كيف ستتصرف حيال هذه الثورة طبقة المستثمرين – أي ذلك الجزء الذي سيعي انسداد أفق السير وراء كبار عولمة المراباة والمضاربة؟‏

من المهم لدى وضع سيناريوهات المستقبل الأخذ بعين الاعتبار قوانين الدراما التاريخية: لا يمكن أن لا تترافق العودة إلى المبدأ الإنتاجي في الاقتصاد بمواجهة حاسمة مع المجمع الافتراضي الحالي بمُرَكِّباته كلها.‏

إذا كان رجالات الاقتصاد الافتراضي يتصرفون على غرار البوهيميا اللامسؤولة والتي تزدري النظام والواجب والانضباط, فإن أنصار المبدأ المنتج المستقبليون سيحددون أنفسهم على أنهم نساك الواجب والقانون الأخلاقي والتراكم. إذا كان المضاربون الماليون يستغلون فكرة المجتمع المفتوح من أجل إخراج رؤوس الأموال المنهوبة إلى خارج البلاد من غير عوائق فإن نساك المراكمة الجدد سيصيرون مناصرين حازمين لحدود الدولة المنيعة ولحماية الصناعة الوطنية وللقيم الوطنية.‏

إذا كانت البوهيميا ونصف البوهيميا التي أنشأت الريع العقلي "المضخم" وراحت تخدمه تدين بتقريبية ما بعد الحداثة وقدرتها على التهام كل شيء, وبتعددية المعاني غير المتحقق منها , والتي لا ينطبق عليها المعياران الدقيقان "نعم" و"لا", فإن مرممي المبدأ المنتج سيعلنون حتماً أنهم أيضاً مرممي المبادئ الدقيقة للمعرفة الصارمة, التي تنصاع لاختبار التجربة الذي لا يقبل ثنائية المعنى. ستسترد مقولة التجربة أهميتها المركزية في المجال الفكري طاردة الرمزية ما بعد الحداثوية مزدوجة المعنى.‏

لقد بينت بعض السوابق ضمن هذا الاتجاه من قبل موجة المحافظين الجدد في الغرب. ينطلق المحرضون على الانقلاب المحافظ الجديد من بعض الفرضيات:‏

- من وجود فئة مثقفة مسؤولة وطنياً إلى جانب فئة المثقفين المتبوهمة, التي بددت الإرث الثقافي والقومي في عملية "اللعب بالدرر" اللامسؤولة, وهي في الوقت نفسه لا تقل عن البوهيميا العالمية بأي شيء وفاقاً للمعايير المهنية التي تحكم الإنتاج الروحي المعاصر؛‏

- من وجود "أغلبية أخلاقية" محافظة تصون القيم الروحية الأبدية إلى جانب الأقلية كثيرة الصراخ التي احتكرت وسائل الإعلام؛‏

- وأخيراً, من أن اتحاد فئة المثقفين المحافظة الجديدة مع الغالبية الصامتة, المنعقد للالتفاف على "الأقلية الكومبرادورية كثيرة الصراخ", ممكن وضروري.‏

إننا نملك الحق اليوم في أن ننطلق من مقدمات مشابهة. لن ينفي أحد وجود هاوية حقيقية الآن بين الطليعة الليبرالية الحالية وغالبية الشعب الصامتة التي تعاني من عوز وحرمان لا مثيل له. إن الشعب اليوم مبعد عن المشاركة الحقيقية في السياسة ( تلبي السلطة نفسها حاجته إلى المعارضة السياسية داسة الاستفزازيين بين صفوفه) وعن وسائل الإعلام. يصير صمت الشعب القسري في ظروف الاستياء المتنامي من سياسة الأوساط العليا أكثر دراماتيكيةً. وإذا كانت فئة المثقفين الروس لا زالت محافظة على كونها ظاهرة سوسيوثقافية خصوصية تجمع بين الوظائف الكهنوتية والنبوية في عالمنا الفاقد روحه, فإنها ستُبرِز في داخلها ذلك الهيكل المقدر له أن يعلي صوت احتجاج الشعب الأخرس. يوجد في التاريخ الروسي مبدآن سريان:‏

- اتحاد القيصر الرهيب مع الشعب ضد الاقطاعيين الخونة؛‏

- اتحاد الكنيسة المتنبئة مع الفقراء بالروح ضد الأقوياء والسفهاء.‏

تشير دراسة التاريخ العالمي إلى أن هذا نمط أصيل ليس في ثقافتنا وحدها بل في الثقافات التوحيدية كلها. تكوِّن مجموعة الآلهة المتخاصمين في ما بينهم وضعاً "ما بعد حداثوي" مريحاً لأولئك المنتفعين من ضبابية المعايير الحقوقية الأخلاقية والقيمية. لكن التوحيد يلغي هذه الازدواجية الماكرة في التقويمات الاجتماعية والأخلاقية وكذلك ازدواجية الأفق التاريخي بعيد المدى.‏

لقد تسنى لنا أن نختبر على أنفسنا تأثيرات تعددية الآلهة ما بعد الحداثوية في الحقبة "الليبرالية. ومن المحال أن يكون قد بقي لدى أحدهم شك في أن هذه التعددية الإلهية مربحة لحاذقي العالم الافتراضي الذين يقسمون بعدم إمكان التفريق بين الحقيقة والكذب وبين الخير والشر. تكمن المسألة, بالتالي, بأي الأشكال سيعاد إنشاء ثقافة الإله الواحد في الحقبة ما بعد الليبرالية المقبلة, هذه الثقافة التي لا تطيق صبراً على المكر وازدواجية المعنى في أهم مسائل تقرير الذات الإنسانية. من المهم انطلاقاً من هذه المواقف تقويم بعض إيديولوجيات القرن العشرين القديمة والحديثة – أي أيها يمكن أن يندرج في الفكرة التوحيدية الرئيسية للحقبة ما بعد الليبرالية.‏

لنبدأ من الإيديولوجية الاشتراكية الديمقراطية. إذ يعلق عليها اليوم بعض الآمال أولئك الذين فهموا انعدام أفق الليبرالية المعاصرة, التي انحطت إلى الدارونية الاجتماعية, وإلى التغاضي اللامحدود عن الأقوياء والقادرين على التكيف على نحو يتعارض مع الأخلاق والعدالة والتحضر. يلفتون الانتباه أيضاُ إلى أن رجالات الموجة المحافظة الجديدة في الغرب يتخلون بالتوافق مع قوانين "تبدل الأطوار" المعروفة عن الحكومات الاشتراكية الديمقراطية. أخيراً, يمكن الإشارة إلى أن السياسة الاشتراكية الديمقراطية تحتوي على لهجة المساواة الاجتماعية والعدالة الاجتماعية القريبة من عقليتنا. بماذا نستطيع الرد على هذا؟‏

أولاً, من الضروري الإشارة إلى أن الرد الاشتراكي الديمقراطي على "الفوضى" الليبرالية المعاصرة, وعلى خروج النخبة الاقتصادية الوقح بزعامة طليعتها المالية من منظومة التوافق الوطني, يعتبر رداً ضعيفاً ومبهما على نحو غير ملائم. والاشتراكيون الديمقراطيون الحاليون لم يردوا فعلياً على تحدي الأطلنطيين والنقوديين الليبراليين لا في مجال السياسة الداخلية ولا في مجال السياسة الخارجية المتعلقة بتطرفات "القطبية الأحادية". لا بل إن تصادمات حقبتنا المتقلبة من المنظور التاريخي الواسع ليست بالتي يمكن حلها في إطار إحلال الديمقراطيين الطقوسي محل الجمهوريين, والليبراليين محل المحافظين والاشتراكيين الديمقراطيين محل الديمقراطيين المسيحيين. والناخب الروسي يشعر بهذا بالبديهة: لم يتجاوز ما حصل عليه الحزب الاشتراكي الديمقراطي حديث العهد نسبة 1 % من الأصوات.‏

يتلخص الأمر في نضوج رد فعل صارم في الثقافة على تجارب الحداثة التبذيرية متخذ شكلاً جديداً من حياة التقشف. والتيار الاشتراكي الديمقراطي أقرب إلى الفكرة الحداثوية الأساسية حول التحرر التبذيري منه إلى التقشف والانضباط الذاتي.‏

استغل المحافظون الجدد الغربيون منذ وقت قريب جداً رد الفعل الثقافي العام على هذا التبذير, فقد انتقدوا تغاضي المجمع الليبرالي اليساري والاشتراكي الديمقراطي والدولة الاجتماعية عن "ثقافة المعونات" المرعية من قبلها (الإعالة الاجتماعية), وعلى الخطط الفارغة والطوباوية. لكن الصراع كما تبين يجري بين المذهب النقودي والكينزية, وبين الليبرالية اليمينية والاشتراكية الديمقراطية داخل فكرة التغاضي الحداثوية الرئيسية, والحديث يدور ببساطة عمن ينبغي التغاضي.‏

يدور الحديث في الشكل الاشتراكي – الديمقراطي عن المدللين من سواد الشعب – أي عن أولئك الذين يعتبرهم اليساريون "قريبين اجتماعياً". وفي الشكل الليبرالي يدور الحديث عن المدللين من عداد العلية المتبرمين منذ زمن طويل من أن دولة القانون تسعى إلى التعامل معهم "كما تتعامل مع الجميع", على الرغم من أن الأمر واضح لأي كان أنهم ليسوا كالجميع. أما في ما يخصني شخصياً فثمة أمر وحيد واضح لي: من المستحيل إعادة حتى ذلك الجزء من الطبقة الاستثمارية, الذي يميل إلى الاقتصاد المنتج والمستعد للانقطاع عن رجال الاقتصاد الافتراضي المافيويين المضارباتيين, إلى منظومة التوافق المدني المعاصر على أساس البرنامج الاشتراكي الديمقراطي. إذا أردتم مطالبة الطبقة الاستثمارية بسلوك مسؤول وطنياً مع كل ما ينتج عن ذلك من أعباء خدمية فإنكم لا تستطيعون في الوقت نفسه التساهل مع "ثقافة المعونات" الخاصة بسواد الناس, ومكافأة المهملين وغير المهملين, والعاملين وغير العاملين بروح "ديمقراطية المساواة".‏

يفترض الانقلاب السوسيوثقافي والسياسي المقبل على أقل تقدير المساواة في التضحية انطلاقاً من روح الخدمة الاجتماعية والتقشف والمسؤولية. إننا نعرف من تجربة التاريخ الروسي أن فقدان الوحدة الوطنية قد تم حين أخلَّت الأوساط الحاكمة من جانب واحد بتوافق الدولة الخدمية كما حدث مثلاً بعد أمر بطرس الثالث المتعلق بمنح الحرية الذهبية لطبقة النبلاء.‏

لقد أفقد وضع النبلاء اللاخدمي "الغربوي" الجديد, الذي سمح لهم بأن يعيشوا حياتهم الخاصة بحرية, منظومة القنانة كلها معناها في نظر طبقة الفلاحين, فأن تخدم النبيل المقاتل وخادم الدولة شيء, وأن تخدم المنعم والمبذر اللامسؤول شيء آخر.‏

أخلَّت إصلاحات عامي 1991 – 1992 لدينا على النحو ذاته بمنظومة التوافق المدني التي أرسيت دعائمها في النظام الستاليني. تخلت الأوساط الحزبية العليا السابقة عن وضعها الخدمي وخصخصت ملكية الدولة وصارت تعيش نمط حياة "غربي" من ملكيتها الخاصة. باختصار, لقد استغلت اللبرلةَ ما بعد السوفييتية بحِرَفية تامة محسِّنةً نوعياً وضعها الاجتماعي ومشبِعةً الحريات الجديدة كلها بمحتوى اجتماعي ذي أهمية (بنظرها). ولم يبق لسواد الناس سوى "الاقتناع الرمزي" بحريات شكلية لا تمس حياتهم اليومية المنهكة.‏

ثمة على جدول الأعمال اليوم مسألة إعادة بناء التوافق المدني ضمن أشكال اجتماعية وسياسية جديدة.‏

وبرأيي لا يمكن الوصول إلى هذا التوافق على شكل الثأر البسيط لسواد البشر المخدوعين من رجالات الخصخصة الوظيفية. لذلك لا الفكرة الشيوعية تنفع هنا ولا الفكرة الاشتراكية الديمقراطية – هذا من غير أن نتحدث عن أن الفكرة الأولى قد تشوهت على يد النظام الشمولي.‏

وبالفعل, ما دام قد تكون في المجتمع (كما في الثقافة المعاصرة عموماً) توافق بخصوص عدم وجود بديل لاقتصاد السوق فمن الواضح أن البديل الحقيقي يقع وراء حدود الثنائيات القديمة مثل الخطة – السوق, الشيوعية – الليبرالية, الاشتراكية الديمقراطية – النقودية. يقع الخيار الحقيقي في مستو مغاير مرتبط بالاختيار بين ثقافة الاقتصاد الافتراضي الطفيلية وثقافة الاقتصاد المنتج الحقيقي التقشفية التعبوية, هذا الاقتصاد القادر على المراكمات الاستثمارية الحقيقية وعلى تحمل المسؤولية الاقتصادية طويلة الأمد.‏

ستبرز في إطار مثل هذا الخيار مهمة صعبة أمام الدول ما بعد السوفييتية, وهي استمالة الرأسمال الوطني إلى قضية البعث القومي بانتزاعه من الرأسمال الكومبرادوري ومن ألعابه الافتراضية المضارباتية كلها. يدور الحديث عن الاعتماد على الوسط الوطني من "مدمني العمل" العنيدين, الذين لا يكلون والصارمين تجاه أنفسهم وتجاه غيرهم من المستثمرين المقاومين بوعي ضغط ثقافة اللذة الفاسدة والاستباحية البوهيمية والإجرامية. يشير هذا كله إلى شيء ما أكثر محافظةً ومونولوجيةً وقدرة على التعبئة الداخلية من المجمع الاشتراكي الديمقراطي, الذي يوحد الاشتراكيين الليبراليين والليبراليين الاجتماعيين, أنصار التحرر والسلام الأبدي وغير ذلك من الطوباويات المختلفة.‏

لنلتفت إلى ألوان الطيف الفكري السياسي المعاصر الأخرى. قال الشاعر "يحتاج الزمن الجديد إلى زي جديد من أجل قضية جديدة". هذا معناه أن علينا أن نتوقع إما ظهور إيديولوجية صارمة جديدة – ترث الأنموذج التوحيدي القديم, وإما إعادة بناء ملائمة للإيديولوجيات المعروفة. سيترتب على المجتمع المعاصر أن يعيد من جديد تفسير أهم قيم الحقبة الحداثوية – مثل الديمقراطية والإنسانية والعدالة والمساواة وتقرير الذات وغيرها.‏

كانت القيم المذكورة تفسَّر في فترة الحداثة المتراخية والانحطاطية السابقة ضمن مجرى التغاضي اللذوي العام في سياق النزعة إلى تسريح الروح وانعدام التوازن والتراخي. وصارت الحداثة المتأخرة تكوِّن الإنسان غير القادر على الوجود الأرضي المديد بسبب من نقص المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية والبيئية. فإن كانت البشرية ترغب في الاستمرار في الحياة على الأرض المنهكة والمثقلة بالممارسات اللامسؤولة لمدرسة الحداثة المفرطة في النضج فمن الضروري القضاء على مثل هذه النزعة.‏

إن المبادرين إلى البديل الناضج منذ زمن سيلتفتون في أقرب فرصة نحو نصوص الثقافة ووصاياها التي يستطيعون أن يجدوا فيها الترياق ضد اللامسؤولية والتغاضي في جميع أشكاله. سيصير هدفهم الرئيسي إيديولوجية الليبرالية الحالية بما تحمله من دعوات مثيرة للجدل "لعدم الاستحياء". وسيترتب عليهم انتزاع قيم الحداثة الديمقراطية الكلاسيكية, التي لا زالت تلهم كالسابق العقول والقلوب, من الليبراليين وإشباعها بمحتوى جديد. إن أهم قيم الكلاسيكية الديمقراطية هي الاستقلالية الذاتية وتقرير الذات وتحقيق الذات. وهي بالمنظور العريض لا تتطلب تراخياً ضمن روح "الحرية" اللذوية, بل أقصى درجات التركيز الداخلي, والانضباط الذاتي وتمالك النفس. المساواة في الانضباط الذاتي وفي المسؤولية المهنية والمدنية وفي الاستعداد لاحتمال عبء فضائنا الأوراسي القاسي – هذه هي أسس التوافق المدني الجديد.‏

لكن عناصر العالمية أخلت به – أي أولئك المستعدين لاستبدال وطنهم إذا كان يطلب الكثير. يحمل بعضهم المرتبط بوطنه و"بمكان تطوره" الأوراسي عبئه, بينما يسمح الآخرون لأنفسهم بأن يختاروا أي الأمكنة أحسن لهم؛ يعيش بعضهم بمكيال موحد, بينما يسمح الآخرون لأنفسهم بمكيالين.‏

توجد في الطيف الفكري المعاصر فجوة خاصة يملؤها اليوم بنشاط أنصار الفكرة البيئية. تستحق هذه الفكرة أن ننظر إليها بانتباه أكبر. إنها تعاني بشكلها الحالي من الازدواجية. فهي من جهة تعبر عن نقد ذاتي مبرر للحضارة التقنية الغربية وللمجتمع الاستهلاكي المبني على أساسها بكل ما فيه من طمع ولامسؤولية.‏

ومن جهة أخرى, أثرت على صياغة الفكرة البيئية في الغرب الثقافة المضادة الشبابية, التي خططت لتبرير هروبها على أساس هذه الفكرة من واجب العمل والخدمة العسكرية ومن كل ما تفوح منه رائحة التعبئة والانضباط. لا ينتقد "الخضر" المجتمع الصناعي على إسرافه البيئي وحسب, بل على روح المراكمة الانضباطية المختبئة فيه. يعتبر "الخضر" في هذه النقطة حلفاء لما بعد الحداثة, التي تعلل "تسريح" الشخصية المعاصرة الشامل, وسباقين إليها.‏

يكمن السؤال الرئيسي تحديداً في ما الذي يطلبه منا وضع الأزمة العولمية المعاصرة: التسريح الشامل باعتباره ضمانة لإنهاء الممارسات والتقنيات الفظة الخطرة على التوازن الطبيعي أياً كانت – سيحرمها الفارون من الحضارة التقنية من مادتها البشرية الضروروية – أم على العكس, مستوى جديداً نوعياً من التعبئة والمسؤولية؟ يستطيع أولئك "الإصلاحيون" الذين حرضوا على عملية اللاتصنيع في الفضاء ما بعد السوفييتي وما بعد الاشتراكي كله أن يجدوا لأنفسم أدلة براءة بيئية, لأن تدمير الصناعة سيترافق لزاماً مع تخفيض في العبء البيئي. لكن هل نستطيع أن نعتبر أن مشاكل المعاصَرة العولمية ستحل حقاً خلال عملية التدمير هذه تحديداً وفي أثناء الانقلاب المدبر من قبل الليبراليين؟‏

طبعاً, لا. يترافق الاختبار الليبرالي بتخفيض في شتى أنواع الرقابة والمسؤولية – بما في ذلك ما يتعلق بالمجال البيئي. يهيئ تدمير البنية التحتية الصناعية لكارثة تكنولوجية لا مثيل لها, وهذا ما بتنا نلحظ أعراضه اليوم. عموماً, ينبغي التأكيد على أن روح "الفرار" التي يتغنى بها ممثلو ثقافة المذهب البيئي المضادة ما هي إلا روح ضارة ولا يمكن تعليق آمال خاصة عليها.‏

يواجه الخضر الخارجون من الثقافة المضادة الثقافةَ بالطبيعة, مشاطرين الليبراليين طوباوية "الإنسان الطبيعي", بكل ما يحتويه من laissez – faire (سياسة عدم التدخل). إنهم يتمنون لو يظنوا أن الخروج من عدم تناغم الثقافة المعاصرة سيضمن تلقائياً الالتحاق بالتناغم الطبيعي؛ إننا, إذ ننزع عن كاهلنا حمل أي تعبئة اجتماعية مهما كانت, نتحول كما يقولون إلى ذلك المتوحش الفولتيري الساذج الذي تتحكم فيه الطبيعة ذاتها بحكمة. لكن الطبيعة في الواقع ما عادت منذ زمن تقفز داخلةً من تلقاء نفسها من النافذة بعد أن طردت في وقت ما من الباب. إن التقشف البيئي الضروري جداً للبشرية في حقيقة الأمر لا ينبع قط من التراخي, ولا من الفرار الأخلاقي والاجتماعي. تدل التجربة على أن الفارين الذين ألقوا عن كاهلهم أي مسؤولية اجتماعية يصيرون عادةً نهّابين سلاّبين وأحياناً نهّابين سلاّبين بيئييّن.‏

سيترتب علينا على الأرجح أن نعيد تفسير أخلاق المراكمة البرجوازية القديمة بعد أن نضم إليها تقشف المراكمة البيئية. تعني المراكمة بالمعنى السوسيوثقافي الامتناع عن الاستهلاك لصالح الاستثمارات طويلة الأمد إلى حد ما. يمكن تفسير الطبيعة بهذه اللغة باعتبارها رأسمال البشرية البيئي, الذي يتطلب استثمارات خاصة. يفترض الاستثمار البيئي, مثله في ذلك كمثل أنواع الاستثمارات طويلة الأمد الأخرى, وجود رب عمل مسؤول وغيور ويعي جيداً أنه لا يمتلك منزلاً أغلى من منزله الأصلي, ولا أرضاً أغلى من أرضه الأم.‏

يكوِّن المجتمع الليبرالي الجديد المفتوح رحَّلَ العالمية عديمي المسؤولية, الذين يفضلون على أي نوع من أنواع الاستثمار طويل الأمد ألعاب المضاربات قصيرة الأمد, التي تفترض الاستعداد للاختفاء فوراً مع ما تم نهبه. لا يمكن مواجهة توسع العالمية المدمر هذا إلا بجهود مشتركة من قبل أولئك الذين يعتبرون أرض الوطن منزلهم الأم, والذين ينبغي عليهم الاهتمام من غير كلل برفاهه الاجتماعي والاقتصادي والبيئي. ينبغي, في الصراع ضد نفسية اللامسؤولية اللذوية, التي يتمتع بها العابرون العالميون غير القادرين على التوفير والمراكمة, تجنيد روح التوفير والمراكمة المحافظة, التي ستبدو على الأرجح لشتى أنواع البوهيميا تسلطية.‏

في ظروفنا هذه تتشبع الثنائية المحافظة القديمة, التي تفصل بين من هو متعلق بمنزله والرحَّل المتشردين طوعاً بحثاً عن النجاح, بمعنى معاصر سامٍ. إن المشكلات العولمية لا تتطلب نفسية المهاجرين المستعدين للرحيل عن "الفضاء" الملوَّث بيئياً واجتماعياً, بل تتطلب نفسية الفلاحين المخلصين الذين لا يوجد لديهم مكان يهاجرون إليه ولا ما يقايضون به أرضهم الأم. إن تماثل الناس باعتبارهم سكان هذه الأرض وهذه البلاد وهذا الإقليم هو ذلك المعيار القديم الذي سيكون مقدراً له أن يمتلئ بمعنى جديد في زماننا, زمان المواجهة الشاملة بين العالميين والوطنيين. إننا نعرف من تاريخ البرجوازية باعتبارها طبقة أن الاستثمار الصغير والمتوسط قد شغل دوماً مواقف محافظة قومية, بينما ينجذب دهاقين المال إلى الكوسموبوليتية والكومبرادورية.‏

اليوم حين يمر خط الفصل بين نوعي الثقافة المنتج والمضارباتي الربوي (بالمعنى الواسع للكلمة الشامل "البزنس" و"البنية الفوقية"), يتطابق رأس المال الوطني بالكامل مع الاقتصاد المنتج , والرأسمال العالمي مع اللامنتج أي الافتراضي. إن فكرة حماية أرض الوطن من شتى أنواع التلوث – السوسيوثقافي والأخلاقي والاقتصادي, قادرة على توحيد من ليس لديهم "وطن ثان" وأن تصير أساساً للتوافق الوطني اللاكومبرادوري.‏

تبرز الفكرة البيئية ضمن هذا السياق منقاةً من شتى شوائب "الثقافة المضادة" وتكتسب في الكثير من الجوانب ملامح مرموقة. كما يكتسب برنامج التوفير (المراكمة) البيئي , مثله كمثل المراكمة الاقتصادية, توجهه اللالذوي واللااستهلاكي واللاليبرالي. الحصص البيئية والرقابة البيئية على شتى أنواع الممارسات التبذيرية التي تدمر الطبيعة لصالح الشهيات اللذوية – هذه هي إحدى مكونات رد الفعل المحافظ المقبل على الليبرالية بمعاييرها المزدوجة: التغاضي اللذوي عن المختارين والقسوة الدارونية الاجتماعية على "المحرومين". تتشكل هنا أرضية للتوافق المدني الجديد الذي لا يوحد الناس على أساس انعدام المسؤولية العام ومقدرة "ما بعد الحداثة" على التهام كل شيء, بل على أرضية التقشف البيئي الاجتماعي الجديد. يكتسب هذا التقشف هنا وضع الفكرة الرئيسية, وستصاغ باسمها أشكال أخرى من التقشف التي ترمز إلى التحول عن المجمَّع اللذوي, الذي يقسم المجتمع إلى أقلية متنعمة وأغلبية محرومة, نحو المجمَّع المحافظ الوقائي الذي يوحد الأمة على أساس التقشف الوطني العام.‏

إن هذا الانعطاف قادر على التأثير على أسلوب تنظيم المجتمع بالكامل. إن أسلوب التنظيم الذي اعتدنا عليه والذي نشأ مع المجتمع الصناعي هو الأسلوب القطاعي. إنه يعني أن المستوطنات تتكون على شكل ملحقات بالمؤسسات, أما توضع الناس الاجتماعي فيتطابق مع تقسيم العمل الصناعي. ينظر إلى الجيران المرتبطين بقطاعات أخرى من فروع النشاط المهني على أنهم غرباء – إذ لا تتوافر صلات حقيقية معهم.‏

وبالعكس, يماثل أنفسَهم الناسُ المتباعدون إلى أقصى حد مكانياً, لكن الموحدين في إطار المجمع القطاعي الهائل, باعتبارهم وحدة اجتماعية – طبقية, مهنية, تكنولوجية, إدراية تنظيمية. يتبين عندئذ أن العلاقات الأفقية ما بين القطاعات غير مكتملة التطور؛ وتسود العلاقات القطاعية الشاقولية. هكذا يتكون الإنسان غير المهتم بأي أمر محلي , ومعدوم الإحساس بالروابط الجغرافية وبنداء التربة والأرض والتقاليد الثقافية. تصير أرض الوطن عندئذ منبعاً للموارد وحسب, وفضاءً "فارغاً" يجب أن يخضع للتنظيف على سبيل التخصص الإدراي. إن هذا كله يكوِّن نوعاً خاصاً من رحَّل الحضارة التقنية المحرومين من التماثل الثقافي المكاني.‏

إن الفكرة البيئية الكبيرة قادرة على قلب الأفق مشيرة بذلك إلى الانتقال من إنسان القطاعات إلى إنسان الأرض. وهذا بحد ذاته قادر على تغيير عقلية الإنسان المعاصر وحسيته من جذورها. تعني الحساسية الزائدة تجاه الأرض بكل ما فيها من نبض وروابط خفية الإطاحة بالأفق المعتاد والأحكام الموروثة من عصر الحداثة كلها. إن الفكرة المحورية حول الأرض يمكن أن تبرز باعتبارها مولداً جباراً للروابط الأفقية, التي تشكل فرد الجماعة الجديد. لكن سيكون من العبث بهذا الصدد توجيه الاتهامات بالرجعية. ففي نهاية المطاف, وكما دلت نظرية الإدارة المعاصرة يشكل تطور العلاقات الأفقية المباشرة بديلاً ديمقراطياً للتسلطية والمركزية والبيروقراطية.‏

لن تبدو حضارة العلاقات المتينة بالأرض وحضارة المسؤولية تجاهها تسلطية على نحو لا يحتمل إلا لرحل المجتمع الاستهلاكي عديمي الإحساس بالمسؤولية, الذين يفضلون الأدوار الاجتماعية السلبية. يمثل المجتمع المدني الحقيقي, كما أشرنا سابقاً, مشاعة (بوليس: الدولة – المدينة) محلية تحل معاً المشاكل كلها التي تنشأ في مكان وجودها. إذا كان المجتمع الاستهلاكي مبنياً على ثنائية وقت العمل ووقت الفراغ, اللذين يعتبر كل منهما لانوعياً إلى أقصى حد من ناحية العلاقة بالأرض, فإن المجتمع المكوًّن وفاقاً لمبدأ الأرض سوف يطور باطراد نمطاً ثالثاً من الزمن الاجتماعي مكرس للنشاط المدني المحلي.‏

يقضي مثل هذا النشاط على التراخي المعتاد والوهن الاجتماعي المميز للنفسية الاستهلاكية التي تخاف أكثر ما تخاف من تحمل المسؤولية والجهود المدنية الحقيقية. لكن مجتمع ديمقراطية الأرض المعبأ قد يعتبر وفاقاً لمعايير مذهب اللذة الاستهلاكي المعتاد تسلطياً وإسبرطياً على نحو لا يحتمل. يدور الحديث حول ديمقراطية أصحاب المدينة والقرية والإقليم, وصاحب المكان لا يقبل اللامبالاة والتراخي. يثمن مواطن الحداثة أكثر ما يثمن الوهن, والقدرة على الاختفاء في الحشد وأن يكون غير معروف وغير معني.‏

لكن المشاعة المنظمة ديمقراطياً والتي تتطلب المشاركة المدنية المستمرة تقضي على الوهن اللامسؤول: يعرف الجميع هنا من المسؤول في اللحظة المعنية والمكان المعني وعن أي شيء. تعاني الحضارة المعاصرة أشد ما تعاني من رحل العولمة, الذين لا يحملون على عواتقهم أية "واجبات محلية". يفسر إلى حد كبير التشوه, الذي أصاب الرأسمالية المعاصرة الآخذة بالانحطاط أمام أعين الجميع إلى منظومة ربوية مضارباتية ترمي شباكها في شتى أرجاء العالم, بإحلال أسلوب التنظيم القطاعي محل مبدأ الأرض. فأسلوب التنظيم القطاعي إذ يجري المضي به إلى نهايته المنطقية يولد تلك العولمة المشمئزة من كل ما هو محلي, والتي تركز أزمات المعاصَرة الاجتماعية والأخلاقية والحضارية.‏

لذلك ليس ثمة ما يثير الدهشة في أن يكون رد الفعل المرجح عليها هو العودة الجديدة إلى مبدأ الأرض في تنظيم المجتمع, الذي يصير فيه الارتباط بالأرض مدرسة لبعث المسؤولية المدنية. ليست فكرة المذهب البيئي الرئيسية عشوائية هنا أيضاً. فهي من جهة تمتِّن التماثل استناداً إلى الأرض ممكِّنةً سكان الإقليم الذائدين عن وسطهم المحلي الأم من مواجهة الملوثين والمبذرين الدخلاء. ومن جهة أخرى تمتلك قيمة عقائدية منهجية. وكما أن الطبيعة لا تعتبر خليطاً من الأجسام الميتة وإنما منظومة من التعايشات الحيوية كذلك تجسد الأرض كليةً خفيةً ما يترك تسليط الضوء عليها بلغة السياسة وبلغة نظرية الإدارة آثاراً غير اعتيادية.‏

حتى الإنتاج الصناعي اليوم يعاني من قصور الصلات بين القطاعات الناتج عن ندرة التنسيق المعتمد على مبدأ الأرض. أما ما يخص الإنتاجين الاجتماعي والروحي الموجهين إلى الإنسان مباشرة فلا يمكن لهما أن يتطورا تطوراً مكتملاً من حيث المبدأ إلا باعتبارهما مجمعاً مترابطاً في ما بينه. إذا كان المجتمع المعلوماتي موجهاً في الغالب نحو الرأسمال الاجتماعي البشري فسيصير واضحاً ذلك الدور الذي لا يمكن الاستغناء عنه والذي تلعبه الروابط بالأرض باعتبارها أساليب لتركيز هذا الرأسمال. لا يمكن أن تكون البنية التحتية الاجتماعية والثقافية قطاعيةً خالصةً, فهي موجهة للإنسان كإنسان, بكل ما فيه من تنوع في الصفات والعلاقات الاجتماعية.‏

تتبدد اليوم جملة المعلومات الأعلى قيمة والمنتجة في شتى قطاعات الإنتاج الروحي في الفضاء الواقع بين القطاعات, من غير أن تحظي بالاستخدام الملائم. يفسر الإفراط النسبي في إنتاج المعرفة (الذي صار مبرراً لبرامج تقليص العلم والثقافة والتعليم "الليبرالية") لا لأنها تعتبر فائضة عن الحاجة موضوعياً, بل لأن التشتت القطاعي للممارسات الاجتماعية المعاصرة يعيق تحقيق هذه المعرفة تحقيقاً كاملاً. وتظل أنواع كثيرة من المعرفة من غير صاحب وغير موجهة لأحد.‏

إن مبدأ التنظيم المرتبط بالأرض, الذي يعيد إحياء الكلية الاجتماعية بدلاً من الخليط القطاعي الحالي, قادر على أن يرفع نوعياً قدرة حضارتنا على ادخار أنماط جديدة من المعرفة, وخصوصاُ الاجتماعية – الإنسانية, المهمشة بمعايير "الحضارة التقنية". كما أن لمبدأ الارتباط بالأرض مثل هذه الأهمية الكبيرة في نقل المعلومة الاجتماعية الإنسانية الجديدة من وضعها اللاتوجيهي إلى الوضع التوجيهي, فتصير أساساً للحلول المدنية البناءة. تعتبر اليوم عوامل تركيز الرأسمال الاجتماعي المرتبطة بالأرض (عوضاً عن تجزئته إلى قطاعات) مقدمة نهوض المجتمع المدني بمعناه الخاص باعتباره الدولة – المدينة المدنية الخلاقة.‏

إذا فسرنا مشروع التحرر بمعناه الاستهلاكي اللذوي – باعتباره حقاً بالوجود الاجتماعي غير الملتزم للوحدات الفردية اللامبالية بأي شيء, فإن العودة إلى مبدأ التنظيم المرتبط بالأرض سيبدو خطوة إلى الوراء. أما إذا فهمنا التحرر بمعنى المسؤولية المدنية والحق بالمشاركة في القرارات ففي مقدورنا تقويم مبدأ الارتباط بالأرض باعتباره درجة جديدة في تطور الحضارة السياسية المعاصرة.‏

(1( - أوردت الإحصائيات لعام 1985 أن قرابة 500 مليار روبل أي ما يقارب بالمكافئ الحالي المليار دولار كانت مسجلة على دفاتر التوفير.‏

(2( - الكونفوشيوسية هي تعاليم أخلاقية سياسية في الصين. أسسها كونفوشيوس في القرن السادس ق. م. وكانت تدافع عن مصالح الأرستقراطية الوراثية, تعتبر سلطة الحاكم مقدسة, وأنها هبة من السماء, وأن تقسيم الناس إلى نبلاء وعاديين هو تجسيد لقانون العدالة الشامل. يرتكز البنيان الاجتماعي في الكونفوشيوسية على الكمال الخلقي والالتزام بمعايير الأخلاق. (المترجم).‏

(3( - المقصود أسرة الرئيس بوريس يلتسين والمقربين منها (المترجم).‏

(4( - معطيات المعهد الروسي المستقل للمسائل الاجتماعية والقومية.‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 06:31 PM
ـ السيناريو التنبؤي الثاني: العولمة البديلة





سننظر إلى العولمة في إطار هذا السيناريو باعتبارها اتجاهاً تطورياً لا ريب فيه – أي في الإمكان البحث عن البديل في إطار العولمة ذاتها وليس خارجها أو بالضد منها.‏

تنبع القناعة بهذا الأنموذج من حقيقة أنه يندرج على نحو أفضل في منظومة الآمال والأحكام التي أوحى بها عصر الحداثة لإنساننا المعاصر.‏

لا يدور الحديث على هذا النحو حول نقد الحداثة المحافظ, بل عن نقدها الذاتي الفطري الذي يقدمه أولئك الذين يعتبرون أنفسهم منتمين إليها, لكنهم يطالبون بإعادة توزيع خيراتها لصالحهم. يمكن أن يجري تفسير انحرافات العولمة من موقف هذا النقد الفطري على أنها نتيجة لاحتكار هذه العولمة من قبل مجموعة اجتماعية محددة – والحديث يدور في المقام الأول عن النخبة المالية. لقد كانت أول من استوعب الإمكانات النابعة من العولمة وخصخصها بجشع. يتلخص الرد على هذا التحدي في أن تستوعب المجموعات الاجتماعية الأخرى أيضاً من مواقعها ولمصلحتها إمكانات العولمة فتعيد بذلك إقامة منظومة الموانع والتوازنات على مستو جديد. يتوافق هذا منهجياً مع ما يسميه عالم الاجتماع الإسرائيلي ش. ن. أيزنشتاد "تعددية الحداثات في عصر العولمة"(1).‏

يُفترَض هنا توافر الحق لكل مجموعة اجتماعية أو لأي نمط ثقافي في أن يعيد على هواه تفسير الحداثة وإقامة بدائله التي ينسجم معها. فالتذمر من العولمة, التي تجسد اليوم السلطة العالمية للنخب المالية والشركات العبرقومية المتحررة من الرقابة الوطنية, شيء, وأن تحاول مواجهة منظمات رأس المال العولمية بمنظمة العمل العولمية, ومواجهة السلطة "التنفيذية" العولمية المتمثلة بسيادة الولايات المتحدة الأمريكية الأحادية, "بالسلطة التشريعية" العولمية التي توحد الآن سياسياً الأغلبية الضعيفة المنتمية إلى بلدان الأطراف العالمية, شيء آخر.‏

إذا كانت قوى سياسية معروفة تصادر العولمة فالمخرج لا يمكن أن يكون في مواجهة العولمة والجدل حول مبدئها, بل بتوسيع المشاركة في هذه العملية وتصحيح انحرافاتها في أثناء ذلك.‏

بكلمات أخرى, لا يجوز أن نقف من العولمة موقف اللوديتيين(2) – محطمي الآلات. ليست الحضارة التقنية باعتبارها تجسيداً للحداثة منبعاً لعدم المساواة الاجتماعية بقدر ما هي انعكاس له. وسيجر تصحيح اللامساواة الاجتماعية وراءه تصحيحاً مقابلاً لبنية التقدم التقني نفسه وتوزيع نتائجه. وهكذا, تصير في أول الأمر المستجدات التقنية المثيرة في متناول الطبقات صاحبة الامتيازات؛ ومع الزمن يظهر مفعول تحويل هذه المستجدات الديمقراطي إلى شعبية: ينقص ثمنها وتصير متاحة لنطاق واسع من المستهلكين. أفلا تخضع عملية العولمة لهذا المنطق أيضاً؟ فاليوم تحتكرها المجموعات والبلدان صاحبة الامتيازات, وغداً يمكن أن تصير متاحة للأطراف السائرة خلفها. من المهم فقط عدم الاستسلام لأوهام الجبرية التفاؤلية – أي لعقد الآمال على قوانين التقدم المغْفلة التي تسوي كل شيء ومن غير أن نبذل جهوداً خاصة على أفضل وأعدل شكل يرام.‏

لا تحمل الامتيازات الخاصة في عصر الحداثة طابعاً مورفولوجياً بنيوياً, بقدر ما تحمل طابعاً دينامياً. يبرز الامتياز باعتباره التحاقاً مستبقاً للمجموعات والمرجعيات الاجتماعية المعروفة بالعملية التي تحمل من حيث المبدأ طابعاً يجعلها في متناول الجميع. يتحقق الامتياز على هذا النحو في مجال زمني معروف, يفصل بين وجود هذا "الجديد" أو ذاك في شكل الإنتاج بالقطعة أو بشكل الجملة المحدود, ومرحلة إنتاجه بالجملة. يمكن تقويم أزمة العولمة ضمن هذا الأنموذج القياسي باعتبارها طوراً مؤقتاً يفصل المرحلة النخبوية في تطور عملية العولمة عن مرحلتها الجماهيرية.‏

يجدر بنا التأكيد على أن السيناريو التنبؤي الموضوع على أساس هذا الأنموذج القياسي لا يفترض بتاتاً اللاتنازع. إنه لن يكون على النطاق السياسي أقل مأساوية من سابقه, فحقيقة إمكان دمقرطة عملية العولمة من حيث المبدأ وتوحيدها وفاقاً لمعايير العدالة الاجتماعية وجعلها متاحة للجميع لا تعني إطلاقاً أن القوى الاجتماعية التي استوعبتها باعتبارها امتيازاً لها لن تقاوم بشراسة محرضة بذلك على نزاعات أهلية وعالمية , لا بل على شن حروب أيضاً.‏

من المهم, بهدف التنبؤ بالأحداث وفاقاً لهذا السيناريو, تقويم العولمة بالمعيارين الثقافي الأنثروبولوجي والنفسي الاجتماعي. وتحديداً: أي الأنماط البشرية تصير عولمية أسهل من غيرها, أي أيها تبلغ تلك الدرجة من قابلية الحركة في الفضاءات وبين المجموعات, هذه القابلية التي تقع في أساس شتى أنواع الأمميات العالمية. إن الأقل قدرة على التكيف مع العولمة وفاقاً لهذا المعيار هو نمط المستثمر المدمن على العمل, المحافظ على بقايا الأخلاق الأبوية والارتباط "بالتربة". يغدو نمط القومي اليميني هذا الأكثر حرماناً من شتى أنواع "الأمميات". وحتى لغته المقتضبة والمباشرة والمرتبطة بالواقع هي الأقل جدوى في السير وراء الموضات الإيديولوجية والتظاهرات المؤثرة.‏

يوجد نمطان هما الأكثر إدراكاً للعولمة بالمعيار الأنثروبولوجي: الوسط المضارباتي الربوي مع "بوهيميا" المجتمع الجماهيري الاستهلاكية اللذوية المتجمعة حولـه من جهة, والطليعة اليسارية مع "البوهيميا الثورية" سهلة الاشتعال المتجمعة حولها من جهة أخرى.‏

يمثل في حقيقة الأمر هذان النمطان معاُ نوعين مختلفين من homo ludeus ( إنسان الفراغ "اللاعب").‏

لقد راحت الديسبورة الثورية اليسارية تبني عوالم السياسة الافتراضية مع كل أساطيرها حول "المستقبل المشرق" قبل أن تبني الديسبورة المضاربة عوالمها الافتراضية في مجال الاقتصاد بزمن طويل.‏

خيّل أن الطور ما بعد الشيوعي في الدورة السوسيوثقافية العالمية, الذي حل محل الطور اليساري الراديكالي قد دفن إلى الأبد هذا النمط. لكن, واحتكاماً إلى ذلك الكم من الإساءات التي تسنى للناشطين الليبراليين المعادين للشيوعية أن يرتكبوها, وإلى ذلك الكم من الآلهة التي أهانوها وإلى ذلك الكم من المقدسات الذي دنسوها, علينا أن نتوقع رد فعل معاكس محتمل. تم عرض السيناريو المرتبط برد الفعل الأبوي المحافظ أعلاه. إنه يعكس ايضاً رد الفعل على عملية العولمة كعولمة. لكن من المحتمل جداً أن تستمر عملية العولمة في الطور التالي أيضاً من الدورة السوسيوثقافية العالمية, المرتبط بالعودة إلى الفكرة السياسية الأساسية اليسارية الراديكالية. ومن المهم أن نستوضح من تحديداً سيجسد هذا الطور.‏

ربما كان من السذاجة المفرطة أن نتوقع بهذا الصدد "نهاية تاريخ" أخرى, مرتبطة بتجسيد طوباوية "المستقبل المشرق". سوف يتغذى الطور ما بعد الليبرالي المقبل كما الليبرالية المعاصرة بالدوافع والطاقات الأرضية الخاطئة المرتبطة بالتعطش للسلطة والمكانة المرموقة والتأثير.‏

تكمن مفارقة العولمة بطورها الليبرالي الحالي في ضعف السلطة الروحية كسلطة. لم يهتم مدمرو الطوباوية الشيوعية بكيفية عدم جعل أي إيمان يلهب مشاعر الناس على الإطلاق منذ الآن, وأن يظلوا صماً تجاه الحماسة إلى نمط الإدراك الكاريزمي. تقرر إلغاء طائفة البراهمة عموماً وإلى الأبد بعد الوصول إلى ضمور المشاعر القيمية الدينية. ينبغي الاعتراف بأن التجربة الليبرالية المعاصرة في هذا الجزء لا تقل تطرفاً عن التجارب الماركسية المرتبطة بالقضاء على السوق. إذ أعلن البراغماتيون المعاصرون "موت الأسطورة الإيديولوجية" قدموا الوعي البشري والحسية البشرية ديةً لصغار مشعوذي ما وراء الحسية والسحر والتنجيم وغير ذلك من ألاعيب الوثنية الجديدة المرتجلة.‏

لقد بتنا نشعر بعواقب هذا كله. وجد إنساننا المعاصر, الذي أضاع الاتجاهات والمتحرر من أي شكل من أشكال الوصاية من جانب السلطة الروحية المعترف بها, نفسَه جريحاً أمام فوضى الحسية المنفلتة إلى حد باتت معه مؤسسات الحضارة المتكونة كلها مهددة بالخراب. بتنا متأكدين من أن الأسطورة الإيجابية الليبرالية المعاصرة حول نهاية الإيديولوجية وانعدام الحاجة إلى السلطة الروحية عموماً هي أخطر وأشد تدميراً من الأسطورة الشيوعية عن انقراض الدولة وإلغاء علاقات السوق.‏

استغل كهنة التعاليم الجديدة الذين لا يعدون ولا يحصون الأساطير الشيوعية في زمنهم, وكذلك فعل الموظفون البيروقراطيون. أما الأساطير الليبرالية المعاصرة فأتت على هوى من ينظمون ممارسات الظل المختلفة ويتذمرون من الدولتية المتينة كما يتذمرون من رقابة الوعي الأخلاقي تماماً.‏

لا يمكن إيقاف ثورة المعاصَرة الإجرامية العظيمة, التي تهدد بنسف أسس الوجود الحضاري ذاتها من غير إعادة بناء سلطة دولة متينة وسلطة روحية لا تقل عنها متانة. الليبراليون المتحولون إلى مجرمين غير قادرين على فعل ذلك من حيث المبدأ. لذلك ليس في المتسع تعليق مثل هذه الآمال إلا على القوميين اليمينيين أو على يساريي المستقبل الراديكاليين.‏

بيد أنه ليس مقدراً لسلطة القومية اليمينية في عصر العولمة أن تنال الشرعية والاعتراف الحقيقي. لا تحظى في عصرنا بالاعتراف والشرعية إلا الفكرة الموجهة لا إلى الأتباع وأبناء القبيلة وحدهم, بل التي تمثل صيغة للخلاص البشري العام. لا يهتم التطرف اليميني إلا بأتباعه ولذلك لا يدرك جدلية الخاص والعام: لا يُلحظ الإنسانيُ العام الشامل في ذلك الخاص الذي يهتم به. لهذا السبب تحديداً خسر القوميون اليمينيون المعارك الإيديولوجية والسياسية العظيمة في عصر الحداثة.‏

لم تصر قط سلطتهم على عقول أبناء القبيلة سلطةً روحية عمومية لها أتباعها في الخارج. لذلك فإن بعث صلاحيات السلطة الروحية الضرورية للإنسانية من أجل رد هجوم اللاأخلاق وانعدام القيم الروحية الآتي على كل شيء لا يمكن أن يكون مرتبطاً إلا بنهوض الحركات الراديكالية الجديدة, التي تهب للدفاع عن المهانين كلهم وعن كل من تركه الداروينيون الاجتماعيون الليبراليون من غير فرص.‏

إن هبة السلطة الروحية الحقيقية - أي القداسة الصارمة والنبوة الملهمة التي تصون وعينا من الجموح ومن التشاؤم الذي يفقدنا الإرادة, لا يمكن أن تكون إلا لدى من بقي لديهم عنفوان مناهضة الظلم والحساسية الأخلاقية, ولدى القادرين على تلبية نداء العدالة والفضيلة المهانة. إن شغف غالبية الكوكب غير المتأقلمة إلى المساواة والعدالة ضروري من أجل الدفاع عن مصالحها الخاصة؛ وهي ضرورية للبشرية كلها من أجل الحؤول دون الانزلاق إلى العدمية الأخلاقية القصوى وسلطة الغريزة. السلطة الروحية أو سلطة الغريزة – هذا هو خيار المستقبل القريب وليس لدى أنصار الليبرالية الحاليين أي فرصة للقيام به.‏

إذ نتناول هذه المسألة من مواقف اجتماعية فإننا نستطيع الحديث عن النخبة المضادة الفكرية المقبلة, التي لن تكون مدعوة فقط للإطاحة بالنخبة الحالية الفاسدة والمنحطة أخلاقياً والمتاجرة بالأفكار كالسلعة, بل للتأكيد أيضاً على صلاحيات السلطة الروحية كسلطة. تعرض النخبة الفكرية الحالية في السوق وصفات تكنولوجية معينة من غير أن تهتم بالأيدي التي ستقع بينها. يدور الحديث في حقيقة الأمر حول أخلاق التكنوقراطيين المتحولة إلى عقيدة عامة لرجال الفكر المعاصرين. لم يعد هذا النمط من رجال الفكر – التقني ومدير الأعمال يمثل منذ زمن طويل السلطة الروحية كسلطة؛ إنه يخدم ببساطة السلطة السياسية والاقتصادية الموجودة. صار الثالوث العظيم الذي ارتبطت به ولادة الحضارات كلها – السلطة الروحية والسياسية والاقتصادية, ينحط أمام أعيننا ليصير أحادي البعد – أي ليصير إلى سلطة اقتصادية شموليه (محرومة من أي موانع وتوازنات) تشتري لنفسها مدراء أعمال سياسيين. لن يكون القادة السياسيون قادرين في الواقع على تعبئة الطاقات السياسية الضرورية للسلطة القوية إلا بالاعتماد على السلطة الروحية المستقلة عن الأولغرشية, أي على أفكار العدالة الاجتماعية الكاريزمية.‏

ومع وجود الحظر الليبرالي المفروض على الكاريزما والحماسة الإيديولوجية لن يكون ممكناً سوى إقامة الديكتاتورية على النمط "البينوشيتي", التي تخدم الأولغرشية المالية وغيرها من الذين لديهم الأسس كلها للخوف من غضب الشعب.‏

سيفضي على هذا النحو حتماً خبوّ أحد فروع السلطة الرئيسية التي دافعت الحضارة بوساطتها عن نفسها ضد الفوضى منذ قديم الأزمنة – أي السلطة الروحية – إلى انحطاط السلطة السياسية مباشرة, وهذا ما نراه اليوم. أما السلطة الاقتصادية المتبقية والمحرومة من التوازنات المفروضة من قبل السلطتين السياسية والروحية فتنحط حتماً إلى شمولية ذات محتوى دارويني اجتماعي, مثقلةٍ بالحقد العنصري تجاه "غير القادرين على التكيف" وغير قادرةٍ على كبح الطمع المدمر لكل شيء. وبما أن الشمولية الاقتصادية باتت تكتسب أمام أعيننا طابعاً عولمياً ساعيةً إلى استغلال "الأطراف العالمية" كلها بحرية تامة (يوفر لها هذه الحرية مذهب "المجتمع المفتوح" الخالي من الحدود والسيادات), فإن نمو الموانع والتوازنات العولمية ضروري وحتمي.‏

يمكننا أن نتخيل مثل هذه الاصطفافات ضمن حدود السلطة الاقتصادية ذاتها – وهذا ما يتماشى عموماً مع الأنموذج القياسي الليبرالي. قد تنشأ, مثلاً, إلى جانب مؤسسات السلطة الاقتصادية العولمية, التي تمثل قوة الولايات المتحدة الأمريكية أو الغرب المتحد عموماً, مؤسسات تمثل منافسي الغرب الاقتصاديين - خصوصاً "النمور" الآسيويين.‏

فقد ظهر بنك التطوير الأسيوي؛ وسيبنى بدوره صندوق النقد الأسيوي الذي سيرتكز على الين باعتباره بديلاً للدولار الأمريكي. هذا هو محتوى ما يسمى "مبادرة تشينغماي", التي توحد دول آسيان مع الثلاثي المجاور لها (اليابان والصين وكوريا الجنوبية). ويمكن أن تنضم روسيا إلى هذا الاتحاد مما سيخفض إلى حد كبير من تبعيتها لصندوق النقد الدولي وغيره من أدوات العالم المركزي الأمريكي.‏

لكن مشكلة المرحلة المعاصرة الحقيقية لا تكمن في إقناع المركزية الاقتصادية الأمريكية بواسطة التوازن الاقتصادي ذاته. تكمن المشكلة في خلاص البشرية من شمولية السلطة الاقتصادية التي حطت من شأنها بما فيه الكفاية لعدم قدرتها على الأخذ بعين الاعتبار مصالح البشرية غير الاقتصادية بما في ذلك أولويات الاستمرار البيئي والأخلاقي.‏

تحتاج البشرية حاجة ماسة إلى السلطة الروحية القوية باعتبارها ثقلاً موازناً للمركزية الاقتصادية المتطرفة. إن مثل هذه السلطة لا يمكن أن تصاغ على أساس "النزعة العملية" الليبرالية الجديدة, المنحطة إلى أنانية غير معقولة وانتصار الغريزة. إن فكرتي الأنانية الفردية المعقولة وغير المعقولة هما من منظور النبوة والإلهام الروحي فكرتان ضعيفتان لا تتمتعان بالكمون اللازم من الحماسة والتعبوية. وحدها التقاليد الدينية الآخروية الموجهة "للفقراء بالروح" والمستائين والمحرومين قادرة على بعث السلطة الروحية القوية على عقول المعاصرين الغارقين في أسى اللاإيمان وعلى قلوبهم. ليست الأفكار الكبرى قادرة على الاضطرام إلا في هالة آمالهم المنتشية.‏

إن الاحتمال الأكبر هو أن مثل هذه الأفكار سوف تولد في المناطق المنبوذة من قبل النظام العالمي الأحدث, والتي توحد غير القادرين على التكيف والبائسين. فكما بعث المسيحيون – منبوذو الإمبراطورية الرومانية غير القادرين على التكيف في وقت ما, كاريزما السلطة الروحية الكبرى فأنقذوا بذلك البشرية من التسمم الروحي بالأبخرة النتنة المتصاعدة من الوثنية الإمبراطورية المنحطة, فإن في مقدور منبوذي عالم القطب الواحد الحاليين أن يبعثوا من جديد السلطة الروحية التي تموت وتتفسخ الإنسانية المعاصرة بسبب من ندرتها.‏

لقد وصَّفنا أعلاه شتى أنواع عملاء العولمة. لقد برزوا جميعهم كمدمرين للوحدات الاجتماعية الضخمة السابقة كرمى لتنظيم "الإنسان العولمي الضئيل". ويعتبر مفهوم الديسبورة المفهوم الرئيسي الشارح لا لدوافع المدمرين وحدها بل لآليات التدمير أيضاً. ينطبق وعي الديسبورة الذاتي الآن مع الوعي الذاتي العولمي لدى "مواطن العالم". إن هذا الوعي الذاتي بأشكاله الراديكالية هو, ولا شك, الأشد تدميراً من بين أنماط الوعي الذاتي غير المنسجمة مع أي شكل من أشكال المسؤولية والواجب والارتباط الاجتماعي الراسخ. لن تستطيع البشرية إذا لم تتغلب على هذا النمط أن تسير على درب ذلك "التطور المنتظم" الذي تم الإعلان عن ضرورته في الندوة العالمية المرموقة في ريو دو جانيرو (1992). والسلاح الرئيسي في النضال ضد هذا التنوع في أشكال العدمية المنتهية هو السلطة الروحية – أي المقدرة على توحيد الناس من خلال أدوات هذه الفكرة الملهمة أو تلك. لهذا السبب تخاف الديسبورة من الأفكار الكبرى وتشهِّر بها على هذا النحو المنهجي. يمكن توبيخ الديسبورة أيضاً بوسائل السلطة السياسية وحدها فقط إذا كانت متسلحة بالإرادة الكافية.‏

لكن الأكثر أهمية هو التغلب على نمط الوعي "المهاجر" المذرر, الممتلىء عزماً على رفض أي واجبات اجتماعية باسم "أخلاق النجاح" الفردي. إن هذا من المنظور الإستراتيجي نمط وعي انتحاري, غير قادر لا على بذل الجهود طويلة الأمد ولا على التعاون الاجتماعي الفاعل. ينتشر نمط الوعي هذا اليوم في ظروف انهيار الأفكار الكبرى السابقة – أي ضعف السلطة الروحية كسلطة. وبعث مثل هذه السلطة هو الهدف الإستراتيجي الذي لن نستطيع, ما لم نصل إليه, أن نوقف تدمير الحضارة على يد عملاء الثورة الإجرامية العظمى وغيرهم من عملاء النجاح الفوري بأي ثمن كان.‏

يعتبر المذلون والمحرومون الأمل والسند الرئيسي في النضال من أجل بعث هذه السلطة. لقد أكدت إيديولوجية الراديكالية اليسارية على دور الأغلبية الكادحة المحرومة باعتبارها معيلة المجتمع. لكن دورها لا يقل أهمية أيضاً باعتبارها حاملة للبدايات التقشفية, التي إذا ما بددناها فإن الفردية اللذوية ستهدد بتقويض الأساس الأخلاقي النفسي لاستمرار حياة البشرية على الأرض. إن التقشف المعبر عنه بالمقدرة على تقييد الذات بانتظام وتحمل المسؤولية والمواظبة في حقبتنا ما بعد التقليدية ممكن فقط ضمن أفق الأهداف الكبيرة والأفكار الكبيرة, و"المشرف" عليها هو السلطة الروحية.‏

ليس ثمة شك في أن مثل هذه السلطة يمكن أن ترتكز إلى مبدأ العمومية – أي خلاص الجميع وليس المختارين, وفتح آفاق كونية جديدة أمام الإنسانية. سوف تكون السلطة الروحية, استناداً إلى تعريفها, راديكاليةً – أي غير ميالة إلى التوافق مع أولئك الذين يشككون بالأولويات الروحية كي يجعلوا الأولويات المادية مطلقةً ويريحون أنفسهم من شتى البدايات المانعة. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار منطق المواجهة مع الدراوينية الاجتماعية الحالية فإن هذه السلطة سوف تبعث "ديمقراطية المساواة" في مقابل "ديمقراطية الحرية" الليبرالية الحالية. إنها ستوحد النخبة الروحية البديلة, التي تمثل كهنة العدالة الاجتماعية والتقشف الجديد, مع النخبة السياسية المؤلفة من مناهضي الاستبداد الجدد, والثوريين ومناصري حرية الشعب. سوف يكون همهم الأوحد جميعاً – هو تحرير السلطة السياسية من وصاية أصحاب عدل النقود – أي الأولغرشية المالية, التي تمثل الاقتصاد الافتراضي الطفيلي.‏

من الممكن جداً, وكما دمر النمط الاقتصادي المركزي السابق السلطتين السياسية والروحية بهدف إطلاق الغريزة الاقتصادية الحرة, أن يزيد الحلف الجديد المعادي للأولغرشية من إجراءات "الدفاع الكافي" ويبدأ يضعِف السلطة الاقتصادية حتى ضمن حدودها الشرعية.‏

تتسم الأسئلة الخاصة الناشئة بهذا الخصوص بأهمية خاصة: بأي الأنماط الأنثروبولوجية والاجتماعية سوف تتمثل "الأممية" الروحية والسياسية البديلة, وما هي الأشكال التنظيمية التي ستتخذها, وما أشكال التعاون الاجتماعي الجديدة التي ستقترحها على المجتمع بدلاً من التذرير الليبرالي الحالي.‏

وربما يكون الأمر الأكثر إمتاعاً هو: بأي وجهة سوف تدفع هذه النخبة العولمية المضادة الجديدة العملية المرتبطة بتشكل المجتمع المعلوماتي؟‏

إذا كان منتجو "الريع العقلي" الافتراضي الحاليين قد اعتكفوا في مجال الحسية المنفلتة ووسائل "الإرضاء الرمزي", فإن النخبة المضادة المقبلة سوف تتبنى على الأرجح معيار أعلى جودة فيزيائية وأخلاقية ممكنة ومعيار الجودة المتلائمة مع "مبدأ الواقعية", وليس مع مبدأ الإرضاء الذاتي.‏

إن حقبة قاسية ومأساوية تنتظرنا في المستقبل. احتاج الباحثون عن السلطة الاقتصادية المتحررة من الرقابة إلى أناس مخنثين, يفضلون الأحلام الافتراضية الزائفة على الواقعية الحياتية. أما الباحثون المقبلون عن السلطة الروحية والسياسية الكافية من أجل تحييد عدم إيماننا ولاإرادتنا, فسيحتاجون إلى أناس من نوع آخر – إلى أناس قادرين على أعلى درجات الانضباط الذاتي والتقشف والتضحية. هؤلاء الناس وحدهم قادرون على أن يبعثوا من جديد أوراسيانا المتجهمة والمقفرة . إن إنسان "المجتمع الاستهلاكي" المتراخي على الطريقة اللذوية غير قادر لا على العيش في أوراسيا الشمالية ولا على أن يحبها وأن يكون وفياً لها. لقد صار في زمننا إلى ذلك المهاجر الداخلي الذي ينتظر الفرصة المناسبة كي يغادرها إلى أماكن متخمة وأكثر دفئاً.‏

لكن هذا النمط الانحطاطي غير قادر على الوجود حتى في غير أوراسيا. إنه, عموماً, غير قادر على التواجد التاريخي المديد على كوكبنا. لذلك ينبغي الإقرار بأن ثورة الأمركة الأنثروبولوجية, التي نوت أن تغرس في كل مكان على الكوكب"النمط الليبرالي" باعتباره النمط السائد, ما هي إلا مغامرة قد باءت بالفشل. فعلى نطاق الكوكب يبدو محكوماً بالفناء نمط المهاجر الليبرالي, الميّال على نحو لامسؤول إلى مغادرة الفضاء, الذي لوثه هو, بحثاً عن أمكنة أفضل.‏

ثمة حاجة إلى نمط شخصية مختلف, متنبه للمسؤولية عن الكوكب. ولبناء مثل هذا النمط ثمة حاجة إلى سلطة روحية وسياسية كبيرة – أي إلى مدرسة التأهيل التقشفي الجديد. وهي كما هو واضح سوف تكون عولمية تحديداً, وبديلة للمركزية الأمريكية "الليبرالية" الحالية. يفترض هذا نقلاً جديداً لمركز العالم السياسي من القارة الأطلنطية إلى أوراسيا. إن جو التقشف هو بالمعنى الجيوسياسي جو قاري مختلف عن جو المحيطات. ففيه وحده يمكن تكوين الإنسان القادر على الوجود الأرضي المديد في عصرنا المثقل بالمشاكل العولمية الحادة. ولكي لا تتهرب البشرية من هذه المشكلات أو تؤجل حلها إلى مستقبل غير محدد فإنها تحتاج إلى السلطة الروحية والسياسية.‏

لن تُخضِع مثل هذه السلطةِ الأولغرشيةَ المتطرفةَ وشتى أنواع أنصار ممارسات الظل فقط. بل إنها مدعوة إلى صد ثأر الغريزة اللذوية في أرواحنا, وإلى إضفاء الصفة الاجتماعية من جديد على الناس الذين فروا من المجتمع سراً بكل ما فيه من شرائع أخلاقية ومدنية ولجأوا إلى غابة الداروينية الاجتماعية. يحتاج ثأر البداية الاجتماعية من الغرائز إلى السلطة الكبيرة. سوف تتمثل قاعدتها الاجتماعية في الفترة الأولى بملايين المذلين والمهانين, الذين لم يجدوا لأنفسهم مكاناً تحت شمس عالم القطب الواحد.‏

لكن قاعدتها السوسيوثقافية أوسع بكثير. يشكل هذه القاعدة كل من اكتفى انحطاطاً ووعى انعدام أفق الوجود الذي لا يستنير بنور الأفكار الأخلاقية الكبيرة.‏

(1) - Eisenstadt S. N. Multiple Modernities in an Age of Globalisation. Jerusalem, The Herber University. 1998.‏

(2( - اللوديتيون - على اسم الصانع نيد لود الذي كان, كما تقول الحكاية, أول من حطم آلة الحياكة الخاصة به احتجاجاً على تعسف رب عمله, واللوديتيون هم المشاركون في الاضطرابات التي حدثت في انكلترا ابتداءاً من الستينات في القرن الثامن عشر وحتى الثلاثينات من القرن التاسع عشر, احتجاجاً على استعمال الآلات وعلى الاستغلال الرأسمالي, وكانوا يدمرون الآلات في أثناء ذلك (المترجم).‏

غيارى الراوي
07-19-2006, 08:36 PM
.






تمَّ .






.